حمل المصحف وورد ومصورا

القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf

Translate

الأحد، 19 أبريل 2026

ومن اول ج16.الي اخر ج35. كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري

 

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35  
=ومن اول ج16.الي اخر ج35. كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري 
 
  قال أبو مخنف : حدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما أراد علي المسير إلى أهل النهر من الأنبار، قدم قيس بن سعد بن عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حتى يأمره بأمره، ثم جاء مقبلاً إليهم، ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفي بالنهر، وبعث إلى أهل النهر: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافٌّ عنكم حتى ألقى أهل الشأم؛ فلعل الله يقلب قلوبكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم. فبعثوا إليه. فقالوا: كلنا قتلتهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، أن قيس بن سعد بن عابدة قال لهم: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم، وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيماً من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلمٌ عظيم، وتسفكون دماء المسلمين، وتعدونهم مشركين! فقال عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر، فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وقال: نشدتكم بالله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني لأرى الفتنة قد غلبت عليكم! وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري؛ فقال: عباد الله، إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غداً. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل. قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب، أن علياً أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال: أيتها العصابة التي أخرجتها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق، وأصبحت في اللبس والخطب العظيم، إني نذيرٌ لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غداً صرعى بأثناء هذا النهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بينة من ربكم، ولا برهان بين. ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم! ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرف بهم منكم، عرفتهم أطفالاً ورجالاً، فهم أهل المكر والغدر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حتى أقررت بأن حكمت، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما، ونحن على أمرنا الأول، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم! قالوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين. فقال علي: أصابكم حاصب، ولابقي منكم وابر! أبعد إيماني برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكفر! لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، ثم انصرف عنهم. قال أبو مخنف: حدثني أبو سلمة الزهري - وكانت أمه بنت أنس ابن مالك - أن علياً قال لأهل النهر: يا هؤلاء، إن أنفسكم قد سولت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ، وأنبأتكم أن القوم سألوكموها مكيدةً ودهناً، فأبيتم علي إباء المخالفين، وعدلتم عني عدول النكداء العاصي، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم؛ وأنتم والله معاشر أخفاء الهام، سفهاء الأحلام، فلم آت - لا أبا لكم - حراماً والله ما خبلتكم عن أموركم، ولا أخفيت شيئاً من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عشوة، ولا دنيت لكم الضراء، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهراً؛ فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه، فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه، وكان الجور هواهما، وقد سبق استثاقنا عليهما في الحكم بالعدل، والصد للحق سوء رأيهما، وجور حكمهما. والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بما لا يعرف؛ فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا؛ إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثم تستعرضوا الناس، تضربون رقابهم، وتسفكون دماءهم! إن هذا لهو الخسران المبين. والله لو قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرامٌ! فتنادوا: لا تخاطبوهم، ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الرب، الرواح الرواح إلى الجنة! فخرج عليٌّ فعبأ الناس، فجعل على ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي - أو مغفل بن قيس الرياحي - وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل - قيس بن سعد بن عبادة. قال: وعبأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي. قال: وبعث علي الأسود بن يزيد المرادي في ألفي فارس، حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلثمائة فارس من خيلهم، ورفع عليٌّ راية أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن؛ ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن؛ إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم. فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي شيء نقاتل علياً! لا أرى إلا أن أنصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو أتباعه. وانصرف في خمسمائة فارس، حتى نزل البندنيجين والدسكرة، وخرجت طائفةٌ أخرى متفرقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى علي منهم نحو من مائة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمائة، وزحفوا إلى علي. وقدم علي الخيل دون الرجال، وصف الناس وراء الخيل صفين، وصف المرامية أمام الصف الأول، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم، فإنهم لو قد شدوا عليكم - وجلهم رجال - لم ينتهوا إليكم إلا لاغبين وأنتم رادون حامون. وأقبلت الخوارج، فلما أن دنوا من الناس نادوا يزيد بن قيس، فكان يزيد بن قيس على إصبهان. فقالوا: يا يزيد بن قيس، لا حكم إلا لله، وإن كرهت إصبهان! فناداهم عباس ابن شريك وقبيصة بن ضبيعة العبسيان: يا أعداء الله، أليس فيكم شريح ابن أوفى المسرف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه! قالوا: وما حجتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثم تنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة! فشدوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدتهم، وافترقت الخيل فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فوالله ما لبثوهم أن أناموهم. ثم إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا، فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المرادي، وجاءتهم الخيل من نحو علي، فأهمدوا في الساعة. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفي، عن حكيم بن سعد، قال: ما هو إلا أن لقينا أهل البصرة، فما لبثناهم، فكأنما قيل لهم: موتوا؛ فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم، وتعظم نكايتهم. قال أبو مخنف: فحدثني أبو جناب؛ أن أبا أيوب أتى علياً، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلت زيد بن حصين، قال: فما قلت له وما قال لك؟ قال: طعنته بالرمح في صدره حتى نجم من ظهره؛ قال: وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار! قال: ستعلم أينا أولى بها صلياً؛ فسكت عليٌّ عليها. قال أبو مخنف، عن أبي جناب: إن علياً قال له: هو أولى لها صلياً. قال: وجاء عائذ بن حملة التميمي، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلت كلاباً، قال: أحسنت! أنت محق قتلت مبطلا. وجاء هانىء بن خطاب الأرحبي وزياد بن خصفة يحتجان في قتل عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعناه برمحينا، فقال علي: لا تختلفا، كلاكما قاتل. وشد جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكناني على حرقوص بن زهير فقتله، وشد عبد الله بن زحر الخولاني على عبد الله بن شجرة السلمي فقتله، ووقع شريح بن أوفى إلى جانب جدار، فقاتل على ثلمة فيه طويلاً من نهار، وكان قتل ثلاثةً من همدان، فأخذ يرتجز ويقول: قد علمت جاريةٌ عبسيه ... ناعمةٌ في أهلها مكفيه أني سأحمي ثلمتي العشيه فشد عليه قيس بن معاوية الدهني فقطع رجله، فجعل يقاتلهم، ويقول: القرم يحمى شوله معقولا ثم شد عليه قيس بن معاوية فقتله، فقال الناس: اقتتلت همدان يوماً ورجل ... اقتتلوا من غدوة حتى الأصل ففتح الله لهمدان الرجل وقال شريح: أضربهم ولو أرى عليا ... ألبسته أبيض مشرفيا قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة، أن علياً خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة، والريان بن صبر ابن هوذة، فوجده الريان بن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطىء النهر في أربعين أو خمسين قتيلاً. قال: فلما استخرج نظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة، له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الأخر، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استخرج قال علي: الله أكبر! والله ما كذبت ولا كذبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصراً في قتالهم، عارفاً للحق الذي نحن عليه. قال: ثم مر وهم صرعى فقال: بؤساً لكم! لقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، من غرهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون. قال: وطلب من به رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل، فأمر بهم علي فدفعوا إلى عشائرهم، وقال: احملوهم معكم فداووهم، فإذا برئوا فوافوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء. قال: وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم رده على أهله. وطلب عدي بن حاتم ابنه طرفة فوجده، فدفنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك. ودفن رجالٌ من الناس قتلاهم، فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك: ارتحلوا إذاً، أتقتلونهم ثم تدفنونهم! فارتحل الناس. قال أبو مخنف عن مجاهد، عن المحل بن خليفة: أن رجلاً منهم من بني سدوس يقال له العيزار بن الأخنس كان يرى رأي الخوارج، خرج إليهم، فاستقبل وراء المدائن عدي بن حاتم ومعه الأسود بن قيس والأسود بن يزيد المراديان، فقال له العيزار حين استقبله: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟ فقال عدي: لا، بل سالمٌ غانم، فقال له المراديان: ما قلت هذا إلا لشر في نفسك، وإنك لنعرفك يا عيزار برأي القوم، فلا تفارقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبره خبرك. فلم يكن بأوشك أن جاء علي فأخبراه خبره، وقالا: يا أمير المؤمنين، إنه يرى رأي القوم، قد عرفناه بذلك، فقالا: ما يحل لنا دمه، ولكنا نحبسه، فقال عدي بن حاتم: يا أمير المؤمنين، ادفعه إلي وأنا أضمن ألا يأتيك من قبله مكروه. فدفعه إليه. قال أبو مخنف: حدثني عمران بن حدير، عن أب مجلز، عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله، أنه لم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة. قال أبو مخنف، عن نمير بن وعلة اليناعي، عن أبي درداء، قال: كان علي لما فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله قد أحسن بكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. قالوا: يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصداً، فارجع إلى مصرنا، فلنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدونا. وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم حتى يسيروا إلى عدوهم، فأقموا فيه أياماً، ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالاً من وجوه الناس قليلاً، وترك العسكر خالياً، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير. قال أبو مخنف عمن ذكره، عن زيد بن وهب: إن علياً قال للناس - وهو أول كلام قاله لهم بعد النهر: أيها الناس، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده. حيارى في الحق، جفاة عن الكتاب، نكبٌ عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويعكسون في غمرة الضلال، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلاً، وكفى بالله نصيراً! قال: فلا هم نفروا ولا تيسروا، فتركهم أياماً حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي ينظرهم، فمنهم المعتل، ومنهم المكرة، وأقلهم من نشط. فقام فيهم خطيباً، فقال: عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذل والهوان من العز! أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسود الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، ما أنتم بركب يصال بكم، ولا ذي عز يعتصم إليه. لعمر الله، لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون ولا تكيدون، وينتقص أطرافكم ولا تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلةٍ ساهون؛ إن أخا الحرب اليقظان ذو عقل، وبات لذل من وادع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب. ثم قال: أما بعد، فإن لي عليكم حقاً، وإن لكم علي حقاً، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا؛ وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم خيراً انتزعتم عما أكره، وتراجعوا إلى ما أحب، تنالوا ما تطلبون، وتدركوا ما تأملون. وكان غير أبي مخنف يقول: كانت الوقعة بين علي وأهل النهر سنة ثمان وثلاثين، وهذا القول عليه أكثر أهل السير. ومما يصححه أيضاً ما حدثني به عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نعيم، قال: حدثني أبو مريم أن شبث بن ربعي وابن الكواء خرجا من الكوفة إلى حروراء، فأمر عليٌّ الناس أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم، فأرسل إليهم: بئس ما صنعتم حين تدخلون المسجد بسلاحكم! اذهبوا إلى جبانة مراد حتى يأتيكم أمري. قال أبو مريم: فانطلقنا إلى جبانة مراد فكنا بها ساعة من نهار، ثم بلغنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: فقلت: أنطلق أنا حتى أنظر إليهم، فانطلقت حتى أتخلل صفوفهم، حتى انتهيت إلى شبث بن ربعي وابن الكواء وهما واقفان متوركان على دابتيهما، وعندهما رسل عليٍّ وهم يناشدونهما الله لما رجعا بالناس! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إلى بعض رسل علي فعقر دابته، فنزل الرجل وهو يسترجع، فحمل سرجه، فانطلق به وهم يقولون: ما طلبنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله، فمكثنا ساعة، ثم انصرفوا إلى الكوفة كأنه يوم فطر أو أضحى. قال: وكان عليٌّ يحدثنا قبل ذلك أن قوماً يخرجون من الإسلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد. قال: وسمعت ذلك منه مراراً كثيرة، قال: وسمعه نافع المخدج أيضاً - حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلي في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل، وقد كنت كسوته برنساً، فلقيته من الغد، فسألته: هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء؟ فقال: خرجت أريدهم حتى إذا بلغت إلى بني سعد، لقيني صبيان فنزعوا سلاحي، وتلعبوا بي، فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر، وسار علي إليهم، فلم أخرج معه وخرج أخي أبو عبد الله. قال: فأخبرني أبو عبد الله أن علياً سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسله تختلف إليهم، حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجده، حتى قال بعضهم: لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشره وقال: يا أمير المؤمنين، قد وجدناه تحت قتيلين في ساقية. فقال: اقطعوا يده المخدجة، وأتوني بها، فلما أتي بها أخذها ثم رفعها، وقال: والله ما كذبت ولا كذبت. قال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه، خرج أهل النهر، أن الحرب التي كانت بين علي وأهل حروراء كانت في السنة التي بعد السنة التي كان فيها إنكار أهل حروراء على علي التحكيم، وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبل، وإذا كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبي مريم، كان معلوماً أن الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين. وذكر علي بن محمد، عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شجيرة، عن جابر، عن الشعبي، قال: بعث عليٌّ بعد ما رجع من صفين جعدة ابن هبيرة المخزومي، وأم جعدة أم هانىء بنت أبي طالب - إلى خراسان، فانتهى إلى أبرشهر وقد كفروا وامتنعوا، فقدم على علي، فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهل مرو. وحج بالناس في هذه السنة - أعني سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس، وكان عامل عليٍّ على اليمن ومخاليفها. وكان على مكة والطائف قثم بن العباس، وعلى المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، وقيل: كان عليها تمام ابن العباس. وكان على البصرة عبد الله بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلى خراسان خليد بن قرة اليربوعي. وقيل: إن علياً لما شخص إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري؛ حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: سمعت ليثاً ذكر عن عبد العزيز بن رفيع، أنه لما خرج علي إلى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو. وأما الشام فكان بها معاوية بن أبي سفيان. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها مقتل محمد بن أبي بكر بمصر، وهو عاملٌ عليها، وقد ذكرنا سبب تولية عليٍّ إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها، ونذكر الآن سبب قتله، وأين قتل؟ وكيف كان أمره؟ ونبدأ بذكرٍ من تتمة حديث الزهري الذي قد ذكرنا أوله قبل، وذلك ما حدثنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: لما حدث قيس بن سعد بمجيء محمد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميراً، تلقاه وخلا به وناجاه، فقال: إنك جئت من عند امرىء لا أرى له، وليس عزلكم إياي بمانعي أن أنصح لكم، وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإني في ذلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمراً وأهل خربتا، فكايدهم به، فإنك إن تكايدهم بغيره تهلك. ووصف قيس ابن سعد المكايدة التي كان يكايدهم بها، واغتشه محمد بن أبي بكر، وخالف كل شيء أمره به. فلما قدم محمد بن أبي بكر وخرج قيس قبل المدينة بعث محمد أهل مصر إلى خربتا، فاقتتلوا، فهزم محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك معاوية وعمراً، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر، وقتلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيز معاوية، حتى ظهر. وقدم قيس بن سعد المدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البختري، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل ركب راحلته، وظهر إلى علي. فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيظ عليهما ويقول: أمددتما علياً بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلي من إخراجكما قيس بن سعد إلى علي. فقدم قيس بن سعد على علي، فلما باثه الحديث، وجاءهم قتل محمد بن أبي بكر، عرف أن قيس بن سعد كان يوازي أموراً عظاماً من المكايدة، وأن من كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصح له. وأما ما قال في ابتداء أمر محمد بن أبي بكر في مصيره إلى مصر وولايته إياها أبو مخنف، فقد تقدم ذكرنا له، ونذكر الآن بقية خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظبيان الهمداني، قال: ولما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبي الذي وجهه إليهم محمد بن أبي بكر، خرج معاوية بن حديج الكندي ثم السكوني، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ علياً وثوب أهل مصر على محمد بن أبي بكر، واعتمادهم إياه، فقال: ما لمصر إلا أحد الرجلين! صاحبنا الذي عزلناه عنها - يعني قيساً - أو مالك بن الحارث - يعني الأشتر. قال: وكان علي حين انصرف من صفين رد الأشتر على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معي على شرطي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذربيجان؛ فإن قيساً مقيم مع علي على شرطته. فلما انقضى أمر الحكومة كتب علي إلى مالك بن الحارث الأشتر، وهو يومئذ بنصيبين: أما بعد، فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد به الثغر المخوف. وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حدث ليس بذي تجربة للحرب، ولا بمجرب للأشياء، فاقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. والسلام. فأقبل مالكٌ إلى عليٍّ حتى دخل عليه، فحدثه حديث أهل مصر، وخبره خبر أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله! فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك. واستعن بالله على ما أهمك، فاخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. قال: فخرج الأشتر من عند علي فأتى رحله، فتهيأ للخروج إلى مصر، وأتت معاوية عيونه، فأخبروه بولاية علي الأشتر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد ابن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: إن الأشتر قد ولي مصر، فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت، فاحتل له بما قدرت عليه. فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار، فقال: هذا منزل، وهذا طعامٌ وعلف، وأنا رجلٌ من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدهقان بعلف وطعام، حتى إذا طعم أتاه بشبة من عسل قد جعل فيها سماً فسقاه إياه، فلما شربها مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم: إن علياً وجه الأشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه. قال: فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوي فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، قطعت إحداهما يوم صفين - يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم - يعني الأشتر. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مولىً للأشتر، قال: لما هلك الأشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الأرض، وضرب الجور بارواقه على البر والفاجر، فلا حق يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه. سلام عليكم، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعادي حذار الدوائر، أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف الله، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد، فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم، وشدة شكيمته على عدوكم، عصمكم الله بالهدى، وثبتكم على اليقين. والسلام. قال: ولما بلغ محمد بن أبي بكر أن علياً قد بعث الأشتر شق عليه، فكتب علي إلى محمد بن أبي بكر عند مهلك الأشتر، وذلك حين بلغه موجدة محمد بن أبي بكر لقدوم الأشتر عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فقد بلغني موجدتك من تسريحي الأشتر إلى عملك، وإني لم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهاد، ولا ازدياداً مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك في المئونة، وأعجب إليك ولايةً منه. إن الرجل الذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحاً، وعلى عدونا شديداً، وقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب. اصبر لعدوك، وشمر للحرب، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله، والاستعانة به، والخوف منه، يكفك ما أهمك، ويعنك على ما ولاك، أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته. والسلام عليك. فكتب إليه محمد بن أبي بكر جواب كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عليٍّ أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله غيره، أما بعد، فإني قد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين، ففهمته وعرفت ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضى مني برأي أمير المؤمنين، ولا أجهد على عدوه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجت فعسكرت، وأمنت الناس إلا من نصب لنا حرباً، وأظهر لنا خلافاً، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه، وملتجىء إليه، وقائمٌ به، والله المستعان على كل حال؛ والسلام عليك. قال أبو مخنف: حدثني أبو جهضم الأزدي - رجل من أهل الشأم - عن عبد الله بن حوالة الأزدي، أن أهل الشأم لما انصرفوا من صفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحكمان، فلما انصرفا وتفرقا بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة، ولم يزدد إلا قوة، واختلف الناس بالعراق على علي، فما كان لمعاوية همٌّ إلا مصر، وكان لأهلها هائباً خائفاً، لقربهم منه، وشدتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان على ذلك علم أن بها قوماً قد ساءهم قتل عثمان، وخالفوا علياً، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي، لعظم خراجها. قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش: عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطاة والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ ومن غيرهم أبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي وحمزة بن مالك الهمداني، وشرحبيل بن السمط الكندي فقال لهم: أتدرون لم دعوتكم؟ إني قد دعوتكم لأمر مهم أحب أن يكون الله قد أعان عليه، فقال القوم كلهم - أو من قال منهم: إن الله لم يطلع على الغيب أحداً، وما يدرينا ما تريد! فقال عمرو بن العاص: أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجها، والكثير عددها وعدد أهلها، أهمك أمرها، فدعوتنا إذاً لتسألنا عن رأينا في ذلك، فإن كنت لذلك دعوتنا، وله جمعتنا، فاعزم وأقدم، ونعم الرأي رأيت! ففي افتتاحها عزك وعز أصحابك، وكبت عدوك، وذل أهل الخلاف عليك. قال له معاوية مجيباً: أهمك يا بن العاص ما أهمك - وذلك لأن عمرو بن العاص كان صالح معاوية حين بايعه على قتال علي بن أبي طالب، على أن له مصر طعمة ما بقي - فأقبل معاوية على أصحابه فقال: إن هذا - يعني عمراً - قد ظن ثم حقق ظنه، قالوا له: لكنا لا ندري؛ قال معاوية: فإن أبا عبد الله قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد الله؛ قال: إن أفضل الظنون ما أشبه اليقين. ثم إن معاوية حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوكم، جاءوكم وهم لا يرون إلا أنهم سيقيضون بيضتكم، ويخربون بلادكم، ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً مما أحبوا، وحاكمناهم إلى الله، فحكم لنا عليهم. ثم جمع لنا كلمتنا، وأصلح ذات بيننا، وجعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر، ويسفك بعضهم دم بعض. والله إني لأرجو أن يتم لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نحاول أهل مصر، فكيف ترون ارتثاءنا لها! فقال عمرو: قد أخبرتك عما سألتني عنه، وقد أشرت عليك بما سمعت؛ فقال معاوية: إن عمراً قد عزم وصرم، ولم يفسر، فكيف لي أن أصنع! قال له عمرو: فإني أشير عليك كيف تصنع، أرى أن تبعث جيشاً كثيفاً، عليهم رجلٌ حازم صارم تأمنه وتثق به، فيأتي مصر حتى يدخلها، فإنه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهره عى من بها من عدونا، فإذا اجتمع بها جندك ومن بها من شيعتك على من بها من أهل حربك، رجوت أن يعين الله بنصرك، ويظهر فلجك. قال له معاوية: هل عندك شيء دون هذا يعمل به فيما بيننا وبينهم؟ قال: ما أعلمه. قال: بلى، فإن غير هذا عندي. أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا، ومن بها من أهل عدونا، فأما شيعتنا فآمرهم بالثبات على أمرهم. ثم أمنيهم قدومنا عليهم. وأما من بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا، ونمنيهم شكرنا، ونخوفهم حربنا، فإن صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا، وإلا كان حربهم من وراء ذلك كله. إنك يابن العاص امرؤ بورك لك في العجلة، وأنا امرءٌ بورك لي في التؤدة؛ قال: فاعلم بما أراك الله، فوالله ما أرى أمرهم وأمرهم يصير إلا إلى الحرب العوان. قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية بن حديج الكندي - وكانا قد خالفا علياً: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله قد ابتعثكما لأمر عظيم أعظم به أجركما، ورفع به ذكركما، وزينكما به في المسلمين؛ طلبكما بدم الخليفة المظلوم، وغضبكما لله إذ ترك حكم الكتاب. وجاهدتما أهل البغي والعدوان. فأبشروا برضوان الله، وعاجل نصر أولياء الله. والمواساة لكما في الدنيا وسلطاننا حتى ينتهي في ذلك ما يرضيكما. ونؤدي به حقكما إلى ما يصير أمركما إليه. فاصبروا وصابروا عدوكما، وادعوا المدبر إلى هداكما وحفظكما، فإن الجيش قد أضل عليكما، فانقشع كل ما تكرهان. وكان كل ما تهويان. والسلام عليكما. وكتب هذا الكتاب وبعث به مع مولً له يقال له سبيع. فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبي بكر أميرها، وقد ناصب هؤلاء الحرب بها، وهو غير متخون بها يوم الإقدام عليه. فدفع كتابه إلى مسلمة بن مخلد وكتاب معاوية بن حديج، فقال مسلمة: امض بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه. ثم القني به حتى أجيبه عني وعنه، فانطلق الرسول بكتاب معاوية بن حديج إليه، فأقرأه إياه، فلما قرأه قال: إن مسلمة ابن مخلد قد أمرني أن أرد إليه الكتاب إذا قرأته لكي يجب معاوية عنك وعنه. قال: قل له فليفعل؛ ودفع إليه الكتاب، فأتاه. ثم كتب مسلمة عن نفسه وعن معاوية بن حديج: أما بعد، فإن هذا الأمر الذي بذلنا له نفسنا، واتبعنا أمر الله فيه، أمرٌ نرجو به ثواب ربنا، والنصر ممن خالفنا، وتعجيل النقمة لمن سعى على إمامنا، وطأطأ الركض في جهادنا، ونحن بهذا الحيز من الأرض قد نفينا من كان به من أهل البغي، وأنهضنا من كان به من أهل القسط والعدل، وقد ذكرت المواساة في سلطانك ودنياك، وبالله إن ذلك لأمرٌ ما له نهضنا، ولا إياه أردنا، فإن يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمنينا، فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين، وقد يؤتيهما الله معاً عالماً من خلقه، كما قال في كتابه، ولا خلف لموعوده، قال: " فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين " ، عجل علينا خيلك ورجلك، فإن عدونا قد كان علينا حرباً، وكنا فيهم قليلاً، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحنا لهم مقرنين، فإن يأتنا الله بمدد من قبلك يفتح الله عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ والسلام عليك. قال: فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين، فدعا النفر الذين سماهم في الكتاب فقال: ماذا ترون؟ قالوا: الرأي أن تبعث جنداً من قبلك، فإنك تفتتحها بإذن الله. قال معاوية: فتجهز يا أبا عبد الله إليها - يعني عمرو بن العاص - قال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودعه وقال له عند وداعه إياه: أوصيك يا عمرو بتقوى الله والرفق فإنه يمن، وبالمهل والتؤدة، فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، وأن تعفو عمن أدبر، فإن قبل فبها ونعمت، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أبلغ في الحجة، وأحسن في العاقبة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، وكل الناس فأول حسناً. قال: فخرج عمرو يسير حتى نزل أداني أرض مصر، فاجتمعت العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد، فتنح عني بدمك يابن أبي بكر، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها، فإني لك من الناصحين؛ والسلام: أما بعد، فإن غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا، ومن التبعة الموبقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحداً كان أعظم على عثمان بغياً، ولا أسوأ له عيباً، ولا أشد عليه خلافاً منك؛ سعيت عليه في الساعين، وسفكت دمه في السافكين، ثم أنت تظن أني عنك نائمٌ أو ناسٍ لك، حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت فيها جاري، وجل أهلها أنصاري، يرون رأيي، ويرقبون قولي، ويستصرخوني عليك. وقد بعثت إليك قوماً حناقاً عليك، يستسقون دمك، ويتقربون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهداً ليمثلن بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك وقطيعتك وعدوك على عثمان يوم يطعن بمشاقصك بين خششائه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثل بقرشي، ولن يسلمك الله من القصاص أبداً أينما كنت. والسلام. قال: فطوى محمد كتابيهما، وبعث بهما إلى علي، وكتب معهما: أما بعد، فإن ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر، واجتمع إليه أهل البلد جلهم ممن كان يرى رأيهم، وقد جاء في جيش لجب خراب، وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل، فإن كان لك في أرض مصر حاجة فأمدني بالرجال والأموال؛ والسلام عليك. فكتب إليه علي: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل بأداني أرض مصر في لجبٍ من جيشه خراب، وإن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروج من يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندك. وذكرت أنك قد رأيت في بعض من قبلك فشلاً، فلا تفشل، وإن فشلوا فحصن قريتك، واضمم إليك شيعتك، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس، فإني نادبٌ إليك الناس على الصعب والذلول، فاصبر لعدوك، وامض على بصيرتك، وقاتلهم على نيتك، وجاهدهم صابراً محتسباً، وإن كانت فئتك أقل الفئتين؛ فإن الله قد يعز القليل، ويخذل الكثير. وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابين في عمل المعصية، والمتوافقين المرتشيين في الحكومة، المنكرين في الدنيا، قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالاً ما شئت؛ والسلام. قال أبو مخنف: فحدثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاري. عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جواب كتابه: أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكرني من أمر عثمان أمراً لا أعتذر إليك منه، وتأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح، وتخوفين المثلة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون لي الدائرة عليكم، فأجتاحكم في الوقعة، وإن تؤتوا النصر ويكن لكم الأمر في الدنيا، فكم لعمري من ظالم قد نصرتم، وكم من مؤمن قتلتم ومثلتم به! وإلى الله مصيركم ومصيرهم، وإلى الله مرد الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون. والسلام. وكتب محمد إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت في كتابك يابن العاص، زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر، وأشهد أنك من المبطلين. وتزعم أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظنين، وتزعم أن أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، وندموا على اتباعي، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبنا الله رب العالمين، وتوكلنا على الله رب العرش العظيم؛ والسلام. قال: أقبل عمرو بن العاص حتى قصد مصر، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أما بعد معاشر المسلمين والمؤمنين، فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة، وينعشون الضلال، ويشبون نار الفتنة، ويتسلطون بالجبرية، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود. عباد الله! فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله؛ انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة ابن بشر. قال: فانتدب معه نحو من ألفي رجل، وخرج محمد في ألفي رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا من كنانة سرح الكتائب كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهل الشام إلا شد عليها بمن معه، فيضربها حتى يقربها لعمرو بن العاص. ففعل ذلك مراراً؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حديج السكوني، فأتاه في مثل الدهم، فأحاط بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشأم عليهم من كل جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه، ونزل أصحابه وكنانة يقول: " وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين " . فضاربهم بسيفه حتى استشهد رحمة الله. وأقبل عمرو بن العاص بنحو محمد بن أبي بكر، وقد تفرق عنه أصحابه لما بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق، فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج في قارع الطريق، فسألهم: هل مر بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حديج: هو هو ورب الكعبة؛ فانطلقوا يركضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشاً؛ فأقبلوا به نحو فسطاط مصر. قال: ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص - وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبراً! ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، " أكفاركم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءةٌ في الزبر " . فقال لهم محمد: اسقوني من الماء، قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبداً! إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائماً محرماً، فتلقاه الله بالرحيق المختوم، والله لأقتلنك بابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق! قال له محمد: يابن اليهودية النساجة، ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله عز وجل يسقي أولياءه، ويظمىء أعداءه؛ أنت وضرباؤك ومن تولاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا؛ قال له معاوية: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار؛ فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فعل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النار التي تحرقني بها ان يجعلها الله علي برداً وسلاماً كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذ وأوليائه، إن الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامك - يعني معاوية، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تلظى عليكم؛ كلما خبت زادها الله سعيراً. قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان؛ قال له محمد: وما أنت وعثمان! إن عثمان عمل بالجور، ونبذ حكم القرآن، وقد قال الله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " ، فنقمنا ذلك عليه فقتلناه، وحسنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكه في إثمه وعظم ذنبه، وجاعلك على مثاله. قال: فغضب معاوية فقدمه فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار؛ فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعاً شديداً، وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، ثم قبضت عيال محمد إليها. فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها. وأما الواقدي فإنه ذكر لي أن سويد بن عبد العزيز حدثه عن ثابت ابن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمرو بن العاص خرج في أربعة آلاف، فيهم معاوية بن حديج، وأبو الأعور السلمي، فالتقوا بالمسناة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلاً، فانهزم، فاختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل عليه معاوية بن حديج، فأحاط به. فخرج محمد فقاتل حتى قتل. قال الواقدي: وكانت المسناة في صفر سنة ثمان وثلاثين، وأذرح في شعبان منها في عام واحد. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر: أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر، فدعوناهم إلى الهدى والسنة وحكم الكتاب، فرفضوا الحق، وتوركوا في الضلال، فجاهدناهم، واستنصرنا الله عليهم، فضرب الله وجوههم وأدبارهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبي بكر وكنانة ابن بشر وأماثل القوم، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك. وفيها قتل محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ذكر الخبر عن مقتله اختلف أهل السير في وقت مقتله؛ فقال الواقدي: قتل في سنة ست وثلاثين. قال: وكان سبب قتله أن معاوية وعمراً سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعين شمس، فعالجا الدخول، فلم يقدرا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العريش، فخرج وخلف الحكم بن الصلت على مصر، فلما خرج محمد بن أبي حذيفة إلى العريش تحصن، وجاء عمرو فنصب المجانيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه، فأخذوا فقتلوا. قال: وذاك قبل أن يبعث عليٌّ إلى مصر قيس بن سعد. وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه ذكر أن محمد بن أبي حذيفة إنما أخذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر ودخل عمرو بن العاص مصر وغلب عليها، وزعم أن عمراً لما دخل هو وأصحابه مصر أصابوا محمد بن أبي حذيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غير كثير، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خال معاوية - فأرى معاوية الناس أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشأم: من يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحب فيما يرون أن ينجو، فقال رجل من خثعم - يقال له عبد الله ابن عمرو بن ظلام. وكان رجلاً شجاعاً. وكان عثمانياً: أنا أطلبه، فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البلقاء بحوران وقد دخل في غارٍ هناك. فجاءت حمرٌ تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمر الرجل في الغار فزعت، فنفرت، فقال حصادون كانوا قريباً من الغار: والله إن لنفر هذه الحمر من الغار لشأناً. فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخرجوا، ويوافقهم عبد الله بن عمرو بن ظلام الخثعمي، فسألهم عنه، ووصفه لهم. فقالوا له: ها هو ذا في الغار؛ قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يرجعه إلى معاوية فيخلي سبيله. فضرب عنقه. قال هشام، عن أبي مخنف: قال: وحدثني الحارث بن كعب بن فقيم، عن جندب، عن عبد الله بن فقيم، عم الحارث بن كعب... يستصرخ من قبل محمد بن أبي بكر إلى علي - ومحمد يومئذ أميرهم - فقام علي في الناس وقد أمر فنودي: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، فحمد الله وأثى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما بعد، فإن هذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله، وولي من عادى الله، فلا يكونن أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعاً منكم على حقكم هذا، فإنهم قد بدءوكم وإخوانكم بالغزو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر. عباد الله، إن مصر أعظم من الشأم، أكثر خيراً، وخيرٌ أهلاً، فلا تغلبوا على مصر، فإن بقاء مصر في أيديكم عزٌّ لكم، وكبتٌ لعدوكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة، فوافوني بها هناك غداً إن شاء الله. قال: فلما كان من الغد خرج يمشي، فنزلها بكرةً، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد؛ فرجع. فلما كان من العشي بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب، فقال: الحمد لله على ما قضى من أمري، وقدر من فعلي، وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بصبركم، والجهاد على حقكم! الموت والذل لكم في هذه الدنيا على غير الحق، فوالله لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرقن بين وبينكم، وأنا لصحبتكم قالٍ؛ وبكم غير ضنين، لله أنتم! لا دين يجمعكم، ولا حيمة تحميكم، إذا أنتم سمعتم بعدوكم يرد بلادكم، ويشن الغارة عليكم. أو ليس عجباً أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة! ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه شاء. وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النهي وبقية الناس - على المعونة وطائفةً منكم على العطاء. فتقومون عني وتعصونني، وتختلفون علي! فقام إليه مالك بن كعب الهمداني ثم الأرحبي، فقال: يا أمير المؤمنين، اندب الناس فإنه لا عطر بعد عروس؛ لمثل هذا اليوم كنت أدخر نفسي، والأجر لا يأتي إلا بالكرة. اتقوا الله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته، وقاتلوا عدوه، أنا أسير إليها بأمير المؤمنين؛ قال: فأمر علي مناديه سعداً، فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب. ثم إنه خرج وخرج معه علي، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل، فقال: سر فوالله ما إخالك تدرك القوم حتى ينقضي أمرهم؛ قال: فخرج بهم، فسار خمساً. ثم إن الحجاج بن غزية الأنصاري، ثم النجاري قدم على علي من مصر، وقدم عبد الرحمن بن شبيبٍ الفزاري، فأما الفزاري فكان عينه بالشأم، وأما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدثه الأنصاري بما رأى وعاين وبهلاك محمد، وحدثه الفزاري أنه لم يخرج من الشأم حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى، يتبع بعضها بعضاً بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر، وحتى أذن بقتله على المنبر، وقال: يا أمير المؤمنين، قلما رأيت قوماً قط أسر، ولا سروراً قط أظهر من سرور رأيته بالشأم حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر. فقال علي: أما إن حزننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافاً. قال: وسرح عليٌّ عبد الرحمن بن شريح الشبامي إلى مالك بن كعب، فرده من الطريق. قال: وحزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رئي ذلك في وجهه، وتبين فيه، وقام في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفجرة أولو الجور والظلم الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجا. ألا وإن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه الله، فعند الله نحتسبه. أما والله إن كان ما علمت لممن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمقاساة الحر لجد خبير، وإني لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلناً، وأناديكم نداء المستغيث معرباً، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمراً، حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقض بكم الأوتار؛ دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلةً فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متذانب كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. فأفٍّ لكم! ثم نزل. وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبصرة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، سلامٌ عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندخره، وقد كنت قمت في الناس في بدئه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سراً وجهراً، وعوداً وبدءاً، فمنهم من أتى كارهاً، ومنهم من اعتل كاذباً، ومنهم القاعد حالا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجاً ومخرجاً، وأن يريحني منهم عاجلاً. والله لولا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يوماً واحاً. عزم الله لنا ولك على الرشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كل شيء قدير. والسلام. فكتب إليه ابن عباس: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لعبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، من عبد الله بن عباس. سلامٌ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر، وهلاك محمد بن أبي بكر، فالله المستعان على كل حال، ورحم الله محمد بن أبي بكر وآجرك يا أمير المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجاً ومخرجاً، وأن يعزك بالملائكة عاجلاً بالنصرة، فإن الله صانعٌ لك ذلك، ومعزك ومجيب دعوتك، وكابتٌ عدوك. أخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تثاقلوا ثم ينشطون، فارفق بهم يا أمير المؤمنين، وداجنهم ومنهم، واستعن بالله عليهم، كفاك الله ألمهم. والسلام. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مالك بن الحور، أن علياً قال: رحم الله محمداً! كان غلاماً حدثاً، أما والله لقد كنت على أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر، أما والله لو أنه وليها ما خلى لعمرو بن العاص وأعوانه الفجرة العرصة، ولما قتل إلا وسيفه في يده، لا بلا دمٍ كمحمد. فرحم الله محمداً، فقد اجتهد نفسه، وقضى ما عليه. وفي هذه السنة وجه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبد الله بن عمرو ابن الحضرمي إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحكم عمرو بن العاص فيه. وفيها قتل أعين بن ضبيعة المجاشعي، وكان عليٌّ وجهه لإخراج ابن الحضرمي من البصرة. ذكر الخبر عن أمر ابن الحضرمي وزايد وأعين وسبب قتل من قتل منهم حدثني عمر بن شبة، قال: ححدثني علي بن محمد، قال: حدثنا أبو الذيال، عن أبي نعامة، قال: لما قتل محمد بن أبي بكر بمصر، خرج ابن عباس من البصرة إلى عليٍّ بالكوفة، واستخلف زياداً، وقدم ابن الحضرمي من قبل معاوية، فنزل في بني تميم، فأرسل زياد إلى حضين بن المنذر ومالك بن مسمع، فقال: أنتم يا معشر بكر بن وائل من أنصار أمير المؤمنين وثقاته، وقد نزل ابن الحضرمي حيث ترون، وأتاه من أتاه، فامنعوني حتى يأتيني رأي أمير المؤمنين. فقال حضين: نعم، وقال مالك - وكان رأيه مائلاً إلى بني أمية، وكان مروان لجأ إليه يوم الجمل: هذا أمرٌ لي فيه شركاء، أستشير وأنظر. فلما رأى زياد تثاقل مالك خاف أن تختلف ربيعة، فأرسل إلى نافع أن أشر علي، فأشار عليه نافع بصبرة بن شيمان الحداني، فأرسل إليه زياد، فقال: ألا تجيرني! وبيت مال المسلمين فإنه فيئكم، وأنا أمين أمير المؤمنين. قال: بلى إن حملته إلي ونزلت داري. قال: فإني حامله، فحمله، وخرج زياد حتى أتى الحدان، ونزل في دار صبرة بن شيمان، وحول بيت المال والمنبر، فوضعه في مسجد الحدان، وتحول مع زياد خمسون رجلاً، منهم أبو أبي حاضر - وكان زياد يصلي الجمعة في مسجد الحدان، ويطعم الطعام - فقال زياد لجابر بن وهب الراسبي: يا أبا محمد، إني لا أرى ابن الحضرمي يكف، لا أراه إلا سيقاتلكم، ولا أدري ما عند أصحابك فآمرهم، وانظر ما عندهم. فلما صلى زياد جلس في المسجد، واجتمع الناس إليه، فقال جابر: يا معشر الأزد، تميم تزعم أنهم هم الناس، وأنهم أصبر منكم عند البأس، وقد بلغني أنهم يريدون أن يسيروا إليكم حتى يأخذوا جاركم، ويخرجوه من المصر قسراً، فكيف أنتم إذا فعلوا ذلك وقد أجرتموه وبيت مال المسلمين! فقال صبرة بن شيمان - وكان مفخماً: إن جاء الأحنف جئت، وإن جاء الحتات جئت، وإن جاء شبان ففينا شبان. فكان زياد يقول: إنني استضحكت ونهضت، وما كدت مكيدةً قط كنت إلى الفضيحة بها أقرب مني للفضيحة يومئذ؛ لما غلبني من الضحك. قال: ثم كتب زياد إلى علي: إن ابن الحضرمي أقبل من الشأم فنزل في دار بني تميم، ونعى عثمان، ودعا إلى الحرب، وبايعته تميم وجل أهل البصرة، ولم يبق معي من أمتنع به، فاستجرت لنفسي ولبيت المال صبرة بن شيمان، وتحولت فنزلت معهم، فشيعة عثمان يختلفون إلى ابن الحضرمي، وفجه علي أعين بن ضبيعة المجاشعي ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فانظر ما يكون منه، فإن فرق جمع ابن الحضرمي فذلك ما تريد، وإن ترقت بهم الأمور إلى التمادي في العصيان فانهض إليهم فجاهدهم، فإن رأيت ممن قبلك تثاقلاً، وخفت ألا تبلغ ما تريد، فدارهم وطاولهم، ثم تسمع وأبصر، فكأن جنود الله قد أظلتك، تقتل الظالمين. فقدم أعين فأتى زياداً، فنزل عنده، ثم أتى قومه، وجمع رجالاً ونهض إلى ابن الحضرمي، فدعاهم، فشتموه وناوشوه، فانصرف عنهم، ودخل عليه قوم فقتلوه، فلما قتل أعين ابن ضبيعة، أراد زياد قتالهم، فأرسلت بنو تميم إلى الأزد: إنا لم نعرض لجاركم، ولا لأحد من أصحابه، فماذا تريدون إلى جارنا وحربنا! فكرهت الأزد القتال، وقالوا: إن عرضوا لجارنا منعناهم، وإن يكفوا عن جارنا كففنا عن جارهم. فأمسكوا. وكتب زيادٌ إلى علي: أن أعين بن ضبيعة قدم فجمع من أطاعه من عشيرته، ثم نهض بهم بجد وصدق نية إلى ابن الحضرمي، فحثهم على الطاعة، ودعاهم إلى الكف والرجوع عن شقاقهم، ووافقتهم عامة قوم، فهالهم ذلك، وتصدع عنهم كثير ممن كان معهم، يمنيهم نصرته، وكانت بينهم مناوشة. ثم انصرف إلى أهله، فدخلوا عليه فاغتالوه فأصيب، رحم الله أعين! فأردت قتالهم عند ذلك، فلم يخف معي من أقوى به عليهم، وتراسل الحيان، فأمسك بعضهم عن بعض. فلما قرأ عليٌّ كتابه دعا جارية بن قدامة السعدي، فوجهه في خمسين رجلاً من بني تميم، وبعث معه شريك بن الأعور - ويقال بعث جارية خمسمائة رجل - وكتب إلى زياد كتاباً يصوب رأيه فيما صنع، وأمره بمعونة جارية ابن قدامة والإشارة عليه، فقدم جارية البصرة، فأتى زياداً فقال له: احتفز واحذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك، ولا تثقن بأحد من القوم. فسار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علي، ووعدهم، فأجابه أكثرهم، فسار إلى ابن الحضرمي فحصره في دار سنبيل، ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه، وكان معه سبعون رجلاً - ويقال أربعون - وتفرق الناس، ورجع زياد إلى دار الإمارة، وكتب إلى علي مع ظبيان بن عمارة، وكان ممن قدم مع جارية.............. وأن جارية قدم علينا فسار إلى ابن الحضرمي فقتله حتى اضطره إلى دار من دور بني تميم، في عدة رجال من أصحابه بعد الإعذار والإنذار، والدعاء إلى الطاعة، فلم ينيبوا ولم يرجعوا، فأضرم عليهم الدار فأحرقهم فيها، وهدمت عليهم، فبعداً لمن طغى وعصى! فقال عمرو بن العرندس العودي: رددنا زياداً إلى داره ... وجار تميمٍ دخاناً ذهب لحى الله قوماً شووا جارهم ... وللشاء بالدرهمين الشصب ينادي الخناق وخمانها ... وقد سمطوا رأسه باللهب ونحن أناسٌ لنا عادةٌ ... نحامي عن الجار أن يغتصب حميناه إذ حل أبياتنا ... ولا يمنع الجار إلا الحسب ولم يعرفوا حرمةً للجوا ... ر إذ أعظم الجار قومٌ نجب كفعلهم قبلنا بالزبير ... عشية إذ بزه يستلب وقال جرير بن عطية بن الخطفي: غدرتم بالزبير فما وفيتم ... وفاء الأزد إذ منعوا زيادا فأصبح جارهم بنجاة عزٍّ ... وجار مجاشعٍ أمسى رمادا فلو عاقدت حبل أبي سعيدٍ ... لذاد القوم ما حمل النجادا وأدنى الخيل من رهج المنايا ... وأغشاها الأسنة والصعادا الخريت بن راشد وإظهاره الخلاف على علي ومما كان في هذه السنة - أعني سنة ثمان وثلاثين - إظهار الخريت بن راشد في بني ناجية الخلاف على علي وفراقه إياه؛ كالذي ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن الحارث الأزدي، عن عمه عبد الله بن فقيم، قال: جاء الخريت بن راشد إلى علي - وكان مع الخريت ثلثمائة رجل من بني ناجية مقيمين مع علي بالكوفة، قدموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفين والنهروان - فجاء إلى علي في ثلاثين راكباً من أصحابه يسير بينهم حتى قام بين يدي علي، فقال له: والله يا علي لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وإني غداً لمفارقك. وذلك بعد تحكيم الحكمين. فقال له علي: ثكلتك أمك! إذاً تعصي ربك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك. خبرني لم تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكمت في الكتاب، وضعفت عن الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك زارٍ، وعليهم ناقم، ولكم جميعاً مباين. فقال له علي: هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك في السنن، وأفاتحك أموراً من الحق أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر، وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل. قال: فإني عائد إليك؛ قال: لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهل، ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد. فخرج من عنده منصرفاً إلى أهله، فعجلت في أثره مسرعاً. وكان لي من بني عمه صديق، فأدرت أن ألقى ابن عمه ذلك فأعلمه بشأنه، ويأمره بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته، ويخبره أن ذلك خير له في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فخرجت حتى انتهيت إلى منزله وقد سبقني، فقمت عند باب داره، وفي داره رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على علي. قال: فوالله ما جزم شيئاً مما قال، ومما رد عليه، ثم قال لهم: يا هؤلاء، إني قد رأيت أن أفارق هذا الرجل، وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ولا أراني إلا مفارقه من غد. فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتى تأتيه، فإن أتاك بأمرٍ تعرفه قبلت منه، وإن كانت الأخرى فما أقدرك على فراقه. فقال لهم: فنعم ما رأيتم. قال: ثم إني استأذنت عليه، فأذنوا لي، فدخلت فقلت: أنشدك الله أن تفارق أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين، وأن تجعل على نفسك سبيلاً، وأن تقتل من أرى عشيرتك! إن علياً ليعلي الحق. قال: فأنا أغدو إليه فأسمع منه حجته، وأنظر ما يعرض علي به ويذكر، فإن رأيت حقاً ورشداً قبلت، وإن رأيت غياً وجوراً تركت. قال: فخلوت بابن عمه ذلك - قال: وكان أحد نفره الأدنين، وهو مدرك بن الريان، وكان من رجال العرب - فقلت له: إن لك علي حقاً لإخائك وودك ذلك علي بعد حق المسلم على المسلم. إن ابن عمك كان منه ماقد ذكر لك، فأجد به، فاردد عليه رأيه، وعظم عليه ما أتى، فإني خائف إن فارق أمير المؤمنين أن يقتله نفسه وعشيرته. فقال: جزاك الله خيراً من أخ! فقد نصحت وأشفقت، إن أراد صاحبي فراق أمير المؤمنين فارقته وخالفته، وكنت أشد الناس عليه. وأنا بعد فإني خالٍ به، ومشيرٌ عليه بطاعة أمير المؤمنين ومناصحته والإقامة معه، وفي ذلك حظه ورشده. فقمت من عنده، وأردت الرجوع إلى أمير المؤمنين لأعلمه بالذي كان، ثم اطمأننت إلى قول صاحبي، فرجعت إلى منزلي فبت به ثم أصبحت، فلما ارتفع الضحى أتيت أمير المؤمنين، فجلست عنده ساعةً وأنا أريد أن أحدثه بالذي كان من قوله لي على خلوة، فأطلت الجلوس، فلم يزدد الناس إلا كثرةً، فدنوت منه، فجلست وراءه، فأصغى إلي بأذنيه، فخبرته بما سمعت من الخريت بن راشد، وبما قلت له، وبما رد علي. وبما كان من مقالتي لابن عمه، وبما رد علي، فقال: دعه، فإن عرف الحق وأقبل إليه عرفنا ذلك وقبلنا منه، وإن أبى طلبناه. فقلت: يا أمير المؤمنين، ولم لا تأخذه الآن وتستوثق منه وتحبسه؟ فقال: إنا لو فعلنا هذا بكل من نتهمه من الناس ملأنا سجننا منهم، ولا أراه - يعني الوثوب على الناس والحبس والعقوبة - حتى يظهروا لنا الخلاف. قال: فسكت عنه، وتنحيت، فجلست مع القوم. ثم مكث ما شاء الله. ثم إنه قال: ادن مني؛ فدنوت منه، فقال لي مسراً: اذهب إلى منزل الرجل فاعلم لي ما فعل، فإنه كل يوم لم يكن يأتيني فيه إلا قبل هذه الساعة. فأتيت منزله، فإذا ليس في منزله منهم ديار، فدعوت على أبواب دور أخر كان فيها طائفة من أصحابه، فإذا ليس فيها داعٍ ولا مجيب، فرجعت. فقال لي حين رآني: وطنوا فأمنوا، أم جنبوا فظعنوا! فقلت: بل ظعنوا فأعلنوا، فقال: قد فعلوها! بعداً لهم كما بعدت ثمود! أما لو قد أشرعت لهم الأسنة وصببت على هامهم السيوف، لقد ندموا. إن الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلهم، وهو غداً متبرىء منهم، ومخلٍّ عنهم. فقام إليه زياد بن خصفة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء إلا فراقهم إيانا لم يعظم فقدهم فنأسى عليهم، فإنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعةً كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك إن شاء الله. فقال له علي: وهل تدري أن توجه القوم؟ فقال: لا، ولكني أخرج فأسأل وأتبع الأثر. فقال له: اخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى، ثم لا تتوجه حتى يأتيك أمري، فإنهم إن كانوا خرجوا ظاهرين للناس في جماعة، فإن عمالي ستكتب إلي بذلك، وإن كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عمالي فيهم. فكتب نسخةً واحدةً فأخرجها إلى العمال: أما بعد، فإن رجالاً خرجوا هراباً ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة، فسل عنهم أهل بلادك، واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك، واكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم؛ والسلام. فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره، وجمع أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر بكر بن وائل، فإن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أمره مهم له، وأمرني بالانكماش فيه، وأنتم شيعته وأنصاره، وأوثق حيٍّ من الأحياء في نفسه، فانتدبوا معي الساعة، واعجلوا. قال: فوالله ما كان إلا ساعةً حتى اجتمع له منهم مائة وعشرون رجلاً أو ثلاثون؛ فقال: اكتفينا، لا نريد أكثر من هذا، فخرجوا حتى قطعوا الجسر، ثم دير أبي موسى، فنزله، فأقام فيه بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت الأعور التيمي، عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل التيمي، قال: والله إني لعند أمير المؤمنين إذ جاءه فيج، كتابٌ بيديه، من قبل قرظة بن كعب الأنصاري: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلاً مرت بنا من قبل الكوفة متوجهةً نحو نفر، وإن رجلاً من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له: زاذان فروخ، أقبل من قبل أخواله بناحية نفر، فعرضوا له، فقالوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، قالوا: فما قولك في علي؟ قال: أقول فيه خيراً، أقول: إنه أمير المؤمنين، وسيد البشر، فقالوا له: كفرت يا عدو الله! ثم حملت عليه عصابةٌ منهم فقطعوه، ووجدوا معه رجلاً من أهل الذمة، فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذمة، قالوا: أما هذا فلا سبيل عليه، فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا هذا الخبر، وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحدٌ عنهم بشيء، فليكتب إلي أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه. والسلام. فكتب إليه: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت من العصابة التي مرت بك فقتلت البر المسلم، وأمن عندهم المخالف الكافر، وإن أولئك قومٌ استهواهم الشيطان فضلوا وكانوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنةٌ فعموا وصموا، فأسمع بهم وابصر يوم تخبر أعمالهم. والزم عملك، وأقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك؛ والسلام. قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور التيمي عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وأل، قال: كتب عليٌّ رضي الله عنه معي كتاباً إلى زياد بن خصفة، وأنا يومئذ شاب حدث: أما بعد، فإني كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري وذلك لأني لم أكن علمت إلى أي وجه توجه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية يقال لها نفر، فاتقع آثارهم، وسل عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلاً من أهل السواد مصلياً، فإذا أنت لحقتهم فارددهم إلي، فإن أبوا فناجزهم، واستعن بالله عليهم، فإنهم قد فارقوا الحق، وسفكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل. والسلام. قال: فأخذت الكتاب منه، فمضيت به غير بعيد، ثم رجعت به، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أمضي مع زياد بن خصفة إذا دفعت إليه كتابك إلى عدوك؟ فقال: يابن أخي، افعل، فوالله إني أرجو أن تكون من أعواني على الحق، وأنصاري على القوم الظالمين؛ فقلت له: أنا والله يا أمير المؤمنين كذلك ومن أولئك، وإنا حيث تحب. قال ابن وأل: فوالله ما أحب أن لي بمقالة علي تلك حمر النعم. قال: ثم مضيت إلى زياد بن خصفة بكتاب عليٍّ وأنا على فرس لي رائع كريم، وعلي السلاح، فقال لي زياد: يابن أخي، والله ما لي عنك من غناء، وإني لأحب أن تكون معي في وجهي هذا؛ فقلت له: قد استأذنت في ذلك أمير المؤمنين فأذن لي، فسر بذلك. قال: ثم خرجنا حتى أتينا نفر، فسألنا عنهم، فقيل لنا: قد ارتفعوا نحو جرجرايا، فاتبعناهم، فقيل لنا: قد أخذوا نحو المذا، فلحقناهم وهم نزول بالمذار، وقد أقاموا به يوماً وليلة، وقد استراحوا وأعلفوا وهم جامون، فأتيناهم وقد تقطعنا ولغبنا وشقينا ونصبنا، فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها، وجئنا حتى انتهينا إليهم، فواقفناهم، ونادانا صاحبهم الخريت بن راشد: يا عميان القلوب والأبصار، أمع الله أنتم وكتابه وسنة نبيه، أم مع الظالمين؟ فقال له زياد بن خصفة: بل نحن مع الله ومن الله وكتابه ورسوله آثر عنده ثواباً من الدنيا منذ خلقت إلى يوم تفنى، أيها العمي الأبصار، الصم القلوب والأسماع. فقال لنا: أخبروني ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجرباً رفيقاً: قد ترى ما بنا من اللغوب والسغوب، والذي جئنا له لا يصلحه الكلام علانيةً على رءوس أصحابي وأصحابك، ولكن أنزل وتنزل، ثم نخلو جميعاً فنتذاكر أمرنا هذا جميعاً وننظر، فإن رأيت ما جئناك فيه حظاً لنفسك قبلته، وإن رأيت فيما أسمعه منك أمراً أرجو فيه العافية لنا ولك لم أردده عليك. قال: فانزل بنا؛ قال: فأقبل إلينا زياد فقال: انزلوا بنا على هذا الماء؛ قال: فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى الماء، نزلناه فما هو إلا أن نزلنا فتفرقنا، ثم تحلقنا من عشرة وتسعة وثمانية وسبعة. يضعون طعامهم بين أيديهم فيأكلون، ثم يقومون إلى ذلك الماء فيشربون. وقال لنا زياد: علقوا على خيولكم، فعلقنا عليها مخاليها، ووقف زياد بيننا وبين القوم، وانطلق القوم فتنحوا ناحية، ثم نزلوا، وأقبل إلينا زياد، فلما رأى تفرقنا وتحلقنا قال: سبحان الله، أنتم أهل حرب؟ والله لو أن هؤلاء جاءوكم الساعة على هذه الحال ما أرادوا من غيركم أفضل من حالكم التي أنتم عليها. اعجلوا، قوموا إلى خيلكم، فأسرعنا، فتحشحشنا فمنا من ينتفض، ثم يتوضأ، ومنا من يشرب، ومنا من يسقي فرسه، حتى إذا فرغنا من ذلك كله، أتانا زياد وفي يده عرق ينهشه، فنهش منه نهشتين أو ثلاثاً، وأتى بأداوة فيها ماءٌ، فشرب منه، ثم ألقى العرق من يده. ثم قال: يا هؤلاء، إنا قد لقينا القوم، ووالله إن عدتكم كعدتهم، ولقد حزرتكم وإياهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر بخمسة نفر، وإني والله ما أرى أمرهم وأمركم إلا يرجع إلى القتال، فإن كان إلى ذلك ما يصير بكم وبهم الأمور فلا تكونوا أعجز الفريقين. ثم قال لنا: ليأخذ كل امرىء منكم بعنان فرسه حتى أدنو منهم، وادعوا إلي صاحبهم فأكلمه، فإن بايعتني على ما أريد وإلا فإذا دعوتكم فاستووا على متون الخيل، ثم أقبلوا إلي معاً غير متفرقين. قال: فاستقدم أمامنا وأنا معه، فأسمع رجلاً من القوم يقول: جاءكم القوم وهم كالون معيون، وأنتم جامون مستريحون، فتركتموهم حتى نزلوا وأكلوا وشربوا واستراحوا؛ هذا والله سوء الرأي! والله لا يرجع الأمر بكم وبهم إلا إلى القتال. فسكتوا، وانتهينا إليهم، فدعا زياد بن خصفة صاحبهم، فقال: اعتزل بنا فلننظر في أمرنا هذا، فوالله لقد أقبل إلي زياد في خمسة، فقلت لزياد: ادع ثلاثةً من أصحابنا حتى نلقاهم في عدتهم؛ فقال لي: ادع من أحببت منهم، فدعوت من أصحابنا ثلاثاً، فكنا خمسةً وخمسةً. فقال له زياد: ما الذي نقمت على أمير المؤمنين وعلينا إذ فارقتنا؟ فقال: لم أرض صاحبكم إماماً، ولم أرض سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى من الناس، فإذا اجتمع الناس على رجل لجميع الأمة رضاً كنت مع الناس. فقال له زياد: ويحك! وهل يجتمع الناس على رجلٍ منهم يداني صاحبك الذي فارقته علماً بالله وبسنن الله وكتابه، مع قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم وسابقته في الإسلام! فقال له: ذلك ما أقول لك؛ فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلته، إنما قتلته طائفةٌ من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا؛ قال: ما إلى ذلك سبيل؛ قال: كذلك أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع؛ قال: فدعونا أصحابنا ودعا أصحابه، ثم أقبلنا؛ فوالله ما رأينا قتالاً مثله منذ خلقني ربي، قال: اطعنا والله بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح، ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت وعقر عامة خيلنا وخيلهم، وكثرت الجراح فيما بيننا وبينهم، وقتل منا رجلان: مولى زياد كانت معه رايته يدعى سويداً، ورجلٌ من الأبناء يدعى وافد بن بكر، وصرعنا منهم خمسةً، وجاء الليل يحجز بيننا وبينهم، وقد والله كرهونا وكرهناهم، وقد جرح زياد وجرحت. قال: ثم إن القوم تنحوا وبتنا في جانب، فمكثوا ساعةً من الليل، ثم إنهم ذهبوا واتبعناهم حتى أتينا البصرة، وبلغنا أنهم أتوا الأهواز، فنزلوا بجانب منها، وتلاحق بهم أناس من أصحابهم نحو من مائتين كانوا معهم بالكوفة، ولم يكن لهم من القوة ما ينهضهم معهم حتى نهضوا فاتبعوهم فلحقوهم بأرض الأهواز، فأقاموا معهم. وكتب زياد بن خصفة إلى علي: أما بعد، فإنا لقينا عدو الله الناجي بالمذار، فدعوناهم إلى الهدى والحق وإلى كلمة السواء، فلم ينزلوا على الحق، وأخذتهم العزة بالإثم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فقصدوا لنا، وصمدنا صمدهم، فاقتتلنا قتالاً شديداً ما بين قائم الظهيرة إلى دلوك الشمس، فاستشهد منا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسة نفر، وخلوا لنا المعركة، وقد فشت فينا وفيهم الجراح. ثم إن القوم لما لبسهم الليل خرجوا من تحته متنكبين إلى أرض الأهواز، فبلغنا أنهم نزلوا منها جانباً ونحن بالبصرة نداوي جراحنا، وننتظر أمرك رحمك الله؛ والسلام عليك. فلما أتيته بكتابه قرأه على الناس، فقام إليه معقل بن قيس، فقال: أصلحك الله يا أمير المؤمنين! إنما كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل رجل منهم عشرة من المسلمين، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم أعدادهم فلعمري ليصبرن لهم، هم قومٌ عرب، والعدة تصبر للعدة، وتنتصف منها. فقال: تجهز يا معقل بن قيس إليهم. وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن المغفل الأزدي. وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فابعث رجلاً من قبلك صليباً شجاعاً معروفاً بالصلاح في ألفي رجل، فليتبع معقلاً، فإذا مر ببلاد البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلاً، فإذا لقي معقلاً فمعقلٌ أمير الفريقين، وليسمع من معقل وليطعه، ولا يخالفه، ومر زياد بن خصفة فليقبل، فنعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله! قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور، عن أبي سعيد العقيلي، قال: كتب علي إلى زياد بن خصفة: أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت من أمر الناجي وإخوانه الذين طبع الله على قلوبهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فهم يعمهون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ووصفت ما بلغ بك وبهم الأمر، فأما أنت وأصحابك فلله سعيكم، وعلى الله تعالى جزاؤكم! فأبشر بثواب الله خيرٌ من الدنيا التي يقتل الجهال أنفسهم عليها، فإن ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. وأما عدوكم الذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال، وارتكابهم فيه، وردهم الحق، ولجاجهم في الفتنة، فذرهم وما يفترون، ودعهم في طغيانهم يعمهون، فتسمع وتبصر، كأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل. أقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين، فقد أطعتم وسمعتم، وأحسنتم البلاء؛ والسلام. ونزل الناجي جانباً من الأهواز، واجتمع إليه علوجٌ من أهلها كثير أرادوا كسر الخراج، ولصوصٌ كثيرة، وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو احسن، عن علي بن مجاهد، قال: قال الشعبي: لما قتل عليٌّ رضي الله عنه أهل النهروان، خالفه قوم كثير، وانتقضت عليه أطرافه، وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي البصرة، وانتقض أهل الأهواز، وطمع أهل الخراج في كسره، ثم أخرجوا سهل بن حنيف من فارس، وكان عامل عليٍّ عليها، فقال ابن عباس لعلي: أكفيك فارس بزياد، فأمره عليٌّ أن يوجهه إليها، فقدم ابن عباس البصرة، ووجهه إلى فارس في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، فأدوا الخراج. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم الأزدي، قال: كنت أنا وأخي كعب في ذلك الجيش مع معقل بن قيس، فلما أراد الخروج أقبل إلى علي فودعه فقال: يا معقل، اتق الله ما استطعت، فإنها وصية الله للمؤمنين. لا تبغ على أهل القبلة، ولا تظلم أهل الذمة، ولا تتكبر فإن الله لا يحب المتكبرين. فقال: الله المستعان؛ فقال له علي: خير مستعان؛ قال: فخرج وخرجنا معه حتى نزلنا الأهواز، فأقمنا ننتظر أهل البصرة، وقد ابطئوا علينا، فقام فينا معقل بن قيس فقال: يأيها الناس، إنا قد انتظرنا أهل البصرة، وقد أبطئوا علينا، وليس بحمد الله بنا قلةٌ ولا وحشة إلى الناس، فسيروا بنا إلى هذا العدو القليل الذليل، فإني أرجو أن ينصركم الله وأن يهلكهم. قال: فقام إليه أخي كعب بن فقيم، فقال: أصبت - أرشدك الله - رأيك! فوالله إني لأرجو أن ينصرنا الله عليهم، وإن كانت الأخرى فإن في الموت على الحق تعزيةً عن الدنيا. فقال: سيروا على بركة الله؛ قال: فسرنا ووالله ما زال معقل لي مكرماً واداً، ما يعدل بي من الجند أحداً؛ قال ولا يزال يقول: وكيف قلت: إن في الموت على الحق تعزية عن الدنيا؟ صدقت والله وأحسنت ووفقت! فوالله ما سرنا يوماً حتى أدركنا فيج يشتد بصحيفة في يده من عند عبد الله بن عباس: أما بعد، فإن أدركك رسولي بالمكان الذي كنت فيه مقيماً، أو أدركك وقد شخصت منه، فلا تبرح المكان الذي ينتهي فيه إليك رسولي، واثبت فيه حتى يقدم عليك بعثنا الذي وجهناه إليك، فإني قد بعثت إليك خالد بن معدان الطائي، وهو من أهل الإصلاح والدين والبأس والنجدة، فاسمع منه، واعرف ذلك له؛ والسلام. فقرأ معقل الكتاب على الناس، وحمد الله، وقد كان ذلك الوجه هالهم. قال: فأقمنا حتى قدم الطائي علينا، وجاء حتى دخل على صاحبنا، فسلم عليه بالإمرة، واجتمعا جميعاً في عسكر واحد. قال: ثم إنا خرجنا فسرنا إليهم، فأخذوا يرتفعون نحو جبال رامهرمز يريدون قلعةً بها حصينة وجاءنا أهل البلد فأخبرونا بذلك، فخرجتا في آثارهم نتبعهم، فلحقناهم وقد دنوا من الجبل، فصففنا لهم، ثم أقبلنا إليهم، فجعل معقل على ميمنته يزيد بن المغفل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة، وصف الخريت بن راشد الناجي من معه من العرب، فكانوا ميمنةً، وجعل أهل البلد والعلوج ومن أراد كسر الخراج وأتباعهم من الأكراد ميسرة. قال: وسار فينا معقل بن قيس يحرضن ويقول لنا: عباد الله! لا تعدلوا القوم بأبصاركم، غضوا الأبصار، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالهم بالأجر العظيم، إنما تقاتلون مارقةً مرقت من الدين، وعلوجاً منعوا الخراج وأكراداً، انظروني فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد. فمر في الصف كله يقول لهم هذه المقالة، حتى إذا مر بالناس كلهم أقبل حتى وقف وسط الصف في القلب، ونظرنا إليه ما يصنع! فحرك رايته تحريكتين، فوالله ما صبروا لنا ساعةً حتى ولوا، وشدخنا منهم سبعين عربياً من بني ناجية، ومن بعض من اتبعهم من العرب، وقتلنا نحواً من ثلثمائة من العلوج والأكراد. قال كعب بن فقيم: ونظرت فيمن قتل من العرب، فإذا أنا بصديقي مدرك بن الريان قتيلاً، وخرج الخريت ابن راشد وهو منهزم حتى لحق بأسياف البحر، وبها جماعة من قومه كثير، فما زال بهم يسير فيهم ويدعوهم إلى خلاف علي، ويتبين لهم فراقه، ويخبرهم أن الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير، وأقام معقل بن قيس بأرض الأهواز، وكتب إلى علي معي بالفتح، وكنت أنا الذي قدمت عليه، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله علي أمير المؤمنين، من معقل بن قيس. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا لقينا المارقين، وقد استظهروا علينا بالمشركين، فقتلناهم قتل عاد وإرم، مع أنا لم نعد فيهم سيرتك، ولم نقتل من المارقين مدبراً ولا أسيراً، ولم نذفف منهم على جريح، وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين. قال: فقدمت عليه بهذا الكتاب، فقرأه على أصحابه، واستشارهم في الرأي، فاجتمع رأي عامتهم على قول واحد، فقالوا له: نرى أن تكتب إلى معقل ابن قيس فيتبع أثر الفاسق، فلا يزال في طلبه حتى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس. قال: فردني إليه، وكتب معي: أما بعد، فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه، جزاك الله والمسلمين خيراً، فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسل عن أخي بني ناجية، فإن بلغك أنه قد استقر ببلد من البلدان فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه، فإنه لن يزال للمسلمين عدواً، وللقاسطين ولياً، ما بقي؛ والسلام عليك. فسأل معقل عن مستقره، والمكان الذي انتهى إليه، فنبىء بمكانه الأسياف، وأنه قد رد قومه عن طاعة علي، وأفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب، وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين ومنعوها في ذلك العام أيضاً، فكان عليهم عقالان، فسار إليهم معقل بن قيس في ذلك الجيش من أهل الكوفة وأهل البصرة، فأخذ على فارس حتى انتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخريت بن راشد بمسيره إليه أقبل على من كان معه من أصحابه ممن يرى رأي الخوارج، فأسر لهم: إني أرى رأيكم، فإن علياً لن ينبغي له أن يحكم الرجال في أمر الله، وقال للآخرين مندداً لهم: إن علياً حكم حكماً ورضي به، فخلعه حكمه الذي ارتضاه لنفسه، فقد رضيت أنا من قضائه وحكمه ما ارتضاه لنفسه، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة. وقال سراً لمن يرى رأي عثمان: أنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوماً، فأرضى كل صنف منهم، وأراهم أنه معهم، وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها أرحامكم، وعودوا بها إن شئتم على فقرائكم، وقد كان فيهم نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس بينهم قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خيرٌ وأهدى من دين هؤلاء الذي هم عليه؛ ما ينهاهم دينهم عن سفك الدماء، وإخافة السبيل، وأخذ الأموال. فرجعوا إلى دينهم، فلقي الخريت أولئك، فقال لهم: ويحكم! أتدرون حكم علي فيمن أسلم من النصارى، ثم رجع إلى نصرانيته. لا والله ما يسمع لهم قولاً، ولا يرى لهم عذراً، ولا يقبل منهم توبة ولايدعوهم إليها، وإن حكمه فيهم لضرب العنق ساعة يستمكن منهم. فما زال حتى جمعهم وخدعهم، وجاء من كان من بني ناجية ومن كان في تلك الناحية من غيرهم، واجتمع إليهم ناسٌ كثير. فحدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عبد الملك بن سعيد بن حاب، عن الحر، عن عمار الدهني، قال: حدثني أبو الطفيل، قال: كنت في الجيش الذي بعثهم علي بن أبي طالب إلى بني ناجية، فقال: فانتهينا إليهم، فوجدناهم على ثلاث فرق، فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ نصارى، لم نر ديناً أفضل من ديننا، فثبتنا عليه، فقال لهم: اعتزلوا، وقال للفرقة الأخرى: ما أنتم؟ قالوا: نحن كنا نصارى فأسلمنا، فثبتنا على إسلامنا، فقال لهم: اعتزلوا؛ ثم قال للفرقة الأخرى الثالثة: ما أنتم؟ قالوا: نحن قومٌ كنا نصارى، فأسلمنا، فلم نر ديناً هو أفضل من ديننا الأول؛ فقال لهم: أسلموا، فأبوا؛ فقال لأصحابه: إذا مسحت رأسي ثلاث مرات فشدوا عليهم، فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية. فجيء بالذرية إلى علي، فجاء مصقلة بن هبيرة، فاشتراهم بمائتي ألف، فجاء بمائة ألف فلم يقبلها علي، فانطلق بالدراهم، وعمد إليهم مصقلة فأعتقهم ولحق بمعاوية، فقيل لعلي: ألا تأخذ الذرية؟ فقال: لا، فلم يعرض لهم. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال أبو مخنف: وحدثني الحارث ابن كعب، قال: لما رجع إلينا معقل بن قيس قرأ علينا كتاباً من علي: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عليٍّ أمير المؤمنين إلى من يقرأ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين، والنصارى والمرتدين. سلامٌ عليكم وعلى من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وأوفى بعهد الله ولم يكن من الخائنين. أما بعد، فإني أدعوكم إل كتاب الله، وسنة نبيه، والعمل بالحق، وبما أمر الله في الكتاب، فمن رجع إلى أهله منكم وكف يده واعتزل هذا الهالك الحارب الذي جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين، وسعى في الأرض فساداً، فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا والخروج من طاعتنا، استعنا بالله عليه، وجعلنا الله بيننا وبينه، وكفى بالله نصيراً! وأخرج معقل راية أمانٍ فنصبها، وقال: من أتاها من الناس فهو آمن، إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا وبدءونا أول مرة. فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه، وعبأ معقل بن قيس أصحابه، فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبي، ثم زحف بهم نحو الخريت، وحضر معه قومه مسلموهم ونصاراهم ومانعة الصدقة منهم. قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن أبي الصديق الناجي، أن الخريت يومئذ كان يقول لقومه: امنعوا حريمكم، وقاتلوا عن نسائكم وأولادكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم وليسبنكم. فقال له رجل من قومه: هذا والله ما جنته علينا يداك ولسانك. فقال: قاتلوا لله أنتم! سبق السيف العذل، إيهاً والله لقد أصابت قومي داهية! قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم، قال: سار فينا معقل فحرض الناس فيما بين الميمنة والميسرة يقول: أيها الناس المسلمون، ما تزيدون أفضل مما سيق لكم في هذا الموقف من الأجر العظيم؛ إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة، وارتدوا عن الإسلام، ونكثوا البيعة ظلماً وعدواناً، فأشهد لمن قتل منكم بالجنة، ومن عاش فإن الله مقرٌّ عينه بالفتح والغنيمة. ففعل ذلك حتى مر بالناس كلهم. ثم إنه جاء حتى وقف في القلب برايته، ثم إنه بعث إلى يزيد بن المغفل وهو في الميمنة: أن احمل عليهم، فحمل عليهم، فثبتوا وقاتلوا قتالاً شديداً. ثم إنه انصرف حتى وقف موقفه الذي كان به في الميمنة، ثم إنه بعث إلى منجاب ابن راشد الضبي وهو في الميسرة. ثم إن منجاباً حمل عليهم فثبتوا وقاتلوا قتالاً شديداً طويلاً، ثم إنه رجع حتى وقف في الميسرة، ثم إن معقلاً بعث إلى الميمنة والميسرة: إذا حملت فاحملوا بأجمعكم. فحرك رايته وهزها، ثم إنه حمل وحمل أصحابه جميعاً، فصبروا ساعةً لهم. ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي من جرم بصر بالخريت بن راشد فحمل عليه، فطعنه فصرعه عن دابته، ثم نزل وقد جرحه فأثخنه، فاختلفا ضربتين، فقتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة سبعون ومائة، وذهبوا يميناً وشمالاً، وبعث معقل بن قيس الخيل إلى رحالهم، فسبى من أدرك منهم، فسبى رجالاً كثيراً ونساءً وصبياناً. ثم نظر فيهم؛ فأما من كان مسلماً فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام. فرجعوا وخلى سبيلهم وسبيل عيالهم إلا شيخاً منهم نصرانياً يقال له: الرماحس بن منصور؛ قال: والله ما زللت منذ عقلت إلا في خروجي من ديني، دين الصدق إلى دينكم دين السوء، لا والله لا أدع ديني، ولا أقرب دينكم ما حييت. فقدمه فضرب عنقه، وجمع معقل الناس فقال: أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة، فأخذ من المسلمين عقالين، وعمد إلى النصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلاً بهم، وأقبل المسلمون معهم يشيعونهم، فأمر معقل بردهم، فلما انصرفوا تصافحوا فبكوا، وبكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض. قال: فأشهد أني رحمتهم رحمةً ما رحمتها أحداً قبلهم ولا بعدهم. قال: وكتب معقل بن قيس إلى علي: أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعدوه؛ إنا دفعنا إلى عدونا بالأسياف فوجدنا بها قبائل ذات عدة وحدة وجد، وقد جمعت لنا، وتحزبت علينا، فدعوناهم إلى الطاعة والجماعة، وإلى حكم الكتاب والسنة، وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين، ورفعنا لهم راية أمان، فمالت إلينا منهم طائفة، وبقيت طائفةٌ أخرى منابذة، فقبلنا من التي أقبلت، وصمدنا صمداً للتي أدبرت، فضرب الله وجوههم ونصرنا عليهم؛ فأما من كان مسلماً فإنا مننا عليه وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين، وأخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم، وأما من ارتد فإنا عرضنا عليه الرجوع إلى الإسلام وإلا قتلناه. فرجعوا غير رجل واحد، فقتلناه؛ وأما النصارى فإنا سبيناهم، وقد أقبلنا بهم ليكونوا نكالاً لمن بعدهم من أهل الذمة، لكيلا يمنعوا الجزية، ولكيلا يجترئوا على قتال أهل القبلة، وهم أهل الصغار والذل، رحمك الله يا أمير المؤمنين، وأوجب لك جنات النعيم؛ والسلام عليك! ثم أقبل بهم حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل علي على أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان، وصاح الرجال: يا أبا الفضل، يا حامي الرجال، وفكاك العناة، امنن علينا فاشترنا وأعتقنا؛ فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن عليهم، إن الله يجزي المتصدقين. فبلغها عنه معقل، فقال: والله لو أعلم أنه قاله توجعاً لهم، وزراءً عليكم، لضربت عنقه، ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر بن وائل. ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل بن قيس فقال له: بعني بني ناجية؛ فقال: نعم، أبيعكم بالف ألف ودفعهم إليه، وقال له: عجل بالمال إلى أمير المؤمنين؛ فقال: أا باعث الآن بصدر، ثم أبعث بصدر آخر كذلك؛ حتى لا يبقى منه شيء إن شاء الله تعالى. وأقبل معقل بن قيس إلى أمير المؤمنين، وأخبره بما كان منه في ذلك، فقال له: أحسنت وأصبت، وانتظر عليٌّ مصقلة أن يبعث إليه بالمال، وبلغ علياً أن مصقلة خلى سبيل الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالةً؛ ألا أراكم سترونه عن قريب ملبداً. ثم إنه كتب إليه: أما بعد، فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأعظم الغش على أهل المصر غش الإمام، وعندك من حق المسلمين خمسمائة ألف، فابعث بها إلي ساعةً يأتيك رسولي، وإلا فأقبل حين تنظر في كتابي، فإني قد تقدمت إلى رسولي إليك ألا يدعك أن تقيم ساعة واحدة بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال؛ والسلام عليك. وكان الرسول أبو جرة الحنفي، فقال له أبو جرة: إن يبعث بالمال الساعة وإلا فاشخص إلى أمير المؤمنين. فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة، فمكث بها أياماً. ثم إن ابن عباس سأله المال، وكان عمال البصرة يحملون من كور البصرة إلى ابن عباس، ويكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى علي؛ فقال له: نعم، أنظرني أياماً، ثم أقبل حتى أتى علياً فأقره أياماً، ثم سأله المال، فأدى إليه مائتي ألف، ثم إنه عجز فلم يقدر عليه. قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت الأعور، عن ذهل بن الحارث، قال: دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاؤه، فطعمنا منه، ثم قال: والله إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال، ولا أقدر عليه، فقلت: والله لو شئت ما مضت عليك جمعة حتى تجم جميع المال؛ فقال: والله ما كنت لأحملها قومي، ولا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال: أما والله لو أن ابن هند هو طالبني بها أو ابن عفان لتركها لي؛ ألم تر ابن عفان حيث أطعم الأشعث من خراج أذربيجان مائة ألف في كل سنة! فقلت له: إن هذا لا يرى هذا الرأي، لا والله ما هو بباذل شيئاً كنت أخذته، فسكت ساعةً، وسكت عنه، فلا والله ما مكث إلا ليلةً واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية. وبلغ ذلك علياً فقال: ما له برحه الله؛ فعل فعل السيد، وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر! أما والله لو أنه أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه، وإن لم نقدر على مال تركناه. ثم سار إلى داره فنقضها وهدمها، وكان أخوه نعيم بن هبيرة شيعياً، ولعليٍّ مناصحاً، فكتب إليه مصقلة من الشأم مع رجل من النصارى من بني تغلب يقال له حلوان: أما بعد، فإني كلمت معاوية فيك، فوعدك الإمارة، ومناك الكرامة، فأقبل إلي ساعة يلقاك رسولي إن شاء الله؛ والسلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي، فسرح به إلى علي، فأخذ كتابه فقرأه، فقطع يد النصراني، فمات، وكتب نعيم إلى أخيه مصقلة: لا ترمين هداك الله معترضاً ... بالظن منك فما بالي وحلوانا! ذاك الحريص على ما نال من طمعٍ ... وهو البعيد فلا يحزنك إذ خانا ماذا أردت إلى إرساله سفهاً ... ترجو سقاط امرىءٍ لم يلف وسنانا عرضته لعليٍّ إنه أسدٌ ... يمشي العرضنة من آساد خفانا قد كنت في منظرٍ عن ذا ومستمعٍ ... تحمي العراق وتدعى خير شيبانا حتى تقحمت أمراً كنت تكرهه ... للراكبين له سراً وإعلانا لو كنت أديت ما للقوم مصطبراً ... للحق أحييت أحياناً وموتانا لكن لحقت بأهل الشأم ملتمساً ... فضل ابن هندٍ وذاك الرأي أشجانا فاليوم تقرع سن الغرم من ندمٍ ... ماذا تقول وقد كان الذي كانا! أصبحت تبغضك الأحياء قاطبةً ... لم يرفع الله بالبغضاء إنسانا فلما وقع الكتاب إليه علم أن رسوله قد هلك، ولم يلبث التغلبيون إلا قليلاً حتى بلغهم هلاك صاحبهم حلوان، فأتوا مصقلة فقالوا: إنك بعثت صاحبنا فأهلكته، فإما أن تحييه وإما أن تديه، فقال: أما أن أحييه فلا أستطيع، ولكني سأديه؛ فواداه. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: حدثني أبي، قال: لما بلغ علياً مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم قال: هوت أمه! ما كان أنقص عقله، وأجرأه على ربه! فإن جائياً جاءني مرة فقال لي: في أصحابك رجالٌ قد خشيت أن يفارقوك، فما ترى فيهم؟ فقلت له: إني لا آخذ على التهمة، ولاأعاقب على الظن، ولا أقاتل إلا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حتى أدعوه وأعذر إليه، فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه، وهو أخونا، وإن أبى إلا الاعتزام على حربنا استعنا عليه الله، وناجزناه. فكف عني ما شاء الله. ثم جاءني مرة أخرى فقال لي: قد خشيت أن يفسد عليك عبد الله بن وهب الراسي وزيد بن حصين، إني سمعتهما يذكرانك بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما عليها حتى تقتلهما أو توبقهما، فلا تفارقهما من حبسك أبداً، فقلت: إني مستشيرك فيهما، فماذا تأمرني به؟ قال: فإني آمرك أن تدعو بهما، فتضرب رقابهما، فعلمت أنه لا ورعٌ ولا عاقل، فقلت: والله ما أظنك ورعاً ولا عاقلاً نافعاً، والله لقد كان ينبغي لك لو أردت قتلهم أن تقول: اتق الله، لم تستحل قتلهم ولم يقتلوا أحداً، ولم ينابذوك، ولم يخرجوا من طاعتك! وحج بالناس في هذه السنة قشم بن العباس من قبل علي رضي الله عنه. حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان قثم يومئذ عامل علي على مكة، وكان على اليمن عبيد الله بن العباس، وعلى البصرة عبد الله بن العباس. واختلف في عامله على خراسان فقيل: كان خليد بن قرة اليربوعي، وقيل: كان ابن أبزى؛ وأما الشأم ومصر فإنه كان بهما معاوية وعماله. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من الأحداث المذكورة: تفريق معاوية جيوشه في أطراف علي فوجه النعمان بن بشير - فيما ذكر علي بن محمد بن عوانة - في ألفي رجل إلى عين التمر، وبها مالك بن كعب مسلحةً لعلي في ألف رجل، فأذن لهم، فأتوا الكوفة، وأتاه النعمان، ولم يبق معه إلا مائة رجل، فكتب مالكٌ إلى علي يخبره بأمر النعمان ومن معه، فخطب عليٌّ الناس، وأمرهم بالخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، والنعمان في ألفي رجل ومالك في مائة رجل، وأمر مالك أصحابه أن يجعلوا جدر القرية في ظهورهم، واقتتلوا. وكتب إلى مخنف بن سليم يسأله أن يمده وهو قريب منه، فقاتلهم مالك ابن كعب في العصابة التي معه كأشد القتال، ووجه إليه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً، فانتهوا إلى مالك وأصحابه، وقد كسروا جفون سيوفهم، واستقتلوا، فلما رآهم أهل الشأم وذلك عند المساء، ظنوا أن لهم مدداً وانهزموا، وتبعهم مالك، فقتل منهم ثلاثة نفر، ومضوا على وجوههم. حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني سليمان، عن عبد الله، قال: حدثني عبد الله بن أبي معاوية، عن عمرو بن حسان، عن شيخ من بني فزارة، قال: بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين، فأتوا عين التمر، فأغاروا عليها، وبها عامل لعلي يقال له ابن فلان الأرحبي في ثلثمائة، فكتب إلى علي يستمده، فأمر الناس أن ينهضوا إليه، فتثاقلوا، فصعد المنبر، فانتهيت إليه وقد سبقيني بالتشهد وهو يقول: يا أهل الكوفة، كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشأم أظلكم وأغلق بابه انجحر كل امرىء منكم في بيته انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها؛ المغرور من غررتموه، ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. لا أحرارٌ عند النداء، ولا إخوان ثقةٍ عند النجاء، إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا منيت به منكم! عميٌ لا تبصرون، وبكمٌ لا تنطقون، وصمٌّ لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون. رجع الحديث إلى حديث عوانة. قال: ووجه معاوية في هذه السنة سفيان بن عوف في ستة آلاف رجل، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، وأن يغير عليها، ثم يمضي حتى يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها، فسار حتى أتى هيت فلم يجد بها أحداً، ثم أتى الأنبار وبها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل، وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلهم، فصبر لهم أصحاب علي مع قلتهم، ثم حملت عليهم الخيل والرجالة، فقتلوا صاحب المسلحة، وهو أشرس بن حسان البكري في ثلاثين رجلاً، واحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال وأموال أهلها، ورجعوا إلى معاوية. وبلغ الخبر علياً، فخرج حتى أتى النخيلة، فقال له الناس: نحن نكفيك؛ قال: ما تكفونني ولا أنفسكم؛ وسرح سعيد ابن قيس في أثر القوم، فخرج في طلبهم حتى جاز هيت، فلم يلحقهم فرجع. قال: وفيها وجه معاوية أيضاً عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادي، وأن يقتل من امتنع من عطائه صدقة ماله، ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز، يفعل ذلك، واجتمع إليه بشرٌ كثير من قومه، فلما بلغ ذلك علياً وجه المسيب ابن نجبة الفزاري، فسار حتى لحق ابن مسعدة بتيماء، فاقتتلوا ذلك اليوم حتى زالت الشمس قتالاً شديداً، وحمل المسيب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات، كل ذلك لا يلتمس قتله ويقول له: النجاء النجاء! فدخل ابن مسعدة وعامة من معه الحصن، وهرب الباقون نحو الشأم، وانتهب الأعراب إبل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة، وحصره ومن كان معه المسيب ثلاثة أيام، ثم ألقى الحطب على الباب، وألقى النيران فيه، حتى احترق، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا على المسيب فقالوا: يا مسيب، قومك! فرق لهم، وكره هلاكهم، فأمر بالنار فأطفئت، وقال لأصحابه: قد جاءتني عيون فأخبروني أن جنداً قد أقبل إليكم من الشأم، فانضموا في مكان واحد. فخرج ابن مسعدة في أصحابه ليلاً حتى لحقوا بالشأم، فقال له عبد الرحمن بن شبيب: سر بنا في طلبهم، فأبى ذلك عليه، فقال له: غششت أمير المؤمنين وداهنت في أمرهم. وفيها أيضاً وجه معاوية الضحاك بن قيس، وأمره أن يمر بأسفل واقصة، وأن يغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، ووجه معه ثلاثة آلاف رجل، فسار فأخذ أموال الناس، وقتل من لقي من الأعراب، ومر بالثعلبية فأغار على مسالح علي، وأخذ أمتعتهم، ومضى حتى انتهى إلى القطقطانة، فأتى عمرو بن عميس بن مسعود، وكان في خيل لعلي وأمامه أهله، وهو يريد الحج، فأغار على من كان معه، وحبسه عن المسير، فلما بلغ ذلك علياً سرح حجر بن عدي الكندي في أربعة آلاف، وأعطاهم خمسين خمسين، فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً، وقتل من أصحابه رجلان، وحال بينهم الليل، فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه. وفيها سار معاوية بنفسه إلى دجلة حتى شارفها، ثم نكص راجعاً، ذكر ذلك ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: لما كانت سنة تسع وثلاثين أشرف عليها معاوية. وحدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر مثله. واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حج بالناس فيها عبيد الله بن عباس من قبل علي. وقال بعضهم: حج بهم عبد الله ابن عباس؛ فحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: يقال إن علياً وجه ابن عباس ليشهد الموسم ويصلي بالناس في سنة تسع وثلاثين، وبعث معاوية يزيد ابن شجرة الرهاوي. قال: وزعم أبو الحسن أن ذلك باطل، وأن ابن عباس لم يشهد الموسم في عمل حتى قتل علي رضي الله عنه؛ قال: والذي نازعه يزيد بن شجرة قشم ابن العباس، حتى إنهما اصطلحا على شيبة بن عثمان، فصلى بالناس سنة تسع وثلاثين. وكالذي حكيت عن أبي زيد عن أبي الحسن، قال أبو معشر في ذلك: حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى عنه. وقال الواقدي: بعث علي على الموسم في سنة تسع وثلاثين عبيد الله بن عباس، وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم للناس الحج، فلما اجتمعا بمكة تنازعا، وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه، فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة. وكانت عمال عليٍّ في هذه السنة على الأمصار الذين ذكرنا أنهم كانوا عماله في سنة ثمان وثلاثين غير ابن عباس، كان شخص في هذه السنة عن عمله بالبصرة، واستخلف زياداً - الذي كان يقول له: زياد بن أبيه - على الخراج، وأبا الأسود الدؤلي على القضاء. ذكر توجيه ابن عباس زياداً إلى فارس وكرمان وفي هذه السنة وجه ابن عباس زياداً عن أمر علي إلى فارس وكرمان عند منصرفه من عند علي من الكوفة إلى البصرة. ذكر سبب توجيهه إياه إلى فارسحدثني عمر، قال: حدثنا علي؛ قال: لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على علي، طمع أهل فارس وأهل كرمان في كسر الخراج، فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم، وأخرجوا عمالهم. حدثني عمر، قال: حدثنا أبو القاسم، عن سلمة بن عثمان، عن علي بن كثير، أن علياً استشار الناس في رجل يوليه فارس حين امتنعوا من أداء الخراج، فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأي، عالم بالسياسة، كافٍ لما ولي؟ قال: من هو؟ قال: زياد؛ قال: هو لها؛ فولاه فارس وكرمان، ووجهه في أربعة آلاف، فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا. حدثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن علي بن مجاهد، قال: قال الشعبي: لما انتقض أهل الجبال وطمع أهل الخراج في كسره، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملاً عليها لعلي - قال ابن عباس لعلي: أكفيك فارس؛ فقدم ابن عباس البصرة، ووجه زياداً إلى فارس في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، فأدوا الخراج. حدثني عمر، قال: حدثني أبو الحسن، عن أيوب بن موسى، قال: حدثني شيخٌ من أهل إصطخر قال: سمعت أبي يقول: أدركت زياداً وهو أميرٌ على فارس وهي تضرم ناراً، فلم يزل بالمداراة حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، لم يقف موقفاً للحرب، وكان أهل فارس يقولون: ما رأينا سيرةً أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي. قال: ولما قدم زياد فارس بعث إلى رؤسائها، فوعد من نصره ومناه، وخوف قوماً وتوعدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضاً، وصفت له فارس، فلم يلق فيها جمعاً ولا حرباً، وفعل مثل ذلك بكرمان، ثم رجع إلى فارس، فسار في كورها ومناهم، فسكن الناس إلى ذلك، فاستقامت له البلاد، وأتى إصطخر فنزلها وحصن قلعةً بها ما بين بيضاء إصطخر وإصطخر، فكانت تسمى قلعة زياد، فحمل إليها الأموال، ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري، فهي اليوم تسمى قلعة منصور. ثم دخلت سنة أربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك توجيه معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز. فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عوانة، قال: أرسل معاوية ابن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة - وهو رجلٌ من بني عامر بن لؤي في جيش - فساروا من الشأم حتى قدموا المدينة، وعامل علي على المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب، فأتى علياً بالكوفة، ودخل بسر المدينة؛ قال: فصعد منبرها ولم يقاتله بها أحد، فنادى على المنبر: يا دينار، ويا نجار، ويا زريق، شيخي شيخي! عهدي به بالأمس، فأين هو! يعني عثمان، ثم قال: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلماً إلا قتلته. ثم بايع أهل المدينة، وأرسل إلى بني سلمة، فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله، فانطلق جابر إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: ماذا تريدين؟ إني قد خشيت أن أقتل، وهذه بيعة ضلالة، قالت: أرى أن تبايع، فإني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، وأمرت ختني عبد الله بن زمعة - وكانت ابنتها زينب ابنة أبي سلمة عند عبد الله بن زمعة - فأتاه جابرٌ فبايعه، وهدم بسر دوراً بالمدينة، ثم مضى حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى أن يقتله، فقال له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ فخلى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى اليمن: إن خيلاً مبعوثةً من عند معاوية تقتل الناس، تقتل من أبى أ ن يقر بالحكومة. ثم مضى بسر إلى اليمن، وكان عليها عبيد الله بن عباس عاملاً لعلي، فلما بلغه مسيره فر إلى الكوفة حتى أتى علياً، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس. وفيه ابنان له صغيران، فذبحهما. وقد قال بعض الناس: إنه وجد ابني عبيد الله بن عباس عند رجل من بني كنانة من أهل البادية، فلما أراد قتلهما قال الكناني: علام تقتل هذين ولا ذنب لهما! فإن كنت قاتلهما فاقتلني، قال: أفعل؛ فبدأ بالكناني فقتله، ثم قتلهما ثم رجع بسر إلى الشأم. وقد قيل: إن الكناني قاتل عن الطفلين حتى قتل، وكان اسم أحد الطفلين اللذين قتلهما بسر: عبد الرحمن، والآخر قشم. وقتل بسر في مسيره ذلك جماعةً كثيرةً من شيعة عليٍّ باليمن. وبلغ علياًَ خبر بسر، فوجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نجران فحرق بها، وأخذ ناساً من شيعة عثمان فقتلهم، وهرب بسر وأصحابه منه، وأتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعونا؛ فقالوا: قد هلك أمير المؤمنين، فلمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علي، فتثاقلوا، ثم بايعوا. ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم، فهرب منه، فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي؛ فبايعوه وأقام يومه، ثم خرج منصرفاً إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة فصلى بهم. وفي هذه السنة - فيما ذكر - جرت بين عليٍّ وبين معاوية المهادنة - بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب - على وضع الحرب بينهما، ويكون لعليٍّ العراق ولمعاوية الشأم، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو. قال زياد بن عبد الله؛ عن أبي إسحاق: لما لم يعط أحد الفريقين صاحبه الطاعة كتب معاوية إلى علي: أما إذا شئت فلك العراق ولي الشأم، وتكف السيف عن هذه الأمة، ولا تهريق دماء المسلمين؛ ففعل ذلك، وتراضيا على ذلك، فأقام معاوية بالشأم بجنوده يجبيها وما حولها، وعليٌّ بالعرق يجيبها ويقسمها بين جنوده. خروج ابن عباس من البصر إلى مكةوفيها خرج عبد الله بن العباس من البصرة ولحق مكة في قول عامة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم، وزعم أنه لم يزل بالبصرة عاملاً عليها من قبل أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام حتى قتل، وبعد مقتل علي حتى صالح الحسن معاوية، ثم خرج حينئذ إلى مكة. ذكر الخبر عن سبب شخوصه إلى مكة وتركه العراق حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني جماعة عن أبي مخنف، عن سليمان ابن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: مر عبد الله بن عباس على أبي الأسود الدؤلي، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملاً، ولو كنت راعياً ما بلغت من المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشي. قال: فكتب أبو الأسود إلى علي: أما بعد، فإن الله جل وعلا جعلك والياً مؤتمناً، وراعياً مستولياً، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة، ناصحاً للرعية، توفر لهم فيئهم، وتظلف نفسك عن دنياهم، فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم. وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب إلي برأيك فيما أحببت أنته إليك. والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد، فمثلك نصح الإمام والأمة، وأدى الأمانة، ودل على الحق، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه من أمره، ولم أعلمه أنك كتبت، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاحٌ، فإنك بذلك جدير، وهو حقٌّ واجب عليك؛ والسلام. وكتب إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإن الذي بلغك باطل، وإني لما تحت يدي ضابط قائم له وله حافظ، فلا تصدق الظنون؛ والسلام. قال: فكتب إليه علي: أما بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت؟ وفيم وضعت؟ قال: فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أن رزأته من مال أهل هذا البلد، فابعث إلى عملك من أحببت، فإني ظاعنٌ عنه. والسلام. ثم دعا ابن عباس أخواله بني هلال بن عامر، فجاءه الضحاك بن عبد الله وعبد الله بن رزين بن أبي عمر والهلاليان، ثم اجتمعت معه قيس كلها فحمل مالاً. قال أبو زيد: قال أبو عبيدة: كانت أرزاقاً قد اجتمعت، فحمل معه مقدار ما اجتمع له، فبعثت الأخماس كلها، فلحقوه بالطف، فتواقفوا يريدون أخذ المال، فقالت قيس: والله لا يوصل إلى ذلك وفينا عينٌ تطرف. وقال صبرة بن شيمان الحداني: يا معشر الأزد، والله إن قيساً لإخواننا في الإسلام، وجيراننا في الدار، وأعواننا على العدو، وإن الذي يصيبكم من هذا المال لو رد عليكم لقليل، وهم غداً خيرٌ لكم من المال. قالوا: فما ترى؟ قال: انصرفوا عنهم ودعوهم، فأطاعوه فانصرفوا؛ فقالت بكر وعبد القيس: نعم الرأي رأي صبرة لقومه، فاعتزلوا أيضاً، فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم؛ نقاتلهم عليه. فقال الأحنف: قد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحماً؛ فقالوا: والله لنقاتلنهم؛ فقال: إذاً لا أساعدكم عليهم، فاعتزلهم؛ قال: فرأسوا عليهم ابن المجاعة من بني تميم، فقاتلوهم، وحمل الضحاك على ابن المجاعة فطعنه، واعتنقه عبد الله بن رزين، فسقطا إلى الأرض يعتركان، وكثرت الجراح فيهم، ولم يكن بينهم قتيل؛ فقالت الأخماس: ما صنعنا شيئاً، اعتزلناهم وتركناهم يتحاربون، فضربوا وجوه بعضهم عن بعض، وقالوا لبني تميم: لنحن أسخى منكم أنفساً حين تركنا هذا المال لبني عمكم، وأنتم تقاتلونهم عليه، إن القوم قد حملوا وحموا، فخلوهم، وإن أحببتم فانصرفوا. ومضى ابن عباس ومعه نحو من عشرين رجلاً حتى قدم مكة. وحدثني أبو زيد، قال: زعم أبو عبيدة - ولم أسمعه منه - أن ابن عباس لم يبرح من البصرة حتى قتل علي رضي الله عنه، فشخص إلى الحسن، فشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة وثقله بها، فحمله ومالاً من بيت المال قليلاً؛ وقال: هي أرزاقي. قال أبو زيد: ذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أن علياً قتل وابن عباس بمكة، وأن الذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن عباس. ذكر الخبر عن مقتل علي بن أبي طالبوفي هذه السنة قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واختلف في وقت قتله، فقال أبو معشر ما حدثني به أحمد بن ثابت، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل علي في شهر رمضان يوم الجمعة لسبع عشرة خلت منه سنة أربعين، وكذلك قال الواقدي، حدثني بذلك الحارث، عن ابن سعد عنه، وأما أبو زيد فحدثني عن علي بن محمد أنه قال: قتل علي بن أبي طالب بالكوفة يوم الجمعة لإحدى عشرة. قال: ويقال: لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين. قال: وقد قيل في شهر ربيع الآخر سنة أربعين. ذكر الخبر عن سبب قتله ومقتله حدثني موسى بن عثمان بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا عبد الرحمن الحراني أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد، قال: كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئاً! إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا! فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب - وكان من أهل مصر - وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان؛ وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه. فأخذوا أسيافهم، فسموها، واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب. فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة، وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئاً من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحاباً من تيم الرباب - وكان عليٌّ قتل منهم يوم النهر عشرةً - فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأةً من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنة - وقد قتل أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال - فلما رآها التبست بعقله، ونسي حاجته التي جاء لها؛ ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفى لي قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاث آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهرٌ لك، فأما قتل عليٍّ فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني! قالت: بلى، التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خيرٌ من الدنيا وزينتها وزينة أهلها؛ قال: فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سالت. قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب؛ قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً إداً، كيف تقدر على علي! قال: أكمن له في المسجد، فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا، وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خيرٌ من الدنيا وما فيها. قال: ويحك! لو كان غير عليٍّ لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أن أنشرح لقتله. قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين! قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه - فجاءوا قطام - وهي في المسجد الأعظم معتكفة - فقالوا لها: قد أجمع رأينا على قتل علي؛ قالت: فإذا أردتم ذلك فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي سنة أربعين - فقال: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيبٌ بالسيف. فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف، وهرب وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره بما كان وانصرف فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه، وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم فأخذوه، إلا أن رجلاً من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة، ثم قال علي: علي بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، ألم أحسن إليك! قال: بلى، قال: فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحاً، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه؛ فقال رضي الله عنه: لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلقه. وذكروا أن ابن ملجم قال قبل أن يضرب علياً - وكان جالساً في بني بكر ابن وائل إذ مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلي أبي حجار، وكان نصرانياً، والنصارى حوله، وأناس مع حجار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق ابن ثور - فقال ابن ملجم: ما هؤلاء؟ فأخبر الخبر، فأنشأ يقول: لئن كان حجار بن أبجر مسلماً ... لقد بوعدت منه جنازة أبجر وإن كان حجار بن أبجر كافراً ... فما مثل هذا من كفورٍ بمنكر أترضون هذا أن قيساً ومسلماً ... جميعاً لدى نعشٍ، فيا قبح منظر! فلولا الذي أنوي لفرقت جمعهم ... بأبيض مصقول الدياس مشهر ولكنني أنوي بذاك وسيلةً ... إلى الله أو هذا فخذ ذاك أو ذر وذكر أن محمد بن الحنفية، قال: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم، في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريباً من السدة، ما هم إلا قيام وركوعٌ وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة الصلاة! فما أدري أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات أم لا! فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفاً، ثم رأيت ثانياً، ثم سمعت علياً يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب. قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول: النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي.؟ وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوفٌ بين يديه، إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك! قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد. وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن فقدناك - ولا نفقدك - فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. فرد عليه مثلها، فدعا حسناً وحسيناً، فقال: أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شيء زوي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأغيثا الملهوف، واصنعا للآخرة، وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم ناصراً، واعملا بما في الكتاب، ولا تأخذ كما في الله لومة لائم. ثم نظر إلى محمد بن الحنفية، فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك، لعظيم حقهما عليك، فاتبع أمرهما، ولا تقطع أمراً دونهما. ثم قال: أوصيكما به، فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه. وقال للحسن: أوصيك أي بني بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا صلاة إلا بطهور، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة، وأوصيك بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش. فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين؛ ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: " إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام " ! انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم. والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم، ما زال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه. والله الله في القرآن؛ فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفىء غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم، فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم، فإن رسول الله أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم. الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم. وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب. حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم. أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنه، وذلك في شهر رمضان سنة أربعين، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات، ثم ولي الحسن ستة أشهر. وقد كان عليٌّ نهى الحسن عن المثلة، وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين! ألا لا يقتلن إلا قاتلي. انظر يا حسن، إن أنامت من ضربته هذه فاضربه ضربةً بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: " إياكم والمثلة، ولو أنها بالكلب العقور " . فلما قبض رضي الله عنه بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن: هل لك في خصلة؟ إني والله ما أعطيت الله عهداً إلا وفيت به، إني كنت قد أعطيت الله عهداً عند الحطيم أن أقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك الله علي إن لم أقتل - أو قتلته ثم بقيت - أن آتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار فلا. ثم قدمه فقتله، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري، ثم أحرقوه بالنار. وأما البرك بن عبد الله فإنه في تلك الليلة التي ضرب فيها عليٌّ قعد لمعاوية، فلما خرج ليصلي الغداة شد عليه بسيفه، فوقع السيف في أليته، فأخذ، فقال: إن عندي خيراً أسرك به، فإن أخبرتك فنافعي ذلك عندك؟ قال: نعم؛ قال: إن أخاً لي قتل علياً في مثل هذه الليلة، قال: فلعله لم يقدر على ذلك! قال: بلى، إن علياً يخرج ليس معه من يحرسه؛ فأمر به معاوية فقتل. وبعث معاوية إلى الساعدي - وكان طبيباً - فلما نظر إليه قال: اختر إحدى خصلتين: إما أن أحمي حديدةً فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربةً تقطع منك الولد، وتبرأ منها، فإن ضربتك مسمومة، فقال معاوية: أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد فإن في يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه تلك الشربة فبرأ، ولم يولد له بعدها، وأمر معاوية عند ذلك بالمقصورات وحرس الليل وقيام الشرطة على رأسه إذا سجد. وأما عمرو بن بكر فجلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج، وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن حذافة، وكان صاحب شرطته، وكان من بني عامر بن لؤي، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو، فضربه فقتله، فأخذه الناس، فانطلقوا به إلى عمرو يسلمون عليه بالإمرة، فقال: من هذا؟ قالوا: عمرو؛ قال: فمن قتلت؟ قالوا: خارجة بن حذافة، قال: أما والله يا فاسق ما ظننته غيرك، فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة، فقدمه عمرو فقتله، فبلغ ذلك معاوية، فكتب إليه: وقتلٌ وأسباب المنايا كثيرةٌ ... منية شيخٍ من لؤي بن غالب فيا عمرو مهلاً إنما أنت عمه ... وصاحبه دون الرجال الأقارب نحوت وقد بل المرادي سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب ويضربني بالسيف آخر مثله ... فكانت علينا تلك ضربة لازب وأنت تناغي كل يوم وليلةٍ ... بمصرك بيضاً كالظباء السوارب ولما انتهى إلى عائشة قتل علي - رضي الله عنه - قالت: فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر فمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد؛ فقالت: فإن يك نائياً فلقد نعاه ... غلامٌ ليس في فيه التراب فقالت زينب ابنة أبي سلمة: ألعلي تقولين هذا؟ فقالت: إني أنسى، فإذا نسيت فذكروني. وكان الذي ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص الزهري. وقال ابن أبي مياس المرادي في قتل علي: ونحن ضربنا يا لك الخير حيدراً ... أبا حسنٍ مأمومةً فتفطرا ونحن خلعنا ملكه من نظامه ... بضربة سيفٍ إذعلا وتجبرا ونحن كرامٌ في الصباح أعزةٌ ... إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا وقال أيضاً: ولم أر مهراً ساقه ذو سماحةٍ ... كمهر قطامٍ من فصيحٍ وأعجم ثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ ... وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من عليٍّ وإن غلا ... ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم وقال أبو الأسود الدؤلي: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طراً أجمعينا! قتلتم خير من ركب المطايا ... ورحلها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا إذا استقبلت وجه أبي حسينٍ ... رأيت البدر راع الناظرينا لقد علمت قريشٌ حيث كانت ... بأنك خيرها حسباً ودينا واختلف في سنة يوم قتل، فقال بعضهم: قتل وهو ابن تسع وخمسين سنة. وحدثت عن مصعب بن عبد الله، قال: كان الحسن بن علي يقول: قتل أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة. وحدثنا عن بعضهم، قال: قتل وهو ابن خمس وستين سنة. وحدثني أبو زيد، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثني أيوب بن عمر بن أبي عمرو، عن جعفر بن محمد، قال: قتل عليٌّ وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال: وذلك أصح ما قيل فيه. حدثني عمر، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: قتل علي رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال هشام: ولي عليٌّ وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأشهر؛ وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، ثم قتله ابن ملجم - واسمه عبد الرحمن ابن عمرو - في رمضان لسبع عشرة مضت منه، وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر، وقتل سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة. وحدثني الحارث، قال: حدثني ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: قتل علي رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، ودفن عند مسجد الجماعة في قصر الإمارة. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: ضرب علي رضي الله عنه ليلة الجمعة، فمكث يوم الجمعة وليلة السبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة. وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن عمر وأبو بكر السبري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت محمد بن الحنفية يقول سنة الجحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين هذه ولي خمسٌ وستون سنة، قد جاوزت سن أبي؛ قيل: وكم كانت سنه يوم قتل؟ قال: قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال الحارث: قال ابن سعد: قال محمد بن عمر كذلك، وهو الثبت عندنا. ذكر الخبر عن قدر مدة خلافته حدثني أحمد بن ثابت، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت خلافة علي خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. وحدثني الحارث، قال: حدثني ابن سعد قال: قال محمد بن عمر: كانت خلافة علي خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. حدثني أبو زيد، قال: قال أبو الحسن: كانت ولاية علي أربع سنين وتسعة أشهر، ويوماً أو غير يوم. ذكر الخبر عن صفته حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي، قلت: ما كانت صفة علي رضي الله عنه؟ قال: رجلٌ آدم شديد الأدمة ثقل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، هو إلى القصر أقرب. ذكر نسبه رضي الله عنه هو علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. ذكر الخبر عن أزواجه وأولاده فأول زوجةٍ تزوجها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده، وكان لها منه من الولد: الحسن والحسين، ويذكر أنه كان لها منه ابنٌ آخر يسمى محسناً توفي صغيراً، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى. ثم تزوج بعد أم البنين بنت حزام - وهو أبو المجل بن خالد بن ربيعة ابن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب - فولد لها منه العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، قتلوا مع الحسين رضي الله عنه بكربلاء، ولا بقية لهم غير العباس. وتزوج ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمي بن جندل ابن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فولدت له عبيد الله وأبا بكر. فزعم هشام بن محمد أنهما قتلا مع الحسين بالطف. وأما محمد بن عمر فإنه زعم أن عبيد الله بن علي قتله المختار بن أبي عبيد بالمذار، وزعم أنه لا بقية لعبيد الله ولا لأبي بكر ابني علي رضي الله عنه. وتزوج أسماء ابنة عميس الخثعمية، فولدت له - فيما حدثت عن هشام بن محمد - يحيى ومحمداً الأصغر، وقال: لا عقب لهما. وأما الواقدي فإنه قال فيما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا الواقدي أن أسماء ولدت لعليٍّ يحيى وعوناً ابني علي. ويقول بعضهم: محمد الأصغر لأم ولد، وكذلك قال الواقدي في ذلك؛ وقال: قتل محمد الأصغر مع الحسين. وله من الصهباء - وهي أم حبيب بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة ابن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن مرو ابن غنم بن تغلب بن وائل، وهي أم ولد من السبي الذين أصابهم خالد ابن الوليد حين أغار على عين التمر على بني تغلب بها - عمر بن علي، ورقية ابنة علي، فعمر عمر بن علي حتى بلغ خمساً وثمانين سنة، فحاز نصف ميراث علي رضي الله عنه، ومات بينبع. وتزوج أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ابن عبد مناف، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له محمداً الأوسط. وله محمد بن علي الأكبر، الذي يقال له: محمد بن الحنفية، أمه خولة ابنة جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول ابن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، توفي بالطائف فصلى عليه ابن عباس. وتزوج أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى. وكان له بنات من أمهات شتى لم يسم لنا أسماء أمهاتهن؛ منهن أم هانىء، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، وجمانة، ونفيسة بنات علي رضي الله عنه؛ أمهاتهن أمهات أولادٍ شتى. وتزوج محياة ابنة امرىء القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب ابن عليم من كلب، فولدت له جارية، هلكت وهي صغيرة. قال الواقدي: كانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول وه، وه - تعني كلباً. فجميع ولد علي لصلبه أربعة عشر ذكراً، وسبع عشرة امرأة. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد عن الواقدي، قال: كان النسل من ولد علي الخمسة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وعمر بن التغلبية. ذكر ولاته وكان واليه على البصرة في هذه السنة عبد الله بن العباس، وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، وإليه كانت الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها، وكان يستخلف بها إذا شخص عنها على ما قد بينت قبل. وكان على قضائها من قبل علي أبو الأسود الدؤلي، وقد ذكرت ما كان من توليته زياداً عليها، ثم إشخاصه إياه إلى فارس لحربها وخراجها، فقتل وهو بفارس، وعلى ما كان وجهه عليه. وكان عامله على البحرين وما يليها واليمن ومخاليفها عبدي الله بن العباس، حتى كان من أمره وأمر بسر بن أبي أرطاة ما قد مضى ذكره. وكان عامله على الطائف ومكة وما اتصل بذلك قثم بن العباس. وكان عامله على المدينة أبو أيوب الأنصاري، وقيل: سهل بن حنيف، حتى كان من أمره عند قدوم بسر ما قد ذكر قبل. ذكر بعض سيره رضي الله عنه حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن عباس بن الفضل مولى بني هاشم، عن أبيه، عن جده ابن أبي رافع، أنه كان خازناً لعلي رضي الله عنه على بيت المال، قال: فدخل يوماً وقد زينت ابنته، فرأى عليها لؤلؤةً من بيت المال قد كان عرفها، فقال: من أين لها هذه؟ لله علي أن أقطع يدها؛ قال: فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا والله يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها! فسكت. حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ناجية القرشي، عن عمه يزيد بن عدي بن عثمان، قال: رأيت علياً رضي الله عنه خارجاً من همدان، فرأى فئتين يقتتلان، ففرق بينهما، ثم مضى فسمع صوتاً. يا غوثا بالله! فخرج يحضر نحوه حتى سمعت خفق نعله وهو يقول: أتاك الغوث؛ فإذا رجل يلازم رجلاً، فقال: يا أمير المؤمنين، بعت هذا ثوباً بتسعة دراهم، وشرطت عليه ألا يعطيني مغموزاً ولا مقطوعاً - وكان شرطهم يومئذ - فأتيته بهذه الدراهم ليبدلها لي فأبى، فلزمته فلطمني، فقال: أبد له؛ فقال: بينتك على اللطمة؛ فأتاه بالبينة، فأقعده ثم قال: دونك فاقتص؛ فقال: إني قد عفوت يا أمير المؤمنين، قال: إنما أردت أن أحتاط في حقك، ثم ضرب الرجل تسع درأت، وقال: هذا حق السلطان. حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: حدثنا المسعودي، عن ناجية، عن أبيه، قال: كنا قياماً على باب القصر، إذ خرج عليٌّ علينا، فلما رأيناه تنحينا عن وجهه هيبةً له، فلما جاز صرنا خلفه، فبينا هو كذلك إذ نادى رجل يا غوثا بالله! فإذا رجلان يقتتلان، فلكز صدر هذا وصدر هذا، ثم قال لهما: تنحيا، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين، إن هذا اشترى مني شاةً، وقد شرطت عليه ألا يعطيني مغموزاً ولا محذفاً، فأعطاني درهماً مغموزاً، فرددته عليه فلطمني؛ فقال للآخر: ما تقول؟ قال: صدق يا أمير المؤمنين، قال: فأعطه شرطه، ثم قال للاطم: اجلس، وقال للملطوم: اقتص. قال: أو أعفو يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك إليك؛ قال: فلما جاز الرجل قال علي: يا معشر المسلمين، خذوه؛ قال: فأخذوه، فحمل على ظهر رجل كما يحمل صبيان الكتاب، ثم ضربه خمس عشرة درة، ثم قال: هذا نكالٌ لما انتهكت من حرمته. حدثني ابن سنان القزاز، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سكين ابن عبد العزيز، قال: أخبرنا حفص بن خالد، قال: حدثني أبي خالد بن جابر قال: سمعت الحسن يقول: لما قتل علي رضي الله عنه وقد قام خطيباً، فقال: لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة فيها نزل القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم عليه السلام، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى عليهما السلام. والله ما سبقه أحد كان قبله، ولا يدركه أحد يكون بعده، واله إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه في السرية وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمائة - أو سبعمائة - أرصدها لخادمه. ذكر بيعة الحسن بن عليوفي هذه السنة - أعني سنة أربعين - بويع للحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة؛ وقيل: إن أول من بايعه قيس بن سعد، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه، وقتال المحلين؛ فقال له الحسن رضي الله عنه: على كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط؛ فبايعه وسكت، وبايعه الناس. وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا سليمان، قال: حدثا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: جعل علي رضي الله عنه قيس بن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قبل أذربيجان، وعلى أرضها وشرطة الخميس الذي ابتدعه من العرب، وكانوا أربعين ألفاً، بايعوا علياً رضي الله عنه على الموت، ولم يزل قيس يدارىء ذلك البعث حتى قتل علي رضي الله عنه؛ واستخلف أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنه على الخلافة، وكان الحسن لا يرى القتال، ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه، فنزعه وأمر عبيد الله بن عباس، فلما علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسن رضي الله عنه أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها، فشرط ذلك له معاوية. وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الحراني الخزاعي أبو عبد الرحمن، قال: حدثنا إسماعيل بن راشد، قال: بايع الناس الحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفاً، وأقب معاوية في أهل الشأم حتى نزل مسكن، فبينا الحسن في المدائن إذ نادى منادٍ في العسكر: ألا إن قيس بن سعد قد قتل، فانفروا، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن رضي الله عنه حتى نازعوه بساطاً كان تحته، وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملاً على المدائن، وكان اسمه سعد بن مسعود، فقال له المختار وهو غلام شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: توثق الحسن، وتستأمن به إلى معاوية، فقال له سعد: عليك لعنة الله، أثب على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه! بئس الرجل أنت! فلما رأى الحسن رضي الله عنه تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح، وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، فقدما على الحسن بالمدائن، فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها. ثم قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق، إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. ودخل الناس في طاعة معاوية، ودخل معاوية الكوفة، فبايعه الناس. قال زياد بن عبد الله، عن عوانة؛ وذكر نحو حديث المسروقي، عن عثمان بن عبد الرحمن هذا، وزاد فيه: وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح، وطلب الأمان، وقال الحسن للحسين ولعبد الله بن جعفر: إني قد كتبت إلى معاوية في الصلح وطلب الأمان؛ فقال له الحسين: نشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية، وتكذب أحوثة علي! فقال له الحسن: اسكت، فأنا أعلم بالأمر منك. فلما انتهى كتاب الحسن بن علي رضي الله عنه إلى معاوية، أرسل معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما المدائن، وأعطيا الحسن ما أراد، فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته في اثني عشر ألفاً يأمره بالدخول في طاعة معاوية، فقام قيس بن سعد في الناس فقال: يأيها الناس، اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة، أو القتال مع غير إمام؛ قالوا: لا، بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلالة. فبايعوا لمعاوية، وانصرف عنهم قيس بن سعد، وقد كان صالح الحسن معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دارابجرد عل ألا يشتم عليٌّ وهو يسمع. فأخذ ما في بيت ماله بالكوفة، وكان فيه خمسة آلاف ألف. وحج بالناس في هذه السنة المغيرة بن شعبة. حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الخزاعي أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل بن راشد قال: لما حضر الموسم - يعني في العام الذي قتل فيه علي رضي الله عنه - كتب المغيرة بن شعبة كتاباً افتعله على لسان معاوية، فأقام للناس الحج سنة أربعين، ويقال: إنه عرف يوم التروية، ونحر يوم عرفة، خوفاً أن يفطن بمكانه. وقد قيل: إنه إنما فعل ذلك المغيرة لأنه بلغه أن عتبة بن أبي سفيان مصبحه والياً على الموسم، فعجل الحج من أجل ذلك. وفي هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيلياء؛ حدثني بذلك موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا إسماعيل ابن راشد - وكان قبل يدعى بالشأم أميراً - وحدثت عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: كان علي رضي الله عنه يدعى بالعراق أمير المؤمنين، وكان معاوية يدعى بالشأم: الأمير، فلما قتل علي رضي الله عنه دعي معاوية: أمير المؤمنين. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر إلى معاوية ودخول معاوية الكوفة، وبيعة أهل الكوفة معاوية بالخلافة. ذكر الخبر بذلك: حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: بايع أهل العراق الحسن بن علي بالخلافة، فطفق يشترط عليهم الحسن: إنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت، فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط، وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، وما يريد هذا القتال؛ فلم يلبث الحسن رضي الله عنه بعد ما بايعوه إلا قليلاً حتى طعن طعنةً أشوته، فازداد لهم بغضاً، وازداد منهم ذعراً، فكاتب معاوية، وأرسل إليه بشروط، قال: إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفي لي به. وقعت صحيفة الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء، مختوم على أسفلها، وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن رضي الله عنه التي كتب إليه يسأله ما فيها، فلما التقى معاوية والحسن رضي الله عنه، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله، فأبى معاوية أن يعطيه ذلك، فقال: لك ما كنت كتبت إلي أو لا تسألني أن أعطيكه، فإني قد أعطيتك حين جاءني كتابك. قال الحسن رضي الله عنه: وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك، وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه. فاختلفا في ذلك، فلم ينفذ للحسن رضي الله عنه من الشروط شيئاً، وكان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية، وأمره أن يأمر الحسن أن يقوم ويخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما تريد إلى أن يخطب الناس! فقال عمرو: لكني أريد أن يبدو وعيه للناس؛ فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه، فخرج معاوية فخطب الناس، ثم أمر رجلاً فنادى الحسن بن عليٍّ رضي الله عنه؛ فقال: قم يا حسن فكلم الناس، فتشهد في بديهة أمرٍ لم يرو فيه، ثم قال: أما بعد، يأيها الناس، فإن الله قد هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دول، وإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين " ؛ فلما قالها قال معاوية: اجلس، فلم يزل ضرماً على عمرو، وقال: هذا من رأيك. ولحق الحسن رضي الله عنه بالمدينة. حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: سلم الحسن بن علي رضي الله عنه إلى معاوية الكوفة، ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين. ذكر خبر الصلح بين معاوية وقيس بن سعد وفي هذه السنة جرى الصلح بين معاوية وقيس بن سعد بعد امتناع قيس من بيعته. ذكر الخبر بذلك:حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان ابن الفضل، قال: حدثني عبد الله، عن يونس، عن الزهري، قال: لما كتب عبيد الله بن عباس حين علم ما يريد الحسن من معاوية من طلب الأمان لنفسه إلى معاوية يسأله الأمان، ويشترط لنفسه على الأموال التي قد أصاب، فشرط ذلك له معاوية، بعث إليه معاوية ابن عامر في خيلٍ عظيمة، فخرج إليهم عبيد الله ليلاً حتى لحق بهم، ونزل وترك جنده الذي هو عليه لا أمير لهم، فيهم قيس بن سعد، واشترط الحسن رضي الله عنه لنفسه، ثم بايع معاوية، وأمرت شرطة الخميس قيس بن سعد على أنفسهم، وتعاهدوا هو وهم على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي رضي الله عنه ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم. وما أصابوا في الفتنة؛ فخلص معاوية حين فرغ من عبيد الله ابن عباس والحسن رضي الله عنه إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدةً، ومعه أربعون ألفاً، وقد نزل معاوية بهم وعمرو وأهل الشأم، وأرسل معاوية إلى قيس بن سعد يذكره الله ويقول: على طاعة من تقاتل، وقد بايعني الذي أعطيته طاعتك؟ فأبى قيس أن يلين له، حتى أرسل إليه معاوية بسجلٍّ قد ختم عليه في أسفله، فقال: اكتب في هذا السجل ما شئت، فهو لك. قال عمرو لمعاوية: لا تعطه هذا، وقاتله، فقال معاوية: على رسلك! فإنا لا نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشأم، فما خير العيش بعد ذلك! وإني والله لا أقاتله أبداً حتى لا أجد من قتاله بداً. فلما بعث إيه معاوية بذلك السجل اشترط قيس فيه له ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالاً، وأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس ومن معه في طاعته، وكانوا يعدون دهاة الناس حين ثارت الفتنة خمسة رهط، فقالوا: ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد؛ ومن المهاجرين عبد الله بن بديل الخزاعي؛ وكان قيس وابن بديل مع علي رضي الله عنه، وكان المغيرة بن شعبة وعمرو مع معاوية، إلا أن المغيرة كان معتزلاً بالطائف حتى حكم الحكمان، فاجتمعوا بأذرح. وقيل: إن الصلح تم بين الحسن رضي الله عنه ومعاوية في هذه السنة في شهر ربيع الآخر، ودخل معاوية الكوفة في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل: دخلها في شهر ربيع الآخر، وهذا قول الواقدي. دخول الحسن والحسين المدينة منصرفين من الكوفة وفي هذه السنة دخل الحسن والحسين ابنا علي رضي الله عنه منصرفين من الكوفة إلى المدينة. ذكر الخبر بذلك:ولما وقع الصلح بين الحسن رضي الله عنه وبين معاوية بمسكن، قام - فيما حدثت عن زياد البكائي، عن عوانة - خطيباً في الناس فقال: يا أهل العراق، إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي. قال: ثم إن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا بحشمهم وأثقالهم حتى أتوا الوفة، فلما قدمها الحسن وبرأ من جراحته، خرج إلى مسجد الكوفة فقال: يا أهل الكوفة، اتقوا الله في جيرانكم وضيفانكم، وفي أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. فجعل الناس يبكون، ثم تحملوا إلى المدينة. قال: وحال أهل البصرة بينه وبين خراج دارابجرد؛ وقالوا: فيئنا، فلما خرج إلى المدينة تلقاه ناسٌ بالقادسية فقالوا: يا مذل العرب! ذكر خروج الخوارج على معاوية وفيها خرجت الخوارج التي اعتزلت أيام علي رضي الله عنه بشهرزور على معاوية. ذكر خبرهم:حدثت عن زياد، عن عوانة، قال: قدم معاوية قبل أن يبرح الحسن من الكوفة حتى نزل النخيلة، فقالت الحرورية الخمسمائة التي كانت اعتزلت بشهرزور مع فروة بن نوفل الأشجعي: قد جاء الآن ما لا شك فيه، فسيروا إلى معاوية فجاهدوه. فأقبلوا وعليهم فروة بن نوفل حتى دخلوا الكوفة، فأرسل إليهم معاوية خيلاً من خيل أهل الشأم، فكشفوا أهل الشأم، فقال معاوية لأهل الكوفة: لا أمان لكم والله عندي حتى تكفوا بوائقكم؛ فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج فقاتلوهم، فقالت لهم الخوارج: ويلكم! ما تبغون منا! أليس معاوية عدونا وعدوكم! دعونا حتى نقاتله، وإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا، قالوا: لا والله حتى نقاتلكم؛ فقالوا: رحم الله إخواننا من أهل النهر، هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة. وأخذت أشجع صاحبهم فروة بن نوفل - وكان سيد القوم - واستعملوا عليهم عبد الله بن أبي الحر - رجلاً من طيىء - فقاتلوهم، فقتلوا، واستعمل معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص على الكوفة، فأتاه المغيرة بن شعبة وقال لمعاوية: استعملت عبد الله بن عمرو على الكوفة وعمراً على مصر، فتكون أنت بين لحيى الأسد! فعزل عبد الله، واستعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، وبلغ عمراً ما قال المغيرة لمعاوية، فدخل عمرو على معاوية فقال: استعملت المغيرة على الكوفة؟ فقال: نعم؛ فقال: أجعلته على الخراج؟ فقال: نعم؛ قال: تستعمل المغيرة على الخراج فيغتال المال، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئاً؛ استعمل على الخراج فيغتال المال، فيذهب فلا تستطيع أن تأخذ منه شيئاً؛ استعمل على الخراج من يخافك ويهابك ويتقيك. فعزل المغيرة عن الخراج، واستعمله على الصلاة، فلقي المغيرة عمراً فقال: أنت المشير على أمير المؤمنين بما أشرت به في عبد الله؟ قال: نعم؛ قال: هذه بتلك؛ ولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاص مضى فيما بلغني إلى الكوفة ولا أتاها. ذكر ولاية بسر بن أبي أرطاة على البصرة وفي هذه السنة غلب حمران بن أبان على البصرة، فوجه إليه معاوية بسراً، أمره بقتل بني زياد. ذكر الخبر عما كان من أمره في ذلك:حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: لما صالح الحسن بن علي رضي الله عنه معاوية أول سنة إحدى وأربعين، وثب حمران ابن أبان على البصرة فأخذها، وغلب عليها، فأراد معاوية أن يبعث رجلاً من بني القين إليها، فكلمه عبيد الله بن عباس ألا يفعل ويبعث غيره، فبعث بسر بن أبي أرطاة، وزعم أنه أمره بقتل بني زياد. فحدثني مسلمة بن محارب، قال: أخذ بعض بني زياد فحبسه - وزياد يومئذ بفارس، كان علي رضي الله عنه بعثه إليها إلى أكراد خرجوا بها، فظفر بهم زياد، وأقام بإصطخر - قال: فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فاستأجل بسراً، فأجله أسبوعاً ذاهباً وراجعاً، فسار سبعة أيام، فقتل تحته دابتين، فكلمه، فكتب معاوية بالكف عنهم. قال: وحدثني بعض علمائنا؛ أن أبا بكرة أقبل في اليوم السابع وقد طلعت الشمس، وأخرج بسر بني زياد ينتظر بهم غروب الشمس ليقتلهم إذا وجبت، فاجتمع الناس لذلك وأعينهم طامحة ينتظرون أبا بكرة، إذ رفع علم على نجيب أو برذون يكده ويجهده، فقام عليه، فنزل عنه، وألاح بثوبه، وكبر وكبر الناس، فأقبل يسعى على رجليه حتى أدرك بسراً قبل أن يقتلهم، فدفع إليه كتاب معاوية، فأطلقهم. حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: خطب بسر على منبر البصرة، فشتم علياً رضي الله عنه، ثم قال: نشدت الله رجلاً علم أني صادق إلا صدقني، أو كاذب إلا كذبني! قال: فقال أبو بكرة: اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذباً؛ قال: فأمر به فخنق، قال: فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى بنفسه عليه، فمنعه، فأقطعه أبو بكرة بعد ذلك مائة جريب. قال: وقيل لأبي بكرة: ما أردت إلىما صنعت! قال: أيناشدنا بالله ثم لا نصدقه! قال: فأقام بسر بالبصرة ستة أشهر، ثم شخص لا نعلمه ولى شرطته أحداً. حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن الجارود بن أبي سبرة، قال: صالح الحسن رضي الله عنه معاوية، وشخص إلى المدينة، فبعث معاوية بسر بن أبي أرطاة إلى البصرة في رجب سنة إحدى وأربعين وزياد متحصن بفارس، فكتب معاوية إلى زياد: إن في يديك مالاً من مال الله، وقد وليت ولاية فأد ما عندك من المال. فكتب إليه زياد: إنه لم يبق عندي شيء من المال، وقد صرفت ما كان عندي في وجهه، واستودعت بعضه قوماً لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمة الله عليه. فكتب إليه معاوية: أن أقبل إلي ننظر فيما وليت، وجرى على يديك، فإن استقام بيننا أمرٌ فهو ذاك، وإلا رجعت إلى مأمنك؛ فلم يأته زياد، فأخذ بسر بني زياد الأكابر منهم، فحبسهم: عبد الرحمن، وعبيد الله، وعباداً، وكتب إلى زياد: لتقدمن على أمير المؤمنين أو لأقتلن بنيك. فكتب إليه زياد: لست بارحاً من مكاني الذي أنا به حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، فإن قتلت من في يديك من ولدي فالمصير إلى الله سبحانه، ومن ورائنا وورائكم الحساب، " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون " . فهم بقتلهم، فأتاه أبو بكرة فقال: أخذت ولدي وولد أخي غلماناً بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب علي حيث كانوا، فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل؛ قال: إن على أخيك أموالاً قد أخذها فامتنع من أدائها؛ قال: ما عليه شيء، فاكفف عن بني أخي حتى آتيك بكتاب من معاوية بتخليتهم. فأجله أياماً، قال له: إن أتيتني بكتاب معاوية بتخليتهم وإلا قتلتهم أو يقبل زيادٌ إلى أمير المؤمنين؛ قال: فأتى أبو بكرة معاوية فكلمه في زياد وبنيه، وكتب معاوية إلى بسر بالكف عنه وتخلية سبيلهم، فخلاهم. حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا علي، قال: أخبرني شيخٌ من ثقيف، عن بسر بن عبيد الله، قال: خرج أبو بكرة إلى معاوية بالكوفة فقال له معاوية: يا أبا بكرة، أزائراً جئت أم دعتك إلينا حاجة؟ قال: لا أقول باطلاً، ما أتيت إلا في حاجة! قال: تشفع يا أبا بكرة ونرى لك بذلك فضلاً، وأنت لذلك أهل، فما هو؟ قال: تؤمن أخي زياداً، وتكتب إلى بسر بتخلية ولده وبترك التعرض لهم؛ فقال: أما بنو زياد فنكتب لك فيهم ما سألت؛ وأما زياد ففي يده مالٌ للمسلمين، فإذا أداه فلا سبيل لنا عليه؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن يكن عنده شيء فليس يحبسه عنك إن شاء الله. فكتب معاوية لأبي بكرة إلى بسر ألا يتعرض لأحد من ولد زياد، فقال معاوية لأبي بكرة: أتعهد إلينا عهداً يا أبا بكرة؟ قال: نعم، أعهد إليك يا أمير المؤمنين أن تنظر لنفسك ورعيتك، وتعمل صالحاً فإنك قد تقلدت عظيماً، خلافة الله في خلقه، فاتق الله فإن لك غاية لا تعدوها، ومن ولاائك طالب حثيث، فأوشك أن تبلغ المدى، فيلحق الطالب، فتصير إلى من يسألك عما كنت فيه، وهو أعلم به منك، وإنما هي محاسبة وتوقيف، فلا تؤثرن على رضا الله عز وجل شيئاً. حدثني أحمد، قال: حدثنا علي، عن سلمة بن عثمان، قال: كتب بسر إلى زياد: لئن لم تقدم لأصلبن بنيك. فكتب إليه: إن تفعل فأهل ذلك أنت، إنما بعث بك ابن آكلة الأكباد. فركب أبو بكرة إلى معاوية، فقال: يا معاوية، إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال، قال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل أولاد زياد، فكتب معاوية إلى بسر: أن خل من بيدك من ولد زياد. وكان معاوية قد كتب إلى زياد بعد قتل علي رضي الله عنه يتوعده. فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي، عن حبان بن موسى، عن المجالد، عن الشعبي، قال: كتب معاوية حين قتل علي رضي الله عنه إلى زياد يتهدده، فقام خطيباً فقال: العجب من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ورئيس الأحزاب؛ كتب إلي يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ابن عباس والحسن بن علي - في تسعين ألفاً، واضعي سيوفهم على عواتقهم، لا ينثنون، لئن خلص إلي الأمر ليجدني أحمز ضراباً بالسيف. فلم يزل زياد بفارس والياً حتى صالح الحسن رضي الله عنه معاوية، وقدم معاوية الكوفة، فتحصن زيادٌ في القلعة التي يقال لها قلعة زياد. ولاية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسانوفي هذه السنة ولى معاوية عبد الله بن عامر البصرة وحرب سجستان وخراسان. ذكر الخبر عن سبب ولاية ذلك وبعض الكائن في أيام عمله لمعاوية بها حدثني أبو زيد، قال: حدثنا علي قال: أراد معاوية توجيه عتبة ابن أبي سفيان على البصرة، فكلمه ابن عامر وقال: إن لي بها أموالاً وودائع، فإن لم توجهني عليها ذهبت. فولاه البصرة، فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين وإليه خراسان وسجستان، فأراد زيد بن جبلة على ولاية شرطته فأبى، فولى حبيب بن شهاب الشامي شرطته - وقد قيل: قيس ابن الهيثم السلمي - واستقضى عميرة بن يثربي الضبي، أخا عمرو بن يثربي الضبي. حدثني أبو زيد، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: خرج في ولاية ابن عامر لمعاوية يزيد مالك الباهلي، وهو الخطيم، وإنما سمي الخطيم لضربة أصابته على وجهه - فخرج هو وسهم بن غالب الهجيمي فأصبحوا عند الجسر، فوجدوا عبادة بن قرص الليثي أحد بني بجير - وكانت له صحبة - يصلي عند الجسر، فأنكروه فقتلوه، ثم سألوه الأمان بعد ذلك، فآمنهم ابن عامر، وكتب إلى معاوية: قد جعلت لهم ذمتك. فكتب إليه معاوية: تلك ذمةٌ لو أخفرتها لا سئلت عنها، فلم يزالوا آمنين حتى عزل ابن عامر. وفي هذه السنة ولد علي بن عبد الله بن عباس - وقيل: ولد في سنة أربعين قبل أن يقتل علي رضي الله عنه، وهذا قول الواقدي. وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان في قول أبي معشر، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وأما الواقدي فإنه ذكر عنه أنه كان يقول: حج بالناس في هذه السنة - أعني سنة إحدى وأربعين - عنبسة بن أبي سفيان. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها غزا المسلمون اللان، وغزوا أيضاً الروم، فهزموهم هزيمةً منكرة - فيما ذكروا - وقتلوا جماعةً من بطارقتهم. وقيل: في هذه السنة ولد الحجاج بن يوسف. وولى معاوية في هذه السنة مروان بن الحكم المدينة، فاستقضى مروان عبد الله بن الحارث بن نوفل. وعلى مكة خالد بن العاص بن هشام، وكان على الكوفة من قبله المغيرة بن شعبة، وعلى القضاء شريح، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وعلى قضائها عمرو بن يثربي، وعلى خراسان قيس بن الهيثم من قبل عبد الله بن عامر. وذكر علي بن محمد، عن محمد بن الفضل العبسي، عن أبيه، قال: بعث عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم على خراسان حين ولاه معاوية البصرة وخراسان، فأقام قيس بخراسان سنتين. وقد قيل في أمر ولاية قيس ما ذكره حمزة بن أبي صالح السلمي، عن زياد بن صالح، قال: بعث معاوية حين استقامت له الأمور قيس ابن الهيثم إلى خراسان، ثم ضمها إلى ابن عامر، فترك قيساً عليها. ذكر الخبر عن تحرك الخوارج وفي هذه السنة تحركت الخوارج الذين انحازوا عمن قتل منهم بالنهروان ومن كان ارتث من جرحاهم بالنهروان، فبرءوا، وعفا عنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ذكر الخبر عما كان منهم في هذه السنة ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح ابن حبيب، عن جرير بن مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، عن أبي بن عمارة العبسي، أن حيان بن ظبيان السلمي كان يرى رأي الخوارج، وكان ممن ارتث يوم النهروان، فعفا عنه علي رضي الله عنه في الأربعمائة الذين عفا عنهم من المرتثين يوم النهر، فكان في أهله وعشيرته، فلبث شهراً أو نحوه. ثم إنه خرج إلى الري في رجال كانوا يرون ذلك الرأي، فلم يزالوا مقيمين بالري حتى بلغهم قتل علي كرم الله وجهه، فدعا أصحابه أولئك - وكانوا بضعة عشر رجلاً، أحدهم سالم بن ربيعة العبسي - فأتوه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الإخوان من المسلمين، إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم أخا مراد قعد لقتل علي بن أبي طالب عند أغباش الصبح مقابل السدة التي في المسجد مسجد الجماعة، فلم يبرح راكداً ينتظر خروجه حتى خرج عليه حين أقام المقيم الصلاة صلاة الصبح، فشد عليه فضرب رأسه بالسيف، فلم يبق إلا ليلتين حتى مات، فقال سالم بن ربيعة العبسي: لا يقطع الله يميناً علت قذاله بالسيف؛ قال: فأخذ القوم يحمدون الله على قتله رضي الله عنه ولا رضى عنهم ولا رحمهم! قال النضر بن صالح: فسألت بعد ذلك سالم بن ربيعة في إمارة مصعب ابن الزبير عن قوله ذلك في علي رضي الله عنه، فأقر لي به، وقال: كنت أرى رأيهم حيناً، ولكن قد تركته؛ قال: فكان في أنفسنا أنه قد تركه؛ قال: فكان إذا ذكروا له ذلك يرمضه. قال: ثم إن حيان بن ظبيان قال لأصحابه: إنه والله ما يبقى على الدهر باقٍ، وما تلبث الليالي والأيام والسنون والشهور على ابن آدم حتى تذيقه الموت، فيفارق الإخوان الصالحين، ويدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا العجزة، ولم تزل ضارةً لمن كانت له هماً وشجناً؛ فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصرنا، فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذر لنا في القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم، ويشفي الله بذلك صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحةً لنا، ولنا بأسلافنا أسوة. فقالوا له: كلنا قائل ما ذكرت، وحامدٌ رأيك الذي رأيت، فرد بنا المصر فإنا معك راضون بهداك وأمرك؛ فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة، فذلك حين يقول: خليلي ما بي من عزاءٍ ولا صبر ... ولا إربةٍ بعد المصابين بالنهر سوى نهضاتٍ في كتائب جمةٍ ... إلى الله ما تدعو وفي الله ما تفري إذا جاوزت قسطانة الري بغلتي ... فلست بسارٍ نحوها آخر الدهر ولكنني سارٍ وإن قل ناصري ... قريباً فلا أخزيكما مع من يسري قال: وأقبل حتى نزل الكوفة، فلم يزل بها حتى قدم معاوية، وبعث المغيرة بن شعبة والياً على الكوفة، فأحب العافية، وأحسن في الناس السيرة، ولم يفتش أهل الأهواء عن أهوائهم، وكان يؤتى فيقال له: إن فلاناً يرى رأي الشيعة، وإن فلاناً يرى رأي الخوارج. وكان يقول: قضى الله ألا تزالون مختلفين، وسيحكم الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. فأمنه الناس، وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضاً، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ويرون أن في الإقامة الغبن والوكف، وأن في جهاد أهل القبلة الفضل والأجر. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح، عن أبي بن عمارة، أن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر؛ منهم المستورد بن علفة، فخرج في ثلاثة رجل مقبلاً نحو جراجرايا على شاطىء دجلة. قال أبو مخنف: وحدثني جعفر بن حذيفة الطائي من آل عامر بن جوين، عن المحل بن خليفة، أن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر؛ منهم المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب، وإلى حيان بن ظبيان السلمي، وإلى معاذ بن جوين بن حصين الطائي السنبسي - وهو ابن عم زيد بن حصين، وكان زيد ممن قتله علي رضي الله عنه يوم النهروان، وكان معاذ بن جوين هذا في الأربعمائة الذين ارتشوا من قتلى الخوارج، فعفا عنهم علي رضي الله عنه - فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي، فتشاوروا فيمن يولون عليهم. قال: فقال لهم المستورد: يأيها المسلمون والمؤمنون، أراكم الله ما تحبون، وعزل عنكم ما تكرهون، ولوا عليكم من أحببتم، فوالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ما أبالي من كان الوالي علي منكم! وما شرف الدنيا نريد، وما إلى البقاء فيها من سبيل، وما نريد إلا الخلود في دار الخلود. فقال حيان بن ظبيان: أما أنا فلا حاجة لي فيها وأنا بك وبكل امرىءٍ من إخواني راضٍ، فانظروا من شئتم منكم فسموه، فأنا أول من يبايعه. فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين: إذا قلتما أنتما هذا وأنتما سيدا المسلمين وذوا أنسابهم في صلاحكما ودينكما وقدركما، فمن يرئس المسلمين، وليس كلكم يصلح لهذا الأمر! وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقههم في الدين، وأشدهم اضطلاعاً بما حمل، وأنتما بحمد الله ممن يرضى بهذا الأمر، فليتوله أحدكما. قالا: فتوله أنت، فقد رضيناك، فأنت والحمد لله الكامل في دينك ورأيك، فقال لهما: أنتما أسن مني، فليتوله أحدكما، فقال حينئذ جماعة من حضرهما من الخوارج: قد رضينا بكم أيها الثلاثة، فولوا أيكم أجبتم؛ فليس في الثلاثة رجل إلا قال لصاحبه: تولها أنت، فإني بك راضٍ، وإني فيها غير ذي رغبة. فلما كثر ذلك بينهم قال حيان بن ظبيان، فإن معاذ بن جوين قال: إني لا ألى عليكما وأنتما أسن مني، وأنا أقول لك مثل ما قال لي ولك، لا ألى عليك وأنت أسن مني، ابسط يدك أبايعك. فبسط يده فبايعه، ثم بايعه معاذ بن جوين، ثم بايعه القوم جميعاً، وذلك في جمادى الآخرة. فاتعد القوم أن يتجهزوا ويتيسروا ويستعدوا، ثم يخرجوا في غرة الهلال هلال شعبان سنة ثلاث وأربعين، فكانوا في جهازهم وعدتهم. وقيل: في هذه السنة سار بسر بن أبي أرطاة العامري إلى المدينة ومكة واليمن، وقتل من قتله في مسيره ذلك من المسلمين. وذلك قول الواقدي، وقد ذكرت من خالفه في وقت مسيره هذا السير. وزعم الواقدي أن داود بن حيان حدثه، عن عطاء بن أبي مروان، قال: أقام بسر بن أبي أرطاة بالمدينة شهراً يستعرض الناس، ليس أحدٌ ممن يقال هذا أعان على عثمان إلا قتله. وقال عطاء بن أبي مروان: أخبرني حنظلة بن علي الأسلمي، قال: وجد قوماً من بني كعب وغلمانهم على بئرٍ لهم فألقاهم في البئر. ذكر قدوم زياد على معاوية وفي هذه السنة قدم زيادٌ - فيما حدثني عمر - قال: حدثنا أبو الحسن، عن سليمان بن أرقم، قدم على معاوية بن فارس، فصالحه على مال يحمله إليه. وكان سبب قدومه بعد امتناعه بقلعة من قلاع فارس، ما حدثني عمر قال: حدثنا أبو الحسن، عن مسلمة بن محارب، قال: كان عبد الرحمن بن أبي بكرة يلي ما كان لزياد بالبصرة، فبلغ معاوية أن لزياد أموالاً عند عبد الرحمن، وخاف زيادٌ على أشياء كانت في يد عبد الرحمن لزياد، فكتب إليه يأمره بإحرازها، وبعث معاوية إلى المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد، فقدم المغيرة، فأخذ عبد الرحمن، فقال: لئن كان أساء إلي أبوك لقد أحسن زياد. وكتب إلى معاوية: إني لم أصب في يد عبد الرحمن شيئاً يحل لي أخذه. فكتب معاوية إلى المغيرة أن عذبه. قال: وقال بعض المشيخة: إنه عذب عبد الرحمن بن أبي بكرة إذ كتب إليه معاوية، وأراد أن يعذر ويبلغ معاوية ذلك، فقال: احتفظ بما أمرك به عمك، فألقى على وجهه حريرةً ونضحها بالماء، فكانت تلتزق بوجهه، فغشي عليه، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم خلاه، وكتب إلى معاوية: إني عذبته، فلم أصب عنده شيئاً، فحفظ لزياد يده عنده. حدثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن عبد الملك بن عبد الله الثقفي، عن أشياخ من ثقيف، قالوا: دخل المغيرة بن شعبة على معاوية، فقال معاوية حين نظر إليه: إنما موضع سر المرء إن ... باح بالسر أخوه لمنتصح فإذا بحت بسرٍّ فإلى ... ناصحٍ يستره أو لا تبح فقال: يا أمير المؤمنين، إن تستودعني تستودع ناصحاً شفيقاً ورعاً وثيقاً، فما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرت زياداً واعتصامه بأرض فارس، وامتناعه بها، فلم أنم ليلتي؛ فأراد المغيرة أن يطأطىء من زياد، فقال: ما زياد هناك يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: بئس الوطء العجز، داهية العرب معه الأموال، متحصن بقلاع فارس، يدبر ويربص الحيل، ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت. فإذا هو قد أعاد علي الحرب خدعة فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه! قال: نعم، فأته وتلطف له، فأتى المغيرة زياداً، فقال زياد حين بلغه قدوم المغيرة: ما قدم إلا لأمر، ثم أذن له، فدخل عليه وهو في بهوٍ له مستقبل الشمس، فقال زياد: أفلح رائد! فقال: إليك ينتهي الخبر أبا المغيرة، إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك، ولم يكن يعلم أحداً يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع معاوية، فخذ لنفسك قبل التوطين، فيستغني عنك معاوية، قال: أشر علي، وارم الغرض الأقصى، ودع عنك الفضول، فإن المستشار مؤتمن؛ فقال المغيرة: في محض الرأي بشاعة، ولا خير في المذيق، أرى أن تصل حبلك بحبله، وتشخص إليه؛ قال: أرى ويقضي الله. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن مسلمة بن محارب، قال: أقام زياد في القلعة أكثر من سنة، فكتب إليه معاوية: علام تهلك نفسك؟ إلي فأعلمني علم ما صار إليك مما اجتبيت من الأموال، وما خرج من يديك، وما بقي عندك، وأنت آمن، فإن أحببت المقام عندنا أقمت، وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت. فخرج زياد من فارس، وبلغ المغيرة بن شعبة أن زياداً قد أجمع على إتيان معاوية، فشخص المغيرة إلى معاوية قبل شخوص زياد من فارس، وأخذ زياد من إصطخر إلى أرجان، فأتى ماه بهزاذان، ثم أخذ طريق حلوان حتى قدم المدائن، فخرج عبد الرحمن إلى معاوية يخبره بقدوم زياد، ثم قدم زياد الشأم، وقدم المغيرة بعد شهر، فقال له معاوية: يا مغيرة، زياد أبعد منك بمسيرة شهر، وخرجت قبله وسبقك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأريب إذا كلم الأريب أفحمه؛ قال: خذ حذرك، واطو عني سرك، فقال: إن زياداً قدم يرجو الزيادة، وقدمت أتخوف النقصان، فكان سيرنا على حسب ذلك؛ قال: فسأل معاوية زايداً عما صار إليه من أموال فارس، فأخبره بما حمل منها إلى علي رضي الله عنه، وما أنفق منها في الوجوه التي يحتاج فيها إلى النفقة، فصدقه معاوية على ما أنفق، وما بقي عنده، وقبضه منه، وقال: قد كنت أمين خلفائنا. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو مخنف وأبو عبد الرحمن الأصبهاني وسلمة بن عثمان وشيخ من بني تميم وغيرهم ممن يوثق بهم، قال: كتب معاوية إلى زياد وهو بفارس يسأله القدوم عليه، فخرج زيادٌ من فارس مع المنجاب بن راشد الضبي وحارثة بن بدر الغداني، وسرح عبد الله بن خازم في جماعة إلى فارس، فقال: لعلك تلقى زياداً في طريقك فتأخذه. فسار ابن خازم إلى فارس، فقال بعضهم: لقيه بسوق الأهواز، وقال بعضهم: لقيه بأرجان، فأخذ ابن خازم بعنان زياد، فقال: انزل يا زياد، فصاح به المنجاب بن راشد: تنح يابن سوداء، وإلا علقت يدك بالعنان. قال: ويقال: انتهى إليهم ابن خازم وزياد جالس، فأغلظ له ابن خازم، فشتم المنجاب بن خازم، فقال له زياد: ما تريد يابن خازم؟ قال: أريد أن تجيء إلى البصرة؛ قال: فإني آتيها؛ فانصرف ابن خازم استحياءً من زياد. وقال بعضهم: التقى زياد وابن خازم بأرجان، فكانت بينهم منازعة، فقال زياد لابن خازم قد أتاني أمان معاوية، فأنا أريده، وهذا كتابه إلي. قال: فإن كنت تريد أمير المؤمنين فلا سبيل عليك، فمضى ابن خازم إلى سابور، ومضى زياد إلى ماه بهزاذان، وقدم على معاوية، فسأله عن أموال فارس، فقال: دفعتها يا أمير المؤمنين في أرزاق وأعطيات وحمالات، وبقيت بقية أودعتها قوماً، فمكث بذلك يردده، وكتب زياد كتباً إلى قوم منهم شعبة بن القلعم: قد علمتم ما لي عندكم من الأمانة، فتدبروا كتاب الله عز وجل؛ " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال... " الآية، فاحتفظوا بما قبلكم. وسمي في الكتب بالمبلغ الذي أقر به لمعاوية، ودس الكتب مع رسوله، وأمره أن يعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية، فتعرض رسوله حتى انتشر ذلك، وأخذ فأتى به معاوية، فقال معاوية لزياد: لئن لم تكن مكرت بي إن هذه الكتب من حاجتي. فقرأها، فإذا هي بمثل ما أقر به؛ فقال معاوية: أخاف أن تكون قد مكرت بي، فصالحني على ما شئت، فصالحه على شيء مما ذكره أنه عنده، فحمله، وقال زياد: يا أمير المؤمنين، قد كان لي مال قبل الولاية، فوددت أن ذلك المال بقي، وذهب ما أخذت من الولاية. ثم سأل زياد معاوية أن يأذن له في نزول الكوفة فأذن له، فشخص إلى الكوفة، فكان المغيرة يكرمه ويعظمه، فكتب معاوي إلى المغيرة: خذ زياداً وسليمان بن صرد وحجر بن عدي وشبث بن ربعي وابن الكواء وعمرو بن الحمق بالصلاة في الجماعة؛ فكانوا يحضرون معه في الصلاة. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي، عن سليمان بن أرقم، قال: بلغني أن زياداً قدم الكوفة، فحضرت الصلاة، فقال له المغيرة: تقدم فصل؛ فقال: لا أفعل، أنت أحق مني بالصلاة في سلطانك. قال: ودخل عليه زياد وعند المغيرة أم أيوب بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط، فأجلسها بين يديه، وقال: لا تستري من أبي المغيرة، فلما مات المغيرة تزوجها زياد وهي حدثة، فكان زياد يأمر بفيل كان عنده، فيوقف، فتنظر إليه أم أيوب، فسمي باب الفيل. وحج بالناس في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة بسر بن أبي أرطاة الروم ومشتاه بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية - فيما زعم الواقدي - وقد أنكر ذاك قومٌ من أهل الأخبار، فقالوا: لم يكن لبسر بأرض الروم مشتى قط. وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وقبل كان عمل عليها لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهراً. وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر بعد موت أبيه، فوليها له - فيما زعم الواقدي - نحواً من سنتين. وفيها مات محمد بن مسلمة في صفر بالمدينة، وصلى عليه مروان بن الحكم. خبر قتل المستورد بن علفة الخارجي وفيها قتل المستورد بن علفة الخارجي، فيما زعم هشام بن محمد. وقد زعم بعضهم أنه قتل في سنة اثنتين وأربعين. ذكر الخبر عن مقتلهقد ذكرنا ما كان من اجتماع بقايا الخوارج الذين كانوا راتثوا يوم النهر، ومن كان منهم انحاز إلى الري وغيرهم إلى النفر الثلاثة الذين سميت قبل، الذين حدهم المستورد بن علفة، وذكرنا بيعتهم المستورد، واجتماعهم على الخروج في غرة هلال شعبان من سنة ثلاث وأربعين. فذكر هشام، عن أبي مخنف؛ أن جعفر بن حذيفة الطائي حدثه عن المحل بن خليفة، أن قبيصة بن الدمون أتى المغيرة بن شعبة - وكان على شرطته - فقال: إن شمر بن جعونة الكلابي جاءني فخبرني أن الخوارج قد اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي، وقد اتعدوا أن يخرجوا إليك في غرة شعبان، فقال المغيرة بن شعبة لقبيصة بن الدمون - وهو حليف لثقيف، وزعموا أن أصله كان من حضرموت من الصدف: سر بالشرطة حتى تحيط بدار حيان بن ظبيان فأتني به، وهم لا يرون إلا أنه أمير تلك الخوارج. فسار قبيصة في الشرطة وفي كثير من الناس، فلم يشعر حيان بن ظبيان إلا والرجال معه في داره نصف النهار، وإذا معه معاذ بن جوين ونحوٌ من عشرين رجلاً من اصحابهما، وثارت امرأته؛ أم ولد له فأخذت سيوفاً كانت لهم، فألقتها تحت الفراش، وفزع بعض القوم إلى سيوفهم فلم يجدوها، فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة ابن شعبة، فقال لهم المغيرة: ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين؟ فقالوا: ما أردنا من ذلك شيئاً؛ قال: بلى، قد بلغني ذلك عنكم، ثم قد صدق ذلك عندي جماعتكم؛ قالوا له: أما اجتماعنا في هذا المنزل فإن حيان ابن ظبيان أقرأنا القرآن، فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه. فقال: اذهبوا بهم إلى السجن، فلم يزالوا فيه نحواً من سنة، وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا، وخرج صاحبهم المستورد بن علفة فنزل داراً بالحيرة إلى جنب قصر العدسيين من كلب، فبعث إلى إخوانه، وكانوا يختلفون إليه ويتجهزون، فلما كثر اختلاف أصحابه إليه قال لهم صاحبهم المستورد بن علفة التيمي: تحولوا بنا عن هذا المكان، فإني لا آمن أن يطلع عليكم. فإنهم في ذلك يقول بعضهم لبعض: نأتي مكان كذا وكذا، ويقول بعضهم: نأتي مكان كذا وكذا؛ إذ أشرف عليهم حجار بن أبجر من دار كان هو فيها وطائفة من أهله، فإذا هم بفارسين قد أقبلا حتى دخلا تلك الدار التي فيها القوم، ثم لم يكن بأسرع من أن جاء آخران فدخلا، ثم لم يكن إلا قليل حتى جاء آخر فدخل، ثم آخر فدخل، وكان ذلك يعنيه، وكان خروجهم قد اقترب، فقال حجار لصاحبة الدار التي كان فيها نازلاً وهي ترضع صبياً لها: ويحك! ما هذه الخيل التي أراها تدخل هذه الدار؟ قالت: والله ما أدري ما هم! إلا أن الرجال يختلفون إلى هذه الدار رجالاً وفرساناً لا ينقطعون، ولقد أنكرنا ذلك منذ أيام، ولا ندري من هم! فركب حجار فرسه، وخرج معه غلام له، فأقبل حتى انتهى إلى باب دارهم، فإذا عليه رجلٌ منهم، فكلما أتى إنسان منهم إلى الباب دخل إلى صاحبه فأعلمه، فأذن له، فإن جاءه رجل من معروفيهم دخل ولم يستأذن، فلما انتهى إليه حجار لم يعرفه الرجل، فقال: من أنت رحمك الله؟ وما تريد؟ قال: أردت لقاء صاحبي، قال له: وما اسمك؟ قال له: حجار بن أبجر؛ قال: فكما أنت حتى أوذنهم بك. ثم أخرج إليك. فقال له حجار: ادخل راشداً! فدخل الرجل، واتبعه حجار مسرعاً، فانتهى إلى باب صفة عظيمة فيها، وقد دخل إليهم الرجل فقال: هذا رجل يستأذن عليك أنكرته فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا حجار بن أبجر، فسمعهم يتفزعون ويقولون: حجار بن أبجر! والله ما جاء حجار بن أبجر بخير. فلما سمع القول منهم أراد أن ينصرف ويكتفي بذلك من الاسترابة بأمرهم، ثم أبت نفسه أن ينصرف حتى يعاينهم، فتقدم حتى قام بين سجفي باب الصفة وقال: السلام عليكم، فنظر فإذا هو بجماعة كثيرة، وإذا سلاحٌ ظاهر ودروع، فقال حجار: اللهم اجمعهم على خير، من أنتم عافاكم الله؟ فعرفه علي بن أبي شمر ابن الحصين، من تيم الرباب - وكان أحد الثمانية الذين انهزموا من الخوارج يوم النهر، وكان من فرسان العرب ونساكهم وخيارهم - فقال له: يا حجار ابن أبجر، إن كنت إنما جاء بك التماس الخبر فقد وجدته، وإن كنت إنما جاء بك أمرٌ غير ذلك فادخل، وأخبرنا ما أتى بك؛ فقال: لا حاجة لي في الدخول، فانصرف، فقال بعضهم لبعض: أدركوا هذا فاحبسوه، فإنه مؤذنٌ بكم، فخرجت منهم جماعةٌ في أثره - وذلك عند تطفيل الشمس للإياب - فانتهوا إليه وقد ركب فرسه، فقالوا له: أخبرنا خبرك، وما جاء بك؟ قال: لم آت لشيء يروعكم ولا يهولكم، فقالوا له: انتظر حتى ندنو منك ونكلمك، أو تدنو منا؛ أخبرنا فنعلمك أمرنا، ونذكر حاجتنا، فقال لهم: ما أنا بدانٍ منكم، ولا أريد أن يدنو مني منكم أحد؛ فقال له علي بن أبي شمر بن الحصين: أفمؤمننا أنت من الإذن بنا هذه الليلة وأنت محسن؛ فإن لنا قرابةً وحقاً؟ قال: نعم، أنتم آمنون من قبلي هذه الليلة وليالي الدهر كلها؛ ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه. وقال الآخرون بعضهم لبعض: إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا، فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتنا هذه؛ قال: فصلوا المغرب، ثم خرجوا من الحيرة متفرقين، فقال لهم صاحبهم: الحقوا بي في دار سليم بن محدوج العبدي من بني سلمة، فخرج من الحيرة، فمضى حتى أتى عبد القيس، فأتى بني سلمة، فبعث إلى سليم بن محدوج - وكان له صهراً - فأتاه، فأدخله وأصحاباً له خمسةً أو ستة، ورجع حجار بن أبجر إلى رحله، فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكرٌ لهم عند السلطان أو الناس، فما ذكرهم عند أحد منهم، ولا بلغهم عنه في ذلك شيء يكرهونه.ننا أنت من الإذن بنا هذه الليلة وأنت محسن؛ فإن لنا قرابةً وحقاً؟ قال: نعم، أنتم آمنون من قبلي هذه الليلة وليالي الدهر كلها؛ ثم انطلق حتى دخل الكوفة وأدخل أهله معه. وقال الآخرون بعضهم لبعض: إنا لا نأمن أن يؤذن بنا هذا، فاخرجوا بنا من هذا الموضع ساعتنا هذه؛ قال: فصلوا المغرب، ثم خرجوا من الحيرة متفرقين، فقال لهم صاحبهم: الحقوا بي في دار سليم بن محدوج العبدي من بني سلمة، فخرج من الحيرة، فمضى حتى أتى عبد القيس، فأتى بني سلمة، فبعث إلى سليم بن محدوج - وكان له صهراً - فأتاه، فأدخله وأصحاباً له خمسةً أو ستة، ورجع حجار بن أبجر إلى رحله، فأخذوا ينتظرون منه أن يبلغهم منه ذكرٌ لهم عند السلطان أو الناس، فما ذكرهم عند أحد منهم، ولا بلغهم عنه في ذلك شيء يكرهونه. فبلغ الخبر المغيرة بن شعبة أن الخوارج خارجةٌ عليه في أيامه تلك، وأنهم قد اجتمعوا على رجل منهم، فقام المغيرة بن شعبة في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية، وأكف عنكم الأذى، وأني والله لقد خشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفائكم، فأما الحلماء الأتقياء فلا، وايم الله لقد خشيت ألا أجد بداً من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل، فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم. وقد ذكر لي أن رجالاً منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حيٍّ من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالاً لمن بعدهم، فنظر قومٌ لأنفسهم قبل الندم، فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار. فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير، هل سمي لك أحدٌ من هؤلاء القوم؟ فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم؟ فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا، فأتتك كل قبيلة بسفهائها، فقال: ما سمي لي أحد منهم، ولكن قد قيل لي: إن جماعةً يريدون أن يخرجوا بالمصر؛ فقال له معقل: أصلحك الله! فإني أسير في قومي، وأكفيك ما هم فيه، فليكفك كل امرىء من الرؤساء قومه. فنزل المغيرة بن شعبة، وبعث إلى رؤساء الناس فدعاهم، ثم قال لهم: إنه قد كان من الأمر ما قد علمتم، وقد قلت ما قد سمعتم، فليكفني كل امرىء من الرؤساء قومه، وإلا فوالذي لا إله غيره لأتحولن عما كنتم تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون، فلا يلم لائمٌ إلا نفسه، وقد أعذر من أنذر. فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم، فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يريد أن يهيج فتنةً، أو يفارق جماعةً؛ وجاء صعصعة بن صوحان فقام في عبد القيس. قال هشام: قال ابن مخنف: فحدثني الأسود بن قيس العبدي، عن مرة بن النعمان، قال: قام فينا صعصعة بن صوحان وقد والله جاءه من الخبر بمنزل التيمي وأصحابه في دار سليم بن محدوج، ولكنه كره على فراقه إياهم وبغضه لرأيهم، أن يؤخذوا في عشيرته، وكره مساءة أهل بيت من قومه، فقال: قولاً حسناً، ونحن يومئذ كثيرٌ أشرافنا، حسنٌ عددنا، قال: فقام فينا بعد ما صلى العصر، فقال: يا معشر عباد الله، إن الله - وله الحمد كثيراً - لما قسم الفضل بين المسلمين خصكم منه بأحسن القسم، فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره الله لنفسه، وارتضاه لملائكته ورسله، ثم أقمتم عليه حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة، وارتدت طائفة، وأدهنت طائفة، وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيماناً به وبرسوله، وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين، وأهلك الله الظالمين، فلم يزل الله يزيدكم بذلك خيراً في كل شيء، وعلى كل حال، حتى اختلفت الأمة بينها، فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبي، راسب الأزد، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل البيت الذين ابتدأنا الله من قبلهم بالكرامة، تسديداً من الله لكم وتوفيقاً، فلم تزالوا على الحق لازمين له، آخذين به، حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هداكم ورأيكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر - وسكت عن ذكر أهل الشأم، لأن السلطان كان حينئذ سلطانهم - ولا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة الخاطئة، الذين فارقوا إمامنا، واستحلوا دماءنا، وشهدوا علينا بالكفر؛ فإياكم أن تؤووهم في دوركم، أو تكتموا عليهم، فإنه ليس ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد والله ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي، وأنا باحثٌ عن ذلك وسائل، فإن كان حكي لي ذلك حقاً تقربت إلى الله تعالى بدمائهم، فإن دماءهم حلال. ثم قال: يا معشر عبد القيس، إن ولاتنا هؤلاء هم أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلاً، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى أمثالكم. ثم تنحى فجلس، فكل قومه قال: لعنهم الله! وقال: برىء الله منهم، فلا والله فلا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم؛ غير سليم بن محدوج، فإنه لم يقل شيئاً، فرجع إلى قومه كئيباً واجماً، يكره أن يخرج أصحابه من منزله فيلوموه، وقد كانت بينهم مصاهرة، وكان لهم ثقة، ويكره أن يطلبوا في داره فيهلكوا ويهلك. وجاء فدخل رحله، وأقبل أصحاب المستورد يأتونه، فليس منهم رجلٌ غلا يخبره بما قام به المغيرة بن شعبة في الناس وبما جاءهم رؤساؤهم، وقاموا فيهم، وقالوا له: اخرج بنا، فوالله ما نأمن أن نؤخذ في عشائرنا. قال: فقال لهم: أما ترون رأس عبد القيس قام فيهم كما قامت رؤساء العشائر في عشائرهم؟ قالوا: بلى والله نرى. قال: فإن صاحب منزلي لم يذكر لي شيئاً؛ قالوا: نرى والله أنه استحيا منك، فدعاه فأتاه، فقال: يابن محدوج؛ إنه قد بلغني أن رؤساء العشائر قاموا إليهم، وتقدموا إليهم في وفي أصحابي، فهل قام فيكم أحدٌ يذكر لكم شيئاً من ذلك؟ قال: فقال: نعم؛ قد قام فينا صعصعة بن صوحان، فتقدم إلينا في ألا نؤوي أحداً من طلبتهم، وقالوا أقاويل كثيرةً كرهت أن أذكرها لكم فتحسبوا أنه ثقل علي شيء من أمركم؛ فقال له المستورد: قد أكرمت المثوى، وأحسنت الفعل، ونحن إن شاء الله مرتحلون عنك؛ ثم قال: أما والله لو أرادوك في رحلي ما وصلوا إليك ولا إلى أحد من أصحابك حتى أموت دونكم، قال: أعاذك الله من ذلك! وبلغ الذين في محبس المغيرة ما أجمع عليه أهل المصر من الرأي في نفي من كان بينهم من الخوارج وأخذهم، فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك: ألا أيها الشارون قد حان لامرىءٍ ... شرى نفسه لله أن يترحلا أقمتم بدار الخاطئين جهالةً ... وكل امرىءٍ منكم يصاد ليقتلا فشدوا على القوم العداة فإنما ... أقامتكم للذبح رأياً مضللا ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي ... إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا فيا ليتني فيكم على ظهر سابحٍ ... شديد القصيرى دارعاً غير أعزلا ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم ... فيسقيني كأس المنية أولا يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجرد في المحلين منصلا ولما يفرق جمعهم كل ماجدٍ ... إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا مشيحاً بنصل السيف في حمس الوغى ... يرى الصبر ي بعض المواطن أمثلا وعز علي أن تضاموا وتنقصوا ... وأصبح ذا بثٍّ أسيراً مكبلا ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم ... أثرت إذاً بين الفريقين قسطلا فيا رب جمعٍ قد فللت وغارةٍ ... شهدت وقرنٍ قد تركت مجدلا فبعث المستورد إلى أصحابه فقال لهم: اخرجوا من هذه القبيلة لا يصب امأ مسلماً في سببنا بغير علمٍ معرةٌ. وكان فيهم بعض من يرى رأيهم، فاتعدوا سوراً، فخرجوا إليها متقطعين من أربعة وخمسة وعشرة، فتتاموا بها ثلثمائة رجل، ثم ساروا إلى الصراة، فباتوا بها ليلةً. ثم إن المغيرة بن شعبة أخبر خبرهم، فدعا رؤساء الناس، فقال: إن هؤلاء الأشقياء قد أخرجهم الحين وسوء الرأي، فمن ترون أبعث إليهم؟ قال: فقام إليه عدي بن حاتم، فقال: كلنا لهم عدو، ولرأيهم مسفه، وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم. فقام معقل بن قيس، فقال: إنك لا تبعث إليهم أحداً ممن ترى حولك من أشراف المصر إلا وجدته سامعاً مطيعاً، ولهم مفارقاً، ولهلاكهم محباً، ولا أرى أصلحك الله أن تبعث إليهم أحداً من الناس أعدى لهم ولا أشد عليهم مني، فابعثني إليهم فإني أكفيكهم بإذن الله؛ فقال: اخرج على اسم الله؛ فجهز معه ثلاثة آلاف رجل. وقال المغيرة لقبيصة بن الدمون: الصق لي بشيعة عليٍّ، فأخرجهم مع معقل بن قيس، فإنه كان من رءوس أصحابه، فإذا بعثت بشيعته الذين كانوا يعرفون فاجتمعوا جميعاً، استأنس بعضهم ببعض وتناصحوا، وهم أشد استحلالاً لدماء هذه المارقة، وأجرأ عليهم من غيرهم، وقد قاتلوا قبل هذه المرة. قال ابن مخنف: فحدثني الأسود بن قيس، عن مرة بن منقذ بن النعمان، قال: كنت فيمن ندب معه يومئذ؛ قال: لقد كان صعصعة ابن صوحان قام بعد معقل بن قيس وقال: ابعثني إليهم أيها الأمير، فأنا والله لدمائهم مستحل، وبحملها مستقل؛ فقال: اجلس؛ فإنما أنت خطيب، فكان أحفظه ذلك، وإنما قال ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان رضي الله عنه، ويكثر ذكر علي ويفضله، وقد كان دعاه، فقال: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان عند أحد من الناس، وإياك أن يبلغني عنك أنك تظهر شيئاً من فضل عليٍّ علاينةً، فإنك لست بذاكر من فضل عليٍّ شيئاً أجهله، بل أنا أعلم بذلك، ولكن هذا السلطان قد ظهر، وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس، فنحن ندع كثيراً مما أمرنا به، ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بداً، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية، فإن كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك وبين أصحابك وفي منازلكم سراً، وأما علانيةً في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا، ولا يعذرنا به، فكان يقول له: ابعثني إليهم، وجد المغيرة قد حقد عليه خلافه إياه، فقال: اجلس فإنما أنت خطيب، فأحفظه، فقال له: أوما أنا إلا خطيب فقط! أجل والله، إني للخطيب الصليب الرئيس، أما والله لو شهدتني تحت راية عبد القيس يوم الجمل حيث اختلفت القنا، فشئون تفرى، وهامةٌ تختلى، لعلمت أني أنا الليث الهزبر؛ فقال: حسبك الآن، لعمري قد أوتيت لساناً فصيحاً، ولم يلبث قبيصة بن الدمون أن أخرج الجيش مع معقل، وهم ثلاثة آلاف نقاوة الشيعة وفرسانهم. قال ابن مخنف: فحدثني النضر بن صالح، عن سالم بن ربيعة، قال: إني جالس عند المغيرة بن شعبة حين أتاه معقل بن قيس يسلم عليه ويودعه، فقال له المغيرة: يا معقل بن قيس: إني قد بعثت معك فرسان أهل المصر، أمرت بهم فانتخبوا انتخاباً، فسر إلى هذه العصابة المارقة الذين فارقوا جماعتنا، وشهدوا عليها بالكفر، فادعهم إلى التوبة، وإلى الدخول في الجماعة، فإن فعلوا فاقبل منهم، واكفف عنهم، وإن هم لم يفعلوا فناجزهم، واستعن بالله عليهم. فقال معقل بن قيس: سندعوهم ونعذر، وايم الله ما أرى أن يقبلوا، ولئن لم يقبلوا الحق لا نقبل منهم الباطل، هل بلغك - أصلحك الله - أين منزل القوم؟ قال: نعم، كتب إلي سماك بن عبيد العبسي - وكان عاملاً له على المدائن - يخبرني أنهم ارتحلوا من الصراة، فأقبلوا حتى نزلوا بهرسير، وأنهم أرادوا أن يعبروا إلى المدينة العتيقة التي بها منازل كسرى وأبيض المدائن، فمنعهم سماك أن يجوزوا، فنزلوا بمدينة بهرسير مقيمين، فاخرج إليهم، وانكمش في آثارهم حتى تلحقهم، ولا تدعهم والإقامة في بلد ينتهي إليهم فيه أكثر من الساعة التي تدعوهم فيها، فإن قبلوا وإلا فناههضهم، فإنهم لن يقيموا ببلد يومين إلا افسدوا كل من خالطهم. فخرج من يومه فبات بسورا، فأمر المغيرة مولاه وارداً، فخرج إلى الناس في مسجد الجماعة، فقال: أيها الناس، إن معقل بن قيس قد سار إلى هذه المارقة، وقد بات الليلة بسورا، فلا يتخلفن عنه أحد من أصحابه. ألا وإن الأمير يخرج على كل رجل من المسلمين منهم، ويعزم عليهم أن يبيتوا بالكوفة، ألا وأيما رجل من هذا البعث وجدناه بعد يومنا بالكوفة فقد أحل بنفسه. قال ابن مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: كنت فيمن خرج مع المستورد بن علفة، وكنت أحدث رجلٍ فيهم. قال: فخرجنا حتى أتينا الصراة، فأقمنا بها حتى تتامت جماعتنا، ثم خرجنا حتى انتهينا إلى بهرسير، فدخلناها ونذر بنا سماك بن عبيد العبسي، وكان في المدينة العتيقة، فلما ذهبنا لنعبر الجسر إليهم قاتلنا عليه، ثم قطعه علينا، فأقمنا ببهرسير. قال: فدعاني المستورد بن علفة، فقال: أتكتب يابن أخي؟ قلت: نعم، فدعا لي برقٍّ ودواة، وقال: اكتب: من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد، أما بعد، فقد نقمنا على قومنا الجور في الأحكام، وتعطيل الحدود، والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وولاية ابي بكر وعمر رضوان الله عليهما، والبراءة من عثمان وعلي، لإحداثهما في الدين، وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، وإلا تقبل فقد بالغنا في الإعذار إليك، وقد آذناك بحرب، فتبذنا إليك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. قال: فقال المستورد: انطلق إلى سماك بهذا الكتاب فادفعه إليه، واحفظ ما يقول لك، والقني. قال: وكنت فتىً حدثاً حين أدركت، لم أجرب الأمور، ولا علم لي بكثير منها، فقلت: أصلحك الله! لو أمرتني أن أستعرض دجلة فألقي نفسي فيها ما عصيتك، ولكن تأمن علي سماكاً أن يتعلق بي، فيحبسني عنك، فإذا أنا قد فاتني ما أترجاه من الجهاد! فتبسم وقال: يابن أخي، إنما أنت رسولٌ، والرسول لا يعرض له، ولو خشيت ذلك عليك لم أبعثك، وما أنت على نفسك بأشفق مني عليك. قال: فخرجت حتى عبرت إليهم في معبر، فأتيت سماك بن عبيد، وإذا الناس حوله كثير. قال: فلما أقبلت نحوهم أبدوني أبصارهم، فلما دنوت منهم ابتدرني نحوٌ من عشرة، وظننت والله أن القوم يريدون أخذي، وأن الأمر عندهم ليس كما ذكر لي صاحبي، فانتضيت سيفي، وقلت: كلا، والذي نفسي بيده، لا تصلون إلي حتى أعذر إلى الله فيكم، قالوا لي: يا عبد الله، من أنت؟ قلت: أنا رسول أمير المؤمنين المستورد بن علفة؛ قالوا: فلم انتضيت سيفك؟ قلت: لابتداركم إلي، فخفت أن توثقوني وتغدروا بي. قالوا: فأنت آمن، وإنما أتيناك لنقوم إلى جنبك، ونمسك بقائم سيفك، وننظر ما جئت له، وما تسأل؛ قال: فقلت لهم: ألست آمناً حتى تردوني إلى أصحابي؟ قالوا: بلى، فشمت سيفي، ثم أتيت حتى قمت على رأس سماك بن عبيد وأصحابه قد ائتشبوا بي، فمنهم ممسك بقائم سيفي، ومنهم ممسكٌ بعضدي، فدفعت إليه كتاب صاحبي، فلما قرأه رفع رأسه إلي، فقال: ما كان المستورد عندي خليقاً لما كنت أرى من إخباته وتواضعه أن يخرج على المسلمين بسيفه، يعرض على المستورد البراءة من علي وعثمان، ويدعوني إلى ولايته! فبئس والله الشيخ أنا إذاً! قال: ثم نظر إلي فقال: يا بني، اذهب إلى صاحبك فقل له: اتق الله وارجع عن رأيك، وادخل في جماعة المسلمين، فإن أردت أن أكتب لك في طلب الأمان إلى المغيرة فعلت، فإنك ستجده سريعاً إلى الإصلاح، محباً للعافية: قال: قلت له، وإن لي فيهم يومئذ بصيرة، هيهات! إنما طلبنا بهذا الأمر الذي أخافنا فيكم في عاجل الدنيا الأمن عند الله يوم القيامة؛ فقال لي: بؤساً لك! كيف أرحمك! ثم قال لأصحابه: إنهم خلوا بهذا. ثم جعلوا يقرءون عليه القرآن ويتخضعون ويتباكون، فظن بهذا أنهم على شيء من الحق، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً، والله ما رأيت قوماً كانوا أظهر ضلالة، ولا أبين شؤماً، من هؤلاء الذين ترون! قلت: يا هذا إنني لم آتك لأشاتمك ولا أسمع حديثك وحديث أصحابك، حدثني، أنت تجيبني إلى ما في هذا الكتاب أم لا تفعل فأرجع إلى صاحبي؟ فنظر إلي ثم قال لأصحابه: ألا تعجبون إلى هذا الصبي! والله إني لأراني أكبر من أبيه، وهو يقول لي: أتجيبني إلى ما في هذا الكتاب! انطلق يا بني إلى صاحبك، إنما تندم لو قد اكتنفتكم الخيل، وأشرعت في صدوركم الرماح، هناك تمني لو كنت في بيت أمك! قال: فانصرفت من عنده فعبرت إلى أصحابي، فلما دنوت من صاحبي قال: ما رد عليك؟ قلت: ما رد خيراً؛ قلت له: كذا وقال لي: كذا، فقصصت عليه القصة؛ قال: فقال المستورد: " إن الذين كفروا سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيمٌ " . قال: فلبثنا بمكاننا ذاك يومين أو ثلاثة أيام، ثم استبان لنا مسير معقل ابن قيس إلينا. قال: فجمعنا المستورد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن هذا الخرق معقل بن قيس قد وجه إليكم وهو من السبئية المفترين الكاذبين، وهو لله ولكم عدو، فأشيروا علي برأيكم. قال: فقال له بعضنا: والله ما خرجنا نريد إلا الله، وجهاد من عادى الله، وقد جاءونا فأين نذهب عنهم! بل نقيم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين. وقالت طائفة أخرى: بل نعتزل ونتنحى، ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء. فقال: يا معشر المسلمين، إني والله ما خرجت ألتمس الدنيا ولا ذكرها ولا فخرها ولا البقاء، وما أحب أنها لي بحذافيرها، وأضعاف ما يتنافس فيه منها بقبال نعلي! وما خرجت إلا التماس الشهادة، وأن يهديني الله إلى الكرامة بهوان بعض أهل الضلالة، وإني قد نظرت فيما استشرتكم فيه فرأيت ألا أقيم لهم حتى يقدموا علي وهم جامون متوافرون، ولكن رأيت أن أسير حتى أمعن، فإنهم إذا بلغهم ذلك خرجوا في طلبنا، فتقطعوا وتبددوا، فعلى تلك الحال ينبغي لنا قتالهم، فاخرجوا بنا على اسم الله عز وجل. قال: فخرجنا فمضينا على شاطىء دجلة حتى انتهينا إلى جرجرايا، فعبرنا دجلة، فمضينا كما نحن في أرض جوخى حتى بلغنا المذار، فأقمنا فيها، وبلغ عبد الله بن عامر مكاننا الذي كنا فيه، فسأل عن المغيرة بن شعبة، كيف صنع في الجيش الذي بعث إلى الخوارج؟ وكم عدتهم؟ فأخبر بعدتهم، وقيل له: إن المغيرة نظر إلى رجل شريف رئيس قد كان قاتل الخوارج مع علي رضي الله عنه، وكان مع أصحابه، فبعثه وبعث معه شيعة عليٍّ لعداوتهم لهم، فقال: أصاب الرأي، فبعث إلى شريك بن الأعور الحارثي - وكان يرى عليٍّ رضي الله عنه - فقال له: اخرج إلى هذه المارقة فانتخب ثلاثة آلاف رجل من الناس، ثم أتبعهم حتى تخرجهم من أرض البصرة أو تقتلهم. وقال له بينه وبينه: اخرج إلى أعداء الله بمن يستحل قتالهم من أهل البصرة، فظن شريك به إنما يعني شيعة علي رضي الله عنه، ولكنه يكره أن يسميهم، فانتخب الناس، وألح على فرسان ربيعة الذين كان رأيهم في الشيعة، وكان تجيبه العظماء منهم. ثم إنه خرج فيهم مقبلاً إلى المستورد بن علفة بالمذار. قال ابن مخنف: وحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه عبد الله بن الحارث، قال: كنت في الذين خرجوا مع معقل بن قيس، فأقبلت معه، فوالله ما فارقته ساعةً من نهار منذ خرجت، فكان أول منزل نزلنا سورا. قال: فمكثنا يوماً حتى اجتمع إليه جل أصحابه، ثم خرجنا مسرعين مبادرين لعدونا أن يفوتنا، فبعثنا طليعةً، فارتحلنا فنزلنا كوثى، فأقمنا بها يوماً حتى لحق بنا من تخلف، ثم أدلج بنا من كوثى، وقد مضى من الليل هزيع، فأقبلنا حتى دنونا من المدائن، فاستقبلنا الناس فأخبرونا أنهم قد ارتحلوا، فشق علينا والله ذلك، وأيقنا بالعناء وطول الطلب. قال: وجاء معقل بن قيس حتى نزل باب مدينة بهرسير، ولم يدخلها، فخرج إليه سماك بن عبيد، فسلم عليه، وأمر غلمانه ومواليه فأتوه بالجزر والشعير والقت، فجاءوه من ذلك بكل ما كفاه وكفى الجند الذين كانوا معه. ثم إن معقل بن قيس بعد أن أقام بالمدائن ثلاثاً جمع أصحابه فقال: إن هؤلاء المارقة الضلال إنما خرجوا فذهبوا على وجوههم إرادة أن تتعجلوا في آثارهم، فتقطعوا وتبددوا، ولا تلحقوا بهم إلا وقد تعبتم ونصبتم، وأنه ليس شيء يدخل عليكم من ذلك إلا وقد يدخل عليهم مثله، فخرج بنا من المدائن، فقدم بين يديه أبو الرواغ الشاكري في ثلثمائة فارس، فأتبع آثارهم، فخرج معقل في أثره، فأخذ أبو الرواغ يسأل عنهم، ويركب الوجه الذي أخذوا فيه، حتى عبروا جرجرايا في آثارهم، ثم سلك الوجه الذي أخذوا فيه، فاتبعهم، فلم يزل ذلك دأبه حتى لحقهم بالمذار مقيمين، فلما دنا منهم استشار أصحابه في لقائهم وقتالهم قبل قدوم معقل عليه، فقال له بعضهم: أقدم بنا عليهم فلنقاتلهم، وقال بعضهم: والله ما نرى أن تعجل إلى قتالهم حتى يأتينا أميرنا، ونلقاهم بجماعتنا. قال ابن مخنف: فحدثني تليد بن زيد بن راشد الفائشي أن أباه كان معه يومئذ. قال: فقال لنا أبو الرواغ: إن معقل بن قيس حين سرحني أمامه أمرني أن أتبع آثارهم، فإذا لحقتهم لم أعجل إلى قتالهم حتى يأتيني. قال: فقال له جميع أصحابه: فالرأي الآن بين، تنح بنا فلنكن قريباً منهم حتى يقدم علينا صاحبنا، فتنحينا - وذلك عند المساء - قال: فبتنا ليلتنا كلها متحارسين حتى أصبحنا، فارتفع الضحى، وخرجوا علينا، قال: فخرجنا إليهم وعدتهم ثلثمائة ونحن ثلثمائة، فلما اقتربوا شدوا علينا، فلا والله ما ثبت لهم منا إنسان؛ قال: فانهزمنا ساعة، ثم إن أبا الرواغ صاح بنا وقال: يا فرسان السوء، قبحكم الله سائر اليوم! الكرة الكرة! قال: فحمل وحملنا معه، حتى إذا دنونا من القوم كر بنا، فانصرفنا وكروا علينا، وكشفونا طويلاً، ونحن على خيل معلمة جيادٍ، ولم يصب منا أحد، وقد كانت جراحات يسيرة، فقال لنا أبو الرواغ: ثكلتكم أمهاتكم! انصرفوا بنا فلنكر قريباً منهم، لا نزايلهم حتى يقدم علينا أمرينا، فما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش، وقد انهزمنا من عدونا ولم نصبر لهم حتى يشتد القتال وتكر القتلى. قال: فقال رجل منا يجيبه: إن الله لا يستحيي من الحق، قد والله هزمونا، قال أبو الرواغ: لا أكثر الله فينا ضربك! إنا ما لم ندع المعركة فلم نهزم، وإنا متى عطفنا عليهم وكنا قريباً منهم فنحن على حال حسنة حتى يقدم علينا الجيش، ولم نرجع عن وجهنا، إنه والله لو كان يقال: انهزم أبو حرمان حمير بن بجير الهمداني، ما باليت، إنما يقال: انهزم أبو الرواغ؛ فقفوا قريباً، فإن أتوكم فعجزتم عن قتالهم فانحازوا، فإن حملوا عليكم فعجزتم عن قتالهم فتأخروا وانحازوا إلى حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم، وكونوا قريباً منهم، فإن الجيش آتيكم إلى ساعة. قال: فأخذت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا وهم كانوا حامية، وإذا أخذوا في الكرة عليهم فتفرق جماعتهم قرب أبو الرواغ وأصحابه على خيلهم في آثارهم، فلما رأوا أنهم لا يفارقونهم، وقد طاردوهم هكذا من ارتفاع الضحى إلى الأولى. فلما حضرت صلاة الظهر نزل المستورد للصلاة، واعتزل أبو الرواغ وأصحابه على رأس ميل منهم أو ميلين، ونزل أصحابه فصلوا الظهر، وأقاموا رجلين ربيئةً، وأقاموا مكانهم حتى صلوا العصر. ثم إن فتىً جاءهم بكتاب معقل بن قيس إلى أبي الرواغ، وكان أهل القرى وعابرو السبيل يمرون عليهم ويرونهم يقتتلون، فمن مضى منهم على الطريق نحو الوجه الذي يأتي من قبله معقل استقبل معقلاً فأخبره بالتقاء أصحابه والخوارج، فيقول: كيف رأيتموهم يصنعون؟ فيقولون: رأينا الحرورية تطرد أصحابك، فيقول: أما رأيتم أصحابي يعطفون عليهم ويقاتلونهم؟ فيقولون: بلى، يعطفون عليهم وينهزمون: فقال: إن كان ظني بأبي الرواغ صادقاً لا يقدم عليكم منهزماً أبداً. ثم وقف عليهم، فدعا محرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي فقال له: تخلف في ضعفة الناس، ثم سر بهم على مهل، حتى تقدم بهم علي، ثم ناد في أهل القوة: ليتعجل كل ذي قوة معي، اعجلوا إلى إخوانكم، فإنهم قد لاقوا عدوهم، وإني لأرجو أن يهلكهم الله قبل أن تصلوا إليهم. قال: فاستجمع من أهل القوة والشجاعة وأهل الخيل الجياد نحو من سبعمائة، وسار فأسرع، فلما دنا من أبي الرواغ قال أبو الرواغ: هذه غبرة الخيل، تقدموا بنا إلى عدونا حتى يقدم علينا الجند، ونحن منهم قريب، فلا يرون أننا تنحينا عنهم ولا هبناهم. قال: فاستقدم أبو الرواغ حتى وقف مقابل المستورد وأصحابه، وغشيهم معقل في أصحابه، فلما دنا منهم غربت الشمس، فنزل فصلى بأصحابه، ونزل أبو الرواغ فصلى بأصحابه في جانب آخر، وصلى الخوارج أيضاً. ثم إن معقل بن قيس أقبل بأصحابه في جانب آخر، وصلى الخوارج أيضاً. ثم إن معقل بن قيس أقبل بأصحابه حتى إذا دنا من أبي الرواغ دعاه فأتاه، فقال له: أحسنت يا أبا الرواغ! هكذا الظن بك، الصبر والمحافظة. فقال: أصلحك الله! إن لهم شدات منكراتٍ، فلا تكن أنت تليها بنفسك، ولكن قدم بين يديك من يقاتلهم، وكن أنت من وراء الناس ردءاً لهم؛ فقال: نعم ما رأيت! فوالله ما كان إلا ريثما قالها حتى شدوا عليه وعلى أصحابه، فلما غشوه انجفل عنه عامة أصحابه، وثبت ونزل، وقال: الأرض الأرض يا أهل الإسلام! ونزل معه أبو الرواغ الشاكري وناسٌ كثيرٌ من الفرسان وأهل الحفاظ نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد وأصحابه استقبلوهم بالرماح والسيوف، وانجفلت خيل معقل عنه ساعة، ثم ناداهم مسكين بن عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عداس - وكان يومئذ من أشجع الناس وأشدهم بأساً - فقال: يا أهل الإسلام، أين الفرار، وقد نزل أميركم! ألا تستحيون! إن الفرار مخزاةٌ وعار ولؤم، ثم كر راجعاً، ورجعت معه خيلٌ عظيمة، فشدوا عليهم ومعقل بن قيس يضاربهم تحت رايته مع ناس نزلوا معه من أهل الصبر، فضربوهم حتى اضطروهم إلى البيوت، ثم لم يلبثوا إلا قليلاً حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن تخلف من الناس، فلما أتوهم أنزلهم ثم صف لهم، وجعل ميمنةً وميسرة، فجعل أبا الرواغ على ميمنته ومحرز بن بجير بن سفيان على ميسرته ومسكين بن عامر على الخيل، ثم قال لهم: لا تبرحوا مصافكم حتى تصبحوا، فإذا أصبحتم ثرنا إليهم فناجزناهم، فوقف الناس مواقفهم على مصافهم. قال ابن مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: لما انتهى إلينا معقل بن قيس قال لنا المستورد: لا تدعوا معقلاً حتى يعبي لكم الخيل والرجل، شدوا عليهم شدةً صادقةً، لعل الله يصرعه فيها. قال: فشددنا عليهم شدة صادقة، فانكشفوا فانفضوا ثم انجفلوا ووثب معقل عن فرسه حين رأى إدبار اصحابه عنه. فرفع رايته، ونزل معه ناس من أصحابه، فقاتلوا طويلاً، فصبروا لنا، ثم إنهم تداعوا علينا، فعطفوا علينا من كل جانب، فانحزنا حتى جعلنا البيوت في ظهورنا، وقد قاتلناهم طويلاً، وكانت بيننا جراحةٌ وقتلٌ يسير. قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه أن عمير بن أبي أشاءة الأزدي قتل يومئذ، وكان فيمن نزل مع معقل بن قيس، وكان رئيساً. قال: وكنت أنا فيمن نزل معه، فوالله ما أنسى قول عمير بن أبي أشاءة ونحن نقتتل وهو يضاربهم بسيفه قدماً: قد علمت أني إذا ما أقشعوا ... عني والتاث اللئام الوضع أحوس عند الروع ندبٌ أروع وقاتل قتالاً شديداً ما رأيت أحداً قاتل مثله، فجرح رجالاً كثيراً، وقتل وما أدري أنه قتل، ما عدا واحداً وقد علمت أنه اعتنقه، فخر على صدره فذبحه، فما حز رأسه حتى حمل عليه رجلٌ منهم فطعنه بالرمح في ثغرة نحره، فخر عن صدره، وانجدل ميتاً، وشددنا عليهم، وحزناهم إلى القرية، ثم انصرفنا إلى معركتنا، فأتيته وأنا أرجو أن يكون به رمق، فإذا هو قد فاظ، فرجعت إلى أصحابي فوقفت فيهم. قال ابن مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: إنا لمتواقفون أول الليل إذ أتانا رجل كنا بعثناه أول الليل، وكان بعض من يمر الطريق قد أخبرنا أن جيشاً قد أقبل إلينا من البصرة، فلم نكترث، وقلنا لرجل من أهل الأرض وجعلنا له جعلاً، اذهب فاعلم هل أتانا من قبل البصرة جيش؟ فجاء ونحن مواقفو أهل الكوفة، وقال لنا: نعم، قد جاءكم شريك بن الأعور، وقد استقبلت طائفة على رأس فرسخ عند الأولى، ولا أرى القوم إلا نازلين بكم الليلة، أو مصبحيكم غدوة. فأسقط في أيدينا. وقال المستورد لأصحابه: ماذا ترون؟ قلنا: نرى ما رأيت، قال: فإني لا أرى أن أقيم لهؤلاء جميعاً، ولكن نرجع إلى الوجه الذي جئنا منه، فإن أهل البصرة لا يتبعونا إلى أرض الكوفة، ولا يتبعنا حينئذ إلا أهل مصرنا، فقلنا له: ولم ذاك؟ فقال: قتال أهل مصرٍ واحد أهون علينا من قتال أهل المصرين؛ قالوا: سر بنا حيث أحببت، قال: فانزلوا عن ظهور دوابكم فأريحوا ساعة، وأقضموها، ثم انظروا ما آمركم به؛ قال: فنزلنا عنها، فأقضمناها؛ قال: وبيننا وبينهم حينئذ ساعة قد ارتفعوا عن القرية مخافة أن نبيتهم؛ قال: فلما أرحناها وأقضمناها أمرنا فاستوينا على متونها، ثم قال: ادخلوا القرية، ثم اخرجوا من ورائها، وانطلقوا معكم بلعجٍ يأخذ بكم من ورائها، ثم يعود بكم حتى يردكم إلى الطريق الذي منه أقبلتم، ودعوا هؤلاء مكانهم، فإنهم لم يشعروا بكم عامة الليل، أو حتى تصبحوا. قال: فدخلنا القرية وأخذنا علجاً، ثم خرجنا به أمامنا، فقلنا: خذ بنا من وراء هذا الصف حتى نعود إلى الطريق الذي منه أقبلنا. ففعل ذلك، فجاء بنا حتى أقامنا على الطريق الذي منه أقبلنا، فلزمناه راجعين، ثم أقبلنا حتى نزلنا جرجرايا. قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن الحارث، قال: إني أول من فطن لذهابهم؛ قال: فقلت: أصلحك الله! لقد رابني أمر هذا العدو منذ ساعة طويلة، إنهم كانوا مواقفين نرى سوادهم، ثم لقد خفي علي ذلك السواد منذ ساعة، وإني لخائف أن يكونوا زالوا من مكانهم ليكيدوا الناس؛ فقال: وما تخاف أن يكون من كيدهم؟ قلت: أخاف أن يبيتوا الناس، قال، والله ما آمن ذلك؛ قال: فقلت له: فاستعد لذلك، قال: كما أنت حتى أنظر. يا عتاب، انطلق فيمن أحببت حتى تدنو من القرية فتنظر هل ترى منهم أحداً أو تسمع لهم ركزا! وسل أهل القرية عنهم. فخرج في خمس الغزاة يركض حتى نظر القرية فأخذ لا يرى أحداً يكلمه، وصاح بأهل القرية، فخرج إليه منهم ناسٌ، فسألهم عنهم، فقالوا: خرجوا فلا ندري كيف ذهبوا! فرجع إليه عتاب فأخبره الخبر، فقال معقل: لا آمن البيات، فأين مضر؟ فجاءت مضر فقال: قفوا ها هنا، وقال: أين ربيعة؟ فجعل ربيعة في وجه وتميماً في وجه وهمدان في وجه، وبقية أهل اليمن في وجه آخر، وكان كل ربع من هؤلاء في وجه وظهره مما يلي ظهر الربع الآخر، وجال فيهم معقل حتى لم يدع ربعاً إلا وقف عليه، وقال: أيها الناس، لو أتوكم فبدؤا بغيركم فقاتلوهم فلا تبرحوا أنتم مكانكم أبداً حتى يأتيكم أمري، وليغن كل رجل منكم الوجه الذي هو فيه، حتى نصبح فنرى رأينا. فمكثوا متحارسين يخافون بياتهم حتى أصبحوا، فلما أصبحوا نزلوا فصلوا، وأتوا فأخبروا أن القوم قد رجعوا في الطريق الذي أقبلوا منه عودهم على بدئهم، وجاء شريك بن الأعور في جيش من أهل البصرة حتى نزلوا بمعقل بن قيس فلقيه، فتساءلا ساعة، ثم إن معقلاً قال لشريك: أنا متبع آثارهم حتى ألحقهم لعل الله أن يهلكهم، فإني لا آمن إن قصرت في طلبهم أن يكثروا. فقام شريك فجمع رجالاً من وجوه أصحابه، فيهم خالد بن معدان الطائي وبيهس بن صهيب الجرمي، فقال لهم: يا هؤلاء، هل لكم في خير؟ هل لكم في أن تسيروا مع إخواننا من أهل الكوفة في طلب هذا العدو الذي هو عدو لنا ولهم حتى يستأصلهم الله ثم نرجع؟ فقال خالد بن معدان وبيهس الجرمي: لا والله، لا نفعل، إنما أقبلنا نحوهم لننفيهم عن أرضنا، ونمنعهم من دخولها، فإن كفانا الله مؤنتهم فإنا منصرفون إلى مصرنا، وفي أهل الكوفة من يمنعون بلادهم من هؤلاء الأكلب؛ فقال لهم: ويحكم! أطيعوني فيهم، فإنهم قوم سوء، لكم في قتالهم أجرٌ وحظوة عند السلطان، فقال له بيهس الجرمي: نحن والله إذاً كما قال أخو بني كنانة: كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا أما بلغك أن الأكراد قد كفروا بجبال فارس! قال: قد بلغني، قال: فتأمرنا أن ننطلق معك نحمي بلاد أهل الكوفة، ونقاتل عدوهم، ونترك بلادنا، فقال له: وما الأكراد! إنما يكفيهم طائفة منكم؛ فقال له: وهذا العدو الذي تندبنا إليه إنما يكفيه طائفة من أهل الكوفة، إنهم لعمري لو اضطروا إلى نصرتنا لكان علينا نصرتهم، ولكنهم لم يحتاجوا إلينا بعد، وفي بلادنا فتقٌ مثل الفتق الذي في بلادهم، فليغنوا ما قبلهم، وعلينا أن نغني ما قبلنا، ولعمري لو أنا أطعناك في اتباعهم فاتبعتهم كنت قد اجترأت على أميرك، وفعلت ما كان ينبغي لك أن تطلع فيه رأيه، ما كان ليحتملها لك. فلما رأى ذلك قال لأصحابه: سيروا فارتحلوا، وجاء حتى لقي معقلاً - وكانا متحابين على رأي الشيعة متوادين عليه - فقال: أما والله لقد جهدت بمن معي أن يتبعوني حتى أسير معكم إلى عدوكم فغلبوني، فقال له معقل: جزاك الله من أخ خيراً! إنا لم نحتج إلى ذلك، أما والله إني أرجو أن لو قد جهدوا لا يفلت منهم مخبر. قال ابن مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن أبي أمامة عبيد الله ابن جنادة، عن شريك بن الأعور، قال: حدثنا بهذا الحديث شريك ابن الأعور. قال: فلما قال: والله إني لأرجو أن لو جهدوا لا يفلت منهم مخبر، كرهتها والله له، وأشفقت عليه، وحسبت أن يكون شبه كلام البغي؛ قال: وايم الله ما كان من أهل البغي. قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن الحارث الأزدي، قال: لما أتانا أن المستورد بن علفة وأصحابه قد رجعوا عن طريقهم سررنا بذلك، وقلنا: نتبعهم ونستقبلهم بالمدائن، وإن دنوا من الكوفة كان أهلك لهم؛ ودعا معقل بن قيس أبا الرواغ فقال له: اتبعه في أصحابك الذين كانوا معك حتى تحبسه علي حتى ألحقك؛ فقال له: زدني منهم فإنه أقوى لي عليهم إن هم أرادوا مناجزتي قبل قدومك، فإنا كنا قد لقينا منهم برحا، فزاده ثلثمائة، فاتبعهم في ستمائة، وأقبلوا سراعاً حتى نزلوا جرجرايا، وأقبل أبو الرواغ في إثرهم مسرعاً حتى لحقهم بجرجرايا، وقد نزلوا، فنزل بهم عند طلوع الشمس، فلما نظروا إذا هم بأبي الرواغ في المقدمة، فقال بعضهم لبعض: إن قتالكم هؤلاء أهون من قتال من يأتي بعدهم. قال: فخرجوا إلينا، فأخذوا يخرجون لنا العشرة فرسان منهم والعشرين فارساً، فنخرج لهم مثلهم، فتطارد الخيلان ساعةً ينتصف بعضنا من بعض، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فشدوا علينا شدةً واحدة صدقوا فيها الحملة. قال: فصرفونا حتى تركنا لهم العرصة. ثم إن أبا الرواغ نادى فيهم، فقال: يا فرسان السوء، يا حماة السوء، بئس ما قاتلتم القوم! إلي إلي! فعالج نحواً من مائة فارس، فعطف عليهم، وهو يقول: إن الفتى كل الفتى من لم يهل ... إذا الجبان حاد عن وقع الأسل قد علمت أني إذا الباس نزل ... أروع يوم الهيج مقدامٌ بطل ثم عطف عليهم فقاتلهم طويلاً، ثم عطف أصحابه من كل جانب، فصدقوهم القتال حتى ردوهم إلى مكانهم الذي كانوا فيه، فلما رأى ذلك المستورد وأصحابه ظنوا أن معقلاً إن جاءهم على تفئة ذلك لم يكن دون قتله لهم شيء؛ فمضى هو وأصحابه حتى قطعوا دجلة، ووقعوا في أرض بهرسير، وقطع أبو الرواغ في آثارهم فاتبعهم، وجاء معقل بن قيس فاتبع إثر أبي الرواغ، فقطع في إثره دجلة، ومضى المستورد نحو المدينة العتيقة، وبلغ ذلك سماك بن عبيد، فخرج حتى عبر إليها، ثم خرج بأصحابه وبأهل المدائن، فصف على بابها، وأجلس رجالاً رماةً على السور، فبلغهم ذلك، فانصرفوا حتى نزلوا ساباط، وأقبل أبو الرواغ في طلب القوم حتى مر بسماك ابن عبيد بالمدائن، فخبره بوجههم الذي أخذوا فيه، فاتبعهم حتى نزل بهم ساباط. قال ابن مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: لما نزل بنا أبو الرواغ دعا المستورد أصحابه، فقال: إن هؤلاء الذين نزلوا بكم مع أبي الرواغ هم حر أصحاب معقل، ولا والله ما قدم إليكم إلا حماته وفرسانه، والله لو أعلم أني إذا بادرت أصحابه هؤلاء إليه أدركته قبل أن يفارقوه بساعة لبادرتهم إليه، فليخرج منكم خارج فيسأل عن معقل أين هو؟ وأين بلغ؟ قال: فخرجت أنا فاستقبلت علوجاً أقبلوا من المدائن، فقلت لهم: ما بلغكم عن معقل بن قيس؟ قالوا: جاء فيج لسماك بن عبيد من قبله كان سرحه ليستقبل معقلاً فينظر أين انتهى؟ وأين يريد أن ينزل؟ فجاءه فقال: تركته نزل ديلمايا - وهي قرية من قرى إستان بهرسير إلى جانب دجلة، كانت لقدامة بن العجلان الأزدي - قال: له: كم بيننا وبينهم من هذا المكان؟ قالوا: ثلاثة فراسخ، أو نحو ذلك. قال: فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، فقال لأصحابه: اركبوا، فركبوا، فأقبل حتى انتهى بهم إلى جسر ساباط - وهو جسر نهر الملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة - وأبو الرواغ وأصحابه مما يلي المدائن، قال: فجئنا حتى وقفنا على الجسر، قال: ثم قال لنا: لتنزل طائفةٌ منكم: قال: فنزل منا نحوٌ من خمسين رجلاً، فقال: اقطعوا هذا الجسر، فنزلنا فقطعناه، قال: فلما رأونا وقوفاً على الخيل ظنوا أنا نريد أن نعبر إليهم؛ قال: فصفوا لنا، وتعبوا، واشتغلوا بذلك عنا في قطعنا الجسر. ثم إنا أخذنا من أهل ساباط دليلاً فقلنا له: احضر بين أيدينا حتى ننتهي إلى ديلمايا، فخرج بين أيدينا يسعى، وخرجنا تلمع بنا خيلنا، فكان الخبب والوجيف، فما كان إلا ساعة حتى أطللنا على معقل وأصحابه وهم يتحملون، فما هو إلا أن بصر بنا وقد تفرق أصحابه عنه، ومقدمته ليست عنده، وأصحابه قد استقدم طائفةً منهم، وطائفة تزحل، وهم غارون لا يشعرون. فلما رآنا نصب رايته، ونزل ونادى: يا عباد الله، الأرض الأرض! فنزل معه نحو من مائتي رجل؛ قال: فأخذنا نحمل عليهم فيستقبلونا بأطراف الرماح جثاةً على الركب فلا نقدر عليهم. فقال لنا المستورد: دعوا هؤلاء إذا نزلوا وشدوا على خيلهم حتى تحولوا بينها وبينهم، فإنكم إن أصبتم خيلهم فإنهم لكم عن ساعة جزرٌ؛ قال: فشددنا على خيلهم، فحلنا بينهم وبينها، وقطعنا أعنتها، وقد كانوا قرنوها، فذهبت في كل جانب؛ قال: ثم ملنا على الناس المتزحلين والمتقدمين، فحملنا عليهم حتى فرقنا بينهم، ثم أقبلنا إلى معقل بن قيس وأصحابه جثاة على الركب على حالهم التي كانوا عليها، فحملنا عليهم، فلم يتحلحلوا، ثم حملنا عليهم أخرى، ففعلوا مثلها، فقال لنا المستورد: نازلوهم، لينزل إليهم نصفكم، فنزل نصفنا، وبقي نصفنا معه على الخيل، وكنت في أصحاب الخيل، قال: فلما نزل إليهم رجالتنا قاتلتهم، وأخذنا نحمل عليهم بالخيل، وطمعنا والله فيهم. قال: فوالله إنا لنقاتلهم ونحن نرى أن قد علوناهم إذ طلعت علينا مقدمة أصحاب أبي الرواغ، وهم حر أصحابه وفرسانهم، فلما دنوا منا حملوا علينا، فعند ذلك نزلنا بأجمعنا فقاتلناهم حتى أصيب صاحبنا وصاحبهم. قال: فما علمته نجا منهم يومئذ أحدٌ غيري. قال: وإني أحدثهم رجلاً فيما أرى. قال ابن مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي، قال: وحدثنا بهذا الحديث مرتين من الزمن، مرة في إمارة مصعب ابن الزبير بباجميرا، ومرةً ونحن مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم. قال: فقتل والله يومئذ بدير الجماجم يوم الهزيمة، وإنه لمقبل عليهم يضاربهم بسيفه وأنا أراه؛ قال: فقلت له بدير الجماجم: إنك قد حدثتني بهذا الحديث بباجميرا مع مصعب بن الزبير، فلم أسألك كيف نجوت من بين أصحابك؟ قال: أحدثك، والله إن صاحبنا لما أصيب قتل أصحابه إلا خمسة نفر أو ستة؛ قال: فشددنا على جماعة من أصحابه نحو من عشرين رجلاً، فانكشفوا. قال: وانتهيت إلى فرس واقف عليه سرجه ولجامه، وما أدري ما قصة صاحبه أقتل أم نزل عنه صاحبه يقاتل وتركه! قال: فأقبلت حتى أخذت بلجامه، وأضع رجلي في الركاب وأتسوي عليه. قال: وشد والله أصحابه علي، فانتهوا إلي، وغمزت في جنب الفرس، فإذا هو والله أجود ما سخر، وركض منهم ناس في أثري فلم يعلقوا بي، فأقبلت أركض الفرس، وذلك عند المساء، فلما علمت أني قد فتهم وأمنت، أخذت أسير عليه خبباً وتقريباً. ثم إني سرت عليه بذلك من سيره، ولقيت علجاً فقلت له: اسع بين يدي حتى تخرجني الطريق الأعظم، طريق الكوفة؛ ففعل، فوالله ما كانت إلا ساعة حتى انتهيت إلى كوثى، فجئت حتى انتهيت إلى مكان من النهر واسع عريض، فأقحمت الفرس فيه، فعبرته، ثم أقبلت عليه حتى آتي دير كعب، فنزلت فعقلت فرسي وأرحته وهومت تهويمة، ثم إني هببت سريعاً، فحلت في ظهر الفرس، ثم سرت في قطع من الليل فاتخذت بقية الليل جملاً، فصليت الغداة بالمزاحمية على رأس فرسخين من قبين، ثم أقبلت حتى أدخل الكوفة حين متع الضحى، فآتي من ساعتي شريك بن نملة المحاربي، فأخبرته خبري وخبر أصحابه، وسألته أن يلقى المغيرة بن شعبة فيأخذ لي منه أماناً، فقال لي: قد أصبت الأمان إن شاء الله، وقد جئت ببشارة، والله لقد بت الليلة وإن أمر الناس ليهمني. قال: فخرج شريك بن نملة المحاربي حتى أتى المغيرة مسرعاً فاستأذن عليه، فأذن له، فقال: إن عندي بشرى، ولي حاجة، فاقض حاجتي حتى أبشرك ببشارتي، فقال له: قضيت حاجتك، فهات بشراك؛ قال: تؤمن عبد الله بن عقبة الغنوي، فإنه كان مع القوم، قال: قد آمنته، والله لوددت أنك أتيتني بهم كلهم فآمنتهم. قال: فأبشر، فإن القوم كلهم قد قتلوا، كان صاحبي مع القوم، ولم ينج منهم فيما حدثني غيره. قال: فما فعل معقل بن قيس؟ قال: أصلحك الله! ليس له بأصحابنا علم. قال: فما فرغ من منطقة حتى قدم عليه أبو الرواغ ومسكين بن عامر بن أنيف مبشرين بالفتح، فأخبروا أن معقل بن قيس والمستورد بن علفة مشى كل واحد منهما إلى صاحبه، بيد المستورد الرمح وبيد معقل السيف، فالتقيا، فأشرع المستورد الرمح في صدر معقل حتى خرج السنان من ظهره، فضربه معقل بالسيف على رأسه حتى خالط السيف أم الدماغ، فخرا ميتين. قال ابن مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما رأينا المستورد بن علفة وقد نزلنا به ساباط أقبل إلى الجسر فقطعه، كنا نظن أنه يريد أن يعبر إلينا. قال: فارتفعنا عن مظلم ساباط إلى الصحراء التي بين المدائن وساباط فتعبأنا وتهيأنا، فطال علينا أن نراهم يخرجون إلينا. قال: فقال أبو الرواغ: إن لهؤلاء لشأناً، ألا رجل يعلم لنا علم هؤلاء؟ فقلت: أنا ووهيب بن أبي أشاءة الأزدي: نحن نعلم لك علم ذلك، ونأتيك بخبرهم، فقربنا على فرسينا إلى الجسر فوجدناه مقطوعاً، فظننا القوم لم يقطعوه إلا هيبةً لنا ورعباً منا، فرجعنا نركض سراعاً حتى انتهينا إلى صاحبنا، فأخبرناه بما رأينا، فقال: ما ظنكم؟ قال: فقلنا: لم يقطعوا الجسر إلا لهيبتنا ولما أدخل الله في قلوبهم من الرعب منا. قال: لعمري ما خرج القوم وهم يريدون الفرار، ولكن القوم قد كادوكم، أتسمعون! والله ما أراهم إلا قالوا: إن معقلاً لم يبعث إليكم أبا الرواغ إلا في حر أصحابه، فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا، وجدوا في السير نحو معقل وأصحابه، فإنكم تجدونهم غارين آمنين إن تأتوهم؛ فقطعوا الجسر لكيما يشغلوكم به عن لحاقكم إياهم حتى يأتوا أميركم على غرة، النجاء النجاء في الطلب! قال: فوقع في أنفسنا أن الذي قال لنا كما قال. قال: فصحنا بأهل القرية؛ قال: فجاءوا سراعاً: فقلنا لهم: عجلوا عقد الجسر، واستحثناهم فما لبثوا أن فرغوا منه، ثم عبرنا عليه، فاتبعناهم سراعاً ما نلوي على شيء، فلزمنا آثارهم، فوالله ما زلنا نسأل عنهم، فيقال: هم الآن أمامكم، لحقتموهم، ما أقربكم منهم، فوالله ما زلنا في طلبهم حرصاً على لحاقهم حتى كان أول من استقبلنا من الناس فلهم وهم منهزمون لا يلوي أحدٌ على أحد. فاستقبلهم أبو الرواغ، ثم صاح بالناس: إلي إلي؛ فأقبل الناس إليه، فلاذوا به، فقال: ويلكم! ما وراءكم؟ فقالوا: لا ندري، لم يرعنا إلا والقوم معنا في عسكرنا ونحن متفرقون، فشدوا علينا، ففرقوا بيننا، قال: فما فعل الأمير؟ فقائل يقول: نزل وهو يقاتل؛ وقائل يقول: ما نراه إلا قتل؛ فقال لهم: أيها الناس، ارجعوا معي، فإن ندرك أميرنا حياً نقاتل معه، وإن نجده قد هلك قاتلناهم، فنحن فرسان أهل المصر المنتخبون لهذا العدو، فلا يفسدن فيكم رأي أميركم بالمصر، ولا رأى أهل المصر، وايم الله لا ينبغي لكم إن عاينتموه وقد قتلوا معقلاً أن تفارقوهم حتى تبيروهم أو تباروا، سيروا على بركة الله. فساروا وسرنا، فأخذ لا يستقبل أحداً من الناس إلا صاح به ورده، ونادى وجوه أصحابه وقال: اضربوا وجوه الناس وردوه. قال: فأقبلنا نرد الناس حتى انتهينا إلى العسكر، فإذا نحن براية معقل بن قيس منصوبة، فإذا معه مائتا رجل أو أكثر فرسان الناس ووجوههم ليس فيهم إلا راجل، وإذا هم يقتتلون أشد قتال سمع الناس به، فلما طلعنا عليهم إذا نحن بالخوارج قد كادوا يعلون أصحابنا، وإذا أصحابنا على ذلك صابرون يجالدونهم، فلما رأونا كروا ثم شدوا على الخوارج، فارتفعت الخوارج عنهم غير بعيد، وانتهينا إليهم، فنظر أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو مستقدم يذمر أصحابه ويحرضهم، فقال له: أحيٌّ أنت فداك عمي وخالي! قال: نعم؛ فشد القوم، فنادى أبو الرواغ أصحابه: ألا ترون أميركم حياً، شدوا على القوم، قال: فحمل وحملنا على القوم بأجمعنا؛ قال: فصدمنا خيلهم صدمةً منكرة، وشد عليهم معقل وأصحابه، فنزل المستورد، وصاح بأصحابه: يا معشر الشراة، الأرض الأرض، فإنها والله الجنة! والذي لا إله غيره لمن قتل صادق النية في جهاد هؤلاء الظلمة وجلاحهم، فتنازلوا من عند آخرهم، فنزلنا من عند آخرنا، ثم مضينا إليه منصلتين بالسيوف، فاضطربنا بها طويلاً من النهار كأشد قتال اقتتله الناس قط، غير أن المستورد نادى معقلاً فقال: يا معقل، ابرز لي، فخرج إليه معقل، فقلنا له: ننشدك أن تخرج إلى هذا الكلب الذي قد آيسه الله من نفسه! قال: لا والله لا يدعوني رجل إلى مبارزة أبداً فأكون أنا الناكل؛ فمشى إليه بالسيف، وخرج الآخر إليه بالرمح، فناديناه أن القه برمح مثل رمحه، فأبى، وأقبل عليه المستورد فطعنه حتى خرج سنان الرمح من ظهره، وضربه معقلٌ بالسيف حتى خالط سيفه أم الدماغ، فوقع ميتاً، وقتل معقل، وقال لنا حين برز إليه: إن هلكت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب السعدي ثم المنقري: قال: فلما هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز، وقال عمرو: إن قتلت فعليكم أبو الرواغ، فإن قتل أبو الرواغ فأميركم مسكين بن عامر بن أنيف، وإنه يومئذ لفتىً حدث، ثم شد برايته، وأمر الناس أن يشدوا عليهم؛ فما لبثوهم أن قتلوهم.هلك معقل أخذ الراية عمرو بن محرز، وقال عمرو: إن قتلت فعليكم أبو الرواغ، فإن قتل أبو الرواغ فأميركم مسكين بن عامر بن أنيف، وإنه يومئذ لفتىً حدث، ثم شد برايته، وأمر الناس أن يشدوا عليهم؛ فما لبثوهم أن قتلوهم. ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان ومما كان في هذه السنة تولية عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم بن ظبيان خراسان وانصراف قيس بن الهيثم عنه، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر أبو مخنف عن مقاتل بن حيان - أن ابن عامر استبطأ قيس بن الهيثم بالخراج، فأراد أن يعزله، فقال له ابن خازم: ولني خراسان فأكفيكها وأكفيك قيس بن الهيثم. فكتب له عهده أو هم بذلك، فبلغ قيساً أن ابن عامر وجد عليه، وإمساكه عن الهدية، وأنه قد ولي ابن خازم، فخاف ابن خازم أن يشاغبه ويحاسبه، فترك خراسان، وأقبل فازداد عليه ابن عامر غضباً، وقال: ضيعت الثغر! فضربه وحبسه، وبعث رجلاً من بني يشكر على خراسان. قال ابن مخنف: بعث ابن عامر أسلم بن زرعة الكلابي حين عزل قيس ابن الهيثم؛ قال علي بن محمد: أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفي، عن أشياخه، أن ابن عامر استعمل قيس بن الهيثم على خراسان أيام معاوية، فقال له ابن خازم: إنك وجهت إلى خراسان رجلاً ضعيفاً، وإني أخاف إن لقي حرباً أن ينهزم بالناس، فتهلك خراسان، وتفتضح أخوالك. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهداً: إن هو انصرف عن عدوك قمت مقامه. فكتب له، فجاشت جماعةٌ من طخارستان، فشاور قيس ابن الهيثم فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه؛ فانصرف، فلما سار من مكانه مرحلةً أو مرحلتين أخرج ابن خازم عهده، وقام بأمر الناس، ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر المصرين والشأم فغضب القيسية وقالوا: خدع قيساً وابن عامر؛ فأكثروا في ذلك حتى شكوا إلى معاوية، فبعث إليه فقدم، فاعتذر مما قيل فيه؛ فقال له معاوية: قم فاعتذر إلى الناس غداً؛ فرجع ابن خازم إلى أصحابه فقال: إني قد أمرت بالخطبة، ولست بصاحب كلام، فاجلسوا حول المنبر، فإذا تكلمت فصدقوني، فقام من الغد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنما يتكلف الخطبة إمامٌ لا يجد منها بداً، أو أحمق يهمر من رأسه لا يبالي ما خرج منه، ولست بواحد منهما؛ وقد علم من عرفني أني بصير بالفرس وثاب عليها، وقاف عند المهالك، أنفذ بالسرية، وأقسم بالسوية؛ أنشدكم بالله من كان يعرف ذلك مني لما صدقني! قال أصحابه حول المنبر: صدقت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك ممن نشدت فقل بما تعلم؛ قال: صدقت. قال علي: أخبرنا شيخٌ من بني تميم يقال له معمر، عن بعض أهل العلم أن قيس بن الهيثم قدم على ابن عامر من خراسان مراغماً لابن خازم، قال: فضربه ابن عامر مائةً وحلقه وحبسه، قال: فطلبت إليه أمه، فأخرجه. وحج بالناس في هذه السنة - فيما قيل - مروان بن الحكم، وكان على المدينة، وكان على مكة خالد بن العاص بن هشام، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة وفارس وسجستان وخراسان عبد الله بن عامر، وعلى قضائها عمير بن يثربي. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك دخول المسلمين مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومشتاهم بها، وغزو بسر بن أبي أرطاة البحر. عزل عبد الله بن عامر عن البصرة وفي هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة. ذكر الخبر عن سبب عزلهكان سبب ذلك أن ابن عامر كان رجلاً ليناً كريماً، لا يأخذ على أيدي السفهاء، ففسدت البصرة بسبب ذلك أيام عمله بها لمعاوية فحدثني عمر بن شبة، قال: أخبرنا يزيد الباهلي، قال: شكا ابن عامر إلى زياد فساد الناس وظهور الخبث، فقال: جرد فيهم السيف، فقال: إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي. حدثني عمر، قال: قال أبو الحسن: كان ابن عامر ليناً سهلاً، سهل الولاية، لا يعاقب في سلطانه، ولا يقطع لصاً، فقيل له في ذلك؛ فقال: أنا أتألف الناس، فكيف أنظر إلى رجل قد قطعت أباه وأخاه! حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة بن محارب، قال: وفد ابن الكواء، واسم ابن الكواء عبد الله بن أبي أوفى إلى معاوية، فسأله عن الناس، فقال ابن الكواء: أما أهل البصرة فقد غلب عليها سفهاؤها، وعاملها ضعيف، فبلغ ابن عامر قول ابن الكواء، فاستعمل طفيل ابن عوف اليشكري على خراسان، وكان الذي بينه وبين ابن الكواء متباعداً، فقال ابن الكواء: إن ابن دجاجة لقليل العلمفي، أظن أن ولاية طفيل خراسان تسوءني! لوددت أنه لم يبق في الأرض يشكريٌّ إلا عاداني، وأنه ولاهم. فعزل معاوية ابن عامر، وبعث الحارث بن عبد الله الأزدي. قال: وقال القحذمي: قال ابن عامر: أي الناس أشد عداوةً لابن الكواء؟ قالوا: عبد الله بن أبي شيخ، فولاه خراسان؛ فقال ابن الكواء ما قال. وذكر عن عمر، عن أبي الحسن، عن شيخ من ثقيف وابي عبد الرحمن الإصبهاني، أن ابن عامر أوفد إلى معاوية وفداً، فوافقوا عنده وفد أهل الكوفة، وفيهم ابن الكواء اليشكري، فسألهم معاوية عن العراق وعن أهل البصرة خاصة؛ فقال له ابن الكواء: يا أمير المؤمنين، إن أهل البصرة أكلهم سفهاؤهم، وضعف عنهم سلطانهم، وعجز ابن عامر وضعفه. فقال له معاوية: تكلم عن أهل البصرة وهم حضور! فلما انصرف الوفد إلى البصرة بلغوا ابن عامر ذلك، فغضب، فقال: أي أهل العراق أشد عداوةً لابن الكواء! فقيل له: عبد الله بن أبي شيخ اليشكري، فولاه خراسان، وبلغ ابن الكواء ذلك فقال ما قال. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: لما ضعف ابن عامر عن عمله، وانتشر الأمر بالبصرة عليه، كتب إليه معاوية يستزيره، قال عمر: فحدثني أبو الحسن أن ذلك كان في سنة أربع وأربعين، وأنه استخلف على البصرة قيس ابن الهيثم، فقدم على معاوية، فرده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: إني سائلك ثلاثاً، فقل: هن لك. قال: هن لك وأنا ابن أم حكيم، قال: ترد علي عملي. ولا تغضب، قال: قد فعلت؛ قال: وتهب لي مالك بعرفة؛ قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة؛ قال: قد فعلت، قال: وصلتك رحم! قال: فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين، إني سائلك ثلاثاً فقل: هن لك؛ قال: هن لك وأنا ابن هند؛ قال: ترد علي مالي بعرفة، قال: قد فعلت، قال: ولا تحاسب لي عاملاً، ولا تتبع لي أثراً. قال: قد فعلت، قال: وتنكحني ابنتك هنداً؛ قال: قد فعلت. قال: ويقال: إن معاوية قال له: اختر بين أن أتتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك، وأردك إلى عملك، وبين أن أسوغك ما أصبت، وتعتزل، فاختار أن يسوغه ذلك ويعتزل. استلحاق معاوية نسب زياد ابن سمية بأبيه وفي هذه السنة استلحق معاوية نسب زياد بن سمية بأبيه أبي سفيان فيما قيل. حدثني عمر بن شبة، قال: زعموا أن رجلاً من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية، فقال لزياد: إن لابن عامر عندي يداً، فإن أذنت لي أتيته، قال: على أن تحدثني ما يجري بينك وبينه؛ قال: نعم، فأذن له فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سمية يقبح آثاري، ويعرض بعمالي! لقد هممت أن آتي بقسامة من قريش يحلفون أن أبا سفيان لم ير سمية؛ قال: فلما رجع سأله زياد، فأبى أن يخبره، فلم يدعه حتى أخبره، فأخبر ذلك زيادٌ معاوية، فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب، ففعل ذلك به، فأتى ابن عامر يزيد، فشكا إليه ذلك، فقال له: هل ذكرت زياداً؟ قال: نعم، فركب معه يزيد حتى أدخله، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاوية وفي يده قضيبٌ يضرب به الأبواب، ويتمثل: لنا سياقٌ ولكم سياق ... قد علمت ذلكم الرفاق ثم قعد فقال: يابن عامر، أنت القائل في زياد ما قلت! أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية، وإن الإسلام لم يزدني إلا عزاً، وأني لم أتكثر بزيادٍ من قلة، ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقاً له فوضعته موضعه، فقال: يا أمير المؤمنين، نرجع إلى ما يحب زياد، قال: إذاً نرجع إلى ما تحب؛ فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه. حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عمرو بن هاشم، عن عمر بن بشير الهمداني، عن أبي إسحاق، أن زياداً لما قدم الكوفة، قال: قد جئتكم في أمرٍ ما طلبته إلا إليكم، قالوا: ادعنا إلى ما شئت، قال: تلحقون نسبي بمعاوية؛ قالوا: أما بشهادة الزور فلا؛ فأتى البصرة، فشهد له رجل. وحج بالناس في هذه السنة معاوية. وفيها عمل مروان المقصورة، وعملها - أيضاً فيما ذكر - معاوية بالشأم. وكانت العمال في الأمصار فيها العمال الذين ذكرنا قبل أنهم كانوا العمال في سنة ثلاث وأربعين. ثم دخلت سنة خمس وأربعين ذكر الأحداث المذكورة التي كانت فيها فمن ذلك استعمال معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي فيها على البصرة. فحدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: عزل معاوية ابن عامر وولى الحارث بن عبد الله الأزدي البصرة في أول سنة خمس وأربعين، فأقام بالبصرة أربعة أشهر، ثم عزله. قال: وقد قيل: هو الحارث بن عمرو وابن عبد عمرو، وكان من أهل الشأم، وكان معاوية عزل ابن عامر ليولي زياداً، فولى الحارث كالفرس المحلل، فولى الحارث شرطته عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، ثم عزله معاوية وولاها زياداً. ذكر الخبر عن ولاية زياد البصرة حدثني عمر، قال: حدثنا عليٌّ، قال: حدثنا بعض أهل العلم أن زياداً لما قدم الكوفة ظن المغيرة أنه قدم والياً على الكوفة، فأقام زياد في دار سلمان بن ربيعة الباهلي، فأرسل إليه المغيرة وائل بن حجر الحضرمي أبا هنيدة، وقال له: اعلم لي علمه. فأتاه فلم يقدر منه على شيء، فخرج من عنده يريد المغيرة، وكان زاجراً، فرأى غراباً ينعق، فرجع إلى زياد فقال: يا أبا المغيرة، هذا الغراب يرحلك عن الكوفة. ثم رجع إلى المغيرة، وقدم رسول معاوية على زياد من يومه: أن سر إلى البصرة. وأما عبد الله بن أحمد المروزي فحدثني، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن إسحاق - يعني ابن يحيى - عن معبد بن خالد الجدلي، قال: قدم علينا زيادٌ - الذي يقال له ابن أبي سفيان - من عند معاوية، فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلي ينتظر أمر معاوية. قال: فبلغ المغيرة بن شعبة - وهو أميرٌ على الكوفة - أن زياداً ينتظر أن تجيء إمارته على الكوفة، فدعا قطن بن عبد الله الحارثي فقال: هل فيك من خير؟ تكفيني الكوفة حتى آتيك من عند أمير المؤمنين؛ قال: ما أنا بصاحب ذا، فدعا عتيبة بن النهاس العجلي، فعرض عليه فقبل، فخرج المغيرة إلى معاوية، فلما قدم عليه سأله أن يعزله، وأن يقطع له منازل بقرقيسيا بين ظهري قيس، فلما سمع بذلك معاوية خاف بائقته، وقال: والله لترجعن إلى عملك يا أبا عبد الله. فأبى عليه، فلم يزده ذلك إلا تهمة، فرده إلى عمله، فطرقنا ليلاً، وإني لفوق القصر أحرسه، فلما قرع الباب أنكرناه، فلما خاف أن ندلي عليه حجراً تسمى لنا، فنزلت إليه فرحبت له وسلمت، فتمثل: بمثلي فافزعي يا أم عمرٍو ... إذا ما هاجني السفر النعور اذهب إلى ابن سمية فرحله حتى لا يصبح إلا من وراء الجسر. فخرجنا فأتينا زياداً، فأخرجناه حتى طرحناه من وراء الجسر قبل أن يصبح. فحدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة والهذلي وغيرهما أن معاوية استعمل زياداً على البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان، وقدم البصرة في آخر شهر ربيع الآخر - أو غرة جمادى الأولى - سنة خمس، والفسق بالبصرة ظاهر، فاشٍ، فخطب خطبةً بتراء لم يحمد الله فيها، وقيل: بل حمد الله فقال: الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه، اللهم كما رزقتنا نعماً، فألهمنا شكراً على نعمتك علينا. أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والفجر الموقد لأهله النار، الباقي عليهم سعيرها، ما يأتي سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى منها الكبير، كأن لم تسمعوا بآي الله، ولم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمد الذي لا يزول. أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا به؛ من ترككم هذه المواخير المنصوبة، والضعيفة المسلوبة، في النهر المبصر، والعدد غير قليل! ألم تكن منكم نهاةٌ تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغطون على المختلس، كل امرىءٍ منكم يذب عن سفيهه، صنيع من لا يخاف عقاباً، ولا يرجو معاداً. ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، ولم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب. حرم علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدماً وإحراقاً. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لينٌ في غير ضعف، وشدة في غير جبرية وعنف. وإني اقسم بالله لآخذن الولي بالولي، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم. إن كذبة المنبر تبقى مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي، وإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في واعلموا أن عندي أمثالها من بيت منكم فأنا ضامنٌ لما ذهب له. إياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إلي. وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحداً ادعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثاً لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوماً غرقته، ومن حرق على قوم حرقناه، ومن نقب بيتاً نقبت عن قلبه، ومن نبش قبراً دفنته فيه حياً؛ فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف يدي وأذاي، لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين أقوام إحن، فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسناً فليزدد إحساناً، ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولم أهتك له ستراً، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل لم أناظره؛ فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئسٍ بقدومنا سيسر، ومسرورٍ بقدومنا سيبتئس. أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم. واعلموا أني مهما قصرت عنه فإني لا أقصر عن ثلاث: لست محتجباً عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقاً بليل؛ ولا حابساً رزقاً ولا عطاءً عن إبانه، ولا مجمراً لكم بعثاً. فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى تصلحوا يصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم كان شراً لكم. أسأل الله أن يعين كلاً على كل؛ وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرىءٍ منكم أن يكون من صرعاي. قال: فقام عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقال: كذبت، ذاك نبي الله داود عليه السلام. قال الأحنف: قد قلت فأحسنت أيها الأمير، والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلى؛ فقال زياد: صدقت. فقام أبو بلال مرداس بن أدية يهمس وهو يقول: أنبأ الله بغير ما قلت، قال الله عز وجل: " وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " ؛ فأوعدنا الله خيراً مما واعدت يا زياد، فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلاً حتى نخوض إليها الدماء. حدثني عمر، قال: حدثنا خلاد بن يزيد، قال: سمعت من يخبر عن الشعبي، قال: ما سمعت متكلماً قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفاً أن يسيء إلا زياداً، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاماً. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن مسلمة، قال: استعمل زيادٌ على شرطته عبد الله بن حصن، فأمهل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة، وعاد إليه وصول الخبر إلى الكوفة، وكان يؤخر العشاء حتى يكون آخر من يصلي ثم يصلي؛ يأمر رجلاً فيقرأ سورة البقرة، ومثلها، يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ الخريبة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج، فيخرج ولا يرى إنساناً إلا قتله. قال: فأخذ ليلةً أعرابياً، فأتى به زياداً فقال: هل سمعت النداء؟ قال: لا والله، قدمت بحلوبة لي، وغشيني الليل، فاضطررتها إلى موضع، فأقمت لأصبح، ولا علم لي بما كان من الأمير. قال: أظنك والله صادقاً، ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة؛ ثم أمر به فضربت عنقه. وكان زياد أول من شد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وألزم الناس الطاعة، وتقدم في العقوبة، وجرد السيف، وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، وخافه الناس في سلطانه خوفاً شديداً، حتى أمن الناس بعضهم بعضاً، حتى كان الشيء يسقط من الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، وتبيت المرأة فلا تغلق عليها بابها، وساس الناس سياسةً لم ير مثلها، وهابه الناس هيبةً لم يهابوها أحداً قبله، وأدر العطاء، وبنى مدينة الرزق. قال: وسمع زياد جرساً من دار عمير، فقال: ما هذا؟ فقيل: محترس. قال: فليكف عن هذا، أنا ضامنٌ لما ذهب له، ما أصاب من إصطخر. قال: وجعل زياد الشرط أربعة آلاف، عليهم عبد الله بن حصن، أحد بني عبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن، والجعد بن قيس النميري صاحب طاق الجعد، وكانا جميعاً على شرطه، فبينا زياد يوماً يسير وهما بين يديه يسيران بحربتين، تنازعا بين يديه، فقال زياد: يا جعد، ألق الحربة، فألقاها، وثبت ابن حصن على شرطه حتى مات زياد. وقيل: إنه ولي الجعد أمر الفساق، وكان يتتبعهم؛ وقيل لزياد: إن السبل مخوفة؛ فقال: لا أعاني شيئاً سوى المصر حتى أغلب على المصر وأصلحه، فإن غلبني المصر فغيره أشد غلبة؛ فلما ضبط المصر تكلف ما سوى ذلك فأحكمه. وكان يقول: لو ضاع حبلٌ بيني وبين خراسان علمت من أخذه. وكت خمسمائة من مشيخة أهل البصرة في صحابته، فرزقهم ما بين الثلثمائة إلى الخمسمائة، فقال فيه حارثة بن بدر الغداني: ألا من مبلغٌ عني زياداً ... فنعم أخو الخليفة والأمير! فأنت إمام معدلةٍ وقصدٍ ... وحزمٍ حين تحضرك الأمور أخوك خليفة الله ابن حربٍ ... وأنت وزيره، نعم الوير! تصيب على الهوى منه وتأتي ... محبك ما يجن لنا الضمير بأمر الله منصورٌ معانٌ ... إذا جار الرعية لا تجور يدر على يديك لما أرادوا ... من الدنيا لهم حلبٌ غزير وتقسم بالسواء فلا غنيٌّ ... لضيمٍ يشتكيك ولا فقير تقاسمت الرجال به هواها ... فما تخفي ضغائنها الصدور وخاف الحاضرون وكل بادٍ ... يقيم على المخافة أو يسير فلما قام سيف الله فيهم ... زيادٌ قام أبلج مستنير قويٌّ لا من الحدثان غرٌّ ... ولا جزعٌ ولا فانٍ كبير حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: استعان زيادٌ بعدةٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمران بن الحصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة، والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان، وسمرة ابن جندب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة؛ فاستعفاه عمران فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه عاصم بن فضالة، ثم زرارة بن أوفى الحرشي، وكانت أخته لبابة عند زياد. وقيل: إن زياداً أول من سير بين يديه بالحراب، ومشى بين يديه بالعمد، واتخذ الحرس رابطة خمسمائة، واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان، من بني سعد، فكانوا لا يبرحون المسجد. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: جعل زيادٌ خراسان أرباعاً، واستعمل على مرو أمير بن أحمر اليشكري، وعلى أبرشهر خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الروذ والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وقادس وبوشنج نافع بن خالد الطاحي. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة بن محارب وابن أبي عمرو؛ شيخ من الأزد، أن زياداً عتب على نافع بن خالد الطاحي، فحبسه، وكتب عليه كتاباً بمائة ألف، وقال بعضهم: ثمانمائة ألف، وكان سبب موجدته عليه أنه بعث بخوان بازهر قوائمه منه، فأخذ نافع قائمة، وجعل مكانها قائمة من ذهب، وبعث بالخوان إلى زياد مع غلام له يقال له زيد، كان قيمه على أمره كله، فسعى زيدٌ بنافع، وقال لزياد: إنه قد خانك، وأخذ قائمةً من قوائم الخوان، وجعل مكانها قائمة من ذهب، قال: فمشى رجال من وجوه الأزد إلى زياد، فيهم سيف بن وهب المعولي، وكان شريفاً، وله يقول الشاعر: اعمد بسيفٍ للسماحة والندى ... واعمد بصبرة للفعال الأعظم قال: فدخلوا على زياد وهو يستاك، فتمثل زيادٌ حين رآهم: اذكر بنا موقف أفراسنا ... بالحنو إذ أنت إلينا فقير قال: وأما الأزد فيقولون: بل تمثل سيف بن وهب أبو طلحة المعولي بهذا البيت حين دخل على زياد، فقال: نعم. قال: وإنما ذكره أيام أجاره صبرة، فدعا زياد بالكتاب فمحاه بسواكه وأخرج نافعاً. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي، عن مسلمة، أن زياداً عزل نافع بن خالد الطاحي وخليد بن عبد الله الحنفي وأمير بن أحمر اليشكري، فاستعمل الحكم بن عمرو بن مجدع بن حذيم بن الحارث بن نعيلة بن مليك - ونعيلة أخو غفار بن مليك - ولكنهم قليل، فصاروا إلى غفار. قال مسلمة: أمر زيادٌ حاجبه فقال: ادع لي الحكم - وهو يريد الحكم ابن أبي العاص الثقفي - فخرج الحاجب فرأى الحكم بن عمرو الغفاري فأدخله، فقال: زيادٌ: رجل له شرف وله صحبةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعقد له على خراسان، ثم قال له: ما أردتك، ولكن الله عز وجل أرادك. حدثني عمر قال: حدثنا علي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن الثقفي ومحمد بن الفضل، عن ابيه؛ أن زياداً لما ولي العراق استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، وجعل معه رجالاً على كورٍ، وأمرهم بطاعته، فكانوا على جباية الخراج، وهم أسلم بن زرعة، وخليد بن عبد الله الحنفي، ونافع بن خالد الطاحي، وربيعة بن عسل اليربوعي، وأمير بن أحمر اليشكري، وحاتم بن النعمان الباهلي؛ فمات الحكم بن عمرو، وكان قد غزا طخارستان، فغنم غنائم كثيرة، واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم، وكان كتب إلى زياد: إني قد رضيته لله وللمسلمين ولك، فقال زياد: اللهم إني لا أرضاه لدينك ولا للمسلمين ولا لي. وكتب زيادٌ إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي إلى خراسان في خمسين ألفاً؛ من البصرة خمسة وعشرين ألفاً، ومن الكوفة خمسةً وعشرين ألفاً، على أهل البصرة الربيع، وعلى أهل الكوفة عبد الله ابن أبي عقيل، وعلى الجماعة الربيع بن زياد. وقيل: حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو على المدينة، وكانت الولاة والعمال على الأمصار في هذه السنة من تقدم ذكره قبل؛ المغيرة ابن شعبة على الكوفة، وشريح على القضاء بها، وزياد على البصرة، والعمال من قد سميت قبل. وفي هذه السنة كان مشتى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرض الروم. ثم دخلت سنة ست وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقيل بل كان مالك بن هبيرة السكوني. خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلاكه وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدس ابن أثال النصراني إليه شربةً مسمومةً - فيما قيل - فشربها فقتلته. ذكر الخبر عن سبب هلاكه وكان السبب في ذلك ما حدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة ابن محارب؛ أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشأم، ومال إليه أهلها، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتى خافه معاوية، وخشي على نفسه منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش، وأن يوليه جباية خراج حمص، فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفاً من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربةً مسمومةً مع بعض مماليكه، فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له، وولاه خراج حمص، ووضع عنه خراجه. قال: وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة، فجلس يوماً إلى عروة بن الزبير، فسلم عليه، فقال له عروة: من أنت؟ قال: أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقام خالد من عنده، وشخص متوجهاً إلى حمص، ثم رصد بها ابن أثال، فرآه يوماً راكباً، فاعترض له خالد بن عبد الرحمن، فضربه بالسيف، فقتله، فرفع إلى معاوية، فحبسه أياماً، وأغرمه ديته، ولم يقده منه. ورجع خالدٌ إلى المدينة، فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه، فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتك ابن أثال، ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة. وقال خالد بن عبد الرحمن حين ضرب ابن أثال: أنا ابن سيف الله فاعرفوني ... لم يبق إلا حسبي وديني وصارمٌ صل به يميني ذكر خروج سهم والخطيم وفيها خرج الخطيم وسهم بن غالب الهجيمي، فحكما، وكان من أمرهما ما حدثني به عمر، قال: حدثنا علي، قال: لما ولي زياد خافه سهم ابن غالب الهجيمي والخطيم - وهو يزيد بن مالك الباهلي - فأما سهم فخرج إلى الأهواز فأحدث وحكم، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان، فلم يؤمنه زياد، وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه. وأما الخطيم فإن زياداً سيره إلى البحرين، ثم أذن له فقدم، فقال له: الزم مصرك؛ وقال لمسلم ابن عمرو: اضمنه؛ فأبى وقال: إن بات عن بيته أعلمتك. ثم أتاه مسلم فقال: لم يبت الخطيم الليلة في بيته، فأمر به فقتل، وألقي في باهلة. وحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان. وكان العمال والولاة فيها العمال والولاة في السنة التي قبلها. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها ففيها كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، ومشتى أبي عبد الرحمن القيني بأنطاكية. ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن خديج وفيها عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر، ووليها معاوية ابن حديج، وسار - فيما ذكر الواقدي - في المغرب، وكان عثمانياً. قال: ومر به عبد الرحمن بن أبي بكر وقد جاء من الإسكندرية، فقال له: يا معاوية، قد لعمري أخذت من معاوية جزاءك، قتلت محمد بن أبي بكر لأن تلي مصر، فقد وليتها. قال: ما قتلت محمد بن أبي بكر إلا بما صنع بعثمان؛ فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية فيما صنع حيث صنع عمرو بن العاص بالأشعري ما صنع، فوثبت أول الناس فبايعته. ذكر غزو الغور وقال بعض أهل السير: وفي هذه السنة وجه زياد الحكم بن عمرو الغفاري إلى خراسان أميراً، فغزا جبال الغور وفراونده، فقهرهم بالسيف عنوةً ففتحها، وأصاب فيها مغانم كثيرة وسبايا؛ وسأذكر من خالف هذا القول بعد إن شاء الله تعالى. وذكر قائل هذا القول أن الحكم بن عمرو قفل من غزوته هذه، واختلفوا فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال الواقدي: أقام الحج في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان. وقال غيره: بل الذي حج في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان. وكانت الولاة والعمال على الأمصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمال والولاة في السنة التي قبلها. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ذكر الأحداث التي كانت فيها وكان فيها مشتى أبي عبد الرحمن القيني أنطاكية، وصائفة عبد الله ابن قيس الفزاري وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر، وغزوة عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر البحر، وبأهل المدينة، وعلى أهل المدينة المنذر بن الزهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. وقال بعضهم: فيها وجه زيادٌ غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم في قول عامة أهل السير، وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجاعه منه فدك، وقد كان وهبها له. وكانت ولاة الأمصار وعمالها في هذه السنة الذين كانوا في السنة التي قبلها. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ذكر ما كان فيها من الأحداث فكان فيها مشتى مالك بن هبيرة السكوني بأرض الروم. وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد جربة، وشتا بجربة، وفتحت على يديه، وأصاب فيها سبياً كثيراً. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة يزيد بن شجرة الرهاوي في البحر، فشتا بأهل الشأم. وفيها كانت غزوة عقبة بن نافع البحر، فشتا بأهل مصر. وفيها كانت غزوة يزيد بن معاوية الروم حتى بلغ قسطنطينية، ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري. وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة في شهر ربيع الأول. وأمر فيها سعيد بن العاص على المدينة في شهر ربيع الآخر؛ وقيل في شهر ربيع الأول. وكانت ولاية مروان كلها بالمدينة لمعاوية ثمان سنين وشهرين. وكان على قضاء المدينة لمروان - فيما زعم الواقدي - حين عزل عبد الله بن الحارث بن نوفل، فلما ولي سعيد بن العاص عزله عن القضاء، واستقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وقيل: في هذه السنة وقع الطاعون بالكوفة، فهرب المغيرة بن شعبة من الطاعون، فلما ارتفع الطاعون قيل له: لو رجعت إلى الكوفة! فقدمها فطعن فمات؛ وقد قيل: مات المغيرة سنة خمسين، وضم معاوية الكوفة إلى زياد، فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص. وكانت الولاة والعمال في هذه السنة التي قبلها، إلا عامل الكوفة فإن في تاريخ هلاك المغيرة اختلافاً، فقال: بعض أهل السير: كان هلاكه في سنة تسع وأربعين؛ وقال بعضهم: في سنة خمسين. ثم دخلت سنة خمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كانت غزوة بسر بن أبي أرطاة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم. وقيل: كانت فيها غزوة فضالة بن عبيد الأنصاري البحر. ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة وفيها - في قول الواقدي والمدائني - كانت وفاة المغيرة بن شعبة. قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن أبي موسى الثقفي، عن أبيه، قال: كان المغيرة بن شعبة رجلاً طوالاً، مصاب العين، أصيب باليرموك، توفي في شعبان سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة. وأما عوانة فإنه قال - فيما حدثت عن هشام بن محمد، عنه: هلك المغيرة سنة إحدى وخمسين. وقال بعضهم: بل هلك سنة تسع وأربعين. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: كان زيادٌ على البصرة وأعمالها إلى سنة خمسين، فمات المغيرة بن شعبة بالكوفة وهو أميرها، فكتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة، فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة، فاستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وشخص إلى الكوفة، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة، وستة أشهر بالبصرة. حدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة بن محارب، قال: لما مات المغيرة جمعت العراق لزياد، فأتى الكوفة فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن أشخص إليكم في ألفين من شرطة البصرة، ثم ذكرت أنكم أهل حق، وأن حقكم طالما دفع الباطل، فأتيتكم في أهل بيتي، فالحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس، وحفظ مني ما ضيعوا... حتى فرغ من الخطبة، فصحب على المنبر، فجلس حتى أمسكوا، ثم دعا قوماً من خاصته، وأمرهم، فأخذوا أبواب المسجد، ثم قال: ليأخذ لك رجل منكم جليسه، ولا يقولن: لا أدري من جليسي؟ ثم أمر بكرسي فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعةً أربعةً يحلفون بالله ما منا من حصبك، فمن حلف خلاه، ومن لم يحلف حبسه وعزله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال: بل كانوا ثمانين، فقطع أيديهم على المكان. قال الشعبي: فوالله ما تعلقنا عليه بكذبة، وما وعدنا خيراً ولا شراً إلا أنفذه. حدثني عمر قال: حدثنا علي، عن سلمة بن عثمان، قال: بلغني عن الشعبي أنه قال: أول رجل قتله زيادٌ بالكوفة أوفى بن حصن، بلغه عنه شيء فطلبه فهرب، فعرض الناس زياد، فمر به، فقال: من هذا؟ قالوا أوفى بن حصن الطائي؛ فقال زياد: أتتك بحائن رجلاه، فقال أوفى: إن زياداً أبا المغيرة لا ... يعجل والناس فيهم عجله خفتك والله فاعلمن حلفي ... خوف الحفافيث صولة الأصلة فجئت إذ ضاقت البلاد فلم ... يكن عليها لخائفٍ وأله قال: ما رأيك في عثمان؟ قال ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه، ولم أنكره، ولي محصور رأي، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: جواد حليم؛ قال: فما تقول في؟ قال: بلغني أنك قلت بالبصرة: والله لآخذن البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر؛ قال: قد قلت ذاك، قال: خبطتها عشواء؛ قال زياد: ليس النافخ بشر الزمرة، فقتله؛ فقال عبد الله بن همام السلولي: خيب الله سعي أوفى بن حصنٍ ... حين أضحى فروجة الرقاء قاده الحين والشقاء إلى لي ... ث عرينٍ وحيةٍ صماء قال: ولما قدم زياد الكوفة أتاه عمارة بن عقبة بن أبي معيط، فقال: إن عمرو بن الحمق يجتمع إليه من شيعة أبي تراب، فقال له عمرو بن حريث: ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقنه ولا تدري ما عاقبته! فقال زياد: كلاكما لم يصب، أنت حيث تكلمني في هذا علانيةً وعمرو حين يردك عن كلامك، قوما إلى عمرو بن الحمق فقولا له: ما هذه الزرافات التي تجتمع عندك! من أرادك أو أردت كلامه ففي المسجد. قال: ويقال: إن الذي رفع على عمرو بن الحمق وقال له: قد أنغل المصرين، يزيد بن رويم، فقال عمرو بن الحريث: ما كان قط أقبل على ما ينفعه منه اليوم؛ فقال زياد ليزيد بن رويم: أما أنت فقد أشطت بدمه، وأما عرمو فقد حقن دمه، ولو علمت أن مخ ساقه قد سال من بغضي ماهجته حتى يخرج علي. واتخذ زيادٌ المقصورة حين حصبه أهل الكوفة. وولى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سمرة بن جندب. فحدثني عمر، قال: حدثني إسحاق بن إدريس، قال: حدثني محمد ابن سليم قال: سألت أنس بن سيرين: هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب! استخلفه زيادٌ على البصرة، وأتى الكوفة، فجاء وقد قتل ثمانية آلافٍ من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت - أو كما قال. حدثني عمر، قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا نوح بن قيس، عن أشعث الحداني، عن أبي سوار العدوي، قال: قتل سمرة من قومي في غداةٍ سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن. حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، عن جعفر الصدفي، عن عوف، قال: أقبل سمرة من المدينة، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم، ففجأ أوائل الخيل، فحمل عليه رجلٌ من القوم فأوجره الحربة. قال: ثم مضت الخيل، فأتى عليه سمرة بن جندب، وهو متشحط في دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: اصابته أوائل خيل الأمير؛ قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا. خروج قريب وزحاف حدثني عمر قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن زيد، قال: خرج قريب وزحاف، وزياد بالكوفة، وسمرة بالبصرة، فخرجا ليلاً، فنزلا بني يشكر، وهم سبعون رجلاً، وذلك في رمضان، فأتوا بني ضبيعة وهم سبعون رجلاً، فمروا بشيخ منهم يقال له حكام، فقال حين رآهم: مرحباً بأبي الشعثاء! فرآه ابن حصين فقتلوه، وتفرقوا في مساجد الأزد، وأتت فرقةٌ منهم رحبة بني علي، وفرقة مسجد المعادل، فخرج عليهم سيف بن وهب في أصحاب له، فقتل من أتاه، وخرج على قريب وزحاف شبابٌ من بني علي وشبابٌ من بني راسب، فرموهم بالنبل. قال قريب: هل في القوم عبد الله بن أوس الطاحي؟ وكان يناضله؛ قيل: نعم؛ قال: فهلم إلى البراز؛ فقتله عبد الله وجاء برأسه، وأقبل زيادٌ من الكوفة فجعل يؤنبه، ثم قال: يا معشر طاحية، لولا أنكم أصبتم في القوم لنفيتكم إلى السجن. قال: وكان قريب من إياد، وزحاف من طيىء، وكانا ابني خالة، وكانا أول من خرج بعد أهل النهر. قال غسان: سمعت سعيداً يقول: إن أبا بلال قال: قريب لا قربه الله، وايم الله لأن أقع من السماء أحب إلي من أن أصنع ما صنع - يعني الاستعراض. حدثني عمر، قال: حدثنا زهير، قال: حدثني وهب، قال: حدثني أبي أن زياداً اشتد في أمر الحرورية بعد قريب وزحاف، فقتلهم وأمر سمرة بذلك، وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة، فقتل سمرة منهم بشراً كثيراً. حدثني عمر، قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: قال زياد يومئذ على المنبر: يا أهل البصرة، والله لتكفني هؤلاء أو لأبدأن بكم، والله لئن أفلت منهم رجلٌ لا تأخذون العام من عطائكم درهماً، قال: فثار الناس بهم فقتلوهم. ذكر إرادة معاوية نقل المنبر إلى المدينة قال محمد بن عمر: وفي هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يحمل إلى الشأم، فحرك، فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم باديةً يومئذ، فأعظم الناس ذلك، فقال: لم أرد حمله، إنما خفت أن يكون قد أرض، فنظرت إليه. ثم كساه يومئذ. وذكر محمد بن عمر، أنه حدثه بذلك خالد بن القاسم، عن شعيب بن عمرو الأموي. قال محمد بن عمر: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه، قال: قال معاوية: إني رأيت أن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاه لا يتركان بالمدينة، وهم قتلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه، فلما قدم طلب العصا وهي عند سعد القرظ، فجاءه أبو هريرة وجابر بن عبد الله، فقالا: يا أمير المؤمنين؛ نذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا، فإن هذا لا يصلح، تخرج منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه، وتخرج عصاه إلى الشأم؛ فانقل المسجد؛ فأقصر وزاد فيه ست درجات، فهو اليوم ثماني درجات، واعتذر إلى الناس مما صنع. قال محمد بن عمر: وحدثني سويد بن عبد العزيز، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كان عبد الملك قد هم بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكرك الله عز وجل أن تفعل هذا، وأن تحوله! إن أمير المؤمنين معاوية حركه فكسفت الشمس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حلف على منبري آثماً فليتبوأ مقعده من النار " ، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة! فأقصر عبد الملك عن ذلك، وكف عن أن يذكره. فلما كان الوليد وحج هم بذلك وقال: خبراني عنه، وما أراني إلا سأفعل: فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: كلم صاحبك يتق الله عز وجل ولا يتعرض لله سبحانه ولسخطه، فكلمه عمر بن عبد العزيز، فأقصر وكف عن ذكره، فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان الوليد هم به وإرسال سعيد بن المسيب إليه، فقال سليمان: ما كنت أحب أن يذكر هذا عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد، هذا مكابرة، وما لنا ولهذا! أخذنا الدنيا فهي في أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه، فنحمله إلى ما قبلنا! هذا ما لا يصلح. وفيها عزل معاوية بن حديج عن مصر وولى مسلمة بن مخلد مصر وإفريقية، وكان معاوية بن أبي سفيان قد بعث قبل أن يولي مسلمة مصر وإفريقية عقبة بن نافع الفهري إلى إفريقية، فافتتحها، واختط قيروانها، وكان موضعه غيضةً - فيما زعم محمد بن عمر - لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الداب. فدعا الله عز وجل عليها فلم يبق منها شيء إلا خرج هارباً، حتى إن السباع كانت تحمل أولادها. قال محمد بن عمر: حدثني موسى بن علي، عن أبيه، قال: نادى عقبة بن نافع: إنا نازلونا ... فاظعنوا عزينا فخرجن من جحرتهن هوارب. قال: وحدثني المفضل بن فضالة، عن زيد بن أبي حبيب، عن رجل من جند مصر، قال: قدمنا مع عقبة بن نافع، وهو أول الناس اختطها وأقطعها للناس مساكن ودوراً، وبنى مسجدها. فأقمنا معه حتى عزل، وهو خير والٍ وخير أمير. ثم عزل معاوية في هذه السنة - أعني سنة خمسين - معاوية بن حديج عن مصر، وعقبة بن نافع عن إفريقية، وولى مسلمة بن مخلد مصر والمغرب كله، فهو أول من جمع له المغرب كله ومصر وبرقة وإفريقية وطرابلس، فولى مسلمة بن مخلد مولىً له يقال له: أبو المهاجر أفريقية، وعزل عقبة ابن نافع، وكشفه عن أشياء، فلم يزل والياً على مصر والمغرب، وأبو المهاجر على إفريقية من قبله حتى هلك معاوية بن أبي سفيان. وفي هذه السنة مات أبو موسى الأشعري، وقد قيل: كانت وفاة أبي موسى سنة اثنتين وخمسين. واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حج بهم معاوية، وقال بعضهم: بل حج بهم ابنه يزيد، وكان الوالي في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص، وعلى البصرة والكوفة والمشرق وسجستان وفارس والسند والهند زياد. ذكر هرب الفرزدق من زياد وفي هذه السنة طلب زيادٌ الفرزدق، واستعدت عليه بنو نهشل وفقيم، فهرب منه إلى سعيد بن العاص - وهو يومئذ والي المدينة من قبل معاوية - مستجيراً به، فأجاره. ذكر الخبر عن ذلكحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو عبيدة وأبو الحسن المدائني وغيرهما، أن الفرزدق لما هجا بني نهشل وبني فقيم. لم يزد أبو زيد في إسناد خبره على ما ذكرت؛ وأما محمد بن علي فإنه حدثني عن محمد بن سعد، عن أبي عبيدة، قال: حدثني أعين بن لبطة بن الفرزدق، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: لما هاجيت الأشهب بن رميلة والبعيث فسقطا، استعدت علي بنو نهشل وبنو فقيم زياد بن أبي سفيان. وزعم غيره أن يزيد بن مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمي بن جندل بن نهشل استعدى أيضاً عليه. فقال أعين: فلم يعرفه زياد حتى قيل له: الغلام الأعرابي الذي أنهب ورقه وألقى ثيابه؛ فعرفه. قال أبو عبيدة: أخبرني أعين بن لبطة، قال: أخبرني أبي، عن أبيه، قال: بعثني أبي غالبٌ في عير له وجلبٍ أبيعه وأمتار له وأشتري لأهله كساً، فقدمت البصرة، فبعت الجلب، فأخذت ثمنه فجعلته في ثوبي أزاوله، إذ عرض لي رجل أراه كأنه شيطان، فقال: لشد ما تستوثق منها! فقلت: وما يمنعني! قال: أما لو كان مكانك رجل أعرفه ما صبر عليها؛ فقلت: وما هو؟ قال: غالب بن صعصعة؛ قال: فدعوت أهل المربد فقلت: دونكموها - ونثرتها عليهم - فقال لي قائل: ألق رداءك يابن غالب، فألقيته. وقال آخر: ألق قميصك؛ فألقيته، وقال آخر: ألق عمامتك فألقيتها حتى بقيت في إزارٍ، فقالوا: ألق إزارك، فقلت: لن ألقيه وأمشي مجرداً، إني لست بمجنون. فبلغ الخبر زياداً، فأرسل خيلاً إلى المربد ليأتوه بي، فجاء رجل من بني الهجيم على فرس؛ قال: أتيت فالنجاء! وأردفني خلفه، وركض حتى تغيب، وجاءت الخيل وقد سبقت، فأخذ زياد عمين لي: ذهيلا والزحاف ابني صعصعة - وكانا في الديوان على ألفين ألفين، وكانا معه - فحبسهما فأرسلت إليهما: إن شئتما أتيتكما، فبعثا إلي: لا تقربنا، إنه زياد! وما عسى أن يصنع بنا، ولم نذنب ذنباً! فمكثا أياماً. ثم كلم زياد فيهما، فقالوا: شيخان سامعان مطيعان، ليس لهما ذنب مما صنع غلام أعرابي من أهل البادية؛ فخلى عنهما؛ فقالا لي: أخبرنا بجميع ما أمرك أبوك من ميرةٍ أو كسوة؛ فخبرتهما به أجمع، فاشترياه وانطلقت حتى لحقت بغالب، وحملت ذلك معي أجمع، فأتيته وقد بلغه خبري، فسألني: كيف صنعت؟ فأخبرته بما كان؛ قال: وإنك لتحسن مثل هذا! ومسح رأسي. ولم يكن يومئذ يقول الشعر، وإنما قال الشعر بعد ذلك، فكانت في نفس زياد عليه. ثم وفد الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة، من بني ربيعة بن كعب ابن سعد والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد أبو منازل، أحد بني حوى بن سفيان بن مجاشع إلى معاوية بن أبي سفيان، فأعطى كل رجل منهم مائة ألف، وأعطى الحتات سبعين ألفاً، فلما كانوا في الطريق سأل بعضهم بعضاً، فأخبروه بجوائزهم، فكان الحتان أخذ سبعين ألفاً، فرجع إلى معاوية، فقال: ما ردك يا أبا منازل؟ قال: فضحتني في بني تميم، أما حسبي بصحيح! أو لست ذا سن! أو لست مطاعاً في عشيرتي! فقال معاوية: بلى؛ قال: فما بالك خسست بي دون القوم! فقال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان - وكان عثمانياً - فقال: وأنا فاشتر مني ديني، فأمر له بتمام جائزة القوم. وطعن في جائزته، فحبسها معاوية، فقال الفرزدق في ذلك: أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثاً فيحتاز التراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث حربٍ جامدٌ لك ذائبه! فلو كان هذا الأمر في جاهليةٍ ... علمت من المرء القليل حلائبه ولو كان في دينس سوى ذا شنئتم ... لنا حقنا أو غص بالماء شاربه ولو كان إذ كنا وفي الكف بسطةٌ ... لصممٌ غضبٌ فيك ماضٍ مضاربه - وأنشد محمد بن علي وفي الكف مبسط وقد رمت شيئاً يا معاوي دونه ... خياطف علودٍّ صعاب مراتبه وما كنت أعطي النصف من غير قدرةٍ ... سواك، ولو مالت علي كتائبه ألست أعز الناس قوماً وأسرةً ... وأمنعهم جاراً إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النبي وآله ... كمثلي حصانٌ في الرجال يقاربه أبى غالبٌ والمرء ناجية الذي ... إلى صعصعٍ ينمى، فمن ذا يناسبه! وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه ... ومن دونه البدر المضيء كواكبه أنا ابن الجبال الصم في عدد الحصى ... وعرق الثرى عرقي، فمن ذا يحاسبه! أنا ابن الذي أحيا الوئيد وضامنٌ ... على الدهر إذ عزت لدهرٍ مكاسبه وكم من أبٍ لي يا معاوي لم يزل ... أغر يباري الريح ما ازور جانبه نمته فروع المالكين ولم يكن ... أبوك الذي من عبد شمسٍ يقاربه تراه كنصل السيف يهتز للندى ... كريماً يلاقي المجد ما طر شاربه طويل نجاد السيف مذ كان لم يكن ... قصيٌّ وعبد الشمس ممن يخاطبه فرد ثلاثين ألفاً على أهله، وكانت أيضاً قد أغضبت زياداً عليه. قال: فلما استعدت عليه نهشل وفقيم ازداد عليه غضباً، فطلبه فهرب، فأتى عيسى بن خصيلة بن معتب بن نصر بن خالد البهزي، ثم أحد بني سليم، والحجاج بن علاط بن خالد السلمي. قال ابن سعد: قال أبو عبيدة: فحدثني أبو موسى الفضل بن موسى ابن خصيلة، قال: لما طرد زياد الفرزدق جاء إلى عمي عيسى بن خصيلة ليلاً فقال: يا أبا خصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني، وإن صديقي وجميع من كنت أرجو قد لفظوني، وإني قد أتيتك لتغيبني عندك؛ قال: مرحباً بك! فكان عنده ثلاث ليالٍ، ثم قال: إنه قد بدا لي أن ألحق بالشام، فقال: ما أحببت؛ إن أقمت معي ففي الرحب والسعة؛ وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها. قال: فركب بعد ليل، وبعث عيسى معه حتى جاوز البيوت، فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال الفرزدق في ذلك: حباني بها البهزي حملان من أبي ... من الناس والجاني تخاف جرائمه ومن كان يا عيسى يونب ضيفه ... فضيفك محبورٌ هنيٌّ مطاعمه وقال تعلم أنها أرحبيةٌ ... وأن لها الليل الذي أنت جاشمه فأصبحت والملقى ورائي وحنبلٌ ... وما صدرت حتى علا النجم عاتمه تزاور عن أهل الحفير كأنها ... ظليمٌ تبارى جنح ليلٍ نعائمه رأت بين عينيها دوية وانجلى ... لها الصبح عن صعلٍ أسيلٍ مخاطمه كأن شراعاً فيه مجرى زمامها ... بدجلة إلا خطمه وملاغمه إذا أنت جاوزت الغريين فاسلمي ... وأعرض من فلجٍ ورائي مخارمه وقال أيضاً: تداركني أسباب عيسى من الردى ... ومن يك مولاه فليس بواحد وهي قصيدة طويلة. قال: وبلغ زياداً أنه قد شخص، فأرسل علي بن زهدم، أحد بني نولة بن فقيم في طلبه. قال أعين: فطلبه في بيت نصرانية يقال لها ابنة مرار، من بني قيس ابن ثعلبة تنزل قصيمة كاظمة؛ قال: فسلته من كسر بيتها، فلم يقدر عليه؛ فقال في ذلك الفرزدق: أتيت ابنة المرار أهبلت تبتغي ... وما يبتغى تحت السوية أمثالي ولكن بغائي لو أردت لقاءنا ... فضاء الصحارى لا ابتغاءٌ بأدغال وقيل: إنها ربيعة بنت المرار بن سلامة العجلي أم أبي النجم الراجز. قال أبو عبيدة: قال مسمع بن عبد الملك: فأتى الروحاء، فنزل في بكر بن وائل، فأمن، فقال يمدحهم: وقد مثلت أين المسير فلم تجد ... لفورتها كالحي بكر بن وائل أعف وأوفى ذمةً يعقدونها ... إذا وازنت شم الذرا بالكواهل وهي قصيدة طويلة. ومدحهم بقصائد أخر غيرها. قال: فكان الفرزدق إذا نزل زياد البصرة نزل الكوفة، وإذا نزل زيادٌ الكوفة نزل الفرزدق البصرة، وكان زياد ينزل البصرة ستة أشهر والكوفة ستة أشهر، فبلغ زياداً ما صنع الفرزدق، فكتب إلى عامله على الكوفة عبد الرحمن ابن عبيد: إنما الفرزدق فحل الوحوش يرعى القفار، فإذا ورد عليه الناس ذعر ففارقهم إلى أرض أخرى فرتع؛ فاطلبه حتى تظفر به. قال الفرزدق: فطلبت أشد طلب، حتى جعل من كان يؤويني يخرجني من عنده، فضاقت علي الأرض، فبينا أنا ملفف رأسي في كسائي على ظهر الطريق، إذ مر بي الذي جاء في طلبي، فلما كان الليل أتيت بعض أخوالي من بني ضبة وعندهم عرس - ولم أكن طعمت قبل ذلك طعاماً، فقلت: آتيهم فأصيب من الطعام - قال: فبينا أنا قاعد إذ نظرت إلى هادي فرسٍ وصدر رمح قد جاوز باب الدار داخلاً إلينا، فقاموا إلى حائط قصب فرفعوه، فخرجت منه، وألقوا الحائط فعاد مكانه، ثم قالوا: ما رأيناه، وبحثوا ساعةً ثم خرجوا، فلما أصبحنا جاءوني فقالوا: اخرج إلى الحجاز عن جوار زياد لا يظفر بك، فلو ظفر بك البارحة أهلكتنا؛ وجمعوا ثمن راحلتين، وكلموا لي مقاعساً أحد بني تيم الله ابن ثعلبة - وكان دليلاً يسافر للتجار - قال: فخرجنا إلى بانقيا حتى انتهينا إلى بعض القصور التي تنزل، فلم يفتح لنا الباب، فألقينا رحالنا إلى جنب الحائط والليلة مقمرة، فقلت: يا مقاعس، أرأيت إن بعث زياد بعد ما نصبح إلى العتيق رجالاً، أيقدرون علينا؟ قال: نعم، يرصدوننا - ولم يكونوا جاوزوا العتيق وهو خندق كان للعجم - قال: فقلت: ما تقول العرب؟ قال: يقولون: أمهله يوماً وليلة ثم خذه. فارتحل؛ فقال إني أخاف السباع، فقلت: السباع أهون من زياد، فارتحلنا لا نرى شيئاً إلا خلفناه، ولزمنا شخصٌ لا يفارقنا، فقلت: يا مقاعس، أترى هذا الشخص! لم نمرر بشيء إلا جاوزناه غيره، فإنه يسايرنا منذ الليلة. قال: هذا السبع، قال: فكأنه فهم كلامنا، فنقدم حتى ربض على متن الطريق، فلما رأينا ذلك نزلنا فشددنا أيدي ناقتينا بثنايين وأخذت قوسي. وقال مقاعس: يا ثعلب، أتدري ممن فررنا إليك؟ من زياد، فأحصب بذنبه حتى غشينا غباره وغشي ناقتينا، قال: فقلت: أرميه، فقال: لا تهجه، فإنه إذا أصبح ذهب؛ قال: فجعل يرعد ويبرق ويزئر، ومقاعس يتوعده حتى انشق الصبح، فلما رآه ولى، وأنشا الفرزدق يقول: ما كنت أحسبني جباناً بعد ما ... لاقيت ليلة جانب الأنهار ليثاً كأن على يديه رحالةً ... شئن البراثن مؤجد الأظفار لما سمعت له زمازم أجهشت ... نفسي إلي وقلت أين فراري! وربطت جروتها وقلت لها اصبري ... وشددت في ضيق المقام إزاري فلأنت أهون من زيادٍ جانباً ... اذهب إليك مخرم الأسفار قال ابن سعد: قال أبو عبيدة: فحدثني أعين بن لبطة، قال: حدثني أبي، عن شبث بن ربعي الرياحي، قال: فأنشدت زياداً هذه الأبيات فكأنه رق له، وقال: لو أتاني لآمنته وأعطيته، فبلغ ذلك الفرزدق؛ فقال: تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا ... تذكر شوقاً ليس ناسيه عصرا تذكر ظمياء التي ليس ناسيا ... وإن كان أدنى عهدها حججاً عشرا وما مغزلٌ بالغور غور تهامةٍ ... ترعى أراكاً في منابته نضرا من الأدم حواء المدامع ترعوي ... إلى رشإٍ طفلٍ تخال به فترا أصابت بوادي الولولان حبالةً ... فما استمسكت حتى حسبن بها نفرا بأحسن من ظمياء يوم تعرضت ... ولا مزنةٌ راحت غمامتها قصرا وكم دونها من عاطفٍ في صريمة ... وأعداء قومٍ ينذرون دمي نذرا! إذا أوعدوني عند ظمياء ساءها ... وعيدي وقالت لا تقولوا له هجرا دعاني زيادٌ للعطاء ولم أكن ... لآتيه ما ساق ذو حسبٍ وفرا وعند زيادٍ لو يريد عطاءهم ... رجالٌ كثيرٌ قد يرى بهم فقرا قعودٌ لدى الأبواب طلاب حاجةٍ ... غوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا فلما خشيت أن يكون عطاؤه ... أداهم سوداً أو محدرجةً سمرا نميت إلى حرفٍ أضر بنيها ... سرى الليل واستعراضها البلد القفرا تنفس في بهوٍ من الجوف واسعٍ ... إذا مد حيزوما شراسيفها الضفرا تراها إذا صام النهار كأنما ... تسامى فنيقاً أو تخالسه خطرا تخوض إذا صاح الصدى بعد هجعةٍ ... من الليل ملتجاً غياطله خضرا فإن أعرضت زوراء أو شمرت بها ... فلاةٌ ترى منها مخارمها غبرا تعاودين عن صهب الحصى وكأنما ... طحن به من كل رضراضةٍ جمرا وكم من عدوٍّ كاشحٍ قد تجاوزت ... مخافته حتى تكون لها جسرا يؤم بها الموماة من لا يرى له ... إلى ابن أبي سفيان جاهاً ولا عذرا ولا تعجلاني صاحبي فربما ... سبقت بورد الماء غاديةً كدرا وحضنين من ظلماء ليلٍ سريته ... بأغيد قد كان النعاس له سكرا رماه الكرى في الرأس حتى كأنه ... أميم جلاميدٍ تركن به وقرا من السير والإدلاج تحسب أنما ... سقاه الكرى في كل منزلة خمرا جررنا وفديناه حتى كأنما ... يرى بهوادي الصبح قنبلةً شقرا قال: فمضينا وقدمنا المدينة وسعيد بن العاص بن أمية عليها، فكان في جنازة، فتبعته فوجدته قاعداً والميت يدفن حتى قمت بين يديه، فقلت: هذا مقام العائذ من رجل لم يصب دماً ولا مالاً! فقال: قد أجرت إن لم تكن أصبت دماً ولا مالاً؛ وقال: من أنت؟ قلت: أنا همام بن غالب بن صعصعة، وقد أثنيت على الأمير، فإن رأي أن يأذن في فأسمعه فليفعل؛ قال: هات، فأنشدته: وكومٍ تنعم الأضياف عيناً ... وتصبح في مباركها ثقالا حتى أتيت إلى آخرها؛ قال: فقال مروان: قعوداً ينظرون إلى سعيد قلت: والله إنك لقائم يا أبا عبد الملك. قال: وقال كعب بن جعيل: هذه والله الرؤيا التي رأيت البارحة؛ قال سعيد: وما رأيت؟ قال: رأيت كأني أمشي في سكة من سكك المدينة، فإذا أنا بابن قترة في جحر، فكأنه أراد أن يتناولني، فاتقيته، قال: فقام الحطيئة فشق ما بين رجلين حتى تجاوز إلي، فقال: قل ما شئت فقد أدركت من مضى، ولا يدركك من بقي. وقال لسعيد: هذا والله الشعر، لا يعلل به منذ اليوم. قال: فلم نزل بالمدينة مرة وبمكة مرة. وقال الفرزدق في ذلك: ألا من مبلغٌ عني زياداً ... مغلغلةً يخب بها البريد بأني قد فررت إلى سعيدٍ ... ولا يسطاع ما يحمي سعيد فررت إليه من ليثٍ هزبرٍ ... تفادي عن فريسته الأسود فإن شئت انتسبت إلى النصارى ... وإن شئت انتسبت إلى اليهود وإن شئت انتسبت إلى فقيمٍ ... وناسبني وناسبت القرود ويروى: وناسبني وناسبت اليهود وأبغضهم إلي بنو فقيمٍ ... ولكن سوف آتي ما تريد وقال أيضاً: أتاني وعيدٌ من زيادٍ فلم أنم ... وسيل اللوى دوني فهضب التهائم فبت كأني مشعرٌ خيبريةً ... سرت في عظامي أو سمام الأراقم زياد بن حربٍ لن أظنك تاركي ... وذا الضغن قد خشمته غير ظالم قال: وأنشدنيه عمرو: وبالضغن قد خشمتني غير ظالم وقد كافحت مني العراق قصيدةٌ ... رجومٌ مع الماضي رءوس المخارم خفيفة أفواه الرواة ثقيلة ... على قرنها نزالةٌ بالمواسم وهي طويلة. فلم نزل بين مكة والمدينة حتى هلك زياد. وفي هذه السنة كانت وفاة الحكم بن عمرو الغفاري بمرو منصرفه من غزوة أهل جبل الأشل. ذكر الخبر عن غزوة الحكم بن عمرو جبل الأشل وسبب هلاكه حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني حاتم بن قبيصة، قال: حدثنا غالب بن سليمان، عن عبد الرحمن بن صبح، قال: كنت مع الحكم بن عمرو بخراسان، فكتب زيادٌ إلى عمرو: إن أهل جبل الأشل سلاحهم اللبود، وآنيتهم الذهب. فغزاهم حتى توسطوا، فأخذوا بالشعاب والطرق، فأحدقوا به، فعي بالأمر، فولي المهلب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيماً من عظمائهم، فقال له: اختر بين أن أقتلك، وبين أن تخرجنا من هذا المضيق؛ فقال له: أوقد النار حيال الطريق من هذه الطرق، ومر بالأثقال فلتوجه نحوه، حتى إذا ظن القوم أنكم قد دخلتم الطريق لتسلكوه فإنهم يستجمعون لكم، ويعرون ما سواه من الطرق، فبادرهم إلى غيره فإنهم لا يدركونك حتى تخرج منه. ففعلوا ذلك، فنجا وغنموا غنيمةً عظيمة. حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد؛ قال: لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الأشل ولى المهلب ساقته، فسلكوا في شعاب ضيقة، فعارضه الترك فأخذوا عليهم بالطرق، فوجدوا في بعض تلك الشعاب رجلاً يتغنى من وراء حائط ببيتين: تعز بصبرٍ لا وجدك لا ترى ... سنام الحمى أخرى الليالي الغوابر كأن فؤادي من تذكري الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريش طائر فأتى به الحكم، فسأله عن أمره، فقال: غايرت ابن عم لي، فخرجت ترفعني أرض وتخفضني أخرى، حتى هبطت هذه البلاد. فحمله الحكم إلى زياد بالعراق. قال: وتخلص الحكم من وجهه حتى أتى هراة، ثم رجع إلى مرو. حدثني عمر، قال: حدثني حاتم بن قبيصة، قال: حدثنا غالب ابن سليمان، عن عبد الرحمن بن صبح، قال: كتب إليه زياد: والله لئن بقيت لك لأقطعن منك طابقاً سحتا، وذلك أن زياداً كتب إليه لما ورد بالخبر عليه بما غنم: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أصطفي له صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئاً حتى تخرج ذلك. فكتب إليه الحكم: أما بعد، فإن كتابك ورد، تذكر أن أمير المؤمنين كتب إلي أن أصطفي له كل صفراء وبيضاء والروائع، ولا تحركن شيئاً؛ فإن كتاب الله عز وجل قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو كانت السموات والأرض رتقاً على عبدٍ اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجاً. وقال للناس: اغدوا على غنائمكم؛ فغدا الناس، وقد عزل الخمس، فقسم بينهم تلك الغنائم، قال: فقال الحكم: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني؛ فمات بخراسان بمرو. قال عمر: قال علي بن محمد: لما حضرت الحكم الوفاة بمرو، استخلف أنس بن أبي أناس، وذلك في سنة خمسين. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أبي أرطاة الصائفة، ومقتل حجر بن عدي وأصحابه. ذكر مقتل حجر بن عدي وأصحابه ذكر سبب مقتلهقال هشام بن محمد؛ عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد، والصقعب ابن زهير، وفضيل بن خديج، والحسين بن عقبة المرادي، قال: كلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث حجر ابن عدي الكندي وأصحابه: إن معاوية بن أبي سفيان لما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دعاه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني، ويصلح به رعيتي، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تتحم عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم؛ وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم. فقال المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم. قال: بل نحمد إن شاء الله. قال ابن مخنف: قال الصقعب بن زهير: سمعت الشعبي يقول: ما ولينا والٍ بعده مثله، وإن كان لاحقاً بصالح من كان قبله من العمال. وأقام المغيرة على الكوفة عاملاً لمعاوية سبع سنين وأشهراً، وهو من أحسن شيء سيرةً، وأشده حباً للعافية، غير أنه لا يدع ذم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان، واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له، والتزكية لأصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذمم الله ولعن! ثم قام فقال: إن الله عز وجل يقول: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " ، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم فيقول المغيرة: يا حجر، لقد رمي بسهمك، إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ويحك! اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضبة السلطان أحياناً مما يهلك أمثالك كثيراً. ثم يكف عنه ويصفح. فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهم ارحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه، وأجزه بأحسن عمله، فإنه عمل بكتابك، واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وجمع كلمتنا، وحقن دماءنا، وقتل مظلوماً؛ اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه! ويدعو على قتلته. فقام حجر بن عدي فنعر نعرةً بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجاً منه، وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هرمك! أيها الإنسان، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنك قد حبستها عنا، وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين، وتقريظ المجرمين. قال: فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئاً؛ وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه. فنزل المغيرة، فدخل واستأذن عليه قومه، فأذن لهم، فقالوا: علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة، ويجترىء عليك في سلطانك هذه الجرأة! إنك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أولهما فتهوين سلطانك، وأما الأخرى فإن ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليه - وكان أشدهم له قولاً في أمر حجر والتعظيم عليه عبد الله أبي عقيل الثقفي - فقال لهم المغيرة: إني قد قتلته؛ إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثل فيصنع به شبيهاً بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة؛ إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، ولا أحب أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم، وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة؛ ولكني قابلٌ من محسنهم، وعافٍ عن مسيئهم، وحامدٌ حليمهم، وواعظٌ سفيههم، حتى يفرق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جربوا العمال بعدي. قال ابن مخنف: سمعت عثمان بن عقبة الكندي، يقول: سمعت شيخاً للحي يذكر هذا الحديث يقول: قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم، أحمده للبرىء، وأغفرهم للمسيء، وأقبلهم للعذر. =================================================ج17. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال هشام: قال عوانة: فولي المغيرة الكوفة سنة إحدى وأربعين في جمادى، وهلك سنة إحدى وخمسين، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان، فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنا قد جربنا وجربنا، وسسنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله، بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها، وغيب أهلها بشاهدهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبة الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كذبة إمام على المنبر. ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرظهم، وذكر قتلته ولعنهم. فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وقد كان زيادٌ قد رجع إلى البصرة وولي الوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة فبلغه أن حجراً يجتمع إليه شيعة علي، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم حصبوا عمرو بن الحريث، فشخص إلى الكوفة حتى دخلها، فأتى القصر فدخله، ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر، قد فرق شعره، وحجر جالسٌ في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وأمنوني فاجترءوا علي، وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم؛ وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالاً لمن بعده! ويل أمك يا حجر! سقط العشاء بك على سرحان، ثم قال: أبلغ نصيحة أن راعي إبلها ... سقط العشاء به على سرحان وأما غير عوانة، فإنه قال في سبب أمر حجر ما حدثني علي بن حسن قال: حدثنا مسلم الجرمي، قال: حدثنا مخلد بن الحسن، عن هشام، عن محمد بن سيرين، قال: خطب زياد يوماً في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة! فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة! فمضى في خطبته، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثر عليه. فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد، ثم احمله إلي. فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه، فقال: لا، ولكن سمعٌ وطاعة، فشد في الحديد، ثم حمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له معاوية: أمير المؤمنين! أما والله لا أقيلك ولا أستقيلك، أخرجوه فاضربوا عنقه، فأخرج من عنده، فقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين؛ فقالوا: صل؛ فصلى ركعتين خفف فيهما، ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أنا عليه لأحببت أن تكونا أطول مما كانتا، ولئن لم يكن فيما مضى من الصلاة خيرٌ فما في هاتين خير؛ ثم قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عني حديداً، ولا تغسلوا عني دماً، فإني ألاقي معاوية غداً على الجادة. ثم قدم فضربت عنقه. قال مخلد: قال هشام: كان محمد إذا سئل عن الشهيد يغسل، حدثهم حديث حجر. قال محمد: فلقيت عائشة أم المؤمنين معاوية - قال مخلد: أظنه بمكة - فقالت: يا معاوية، أين كان حلمك عن حجر! فقال لها: يا أم المؤمنين، لم يحضرني رشيد! قال ابن سيرين: فبلغنا أنه لما حضرته الوفاة جعل يغرغر بالصوت ويقول: يومي منك يا حجر يومٌ طويل! قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني إسماعيل بن نعيم النمري، عن حسين بن عبد الله الهمداني، قال: كنت في شرط زياد، فقال زياد: لينطلق بعضكم إلى حجر فليدعه؛ قال: فقال لي أمير الشرطة - وهو شداد ابن الهيثم الهلالي: اذهب إليه فادعه؛ قال: فأتيته، فقلت: أجب الأمير؛ فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة! قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحب الشرطة أن يبعث معي رجالاً، قال: فبعث نفراً؛ قال: فأتيناه فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبونا وشتمونا، فرجعنا إليه فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة، أتشجون بيدٍ وتأسون بأخرى! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حجر! هذا الهجهاجة الأحمق المذبوب أنتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر! هذا والله من دحسكم وغشكم! والله لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم! فوثبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما ها هنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكل ما ظننا أن فيه رضاك، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به، قال: فليقم كل امرىء منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته، حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه. ففعلوا ذلك، فأقاموا جل من كان مع حجر بن عدي، فلما رأى زياد أن جل من كان مع حجر أقيم عنه، قال لشداد بن الهيثم الهلالي - ويقال: هيثم بن شداد أمير شرطته - : انطلق إلى حجر، فإن تبعك فأتني به، وإلا فمر من معك فلينتزعوا عمد السوق، ثم يشدوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونه. فأتاه الهلالي فقال: أجب الأمير؛ قال: فقال أصحاب حجر: لا ولا نعمة عين! لا نجيبه. فقال لأصحابه: شدوا على عمد السوق، فاشتدوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن يزيد الكندي من بني هند - وهو أبو العمرطة: إنه ليس معك رجل معه سيفٌ غيري، وما يغني عنك! قال: فما ترى؟ قال: قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك. فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعمد، فضرب رجل من الحمراء - يقال له بكر ابن عبيد - رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع، وأتاه أبو سفيان بن عويمر والعجلان بن ربيعة - وهما رجلان من الأزد - فحملاه؛ فأتيا به دار رجل من الأزد - يقال له عبيد الله بن مالك - فخبأه بها، فلم يزل بها متوارياً حتى خرج منها. قال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما انصرفنا من غزوة باجميرا قبل مقتل مصعب بعام، فإذا أنا بأحمري يسايرني - ووالله ما رأيته من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحمق، وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه - فلما رأيته ظننت أنه هو هو؛ وذاك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة، فكرهت أن أسأله: أنت الضارب عمرو بن الحمق؟ فيكابرني، فقلت له: ما رأيتك من اليوم الذي ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتك الآن حين رأيتك؛ فقال لي: لا تعدم بصرك، ما أثبت نظرك! كان ذلك أمر الشيطان، أما إنه قد بلغني أنه كان امرأ صالحاً، ولقد ندمت على تلك الضربة، فأستغفر الله. فقلت له: ألا ترى والله لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك على رأسك مثل الضربة التي ضربتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت! فناشدني الله وسألني الله، فأبيت عليه، ودعوت غلاماً لي يدعى رشيداً من سبي أصبهان معه قناة له صلبة، فأخذتها منه، ثم أحمل عليه بها، فنزل عن دابته، وألحقه حين استوت قدماه بالأرض، فأصفع بها هامته، فخر لوجهه، ومضيت وتركته، فبرأ بعد؛ فلقيته مرتين من الدهر، كل ذلك يقول: الله بيني وبينك! وأقول: الله عز وجل بينك وبين عمرو بن الحمق! ثم رجع إلى أول الحديث. قال: فلما ضرب عمراً تلك الضربة وحمله ذانك الرجلان، انحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، ويضرب رجلٌ من جذام كان في الشرطة رجلاً يقال له عبد الله بن خليفة الطائي بعمود، فضربه ضربةً فصرعه، فقال وهو يرتجز: قد علمت يوم الهياج خلتي ... أني إذا ما فئتي تولت وكثرت عداتها أو قلت ... أني قتالٌ غداة بلت وضربت يد عائذ بن حملة التميمي وكسرت نابه، فقال: إن تكسروا نابي وعظم ساعدي ... فإن في سورة المناجد وبعض شغب البطل المبالد وينتزع عموداً من بعض الشرطة، فقاتل به وحمى حجراً وأصحابه؛ حتى خرجوا من تلقاء أبواب كندة، وبغلة حجر موقوفة، فأتى بها أبو العمرطة إليه، ثم قال: اركب لا أب لغيرك! فوالله ما أراك إلا قد قتلت نفسك، وقتلتنا معك؛ فوضع حجر رجله في الركاب؛ فلم يستطع أن ينهض، فحمله أبو العمرطة على بغلته، ووثب أبو العمرطة على فرسه؛ فما هو إلا أن استوى عليه حتى انتهى إليه يزيد بن طريف المسلي - وكان يغمز - فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخذه، ويخترط أبو العمرطة سيفه، فضرب به رأس يزيد بن طريف، فخر لوجهه. ثم إنه برأ بعد، فله يقول عبد الله بن همام السلولي: ألؤم ابن لؤمٍ ما عدا بك حاسراً ... إلى بطلٍ ذي جرأةٍ وشكيم! معاود ضرب الدارعين بسيفه ... على الهام عند الروع غير لئيم إلى فارس الغارين يوم تلاقيا ... بصفين قرمٍ خير نجل قروم حسبت ابن برصاء الحتار قتاله ... قتالك زيداً يوم دار حكيم وكان ذلك السيف أول سيف ضرب به في الكوفة في الاختلاف بين الناس. ومضى حجر وأبو العمرطة حتى انتهيا إلى دار حجر، واجتمع إلى حجر ناس كثير من أصحابه، وخرج قيس بن فهدان الكندي على حمار له يسير في مجالس كندة، يقول: يا قوم حجرٍ دافعوا وصاولوا ... وعن أخيكم ساعةً فقاتلوا لا يلفيا منكم لحجرٍ خاذل ... أليس فيكم رامحٌ ونابل وفارسٌ مستلئمٌ وراجل ... وضاربٌ بالسيف لا يزايل! فلم يأته من كندة كثير أحد. وقال زياد وهو على المنبر: ليقم همدان وتميم وهوازن وأبناء أعصر ومذحج وأسد وغطفان فليأتوا جبانة كندة، فليمضوا من ثم إلى حجر فليأتوني به. ثم إنه كره أن يسير طائفةً من مضر مع طائفة من أهل اليمن فيقع بينهم شغب واختلاف، وتفسد ما بينهم الحمية، فقال: لتقم تميم وهوازن وأبناء أعصر وأسد وغطفان، ولتمض مذحج وهمدان إلى جبانة كندة، ثم لينهضوا إلى حجر فليأتوني به، وليسر سائر أهل اليمن حتى ينزلوا جبانة الصائديين فليمضوا إلى صاحبهم، فليأتوني به. فخرجت الأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وخزاعة وقضاعة، فنزلوا جبانة الصائديين، ولم تخرج حضرموت مع أهل اليمن لمكانهم من كندة، وذلك أن دعوة حضرموت مع كندة، فكرهوا الخروج في طلب حجر. قال أبو مخنف: حدثني يحيى بن سعيد بن مخنف، عن محمد بن مخنف، قال: إني لمع أهل اليمن في جبانة الصاديين إذ اجتمع رءوس أهل اليمن يتشاورون في أمر حجر، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: أنا مشير عليكم برأيٍ إن قبلتموه رجوت أن تسلموا من اللائمة والإثم، أرى لكم أن تلبثوا قليلاً فإن سرعان شباب همدان ومذحج يكفونكم ما تكرهون أن تلوا من مساءة قومكم في صاحبكم قال: فأجمع رأيهم على ذلك، قال: فوالله ما كان إلا كلا ولا حتى أتينا، فقيل لنا: إن مذحج وهمدان قد دخلوا فأخذوا كل من وجدوا من بني جبلة. قال: فمر أهل اليمن في نواحي دور كندة معذرة، فبلغ ذلك زياداً، فأثنى على مذحج وهمدان وذم سائر أهل اليمن. وإن حجراً لما انتهى إلى داره فنظر إلى قلة من معه من قومه، وبلغه أن مذحج وهمدان نزلوا جبانة كندة وسائر أهل اليمن جبانة الصائديين قال لأصحابه: انصرفوا فوالله ما لكم طاقةٌ بمن قد اجتمع عليكم من قومكم، وما أحب أن أعرضكم للهلاك؛ فذهبوا لينصرفوا، فلحقتهم أوائل خيل مذحج وهمدان. فعطف عليهم عمير بن يزيد وقيس بن يزيد وعبيدة بن عمرو البدي وعبد الرحمن بن محرز الطمحي وقيس ابن شمر، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرحوا، وأسر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبا لكم! تفرقوا لا تقاتلوا فإني آخذ في بعض السكك. ثم آخذ طريقاً نحو بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد، فدخل داره، وجاء القوم في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليم بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكت بناته؛ فقال له حجر: ما تريد؟ قال: أريد والله أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك؛ فقال حجر: لا أبا لغيرك! بئس ما دخلت به إذاً على بناتك! قال: إني والله ما أمونهن، ولا رزقهن إلا على الحي الذي لا يموت؛ ولا أشتري العار بشيء ابداً، ولا تخرج من داري أسيراً أبداً وأنا حي أملك قائم سيفي، فإن قتلت دونك فاصنع ما بدا لك. قال حجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خوخة أخرج منها، عسى أن يسلمني الله عز وجل منهم ويسلمك، فإذا القوم لم يقدروا علي عندك لم يضروك! قال: بلى هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى مر ببني ذهل، فقالوا له: مر القوم آنفاً في طلبك يقفون أثرك. فقال: منهم أهرب؛ قال: فخرج ومعه فتية منه يتقصون به الطريق، ويسلكون به الأزقة حتى أفضي إلى النخع، فقال لهم عند ذلك: انصرفوا رحمكم الله! فانصرفوا عنه، وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر فدخلها، فإنه لكذلك قد ألقى له الفرش عبد الله، وبسط له البسط، وتلقاه ببسط الوجه، وحسن البشر، إذ أتى فقيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع - وذلك أن أمةً سوداء يقال لها: أدماء، لقيتهم، فقالت: من تطلبون؟ قالوا: نطلب حجراً؛ قالت: ها هو ذا قد رأيته في النخع، فانصرفوا نحو النخع - فخرج من عند عبد الله متنكراً، وركب معه عبد الله بن الحارث ليلاً حتى أتى دار ربيعة بن ناجد الأزدي في الأزد، فنزلها يوماً وليلة، فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد بمحمد بن الأشعث فقال له: يا أبا ميثاء، أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلةً إلا قطعتها، ولا داراً إلا هدمتها ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إرباً إرباً؛ قال: أمهلني حتى أطلبه؛ قال: قد أمهلتك ثلاثاً، فإن جئت به وإلا عد نفسك مع الهلكى. وأخرج محمد نحو السجن منتقع اللون يتل تلاً عنيفاً، فقال حجر بن يزيد الكندي لزياد: ضمنيه وخل سبيله يطلب صاحبه؛ فإنه مخلىً سربه - أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوساً. فقال أتضمنه؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لئن حاص عنك لأزيرنك شعوب، وإن كنت الآن علي كريماً. قال: إنه لا يفعل، فخلى سبيله. ثم إن حجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أتي به أسيراً، فقال لهم: ما على قيس بأس، قد عرفنا رأيه في عثمان، وبلاءه يوم صفين مع أمير المؤمنين، ثم أرسل إليه فأتي به، فقال له: إني قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر؛ أنك ترى رأيه، ولكن قاتلت معه حمية قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك، وحسن بلائك؛ ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير؛ قال: أجيئك به إن شاء الله؛ قال: فهات من يضمنه لي معك، قال: هذا حجر بن يزيد يضمنه لك معي؛ قا حجر بن يزيد: نعم أضمنه لك، على أن تؤمنه على ماله ودمه، قال: ذلك لك، فانطلقا فأتيا به وهو جريح، فأمر به فأوقر حديداً، ثم أخذته الرجال ترفعه، حتى إذا بلغ سررها ألقوه، فوقع على الأرض، ثم رفعوه وألقوه، ففعلوا به ذلك مراراً، فقام إليه حجر بن يزيد فقال: ألم تؤمنه على ماله ودمه أصلحك الله! قال: بلى، قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دماً، ولا آخذ له مالاً. قال: أصلحك الله! يشفى به على الموت؛ ودنا منه وقام من كان عنده من أهل اليمن، فدنوا منه وكلموه، فقال: أتضمنوه لي بنفسه، فمتى ما أحدث حدثاً أتيتموني به؟ قالوا: نعم؛ قال: وتضمنون لي أرش ضربة المسلى، قالوا: ونضمنها؛ فخلى سبيله. ومكث حجر بن عدي في منزل ربيعة بن ناجد الأزدي يوماً وليلة، ثم بعث حجر إلى محمد بن الأشعث غلاماً له يدعى رشيداً من أهل إصبهان: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد، فلا يهولنك شيء من أمره، فإني خارج إليك؛ أجمع نفراً من قومك ثم أدخل عليه فأسأله أن يؤمنني حتى يبعث بي إلى معاوية فيرى في رأيه. فخرج ابن الأشعث إلى حجر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلموه وطلبوا إليه أن يؤمنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه، ففعل، فبعثوا إليه رسوله ذلك يعلمونه أن قد أخذنا الذي تسأل، وأمروه أن يأتي؛ فأقبل حتى دخل على زياد فقال زياد: مرحباً بك أبا عبد الرحمن! حرب في أيام الحرب، وحربٌ وقد سالم الناس! على أهلها تجني براقش. قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لعلى بيعتي؛ فقال: هيهات هيهات يا حجر! تشج بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذ أمكن الله منك أن نرضى! كلا والله. قال: ألم تؤمني حتى آتي معاوية فيرى في رأيه! قال: بلى قد فعلنا، انطلقوا به إلى السجن، فلما قفي به من عنده قال زياد: أما والله لولا أمانه ما برح أو يلفظ مهجة نفسه. قال هشام بن عروة: حدثني عوانة، قال: قال زياد: والله لأحرصن على قطع خيط رقبته. قال هشام بن محمد؛ عن أبي مخنف، وحدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي وزكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق؛ أن حجراً لما قفي به من عند زياد نادى بأعلى صوته: اللهم إني على بيعتي، لا أقيلها ولا أستقيلها، سماع الله والناس. وكان عليه برنس في غداة باردة، فحبس عشر ليال، وزيادٌ ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حجر، فخرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن، ثم ارتحلا حتى أتيا أرض الموصل، فأتيا جبلاً فكمنا فيه، وبلغ عامل ذلك الرستاق أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما - وهو رجل من همدان يقال له عبد الله بن أبي بلتعة - فسار إليهما في الخيل نحو الجبل ومعه أهل البلد، فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو بن الحمق فكان مريضاً، وكان بطنه قد سقى، فلم يكن عنده امتناع؛ وأما رفاعة بن شداد - وكان شاباً قوياً - فوثب على فرس له جواد، فقال له: أقاتل عنك؟ قال: وما ينفعني أن تقاتل! انج بنفسك إن استطعت، فحمل عليهم، فأفرجوا له، فخرج تنفر به فرسه، وخرجت الخيل في طلبه - وكان رامياً - فأخذ لا يلحقه فارسٌ إلا رماه فجرحه أو عقره، فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحمق، فسألوه: من أنت؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلتموه كان أضر لكم؛ فسألوه: فأبى أن يخبرهم، فبعث به ابن أبي بلتعة إلى عامل الموصل - وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي - فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه، وكتب إلى معاوية بخبره، فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان ابن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه، وإنا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسع طعنات، فمات في الأولى منهن أو الثانية. قال أبو مخنف: وحدثني المجالد، عن الشعبي وزكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق. قال: وجه زياد في طلب أصحاب حجر، فأخذوا يهربون منه، ويأخذ من قدر عليه منهم، فبعث إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب الشرطة - وهو شداد بن الهيثم - فدعا قبيصة في قومه، وأخذ سيفه، فأتاه ربعي بن خراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير، فأراد أن يقاتل، فقال له صاحب الشرطة: أنت آمن على دمك ومالك، فلم تقتل نفسك؟ فقال له أصحابه: قد أومنت، فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك! قال: ويحكم! إن هذا الدعي ابن العاهرة، والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبداً أو يقتلني؛ قالوا: كلا، فوضع يده في أيديهم، فأقبلوا به إلى زياد، فلما دخلوا عليه قال زياد: وحي عبسٍ تعزوني على الدين، أما والله لأجعلن لك شاغلاً عن تلقيح الفتن، والتوثب على الأمراء؛ قال: إني لم آتك إلا على الأمان؛ قال: انطلقوا به إلى السجن، وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرأً منا من بني همام يقال له: صيفي بن فسيل من رءوس أصحاب حجر، وهو أشد الناس عليك، فبعث إليه زياد، فأتي به، فقال له زياد: يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟ قال: ما أعرف أبا تراب؛ قال: ما أعرفك به! قال: ما أعرفه، قال: أما تعرف علي بن أبي طالب؟ قال: بلى، قال: فذاك أبو تراب، قال: كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول أنت: لا! قال: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضاً مع ذنبك! علي بالعصا، فأتي بها، فقال: ما قولك في علي؟، قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله أقوله في المؤمنين، قال: اضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لزم الأرض. ثم قال: أقلعوا عنه، إيهٍ، ما قولك في علي؟ قال: والله لو شرحتني بالمواسى والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني؛ قال لتلعننه أو لأضربن عنقك؛ قال: إذاً تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله، وشقيت أنت؛ قال: ادفعوا في رقبته، ثم قال: أوقروه حديداً، وألقوه في السجن. ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائي - وكان شهد مع حجر وقاتلهم قتالاً شديداً - فبعث إليه زيادٌ بكير بن حمران الأحمري - وكان تبيع العمال - فبعثه في أناس من أصحابه، فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم، فأخرجوه، فلما أرادوا أن يذهبوا به - وكان عزيز النفس - امتنع منهم فحاربهم وقاتلهم، فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط، فنادت ميثاء أخته: يا معشر طيىء، أتسلمون ابن خليفةٍ لسانكم وسنانكم! فلما سمع الأحمري نداءها خشي أن تجتمع طيىء فيهلك، فهرب وخرج نسوةٌ من طيىء فأدخلنه داراً، وينطلق الأحمري حتى أتى زياداً، فقال: إن طيئاً اجتمعت إلي فلم أطقهم، فأتيتك، فبعث زيادٌ إلى عدي - وكان في المسجد - فحبسه وقال: جئني به - وقد أخبر عدي بخبر عبد الله - فقال عدي: كيف آتيك برجل قد قتله القوم؟ قال: جئني حتى أرى أن قد قتلوه، فاعتل له وقال: لا أدري أين هو، ولا ما فعل! فحبسه، فلم يبق رجلٌ من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي، فأتوا زياداً فكلموه فيه، وأخرج عبد الله فتغيب في بحتر، فأرسل إلى عدي: إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت؛ فبعث إليه عدي: والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك. فدعا زياد عدياً، فقال له: إني أخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة، ولتسير به إلى الجبلين؛ قال: نعم، فرجع وأرسل إلى عبد الله بن خليفة: اخرج، فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله؛ فخرج إلى الجبلين. وأتى زياد بكريم بن عفيف الخثعمي فقال: ما اسمك؟ قال: أنا كريم ابن عفيف؛ قال: ويحك، أو ويلك! ما أحسن اسمك واسم أبيك، وأسوأ عملك ورأيك! قال: أما والله إن عهدك برأيي لمنذ قريب، ثم بعث زيادٌ إلى أصحاب حجر حتى جمع اثني عشر رجلاً في السجن. ثم إنه دعا رءوس الأرباع، فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتم منه - وكان رءوس الأرباع يومئذ: عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على مذحج وأسد - فشهد هؤلاء الأربعة أن حجراً جمع إليه الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين؛ وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه وأهل حربه، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رءوس أصحابه، وعلى مثل رأيه وأمره. ثم أمر بهم ليخرجوا، فأتاه قيس بن الوليد فقال: إنه قد بلغني أن هؤلاء إذا خرج بهم عرض لهم. فبعث زياد إلى الكناسة فابتاع إبلاً صعاباً، فشد عليها المحامل، ثم حملهم عليها في الرحبة أول النهار، حتى إذا كان العشاء قال زياد: من شاء فليعرض، فلم يتحرك من الناس أحد، ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظن هذه الشهادة قاطعة، وإني لأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن حصيرة، عن أبي الكنود - وهو عبد الرحمن بن عبيد - وأبو مخنف، عن عبد الرحمن بن جندب وسليمان بن أبي راشد، عن أبي الكنود بأسماء هؤلاء الشهود: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين؛ شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عز وجل كفرةً صلعاء. فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق، فشهد رءوس الأرباع الثلاثة الآخرون على مثل شهادته - وكانوا أربعة - ثم إن زياداً دعا الناس فقال: اشهدا على مثل شهادة رءوس الأرباع. فقرأ عليهم الكتاب، فقام أول الناس عناق بن شرحبيل بن أبي دهم التيمي تيم الله بن ثعلبة، فقال: بينوا اسمي، فقال زياد: ابدءوا بأسامي قريش، ثم اكتبوا اسم عناق في الشهود، ومن نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة. فشهد إسحاق بن طلحة بن عبيد الله، وموسى بن طلحة، وإسماعيل بن طلحة ابن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الرحمن ابن هناد، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وعامر بن مسعود بن أمية بن خلف، ومحرز بن جارية بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس، وعبيد الله بن مسلم ابن شعبة الحضرمي، وعناق بن شرحبيل بن أبي دهم، ووائل بن حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب بن حصين الحارثي، وقطن بن عبد الله بن حصين، والسري بن وقاص الحارثي - وكتب شهادته وهو غائب في عمله - والسائب بن الأقرع الثقفي، وشبث بن ربعي، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ومصقلة بن هبيرة الشيباني، والقعقاع بن شور الذهلي، وشداد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي - وكان يدعى ابن بزيعة، فقال: ما لهذا أبٌ ينسب إليه! القوا هذا من الشهود، فقيل له: إنه أخو الحضين، وهو ابن المنذر؛ قال: فانسبوه إلى أبيه، فبلغت شداداً، فقال: ويلي على ابن الزانية! أوليست أمه أعرف من أبيه! والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية. وحجار بن أبجر العجلي فغضبت ربيعة على هؤلاء الشهود الذين شهدوا من ربيعة وقالوا لهم: شهدتم على أوليائنا وحلفائنا! فقالوا: ما نحن إلا من الناس، وقد شهد عليهم ناس من قومهم كثير - وعمرو بن الحجاج الزبيدي ولبيد بن عطارد التميمي، ومحمد بن عمير بن عطارد التميمي، وسويد بن عبد الرحمن التميمي من بني سعد، وأسماء بن خارجة الفزاري - كان يعتذر من أمره - وشمر بن ذي الجوشن العامري، وشداد ومروان ابنا الهيثم الهلاليان، ومحفز بن ثعلبة من عائذة قريش، والهيثم بن الأسود النخعي - وكان يعتذر إليهم - وعبد الرحمن بن قيس الأسدي، والحارث وشداد ابنا الأزمع الهمدانيان، ثم الوادعيان، وكريب بن سلمة بن يزيد الجعفي، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وزحر بن قيس الجعفي، وقدامة بن العجلان الأزدي وعزرة بن عزرة الأحمسي - ودعا المختار بن أبي عبيد وعروة بن المغيرة بن شعبة ليشهدوا عليه، فراغا - وعمر بن قيس ذي اللحية وهانىء بن أبي حية الوادعيان. فشهد عليه سبعون رجلاً، فقال زياد: ألقوهم إلا من قد عرف بحسب وصلاح في دينه، فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة، وألقيت شهادة عبد الله بن الحجاج الثعلبي، وكتبت شهادة هؤلاء الشهود في صحيفة، ثم دعفها إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب الحارثي، وبعثهما عليهم، وأمرهما أن يخرجا بهم. وكتب في الشهود شريح ابن الحارث القاضي وشريح بن هانىء الحارثي؛ فأما شريح فقال: سألني عنه، فأخبرته أنه كان صواماً قواماً، وأما شريح بن هانىء الحارثي فكان يقول: ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي، فأكذبته ولمسته، وجاء وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأخرج القوم عشية، وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة. فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عزرم، فإذا بناته مشرفات، فقال لوائل وكثير: ائذنا لي فأوصي أهلي، فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين، سكت عنهن ساعة ثم قال: اسكتن؛ فسكتن، فقال: اتقين الله عز وجل، واصبرن، فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين: إما الشهدة، وهي السعادة؛ وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى - وهو حي لا يموت - أرجو ألا يضيعكن وأن يحفظني فيكن ثم انصرف فمر بقومه، فجعل القوم يدعون الله له بالعافية، فقال: إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي. يقول: حيث لا ينصرونني، وكان رجا أن يتخلصوه. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح العبسي، عن عبيد الله بن الحر الجعفي، قال: والله إني لواقف عند باب السرى بن أبي وقاص حين مروا بحجر وأصحابه، قال: فقلت: ألا عشرة رهط أستنقذ بهم هؤلاء! ألا خمسة! قال: فجعل يتلهف، قال: فلم يجبني أحدٌ من الناس؛ قال: فمضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى الغريين، فلحقهم شريح بن هانىء معه كتاب، فقال لكثير: بلغ كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، قال: ما فيه؟ قال: لا تسألني فيه حاجتي؛ فأبى كثير وقال: ما أحب أن آتي أمير المؤمنين بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى ألا يوافقه! فأتى به وائل بن حجر فقبله منه. ثم مضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء، وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلاً. تسمية الذين بعث بهم إلى معاويةحجر بن عدي بن جبلة الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، من بني عامر بن شهران ثم من قحافة، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمى البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم، ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر، وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم؛ فمضوا حتى نزلوا مرج عذراء، فحبسوا بها. ثم إن زياداً أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العجلي؛ بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني ثم الناعطي، فتموا أربعة عشر رجلاً، فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما، وفض كتابهما، فقرأه على أهل الشام، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان. أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء، فكاد له عدوه، وكفاه مؤنة من بغى عليه. إن طواغيت من هذه الترابية السبئية، رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السن والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا. فلما قرأ الكتاب وشهادة الشهود عليهم، قال: ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تستمعون؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها. ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هانىء إلى معاوية، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانىء أما بعد؛ فإنه بلغني أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه. فقرأ كتابه على وائل بن حجر وكثير، فقال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم. فحبس القوم بمرج عذراء، وكتب معاوية إلى زياد: أما بعد، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه، وشهادة من قبلك عليهم، فنظرت في ذلك، فأحياناً أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحياناً ارى العفو عنهم أفضل من قتلهم. والسلام. فكتب إليه زيادٌ مع يزيد بن حجية بن ربيعة التيمي: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت رأيك في حجر وأصحابه، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم، وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المصر فلا تردن حجراً وأصحابه إلي. فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء. فقال: يا هؤلاء، أما والله ما أرى براءتكم، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح، فمروني بما أحببتم مما ترون أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به. فقال حجر: أبلغ معاوية أنا على بيعتنا، لا نستقيلها ولا نقيلها، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء. فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية فقرأه، وبلغه يزيد مقالة حجر؛ فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حجر؛ فقال عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي - ويقال: عثمان بن عمير الثقفي: جذاذها جذاذها؛ فقال له معاوية: لا تعن أبراً. فخرج أهل الشأم ولا يدرون ما قال معاوية وعبد الرحمن، فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن أم الحكم، فقال النعمان: قتل القوم، واقبل عامر بن الأسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه علم الرجلين اللذين بعث بهما زياد، فلما ولى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود، فقال: يا عمر، اسمع مني، أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه، فليتق الله، ولينظر في أمرنا. فقال له نحواً من هذا الكلام، فأعاد عليه حجر مراراً، فكان الآخر عرض، فقال قد فهمت لك - أكثرت، فقال له حجر: إني ما سمعت بعيب، وعلى أيةٍ تلوم! إنك والله تحبي وتعطي، وإن حجراً يقدم ويقتل، فلا ألومك أن تستثقل كلامي، اذهب عني، فكأنه استحيا، فقال: لا والله ما ذلك بي، ولأبلغن ولأجهدن، وكأنه يزعم أنه قد فعل، وأن الآخر أبى. فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين. قال: وقام يزيد بن أسد البجلي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ابني عمي - وقد كان جرير بن عبد الله كتب فيهما: إن امرأين من قومي من أهل الجماعة والرأي الحسن، سعى بهما ساعٍ ظنين إلى زياد، فبعث بهما في النفر الكوفيين الذين وجه بهم زياد إلى أمير المؤمنين وهما ممن لا يحدث حدثاً في الإسلام ولا بغياً على الخليفة، فلينفعهما ذلك عند أمير المؤمنين - فلما سالهما يزيد ذكر معاوية كتاب جرير، فقال: قد كتب إلي ابن عمك فيهما جرير، محسناً عليهما الثناء، وهو أهلٌ أن يصدق قوله، وتقبل نصيحته، وقد سألتني ابني عمك، فهما لك. وطلب وائل بن حجر في الأرقم فتركه له، وطلب أبو الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فوهبه له، وطلب حمرة بن مالك الهمداني في سعيد ابن نمران الهمداني فوهبه له، وكلمه حبيب بن مسلمة في ابن حوية، فخلى سبيله. وقام مالك بن هبيرة السكوني، فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين، دع لي ابن عمي حجراً، فقال: إن ابن ابن عمك حجراً رأس القوم، وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصري، فيضطرنا غداً إلى أن نشخصك وأصحابك إليه بالعراق. فقال له: والله ما أنصفتني يا معاوية، قاتلت معك ابن عمك فتلقاني منهم يومٌ كيوم صفين، حتى ظفرت كفك، وعلا كعبك ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمي فسطوت وبسطت من القول بما لا أننفع به؛ وتخوفت فيما زعمت عاقبة الدوائر! ثم انصرف فجلس في بيته، فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي من بني سلامان بن سعد والحصين ابن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي، فأتوهم عند المساء، فقال الخثعمي حين رأى الأعور مقبلاً: يقتل نصفنا وينجو نصفنا؛ فقال سعيد بن نمران: اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راضٍ؛ فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي: اللهم اجعلني ممن يكرم بهوانهم وأنت عني راضٍ؛ فطالما عرضت نفسي للقتل، فابى الله إلا ما أراه! فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك، فابرءوا من هذا الرجل نخل سبيلكم. قالوا: اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك. فأر بقبورهم فحفرت، وأدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون، فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان؟ قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق؛ فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم؛ ثم قاموا إليهم فقالوا: تبرءون من هذا الرجل! قالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه؛ فأخذ كل رجل منهم رجلاً ليقتله، ووقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدي، فقال له قبيصة: إن الشر بين قومي وقومك أمنٌ، فليقتلني سواك؛ فقال له: برتك رحم! فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي قبيصة بن ضبيعة. قال: ثم إن حجراً قال لهم: دعوني أتوضأ، قالوا له: توضأ، فلما أن توضأ قال لهم: دعوني أصل ركعتين فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين؛ قالوا: لتصل؛ فصلى، ثم انصرف فقال: والله ما صليت صلاةً قط أقصر منها، ولولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لأحببت أن أستكثر منها. ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشأم يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها. فمشى إليه الأعور هدبة بن فياض بالسيف، فأرعدت خصائله، فقال: كلا، زعمت أنك لا تجزع من الموت؛ فأنا أدعك فابرأ من صاحبك، فقال: ما لي لا أجزع وأنا أرى قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً، وسيفاً مشهوراً؛ وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتله؛ وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتى قتلوا ستة. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته؛ فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أن آئتوني بهما. فلما دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله يا معاوية، فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسؤل عما أردت بقتلنا، وفيم سفكت دماءنا؛ فقال معاوية: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك، قال: أتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به؟ فسكت، وكره معاوية أن يجيبه. وقام شمر بن عبد الله من بني قحافة، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي ابن عمي؛ قال: هو لك؛ غير أني حابسه شهراً، فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه، وقال له: إني لأنفس بك على العراق أن يكون فيهم مثلك. ثم إن شمراً عاوده فيه الكلام؛ فقال: نمرك على هبة ابن عمك، فدعاه فخلى سبيله على ألا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان، فقال: تخير أي بلاد العرب أحب إليك أن أسيرك إليها؛ فاختار الموصل، فكان يقول: لو قد مات معاوية قدمت المصر، فمات قبل معاوية بشهر. ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال: إيهٍ يا أخا ربيعة! ما قولك في علي؟ قال؛ دعني ولا تسألني فإنه خيرٌ لك؛ قال: والله لا أدعك حتى تخبرني عنه؛ قال: اشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً، ومن الآمرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس؛ قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول من فتح باب الظلم، وأرتج أبواب الحق؛ قال: قتلت نفسك؛ قال: بل إياك قتلت؛ ولا ربيعة بالوادي - يقول حين كلم شمر الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي، ولم يكن له أحدٌ من قومه يكلمه فيه - فبعث به معاوية إلى زياد، وكتب إليه: أما بعد، فإن هذا العنزي شر من بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها، واقتله شر قتلة. فلما قدم به على زياد بعث به زياد إلى قس الناطف، فدفن به حياً. قال: ولما حمل العنزي والخثعمي إلى معاوية قال العنزي لحجر: يا حجر، لا يبعدنك الله، فنعم أخو الإسلام كنت! وقال الخثعمي: لا تبعد ولا تفقد، فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ثم ذهب بهما وأتبعهما بصره، وقال: كفى بالموت قطاعاً لحبل القرائن! فذهب بعتبة بن الأخنس وسعيد بن نمران بعد حجر بأيام، فخلى سبيلهما. تسمية من قتل من أصحاب حجر رحمه الله حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المنقري، وكدام بن حيان العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي؛ فبعث به إلى زياد فدفن حياً بقس الناطف، فهم سبعة قتلوا وكفنوا وصلي عليهم. قال: فزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه، قال: صلوا عليهم، وكفنوهم، واستقبلوا بهم القبلة، قالوا: نعم؛ قال: حجوهم ورب الكعبة! تسمية من نجا منهمكريم بن عفيف الخثعمي، وعبد الله بن حوية التميمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمى البجلي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وعتبة بن الأخنس، من بني سعيد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمداني فهم سبعة. وقال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجراً وقد اجتمع إليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير، فقال: والله لنحن أغنى عن معاوية من معاوية عنا، وإنا لنجد في قومه منه بدلاً، ولا يجد منا في الناس خلفاً، سيروا إلى هذا الرجل فلنخله من أيديهم؛ فأقبلوا يسيرون ولم يشكوا أنهم بعذراء لم يقتلوا، فاستقبلتهم قتلتهم قد خرجوا منها، فلما رأوه في الناس ظنوا أنما جاء بهم ليخلص حجراً من فسكت عنهم، ومضى نحو عذراء، فاستقبله بعض من جاء منها فأخبره أن القوم قد قتلوا، فقال: علي بالقوم! وتبعتهم الخيل وسبقوهم حتى دخلوا على معاوية فأخبروه خبر ما أتى له مالك بن هبيرة ومن معه من الناس، فقال لهم معاوية: اسكنوا، فإنما هي حرارةٌ يجدها في نفسه، وكأنها قد طفئت، ورجع مالك حتى نزل في منزله، ولم يأت معاوية، فأرسل إليه معاوية فأبى أن يأتيه، فلما كان الليل بعث إليه بمائة ألف درهم، وقال له: إن أمير المؤمنين لم يمنعه أن يشفعك في ابن عمك إلا شفقة عليك وعلى أصحابك أن يعيدوا لكم حرباً أخرى، وإن حجر بن عدي لو قد بقي خشيت أن يكلفك وأصحابك الشخوص إليه، وأن يكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر؛ فقبلها، وطابت نفسه، وأقبل إليه من غده في جموع قومه حتى دخل عليه ورضي عنه. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أن عائشة رضي الله عنها بعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: غاب عني حين غاب مثلك من حلماء قومي، وحملني ابن سمية فاحتملت. قال أبو مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: كانت عائشة تقول: لولا أنا لم تغير شيئاً إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كان ما علمت لمسلماً حجاجاً معتمراً. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل، عن سعيد المقبري، أن معاوية حين حج مر على عائشة - رضوان الله عليها - فاستأذن عليها، فأذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية، أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: لست أنا قتلتهم، إنما قتلهم من شهد عليهم. قال أبو مخنف: حدثني زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، قال: أدركت الناس وهم يقولون: إن أول ذل دخل الكوفة موت الحسن بن علي وقتل حجر بن عدي، ودعوة زياد. قال أبو مخنف: وزعموا أن معاوية قال عند موته: يومٌ لي من ابن الأدبر طويلٌ! ثلاث مرات - يعني حجراً. قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير، عن الحسن، قال: أربع خصال كن في معاوية؛ لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتراؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذو الفضيلة؛ واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير؛ وادعاؤه زياداً؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " ، وقتله حجراً، ويلاً له من حجرٍ! مرتين. وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصارية، وكانت تشيع ترثي حجراً: ترفع أيها القمر المنير ... تبصرهل ترى حجراً يسير يسير إلى معاوية بن حربٍ ... ليقتله كما زعم الأمير تجبرت الجبابر بعد حجرٍ ... وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد بها محولاً ... كأن لم يحيها مزنٌ مطير ألا يا حجر حجر بني عديٍّ ... تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردي عدياً ... وشيخاً في دمشق له زئير يرى قتل الخيار عليه حقاً ... له من شر أمته وزير ألا يا ليت حجراً مات موتاً ... ولم ينحر كما نحر البعير! فإن تهلك فكل زعيم قومٍ ... من الدنيا إلى هلكٍ يصير وقالت الكندية ترثي حجراً - ويقال: بل قائلها هذه الأنصارية: دموع عيني ديمةٌ تقطر ... تبكي على حجرٍ وما تفتر لو كانت القوس على أسره ... ما حمل السيف له الأعور وقال الشاعر يحرض بني هند من بني شيبان على قيس بن عباد حين سعى بصيفي بن فسيل: دعا ابن فسيل يال مرة دعوةً ... ولاقى ذباب السيف كفاً ومعصما فحرض بني هند إذا ما لقيتهم ... وقل لغياثٍ وابنه يتكلما لتبك بني هندٍ قتيلة مثل ما ... بكت عرس صيفيٍّ وتبعث مأتما غياث بن عمران بن مرة بن الحارث بن دب بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان شريفاً، وقتيلة أخت قيس بن عباد، فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه، فقال حوشب للحجاج بن يوسف: إن منا امرأ صاحب فتن ووثوب على السلطان، لم تكن فتنةٌ في العراق قط إلا وثب فيها، وهو ترابي، يلعن عثمان، وقد خرج مع ابن الأشعث فشهد معه في مواطنه كلها، يحرض الناس حتى إذا أهلكهم الله، جاء فجلس في بيته، فبعث إليه الحجاج فضرب عنقه، فقال بنو أبيه لآل حوشب: إنما سعيتم بنا سعياً، فقالوا لهم: وأنتم إنما سعيتم بصاحبنا سعياً. فقال أبو مخنف: وقد كان عبد الله بن خليفة الطائي شهد مع حجر ابن عدي، فطلبه زياد فتوارى، فبعث إليه الشرط، وهم أهل الحمراء يومئذ، فأخذوه، فخرجت أخته النوار فقالت: يا معشر طيىء، أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد الله بن خليفة! فشد الطائيون على الشرط فضربوهم وانتزعوا منهم عبد الله بن خليفة، فرجعوا إلى زياد، فأخبروه، فوثب على عدي ابن حاتم وهو في المسجد، فقال: ائتني بعبد الله بن خليفة؛ قال: وما له! فأخبره، قال: فهذا شيء كان في الحي لا علم لي به؛ قال: والله لتأتيني به؛ قال: لا، والله لا آتيك به أبداً، أجيئك بابن عمي تقتله! والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه. قال: فأمر به إلى السجن؛ قال: فلم يبق بالكوفة يمانيٌّ ولا ربعيٌّ إلا أتاه وكلمه، وقالوا: تفعل هذا بعدي بن حاتم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: فإني أخرجه على شرط، قالوا: ما هو؟ قال: يخرج ابن عمه عني فلا يدخل الكوفة ما دام لي بها سلطان. فأتى عدي فأخبر بذلك، فقال: نعم، فبعث عدي إلى عبد الله ابن خليفة فقال: يابن أخي، إن هذا قد لج في أمرك، وقد أبى إلا إخراجك عن مصرك ما دام له سلطان، فالحق بالجبلين، فخرج؛ فجعل عبد الله ابن خليفة يكتب إلى عدي، وجعل عديٌّ يمينه، فكتب إليه: تذكرت ليلى والشبيبة أعصرا ... وذكر الصبا برحٌ على من تذكرا وولى الشباب فافتقدت غصونه ... فيا لك من وجد به حين أدبرا! فدع عنك تذكار الشباب وفقده ... وآثاره إذ بان منك فأقصرا وبك على الخلان لما تخرموا ... ولم يجدوا عن منهل الموت مصدرا دعتهم مناياهم ومن حان يومه ... من الناس فاعلم أنه لن يؤخرا أولئك كانوا شيعةً لي وموئلاً ... إذا اليوم ألفى ذا احتدام مذكرا وما كنت أهوى بعدهم متعللاً ... بشيءٍ من الدنيا ولا أن أعمرا أقول ولا والله أنسى ادكارهم ... سجيس الليالي أو أموت فأقبرا على أهل عذراء السلام مضاعفاً ... من الله وليسق الغمام الكنهورا ولاقى بها حجرٌ من الله رحمةً ... فقد كان أرضى الله حجرٌ وأعذرا ولا زال تهطال ملثٌّ وديمة ... على قبر حجرٍ أو ينادى فيحشرا فيا حجر من للخيل تدمى نحورها ... وللملك المغزى إذا ما تغشمرا ومن صادعٌ بالحق بعدك ناطق ... بتقوى ومن إن قيل بالجور غيرا فنعم أخو الإسلام كنت وإنني ... لأطمع أن تؤتى الخلود وتحبرا وقد كنت تعطي السيف في الحرب حقه ... وتعرف معروفاً وتنكر منكرا فيا أخوينا من هميمٍ عصمتما ... ويسرتما للصالحات فأبشرا ويا أخوي الخندقيين أبشرا ... فقد كنتما حييتما أن تبشرا ويا إخوتا من حضرموت وغالبٍ ... وشيبان لقيتم حساباً ميسرا سعدتم فلم أسمع بأصوب منكم ... حجاجاً لدى لموت الجليل وأصبرا سأبكيكم ما لاح نجم وغرد ال ... حمام ببطن الواديين وقرقرا فقلت ولم أظلم أغوث بن طيىءٍ ... متى كنت أخشى بينكم أن أسيرا! هبلتم ألا قاتلتم عن أخيكم ... وقد ذب حتى مال ثم تجورا ففرجتم عني فغودرت مسلماً ... كأني غريب في إيادٍ وأعصرا فمن لكم مثلي لدى كل غارةٍ ... ومن لكم مثلي إذا البأس أصحرا ومن لكم مثلي إذا الحرب قلصت ... وأوضع فيها المستميت وشمرا فها أنا ذا داري بأجبال طيىءٍ ... طريداً ولو شاء الإله لغيرا نفاني عدوي ظالماً عن مهاجري ... رضيت بما شاء الإله وقدرا وأسلمني قومي لغير جنايةٍ ... كأن لم يكونوا لي قبيلاً ومعشرا فإن ألف في دارٍ بأجبال طيىءٍ ... وكان معاناً من عصير ومحضرا فما كنت أخشى أن أرى متغربا ... لحا الله من لاحى عليه وكثرا لحا الله قتل الحضرميين وائلا ... ولاقى الفنا من السنان الموفرا ولاقى الردى القوم الذين تحزبوا ... علينا وقالوا قول زورٍ ومنكرا فلا يدعني قومٌ لغوث بن طيىءٍ ... لأن دهرهم أشقى بهم وتغيرا فلم أغزهم في المعلمين ولم أثر ... عليهم عجاجاً بالكويفة أكدرا فبلغ خليلي إن رحلت مشرقاً ... جديلة والحيين معناً وبحترا ونبهان والأفناء من جذم طيىءٍ ... ألم أك فيكم ذا الغناء العشنزرا! ألم تذكروا يوم العذيب أليتي ... أمامكم ألا أرى الدهر مدبرا! وكرى على مهران والجمع حاسر ... وقتلي الهمام المستميت المسورا ويوم جلولاء الوقيعة لم ألم ... ويوم نهاوند الفتوح وتسترا وتنسونني يوم الشريعة والقنا ... بصفين في أكتافهم قد تكسرا جزى ربه عني عدي بن حاتمٍ ... برفضي وخذلاني جزاءً موفرا أتنسى بلائي سادراً يابن حاتمٍ ... عشية ما أغنت عديك حزمرا! فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم الألد العذورا فولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثاً بالأباءة مخدرا نصرتكم إذخام القريب وأبعط ال ... بعيد وقد أفردت نصراً مؤزرا فكان جزائي أن أجرد بينكم ... سجيناً وأن أولي الهوان وأوسرا وكم عدةٍ لي منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا فأصبحت أرعى النيب طوراً وتارة ... أهرهر إن راعي الشويهات هرهرا كأني لم أركب جواداً لغارةٍ ... ولم أترك القرن الكمي مقطرا ولم أعترض بالسيف خيلاً مغيرةً ... إذا النكس مشى القهقرى ثم جرجرا ولم أستحث الركض في إثر عصبةٍ ... ميممةٍ عليا سجاسٍ وأبهرا ولم أذعر الإبلام مني بغارةٍ ... كورد القطاثم انحدرت مظفرا ولم أر في خيل تطاعن بالقنا ... بقزوين أو شروين أو أغز كندرا فذلك دهرٌ زال عني حميده ... وأصبح لي معروفه قد تنكرا فلا يبعدن قومي وإن كانت غائباً ... وكنت المضاع فيهم والمكفرا ولا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وإن كنت عنهم نائي الدار محصرا فمات بالجبلين قبل موت زياد. وقال عبيدة الكندي ثم البدي، وهو يعير محمد بن الأشعث بخذلانه حجراً: أسلمت عمك لم تقاتل دونه ... فرقاً ولولا أنت كان منيعا وقتلت وافد آل بيت محمدٍ ... وسلبت أسيافاً له ودروعا لو كنت من أسدٍ عرفت كرامتي ... ورأيت لي بيت الحباب شفيعا ذكر استعمال الربيع بن زياد على خراسان وفي هذه السنة وجه زيادٌ الربيع بن زياد الحارثي أميراً على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الغفاري، وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن عمرو الغفاري، وكان الحكم قد استخلف على عمله بعد موته أنس بن أبي أناس، وأنس هو الذي صلى على الحكم حين مات فدفن في دار خالد بن عبد الله أخي خليد بن عبد الله الحنفي، وكتب بذلك الحكم إلى زياد، فعزل زيادٌ أنساً، وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي. فحدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: لما عزل زيادٌ أنساً وولى مكانه خليد بن عبد الله الحنفي قال أنسٌ: ألا من مبلغٌ عني زياداً ... مغلغلةً يخب بها البريد أتعزلني وتطعمها خليداً ... لقد لاقت حنيفة ما تريد عليكم باليمامة فاحرثوها ... فأولكم وآخركم عبيد فولى خليد شهراً ثم عزله، وولى خراسان ربيع بن زياد الحارثي في أول سنة إحدى وخمسين، فنقل الناس عيالاتهم إلى خراسان، ووطنوا بها، ثم عزل الربيع. فحدثني عمر، قال: حدثني علي، عن مسلمة بن محارب وعبد الرحمن ابن أبان القرشي، قالا: قدم الربيع خراسان ففتح بلخ صلحاً، وكانوا قد أغلقوها بعد ما صالحهم الأحنف بن قيس، وفتح قهستان عنوةً، وكانت بناحيتها أتراك، فقتلهم وهزمهم، وكان ممن بقي منهم نيزك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم في ولايته. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: غزا الربيع فقطع النهر ومعه غلامه فروخ وجاريته شريفة، فغنم وسلم، فأعتق فروخا، وكان قد قطع النهر قبله الحكم بن عمرو في ولايته ولم يفتح. فحدثني عمر، عن علي بن محمد، قال: كان أول المسلمين شرب من النهر مولىً للحكم، اغترف بترسه فشرب، ثم ناول الحكم فشرب، وتوضأ وصلى من وراء النهر ركعتين، وكان أول الناس فعل ذلك، ثم قفل. وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي. وكان العامل في هذه السنة على المدينة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة والبصرة والمشرق كله زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة عميرة بن يثربي. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسينفزعم الواقدي أن فيها كانت غزوة سفيان بن عوف الأزدي، ومشتاه بأرض الروم، وأنه توفي بها، واستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري. وقال غيره: بل الذي شتا بأرض الروم في هذه السنة بالناس بسر بن أبي أرطاة، ومعه سفيان بن عوف الأزدي، وغزا الصائفة في هذه السنة محمد بن عبد الله الثقفي. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبي معشر والواقدي وغيرهما. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال عليها كانوا في سنة إحدى وخمسين. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم. وفيها فتحت رودس، جزيرة في البحر، ففتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي، فنزلها المسلمون - فيما ذكر محمد بن عمر - وزرعوا واتخذوا بها أموالاً ومواشي يرعونها حولها، فإذا أمسوا أدخلوها الحصن، ولهم ناطورٌ يحذرهم ما في البحر ممن يريدهم بكيد، فكانوا على حذرٍ منهم، وكانوا أشد شيء على الروم، فيعترضونهم في البحر فيقطعون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم الأرزاق والعطاء، وكان العدو قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم يزيد بن معاوية. وفيها كانت وفاة زياد بن سمية؛ حدثني عمر، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن الزبير، عن فيل مولى زياد، قال: ملك زياد العراق خمس سنين، ثم مات سنة ثلاث وخمسين. حدثني عمر، قال، حدثنا علي بن محمد، قال: لما نزل زياد على العراق بقي إلى سنة ثلاث وخمسين، ثم مات بالكوفة في شهر رمضان وخليفته على البصرة سمرة بن جندب. ذكر سبب مهلك زياد بن سمية حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: حدثنا أبي، قال حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني عبد الله بن شوذب، عن كثير بن زياد، أن زياداً كتب إلى معاوية: إني ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة. فضم إليه معاوية العروض - وهي اليمامة وما يليها - فدعا عليه ابن عمر، فطعن ومات. فقال ابن عمر حين بلغه الخبر: اذهب إليك ابن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت. حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: كتب زيادٌ إلى معاوية: قد ضبطت لك العراق بشمالي ويمين فارغة، فاشغلها بالحجاز، وبعث في ذلك الهيثم بن الأسود النخعي، وكتب له عهده مع الهيثم، فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يكفيكموه، فاستقبل القبلة واستقبلوها فدعوا ودعا، فخرجت طاعونةٌ على أصبعه، فأرسل إلى شريح - وكان قاضيه - فقال: حدث بي ما ترى، وقد أمرت بقطعها، فاشر علي؛ فقال له شريح: إني أخشى أن يكون الجراح على يدك، والألم على قلبك، وأن يكون الأجل قد دنا، فتلقى الله عز وجل أجذم، وقد قطعت يدك كراهيةً للقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير وقد قطعت يدك فتعيش أجذم وتعر ولدك. فتركها؛ وخرج شريح فسألوه، فأخبرهم بما أشار به، فلاموه وقالوا: هلا أشرت عليه بقطعها! فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن " . حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: قال عبد الله: سمعت بعض من يحدث أنه أرسل إلى شريح يستشيره في قطع يده، فقال: لا تفعل؛ إنك إن عشت صرت أجذم، وإن هلكت إياك جانياً على نفسك، قال: أنام والطاعون في لحاف! فعزم أن يفعل، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وترك ذلك. حدثني عمر، قال: حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي، قال: حدثني ابن أبي زياد، قال: لما حضرت زياداً الوفاة قال له ابنه: يا أبت، قد هيأت لك ستين ثوباً أكفنك فيها؛ قال: يا بني، قد دنا من أبيك لباسٌ خيرٌ من لباسه هذا، أو سلبٌ سريع؛ فمات فدفن بالثوية إلى جانب الكوفة، وقد توجه يزيد إلى الحجاز والياً عليها، فقال مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم: رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهاراً حين ودعنا زياد وقال الفرزدق لمسكين - ولم يكن هجا زياداً حتى مات: أمسكين أبكى الله عينك إنما ... جرى في ضلالٍ دمعها فتحدرا بكيت امرأً من آل ميسان كافراً ... ككسرى على عدانه أو كقيصرا أقول له لما أتاني نعيه ... به لا بظبيٍ بالصريمة أعفرا فأجابه مسكين، فقال: ألا أيها المرء الذي لست ناطقاً ... ولا قاعداً في القوم إلا انبرى ليا فجئني بعمٍّ مثل عمي أو أبٍ ... كمثل أبي أو خال صدقٍ كخاليا كعمرو بن عمرٍو أو زرارة والداً ... أو البشر من كلٍّ فرعت الروابيا وما زال بي مثل القناة وسابحٍ ... وخطارةٍ غب السرى من عياليا فهذا لأيام الحفاظ وهذه ... لرحلي وهذا عدة لارتحاليا! وقال الفرزدق: أبلغ زياداً إذا لاقيت مصرعه ... أن الحمامة قد طارت من الحرم طارت فما زال ينميها قوادمها ... حتى استغاثت إلى الأنهار والأجم حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، عن سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن جرير بن حازم، عن جرير بن يزيد، قال: رأيت زياداً فيه حمرةٌ، في عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص مرقوع، وهو على بغلة عليها لجامها قد أرسنها. ذكر الخبر عن وفاة الربيع بن زياد الحارثي وفي هذه السنة كانت وفاة الربيع بن زيا الحارثي، وهو عامل زياد على خراسان. ذكر الخبر عن سبب وفاته حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: ولي الربيع بن زياد خراسان سنتين وأشهراً، ومات في العام الذي مات فيه زياد، واستخلف ابنه عبد الله بن الربيع، فولي شهرين، ثم مات عبد الله. قال: فقدم عهده من قبل زياد على خراسان وهو يدفن، واستخلف عبد الله بن الربيع على خراسان خليد بن عبد الله الحنفي. قال علي: وأخبرين محمد بن الفضل، عن أبيه، قال: بلغني أن الربيع ابن زياد ذكر يوماً بخراسان حجر بن عدي، فقال: لا تزال العرب تقتل صبراً بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها أقرت فذلت، فمكث بعد هذا الكلام جمعةًن ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة، فقال: أيها الناس، إني قد مللت الحياة، وإني داعٍ بدعوة فأمنوا. ثم رفع يده بعد الصلاة، وقال: اللهم إن كان لي عندك خيرٌ فاقبضني إليك عاجلاً. وأمن الناس فخرج، فما توارت ثيابه حتى سقط فحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه، فاستخلف خليد بن عبد الله الحنفي، فأقره زياد، فمات زياد وخليد على خراسان، وهلك زياد وقد استخلف على عمله على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة بن جندب الفزاري. فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي، قال: مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهراً. قال عمر: وبلغني عن جعفر بن سليمان الضبعي، قال: أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر، ثم عزله، فقال سمرة: لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبداً. حدثني عمر، قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثني سليمان ابن مسلم العجلي، قال: سمعت أبي يقول: مررت بالمسجد، فجاء رجلٌ إلى سمرة فأدى زكاة ماله، ثم دخل فجعل يصلي في المسجد، فجاء رجل فضرب عنقه، فإذا رأسه في المسجد، وبدنه ناحيةً، فمر أبو بكرة، فقال: يوق الله سبحانه: " قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى " ، قال أبي: فشهدت ذاك، فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير، فمات شر ميتة، قال: وشهدته وأتي بناسٍ كثير وأناس بين يديه فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأني بريءٌ من الحرورية، فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعةٌ وعشرون. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص في قول أبي معشر الواقدي وغيرهما. وكان العامل فيها على المدينة سعيد بن العاص، وعلى الكوفة بعد موت زياد عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة بعد موت زياد سمرة بن جندب، وعلى خراسان خليد بن عبد الله الحنفي. ثم دخلت سنة أربع وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كان مشتى محمد بن مالك أرض الروم، وصائفة معن بن يزيد السلمي. وفيها - فيما زعم الواقدي - فتح جنادة بن أبي أمية جزيرةً في البحر قريبةً من قسطنطينية يقال لها أرواد. وذكر محمد بن عمر أن المسلمين أقاموا بها دهراً، فيما يقال سبع سنين، وكان فيها مجاهد بن جبر. قال: وقال تبيع ابن امرأة كعب: ترون هذه الدرجة؟ إذا انقلعت جاءت قفلتنا. قال: فهاجت ريحٌ شديدة فقلعت الدرجة، وجاء نعي معاوية وكتاب يزيد بالقفل فقفلنا، فلم تعمر بعد ذلك وخربت، وأمن الروم. ذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان وفيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة، واستعمل عليها مروان بن الحكم. ذكر سبب عزل معاوية سعيداً واستعمال مروان حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، عن جويرة بن أسماء، عن أشياخه، أن معاوية كان يغري بين مروان وسعيد بن العاص، فكتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة: اهدم دار مروان؛ فلم يهدمها، فأعاد عليه الكتاب بهدمها، فلم يفعل، فعزله وولى مروان. وأما محمد بن عمر؛ فإنه ذكر أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص يأمره بقبض أموال مروان كلها فيجعلها صافيةً، ويقبض فدك منه - وكان وهبها له، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك، وقال: قرابته قريبة. فكتب إليه ثانية يأمره باصطفاء أموال مروان، فأبى، وأخذ سعيد بن العاص الكتابين فوضعهما عند جارية، فلما عزل سعيد عن المدينة فوليها مروان، كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص بالحجاز، وارسل إليه بالكتاب مع ابنه عبد الملك، فخبره أنه لو كان شيئاً غير كتاب أمير المؤمنين لتجافيت، فدعا سعيد بن العاص بالكتابين اللذين كتب بهما معاوية إليه في أموال مروان يأمره فيهما بقبض أمواله، فذهب بهما إلى مروان، فقال: هو كان أوصل لنا منا له! وكف عن قبض أموال سعيد. وكتب سعيد بن العاص إلى معاوية: العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا، أن يضغن بعضنا على بعض! فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأجنبين، وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلا بما جمعنا الله عليه من نصر الخليفة المظلوم، واجتماع كلمتنا، لكان حقاً علينا أن نرعى ذلك، والذي أدركنا به خير. فكتب إليه يتنصل من ذلك، وأنه عائدٌ إلى أحسن ما يعهده. عاد الحديث إلى حديث عمر، عن علي بن محمد، قال: فلما ولى مروان كتب إليه: اهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة، وركب ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم داري! قال: نعم، كتب إلي أمير المؤمنين، ولو كتب في هدم داري لفعلت؛ قال: ما كنت لأفعل؛ قال: بلى، والله لو كتب إليك لهدمتها، قال: كلا أبا عبد الملك. وقال لغلامه: انطلق فجئني بكتاب معاوية؛ فجاء بكتاب معاوية إلى سعيد بن العاص في هدم دار مروان بن الحكم، قال: مروان كتب إليك يا أبا عثمان في هدم داري، فلم تهدم ولم تعلمني. قال: ما كنت لأهدم دارك، ولا أمن، عليك؛ وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأمي! أنت والله أكثر منا ريشاً وعقباً. ورجع مرون ولم يهدم دار سعيد. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أبو محمد بن ذكوان القرشي، قال: قدم سعيد بن العاص على معاوية، فقال له: يا أبا عثمان، كيف تركت أبا عبد الملك؟ قال: تركته ضابطاً لعملك، منفذاً لأمرك. قال: إنه كصاحب الخبزة كفى نضجها فأكلها، قال: كلا، والله يا أمير المؤمنين، إنه لمع قوم لا يحمل بهم السوط، ولا يحل لهم السيف، يتهادون كوقع النبل، سهمٌ لك وسهمٌ عليك؛ قال: ما باعد بينك وبينه؟ قال: خافني على شرفه، وخفته على شرفي، قال: فماذا له عندك؟ قال: أسره غائباً، وأسره شاهداً؛ قال: تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فتحملت الثقل، وكفيت الحزم، وكنت قريباً لو دعوت أجبت، ولو ذهبت رفعت. وفي هذه السنة كان عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان. فحدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد قال: عزل معاوية سمرة وولي عبد الله بن عمرو بن غيلان، فأقره ستة أشهر، فولي عبد الله بن عمرو شرطته عبد الله بن حصن. ذكر تولية معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان وفي هذه السنة ولي معاوية عبيد الله بن زياد خراسان. ذكر سبب ولاية ذلكحدثني عمر؛ قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا مسلمة بن محارب ومحمد بن أبان القرشي، قالا: لما مات زيادٌ وفد عبيد الله إلى معاوية فقال له: من استخلف أخي على عمله بالكوفة؟ قال: عبد الله بن خالد ابن أسيد، قال: فمن استعمل على البصرة؟ قال: سمرة بن دندب الفزاري، فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال له عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها إلي أحدٌ بعدك: لو ولاك أبوك وعمك لوليتك! قالا: وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلاً من بني حرب ولاه الطائف، فإن رأى منه خيراً وما يعجبه ولاه مكة معها، فإن أحسن الولاية وقام بما ولي قياماً حسناً جمع له معهما المدينة، فكان إذا ولى الطائف رجلاً قيل: هو في أبي جاد، فإذا ولاه مكة قيل: هو في القرآن، فإذا ولاه المدينة قيل: هو قد حذق. قالا: فلما قال عبيد الله ما قال ولاه خراسان، ثم قال له حين ولاه: إني قد عهدت إليك مثل عهدي إلى عمالي، ثم أوصيك وصية القرابة لخاصتك عندي، لا تبيعن كثيراً بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤونة وعلينا منك، وافتح بابك للناس تكن في العلم منهم أنت وهم سواء، وإذا عزمت على أمر فأخرجه إلى الناس، ولا يكن لأحد فيه مطمع، ولا يرجعن عليك وأنت تستطيع، وإذا لقيت عدوك فغلبوك على ظهر الأرض فلا يغلبوك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تؤاسيهم بنفسك فآسهم. حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: أخبرنا علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، قال: استعمل معاوية عبيد الله بن زياد وقال: استمسك الفسفاس إن لم يقطع وقال له: اتق الله ولا تؤثرن على تقوى الله شيئاً، فإن في تقواه عوضاً، وق عرضك من أن تدنسه، وإذا أعطيت عهداً فف به، ولا تبيعن كثيراً بقليل، ولا تخرجن منك أمراً حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، وإذا لقيت عدوك فكن أكثر من معك، وقاسمهم على كتاب الله، ولا تطمعن أحداً في غير حقه، ولا تؤيسن أحداً من حق له. ثم ودعه. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا مسلمة، قال: سار عبيد الله إلى خراسان في آخر سنة ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وعشرين سنة من الشأم وقدم إلى خراسان أسلم بن زرعة الكلابي، فخرج، فخرج معه من الشأم الجعد بن قيس النمري يرجز بين يديه بمرثية زياد يقول فيها: وحدثني عمر مرة أخرى في كتابه الذي سماه كتاب أخبار أهل البصرة، فقال: حدثني أبو الحسن المدائني قال: لما عقد معاوية لعبيد الله بن زياد على خراسان خرج وعليه عمامةٌ - وكان وضيئاً - والجعد بن قيس ينشده مرثية زياد: أبق علي عاذلي من اللوم ... فيما أزيلت نعمتي قبل اليوم قد ذهب الكريم والظل الدوم ... والنعم المؤثل الدثر الحوم والماشيات مشيةً بعد النوم ... ليت الجياد كلها مع القوم سقين سم ساعةٍ قبل اليوم ... لأربع مضين من شهر الصوم ومنها: يوم الثلاثاء الذي كان مضى ... يومٌ قضى فيه المليك ما قضى وفاة برٍّ ماجدٍ جلد القوى ... حر به نوال جعدٍ والتظى كان زيادٌ جبلاً صعب الذرى ... شهماً إذا شئتم نقيصاتٍ أبى لا يبعد الله زياداً إذ ثوى وبكى عبيد الله يومئذ حتى سقطت عمامته عن رأسه؛ قال: وقدم عبيد الله خراسان ثم قطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان هو أول من قطع إليهم جبال بخارى في جند، ففتح راميثن ونصف بيكند - وهما من بخارى - فمن ثم أصاب البخارية. قال علي: أخبرنا الحسن بن رشيد، عن عمه، قال: لقي عبيد الله بن زياد الترك ببخارى ومع ملكهم امرأته قبج خاتون، فلما هزمهم الله أعجلوها عن لبس خفيها، فلبست أحدهما وبقي الآخر، فأصابه المسلمون، فقوم الجورب بمائتي ألف درهم. قال: وحدثني محمد بن حفص، عن عبيد الله بن زياد بن معمر، عن عبادة بن حصن، قال: ما رأيت أحداً أشد بأساً من عبيد الله بن زياد، لقينا زحفٌ من الترك بخراسان، فرأيته يقاتل فيحمل عليهم فيطعن فيهم ويغيب عنا، ثم يرفع رايته تقطر دماً. قال علي: وأخبرنا مسلمة أن البخارية الذين قدم بهم عبيد الله بن زياد البصرة ألفان، كلهم جيد الرمي بالنشاب. قال مسلمة: كان زحف الترك ببخارى أيام عبيد الله بن زياد من زحوف خراسان التي تعد؛ قال: وأخبرنا الهذلي، قال: كانت زحوف خراسان خمسةً: أربعة لقيها الأحنف بن قيس؛ الذي لقيه بين قهستان وأبرشهر، والزحوف الثلاثة التي لقيها بالمرغاب، والزحف الخامس زحف قارن، فضه عبد الله بن خازم. قال علي: قال مسلمة: أقام عبيد الله بن زياد بخراسان سنتين. وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم، كذلك حدثني أحمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره. وكان على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم، وعلى الكوفة عبد الله خالد بن أسيد؛ وقال بعضهم: كان عليها الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مشتى سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم في قول الواقدي. وقال بعضهم: بل الذي كان شتا بأرض الروم في هذه السنة عمرو ابن محرز. وقال بعضهم: بل الذي شتا بها عبد الله بن قيس الفزاري. وقال بعضهم: بل ذلك مالك بن عبد الله. وفيها عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة وولاها عبيد الله بن زياد. ذكر الخبر عن سبب عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان وتوليته عبيد الله البصرة حدثني عمر، قال: حدثنا الوليد بن هشام وعلي بن محمد - قال: واختلفا في بعض الحديث - قالا: خطب عبد الله بن عمرو بن غيلان على منبر البصرة، فحصبه رجل من بني ضبة - قال عمر: قال أبو الحسن: يدعى جبير بن الضحاك أحد بني ضرار - فأمر به فقطعت يده، فقال: السمع والطاعة والتسليم ... خيرٌ وأعفى لبني تميم فأتته بنو ضبة، فقالوا: إن صاحبنا جنى ما جنى على نفسه، وقد بالغ الأمير في عقوبته، ونحن لا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين، فيأتي من قبله عقوبة تخص أو تعم، فإن رأى الأمير أن يكتب لنا كتاباً يخرج به أحدنا إلى أمير المؤمنين يخبره أنه قطعه على شبهة وأمر لم يضح، فكتب لهم بعد ذلك إلى معاوية، فأمسكوا الكتاب حتى بلغ رأس السنة - وقال أبو الحسن: لم يزد على ستة أشهر - فوجه إلى معاوية، ووافاه الضبيون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه قطع صاحبنا ظلماً، وهذا كتابه إليك، وقرأ الكتاب، فقال: أما القود من عمالي فلا يصح، ولا سبيل إليه، ولكن إن شئتم وديت صاحبكم؛ قالوا: فده؛ فواداه من بيت المال، وعزل عبد الله، وقال لهم: اختاروا من تحبون أن أولي بلدكم؛ قالوا: يتخير لنا أمير المؤمنين، وقد علم رأي أهل البصرة في ابن عامر؛ فقال: هل لكم في ابن عامر؟ فهو من قد عرفتم في شرفه وعفافه وطهارته، قالوا: أمير المؤمنين أعلم، فجعل يردد ذلك عليهم ليسبرهم، ثم قال: قد وليت عليكم ابن أخي عبيد الله بن زياد. قال عمر: حدثني علي بن محمد، قال: عزل معاوية عبد الله بن عزرو وولى عبيد الله بن زياد البصرة في سنة خمسٍ وخمسين وولى عبيد الله أسلم ابن زرعة خراسان فلم يغز ولم يفتح بها شيئاً، وولى شرطه عبد الله بن حصن، والقضاء زرارة بن أوفى ثم عزله، وولى القضاء ابن أذينة العبدي. وفي هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أسيد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس الفهري. وحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم؛ حدثني بذلك أحمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. ثم دخلت سنة ست وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم؛ وقيل: عبد الرحمن ابن مسعود. وقيل غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة الرهاوي، وفي البر عياض ابن الحارث. وحج بالناس - فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر - الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها اعتمر معاوية في رجب. ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد وفيها دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده، وجعله ولي العهد. ذكر السبب في ذلكحدثني الحارث، قال: حدثا علي بن محمد، قال: حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وعلي بن مجاهد، قالا: قال الشعبي: قدم المغيرة على معاوية واستعفاه وشكا إليه الضعف، فأعفاه، وأراد أن يولي سعيد بن العاص، وبلغ كاتب المغيرة ذلك، فأتى سعيد بن العاص فأخبره وعنده رجل من أهل الكوفة يقال له ربيعة - أو الربيع - من خزاعة، فأتى المغيرة فقال: يا مغيرة، ما أرى أمير المؤمنين إلا قد قلاك، رأيت ابن خنيس كاتبك عند سعيد ابن العاص يخبره أن أمير المؤمنين يوليه الكوفة، قال المغيرة: أفلا يقول كما قال الأعشى: أم غاب ربك فاعترتك خصاصةٌ ... ولعل ربك أن يعود مؤيدا رويداً! ادخل على يزيد؛ فدخل عليه فعرض له بالبيعة، فأدى ذلك يزيد إلى أبيه، فرد معاوية المغيرة إلى الكوفة، فأمره أن يعمل في بيعة يزيد، فشخص المغيرة إلى الكوفة، فأتاه كاتبه ابن خنيس، فقال: والله ما غششتك ولا خنتك، ولا كرهت ولايتك، ولكن سعيداً كانت له عندي يدٌ وبلاء، فشكرت ذلك له، فرضي عنه وأعاده إلى كتابته، وعمل المغيرة في بيعة يزيد، وأوفد في ذلك وافداً إلى معاوية. حدثني الحارث، قال: حدثنا علي، عن مسلمة، قال: لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى عبيد بن كعب النميري، فقال: إن لكل مستشير ثقة، ولك سرٍّ مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إذاعة السر، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخره يرجو ثواباً، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه، وقد عجمتهما منك، فأحمدت الذي قبلك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف؛ إن أمير المؤمنين كتب إلي يزعم أنه قد عزم على بيعة يزيد، وهو يتخوف نفرة الناس، ويرجو مطابقتهم، ويستشيرني، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤدياً عني؛ فأخبره عن فعلات يزيد؛ فقال له: رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تعجل فإن دركاً في تأخير خيرٌ من تعجيل عاقبته الفوت. فقال عبيد له: أفلا غير هذا! قال: ما هو؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تمقت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سراً من معاوية فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوف خلاف الناس لهناتٍ ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه، فيستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت يزيد وأرضيت أمير المؤمنين؛ فسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمة. فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش وأبعد بك إن شاء الله من الخطإ، قال: تقول بما ترى، ويقضي الله بغيب ما يعلم. فقدم على يزيد فذاكره ذلك. وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة، وألا يعجل، فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة. حدثني الحارث، قال: حدثنا علي، قال: لما مات زياد دعا معاوية بكتابٍ فقرأه على الناس باستخلاف يزيد، إن حدث به حدث الموت فيزيد ولي عهد، فاستوسق له الناس على البيعة ليزيد غير خمسة نفر. فحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عون، قال: حدثني رجل بنخلة، قال: بايع الناس ليزيد بن معاوية غير الحسين بن علي وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عباس؛ فلما قدم معاوية أرسل إلى الحسين بن علي، فقال: يابن أخي، قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم؛ يابن أخي، فما إربك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم؛ قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوا كنت رجلاً منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم؛ قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحداً قال: فالتوى عليه، ثم أعطاه ذلك، فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلاً بالطريق قال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئاً. ثم أرسل بعده إلى ابن الزبير، فقال له: قد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم؛ يابن أخي! فما إربك إلى الخلاف؟ قال: أنا أقودهم! قال: نعم، أنت تقودهم؛ قال: فأرسل إليهم فإن بايعوا كنت رجلاً منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم؛ قال: فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحداً؛ قال: يا أمير المؤمنين، نحن في حرم الله عز وجل، وعهد الله سبحانه ثقيل، فأبى عليه، وخرج. ثم ارسل بعده إلى ابن عمر فكلمه بكلام هو ألين من كلام صاحبه، فقال: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها، وقد استوسق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، فما إربك إلى الخلاف! قال: هل لك في أمرٍ يذهب الذم، ويحقن الدم، وتدرك به حاجتك؟ قال: وددت! قال: تبرز سريرك، ثم أجيء فأبايعك، على أني أدخل بعدك فيما تجتمع عليه الأمة، فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة؛ قال: وتفعل؟ قال: نعم، ثم خرج فأتى منزله فأطبق بابه، وجعل الناس يجيئون فلا يأذن لهم. فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: يابن أبي بكر، بأية يدٍ أو رجل تقدم على معصيتي! قال: أرجو أن يكون ذلك خيراً لي؛ فقال: والله لقد هممت أن أقتلك؛ قال: لو فعلت لأتبعك الله به لعنةً في الدنيا، وأدخلك به في الآخرة النار. قال: ولم يذكر ابن عباس. ذكر عزل ابن زياد عن خراسان واستعمال سعيد بن عثمان وكان العامل على المدينة في هذه السنة مروان بن الحكم، وعلى الكوفة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد ابن عثمان. وكان سبب ولايته خراسان ما حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: أخبرني محمد بن حفص، قال: سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان، فقال: إن بها عبيد الله بن زياد، فقال: أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى، فما شكرت بلاءه، ولا جازيته بآلائه، وقدمت علي هذا - يعين يزيد بن معاوية - وبايعت له؛ ووالله لأنا خير منه أباً وأماً ونفساً؛ فقال: فقال معاوية: أما بلاء أبيك فقد يحق علي الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني طلبت بدمه حتى تكشفت الأمور، ولست بلائم لنفسي في التشمير؛ وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خيرٌ مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأما فضل أمك على أمه فما ينكر، امرأةٌ من قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة دحست ليزيد رجالاً مثلك. فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، ابن عمك، وأنت أحق من نظر في أمره، وقد عتب عليك فأعتبه، قال: فولاه حرب خراسان، وولي إسحاق ابن طلحة خراجها، وكان إسحاق ابن خالة معاوية، أمه أم أبان ابنة عتبة ابن ربيعة، فلما صار بالري مات إسحاق بن طلحة فولي سعيد خراج خراسان وحربها. حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: أخبرنا مسلمة، قال: خرج سعيد إلى خراسان وخرج معه أوس بن ثعلبة التيمي صاحب قصر أوس؛ وطلحة ابن عبد الله بن خلف الخزاعي والمهلب بن أبي صفرة وربيعة بن عسل أحد بني عمرو بن يربوع؛ قال: وكان قومٌ من الأعراب يقطعون الطريق على الحاج ببطن فلج، فقيل لسعيد: إن ها هنا قوماً يقطعون الطريق على الحاج ويخيفون السبيل، فلو أخرجتهم معك! قال: فأخرج قوماً من بني تميم، منهم مالك بن الريب المازني في فتيان كانوا معه، وفيهم يقول الراجز: الله أنجاك من القصيم ... ومن أبي حردبة الأثيم ومن غويثٍ فاتح العكوم ... ومالكٍ وسيفه المسموم قال علي: قال مسلمة: قدم سعيد بن عثمان، فقطع النهر إلى سمرقند، فخرج إليه أهل الصغد، فتواقفوا يوماً إلى الليل ثم انصرفوا من غير قتال، فقال مالك بن الريب يذم سعيداً: ما زلت يوم الصعد ترعد واقفاً ... من الجبن حتى خفت أن تتنصرا وما كان في عثمان شيءٌ علمته ... سوى نسله في رهطه حين أدبرا ولولا بنو حرب لظلت دماؤكم ... بطون العظايا من كسيرٍ وأعورا قال: فلما كان الغد خرج إليهم سعيد بن عثمان، وناهضه الصغد، فقاتلهم فهزمهم وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهناً منهم خمسين غلاماً يكونون في يده من أبناء عظمائهم، وعبر فأقام بالترمذ، ولم يف لهم، وجاء بالغلمان الرهن معه إلى المدينة. قال: وقدم سعيد بن عثمان خراسان وأسلم بن زرعة الكلابي بها من قبل عبيد الله بن زياد، فلم يزل أسلم بن زرعة بها مقيماً حتى كتب إليه عبيد الله بن زياد بعهده على خراسان الثانية، فلما قدم كتاب عبيد الله على أسلم طرق سعيد بن عثمان ليلاً، فأسقطت جاريةٌ له غلاماً، فكان سعيد يقول: لأقتلن به رجلاً من بني حرب؛ وقدم على معاوية فشكا أسلم إليه، وغضبت البيسية؛ قال: فدخل همام بن قبيصة النمري فنظر إليه معاوية محمر العينين، فقال: يا همام، إن عينيك لمحمرتان؛ قال همام: كانتا يوم صفين أشد حمرة؛ فغم معاوية ذلك، فلما رأى ذلك سعيد كف عن أسلم، فأقام أسلم بن زرعة على خراسان والياً لعبيد الله بن زياد سنتين. ثم دخلت سنة سبع وخمسينوكان فيها مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم. وفيها صرف مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول الواقدي؛ وقال غيره: كان مروان إليه المدينة في هذه السنة. وقال الواقدي: استعمل معاوية على المدينة حين صرف عنها مروان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وكالذي قال الواقدي قال أبو معشر، حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكان العامل على الكوفة في هذه السنة الضحاك بن قيس، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان سعيد بن عثمان بن عفان. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها نزع معاوية مروان عن المدينة في ذي القعدة في قول أبي معشر، وأمر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عليها؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وفيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم. وفيها قتل يزيد بن شجرة في البحر في السفن في قول الواقدي. قال: ويقال عمرو بن يزيد الجهني، وكان الذي شتا بأرض الروم، وقد قيل: إن الذي غزا في البحر في هذه السنة جنادة بن أبي أمية. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره. عزل الضحاك عن الكوفة واستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم وفي هذه السنة ولي معاوية الكوفة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثقفي، وهو ابن أم الحكم أخت معاوية بن أبي سفيان، وعزل عنها الضحاك بن قيس، ففي عمله في هذه السنة خرجت الطائفة الذين كان المغيرة بن شعبة حبسهم في السجن من الخوارج الذين كانوا بايعوا المستورد بن علفة، فظفر بهم فاستودعهم السجن، فلما مات المغيرة خرجا من السجن. فذكر هشام بن محمد أن أبا مخنف، حدثه عن عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الله بن عقبة الغنوي أن حيان بن ظبيان السلمي جمع إليه أصحابه، ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال لهم: أما بعد، فإن الله عز وجل كتب علينا الجهاد، فمنا من قضى نحبه، ومنا من ينتظر، وأولئك الأبرار الفائزون بفضلهم، ومن يكن منا من ينتظر فهو من سلفنا القاضين نحبهم، السابقين بإحسان؛ فمن كان منكم يريد الله وثوابه فليسلك سبيل أصحابه وإخوانه يؤته الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله مع المحسنين. قال معاذ بن جوين الطائي: يا أهل الإسلام، إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور، كان لنا به عند الله عذر، لكان تركه أيسر علينا، وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا، وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم، ونغير الجور، ونجاهد الظالمين؛ ثم قال: ابسط يدك نبايعك، فبايعه وبايعه القوم، فضربوا على يد حيان بن ظبيان، فبايعوه، وذلك في إمارة عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أم الحكم، وكان على شرطته زائدة بن قدامة الثقفي. ثم إن القوم اجتمعوا بعد ذلك بأيام إلى منزل معاذ بن جوين بن حصين الطائي. فقال لهم حيان بن ظبيان: عباد الله، أشيروا برايكم، أين تأمروني أن أخرج؟ فقال له معاذ: إني أرى أن تسير بنا إلى حلوان حتى ننزلها، فإنها كورةٌ بين السهل والجبل، وبين المصر والثغر - يعني بالثغر الري - فمن كان يرى رأينا من أهل المصر والثغر والجبال والسواد لحق بنا. فقال له حيان: عدوك معاجلك قبل اجتماع الناس إليك، لعمري لا يتركونكم حتى يجتمعوا إليكم، ولكن قد رأيت أن أخرج معكم في جانب الكوفة والسبخة أو زرارة والحيرة، ثم نقاتلهم حتى نلحق بربنا، فإني الله لقد علمت أنكم لا تقدرون وأنتم دون المائة رجل أن تهزموا عدوكم، ولا أن تشتد نكايتكم فيهم؛ ولكن متى علم الله أنكم قد أجهدتم أنفسكم في جهاد عدوه وعدوكم كان لكم به العذر، وخرجتم من الإثم. قالوا: رأينا رأيك، فقال لهم عتريس ابن عرقوب أبو سليمان الشيباني: ولكن لا أرى رأي جماعتكم، فانظروا في رأي لكم، إني لا إخالكم تجهلون معرفتي بالحرب، وتجربتي بالأمور، فقالوا له: أجل، أنت كما ذكرت، فما رأيك؟ قال: ما أرى أن تخرجوا على الناس بالمصر، إنكم قليل في كثير، والله ما تزيدون على أن تجزروهم أنفسكم؛ وتقروا أعينهم بقتلكم، وليس هكذا تكون المكايدة إذ آثرتم أن تخرجوا على قومكم، فكيدوا عدوكم ما يضرهم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: تسيرون إلى الكورة التي أشار بنزولها معاذ بن جوين بن حصين - يعني حلوان - أو تسيرون بنا إلى عين التمر فنقيم بها، فإذا سمع بنا إخواننا أتونا من كل جانبٍ وأوب؛ فقال له حيان بن ظبيان: إنك والله لو سرت بنا أنت وجميع أصحابك نحو أحد هذين الوجهين ما اطمأننتم به حتى يلحق بكم خيول أهل المصر، فأنى تشفون أنفسكم! فوالله ما عدتكم بالكثيرة التي ينبغي أن تطمعوا معها بالنصر في الدنيا على الظالمين المعتدين، فاخرجوا بجانب من مصركم هذا فقاتلوا عن أمر الله من خالف طاعة الله، ولا تربصوا ولا تنتظروا فإنكم إنما تبادرون بذلك إلى الجنة، وتخرجون أنفسكم بذلك من الفتنة. قالوا: أما إذا كان لابد لنا فإنا لن نخالفك، فاخرج حيث أحببت. فمكث حتى إذا كان آخر سنة من سني ابن أم الحكم في أول السنة - وهو أول يوم من شهر ربيع الآخر - اجتمع أصحاب حيان بن ظبيان إليه، فقال لهم: يا قوم، إن الله قد جمعكم لخير وعلى خيرٍ، والله الذي لا إله غيره ما سررت بشيء قط في الدنيا بعد ما أسلمت سروري لمخرجي هذا على الظلمة الأثمة، فوالله ما أحب أن الدنيا بحذافيرها لي وأن الله حرمني في مخرجي هذا الشهادة. وإني قد رأيت أن نخرج حتى ننزل جانب دار جرير، فإذا خرج إليكم الأحزاب ناجزتموهم. فقال عتريس بن عرقوب البكري: أما أن نقاتلهم في جوف المصر فإنه يقاتلنا الرجال، وتصعد النساء والصبيان والإماء فيرموننا بالحجارة؛ فقال لهم رجل منهم: انزلوا بنا إذاً من وراء المصر الجسر - وهو موضع زرارة، وإنما بنيت زرارة بعد ذلك إلا أبياتاً يسيرة كانت منها قبل ذلك - فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين الطائي: لا، بل سيروا بنا فلننزل بانقيا فما أسرع ما يأتيكم عدوكم، فإذا كان ذلك استقبلنا القوم بوجوهنا، وجعلنا البيوت في ظهورنا، فقاتلناهم من وجه واحد. فخرجوا، فبعث إليهم جيش، فقتلوا جميعاً. ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل الكوفة، فحدثت عن هشام ابن محمد، قال: استعمل معاوية ابن أم الحكم على الكوفة فأساء السيرة فيهم، فطردوه، فلحق بمعاوية وهو خاله، فقال له: أوليك خيراً منها؛ مصر؛ قال: فولاه، فتوجه إليها، وبلغ معاوية بن حديج السكوني الخبر، فخرج فاستقبله على مرحلتين من مصر، فقال: ارجع إلى خالج فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة. قال: فرجع إلى معاوية، وأقبل معاوية بن حديج وافداً؛ قال: وكان إذا جاء قلست له الطريق - يعني ضربت له قباب الريحان - قال: فدخل على معاوية وعنده أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بخٍ! هذا معاوية بن حديج؛ قالت: لا مرحباً به! تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه؛ فقال: على رسلك يا أم الحكم! أما والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في أخواننا من أهل الكوفة؛ ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل ذلك لضربناه ضرباً يطأطىء منه، وإن كره ذلك الجالس. فالتفت إليها معاوية، فقال: كفى. ذكر قتل عروة بن أدية وغيره من الخوارج وفي هذه السنة اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم صبراً جماعةً كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، وممن قتل منهم صبراً عروة بن أدية، أخو أبي بلال مرداس بن أدية. ذكر سبب قتله إياهمحدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عيسى بن عاصم الأسدي، أن ابن زياد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس وفيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال، فأقبل على ابن زياد فقال: خمس كن في الأمم قبلنا، فقد صرن فينا: " أتبنون بكل ريعٍ آيةً تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين " . وخصلتين أخريين لم يحفظهما جرير. فلما قال ذلك ظن ابن زياد أنه لم يجترىء على ذلك إلا ومعه جماعة من أصحابه، فقام وركب وترك رهانه، فقيل لعروة: ما صنعت! تعلمن والله ليقتلنك. قال: فتوارى، فطلبه ابن زياد، فأتى الكوفة، فأخذ بها، فقدم به على ابن زياد، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم دعا به فقال: كيف ترى؟ قال: أرى أنك أفسدت دنياي وأفسدت آخرتك؛ فقتله، وأرسل إلى ابنته فقتلها. وأما مرداس بن أدية فإنه خرج بالأهواز وقد كان ابن زياد قبل ذلك حبسه - فيما حدثني عمر، قال: حدثني خلاد بن زيدي الباهلي، قال - : حبس ابن زياد - فيمن حبس - مرداس ابن أدية، فكان السجان يرى عبادته واجتهاده، وكان يأذن له في الليل، فينصرف، فإذا طلع الفجر أتاه حتى يدخل السجن، وكان صديقٌ لمرداس يسامر ابن زياد، فذكر ابن زياد الخوارج ليلةً فعزم على قتلهم إذا أصبح، فانطلق صديق مرداس إلى منزل مرداس فأخبرهم، وقال: أرسلوا إلى أبي بلال في السجن فليتعهد فإنه مقتول، فسمع ذلك مرداس، وبلغ الخبر صاحب السجن، فبات بليلة سوء إشفاقاً من أن يعلم الخبر مرداس فلا يرجع، فلما كان الوقت الذي كان يرجع فيه إذا به قد طلع، فقال له السجان: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم؛ قال: ثم غدوت! قال: نعم، ولم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي؛ وأصبح عبيد الله فجعل يقتل الخوارج، ثم دعا بمرداس، فلما حضر وثب السجان - وكان ظئراً لعبيد الله - فأخذ بقدمه، ثم قال: هب هذا؛ وقص عليه قصته، فوهبه له وأطلقه. حدثني عمر، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني يونس بن عبيد؛ قال: خرج مرداس أبو بلال - وهو من بني ربيعة بن حنظلة - في أربعين رجلاً إلى الأهواز، فبعث إليهم ابن زياد جيشاً عليهم ابن حصن التميمي، فقتلوا في أصحابه وهزموه، فقالرجلٌ من بني تيم الله بن ثعلبة: أألفا مؤمنٍ منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا هي الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا قال عمر: البيت الأخير ليس في الحديث، أنشدنيه خلاد بن يزيد الباهلي. وقيل: مات في هذه السنة عميرة بن يثربي قاضي البصرة، واستقضى مكانه عليها هشام بن هبيرة. وكان على الكوفة في هذه السنة عبد الرحمن بن أم الحكم. وقال بعضهم: كان عليها الضحاك بن قيس الفهري، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح. وحج بالناس الوليد بن عتبة في هذه السنة، كذلك قال أبو معشر والواقدي. ثم دخلت سنة تسع وخمسين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كان مشتى عمرو بن مرة الجهني أرض الروم في البر؛ قال الواقدي: لم يكن عامئذٍ غزوٌ في البحر. وقال غيره: بل غزا في البحر جنادة بن أبي أمية. وفيها عزل عبد الرحمن بن أم الحكم عن الكوفة، واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري؛ وقد ذكرنا قبل سبب عزل ابن أم الحكم عن الكوفة. ذكر ولاية عبد الرحمن بن زياد خراسان وفي هذه السنة ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد بن سمية خراسان. ذكر سبب استعمال معاوية إياه على خراسانحدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا أبو عمرو، قال: سمعت أشياخنا يقولون: قدم عبد الرحمن بن زياد وافداً على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، أما لنا حقٌّ؟ قال: بلى؛ قال: فماذا توليني؟ قال: بالكوفة النعمان رشيدٌ، وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعبيد الله بن زياد على البصرة وخراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولست أرى عملاً يشبهك إلا أن أشركك في عمل أخيك عبيد الله؛ قال أشركني، فإن عمله واسع يحتمل الشركة، فولاه خراسان. قال علي: وذكر أبو حفس الأزدي، قال: حدثني عمر، قال: قدم علينا قيس بن الهيثم السلمي، وقد وجهه عبد الرحمن بن زياد، فأخذ أسلم بن زرعة فحبسه، ثم قدم عبد الرحمن، فأغرم أسلم بن زرعة ثلثمائة ألف درهم. قال: وذكر مصعب بن حيان، عن أخيه مقاتل بن حيان، قال: قدم عبد الرحمن بن زياد خراسان، فقدم رجلٌ سخيٌّ حريصٌ ضعيفٌ لم يغز غزوةً واحدةً، وقد أقام بخراسان سنتين. قال علي: قال عوانة: قدم عبد الرحمن بن زياد على يزيد بن معاوية من خراسان بعد قتل الحسين رضي الله عنه، واستخلف على خراسان قيس ابن الهيثم. قال: وحدثني مسلمة بن محارب وأبو حفص، قالا: قال يزيد لعبد الرحمن ابن زياد: كم قدمت به معك من المال من خراسان؟ قال: عشرين ألف ألف درهم؛ قال: إن شئت حاسبناك وقبضناها منك، ورددناك على عملك، وإن شئت سوغناك وعزلناك، وتعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم؛ قال: بل تسوغني ما قلت، ويستعمل عليها غيري. وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم، وقال: خمسمائة ألف من قبل أمير المؤمنين، وخمسمائة ألف من قبلي. ذكر وفود عبيد الله بن زياد على معاويةوفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية في أشراف أهل البصرة، فعزله عن البصرة، ثم رده عليها وجدد له الولاية. ذكر من قال ذلكحدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: وفد عبيد الله بن زياد في أهل العراق إلى معاوية فقال له: ائذن لوفدك على منازلهم وشرفهم، فأذن لهم، ودخل الأحنف في آخرهم، وكان سيىء المنزلة من عبيد الله، فلما نظر إليه معاوية رحب به، وأجلسه معه على سريريه، ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيد الله، والأحنف ساكت، فقال: ما لك يا أبا بحر لا تتكلم! قال: إن تكلمت خالفت القوم. فقال: انهضوا فقد عزلته عنكم، واطلبوا والياً ترضونه، فلم يبق في القوم أحد إلا أتى رجلاً من بني أمية أو من أشراف أهل الشأم، كلهم يطلب، وقعد الأحنف في منزله، فلم يأت أحداً، فلبثوا أياماً، ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم، فلما دخلوا عليه قال: من اخترتم؟ فاختلفت كلمتهم، وسمى كل فريق منهم رجلاً والأحنف ساكتٌ، فقال له معاوية: ما لك يا ابا بحر لا تتكلم! قال: إن وليت علينا أحداً من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحداً، وإن وليت من غيرهم فانظر في ذلك، قال معاوية: فإني قد أعدته عليكم، ثم أوصاه بالأحنف، وقبح رأيه في مباعدته، فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف. ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بني زيادوفي هذه السنة كان ما كان من أمر يزيد بن مفرغ الحميري وعباد بن زياد وهجاء يزيد بني زياد. ذكر سبب ذلكحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري كان مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، فاستبطأه، فأصاب الجند مع عباد ضيقٌ في أعلاف دوابهم، فقال ابن مفرغ: ألا ليت اللحى عادة حشيشاً ... فنعلفها خيول المسلمينا! وكان عباد بن زياد عظيم اللحية، فأنهى شعره إلى عباد؛ وقيل: ما أراد غيرك، فطلبه عباد، فهرب منه، وهجاه بقصائد كثيرة، فكان مما هجاه به قوله: إذا أودى معاوية بن حربٍ ... فبشر شعب قعبك بانصداع فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع ولكن كان أمراً فيه لبسٌ ... على وجلٍ شديد ٍ وارتياع وقوله: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... مغلغلةً من الرجل اليماني أتغضب أن يقال أبوك عفٌّ ... وترضى أن يقال أبوك زان! فأشهد أن رحمك من زيادٍ ... كرحم الفيل من ولد الأتان فحدثني أبو زيد، قال: لما هجا ابن المفرغ عباداً فارقه مقبلاً إلى البصرة، وعبيد الله يومئذ وافدٌ على معاوية، فكتب عباد إلى عبيد الله ببعض ما هجاه به، فلما قرأ عبيد الله الشعر دخل على معاوية فأنشده إياه، واستأذنه في قتل ابن مفرغ، فأبى عليه أن يقتله، وقال: أدبه ولا تبلغ به القتل، وقدم ابن مفرغ البصرة، فاستجار بالأحنف بن قيس، فقال: إنا لا نجير على ابن سمية، فإن شئت كفيتك شعراء بني تميم؛ قال: ذاك ما لا أبالي أن أكفاه، فأتى خالد بن عبد الله فوعده، وأتى أمية فوعده، ثم أتى عمر بن عبيد الله بن معمر فوعده، ثم أتى المنذر بن الجارود فأجاره، وأدخله داره، وكانت بحرية بنت المنذر عند عبيد الله، فلما قدم عبيد الله البصرة أخبر بمكان ابن مفرغ عند المنذر، وأتى المنذر عبيد الله مسلماً، فأرسل عبيد الله الشرط إلى دار المنذر، فأخذوا ابن مفرغ، فلم يشعر المنذر وهو عند عبيد الله إلا بابن مفرغ قد أقيم على رأسه، فقام إلى عبيد الله وقال: أيها الأمير، إني قد أجرته، قال: والله يا منذر ليمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي، ثم تجيره علي! فأمر به فسقي دواءً، ثم حمل على حمار عليه إكافٌ فجعل يطاف به وهو يسلح في ثيابه، فيمر به في الأسواق، فمر به فارسي فرآه، فسأل عنه، فقال: إين جيست؟ ففهمها ابن مفرغ، فقال: آب است نبيذ ات ... عصارات زبيب است سمية روسبيد است ثم هجا المنذر ابن الجارود: تركت قريشاً أن أجاور فيهم ... وجاورت عبد القيس أهل المشقر أناسٌ أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من فسو العراق المبذر فأصبح جاري من جذيمة نائماً ... ولا يمنع الجيران غير المشمر وقال لعبيد الله: يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخٌ منك في العظام البوالي ثم حمله عبيد الله إلى عباد بسجستان، فكلمه اليمانية فيه بالشأم معاوية، فأرسل رسولاً إلى عباد، فحمل ابن مفرغ من عنده حتى قدم على معاوية، فقال في طريقة: عدس ما لعبادٍ عليك إمارةٌ ... نجوت وهذا تحملين طليق لعمري لقد نجاك من هوة الردى ... إمامٌ وحبلٌ للأنام وثيق سأشكر ما أوليت من حسن نعمةٍ ... ومثلي بشكر المنعمين حقيق فلما دخل على معاوية بكى وقال: ركب مني ما لم يركب من مسلم على غير حدث ولا جريرة! قال: أولست القائل: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... مغلغلةً من الرجل اليماني! القصيدة - قال: لا والذي عظم حق أمير المؤمنين ما قلت هذا؛ قال: أفلم تقل: فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع في أشعار كثيرة هجوت بها ابن زياد! اذهب فقد عفونا لك عن جرمك، أما لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء، فانطلق؛ وفي أرض شئت فانزل. فنزل الموصل، ثم إنه ارتاح إلى البصرة، فقدمها، ودخل على عبيد الله فآمنه. وأما أبو عبيدة فإنه قال في نزول ابن مفرغ الموصل عن الذي أخبرني به أبو زيد، قال: ذكر أن معاوية لما قال له: ألست القائل: ألا أبلغ معاوية بن حربٍ ... مغلغلةً من الرجل اليماني الأبيات، حلف ابن مفرغ أنه لم يقله، وأنه إنما قاله عبد الرحمن بن أم الحكم أخو مروان، واتخذني ذريعةً إلى هجاء زياد، وكان عتب عليه قبل ذلك، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن أم الحكم وحرمه عطاءه، حتى أضربه، فكلم فيه، فقال: لا أرضى عنه حتى يرضى عبيد الله؛ فقدم العراق على عبيد الله، فقال عبد الرحمن له: لأنت زيادةٌ في آل حربٍ ... أحب إلي من إحدى بناني أراك أخاً وعماً وابن عمٍّ ... ولا أدري بغيبٍ ما تراني فقال: أراك والله شاعر سوء! فرضي عنه، فقال معاوية لابن مفرغ: ألست القائل: فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع الأبيات! لا تعودن إلى مثلها، عفونا عنك. فأقبل حتى نزل الموصل، فتزوج امرأة، فلما كان في ليلة بنائها خرج حين أصبح إلى الصيد، فلقي ذهاناً أو عطاراً على حمار له، فقال له ابن مفرغ: من أين أقبلت؟ قال: من الأهواز؛ قال: وما فعل ماء مسرفان؟ قال: على حاله؛ قال: فخرج ابن مفرغ فتوجه قبل البصرة، ولم يعلم أهله بمسيره، ومضى حتى قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة، فدخل عليه فآمنه، ومكث عنده حتى استأذنه في الخروج إلى كرمان، فأذن له في ذلك، وكتب إلى عامله هنالك بالوصاة والإكرام له، فخرج إليها. وكان عامل عبيد الله يومئذ على كرمان شريك ابن الأعور الحارثي. وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره. وكان الوالي على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى قضائها شريح، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور من قبل عبيد الله بن زياد. ثم دخلت سنة ستين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففي هذه السنة كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية ودخول جنادة ابن أبي أمية رودس، وهدمه مدينتها، في قول الواقدي. ذكر عهد معاوية لابنه يزيد وفيها كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عبيد الله بن زياد البيعة لابنه يزيد، وعهد إلى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه في النفر الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم إلى البيعة. وكان عهده الذي عهد، ما ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة؛ أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها دعا يزيد ابنه، فقال: يا بني، إني قد كفيتك الرحلة والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك أعناق العرب، وجمعت لك من جمع واحد، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتب لك إلا اربعة نفر من قريش: الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فأما عبد الله بن عمر فرجلٌ قد وقذته العبادة، وإذا لم يبق أحدٌ غيره بايعك، وأما الحسين بن علي فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً؛ وأما ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثلهم، ليس له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإذا أمكنته فرصةٌ وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إرباً إرباً. قال هشام: قال عوانة: قد سمعنا في حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت - وذلك في سنة ستين - وكان يزيد غائباً، فدعا بالضحاك بن قيس الفهري - وكان صاحب شرطته - ومسلم بن عقبة المري، فأوصى إليهما فقال: بلغا يزيد وصيتي، انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل، فإن عزل عامل أحب إلي من أن تشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشأم فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشأم إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم؛ وإني لست أخاف من قريش إلا ثلاثة: حسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير؛ فأما ابن عمر فرجل وقذه الدين، فليس ملتمساً شيئاً قبلك، وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف، وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه، وخذل أخاه، وإن له رحماً ماسة، وحقاً عظيماً، وقرابةً من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه، فإني لو أني صاحبه عفوت عنه، وأما ابن الزبير فإنه خبٌّ ضبٌّ، فإذا شخص لك فالبد له، إلا أن يلتمس منك صلحاً، فإن فعل فاقبل، واحقن دماء قومك ما استطعت. ذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان وفي هذه السنة هلك معاوية بن أبي سفيان بدمشق، فاختلف في وقت وفاته بعد إجماع جميعهم على أن هلاكه كان في سنة ستين من الهجرة، وفي رجب منها، فقال هشام بن محمد: مات معاوية لهلال رجب من سنة ستين. وقال الواقدي: مات معاوية للنصف من رجب. وقال علي بن محمد: مات معاوية بدمشق سنة ستين يوم الخميس لثمانٍ بقين من رجب؛ حدثني بذلك الحارث عنه. ذكر الخبر عن مدة ملكهحدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثني من سمع إسحاق بن عيسى يذكر عن أبي معشر، قال: بويع لمعاوية بأذرح، بايعه الحسن بن علي في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وتوفي معاوية في رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنةً وثلاثة أشهر. وحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار السعدي، عن أبيه، قالوا: توفي معاوية ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يوماً. وحدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: بايع أهل الشأم معاوية بالخلافة في سنة سبع وثلاثين في ذي القعدة حين تفرق الحكمان، وكانوا قبل بايعوه على الطلب بدم عثمان، ثم صالحه الحسن بن علي، وسلم له الأمر سنة إحدى وأربعين، لخمس بقين من شهر ربيع الأول، فبايع الناس جميعاً معاوية، فقيل: عام الجماعة؛ ومات بدمشق سنة ستين، يوم الخميس لثمان بقين من رجب. وكانت ولايته تسع عشرة سنةً وثلاثة أشهر وسبعةً وعشرين يوماً. قال: ويقال: كان بين موت علي رضي الله عنه وموت معاوية تسع عشرة سنةً وعشرة أشهر وثلاث ليالٍ. وقال هشام بن محمد: بويع لمعاوية بالخلافة في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فولي تسع عشرة سنةً وثلاثة أشهر إلا أياماً، ثم مات لهلال رجب من سنة ستين. ذكر مدة عمرهواختلفوا في مدة عمره، وكم عاش؟ فقال بعضهم: مات يوم مات وهو ابن خمسٍ وسبعين سنة. ذكر من قال ذلك:حدثني عمر، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: أخبرني هشام بن الوليد، قال: قال ابن شهاب الزهري: سألني الوليد عن أعمار الخلفاء، فأخبرته أن معاوية مات وهو ابن خمس وسبعين سنة؛ فقال: بخٍ بخٍ! إن هذا لعمر. وقال آخرون: مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. ذكر من قال ذلك:حدثني عمر، قال: حدثني أحمد بن زهير قال: قال علي بن محمد: مات معاوية وهو ابن ثلاث وسبعين؛ قال: ويقال ابن ثمانين سنة. وقال آخرون: توفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة. ذكر من قال ذلك:حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبيه، قال: توفي معاوية وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وقال آخرون: توفي وهو ابن خمس وثمانين سنة، حدثت بذلك عن هشام بن محمد أنه كان يقوله عن أبيه. ذكر العلة التي كانت فيها وفاتهحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا أبو عبيدة، عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: لما ثقل معاوية وحدث الناس أنه الموت، قال لأهله: احشوا عيني إثمداً، وأوسعوا رأسي دهناً، ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له، فجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا قياماً، ولا يجلس أحدٌ، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائماً فيراه مكتحلاً مدهناً فيقول: يقول الناس: هو لمآبه، وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية: وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع قال: وكان به النفاثات، فمات من يومه ذلك. حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن أيوب، عن عبد الملك بن ميناس الكلبي، قال: قال معاوية، لابنتيه في مرضه الذي مات فيه وهما تقلبانه: تقلبان حولاً قلباً، جمع المال من شب إلى دب إن لم يدخل النار، ثم تمثل: لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب ... وقد كفيتكم التطواف والرحلا ويقال: من جمع ذي حسب. حدثني أحمد بن زهير، عن علي، عن سليمان بن أيوب، عن الأوزاعي وعلي بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن ميمون، عن أبيه؛ أن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني قميصاً فرفعته. وقلم أظفاره يوماً، فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة، فإذا مت فألبسوني ذلك القميص، وقطعوا تلك القلامة، واستحقوها وذروها في عيني، وفي في، فعسى الله أن يرحمني ببركتها! ثم قال متمثلاً بشعر الأشهب بن رميلة النهشلي يمدح به القباع: إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلفٍ مجدد فقالت إحدى بناته - أو غيرها: كلا يا أمير المؤمنين، بل يدفع الله عنك؛ فقال متمثلاً: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: لمن حضره من أهله: اتقوا الله عز وجل، فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله؛ ثم قضى. حدثنا أحمد، عن علي، عن محمد بن الحكم، عمن حدثه أن معاوية لما حضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كان أراد أن يطيب له الباقي، لأن عمر قاسم عماله. ذكر الخبر عمن صلى على معاوية حين ماتحدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: صلى على معاوية الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائباً حين مات معاوية. وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك ابن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة، قال: لما مات معاوية خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية بين يديه تلوح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن معاوية كان عود العرب، وحد العرب، قطع الله عز وجل به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد. ألا إنه قد مات، فهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. وبعث البريد إلى يزيد بوجع معاوية، فقال يزيد في ذلك: جاء البريد بقرطاسٍ يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا: لك الويل ماذا في كتابكم؟ ... قالوا: الخليفة أمسى مثبتاً وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقطعا من لا تزل نفسه توفي على شرفٍ ... توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا لما انتهينا وباب الدار منصفقٌ ... وصوت رملة ريع القلب فانصدعا حدثني عمر، قال: حدثنا علي، عن إسحاق بن خليد، عن خليد ابن عجلان مولى عباد، قال: مات معاوية ويزيد بحوارين، وكانوا كتبوا إليه حين مرض، فأقبل وقد دفن، فأتى قبره فصلى عليه، ودعا له، ثم أتى منزله، فقال: جاء الريد بقرطاس... الأبيات. ذكر الخبر عن نسبه وكنيتهأما نسبه فإنه ابن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمه هند بنت عتبة ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكنيته أبو عبد الرحمن. ذكر نسائه وولدهمن نسائه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي ابن زهير بن حارثة بن جناب الكلبي، ولدت له يزيد بن معاوية. قال علي: ولدت ميسون لمعاوية مع يزيد أمةً - رب المشارق - فماتت صغيرة، ولم يذكرها هشام في أولاد معاوية. ومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. ولدت له عبد الرحمن وعبد الله بني معاوية، وكان عبد الله محمقاً ضعيفاً، وكان يكنى أبا الخير. حدثني أحمد، عن علي بن محمد، قال: مر عبد الله بن معاوية يوماً بطحان قد شد بغله في الرحا للطحن، وجعل في عنقه جلاجل، فقال له: لم جعلت في عنق بغلك هذه الجلاجل؟ فقال الطحان: جعلتها في عنقه لأعلم إن قد قام فلم تدر الرحا، فقال له: أرأيت إن هو قام وحرك رأسه كيف تعلم أنه لا يدير الرحا؟ فقال له الطحان: إن بغلي هذا - أصلح الله الأمير - ليس له عقل مثل عقل الأمير! وأما عبد الرحمن فإنه مات صغيراً. ومنهن نائلة بنت عمارة الكلبية، تزوجه؛ فحدثني أحمد، عن علي قال: لما تزوج معاوية نائلة قال لميسون: انطلقي فانظري إلى ابنة عمك، فنظرت إليها، فقال: كيف رأيتها؟ فقالت: جميلة كاملة، ولكن رأيت تحت سرتها خالاً ليوضعن رأس زوجها في حجرها، فطلقها معاوية، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعد حبيب النعمان بن بشير الأنصاري، فقتل، ووضع رأسه في حجرها. ومنهن كتوة بنت قرظة أخت فاختة، فغزا قبرس وهي معه، فماتت هنالك. ذكر بعض ما حضرنا من ذكر أخباره وسيرهحدثني أحمد بن زهير، عن علي، قال: لما بويع لمعاوية بالخلافة صير على شرطته قيس بن حمزة الهمداني، ثم عزله، واستعمل زميل بن عمرو العذري - ويقال السكسكي. وكان كاتبه وصاحب أمره سرجون بن منصور الرومي، وعلى حرسه رجلٌ من الموالي يقال له المختار؛ وقيل: رجل يقال له مالك، ويكنى أبا المخارق، مولىً لحمير. وكان أول من اتخذ الحرس، وكان على حجابه سعد مولاه، وعلى القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري، فمات فاستقضى أبا إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني. إلى ها هنا حديث أحمد، عن علي. وقال غير علي: وكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري، وكان أول من اتخذ ديوان الخاتم. قال: وكان سبب ذلك أن معاوية أمر لعمرو بن الزبير في معونته وقضاء دينه بمائة ألف درهم، وكتب بذلك إلى زياد بن سمية وهو على العراق، ففض عمرو الكتاب وصير المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية، فأخذ عمراً بردها وحبسه، فأداها عنه أخوه عبد الله بن الزبير، فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم وخزم الكتب، ولم تكن تخزم. حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: قال عمر بن الخطاب: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية! حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: قرأت على عبد الله، عن فليح، قال: أخبرت أن عمرو ابن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر، فقال لهم عمرو: انظروا: إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلموا عليه بالخلافة، فإنه أعظم لكم في عينه، وصغروه ما استطعتم. فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه: إني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها، فلا يبلغني رجل منهم إلا وقد همته نفسه بالتلف. فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط، فدخل وقد تعتع، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فتتابع القوم على ذلك، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله! نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة، فسلمتم عليه بالنبوة! قال: ولبس معاوية يوماً عمامته الحرقانية واكتحل، وكان من أجمل الناس إذا فعل ذلك. شك عبد الله فيه سمعه أو لم يسمعه. حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: حدثنا أبو محمد الأموي، قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشأم، فرأى معاوية في موكب يتلقاه، وراح إليه في موكب، فقال له عمر: يا معاوية، تروح في موكب وتغدو في مثله؛ وبلغني أنك تصبح في منزلك وذوو الحاجات ببابك! قال: يا أمير المؤمنين، إن العدو بها قريب منا، ولهم عيون وجواسيس، فأردت يا أمير المؤمنين أن يروا للإسلام عزاً؛ فقال له عمر: إن هذا لكيد رجل لبيب، أو خدعة رجل أريب؛ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، مرني بما شئت أصر إليه؛ قال: ويحك! ما ناظرتك في أمر أعيب عليك فيه إلا تركتني ما أدري آمرك أم أنهاك! حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن معمر، عن جعفر بن برقان، أن المغيرة كتب إلى معاوية: أما بعد، فإني قد كبرت سني، ودق عظمي، وشنفت لي قريش، فإن رأيت أن تعزلني فاعزلني. فكتب إليه معاوية: جاءني كتابك تذكر فيه أنه كبرت سنك، فلعمري ما أكل عمرك غيرك، وتذكر أن قريشاً شنفت لك، ولعمري ما أصبت خيراً إلا منهم. وتسألني أن أعزلك، فقد فعلت؛ فإن تك صادقاً فقد شفعتك، وإن تك مخادعاً فقد خدعتك. حدثني أحمد، عن علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، قال: قال معاوية: إذا لم يكن الأموي مصلحاً لما له، حليماًن لم يشبه من هو منه، وإذا لم يكن الهاشمي سخياً جواداً لم يشبه من هو منه، ولا يقدمك من الهاشمي اللسان والسخاء والشجاعة. حدثني أحمد، عن علي، عن عوانة وخلاد بن عيدة، قال: تغدى معاوية يوماً وعنده عبيد الله بن أبي بكرة، ومعه ابنه بشير - ويقال: غير بشير - فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله بن أبي بكرة، فأراد أن يغمز ابنه، فلم يمكنه، ولم يرفع رأسه حتى فرغ، فلما خرج لامه على ما صنع، ثم عاد إليه وليس معه ابنه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى؛ فقال: قد علمت أن أكله سيورثه داءً. حدثني أحمد، عن علي، عن جويرية بن أسماء، قال: قدم أبو موسى على معاوية، فدخل عليه في برنسٍ أسود، فقال: السلام عليك يا أمين الله، قال: وعليك السلام؛ فلما خرج قال معاوية: قدم الشيخ لأوليه، ولا والله لا أوليه. حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبو صالح سليمان بن صالح قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته، فقال: هلم يابن أخي، نحوي فانظر، فنظرت فإذا هي قد سبرت، فقلت: ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين، فدخل يزيد فقال معاوية: إن وليت من أمر الناس شيئاً فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلاً أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يره. حدثني أحمد، عن علي، عن شهاب بن عبيد الله، عن يزيد بن سويد، قال: أذن معاوية للأحنف وكان يبدأ بإذنه، ثم دخل محمد بن الأشعث فجلس بين معاوية والأحنف، فقال معاوية: إنا لم نأذن له قبلك فتكون دونه، وقد فعلت فعال من أحسن من نفسه ذلاً، إنا كما نملك أموركم نملك إذنكم، فأريدوا منا ما نريد منكم، فإنه أبقى لكم. حدثني أحمد، عن علي، عن سحيم بن حفص، قال: خطب ربيعة بن عسل اليربوعي إلى معاوية، فقال معاوية: اسقوه سويقاً؛ وقال له معاوية: يا ربيعة، كيف الناس عندكم؟ قال: مختلفون على كذا وكذا فرقةً؛ قال: فمن أيهم أنت؟ قال: ما أنا على شيء من أمرهم؛ فقال معاوية: أراهم أكثر مما قلت؛ قال: يا أمير المؤمنين، أعني في بناء داري باثني عشر ألف جذع؛ قال معاوية: أين دارك؟ قال بالبصرة، وهي أكثر من فرسخين في فرسخين؛ قال: فدارك في البصرة، أو البصرة في دارك! فدخل رجلٌ من ولده على ابن هبيرة فقال: أصلح الله الأمير! أنا ابن سيد قومه، خطب أبي إلى معاوية، فقال ابن هبيرة لسلم بن قتيبة: ما يقول هذا؟ هذا ابن أحمق قومه؛ قال ابن هبيرة: هل زوج أباك معاوية؟ قال: لا، قال: فلا أرى أباك صنع شيئاً. حدثني أحمد، عن علي، عن أبي محمد بن ذكوان القرشي، قال: تنازع عتبة وعنبسة ابنا أبي سفيان - وأم عتبة هند وأم عنبسة ابنة أبي أزيهر الدوسي - فأغلظ معاوية لعنبسة، وقال عنبسة: وأنت أيضاً يا أمير المؤمنين؟! فقال: يا عنبسة، إن عتبة ابن هند، فقال عنبسة: كنا بخير صالحاً ذات بيننا ... قديماً فأمست فرقت بيننا هند فإن تك هندٌ لم تلدني فإنني ... لبيضاء ينميها غطارفةٌ نجد أبوها أبو الأضياف في كل شتوة ... ومأوى ضعافٍ لا تنوء من الجهد جفيناته ما إن تزال مقيمة ... لمن خاف من غوري تهامة أو نجد فقال معاوية: لا أعيدها عليك أبداً. حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن حرملة بن عمران، قال: أتى معاوية في ليلة أن قيصر قصد له في الناس، وأن ناتل بن قيس الجذامي غلب فلسطين وأخذ بيت مالها، وأن المصريين الذين كان سجنهم هربوا، وأن علي بن أبي طالب قصد له في الناس، فقال لمؤذنه: أذن هذه الساعة - وذلك نصف الليل - فجاءه عمرو بن العاص، فقال: لم أرسلت إلي؟ قال: أنا ما أرسلت إليك؛ قال: ما أذن المؤذن هذه الساعة إلا من أجلي؛ قال: رميت بالقسي الأربع؛ قال عمرو: أما هؤلاء الذين خرجوا من سجنك، فإنهم إن خرجوا من سجنك فهم في سجن الله عز وجل، وهم قوم شراةٌ لا رحلة بهم، فاجعل لمن أتاك برجل منهم أو برأسه ديته، فإنك ستؤتى بهم، وانظر قيصر فوادعه، وأعطه مالاً وحللاً من حلل مصر، فإنه سيرضى منك بذاك، وانظر ناتل ابن قيس، فلعمري ما أغضبه الدين، ولا أراد إلا ما أصاب، فاكتب إليه، وهب له ذلك، وهنئه إياه، فإن كانت لك قدرةٌ عليه، وإن لم تكن لك فلا تأس عليه، واجعل حدك وحديدك لهذا الذي عنده دم ابن عمك. قال: وكان القوم كلهم خرجوا من سجنه غير أبرهة بن الصباح، قال معاوية: ما منعك من أن تخرج مع أصحابك؟ قال: ما منعني منه بغضٌ لعلي، ولا حبٌّ لك، ولكني لم أقدر عليه؛ فخلى سبيله. حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، عن جرير بن حازم، قال: سمعت محمد بن الزبير يحدث، قال: حدثني عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري من بني آل بدر، قال: انتقل معاوية من بعض كور الشأم إلى بعض عمله، فنزل منزلاً بالشأم، فبسط له على ظهر إجار مشرف على الطريق، فأذن لي، فقعدت معه، فمرت القطرات والرحائل والجواري والخيول، فقال: يابن مسعدة، رحم الله أبا بكر! لم يرد الدنيا ولم ترده الدنيا، وأما عمر - أو قال: ابن خنتمة - فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان فأصاب من الدنيا وأصابت منه؛ وأما نحن فتمرغنا فيها؛ ثم كأنه ندم فقال: والله إنه لملك آتانا الله إياه. حدثني أحمد، عن علي بن محمد، عن علي بن عبيد الله، قال: كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله لابنه عبد الله بن عمرو ما كان أعطاه أباه من مصر، فقال معاوية: أراد أبو عبد الله أن يكتب فهدر، أشهدكم أني إن بقيت بعده فقد خلعت عهده. قال: وقال عمرو بن العاص: ما رأيت معاوية متكئاً قط واضعاً إحدى رجليه على الأخرى كاسراً عينه يقول لرجل: تكلم، إلا رحمته. قال أحمد: قال علي بن محمد: قال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين، ألست أنصح الناس لك؟ قال: بذلك نلت ما نلت. قال أحمد: قال علي: عن جويرية بن أسماء، أن بسر بن أبي أرطاة نال من عليٍّ عند معاوية وزيد بن عمر بن الخطاب جالس، فعلاه بعصاً فشجه، فقال معاوية لزيد: عمدت إلى شيخ من قريش سيد أهل الشأم فضربته! وأقبل على بسر فقال: تشتم علياً وهو جده وابن الفارق على رءوس الناس، أو كنت ترى أنه يصبر على ذلك! ثم أرضاهما جميعاً. قال: وقال معاوية: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي، وجهلٌ أكثر من حلمي، أو عورةٌ لا أواريها بسترى، أو إساءةٌ أكثر من إحساني. قال: وقال معاوية: زين الشريف العفاف؛ قال: وقال معاوية: ما من شيء أحب إلي من عين خرارة، في أرض خوارة، فقال عمرو بن العاص: ما من شيء أحب إلي من أن أبيت عروساً بعقيلةٍ من عقائل العرب؛ فقال وردان مولى عمرو بن العاص: ما من شيء أحب إلي من الإفضال على الإخوان، فقال معاوية: أنا أحق بهذا منك؛ قال: ما تحب فافعل. حدثني أحمد، عن علي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان عامل معاوية على المدينة إذا أراد أن يبرد بريداً إلى معاوية أمر مناديه فنادى: من له حاجةٌ يكتب إلى أمير المؤمنين؛ فكتب زر بن حبيش - أو أيمن بن خريم - كتاباً لطيفاً ورمى به في الكتب، وفيه: إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروعٌ قد دنا حصادها فلما وردت الكتب عليه فقرأ هذا الكتاب؛ قال: نعى إلي نفسي. قال: وقال معاوية: ما من شيء ألذ عندي من غيظ أتجرعه. قال: وقال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: يابن أخي، إنك قد لهجت بالشعر، فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة، والهجاء فتعر كريماً، وتستثير لئيماً، والمدح، فإنه طعمة الوقاح، ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الأمثال ما تزين به نفسك، وتؤدب به غيرك. حدثني أحمد، عن علي، قال: قال الحسن بن حماد: نظر معاوية إلى الثما في عباءة، فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها. حدثني أحمد، عن علي، عن سليمان، قال: قال معاوية: رجلان إن ماتا لم يموتا، ورجلٌ إن مات مات، أنا إن مت خلفني ابني، وسعيد إن مات خلفه عمرو، وعبد الله بن عامر إن مات مات؛ فبلغ مروان، فقال: أما ذكر ابني عبد الملك؟ قالوا: لا؛ قال: ما أحب أن لي بابني ابنيهما. حدثني أحمد، عن علي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: قال رجل لمعاوية: أي الناس أحب إليك؟ قال: أشدهم لي تحبيباً إلى الناس. قال: وقال معاوية: العقل والحلم أفضل ما أعطى العبد، فإذا ذكر ذكر، وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز. حدثني أحمد، عن علي، عن عبد الله، وهشام بن سعد، عن عبد الله ابن عمير، قال: أغلظ رجلٌ لمعاوية فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لاأحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا. حدثني أحمد، عن علي، عن محمد بن عامر، قال: لام معاوية عبد الله بن جعفر على الغناء، فدخل يوماً على معاوية ومعه بديحٌ، ومعاوية واضع رجلاً على رجل، فقال عبد الله لبديح: إيهاً يا بديح! فتغنى، فحرك معاوية رجله، فقال عبد الله: مه يا أمير المؤمنين! فقال معاوية: إن الكريم طروب. قال: وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر - وكان مولىً لبني ليث، وكان فاجراً - فقا له: ارفع حوائجك؛ ففعل، ورفع فيها حاجة سائبخاثر؛ فقال معاوية: من هذا؟ فخبره؛ فقال: أدخله، فلما قام على باب المجلس غنى: لمن الديار رسومها قفر ... لعبت بها الأرواح والقطر! وخلالها من بعد ساكنها ... حججٌ خلون ثمان أو عشر والزعفران على ترائبها ... شرقاً به اللبات والنحر فقال أحسنت، وقضى حوائجه. حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت أحداً أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رحب، ولم يكن كالضيق الخضخض، الحصر - يعني ابن الزبير. حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشبعي، عن قبيصة بن جابر الأسدي قال: ألا أخبركم من صحبت؟ صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلاً افقه فقهاً، ولا أحسن مدارسة منه؛ ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رايت رجلاً أعطى للجزيل من غير مسألة منه؛ ثم صحبت معاوية فما رأيت رجلاً أحب رفيقاً، ولا أشبه سريرةً بعلانية منه، ولو أن المغيرة جعل في مدينة لا يخرج من أبوابها كلها إلا بالغدر لخرج منها. خلافة يزيد بن معاوية وفي هذه السنة بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه، للنصف من رجب في قول بعضهم، وفي قول بعضٍ: لثمانٍ بقين منه - على ما ذكرنا قبل من وفاة والده معاوية - فأقر عبيد الله بن زياد على البصرة، والنعمان بن بشير على الكوفة. وقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف؛ ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان ابن بشير الأنصاري، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته، وأنه ولي عهده بعده، والفراغ من أمرهم، فكتب إلى الوليد: بسم الله الرحمن الرحيم. من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإن معاوية كان عبداً من عباد الله، أكرمه الله واستخلفه، وخوله، ومكن له، فعاش بقدر، ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محموداً، ومات براً تقياً، والسلام. وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن فأرة: أما بعد، فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا؛ والسلام. فلما أتاه نعي معاوية فظع به، وكبر عليه، فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه - وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارهاً - فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه، فبلغ ذلك مروان، فجلس عنه وصرمه، فلم يزل كذلك حتى جاء نعي معاوية إلى الوليد، فلما عظم على الوليد هلاك معاوية وما أمر به من أخذ هؤلاء الرهط بالبيعة، فزع عند ذلك إلى مروان، ودعاه، فلما قرأ عليه كتاب يزيد، استرجع وترحم عليه، واستشاره الوليد في الأمر وقال: كيف ترى أن نصنع؟ قال: فإني أرى أن تبعث إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة، فإن فعلوا قبلت منهم، وكففت عنهم، وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموت معاوية وثب كل امرىء منهم في جانب، وأظهر الخلاف والمابذة، ودعا إلى نفسه لا أدري؛ أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال، ولا يحب أن يولى على الناس، إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفواً. فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو إذ ذاك غلامٌ حدث - إليهما يدعوهما، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلي فيها للناس، ولا يأتيانه في مثلها، فقال: أجيبا، الأمير يدعوكما، فقال له: انصرف؛ الآن نأتيه. ثم أقبل أحدهما على الآخر، فقال عبد الله بن الزبير للحسين: ظن فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها! فقال حسين: قد ظننت، أرى طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر؛ فقال: وأنا ما أظن غيره. قال: فما تريد أن تصنع؟ قال: أجمع فتياني الساعة، ثم أمشي إليه، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه، ثم دخلت عليه. قال: فإني أخافه عليك إذا دخلت؛ قال: لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر. فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه: إني داخلٌ، فإن دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم، فدخل فسلم عليه بالإمرة ومروان جالسٌ عنده، فقال حسين؛ كأنه لا يظن ما يظن من موت معاوية: الصلة خيرٌ من القطيعة، أصلح الله ذات بينكما! فلم يجيباه في هذا بشيء، وجاء حتى جلس، فأقرأه الوليد الكتاب، ونعى له معاوية، ودعاه إلى البيعة، فقال حسين: إنا لله وإنا إليه راجعون! ورحم الله معاوية، وعظم لك الأجر! أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سراً، ولا أراك تجتزىء بها مني سراً دون أن نظهرها على رءوس الناس علانية؛ قال: أجل، قال: فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمراً واحداً؛ فقال له الوليد - وكان يحب العافية: فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس؛ فقال له مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل، ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه؛ فوثب عند ذلك الحسين، فقال: يابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو! كذبت والله وأثمت، ثم خرج فمر بأصحابه، فخرجوا معه حتى أتى منزله. فقال مروان للوليد: عصيتني، لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبداً؛ قال الوليد: وبخ غيرك يا مروان، إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها، وأني قتلت حسيناً، سبحان الله! أقتل حسيناً أن قال: لا أبايع! والله إني لا أظن امرأً يحاسب بدم حسين الخفيف الميزان عند الله يوم القيامة. فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه. وأما ابن الزبير، فقال: الآن آتيكم، ثم أتى داره فكمن فيها، فبعث الوليد إليه فوجده مجتمعاً في أصحابه متحرزاً، فألح عليه بكثرة الرسل والرجال في إثر الرجال؛ فأما حسين فقال: كف حتى تنظر وننظر، وترى ونرى؛ وأما ابن الزبير فقال: لا تعجلوني فإني آتيكم، أمهلوني، فألحوا عليهما عشيتهما تلك كلها وأول ليلهما، وكانوا على حسين أشد إبقاءً، وبعث الوليد إلى ابن الزبير موالي له فشتموه وصاحوا به: يابن الكاهلية، والله لتأتين الأمير أو ليقتلنك، فلبث بذلك نهاره كله وأول ليلة يقول: الآن أجيء، فإذا استحثوه قال: والله لقد استربت بكثرة الإرسال، وتتابع الرجال، فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه وأمره، فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال: رحمك الله! كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك، وهو آتيك غداً إن شاء الله، فمر رسلك فلينصرفوا عنا. فبعث إليهم فانصرفوا، وخرج ابن الزبير من تحت الليل فأخذ طريق الفرع هو وأخوه جعفر، ليس معهما ثالث، وتجنب الطريق الأعظم مخافة الطلب، وتوجه نحو مكة، فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج، فقال مروان: والله إن أخطأ مكة فسرح في أثره الرجال، فبعث راكباً من موالي بني أمية في ثمانين راكباً، فطلبوه فلم يقدروا عليه، فرجعوا، فتشاغلوا عن حسين بطلب عبد الله يومهم ذلك حتى أمسوا، ثم بعث الرجال إلى حسين عند المساء فقال: أصبحوا ثم ترون ونرى، فكفوا عنه تلك الليلة، ولم يلحوا عليه، فخرج حسين من تحت ليلته، وهي ليلة الأحد ليومين بقين من رجب سنة ستين. وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة، خرج لية السبت فأخذ طريق الفرع، فبينا عبد الله بن الزبير يساير أخاه جعفراً إذ تمثل جعفرٌ بقول صبرة الحنظلي: وكل بني أمٍّ سيمسون ليلةً ... ولم يبق من أعقابهم غير واحد فقال عبد الله! سبحان الله، ما أردت إلى ما أسمع يا أخي! قال: والله يا أخي ما أردت به شيئاً مما تكره؛ فقال: فذاك والله أكره إلي أن يكون جاء على لسانك من غير تعمد - قال: وكأنه تطير منه - وأما الحسين فإنه خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته، إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له: يا أخي، أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار وتأتي جماعةً من الناس، فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفساً وأباً، وأماً أضيعها دماً وأذلها أهلاً؛ قال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي؛ قال: فانزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيلٌ ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال، وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، وتعرف عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأياً وأحزمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً، ولا تكون الأمور عليك أبداً أشكل منها حين تستدبرها استدباراً؛ قال: يا أخي، قد نصحت فأشفقت، فأرجو أن يكون رأيك سديداً موفقاً. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعد المقبري، قال: نظرت إلى الحسين داخلاً مسجد المدينة وإنه ليمشي وهو معتمد على رجلين، يعتمد على هذا مرةً وعلى هذا مرة، وهو يتمثل بقول ابن مفرغ: لا ذعرت السوام في فلق الصب ... ح مغيراً ولا دعيت يزيدا يوم أعطي من المهابة ضيماً ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا قال: فقلت في نفسي: والله ما تمثل بهذين البيتين إلا لشيء يريد، قال: فما مكث إلا يومين حتى بلغني أنه سار إلى مكة. ثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت؛ فقال رجل: ما يمنعك أن تبايع؟ إنما تريد أن يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا، فإذا جهدهم ذلك قالوا: عليكم بعبد الله بن عمر، لم يبق غيره، بايعوه! قال عبد الله: ما أحب أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا، ولكن إذا بايع الناس ولم يبق غيري بايعت؛ قال: فتركوه وكانوا لا يتخوفونه. قال: ومضى ابن الزبير حتى أتى مكة وعليها عمرو بن سعيد، فلما دخل مكة قال: إنما أنا عائذ، ولم يكن يصلي بصلاتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، كان يقف هو وأصحابه ناحيةً، ثم يفيض بهم وحده، ويصلي بهم وحده، قال: فلما سار الحسين نحو مكة، قال: " فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين " . فلما دخل مكة قال: " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " . ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمر بن سعيد وفي هذه السنة عزل يزيد الوليد بن عتبة عن المدينة، عزله في شهر رمضان، فأقر عليها عمرو بن سعيد الأشدق. وفيها قدم عمرو بن سعيد بن العاص المدينة في رمضان، فزعم الواقدي أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأن ابن الزبير والحسين لما دعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة، فلقيهما ابن عباس وابن عمر جائيين من مكة، فسألاهما، ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد؛ فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين؛ وأما ابن عمر فقدم فأقام أياماً، فانتظر حتى جاءت البيعة من البلدان، فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه، وبايعه ابن عباس. وفي هذه السنة وجه عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله بن الزبير لحربه. ذكر الخبر عن ذلكذكر محمد بن عمر أن عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق قدم المدينة في رمضان سنة ستين فدخل عليه أهل المدينة، فدخلوا على رجل عظيم الكبر مفوه. قال محمد بن عمر: حدثنا هشام بن سعيد، عنن شيبة بن نصاح، قال: كانت الرسل تجري بين يزيد بن معاوية وابن الزبير في البيعة، فحلف يزيد ألا يقبل منه حتى يؤتى به في جامعة، وكان الحارث بن خالد المخزومي على الصلاة، فمنعه ابن الزبير، فلما منعه كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد؛ أن ابعث جيشاً إلى ابن الزبير، وكان عمرو بن سعيد لما قدم المدينة ولى شرطته عمرو بن الزبير، لما كان يعلم ما بينه وبين عبد الله بن الزبير من البضغاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضرباً شديداً. قال محمد بن عمر: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: نظر إلى كل من كان يهوى هوى ابن الزبير فضربه، وكان ممن ضرب المنذر ابن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد ابن عمار بن ياسر، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، وفر منه عبد الرحمن بن عثمان وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس إلى مكة، فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير: من رجلٌ نوجه إلى أخيك؟ قال: لا توجه إليه رجلاً أبداً أنكأ له مني، فأخرج لأهل الديوان عشرات، وخرج من موالي أهل المدينة ناسٌ كثير، وتوجه معه أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة، فوجهه في مقدمته، فعسكر بالجرف، فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال: لا تغز مكة، واتق الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير فقد كبر، هذا له بضعٌ وستون سنةً، وهو رجلٌ لجوج، والله لئن لم تقتلوه ليموتن، فقال عمرو بن الزبير: والله لنقاتلنه ولنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم؛ فقال مروان: والله إن ذلك لسيوءني؛ فسار أنيس بن عمرو الأسلمي حتى نزل بذي طوى، وسار عمرو بن الزبير حتى نزل بالأبطح، فأرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه: بر يمين الخليفة، واجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى، لا يضرب الناس بعضهم بعضاً، واتق الله فإنك في بلد حرام. قال ابن الزبير: موعدك المسجد؛ فأرسل ابن الزبير عبد الله بن صفوان الجمحي إلى أنيس بن عمرو من قبل ذي طوىً، وكان قد ضوى إلى عبد الله ابن صفوان قومٌ ممن نزل حول مكة، فقاتلوا أنيس بن عمرو، فهزم أنيس ابن عمرو أقبح هزيمة، وتفرق عن عمرو جماعة أصحابه، فدخل دار علقمة، فأتاه عبيده بن الزبير فأجاره، ثم جاء إلى عبد الله بن الزبير فقال: إني قد أجرته؛ فقال: أتجير من حقوق الناس! هذا ما لا يصلح. قال محمد بن عمر: فحدثت هذا الحديث محمد بن عبيد بن عمير فقال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: كتب يزيد بن معاوية إلى عمرو ابن سعيد: أن استعمل عمرو بن الزبير على جيش، وابعثه إلى ابن الزبير، وابعث معه أنيس بن عمرو؛ قال: فسار عمرو بن الزبير حتى نزل في داره عند الصفا، ونزل أنيس بن عمرو بذي طوىً، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي خلفه عبد الله بن الزبير، فإذا انصرف شبك أصابعه في أصابعه، ولم يبق أحدٌ من قريش إلا أتى عمرو بن الزبير، وقعد عبد الله بن صفوان فقال: مالي لا أرى عبد الله بن صفوان! أما والله لئن سرت إليه ليعلمن أن بني جمح ومن ضوى إليه من غيرهم قليل، فبلغ عبد الله بنصفوان كلمته هذه، فحركته، فقال لعبد الله بن الزبير: إني أراك كأنك تريد البقيا على أخيك؛ فقال عبد الله: أنا أبقى عليه يا ابا صفوان! والله لو قدرت على عون الذر عليه لاستعنت بها عليه؛ فقال ابن صفوان: فأنا أكفيك أنيس بن عمرو، فاكفني أخاك؛ قال ابن الزبير: نعم؛ فسار عبد الله ابن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذي طوىً، فلاقاه في جمع كثير من أهل مكة وغيرهم من الأعوان، فهزم أنيس بن عمرو ومن معه، وقتلوا مدبرهم، وأجهزوا على جريحهم، وسار معصب بن عبد الرحمن إلى عمرو، وتفرق عنه أصحابه حتى تخلص إلى عمرو بن الزبير، فقال عبيدة بن الزبير لعمرو: تعال أنا أجيرك. فجاء عبد الله بن الزبير، فقال: قد أجرت عمراً، فأجره لي، فأبى أن يجيره، وضربه بكل من كان ضرب بالمدينة، وحبسه بسجن عارم. قال الواقدي: قد اختلفوا علينا في حديث عمرو بن الزبير، وكتبت كل ذلك. حدثني خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، قال: لما قدم عمرو بن سعيد المدينة والياً، قدم في ذي القعدة سنة ستين، فولى عمرو ابن الزبير شرطته، وقال: قد أقسم أمير المؤمنين ألا يقبل بيعة ابن الزبير إلا أن يؤتى به في جامعة، فليبر يمين أمير المؤمنين، فإني أجعل جامعة خفيفةً من ورق أو ذهب، ويلبس عليها برنساً، ولا ترى إلا أن يسمع صوتها، وقال: خذها فليست للعزيز بخطةٍ ... وفيها مقالٌ لامرىءٍ متذلل أعامر إن القوم ساموك خطةً ... ومالك في الجيران عذل معذل قال محمد: وحدثني رياح بن مسلم، عن أبيه، قال: بعث إلى عبد الله بن الزبير عمرو بن سعيد، فقال له أبو شريح: لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما أذن الله لي في القتال بمكة ساعةً من نهار، ثما عادت كحرمتها " ؛ فابى عمرو أن يسمع قوله، وقال: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ؛ فبعث عمرو جيشاً مع عمرو ومعه أنيس ابن عمرو الأسلمي، وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام، - وكانوا نحو ألفين - فقاتلهم أهل مكة، فقتل أنيس بن عمرو والمهاجر مولى القلمس في ناس كثير، وهزم جيش عمرو، فجاء عبيدة بن الزبير، فقال لأخيه عمرو: أنت في ذمتي، وأنا لك جار، فانطلق به إلى عبد الله، فدخل على ابن الزبير فقال: ما هذا الدم الذي في وجهك يا خبيث! فقال عمرو: لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما فحبسه وأخفر عبيدة، وقال: أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله؛ ثم أقاد عمراً من كل من ضربه إلا المنذر وابنه، فإنهما أبيا أن يستقيدا، ومات تحت السياط. قال: وإنما سمي سجن عارم لعبد كان يقال له: زيد عارم، فسمي السجن به، وحبس ابن الزبير أخاه عمراً فيه. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن أبي يحيى، عن أبيه، قال: كان مع أنيس بن عمرو ألفان. وفي هذه السنة وجه أهل الكوفة الرسل إلى الحسين رضي الله عنه وهو بمكة يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه. ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين رضي الله عنه للمصير إلى ما قبلهم وأمر مسلم بن عقيل رضي الله عنه حدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أحمد بن جناب المصيصي - ويكنى أبا الوليد - قال: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسري، قال: حدثنا عمار الدهني، قال: قلت لأبي جعفر: حدثني بمقتل الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن علي ليأخذ بيعته، فقال له: أخرني وارفق، فأخره، فخرج إلى مكة، فأتاه أهل الكوفة ورسلهم: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فاقدم علينا - وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة؛ قال: فبعث الحسين إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب ابن عمه فقال له: سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إلي، فإن كان حقاً خرجنا إليهم. فخرج مسلم حتى أتى المدينة، فأخذ منهما دليلين، فمرا به في البرية، فأصابهم عطشٌ، فمات أحد الدليلين، وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين: أن امض إلى الكوفة. فخرج حتى قدمها، ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة؛ قال: فلما تحدث أهل الكوفة بمقدمه دبوا إليه فبايعوه، فبايعه منهم اثنا عشر ألفاً. قال: فقام رجل ممن يهوى يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير، فقال له: إنك ضعيف أو متضعف؛ قد فسد البلاد! فقال له النعمان: أن أكون ضعيفاً وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن أكون قوياً في معصية الله، وما كنت لأهتك ستراً ستره الله. فكتب بقول النعمان إلى يزيد، فدعا مولىً له يقال له: سرجون؛ - وكان يستشيره - فأخبره الخبر، فقال له: أكنت قابلاً من معاوية لو كان حياً؟ قال: نعم؛ قال: فاقبل مني؛ فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله ابن زياد، فولها إياه - وكان يزيد عليه ساخطاً، وكان هم بعزله عن البصرة - فكتب إليه برضائه، وأنه قد ولاه الكوفة مع البصرة، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل فيقتله إن وجده. قال: فأقبل عبيد الله في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متثلماً، ولا يمر على مجلس من مجالسهم فيسلم إلا قالوا: عليك السلام يابن بنت رسول الله - وهم يظنون أنه الحسين بن علي رضي الله عنه - حتى نزل القصر، فدعا مولىً له فأعطاه ثلاثة آلاف، وقال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حمص جئت لهذا الأمر، وهذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوى. فلم يزل يتلطف ويرفق به حتى دل على شيخ من أهل الكوفة يلي البيعة، فلقيه فأخبره، فقال له الشيخ: لقد سرني لقاؤك إياي، وقد ساءني؛ فأما ما سرني من ذلك فما هداك الله له، وأما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد. فأدخله إليه، فأخذ منه المال وبايعه، ورجع إلى عبيد الله فأخبره. فتحول مسلم حين قدم عبيد الله بن زياد من الدار التي كان فيها إلى منزل هانىء بن عروة المرادي، وكتب مسلم بن عقيل إلى الحسين بن علي رضي الله عنه يخبره ببيعة اثني عشر ألفاً من أهل الكوفة، ويأمره بالقدوم. وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة: ما لي أرى هانىء بن عروة لم يأتني فيمن أتاني! قال: فخرج إليه محمد بن الأشعث في ناس من قومه وهو على باب داره، فقالوا: إن الأمير قد ذكرك واستبطأك، فانطلق إليه، فلم يزالوا به حتى ركب معهم وسار حتى دخل على عبيد الله وعنده شريح القاضي، فلما نظر إليه قال لشريح: أتتك بحائنٍ رجلاه؛ فلما سلم عليه قال: يا هانىء، أين مسلم؟ قال: ما أدري؛ فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه، فلما رآه قطع به، فقال: أصلح الله الأمير! والله ما دعوته إلى منزلي ولكنه جاء فطرح نفسه علي؛ قال: ائتني به؛ قال: والله لو كانت تحت قدمي ما رفعتهما عنه؛ قال: أدنوه إلي، فأدني فضربه على حاجبه فشجه، قال: وأهوى هانىءٌ إلى سيف شرطي ليسله، فدفع عن ذلك، وقال: قد أحل الله دمك، فأمر به فحبس في جانب القصر. وقال غير أبي جعفر: الذي جاء بهانىء بن عروة إلى عبيد الله بن زياد عمرو بن الحجاج الزبيدي: ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، قال: حدثنا عمارة بن عقبة ابن أبي معيط، فجلس في مجلس ابن زياد فحدث، قال: طردت اليوم حمراً فأصبت منها حماراً فعقرته، فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: إن حماراً تعقره أنت لحمارٌ حائن؛ فقال: ألا أخبرك بأحين من هذا كله! رجل جيء بأبيه كافراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به أن يضرب عنقه، فقال: يا محمد فمن للصبية؟ قال: النار، فأنت من الصبية، وأنت في النار؛ قال: فضحك ابن زياد. رجع الحديث إلى حديث عمار الدهني؛ عن أبي جعفر. قال: فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر إلى مذحج، فإذا على باب القصر جلبة سمعها عبيد الله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مذحج، فقال لشريح: اخرج إليهم فأعلمهم أني إنما حبسته لأسائله، ورعث عيناً عليه من مواليه يسمع ما يقول، فمر بهانىء بن عروة، فقال له هانىء: اتق الله يا شريح، فإنه قاتلي، فخرج شريح حتى قام على باب القصر، فقال: لا بأس عليه، إنما حبسه الأمير ليسائله، فقالوا: صدق، ليس على صاحبكم بأس، فتفرقوا، فأتى مسلماً الخبر، فنادى بشعاره، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، فقدم مقدمته، وعبى ميمنته وميسرته، وسار في القلب إلى عبيد الله، وبعث عبيد الله إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده في القصر، فلما سار إليه مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردونهم، فجعل أصحاب مسلم يتسللون حتى أمسى في خمسمائة، فلما اختلط الظلام ذهب أولئك أيضاً. فلما رأى مسلم أنه قد بقي وحده يتردد في الطرق أتى باباً فنزل عليه، فخرجت إليه امرأة، فقال لها: اسقني، فسقته، ثم دخلت فمكثت ما شاء الله، ثم خرجت فإذا هو على الباب؛ قالت: يا عبد الله، إن مجلسك مجلس ريبة، فقم؛ قال: إني أنا مسلم بن عقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت: نعم، ادخل، وكان ابنها مولىً لمحمد بن الأشعث، فلما علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره، فانطلق محمد إلى عبيد الله فأخبره، فبعث عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطه - إليه، ومعه عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث، فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار، فلما رأى ذلك مسلمٌ خرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان، فأمكن من يده، فجاء به إلى عبيد الله، فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر فضربت عنقه، وألقى جثته إلى الناس، وأمر بهانىء فسحب إلى الكناسة، فصلب هنالك، وقال شاعرهم في ذلك: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الإمام فأصبحا ... أحاديث من يسعى بكل سبيل أيركب أسماء الهماليج آمناً ... وقد طلبته مذحجٌ بذحول! وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصةً هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جعفر الذي ذكرناه؛ ما حدثت عن هشام بن محمد، عنه، قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: حدثني عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرىء القيس الكلبية امرأة حسين - وكانت مع سكينة ابنة حسين، وهو مولىً لأبيها، وهي إذ ذاك صغيرة - قال: خرجنا فلزمنا الطريق الأعظم، فقال للحسين أهل بيته: لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب؛ قال: لا، والله لا افارقه حتى يقضي الله ما هو أحب إليه، قال: فاستقبلنا عبد الله بن مطيع فقال للحسين: جعلت فداك! أين تريد؟ قال: أما الآن فإني أريد مكة، وأما بعدها فإني أستخير الله، قال: خار الله لك، وجعلنا فداك؛ فإذا أنت أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة، فإنها بلدةٌ مشئومة، بها قتل أبوك، وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه؛ الزم الحرم؛ فإنك سيد العرب، لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحداً، ويتداعى إليك الناس من كل جانب؛ لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك. فأقبل حتى نزل مكة، فأقبل أهلها يختلفون إليه وياتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم الكعبة، فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف، ويأتي حسيناً فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كل يومين مرة، ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبداً ما دام حسين بالبلد، وأن حسيناً أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوع في الناس منه. فلما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية ارجف أهل العراق بيزيد، وقالوا: قد امتنع حسين وابن الزبير، ولحقا بمكة، فكتب أهل الكوفة إلى حسين، وعليهم النعمان بن بشير. قال أبو مخنف: فحدثني الحجاج بن علي، عن محمد بن بشر الهمداني، قال: اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد، فذكرنا هلاك معاوية، فحمدنا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صرد: إن معاوية قد هلك، وإن حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه؛ قال: فاكتبوا إليه، فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب ابن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلامٌ عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضاً منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود! إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق. والنعمان ابن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشأم إن شاء الله؛ والسلام ورحمة الله عليك. قال: ثم سرحنا بالكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، وأمرناهما بالنجاء؛ فخرج الرجلان مسرعين حتى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكة، ثم لبثنا يومين، ثم سرحنا إليه قيس ابن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي وعمارة بن عبيد السلولي، فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفةً؛ الصحيفة من الرجل والاثنين والأربعة. قال: ثم لبثنا يومين آخرين، ثم سرحنا إليه هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكتبنا معهما: بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين، أما بعد ،فحيهلا، فإن الناس ينتظرونك، ولا أرى لهم في غيرك، فالعجل العجل؛ والسلام عليك. وكتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي: أما بعد، فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم على جندٍ لك مجند؛ والسلام عليك. وتلاقت الرسل كلها عنده، فقرأ الكتب، وسأل الرسل عن أمر الناس، ثم كتب مع هانىء بن هانىء السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكانا آخر الرسل: بسم الله الرحمن الرحيم. من حسين بن علي إلى الملإ من المؤمنين والمسلمين؛ أما بعد، فإن هانئاً وسعيداً قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله؛ فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله. والسلام. قال أبو مخنف: وذكر أبو المخارق الراسبي، قال: اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد - أو منقذ - أياماً، وكانت تشيع، وكان منزلها لهم مألفاً يتحدثون فيه، وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق. قال: فأجمع يزيد بن نبيط الخروج - وهو من عبد القيس - إلى الحسين، وكان له بنون عشرة، فقال: أيكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له: عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج، وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد؛ فقال: إني والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان علي طلب من طلبني. قال: ثم خرج فتقدى في الطريق حتى انتهى إلى حسين رضي الله عنه، فدخل في رحله بالأبطح، وبلغ الحسين مجيئه، فجعل يطلبه، وجاء الرجل إلى رحل الحسين، فقيل له: قد خرج إلى منزلك، فأقبل في أثره، ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره، وجاء البصري فوجده في رحله جالساً، فقال: " بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " قال: فسلم عليه، وجلس إليه، فخبره بالذي جاء له، فدعا له بخير، ثم اقبل معه حتى أتى فقاتل معه، فقتل معه هو وابناه. ثم دعا مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبيد السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، فأمره بتقوى الله وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك. فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وودع من أحب من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به، فضلا الطريق وجارا، وأصابهم عطش شديد، وقال الدليلان: هذا الطريق حتى تنتهي إلى الماء، وقد كادا أن يموتوا عطشاً. فكتب مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوي إلى حسين، وذلك بالمضيق من بطن الخبيت: أما بعد، فإني أقبلت من المدينة معي دليلان لي، فجارا عن الطريق وضلا، واشتد علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء، فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك أن الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبيت؛ وقد تطيرت من وجهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه، وبعثت غيري، والسلام. فكتب إليه حسين: أما بعد، فقد خشيت ألا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك له؛ والسلام عليك. فقال مسلم لمن قرأ الكتاب: هذا ما لست أتخوفه على نفسي؛ فأقبل كما هو حتى مر بماء لطيىء، فنزل بهم، ثم ارتحل منه، فإذا رجل يرمي الصيد، فنظر إليه قد رمى ظبياً حين أشرف له، فصرعه، فقال مسلم: يقتل عدونا إن شاء الله؛ ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دار المختار ابن أبي عبيد - وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب - وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعةٌ منهم قرأ عليهم كتاب حسين، فأخذوا يبكون. فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أ،فسهم، وما أغرك منهم، والله لأحدثنك عما أنا موطن نفسي عليه، والله لأجيبنكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله. فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي؛ فقال: رحمك الله! قد قضيت ما في نفسك، بواجز من قولك؛ ثم قال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه. ثم قال الحنفي مثل ذلك. فقال الحجاج بن علي: فقلت لمحمد بن بشر: فهل كان منك أنت قولٌ؟ فقال: إن كنت لأحب أن يعز الله أصحابي بالظفر، وما كنت لأحب أن أقتل، وكرهت أن أكذب. واختلفت الشيعة إليه حتى علم مكانه، فبلغ ذلك النعمان بن بشير. قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن أبي الوداك، قال: خرج إلينا النعمان بن بشير فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فاتقوا الله عباد الله ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما يهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال - وكان حليماً ناسكاً يحب العافية - قال: إني لم أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا أشاتمكم، ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر. أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل. قال: فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال: إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين؛ فقال: أن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله؛ ثم نزل. وخرج عبد الله بن مسلم، وكتب إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك بالكوفة حاجةٌ فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف؛ أو هو يتضعف. فكان أول من كتب إليه. ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه، ثم كتب إليه عمر بن سعد ابن أبي وقاص بمثل ذلك. قال هشام: قال عوانة: فلما اجتمعت الكتب عند يزيد ليس بين كتبهم إلا يومان، دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية فقال: ما رأيك؟ وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقولٌ سيء - وأقرأه كتبهم - فما ترى من أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد؛ فقال سرجون: أرأيت معاوية لو نشر لك، أكنت آخذاً برأيه؟ قال: نعم؛ فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال: هذا رأي معاوية، ومات وقد أمر بهذا الكتاب. فأخذ برأيه وضم المصرين إلى عبيد الله، وبعث إليه بعهده على الكوفة. ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي - وكان عنده - فبعثه إلى عبيد الله بعهده إلى البصرة، وكتب إليه معه: أما بعد، فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين؛ فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه؛ والسلام. فأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله بالبصرة، فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد. وقد كان حسين كتب إلى أهل البصرة كتاباً؛ قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب حسين مع مولىً لهم يقال له: سليمان، وكتب بنسخة إلى رءوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف؛ فكتب إلى مالك بن مسمع البكري، وإلى الأحنف بن قيس، وإلى المنذر بن الجارود، وإلى مسعود بن عمرو، وإلى قيس ابن الهيثم، وإلى عمرو بن عبيد الله بن معمر، فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها: أما بعد، فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله. فكل من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه، غير المنذر بن الجارود، فإنه خشي بزعمه أن يكون دسيساً من قبل عبيد الله، فجاءه بالرسول من العشية التي يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأه كتابه، فقدم الرسول فضرب عنقه. وصعد عبيد الله منبر البصرة فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أما بعد، فوالله ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان، وإني لنكلٌ لمن عاداني، وسمٌّ لمن حاربني، أنصف القارة من راماها. يا أهل البصرة، إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غادٍ إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق، أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطىء الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم. ثم خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد، وأقبل إلى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء، وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا حين قدم عبيد الله أنه الحسين، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا: مرحباً بك يابن رسول الله! قدمت خير مقدم، فرأى من تباشيرهم بالحسين رضي الله عنه ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، فأخذ حين أقبل على الظهر؛ وإنما معه بضعة عشر رجلاً، فلما دخل القصر وعلم الناس أنه عبيد الله بن زياد دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد، وغاظ عبيد لله ما سمع منهم، وقال: ألا أرى هؤلاء كما أرى. قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني المعلى بن كليب، عن أبي وداك، قال: لما نزل القصر نودي: الصلاة جامعة؛ قال: فاجتمع الناس، فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن أمير المؤمنين أصلحه الله ولاني مصركم وثغركم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امرؤٌ على نفسه. الصدق ينبىء عنك لا الوعيد؛ ثم نزل. فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، فقال: اكتبوا إلى الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لنا فبرىء، ومن لم يكتب لنا أحداً، فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغٍ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة، وحلال لنا ماله وسفك دمه، وايما عريفٍ وجد في عرافته من بيغة أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، وألقيت تلك العرافة من العطاء، وسير إلى موضع بعمان الزارة. وأما عيسى بن يزيد الكناني فإنه قال - فيما ذكر عمر بن شبة، عن هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عنه - قال: لما جاء كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد، انتخب من أهل البصرة خمسمائة، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل، وشريك بن الأعور - وكان شيعةً لعلي، فكان أول من سقط بالناس شريك، فيقال: إنه تساقط غمرةً ومعه ناس - ثم سقط عبد الله ابن الحارث وسقط معه ناس، ورجوا أن يلوي عليهم عبيد الله ويسبقه الحسين إلى الكوفة، فجعل لا يلتفت إلى من سقط، ويمضي حتى ورد القادسية، وسقط مهران مولاه، فقال: أيا مهران، على هذه الحال، إن أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف، قال: لا، والله ما أستطيع. فنزل عبيد الله فأخرج ثياباً مقطعة من مقطعات اليمن، ثم اعتجر بمعجرة يمانية، فركب بغلته، ثم انحدر راجلاً وحده، فجعل يمر بالمحارس فكلما نظروا إليه لم يشكوا أنه الحسين، فيقولون: مرحباً بك يابن رسول الله! وجعل لا يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم، وسمع بهم النعمان بن بشير فغلق عليه وعلى خاصته، وانتهى إليه عبيد الله وهو لا يشك أنه الحسين، ومعه الخلق يضجون، فكلمه النعمان، فقال: أنشدك الله إلا تنحيت عني! ما أنا بمسلم إليك أمانتي، وما لي في قتلك من أرب؛ فجعل لا يكلمه. ثم إنه دنا وتدلى الآخر بين شرفتين، فجعل يكلمه فقال: افتح لا فتحت، فقد طال ليلك، فسمعها إنسانٌ خلفه، فتكفى إلى القوم، فقال: أي قوم، ابن مرجانة، والذي لا إله غيره! فقالوا: ويحك! إنما هو الحسين، ففتح له النعمان، فدخل، وضربوا الباب في وجوه الناس، فانفضوا، وأصبح فجلس على المنبر فقال: أيها الناس، إني لأعلم أنه قد سار معي، وأظهر الطاعة لي من هو عدو للحسين حين ظن أن الحسين قد دخل البلد وغلب عليه، والله ما عرفت منكم أحداً؛ ثم نزل. وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة، وأنه بناحية الكوفة، فدعا مولىً لبني تميم فأعطاه مالاً، وقال: انتحل هذا الأمر، وأعنهم بالمال، واقصد لهانىء ومسلم وانزل عليه؛ فجاء هانئاً فأخبره أنه شيعة، وأن معه مالاً. وقدم شريك بن الأعور شاكياً، فقال لهانىء: مر مسلماً يكن عندي، فإن عبيد الله يعودني؛ وقال شريك لمسلم: أرأيتك إن أمكنتك من عبيد الله أضاربه أنت بالسيف؟ قال: نعم والله. وجاء عبيد الله شريكاً يعوده في منزل هانىء - وقد قال شريك لمسلم: إذا سمعتني أقول: اسقوني ماءً فاخرج عليه فاضربه - وجلس عبيد الله على فراش شريك، واقم على رأسه مهران، فقال: اسقوني ماء، فخرجت جاريةٌ بقدح، فرأت مسلماً، فزالت، فقال شريك: اسقوني ماءً؛ ثم قال الثالثة: ويلكم تحموني الماء! اسقونيه ولو كانت فيه نفسي؛ ففطن مهران فغمز عبيد الله، فوثب، فقال شريك: أيها الأمير، إني أريد أن أوصي إليك؛ قال: أعود إليك، فجعل مهران يطرد به؛ وقال: أراد والله قتلك؛ قال: وكيف مع إكرامي شريكاً وفي بيت هانىء ويد أبي عنده يد! فرجع فأرسل إلى أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث فقال: ائتياني بهانىء، فقالا له: إنه لا يأتي إلا بالأمان؛ قال: وما له وللأمان! وهل أحدث حدثاً! انطلقا فإن لم يأت إلا بأمان فآمناه، فأتياه فدعواه، فقال: إنه إن أخذني قتلني، فلم يزالا به حتى جاءا به وعبيد الله يخطب يوم الجمعة، فجلس في المسجد، وقد رجل هانىء غديرتيه، فلما صلى عبيد الله، قال: يا هانىء، فتبعه، ودخل فسلم، فقال عبيد الله: يا هانىء، أما تعلم أن أبي قدم هذا البلد فلم يترك أحداً من هذه الشيعة إلا قتله غير أبيك وغير حجر، وكان من حجر ما قد علمت، ثم لم يزل يحسن صحبتك، ثم كتب إلى أمير الكوفة: إن حاجتي قبلك هانىء؟ قال: نعم، قال: فكان جزائي أن خبأت في بيتك رجلاً يقتلني! قال: ما فعلت، فأخرج التميمي الذي كان عيناً عليهم، فلما رآه هانىء علم أن قد أخبره الخبر، فقال: أيها الأمير، قد كان الذي بلغك، ولن أضيع يدك عني، فأنت آمنٌ وأهلك، فسر حيث شئت. فكبا عبيد الله عندها، ومهران قائم على رأسه في يده معكزة، فقال: واذلاه! هذا العبد الحائك يؤمنك في سلطانك! فقال: خذه؛ فطرح المعكزة، وأخذ بضفيرتي هانىء، ثم أقنع بوجهه، ثم أخذ عبيد الله المعكزة فضرب بها وجه هانىء، وندر الزج، فارتز في الجدار، ثم ضرب وجهه حتى كسر أنفه وجبينه، وسمع الناس الهيعة، وبلغ الخبر مذحج، فأقبلوا، فأطافوا بالدار، وأمر عبيد الله بهانىء فألقي في بيت، وصيح المذحجيون، وأمر عبيد الله مهران أن يدخل عليه شريحاً، فخرج، فأدخله عليه، ودخلت الشرط معه، فقال: يا شريح، قد ترى ما يصنع بي! قال: أراك حياً؛ قال: وحيٌّ أنا مع ما ترى! أخبر قومي أنهم إن انصرفوا قتلني؛ فخرج إلى عبيد الله فقال: قد رأيته حياً، ورأيت أثراً سيئاً؛ قال: وتنكر أن يعاقب الوالي رعيته! اخرج إلى هؤلاء فأخبرهم، فخرج، وأمر عبيد الله الرجل فخرج معه، فقال لهم شريح: ما هذه الرعة السيئة! الرجل حيٌّ، وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فانصرفوا. وذكر هشام، عن أبي مخنف، عن المعلى بن كليب، عن أبي الوداك، قال: نزل شريك بن الأعور على هانىء بن عروة المرادي، وكان شريك شيعياً، وقد شهد صفين مع عمار. وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله ومقالته التي قالها، وما أخذ به العرفاء والناس، فخرج من دار المختار - وقد علم به - حتى انتهى إلى دار هانىء بن عروة المرادي، فدخل بابه، وأرسل إليه أن اخرج، فخرج إليها هانىء، فكره هانىء مكانه حين رآه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرني وتضيفني؛ فقال: رحمك الله! لقد كلفتني شططا، ولولا دخولك داري وثقتك لأحببت ولسألتك أن تخرج عني، غير أنه يأخذني من ذلك ذمامٌ، وليس مردود مثلي على مثلك عن جهل؛ ادخل. فآواه، وأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانىء بن عروة، ودعا ابن زياد مولىً له يقال له معقل، فقال له: خذ ثلاثة آلاف درهم، ثم اطلب مسلم ابن عقيل، واطلب لنا أصحابه، ثم أعطهم هذه الثلاثة آلاف؛ فقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوكم، وأعلمهم أنك منهم، فإنك لو قد أعطيتها إياهم اطمأنوا إليك، ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئاً من أخبارهم؛ ثم اغد عليهم ورح. ففعل ذلك، فجاء حتى أتى إلى مسلم بن عوسجة الأسدي من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي، وسمع الناس يقولون: إن هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته ثم قال: يا عبد الله، إني امرؤ من أهل الشأم، مولىً لذي الكلاع، أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت وحب من أحبهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجلٍ منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحداً يدلني عليه ولا يعرف مكانه، فإني لجالسٌ آنفاً في المسجد إذ سمعت نفراً من المسلمين يقولون: هذا رجلٌ له علم بأهل هذا البيت؛ وإني أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه، فقال: احمد الله على لقائك إياي، فقد سرني ذلك لتنال ما تحب، ولينصر الله بك أهل بيت نبيه، ولقد ساءني معرفتك إياي بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته. فأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن، فأعاه من ذلك ما رضي به، ثم قال له: اختلف إلي أياماً في منزلي، فأنا طالبٌ لك الإذن على صاحبك. فأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن. فمرض هانىء بن عروة، فجاء عبيد الله عائداً له، فقال له عمارة بن عبيد السلولي: إنما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية، فقد أمكنك الله منه فاقتله؛ قال هانىء: ما أحب أن يقتل في داري، فخرج فما مكث إلا جمعةً حتى مرض شريك بن الأعور - وكان كريماً على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء، وكان شديد التشيع - فأرسل إليه عبيد الله: إني رائحٌ إليك العشية؛ فقال لمسلم: إن هذا الفاجر عائدي العشية، فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله، ثم اقعد في القصر، ليس أحدٌ يحول بينك وبينه، فإن برئت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها. فلما كان من العشي أقبل عبيد الله لعيادة شريك، فقام مسلم بن عقيل ليدخل، وقال له شريك: لا يفوتنك إذا جلس؛ فقام هانىء بن عروة إليه فقال: إني لا أحب أن يقتل في داري - كأنه استقبح ذلك - فجاء عبيد الله ابن زياد فدخل فجلس، فسأل شريكاً عن وجعه، ما الذي تجد؟ ومتى اشتكيت؟ فلما طال سؤاله إياه، ورأى أن الآخر لا يخرج، خشي أن يفوته، فأخذ يقول: ما تنتظرون بسلمى أن تحيوها اسقنيها وإن كانت فيها نفسي، فقال ذلك مرتين أو ثلاثاً؛ فقال عبيد الله، ولا يفطن ما شأنه: أترونه يهجر؟ فقال له هانىء: نعم أصلحك الله! ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتى ساعته هذه. ثم إنه قام فانصرف، فخرج مسلم، فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: خصلتان: أما إحداهما فكراهة هانىء أن يقتل في داره، وأما الأخرى فحديثٌ حدثه الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن " ؛ فقال هانىء: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً، ولكن كرهت أن يقتل في داري. ولبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثاً ثم مات، فخرج ابن زياد فصلى عليه، وبلغ عبيد الله بعد ما قتل مسلماً وهانئاً أن ذلك الذي كنت سمعت من شريك في مرضه إنما كان يحرض مسلماً، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك؛ فقال عبيد الله: والله لا أصلي على جنازة رجل من أهل العراق أبداً، ووالله لولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكاً. ثم إن معقلاً مولى ابن زياد الذي دسه بالمال إلى ابن عقيل وأصحابه، اختلف إلى مسلم بن عوسجة أياماً ليدخله على ابن عقيل، فأقبل به حتى أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور، فأخبره خبره كله، فأخذ ابن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي، فقبض ماله الذي جاء به - وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضاً، يشتري لهم السلاح، وكان به بصيراً، وكان من فرسانالعرب ووجوه الشيعة - وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم، فهو أول داخل وآخر خارج، يسمع أخبارهم، ويعلم أسرارهم، ثم ينطلق بها حتى يقرها في أذن ابن زياد. قال: وكان هانىء يغدو ويروح إلى عبيد الله، فلما نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض، فجعل لا يخرج، فقال ابن زيد لجلسائه: ما لي لا أرى هانئاً! فقالوا: هو شاكٍ، فقال: لو علمت بمرضه لعدته! قال أبو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد، قال: دعا عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة. قال أبو مخنف: حدثني الحسن بن عقبة المرادي أنه بعث معهما عمرو بن الحجاج الزبيدي. قال أبو مخنف: وحدثني نمير بن وعلة، عن أبي الوداك، قال: كانت روعة أخت عمرو بن الحجاج تحت هانىء بن عروة، وهي أم يحيى بن هانىء. فقال لهم: ما يمنع هانىء بن عروة من إتياننا؟ قالوا: ما ندري أصلحك الله! وإنه ليشتكي؛ قال: قد بلغني أنه قد برأ، وهو يجلس على باب داره، فالقوه، فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. فأتوه حتى وقفوا عليه عشيةً وهو جالسٌ على بابه، فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير؛ فإنه قد ذكرك، وقد قال: لو أعلم أنه شاكٍ لعدته؟ فقال لهم: الشكوى تمنعني، فقالوا له: يبلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك، وقد استبطأك، والإبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا! فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلة فركبها حتى إذا دنا من القصر؛ كأن نفسه أحست ببعض الذي كان، فقال لحسان ابن أسماء بن خارجة: يابن أخي، إني والله لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ قال: أي عم، والله ما أتخوف عليك شيئاً، ولم تجعل على نفسك سبيلاً وأنت بريءٌ؟ وزعموا أن أسماء لم يعلم في أي شيء بعث إليه عبيد الله؛ فأما محمد فقد علم به؛ فدخل القوم على ابن زياد، ودخل معهم، فلما طلع قال عبيد الله: أتتك بحائنٍ رجلاه! وقد عرس عبيد الله إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عقبة؛ فلما دنا من ابن زايد وعنده شريح القاضي التفت نحوه، فقال: أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد وقد كان له أول ما قدم مكرماً ملطفاً، فقال له هانىء: وما ذاك أيها الأمير؟ قال: إيه يا هانىء بن عروة! ما هذه الأمور التي تربص في دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين! جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي لك! قال: ما فعلت، وما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت؛ قال: ما فعلت؛ قال: بلى، فلما كثر ذلك بينهما، وأبى هانىءٌ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد معقلاً ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم، وعلم هانىءٌ عند ذلك أنه كان عيناً عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم، فسقط في خلده ساعةً. ثم إن نفسه راجعته، فقال له: اسمع مني، وصدق مقالتي، فوالله لا أكذبك، والله الذي لا إله غيره ما دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشيء من أمره، حتى رأيته جالساً على بابي، فسألني النزول علي، فاستحييت من رده، ودخلني من ذلك ذمام، فأدخلته داري وضفته وآويته، وقد كان من أمره الذي بلغك، فإن شئت أعطيت الآن موثقاً مغلظاً وما تطمئن إليه ألا أبغيك سوءاً، وإن شئت أعطيتك رهينةً تكون في يدك حتى آتيك، وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره؛ فقال: لا والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به؛ فقال: لا، والله لا أجيئك أبداً، أنا أجيئك بضيفي تقتله! قال: والله لتأتيني به، قال: والله لا آتيك به. فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي - وليس بالكوفة شأمي ولا بصري غيره - فقال: أصلح الله الأمير! خلني وإياه حتى أكلمه، لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلماً، فقال لهانىء: قم إلي ها هنا حتى أكلمك؛ فقام فخلا به ناحيةً من ابن زياد، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما؛ إذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان، وإذا خفضا خفي عليه ما يقولان؛ فقال له مسلم: يا هانىء، إني أنشدك الله أن تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك! فوالله إني لأنفس بك عن القتل، وهو يرى أن عشيرته ستحرك في شأنه أن هذا الرجل ابن عم القوم، وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليه فإنه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، قال: بلى، والله إن علي في ذلك للخزي والعار، أنا أدفع جاري وضيفي وأنا حيٌّ صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان! والله لو لم أكن إلا واحداً ليس لي ناصرٌ لم أدفعه حتى أموت دونه. فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفعه إليه أبداً؛ فسمع ابن زياد ذلك، فقال: أدنوه مني، فأدنوه منه، فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك؛ قال: إذاً تكثر البارقة حول دارك، فقال: والهفا عليك! أبالبارقة تخوفني! وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه؛ فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدني، فاستعرض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب أنفه وجبيه وخده حتى كسر أنفه، وسيل الدماء على ثيابه، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانىء بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الرجال، وجابذه الرجل ومنع، فقال عبيد الله: أحروري سائر اليوم! أحللت بنفسك، قد حل لنا قتلك، خذوه فألقوه في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، واجعلوا عليه حرساً، ففعل ذلك به، فقام إليه أسماء ابن خارجة فقال: أرسل غدر سائر اليوم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه، وسيلت دمه على لحيته، وزعمت أنك تقتله! فقال له عبيد الله: وإنك لهاهنا! فأمر به فلهز وتعتع به، ثم ترك فحبس. وأما محمد بن الأشعث فقال: قد رضينا بما رأى الأمير؛ لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدب. وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئاً قد قتل، فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمعٌ عظيم، ثم نادى: أنا عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها، لم تخلع طاعةً، ولم تفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل، فأعظموا ذلك؛ فقيل لعبيد الله: هذه مذحج بالباب، فقال لشريح القاضي: ادخل على صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل، وأنك قد رأيته، فدخل إليه شريح فنظر إليه. فقال أبو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن شريح، قال: سمعته يحدث إسماعيل بن طلحة، قال: دخلت على هانىء، فلما رآني قال: يالله يا للمسلمين! أهلكت عشيرتي؟ فأين أهل الدين! وأين أهل المصر! تفاقدوا! يخلوني، وعدوهم وابن عدوهم! والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الرجة على باب القصر، وخرجت واتبعني، فقال: يا شريح، إني لأظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني؛ قال: فخرجت إليهم ومعي حميد بن بكير الأحمري - أرسله معي ابن زياد، وكان من شرطه ممن يقوم على رأسه - وايم الله لولا مكانه معي لكنت أبلغت أصحابه ما أمرني به؛ فلما خرجت إليهم قلت:إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه، فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم، وأن أعلمكم أنه حي، وأن الذي بلغكم من قتله كان باطلاً. فقال عمرو وأصحابه: فأما إذ لم يقتل فالحمد لله؛ ثم انصرفوا. قال أبو مخنف: حدثني الحجاج بن علي، عن محمد بن بشر الهمداني، قال: لما ضرب عبيد الله هانئاً وحبسه خشي أن يثب الناس به، فخرج فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تختلفوا ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر. قال: ثم ذهب لينزل، فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدون ويقولون: قد جاء ابن عقيل! قد جاء ابن عقيل! فدخل عبيد الله القصر مسرعاً، وأغلق أبوابه. قال أبو مخنف: حدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن خازم، قال: أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر إلى ما صار أمر هانىء؛ قال: فلما ضرب وحبس ركبت فرسي وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوةٌ لمراد مجتمعات ينادين: يا عثرتاه! يا ثكلاه! فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر، فأمرني أن أنادي في أصحابه وقد ملأ منهم الدور حوله، وقد بايعه ثمانية عشر ألفاً، وفي الدور أربعة آلاف رجل، فقال لي: ناد: يا منصور أمت؛ فناديت: يا منصور أمت؛ وتنادي أهل الكوفة فاجتمعوا إليه، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزير الكندي على ربع كندة وربيعة، وقال: سر أمامي في الخيل، ثم عقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وقال: انزل في الرجال فأنت عليهم؛ وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة، ثم أقبل نحو القصر، فلما بلغ ابن زياد إقباله تحرز في القصر، وغلق الأبواب. قال أبو مخنف: وحدثني يونس بن أبي إسحاق، عن عباس الجدلي قال: خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف، فما بلغنا القصر إلا ونحن ثلثمائة. قال: وأقبل مسلم يسير في الناس من مراد حتى أحاط بالقصر، ثم إن الناس تداعوا إلينا واجتمعوا، فوالله ما لبثنا إلا قليلاً حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق، وما زالوا يثوبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله ذرعه، وكان كبر أمره أن يتمسك بباب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلاً من الشرط وعشرون رجلاً من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من بالبصر مع ابن زياد يشرفون عليهم، فينظرون إليهم فيتقون أن يرموهم بالحجارة، وأن يشتموهم وهم لا يفترون عن عبيد الله وعلى أبيه. ودعا عبيد الله كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثي فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيسير بالكوفة، ويخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، وقالمثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي وشبث بن ربيع التميمي وحجار بن أبجر العجلي وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم لقلة عدد من معه من الناس، وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل. قال أبو مخنف: فحدثني أبو جناب الكلبي أن كثيراً ألفى رجلاً من كلب يقال له عبد الأعلى بن يزيد، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل في بني فتيان، فأخذه حتى أدخله على ابن زياد، فأخبره خبره، فقال لابن زياد: إنما أردتك؛ قال: وكنت وعدتني ذلك من نفسك؛ فأمر به فحبس، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة، وجاءه عماره بن صلخب الأزدي وهو يريد ابن عقيل، عليه سلاحه، فأخذه فبعث به إلى ابن زياد فحبسه، فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث من المسجد عبد الرحمن ابن شريح الشبامي، فلما رأى محمد بن الأشعث كثرة من أتاه، أخذ يتنحى ويتأخر، وأرسل القعقاع بن شور الذهلي إلى محمد بن الأشعث: قد جلت على ابن عقيل من العرار، فتأخر عن موقفه، فأقبل حتى دخل على ابن زياد من قبل دار الروميين، فلما اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب ومحمد والقعقاع فيمن أطاعهم من قومهم، قال له كثير - وكانوا مناصحين لابن زياد: أصلح الله الأمير! معك في القصر ناسٌ كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد الله، وعقد لشبث بن ربعي لواءً، فأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوبون حتى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم إليه، ثم قال: أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، وأعلموهم فصول الجنود من الشأم إليهم. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن خازم الكثيري من الأزد، من بني كثير، قال: أشرف علينا الأشراف، فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهداً: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشأم على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقي، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها؛ وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا؛ فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون، وأخذوا ينصرفون. قال أبو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد؛ أن المرأة كانت تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف؛ الناس يكفونك؛ ويجيء الرجل إلى ابنه أو أخيه فيقول: غداً يأتيك أهل الشأم، فما تصنع بالحرب والشر! انصرف. فيذهب به؛ فما زالوا يتفرقون ويتصدعون حتى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفساً في المسجد، حتى صليت المغرب، فما صلى مع ابن عقيل إلا ثلاثون نفساً. فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجهاً نحو أبواب كندة، وبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسانٌ، والتفت فإذا هو لا يحس أحداً يدله على الطريق، ولا يدله على منزل ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوٌّ، فمضى على وجهه يتلدد ف أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب! حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمشى حتى انتهى إلى باب امرأة يقال لها طوعة - أم ولد كانت للأشعث بن قيس، فأعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً، وكان بلالٌ قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره - فسلم عليها ابن عقيل، فردت عليه، فقال لها: يا أمة الله، اسقيني ماءً، فدخلت فسقته، فجلس وأدخلت الإناء، ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب! قال: بلى، قالت: فاذهب إلى أهلك؛ فسكت؛ ثم عادت فقالت مثل ذلك، فسكت؛ ثم قالت له: في الله، سبحان الله يا عبد الله! فمر إلى أهلك عافاك الله؛ فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي، ولا أحله لك؛ فقام فقال: يا أمة الله، ما لي في هذا المصر منزلٌ ولا عشيرة؛ فهل لك إلى أجر ومعروف، ولعلي مكافئك به بعد اليوم! فقالت: يا عبد الله، وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني؛ قالت: أنت مسلم! قال: نعم. قالت: ادخل، فأدخلته بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه، فقال: والله إنه ليريبني كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه! إن لك لشأناً، قالت: يا بني، اله عن هذا؛ قال لها: والله لتخبرني: قالت: أقبل على شأنك ولا تسألني عن شيء، فألح عليها، فقالت: يا بني، لا تحدثن أحداً من الناس بما أبخرك به؛ وأخذت عليه الأيمان، فحلف لها، فأخبرته، فاضطجع وسكت - وزعموا أنه قد كان شريداً من الناس. وقال بعضهم: كان يشرب مع أصحاب له - ولما طال على ابن زياد. وأخذ لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتاً كما كان يسمعه قبل ذلك قال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحداً! فأشرفوا فلم يروا أحداً؛ قال: فانظروا لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم؛ ففرعوا بحابح المسجد، وجعلوا يخفضون شعل النار في أيديهم، ثم ينظرون: هل في الظلال أحدٌ؟ وكانت أحياناً تضيء لهم، وأحياناً لا تضيء لهم كما يريدون، فدلوا القناديل وأنصاف الطنان تشد بالحبال، ثم تجعل فيها النيران، ثم تدلى، حتى تنتهي إلى الأرض، ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبرن فلما لم يروا شيئاً أعلموا ابن زياد، ففتح باب السدة التي في المسجد. ثم خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه معه، فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة، وأمر عمرو بن نافع فنادى: ألا برئت الذمة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد؛ فلم يكن له إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس؛ ثم أمر مناديه فأقام الصلاة، فقال الحصين بن تميم: إن شئت صليت بالناس، أو يصلي بهم غيرك، ودخلت أنت فصليت في القصر، فإني لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك! فقال: مر حرسي فليقوموا ورائي كما كانوا يقفون، ودر فيهم فإني لست بداخل إذاً. فصلى بالناس، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن ابن عقيل السفيه الجاهل، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره، ومن جاء به فله ديته. اتقوا الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً. يا حصين ابن تميم، ثكلتك أمك إن صاح باب سكةٍ من سكك الكوفة، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به؛ وقد سلطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدةً على أفواه السكك، وأصبح غداً واستبر الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل - وكان الحصين على شرطه، وهو من بني تميم - ثم نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حريث رايةً وأمره على الناس، فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحباً بمن لا يشتغش ولا يتهم! ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابن عقيل، فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه؛ قال: فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد، فساره، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا، فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة.أصبح جلس مجلسه وأذن للناس فدخلوا عليه، وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحباً بمن لا يشتغش ولا يتهم! ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابن عقيل، فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث فأخبره بمكان ابن عقيل عند أمه؛ قال: فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد، فساره، فقال له ابن زياد: ما قال لك؟ قال: أخبرني أن ابن عقيل في دار من دورنا، فنخس بالقضيب في جنبه ثم قال: قم فأتني به الساعة. قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفي، أن ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث إلى عمرو بن حريث وهو في المسجد خليفته على الناس؛ أن ابعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلاً كلهم من قيس - وإنا كره أن يبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل - فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في ستين أو سبعين من قيس، حتى أتوا الدار التي فيها ابن عقيل، فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنه قد أتي، فخرج إليهم بسيفه، واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه، فشد عليهم كذلك، فاختلف هو وبكير بن حمران الأحمري ضربتين، فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا، وأشرع السيف في السفلى، ونصلت لها ثنيتاه، فضربه مسلم ضربةً في رأسه منكرة، وثنى بأخرى على حبل العاتق كادت تطلع على جوفه. فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت، فأخذوا يرمونه بالحجارة، ويلهبون النار في أطنان القصب، ثم يقلبونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتاً بسيفه في السكة فقاتلهم، فأقبل عليه محمد بن الأشعث فقال: يا فتى، لك الأمان، لا تقتل نفسك؛ فأقبل يقاتلهم، وهو يقول: أقسمت لا اقتل إلا حرا ... وإن رأيت الموت شيئاً نكرا كل امرىءٍ يوماً ملاقٍ شرا ... ويخلط البارد سخناً مرا رد شعاع الشمس فاستقرا ... أخاف أن أكذب أو أغرا فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تخدع ولا تغر، إن القوم بنو عمك، وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وقد أثخن بالحجارة، وعجز عن القتال وانبهر، فأسند ظهره إلى جنب تلك الدار؛ فدنا محمد ابن الأشعث فقال: لك الأمان، فقال: آمنٌ أنا؟ قال: نعم؛ وقال القوم: أنت آمنٌ؛ غير عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمي فإنه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وتنحى. وقال ابن عقيل: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم. وأتي ببغلة فحمل عليها، واجتمعوا حوله، وانتزعوا سيفه من عنقه، فكأنه عند ذلك آيسٌ من نفسه، فدمعت عيناه، ثم قال: هذا أول الغدر؛ قال محمد ابن الأشعث: أرجو ألا يكون عليك بأس؛ قال: ما هو إلا الرجاء؛ أين أمانكم! إنا لله وإنا إليه راجعون! وبكى؛ فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس: إن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك، قال: إني والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفاً، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حسين! ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله، إني أراك والله ستعجز عن أماني، فهل عندك خير! تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلغ حسيناً، فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلاً، أو هو خرج غداً هو وأهل بيته، وإن ما ترى من جزعي لذلك، فيقول: إن ابن عقيل بعثني إليك، وهو في أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشي حتى تقتل، وهو يقول: ارجع بأهل بيتك، ولا يغرك أهل الكوفة فإنه أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؛ إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لمكذب رأي؛ فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك. قال أبو مخنف: فحدثني جعفر بن حذيفة الطائي - وقد عرف سعيد ابن شيبان الحديث - قال: دعا محمد بن الأشعث إياس بن العثل الطائي من بني مالك ابن عمرو بن ثمامة، وكان شاعراً، وكان لمحمد زواراً، فقال له: الق حسيناً فأبلغه هذا الكتاب، وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل، وقال له: هذا زادك وجهازك، ومتعة لعيالك؛ فقال: من أين لي براحلة، فإن راحلتي قد أنضيتها؟ قال: هذه راحلة فاركبها برحلها. ثم خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال، فأخبره الخبر، وبلغه الرسالة، فقال له حسين: كل ما حم نازل، وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا. وقد كان مسلم بن عقيل حيث تحول إلى دار هانىء بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفاً، قدم كتاباً إلى حسين مع عابس بن أبي شبيب الشاكري: أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإن الناس كلهم معك، ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوىً؛ والسلام. وأقبل محمد بن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر، فاستأذن فأذن له، فأخبر عبيد الله خبر ابن عقيل وضرب بكير إياه، فقال: بعداً له! فأخبره محمد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إياه، فقال عبيد الله: ما أنت والأمان! كأنا أرسلناك تؤمنه! إنما أرسلناك لتأتينا به؛ فسكت. وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وهو عطشان، وعلى باب القصر ناسٌ جلوس ينتظرون الإذن، منهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو، وكثير بن شهاب. قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعد أن مسلم بن عقيل حين انتهى إلى باب القصر فإذا قلة باردة موضوعة على الباب، فقال ابن عقيل: اسقوني من هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها! لا والله لاتذوق منها قطرةً أبداً حتى تذوق الحميم في نار جهنم! قال له ابن عقيل: ويحك! من أنت؟ قال: أنا ابن من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته وخالفت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي؛ فقال ابن عقيل: لأمك الثكل! ما أجفاك، وما أفظك؛ وأقسى قلبك وأغلظك! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني؛ ثم جلس متسانداً إلى حائط. قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن سعد أن عمرو بن حريت بعث غلاماً يدعى سليمان، فجاءه بماء في قلة فسقاه. قال أبو مخنف: وحدثني سعيد بن مدرك بن عمارة، أن عمارة بن عقبة بعث غلاماً له يدعى قيساً، فجاءه بقلة عليها منديل ومعه قدح فصب فيه ماءً، ثم سقاه، فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دماً، فلما ملأ القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه، فقال: الحمد لله! لو كان لي من الرزق المقسوم شربته. وأدخل مسلمٌ على ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير! فقال له: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه! وإن كان لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عليه؛ فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن؛ قال: كذلك؟ قال: نعم؛ قال: فدعني أوص إلى بعض قومي، فنظر إلى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد، فقال: يا عمر، إن بيني وبينك قرابةً، ولي إليك حاجة، وقد يجب لي عليك نجح حاجتي، وهو سر، فأبى أن يمكنه من ذكرها، فقال له عبيد الله: لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك، فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد، فقال له: إن علي بالكوفة ديناً استدنته منذ قدمت الكوفة، سبعمائة درهم، فاقضها عني، وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، وابعث إلى حسين من يرده، فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلاً؛ فقال عمر لابن زياد: أتدري ما قال لي؟ إنه ذكر كذا وكذا؛ قال له ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن، أما مالك فهو لك، ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت؛ وأما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، وأما جثته فإنا لن نشفعك فيه، إنه ليس بأهل منا لذلك، قد جاهدنا وخالفنا، وجهد على هلاكنا. وزعموا أنه قال: أما جثته فإنا لا نبالي إذ قتلناه ما صنع بها. ثم إن ابن زياد قال: إيه يابن عقيل! أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة، لتشتتهم، وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم على بعض! قال: كلا، لست أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيها أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب، قال: وما أنت وذاك يا فاسق! أو لم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر! قال: أنا أشرب الخمر! والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأني لست كما ذكرت. وإن أحق بشرب الخمر مني وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغاً، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها، ويقتل النفس بغير النفس، ويسفك الدم الحرام، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً. فقال له ابن زياد: يا فاسق، إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه، ولم يرك أهله؛ قال: فمن أهله يابن زياد؟ قال: أمير المؤمنين يزيد فقال: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم؛ قال: كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئاً! قال: والله ما هو بالظن، ولكنه اليقين؛ قال: قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحدٌ في الإسلام! قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السيرة، ولؤم الغلبة، ولا أحد من الناس أحق بها منك. وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسيناً وعلياً وعقيلاً، وأخد مسلم لا يكلمه. وزعم أهل العلم أن عبيد الله أمر له بماء فسقي بخزفةٍ، ثم قال له: إنه لم يمنعنا أن نسقيك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها، ثم نقتلك، ولذلك سقيناك في هذا، ثم قال: اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه، ثم أتبعوا جسده رأسه، فقال: يابن الأشعث، أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت؛ قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك، ثم قال: يابن زياد، أما والله لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتني؛ ثم قال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه؟ فدعي، فقال: اصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ورسله وهو يقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا. وأشرف به على موضع الجزارين اليوم، فضربت عنقه، وأتبع جسده رأسه. قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة قال: نزل الأحمري بكير بن حمران الذي قتل مسلماً، فقال له ابن زياد: قتلته؟ قال: نعم، قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال: كان يكبر ويسبح ويستغفر، فلما أدنيته لأقتله قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا؛ فقلت له: ادن مني، الحمد لله الذي أقادني منك، فضربته ضربة لم تغن شيئاً؛ فقال أما ترى في خدش تخدشنيه وفاءً من دمك أيها العبد! فقال ابن زياد: أوفخراً عند الموت! قال: ثم ضربته الثانية فقتلته. قال: وقام محمد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلمه في هانىء بن عروة، وقال: إنك قد عرفت منزلة هانىء بن عروة في المصر، وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك، فأنشدك الله لما وهبته لي، فإني أكره عداوة قومه، هم أعز أهل المصر، وعدد أهل اليمن! قال: فوعده أن يفعل، فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان، بدا له فيه، وأبى أن يفي له بما قال. قال: فأمر بهانىء بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه، قال: فأخرج بهانىء حتى أنتهي إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف، فجعل يقول: وامذحجاه! ولا مذحج لي اليوم! وامذحجاه؛ وأين مني مذحج! فلما رأى أن أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف، ثم قال: أما من عصاً أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به رجلٌ عن نفسه! قال: ووثبوا إليه فشدوه وثاقاً، ثم قيل له: امدد عنقك، فقال: ما أنا بها مجدٍ سخي، وما أنا بمعينكم على نفسي. قال: فضربه مولىً لعبيد الله بن زياد - تركي يقال له رشيد - بالسيف، فلم يصنع سيفه شيئاً، فقال هانىء: إلى الله المعاد! اللهم إلى رحمتك ورضوانك! ثم ضربه أخرى فقتله. قال: فبصر به عدب الرحمن بن الحصين المرادي بخازر، وهو مع عبيد الله بن زياد؛ فقال الناس: هذا قاتل هانىء بن عروة؛ فقال ابن الحصين: قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله. ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة دعا بعبد الأعلى الكلبي الذي كان أخذه كثير بن شهاب في بني فتيان، فأتى به، فقال له: أخبرني بأمرك؛ فقال: أصلحك الله! خرجت لأنظر ما يصنع الناس، فأخذني كثير بن شهاب؛ فقال له: فعليك وعليك، من الأيمان المغلظة، إن كان أخرجك إلا ما زعمت! فأبى أن يحلف، فقال عبيد الله: انطلقوا بهذا إلى جبانة السبيع فاضربوا عنقه بها؛ قال: فانطلق به فضربت عنقه؛ قال: وأخرج عمارة بن صلخب الأزدي - وكان ممن يريد أن يأتي مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره - فأتى به أيضاً عبيد الله فقال له: ممن أنت؟ قال: من الأزد. قال: انطلقوا به إلى قومه، فضربت عنقه فيهم، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي في قتلة مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة المرادي - ويقال: قاله الفرزدق: إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانىء في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل أصابهما أمر الأمير فأصبحا ... أحاديث من يسري بكل سبيل ترى جسداً قد غير الموت لونه ... ونضح دمٍ قد سال كل مسيل فتىً هو أحيا من فتاةٍ حيية ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمناً ... وقد طلبته مذحجٌ بذحول! تطيف حواليه مرادٌ وكلهم ... على رقبة من سائل ومسول فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغايا أرضيت بقليل قال أبو مخنف: عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، قال: ثم إن عبيد الله بن زياد لما قتل مسلماً وهانئاً بعث برءوسهما مع هانىء بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب إلى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانىء، فكتب إليه كتاباً أطال فيه - وكان أول من أطال في الكتب - فلما نظر فيه عبيد الله بن زياد كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتب: أما بعد، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوه. أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانىء بن عروة المرادي، وأني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى استخرجتهما، وأمكن الله منهما، فقدمتهما فضربت أعناقهما، وقد بعثت إليك برءوسهما مع هانىء بن أبي حية الهمداني والزبير بن الأروح التميمي - وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة - فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب من أمر، فإن عندهما علماً وصدقاً، وفهماً وورعاً؛ والسلام. فكتب إليه يزيد: أما بعد، فإنك لم تعد أن كنت كما أحب، عملت عمل الحازم، وصلت صولة الشجاع الرابط الجاش، فقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك، ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك فسألتهما، وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت؛ فاستوص بهما خيراً، وإنه قد بلغني أن الحسين بن عليٍّ قد توجه نحو العراق؛ فضع المناظر والمسالح، واحترس على الظن، وخذ على التهمة، غير ألا تقتل من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من الخبر؛ والسلام عليك ورحمة الله. قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عون بن أبي جحيفة، قال: كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذي الحجة سنة ستين - ويقال يوم الأربعاء لسبع مضين سنة ستين من يوم عرفة بعد مخرج الحسين من مكة مقبلاً إلى الكوفة بيوم - قال: وكان مخرج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة شعبان وشهر رمضان وشوالاً وذا القعدة، ثم خرج منها لثمانٍ مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية في اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل. وذكر هارون بن مسلم، عن علي بن صالح، عن عيسى بن يزيد، أن المختار بن أبي عبيد وعبد الله بن الحارث بن نوفل كانا خرجا مع مسلم، خرج المختار براية خضراء، وخرج عبد الله براية حمراء، وعليه ثياب حمر، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث، وقال: إنما خرجت لأمنع عمراً، وإن ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعي قاتلوا مسلماً وأصحابه عشية سار مسلم إلى قصر ابن زياد قتالاً شديداً، وأن شبثاً جعل يقول: انتظروا بهم الليل ليتفرقوا؛ فقال له القعقاع: إنك قد سددت على الناس وجه مصيرهم، فافرج لهم ينسربوا؛ وإن عبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث، وجعل فيهما جعلاً، فأتى بهما فحبسا. ذكر مسير الحسين إلى الكوفة وفي هذه السنة كان خروج الحسين رضي الله عنه من مكة متوجهاً إلى الكوفة. ذكر الخبر عن مسيره إليهاوما كان من أمره في مسيره ذلك قال هشام عن أبي مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال: لما قدمت كتب أهل العراق إلى الحسين وتهيأ للمسير إلى العراق، أتيته فدخلت عليه وهو بمكة، فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني أتيتك يابن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة، فإن كنت ترى أنك تستنصحني وإلا كففت عما أريد أن أقول؛ فقال: قل، فوالله ما أظنك بسيىء الرأي، ولاهوٍ للقبيح من الأمر والفعل؛ قال: قلت له: إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفقٌ عليك من مسيرك؛ إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيدٌ لهذا الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه؛ فقال الحسين: جزاك الله خيراً يابن عم؛ فقد والله علمت أنك مشيت بنصح، وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مشيرٍ، وأنصح ناصح. قال: فانصرفت من عنده فدخلت على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام، فسألني: هل لقيت حسيناً. فقلت له: نعم؛ قال: فما قال لك، وما قلت له؟ قال: فقلت له: قلت كذا وكذا، وقال كذا وكذا؛ فقال: نصحته ورب المروة الشهباء، أما ورب البنية إن الرأي لما رأيته، قبله أو تركه، ثم قال: رب مستنصحٍ يغش ويردى ... وظنينٍ بالغيب يلفى نصيحا قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان، أن حسيناً لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال: يابن عم، إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ قال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى؛ فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني رحمك الله! أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر غليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك، ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك؛ فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون. قال: فخرج ابن عباس من عنده، وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعةً، ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم! خبرني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها، وأستخير الله؛ فقال له ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها؛ قال: ثم إنه خشي أن يتهمه فقال: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خولف عليك إن شاء الله؛ ثم قام فخرج من عنده، فقال الحسين: ها إن هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوه بي، فود أني خرجت منها لتخلو له. قال: فلما كان من العشي أو من الغد، أتى الحسين عبد الله بن العباس فقال: يابن عم إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال؛ إن أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز؛ فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم، ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً، وهي أرضٌ عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل، وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية؛ فقال له الحسين: يابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصحٌ مشفق، ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير؛ فقال له ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه والحجاز والخروج منها، وهو اليوم لا ينظر إليه أحدٌ معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك. قال: ثم خرج ابن عباس من عنده، فمر بعبد الله بن الزبير، فقال: قرت عينك يابن الزبير! ثم قال: يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري هذا حسين يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز. قال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبي حية، عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروية، فإذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، قالا: فتقربنا منهما، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر، فآزرناك وساعدناك، ونصحنا لك وبايعناك؛ فقال له الحسين: إن أبي حدثني أن بها كبشاً يستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش؛ فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى؛ فقال: وما أريد هذا أيضاً؛ قالا: ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منىً عند الظهر؛ قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقص من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة، وتوجهنا نحو الناس إلى منىً. قال أبو مخنف: عن أبي سعيد عقيصي، عن بعض أصحابه، قال: سمعت الحسين بن علي وهو بمكة وهو واقف مع عبد الله بن الزبير، فقال له ابن الزبير إلي يابن فاطمة، فأصغى إليه، فساره، قال: ثم التفت إلينا الحسين فقال: أتدرون ما يقول ابن الزبير؟ فقلنا: لا ندري، جعلنا الله فداك! فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس؛ ثم قال الحسين: والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إلي من أن أقتل داخلاً منها بشبر، وايم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم، ووالله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت. قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف؛ أين تذهب! فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان، فاضربوا بالسياط. ثم إن الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعاً قوياً، ومضى الحسين رضي الله عنه على وجهه، فنادوه: يا حسين، ألا تتقي الله! تخرج من الجماعة، وتفرق بين هذه الأمة! فتأول حسينٌ قول الله عز وجل: " لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريءٌ مما تعملون " . قال: ثم إن الحسين أقبل حتى مر بالتنعيم، فلقي بها عيراً قد أقبل بها من اليمن، بعث بها بحير بن ريسان الحميري إلى يزيد بن معاوية، - وكان عامله على اليمن - وعلى العير الورس والحلل ينطلق بها إلى يزيد فأخذها الحسين، فانطلق بها؛ ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم، من أحب أن يمضي معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض؛ قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفي حقه، ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه. قال أبو مخنف؛ عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله ابن سليم والمذري قالا: اقبلنا حتى انتهينا إلى الصفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسيناً فقال له: أعطاط الله سؤلك وأملك فيما تحب، فقال له الحسين: بين لنا نبأ الناس خلفك، فقال له الفرزدق: من الخبير سألت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء؛ فقال له الحسين: صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته؛ ثم حرك الحسين راحلته فقال: السلام عليك؛ ثم افترقا. قال هشام، عن عوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه، قال: حججت بأمي، فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين بن علي خارجاً من مكة معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي، فأتيته فقلت: بأبي وأمي يابن رسول الله! ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأخذت؛ قال: ثم سألني: ممن أنت؟ فقلت له: امرؤٌ من العراق؛ قال: فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك، واكتفى بها مني، فقال: أخبرني عن الناس خلفك؟ قال: فقلت له: القلوب معك، والسيوف مع بني أمية، والقضاء بيد الله؛ قال: فقال لي: صدقت؛ قال: فسألته عن أشياء، فأخبرني بها من نذور ومناسك؛ قال: وإذا هو ثقيل اللسان من برسام أصابه بالعراق؛ قال: ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم، وهيئته حسنة، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني، فأخبرته بلقاء الحسين بن علي، فقال لي: ويلك! فهلا اتبعته، فوالله ليملكن، ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه، قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقالته، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم، فصدني ذلك عن اللحاق بهم، فقدمت على أهلي بعسفان، قال: فوالله إني لعندهم إذ أقبلت عيرٌ قد امتارت من الكوفة، فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا أسمعتهم الصوت وعجلت عن إتيانهم صرخت بهم: ألا ما فعل الحسين ابن علي؟ قال: فردوا علي: ألا قد قتل؛ قال: فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: وكان أهل ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر، وينتظرونه في كل يوم وليلة. قال: وكان عبد الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النحلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الأمر؛ قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوهط؟ قال: فقال لي: لعنة الله على فلان - يعني معاوية - وعليك؛ قال: فقلت: لا، بل عليك لعنة الله؛ قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحدٌ فألقى منهم شراً؛ قال: فخرجت وهو لا يعرفني - والوهط حائطٌ لعبد الله بن عمرو بالطائف؛ قال: وكان معاوية قد ساوم به عبد الله بن عمرو، وأعطاه به مالاً كثيراً، فأبى أن يبيعه بشيء - قال: وأقبل الحسين مغذاً لا يلوي على شيء حتى نزل ذات عرق. قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب قال: لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن علي مع ابنيه: عون ومحمد: أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإني مشفقٌ عليك من الوجه الذي توجه له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض، فإنك علم المهتدين؛ ورجاء المؤمنين؛ فلا تعجل بالسير فإني في أثر الكتاب؛ والسلام. قال: وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلمه. وقال: اكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنيه فيه البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع؛ فقال عمرو ابن سعيد: اكتب ما شئت وأتني به حتى أختمه، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثم أتى به عمرو بن سعيد فقال له: اختمه، وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد، فإنه أحرى أن تطمئن نفسه إليه، ويعلم أنه الجد منك، ففعل؛ وكان عمرو بن سعيد عامل يزيد بن معاوية على مكة؛ قال: فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب، فقالا: اقرأناه الكتاب، وجهدنا ه، وكان مما اعتذر به إلينا أن قال: إني رأيت رؤيا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له، علي كان أو لي؛ فقالا له: فما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت أحداً بها، وما أنا محدث بها حتى ألقى ربي. قال: وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك؛ بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه هلاك، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إلي معهما، فإن لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار لك، الله علي بذلك شهيدٌ وكفيلٌ، ومراعٍ ووكيلٌ؛ والسلام عليك. قال: وكتب إليه الحسين: أما بعد؛ فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين؛ وقد دعوت إلى الأمان والبر والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافةً في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبري، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة؛ والسلام. رجع الحديث إلى حديث عمار الدهني عن أبي جعفر. فحدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا أحمد بن جناب المصيصي قال: حدثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسري قال: حدثنا عمار الدهني قال: قلت لأبي جعفر: حدثني عن مقتل الحسين حتى كأني حضرته؛ قال: فأقبل حسين بن علي بكتاب مسلم بن عقيل كان إليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي، فقال له: أين تريد؟ قال: أريد هذا المصر؛ قال له: ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه، فهم أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل؛ فقال: لا خير في الحياة بعدكم! فسار فلقيته إوائل خيل عبيد الله، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصباء وخلا كيلا يقاتل إلا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابه خمسةً وأربعين فارساً ومائة راجل، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاه عبيد الله بن زياد الري وعهد إليه عهده فقال: اكفني هذا الرجل؛ قال: أعفني، فأبى أن يعفيه؛ قال: فأنظرني الليلة؛ فأخره، فنظر في أمره فلما أصبح غدا عليه راضياً بما أمر به، فتوجه إليه عمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اختر واحدةً من ثلاث: إما أن تدعوني فأنصرف من حيث جئت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور؛ فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد الله: لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي! فقال له الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبداً، فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم، وفيهم بضعة عشر شاباً من أهل بيته، وجاء سهمٌ فأصاب ابناً له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا؛ ثم أمر بحبرة فشققها، ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه؛ قتله رجلٌ من مذحج وحز رأسه، وانطلق به إلى عبيد الله وقال: أوقر ركابي فضةً وذهبا ... فقد قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أماً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا وأوفده إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فوضع رأسه بين يديه وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعل ينكت بالقضيب على فيه ويقول: يفلقن هاماً من رجالٍ أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيت فا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فيه يلثمه! وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقي من أهل بيت الحسين بن علي رضي الله عنه إلا غلام كان مريضاً مع النساء، فأمر به عبيد الله ليقتل، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت: والله لا يقتل حتى تقتلوني! فرق لها، فتركه وكف عنه. قال: فجهزهم وحملهم إلى يزيد، فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشأم، ثم أدخلوهم، فهنئوه بالفتح، قال رجل منهم أزرق أحمر ونظر إلى وصيفةٍ من بناتهم فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه، فقالت زينب: لا والله ولا كرامة لك ولا له إلا أن يخرج من دين الله، قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كف عن هذا؛ ثم أدخلهم على عياله، فجهزهم وحملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأةٌ من بني عبد المطلب ناشرةً شعرها، واضعةً كمها على رأسها تلقاهم وهي تبكي وتقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم! بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي! حدثني الحسين بن نصر قال: حدثنا أبو ربيعة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن قال: بلغنا أن الحسين رضي الله عنه... وحدثنا محمد بن عمار الرازي. قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام قال: حدثنا حصين، أن الحسين بن علي رضي الله عنه كتب إليه أهل الكوفة: إنه معك مائة ألف، فبعث إليهم مسلم بن عقيل، فقدم الكوفة، فنزل دار هانىء بن عروة، فاجتمع إليه الناس، فأخبر ابن زياد بذلك. زاد الحسين بن نصر في حديثه: فأرسل إلى هانىء فأتاه، فقال: ألم أوقرك! ألم أكرمك! ألم أفعل بك! قال: بلى، قال: فما جزاء ذلك؟ قال: جزاؤه أن أمنعك؛ قال: تمنعني! قال: فأخذ قضيباً مكانه فضربه به، وأمر فكتف ثم ضرب عنقه، فبلغ ذلك مسلم بن عقيل، فخرج ومعه ناس كثير، فبلغ ابن زياد ذلك، فأمر بباب القصر فأغلق، وأمر منادياً فنادى: يا خيل الله اركبي، فلا أحد يجيبه، فظن أنه في ملإ من الناس. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف قال: لقيتهم تلك الليلة في الطريق عند مسجد الأنصار، فلم يكونوا يمرون في طريق يميناً ولا شمالاً إلا وذهبت منهم طائفة، الثلاثون والأربعون، ونحو ذلك. قال: فلما بلغ السوق، وهي ليلة مظلمة، ودخلوا المسجد، قيل لابن زياد: والله ما نرى كثير أحد، ولا نسمع أصوات كثير أحد، فأمر بسقف المسجد فقلع، ثم أمر بحرادى فيها النيران، فجعلوا ينظرون، فإذا قريب خمسين رجلاً. قال: فنزل فصعد المنبر وقال للناس: تميزوا أرباعاً أرباعاً؛ فانطلق كل قوم إلى رأس ربعهم، فنهض إليهم قومٌ يقاتلونهم، فجرح مسلم جراحةً ثقيلة، وقتل ناس من أصحابه، وانهزموا؛ فخرج مسلم فدخل داراً من دور كندة، فجاء رجل إلى محمد بن الأشعث وهو جالس إلى ابن زياد، فساره، فقال له: إن مسلماً في دار فلان، فقال ابن زياد: ما قال لك؟ قال: إن مسلماً في دار فلان، قال ابن زياد لرجلين: انطلقا فأتياني به، فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدت له النار، فهو يغسل عنه الدماء، فقالا له: انطلق، الأمير يدعوك، فقال: اعقدا لي عقداً؛ فقالا: ما نملك ذاك؛ فانطلق معهما حتى أتاه فأمر به فكتف ثم قال: هيه هيه يابن خلية - قال الحسين في حديثه: يابن كذا - جئت لتنزع سلطاني! ثم أمر به فضربت عنقه. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة، فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج، فأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى لقي الأعراب، فسألهم، فقالوا: لا والله ما ندري، غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج؛ قال: فانطلق يسير نحو طريق الشأم نحو يزيد، فلقيته الخيول بكربلاء، فنزل يناشدهم الله والإسلام، قال: وكان بعث إليه عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين ابن نميم، فناشدهم الحسين الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، فقالوا: لا، إلا على حكم ابن زياد؛ وكان فيمن بعث إليه الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم! والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوه! فأبوا إلا على حكم ابن زياد، فصرف الحر وجه فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم، ثم كر على أصحاب ابن زياد فقاتلهم، فقتل منهم رجلين، ثم قتل رحمة الله عليه. وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجاً، فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبي بحرية المرادي ورجلان آخران وعمرو بن الحجاج ومعن السلمي؛ قال الحصين: وقد رأيتهما. قال الحصين: وحدثني سعد بن عبيدة، قال: إن أشياخاً من أهل الكوفة لوقوف على التل يبكون ويقولون: اللهم أنزل نصرك، قال: قلت: يا أعداء الله، ألا تنزلون فتنصرونه! قال: فأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد، قال: وإني لأنظر إليه وعليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف، فرمان رجلٌ من بني تميم يقال له: عمر الطهوي بسهم، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقاً في جبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه، وإني لأنظر إليهم، وإنهم لقريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي بن أبي طالب رضي الله عنه خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سليم حليفٌ لهم، ورجلٌ من بني كنانة حليفٌ لهم، وابن عمر بن زياد. قال: وحدثني سعد بن عبيدة، قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فساره وقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي، وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك؛ قال: فوثب إلى فرسه فركبه، ثم دعا سلاحه فلبسه، وإنه على فرسه، فنهض بالناس إليهم فقاتلوهم، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد، فوضع بين يديه، فجعل ينكت بقضيبه، ويقول: إن أبا عبد الله قد كان شمط؛ قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله، وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهن بمنزل في مكان معتزل، وأجرى عليهن رزقاً، وأمر لهن بنفقة وكسوة. قال: فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر - أو ابن جعفر - فأتيا رجلاً من طيىء فلجآ إليه، فضرب أعناقهما، وجاء برءوسهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد؛ قال: فهم بضرب عنقه، وأمر بداره فهدمت. قال: وحدثني مولىً لمعاوية بن أبي سفيان قال: لما أتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه، قال: رأيته يبكي، وقال: لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا. قال حصين: فلما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثةً، كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع. قال: وحدثني العلاء بن أبي عاثة قال: حدثني رأس الجالوت، عن أبيه قال: ما مررت بكربلاء إلا وأنا أركض دابتي حتى أخلف المكان، قال: قلت: لم؟ قال: كنا نتحدث أن ولد نبي مقتول في ذلك المكان؛ قال: وكنت أخاف أن أكون أنا، فلما قتل الحسين قلنا: هذا الذي كنا نتحدث. قال: وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا علي بن محمد، عن جعفر بن سليمان الضبعي قال: قال الحسين: والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة؛ فقدم للعراق فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. قال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: قتل الحسين بن علي رضي الله عنه في صفر سنة إحدى وستين وهو يومئذ ابن خمس وخمسين. حدثني بذلك أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القرظي، قال الحارث: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، عن أبي معشر، قال: قتل الحسين لعشر خلون من المحرم. قال الواقدي: هذا أثبت. قال الحارث: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا عطاء ابن مسلم، عمن أخبره، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: أول رأس رفع على خشبة. رأس الحسين رضي الله عنه. قال أبو مخنف: عن هشام بن الوليد، عمن شهد ذلك، قال: أقبل الحسين ابن علي بأهله من مكة ومحمد بن الحنفية بالمدينة؛ قال: فبلغه خبره وهو يتوضأ في طست؛ قال: فبكى حتى سمعت وكف دموعه في الطست. قال أبو مخنف: حدثني يونس بن أبي إسحاق السبيعي. قال: ولما بلغ عبيد الله إقبال الحسين من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن تميم صاحب شرطه حتى نزل القادسية ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى لعلع، وقال الناس: هذا الحسين يريد العراق. قال أبو مخنف: وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا، والطب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدوا، فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكان مسلم ابن عقيل قد كان كتب إلى الحسين قبل أن يقتل لسبع وعشرين ليلة: أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، إن جمع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي؛ والسلام عليك. قال: فأقبل الحسين بالصبيان والنساء معه لا يلوي على شيء، وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعد إلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب؛ فصعد ثم قال: أيها الناس، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله؛ ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر، فأجيبوه؛ ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب. قال: فأمر به عبيد الله ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر، فرمي به، فتقطع فمات. ثم أقبل الحسين سيراً إلى الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي، وهو نازل هاهنا، فلما رأى الحسين قام إليه، فقال: بأبي أنت وأمي يابن رسول الله! ما أقدمك! واحتمله فأنزله، فقال له الحسين: كان من موت معاوية ما قد بلغك؛ فكتب إلي أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم، فقال له عبد الله بن مطيع: أذكرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك! أنشدك الله في حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم! أنشدك الله في حرمة العرب! فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً. والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك، وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل، ولا تأت الكوفة، ولا تعرض لبني أمية؛ قال: فابى إلا أن يمضي؛ قال: فأقبل الحسين حتى كان بالماء فوق زرود. قال أبو مخنف: فحدثني السدي، عن رجل من بني فزارة قال: لما كان زمن الحجاج بن يوسف كنا في دار الحارث بن أبي ربيعة التي في التمارين، التي أقطعت بعد زهير بن القين، من بني عمرو بن يشكر من بجيلة، وكان أهل الشأم لا يدخلونها، فكنا مختبئين فيها، قال: فقلت للفزاري: حدثني عنكم حين اقبلنا من مكة نساير الحسين، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدم زهير، حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين في جانب، ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا، إذ أقبل رسول الحسين حتى سلم، ثم دخل فقال: يا زهير بن القين، إن أبا عبد الله الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه؛ قال: فطرح كل إنسان ما في يده حتى كأننا على رءوسنا الطير. قال أبو مخنف: فحدثني دلهم بنت عمرو امرأة زهير بن القين، قالت: فقلت له: أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه! ثم انصرفت؛ قالت: فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر وجهه؛ قالت: فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه فقدم، وحمل إلى الحسين، ثم قال لامرأته: أنت طالقٌ، الحقي بأهلك، فإني لا أحب أن يصيبك من سببي إلا خير، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، إني سأحدثكم حديثاً، غزونا بلنجر، ففتح الله علينا، وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الباهلي: أفرحتم بما فتح الله عليكم، وأصبتم من الغنائم! فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معهم منكم بما أصبتم من الغنائم، فأما أنا فإني أستودعكم الله؛ قال: ثم والله ما زال في أول القوم حتى قتل. قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين؛ قالا: فوقف الحسين كأنه يريده، ثم تركه، ومضى ومضينا نحوه، فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه، فقلنا: السلام عليك، قال: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم قلنا: فمن الرجل؟ قال: أسدي: فقلنا: فنحن أسديان فمن أنت؟ قال: أنا بكير بن المثعبة، فانتسبنا له، ثم قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك؛ قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة، فرأيتهما يجران بأرجلهما في السوق؛ قالا: فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين، فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياً، فجئناه حين نزل، فسلمنا عليه فرد علينا، فقلنا له: يرحمك الله؛ إن عندنا خبراً، فإن شئت حدثنا علانيةً، وإن شئت سراً؛ قال: فنظر إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سر؛ فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمس؟ قال: نعم، وقد أردت مسألته؛ فقلنا: قد استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو أمرؤ من أسد منا، ذو رأي وصدق، وفضل وعقل، وإنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانىء بن عروة، وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلهما، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحمة الله عليهما، فردد ذلك مراراً، فقلنا: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصرٌ ولا شيعة، بل نتخوف أن تكون عليك! قال: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب. قال أبو مخنف: حدثني عمر بن خالد، عن زيد بن علي بن حسين، وعن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، أن بني عقيل قالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا. قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين، قالا: فنظر إلينا الحسين فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء؛ قالا: فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير؛ قالا: فقلنا: خار الله لك! قالا: فقال: رحمكما الله! قالا: فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع؛ قال الأسديان: ثم انتظر حتى إذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا، ثم ارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى زبالة. قال أبو مخنف: حدثني أبو علي الأنصاري، عن بكر بن مصعب المزني، قال: كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة، مقتل عبد الله بن بقطر، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد أصيب، فتلقاه خيل الحصين بن تميم بالقادسية، فسرح به إلى عبيد الله بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب، ثم انزل حتى أرى فيك رأيي! قال: فصعد، فلما أشرف على الناس قال: أيها الناس، إني رسول الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعي. فأمر به عبيد الله فألقي من فوق القصر إلى الأرض، فكسرت عظامه، وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب ذلك عليه قال: إنما أردت أن أريحه. قال هشام: حدثنا أبو بكر بن عياش عمن أخبره، قال: والله ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه، ولكنه قام إليه رجل جعد طوال يشبه عبد الملك بن عمير. قال: فأتى ذلك الخبر حسيناً وهو بزبالة، فأخرج للناس كتاباً، فقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم ابن عقيل وهانىء بن عروة، وعبد الله بن بقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام. قال: فتفرق الناس عنه تفرقاً، فأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة، وإنما فعل ذلك لأنه ظن أنما اتبعه الأعراب، لأنهم ظنوا أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون، وقد علم أنهم إذا بين لهم لم يصحبه إلا من يريد مواساته والموت معه. قال: فلما كان من السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء وأكثروا، ثم سار حتى مر ببطن العقبة، فنزل بها. قال أبو مخنف: فحدثني لوذان أحد بني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين رضي الله عنه أين تريد؟ فحدثه، فقال له: إني أنشدك الله لما انصرفت، فوالله لا تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال، ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكرها فإني لا أرى لك أن تفعل. قال: فقال له: يا عبد الله، إنه ليس يخفى علي، الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره؛ ثم ارتحل منها. ونزع يزيد بن معاوية في هذه السنة الوليد بن عتبة عن مكة، وولاها عمرو بن سعيد بن العاص، وذلك في شهر رمضان منها، فحج بالناس عمرو ابن سعيد في هذه السنة؛ وحدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان عامله على مكة والمدينة في هذه السنة بعد ما عزل الوليد بن عتبة عمرو بن سعيد، وعلى الكوفة والبصرة وأعمالهما عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه، قتل فيها في المحرم لعشر خلون منه، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، قال: حدثني محدث، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي وهشام بن الكلبي؛ وقد ذكرنا ابتداء أمر الحسين في مسيره نحو العراق وما كان منه في سنة ستين، ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة إحدى وستين وكيف كان مقتله. حدثت عن هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: أقبل الحسين رضي الله عنه حتى نزل شراف، فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا، ثم ساروا منها، فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار. ثم إن رجلاً قال: الله أكبر! فقال الحسين: الله أكبر ما كبرت؟ قال: رأيت النخل، فقال له الأسديان: إن هذا المكان ما رأينا به نخلةً قط؛ قالا: فقال لنا الحسين: فما تريانه رأى؟ قلنا: نراه رأى هوادي الخيل؛ فقال: وأنا والله أرى ذلك؛ فقال الحسين: أما لنا ملجأ نلجأ إليه، نجعله في ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقلنا له: بلى، هذا ذو حسمٍ إلى جنبك، تميل إليه ذات اليسار؛ قالا: وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل، فتبيناها، وعدنا، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب، وكأن راياتهم أجنحة الطير، قال: فاستبقنا إلى ذي حسم، فسبقناهم إليه، فنزل الحسين، فأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدو أسيافهم، فقال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وأرووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفاً، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم، وأقبلوا يملئون القصاع والأتوار والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس، فإذا عب فيه ثلاثاً أو اربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلها. قال هشام: حدثني لقيط، عن علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر بن يزيد، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية - والراوية عندي السقاء - ثم قال: يابن أخٍ، أنخ الجمل، فأنخته، فقال: اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسين: اخنث السقاء - أي اعطفه - قال: فجعلت لا أدري كيف أفعل! قال: فقام الحسين فخنثه، فشربت وسقيت فرسي. قال: وكان مجيء الحر بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسية، وذلك أن عبيد الله بن زياد لما بلغه إقبال الحسين بعث الحصين ابن تميم التميمي - وكان على شرطه - فأمره أن ينزل القادسية، وأن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفان، وقدم الحر بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية، فسيتقبل حسيناً. قال: فلم يزل موافقاً حسيناً حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر، فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن، فأذن، فلما حضرت الإقامة خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم؛ إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم: أن اقدم علينا، فإنه ليس لنا إمام، لعل الله يجمعنا بك على الهدى؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم. قال: فسكتوا عنه وقالوا للمؤذن: أقم. فأقام الصلاة، فقال الحسين رضي الله عنه للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا، بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك؛ قال: فصلى بهم الحسين، ثم إنه دخل واجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان به، فدخل خيمةً قد ضربت له، فاجتمع إليه جماعةٌ من أصحابه، وعاد أصحابه إلى صفهم الذي كانوا فيه، فأعادوه، ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابته وجلس في ظلها، فلما كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل. ثم إنه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر، واقام فاستقدم الحسين فصلى بالقوم ثم سلم، وانصرف إلى القوم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أنتم كرهتمونا، وجهلتم حقنا، وكان رأيكم غير ما أتتني كتبكم، وقدمت به علي رسلكم، انصرفت عنكم، فقال له الحر بن يزيد: إنا والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر! فقال الحسين: يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي، فأخرج خرجين مملوءين صحفاً، فنشرها بين أيديهم؛ فقال الحر: فإنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد؛ فقال له الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا، فركبوا وانتظروا حتى ركبت نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا بنا، فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك! ما تريد؟ قال: أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائناً من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه؛ فقال له الحسين: فما تريد؟ قال الحر: أريد والله أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد، قال له الحسين: إذن والله لا أتبعك؛ فقال له الحر: إذن والله لا أدعك؛ فترادا القول ثلاث مرات، ولما كثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد ابن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله بن زياد إن شئت، فلعل الله إلى ذاك أو يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك؛ قال: فخذ ها هنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً. ثم إن الحسين سار في أصحابه والحر يسايره. قال أبو مخنف: عن عقبة بن أبي العيزار، إن الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحر بالبيضة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله " . ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير، قد أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم؛ أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، فأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم في أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وقال عقبة بن أبي العيزار: قام حسينٌ رضي الله عنه بذي حسم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها واستمرت جداً، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل. ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه! ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً. قال: فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه: تكلمون أم أتكلم؟ قالوا: لا، بل تكلم؛ فحمد الله فأثنى عليه ثم قال: قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها. قال: فدعا له الحسين ثم قال له خيراً؛ وأقبل الحر يسايره وهو يقول له: يا حسين، إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى؛ فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني! وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني! ما أدري ما أقول لك! ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه، ولقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول؛ فقال: سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى ... إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه ... وفارق مثبوراً يغش ويرغما قال: فلما سمع ذلك منه الحر تنحى عنه، وكان يسير بأصحابه في ناحية وحسين في ناحية أخرى، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات، وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم، يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل، ومعهم دليلهم الطرماح بن عدي على فرسه، وهو يقول: يا ناقتي لا تذعري من زجري ... وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبانٍ وخير سفر ... حتى تحلي بكريم النجر الماجد الحر رحيب الصدر ... أتى به الله لخير أمر ثمت أبقاه بقاء الدهر قال: فلما انتهوا إلى الحسين أنشدوه هذه الأبيات، فقال: أما والله إني لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قتلنا أم ظفرنا؛ قال: وأقبل إليهم الحر بن يزيد فقال: إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادهم، فقال له الحسين: لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب من ابن زياد، فقال: أجل، لكن لم يأتوا معك؛ قال: هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تممت على ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك؛ قال: فكف عنهم الحر؛ قال: ثم قال لهم الحسين: أخبروني خبر الناس وراءكم، فقال له مجمع بن عبد الله العائذي، وهو أحد النفر الأربعة الذين جاءوه: أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يستمال ودهم، ويستخلص به نصيحتهم، فهم ألبٌ واحدٌ عليك، وأما سائر الناس بعد، فإن أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورةٌ عليك؛ قال: أخبروني، فهل لكم برسولي إليكم؟ قالوا: من هو؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي؛ فقالوا: نعم، أخذه الحصين ابن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فألقي من طمار القصر؛ فترقرقت عينا حسين رضي الله عنه ولم يملك دمعه، ثم قال: " منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " . اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك! قال أبو مخنف: حدثني جميل بن مرثد من بني معن، عن الطرماح ابن عدي، أنه دنا من الحسين فقال له: والله إني لأنظر فما أرى معك أحداً، ولو لم يقاتلك إلاهؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم؛ وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعا أكثر منه، فسألت عنهم، فقيل: اجتمعوا ليعرضوا، ثم يسرحون إلى الحسين، فأنشدك الله إن قدرت على ألا تقدم عليهم شبراً إلا فعلت! فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذييدعى أجأ، امتنعنا والله به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، والله إن دخل علينا ذل قط؛ فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيىء، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى تأتيك طيىء رجالاً وركباناً، ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لايوصل إليك أبداً ومنهم عين تطرف؛ فقال له: جزاك الله وقومك خيراً! إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علام تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبه! قال أبو مخنف: فحدثني جميل بن مرثد، قال: حدثني الطرماح ابن عدي، قال: فودعته وقلت له: دفع الله عنك شر الجن والإنس، إني قد امترت لأهلي من الكوفة ميرةً، ومعي نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك؛ قال: فإن كنت فاعلاً فعجل رحمك الله؛ قال: فعلمت أنه مستوحشٌ إلى الرجال حتى يسألني التعجيل؛ قال: فلما بلغت أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم، وأوصيت، فأخذ أهلي يقولون: إنك لتصنع مرتك هذه شيئاً ما كنت تصنعه قبل اليوم، فأخبرتهم بما أريد، وأقبلت في طريق بني ثعل حتى إذا دنوت من عذيب الهجانات، استقبلني سماعة بن بدر، فنعاه إلي، فرجعت؛ قال: ومضى الحسين رضي الله عنه حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل، فنزل به، فإذا هو بفسطاط مضروب. قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، أن الحسين بن علي رضي الله عنه قال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبيد الله ابن الحر الجعفي؛ قال: ادعوه لي، وبعث إليه، فلما أتاه الرسول، قال: هذا الحسين بن علي يدعوك؛ فقال عبيد الله بن الحر: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن اراه ولا يراني، فأتاه الرسول فأخبره، فأخذ الحسين نعليه فانتعل، ثم قام فجاءه حتى دخل عليه، فسلم وجلس، ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد غليه ابن الحر تلك المقالة، فقال: فإلا تنصرنا إلا هلك؛ قال: أما هذا فلا يكون أبداً إن شاء الله، ثم قام الحسين رضي الله عنه من عنده حتى دخل رحله. قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان قال: لما كان في آخر اليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمرنا بالرحيل، ففعلنا؛ قال: فلما ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا ساعةً خفق الحسين برأسه خفقة، ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين؛ قال: ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، قال: فأقبل إليه بانه علي بن الحسين على فرس له فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين، يا أبت، جعلت فداك! مم حمدت الله واسترجعت؟ قال: يا بني، إني خفقت برأسي خفقةً فعن لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، قال له: يا أبت، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحق! قال: بلى والذي إليه مرجع العباد؛ قال: يا أبت، إذاً لا نبالي؛ نموت محقين؛ فقال له: جزاك الله من ولدٍ خير ما جزى ولداً عن والده؛ قال: فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم، فيأتيه الحر بن يزيد فيردهم فيرده، فجعل إذا ردهم إلى الكوفة رداً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا إلى نينوى؛ المكان الذي نزل به الحسين؛ قال: فإذا راكبٌ على نجيب له وعليه السلاح متنكب قوساً مقبلٌ من الكوفة، فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه، ولم يسلم على الحسين رضي الله عنه وأصحابه، فدفع إلى الحر كتاباً من عبيد الله ابن زياد فإذا فيه: أما بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري؛ والسلام. قال: فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره، فنظر إلى رسول عبيد الله يزيد ابن زياد بن المهاصر أبو الشعثاء الكندي ثم البهدلي فعن له، فقال: أمالك بن النسير البدي؟ قال: نعم - وكان أحد كندة - فقال له يزيد ابن زياد: ثكلتك أمك! ماذا جئت فيه؟ قال: وما جئت فيه! أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، فقال له أبو الشعثاء: عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، كسبت العار والنار، قال الله عز وجل: " وجعلناهم أئمةً يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون " ، فهو إمامك. قال: وأخذ الحر بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية، يعنون نينوى - أو هذه القرية - يعنون الغاضرية - أو هذه الأخرى - يعنون شفية. فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إلي عيناً، فقال له زهير بن القين: يابن رسول الله، إن قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعد من ترى ما لا قبل لنا به؛ فقال له الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال؛ فقال له زهير بن القين: سر بنا إلى هذه القرية حتى تنزلها فإنها حصينة، وهي على شاطىء الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء من بعدهم؛ فقال له الحسين: وأية قرية هي؟ قال: هي العقر، فقال الحسين: اللهم إني أعوذ بك من العقر، ثم نزل، وذلك يوم الخميس، وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف. قال: وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين رضي الله عنه أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري، وأمره بالخروج. فخرج معسكراً بالناس بحمام أعين، فلما كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد، فقال: سر إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك؛ فقال له عمر بن سعد: إن رأيت رحمك الله أن تعفيني فافعل؛ فقال له عبيد الله: نعم، على أن ترد لنا عهدنا؛ قال: فلما قلا له ذلك قال عمر بن سعد: أمهلني اليوم حتى أنظر؛ قال: فانصرف عمر يستشير نصحاءه، فلم يكن يستشير أحداً إلا نهاه؛ قال: وجاء حمزة ابن المغيرة بن شعبة - وهو ابن أخته - فقال: أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين فتأثم بربك، وتقطع رحمك! فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها لو كان لك، خيرٌ لك من أن تلقى الله بدم الحسين! فقال له عمر بن سعد: فإني أفعل إن شاء الله. قال هشام: حدثني عوانة بن الحكم، عن عمار بن عبيد الله بن يسار الجهني، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن سعد، وقد أمر بالمسير إلى الحسين، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيت ذلك عليه، فقلت له: أصاب الله بك، أرشدك الله، أحل فلا تفعل ولا تسر إليه. قال: فخرجت من عنده، فأتاني آتٍ وقال: هذا عمر بن سعد يندب الناس إلى الحسين؛ قال: فأتيته فإذا هو جالس، فلما رآني أعرض بوجهه فعرفت أنه قد عزم على المسير إليه، فخرجت من عنده؛ قال: فأقبل عمر ابن سعد إلى ابن زياد فقال: أصلحك الله! إنك وليتني هذا العمل، وكتبت لي العهد، وسمع به الناس، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه؛ فسمى له أناساً، فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف أهل الكوفة، ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث. إن سرت بجندنا، وإلا فابعث إلينا بعهدنا، فلما رآه قد لج قال: فإني سائر؛ قال: فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى. قال: فبعث عمر بن سعد إلى الحسين رضي الله عنه عزرة بن قيس الأحمسي، فقال: ائته فسله ما الذي جاء به؟ وماذا يريد؟ وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين فاستحيا منه أن يأتيه. قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلهم أبى وكرهه. قال: وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي - وكان فارساً شجاعاً ليس يرد وجهه شيءٌ - فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئت لأفتكن به، فقال له عمر بن سعد: ما أريد أن يفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به؟ قال: فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسين: أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شر أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه، فقام إليه، فقال: ضع سيفك؛ قال: لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم؛ فقال له: فإني آخذٌ بقائم سيفك، ثم تكلم بحاجتك، قال: لا والله، لا تمسه فقال له: أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فإنك فاجر؛ قال: فاستبا، ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر؛ قال: فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك يا قرة! الق حسيناً فسله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ قال: فأتاه قرة بن قيس، فلما رآه الحسين مقبلاً قال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر: نعم، هذا رجل من حنظلة تميمي، وهو ابن أختنا، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد؛ قال: فجاء حتى سلم على الحسين، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له، فقال الحسين: كتب إلي أهل مصركم هذا أن اقدم، فأما إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم؛ قال: ثم قال له حبيب بن مظاهر: ويحك يا قرة ابن قيس! أنى ترجع إلى القوم الظالمين! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك؛ فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، وأرى رأيي؛ قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فقال له عمر بن سعد: إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله. قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح بن حبيب ابن زهير العبسي، عن حسان بن فائد بن بكير العبسي، قال: أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى عبيد الله بن زياد وأنا عنده فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عما أقدمه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت؛ فأما إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرفٌ عنهم، فلما قرىء الكتاب على ابن زياد قال: الآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين مناص! قال: وكتب إلى عمر بن سعد: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا، والسلام. قال: فلما أتى عمر بن سعد الكتاب، قال: قد حسبت ألا يقبل ابن زياد العافية. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي رشاد، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد: أما بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان. قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث. قال: ونازله عبد الله بن أبي حصين الأزدي - وعداده في بجيلة - فقال: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً؛ فقال حسين: اللهم اقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً. قال حميد بن مسلم: والله لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر، ثم يقيء، ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ عصبه. يعني نفسه - قال: ولما اشتد على الحسين وأصحابه العطش دعا العباس بن علي بن أبي طالب أخاه، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربةً، فجاءوا حتى دنوا من الماء ليلاً واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملي، فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي: من الرجل؟ فجيء فقال: ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه؛ قال: فاشرب هنيئاً، قال: لا والله، لا أشرب منه قطرةً وحسينٌ عطشان ومن ترى من أصحابه، فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء، فلما دنا منه أصحابه قال لرجاله: املئوا قربكم، فشد الرجالة فملئوا قربهم، وثار إليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال فكفوهم، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فقالوا: امضوا، ووقفوا دونهم، فعطف عليهم عمرو بن الحجاج وأصحابه واطردوا قليلاً. ثم إن رجلاً من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجاج، طعنه نافع بن هلال، فظن أنها ليست بشيء، ثم إنها انتقضت بعد ذلك، فمات منها، وجاء أصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه. قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب، عن هانىء بن ثبيت الحضرمي - وكان قد شهد قتل الحسين، قال: بعث الحسين رضي الله عنه إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري: أن القني الليل بين عسكري وعسكرك. قال: فخرج عمر بن سعد في نحو من عشرين فارساً، وأقبل حسين في مثل ذلك، فلما التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحوا عنه، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك؛ قال: فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ولا كلامهما؛ فتكلما فأطالا حتى ذهب من الليل هزيعٌ، ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره بأصحابه، وتحدث الناس فيما بينهما؛ ظناً يظنونه أن حسيناً قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين؛ قال عمر: إذن تهدم داري؛ قال: أنا أبنيها لك، قال: إذن تؤخذ ضياعي؛ قال: إذن أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز. قال: فتكره ذلك عمر؛ قال: فتحدث الناس بذلك، وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئاً ولا علموه. قال أبو مخنف: وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدثين، فهو ما عليه جماعة المحدثين، قالوا: إنه قال: اختاروا مني خصالاً ثلاثاً: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلاً من أهله، لي ما لهم وعلي ما عليهم. قال أبو مخنف: فأما عبد الرحمن بن جندب فحدثني عن عقبة بن سمعان قال: صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة والا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها. ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون؛ من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس. قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد الهمداني والصقعب بن زهير، أنهما كانا التقيا مراراً ثلاثاً أو أربعاً؛ حسين وعمر بن سعد؛ قال: فكتب عمر ابن سعد إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضاً، وللأمة صلاحٌ. قال: فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق على قومه، نعم قد قبلت. قال: فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك! والله لئن رحل من بلدك، ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كان ذلك لك، والله لقد بلغني أن حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له ابن زياد: نعم ما رأيت! الرأي رأيك. قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: ثم إن عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له: اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلي سلماً، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى فقاتلهم، فأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، قال: ثم كتب عبيد الله ابن زياد إلى عمر بن سعد: أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً.. انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا، فابعث بهم إلي سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل حسين فأوطىء الخيل صدره وظهره، فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن علي قول لو قد قتلته فعلت هذا به. إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا؛ والسلام. قال أبو مخنف: عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، قال: لما قبض بن ذي الجوشن الكتاب قام هو وعبد الله بن أبي المحل - وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فولدت له العباس وعبد الله وجعفراً وعثمان - فقال عبد الله بن أبي المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلح الله الأمير! إن بني أختنا مع الحسين، فإن رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت؛ قال: نعم ونعمة عين. فأمر كاتبه، فكتب لهم أماناً، فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولىً له يقال له: كزمان، فلما قدم عليهم دعاهم، فقال: هذا أمانٌ بعث به خالكم؛ فقال له الفتية: أقرىء خالنا السلام، وقل له: أن لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خيرٌ من أمان ابن سمية. قال: فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر ابن سعد، فلما قدم به عليه فقرأه قال له عمر: ما لك ويلك! لا قرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي! والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، أفسدت علينا أمراً كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، إن نفساً أبيةً لبين جنبيه، فقال له شمر: أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه، وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر؛ قال: لا ولا كرامة لك، وأنا أتولى ذلك؛ قال: فدونك، وكن أنت على الرجال؛ قال: فنهض إليه عشية الخميس لتسعٍ مضين من المحرم؛ قال: وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين، فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي، فقالوا له: ما لك وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون؛ قال له الفتية: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له! قال: ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وأبشري. فركب في الناس، ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها، فقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت! قال: فرفع الحسين رأسه فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا؛ فلطمت أخته وجهها وقالت: يا ويلتا! فقال: ليس لك الويل يا أخية، اسكني رحمك الرحمن! وقال العباس بن علي: يا أخي، أتاك القوم؛ قال: فنهض؛ ثم قال: يا عباس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس؛ فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب ابن مظاهر، فقال لهم العباس: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم؛ قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم؛ قال: فوقفوا ثم قالوا: القه فأعلمه ذلك، ثم القنا بما يقول؛ قال: فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين يخبره بالخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب ابن مظاهر لزهير بن القين: كلم القوم إن شئت. وإن شئت كلمتهم، فقال له زهير: أنت بدأت بهذا، فكن أنت تكلمهم، فقال له حبيب بن مظاهر: أما والله لبئس القوم عند الله غداً قومٌ يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه عليه السلام وعترته وأهل بيته صلى الله عليه وسلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيراً؛ فقال له عزرة بن قيس: إنك لتزكي نفسك ما استطعت؛ فقال له زهير: يا عزرة، إن الله قد زكاها وهداها، فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية! قال: يا زهير، ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عثمانياً؛ قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم! أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط، ولا أرسلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم، فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه، وأن أجعل نفسي دون نفسه، حفظاً لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله عليه السلام. قال: وأقبل العباس بن علي يركض حتى انتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا أمرٌ لم يجر بينكم وبينه فيه منطقٌ، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه، وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمربأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن علي بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك؛ قال: قد أردت ألا أكون؛ ثم أقبل على الناس فقال: ماذا تريدون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها؛ وقال قيس بن الأشعث: اجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة؛ فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية؛ قال: وكان العباس بن علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يلعم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار!، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهنا فرددناه، وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمربأمره، ويوصي أهله، فلما أتاهم العباس بن علي بذلك قال عمر بن سعد: ما ترى يا شمر؟ قال: ما ترى أنت، أنت الأمير والرأي رأيك؛ قال: قد أردت ألا أكون؛ ثم أقبل على الناس فقال: ماذا تريدون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها؛ وقال قيس بن الأشعث: اجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة؛ فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية؛ قال: وكان العباس بن علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يلعم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار! قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن علي بن الحسين قال: أتانا رسولٌ من قبل عمر بن سعد فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال: إنا قد أجلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد، وإن أبيتم فلسنا بتاركيكم. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن عاصم الفائشي، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي - بطن من همدان - أن الحسين بن علي رضي الله عنه جمع أصحابه. قال أبو مخنف: وحدثني أيضاً الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن علي بن الحسين، قالا: جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد، وذلك عند قرب المساء، قال علي بن الحسين: فدنوت منه لأسمع وأنا مريض، فسمعت أبي وهو يقول لأصحابه: أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين؛ أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعاً خيراً؛ ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا ليلٌ قد غشيكم، فاتخذوه جملاً. =============================================ج18. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال أبو مخنف: حدثنا عبد الله بن عاصم الفائشي - بطن من همدان - عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: قدمت ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين، فسلمنا عليه، ثم جلسنا إليه، فرد عليا، ورحب بنا، وسألنا عما جئنا له، فقلنا: جئنا لنسلم عليك، وندعو الله لك بالعافية، ونحدث بك عهداً، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدثك أنهم قد جمعوا على حربك فر رأيك. فقال الحسين رضي الله عنه: حسبي الله ونعم الوكيل! قال: فتذممنا وسلمنا عليه، ودعونا الله له، قال: فما يمنعكما من نصرتي؟ فقال مالك ابن النضر: علي دين، ولي عيال، فقلت له: إن علي ديناً، وإن لي لعيالاً، ولكنك إن جعلتني في حلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتلت عنك ما كان لك نافعاً، وعنك دافعاً! قال: قال: فأنت في حل؛ فأقمت معه، فلما كان الليل قال: هذا الليل قد غشيكم، فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري؛ فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل لنبقى بعدك، لا أرانا الله ذلك أبداً؛ بدأهم بهذا القول العباس بن علي. ثم إنهم تكلموا بهذا ونحوه، فقال الحسين رضي الله عنه: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم؛ قالوا: فما يقول الناس! يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا! لا والله لا نفعل، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك! قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: فقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك! أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك؛ ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك. قال: وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حياً ثم أذر؛ يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك! وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. قال: وقال زهير بن القين: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك. قال: وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قتلنا كنا وفينا، وقضينا ما علينا. قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك، عن علي ابن الحسين بن علي قال: إني جالس في تلك العشية التي قتل أبي صبيحتها، وعمتي زينب عندي تمرضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له، وعنده حوى، مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول: يا دهر أفٍّ لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل من صاحبٍ أو طالبٍ قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل ... وكل حيٍّ سالك السبيل قال: فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتني عبرتي، فرددت دمعي ولزمت السكون، فعلمت أن البلاء قد نزل. فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعت، وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها، وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه؛ فقالت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي؛ قال: فنظر إليها الحسين رضي الله عنه فقال: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان؛ قالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! استقتلت نفسي فداك؛ فرد غصته، وترقرقت عيناه، وقال: لو ترك القطا ليلاً لنام؛ قالت: يا ويلتي، أفتغضب نفسئك اغتصاباً، فذلك أقرح لقلبي، وأشد على نفسي! ولطمت وجهها، وأهوت إلى جيبها وشقته، وخرت مغشياً عليها، فقام إليها الحسين فصب على وجهها الماء، وقال لها: يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالكٌ إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهو فرد وحده، أبي خيرٌ مني، وأمي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة؛ قال: فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخية، إني أقسم عليك فأبري قسمي، لا تشقي علي جيباً، ولا تخمشي علي وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت؛ قال: ثم جاء بها حتى أجلسها عندي، وخرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بعض بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين اليوت إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم. قال أبو مخنف: عن عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: فلما أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون، ويدعون ويتضرعون؛ قال: فتمر بنا خيلٌ لهم تحرسنا، وإن حسيناً ليقرأ: " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهينٌ، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " . فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا، فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون. ميزنا منكم. قال: فعرفته فقلت لبرير بن حضير: تدري من هذا؟ قال: لا؛ قلت هذا أبو حرب السبيعي عبد الله بن شهر - وكان مضحاكاً بطالاً، وكان شريفاً شجاعاً فاتكاً، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية - فقال له برير بن حضير: يا فاسق، أنت يجعلك الله في الطيبين! فقال له: من أنت؟ قال: أنا برير بن حضير؛ قال: إنا لله! عز علي! هلكت والله، هلكت والله يا برير! قال: يا أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام! فوالله إنا لنحن الطيبون، ولكنكم لأنتم الخبيثون؛ قال: وأنا على ذلك من الشاهدين، قلت: ويحك! أفلا ينفعك معرفتك! قال: جعلت فداك! فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزي من عنز بن وائل! قال: ها هو ذا معي؛ قال: قبح الله رأيك على كل حال! أنت سفيه. قال: ثم انصرف عنا، وكان الذي يحرسنا بالليل في الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وكان على الخيل؛ قال: فلما صلى عمر بن سعد الغداة يوم السبت - وقد بلغنا أيضاً أنه كان يوم الجمعة، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء - خرج فيمن معه من الناس. قال: وعبأ الحسين أصحابه، وصلى بهم صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت يحرق بالنار مخافة أن ياتوهم من ورائهم. قال: وكان الحسين رضي الله عنه أتى بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثم ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب، وقالوا: إذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا نؤتي من ورائنا، وقاتلنا القوم من وجه واحد. ففعلوا، وكان لهم نافعاً. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن محمد بن بشر، عن عمرو الحضرمي، قال: لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي؛ فشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد فإنه عدل إلى الحسين، وقتل معه. وجعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية - وهو الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبث بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية ذويداً مولاه. قال أبو مخنف: حدثني عمرو بن مرة الجملي، عن أبي صالح الحنفي، عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري، قال: كنت مع مولاي، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسين بفسطاط فضرب، ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة؛ قال: ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة. قال: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير ابن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيهما يطلى على أثره، فجعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا، فوالله ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إني لمستبشرٌ بما نحن لاقون، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم. قال: فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا؛ قال: ثم إن الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه؛ قال: فاقتتل أصحابه بين يديه قتالاً شديداً، فلما رأيت القوم قد صرعوا أفلت وتركتهم. قال أبو مخنف، عن بعض أصحابه، عن أبي خالد الكاهلي، قال: لما صبحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه، فقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبةً مني إليك، عمن سواك، ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن عاصم، قال: حدثني الضحاك المشرقي، قال: لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلمنا حتى مر على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فإذا هو لا يرى إلا حطباً تلتهب النار فيه، فرجع راجعاً، فنادى بأعلى صوته: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة! فقال الحسين: من هذا؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن! فقالوا: نعم، أصلحك الله! هو هو، فقال: يابن راعية المعزى، أنت أولى بها صلياً؛ فقال له مسلم بن عوسجة: يابن رسول الله، جعلت فداك! ألا أرميه بسهم! فإنه قد أمكنني، وليس يسقط مني سهم، فالفاسق من أعظم الجبارين؛ فقال له الحسين: لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم، وكان مع الحسين فرس له يدعى حقاً حمل عليه ابنه علي بن الحسين؛ قال: فلما دنا منه القوم عاد براحلته فركبها، ثم نادى بأعلى صوته دعاءً يسمع جل الناس: أيها الناس؛ اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما لحق لكم علي، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدقتم قولي، وأعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم " فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمةً ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " ؛ " إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " . قال: فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين، وبكى بناته فارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس ابن علي وعلياً ابنه، وقال لهما: أسكتاهن، فلعمري ليكثرن بكاؤهن؛ قال: فلما ذهبا ليسكتاهن قال: لا يبعد ابن عباس؛ قال: فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن، لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهن، فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلى على محمد صلى الله عليه وعلى ملائكته وأنبيائه، فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكره. قال: فوالله ما سمعت متكلماً قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه؛ ثم قال: أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا؛ هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم وابن وصيه وابن عمه، وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه! أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي! أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي! أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لي ولأخي: " وهذان سيدا شببا أهل الجنة " ! فإن صدقتموني بما أقول - وهو الحق - فوالله ما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضربه من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك؛ يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي. أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي! فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرفٍ إن كان يدري مايقول! فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول؛ قد طبع الله على قلبك؛ ثم قال لهم الحسين: فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أثراً ما أني ابن بنت نبيكم! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة. أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مالٍ لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه؛ قال: فنادى: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم على جند لك مجند، فأقبل! قالوا له: لم نفعل؛ فقال: سبحان الله! بلى والله، لقد فعلتم؛ ثم قال: أيها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض؛ قال: فقال له قيس بن الأشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؛ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد. عباد الله، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب؛ قال: ثم إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه.عبيد. عباد الله، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب؛ قال: ثم إنه أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه. قال أبو مخنف: فحدثني علي بن حنظلة بن أسعد الشامي، عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين حين قتل يقال له كثير بن عبد الله الشعبي؛ قال: لما زحفنا قبل الحسين خرج إلينا زهير بن قين على فرس له ذنوب، شاكٍ في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار! إن حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منا أهلٌ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد، فإنكم لا تدركون منهما إلا بسوء عمر سلطانهما كله، ليسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانىء بن عروة وأشباهه؛ قال: فسبوه، وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً؛ فقال لهم: عباد الله، إن ولد فاطمة رضوان الله عليها أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم؛ فخلوا بين الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين؛ قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال: اسكت أسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: يابن البوال على عقبيه، ما إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم؛ فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة؛ قال: أفبالموت تخوفني! فوالله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم؛ قال: ثم أقبل على الناس رافعاً صوته، فقال: عباد الله، لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لا تنال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قوماً هراقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم؛ قال: فناداه رجل فقال له: إن أبا عبد الله يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ! قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عدي بن حرملة، قال: ثم إن الحر بن يزيد لما زحف عمر بن سعد قال له: أصلحك الله! مقاتلٌ أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي؛ قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضاً؟ قال عمر بن سعد: أما والله لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك؛ قال: فأقبل حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس، فقال: يا قرة، هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا؛ قال: إما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك، فيخاف أن أرفعه عليه؛ فقلت له: لم أسقه، وأنا منطلق فساقيه؛ قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه؛ قال: فوالله لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين؛ قال: فأخذ يدنو من حسين قليلاً قليلاً، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر ابن أوس: ما تريد يابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العرواء، فقال له يابن يزيد، والله إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة رجلاً ما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك! قال: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت؛ ثم ضرب فرسه فلحق بحسين رضي الله عنه، فقال له: جعلني الله فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة. فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك؛ وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟ قال: نعم، يتوب الله عليك، ويغفر لك، ما اسمك؟ قال: أنا الحر بن يزيد؛ قال: أنت الحر كما سمتك أمك، أنت الحر إن شاء الله في الدنيا والآخرة؛ انزل؛ قال: أنا لك فارساً خيرٌ مني راجلاً، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري. قال الحسين: فاصنع يرحمك الله ما بدا لك. فاستقدم أمام أصحابه ثم قال: أيها القوم، ألا تقبلون من حسين خصلةً من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلمه، فكلمه بمثل ما كلمه به قبل، وبمثل ما كلم به أصحابه؛ قال عمر: قد حرصت، لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت، فقال: يا أهل الكوفة، لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كل جانب، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع ضراً، وحلأتموه ونساءه وأصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والمجوي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذريته! لا سقاكم الله يوم الظمإ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجالة لهم ترمية بالنبل؛ فأقبل حتى وقف أمام الحسين. قال أبو مخنف، عن الصقعب بن زهير وسليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: وزحف عمر بن سعد نحوهم، ثم نادى: يا ذويد، أدن رايتك؛ قال: فأدناها ثم وضع سهمه في كبد قوسه، ثم رمى فقال: اشهدوا أني أول من رمى. قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب، قال: كان منا رجل يدعى عبد الله بن عمير، من بني عليم، كان قد نزل الكوفة، واتخذ عند بئر الجعد من همدان داراً، وكانت معه امرأةٌ له من النمر بن قاسط يقال لها أم وهب بنت عبد، فرأى القوم بالنخيلة يعرضون ليسرحوا إلى الحسين، قال: فسأل عنهم، فقيل له: يسرحون إلى حسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين؛ فدخل إلى امرأته فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يريد، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك؛ قال: فخرج بها ليلاً حتى أتى حسيناً، فأقام معه، فلما دنا منه عمر بن سعد ورمى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم، قال: فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير، فقال لهما حسين: اجلسا؛ فقام عبد الله بن عمير الكلبي فقال: أبا عبد الله، رحمك الله! ائذن لي فلأخرج إليهما؛ فرأى حسين رجلاً آدم طويلاً شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال حسين: إني لأحسبه للأقران قتالاً، اخرج إن شئت؛ قال: فخرج إليهما، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر أو برير بن حضير، ويسار مستنتلٌ أمام سالم، فقال له الكلبي: يابن الزاية، وبك رغبةٌ عن مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك؛ ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد، فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم، فصاح به: قد رهقك العبد؛ قال: فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطار أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبي مرتجزاً وهو يقول، وقد قتلهما جميعاً: إن تنكروني فأنا ابن كلب ... حسبي بيتي في عليمٍ حسبي إني امرؤٌ ذو مرة وعصب ... ولست بالخوار عند النكب إني زعيمٌ لك أم وهب ... بالطعن فيهم مقدماً والضرب ضرب غلام مؤمنٍ بالرب فأخذت أم وهب امرأته عموداً، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية محمد، فأقبل إليها يردها نحو النساء فأخذت تجاذب ثوبه، ثم قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها حسين، فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال؛ فانصرفت إليهن. قال: وحمل عمرو بن الحجاج وهو على ميمنة الناس في الميمنة، فلما أن دنا من حسين جثوا له على الركب، وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرشقوهم بالنبل، فصرعوا منهم رجالاً، وجرحوا منهم آخرين. قال أبو مخنف: فحدثني حسين أبو جعفر، قال: ثم إن رجلاً من بني تميم - يقال له عبد الله بن حوزة - جاء حتى وقف أمام الحسين، فقال: يا حسين، يا حسين! فقال حسين: ما تشاء؟ قال: أبشر بالنار؛ قال: كلا، إني أقدم على رب رحيمٍ، وشفيع مطاع، من هذا؟ قال له أصحابه: هذا ابن حوزة؛ قال: رب حزه إلى النار؛ قال: فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه، وتعلقت رجله بالركاب، ووقع رأسه في الأرض، ونفر الفرس، فأخذ يمر به فيضرب برأسه كل حجرٍ وكل شجرة حتى مات. قال أبو مخنف: وأما سويد بن حية؛ فزعم لي أن عبد الله بن حوزة حين وقع فرسه بقيت رجله اليسرى في الركاب، وارتفعت اليمنى فطارت، وعدا به فرسه يضرب رأسه كل حجر وأصل شجرة حتى مات. قال أبو مخنف عن عطاء بن السائب، عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، عن أخيه مسروق بن وائل، قال: كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين، فقلت: أكون في أوائلها لعلي أصيب رأس الحسين، فأصيب به منزلةً عند عبيد الله بن زياد؛ قال: فلما انتهينا إلى حسين تقدم رجلٌ من القوم يقال له ابن حوزة، فقال: أفيكم حسين؟ قال: فسكت حسينٌ؛ فقالها ثانية، فأسكت حتى إذا كانت الثالثة قال: قولوا له: نعم، هذا حسين، فما حاجتك؟ قال: يا حسين، أبشر بالنار؛ قال: كذبت، بل أقدم على رب غفور وشفيع مطاع، فمن أنت؟ قال: ابن حوزة؛ قال؛ فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثم قال: اللهم حزه إلى النار؛ قال: فغضب ابن حوزة، فذهب ليقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر؛ قال: فعلقت قدمه بالركاب، وجالت به الفرس فسقط عنها؛ قال: فانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلقاً بالركاب. قال: فرجع مسروق وترك الخيل من ورائه؛ قال: فسألته، فقال: لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً لا أقاتلهم أبداً؛ قال: ونشب القتال. قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد، عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس - وكان قد شهد مقتل الحسين - قال: وخرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة وهو حليف لبني سليمة من عبد القيس، فقال: يا برير ابن حضير، كيف ترى الله صنع بك! قال: صنع الله والله بي خيراً، وصنع الله بك شراً؛ قال: كذبت، وقبل اليوم ما كنت كذاباً، هل تذكر وأنا أماشيك في بني لوذان وأنت تقول: إن عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفاً، وإن معاوية بن أبي سفيان ضال مضل، وإن إمام الهدى والحق علي بن أبي طالب؟ فقال له برير: أشهد أن هذا رأيي وقولي؛ فقال له يزيد بن معقل: فإني أشهد أنك من الضالين؛ فقال له برير بن حضير: هل لك فلأ باهلك، ولندع الله أن يلعن الكاذب وأن يقتل المبطل، ثم اخرج فلأبارزك؛ قال: فخرجا فرفعا أيديهما إلى الله يدعوانه أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحق المبطل؛ ثم برز كل واحد منهما لصاحبه، فاختلفا ضربتين، فضرب يزيد بن معقل برير بن حضير ضربةً خفيفة لم تضره شيئاً، وضربه برير بن حضير ضربةً قدت المغفر، وبلغت الدماغ، فخر كأنما هوى من حالق، وإن سيف ابن حضير لثابت في رأسه، فكأني أنظر إليه ينضنضه من رأسه، وحمل عليه رضى بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً، فاعتركا ساعةً. ثم إن بريراً قعد على صدره فقال رضي: أين أهل المصاع والدفاع؟ قال: فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل عليه، فقلت: إن هذا برير بن حضير القارىء الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد؛ فحمل عليه بالرمح حتى وضعه في ظهره، فلما وجد مس الرمح برك عليه فعض بوجهه، وقطع طرف أنفه، فطعنه كعب ابن جابر حتى ألقاه عنه، وقد غيب السنان في ظهره، ثم أقبل عليه يضربه بسيفه حتى قتله؛ قال عفيف: كأني أنظر إلى العبدي الصريع قام ينفض التراب عن قبائه، ويقول: أنعمت علي يا أخا الأزد نعمةً لن أنساها أبداً؛ قال: فقلت: أنت رأيت هذا؟ قال: نعم، رأي عيني وسمع أذني. فلما رجع كعب بن جابر قالت له امرأته، أو أخته النوار بنت جابر: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيد القراء؛ لقد أتيت عظيماً من الأمر، والله لا أكلمك من رأسي كلمةً أبداً. وقال كعب بن جابر: سلي تخبري عني وأنت ذميمةٌ ... غداة حسينٍ والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يخل ... علي غداة الروع ما أنا صانع معي يزنيٌّ لم تخنه كعوبه ... وأبيض مخشوب الغرارين قاطع فجردته في عصبةٍ ليس دينهم ... بديني وإني بابن حربٍ لقانع ولم تر عيني مثلهم في زمانهم ... ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعاً بالسيوف لدى الوغى ... ألا كل من يحمي الذمار مقارع وقد صبروا للطعن والضرب حسراً ... وقد نازلوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيد الله إما لقيته ... بأني مطيعٌ للخليفة سامع قتلت بريراً ثم حملت نعمةً ... أبا منقذٍ لما دعا: من يماصع؟ قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: سمعته في إمارة مصعب بن الزبير؛ وهو يقول: يا رب إنا قد وفينا، فلا تجعلنا يا رب كمن قد غدر؛ فقال له أبي: صدق، ولقد وفى وكرم، وكسبت لنفسك شراً؛ قال: كلا، إني لم أكسب لنفسي شراً، ولكني كسبت لها خيراً. قال: وزعموا أن رضي بن منقذ العبدي رد بعد على كعب بن جابر جواب قوله، فقال: لو شاء ربي ما شهدت قتالهم ... ولا جعل النعماء عندي ابن جابر لقد كان ذاك اليوم عاراً وسبةً ... يعيره الأبناء بعد المعاشر فيا ليت أني كنت من قبل قتله ... ويوم حسينٍ كنت في رمس قابر قال: وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري يقاتل دون حسين وهو يقول: قد علمت كتيبة الأنصار ... أني سأحمي حوزة الذمار ضرب غلامٍ غير نكسٍ شاري ... دون حسينٍ مهجتي وداري قال أبو مخنف: عن ثابت بن هبيرة، فقتل عمرو بن قرظة بن كعب، وكان مع الحسين، وكان علي أخوه مع عمر بن سعد، فنادى علي بن قريظة: يا حسين، يا كذاب ابن الكذاب، أضللت أخي وغررته حتى قتلته. قال: إن الله لم يضل أخاك، ولكنه هدى أخاك وأضلك؛ قال: قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك؛ فحمل عليه، فاعترضه نافع بن هلال المرادي، فطعنه فصرعه، فحمله أصحابه فاستنقذوه، فدووي بعد فبرأ. قال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح أبو زهير العبسي أن الحر بن يزيد لما لحق بحسين قال رجل من بني تميم من بني شقرة وهم بنو الحارث بن تميم، يقال له يزيد بن سفيان: أما والله لو أني رأيت الحر بن يزيد حين خرج لأتبعته السنان؛ قال: فبينا الناس يتجاولون ويقتتلون والحر بن يزيد يحمل على القوم مقدماً ويتمثل قول عنترة: ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه حتى تسربل بالدم قال: وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبه، وإن دماءه لتسيل، فقال الحصين بن تميم - وكان على شرطة عبيد الله، فبعثه إلى الحسين، وكان مع عمر بن سعد، فولاه عمر مع الشرطة المجففة - ليزيد بن سفيان: هذا الحر بن يزيد الذي كنت تتمنى؛ قال: نعم فخرج إليه فقال له: هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة؟ قال: نعم قد شئت، فبرز له؛ قال: فأنا سمعت الحصين بن تميم يقول: والله لأبرز له؛ فكأنما كانت نفسه في يده، فما لبثه الحر حين خرج إليه أن قتله. قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني يحيى بن هانىء بن عروة، أن نافع بن هلال كان يقاتل يومئذ وهو يقول: أنا الجملي، أنا على دين علي. قال: فخرج إليه رجل يقال له مزاحم بن حريث، فقال: أنا على دين عثمان، فقال له: أنت على دين شيطان، ثم حمل عليه فقتله، فصاح عمرو ابن الحجاج بالناس: يا حمقى، أتدرون من تقاتلون! فرسان المصر؛ قوماً مستميتين، لا يبرزن لهم منكم أحد، فإنهم قليل، وقلما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم؛ فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأي ما رأيت، وأرسل إلى الناس يعزم عليهم ألا يبارز رجلٌ منكم رجلاً منهم. قال أبو مخنف: حدثني الحسين بن عقبة المرادي، قال: الزبيدي: إنه سمع عمرو بن الحجاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول: يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين، وخالف الإمام، فقال له الحسين: يا عمرو بن الحجاج، أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟ أما والله لتعلمن لو قد قبضت أرواحكم، ومتم على أعمالكم، أينا مرق من الدين، ومن هو أولى بصلي النار! قال: ثم إن عمرو بن الحجاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعةً؛ فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أول أصحاب الحسين، ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه، وارتفعت الغبرة، فإذا هم به صريع، فمشى إليه الحسين فإذا به رمقٌن فقال: رحمك ربك يا مسلم بن عوسجة، " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً " . ودنا منه حبيب بن مظاهر فقال: عز علي مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة، فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشرك الله بخير! فقال له حبيب: لولا أني أعلم أني في أثرك لاحقٌ بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهلٌ له في القرابة والدين؛ قال: بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله - وأهوى بيده إلى الحسين - أن تموت دونه، قال: أفعل ورب الكعبة؛ قال: فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم، وصاحت جاريةٌ له فقالت: يابن عوسجتاه! يا سيداه! فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج: قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي؛ فقال شبث لبعض من حوله من أصحابه: ثكلتكم أمهاتكم! إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذللون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة! أما والذي أسلمت له لرب موقفٍ له قد رأيته في المسلمين كريم! لقد رأيته يوم سلق آذربيجان قتل ستةً من المشركين قبل تتام خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون! قال: وكان الذي قتل مسلم بن عوسجة مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي. قال: وحمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة على أهل الميسرة فثبتوا له، فطاعنوه وأصحابه، وحمل على حسين وأصحابه من كل جانب، فقتل الكلبي وقد قتل رجلين بعد الرجلين الأولين، وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه هانىء بن ثبيت الحضرمي وبكير ابن حي التيمي. من تيم الله بن ثعلبة، فقتلاه، وكان القتيل الثاني من أصحاب الحسين، وقاتلهم أصحاب الحسين قتالاً شديداً، وأخذت خيلهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارساً، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته، فلما رأى ذلك عزرة بن قيس - وهو على خيل أهل الكوفة - أن خيله تنكشف من كل جانب، بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن ابن حصن، فقال: أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العدة اليسيرة! ابعث إليهم الرجال والرماة؛ فقال لشبث بن ربعي: ألا تقدم إليهم! فقال: سبحان الله! أتعمد إلى شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة! لم تجد من تندب لهذا ويجزىء عنك غيري! قال: وما زالوا يرون من شبث الكراهة لقتاله. قال: وقال أبو زهير العبسي: فأنا سمعته في إمارة مصعب يقول: لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية! ضلال يا لك من ضلال! قال: ودعا عمر بن سعد الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وصاروا رجالةً كلهم. قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة أن أيوب بن مشرح الخيواني كان يقول: أنا والله عقرت بالحر بن يزيد فرسه، حشأته سهماً، فما لبث أن أرعد الفرس واضطرب وكبا، فوثب عنه الحر كأنه ليث والسيف في يده وهو يقول: إن عقروا بي فأنا ابن الحر ... أشجع من ذي لبدٍ هزبر قال: فما رأيت أحداً قط يفري فريه؛ قال: فقال له أشياخٌ من الحي: أنت قتلته؟ قال: لا والله ما أنا قتلته، ولكن قتله غيري، وما أحب أني قتلته، فقال له أبو الوداك: ولم؟ قال: إنه كان زعموا من الصالحين، فوالله لئن كان ذلك إثماً لأن ألقى الله بإثم الجراحة والموقف أحب إلي من أن ألقاه بإثم قتل أحد منهم؛ فقال له أبو الوداك: ما أراك إلا ستلقى الله بإثم قتلهم أجمعين؛ أرأيت لو أنك رميت ذا فعقرت ذا، ورميت آخر، ووقفت موقفاً، وكررت عليهم، وحرضت أصحابك، وكثرت أصحابك، وحمل عليك فكرهت أن تفر، وفعل آخر من أصحابك كفعلك، وآخر وآخر، كان هذا وأصحابه يقتلون! أنتم شركاء كلكم في دمائهم؛ فقال له: يا أبا الوداك، إنك لتقنطنا من رحمة الله، إن كنت ولى حسابنا يوم القيامة فلا غفر الله لك إن غفرت لنا! قال: هو ما أقول لك؛ قال: وقاتلوهم حتى انتصف النهار أشد قتال خلقه الله، وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلا من وجهٍ واحد لاجتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض. قال: فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجالاً يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم؛ قال: فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو يقوض وينتهب فيقتلونه ويرمونه من قريب ويعقرونه، فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال: أحرقوها بالنار، ولا تدخلوا بيتاً ولا تقوضوه، فجاءوا بالنار، فأخذوا يحرقون، فقال حسين: دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها، وكان ذلك كذلك، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد. قال: وخرجت امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول: هنيئاً لك الجنة! فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام يسمى رستم: اضرب رأسها بالعمود؛ فضرب رأسها فشدخه، فماتت مكانها؛ قال: وحمل شمر بن ذي الجوشن حتى طعن فسطاط الحسين برمحه، ونادى: علي بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله؛ قال: فصاح النساء وخرجن من الفسطاط؛ قال: وصاح به الحسين: يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي، حرقك الله بالنار! قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله! إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين. تعذب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء! والله إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك؛ قال: فقال: من أنت؟ قال: قلت: لا أخبرك من أنا، قال: وخشيت والله أن لو عرفني أن يضرني عند السلطان؛ قال: فجاءه رجل كان أطوع له مني؛ شبث بن ربعي، فقال: ما رأيت مقالاً أسوأ من قولك، ولا موقفاً أقبح من موقفك، أمرعباً للنساء صرت! قال: فأشهد أنه استحيا، فذهب لينصرف. وحمل عليه زهير ابن القين في رجال من أصحابه عشرة، فشد على شمر بن ذي الجوشن وأصحابه، فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها، فصرعوا أبا عزة الضبابي فقتلوه، فكان من أصحاب شمر، وتعطف الناس عليهم فكثروهم، فلا يزال الرجل من أصحاب الحسين قد قتل، فإذا قتل منهم الرجل والرجلان تبين فيهم، وأولئك كثير لا يتبين فيهم ما يقتل منهم؛ قال: فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قال للحسين: يا أبا عبد الله؛ نفسي لك الفداء! إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله، وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي دنا وقتها؛ قال: فرفع الحسين رأسه ثم قال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين! نعم، هذا أول وقتها؛ ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي؛ فقال لهم الحصين بن تميم: إنها لا تقبل؛ فقال له حبيب بن مظاهر: لا تقبل زعمت! الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل وتقبل منك يا حمار! قال: فحمل عليهم حصين بن تميم، وخرج إليه حبيب بن مظاهر، فضرب وجه فرسه بالسيف، فشب ووقع عنه، وحمله أصحابه فاستنقذوه، وأخذ حبيب يقول: أقسم لو كنا لكم أعدادا ... أو شطركم وليتم أكتادا يا شر قوم حسباً وآدا قال: وجعل يقول يومئذ: أنا حبيب وأبي مظاهر ... فارس هيجاء وحرب تسعر أنتم أعد عدة وأكثر ... ونحن أوفى منكم وأصبر ونحن أعلى حجةً وأظهر ... حقاً وأتقى منكم وأعذر وقاتل قتالاً شديداً، فحمل عليه رجلٌ من بني تميم فضربه بالسيف على رأسه فقتله - وكان يقال له: بديل بن صريم من بني عقفان - وحمل عليه آخر من بني تميم فطعنه فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف، فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه، فقال له الحصين: إني لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله ما قتله غيري؛ فقال الحصين: اعطنيه أعلقه في عنق فرسي كيما يرى الناس ويعلموا أني شركت في قتله؛ ثم خذه أنت بعد فامض به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجة لي فيما تعطاه على قتلك إياه. قال: فأبى عليه، فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر قد علقه في عنق فرسه، ثم دفعه بعد ذلك إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب فعلقه في لبان فرسه، ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر فبصر به ابنه القاسم بن حبيب، وهو يومئذ قد راهق، فأقبل مع الفارس لا يفارقه، كلما دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به، فقال: ما لك يا بني تتبعني! قال: لا شيء، قال: بلى، يا بني أخبرني، قال له: إن هذا الرأس الذي معك رأس أبي، أفتعطينيه حتى أدفنه؟ قال: يا بني، لا يرضى الأمير أن يدفن، وأنا أريد أن يثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً؛ قال له الغلام: لكن الله لا يثيبك على ذلك إلا أسوأ الثواب؛ أما والله لقد قتلت خيراً منك، وبكى. فمكث الغلام حتى إذا أدرك لم يكن له همةٌ إلا اتباع أثر قاتل أبيه ليجد منه غرةً فيقتله بأبيه، فلما كان زمان مصعب بن الزبير وغزا مصعب باجميرا دخل عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فأقبل يختلف في طلبه والتماس غرته، فدخل عليه وهو قاتلٌ نصف النهار فضربه بسيفه حتى برد. قال أبو مخنف: حدثني محمد بن قيس، قال: لما قتل حبيب بن مظاهر هد ذلك حسيناً وقال عند ذلك: أحتسب نفسي وحماة أصحابي، قال: فأخذ الحر يرتجز ويقول: آليت لا أقتل حتى أقتلا ... ولن أصاب اليوم إلا مقبلا أضربهم بالسيف ضرباً مقصلا ... لاناكلاً عنهم ولامهللا وأخذ يقول أيضاً: أضرب في أعراضهم بالسيف ... عن خير من حل منىً والخيف فقاتل هو وزهير بن القين قتالاً شديداً، فكان إذا شد أحدهما؛ فإن استلحم شد الآخر حتى يخلصه، ففعلا ذلك ساعة. ثم إن رجالة شدت على الحر بن يزيد فقتل، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدواً له، ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالهم، ووصل إلى الحسين، فاستقدم الحنفي أمامه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه، فما زال يرمي حتى سقط. وقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً، وأخذ يقول: أنا زهير وأنا ابن القين ... أذودهم بالسيف عن حسين قال: وأخذ يضرب على منكب حسين ويقول: أقدم هديت هادياً مهديا ... فاليوم تلقى جدك النبيا وحسناً والمرتضى عليا ... وذا الجناحين الفتى الكميا وأسد الله الشهيد الحيا قال: فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه، قال: وكان نافع بن هلال الجملي قد كتب اسمه على أفواق نبله، فجعل يرمي بها مسومةً وهو يقول: أنا الجملي، أنا على دين علي. فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح؛ قال: فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيراً؛ قال: فأخذه شمر بن ذي الجوشن ومعه أصحاب له يسوقون نافعاً حتى أتى به عمر بن سعد، فقال له عمر بن سعد: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك! قال: إن ربي يعلم ما أردت؛ قال: والدماء تسيل على لحيته وهو يقول: والله لقد قتلت منكم اثني عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعدٌ ما أسرتموني؛ فقال له شمر: اقتله أصلحك الله! قال: أنت جئت به، فإن شئت فاقتله، قال: فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: أما والله أن لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه؛ فقتله. قال: ثم أقبل شمر يحمل عليهم وهو يقول: خلوا عداة الله خلوا عن شمر ... يضربهم بسيفه ولا يفر وهو لكم صابٌ وسم ومقر قال: فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كشروا، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم، تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه، فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان، فقالا: يا أبا عبد الله، حازنا العدو إليك، فأحببنا أن نقتل بين يديك، نمنعك وندفع عنك، قال: مرحباً بكما! ادنوا مني، فدنوا منه، فجعلا يقاتلان قريباً منه، وأحدهما يقول: قد علمت حقاً بنو غفار ... وخندفٌ بعد بني نزار لنضربن معشر الفجار ... بكل عضبٍ صارمٍ بتار يا قوم ذودوا عن بني الأحرار ... بالمشرفي والقنا الخطار قال: وجاء الفتيان الجابريان: سيف بن الحارث بن سريع، ومالك ابن عبد بن سريع، وهما ابنا عم، وأخوان لأم، فأتيا حسيناً فدنوا منه وهما يبكيان، فقال: أي ابني أخي، ما يبكيكما؟ فوالله إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين، قالا: جعلنا الله فداك! لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنا نبكي عليك، نراك قد أحيط بك، ولا نقدر على أن نمنعك؛ فقال: جزاكما الله يا بني أخي بوحدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين؛ قال: وجاء حنظلة بن أسعد الشبامي فقام بين يدي حسين، فأخذ يندي: " يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصمٍ ومن يضلل الله فما له من هاد " يا قوم تقتلوا حسناً فيسحتكم الله بعذاب " وقد خاب من افترى " فقال له حسين: يابن أسعد، رحمك الله، إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين! قال: صدقت، جعلت فداك! أنت أفقه مني وأحق بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟ فقال: رح إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها، وغلى ملكٍ لا يبلى، فقال: السلام عليك أبا عبد الله، رضي الله عنك وعلى أهل بيتك، وعرف بيننا وبينك في جنته، فقال: آمين آمين؛ فاستقدم فقاتل حتى قتل. قال: ثم استقدم الفتيان الجابريان يلتفتان إلى حسين ويقولان: السلام عليك يابن رسول الله، فقال: وعليكما السلام ورحمةالله؛ فقاتلا حتى قتلا؛ قال: وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال: يا شوذب، ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقتل؛ قال: ذلك الظن بك، أما لا فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتى أحتسبك أنا، فإنه لو كان معي الساعة أحدٌ أنا أولى به مني بك لسرني أن يتقدم بين يدي حتى أحتسبه، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكل ما قدرنا عليه، فإنه لا عمل بعد اليوم، وإنما هو الحساب؛ قال: فتقدم فسلم على الحسين، ثم مضى فقاتل حتى قتل. ثم قال عابس بن أبي شبيب: يا أبا عبد الله، أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعز علي ولا أحب إلي منك؛ ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلته؛ السلام عليك يا أبا عبد الله، أشهد الله أني على هديك وهدي أبيك؛ ثم مشى بالسيف مصلتاً نحوهم وبه ضربة على جبينه. قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن رجل من بني عبد من همدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم، قال: لما رايته مقبلاً عرفته وقد شاهدته في المغازي، وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس، هذا الأسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب؛ لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي: ألا رجلٌ لرجل! فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة؛ قال: فرمي بالحجارة من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، فوالله لرأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس؛ ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب، فقتل؛ قال: فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة؛ هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان واحد، ففرق بينهم بهذا القول. قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عاصم، عن الضحاك بن عبد الله المشرقي، قال: لما رأيت أصحاب الحسين قد أصيبوا، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي وبشير ابن عمرو الحضرمي، قلت له: يابن رسول الله، قد علمت ما كان بيني وبينك؛ قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حل من الانصراف؛ فقلت لي: نعم؛ قال: فقال: صدقت، وكيف لك بالنجاء! إن قدرت على ذلك فأنت في حل؛ قال: فأقبلت إلى فرسي وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلاً، فقتلت يومئذ بين يدي الحسين رجلين، وقطعت يد آخر، وقال لي الحسين يومئذ مراراً: لا تشلل، لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم! فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط، ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي، واتبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتى انتهيت إلى شفية؛ قرية قريبة من شاطىء الفرات، فلما لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي وأيوب بن مشرح الخيواني وقيس بن عبد الله الصائدي، فقالوا: هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبن إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم؛ قال: فلما تابع التميميون أصحابي كف الآخرون؛ قال: فنجاني الله. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي أن يزيد بن زياد؛ وهو أبو الشعثاء الكندي من بني بهدلة جثا على ركبتيه بين يدي الحسين، فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكان رامياً، فكان كلما رمى قال: أنا ابن بهدله، فرسان العرجله؛ ويقول حسين: اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة؛ فلما رمى بها قام فقال: ما سقط منها إلا خمسة أسهم، ولقد تبين لي أني قد قتلت خمسة نفر، وكان في أول من قتل، وكان رجزه يومئذ: أنا يزيد وأبي مهاصر ... أشجع من ليثٍ بغيلٍ خادر يا رب إني للحسين ناصر ... ولابن سعدٍ تاركٌ وهاجر وكان يزيد بن زياد بن المهاصر ممن خرج مع عمر بن سعد إلى الحسين، فلما ردوا الشروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتى قتل، فأما الصيداوي عمر بن خالد، وجابر بن الحارث السلماني، وسعد مولى عمر بن خالد، ومجمع بن عبد الله العائذي، فإنهم قاتلوا في أول القتال، فشدوا مقدمين بأسيافهم على الناس، فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم غير بعيد، فحمل عليهم العباس بن علي فاستنقذهم، فجاءوا قد جرحوا، فلما دنا منهم عدوهم شدوا بأسيافهم فقاتلوا في أول الأمر حتى قتلوا في مكان واحد. قال أبو مخنف: حدثني زهير بن عبد الرحمن بن زهير الخثعمي، قال: كان آخر من بقي مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، قال: وكان أول قتيل من بني أبي طالب يومئذ عليٌّ الأكبر بن الحسين بن علي، وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، وذلك أنه أخذ يشد على الناس وهو يقول: أنا علي بن حسين بن علي ... نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي قال: ففعل ذلك مراراً، فبصر به مرة بن منقذ بن النعمان العبدي ثم الليثي، فقال: علي أثام العرب إن مر بي يفعل مثل ما كان يفعل إن لم أثكله أباه؛ فمر يشد على الناس بسيفه، فاعترضه مرة بن منقذ، فطعنه فصرع، واحتوله الناس فقطعوه بأسيافهم. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: سماع أذني يومئذ من الحسين يقول: قتل الله قوماً قتلوك يا بني! ما أجرأهم على الرحمن، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء. قال: وكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعةً كأنها الشمس الطالعة تنادي: يا أخياه! ويابن أخياه! قال: فسألت عليها، فقيل: هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت حتى أكبت عليه، فجاءها الحسين فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط، وأقبل الحسين إلى ابنه، وأقبل فتيانه إليه، فقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. قال: ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته، فأخذ لا يستطيع أن يحرك كفيه، ثم انتحى له بسهم آخر ففلق قلبه، فاعتورهم الناس من كل جانب، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي ثم النبهاني على عون بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب فقتله، وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله؛ قال: وشد عثمان بن خالد ابن أسير الجهني، وبشر بن سوط الهمداني ثم القابضي على عبد الرحمن ابن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمي جعفر ابن عقيل بن أبي طالب فقتله. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه شقة قمر، في يده السيف، عليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لي عمرو ابن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه؛ فشد عليه فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف، فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عماه! قال: فجلى الحسين كما يجلي الصقر، ثم شد شدة ليث غضب، فضرب عمراً بالسيف، فاتقاه بالساعد، فأطنها من لدن المرفق، فصاح، ثم تنحى عنه، وحملت خيلٌ لأهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من حسين، فاستقبلت عمراً بصدورها، فحركت حوافرها وجالت الخيل بفرسانها عليه، فوطئته حتى مات، وانجلت الغبرة، فإذا أنا بالحسين قائمٌ على رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه؛ وحسين يقول: بعداً لقوم قتلوك؛ ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك! ثم قال: عز الله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا ينفعك! صوتٌ والله كثر واتره، وقل ناصره. ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع حسين صدره على صدره؛ قال: فقلت في نفسي: ما يصنع به! فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين وقتلى قد قتلت حوله من أهل بيته، فسألت عن الغلام، فقيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب. قال: ومكث الحسين طويلاً من النهار كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه، وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه عليه؛ قال: وإن رجلاً من كندة يقالله مالك بن النسير من بني بداء، أتاه فضربه على رأسه بالسيف، وعليه برنس له، فقطع البرنس، وأصاب السيف رأسه، فأدمى رأسه، فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين! قال: فألقى ذلك البرنس، ثم دعا بقلنسوة فلبسها، واعتم، وقد أعيا وبلد، وجاء الكندي حتى أخذ البرنس - وكان من خز - فلما قدم به بعد ذلك على امرأته أم عبد الله ابنة الحر أخت حسين بن الحر البدي، أقبل يغسل البرنس من الدم، فقالت له امرأته: أسلب ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل بيتي! أخرجه عني؛ فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيراً بشر حتى مات. قال: ولما قعد الحسين أتى بصبي له فأجلسه في حجره زعموا أنه عبد الله بن الحسين. قال أبو مخنف: قال عقبة بن بشير الأسدي: قال لي أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين: إن لنا فيكم يا بني أسد دماً؛ قال: قلت: فما ذنبي أنا في ذلك رحمك الله يا أبا جعفر! وما ذلك؟ قال: أتى الحسين بصبي له، فهو في حجره، إذ رماه أحدكم يا بني أسد بسهمٍ فذبحه، فتلقى الحسين دمه، فلما ملأ كفيه صبه في الأرض ثم قال: رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين؛ قال: ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن علي بسهم فقتله، فلذلك يقول الشاعر؛ وهو ابن أبي عقب: وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا ... وفي أسدٍ أخرى تعد وتذكر قال: وزعموا أن العباس بن علي قال لإخوته من أمه: عبد الله، وجعفر وعثمان: يا بني أمي، تقدموا حتى أرثكم، فإنه لا ولد لكم، ففعلوا، فقتلوا.وشد هانىء بن ثبيت الحضرمي على عبد الله بن علي بن أبي طالب فقتله، ثم شد على جعفر بن علي فقتله وجاء برأسه، ورمى خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي بن أبي طالب بسهم، ثم شد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله، وجاء برأسه، ورمى رجلٌ من بني أبان بن دارم محمد بن علي بن أبي طالب فقتله وجاء برأسه. قال هشام: حدثني أبو الهذيل - رجلٌ من السكون - عن هانىء بن ثبيت الحضرمي، قال: رأيته جالساً في مجلس الحضرميين في زمان خالد بن عبد الله وهو شيخ كبير؛ قال: فسمعته وهو يقول: كنت ممن شهد قتل الحسين، قال: فوالله إني لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس، وقد جالت الخيل وتصعصعت، إذ خرج غلامٌ من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية، عليه إزار وقميص، وهو مذعور، يتلفت يميناً وشمالاً، فكأني أنظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض، حتى إذا دنا منه مال عن فرسه، ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف. قال هشام: حدثني عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: عطش الحسين حتى اشتد عليه العطش، فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقى الدم من فمه، ويرمي به إلى السماء، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم جمع يديه فقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على الأرض منهم أحداً. قال هشام، عن أبيه محمد بن السائب، عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: حدثني من شهد الحسين في عسكره أن حسيناً حين غلب على عسكره ركب المسناة يريد الفرات، قال: فقال رجل من بني أبان بن دارم: ويلكم! حولوا بينه وبين الماء لا تتام إليه شيعته؛ قال: وضرب فرسه، وأتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهم أظمه، قال: وينتزع الأباني بسهم، فأثبته في حنك الحسين، قال: فانتزع الحسين السهم، ثم بسط كفيه فامتلأت دماً، ثم قال الحسين: اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك؛ قال: فوالله إن مكث الرجل إلا يسيراً حتى صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى. قال القاسم بن الأصبغ: لقد رأيتني فيمن يروح عنه والماء يبرد له فيه السكر وعساس فيها اللبن، وقلال فيها الماء، وإنه ليقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ، فيعطى القلة أو العس كان مروياً أهل البيت فيشربه، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة ثم يقول: ويلكم! اسقوني قتلني الظمأ؛ قال: فوالله ما لبث إلا يسيراً حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير. قال أبو مخنف في حديثه: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفرٍ نحو من عشرة من رجالة أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله، فقال الحسين: ويلكم! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهالكم؛ فقال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يابن فاطمة؛ قال: وأقدم عليه بالرجالة، منهم أبو الجنوب - واسمه عبد الرحمن الجعفي - والقثعم بن عمرو بن يزيد الجعفي، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخولي بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر ابن ذي الجوشن يحرضهم، فمر بأبي الجنوب وهو شاكٍ في السلاح فقال له: أقدم عليه؛ قال: وما يمنعك أن تقدم عليه أنت! فقال له شمر: ألي تقول ذا! قال: وأنت لي تقول ذا! فاستبا، فقال له أبو الجنوب - وكان شجاعاً: والله لهممت أن أخضخض السنان في عينك؛ قال: فانصرف عنه شمر وقال: والله لئن قدرت على أن أضرك لأضرنك قال: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين؛ فأخذ الحسين يشد عليهم فينكشفون عنه. ثم إنهم أحاطوا به إحاطةً، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذته أخته زينب ابنة علي لتحبسه، فقال لها الحسين: احبسيه، فأبى الغلام، وجاء يشتد إلى الحسين، فقام إلى جنبه؛ قال: وقد أهوى بحر بن كعب بن عبيد الله - من بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة - إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يابن الخبيثة، أتقتل عمي! فضربه بالسيف، فاتقاه الغلام بيده فأطنها إلا الجلدة، فإذا يده معلقة، فنادى الغلام: يا أمتاه! فأخذه الحسين فضمه إلى صدره، وقال: يابن أخي؛ اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين؛ برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وحمزة وجعفر والحسن بن علي؛ رضي الله عليهم أجمعين. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: سمعت الحسين يومئذ وهو يقول: اللهم أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حينٍ ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض عنهم الولاة أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا. قال: وضارب الرجالة حتى انكشفوا عنه؛ قال: ولما بقي الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة، دعا بسراويل محققة يلمع فيها البصر، يماني محقق، ففزره ونكثه لكيلا يسلبه، فقال له بعض أصحابه: لو لبست تحته تباناً! قال: ذلك ثوب مذلة، ولا ينبغي لي أن ألبسه؛ قال: فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجرداً. قال أبو مخنف: فحدثني عمرو بن شعيب، عن محمد بن عبد الرحمن أن يدي بحر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود. قال أبو مخنف: عن الحجاج، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي، وعتب على عبد الله بن عمار بعد ذلك مشهده قتل الحسين، فقال عبد الله بن عمار: إن لي عند بني هاشم ليداً، قلنا له: وما يدك عندهم؟ قال: حملت على حسين بالرمح فانتهيت إليه، فوالله لو شئت لطعنته، ثم انصرفت عنه غير بعيد، وقلت: ما أصنع بأن أتولى قتله! يقتله غيري. قال: فشد عليه رجالة ممن عن يمينه وشماله، فحمل على من عن يمينه حتى ابذعروا، وعلى من شماله حتى ابذعروا، وعليه قميص له من خز وهو معتمٌّ؛ قال: فوالله ما رأيت مكسوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله؛ أن كانت الرجالة لتنكشف من عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب؛ قال: فوالله إننه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته، وكأني أنظر إلى قرطها يجول بين أذنيها وعاتقها وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض! وقد دنا عمر بن سعد من حسين؛ فقالت: يا عمر بن سعد، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه! قال: فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته؛ قال: وصرف بوجهه عنها. قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن حميد بن مسلم قال: كانت عليه جبة من خز، وكان معتماً، وكان مخضوباً بالوسمة، قال: وسمعته يقول قبل أن يقتل، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية، ويفترص العورة، ويشد على الخيل، وهو يقول: أعلى قتلي تحاثون! أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله اله أسخط عليكم لقتله مني؛ وايم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ولقد مكث طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء؛ قال: فنادى شمر في الناس: ويحكم؛ ماذا تنظرون بالرجل! اقتلوه ثكلتكم أمهاتم! قال: فحمل عليه من كل جانب، فضربت كفه اليسرى ضربةً، ضربها زرعة بن شريك التميمي، وضرب على عاتقه، ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو؛ قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح فوقع، ثم قال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتز رأسه، فأراد أن يفعل، فضعف فأرعد، فقال له سنان بن أنس: فت الله عضديك، وأبان يديك! فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه، ثم دفع إلى خولي بن يزيد، وقد ضرب قبل ذلك بالسيوف. قال أبو مخنف، عن جعفر بن محمد بن علي، قال: وجد بالحسين رضي الله عنه حين قتل ثلاثٌ وثلاثون طعنة وأربعٌ وثلاثون ضربة؛ قال: وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحدٌ من الحسين إلا شد عليه مخافة أن يغلب على رأسه، حتى أخذ رأس الحسين فدفعه إلى خولي؛ قال: وسلب الحسين ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته - وكانت من خز، وكان يسمى بعد قيس قطيفة - وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل؛ قال: ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها؛ قال: ومال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه، فأن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها. قال أبو مخنف: حدثني زهير بن عبد الرحمن الخثعمي، أن سويد بن عمرو بن أبي المطاع كان صرع فأثخن، فوقع بين القتلى مثخناً، فسمعهم يقولون: قتل الحسين، فوجد إفاقةً، فإذا معه سكين وقد أخذ سيفه، فقاتلهم بسكينه ساعةً، ثم إنه قتل، قتله عروة بن بطار التغلبي، وزيد بن رقاد الجنبي، وكان آخر قتيل. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال، انتهيت إلى علي بن الحسين بن علي الأصغر وهو منبسط على فراش له، وهو مريض، وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون: ألا نقتل هذا؟ قال: فقلت: سبحان الله! أنقتل الصبيان! إنما هو صبي؛ قال: فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضن لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده عليهم. قال: فوالله ما رد أحد شيئاً؛ قال: فقال علي بن الحسين: جزيت من رجل خيراً! فوالله لقد دفع الله عني بمقالتك شراً؛ قال: فقال الناس لسنان بن أنس: قتلت حسين بن علي وابن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتلت أعظم العرب خطراً؛ جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن ملكهم، فأت أمراءك فاطلب ثوابك منهم، لو أعطوك بيوت أموالهم في قتل الحسين كان قليلاً؛ فأقبل على فرسه، وكان شجاعاً شاعارً، وكانت به لوثة، فأقبل حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثم نادى بأعلى صوته: أوقر ركابي فضةً وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس أماً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقال عمر بن سعد: أشهد إنك لمجنون ما صححت قط، أدخلوه علي، فلما أدخل حذفه بالقضيب ثم قال: يا مجنون، أتتكلم بهذا الكلام! أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك؛ قال: وأخذ عمر بن سعد عقبة بن سمعان - وكان مولىً للرباب بنت امرىء القيس الكلبية، وهي أم سكينة بنت الحسين - فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبدٌ مملوك، فخلى سبيله، فلم ينج منهم أحد غيره، إلا أن المرقع بن ثمامة الأسدي كان قد نثر نبله وجثا على ركبتيه، فقاتل، فجاءه نفر من قومه، فقالوا له: أنت آمن، اخرج إلينا، فخرج إليهم، فلما قدم بهم عمر بن سعد على ابن زياد وأخبره خبره سيره إلى الزارة. قال: ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين ويوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة: منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين - فبرص بعد - وأحبش بن مرثد بن علقمة ابن سلامة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره، فبلغني أن أحبش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهم غرب؛ وهو واقف في قتال ففلق قلبه، فمات؛ قال: فقتل من أصحاب الحسين رضي الله عنه اثنان وسبعون رجلاً، ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم، وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً سوى الجرحى، فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم؛ قال: وما هو إلا أن قتل الحسين، فسرح برأسه من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، فأقبل به خولي فأراد القصر، فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في منزله، وله امرأتان: امرأة من بني أسد، والأخرى من الحضرميين يقال لها النوار ابنة مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية. قال هشام: فحدثني أبي، عن النوار بنت مالك، قالت: أقبل خولي برأس الحسين فوضعه تحت إجانة في الدار، ثم دخل البيت، فأوى إلى فراشه، فقلت له: ما الخبر؟ ما عندك؟ قال: جئتك بغنى الدهر، هذا راس الحسين معك في الدار؛ قالت: فقلت: ويلك - جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم! لا والله لا يجمع رأسي ورأسك بيتٌ أبداً؛ قالت: فقمت من فراشي، فخرجت إلى الدار، فدعا الأسدية فأدخلها إليه، وجلست أنظر، قالت: فوالله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيراً بيضاً ترفرف حولها. قال: فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد، وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثم أمر حميد بن بكير الأحمري فأذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعلي بن الحسين مريضٌ. قال أبو مخنف: فحدثني أبو زهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي، قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن. قال: فاعترضتهن على فرس، فما رأيت منظراً من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن ذلك اليوم، والله لهن أحسن من مها يبرين. قال: فما نسيت من الأشياء لا أنس قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعاً وهي تقول: يا محمداه، يا محمداه! صلى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عليها الصبا. قال: فأبكت والله كل عدو وصديق؛ قال: وقطف رءوس الباقين، فسرح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزرة بن قيس، فأقبلوا حتى قدموا بها على عبيد الله بن زياد. قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فاقبلت حتى أتيت أهله، فأعلمتهم ذلك، ثم أقبلت حتى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجد الوفد قد قدموا عليه؛ فأدخلهم، وأذن للناس، فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعةً، فلما رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب، قال له: اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما، ثم انفضخ الشيخ يبكي؛ فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك! فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك؛ قال: فنهض فخرج، فلما خرج سمعت الناس يقولون: والله لقد قال زيد بن أرقم قولاً لو سمعه ابن زياد لقتله؛ قال: فقلت: ما قال؟ قالوا؟ مر بنا وهو يقول: ملك عبدٌ عبداً، فاتخذهم تلداً؛ أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل، فبعداً لمن رضي بالذل! قال: فلما دخل برأس حسين وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها، وتنكرت، وحفت بها إماؤها، فلما دخلت جلست، فقال عبيد الله بن زياد: من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه؛ فقال ذلك ثلاثاً، كل ذلك لا تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة؛ قال: فقال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم! فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنما يتفضح الفاسق، ويكذب الفاجر؛ قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك! قالت: كتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاجون إليه، وتخاصمون عنده؛ قال: فغضب ابن زياد واستشاط؛ قال: فقال له عمرو ابن حريث: أصلح الله الأمير! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها! إنها لا تؤاخذ بقول، ولا تلام على خطل، فقال لها ابن زياد: قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك؛ قال: فبكت ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت، فقال لها عبيد الله: هذه شجاعة، قد لعمري كان أبوك شاعراً شجاعاً؛ قالت: ما للمرأة والشجاعة! إن لي عن الشجاعة لشغلا، ولكن نفثي ما أقول. قال أبو مخنف، عن المجالد بن سعيد: إن عبيد الله بن زياد لما نظر إلى علي بن الحسين قال لشرطي: انظر هل أدرك ما يدرك الرجال؟ فكشط إزاره عنه، فقال: نعم، قال انطلقوا به فاضربوا عنقه، فقال له علي: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلاً يحافظ عليهن، فقال له ابن زياد: تعال أنت، فبعثه معهن. قال أبو مخنف: وأما سليمان بن أبي راشد، فحدثني عن حميد بن مسلم قال: إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا علي بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله علي بن الحسين! فسكت، فقال له ابن زياد: ما لك لا تتكلم! قال: قد كان لي أخ يقال له أيضاً علي، فقتله الناس، قال: إن الله قد قتله، قال: فسكت علي، فقال له: ما لك لا تتكلم! قال: " الله يتوفى الأنفس حين موتها " " ما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله " ، قال: أنت والله منهم، ويحك! انظروا هل أدرك؟ والله إني لأحسبه رجلاً؛ قال: فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري، فقال: نعم قد أدرك؛ فقال: اقتله؛ فقال علي بن الحسين: من توكل بهؤلاء النسوة؟ وتعلقت به زينب عمته فقالت: يابن زياد، حسبك منا، أما رويت من دمائنا! وهل أبقيت منا أحداً! قال: فاعتنقته فقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه! قال: وناداه علي فقال: يابن زياد، إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام؛ قال: فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال: عجباً للرحم! والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها معه؛ دعوا الغلام، انطلق مع نسائك. قال حميد بن مسلم: لما دخل عبيد الله القصر ودخل الناس، نودي: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب، الحسين بن علي وشيعته؛ فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي ثم الغامدي، ثم أحد بني والبة - وكان من شيعة علي كرم الله وجهه، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، فلما كان يوم صفين ضرب على رأسه ضربةً، وأخرى على حاجبه، فذهبت عينه الأخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف - قال: فلما سمع مقالة ابن زياد، قال: يابن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبك والذي ولاك وأبوه؛ يابن مرجانة، أتقتلون أبناء النبيين، وتكلمون بكلام الصديقين! فقال ابن زياد: علي به؛ قال: فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه؛ قال: فنادى بشعار الأزد: يا مبرور - قال: وعبد الرحمن بن مخنف الأزدي جالس - فقال: ويح غيرك! أهلكت نفسك، وأهلكت قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الأزد سبعمائة مقاتل؛ قال: فوثب إليه فتيةٌ من الأزد فانتزعوه فأتوا به أهله، فأرسل إليه من أتاه به، فقتله وأمر بصلبه في السبخة، فصلب هنالك. قال أبو مخنف: ثم إن عبيد الله بن زياد نصب رأس الحسين بالكوفة، فجعل يدار به في الكوفة، ثم دعا زحر بن قيس فسرح معه برأس الحسين ورءوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبو بردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بها الشأم على يزيد بن معاوية. قال هشام: فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجرشي؛ من حمير، قال: والله إنا لعند يزيد ابن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك؟ وما عندك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال؛ فاختاروا القتال على الاستسلام، فعدونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، يهربون إلى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسب. قال: فدمعت عين يزيد، وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية! أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين! ولم يصله بشيء. قال: ثم إن عبيد الله أمر بنساء الحسين وصبيانه فجهزن، وأمر بعلي ابن الحسين فغل بغل إلى عنقه، ثم سرح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي، عائذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد، فلم يكن علي بن الحسين يكلم أحداً منهما في الطريق كلمة حتى بلغوا، فلما انتهوا إلى باب يزيد رفع محفز بن ثعلبة صوته، فقال: هذا محفز بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، قال: فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت أم محفز شرٌّ وألأم. قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى يزيد بن معاوية، قال: لما وضعت الرءوس بين يدي يزيد - رأس الحسين وأهل بيته وأصحابه - قال يزيد: يفلقن هاماً من رجال أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما أما والله يا حسين، لو أنا صاحبك ما قتلتك. قال أبو مخنف: حدثني أبو جعفر العبسي، عن أبي عمارة العبسي، قال: فقال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم: لهامٌ بجنب الطف أدنى قرابةً ... من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى ... وبنت رسول الله ليس لها نسل قال: فضرب يزيد بن معاوية في صدر يحيى بن الحكم وقال: اسكت. قال: ولما جلس يزيد بن معاوية دعا أشراف أهل الشأم فأجلسهم حوله، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسينن ونسائه، فأدخلوا عليه والناس ينظرون، فقال يزيد لعلي: يا علي، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت! قال: فقال علي: " ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها " ، فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه؛ قال: فمادرى خالد ما يرد عليه؛ فقال له يزيد: قل: " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ " ، ثم سكت عنه؛ قال: ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئةً قبيحة، فقال: قبح الله ابن مرجانة! لو كانت بينه وبينكم رحم أو قرابةٌ ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا. قال أبو مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي، قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد بن معاوية رق لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا؛ قالت: ثم إن رجلاً من أهل الشأم أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه - يعنيني، وكنت جاريةً وضيئةً - فأرعدت وفرقت، وظننت أن ذلك جائز لهم، وأخذت بثياب أختي زينب؛ قالت: وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت: كذبت والله ولؤمتذ ما ذلك لك وله، فغضب يزيد، فقال: كذبت والله، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت؛ قالت: كلا والله، ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا؛ قالت: فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك؛ فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك، قال: كذبت يا عدوة الله؛ قالت: أنت أميرٌ مسلط، تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك؛ قالت: فوالله لكأنه استيحا؛ فسكت، ثم عاد الشامي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية؛ قال: اعزب؛ وهب الله لك حتفاً قاضياً! قالت: ثم قال يزيد بن معاوية: يا نعمان بن بشير، جهزهم بما يصلحهم، وابعث معهم رجلاً من أهل الشأم أميناً صالحاً، وابعث معه خيلاً وأعواناً فيسير بهم إلى المدينة، ثم أمر بالنسوة أن ينزلن في دارٍ على حدة، معهن ما يصلحهن، وأخوهن معهن علي بن الحسين، في الدار التي هن فيها. قال: فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبق من آل معاوية امرأةٌ إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين، فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين إليه؛ قال: فدعاه ذات يوم، ودعا عمر بن الحسن بن علي وهو غلام صغير، فقال لعمر بن الحسن: أتقاتل هذا الفتى؟ يعني خالداً ابنه، قال: لا، ولكن أعطني سكيناً وأعطه سكيناً، ثم أقاتله، فقال له يزيد؛ وأخذه فضمه إليه ثم قال: شنشنةٌ أعرفها من أخزم؛ هل تلد الحية إلا حية! قال: ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يزيد علي بن الحسين ثم قال: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلةً أبداً إلا أعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، كاتبني وأنه كل حاجة تكون لك؛ قال: وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول؛ قال: فخرج بهم وكان يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إذا أراد إنسان منهم وضوءاً أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم في الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويلطفهم حتى دخلوا المدينة. وقال الحارث بن كعب: فقالت لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: يا أخية، لقد أحسن هذا الرجل الشأمي إلينا في صحبتنا، فهل لك أن نصله؟ فقالت: والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا؛ قالت لها: فنعطيه حلينا؛ قالت: فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها، فبعثنا بذلك إليه، واعتذرنا إليه، وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل؛ قال: فقال: لو كان الذي صنعت إنما هو للدنيا كان في حليكن ما يرضيني ودونه، ولكن والله ما فعلته إلا لله، ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي فإنه قال: لما قتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله، فبينا القوم محتبسون إذ وقع حجر في السجن، معه كتاب مربوط، وفي الكتاب خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إن شاء الله؛ قال: فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة إذا حجر قد ألقي في السجن، ومعه كتاب مربوط وموسى، وفي الكتاب: أوصلوا واعهدوا فإنما ينتظر البريد يوم كذا وكذا. فجاء البريد ولم يسمع التكبير، وجاء كتاب بأن سرح الأسارى إلي. قال: فدعا عبيد الله ابن زياد محفز بن ثعلبة وشمر بن ذي الجوشن، فقال: انطلقوا بالثقل والرأس إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ قال: فخرجوا حتى قدموا على يزيد، فقام محفز بن ثعلبة فنادى بأعلى صوته: جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم؛ فقال يزيد: ما ولدت أم محفز ألأم وأحمق، ولكنه قاطعٌ ظالم؛ قال: فلما نظر يزيد إلى رأس الحسين، قال: يفلقن هاماً من رجالٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما ثم قال: أتدرون من أين أتى هذا؟ قال: أبي عليٌّ خيرٌ من أبيه، وأمي فاطمة خيرٌ من أمه، وجدي رسول الله خيرٌ من جده، وأنا خيرٌ منه وأحق بهذا الأمر منه؛ فأما قوله: أبوه خيرٌ من أبي، فقد حاج أبي أباه، وعلم الناس أيهما حكم له؛ وأما قوله: امي خير من أمه، فلعمري فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ من أمي؛ وأما قوله: جدي خيرٌ من جده، فلعمري ما أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلاً ولا نداً، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قديرٌ " . ثم أدخل نساء الحسين على يزيد، فصاح نساء آل يزيد وبنات معاوية وأهله وولولن. ثم إنهن أدخلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد! فقال يزيد: يا ابنة أخي، أنا لهذا كنت أكره؛ قالت: والله ما ترك لنا خرص، قال: يا ابنة أخي ما آتٍ إليك أعظم مما أخذ منك، ثم أخرجن فأدخلن دار يزيد بن معاوية، فلم تبق امرأةٌ من آل يزيد إلا أتتهن، وأقمن المأتم، وأرسل يزيد إلى كل امرأة: ماذا أخذ لك؟ وليس منهن امرأة تدعي شيئاً بالغاً ما بلغ إلا قد أضعفه لها، فكانت سكينة تقول: ما رأيت رجلاً كافراً بالله خيراً من يزيد ابن معاوية. ثم أدخل الأسارى إليه وفيهم علي بن الحسين، فقال له يزيد: إيه يا علي! فقال علي: " ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسيرٌ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ " فقال يزيد: " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ " ثم جهزه وأعطاه مالاً، وسرحه إلى المدينة. قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو حمزة الثمالي، عن عبد الله الثمالي، عن القاسم بن بخيت، قال: لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم: كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً، فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرءوس والسبايا، فوثب مروان فانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم، فقال: ما صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال: حجبتم عن محمد يوم القيامة؛ لن أجامعكم على أمر أبداً ثم قام فانصرف، ودهلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه، وحدثوه الحديث. قال: فسمعت دور الحديث هند بنت عبد الله ابن عامر بن كريز - وكانت تحت يزيد بن معاوية - فتقنعت بثوبها، وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين، أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله! قال: نعم فأعولي عليه، وحدي على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصريحة قريش؛ عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله! ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيبٌ فهو ينكت به في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري: يفلقن هاماً من رجالٍ أحبةٍ ... إلينا وهم كانوا أعق وأظلما قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له أبو برزة الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً، لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه، أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيام وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد صلى الله عليه وسلم شفيعه؛ ثم قام فولى. قال هشام: حدثني عوانة بن الحكم، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي وجيء برأسه إليه، دعا عبد الملك بن أبي الحارث السلمي فقال: انطلق حتى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشره بقتل الحسين - وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ - قال: فذهب ليعتل له، فزجره - وكان عبيد الله لا يصطلي بناره - فقال: انطلق حتى تأتي المدينة، ولا يسبقك الخبر؛ وأعطاه دنانير، وقال: لا تعتل، وإن قامت بك راحلتك فاشتر راحلة؛ قال عبد الملك: فقدمت المدينة، فلقيني رجل من قريش، فقال: ما الخبر؟ فقلت: الخبر عند الأمير، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قتل الحسين بن علي؛ فدخلت على عمرو بن سعيد فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما سر الأمير، قتل الحسين بن علي؛ فقال: ناد بقتله، فناديت بقتله، فلم أسمع والله واعيةً قط مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين، فقال عمرو بن سعيد وضحك: عجت نساء بني زياد عجةً ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب والأرنب: وقعةٌ كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، من رهط عبد المدان، وهذا البيت لعمرو بن معد يكرب، ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان بن عفان، ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله. قال هشام، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن ابن عبيد أبي الكنود، قال: لما بلغ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقتل ابنيه مع الحسين، دخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه - قال: ولا أظن مولاه ذلك إلا أبا اللسلاس - فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين! قال: فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثم قال: يابن اللخناء، أللحسين تقول هذا! والله لو شهدته لأحببت ألا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لمما يسخى بنفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له، صابرين معه. ثم أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله عز وجل على مصرع الحسين، إلا تكن آست حسيناً يدي، فقد آساه ولدي. قال: ولما أتى أهل المدينة مقتل الحسين خرجت ابنة عقيل بن أبي طالب ومعها نساؤها وهي حاسرة تلوي بثوبها وهي تقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعتري وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم! قال هشام: عن عوانة، قال: قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله الحسين: يا عمر، أين الكتاب الذي كتبت به إليك في قتل الحسين؟ قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب؛ قال: لتجيئن به؛ قال: ضاع؛ قال: والله لتجيئني به؛ قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش اعتذاراً إليهن بالمدينة، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحةً لو نصحتها أبي سعد ابن أبي وقاص كنت قد أديت حقه، قال عثمان بن زياد أخو عبيد الله: صدق والله، لودت أنه ليس من بني زياد رجلٌ إلا وفي أنفه خزامةٌ إلى يوم القيامة وأن حسيناً لم يقتل؛ قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله. قال هشام: حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن أبي المقدام، قال: حدثني عمرو بن عكرمة، قال: أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولىً لنا يحدثنا، قال: سمعت البارحة منادياً ينادي وهو يقول: أيها القاتلون جهلاً حسيناً ... أبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبيٍّ وملأكٍ وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داو ... د وموسى وحامل الإنجيل قال هشام: حدثني عمر بن حيزوم الكلبي، عن أبيه، قال: سمعت هذا الصوت. ذكر أسماء من قتل من بني هاشم مع الحسين رضي الله عنه وعدد من قتل من كل قبيلة من القبائل التي قاتلته قال هشام: قال أبو مخنف: ولما قتل الحسين بن علي رضي الله عنه جيء برءوس من قتل معه من أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس، فذلك سبعون رأساً. قال: وقتل الحسين - وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - قتله سنان بن أنس النخعي ثم الأصبحي وجاء برأسه خولي بن يزيد، وقتل العباس بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد، قتله زيد بن رقاد الجنبي - وحكيم بن الطفيل السنبسي، وقتل جعفر بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين أيضاً - وقتل عبد الله بن علي ابن أبي طالب - وأمه أم البنين أيضاً - وقتل عثمان بن علي بن أبي طالب - وأمه أم البنين أيضاً - رماه خولي بن يزيد بسهم فقتله، وقتل محمد بن علي بن أبي طالب - وأمه أم ولد - قتله رجل من بني أبان بن دارم، وقتل أبو بكر بن علي بن أبي طالب - وأمه ليلى ابنة مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، وقد شك في قتله - وقتل علي ابن الحسين بن علي - وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود بن معتب الثقفي، وأمها ميمونة ابنة أبي سفيان بن حرب - قتله مرة بن منقذ بن النعمان العبدي، وقتل عبد الله بن الحسين بن علي - وأمه الرباب ابنة امرىء القيس ابن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم من كلب - قتله هانىء ابن ثبيت الحضرمي، واستصغر علي بن الحسين بن علي فلم يقتل، وقتل أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وأمه أم ولد - قتله عبد الله بن عقبة الغنوي، وقتل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وأمه أم ولد - قتله حرملة بن الكاهن، رماه بسهم؛ وقتل القاسم بن الحسن بن علي - وأمه أم ولد - قتله سعد بن عمرو بن نفيل الأزدي، وقتل عون بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب - وأمه جمانة ابنة المسيب بن نجبة بن ربيعة بن رياح من بني فزارة - قتله عبد الله بن قطبة الطائي ثم النبهاني، وقتل محمد ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - وأمه الخوصاء ابنة خصفة بن ثقيف بن ربيعة بن عائذ بن الحارث بن تيم الله بن ثعلبة من بكر بن وائل - قتله عامر ابن نهشل التيمي، وقتل جعفر بن عقيل بن أبي طالب - وأمه أم البنين ابنة الشقر بن الهضاب - قتله بشر بن حوط الهمداني، وقتل عبد الرحمن ابن عقيل - وأمه أم ولد - قتله عثمان بن خالد بن أسير الجهني، وقتل عبد الله بن عقيل بن أبي طالب - وأمه أم ولد - رماه عمرو بن صبيح الصدائي فقتله؛ وقتل مسلم بن عقيل بن أبي طالب - وأمه أم ولد، ولد بالكوفة - وقتل عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب - وأمه رقية ابنة علي بن أبي طالب وأمها أم ولد - قتله عمرو بن صبيح الصدائي؛ وقيل: قتله أسيد بن مالك الحضرمي، وقتل محمد بن أبي سعيد بن عقيل - وأمه أم ولد - قتله لقيط بن ياسر الجهني، واستصغر الحسن بن الحسن بن علي، وأمه خولة ابنة منظور بن زبان بن سيار الفزاري، واستصغر عمر بن الحسن بن علي فترك فلم يقتل - وأمه أم ولد - وقتل من الموالي سليمان مولى الحسين بن علي، قتله سليمان بن عوف الحضرمي، وقتل منجح مولى الحسين بن علي، وقتل عبد الله بن بقطر رضيع الحسين بن علي. قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، أن عبيد الله ابن زياد بعد قتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة، فلم ير عبيد الله بن الحر، ثم جاءه بعد أيام حتى دخل عليه، فقال: أين كنت يابن الحر؟ قال: كنت مريضاً؛ قال: مريض القلب، أو مريض البدن! قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد من الله علي بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت؛ ولكنك كنت مع عدونا؛ قال: لو كنت مع عدوك لرئي مكاني، وما كان مثل مكاني يخفى؛ قال: وغفل عنه ابن زياد غفلةً، فخرج ابن الحر فقعد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قالوا: خرج الساعة؛ قال: علي به؛ فأحضرت الشرط فقالوا له: أجب الأمير؛ فدفع فرسه ثم قال: أبلغوه أني لا آتيه والله طائعاً أبداً؛ ثم خرج حتى أتى منزل أحمر بن زياد الطائي فاجتمع إليه في منزله أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء فنظر إلى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو وأصحابه، ثم مضى حتى نزل المدائن، وقال في ذلك: يقول أميرٌ غدارٌ حق غادرٍ: ... ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه! فيا ندمي ألا أكون نصرته ... ألا كل نفس لا تسدد نادمه وإني لأني لم أكن من حماته ... لذو حسرةٍ ما إن تفارق لازمه سقى الله أرواح الذين تأزروا ... على نصره سقيا من الغيث دائمه وقفت على أجداثهم ومجالهم ... فكاد الحشا ينفض والعين ساجمه لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى ... سراعاً إلى الهيجا حماةً خضارمه تآسوا على نصر ابن بنت نبيهم ... بأسيافهم آساد غيلٍ ضراغمه فإن يقتلوا فكل نفسٍ تقيةٍ ... على الأرض قد أضحت لذلك واجمه وما إن رأى الراءون أفضل منهم ... لدى الموت ساداتٍ وزهراً قماقمه أتقتلهم ظلماً وترجو ودادنا ... فدع خطةً ليست لنا بملائمه! لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقمٍ منا عليكم وناقمه أهم مراراً أن أسير بجحفلٍ ... إلى فئةٍ زاغت عن الحق ظالمه فكفوا وإلا ذدتكم في كتائبٍ ... أشد عليكم من زحوف الديالمه ذكر خبر مقتل مرداس بن عمرو بن حدير وفي هذه السنة قتل أبو بلال مرداس بن عمرو بن حدير، من ربيعة بن حنظلة. ذكر سبب مقتلهقال أبو جعفر الطبري: قد تقدم ذكر سبب خروجه، وما كان من توجيه عبيد الله بن زياد إليه أسلم بن زرعة الكلابي في ألفي رجل، والتقائهم بآسك وهزيمة أسلم وجيشه منه ومن أصحابه فيما مضى من كتابنا هذا. ولما هزم مرداس أبو بلال أسلم بن زرعة، وبلغ عبيد الله بن زياد، سرح إليه - فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو المخارق الراسبي - ثلاثة آلاف، عليهم عباد بن الأخضر التميمي، فأتبعه عباد يطلبه حتى لحقه بتوج، فصف له، فحمل عليهم أبو بلال وأصحابه، فثبتوا. وتعطف الناس عليهم فلم يكونوا شيئاً. وقال أبو بلال لأصحابه: من كان منكم إنما خرج للدنيا فليذهب، ومن كان منكم إنما أراد الآخرة ولقاء ربه فقد سبق ذلك إليه، وقرأ: " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيبٍ " ، فنزل ونزل أصحابه معه لم يفارقه منهم إنسان، فقتلوا من عند آخرهم، ورجع عباد بن الأخضر، وذلك الجيش الذي كان معه إلى البصرة، وأقبل يريد قصر الإمارة وهو مردف ابناً له غلاماً، صغيراً، فقالوا: يا عبد الله، قف حتى نستفتيك؛ فوقف، فقالوا: نحن إخوةٌ أربعة، قتل أخونا، فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير، قالوا: قد استعديناه فلم يعدنا. قال: فاقتلوه، قتله الله! فوثبوا عليه فحكموا، وألقى ابنه فقتلوه. ذكر خبر ولاية سلم بن زياد على خراسان وسجستان وفي هذه السنة ولى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان. ذكر سبب توليته إياه حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: حدثنا مسلمة بن محارب بن سلم بن زياد، قال: وفد سلم بن زياد على يزيد بن معاوية وهو ابن أربع وعشرين سنة، فقال له يزيد: يا أبا حرب، أوليك عمل أخويك: عبد الرحمن وعباد؟ فقال: ما أحب أمير المؤمنين؛ فولاه خراسان وسجستان، فوجه سلم الحارث بن معاوية الحارثي جد عيسى بن شبيب من الشأم إلى خراسان، وقدم سلم البصرة، فتجهز وسار إلى خراسان، فأخذ الحارث بن قيس بن الهيثم السلمي فحبسه، وضرب ابنه شبيباً، وأقامه في سراويل، ووجه أخاه يزيد بن زياد إلى سجستان. فكتب عبيد الله بن زياد إلى عباد أخيه - وكان له صديقاً - يخبره بولاية سلم، فقسم عباد ما في بيت المال في عبيده، وفضل فضلٌ فنادى مناديه: من أراد سلفاً فليأخذ، فأسلف كل من أتاه، وخرج عباد عن سجستان. فلما كان بجيرفت بلغه مكان سلم - وكان بينهما جبل - فعدل عنه، فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك، أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف. قال: فأخذ عباد على فارس، ثم قدم على يزيد، فقال له يزيد: أين المال؟ قال كنت صاحب ثغر، فقسمت ما أصبت بين الناس. قال: ولما شخص سلم إلى خراسان شخص معه عمران بن الفصيل البرجمي، وعبد الله بن خازم السلمي، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، والمهلب بن أبي صفرة، وحنظلة بن عرادة، وأبو حزابة الوليد بن نهيك أحد بني ربيعة بن حنظلة، ويحيى بن يعمر العدواني حليف هذيل، وخلق كثير من فرسان البصرة وأشرافهم، فقدم سلم بن زياد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد بنخبة ألفي رجل ينتخبهم - وقال غيره: بل نخبة ستة آلاف - قال: فكان سلم ينتخب الوجوه والفرسان. ورغب قوم في الجهاد فطلبوا إليه أن يخرجهم، فكان أول من أخرجه سلم حنظلة بن عرادة، فقال له عبيد الله بن زياد: دعه لي؛ قال: هو بيني وبينك، فإن اختارك فهو لك، وإن اختارني فهو لي، قال: فاختار سلماً؛ وكان الناس يكلمن سلماً ويطلبون إليه أن يكتبهم معه، وكان صلة بن أشيم العدوي يأتي الديوان فيقول له الكاتب: يا أبا الصهباء، ألا أثبت اسمك، فإنه وجهٌ فيه جهادٌ وفضل؟ فيقول له: أستخير الله وأنظر؛ فلم يزل يدافع حتى فرغ من أمر الناس، فقالت له امرأته معاذة ابنة عبد الله العدوية: ألا تكتب نفسك؟ قال: حتى أنظر، ثم صلى واستخار الله؛ قال: فرأى في منامه آتياً أتاه، فقال له: اخرج فإنك تربح وتفلح وتنجح؛ فأتى الكاتب فقال له: أثبتني؛ قال: قد فرغنا ولن أدعك، فأثبته وابنه، فخرج سلم فصيره سلم مع يزيد بن زياد فسار إلى سجستان. قال: وخرج سلم وأخرج معه أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر. قال: وذكر مسلمة بن محارب وأبو حفص الأزدي عن عثمان بن حفص الكرماني أن عمال خراسان كانوا يغزون، فإذا دخل الشتاء قفلوا من مغازيهم إلى مرو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان في مدينة من مدائن خراسان مما يلي خارزم، فيتعاقدون ألا يغزو بعضهم بعضاً، ولا يهيج أحد أحداً، ويتشاورون في أمورهم، فكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم في غزو تلك المدينة فيأبون عليهم، فلما قدم خراسان غزا فشتا في بعض مغازيه؛ قال: فألح عليه المهلب، وسأله أن يوجهه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف - ويقال أربعة آلاف - فحاصرهم، فسألهم أن يذعنوا له بالطاعة، فطلبوا إليه أن يصالحهم على أن يفدوا أنفسهم، فأجابهم إلى ذلك، فصالحوه على نيف وعشرين ألف ألف؛ قال: وكان فقي صلحهم أن يأخذ منهم عروضاً، فكان يأخذ الرأس بنصف ثمنه، والدابة بنصف ثمنها، والكيمخت بنصف ثمنه، فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بها المهلب عند سلم، واصطفى سلم من ذلك ما أعجبه، وبعث به إلى يزيد مع مرزبان مرو، وأوفد في ذلك وفداً. قال مسلمة وإسحاق بن أيوب: غزا سلم سمرقند بامرأته أم محمد ابنة عبد الله، فولدت لسلم ابناً، فسماه صغدى. قال علي بن محمد: ذكر الحسن بن رشيد الجوزجاني، عن شيخ من خزاعة، عن أبيه، عن جده، قال: غزوت مع سلم بن زياد خوارزم، فصالحوه على مال كثير، ثم عبر إلى مسرقند فصالحه أهلها، وكانت معه امرأته أم محمد، فولدت له في غزاته تلك ابناً، وأرسلت إلى امرأة صاحب الصغد تستعير منها حلياً، فبعثت إليها بتاجها؛ وقفلوا، فذهبت بالتاج. وفي هذه السنة عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وولاها الوليد بن عتبة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: نزع يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد، لهلال ذي الحجة، وأمر الوليد بن عتبة على المدينة، فحج بالناس حجتين سنة إحدى وستين وسنة اثنتين وستين. وكان عامل يزيد بن معاوية في هذه السنة على البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة في آخرها الوليد بن عتبة، وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة شريح. وفيها أظهر ابن الزبير الخلاف على يزيد وخلعه. وفيها بويع له. ذكر سبب عزل يزيد عمرو بن سعيد عن المدينة وتوليته عليها الوليد بن عتبة وكان السبب في ذلك وسبب إظهار عبد الله بن الزبير الدعاء إلى نفسه - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل - قال: حدثني أبي، قال: لما قتل الحسين رضي الله عنه قام ابن الزبير في أهل مكة وعظم مقتله، وعاب على أهل الكوفة خاصة، ولام أهل العراق عامة، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم: إن أهل ا لعراق غدرٌ فجرٌ إلا قليلاً، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق؛ وإنهم دعوا حسيناً لينصروه ويولوه عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا إليه، فقالوا له: إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية سلماً فيمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب؛ فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله عز وجل لم يطلع على الغيب أحداً أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسيناً، وأخزى قاتل حسين! لعمري لقد كان من خلافهم إياه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناهٍ عنهم، ولكنه ما حم نازل، وإذا أراد الله أمراً لن يدفع. أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدق قولهم ونقبل لهم عهداً! لا، ولا نراهم لذلك أهلاً؛ أما والله لقد قتلوه طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد - يعرض بيزيد - فسوف يلقون غياً. فثار إليه أصحابه فقالوا له: أيها الرجل أظهر بيعتك، فإنه لم يبق أحد إذ هلك حسين ينازعك هذا الأمر. وقد كان يبايع الناس سراً، ويظهر أنه عائذ بالبيت، فقال لهم: لا تعجلوا - وعمرو بن سعيد بن العاص يومئذ عامل مكة، وقد كان أشد شيء عليه وعلى أصحابه، وكان مع شدته عليهم يداري ويرفق - فلما استقر عند يزيد بن معاوية ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة، أعطى الله عهداً ليوثقنه في سلسلة، فبعث بسلسلة من فضة، فمر بها البريد على مروان بن الحكم بالمدينة، فأخبر خبر ما قدم له وبالسلسلة التي معه، فقال مروان: خذها فليست للعزيز بخطةٍ ... وفيها مقالٌ لامرىءٍ متضعف ثم مضى من عنده حتى قدم على ابن الزبير، فأتى ابن الزبير فأخبره بممر البريد على مروان، وتمثل مروان بهذا البيت، فقال ابن الزبير: لا والله لا أكون أنا ذلك المتضعف؛ ورد ذلك البريد رداً رقيقاً. وعلا أمر ابن الزبير بمكة، وكاتبه أهل المدينة، وقال الناس: أما إذ هلك الحسين رضي الله عنه فليس أحدٌ ينازع ابن الزبير. حدثنا نوح بن حبيب القومسي، قال: حدثنا هشام بن يوسف. وحدثنا عبيد الله بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر المديني قال: حدثنا هشام بن يوسف - واللفظ لحديث عبيد الله - قال: أخبرني عبد الله بن مصعب، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد العزيز بن مروان، قال: لما بعث يزيد بن معاوية بن عضاه الأشعري ومسعدة وأصحابهما إلى عبد الله بن الزبير بمكة ليؤتى به في جامعة لتبر يمين يزيد، بعث معهم بجامعة من ورق وبرنس خز، فأرسلني أبي وأخي معهم وقال: إذا بلغته رسل يزيد الرسالة فتعرضا له، ثم ليتمثل أحدكما: فخذها فليست للعزيز بخطةٍ ... وفيها مقالٌ لامرىءٍ متذلل أعامر إن القوم ساموك خطةً ... وذلك في الجيران غزل بمغزل أراك إذا ما كنت للقوم ناصحاً ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل قال: فلما بلغته الرسل الرسالة تعرضنا، فقاللي أخي: اكفنيها، فسمعني، فقال: أي ابني مروان، قد سمعت ما قلتما، وعلمت ما ستقولانه، فأخبرا أباكما: إني لمن نبعةٍ صمٍّ مكاسرها ... إذا تناوحت القصباء والعشر فلا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر قال: فما أدري أيهما كان أعجب! زاد عبد الله في حديثه، عن أبي علي، قال: فذاكرت بهذا الحديث مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فقال: قد سمعته من أبي علي نحو الذي ذكرت له، ولم أحفظ إسناده. قال هشام، عن خالد بن سعيد، عن أبيه سعيد بن عمرو بن سعيد: إن عمرو بن سعيد لما رأى الناس قد اشرأبوا إلى ابن الزبير ومدوا إليه أعناقهم، ظن أن تلك الأمور تامةٌ له، فبعث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص - وكانت له صحبة، وكان مع أبيه بمصر، وكان قد قرأ كتب دنيال هنالك، وكانت قريش إذ ذاك تعده عالماً - فقال له عمرو بن سعيد: أخبرني عن هذا الرجل، أترى ما يطلب تاماً له؟ وأخبرني عن صاحبي إلى ما ترى أمره صائراً إليه؟ فقال: لا أرى صاحبك إلا أحد الملوك الذين تتم لهم أمورهم حتى يموتوا وهم ملوك. فلم يزدد عند ذاك إلا شدةً على ابن الزبير وأصحابه، مع الرفق بهم، والمدارة لهم. ثم إن الوليد بن عتبة وناساً معه من بني أمية قالوا ليزيد بن معاوية: لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث به إليك، فسرح الوليد بن عتبة على الحجاز أميراً، وعزل عمراً. وكان عزل يزيد عمراً عن الحجاز وتأميره عليها الوليد بن عتبة في هذه السنة - أعني سنة إحدى وستين؛ قال أبو جعفر: حدثت عن محمد بن عمر قال: نزع يزيد عمرو بن سعيد بن العاص لهلال ذي الحجة سنة إحدى وستين وولي الوليد بن عتبة، فأقام الحجة سنة إحدى وستين بالناس، وأعاد ابن ربيعة العامري على قضائه. وحدثني أحمد بن ثابت، قال: حدثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج بالناس في سنة إحدى وستين الوليد بن عتبة، وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل السير. وكان الوالي في هذه السنة على الكوفة والبصرة عبيد الله بن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان سلم بن زياد. ثم دخلت سنة اثنتين وستين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك مقدم وفد أهل المدينة على يزيد بن معاوية. ذكر الخبر عن سبب مقدمهم عليه وكان السبب في ذلك - فيما ذكر لوط بن يحيى، عن عبد الملك بن نوفل ابن مساحق، عن عبد الله بن عروة - أن يزيد بن معاوية لما سرح الوليد ابن عتبة على الحجاز أميرً، وعزل عمرو بن سعيد، قدم الوليد المدينة فأخذ غلماناً كثيراً لعمرو وموالي له، فحبسهم، فكلمه فيهم عمرو، فأبى أن يخليهم، وقال له: لا تجزع يا عمرو؛ فقال أخوه أبان بن سعيد بن العاص: أعمرٌو يجزع! والله لو قبضتم على الجمر وقبض عليه ما تركه حتى تتركوه؛ وخرج عمرو سائراً حتى نزل من المدينة على ليلتين، وكتب إلى غلمانه ومواليه وهم نحوٌ من ثلثمائة رجل: إني باعث إلى كل رجل منكم جملاً وحقيبةً وأداته، وتناخ لكم الإبل في السوق، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن، ثم ليقم كل رجل منكم إلى جمله فليركبه، ثم أقبلوا علي حتى تأتوني؛ فجاء رسوله حتى اشترى الإبل، ثم جهزها بما ينبغي لها، ثم أناخها في السوق، ثم أتاهم حتى أعلمهم ذلك، فكسروا باب السجن، ثم خرجوا إلى الإبل فاستووا عليها، ثم أقبلوا حتى انتهوا إلى عمرو بن سعيد فوجدوه حين قدم على يزيد بن معاوية. فلما دخل عليه رحب به وأدنى مجلسه. ثم إنه عاتبه في تقصيره في أشياء كان يأمره بها في ابن الزبير، فلا ينفذ منهها إلا ما أراد؛ فقال: يا أمير المؤمنين، الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل مكة وأهل المدينة قد كانوا مالوا إليه وهووه وأعطوه الرضا، ودعا بعضهم بعضاً سراً وعلانية، ولم يكن معي جند أقوى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذرني ويتحرز مني، وكنت أرفق به وأداريه لأستمكر منه فأثب عليه، مع أني قد ضيقت عليه، ومنعته من أشياء كثيرة لو تركته وإياها ما كانت له إلا معونةً، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالاً لا يدعون أحداً يدخلها حتى يكتبوا إلي باسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد الله هو، وما جاء به وما يريد؛ فإن كان من أصحابه أو ممن أرى أنه يريده رددته صاغراً، وإن كان ممن لا أتهم، خليت سبيله. وقد بعثت الوليد، وسيأتيك من عمله وأثره ما لعلك تعرف به فضل مبالغتي في أمرك، ومناصحتي لك إن شاء الله؛ والله يصنع لك، ويكبت عدوك يا أمير المؤمنين. فقال له يزيد: أنت أصدق ممن رقي هذه الأشياء عنك، وحملني بها عليك، وأنت ممن أثق به، وأرجو معونته، وأدخره لرأب الصدع، وكفاية المهم، وكشف نوازل الأمور العظام؛ فقال له عمرو: وما أرى يا أمير المؤمنين أن أحداً أولى بالقيام بتشديد سلطانك، وتوهين عدوك، والشدة على من نابذك مني. وأقام الوليد بن عتبة يريد ابن الزبير فلا يجده إلا متحذراً متمنعاً، وثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة حين قتل الحسين، وثار ابن الزبير، فكان الوليد يفيض من المعرف، وتفيض معه عامة الناس، وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة واقفٌ في أصحابه، ثم يفيض ابن الزبير بأصحابه ونجدة بأصحابه، لا يفيض واحد منهم بإفاضة صاحبه. وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر حتى ظن الناس أنه سيبايعه. ثم إن ابن الزبير عمل بالمكر في أمر الوليد بن عتبة، فكتب إلى يزيد بن معاوية: إنك بعثت إلينا رجلاً أخرق، لا يتجه لأمر رشد، ولا يرعوي لعظة الحكيم، ولو بعثت إلينا رجلاً سهل الخلق، لين الكتف، رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك، فإن فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء الله؛ والسلام. فبعث يزيد بن معاوية إلى الوليد فعزله وبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان - فيما ذكر أبو مخنف، عن عبد الملك ابن نوفل بن مساحق، عن حميد ابن حمزة؛ مولىً لبني أمية - قال: فقدم فتىً غرٌّ حدثٌ غمرٌ لم يجرب الأمور، ولم يحنكه السن، ولم تضرسه التجارب؛ وكان لا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله، وبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، ورجالاً كثيراً من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد بن معاوية، فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأعظم جوائزهم. ثم انصرفوا من عنده، وقدموا المدينة كلهم إلا المنذر ابن الزبير فإنه قدم على عبيد الله بن زياد بالبصرة - وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف درهم - فلما قدم أولئك النفر الوفد المدينة قاموا فيهم فأظهروا شتم يزيد وعتبة، وقالوا: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الخراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه؛ فتابعهم الناس. قال لوط بن يحيى: فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، أن الناس أتوا عبد الله بن حنظلة الغسيل فبايعوه وولوه عليهم. قال لوط: وحدثني أيضاً محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف: ورجع المنذر من عند يزيد بن معاوية، فقدم على عبيد الله بن زياد البصرة، فأكرمه وأحسن ضيافته، وكان لزياد صديقاً، إذ سقط إليه كتابٌ من يزيد بن معاوية حيث بلغه أمر أصحابه بالمدينة. أن أوثق المنذر بن الزبير واحبسه عندك حتى يأتيك فيه أمري؛ فكره ذلك عبيد الله ابن زياد لأنه ضيفه، فدعاه فأخبره بالكتاب وأقرأه إياه، وقال له: إنك كنت لزياد وداً وقد أصبحت لي ضيفاً، وقد آتيت إليك معروفاً، فأنا أحب أن أسدي ذلك كله بإحسان، فإذا اجتمع الناس عندي فقم فقل: ائذن لي فلأنصرف إلى بلادي، فإذا قلت: لا بل أقم عندي فإن لك الكرامة والمواساة والأثرة، فقل: لي ضيعةٌ وشغلٌ، لا أجد من الانصراف بداًن فأذن لي، فإني آذن لك عند ذلك؛ فالحق بأهلك. فلما اجتمع الناس عند عبيد الله قام إليه فاستأذنه فقال: لا بل أقم عندي فإني مكرمك ومواسيك ومؤثرك؛ فقال له: إن لي ضيعةً وشغلاً، ولا أجد من الانصراف بداً فأذن لي؛ فأذن له. فانطلق حتى لحق بالحجاز؛ فأتى أهل المدينة، فكان فيمن يحرض الناس على يزيد، وكان من قوله يومئذ: إن يزيد والله لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إلي أن أخبركم خبره، وأصدقكم عنه، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة؛ وعابه بمثل ما عابه به أصحابه الذين كانوا معه وأشد، فكان سعيد بن عمرو يحدث بالكوفة أن يزيد بن معاوية بلغه قوله فيه فقال: اللهم إني آثرته وأكرمته، ففعل ما قد رأيت، فاذكره بالكذب والقطيعة. قال أبو مخنف: فحدثني سعيد بن زيد أبو المثلم أن يزيد بن معاوية بعث النعمان بن بشير الأنصاري فقال له: ائت الناس وقومك فافثأهم عما يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترىء الناس على خلافي، وبها من عشيرتي من لا أحب أن ينهض في هذه الفتنة فيهلك. فأقبل النعمان بن بشير فأتى قومه، ودعا الناس إليه عامة، وأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة، وخوفهم الفتنة، وقال لهم: إنه لا طاقة لكم بأهل الشأم؛ فقال عبد الله بن مطيع العدوي: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا، وفساد ما أصلح الله من أمرنا! فقال النعمان: أما والله لكأني بك لو قد نزلت تلك التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين قد هربت على بغلتك تضرب جبينها إلى مكة، وقد خلفت هؤلاء المساكين - يعني الأنصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم! فعصاه الناس، فانصرف. وكان والله كما قال. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة. وكانت العمال في هذه السنة على العراق وخراسان العمال الذينن ذكرت في سنة إحدى وستين. وفي هذه السنة ولد - فيما ذكر - محمد بن عبد الله بن العباس. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من إخراج أهل المدينة عامل يزيد بن معاوية عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وإظهارهم خلع يزيد بن معاوية، وحصارهم من كان بها من بني أمية؛ ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، أن أهل المدينة لما بايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على خلع يزيد بن معاوية، وثبوا على عثمان ابن محمد بن أبي سفيان ومن بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن رأى رأيهم من قريش، فكانوا نحواً من ألف رجل، فخرجوا بجماعتهم حتى نزلوا دار مروان بن الحكم، فحاصرهم الناس فيها حصاراً ضعيفاً. قال: فدعت بنو أمية حبيب بن كرة، وكان الذي بعث إليه منهم مروان بن الحكم وعمرو ابن عثمان بن عفان، وكان مروان هو يدبر أمرهم. فأما عثمان بن محمد بن أبي سفيان فإنما كان غلاماً حدثاً لم يكن له رأي. قال عبد الملك بن نوفل: فحدثني حبيب بن كرة، قال: كنت مع مروان، فكتب معي هو وجماعة من بني أمية كتاباً إلى يزيد بن معاوية، فأخذ الكتاب عبد الملك بن مروان حتى خرج معي إلى ثنية الوداع، فدفع إلي الكتاب وقال: قد أجلتك اثنتي عشرة ليلةً ذهباً واثنتي عشرة ليلةً مقبلاً، فوافني لأربع وعشرين ليلة في هذا المكان تجدني إن شاء الله في هذه الساعة جالساً أنتظرك. وكان الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإنه قد حصرنا في دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذاب، ورمينا بالجيوب، فيا غوثاه يا غوثاه! قال: فأخذت الكتاب ومضيت به حتى قدمت على يزيد وهو جالس على كرسي، واضع قدميه في ماء طست من وجع كان يجده فيهما - ويقال: كان به النقرس - فقرأه ثم قال فيما بلغنا متمثلاً: لقد بدلوا الحلم الذي من سجيتي ... فبدلت قومي غلظةً بليان ثم قال: أما يكون بنو أمية ومواليهم ألف رجل بالمدينة؟ قال: قلت: بلى، والله وأكثر؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار! قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أجمع الناس كلهم عليهم، فلم يكن لهم بجمع الناس طاقةٌ؛ قال: فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب، وأخبره الخبر، وأمره أن يسير إليهم في الناس، فقال له: قد كنت ضبطت لك البلاد، وأحكمت لك الأمور، فأما الآن إذ صارت إنما هي دماء قريش تهراق بالصعيد، فلا أحب أن أكون أنا أتولى ذلك، يتولاها منهم من هو أبعد منهم مني. قال: فبعثني بذلك الكتاب إلى مسلم بن عقبة المري - وهو شيخ كبير ضعيف مريض - فدفعت إليه الكتاب، فقرأه، وسألني عن الخبر فأخبرته، فقال لي مثل مقالة يزيد: أما يكون بنو أمية ومواليهم وأنصارهم بالمدينة ألف رجل! قال: قلت: بلى يكونون؛ قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعةً من نهار! ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم، وعز سلطانهم؛ ثم جاء حتى دخل على يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنصر هؤلاء فإنهم الأذلاء؛ أما استطاعوا أن يقاتلوا يوماً واحداً أو شطره أو ساعةً منه! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم، وعز سلطانهم، ويستبين لك من يقاتل منهم على طاعتك، ويصبر عليها أو يستسلم؛ قال: ويحك! إنه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج فأنبئني نبأك، وسر بالناس؛ فخرج مناديه فنادى: أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملاً ومعونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثنا عشر ألف رجل. حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، قال: كتب يزيد إلى ابن مرجانة: أن اغز ابن الزبير؛ فقال: لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأغزو البيت! قال: وكانت مرجانة امرأة صدق، فقالت لعبيد الله حين قتل الحسين رضي الله عنه: ويلك! ماذا صنعت! وماذا ركبت! رجع الحديث إلى حديث حبيب بن كرة. قال: فاقبلت حتى أوافي عبد الملك بن مروان في ذلك المكان في تلك الساعة أو بعيدها شيئاً. قال: فوجدته جالساً متقنعاً تحت شجرة، فأخبرته بالذي كان، فسر به، فانطلقنا حتى دخلنا دار مروان على جماعة بني أمية، فنبأتهم بالذي قدمت به، فحمدوا الله عز وجل. قال عبد الملك بن نوفل: حدثني حبيب، أنه بلغه في عشرة. قال: فلم أبرح حتى رأيت يزيد بن معاوية خرج إلى الخيل يتصفحها وينظر إليها؛ قال: فسمعته وهو يقول وهو متقلد سيفاً، متنكبٌ قوساً عربية: أبلغ أبا بكرٍ إذا الليل سرى ... وهبط القوم على وادي القرى عشرون ألفاً بين كهلٍ وفتى ... أجمع سكران من القوم ترى! أم جمع يقظان نفي عنه الكرى! ... يا عجباً من ملحدٍ يا عجبا! مخادع في الدين يقفو بالعرى قال عبد الملك بن نوفل: وفصل ذلك الجيش من عند يزيد وعليهم مسلم بن عقبة، وقال له: إن حدث بك حدثٌ فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني؛ وقال له: ادع القوم ثلاثاً، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً، فما فيها من مالٍ أو رقةٍ أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس؛ وانظر علي بن الحسين، فاكفف عنه، واستوص به خيراً، وأدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وقد أتاني كتابه. وعلي لا يعلم بشيء مما أوصى به يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة، وقد كان علي بن الحسين لما خرج بنو أمية نحو الشأم أوى إليه ثفل مروان بن الحكم، وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفان، وهي أم أبان بن مروان. وقد حدثت عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، قال: لما أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد من المدينة، كلم مروان بن الحكم ابن عمر أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم علي بن الحسين، وقال: يا أبا الحسن، إن لي رحماً، وحرمي تكون مع حرمك، فقال: أفعل؛ فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع، وكان مروان شاكراً لعلي بن الحسين، مع صداقة كانت بينهما قديمة. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف عن عبد الملك بن نوفل، قال: وأقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني أمية، فحصروهم في دار مروان، وقالوا: والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد الله وميثاقه لا تبغونا غائلةً، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدواً، فنكف عنكم ونخرجكم عنا، فأعطوهم عهد الله وميثاقه لا نبغيكم غائلةً، ولا ندل لكم على عورة؛ فأخرجوهم من المدينة، فخرجت بنو أمية بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى، وخرجت عائشة بنت عثمان بن عفان إلى الطائف، فتمر بعلي بن حسين وهو بمالٍ له إلى جنب المدينة قد اعتزلها كراهية أن يشهد شيئاً من أمرهم، فقال لها: احملي ابن عبد الله معك إلى الطائف، فحملته إلى الطائف حتى نقضت أمور أهل المدينة. ولما قدمت بنو أمية على مسلم بن عقبة بوادي القرى دعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له: أخبرني خبر ما وراءك، وأشر علي؛ قال: لا أستطيع أن أخبرك، أخذ علينا العهود والمواثيق ألا ندل على عورة، ولا نظاهر عدواً، فانتهره ثم قال: والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشياً بعدك. فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك: ادخل قبلي لعله يجترىء بك عني، فدخل عليه عبد الملك، فقال: هات ما عندك، أخبرني خبر الناس، وكيف ترى؟ فقال له: نعم أرى أن تسير بمن معك؛ فتنكب هذا الطريق إلى المدينة، حتى إذا انتهيت إلى أدنى نخل بها نزلت، فاستظل الناس في ظله، وأكلوا من صقره؛ حتى إذا كان الليل أذكيت الحرس الليل كله عقباً بين أهل العسكر، حتى إذا أصبحت صليت بالناس الغداة، ثم مضيت بهم وتركت المدينة ذات اليسار، ثم أدرت بالمدينة حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقاً، ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم وطلعت الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك، فلا تؤذيهم، وتقع في وجوههم فيؤذيهم حرها، ويصيبهم أذاها، ويرون ما دمتم مشرقين من ائتلاق بيضكم وحرابكم، وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم وسواعدكم ما لا ترونه أنتم لشيء من سلاحهم ماداموا مغربين، ثم قاتلهم واستعن بالله عليهم، فإن الله ناصرك؛ إذ خالفوا الإمام، وخرجوا من الجماعة. فقال له مسلم: لله أبوك! أي امرىء ولد إذ ولدك! لقد رأى بك خلفاً. ثم إن مروان دخل عليه فقال له: إيه! قال: أليس قد دخل عليك عبد الملك! قال: بلى، وأي رجل عبد الملك! قلما كلمت من رجال قريش رجلاً به شبيهاً؛ فقال له مروان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني؛ قال: أجل، ثم ارتحل من مكانه ذلك، وارتحل الناس معه حتى نزل المنزل الذي أمره به عبد الملك، فصنع فيه ما أمره به، ثم مضى في الحرة حتى نزلها، فأتاهم من قبل المشرق. ثم دعاهم مسلم بن عقبة، فقال: يا أهل المدينة، إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية يزعم أنكم الأصل، وإني أكره هراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثاًن فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه، وانصرفت عنكم، وسرت إلى هذا الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم - وذلك في ذي الحجة من سنة أربع وستين؛ هكذا وجدته في كتابي، وهو خطأ، لأن يزيد هلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين،، وكانت وقعة الحرة في ذي الحجة من سنة ثلاث وستين يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه. ولما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة، قد مضت الأيام الثلاثة، فما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب؛ فقال لهم: لا تفعلوا، بل ادخلوا في الطاعة، ونجعل حدنا وشوكتنا على هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من كل أوب. فقالوا لهم: يا أعداء الله، والله لو أردتم أن تجوزوا إليهم ما تركناكم حتى نقاتلكم، نحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام، وتخيفوا أهله، وتلحدوا فيه، وتستحلوا حرمته! لا والله لا نفعل. وقد كان أهل المدينة اتخذوا خندقاً في جانب المدينة، ونزله جمع منهم عظيمٌ، وكان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عوف ابن عم عبد الرحمن ابن عوف الزهري، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي على ربع آخر في جانب المدينة، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، في أعظم تلك الأرباع وأكثرها عدداً. قال هشام: وأما عوانة بن الحكم الكلبي، فذكر أن عبد الله بن مطيع كان على قريش من أهل المدينة، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ومعقل بن سنان على المهاجرين. قال هشام، عن أبي مخنف: قال عبد الملك بن نوفل: وصمد مسلم ابن عقبة بجميع من معه، فأقبل من قبل الحرة حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فحمل ابن الغسيل على الخيل في الرجال الذين معه حتى كشف الخيل، حتى انتهوا إلى مسلم بن عقبة، فنهض في وجوههم بالرجال، وصاح بهم، فانصرفوا فقاتلوا قتالاً شديداً. ثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى عبد الله ابن حنظلة الغسيل فقاتل في نحو من عشرين فارساً قتالاً شديداً حسناً، ثم قال لعبد الله: مر من معك فارساً فليأتني فليقف معي، فإذا حملت فليحملوا، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلماً، فإما أن أقتله، وإما أن أقتل دونه. فقال عبد الله بن حنظلة لعبد الله بن الضحاك من بني عبد الأشهل من الأنصار: ناد في الخيل فلتقف مع الفضل بن العباس، فنادى فيهم فجمعهم إلى الفضل، فلما اجتمعت الخيل إليه حمل على أهل الشأم فانكشفوا، فقال لأصحابه: ألا ترونهم كشفاً لئاماً! احملوا أخرى جعلت فداكم! فوالله لئن عاينت أميرهم، لأقتلنه أو لأقتلن دونه، إن صبر ساعة معقبٌ سرور أبد، إنه ليس بعد لصبرنا إلا النصر. ثم حمل وحمل أصحابه معه، فانفرجت خيل أهل الشأم عن مسلم بن عقبة في نحو من خمسمائة راجل جثاة على الركب، مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى كما هو نحو رايته حتى يضرب رأس صاحب الراية، وإن عليه لمغفراً، فقط المغفر، وفلق هامته فخر ميتاً، فقال: خذها مني وأنا ابن عبد المطلب! فظن أنه قتل مسلماً، فقال: قتلت طاغية القوم ورب الكعبة، فقال مسلم: أخطأت استك الحفرة! وإنما كان ذلك غلاماً له، يقال له: رومي، وكان شجاعاً. فأخذ مسلم رايته ونادى: يا أهل الشأم، أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا به عن دينهم، وأن يعزوا به نصر إمامهم! قبح الله قتالكم منذ اليوم! ما أوجعه لقلبي، وأغيظه لنفسي! أما والله ما جزاؤكم عليه إلا أن تحرموا العطاء، وأن تجمروا في أقاصي الثغور. شدوا مع هذه الراية، ترح الله وجوهكم إن لم تعتبوا! فمشى برايته، وشدت تلك الرجال أمام الراية، فصرع الفضل بن عباس، فقتل وما بينه وبين أطناب مسلم بن عقبة إلا نحو من عشر أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وقتل معه إبراهيم ابن نعيم العدوي، في رجال من أهل المدينة كثير. قال هشام، عن عوانة: وقد بلغنا في حديثٍ آخر أن مسلم بن عقبة كان مريضاً يوم القتال، وأنه أمر بسرير وكرسيٍّ فوضع بين الصفين، ثم قال: يا أهل الشأم، قاتلوا عن أميركم أو دعوا. ثم زحفوا نحوهم فأخذوا لا يصمدون لربعٍ من تلك الأرباع إلا هزموه، ولا يقاتلون إلا قليلاً حتى تولوا. ثم إنه أقبل إلى عبد الله بن حنظلة فقاتله أشد القتال، واجتمع من أراد القتال من تلك الأرباع إلى عبد الله بن حنظلة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل الفضل ابن العباس بن ربيعة في جماعة من وجوه الناس وفرسانهم يريد مسلم بن عقبة، ومسلم على سريره مريض، فقال: احملوني فضعوني في الصف، فوضعوه بعد ما حملوه أمام فسطاطه في الصف، وحمل الفضل بن العباس هو وأصحابه أولئك حتى انتهى إلى السرير، وكان الفضل أحمر، فلما رفع السيف ليضربه صاح بأصحابه: إن العبد الأحمر قاتلي، فأين أنتم يا بني الحرائر! اشجروه بالرماح، فوثبوا إليه فطعنوه حتى سقط. قال هشام: قال أبو مخنف: ثم إن خيل مسلم ورجاله أقبلت نحو عبد الله ابن حنظلة الغسيل ورجاله بعده - كما حدثني عبد الله بن منقذ - حتى دنوا منه، وركب مسلم بن عقبة فرساً له، فأخذ يسير في أهل الشأم ويحرضهم ويقول: يا أهل الشأم، إنكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها، ولا أكثرها عدداً، ولا أوسعها بلداً، ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على عدوكم، وحسن المنزلة عند أئمتكم، إلا بطاعتكم واتسقامتكم؛ وإن هؤلاء القوم وأشباههم من العرب غيروا فغير الله بهم، فتموا على أحسن ما كنتم عليه من الطاعة يتمم الله لكم أحسن ما ينيلكم من النصر والفلج. ثم جاء حتى انتهى إلى مكانه الذي كان فيه، وأمر الخيل أن تقدم على ابن الغسيل وأصحابه، فأخذت الخيل إذا أقدمت على الرجال فثاروا في وجوهها بالرماح والسيوف نفرت وابذعرت وأحجمت، فنادى فيهم مسلم بن عقبة: يا أهل الشأم، ما جعلهم الله أولى بالأرض منكم، يا حصين بن نمير، انزل في جندك؛ فنزل في أهل حمص، فمشى إليهم، فلما رآهم قد أقبلوا يمشون تحت راياتهم نحو ابن الغسيل قام في أصحابه فقال: يا هؤلاء؛ إن عدوكم قد أصابوا وجه القتال الذي كان ينبغي أن تقاتلوهم به، وإني قد ظننت ألا تلبثوا إلا ساعةً حتى يفصل الله بينكم وبينهم إما لكم وإما عليكم. أما إنكم أهل البصيرة ودار الهجرة، والله ما أظن ربكم أصبح عن أهل بلد من بلدان المسلمين بأرضى منه عنكم، ولا على أهل بلد من بلدان العرب بأسخط منه على هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم. إن لكل امرىء منكم ميتةً هو ميت بها، والله ما من ميتة بأفضل من ميتة الشهادة، وقد ساقها الله إليكم فاغتنموها، فوالله ما كل ما أردتموها وجدتموها. ثم مشى برايته غير بعيد، ثم وقف، وجاء ابن نمير برايته حتى أدناها، وأمر مسلم بن عقبة عبد الله بن عضاه الأشعري فمشى في خمسمائة مرامٍ حتى دنوا من ابن الغسيل وأصحابه، فأخذوا ينضحونهم بالنبل، فقال ابن الغسيل: علام تستهدفون لهم! من أراد التعجل إلى الجنة فليلزم هذه الراية؛ فقام إليه كل مستميت، فقال: الغدو إلى ربكم، فوالله إني لأرجو أن تكونوا عن ساعة قريري عين؛ فنهض القوم بعضهم إلى بعض فاقتتلوا أشد قتال رئي في ذلك الزمان ساعةً من نهار، وأخذ يقدم بنيه أمامه واحداً واحداً حتى قتلوا بين يديه، وابن الغسيل يضرب بسيفه، ويقول: بغداً لمن رام الفساد وطغى ... وجانب الحق وآيات الهدى لا يبعد الرحمن إلا من عصى فقتل، وقتل معه أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، استقدم فقاتل حتى قتل، وقال: ما أحب أن الديلم قتلوني مكان هؤلاء القوم؛ ثم قاتل حتى قتل وقتل معه محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فمر عليه مروان ابن الحكم وكأنه برطيل من فضة، فقال: رحمك الله! فرب سارية قد رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها. قال هشام: فحدثني عوانة، قال: فبلغنا أن مسلم بن عقبة كان يجلس على كرسي ويحمله الرجال وهو يقاتل ابن الغسيل يوم الحرة وهو يقول: أحيا أباه هاشم بن حرمله ... يوم الهباتين ويوم اليعمله كل الملوك عنده مغربله ... ورمحه للوالدات مثكله لا يلبث القتيل حتى يجدله ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له قال هشام، عن أبي مخنف: وخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص يومئذ يقاتل، فلما انهزم الناس مال عليهم يضربهم بسيفه حتى غلبته الهزيمة، فذهب فيمن ذهب من الناس، وأباح مسلم المدينة ثلاثاً يقتلون الناس ويأخذون الأموال؛ فأفزع ذلك من كان بها من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل في كهف في الجبل، فبصر به رجل من أهل الشأم، فجاء حتى اقتحم عليه الغار. قال أبو مخنف: فحدثني الحسن بن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: دخل إلي الشامي يمشي بسيفه، قال: فانتضيت سيفي فمشيت إليه لأرعبه لعله ينصرف عني، فأبى إلا الإقدام علي، فلما رأيت أن قد جد شمت سيفي، ثم قلت له: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " ، فقال لي: من أنت لله أبوك! فقلت: أنا أبو سعيد الخدري؛ قال: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم؛ فانصرف عني. قال هشام: حدثني عوانة، قال: دعا الناس مسلم بن عقبة بقباء إلى البيعة، وطلب الأمان لرجلين من قريش: ليزيد بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ولمعقل ابن سنان الأشجعي، فأتى بهما بعد الوقعة بيوم فقال: بايعا، فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنة نبيه؛ فقال: لا والله لا أقيلكم هذا أبداً، فقد مهما فضرب أعناقهما، فقال له مروان: سبحان الله! أتقتل رجلين من قريش أتيا ليؤمنا فضربت أعناقهما! فنخس بالقضيب في خاصرته ثم قال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما ما رأيت السماء إلا برقةً. قال هشام: قال أبو مخنف: وجاء معقل بن سنان، فجلس مع القوم، فدعا بشراب ليسقى، فقال له مسلم: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال: اسقوه، فشرب حتى ارتوى، فقال له: أقضيت ريك من شرابك؟ قال: نعم، قال: لا والله لا تشرب بعده شراباً أبداً إلا الحميم في نار جهنم، أتذكر مقالتك لأمير المؤمنين: سرت شهراً، ورجعت شهراً، وأصبحت صفراً، اللهم غير - تعني يزيد! فقدمه فضرب عنقه. قال هشام: وأما عوانة بن الحكم فذكر أن مسلم بن عقبة بعث عمرو بن محرز الأشجعي فأتاه بمعقل بن سنان فقال له مسلم: مرحباً بأبي محمد! أراك عطشان! قال: أجل، قال: شوبوا له عسلاً بالثلج الذي حملتموه معنا - وكان له صديقاً قبل ذلك - فشابوه له، فلما شرب معقل قال له: سقاك الله من شراب الجنة؛ فقال له مسلم: أما والله لا تشرب بعدها شراباً أبداً حتى تشرب من شراب الحميم؛ قال: أنشدك الله والرحيم! فقال له مسلمٍ: أنت الذي لقيتني بطبرية ليلة خرجت من عند يزيد، فقلت: سرنا شهراً ورجعنا من عند يزيد صفراً، نرجع إلى المدينة فنخلع هذا الفاسق، ونبايع لرجل من أبناء المهاجرين! فيم غطفان وأشجع من الخلع والخلافة! إني آليت بيمين لا ألقاك في حرب أقدر فيه على ضرب عنقك إلا فعلت، ثم أمر به فقتل. قال هشام: قال عوانة: وأتى بزيد بن وهب بن زمعة؛ فقال: بايع، قال: أبايعك على سنة عمر؛ قال: اقتلوه؛ قال: أنا أبايع، قال: لا والله لا أقيلك عثرتك، فكلمه مروان بن الحكم - لصهر كان بينهما - فأمر بمروان فوجئت عنقه، ثم قال: بايعوا على أنكم خول ليزيد بن معاوية، ثم أمر به فقتل. قال هشام: قال عوانة، عن أبي مخنف. قال: قال عبد الملك بن نوفل ابن مساحق: ثم إن مروان أتي بعلي بن الحسين، وقد كان علي بن الحسين حين أخرجت بنو أمية منع ثقل مروان وامرأته وآواها، ثم خرجت إلى الطائف، فهي أم أبان ابنة عثمان بن عفان، فبعث ابنه عبد الله معها، فشكر ذلك له مروان - وأقبل علي بن الحسين يمشي بين مروان وعبد الملك يلتمس بهما عند مسلم الأمان، فجاء حتى جلس عنده بينهما، فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك من مسلم، فأتي له بشراب، فشرب منه مروان شيئاً يسيراً، ثم ناوله علياً، فلما وقع في يده قالله مسلم: لا تشرب من شرابنا، فأرعدت كفه، ولم يأمنه على نفسه، وأمسك القدح بكفه لا يشربه ولا يضعه، فقال: إنك إنما جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي؛ والله لو كان هذا الأمر إليهما لقتلتك، ولكن أمير المؤمنين أوصاني بك، وأخبرني أنك كاتبته، فذلك نافعك عندي، فإن شئت فاشرب شرابك الذي في يدك، وإن شئت دعونا بغيره، فقال: هذه التي في كفي أريد؛ قال: اشربها، ثم قال: إلي ها هنا، فأجلسه معه. قال هشام: وقال عوانة بن الحكم: لما أتي بعلي بن الحسين إلى مسلم، قال: من هذا؟ قالوا: هذا علي بن الحين؛ قال: مرحباً وأهلاً؛ ثم أجلسه معه على السرير والطنفسة، ثم قال: إن أمير المؤمنين أوصاني بك قبلاًن وهو يقول: إن هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن وصلتك؛ ثم قال لعلي: لعل أهلك فزعوا! قال: إي والله، فأمر بدابته فأسرجت، ثم حمله فرده عليها. قال هشام: وذكر عوانة أن عمرو بن عثمان لم يكن فيمن خرج من بني أمية، وأنه أتي به يومئذ إلى مسلم بن عقبة فقال: يا أهل الشام، تعرفون هذا؟ قالوا: لا؛ قال: هذا الخبيث ابن الطيب، هذا عمرو بن عثمان بن عفان أمير المؤمنين، هيه يا عمرو! إذا ظهر أهل المدينة قلت: أنا رجل منكم، وإن ظهر أهل الشام قلت: أنا ابن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فأمر به فنتفت لحيته، ثم قال: يا أهل الشام، إن أم هذا كانت تدخل الجعل في فيها ثم تقول: يا أمير المؤمنين حاجيتك، ما في فمي؟ وفي فمها ما ساءها وناءها، فخلى سبيله، وكانت أمه من دوس. قال أبو جعفر الطبري: فحدثني أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر، قالا: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين. وقال بعضهم: لثلاث ليالٍ بقين منه. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن عوف، قال: حج ابن الزبير بالناس سنة ثلاث وستين، وكان يسمى يومئذ العائذ، ويرون الأمر شورى. قال: فلما كانت ليلة هلال المحرم ونحن في منزلنا إذ قدم علينا سعيدٌ مولى المسور بن محرمة، فخبرنا بما أوقع مسلم بأهل المدينة وما نيل منهم، فجاءهم أمرٌ عظيم، فرأيت القوم شهروا وجدوا وأعدوا وعرفوا أنه نازل بهم. وقد ذكر من أمر وقعة الحرة ومقتل ابن الغسيل أمرٌ غير الذي روي عن أبي مخنف، عن الذين روى ذلك عنهم، وذلك ما حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا جويرية بن أسماء، قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما حضرته الوفاة دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوماً، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته. فلما هلك معاوية وفد إليه وفدٌ من أهل المدينة، وكان ممن وفد عليه عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وكان شريفاً فاضلاً سيداً عابداً، معه ثمانية بنين له، فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى بنيه لكل واحد منهم عشرة آلاف سوى كسوتهم وحملانهم، فلما قدم المدينة عبد الله بن حنظلة أتاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ قال: جئتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم؛ قالوا: قد بلغنا أنه أجداك وأعطاك وأكرمك؛ قال: قد فعل، وما قبلت منه إلا لأتقوى به؛ وحضض الناس فبايعوه، فبلع ذلك يزيد، فبعث مسلم بن عقبة إليهم، وقد بعث أهل المدينة إلى كل ماء بينهم وبين الشأم، فصبوا فيه زقاً من قطران، وعور، فأرسل الله السماء عليهم، فلم يستقوا بدلوٍ حتى وردوا المدينة، فخرج إليهم أهل المدينة بجموع كثيرة، وهيئة لم ير مثلها. فلما رآهم أهل الشأم هابوهم وكرهوا قتالهم، ومسلم شديد الوجع، فبينما الناس في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم في جوفالمدينة، وأقحم عليهم بنو حارثة أهل الشأم، وهم على الجد، فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل من الناس، فدخلوا المدينة، وهزم الناس وعبد الله بن حنظلة مستندٌ إلى أحد بنيه يغط نوماً، فنبهه ابنه، فلما فتح عينيه فرأى ما صنع الناس أمر أكبر بنيه، فتقدم حتى قتل، فدخل مسلم بن عقبة المدينة، فدعا الناس للبيعة على أنهم خولٌ ليزيد بن معاوية، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء. ثم دخلت سنة أربع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث قال أبو جعفر: فمن ذلك مسير أهل الشأم إلى مكة لحرب عبد الله بن الزبير ومن كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية. ولما فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مكة، كالذي ذكر هشام ابن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك بن نوفل، أن مسلماً خرج بالناس إلى مكة يريد ابن الزبير، وخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي. وأما الواقدي فإنه قال: خلف عليها عمرو بن محرز الأشجعي؛ قال: ويقال: خلف عليها روح بن زنباع الجذامي. ذكر موت مسلم بن عقبة ورمي الكعبة وإحراقها رجع الحديث إلى أبي مخنف. قال: حتى إذا انتهى إلى المشلل - ويقال: إلى قفا المشلل - نزل به الموت، وذلك في آخر المحرم من سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السكوني فقال له: يابن برذعة الحمار، أما والله لو كان هذا الأمر إلي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك بعدي، وليس لأمر أمير المؤمنين مردٌّ؛ خذ عني أربعاً: أسرع السير، وعجل الوقاع، وعم الأخبار، ولا تمكن قرشياً من أذنك. ثم إنه مات، فدفن بقفا المشلل. قال هشام بن محمد الكلبي: وذكر عوانة أن مسلم بن عقبة شخص يريد ابن الزبير، حتى إذا بلغ ثنية هرشا نزل به الموت، فبعث إلى رءوس الأجناد، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إلي إن حدث بي حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكوني، والله لو كان الأمر إلي ما فعلت، ولكن أكره معصية أمر أمير المؤمنين عند الموت؛ ثم دعا به فقال: انظر يا برذعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به؛ عم الأخبار، ولا ترع سمعك قريشاً أبداً، ولا تردن أهل الشأم عن عدوهم، ولا تقميمن إلا ثلاثاً حتى تناجز ابن الزبير الفاسق؛ ثم قال: اللهم إني لم أعمل عملاً قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أحب إلي من قتلي أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة. ثم قال لبني مرة: زراعتي التي بحوران صدقةٌ على مرة، وما أغلقت عليه فلانة بابها فهو لها - يعني أم ولده - ثم مات. ولما مات خرج حصين بن نمير بالناس، فقدم على ابن الزبير مكة وقد بايعه أهلها وأهل الحجاز. قال هشام: قال عوانة: قال مسلم قبل الوصية: إن ابني يزعم أن أم ولدي هذه سقتني السم؛ وهو كاذب، هذا داءٌ يصيبنا في بطوننا أهل البيت. قال: وقدم عليه - يعني ابن الزبير - كل أهل المدينة، وقد قدم عليه نجدة بن عامر الحنفي في أناس من الخوارج يمنعون البيت، فقال لأخيه المنذر: ما لهذا الأمر ولدفع هؤلاء القوم غيري وغيرك - وأخوه المنذر ممن شهد الحرة، ثم لحق به - فجرد إليهم أخاه في الناس، فقاتلهم ساعةً قتالاً شديداً. ثم إن رجلاً من أهل الشأم دعا المنذر إلى المبارزة - قال: والشأمي على بغلة له - فخرج إليه المنذر، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربةً خر صاحبه لها ميتاً، فجثا عبد الله بن الزبير على ركبتيه وهو يقول: يا رب أبرها من أصلها ولا تشدها، وهو يدعو على الذي بارز أخاه. ثم إن أهل الشأم شدوا عليهم شدةً منكرة، وانكشف أصحابه انكشافةً، وعثرت بغلته فقال: تعساً! ثم نزل وصاح بأصحابه: إلي؛ فأقبل إليه المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، ومصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري، فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً. وصابرهم ابن الزبير يجالدهم حتى الليل، ثم انصرفوا عنه؛ وهذا في الحصار الأول. ثم إنهم أقاموا عليه يقاتلونه بقية المحرم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول يوم السبت سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وأخذوا يرتجزون ويقولون: خطارةٌ مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد قال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بن حوط السدوسي يقول: كيف ترى صنيع أم فروه ... تأخذهم بين الصفا والمروه يعني بأم فروة المنجنيق. وقال الواقدي: سار الحسين بن نمير حين دفن مسلم بن عقبة بالمشلل لسبع بقين من المحرم، وقدم مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعاً وستين يوماً حتى جاءهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر. ذكر الخبر عن حرق الكعبةوفي هذه السنة حرقت الكعبة. ذكر السبب في إحراقهاقال محمد بن عمر: احترقت الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بتسعة وعشرين يوماً، وجاء نعيه لهلال ربيع الآخر ليلة الثلاثاء. قال محمد بن عمر: حدثنا رياح بن مسلم، عن أبيه، قال: كانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شررة هبت بها الريح، فاحترقت ثياب الكعبة، واحترق خشب البيت يوم السبت لثلاث ليال خلون من ربيع الأول. قال محمد بن عمر: وحدثني عبد الله بن زيد، قال: حدثني عروة بن أذينة، قال: قدمت مكة مع أمي يوم احترقت الكعبة قد خلصت إليها النار، ورأيتها مجردة من الحرير، ورأيت الركن قد اسود وانصدع في ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب عبد الله بن الزبير، قالوا: هذا احترقت بسببه، أخذ قبساً في رأس رمح له فطيرت الريح به، فضربت أستار الكعبة ما بين الركن اليماني والأسود. ذكر خبر وفاة يزيد بن معاوية وفيها هلك يزيد بن معاوية، وكانت وفاته بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين من أرض الشأم، لأربع عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين سنةً في قول بعضهم. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن يحيى، عن هشام بن الوليد المخزومي، أن الزهري كتب لجده أسنان الخلفاء، فكان فيما كتب من ذلك: ومات يزيد بن معاوية وهو ابن تسع وثلاثين؛ وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر في قول بعضهم، ويقال: ثمانية أشهر. وحدثني أحمد بن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، أنه قال: توفي يزيد بن معاوية يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكانت خلافته ثلاث سنين وثمانية أشهر إلا ثمان ليالٍ، وصلى على يزيد ابنه معاوية بن يزيد. وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه قال في سن يزيد خلاف الذي ذكره الزهري؛ والذي قال هشام في ذلك - فيما حدثنا عنه - : استخلف أبو خالد يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان وهو ابن اثنتين وثلاثين سنةً وأشهر في هلال رجب سنة ستين، وولي سنتين وثمانية أشهر، وتوفي لأربع عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول سنة ثلاثٍ وستين وهو ابن خمس وثلاثين، وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن ولجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة الكلبي. ذكر عدد ولدهفمنهم معاوية بن يزيد بن معاوية، يكنى أبا ليلى، وهو الذي يقول فيه الشاعر: إني أرى فتنةً قد حان أولها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا وخالد بن يزيد - وكان يكنى أبا هاشم، وكان يقال: إنه أصاب عمل الكيمياء - وأبو سفيان، وأمههما أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، تزوجها بعد يزيد مروان، وهي التي يقول لها الشاعر: انعمي أم خالدٍ ... رب ساعٍ لقاعد وعبد الله بن يزيد، قيل: إنه من أرمى العرب في زمانه، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، وهو الأسوار، وله يقول الشاعر: زعم الناس أن خير قريش ... كلهم حين يذكر الأسوار وعبد الله الأصغر، وعمر، وأبو بكر، وعتبة؛ وحرب، وعبد الرحمن، والربيع، ومحمد؛ لأمهات أولادٍ شتى. خلافة معاوية بن يزيد وفي هذه السنة بويع لمعاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بالشأم بالخلافة، ولعبد الله بن الزبير بالحجاز. ولما هلك يزيد بن معاوية مكث الحصين بن نمير وأهل الشأم يقاتلون ابن الزبير وأصحابه بمكة - فيما ذكر هشام عن عوانة - أربعين يوماً، قد حصروهم حصاراً شديداً، وضيقوا عليهم. ثم بلغ موته ابن الزبير وأصحابه، ولم يبلغ الحصين بن نمير وأصحابه؛ فحدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد قال: حدثنا زياد بن جيل، قال: بينا حصين بن نمير يقاتل ابن الزبير، إذ جاء موت يزيد؛ فصاح بهم ابن الزبير، فقال: إن طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، فمن كره فليلحق بشأمه، فغدوا عليه يقاتلونه. قال: فقال ابن الزبير للحصين بن نمير: ادن مني أحدثك، فدنا منه فحدثه، فجعل فرس أحدهما يجفل - والجفل: الروث - فجاء حمام الحرم يلتقط من الجفل، فكف الحصين فرسه عنهن، فقال له ابن الزبير: ما لك؟ قال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم؛ فقال له ابن الزبير: أتتحرج من هذا وتريد أن تقتل المسلمين! فقال له: لا أقاتلك؛ فأذن لنا نطف بالبيت، وننصرف عنك، ففعل فانصرفوا. وأما عوانة بن الحكم فإنه قال - فيما ذكر هشام، عنه - قال: لما بلغ ابن الزبير موت يزيد - وأهل الشأم لا يعلمون بذلك، قد حصروه حصاراً شديداً وضيقوا عليه - أخذ يناديهم هو وأهل مكة: علام تقاتلون؟ قد هلك طاغيتكم؛ وأخذوا لا يصدقونه حتى قدم ثابت بن قيس بن المنقع النخعي من أهل الكوفة في رءوس أهل العراق، فمر بالحصين بن نمير - وكان له صديقاً، وكان بينهما صهر، وكان يراه عند معاوية، فكان يعرف فضله وإسلامه وشرفه - فسأل عن الخبر، فأخبره بهلاك يزيد، فبعث الحصين ابن نمير إلى عبد الله بن الزبير، فقال: موعد ما بيننا وبينك الليلة الأبطح، فالتقيا، فقال له الحصين: إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر؛ هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشأم، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشأم وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك، والتي كانت بيننا وبين أهل الحرة؛ فكان سعيد بن عمرو يقول: ما منعه أن يبايعهم ويخرج إلى الشأم إلا تطيرٌ، لأن مكة التي منعه الله بها؛ وكان ذلك من جند مروان، وإن عبد الله والله لو سار معهم حتى يدخل الشأم ما اختلف عليه منهم اثنان. فزعم بعض قريش أنه قال: أنا أهدر تلك الدماء! أما والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة، وأخذ الحصين يكلمه سراً، وهو يجهر جهراً، وأخذ يقول: لا والله لا أفعل؛ فقال له الحصين بن نمير: قبح الله من يعدك بعد هذه داهياً قط أو أديباً! قد كنت أظن أن لك رأياً. ألا أراني أكلمك سراً وتكلمني جهراً، وأدعوك إلى الخلافة، وتعدني القتل والهلكة! ثم قام فخرج وصاح في الناس، فأقبل فيهم نحو المدينة، وندم ابن الزبير على الذي صنع، فأرسل إليه: أما أن أسير إلى الشأم فلست فاعلاً، وأكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي هنالك فإني مؤمنكم وعادلٌ فيكم. فقال له الحصين: أرأيت إن لم تقدم بنفسك، ووجدت هنالك أناساً كثيراً من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، فما أنا صانعٌ؟ فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة، فاستقبله علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومعه قتٌّ وشعيرٌ، وهو على راحلة له، فسلم على الحصين، فلم يكد يلتفت إليه، ومع الحصين بن نمير فرسٌ له عتيق، وقد فني قته وشعيره، فهو غرضٌ، وهو يسب غلامه ويقول: من أين نجد هنا لدابتنا علفاً! فقال له علي بن الحسين: هذا علفٌ عندنا، فاعلف منه دابتك، فأقبل على عليٍّ عند ذلك بوجهه، فأمر له بما كان عنده من علف، واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشأم فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته ثم نكس عنها، فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون. وقالت لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشأم، ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشأم، وقد أوصيى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية ابن يزيد، فلم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى مات. وحدثني عمر، عن علي بن محمد، قال: لما استخلف معاوية بن يزيد وجمع عمال أبيه، وبويع له بدمشق، هلك بها بعد أربعين يوماً من ولايته. ويكنى أبا عبد الرحمن، وهو أبو ليلى، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم ابن عتبة بن ربيعة، وتوفي وهو ابن ثلاث عشرة سنةً وثمانية عشر يوماً. وفي هذه السنة بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد، على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناس على إمام يرتضونه لأنفسهم، ثم أرسل عبيد الله رسولاً إلى الكوفة يدعوهم إلى مثل الذي فعل من ذلك أهل البصرة، فأبوا عليه، وحصبوا الوالي الذي كان عليهم، ثم خالفه أهل البصرة أيضاً، فهاجت بالبصرة فتنة، ولحق عبيد الله بن زياد بالشأم. ذكر الخبر عما كان من أمر عبيد الله بن زياد وأمر أهل البصرة معه بها بعد موت يزيد وحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، قال: كتب الضحاك ابن قيس إلى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلامٌ عليك، أما بعد، فإن يزيد بن معاوية قد مات، وأنتم إخواننا، فلا تسبقونا بشيء حتى نختار لأنفسنا. حدثني عمر، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن حماد، قال: حدثنا محمد بن أبي عيينة؛ قال: حدثني شهرك، قال: شهدت عبيد الله بن زياد حين مات يزيد بن معاوية قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة، انسبوني، فوالله لتجدن مهاجر والدي ومولدي فيكم، وداري، ولقد وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل ولقد أحصى اليوم ديوان مقاتلتكم ثمانين ألفاً، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفاً، ولقد أحصي اليوم مائة وأربعين ألفاً، وما تركت لكم ذا ظنةٍ أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم هذا. وإن أمير المؤمنين يزيد بن معاويةً قد توفي، وقد اختلف أهل الشأم، وأنتم اليوم أكثر عدداً، وأعرضه فناءً، وأغناه عن الناس، وأوسعه بلاداً، فاختاروا لأنفسكم رجلاً ترتضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راض من رضيتموه وتابع، فإن اجتمع أهل الشأم على رجل ترتضونه، دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم عى جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان حاجةٌ، وما يستغني الناس عنكم. فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا: قد سمعنا مقالتك أيها الأمير، وإنا والله ما نعلم أحداً أقوى عليها منك، فهلم فلنبايعك؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم؛ فأبوا عليه، وأبى عليهم، حتى كرروا ذلك عليه ثلاث مرات، فلما أبوا بسط يده فبايعوه، ثم انصرفوا بعد البيعة وهم يقولون: لا يظن ابن مرجانة أنا نستقاد له في الجماعة والفرقة، كذب والله! ثم وثبوا عليه. حدثني عمر، قال زهير: قال: حدثنا وهب، قال: وحدثنا الأسود ابن شيبان، عن خالد بن سمير، أن شقيق بن ثور ومالك بن مسمع وحضين ابن المنذر أتوا عبيد الله ليلاً وهو في دار الإمارة، فبلغ ذلك رجلاً من الحي من بني سدوس؛ قال: فانطلقت فلزمت دار الإمارة، فلبثوا معه حتى مضى عليه الليل، ثم خرجوا ومعهم بغلٌ موقرٌ مالاً؛ قال: فأتيت حضيناً فقلت: مر لي من هذا المال بشيء - قال: وعلى المال مولىً له يقال له: أيوب - فقال: يا أيوب، أعطه مائة درهم؛ قلت: أما مائة درهم والله لا أقبلها، فسكت عني ساعةً، وسار هنيهة، فأقبلت عليه فقلت: مر لي من هذا المال بشيء، فقال: يا أيوب، أعطه مائتي درهم، قلت: لا أقبل والله مائتين، ثم أمر بثلثمائة ثم أربعمائة، فلما انتهينا إلى الطفاوة قلت: مر لي بشيء؛ قال: أرأيت إن لم أفعل ما أنت صانع؟ قلت: أنطلق والله حتى إذا توسطت دور الحي وضعت إصبعي في أذني، ثم صرخت بأعلى صوتي: يا معشر بكر بن وائل، هذا شقيق بن ثور وحضين بن المنذر ومالك بن المسمع، قد انطلقوا إلى ابن زياد، فاختلفوا في دمائكم؛ قال: ما له فعل الله به وفعل! ويلك أعطه خمسمائة درهم؛ قال: فأخذتها ثم صبحت غادياً على مالك - قال وهب: فلم أحفظ ما أمر له به مالك - قال: ثم رأيت حضيناً فدخلت عليه، فقال: ما صنع ابن عمك؟ فأخبرته وقلت: أعطني من هذا المال؛ فقال: إنا قد أخذنا هذا المال ونجونا به، فلن نخشى من الناس شيئاً، فلم يعطني شيئاً. قال أبو جعفر: وحدثني أبو عبيدة معمر بن المثنى أن يونس بن حبيب الجرمي حدثه، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي رضي الله عنه وبني أبيه، بعث برءوسهم إلى يزيد بن معاوية، فسر بقتلهم أولاً، وحسنت بذلك منزلة عبيد الله عنده، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم على قتل الحسين، فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته معي في داري، وحكمته فيما يريد، وإن كان علي في ذلك وكفٌ ووهنٌ في سلطاني، حفظاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورعايةً لحقه وقرابته! لع الله ابن مرجانة، فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلى سبيله ويرجع فلم يفعل، أو يضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البر والفاجر، بما استعظم الناس من قتلي حسيناً؛ مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه! ثم إن عبيد الله بعث مولىً يقال له أيوب بن حمران إلى الشأم ليأتيه بخبر يزيد، فركب عبد الله ذات يوم حتى إذا كان في رحبة القصابين، إذا هو بأيوب بن حمران قد قدم، فلحقه فأسر إليه موت يزيد بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك فأتى منزله، وأمر عبد الله بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: الصلاة جامعة. قال أبو عبيدة: وأما عمير بن معن الكاتب، فحدثني قال: الذي بعثه عبيد الله حمران مولاه، فعاد عبيد الله عبد الله بن نافع أخي زياد لأمه، ثم خرج عبيد الله ماشياً من خوخة كانت في دار نافع إلى المسجد، فلما كان في صحته إذا هو بمولاه حمران أدنى ظلمة عند المساء - وكان حمران رسول عبيد الله بن زياد إلى معاوية حياته وإلى يزيد - فلما رآه ولم يكن آن له أن يقدم - قال: مهيم! قال: خيرٌ، قال: وما وراءك؟ قال: أدنو منك؟ قال: نعم - وأسر إليه موت يزيد واختلاف أمر الناس بالشأم، وكان يزيد مات يوم الخميس للنصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين - فأقبل عبيد الله من فوره، فأمر منادياً فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد، وعرض بثلبه لقصد يزيد إياه قبل موته حتى يخافه عبيد الله، فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة، وكان يقال: أعرض عن ذي فنن، فأعرض عنه، ثم قام عبيد الله يذكر اختلاف أهل الشام، وقال: إني قد وليتكم.. ثم ذكر نحو حديث عمر بن شبة، عن زهير بن حرب إلى: فبايعوه عن رضاً منهم ومشورةٍ. ثم قال: فلما خرجوا من عنده جعلوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه، ويقولون: ظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة! قال: فأقام عبيد الله أميراً غير كثير حتى جعل سلطانه يضعف، ويأمرنا بالأمر فلا يقضى، ويرى الرأي فيرد عليه، ويأمر بحبس المخطىء فيحال بين أعوانه وبينه. قال أبو عبيدة: فسمعت غيلان بن محمد يحدث عن عثمان البتي، قال: حدثني عبد الرحمن نب جوشن ، قال: تبعت جنازةً فلما كان في سوق الإبل إذا رجلٌ على فرس شهباء متقنعٌ بسلاح وفي يده لواء، وهو يقول: أيها الناس، هلموا إلي أدعكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم - يعني عبد الله بن الزبير. قال: فتجمع إليه نويس، فجعلوا يصفقون على يديه، ومضينا حتى صلينا على الجنازة، فلما رجعنا إذا هو قد انضم إليه أكثر من الأولين، ثم أخذ بين دار قيس بن الهيثم بن أسماء بن الصلت السلمي ودار الحارثيين قبل بني تميم في الطريق الذي يأخذ عليهم، فقال: ألا من أرادني فأنا سلمة بن ذؤيب - وهو سلمة بن ذؤيب بن عبد الله بن محكم بن زيد بن رياح بن يربوع بن حنظلة - قال: فلقيني عبد الرحمن بن بكر عند الرحبة، فأخبرته بخبر سلمة بعد رجوعي، فأتى عبد الرحمن عبيد الله فحدثه بالحديث عني، فبعث إلي، فأتيته، فقال: ما هذا الذي خبر به عنك أبو بحر؟ قال: فاقتصصت عليه القصة حتى أتيت على آخرها، فأمر فنودي على المكان: الصلاة جامعة، فتجمع الناس، فأنشأ عبيد الله يقص أمره وأمرهم، وما قد كان دعاهم إلى من يرتضونه، فيبايعه معهم، وإنكم أبيتم غيري، وإنه بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب الدار، وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ، ويرد علي رأيي، وتحول القبائل بين أعواني وطلبتي، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعو إلى الخلاف عليكم، إرادة أن يفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم جباه بعض بالسيف. فقال الأحنف صخر بن قيس ابن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، والناس جميعاً: نحن نأتيك بسلمة؛ فأتوا سلمة، فإذا جمعه قد كشف، وإذا الفتق قد اتسع على الراتق، وامتنع عليهم، فلما رأوا ذلك قعدوا عن عبيد الله بن زياد فلم يأتوه. قال أبو عبيدة: فحدثني غير واحد، عن سبرة بن الجارود الهذلي، عن أبيه الجارود، قال: وقال عبيد الله في خطبته: يا أهل البصرة، والله لقد لبسنا الخز واليمنة واللين من الثياب حتى لقد أجمنا ذلك وأجمته جلودنا، فما بنا إلى أن نعقبها الحديد! يا أهل البصرة، والله لو اجتمعتم على ذنب عير لتكسروه وما كسرتموه. قال الجارود: فوالله ما رمي بجماح حتى هرب، فتوارى عند مسعود فلما قتل مسعود لحق بالشأم. قال يونس: وكان في بيت مال عبيد الله يوم خطب الناس قبل خروج سلمة ثمانية آلاف ألف أو أقل - وقال علي بن محمد: تسعة عشر ألف ألف - فقال للناس: إن هذا فيئكم، فخذوا أعطياتكم وأرزاق ذراريكم منه، وأمر الكتيبة بتحصيل الناس وتخريج الأسماء، واستعجل الكتاب في ذلك حتى وكل بهم من يحبسهم بالليل في الديوان، وأسرجوا بالشمع. قال: فلما صنعوا ما صنعوا وقعدوا عنه، وكان من خلاف سلمة عليه ما كان، كف عن ذلك، ونقلها حين هرب، فهي إلى اليوم تردد في آل زياد، فيكون فيهم العرس أو المأتم فلا يرى في قريش مثلهم، ولا في قريش أحسن منهم في الغضارة والكسوة. فدعا عبيد الله رؤساء خاصة السلطان، فأرادهم أن يقاتلوا معه، فقالوا: إن أمرنا قوادنا قاتلنا معك، فقال إخوة عبيد الله لعبيد الله: والله ما من خليفة فتقاتل عنه فإن هزمت فئت إليه وإن استمددته أمدك، وقد علمت أن الحرب دول، فلا ندري لعلها تدول عليك، وقد اتخذنا بين أظهر هؤلاء اقوم أموالاً، فإن ظفروا أهلكونا وأهلكوها، فلم تبق لك باقية. وقال له أخوه عبد الله لأبيه وأمه مرجانة: والله لئن قاتلت القوم لأعتمدن على ظبة السيف حتى يخرج من صلبي. فلما رأى ذلك عبيد الله أرسل إلى حارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم، فقال له: يا حار، إن أبي كان أوصاني إن احتجت إلى الهرب يوماً أن أختاركم، وإن نفسي تأبى غيركم، فقال الحارث: قد أبلوك في أبيك ما قد علمت، وأبلوه فلم يجدوا عنده ولا عندك مكافأةً، وما لك مردٌّ إذا اخترتنا، وما أدري كيف أتاني لك إن أخرجتك نهاراً! إني أخاف ألا أصل بك إلى قومي حتى تقتل وأقتل، ولكني أقيم معك حتى إذا وارى دمسٌ دمساً وهدأت القدم، ردفت خلفي لئلا تعرف، ثم أخذتك على أخوالي بني ناجية، قال عبيد الله: نعم ما رأيت، فأقام حتى إذا قيل: أخوك أم الذئب؛ حمله خلفه، وقد نقل تلك الأموال فأحرزها، ثم انطلق به يمر به على الناس، وكانوا يتحارسونه مخافة الحرورية فيسأل عبيد الله أين نحن؟ فيخبره؛ فلما كانوا في بني سليم قال عبيد الله: أين نحن؟ قال: في بني سليم؛ قال: سلمنا إن شاء الله، فلما أتى بني ناجية قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية؛ قال: نجونا إن شاء الله؛ فقال بنو ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس؛ قالوا: ابن أختكم؛ وعرف رجل منهم عبيد الله فقال: ابن مرجانة! فأرسل سهماً فوقع في عمامته، ومضى به الحارث حتى ينزله دار نفسه في الجهاضم، ثم مضى إلى مسعود بن عمرو بن عدي بن محارب بن صنيم بن مليح بن شرطان بن معن بن مالك بن فهم، فقالت الأزد ومحمد بن أبي عيينة، فلما رآه مسعود قال: يا حار، قد كان يتعوذ من سوء طوارق الليل، فنعوذ بالله من شر ما طرقتنا به؛ قال الحارث: لم أطرقك إلا بخير، وقد علمت أن قومك قد أنجوا زياداً فوفوا له، فصارت لهم مكرمة في العرب يفتخرون بها عليهم، وقد بايعتم عبيد الله بيعة الرضا؛ رضاً عن مشورة، وبيعةً أخرى قد كانت في أعناقكم قبل البيعة - يعني بيعة الجماعة - فقال له مسعود: يا حار، أترى لنا أن نعادي أهل مصرنا في عبيد الله، وقد أبلينا في أبيه ما أبلينا، ثم لم نكافأ عليه، ولم نشكر! ما كنت أحسب أن هذا من رأيك؛ قال الحارث: إنه لا يعاديك أحد على الوفاء ببيعتك حتى تبلغه مأمنه. قال أبو جعفر: وأما عمر فحدثني قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد الجهضمي، عن الحارث بن قيس، قال: عرض نفسه - يعني عبيد الله بن زياد - علي، فقال: أما والله إني لأعرف سوء رأي كان في قومك؛ قال: فوقفت له، فأردفته على بغلتي - وذلك ليلاً - فأخذت على بني سليم، فقال: من هؤلاء؟ قلت: بنو سليم؛ قال: سلمنا إن شاء الله؛ ثم مررنا ببني ناجية وهم جلوسٌ ومعهم السلاح - وكان الناس يتحارسون إذ ذاك في مجالسهم - فقالوا: من هذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالوا: امض راشداً، فلما مضينا قال رجل منهم: هذا والله ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كور عمامته، فقال: يا أبا محمد، من هؤلاء؟ قال: الذين كنت تزعم أنهم من قريش، هؤلاء بنو ناجية؛ قال: نجونا إن شاء الله، ثم قال: يا حارث، إنك قد أحسنت وأجملت، فهل أنت صانع ما أشير عليك؟ قد علمت منزلة مسعود بن عمرو في قومه وشرفه وسنه وطاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره، فهي وسط الأزد، فإنك إن لم تفعل صدع عليك أمر قومك؛ قلت: نعم؛ فانطلقت به، فما شعر مسعودٌ بشيء حتى دخلنا عليه وهو جالسٌ ليلتئذٍ يوقد بقضيب على لبنةٍ، وهو يعالج خفية قد خلع أحدهما وبقي الآخر، فلما نظر في وجوهنا عرفنا وقال: إنه كان يتعوذ من طوارق السوء، فقلت له: أفتخرجه بعد ما دخل عليك بيتك! قال: فأمره فدخل بيت عبد الغافر بن مسعود - وامرأة عبد الغافر يومئذ خيرة بنت خفاف بن عمرو - قال: ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه، فطافوا في الأزد ومجالسهم، فقالوا: إن ابن زياد قد فقد، وإنا لا نأمن أن تلطخوا به، فأصبحوا في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: أين توجه؟ فقالوا: ما هو إلا في الأزد. قال وهب: فحدثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان أنهم جعلوا يقولون: أين ترون توجه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجه! اندحس والله في أجمة أبيه. وكانت وفاة يزيد حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كا دعا البخارية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبوا عليه. حدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن جرير المازني، قال: بعث إلي شقيق بن ثور فقال لي: إنه قد بلغني أن ابن منجوف هذا وابن مسمع يدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذين الغارين، فيهريقوا دماءكم، ويعزوا أنفسهم، ولقد هممت أن أبعث إلى ابن منجوف فأشده وثاقاً، وأخرجه عني؛ فاذهب إلى مسعود فاقرأ عليه السلام مني، وقل له: إن ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك. قال: وكان معه عبيد الله وعبد الله ابنا زياد. قال: فدخلت على مسعود وابنا زياد عنده: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قيس، قال: وعليك السلام؛ قلت: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنه بلغني، فرد الكلام بعينه إلى فأخرجهما عنك؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونسي كنيته، إنما كان يكنى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرتمونا، وعقدتم لنا ذمتكم، فلا نخرج حتى نقتل بين أظهركم، فيكون عاراً عليكم إلى يوم القيامة. قال وهب: حدثنا الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد، أن أهل البصرة اجتمعوا فقلدوا أمرهم النعمان بن صهبان الراسبي ورجلاً من مضر ليختارا لهم رجلاً فيولوه عليهم، وقالوا: من رضيتما لنا فقد رضيناه. وقال غير أبي لبيد: الرجل المضري في بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحداً أحق بهذا الأمر من فلان - لرجل من بني أمية - قال: وذلك رأيك؟ قال: نعم؛ قال: قد قلدتك أمري، ورضيت من رضيت. ثم خرجا إلى الناس، فقال المضري: قد رضيت من رضي النعمان، فمن سمي لكم فأنا به راضٍ؛ فقالوا للنعمان: ما تقول! فقال: ما أرى أحداً غير عبد الله ابن الحارث - وهو ببة - فقال المضري: ما هذا الذي سميت لي؟ قال: بلى، لعمري إنه لهو، فرضي الناس بعبد الله وبايعوه. قال أصحابنا: دعت مضر إلى العباس بن الأسود بن عوف الزهري، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعت اليمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناس أن حكموا قيس بن الهيثم والنعمان بن صهبان الراسبي لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيهما على أن يوليا المضري الهاشمي إلى أن يجتمع أمر الناس على إمام؛ فقيل في ذلك: نزعنا وولينا وبكر بن وائلٍ ... تجر خصاها تبتغي من تحالف فلما أمروا ببه على البصرة ولى شرطته هميان بن عدي السدوسي. قال أبو جعفر: وأما أبو عبيدة فإنه - فيما حدثني محمد بن علي، عن أبي سعدان، عنه - قص من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غير القصة التي قصتها وهب بن جرير، عمن روى عنهم خبرهم، قال: حدثني مسلمة ابن محارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمن أدرك ذلك منهم ومن مواليهم والقوم أعلم بحديثهم، أن الحارث بن قيس لم يكلم مسعوداً، ولكنه آمن عبيد الله، فحمل معه مائة ألف درهم، ثم أتى بها إلى أم بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمه، ومعه عبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذنت له، فقال لها الحارث: قد أتيتك بأمر تسودين به نساءك وتتمين به شرف قومك، وتعجلين غنىً ودنيا لك خاصة، هذه مائة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضمي عبيد الله. قالت، إني أخاف ألا يرضي مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوباً من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلما جاء مسعود أخبرته، فأخذ براسها، فخرج عبيد الله والحارث من حجلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتني ابنة عمك عليك، وهذا ثوبك علي، وطعامك في بطني، وقد التف علي بيتك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطفا له حتى رضي. قال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحواً من خمسين ألفاً، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قتل مسعود؛ قال أبو عبيدة: فحدثني يزيد بن سمير الجرمي، عن سوار بن عبد الله بن سعيد الجرمي؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبر أهل البصرة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرون عليهم، ثم تراضوا برجلين يختاران لهم خيرة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن سفيان الراسبي - راسب بن جرم ابن ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة - أن يختاروا من يرضيان لهم، فذكرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية - وكان يلقب ببة، وهو جد سليمان ابن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزهري. فلما أطبقا عليهما اتعدا المربد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذين. قال: فحضر الناس، وحضرت معهم قارعة المربد؛ أي أعلاه، فجاء قيس ابن الهيثم، ثم جاء النعمان بعد، فتجاول قيس والنعمان، فأرى النعمان قيساً أن هواه في ابن الأسود، ثم قال: إنا لا نستطيع أن نتكلم معاً، وأراده أن يجعل الكلام إليه، ففعل قيس وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمان على الناس عهداً ليرضون بما يختار. قال: ثم أتى النعمان عبد الله ابن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه شرائط حتى ظن الناس أنه مبايعه، ثم تركه، وأخذ بيد عبد الله بن الحارث، فاشترط عليه مثل ذلك، ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته وقرابته، ثم قال: يأيها الناس، ما تنقمون من رجل من بني عم نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأمه هند بنت أبي سفيان! فإن كان فيهم فهو ابن أختكم؛ ثم صفق على يده وقال: ألا إني قد رضيت لكم به، فنادوا: قد رضينا؛ فأقبلوا بعبد الله بن الحارث إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك في أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين، واستعمل على شرطته هميان بن عدي السدوسي، ونادى في الناس: أن احضروا البيعة، فحضروا فبايعوه، فقال الفرزدق حين بايعه: وبايعت أقواماً وفيت بعهدهم ... وببة قد بايعته غير نادم قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسمع الجحدري في الباطنة عند باب عبد الله الإصبهاني في خط بني جحدر، الذي عند مسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، فبينا هو قاعد فيه - وذلك بعد يسيرٍ من أمر ببة - وافى الحلقة رجلٌ من ولد عبد الله عامر بن كريز القرشي يريد ببة، ومعه رسالة من عبد الله ابن خازم، وبيعته بهراة، فتنازعوا، فأغلظ القرشي لمالك، فلطم رجلٌ من بكر بن وائل القرشي، فتهايج من ثم من مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة، فنادى رجل: يال تميم! فسمعت الدعوة عصبةٌ من ضبة ابن أد - كانوا عند القاضي - فأخذوا رماح حرس من المسجد وترستهم، ثم شدوا على الربعين فهزموهم، وبلغ ذلك شقيق بن ثور السدوسي - وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل - فأقبل إلى المسجد فقال: لا تجدن مضرياً إلا قتلتموه، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلاً يسكن الناس، فكف بعضهم عن بعض، فمكث الناس شهراً أو أقل، وكان رجل من بني يشكر يجالس رجلاً من بني ضبة في المسجد، فتذاكرا لطمة البكري القرشي، ففخر اليشكري. قال: ثم قال: ذهبت ظلفاً. فأحفظ الضبي بذلك، فوجأ عنقه، فوقذه الناس في الجمعة، فحمل إلى أهله ميتاً - أعني اليشكري - فثارت بكر إلى رأسهم أشيم بن شقيق، فقالوا: سر بنا؛ فقال: بل أبعث إليهم رسولاً، فإن سيبوا لنا حقنا وإلا سرنا إليهم، فأبت ذلك بكر، فأتوا مالك بن مسمع - وقد كان قبل ذلك مملكاً عليهم قبل أبشيم، فغلب أشيم على الرياسة حين شخص أشيم إلى يزيد بن معاوية؛ فكتب له إلى عبيد الله بن زياد أن ردوا الرياسة إلى أشيم، فأبت اللهازم، وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافواهم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يشكر، وذهل ثعلبة وحلفاؤها ضبيعة بن ربيعة بن نزار؛ أربع قبائل وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوبر في الجاهلية، فكانت حنيفة بقيت من قبائل بكر لم تكن دخلت في الجاهلية في هذا الحلف، لأنهم أهل مدر، فدخلوا في الإسلام مع أخيهم عجل، فصاروا لهزمةً، ثم تراضوا بحكم عمران بن عصام العنزي أحد بني هميم، وردها إلى أشيم، فلما كانت هذه الفتنة استخفت بكر مالك بن مسمع، فخف وجمع وأعد، فطلب إلى الأزد أن يجددوا الحلف الذي كان بينهم قبل ذلك في الجماعة على يزيد بن معاوية، فقال حارثة بن بدر في ذلك: نزعنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تبتغي من تحالف وما بات بكريٌّ من الدهر ليلةً ... فيصبح إلا وهو للذل عارف قال: فبلغ عبيد الله الخبر - وهو في رحل مسعود - من تباعد ما بين بكر وتميم، فقال لمسعود: الق مالكاً فجدد الحلف الأول؛ فلقيه، فترادا ذلك، وتأبى عليهما نفر من هؤلاء وأولئك، فبعث عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطاه جزيلاً من المال، حتى أنفق في ذلك أكثر من مائتي ألف درهم على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه: استوثق من القوم لأهل اليمن، فجددوا الحلف، وكتبوا بينهم كتاباً سوى الكتابين اللذين كانا كتبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتاباً عند مسعود بن عمرو. قال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود، أن أول تسمية من فيه، الصلت بن حريث بن جابر الحنفي، ووضعوا كتاباً عند الصلت بن حريث أول تسميته ابن رجاء العوذي، من عوذ بن سود، وقد كان بينهمه قبل هذا حلف. قال أبو عبيدة: وزعم محمد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حدير وزهير بن هنيد، أن مضر كانت تكثر ربيعة بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخر من نزل بالبصرة، كانوا حيث مصرت البصرة، فحول عمر بن الخطاب رحمه الله من تنوخ من المسلمين إلى البصرة، وأقامت جماعة الأزد لم يتحولوا، ثم لحقوا بالبصرة بعد ذلك في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن معاوية، فلما قدموا قالت بنو تميم للأحنف: بادر إلى هؤلاء قبل أن تسبقنا إليهم ربيعة، وقال الأحنف: إن أتوكم فاقبلوهم، وإلا لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعاً. فأتاهم مالك بن مسمع ورئيس الأزد يومئذ مسعود بن عمرو المعنى، فقال مالك: جددوا حلفنا وحلف كندة في الجاهلية، وحلف بني ذهل بن ثعلبة في طيىء بن أدد من ثعل؛ فقال الأحنف: أما إذ أتوهم فلن يزالوا لهم أتباعاً أذناباً. قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير، عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أن جرت بكر إلى نصر الأزد على مضر، وجددوا الحلف الأول، وأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منا، فرأسوا مسعوداً عليهم. قال أبو عبيدة: فحدثني مسلم بن محارب، قال: قال مسعود لعبيد الله: سر معنا حتى نعيدك في الدار؛ فقال: ما أقدر على ذلك، امض أنت، وأمر برواحله فشدوا عليها أدواتها وسوادها، وتزمل في أهبة السفر، وألقوا له كرسياً على باب مسعود، فقعد عليه؛ وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلماناً له على الخيل مع مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحدث فأقول: إذا كان كذا؛ فليأتني بعضكم بالخبر، ولكن لا يحدثن خير ولا شر إلا أن أتاتي بعضكم به، فجعل مسعو دلا يأتي على سكة، ولا يتجاوز قبيلةً إلا أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك، وقدم مسعود ربيعة، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا جميعاً سكة المربد، فجاء مسعود حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له: إن مسعوداً وأهل اليمن وربيعة قد ساروا، وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم أو ركبت في بني تميم عليهم! فقال: أبعدهم الله! لا والله لا أفسدت نفسي في إصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول: لأنكحن ببه ... جاريةً في قبه تمشط رأس لعبه فهذا قول الأزد وربيعة، فأما مضر فيقولون: إن أمه هند بنت أبي سفيان كانت ترقصه وتقول هذا؛ فلما لم يحل أحد بين مسعود وبين صعود المنبر، خرج مالك بن مسمع في كتيبته حتى علا الجبان من سكة المربد، ثم جعل يمر بعدد دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية من قبل الجبان، فجعل يحرق دورهم للشحناء التي في صدورهم، لقتل الضبي اليشكري، ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهراة؛ قال: فبينا هو في ذلك إذ أتوه فقالوا: قتلوا مسعوداً، وقالوا: سارت بنو تميم إلى مسعود، فأقبل حتى إذا كان عند مسجد بني قيس في سكة المربد، وبلغه قتل مسعود، وقف. قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، قال: حدثنا الضحاك - أو الوضاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارم - قال: حدثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون؛ قال: فأتيته وأتته بنو تميم، فقالوا: إن مسعوداً قد دخل الدار وأنت سيدنا، فقال: لست بسيدكم، إنما سيدكم الشيطان. وأما هبيرة بن حدير، فحدثني عن إسحاق بن سويد العدوي، قال: أتيت منزل الأحنف في النظارة، فأتوا الأحنف فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد دخلوا الرحبة، فقال: لستم بأحق بالمسجد منهم؛ ثم أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار؛ فقال: لستم بأحق بالدار منهم؛ فتسرع سلمة بن ذؤيب الرياحي، فقال: إلي يا معشر الفتيان، فإنما هذا جبسٌ لا خير لكم عنده، فبدرت ذؤبا بني تميم فانتدب معه خمسمائة، وهم مع ماه أفريذون، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إياكم أردنا؛ قال: فتقدموا. قال أبو عبيدة: فحدثني زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، عن ناشب ابن الحسحاس وحميد بن هلال، قالا: أتينا منزل الأحنف بحضرة المسجد، قالا: فكنا فيمن ينظر، فأتته امرأة بمجمر فقالت: ما لك وللرياسة! تجمر فإنما أنت امرأة؛ فقال: است امرأة أحق بالمجمر؛ فأتوه فقالوا: إن علية بنت ناجية الرياحي - وهي أخت مطر، وقال آخرون: عزة بنت الحر الرياحية - قد سلبت خلاخيلها من ساقيها، وكان منزلها شارعاً في رحبة بني تميم على الميضأة، وقالوا: قتلوا الصباغ الذي على طريقك، وقتلوا المقعد الذي كان على باب المسجد، وقالوا: إن مالك بن مسمع قد دخل سمى بني العدوية من قبل الجبان، فحرق دوراً، فقال الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ففي دون هذا ما يحل قتالهم؛ فشهدوا عنده على ذلك، فقال الأحنف: أجاء عباد؟ وهو عباد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن أوس بن سيف بن عزم بن حلزة بن بيان بن سعد بن الحارث الحبطة بن عمرو ابن تميم؛ قالوا: لا، ثم مكث غير طويل، فقال: أجاء عباد؟ قالوا: لا؛ قال: فهل ها هنا عبس بن طلق بن ربيعة بن عامر بن بسطام بن الحكم ابن ظالم بن صريم بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد؟ فقالوا: نعم؛ فدعاه، فانتزع معجراً في رأسه، ثم جثا على ركبتيه، فعقده في رمح ثم دفعه إليه، فقال: سر. قالا: فلما ولي قال: اللهم لا تخزها اليوم، فإنك لم تخزها فيما مضى. وصاح الناس: هاجت زبراء - وزبراء أمة للأحنف، وإنما كنوا بها عنه - قالا: فلما سار عبس جاء عباد في ستين فارساً فسأل، ما صنع الناس؟ فقالوا: ساروا؛ قال: ومن عليهم؟ قالوا: عبس بن طلق الصريمي؛ فقال عباد: أنا أسير تحت لواء عبس! فرجع والفرسان إلى أهله. فحدثني زهير، قال: حدثنا أبو ريحانة العريني، قال: كنت يوم قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عبد الله السعدي أعدو حتى بلغنا شريعة القديم. قال إسحاق بن سويد: فأقبلوا، فلما بلغوا أفواه السكك وقفوا، فقال لهم ماه أفريذو بالفارسية: ما لكم يا معشر الفتيان؟ قالوا: تلقونا بأسنة الرماح؛ فقال لهم بالفارسية: صكوهم بالفنجقان - أي بخمس نشابات في رمية، بالفارسية - والأساورة أربعمائة، فصكوهم بألفي نشابة في دفعة، فأجلوا عن أبواب السكك، وقاموا على باب المسجد، ودلفت التميمية إليهم، فلما بلغوا الأبواب وقفوا، فسألهم ماه أفريذون: ما لكم؟ قالوا: أسندوا إلينا أطراف رماحهم؛ قال: ارموهم أيضاً؛ فرموهم بألفي نشابة، فأجلوهم عن الأبواب، فدخلوا المسجد، فأقبلوا ومسعود يخطب على المنبر ويحضض، فجعل غطفان بن أنيف بن يزيد بن فهدة، أحد بني كعب بن عمرو بن تميم، وكان يزيد بن فهدة فارساً في الجاهلية يقاتل ويحض قومه ويرتجز: يا لتميمٍ إنها مذكوره ... إن فات مسعودٌ بها مشهوره فاستمسكوا بجانب المقصوره أي لا يهرب فيفوت. قال إسحاق بن يزيد. فأتوا مسعوداً وهو على المنبر يحض، فاستنزلوه فقتلوه، وذلك في أول شوال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئاً، فانهزموا. وبادر أشيم بن شقيق القوم بباب المقصورة هارباً، فطعنه أحدهم، فنجا بها، ففي ذلك يقول الفرزدق: لو أن أشيم لم يسبق أسنتنا ... وأخطأ الباب إذ نيراننا تقد إذاً لصاحب مسعوداً وصاحبه ... وقد تهافتت الأعفاج والكبد قال أبو عبيدة: فحدثني سلام بن أبي خيرة، وسمعته أيضاً من أبي الخنساء كسيب العنبري يحدث في حلقة يونس، قالا: سمعنا الحسن ابن أبي الحسن يقول في مجلسه في مسجد الأمير: فأقبل مسعود من ها هنا - وأشار بيده إلى منازل الأزد في أمثال الطير - معلماً بقباء ديباج أصفر مغير بسواد، يأمر الناس بالسنة، وينهى عن الفتنة: ألا إن من السنة أن تأخذ فوق يديك، وهم يقولون: القمر القمر، فوالله ما لبثوا إلا ساعةً حتى صار قمرهم قميراً، فأتوه فاستنزلوه عن المنبر وهو عليه - قد علم الله - فقتلوه. قال سلام في حديثه: قال الحسن: وجاء الناس من ها هنا - وأشار بيده إلى دور بني تميم. قال أبو عبيدة: فحدثني مسلمة بن محارب، قال: فأتوا عبيد الله فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم يرم دون الدار بكثاب، فبيناه في ذلك يتهيأ ليجيء إلى الدار، إذ جاءوا فقالوا: قد قتل مسعود، فاغترز في ركابه فلحق بالشأم، وذلك في شوال سنة أربع وستين. قال أبو عبيدة: فحدثني رواد الكعبي، قال: فأتى مالك بن مسمع أناسٌ من مضر، فحصروه في داره، وحرقوا، ففي ذلك يقول غطفان بن أنيف الكعبي في أرجوزة: وأصبح ابن مسمع محصورا ... يبغي قصوراً دونه ودورا حتى شببنا حوله السعيرا ولما هرب عبيد اللهبن زياد اتبعوه، فأعجز الطلبة، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول وافد بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر بن منقر بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد: يا رب جبار شديد كلبه ... قد صار فينا تاجه وسلبه منهم عبيد الله حين نسلبه ... جياده وبزه وننهبه يوم التقى مقنبنا ومقنبه ... لو لم ينج ابن زيادٍ هربه وقال جرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدوية في قتل مسعود في كلمة طويلة: ومسعود بن عمرو إذ أتانا ... صبحنا حد مطرور سنينا رجا التأمير مسعودٌ فأضحى ... صريعاً قد أزرناه المنونا قال أبو جعفر محمد بن جرير: وأما عمر؛ فإنه حدثني في أمر خروج عبيد الله إلى الشأم، قال: حدثني زهير، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا الزبير بن الخريت، قال: بعث مسعود مع ابن زياد مائةً من الأزد، عليهم قرة بن عمرو بن قيس، حتى قدموا به الشأم. وحدثني عمر، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، عن عمرو بن الزبير وخلاد بن يزيد الباهلي والوليد بن هشام، عن عمه، عن أبيه، عن عمرو بن هبيرة، عن يساف بن شريح اليشكري، قال؛ وحدثنيه علي بن محمد، قال - قد اختلفوا فزاد بعضهم على بعض - إن ابن زياد خرج من البصرة، فقال ذات ليلة: إنه قد ثقل علي ركوب الإبل، فوطئوا لي على ذي حافر؛ قال: فألقيت له قطيفةٌ على حمار، فركبه وإن رجليه لتكادان تخدان في الأرض. قال اليشكري: فإنه ليسير أمامي إذ سكت سكتةً فأطالها، فقلت في نفسي: هذا عبيد الله أمير العراق أمس نائمٌ الساعة على حمار، لو قد سقط منه أعنته؛ ثم قلت: والله لئن كان نائماً لأنغصن عليه نومه؛ فدنوت منه، فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا؛ قلت: فما أسكتك؟ قال: كنت أحدث نفسي؛ قلت: أفلا أحدثك ما كنت تحدث به نفسك؟ قال: هات، فوالله ما أراك تكيس ولا تصيب، قال: قلت: كنت تقول: ليتني لم أقتل الحسين، قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن قتلت من قتلت؛ قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدهاقين، قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنت؛ قال: فقال: والله ما نطقت بصواب، ولا سكت عن خطإ، أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي، فاخترت قتله على أن يقتلني؛ وأما البيضاء فإني اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي، وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيت فلأهلي، وإن هلكت لم آس عليها مما لم أعنف فيه؛ وأما استعمال الدهاقين فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزاذان فروخ وقعا في عند معاوية حتى ذكرا قشور الأرز، فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف، فخيرني معاوية بين الضمان والعزل؛ فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه، فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية، وأوفى بالأمانة، وأهون في المطالبة منكم، مع أني قد جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحداً. وأما قولك في السخاء، فوا الله ما كان لي مال فأجود به عليكم، ولو شئت لأخذت بعض مالكم فخصصت به بعضكم دون بعض، فيقولون: ما أسخاه! ولكني عممتكم، وكان عندي أنفع لكم. وأما قولك: ليتني لم أكن قتلت من قتلت؛ فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملاً هو أقرب إلى الله عندي من قتلي من قتلت من الخوارج، ولكني سأخبرك بما حدثت به نفسي؛ قلت: ليتني كنت قاتلت أهل البصرة، فإنهم بايعوني طائعين غير مكرهين، وايم الله لقد حرصت على ذلك؛ ولكن بني زياد أتوني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحداً، وإن تركتهم تغيب الرجل منا عند أخواله وأصهاره؛ فرفقت لهم فلم أقاتل. وكنت أقول: ليتني كنت أخرجت أهل السجن فضربت أعناقهم، فأما إذ فاتت هاتان فليتني كنت أقدم الشأم ولم يبرموا أمراً. قال بعضهم: فقدم الشأم ولم يبرموا أمراً، فكأنما كانوا معه صبياناً؛ وقال بعضهم: قدم الشأم وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه. وفي هذه السنة طرد أهل الكوفةعمرو بن حريث وعزلوه عنهم، واجتمعوا على عامر بن مسعود. ذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حريث وتأميرهم عامراً قال أبو جعفر: ذكر الهيثم بن عدي، قال: حدثنا ابن عياش، قال: كان أول من جمع له المصران: الكوفة والبصرة زياداً وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفاً، وحبس عبيد الله منهم أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيباً، فقال: إن الذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمرتموني جبيت فيئكم، وقاتلت عدوكم. وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مقاتل ابن مسمع وسعيد بن قرحا، أحد بني مازن، وخليفته على الكوفة عمرو بن حريث، فقاما بذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني فقال: الحمد لله الذي أراحنا من ابن سمية، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو فلبب ومضي به إلى السجن، فحالت بكر بينهم وبينه، فانطلق يزيد إلى أهله خائفاً، فأرسل إليه محمد بن الأشعث: إنك على رأيك، وتتابعت عليه الرسل بذلك، وصعد عمرو المنبر فحصبوه، فدخل داره، واجتمع الناس في المسجد فقالوا: نؤمر رجلاً إلى أن يجتمع الناس على خليفة، فأجمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء همدان يبكين حسيناً، ورجالهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمنبر، فقال محمد بن الأشعث: جاء أمرٌ غير ما كنا فيه، وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد لأنهم أخواله، فاجتمعوا على عامر ابن مسعود، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقره. وأما عوانة بن الحكم؛ فإنه قال فيما ذكر هشام بن محمد عنه: لما بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مسمع، وسعد بن القرحا التميمي، ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعة لعبيد الله بن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم يدعوانكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم، ويصلح به ذات بينكم، فاسمعوا منهما، واقبلوا عنهما، فإنهما برشدٍ ما أتياكم. فقام عمرو بن مسمع، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أهل البصرة واجتماع رأيهم على تأمير عبيد الله بن زياد حتى يرى الناس رأيهم فيمن يولون عليهم؛ وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمركم فيكون أميرنا وأميركم واحداً، فإنما الكوفة من البصرة والبصرة من الكوفة، وقام ابن القرحا فتكلم نحواً من كلام صاحبه. قال: فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيباني - وهو ابن رويم - فحصبهما أول الناس، ثم حصبهما الناس بعد، ثم قال: أنحن نبايع لابن مرجانة! لا ولا كرامة؛ فشرفت تلك الفعلة يزيد في المصر ورفعته، ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا: أهل الكوفة يخلعونه، وأنتم تولونه وتبايعونه! فوثب به الناس، وقال: ما كان في ابن زياد وصمةٌ إلا استجارته بالأزد. قال: فلما نابذه الناس استجار بمسعود بن عمرو الأزدي، فأجاره ومنعه، فمكث تسعين يوماً بعد موت يزيد، ثم خرج إلى الشأم، وبعثت الأزد وبكر ابن وائل رجالاً منهم معه حتى أوردوه الشأم، فاستخلف حين توجه إلى الشأم مسعود بن عمرو على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضى ولا نجيز ولا نولي إلا رجلاً ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: فقد استخلفني فلا أدع ذلك أبداً؛ فخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد؛ قال: ودخل المسجد فمه! إنما هو لكم ولهم، وأنتم تدخلونه؛ قالوا: فإنه قد دخل القصر، فصعد المنبر. وكانت خوارج قد خرجوا، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عبيد الله بن زياد إلى الشأم، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم أن هذا الرجل الذي قد دخل البصر لنا ولكم عدو، فما يمنعكم من أن تبدءوا به! فجاءت عصابةٌ منهم حتى دخلوا المسجد، ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع من أتاه، فيرميه علج يقال له: مسلم من أهل فارس، دخل البصرة فأسلم ثم دخل في الخوارج، فأصاب قلبه فقتله وخرج، وجال الناس بعضهم في بعض فقالوا: قتل مسعود بن عمرو، قتلته الخوارج، فخرجت الأزد إلى تلك الخوارج فقالوا لهم: تعلمون أن بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو، فبعثت الأزد تسأل عن ذلك؛ فإذا أناسٌ منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأسوا عليهم زياد بن عمرو العتكي، ثم ازدلفوا إلى بني تميم وخرجت مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بني تميم. وأقبلت تميم إلى الأحنف يقولون: قد جاء القوم، اخرج. وهو متمكث، إذ جاءته امرأةٌ من قومه بمجمر فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، أي إنما أنت امرأة؛ فقال: استك أحق بها، فما سمع منه بعد كلمةٌ كانت أرفث منها، وكان يعرف بالحلم. ثم إنه دعا برايته فقال: اللهم انصرها ولا تذللها، وإن نصرتها ألا يظهر بها ولا يظهر عليها؛ اللهم احقن دماءنا، وأصلح ذات بيننا. ثم سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه، فالتقى القوم فاقتتلوا أشد القتال، فقتل من الفريقين قتلى كثرة، فقالت لهم بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بينةٌ أنا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلاً، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندي صاحبكم بمائة ألف درهم. فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس في وجوه مضر إلى زياد بن عمرو العتكي، فقال: يا معشر الأزد، أنتم جيرتنا في الدار، وإخوتنا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسل سخيمتمك، ولكم الحكم مرسلاً، فقولوا على أحلامنا وأموالنا، فإنه لا يتعاظمنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا، فقالوا: أتدون صاحبنا عشر ديات؟ قال: هي لكم؛ فانصرف الناس واصطلحوا؛ فقال الهيثم بن الأسود: أعلى بمسعودٍ الناعي فقلت له ... نعم اليماني تجروا على الناعي أوفى ثمانين ما يسطيعه أحدٌ ... فتىً دعاه لرأس العدة الداعي آوى ابن حرب وقد سدت مذاهبه ... فأوسع السرب منه أي إيساع حتى توارت به أرضٌ وعامرها ... وكان ذا ناصرٍ فيها وأشياع وقال عبيد الله بن الحر: ما زلت أرجو الأزد حتى رأيتها ... تقصر عن بنيانها المتطاول أيقتل مسعودٌ ولم يثأروا به ... وصارت سيوف الأزد مثل المناجل وما خير عقلٍ أورث الأزد ذلةً ... تسب به أحياؤهم في المحافل على أنهم شمطٌ كأن لحاهم ... ثعالب في أعناقها كالجلاجل واجتمع أهل البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميراً يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهراً، ثم جعلوا ببة - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - فصلى بهم شهرين، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير، فمكث شهراً، ثم قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي بعزله، فوليها الحارث وهو القباع. قال أبو جعفر: وأما عمر بن شبة؛ فإنه حدثني في أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز وأمر ببة ومسعود وقتله، وأمر عمر بن عبيد الله غير ما قال هشام عن عوانة. والذي حدثني عمر بن شبة في ذلك أنه قال: حدثني علي بن محمد، عن ابي مقرن عبيد الله الدهني، قال: لما بايع الناس ببة ولى ببة شرطته هميان بن عدي، وقدم على ببة بعض أهل المدينة، وأمر هميان بن عدي بإنزاله قريباً منه، فأتى هميان داراً للفيل مولى زياد التي في بني سليم وهم بتفريغها لينزلها إياه، وقد كان هرب وأقبل أبوابه، فمنعت بنو سليم هميان حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز، فأرسل بخاريته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار، وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلم على ببة، فلقيه على الباب رجلٌ من بني قيس بن ثعلبة، فقال: أنت المعين علينا بالأمس! فرفع يده فلطمه، فضرب قوم من البخارية يد القيسي فأطارها؛ ويقال: بل سلم القيسي، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبت له مضر فاجتمعت وأتت بكر بن وائل أشيم بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال: أي مضري وجدتموه فاسلبوه. وزعم بنو مسمع أن مالكاً جاء يومئذ متفضلاً في غير سلاح ليرد أشيم عن رأيه. ثم انصرفت بكر وقد تحاجزوا هم والمضرية، واغتنمت الأزد ذلك، فحالفوا بكراً، وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع، وفزعت تميم إلى الأحنف، فعقد عمامته على قناة، ودفعها إلى سلمة بن ذؤيب الرياحي، فأقبل بين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزلوه فقتلوه، وزعمت الأزد أن الأزارقة قتلوه، فكانت الفتنة، وسفر بينهم عمر بن عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام حتى رضيت الأزد من مسعود بعشر ديات، ولزم عبد الله بن الحارث بيته، وكان يتدين، وقال: ما كنت لأصلح الناس بفساد نفسي. قال عمر: قال أبو الحسن: فكتب أهل البصرة إلى ابن الزبير، فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصلاة بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً. حدثني عمر، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: كتب ابن الزبير إلى عمر ابن عبيد الله بن معمر التيمي بعهده على البصرة، ووجه به إليه، فوافقه وهم متوجه يريد العمرة، فكتب إلى عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر. حدثني عمر، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن الزبير، قال: كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشمي، فولي أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فقال الناس لعبد الله: إن الناس قد أكل بعضهم بعضاً؛ تؤخذ المرأة من الطريق فلا يمنعها أحد حتى تفضح؛ قال: فتريدون ماذا؟ قالوا: تضع سيفك، وتشد على الناس؛ قال: ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام، ناولني نعلي، فانتعل ثم لحق بأهله، وأمر الناس عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي؛ قال أبي، عن الصعب بن زيد: إن الجارف وقع وعبد الله على البصرة، فماتت أمه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حفرتها، وهو الأمير يومئذ. حدثني عمر، قال: حدثني علي بن محمد، قال: كان ببة قد تناول في عمله على البصرة أربعين ألفاً من بيت المال، فاستودعها رجلاً، فلما قدم عمر بن عبيد الله أميراً أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه، وعذب مولىً له في ذلك المال حتى أغرمه إياه. حدثني عمر قال: حدثني علي بن محمد، عن القافلاني، عن يزيد ابن عبد الله بن الشخير، قال: قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل: رأيتك زمان استعملت علينا أصبت من المال، واتقيت الدم، فقال: إن تبعة المال أهون من تبعة الدم. ذكر الخبر عن ولاية عامر بن مسعود على الكوفة وفي هذه السنة ولى أهل الكوفة عامر بن مسعود أمرهم، فذكر هشام ابن محمد الكلبي، عن عوانة بن الحكم، أنهم لما ردوا وافدي أهل البصرة اجتمع أشراف أهل الكوفة، فاصطلحوا على أن يصلي بهم عامر بن مسعود - وهو عامر بن مسعود بن خلف القرشي، وهو دحروجة الجعل الذي يقول فيه عبد الله بن همام السلولي: اشدد يديك بزيدٍ إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل وكان قصيراً - حتى يرى الناس رأيهم، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية، ثم قدم عليهم عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على الخراج، فاجتمع لابن الزبير أهل الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الشأم، وأهل الجزيرة إلا أهل الأردن. خلافة مروان بن الحكم وفي هذه السنة بويع لمروان بن الحكم بالخلافة بالشأم. ذكر السبب في البيعة لهحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: لما بويع عبد الله بن الزبير ولى المدينة عبيدة بن الزبير، وعبد الرحمن بن جحدم الفهري مصر، وأخرج بني أمية ومروان بن الحكم إلى الشأم - وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين - فلما قدم حصين بن نمير ومن معه إلى الشأم أخبر مروان بما خلف عليه ابن الزبير، وأنه دعاه إلى البيعة، فأبى فقال له ولبين أمية: نراكم في اختلاط شديد، فأقموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شأمكم، فتكون فتنة عمياء صماء؛ فكان من رأي مروان أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه، فقدم عبيد الله بن زياد واجتمعت عنده بنو أمية، وكان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان، فقال له: استحييت لك مما تريد! أنت كبير قريش وسيدها، تصنع ما تصنعه! فقال: ما فات شيءٌ بعد؛ فقام معه بنو أمية ومواليهم، وتجمع إليه أهل اليمن، فسار وهو يقول: ما فات شيءٌ بعد؛ فقدم دمشق ومن معه، والضحاك بن قيس الفهري قد بايعه أهل دمشق على أن يصلي بهم؛ ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع أمر أمة محمد. وأما عوانة فإنه قال - فيما ذكر هشام عنه - إن يزيد بن معاوية لما مات وابنه معاوية من بعده، وكان معاوية بن يزيد بن معاوية - فيما بلغني - أمر بعد ولايته فنودي بالشأم: الصلاة جامعة! فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت لكم رجلاً مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستةً في الشورى مثل ستة عمر، فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم. ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس، وتغيب حتى مات. فقال بعض الناس: دس إليه فسقي سماً، وقال بعضهم: طعن. رجع الحديث إلى حديث عوانة. ثم قدم عبيد الله بن زياد دمشق وعليها الضحاك ابن قيس الفهري، فثار زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لعبد الله بن الزبير، وبايع النعمان بن بشير الأنصاري بحمص لابن الزبير، وكان حسان ابن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين عاملاً لمعاوية بن أبي سفيان، ثم ليزيد ابن معاوية بعده، وكان يهوى هوى بني أمية، وكان سيد أهل فلسطين، فدعا حسان بن مالك بن بحدل الكلبي روح بن زنباع الجذامي، فقال: إني مستخلفك على فلسطين، وأدخل هذا الحي من لخم وجذام، ولست بدون رجل إذ كنت عينهم قاتلت بمن معك من قومك. وخرج حسان بن مالك إلى الأردن واستخلف روح بن زنباع على فلسطين، فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه، فاستولى على فلسطين، وبايع لابن الزبير، وقد كان عبد الله بن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفي بني أمية من المدينة، فنفوا بعيالاتهم ونسائهم إلى الشأم، فقدمت بنو أمية دمشق وفيها مروان بن الحكم، فكان الناس فريقين: حسان بن مالك بالأردن يهوى هوى بني أمية، ويدعو إليهم؛ والضحاك ابن قيس الفهري بدمشق يهوى هوى عبد الله بن الزبير، ويدعو إليه. قال: فقام حسان بن مالك بالأردن، فقال: يا أهل الأردن، ما شهادتكم على ابن الزبير وعلى قتلي أهل الحرة؟ قالوا: نشهد أن ابن الزبير منافق وأن قتلى أهل الحرة في النار؛ قال: فما شهادتكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرة؟ قالوا: نشهد أن يزيد على الحق، وأن قتلانا في الجنة؛ قال: وأنا أشهد لئن كان دين يزيد بن معاوية وهي حي حقاً يومئذ إنه اليوم وشيعته على حق؛ وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليوم على باطل وشيعته؛ قالوا له: قد صدقت، نحن نيايعك على أن نقاتل من خالفك من الناس، وأطاع ابن الزبير، على أن تجنبنا هذين الغلامين، فإنا نكره ذلك - يعنون ابني يزيد بن معاوية عبد الله وخالداً - فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبي. وقد كان الضحاك ابن قيس بدمشق يهوى هوى ابن الزبير؛ وكان يمنعه من إظهار ذلك أن بني أمية كانوا بحضرته، وكان يعمل في ذلك سراً، فبلغ ذلك حسان بن مالك ابن بحدل، فكتب إلى الضحاك كتاباً يعظم فيه حق بني أمية، ويذكر الطاعة والجماعة وحسن بلاء بني أمية عنده وصنيعهم إليه، ويدعوه إلى طاعتهم، ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه، ويذكر أنه منافق، قد خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس. ودعا رجلاً من كلب يدعى ناغضة فسرح بالكتاب معه إلى الضحاك بن قيس، وكتب حسان بن مالك نسخة ذلك الكتاب، ودفعه إلى ناغضة، وقال: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس؛ وكتب حسان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقدم ناغضة بالكتاب على الضحاك فدفعه إليه ودفع كتاب بني أمية إليهم، فلما كان يوم الجمعة صعد الضحاك المنبر فقام إليه ناغضة، فقال: أصلح الله الأمير! ادع بكتاب حسان فاقرأه على الناس، فقال له الضحاك: اجلس، فجلس؛ ثم قام إليه الثانية فقال له: اجلس؛ ثم قام إليه الثالثة فقال له: اجلس، فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتاب الذي معه فقرأه على الناس، فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فصدق حساناً وكذب ابن الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النمس الغساني. فصدق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير، وقام سفيان بن الأبرد الكلبي فصدق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير. وقام عمرو بن يزيد الحكمي فشتم حسان وأثنى على ابن الزبير، واضطرب الناس تبعاً لهم، ثم أمر الضحاك بالوليد بن عتبة ويزيد بن أبي النمس وسفيان ابن الأبرد الذين كانوا صدقوا مقالة حسان وشتموا ابن الزبير فحبسوا، وجال الناس بعضهم في بعض، ووثبت كلب على عمرو بن يزيد الحكمي فضربوه وحرقوه بالنار، وخرقوا ثيابه. وقام خالج بن يزيد بن معاوية فصعد مرقاتين من المنبر وهو يومئذ غلام، والضحاك بن قيس على المنبر، فتكلم خالد بن يزيد بكلام أوجز فيه لم يسمع مثله، وسكن الناس ونزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، ثم دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيان بن الأبرد، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد بن أبي النمس، فقال الوليد بن عتبة: لو كنت من كلب أو غسان أخرجت. قال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالج وعبد الله؛ معهما أخوالهما من كلب فأخرجوه من السجن، فكان ذلك اليوم يسميه أهل الشأم يوم جيرون الأول. وأقام الناس بدمشق، وخرج الضحاك إلى مسجد دمشق، فجلس فيه فذكر يزيد بن معاوية، فوقع فيه، فقام إليه شابٌّ من كلب بعصاً معه فضربه بها، والناس جلوس في الحلق متقلدي السيوف، فقام بعضهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد، ويتعصبون ليزيد، ودخل الضحاك دار الإمارة، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر، وكان من الأجناد ناس يهوون هوى بني أمية، وناس يهوون هوى ابن الزبير، فبعث الضحاك إلى بني أمية فدخلوا عليه من الغد، فاعتذر إليهم، وذر حسن بلائهم عند مواليه وعنده، وأنه ليس يريد شيئاً يكرهونه. قال: فتكتبون إلى حسان ونكتب، فيسير من الأردن حتى ينزل الجابية، ونسير نحن وأنتم حتى نوافيه بها فنبايع لرجل منكم، فرضيت بذلك بنو أمية، وكتبوا إلى حسان، وكتب إليه الضحاك، وخرج الناس وخرجت بنو أمية واستقبلت الرايات، وتوجهوا يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن بن يزيد ابن الأخنس السلمي إلى الضحاك، فقال: دعوتنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب تستخلف ابن أخيه خالد ابن يزيد! فقال له الضحاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نظهر ما كنا نسر وندعو إلى طاعة ابن الزبير، ونقاتل عليها، فمال الضحاك بمن معه من الناس فعطفهم، ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط. واختلف في الوقعة التي كانت بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان ابن الحكم، فقال محمد بن عمر الواقدي: بويع مروان بن الحكم في المحرم سنة خمس وستين، وكان مروان بالشأم لا يحدث نفسه بهذا الأمر حتى أطمعه فيه عبيد الله بن زياد حين قدم عليه من العراق، فقال له: أنت كبير قريش ورئيسها، يلي عليك الضحاك بن قيس! فذلك حين كان ما كان، فخرج إلى الضحاك في جيش، فقتلهم مروان والضحاك يومئذ في طاعة ابن الزبير، وقتلت قيس بمرج راهط مقتلةً لم يقتل مثلها في موطن قط. قال محمد بن عمر: حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، قال: قتل الضحاك يوم مرج راهط على أنه يدعو إلى عبد الله بن الزبير، وكتب به إلى عبد الله لما ذكر عنه من طاعته وحسن رأيه. وقال غير واحد: كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان في سنة أربع وستين. وقد حدثت عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثني موسى ابن يعقوب، عن أبي الحويرث، قال: قال أهل الأردن وغيرهم لمروان: أنت شيخٌ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزبير كهل، وإنما يقرع الحديد بعضه ببعض، فلا تباره بهذا الغلام، وارم بنحرك في نحره، ونحن نبايعك، ابسط يدك، فبسطها، فبايعوه بالجابية يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين. قال محمد بن عمر: وحدثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله أن الضحاك لما بلغه أن مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة، بايع من معه لابن الزبير، ثم سار كل واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل الضحاك وأصحابه. قال محمد بن عمر: وحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه؛ قال: لما ولي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك كان فتىً شاباً، فقال: إن الضحاك ابن قيس قد كان دعا قيساً وغيرها إلى البيعة لنفسه، فبايعهم يومئذ على الخلافة، فقال له زفر بن عقيل الفهري: هذا الذي كنا نعرف ونسمع، وإن بني الزبير يقولون: إنما كان بايع لعبد الله بن الزبير، وخرج في طاعته حتى قتل، الباطل والله يقولون؛ كان أول ذاك أن قريشاً دعته إليها ، فأبى عليها حتى دخل فيها كارهاً. ذكر الخبر عن الوقعة بمرج راهط بين الضحاك بن قيس ومروان بن الحكم وتمام الخبر عن الكائن من جليل الأخبار والأحداث في سنة أربع وستين. قال أبو جعفر: حدثنا نوح بن حبيب، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم الكلبي، قال: مال الضحاك بن قيس بمن معه من الناس حين سار يريد الجابية للقاء حسان بن مالك، فعطفهم، ثم أقبل يسير حتى نزل بمرج راهط، وأظهر البيعة لابن الزبير وخلع بين أمية، وبايعه على ذلك جل أهل دمشق من أهل اليمن وغيرهم. قال: وسارت بنو أمية ومن تبعهم حتى وافوا حسان بالجابية، فصلى بهم حسان أريعن يوماً، والناس يتشاورون، وكتب الضحاك إلى النعمان بن بشير وهو على حمص، وإلى زفر بن الحارث وهو على قنسرين، وإلى ناتل ابن قيس وهو على فلسطين يستمدهم، وكانوا على طاعة ابن الزبير، فأمده النعمان بشرحبيل بن ذي الكلاع، وأمده زفر بأهل قنسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، فاجتمعت الأجناد إلى الضحاك بالمرج. وكان الناس بالجابية لهم أهواء مختلفة، فأما مالك بن هبيرة السكوني فكان يهوى هوى بني يزيد بن معاوية، ويحب أن تكون الخلافة فيهم، وأما الحصين بن نمير السكوني فكان يهوى أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم، فقال مالك بن هبيرة لحصين بن نمير: هلم فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه، وهو ابن أختنا، فقد عرفت منزلتنا كانت من أبيه، فإنه يحملنا على رقاب العرب غداً - يعني خالد بن يزيد - فقال الحصين: لا، لعمر الله، لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيهم بصبي؛ فقال مالك: هذا ولم تردى تهامة ولما يبلغ الحزام الطبيين؛ فقالوا: مهلاً يا أبا سليمان! فقال له مالك: والله لئن استخلفت مروان وآل مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها؛ إن مروان أبو عشيرة، وأخو عشيرة، وعم عشيرة، فإن بايعتموه كنتم عبيداً لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد، فقال حصين: إني رأيت في المنام قنديلاً معلقاً من السماء، وإن من يمد عنقه إلى الخلافة تناوله فلم ينله، وتناوله مروان فناله، والله لنستخلفنه؛ فقال له مالك: ويحك يا حصين! أتبايع لمروان وآل مروان وأنت تعلم أنهم أهل بيت من قيس! فلما اجتمع رأيهم للبيعة لمروان بن الحكم قام روح بن زنباع الجذامي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر ابن الخطاب وصحبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون؛ ولكن ابن عمر رجلٌ ضعيفٌ، وليس بصاحب أمة محمد الضعيف، وأما ما يذكر الناس من عبد الله بن الزبير ويدعون إليه من أمره فهو والله كما يذكرون بأنه لابن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أسماء ابنة أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وهو بعد كما تذكرون في قدمه وفضله؛ ولكن ابن الزبير منافق، قد خلع خليفتين: يزيد وابنه معاوية ابن يزيد، وسفك الدماء، وشق عصا المسلمين، وليس صاحب أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم المنافق؛ وأما مروان بن الحكم؛ فوالله ما كان في الإسلام صدعٌ قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع، وهو الذي قاتل عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار، والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير ويستشبوا الصغير - يعني بالكبير مروان بن الحكم، وبالصغير خالد بن يزيد بن معاوية. قال: فأجمع رأي الناس على البيعة لمروان، ثم لخالد بن يزيد من بعده، ثم لعمرو ابن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أن إمارة دمشق لعمرو بن سعيد ابن العاص، وإمارة حمص لخالد بن يزيد بن معاوية. قال: فدعا حسان ابن مالك بن بجدل خالد بن يزيد فقال: أبني أختي، إن الناس قد أبوك لحداثة سنك، وإني والله ما أريد هذا الأمر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظراً لكم؛ فقال له خالد بن يزيد: بل عجزت عنا، قال: لا والله ما عجزت عنك، ولكن الرأي لك ما رأيت. ثم دعا حسان بمروان فقال: يا مروان، إن الناس والله ما كلهم يرضى بك، فقال له مروان: إن يرد الله أن يعطينها لا يمنعني إياها أحدٌ من خلقه، وإن يرد أن يمنعنيها لا يعطنيها أحدٌ من خلقه. قال: فقال له حسان: صدقت، وصعد حسان المنبر يوم الاثنين، فقال: يأيها الناس، إنا نستخلف يوم الخميس إن شاء الله؛ فلما كان يوم الخميس بايع لمروان، وبايع الناس له، وسار مروان إلى الجابية في الناس حتى نزل مرج راهط على الضحاك في أهل الأردن من كلب، وأتته السكاسك والسكون وغسان، وربع حسان بن مالك بن بحدل إلى الأردن. قال: وعلى ميمنته - أعني مروان - عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وعلى ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العقيلي وعلى ميسرته رجل آخر لم أحفظ اسمه، وكان يزيد بن أبي النمس الغساني لم يشهد الجابية؛ وكان مختبئاً بدمشق، فلما نزل مروان مرج راهط ثار يزيد ابن أبي نمس بأهل دمشق في عبيدها، فغلب عليها، وأخرج عامل الضحاك منها، وغلب على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان أول فتح فتح على بني أمية. قال: وقاتل مروان الضحاك عشرين ليلةً كان، ثم هزم أهل المرج، وقتلوا وقتل الضحاك، وقتل يومئذ من أشراف الناس من أهل الشام ممن كان مع الضحاك ثمانون رجلاً كلهم كان يأخذ القطيفة، والذي كان يأخذ القطيفة يأخذ ألفين في العطاء، وقتل أهل الشأم يومئذ مقتلةً عظيمةً لم يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقتل يومئذ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قضاعة الشأم، وهو جد مدلج ابن المقدام بن زمل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجرشي، وقتل ثور بن معن بن يزيد السلمي، وهو الذي كان رد الضحاك عن رأيه. قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب؛ وذكروا أن مروان حين أتى برأسه ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت في مثل ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض!م يقتلوا مثلها قط من القبائل كلها، وقتل مع الضحاك يومئذ رجل من كلب من بني عليم يقال له مالك بن يزيد بن مالك بن كعب، وقتل يومئذ صاحب لواء قضاعة حيث دخلت قضاعة الشأم، وهو جد مدلج ابن المقدام بن زمل بن عمرو بن ربيعة بن عمرو الجرشي، وقتل ثور بن معن بن يزيد السلمي، وهو الذي كان رد الضحاك عن رأيه. قال: وجاء برأس الضحاك رجلٌ من كلب؛ وذكروا أن مروان حين أتى برأسه ساءه ذلك وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي وصرت في مثل ظمء الحمار، أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض! قال: وذكروا أنه مر يومئذ برجل قتيل فقال: وما ضرهم غير حين النفو ... س أي أميري قريش غلب وقال مروان حين بويع له ودعا إلى نفسه: لما رأيت الأمر أمراً نهبا ... سيرت غسان لهم وكلبا والسكسكيين رجالاً غلبا ... وطيئاً تأباه إلا ضربنا والفين تمشي في الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخراً صعبا لا يأخذون الملك إلا غصبا ... وإن دنت قيسٌ فقل لا قربا قال هشام بن محمد : حدثني أبو مخنف لوط بن يحيى، قال: حدثني رجل من بني عبيد ود من أهل الشأم، قال: حدثني من شهد مقتل الضحاك ابن قيس، قال: مر بنا رجلٌ من كلب يقال له زحنة بن عبد الله، كأنما يرمى بالرجال الجداء، ما يطعن رجلاً إلا صرعه، ولا يضرب رجلاً إلى قتله، فجعلت أنظر إليه أتعجب من فعله ومن قتله الرجال، إذ حمل عليه رجل فصرعه زحنة وتركه، فأتيته فنظرت إلى المقتول فإذا هو الضحاك بن قيس، فأخذت رأسه فأتيت به إلى مروان، فقال: أنت قتلته؟ فقلت: لا، ولن قتله زحنة بن عبد الله الكلب، فأعجبه صدقي إياه، وتركي ادعاءه، فأمر لي بمعروف، وأحسن إلى زحنة. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن حبيب بن كرة، قال: والله إن راية مروان يومئذ لمعي، وإنه ليدفع بنعل سيفه في ظهري، وقال: ادن برايتك لا أبا لك! إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حد السيوف انفرجوا انفراج الرأس، وانفراج الغنم عن راعيها. قال: وكان مروان في ستة آلاف، وكان على خيله عبيد الله بن زياد، وكان على الرجال مالك ابن هبيرة؛ قال عبد الملك بن نوفل: وذكروا أن بشر بن مروان كانت معه يومئذ رايةٌ يقاتل بها وهو يقول: إن على الرئيس حقاً حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا قال: وصرع يومئذ عبد العزيز بن مروان؛ قال: ومر مروان يومئذ برجل من محارب وهو في نفر يسيرٍ تحت راية يقات عن مروان، فقال مروان: يرحمك الله! لو أنك انضممت بأصحابك، فإني أراك في قلة! فقال: إن معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مداداً أضعافاً من تأمرنا ننضم إليه، قال: فسر بذلك مروان وضحك، وضم أناساً إليه ممن كان حوله؛ قال: وخرج الناس منهزمين من المرج إلى أجنادهم، فانتهى أهل حمص إلى حمص والنعمان بن بشير عليها، فلما بلغ النعمان الخبر خرج هارباً ليلاً ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية، ومع ثقله وولده، فتحير ليلته كلها، وأصبح أهل حمص فطلبوه؛ وكان الذي طلبه رجل من الكلاعيين يقال له عمرو بن الخلي فقتله، وأقبل برأس النعمان بن بشير وبنائلة امرأته وولدها، فألقى الرأس في حجر أم أبان ابنة النعمان التي كانت تحت الحجاج بن يوسف بعد. قال: فقالت نائلة: ألقوا الرأس إلي فأنا أحق به منها، فألقي الرأس في حجرها، ثم أقبلوا بهم وبالرأس حتى انتهوا بهم إلى حمص، فجاءت كلب من أهل حمص فأخذوا نائلة وولدها؛ قال: وخرج زفر بن الحارث من قنسرين هارباً فلحق بقرقيسيا، فلما انتهى إليها وعليها عياضٌ الجرشي وهو ابن أسلم بن كعب بن مالك بن لغز بن أسود بن كعب بن حدس بن أسلم - وكان يزيد بن معاوية ولاه قرقيسيا، فحال عياض بين زفر وبين دخول قرقيسيا، فقال له زفر: أوثق لك بالطلاق والعتاق إذا أنا دخلت حمامها أن أخرج منها؛ فلما انتهى إليها ودخلها لم يدخل حمامها وأقام بها، وأخرج عياضاً منها، وتحصن زفر بها وثابت إليه قيس. قال: وخرج ناتل بن قيس الجذامي صاحب فلسطين هارباً، فلحق بابن الزبير بمكة، وأطبق أهل الشأم على مروان، واستوثقوا له، واستعمل عليها عماله. قال أبو مخنف: حدثني رجل من بني عبد ود من أهل الشأم - يعني الشرقي - قال: وخرج مروان حتى أتى مصر بعد ما اجتمع له أمر الشأم، فقدم مصر وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إليه فيمن معه من بني فهر، وبعث مروان عمرو بن سعيد الأشدق من ورائه حتى دخل مصر، وقام على منبرها يخطب الناس، وقيل لهم: قد دخل عمرو مصر، فرجعوا، وأمر الناس مروان وبايعوه، ثم أقبل راجعاً نحو دمشق، حتى إذا دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزبير نحو فلسطين، فسرح إليه مروان عمرو بن سعيد بن العاص في جيش، واستقبله قبل أن يدخل الشأم، فقاتله فهزم أصحاب مصعب، وكان معه رجلٌ من بني عذرة يقال له محمد بن حريث بن سليم، وهو خال بني الأشدق، فقال: والله ما رأيت مثل مصعب بن الزبير رجلاً قط أشد قتالاً فارساً وراجلاً، ولقد رأيته في الطريق يترجل فيطرد بأصحابه، ويشد على رجليه، حتى رأيتهما قد دميتا. قال: وانصرف مروان حتى استقرت به دمشق، ورجع إليه عمرو بن سعيد. قال: ويقال: إنه لما قدم عبيد الله بن زياد من العراق، فنزل الشأم أصاب بن أمية بتدمر، قد نفاهم ابن الزبير من المدينة ومكة، ومن الحجاز كله، فنزلوا بتدمر، وأصابوا الضحاك بن قيس أميراً على الشأم لعبد الله بن الزبير، فقدم ابن زياد حين قدم ومروان يريد أن يركب إلى ابن الزبير فيبايعه بالخلافة، فيأخذ منه الأمان لبني أمية؛ فقال له ابن زياد: أنشدك الله ألا تفعل، ليس هذا برأي أن تنطلق وأنت شيخ قريش إلى أبي خبيب بالخلافة، ولكن ادع أهل تدمر فبايعهم، ثم سر بهم وبمن معك من بني أمية إلى الضحاك بن قيس حتى تخرجه من الشأم؛ فقال عمرو بن سعيد بن العاص: صدق والله عبيد الله بن زياد، ثم أنت سيد قريش وفرعها، وأنت أحق الناس بالقيام بهذا الأمر، إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام - يعني خالد بن يزيد بن معاوية - فتزوج أمه فيكون في حجرك؛ قال: ففعل مروان ذلك، فتزوج أم خالد بن يزيد، وهي فاختة ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ثم جمع بني أمية فبايعوه بالإمارة عليهم، وبايعه أهل تدمر ثم سار في جمع عظيم إلى الضحاك بن قيس، وهو يومئذ بدمشق، فلما بلغ الضحاك ما صنع بنو أمية ومسيرتهم إليه، خرج بمن تبعه من أهل دمشق وغيرهم، فيهم زفر بن الحارث، فالتقوا بمرج راهط، فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الضحاك بن قيس الفهري وعامة أصحابه، وانهزم بقيتهم، فتفرقوا، وأخذ زفر بن الحارث وجهاً من تلك الوجوه، هو وشابان من بني سليم فجاءت خيل مروان تطلبهم، فلما خاف السلميان أن تلحقهم خيل مروان قالا لزفر: يا هذا، انج بنفسك، فأما نحن فمقتولان، فمضى زفر وتركهما حتى أتى قرقيسيا، فاجتمعت إليه قيس، فرأسوه عليهم، فذلك حيث يقول زفر بن الحارث: أريني سلاحي لا أبا لك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا أتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيدٌ دمي أو قاطعٌ من لسانيا ففي العيس منجاةٌ في الأرض مهرب ... إذا نحن رفعنا لهن المثانيا فلا تحسبوني إن تغيبت غافلاً ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا فقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا أتذهب كلبٌ لم تنلها رماحنا ... وتترك قتلى راهط هي ما هيا! لعمري لقد أبقت وقيعة راهطٍ ... لحسان صدعاً بيناً متنائيا أبعد ابن عمرٍو وابن معنٍ تتابعا ... ومقتل همامٍ أمني الأمانيا! فلم تر مني نبوةٌ قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا عشية أعدو بالقران فلا أرى ... من الناس إلا من علي ولا ليا أيذهب يومٌ واحدٌ إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا! فلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا ألا ليت شعري هل تصيبن غارتي ... تنوخاً وحيي طيىءٍ من شفائيا فأجابه جواس بن قعطل: لعمري لقد أبقت وقيعة راهطٍ ... على زفرٍ داءً من الداء باقيا مقيماً ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا تبكي على قتلي سليم وعامرٍ ... وذبيان معذوراً وتبكي البواكيا دعا بسلاحٍ ثم أحجم إذ رأى ... سيوف جنابٍ والطوال المذاكيا عليها كأسد الغاب فتيان نجدةٍ ... إذا شرعوا نحو الطعان العواليا فأجابه عمر بن المخلا الكلبي من تيم اللات بن رفيدة، فقال: بكى زفر القيسي من هلك قومه ... بعبرة عينٍ ما يجف سجومها يبكي على قتلى أصيبت براهطٍ ... تجاوبه هام القفار وبومها أبحنا حمىً للحي قيسٍ براهط ... وولت شلالاً واستبيح حريمها يبكيهم حران تجري دموعه ... يرجي نزاراً أن تئوب حلومها فمت كمداً أو عش ذليلاً مهضماً ... بحسرة نفس لا تنام همومها إذا خطرت حولي قضاعة بالقنا ... تخبط فعل المصعبات قرومها خبطت بهم من كادني من قبيلة ... فمن ذا إذا عز الخطوب يرومها وقال زفر بن الحارث أيضاً: أفي الله أما بحدلٌ وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل! كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يومٌ أغر محجل ولما يكن للمشرفية فوقكم ... شعاعٌ كقرن الشمس حين ترجل فأجابه عبد الرحمن بن الحكم، أخو مروان بن الحكم، فقال: أتذهب كلب قد حمتها رماحها ... وتترك قتلى راهطٍ ما أجنت! لحا الله قيساً قيس عيلان إنها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت فباه بقيسٍ في الرخاء ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت قال أبو جعفر: ولما بايع حصين بن نمير مروان بن الحكم وعصا مالك بن هبيرة فيما أشار به عليه من بيعة خالد بن يزيد بن معاوية، واستقر لمروان بن الحكم الملك، وقد كان الحصين بن نمير اشترط على مروان أن ينزل البلقاء من كان بالشأم من كندة، وأن يجعلها لهم مأكلةً، فأعطاه ذلك؛ وإن بني الحكم لما استوثق الأمر لمروان، وقد كانوا اشترطوا لخالد بن يزيد بن معاوية شروطاً؛ قال مروان ذات يوم وهو جالسٌ في مجلسه ومالك بن هبيرة جالس عنده: إن قوماً يدعون شروطاً منهم عطارة مكحلة - يعني مالك بن هبيرة وكان رجلاً يتطيب ويكتحل - فقال مالك بن هبيرة: هذا ولما تردى تهامة، ولما يبلغ الحزام الطبيين؛ فقال مروان: مهلاً يا أبا سليمان، إنما داعبناك؛ فقال مالك: هو ذاك. وقال عويج الطائي يمتدح كلباً وحميد بن بحدل: لقد علم الأقوام وقع ابن بحدلٍ ... وأخرى عليهم إن بقي سيعيدها يقودون أولاد الوجيه ولاحقٍ ... من الريف شهراً ما يني من يقودها فهذا لهذا ثم إني لنافضٌ ... على الناس أقواماً كثيراً حدودها فلولا أمير المؤمنين لأصبحت ... قضاعة أرباباً وقيس عبيدها وفي هذه السنة بايع جند خراسان لسلم بن زياد بعد موت يزيد بن معاوية، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة. ذكر الخبر عن فتنة عبد الله بن خازم وبيعة سلم بن زياد وفيها كانت فتنة عبد الله بن خازم بخراسان ذكر الخبر عن ذلكحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، قال: أخبرنا مسلمة ابن محارب، قال: بعث سلم بن زياد بما أصاب من هدايا سمرقند وخوارزم إلى يزيد بن معاوية مع عبد الله بن خازم، وأقام سلم والياً على خراسان حتى مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، فبلغ سلماً موته، وأتاه مقتل يزيد بن زياد في سجستان وأسر أبي عبيدة بن زياد، وكتم الخبر سلم، فقال ابن عرادة: يأيها الملك المغلق بابه ... حدثت أمورٌ شأنهن عظيم قتلى بجنزة والذين بكابلٍ ... ويزيد أعلن شأنه المكتوم أبني أمية إن آخر ملككم ... جسدٌ بحوارين ثم مقيم طرقت منيته وعند وساده ... كوبٌ وزقٌّ راعفٌ مرثوم ومرنةٌ تبكي على نشوانه ... بالصنج تقعد تارةً وتقوم قال مسلمة: فلما ظهر شعر ابن عرادة أظهر سلمٌ موت يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى يستقيم أمر الناس على خليفة، فبايعوه، ثم مكثوا بذلك شهرين، ثم نكثوا به. قال علي بن محمد: وحدثنا شيخٌ من أهل خراسان، قال: لم يحب أهل خراسان أميراً قط حبهم سلم بن زياد، فسمي في تلك السنين التي كان بها سلم أكثر من عشرين ألف مولود بسلم، من حبهم سلما. قال: وأخبرنا أبو حفص الأزدي، عن عمه قال: لما اختلف الناس بخراسان ونكثوا بيعة سلم، خرج سلم عن خراسان وخلف عليها المهلب بن أبي صفرة، فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بني قيس بن ثعلبة، فقال له: من خلفت على خراسان؟ قال: المهلب؛ فقال: ضاقت عليك نزارٌ حتى وليت رجلاً من أهل اليمن! فولاه مرو الروذ والفارياب والطالقان والجوزجان، وولي أوس بن ثعلبة بن زفر - وهو صاحب قصر أوس بالبصرة - هراة، ومضى فلما صار بنيسابور لقيه عبد الله بن خازم فقال: من وليت خراسان؟ فأخبره، فقال: أما وجدت في مضر رجلاً تستعمله حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل ومزون عمان! وقال له: اكتب لي عهداً على خراسان؛ قال: أوالي خراسان أنا! قال: اكتب لي عهداً وخلاك ذم. قال: فكتب له عهداً على خراسان؛ قال: فأعني الآن بمائة ألف درهم فأمر له بها، وأقبل إلى مرو، وبلغ الخبر المهلب بن أبي صفرة، فأقبل واستخلف رجلاً من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم. قال: وأخبرنا المفضل بن محمد الضبي، عن أبيه، قال: لما صار عبد الله بن خازم إلى مرو بعهد سلم بن زياد، منعه الجشمي، فكانت بينهما مناوشة، فأصابت الجشمي رميةٌ بحجر في جبهته، وتحاجزوا وخلى الجشمي بين مرو الروذ وبينه، فدخلها ابن خازم، ومات الجشمي بعد ذلك بيومين. قال علي بن محمد المدائني: حدثنا الحسن بن رشيد الجوزجاني، عن أبيه، قال: لما مات يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد وثب أهل خراسان بعمالهم فأخرجوهم، وغلب كل قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب ابن خازم على خراسان، ووقعت الحرب. قال أبو جعفر: وأخبرنا أبو الذيال زهير بن هنيد، عن أبي نعامة، قال: أقبل عبد الله بن خازم فغلب على مرو، ثم سار إلى سليمان بن مرثد فلقيه بمرو الروذ، فقاتله أياماً، فقتل سليمان بن مرثد، ثم سار عبد الله بن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان في سبعمائة، وبلغ عمراً إقبال عبد الله إليه وقتله أخاه سليمان، فأقبل إليه، فالتقوا على نهر قبل أن يتوافى إلى ابن خازم أصحابه، فأمر عبد الله من كان معه فنزلوا، فنزل وسأل عن زهير بن ذؤيب العدوي، فقالوا: لم يجيء حتى أقبل وهو على حاله، فلما أقبل قيل له: هذا زهير قد جاء؛ فقال له عبد الله: تقدم، فالتقوا فاقتتلوا طويلاً، فقتل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع عبد الله ابن خازم إلى مرو. قال: وكان الذي ولي قتل عمرو بن مرثد زهير بن حيان العدوي فيما يروون فقال الشاعر: أتذهب أيام الحروب ولم تبىء ... زهير بن حيانٍ بعمرو بن مرثد! قال: وحدثنا أبو السري الخراساني - وكان من أهل هراة - قال: قتل عبد الله بن خازم سليمان وعمراً ابني مرثد المرثديين من بني قيس بن ثعلبة ثم رجع إلى مرو، وهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة، وانضم إليها من كان بكور خراسان من بكر بن وائل، فكان لهم بها جمعٌ كثير عليهم أوس بن ثعلبة؛ قال: فقالوا له: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم، وتخرج مضر من خراسان كلها؛ فقال لهم: هذا بغيٌ، وأهل البغي مخذولون، أقيموا مكانكم هذا، فإن ترككم ابن خازم - وما أراه يفعل - فارضوا بهذه الناحية، وخلوه وما هو فيه؛ فقال بنو صهيب - وهم موالي بني جحدر: لا والله لا نرضى أن نكون نحن ومضر في بلد، وقد قتلوا ابني مرثد، فإن أجبتنا إلى هذا وإلا أمرنا عليك غيرك؛ قال: إنما أنا رجلٌ منكم، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فبايعوه، وسار إليهم ابن خازم، واستخلف ابنه موسى، وأقبل حتى نزل على واد بين عسكره وبين هراة؛ قال: فقال البكريون لأوس: اخرج فخندق خندقاً دون المدينة فقاتلهم فيه، وتكون المدينة من ورائنا، فقال لهم أوس: الزموا المدينة فإنها حصينة، وخلوا ابن خازم ومنزله الذي هو فيه؛ فإنه إن طال مقامه ضجر فأعطاكم ما ترضون به، فإن اضطررتم إلى القتال قاتلتم، فأبوا وخرجوا من المدينة فخندقوا خندقاً دونها، فقاتلهم ابن خازم نحواً من سنة. قال وزعم الأحنف بن الأشهب الضبي، وأخبرنا أبو الذيال زهير بن الهنيد؛ سار ابن خازم إلى هراة وفيها جمعٌ كثير لبكر بن وائل قد خندقوا عليهم، وتعاقدوا على إخراج مضر إن ظفروا بخراسان، فنزل بهم ابن خازم، فقال له هلال الضبي أحد بني ذهل، ثم أحد بني أوس: إنما تقاتل إخوتك من بني أبيك، والله إن نلت منهم فما تريد ما في العيش بعدهم من خير، وقد قتلت بمرو الروذ منهم من قتلت، فلو أعطيتهم شيئاً يرضون به، أو أصلحت هذا الأمر! قال: والله لو خرجت لهم عن خراسان ما رضوا به، ولو استطاعوا أن يخرجوكم من الدنيا لأخرجوكم؛ قال: لا، والله لا أرمي معك بسهم، ولا رجلٌ يطيعني من خندف حتى تعذر إليهم؛ قال: فأنت رسولي إليهم فأرضهم، فأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة فناشده الله والقرابة، وقال: أذكرك الله في نزار أن تسفك دماءها، وتضرب بعضها ببعض! قال: لقيت بني صهيب؟ قال: لا والله؛ قال: فالقهم؛ فخرج فلقي أرقم بن مطرف الحنفي، وضمضم بن يزيد - أو عبد الله بن ضمضم بن يزيد - وعاصم بن الصلت بن الحريث الحنفيين، وجماعة من بكر بن وائل وكلمهم بمثل ما كلم به أوساً، فقالوا: هل لقيت بني صهيب؟ فقال: لقد عظم الله أمر بني صهيب عندكم، لا لم ألقهم، قالوا: القهم، فأتى بني صهيب فكلمهم، فقالوا: لولا أنك رسولٌ لقتلناك؛ قال: أفما يرضيكم شيء؟ قالوا: واحدةٌ من اثنين، إما أن تخرجوا عن خراسان ولا يدعو فيها لمضر داعٍ، وإما أن تقيموا وتنزلوا لنا عن كل كراع وسلاح وذهب وفضة؛ قال: أفما شيء غير هاتين؟ قالوا: لا، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل! فرجع إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ قال: وجدت إخوتنا قطعاً للرحم، قال: قد أخبرتك أن ربيعة لم تزل غضاباً على ربها منذ بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم من مضر. قال أبو جعفر: وأخبرنا سليمان بن مجالد الضبي، قال: أغارت الترك على قصر إسفاد وابن خازم بهراة، فحصروا أهله، وفيه ناس من الأزد هم أكثر من فيه، فهزمتهم، فبعثوا إلى من حولهم من الأزد فجاءوا لينصروهم فهزمتهم الترك، فأرسلوا إلى ابن خازم، فوجه إليهم زهير بن حيان في بني تميم وقال له: إياك ومشاولة الترك، إذا رأيتموهم فاحملوا عليهم، فأقبل فوافاهم في يوم بارد، قال: فلما التقوا شدوا عليهم فلم يثبتوا لهم، وانهزمت الترك واتبعوهم حتى مضى عامة الليل حتى انتهوا إلى قصر في المفازة، فأقامت الجماعة ومضى زهير في فوارس يتبعهم، وكان عالماً بالطريق، ثم رجع في نصف من الليل، وقد يبست يده على رمحه من البرد، فدعا غلامه كعباً، فخرج إليه، فأدخله، وجعل يسخن له الشحم فيضعه على يده، ودهنوه وأوقدوا له ناراً حتى لان ودفىء؛ ثم رجع إلى هراة، فقال في ذلك كعب بن معدان الأشقري: أتاك أتاك الغوث في برق عارضٍ ... دروعٌ وبيضٌ حشوهن تميم أبوا أن يضموا حشو ما تجمع القرى ... فضمهم يوم اللقاء صميم وزرقهم من رائحاتٍ تزينها ... ضروع عريضات الخواصر كوم وقال ثابت قطنة: فدت نفسي فوارس من تميمٍ ... على ما كان من ضنك المقام بق الباهلي وقد أراني ... أحامي حين قل به المحامي بس عد كسر الرمح فيهم ... أذودهم بذي شطبٍ حسام أكر عليهم اليحموم كراً ... ككر الشرب آنية المدام فلولا الله ليس له شريكٌ ... وضربي قونس الملك الهمام إذاً فاظت نساء بني دثارٍ ... أمام الترك بادية الخدام قال أبو جعفر: وحدثني أبو الحسن الخراساني، عن أبي حماد السلمي قال: أقام ابن خازم بهراة يقاتل أوس بن ثعلبة أكثر من سنة، فقال يوماً لأصحابه: قد طال مقامنا على هؤلاء، فنادوهم: يا معشر ربيعة، إنكم قد اعتصمتم بخندقكم، أفرضيتم من خراسان بهذا الخندق! فأحفظهم ذلك، فتنادى الناس للقتال، فقال لهم أوس بن ثعلبة: الزموا خندقكم وقاتلوهم كما كنتم تقاتلونهم، ولا تخرجوا إليهم بجماعتكم؛ قال: فعصوه وخرجوا إليهم، فالتقى الناس، فقال ابن خازم لأصحابه: اجعلوه يومكم فيكون الملك لمن غلب، فإن قتلت فأميركم شماس بن دثار العطاردي، فإن قتل فأميركم بكير بن وشاح الثقفي. قال علي: وحدثنا أبو الذيال زهير بن هنيد، عن أبي نعامة العدوي عن عبيد بن نقيد، عن إياس بن زهير بن حيان: لما كان اليوم الذي هرب فيه أوس بن ثعلبة وظفر ابن خازم ببكر بن وائل، قال ابن خازم لأصحابه حين التقوا: إني قلع، فشدوني على السرج، واعلموا أن علي من السلاح ما لا أقتل قدر جزر جزورين، فإن قيل لكم: إني قد قتلت فلا تصدقوا. قال: وكانت راية بني عدي مع أبي وأنا على فرس مخرم، وقد قال لنا ابن خازم: إذا لقيتم الخيل فاطعنوها في مناخرها، فإنه لن يطعن فرسٌ في نخرته إلا أدبر أو رمى بصاحبه، فلما سمع فرسي قعقعة السلاح وثب بي وادياً كان بيني وبينهم؛ قال: فتلقاني رجل من بكر بن وائل فطعنت فرسه في نخرته، فصرعه، وحمل أبي ببني عدي، واتبعته بنو تميم من كل وجه، فاقتتلوا ساعةً، فانهزمت بكر بن وائل حتى انتهوا إلى خندقهم وأخذوا يميناً وشمالاً، وسقط ناسٌ في الخندق فقتلوا قتلاً ذريعاً، وهرب أوس ابن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسيرٍ إلا قتله حتى تغيب الشمس، فكان آخر من أتى به رجلٌ من بني حنيفة يقال له محمية فقالوا لابن خازم: قد غابت الشمس، قال: وفوا به القتلى؛ فقتل. قال: فأخبرني شيخٌ من بني سعد بن زيد مناة أن أوس بن ثعلبة هرب وبه جراحاتٌ إلى سجستان، فلما صار بها أو قريباً منها مات. وفي مقتل ابن مرثد وأمر أوس بن ثعلبة يقول المغيرة بن حبناء، أحد بني ربيعة بن حنظلة: وفي الحرب كنتم في خراسان كلها ... قتيلاً ومسجوناً بها ومسيرا ويوم احتواكم في الحفير ابن خازمٍ ... فلم تجدوا إلا الخنادق مقبرا ويوم تركتم في الغبار ابن مرثدٍ ... وأوساً تركتم حيث سار وعسكرا قال: وأخبرني أبو الذيال زهير بن هنيد، عن جده أبي أمه، قال: قتل من بكر بن وائل يومئذ ثمانية آلاف. قال: وحدثنا التميمي، رجل من أهل خراسان، عن مولىً لابن خازم، قال: قاتل ابن خازم أوس بن ثعلبة وبكر بن وائل، فظفر بهراة، وهرب أوس وغلبه ابن خازم على هراة، واستعمل عليها ابنه محمداً، وضم إليه شماس بن دثار العطاردي، وجعل بكير بن وشاح على شرطته، وقال لهما: ربياه فإنه ابن أختكما، فكانت أمه من بني سعد يقال لها صفية، وقال له: لا تخالفهما، ورجع ابن خازم إلى مرو. ذكر الخبر عن تحرك الشيعة للطلب بدم الحسين قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة، واتعدوا الاجتماع بالنخيلة في سنة خمس وستين للمسير إلى أهل الشأم للطلب بدم الحسين بن علي، وتكاتبوا في ذلك. ذكر الخبر عن مبدأ أمرهم في ذلكقال هشام بن محمد: حدثنا أبو مخنف، قال: حدثني يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزدي، قال: لما قتل الحسين بن علي ورجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، فدخل الكوفة، تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت أنها قد أخطأت خطأ كبيراً بدعائهم الحسين إلى النصرة وتركهم إجابته، ومقتله إلى جانبهم لم ينصروه، ورأوا أنه لا يغسل عارهم والإثم عنهم في مقتله إلا بقتل من قتله، أو القتل فيه، ففزعوا بالكوفة إلى خمسة نفر من رءوس الشيعة إلى سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى المسيب بن نجبة الفزاري، وكان من أصحاب علي وخيارهم، وإلى عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، وإلى عبد الله بن وال التيمي، وإلى رفاعة بن شداد البجلي. ثم إن هؤلاء النفر الخمسة اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، وكانوا من خيار أصحاب علي، ومعهم أناس من الشيعة وخيارهم ووجوههم. قال: فلما اجتمعوا إلى منزل سليمان بن صرد بدأ المسيب بن نجبة القوم بالكلام، فتكلم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، فإنا قد ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غداً: " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " ؛ فإن أمير المؤمنين قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا، حتى بلا الله أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن ابنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد بلغتنا قبل ذلك كتبه، وقدمت علينا رسله، وأعذر إلينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانيةً وسراً، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا؛ ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا إلى ربنا وعند لقاء نبينا صلى الله عليه وسلم وقد قتل فينا ولده وحبيبه، وذريته ونسله! لا والله، لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن. أيها القوم، ولوا عليكم رجلاً منكم فإنه لابد لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفون بها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. قال: فبدر القوم رفاعة بن شداد بعد المسيب الكلام، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، فإن الله قد هداك لأصوب القول، ودعوت إلى أرشد الأمور، بدأت بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، ودعوت إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموعٌ منك، مستجابٌ لك، مقبول قولك؛ قلت: ولوا أمركم رجلاً منكم تفزعون إليه، وتحفون برايته، وذلك رأيٌ قد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضياً، وفينا متنحصاً، وفي جماعتنا محباً، وإن رأيت رأي أصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذا السابقة والقدم سليمان ابن صرد المحمود في بأسه ودينه، والموثوق بحزمه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. قال: ثم تكلم عبد الله بن والٍ وعبد الله بن سعد، فحمدا ربهما وأثنيا عليه، وتكلما بنحو من كلام رفاعة بن شداد، فذكرا المسيب بن نجبة بفضله، وذكرا سليمان بن صرد بسابقته، ورضاهما بتوليته، فقال المسيب ابن نجبة: أصبتم ووفقتم، وأنا أرى مثل الذي رأيتم، فولوا أمركم سليمان ابن صرد. قال أبو مخنف: فحدثت سليمان بن أبي راشد بهذا الحديث، فقال: حدثني حميد بن مسلم، قال: والله إني لشاهدٌ بهذا اليوم، يوم ولوا سليمان ابن صرد، وإنا يومئذ لأكثر من مائة رجل من فرسان الشيعة ووجوههم في داره. قال: فتكلم سليمان بن صرد فشدد، وما زال يردد ذلك القول في كل جمعة حتى حفظته، بدأ فقال: أثني على الله خيراً، وأحمد آلاءه وبلاءه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسوله، أما بعد، فإني والله لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية وشمل فيه الجور أولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير؛ إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا، ونمنيهم النصر، ونحثهم على القدوم، فلما قدموا ونينا وعجزنا، وادهنا، وتربصنا، وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعةٌ من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ فلا يصرخ، ويسأل النصف فلا يعطاه، اتخذه الفاسقون غرضاً للنبل، ودرية للرماح حتى أقصدوه، وعدوا عليه فسلبوه. ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله ما أظنه راضياً دون أن تناجزوا من قتله، أو تبيروا. ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤٌ قط إلا ذل، كونا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيهم: " إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم " ، فما فعل القوم؟ جثوا على الركب والله، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دعيتم إلى مثل ما دعي القوم إليه! اشحذوا السيوف، وركبوا الأسنة، " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل " ، حتى تدعوا حين تدعون وتستنفرون. قال: فقام خالد بن سعد بن نفيل، فقال: أما أنا فوالله لو أعلم أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضي ربي لقتلتها؛ ولكن هذا أمر به قومٌ كانوا قبلنا ونهينا عنه، فأشهد الله ومن حضر من المسلمين أن كل ما أصبحت أملكه سوى سلاحي الذي أقاتل به عدوي صدقةً على المسلمين، أقويهم به على قتال القاسطين. وقام أبو المعتمر حنش بن ربيعة الكناني فقال: وأنا أشهدكم على مثل ذلك. فقال سليمان بن صرد: حسبكم؛ من أراد من هذا شيئاً فليأت بماله عبد الله بن وال التيمي تيم بكر بن وائل، فإذا اجتمع عنده كل ما تريدون إخراجه من أموالكم جهزنا به ذوي الخلة والمسكنة من أشياعكم. قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن سليمان بن أبي راشد، قال: فحدثنا حميد بن مسلم الأزدي أن سليمان بن صرد قال لخالد بن سعد بن نفيل حين قال له: والله لو علمت أن قتلي نفسي يخرجني من ذنبي ويرضى عني ربي لقتلتها، ولكن هذا أمر به قوم غيرنا كانوا من قبلنا ونهينا عنه، قال: أخوكم هذا غداً فريس أول الأسنة؛ قال: فلما تصدق بماله على المسلمين قال له: أبشر بجزيل ثواب الله للذين لأنفسهم يمهدون. قال أبو مخنف: حدثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل قال: أخذت كتاباً كان سليمان بن صرد كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان بالمدائن، فقرأته زمان ولي سليمان، قال: فلما قرأته أعجبني، فتعلمته فما نسيته، كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. من سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين. سلام عليكم، أما بعد؛ فإن الدنيا دارٌ قد أدبر منها ما كان معروفاً، وأقبل منها ما كان منكراً، وأصبحت قد تشنأت إلى ذوي الألباب، وأزمع بالترحال منها عباد الله الأخيار، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقي بجزيل مثوبة عند الله لا تفني. إن أولياء من إخوانكم، وشيعة آل نبيكم نظروا لأنفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيهم الذي دعي فأجاب، ودعا فلم يجب، وأراد الرجعة فحبس، وسأل الأمان فمنع، وترك الناس فلم يتركوه، وعدوا عليه فقتلوه، ثم سلبوه وجردوه ظلماً وعدواناً وغرةً بالله وجهلاً، وبعين الله ما يعملون، وإلى الله ما يرجعون، " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون " ، فلما نظروا إخوانكم وتدبروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزكي الطيب وإسلامه وترك مواساته، والنصر له خطأ كبيراً ليس لهم منه مخرجٌ ولا توبة، دون قتل قاتليه أو قتلهم حتى تفنى على ذلك أرواحهم؛ فقد جد إخوانكم فجدوا، وأعدوا واستعدوا، وقد ضربنا لإخواننا أجلاً يوافوننا إليه، وموطناً يلقوننا فيه؛ فأما الأجل فغرة شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وأما الموطن الذي يلقوننا فيه فالنخيلة. أنتم الذين لم تزالوا لنا شيعة وإخواناً، وإلا وقد رأينا أن ندعوكم إلى هذا الأمر الذي أراد الله به إخوانكم فيما يزعمون، ويظهرون لنا أنهم يتوبون، وإنكم جدراء بتطلاب الفضل، والتماس الأجر، والتوبة إلى ربكم من الذنب، ولو كان في ذلك حز الرقاب، وقتل الأولاد، واستيفاء الأموال، وهلاك العشائر؛ ما ضر أهل عذراء الذين قتلوا ألا يكونوا اليوم أحياءً عند ربهم يرزقون، شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين - يعني حجراً وأصحابه - وما ضر إخوانكم المقتلين صبراً، المصلبين ظلماً، والممثل بهم، المعتدى عليهم، ألا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم،، قد خير لهم فلقوا ربهم، ووفاهم الله إن شاء الله أجرهم، فاصبروا رحمكم الله على البأساء والضراء وحين البأس، وتوبوا إلى الله عن قريب؛ فوالله إنكم لأحرياء ألا يكون أحدٌ من إخوانكم صبر على شيء من البلاء إرادة ثوابه إلا صبرتم التماس الأجر فيه على مثله، ولا يطلب رضاء الله طالبٌ بشيء من الأشياء ولو أنه القتل إلا طلبتم رضا الله به. إن التقوى أفضل الزاد في الدنيا، وما سوى ذلك يبور ويفنى، فلتعزف عنها أنفسكم، ولتكن رغبتكم في دار عافيتكم، وجهاد عدو الله وعدوكم، وعدو أهل بيت نبيكم حتى تقدموا على الله تائبين راغبين، أحيانا الله وإياكم حياة طيبةً، وأجارنا وإياكم من النار، وجعل منايانا قتلاً في سبيله على يدي أبغض خلقه إليه وأشدهم عداوةً له؛ إنه القدير على ما يشاء، والصانع لأوليائه في الأشياء؛ والسلام عليكم. قال: وكتب ابن صرد الكتاب وبعث به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان مع عبد الله بن مالك الطائي، فبعث به سعد حين قرأ كتابه إلى من كان بالمدائن من الشيعة، وكان بها أقوامٌ من أهل الكوفة قد أعجبتهم فأوطنوها وهم يقدمون الكوفة في كل حين عطاءٍ ورزق، فيأخذون حقوقهم، وينصرفون إلى أوطانهم، فقرأ عليهم سعد كتاب سليمان بن صرد. ثم إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنكم قد كنتم مجتمعين مزمعين على نصر الحسين وقتال عدوه، فلما يفجأكم أول من قتله، والله مثيبكم على حسن النية وما أجمعتم عليه من النصر أحسن المثوبة، وقد بعث إليكم إخوانكم يستنجدونكم ويستمدونكم، ويدعونكم إلى الحق وإلى ما ترجون لكم به عند الله أفضل الأجر والحظ، فماذا ترون؟ وماذا تقولون؟ فقال القوم بأجمعهم: نجيبهم ونقاتل معهم، ورأينا في ذلك مثل رأيهم. فقام عبد الله بن الحنظل الطائي ثم الحزمري، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنا قد أجبنا إخواننا إلى ما دعونا إليه، وقد رأينا مثل الذي قد رأوا، فسرحني إليهم في الخيل، فقال له: رويداً، لا تعجل، استعدوا للعدو، وأعدوا له الحرب، ثم نسير وتسيرون. وكتب سعد بن حذيفة بن اليمان إلى سليمان بن صرد مع عبد الله بن مالك الطائي: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى سليمان بن صرد، من سعد بن حذيفة ومن قبله من المؤمنين، سلام عليكم، أما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا الذي دعوتنا إليه من الأمر الذي عليه رأي الملإ من إخوانك، فقد هديت لحظك، ويسرت لرشدك، ونحن جادون مجدون، معدون مسرجون ملجمون ننتظر الأمر، ونستمع الداعي؛ فإذا جاء الصريخ أقبلنا ولم نعرج إن شاء الله؛ والسلام. فلما قرأ كتابه سليمان بن صرد قرأه على أصحابه، فسروا بذلك. قالوا: وكتب إلى المثنى بن مخربة العبدي نسخة الكتاب الذي كان كتب به إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وبعث به مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني سعد، فكتب إليه المثنى: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وأقرأته إخوانك، فحمدوا رأيك، واستجابوا لك، فنحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت وفي الموطن الذي ذكرت؛ والسلام عليك. وكتب في أسفل كتابه: تبصر كأني قد أتيتك معلماً ... على أتلع الهادي أجش هزيم طويل القرانهد الشواة مقلصٍ ... ملحٍّ على فأس اللجام أزوم بكل فتىً لا يملأ الروع نحره ... محسٍّ لعض الحرب غير سئوم أخي ثقةٍ ينوي الإله بسعيه ... ضروبٍ بنصل السيف غير أثيم قال أبو مخنف لوط بن يحيى، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الله بن سعد بن نفيل، قال: كان أول ما ابتدعوا به من أمرهم سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قتل فيها الحسين رضي الله عنه، فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال، ودعاء الناس في السر من الشيعة وغيرها إلى الطلب بدم الحسين، فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنفر بعد النفر. فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتى مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان بين قتل الحسين وهلاك يزيد بن معاوية ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وهلك يزيد وأمير العراق عبيد الله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي، فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين، وتتبعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم، المدفوعين عن حقهم، فقالوا في ذلك فأكثروا؛ فقال لهم سليمان بن صرد: رويداً، لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما تذكرون، فرأيت أن قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفرسان العرب وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون، وعلموا أنهم المطلوبون، كانوا أشد عليكم. ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا أنفسهم، ولم ينكوا في عدوهم، وكانوا لهم جزراً، ولكن بثوا دعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا، شيعتكم وغير شيعتكم، فإني أرجو أن يكون الناس اليوم حيث هلك هذا الطاغية أسرع إلى أمركم استجابةً منهم قبل هلاكه. ففعلوا؛ وخرجت طائفة منهم دعاةٌ يدعون الناس، فاستجاب لهم ناسٌ كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف من كان استجاب لهم قبل ذلك. قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثنا الحصين بن يزيد، عن رجل من مزينة قال: ما رأيت من هذه الأمة أحداً كان أبلغ من عبيد الله بن عبد الله المري في منطق ولا عظة، وكان من دعاة أهل المصر زمان سليمان بن صرد، وكان إذا اجتمعت إليه جماعةٌ من الناس فوعظهم بدأ بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: أما بعد، فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على خلقه بنبوته، وخصه بالفضل كله، وأعزكم باتباعه وأكرمكم بالإيمان به، فحقن به دماءكم المسفوكة، وأمن به سبلكم المخوفة، " وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون " . فهل خلق ربكم في الأولين والآخرين أعظم حقاً على هذه الأمة من نبيها؟ وهل ذرية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقاً على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله، ما كان ولا يكون. لله أنتم! ألم تروا ويبلغكم ما اجترم إلى ابن بنت نبيكم! أما رأيتم إلى انتهاك القوم حرمته، واستضعافهم وحدته، وترميلهم إياه بالدم، وتجرارهموه على الأرض! لم يرقبوا فيه ربهم ولا قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ اتخذوه للنبل غرضاً، وغادروه للضباع جزراً، فلله عينا من رأى مثله! ولله حسين بن علي، ماذا غدروا به ذا صدق وصبر، وذا أمانة ونجدة وحزم! ابن أول المسلمين إسلاماً، وابن بنت رسول رب العالمين، قلت حماته، وكثرت عداته حوله، فقتله عدوه، وخذله وليه. فويل للقاتل، وملامة للخاذل! إن الله لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرةً، إلا أن يناصح لله في التوبة، فيجاهد القاتلين، وينابذ القاسطين؛ فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة، ويقيل العثرة؛ إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل بيته، وإلى جهاد المحلين والمارقين، فإن قتلنا فما عند الله خيرٌ للأبرار، وإن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا. قال: وكان يعيد هذا الكلام علينا في كل يوم حتى حفظه عامتنا. قال: ووثب الناس على عمرو بن حريث عند هلاك يزيد بن معاوية، فأخرجوه من القصر، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي. وهو دحروجة الجعل الذي قال له ابن همام السلولي: اشدد يديك بزيدٍ إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل وكان كأنه إبهامٌ قصراً، وزيد مولاه وخازنه، فكان يصلي بالناس. وبايع لابن الزبير، ولم يزل أصحاب سليمان بن صرد يدعون شيعتهم وغيرهم من أهل مصرهم حتى كثر تبعهم، وكان الناس إلى اتباعهم بعد هلاك يزيد ابن معاوية أسرع منهم قبل ذلك، فلما مضت ستة أشهر من هلاك يزيد ابن معاوية، قدم المختار بن أبي عبيد الكوفة، فقدم في النصف من شهر رمضان يوم الجمعة. قال: وقدم عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي من قبل عبد الله بن الزبير أميراً على الكوفة على حربها وثغرها، وقدم معه من قبل ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله الأعرج أميراً على خراج الكوفة، وكان قدوم عبد الله بن يزيد الأنصاري ثم الخطمي يوم الجمعة لثمانٍ بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين. قال: وقدم المختار قبل عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بثمانية أيام، ودخل المختار الكوفة، وقد اجتمعت رءوس الشيعة ووجوهها مع سليمان بن صرد فليس يعدلونه به، فكان المختار إذا دعاهم إلى نفسه وإلى الطلب بدم الحسين قالت له الشيعة: هذا سليمان بن صرد شيخ الشيعة، قد انقادوا له واجتمعوا عليه، فأخذ يقول للشيعة: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن علي ابن الحنفية مؤتمناً مأموناً، منتجباً ووزيراً، فوالله ما زال بالشيعة حتى انشعبت إليه طائفةٌ تعظمه وتجيبه، وتنتظر أمره، وعظم الشيعة مع سليمان ابن صرد، فسليمان أثقل خلق الله على المختار. وكان المختار يقول لأصحابه: أتدرون ما يريد هذا؟ يعني سليمان بن صرد - إنما يريد أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، ليس له بصرٌ بالحروب، ولا له علمٌ بها. قال: وأتى يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم الشيباني عبد الله بن يزيد الأنصاري فقال: إن الناس يتحدثون أن هذه الشيعة خارجةٌ عليك مع ابن صرد، ومنهم طائفة أخرى مع المختار، وهي أقل الطائفتين عدداً، والمختار فيما يذكر الناس لا يريد أن يخرج حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان بن صرد، وقد اجتمع له أمره، وهو خارج من أيامه هذه، فإن رأيت أن تجمع الشرط والمقاتلة ووجوه الناس، ثم تنهض إليهم، وننهض معك، فإذا دفعت إلى منزله دعوته، فإن أجابك فحسبه، وإن قاتلك قاتلته، وقد جمعت له وعبأت وهو مغتر، فإني أخاف عليك إن هو بدأك وأقررته حتى يخرج عليك أن تشتد شوكته، وأن يتفاقم أمره. فقال عبد الله بن يزيد: الله بيننا وبينهم، إن هم قاتلونا قتلناهم، وإن تركونا لم نطلبهم، حدثني ما يريد الناس؟ قال: يذكر الناس أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي؛ قال: فأنا قتلت الحسين! لعن الله قاتل الحسين! قال: وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون أن يثبوا بالكوفة، فخرج عبد الله بن يزيد حتى صعد المنبر، ثم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عن الذي دعاهم إلى ذلك ما هو؟ فقيل لي: زعموا أنهم يطلبون بدم الحسين بن علي، فرحم الله هؤلاء القوم، قد والله دللت على أماكنهم، وأمرت بأخذهم، وقيل: ابدأهم قبل أن يبدءوك، فأبيت ذلك، فقلت: إن قاتلوني قاتلتهم، وإن تركوني لم أطلبهم؛ وعلام يقاتلونني! فوالله ما أنا قتلت حسيناً، ولا أنا ممن قاتله، ولقد أصبت بمقتله رحمة الله عليه! فإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا إلى من قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم، وأنا لهم على قاتله ظهير؛ هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأماثلكم، قد توجه إليكم؛ عهد العاهد به على مسيرة ليلة من جسر منبج، فقتاله والاستعداد له أولى وأرشد من أن تجعلوا بأسكم بينكم، فيقتل بعضكم بعضاً، ويسفك بعضكم دماء بعض، فيلقاكم ذلك العدو غداً وقد رققتم، وتلك والله أمنية عدوكم، وإنه قد أقبل إليكم أعدى خلق الله لكم، من ولي عليكم هو وأبوه سبع سنين، لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، هو الذي قتلكم، ومن قبله أتيتم، والذي قتل من تثأرون بدمه، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم، واجعلوها به، ولا تجعلوها بأنفسكم؛ إني آلكم نصحاً، جمع الله لنا كلمتنا، وأصلح لنا أئمتنا! قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيها الناس، لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن الموادع؛ والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استقينا أن قوماً يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده، والمولود بوالده، ولنأخذن الحميم بالحميم، والعريف بما في عرافته حتى يدينوا للحق، ويذلوا للطاعة. فوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه ثم قال: يابن الناكثين، أنت تهددنا بسيفك وغشمك! أنت والله أذل من ذلك؛ إنا لا نلومك على بغضنا، وقد قتلنا أباك وجدك، والله إني لأرجو ألا يخرجك الله من بين ظهراني أهل هذا المصر حتى يثلثوا بك جدك وأباك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولاً سديداً، وإني والله لأظن من يريد هذا الأمر مستنصحاً لك، وقابلاً قولك. فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: إي والله، ليقتلن وقد أدهن ثم أعلن. فقام إليه عبد الله بن وال التيمي، فقال: ما اعتراضك يا أخا بني تيم بن مرة فيما بيننا وبين أميرنا! فوالله ما أنت علينا بأمير، ولا لك علينا سلطان، إنما أنت أمير الجزية، فأقبل على خراجك، فلعم الله لئن كنت مفسداً ما أفسد أمر هذه الأمة إلا والدك وجدك الناكثان، فكانت بهما اليدان، وكانت عليهما دائرة السوء. قال: ثم أقبل مسيب بن نجبة وعبد الله بن وال على عبد الله بن يزيد فقالا: أما رأيك أيها الأمير فوالله إنا لنرجو أن تكون به عند العامة محموداً وأن تكون عند الذي عنيت واعتريت مقبولاً. فغضب أناسٌ من عمال إبراهيم بن محمد بن طلحة وجماعة ممن كان معه، فتشاتموا دونه، فشتمهم الناس وخصموهم. فلما سمع ذلك عبد الله بن يزيد نزل ودخل، وانطلق إبراهيم بن محمد وهو يقول: قد داهن عبد الله بن يزيد أهل الكوفة، والله لأكتبن بذلك إلى عبد الله بن الزبير، فأتى شبث بن ربيع التميمي عبد الله بن يزيد فأخبره بذلك، فركب به وبيزيد بن الحارث بن رويم حتى دخل على إبراهيم بن محمد بن طلحة، فحلف له بالله ما أردت بالقول الذي سمعت إلا العافية وصلاح ذات البين، إنما أتاني يزيد بن الحارث بكذا وكذا، فرأيت أن أقوم فيهم بما سمعت إرادة ألا تختلف الكلمة، ولا تتفرق الألفة، وألا يقع بأس هؤلاء القوم بينهم. فعذره وقبل منه. قال: ثم إن أصحاب سليمان بن صرد خرجوا ينشرون السلاح ظاهرين، ويتجهزون يجاهرون بجهازهم وما يصلحهم. ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير وفي هذه السنة فارق عبد الله بن الزبير الخوارج الذين كانوا قدموا عليه مكة، فقاتلوا معه حصين بن نمير السكوني، فصاروا إلى البصرة، ثم افترقت كلمتهم فصاروا أحزاباً. ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير والسبب الذي من أجله فارقوه والذي من أجله افترقت كلمتهم حدثت عن هشام بن محمد الكلبي، عن أبي مخنف لوط بن يحيى قال: حدثني أبو المخارق الراسبي، قال: لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ما ركب، وقد كان قبل ذلك لا يكف عنهم ولا يستبقيهم غير أنه بعد قتل أبي بلال تجرد لاستئصالهم وهلاكهم، واجتمعت الخوارج حين ثار ابن الزبير بمكة، وسار إليه أهل الشأم، فتذاكروا ما أتى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: إن الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفرض عليكم فيه الجهاد، واحتج عليكم بالبيان، وقد جرد فيكم السيوف أهل الظلم وأولو العدا والغشم، وهذا من قد ثار بمكة، فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو، وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا. فخرجوا حتى قدموا على عبد الله ابن الزبير، فسر بمقدمهم، ونبأهم أنه على رأيهم، وأعطاهم الرضا من غير توقف ولا تفتيش؛ فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشأم عن مكة. ثم إن القوم لقي بعضهم بعضاً، فقالوا: إن هذا الذي صنعتم أمس بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله ليس على رأيكم، إنما كان أمس يقاتلكم هو وأبوه ينادي: يال ثارات عثمان! فأتوه وسلوه عن عثمان، فإن برىء منه كان وليكم، وإن أبى كان عدوكم. فمشوا نحوه فقالوا له: أيها الإنسان، إنا قد قاتلنا معك، ولم نفتشك عن رأيك حتى نعلم أمنا أنت أم من عدونا! خبرنا ما مقالتك في عثمان؟ فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليلٌ، فقال لهم: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردت القيام، ولكن روحوا إلي العشية حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون. فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فقال: البسوا السلاح، واحضروني بأجمعكم العشية، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حوله سماطين عليهم السلاح، وقامت جماعةٌ منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشي الرجل غائلتكم، وقد أزمع بخلافكم واستعد لكم؛ ما ترون؟ فدنا منه ابن الأزرق، فقال له: يابن الزبير، اتق الله ربك، وأبغض الخائن المستأثر، وعاد أول من سن الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب، فإنك إن تفعل ذلك ترض ربك، وتنج من العذاب الأليم نفسك، وإن تركت ذلك فأنت من الذين استمتعوا بخلاقهم، وأذهبوا في الحياة الدنيا طيباتهم. يا عبيدة بن هلال، صف لهذا الإنسان ومن معه أمرنا الذي نحن عليه، والذي ندعو الناس إليه، فتقدم عبيدة بن هلال. قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو علقمة الخثعمي، عن قبيصة بن عبد الرحمن القحافي، من خثعم، قال: أنا والله شاهدٌ عبيدة بن هلال، إذ تقدم فتكلم، فما سمعت ناطقاً قط ينطق كان أبلغ ولا أصوب قولاً منه، وكان يرى رأي الخوارج. قال: وإن كان ليجمع القول الكثير، في المعنى الخطير، في اللفظ اليسير. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عبادة الله، وإخلاص الدين، فدعا إلى ذلك، فأجابه المسلمون، فعمل فيهم بكتاب الله وأمره، حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فكلاهما عمل بالكتاب وسنة رسول الله، فالحمد لله رب العالمين. ثم إن الناس استخلفوا عثمان بن عفان، فحمي الأحماء، وآثر القربى، واستعمل الفتى ورفع الدرة، ووضع السوط، ومزق الكتاب، وحقر المسلم وضرب منكري الجور، وآوى طريد الرسول صلى الله عليه، وضرب السابقين بالفضل، وسيرهم وحرمهم، ثم أخذ فيء الله الذي أفاءه عليهم فقسمه بين فساق قريش، ومجان العرب، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين أخذ الله ميثاقهم على طاعته، لا يبالون في الله لومة لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياء، ومن ابن عفان وأوليائه برآء، فما تقول أنت يابن الزبير؟ قال: فحمد الله ابن الزبير وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد فهمت الذي ذكرتم، وذكرت به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كما قلت صلى الله عليه وفوق ما وصفته، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وفقت وأصبت، وقد فهمت الذي ذكرت به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنت معه حيث نقم القوم عليه، واستعتبوه فلم يدع شيئاً استعتبه القوم فيه إلا أعتبهم منه. ثم إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه فيهم، يأمر فيه بقتلهم فقال لهم: ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم؛ فإن لم تكن حلفت لكم؛ فوالله ما جاءوه ببينة، ولا استحلفوه. ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبته به، فليس كذلك، بل هو لكل خيرٍ أهل، وأنا أشهدكم ومن حضر أني وليٌّ لابن عفان في الدنيا والآخرة، وولي أوليائه، وعدو أعدائه، قالوا: فبرىء الله منك يا عدو الله؛ قال: فبرىء الله منكم يا أعداء الله. وتفرق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفار السعدي من بني صريم بن مقاعس، وعبد الله بن إباض أيضاً من بني صريم، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله، والزبير، من بني سليط ابن يربوع، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوت من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فديك من بني قيس بن ثعلبة وعطية بن الأسود اليشكري إلى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثم أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفي، فأما البصريون منهم فإنهم قدموا البصرة وهم مجمعون على رأي أبي بلال. قال هشام: قال أبو مخنف لوط بن يحيى: فحدثني أبو المثنى، عن رجل من إخوانه من أهل البصرة، أنهم اجتمعوا فقالت العامة منهم: لو خرج منا خارجون في سبيل الله، فقد كانت منا فترة منذ خرج أصحابنا، فيقوم علماؤنا في الأرض فيكونون عند الله أحياء. فانتدب لها نافع بن الأزرق، فاعتقد على ثلثمائة رجل، فخرج، وذلك عود وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكسر الخوارج أبواب السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزد وربيعة وبني تميم وقيس في دم مسعود بن عمرو، فاغتنمت الخوارج اشتغال الناس بعضهم ببعض، فتهيئوا واجتمعوا، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهل البصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلي بهم، وخرج ابن زياد إلى الشأم، واصطلحت الأزد وبنو تميم، فتجرد الناس للخوارج، فاتبعوهم وأخافوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة، فلحق بابن الأزرق، إلا قليلاً منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبد الله بن صفار، وعبد الله ابن إباض، ورجالٌ معهما على رأيهما. ونظر نافع بن الأزرق ورأى أن ولاية من تخلف عنه لا تبتغي، وأن من تخلف عنه لا نجاة له، فقال لأصحابه: إن الله قد أكرمكم بمخرجكم، وبصركم ما عمي عنه غيركم؛ ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته وأمره! فأمره لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنما تتبعون سننه وأثره، فقالوا: بلى؛ فقال: أليس حكمكم في وليكم حكم النبي صلى الله عليه وسلم في وليه، وحكمكم في عدوكم حكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدوه، وعدوكم اليوم عدو الله وعدو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كما أن عدو النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ هو عدو الله وعدوكم اليوم! فقالوا: نعم؛ قال: فقد أنزل الله تبارك وتعالى: " براءةٌ من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين " . وقال: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " ، فقد حرم الله ولايتهم، والمقام بين أظهرهم، وإجازة شهادتهم، وأكل ذبائحهم وقبول علم الدين عنهم، ومناكحتهم، ومواريثهم، وقد احتج الله علينا بمعرفة هذا، وحق علينا أن نعلم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم، ولا نكتم ما أنزل الله، والله عز وجل يقول: " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " ، فاستجاب له إلى هذا الرأي جميع أصحابه. فكتب: من عبيد الله نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن صفار وعبد اله ابن إباض ومن قبلهما من الناس. سلامٌ على أهل طاعة الله من عباد الله، فإن من الأمر كيت وكيت؛ فقص هذه القصة، ووصف هذه الصفة، ثم بعث بالكتاب إليهما. فأتيا به، فقرأه عبد الله بن صفار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه على الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فقال له عبد الله بن إباض: ما لك لله أبوك! أي شيء أصبت! أأن قد أصيب إخواننا، أو أسر بعضهم! فدفع الكتاب إليه، فقرأه، فقال: قاتله الله!، أي رأي رأى! صدق نافع ابن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأياً وحكماً فيما يشير به، وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ولكنه قد كذب وكذبنا فيما يقول، إن القوم كفار بالنعم والأحكام، وهم برآء من الشرك، ولا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام؛ فقال ابن صفار: برىء الله منك، فقد قصرت، وبرىء الله من ابن الأزرق فقد غلا، برىء الله منكما جميعاً؛ وقال الآخر: فبرى الله منك ومنه. وتفرق القوم، واشتدت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جموعه، وأقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة. ذكر الخبر عن مقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة قال أبو جعفر: وفي النصف من شهر رمضان من هذه السنة كان مقدم المختار بن أبي عبيد الكوفة. ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها قال هشام بن محمد الكلبي: قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح: كانت الشيعة تشتم المختار وتعتبه لما كان منه في أمر الحسن بن علي يوم طعن في مظلم ساباط، فحمل إلى أبيض المدائن، حتى إذا كان زمن الحسين، وبعث الحسين مسلم بن عقيل إلى الكوفة، نزل دار المختار، وهي اليوم دار سلم بن المسيب، فبايعه المختار بن أبي عبيد فيمن بايعه من أهل الكوفة، وناصحه ودعا إليه من أطاعه، حتى خرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له بخطرنية تدعى لقفا، فجاءه خبر ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر بالكوفة، فلم يكن خروجه يوم خرج على ميعاد من أصحابه، إنما خرج حين قيل له: إن هانىء بن عروة المرادي قد ضرب وحبس، فأقبل المختار في موالٍ له حتى انتهى إلى باب الفيل بعد الغروب، وقد عقد عبيد الله بن زياد لعمرو بن حريث راية على جميع الناس، وأمره أن يقعد لهم في المسجد، فلما كان المختار وقف على باب الفيل مر به هانىء بن أبي حية الوادعي، فقال للمختار: ما وقوفك ها هنا! لا أنت مع الناس، ولا أنت في رحلك؛ قال: أصبح رأيي مرتجاً لعظم خطيئتكم؛ فقال له: أظنك والله قاتلاً نفسك، ثم دخل على عمرو بن حريث فأخبره بما قال للمختار وما رد عليه المختار. قال أبو مخنف: فأخبرني النضر بن صالح، عن عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي؛ قال: كنت جالساً عند عمرو بن حريث حين بلغه هانىء بن أبي حية عن المختار هذه المقالة، فقال لي: قم إلى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدري أين هو! فلا يجعلن على نفسه سبيلاً، فقمت لآتيه، ووثب إليه زائدة بن قدامة بن مسعود، فقال له: يأتيك على أنه آمن؟ فقال له عمرو بن حريث: أما مني فهو آمن، وإن رقي إلى الأمير عبيد الله بن زياد شيء من أمره أقمت له بمحضره الشهادة، وشفعت له أحسن الشفاعة، فقال له زائدة بن قدامة: لا يكونن مع هذا إن شاء الله إلا خيرٌ. قال عبد الرحمن: فخرجت، وخرج معي زائدة إلى المختار، فأخبرناه بمقالة ابن أبي حية وبمقالة عمرو بن حريث، وناشدناه بالله ألا يجعل على نفسه سبيلاً، فنزل إلى ابن حريث، فسلم عليه، وجلس تحت رايته حتى أصبح، وتذاكر الناس أمر المختار وفعله، فمشى عمارة بن عقبة بن أبي معيط بذلك إلى عبيد الله بن زياد، فذكر له، فلما ارتفع النهار فتح باب عبيد الله ابن زياد وأذن للناس، فدخل المختار فيمن دخل، فدعاه عبيد الله، فقال له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل! فقال له: لم أفعل، ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث، وبت معه وأصبحت، فقال له عمرو: صدق أصلحك الله! قال: فرفع القضيب، فاعترض به وجه المختار فخبط به عينه فشترها وقال: أولى لك! أما والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك؛ انطلقوا به إلى السجن فانطلقوا به إلى فحبس فيه فلم يزل في السجن حتى قتل الحسين. ثم إن المختار بعث إلى زائدة بن قدامة، فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمر بالمدينة فيسأله أن يكتب له إلى يزيد بن معاوية، فيكتب إلى عبيد الله بن زياد بتخلية سبيله، فركب زائدة إلى عبد الله بن عمر فقدم عليه، فبلغه رسالة المختار، وعلمت صفية أخت المختار بمحبس أخيها وهي تحت عبد الله بن عمر، فبكت وجزعت، فلما رأى ذلك عبد الله بن عمر كتب مع زائدة إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فإن عبيد الله بن زياد حبس المختار، وهو صهري، وأنا أحب أن يعافى ويصلح من حاله، فإن رأيت رحمنا الله وإياك أن تكتب إلى ابن زياد فتأمره بتخليته فعلت. والسلام عليك. فمضى زائدة على رواحله بالكتاب حتى قدم به على يزيد بالشأم، فلما قرأه ضحك ثم قال: يشفع أبو عبد الرحمن، وأهل ذلك هو. فكتب له إلى ابن زياد: أما بعد، فخل سبيل المختار بن أبي عبيد حين تنظر في كتابي، والسلام عليك. فأقبل به زائدة حتى دفعه، فدعا ابن زياد بالمختار، فأخرجه، ثم قال له قد أجلتك ثلاثاً، فإن أدركتك بالكوفة بعدها قد برئت منك الذمة. فخرج إلى رحله. وقال ابن زياد: والله لقد اجترأ علي زائدة حين يرحل إلى أمير المؤمنين حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن أطيل حبسه، علي به. فمر به عمرو بن نافع أبو عثمان - كاتبٌ لابن زياد - وهو يطلب، وقال له: النجاء بنفسك، واذكرها يداً لي عندك. قال: فخرج زائدة، فتوارى يومه ذلك. ثم إنه خرج في أناس من قومه حتى أتى القعقاع بن شور الذهلي، ومسل بن عمرو الباهلي، فأخذا له من ابن زياد الأمان. قال هشام: قال أبو مخنف: ولما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى الحجاز، قال: فحدثني الصقعب بن زهير، عن ابن العرق، مولىً لثقيف. قال: أقبلت من الحجاز حتى إذا كنت بالبسيطة من وراء واقصة استقبلت المختار بن أبي عبيد خارجاً يريد الحجاز حين خلى سبيله ابن زياد، فلما استقبلته رحبت به، وعطفت إليه، فلما رأيت شتر عينه استرجعت له، وقلت له بعد ما توجعت له: ما بال عينك، صرف الله عنك السوء! فقال: خبط عيني ابن الزانية بالقضيب خبطةً صارت إلى ما ترى. فقلت له: ما له شلت أنامله! فقال المختار: قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إرباً إرباً؛ قال: فعجبت لمقالته، فقلت له: ما علمك بذلك رحمك الله؟ فقال لي: ما أقول لك فاحفظه عني حتى ترى مصداقه. قال: ثم طفق يسألني عن عبد الله بن الزبير، فقلت له: لجأ إلى البيت، فقال: إنما أنا عائذٌ برب هذه البنية، والناس يتحدثون أنه يبايع سراً، ولا أراه إلا لو قد اشتدت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيظهر الخلاف؛ قال: أجل، لا شك في ذلك، أما إنه رجل العرب اليوم، أما إنه إن يخطط في أثري، ويسمع قولي أكفه أمر الناس، وإلا يفعل فوالله ما أنا بدون أحد من العرب، يابن العرق، إن الفتنة قد أرعدت وأبرقت، وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها، فإذا رأيت ذلك وسمعت به بمكان قد ظهرت فيه فقل: إن المختار في عصائبه من المسلمين، يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطف، سيد المسلمين، وابن سيدها، الحسين ابن علي، فوربك لأقتلن بقتله عدة القتلى التي قتلت على دم يحيى بن زكرياء عليه السلام؛ قال: فقلت له: سبحان الله! وهذه أعجوبة مع الأحدوثة الأولى؛ فقال: هو ما أقول لك فاحفظه عني حتى ترى مصداقه. ثم حرك راحلته، فمضى ومضيت معه ساعةً أدعو الله له بالسلامة، وحسن الصحابة. قال: ثم إنه وقف فأقسم علي لما انصرفت، فأخذت بيده! فودعته، وسلمت عليه، وانصرفت عنهن فقلت في نفسي: هذا الذي يذكر لي هذا الإنسان، - يعني المختار - مما يزعم أنه كائن، أشيءٌ حدث به نفسه! فوالله ما أطلع الله على الغيب أحداً، وإنما هو شيءٌ يتمناه فيرى أنه كائن، فهو يوجب رأيه، فهذا والله الرأي الشعاع، فوالله ما كل ما يرى الإنسان أنه كائن يكون؛ قال: فوالله ما مت حتى رأيت كل ما قاله. قال: فوالله لئن كان ذلك من علمٍ ألقي إليه لقد أثبت له، ولئن كان ذلك رأياً رآه، وشيئاً تمناه، لقد كان. قال أبو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن ابن العرق، قال: فحدثت بهذا الحديث الحجاج بن يوسف، فضحك ثم قال لي: إنه كان يقول أيضاً: ورافعةٍ ذيلها ... وداعية ويلها بدجلة أو حولها فقلت له: أترى هذا شيئاً كان يخترعه، وتخرصاً يتخرصه، أم هو من علم كان أوتيه؟ فقال: والله ما أدري ما هذا الذي تسألني عنه، ولكن لله دره! أي رجل ديناً، ومسعر حرب، ومقارع أعداء كان! قال أبو مخنف: فحدثني أبو سيف الأنصاري من بني الخزرج، عن عباس بن سهل بن سعد، قال: قدم المختار علينا مكة، فجاء إلى عبد الله ابن الزبير وأنا جالسٌ عنده، فسلم عليه، فرد عليه ابن الزبير، ورحب به، وأوسع له، ثم قال: حدثني عن حال الناس بالكوفة يا أبا إسحاق؛ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السر أعداء؛ فقال له ابن الزبير: هذه صفة عبيد السوء، إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شتموهم ولعنوهم؛ قال: فجلس معنا ساعةً، ثم إنه مال إلى ابن الزبير كأنه يساره، فقال له: ما تنتظر! ابسط يدك أبايعك، وأعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز فإن أهل الحجاز كلهم معك. وقام المختار فخرج، فلم ير حولاً؛ ثم إني بينا أنا جالسٌ مع ابن الزبير إذ قال لي ابن الزبير: متى عهدك بالمختار بن أبي عبيد؟ فقلت له: ما لي به عهد منذ رأيته عندك عاماً أول؛ فقال: أين تراه ذهب! لو كان بمكة، لقد رئي بها بعد، فقلت له: إني انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيته عندك بشهر أو شهرين، فلبثت بالمدينة أشهراً، ثم إني قدمت عليك، فسمعت نفراً من أهل الطائف جاءوا معتمرين يزعمون أنه قدم عليهم الطائف، وهو يزعم أنه صاحب الغضب، ومبير الجبارين، قال: قاتله الله! لقد انبعث كذاباً متكهناً، إن الله إن يهلك الجبارين يكن المختار أحدهم. فوالله ما كان إلا ريث فراغنا من منطقنا حتى عن لنا في جانب المسجد، فقال ابن الزبير: اذكر غائباً تره؛ أين تظنه يهوى؟ فقلت: أظنه يريد البيت، فأتى البيت فاستقبل الحجر، ثم طاف بالبيت أسبوعاً، ثم صلى ركعتين عند الحجر، ثم جلس، فما لبث أن مر به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز، فجلسوا إليه، واستبطأ ابن الزبير قيامه إليه، فقال: ما ترى شأنه لا يأتينا! قلت: لا أدري، وسأعلم لك علمه، فقال: ما شئت، وكأن ذلك أعجبه. قال: فقمت فمررت به كأني أريد الخروج من المسجد، ثم التفت إليه، فأقبلت نحوه ثم سلمت عليه، ثم جلست إليه، وأخذت بيده، فقلت له: أين كنت؟ وأين بلغت بعدي؟ أبا لطائف كنت؟ فقال لي: كنت بالطائف وغير الطائف، وعمس علي أمره، فملت إليه، فناجيته، فقلت له: مثلك يغيب عن مثل ما قد اجتمع عليه أهل الشرف وبيوتات العرب من قريش والأنصار وثقيف! لم يبق أهل بيت ولا قبيلة إلا وقد جاء زعيمهم وعميدهم فبايع هذا الرجل، فعجباً لك ولرأيك ألا تكون أتيته فبايعته، وأخذت بحظك من هذا الأمر! فقال لي: وما رأيتني؟ أتيته العام الماضي، فأشرت عليه بالرأي، فطوي أمره دوني، وإني لما رأيته استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغن عنه، إنه والله لهو أحوج إلي مني إليه؛ فقلت له: إنك كلمته بالذي كلمته وهو ظاهر في المسجد، وهذا الكلام لا ينبغي أن يكون إلا والستور دونه مرخاة والأبواب دونه مغلقة، القه الليلة إن شئت وأنا معك؛ فقال لي: فإني فاعل إذا صلينا العتمة أتيناه، واتعدنا الحجر. قال: فنهضت من عنده، فخرجت ثم رجعت إلى ابن الزبير، فأخبرته بما كان من قولي وقوله، فسر بذلك، فلما صلينا العتمة، التقينا بالحجر، ثم خرجنا حتى أتينا منزل ابن الزبير، فاستأذنا عليه، فأذن لنا، فقلت: أخليكما؟ فقالا جميعاً: لا سر دونك، فجلست، فإذا ابن الزبير قد أخذ بيده، فصافحه ورحب به، فسأله عن حاله وأهل بيته، وسكتا جميعاً غير طويل. فقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدأ في أول منطقه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه لا خير في الإكثار من المنطق، ولا في التقصير عن الحاجة، إني قد جئتك لأبايعك على ألا تقضي الأمور دوني، وعلى أن أكون في أول من تأذن له، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك. فقال له ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقال: وشر غلماني أنت مبايعه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما لي في هذا الأمر من الحظ ما ليس لأقصى الخلق منك؛ لا والله لا أبايعك أبداً إلا على هذه الخصال. قال عباس بن سهل: فالتقمت أذن ابن الزبير، فقلت له: اشتر منه دينه حتى ترى من رأيك؛ فقال له ابن الزبير: فإن لك ما سألته، فبسط يده فبايعه، ومكث معه حتى شاهد الحصار الأول حين قدم الحصين بن نمير السكوني مكة؛ فقاتل في ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاءً، وأعظمهم غناءً. فلما قتل المنذر بن الزبير والمسور بن مخرمة ومصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري، نادى المختار: يا أهل الإسلام، إلي إلي! أنا ابن أبي عبيد ابن مسعود، وأنا ابن الكرار لا الفرار، أنا ابن المقدمين غير المحجمين؛ إلي يا أهل الحفاظ وحماة الأوتار. فحمي الناس يومئذ، وأبىل وقاتل قتالاً حسناً. ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم أحرق البيت، فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلثمائة أحسين قتال قاتله أحدٌ من الناس، إن كان ليقاتل حتى يتبلد، ثم يجلس ويحيط به أصحابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فما كان يتوجه نحو طائفة من أهل الشأم إلا ضاربهم حتى يكشفهم. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف محمد بن ثابط، عن عباس بن سهل بن سعد، قال: تولى قتال أهل الشأم يوم تحريق الكعبة عبد الله بن مطيع وأنا والمختار، قال: فما كان فينا يومئذ رجلٌ حسن بلاءً من المختار. قال: وقاتل قبل أن يطلع أهل الشأم على موت يزيد بن معاوية بيوم قتالاً شديداً، وذلك يوم الأحد لخمس عشرة لية مضت من ربيع الآخر سنة أربع وستين، وكان أهل الشأم قد رجوا أن يظفروا بنا، وأخذوا علينا سكك مكة. قال: وخرج ابن الزبير، فبايعه رجالٌ كثير على الموت؛ قال: فخرجت في عصابة معي أقاتل في جانب، والمختار في عصابة أخرى يقاتل في جميعةٍ من أهل اليمامة في جانب، وهم خوارج، وإنما قاتلوا ليدافعوا عن البيت، فهم في جانب، وعبد الله بن المطيع في جانب. قال: فشد أهل الشأم علي، فحازوني في أصحابي حتى اجتمعت أنا والمختار وأصحابه في مكان واحد، فلم أكن أصنع شيئاً إلا صنع مثله، ولا يصنع شيئاً إلا تكلفت أن أصنع مثله، فما رأيت أشد منه قط؛ قال: فإنا لنقاتل إذ شدت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشأم، فاضطروني وإياه في نحو من سبعين رجلاً من أهل الصبر إلى جانب دار من دور أهل مكة، فقاتلهم المختار يومئذ، وأخذ يقول رجل لرجل: لا وألت نفس امرىءٍ يفر قال: فخرج المختار، وخرجت معه، فقلت: ليخرج منكم إلي رجل فخرج إلي رجل وإليه رجل آخر، فمشيت إلى صاحبي فأقتله، ومشى المختار إلى صاحبه فقتله، ثم صحنا بأصحابنا، وشددنا عليهم، فوالله لضربناهم حتى أخرجناهم من السكك كلها، ثم رجعنا إلى صاحبينا اللذين قتلنا. قال: فإذا الذي قتلت رجلٌ أحمر شديد الحمرة كأنه رومي، وإذا الذي قتل المختار رجل أسود شديد السواد، فقال لي المختار: تعلم والله إني لأظن قتيلينا هذين عبدين؛ ولو أن هذين قتلانا لفجع بنا عشائرنا ومن يرجونا، وما هذان وكلبان من الكلاب عندي إلا سواء، ولا أخرج بعد يومي هذا لرجل أبداً إلا لرجل أعرفه؛ فقلت له: وأنا والله لا أخرج إلا لرجل أعرفه. وأقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيد بن معاوية. وانقضى الحصار، ورجع أهل الشأم إلى الشأم، واصطلح أهل الكوفة على عامر بن مسعود، بعد ما هلك يزيد يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضونه، فلم يلبث عامر إلا شهراً حتى بعث ببيعته وبيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير، وأقام المختار مع ابن الزبير خمسة أشهر بعد مهلك يزيد وأياماً. قال أبو مخنف: فحدثني عبد ال ملك بن نوفل بن مساحق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: والله إني لمع عبد الله بن الزبير ومعه عبد الله ابن صفوان بن أمية بن خلف، ونحن نطوف بالبيت. إذ نظر ابن الزبير فإذا هو بالمختار. فقال لابن صفوان: انظر إليه؛ فوالله لهو أحذر من ذئب قد أطافت به السباع؛ قال: فمضى ومضينا معه. فلما قضينا طوافنا وصلينا الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار، فقال لابن صفوان: ما الذي ذكرني به ابن الزبير؟ قال: فكتمه، وقال: لم يذكرك إلا بخير؛ بلى ورب هذه البنية إن كنت لمن شأنكما، أما والله ليخطن في أثري أو لأقدنها عليه سعراً. فأقام معه خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحدٌ من الكوفة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم. ===========================================ج19. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال أبو مخنف: فحدثني عطية بن الحارث أبو روق الهمداني؛ أن هانىء ابن أبي حية الوادعي قدم مكة يريد عمرة رمضان، فسأله المختار عن حاله وحال الناس بالكوفة وهيئتهم؛ فأخبره عنهم بصلاح واتساق على طاعة ابن الزبير، إلا أن طائفة من الناس إليهم عدد أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يومٍ ما؛ فقال له المختار: أنا أبو إسحاق أنا والله لهم! أنا أجمعهم على مر الحق. وأنفي بهم ركبان الباطل. وأقتل بهم كل جبار عنيد؛ فقال له هانىء بن أبي حية: ويحك يابن أبي عبيد! إن استطت ألا توضع في الضلال ليكن صاحبهم غيرك، فإن صاحب الفتنة أقرب شيء أجلاً، وأسوأ الناس عملاً؛ فقال له المختار: إني لا أدعو إلى الفتنة إنما أدعو إلى الهدى والجماعة، ثم وثب فخرج وركب رواحله، فأقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقرعاء لقيه سلمة بن مرثد أخو بنت مرثد القابضي من همدان - وكان من أشجع العرب، وكان ناسكاً - فلما التقيا تصافحا وتساءلا، فخبره المختار؛ ثم قال لسلمة بن مرثد: حدثني عن الناس بالكوفة؛ قال: هم كغنمٍ ضل راعيها؛ فقال المختار بن أبي عبيد: أنا الذي أحسن رعايتها، وأبلغ نهايتها؛ فقال له سلمة: اتق الله واعلم أنك ميت ومبعوث، ومحاسب ومجزيٌّ بعملك إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر، ثم افترقا. وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحيرة يوم الجمعة، فنزل فاغتسل فيه، وادهن دهناً يسيراً، ولبس ثيابه واعتم. وتقلد سيفه، ثم ركب راحلته فمر بمسجد السكون وجبانة كندة؛ لا يمر بمجلس إلا سلم على أهله. وقال: أبشروا بالنصر والفلج، أتاكم ما تحبون، وأقبل حتى مر بمسجد بني ذهل وبني حجر، فلم يجد ثم أحداً، ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة، فأقبل حتى مر ببني بداء، فوجد عبيدة بن عمرو البدي من كندة، فسلم عليه، ثم قال: أبشر بالنصر واليسر والفلج، إنك أبا عمرو على رأي حسن، لن يدع الله لك معه مأثماً إلا غفره، ولا ذنباً إلا ستره - قال: وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم، وأشدهم حباً لعلي رضي الله عنه، وكان لا يصبر عن الشراب - فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة: بشرك الله بخير إنك قد بشرتنا، فهل أنت مفسرٌ لنا؟ قال: نعم، فالقني في الرحل الليلة ثم مضى. قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج، عن عبيدة بن عمرو قال: قال لي المختار هذه المقالة، ثم قال لي: القني في الرحل، وبلغ أهل مسجدكم هذا عني أنهم قومٌ أخذ الله ميثاقهم على طاعته، يقتلون المحلين، ويطلبون بدماء أولاد النبيين، ويهديهم للنور المبين، ثم مضى فقال لي: كيف الطريق إلى بني هند؟ فقلت له: أنظرني أدلك، فدعوت بفرسي وقد أسرج لي فركبته؛ قال: ومضيت معه إلى بني هند، فقال: دلني على منزل إسماعيل بن كثير. قال: فمضيت به إلى منزله، فاستخرجته، فحياه ورحب به، وصافحه وبشره، وقال له: القني أنت وأخوك الليلة وأبو عمرو فإني قد أتيتكم بكل ما تحبون؛ قال: ثم مضى ومضينا معه حتى مر بمسجد جهينة الباطنة، ثم مضى إلى باب الفيل، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد واستشرف له الناس، وقالوا: هذا المختار قد قدم، فقام المختار إلى جنب سارية من سواري المسجد، فصلى عندها حتى أقيمت الصلاة، فصلى مع الناس ثم ركد إلى سارية أخرى فصلى ما بين الجمعة والعصر، فلما صلى العصر مع الناس انصرف. قال أبو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، أن المختار مر على حلقة همدان وعليه ثياب السفر، فقال: أبشروا، فإني قد قدمت عليكم بما يسركم، ومضى حتى نزل داره، وهي الدار التي تدعى دار سلم ابن المسيب، وكانت الشيعة تختلف إليها وإليه فيها. قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج، عن عبيد بن عمرو، وإسماعيل بن كثير من بني هند، قالا: أتيناه من الليل كما وعدنا، فلما دخلنا عليه وجلسنا ساءلنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة، فقلنا له: إن الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صرد الخزاعي، وإنه لن يلبث إلا يسيراً حتى يخرج؛ قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد، فإن المهدي ابن الوصي، محمد بن علي، بعثني إليكم أميناً ووزيراً ومنتخباً وأميراً، وأمرني بقتال الملحدين، والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء. قال أبو مخنف: قال فضيل بن خديج: فحدثني عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير، أنهما كانا أول خلق الله إجابةً وضرباً على يده، وبايعاه. قال: وأقبل المختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمان بن صرد، فيقول لهم: إني قد جئتكم من قبل ولي الأمر، ومعدن الفضل، ووصي الوصي والإمام المهدي، بأمر فيه الشفاء، وكشف الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النعماء؛ إن سليمان بن صرد يرحمنا الله وإياه إنما هو عشمة من العشم وحفشٌ بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علمٌ بالحروب؛ إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم. إني إنا أعمل على مثال قد مثل لي، وأمرٍ قد بين لي، فيه عز وليكم، وقتل عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثم أبشروا وتباشروا؛ فإني لكم بكل ما تأملون خير زعيم. قال: فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى استمال طائفةً من الشيعة، وكانوا يختلفون إليه ويعظمونه، وينظرون أمره، وعظم الشيعة يومئذ ورؤساؤهم مع سليمان بن صرد، وهو شيخ الشيعة وأسنهم، فليس يعدلون به أحداً؛ إلا أن المختار قد استمال منهم طائفةً ليسوا بالكثير، فسليمان بن صرد أثقل خلق الله على المختار، وقد اجتمع لابن صرد يومئذ أمره، وهو يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرك، ولا أن يهيج أمراً حتى ينظر إلى ما يصير إليه أمر سليمان، رجاء أن يستجمع له أمر الشيعة، فيكون أقوى له على درك ما يطلب، فلما خرج سليمان بن صرد ومضى نحو الجزيرة قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشبث بن ربيع ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله ابن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله: إن المختار أشد عليكم من سليمان بن صرد، إن سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم، ويذللهم لكم، وقد خرج عن بلادكم؛ وإن المختار إنما يريد أن يثب عليكم في مصركم، فسيروا إليه فأوثقوه في الحديد، وخلدوه في السجن حتى يستقيم أمر الناس، فخرجوا إليه في الناس، فما شعر بشيء حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه، فلما رأى جماعتهم قال: ما بالكم! فوالله بعد ما ظفرت أكفكم! قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله لعبد الله بن يزيد: شده كتافاً، ومشه حافياً؛ فقال له عبد الله بن يزيد: سبحان الله! ما كنت لأمشيه ولا لأحفيه ولا كنت لأفعل هذا برجل لم يظهر لنا عدواةً ولا حرباً، وإنما أخذناه على الظن. فقال له إبراهيم بن محمد: ليس بعشك فادرجي، ما أنت وما يبلغنا عنك يابن أبي عبيد! فقال له: ما الذي بلغك عني إلا باطلٌ، وأعوذ بالله من غشٍّ كغش أبيك وجدك! قال: قال فضيل: فوالله إني لأنظر إليه حين أخرج وأسمع هذا القول حين قال له، غير أني لا أدري أسمعه منه إبراهيم أم لم يسمعه؛ فسكت حين تكلم به؛ قال: وأتى المختار ببغلة دهماء يركبها، فقال إبرهيم لعبد الله بن يزيد: ألا تشد عليه القيود؟ فقال: كفى له بالسجن قيداً. قال أبو مخنف: وأما يحيى بن أبي عيسى فحدثني أنه قال: دخلت إليه مع حميد بن مسلم الأزدي نزوره ونتعاهده، فرأيته مقيداً؛ قال: فسمعته يقول: أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار، ومهندٍ بتار، في جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأبت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، ولم يكبر علي زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى. قال: فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردد علينا هذا القول حتى خرج منه؛ قال: وكان يتشجع لأصحابه بعد ما خرج ابن صرد. ذكر الخبر عن هدم ابن الزبير الكعبة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة، وكانت قد مال حيطانها مما رميت به من حجارة المجانيق، فذكر محمد بن عمر الواقدي أن إبراهيم بن موسى حدثه عن عكرمة بن خالد، قال: هدم ابن الزبير البيت حتى سواه بالأرض، وحفر أساسه، وأدخل الحجر فيه، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس، ويصلون إلى موضع، وجعل الركن الأسود عنده في تابوت في سرقةٍ من حرير، وجعل ما كان من حلي البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبة في خزانة البيت، حتى أعادها لما أعاد بناءه. قال محمد بن عمر: وحدثني معقل بن عبد الله، عن عطاء؛ قال: رأيت ابن الزبير هدم البيت كله حتى وضعه بالأرض. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير. وكان عامله على المدينة فيها أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله ابن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن نمران. وأبى شريح أن يقضي فيها، وقال فيما ذكر عنه: أنا لا أقضي في الفتنة. وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله ابن خازم. ثم دخلت سنة خمس وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من أمر التوابين وشخوصهم للطلب بدم الحسين بن علي إلى عبيد الله بن زياد. قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني أبو يوسف، عن عبد الله بن عوف الأحمري، قال: بعث سليمان بن صرد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهل الهلال هلال شهر بيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه، وقد كان واعد أصحابه عامة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنخيلة فخرج حتى أتى عسكره، فدار في الناس ووجوه أصحابه، فلم يعجبه عدة الناس، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل، وبعث الوليد بن غصين الكناني في خيل، وقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا: يا لثارات الحسين! وابلغا المسجد الأعظم فناديا بذلك، فخرجا، وكانا أول خلق الله دعوا: يا لثارات الحسين! قال: فأقبل حكيم بن منقذ الكندي في خيل والوليد بن غصين في خيل، حتى مرا ببني كثير، وإن رجلاً من بني كثير من الأزد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سهلة بنت سبرة بن عمرو من بني كثير، وكانت من أجمل الناس وأحبهم إليه، سمع الصوت: يا لثارات الحسين! وما هو ممن كان يأتيهم، ولا استجاب لهم. فوثب إلى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فرسه، فقالت له امرأته: ويحك! أجننت! قال: لا والله، ولكني سمعت داعي الله، فأنا مجيبه، أنا طالبٌ بدم هذا الرجل حتى أموت، أو يقضي الله من أمري ما هو أحب إليه، فقالت له: إلى من تدع بنيك هذا؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له؛ اللهم إني أستودعك أهلي وولدي، اللهم احفظني فيهم؛ وكان ابنه ذلك يدعى عزره، فبقي حتى قتل بعد مع مصعب بن الزبير؛ وخرج حتى لحق بهم، فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها، ومضى مع القوم، وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة، حتى جاءوا المسجد بعد العتمة، وفيه ناسٌ كثير يصلون، فنادوا: يا لثارات الحسين! وفيهم أبو عزة القابضي وكرب بن نمران يصلي، فقال: يا لثارات الحسين! أين جماعة القوم؟ قيل: بالنخيلة، فخرج حتى أتى أهله، فأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنته الرواع - وكانت تحت ثبيت بن مرثد القابضي. فقالت: يا أبت، ما لي أراك قد تقلدت سيفك، ولبست سلاحك! فقال لها: يا بنية، إن أباك يفر من ذنبه إلى ربه، فأخذت تنتحب وتبكي، وجاءه أصهاره وبنو عمه، فودعهم، ثم خرج فلحق بالقوم؛ قال: فلم يصبح سليمان بن صرد حتى أتاه نحوٌ ممن كان في عسكره حين دخله؛ قال: ثم دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدة من بايعه حتى أصبح، فوجدهم ستة عشر ألفاً، فقال: سبحان الله! ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفاً. قال أبو مخنف: عن عطية بن الحارث، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لسليمان بن صرد: إن المختار والله يثبط الناس عنك، إني كنت عنده أول ثلاث، فسمعت نفراً من أصحابه يقولون: قد كملنا ألفي رجل؛ فقال: وهب أن ذلك كان؛ فأقام عنا عشرة آلاف، أما هؤلاء بمؤمنين! أما يخافون الله! أما يذكرون الله، وما أعطونا من أنفسنا من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن! فأقام بالنخيلة ثلاثاً يبعث ثقاته من أصحابه إلى من تخلف عنه يذكرهم الله وما أعطوه من أنفسهم، فخرج إليه نحوٌ من ألف رجل، فقام المسيب بن نجبة إلى سليمان بن صرد، فقال: رحمك الله، إنه لا ينفعك الكاره، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، فلا ننتظرن أحداً، واكمش في أمرك. قال: فإنك والله لنعما رأيت! فقام سليمان بن صرد في الناس متوكئاً على قوس له عربية. فقال: أيها الناس، من كان إنما أخرجته إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حياً وميتاً، ومن كان إنما يريد الدنيا وحرثها فوالله ما نأتي فيئاً نستفيئه، ولا غنيمةً نغنمها، ما خلا رضوان الله رب العالمين، وما معنا من ذهب ولا فضة، ولا خز ولا حرير، وما هي إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفنا، وزادٌ قدر البلغة إلى لقاء عدونا، فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا. فقم صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني، فقال: آتاك الله رشدك، ولقاك حجتك؛ والله الذي لا إله غيره ما لنا خيرٌ في صحبة من الدنيا همته ونيته. أيها الناس، إنما أخرجتنا التوبة من ذنبنا، والطلب بدم من نبينا، صلى الله عليه وسلم ليس معنا دينارٌ ولا درهم، إنما نقدم على حد السيوف وأطراف الرماح؛ فتنادى الناس من كل جانب: إنا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجنا. قال أبو مخنف: عن إسماعيل بن يزيد الأزدي، عن السري بن كعب الأزدي، قال: أتينا صاحبنا عبد الله بن سعد بن نفيل نودعه، قال: فقام فقمنا معه، فدخل على سليمان ودخلنا معه، وقد أجمع سليمان بالمسير، فأشار عليه عبد الله بن سعد بن نفيل أن يسير إلى عبيد الله بن زياد، فقال هو ورءوس أصحابه: الرأي ما أشار به عبد الله بن سعد بن نفيل أن نسير إلى عبيد الله بن زياد قاتل صاحبنا، ومن قبله أتينا، فقال له عبد الله بن سعد وعنده رءوس أصحابه جلوس حوله: إني قد رأيت إن يكن صواباً فالله وفق، وإن يكن ليس بصواب فمن قبلي، فإني ما آلوكم ونفسي نصحاً؛ خطأ كان أم صواباً، إنما خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، ورءوس الأرباع وأشراف القبائل، فأنى نذهب ها هنا وندع الأقتال والأوتار! فقال سليمان بن صرد: فماذا ترون؟ فقالوا: والله لقد جاء برأيٍ، وإن ما ذكر لكما ذكر، والله ما نلقى من قتلة الحسين إن نحن مضينا نحو الشام غير ابن زياد، وما طلبتنا إلا ها هنا بالمصر؛ فقال سليمان بن صرد: لكن أنا ما أرى ذلك لكم، إن الذي قتل صاحبكم، وعبأ الجنود إليه، وقال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مرجانة، عبيد الله بن زياد؛ فسيروا إلى عدوكم على اسم الله؛ فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون شوكةً منه، ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية، فتنظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين، وما عند الله خيرٌ للأبرار والصديقين؛ إني لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين القاسطين. والله لو قاتلتم غداً أهل مصركم ما عدم رجلٌ أن يرى رجلاً قد قتل أخاه وأباه وحميمه، أو رجلاً لم يكن يريد قتله؛ فاستخيروا الله وسيروا. فتهيأ الناس للشخوص. قال: وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد وأصحابه، فنظرا في أمرهما، فرأيا أن يأتياهم فيعرضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدةً، فإن أبوا إلا الشخوص سألوهم النظرة حتى يعبوا معهم جيشاً فيقاتلوا عدوهم بكثفٍ وحدٍّ؛ فبعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة سويد بن عبد الرحمن إلى سليمان ابن صرد، فقال له: إن عبد الله وإبراهيم يقولان: إنا نريد أن نجيئك الآن لأمر عسى أن يجعل لنا ولك فيه صلاحاً؛ فقال: قل لهما فليأتيانا، وقال سليمان لرفاعة بن شداد البجلي: قم أنت فأحسن تعبئة الناس؛ فإن هذين الرجلين قد بعثا بكيت وكيت، فدعا رءوس أصحابه فجلسوا حوله فلم يمكثوا إلا ساعةً حتى جاء عبد الله بن يزيد في أشراف أهل الكوفة والشرط وكثير من المقاتلة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة في جماعة من أصحابه، فقال عبد الله بن يزيد لكل رجل معروف قد علم أنه قد شرك في دم الحسين: لا تصحبني إليهم مخافة أن ينظروا إليه فيعدوا عليه؛ وكان عمر بن سعد تلك الأيام التي كان سليمان معسكراً فيها بالنخيلة لا يبيت إلا في قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يأتيه القوم في داره، ويذمروا عليه في بيته وهو فاعل لا يعلم فيقتل. وقال عبد الله بن يزيد: يا عمرو بن حريث، إن أنا أبطأت عنك فصل بالناس الظهر. فلما انتهى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد إلى سليمان بن صرد دخلا عليه، فحمد الله عبد الله بن يزيد وأثنى عليه ثم قال: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يغشه، وأنتم إخواننا، وأهل بلدنا، وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستبدوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا؛ أقيموا معنا حتى نتيسر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجنا إليهم بجماعتنا فقاتلناهم. وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام. قال: فحمد الله سليمان بن صرد وأثنى عليه ثم قال لهما: إني قد علمت أنكما قد محضتما في النصيحة، واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، وقد خرجنا لأمر، ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لأصوبه، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله ذلك. فقال عبد الله بن يزيد: فأقيموا حتى نعبىء معكم جيشاً كثيفاً، فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحدٍّ. فقال سليمان: تنصرفون، ونرى فيما بيننا، وسيأتيكم إن شاء الله رأيٌ. قال أبو مخنف: عن عبد الجبار - يعني ابن عباس الهمداني - عن عون ابن أبي جحيفة السوائي، قال: ثم إن عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد ابن طلحة عرضا على سليمان أن يقيم معهما حتى يلقوا جموع أهل الشأم على أن يخصاه وأصحابه بخراج جوخي خاصة لهم دون الناس، فقال لهما سليمان: إنا ليس للدنيا خرجنا؛ وإنما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من إقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق. وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيد إلى الكوفة، وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد، ونظروا فإذا شيعتهم من أهل البصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن، فأقبل ناس من أصحابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فإني لا أراهم إلا سيسرعون إليكم، لو قد انتهى إليهم خبركم وحين مسيركم، ولا أراهم خلفهم ولا أقعدهم إلا قلة النفقة وسوء العدة، فأقيموا ليتيسروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوة، وما أسرع القوم في آثاركم. قال: ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الله قد علم ما تنوون، وما خرجتم تطلبون، وإن للدنيا تجاراً، وللآخرة تجاراً، فأما تاجر الآخرة فساعٍ إليها، منتصب بتطلابها، لا يشتري بها ثمناً، لا يرى إلا قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً، لا يطلب ذهباً ولا فضة، ولا دنيا ولا لذة، وأما تاجر الدنيا فمكبٌّ عليها، راتع فيها، لا يبتغي بها بدلاً؛ فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيراً على كل حال، وتقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه، حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه، فإن تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثواباً من الجهاد والصلاة؛ فإن الجهاد سنام العمل. جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين، المجاهدين الصابرين على اللأواء! وإنا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فادلجوا. فادلج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر بيع الآخر سنة خمس وستين للهجرة. قال: فلما خرج سليمان وأصحابه من النخيلة دعا سليمان بن صرد حكيم ابن منقذ فنادى في الناس: ألا لا يتبين رجل منكم دون دير الأعور. فبات الناس بدير الأعور، وتخلف عنه ناسٌ كثير، ثم سار حتى نزل الأقساس؛ أقساس مالك على شاطىء الفرات، فعرض الناس، فسقط منهم نحوٌ من ألف رجل، فقال ابن صرد: ما أحب أن من تخلف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالاً؛ إن الله عز وجل كره انبعاثهم فثبطهم، وخصكم بفضل ذلك، فاحمدوا ربكم. ثم خرج من منزله ذلك دلجةً، فصبحوا قبر الحسين، فأقاموا به ليلةً ويوماً يصلون عليه، ويستغفرون له؛ قال: فلما انتهى الناس إلى قبر الحسين صاحوا صيحةً واحدة، وبكوا؛ فما رئي يومٌ كان أكثر باكياً منه. قال أبو مخنف: وقد حدث عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن ابن غزية، قال: لما انتهينا إلى قبر الحسين رضي الله عنه بكى الناس بأجمعهم، وسمعت جل الناس يتمنون أنهم كانوا أصيبوا معه؛ فقال سليمان: اللهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم. ثم انصرف ونزل، ونزل أصحابه. قال أبو مخنف: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحةً واحدةً: يا رب إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب أنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين؛ قال: فأقاموا عنده يوماً وليلة يصلون عليه ويبكون ويتضرعون؛ فما انفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلوا الغداة من الغد عند قبره، وزادهم ذلك حنقاً. ثم ركبوا، فأمر سليمان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحم عليه، ويستغفر له، قال: فوالله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود. قال: ووقف سليمان عند قبره، فكلما دعا له قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسلمان بن صرد: الحقوا بإخوانكم رحمكم الله! فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمان بالقبر هو وأصحابه، فقال سليمان: الحمد لله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين، اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده. وقال عبد الله بن وال: أما والله إني لأظن حسيناً وأباه وأخاه أفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسيلةً عند يوم القيامة، أفما عجبتم لما ابتليت به هذه الأمة منهم! إنهم قتلوا اثنين، وأشفوا بالثالث على القتل؛ قال: يقول المسيب بن نجبة: فأنا من قتلهم ومن كان على رأيهم بريءٌ، إياهم أعادي وأقاتل. قال: فأحسن الرءوس كلهم المنطق، وكان المثنى بن مخربة صاحب أحد الرءوس والأشراف، فساءني حيث لم أسمعه تكلم مع القوم بنحو ما تكلموا به؛ قال: فوالله ما لبث أن تكلم بكلمات ما كن بدون كلام أحد من القوم، فقال: إن الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيهم صلى الله عليه وسلم أفضل ممن هو دون نبيهم، وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء، ومنهم براء، وقد خرجنا من الديار والأهلين والأموال إرادة استئصال من قتلهم؛ فوالله لو أن القتال فيهم بمغرب الشمس أو بمنقطع التراب يحق علينا طلبه حتى نناله، فإن ذلك هو الغنم، وهي الشهادة التي ثوابها الجنة، فقلنا له: صدقت وأصبت ووفقت. قال: ثم إن سليمان بن صرد سار من موضع قبر الحسين وسرنا معه، فأخذنا على الحصاصة، ثم على الأنبار، ثم على الصدود، ثم على القيارة. قال أبو مخنف: عن الحارث بن حصيرة وغيره: إن سليمان بعث على مقدمته كريب بن يزيد الحميري. قال أبو مخنف: حدثني الحصين بن يزيد، عن السري بن كعب، قال: خرجنا مع رجال الحي نشيعهم، فلما انتهينا إلى قبر الحسين وانصرف سليمان بن صرد وأصحابه عن القبر، ولزموا الطريق، استقدمهم عبد الله ابن عوف بن الأحمر على فرس له مهلوب كميت مربوع، يتأكل تأ:لاً، وهو يرتجز ويقول: خرجن يلمعن بنا أرسالا ... عوابساً يحملننا أبطالا نريد أن نلقي به الأقتالا ... القاسطين الغدر الضلالا وقد رفضنا الأهل والأموالا ... والخفرات البيض والحجالا نرضي به ذا النعم المفضالا قال أبو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطائي، عن المحل بن خليفة الطائي، أن عبد الله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صرد، أحسبه قال: بعثني به، فلحقته بالقيارة، واستقدم أصحابه حتى ظن أن قد سبقهم، قال: فوقف وأشار إلى الناس، فوقفوا عليه، ثم أقرأهم كتابه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد ومن معه من المسلمين. سلامٌ عليكم، أما بعد فإن كتابي هذا إليكم كتاب ناصح ذي إرعاء، وكم من ناصح مستغش، وكم من غاش مستنصح محب، إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعدد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله، وينزع وهو مذموم العقل والفعل. يا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلادكم، فإنكم خيارٌ كلكم، ومتى ما يصبكم عدوكم يعلموا أنكم أعلام مصركم، فيطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا، " إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً " ، يا قوم، إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدونا وعدوكم واحد، ومتى تجتمع كلمتنا نظهر على عدونا، ومتى تختلف تهن شوكتنا على من خالفنا؛ يا قومنا لا تستغشوا نصحي، ولا تخالفوا أمري، وأقبلوا حتى يقرأ عليكم كتابي. أقبل الله بكم إلى طاعته، وأدبر بكم عن معصيته، والسلام. قال: فلما قرىء الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس: ما ترون؟ قالوا: ماذا ترى؟ قد أبينا هذا عليكم وعليهم، ونحن في مصرنا وأهلنا، فالآن خرجنا ووطنا أنفسنا على الجهاد، ودنونا من أرض عدونا! ما هذا برأي. ثم نادوه أن أخبرنا برأيك، قال: رأيي والله أنكم لم تكونوا قط أقرب من إحدى الحسنيين منكم يومكم هذا؛ الشهادة والفتح، ولا أرى أن تنصرفوا عما جمعكم الله عليه من الحق، وأردتم به من الفضل؛ إنا وهؤلاء مختلفون؛ إن هؤلاء لو ظهروا دعونا إلى الجهاد مع ابن الزبير، ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالاً، وإنا إن نحن ظهرنا رددنا هذا الأمر إلى أهله، وإن أصبنا فعلى نياتنا، تائبين من ذنوبنا، إن لنا شكلاً، وإن لابن الزبير شكلاً؛ وإن وإياهم كما قال أخو بني كنانة: أرى لك شكلاً غير شكلي فأقصري ... عن اللوم إذ بدلت واختلف الشكل قال: فانصرف الناس معه حتى نزل هيت، فكتب سليمان: بسم الله الرحمن. للأمير عبد الله بن يزيد، من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويت، فنعم والله الوالي، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت والله من نأمنه بالغيب، ونستنصحه في المشورة، ونحمده على كل حال؛ إنا سمعنا الله عز وجل يقول في كتابه: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " - إلى قوله: " وبشر المؤمنين " . إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جرمهم، وقد توجهوا إلى الله، وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى الله، " ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير " ، والسلام عليك فلما أتاه هذا الكتاب قال: استمات القوم، أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم، وايم الله ليقتلن كراماً مسلمين، ولا والذي هو ربهم لا يقتلهم عدوهم حتى تشتد شوكتهم، وتكثر القتلى فيما بينهم. قال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، وعبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن بن غزية، قالا: خرجنا من هيت حتى انتهينا إلى قرقيسيا، فنزلنا قريباً منها، وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها من القوم، ولم يخرج إليهم، فبعث سليمان المسيب بن نجبة، فقال: ائت ابن عمك هذا فقل له: فليخرج إلينا سوقاً، فإنا لسنا إياه نريد، إنما صمدنا لهؤلاء المحلين. فخرج المسيب بن نجبة حتى انتهى إلى باب قرقيسيا، فقال: افتحوا، ممن تحصنون؟ فقالوا: من أنت؟ قال: أنا المسيسب بن نجبة، فأتى الهذيل بن زفر أباه فقال: هذا رجلٌ حسن الهيئة، يستأذن عليك، وسألناه من هو؟ فقال: المسيب بن نجبة - قال: وأنا إذ ذاك لا علم لي بالناس، ولا أعلم أي الناس هو - فقال لي أبي: أما تدري أي بني من هذا؟ هذا فارس مضر الحمراء كلها، وإذا عد من أشرافها عشرة كان أحدهم، وهو بعد رجلٌ ناسكٌ له دين، ائذن له. فأذنت له، فأجلسه أبي إلى جانبه، وساءله وألطفه في المسألة، فقال المسيب ابن نجبة: ممن تتحصن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلي، فاخرج لنا سوقاً، فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يوماً أو بعض يوم. فقال له زفر بن الحارث: إنا لم نغلق أبواب هذه المدينة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرنا! إنا والله ما بنا عجزٌ عن الناس ما لم تدهمنا حيلة، وما نحب أنا بلينا بقتالكم؛ وقد بلغنا عنكم صلاح، وسيرةٌ حسنة جميلة. ثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقاً، وأمر للمسيب بألف درهم وفرس، فقال له المسيب: أما المال فلا حاجة لي فيه، والله ما له خرجنا، ولا إياه طلبنا، وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إليه إن ظلع فرسي، أو غمز تحتي. فخرج به حتى أتى أصحابه وأخرجت لهم السوق، فتسوقوا، وبعث زفر بن الحارث إلى المسيب بن نجبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جزوراً، وبعث إلى سليمان بن صرد مثل ذلك، وقد كان زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسمي له عبد الله بن سعد بن نفيل وعبد الله بن والٍ ورفاعة بن شداد، وسمي له أمراء الأرباع. فبعث إلى هؤلاء الرءوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عيراً عظيمة وشعيراً كثيراً، فقال غلمان زفر: هذه عير فاجتزروا منها ما أحببتم، وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم، وهذا دقيق فتزودوا منه ما أطقتم، فظل القوم يومهم ذلك مخصبين لم يحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأسواق التي وضعت، وقد كفوا اللحم والدقيق والشعير إلا أن يشتري الرجل ثوباً أو سوطاً. ثم ارتحلوا من الغد، وبعث إليهم زفر: إني خارج إليكم فمشيعكم؛ فأتاهم وقد خرجوا على تعبيةٍ حسنة، فسايرهم، فقال زفر لسليمان: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرقة فيهم الحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي كلاع، وأدهم بن محرز الباهلي وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عبد الله الخثعمي؛ وقد جاءوكم في مثل الشوك والشجر، أتاكم عدد كثير، وحدٌّ حديد، وايم الله لقل ما رأيت رجالاً هم أحسن هيئةً ولا عدةً، ولا أخلق لكل خير من رجال أراهم معك؛ ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلت إليكم عدة لا تحصى؛ فقال ابن صرد: على الله توكلنا، وعليه فليتوكل المتوكلون، ثم قال زفر: فهل لكم في أمر أعرضه عليكم؛ لعل الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيراً؟ إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرنا واحداً وأيدينا واحدةً، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا، وخرجنا فعسكرنا إلى جانبكم، فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعاً. فقال سليمان لزفر: قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه، وذكروا مثل الذي ذكرت، وكتبوا إلينا به بعد ما فصلنا، فلم يوافقنا ذلك، فلسنا فاعلين؛ فقال زفر: فانظروا ما أشير به عليكم فاقبلوه، وخذوا به، فإني للقوم عدو، وأحب أن يجعل الله عليهم الدائرة، وأنا لكم وادٌّ، أحب أن يحوطكم الله بالعافية؛ إن القوم قد فصلوا من الرقة، فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، ويكون الرستاق والماء والماد في أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون، والله لو أن خيولي كرجالي لأمددتكم، اطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة؛ فإن القوم يسيرون سير العساكر، وأنتم على خيول، والله لقل ما رأيت جماعة خيل قط أكرم منها؛ تأهبوا لها من يومكم هذا فإني أرجو أن تسبقوهم أليها، وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم، فإنهم أكثر منكم فلا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم ترامونهم وتطاعنونهم، فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يلبثوكم أن يصرعوكم، ولا تصفوا لهم حين تلقونهم، فإني لا أرى معكم رجالةً، ولا أراكم كلكم إلا فرساناً، والقوم لا قوكم بالرجال والفرسان؛ فالفرسان تحمي رجالها، والرجال تحمي فرسانها، وأنتم ليس لكم رجال تحمي فرسانكم، فالقوهم في الكتائب والمقانب، ثم بثوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كل كتيبة كتيبةً إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين ترجلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى ما شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم في صف واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصف انتفض وكانت الهزيمة؛ ثم وقف فودعهم، وسأل الله أن يصحبهم وينصرهم. فأثنى الناس عليه، ودعوا له، فقال له سليمان بن صرد: نعم المنزول به أنت! أكرمت النزول، وأحسنت الضيافة، ونصحت في المشورة. ثم إن القوم جدوا في المسير، فجعلوا يجعلون كل مرحلتين مرحلة؛ قال: فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا. ثم إن سليمان بن صرد عبى الكتائب كما أمره زفر، ثم أقبل حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيها، وسبق القوم إليها، فعسكروا، وأقام بها خمساً لا يبرح، واستراحوا واطمأنوا، وأراحوا خيلهم. قال هشام: قال أبو مخنف، عن عطية بن الحارث، عن عبد الله بن غزية، قال: أقبل أهل الشأم في عساكرهم حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، قال عبد الله بن غزية: فقام فينا سليمان فحمد الله فأطال، وأثنى عليه فأطنب، ثم ذكر السماء والأرض، والجبال والبحار وما فيهن من الآيات، وذكر آلاء الله ونعمه، وذكر الدنيا فزهد فيها، وذكر الآخرة فرغب فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه، ولم أقدر على حفظه، ثم قال: أما بعد، فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار، تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح، ولقاء الله معذرين، فقد جاءوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يولينهم امرؤٌ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة. لا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتم، إلا أن يقاتلوكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم؛ فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة. ثم قال سليمان: إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فأمير الناس عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل عبد الله ابن سعد فأمير الناس عبد الله بن والٍ، فإن قتل عبد الله بن وال فأمير الناس رفاعة بن شداد، رحم اله امرأً صدق ما عاهد الله عليه! ثم بعث المسيب ابن نجبة في أربعمائة فارس، ثم قال: سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم فشن فيهم الغارة، فإذا رأيت ما تحبه وإلا انصرفت إلي في أصحابك؛ وإياك أن تنزل أو تدع أحداً من أصحابك أن ينزل، أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجد منه بداً. قال أبو مخنف: فحدثني أبي عن حميد بن مسلم أنه قال: أشهد أني في خيل المسيب بن نجبة تلك، إذ أقبلنا نسير آخر يومنا كله وليلتنا، حتى إذا كان في آخر السحر نزلنا فعلقنا على دوابنا مخاليه، ثم هومنا تهويمةً بمقدار تكون مقدار قضمها ثم ركبناها، حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلنا فصلينا، ثم ركب فركبنا. فبعث أبا الجويرية العبدي بن الأحمر في مائة من أصحابه، وعبد الله بن عوف بن الأحمر في مائة وعشرين، وحنش بن ربيعة أبا المعتمر الكناني في مثلها، وبقي هو في مائة؛ ثم قال: انظروا أول من تلقون فأتوني به، فكان أول من لقينا أعرابي يطرد أحمرةً وهو يقول: يا مال لا تعجل إلى صحبي ... واسرح فإنك آمن السرب قال: يقول عبد الله بن عوف بن الأحمر: يا حميد بن مسلم، أبشر بشرى ورب الكعبة، فقال له ابن عوف بن الأحمر: ممن أنت يا أعرابي؟ قال: أنا من بني تغلب؛ قال: غلبتم ورب الكعبة إن شاء الله. فانتهى إلينا المسيب بن نجبة، فأخبرناه بالذي سمعنا من الأعرابي وأتيناه به، فقال المسيب ابن نجبة. أما لقد سررت بقولك: أبشر، وبقولك: يا حميد بن مسلم، وإني لأرجو أن تبشروا بما يسركم، وإنما سركم أن تحمدوا أمركم، وأن تسلموا من عدوكم، وإن هذا الفأل لهو الفأل الحسن، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل. ثم قال المسيب بن نجبة للأعرابي: كم بيننا وبين أدنى هؤلاء القوم منا؟ قال: أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكر ابن ذي الكلاع، وكان بينه وبين الحصين اختلاف، ادعى الحصين أنه على جماعة الناس، وقال ابن ذي الكلاع: ما كنت لتولي علي، وقد تكاتبا إلى عبيد الله بن زياد، فهما ينتظران أمره، فهذا عسكر ابن ذي الكلاع منكم على رأس ميل؛ قال: فتركنا الرجل، فخرجنا نحوهم مسرعين، فوالله ما شعروا حتى أشرفنا عليهم وهم غارون، فحملنا في جانب عسكرهم فوالله ما قاتلوا كثير قتال حتى انهزموا، فأصبنا منهم رجالاً، وجرحنا فيهم فأكثرنا الجراح، وأصبنا لهم دواب، وخرجوا عن عسكرهم وخلوه لنا، فأخذنا منه ما خف علينا، فصاح المسيب فينا: الرجعة، إنكم قد نصرتم، وغنمتم وسلمتم، فانصرفوا، فانصرفنا حتى أتينا سليمان. قال: فأتى الخبر عبيد الله بن زياد، فسرح إلينا الحصين بن نمير مسرعاً حتى نزل في اثني عشر ألفاً، فخرجنا إليهم يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من جمادى الأولى؛ فجعل سليمان بن صرد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته، وعلى ميسرته المسيب بن نجبة، ووقف هو في القلب، وجاء حصين بن نمير وقد عبأ لنا جنده، فجعل على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي، ثم زحفوا إلينا، فلما دنوا دعونا إلى الجماعة على عبد الملك بن مروان وإلى الدخول في طاعته، ودعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عبيد الله بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا، وأن يخلعوا عبد الملك بن مروان، وإلى أن يخرج من ببلادنا من آل ابن الزبير، ثم نرد هذا الأمر إلى أهل بيت نبينا الذين آتانا الله من قبلهم بالنعمة والكرامة؛ فأبى القوم وأبينا. قال حميد بن مسلم: فحملت ميمنتنا على ميسرتهم وهزمتهم، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فهزمناهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم. فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليل بيننا وبينهم، ثم انصرفنا عنهم وقد حجزنا في عسكرهم، فلما كان الغد صبحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف، أمدهم بهم عبيد الله ابن زياد، وبعث إليه يشتمه، ويقع فيه، ويقول: إنما عملت عمل الأغمار، تضيع عسكرك ومسالحك! سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيه وهو على الناس، فجاءه، فغدوا علينا وغاديناهم، فقاتلناهم قتالاً لم ير الشيب والمرد مثله قط يومنا كله، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة حتى أمسينا فتحاجزنا، وقد والله أكثروا فينا الجراح، وأفشيناها فيهم؛ قال: وكان فينا قصاصٌ ثلاثة: رفاعة بن شداد البجلي، وصحير بن حذيفة بن هلال بن مالك المري، وأبو الجويرية العبدي، فكان رفاعة يقص ويحضض الناس في الميمنة، لا يبرحها، وجرح أبو الجويرية اليوم الثاني في أول النهار، فلزم الرحال، وكان صحير ليلته كلها يدور فينا ويقول: أبشروا عباد الله بكرامة الله ورضوانه، فحق والله لمن ليس بينه وبين لقاء الأحبة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدنيا وأذاها إلا فراق هذه النفس الأمارة بالسوء أن يكون بفراقها سخياً، وبلقاء ربه مسروراً. فمكثنا كذلك حتى أصبحنا، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا اليوم الثالث يوم الجمعة قتالاً شديداً إلى ارتفاع الضحى. ثم إن أهل الشأم كثرونا وتعطفوا علينا من كل جانب، ورأى سليمان بن صرد ما لقي أصحابه، فنزل فنادى: عباد الله، من أراد البكور إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلي؛ ثم كسر جفن سيفه، ونزل معه ناسٌ كثير، فكسروا جفون سيوفهم، ومشوا معه، وانزوت خيلهم حتى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتد مصلتةً بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشأم مقتلةً عظيمة، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح. فلما رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم، بعث الرجال ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل والرجال، فقتل سليمان بن صرد رحمه الله، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثم وثب ثم وقع؛ قال: فلما قتل سسليمان بن صرد أخذ الراية المسيب بن نجبة، وقال لسليمان بن صرد: رحمك الله يا أخي! فقد صدقت ووفيت بما عليك، وبقي ما علينا، ثم أخذ الراية فشد بها، فقاتل ساعةً ثم رجع، ثم شد بها فقاتل ثم رجع، ففعل ذلك مراراً يشد ثم يرجع، ثم قتل رحمه الله. قال أبو مخنف: وحدثنا فروة بن لقيط، عن مولىً للمسيب بن نجبة الفزاري، قال: لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجي، فجرى الحديث حتى ذكرنا أهل عين الوردة. قال هشام عن أبي مخنف؛ قال: حدثنا هذا الشيخ، عن المسيب بن نجبة، قال: والله ما رأيت أشجع منه إنساناً قط، ولا من العصابة التي كان فيها، ولقد رأيته يوم عين الوردة يقاتل قتالاً شديداً، ما ظننت أن رجلاً واحداً يقدر أن يبلي مثل ما أبلى، ولا ينكأ في عدوه مثل ما نكأ، لقد قتل رجالاً؛ قال: وسمعته يقول قبل أن يقتل وهو يقاتلهم: قد علمت ميالة الذوائب ... واضحة اللبات والترائب أني غداة الروع والتغالب ... أشجع من ذي لبدٍ مواثب قطاع أقرانٍ مخوف الجانب قال أبو مخنف: حدثني أبي وخالي، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزية. قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما قتل المسيب بن نجبة أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل، ثم قال رحمه الله: أخوي منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. وأقبل بمن كان معه من الأزد، فحفوا برايته، فوالله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة: عبد الله بن الخضل الطائي، وكثير بن عمرو المزني، وسعر بن أبي سعر الحنفي، كانوا خرجوا مع سعد بن حذيفة بن اليمان في سبعين ومائة من أهل المدائن، فسرحهم يوم خرج في آثارنا على خيول مقلمة مقدحة، فقال لهم: اطووا المنازل حتى تلحقوا بإخواننا فتبشروهم بخروجنا إليهم لتشتد بذلك ظهروهم، وتخبروهم بمجيء أهل البصرة أيضاً، كان المثنى بن مخربة العبدي أقبل في ثلثمائة من أهل البصرة، فجاء حتى نزل مدينة بهرسير بعد خروج سعد بن حذيفة من المدائن لخمس ليال، وكان خروجه من البصرة قبل ذلك قد بلغ سعد بن حذيفة قبل أن يخرج من المدائن، فلما انتهوا إلينا قالوا: أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل البصرة؛ فقال عبد الله بن سعد بن نفيل: ذلك لو جاءونا ونحن أحياء؛ قال: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارع إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القوم وقالوا: وقد بلغ منكم ما نرى! إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: فنظروا والله إلى ما ساء أعينهم؛ فقال لهم عبد الله بن نفيل: إنا لهذا خرجنا، ثم اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعةً حتى قتل المزني، وطعن الحنفي فوقع بين القتلى، ثم ارتث بعد ذلك فنجا، وطعن الطائي فجزم أنفه، فقاتل قتالاً شديداً، وكان فارساً شاعراً، فأخذ يقول: قد علمت ذات القوم الرود ... أن لست بالواني ولا الرعديد يوماً ولا بالفرق الحيود قال: فحمل علينا ربيعة بن المخارق حملةً منكرة، فاقتتلنا قتالاً شديداً. ثم إنه اختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شيئاً، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض، ثم قاما فاضطربا، ويحمل ابن أخي ربيعة بن المخارق على عبد الله بن سعد، فطعنه في ثغرة نحره، فقتله، ويحمل عبد الله بن عوف بن الأحمر على ربيعة بن المخارق، فطعنه فصرعه. فلم يصب مقتلاً؛ فقام فكر عليه الثانية، فطعنه أصحاب ربيعة فصرعوه؛ ثم إن أصحابه استنقذوه. وقال خالد بن سعد بن نفيل: أروني قاتل أخي، فأريناه ابن أخي ربيعة بن المخارق؛ فحمل عليه فقنعه بالسيف واعتنقه الآخر فخر إلى الأرض، فحمل أصحابه وحملنا، وكانوا أكثر منا فاستنقذوا صاحبهم، وقتلوا صاحبنا، وبقيت الراية ليس عندها أحدٌ. قال: فنادينا عبد الله بن والٍ بعد قتلهم فرساننا، فإذا هو قد استلحم في عصابة معه إلى جانبنا، فحمل عليه رفاعة بن شداد، فكشفهم عنه، ثم أقبل إلى رايته وقد أمسكها عبد الله بن خازم الكثيري، فقال لابن وال: أمسك عني رايتك؛ قال: امسكها عني رحمك الله، فإني بي مثل حالك فقال له: أمسك عني رايتك، فإني أريد أن أجاهد؛ قال: فإن هذا الذي أنت فيه جهاد وأجر؛ قال: فصحنا: يا أبا عزة، أطع أميرك يرحمك الله! قال: فأمسكها قليلاً، ثم إن ابن والٍ أخذها منه. قال أبو مخنف: قال أبو الصلت التيمي الأعور: حدثني شيخ للحي كان معه يومئذ، قال: قال لنا ابن وال: من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نصبٌ، والسرور الذي ليس بعده حزنٌ، فليتقرب إلى ربه بجهاد هؤلاء المحلين، والرواح إلى الجنة رحمكم الله! وذلك عند العصر؛ فشد عليهم، وشددنا معه، فأصبنا والله منهم رجالاً، وكشفناهم طويلاً، ثم إنهم بعد ذلك تعطفوا علينا من كل جانب، فحازونا حتى بلغوا بنا المكان الذي كنا فيه، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلا من وجه واحد، وولي قتالنا عند المساء أدهم بن محرز الباهلي؛ فشد علينا في خيله ورجاله، فقتل عبد الله بن وال التيمي. قال أبو مخنف، عن فروة بن لقيط، قال: سمعت أدهم بن محرز الباهلي في إمارة الحجاج بن يوسف وهو يحدث ناساً من أهل الشأم، قال: دفعت إلى أحد أمراء العراق؛ رجل منهم يقولون له عبد الله بن وال وهو يقول: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فرحين.... " ، الآيات الثلاث، قال: فغاظني، فقلت في نفسي: هؤلاء يعدوننا بمنزلة أهل الشرك، يرون أن من قتلنا منهم كان شهيداً. فحملت عليه أضرب يده اليسرى فأطنتها، وتنحيت قريباً، فقلت له: أما إني أراك وددت أنك في أهلك، فقال: بئسما رأيت! أما والله ما أحب أنها يدك الآن إلا أن يكون لي فيها من الأجر مثل ما في يدي؛ قال: فقلت له: لم؟ قال: لكيما يجعل الله عليك وزرها، ويعظم لي أجرها؛ قال: فغاظني فجمعت خيلي ورجالي؛ ثم حملنا عليه وعلى أصحابه، فدفعت إليه فطعنته فقتلته، وإنه لمقبل إلي ما يزول؛ فزعموا بعد أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يكثرون الصوم والصلاة ويفتون الناس. قال أبو مخنف: وحدثني الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزية قال: لما هلك عبد الله بن والٍ نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شداد البجلي، فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غضين: أمسك رايتك؛ قال: لا أريدها؛ فقلت له: إنا لله! ما لك! فقال: ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر إليه، فقال: أهلكتنا، والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نهلك من عند آخرنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهل القرى، فتقربوا إليهم به فيقتل صبراً، أنشدك الله أن تفعل، هذه الشمس قد طفلت للمغيب، وهذا الليل قد غشينا، فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل فرمينا بها، فكان ذلك الشأن حتى نصبح ونسير ونحن على مهل، فيحمل الرجل منا جريحه وينتظر صاحبه. وتسير العشرة معاً، ويعرف الناس الوجه الذي يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضا. ولو كان الذي ذكرت لم تقف أمٌّ على ولدها، ولم يعرف رجل وجهه، ولا أين يسقط، ولا أين يذهب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور. فقال له رفاعة بن شداد: فإنك نعم ما رأيت. قال: ثم أقبل رفاعة على الكناني فقال له: أتمسكها أم آخذها منك؟ فقال له الكناني: إني لا أريد ما تريد، إني أريد لقاء ربي، واللحاق بإخواني، والخروج من الدنيا إلى الآخرة، وأنت تريد ورق الدنيا، وتهوى البقاء، وتكره فراق الدنيا، أما والله إني لأحب لك أن ترشد، ثم دفع إليه الراية، وذهب ليستقدم. فقال له ابن أحمر: قاتل معنا ساعةً رحمك الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فما زال به يناشده حتى احتبس عليه، وأخذ أهل الشأم يتنادون: إن الله قد أهلكهم؛ فأقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل. فأخذوا يقدمون عليهم، فيقدمون على شوكة شديدة؛ ويقاتلون فرساناً شجعاناً ليس فيهم سقط رجل، وليسوا بمضجرين فيتمكنوا منهم، فقاتلوهم حتى العشاء قتالاً شديداً، وقتل الكناني قبل المساء، وخرج عبد الله بن عزيز الكندي ومعه ابنه محمد غلام صغير، فقال: يا أهل الشأم، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال، فقالوا: نعم، نحن هؤلاء. فقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكندي، فقالوا له: أنت ابن عمنا، فإنك آمن؛ فقال لهم: والله لا أرغب عن مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نوراً، وللأرض أوتاداً، وبمثلهم كان الله يذكر؛ قال: فأخذ ابنه يبكي في أثر أبيه، فقال: يا بني، لو أن شيئاً كان آثر عندي من طاعة ربي إذاً لكنت أنت، وناشده قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأروا الشأميون له ولابنه رقة شديدة حتى جزعوا وبكوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشد على صفهم عند المساء، فقاتل حتى قتل. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، قال: حدثني مسلم بن زحر الخولاني، أن كريب بن زيد الحميري مشى إليهم عند المساء ومعه راية بلقاء في جماعة، قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت، وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميري وجمع إليه رجالاً من حمير وهمدان، فقال: عباد الله! روحوا إلى ربكم، والله ما في شيء من الدنيا خلف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه قد بلغني أن طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم، فأما أنا فوالله لا أولي هذا العدو ظهري حتى أرد موارد إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك، ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكلاع: والله إني لأرى هذه الراية حميرية أو همدانية، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: إنكم آمنون. فقال له صاحبهم: إنا قد كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قتلوا، ومشى صخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني في ثلاثين من مزينة، فقال لهم: لا تهابوا الموت في الله، فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تبقى لكم، ولا تزهدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإن ما عند الله خيرٌ لكم؛ ثم مضوا فقاتلوا حتى قتلوا، فلما أمسى الناس ورجع أهل الشأم إلى معسكرهم، نطر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به، وإلى كل جريح لا يعين على نفسه؛ فدفعه إلى قومه، ثم سار بالناس ليلته كلها حتى أصبح بالتنينير فعبر الخابور، وقطع المعابر، ثم مضى لا يمر بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذهبوا، فلم يبعث في آثارهم أحداً، وسار بالناس فأسرع، وخلف رفاعة وراءهم أبا الجويرية العبدي في سبعين فارساً يسترون الناس؛ فإذا مروا برجل قد سقط حمله، أو بمتاع قد سقط قبضه حتى يعرفه، فإن طلب أو ابتغى بعث إليه فأعلمه، فلم يزالوا كذلك حتى مروا بقرقيسيا من جانب البر، فبعث إليهم زفر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الأولى، وأرسل إليهم الأطباء وقال: أقيموا عندنا ما أحببتم، فإن الكرامة والمواساة؛ فأقاموا ثلاثاً، ثم زود كل امرىء منهم ما أحب من الطعام والعلف؛ قال: وجاء سعد بن حذيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هيت، فاستقبله الأعراب فأخبروه بما لقي الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخربة العبدي بصندوداء، فأخبره، فأقاموا حتى جاءهم الخبر: إن رفاعة قد أظلكم، فخرجوا حتى دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض، وبكى بعضهم إلى بعض، وتناعوا إخوانهم فأقاموا بها يوماً وليلة؛ فانصرف أهل المدائن إلى المدائن، وأهل البصرة إلى البصرة، وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة، فإذا المختار محبوس. قال هشام: قال أبو مخنف، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أدهم بن محرز الباهلي، أنه أتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح، قال: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله قد أهلك من رءوس أهل العراق ملقح فتنة، ورأس ضلالة، سليمان بن صرد، ألا وإن السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف، ألا وقد قتل الله من رءوسهم رأسين عظيمين ضالين مضلين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يبق بعد هؤلاء أحدٌ عنده دفاع ولا امتناع. قال هشام، عن أبي مخنف: وحدثت أن المختار مكث نحواً من خمس عشرة ليلةً، ثم قال لأصحابه: عدوا لغازيكم هذا أكثر من عشر، ودون الشهر. ثم يجيئكم نبأ هتر، من طعن نتر، وضرب هبرن وقتل جم، وأمر رجم. فمن لها؟ أنا لها، لا تكذبن، أنا لها. قال أبو مخنف: حدثنا الحصين بن يزيد، عن أبان بن الوليد، قال: كتب المختار وهو في السجن إلى رفاعة بن شداد حين قدم من عين الوردة: أما بعد، فمرحباً بالعصب الذين أعظم الله لهم الأجر حين انصرفوا، ورضي انصرافهم حين قفلوا. أما ورب البنية التي بنى ما خطا خاطٍ منكم خطوةً، ولا رتا رتوة، إلا كان ثواب الله له أعظم من ملك الدنيا. إن سليمان قد قضى ما عليه، وتوفاه الله فجعل روحه مع أرواح الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا، وأبشروا واستبشروا؛ أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلين؛ والسلام. قال أبو مخنف: وحدثني أبو زهير العبسي، أن الناس تحدثوا بهذا من أمر المختار، فبلغ ذلك عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، فخرجا في الناس حتى أتيا المختار، فأخذاه. قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: لما تهيأنا للانصراف قام عبد الله بن غزية ووقف على القتلى فقال: يرحمكم الله، فقد صدقتم وصبرتم، وكذبنا وفررنا؛ قال: فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزية في نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدو والاستقتال، فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الأحمر وجماعة من الناس فقالوالهم: ننشدكم الله ألا تزيدونا فلولاً ونقصاناً، فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوي النيات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردوهم غير رجل من مزينة يقال له عبيدة بن سفيان، رحل مع الناس، حتى إذا غفل عنه انصرف حتى لقي أهل الشأم، فشد بسيفه يضاربهم حتى قتل. قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد الأزدي، عن حميد بن مسلم الأزدي، قال: كان ذلك المزني صديقاً لي، فلما ذهب لينصرف ناشدته الله، فقال: أما إنك لم تكن لتسألني شيئاً من الدنيا إلا رأيت لك من الحق علي إيتاءكه، وهذا الذي تسألني أريد الله به؛ قال: ففارقني حتى لقي القوم فقتل؛ قال: فوالله ما كان شيء بأحب إلي من أن ألقى إنساناً يحدثني عنه كيف صنع حين لقي القوم! قال: فلقيت عبد الملك بن جزء بن الحدرجان الأزدي بمكة، فجرى حديثٌ بيننا، جرى ذكر ذلك اليوم، فقال: أعجب ما رأيت يوم عين الوردة بعد هلاك القوم أن رجلاً أقبل حتى شد علي بسيفه، فخرجنا نحوه، قال: فانتهى إليه وقد عقر به وهو يقول: إني من الله إلى الله أفر ... رضوانك الله أبدي وأسر قال: فقلنا له: ممن أنت؟ قال: من بني آدم؛ قال: فقلنا: ممن؟ قال: لا أحب أن أعرفكم ولا أن تعرفوني يا مخربي البيت الحرام؛ قال: فنزل إليه سليمان بن عمرو بن محصن الأزدي من بني الخيار؛ قال: وهو يومئذ من أشد الناس؛ قال: فكلاهما أثخن صاحبه؛ قال: وشد الناس عليه من كل جانب، فقتلوه؛ قال: فوالله ما رأيت واحداً قط هو أشد منه؛ قال: فلما ذكر لي، وكنت أحب أن أعلم علمه، دمعت عيناي، فقال: أبينك وبينه قرابة؟ فقلت له: لا، ذلك رجل من مضر كان لي وداً وأخاً، فقال لي: لا أرقأ الله دمعك، أتبكي على رجل من مضر قتل على ضلالة! قال: قلت: لا، والله ما قتل على ضلالة، ولكنه قتل على بينة من ربه وهدىً؛ فقال لي: أدخلك الله مدخله؛ قلت: آمين، وأدخلك الله مدخل حصين بن نمير، ثم لا أرقأ الله لك عليه دمعاً؛ ثم قمت وقام. وكان مما قيل من الشعر في ذلك قول أعشى همدان، وهي إحدى المكتمات، كن يكتمن في ذلك الزمان: ألم خيالٌ منك يا أم غالب ... فحييت عنا من حبيبٍ مجانب وما زلت لي شجواً وما زلت مقصداً ... لهمٍّ عراني من فراقك ناصب فما أنس لا أنس انفتالك في الضحى ... إلينا مع البيض الوسام الخراعب تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا ... لطيفة طي الكشح ريا الحقائب مبتلةً غراء، رؤدٌ شبابها ... كشمس الضحى تنكل بين السحائب فلما تغشاها السحاب وحوله ... بدا حاجبٌ منها وضنت بحاجب فتلك الهوى وهي الجوى لي والمنى ... فأجيب بها من خلةٍ لم تصاقب ولا يبعد الله الشباب وذكره ... وحب تصافي المعصرات الكواعب ويزداد ما أحببته من عتابنا ... لعاباً وسقياً للخدين المقارب فإني وإن لم أنسهن لذاكرٌ ... رزيئة مخباتٍ كريم المناصب توسل بالتقوى إلى الله صادقاً ... وتقوى الإله خير تكساب كاسب وخلي عن الدنيا فلم يلتبس بها ... وتاب إلى الله الرفيع المراتب تخلى عن الدنيا وقال أطرحتها ... فلست إليها ما حييت بآيب وما أنا فيما يكبر الناس فقده ... ويسعى له الساعون فيها براغب فوجهه نحو الثوية سائراً ... إلى ابن زياد في الجموع الكباكب بقوم هم أهل التقية والنهى ... مصاليت أنجادٌ سراة مناجب مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبه ... ولم يستجيبوا للأمير المخاطب فساروا وهم من بين ملتمس التقى ... وآخر مما جر بالأمس تائب فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلاً ... إليهم فحسوهم ببيضٍ قواضب يمانيةٍ تذري الأكف وتارةً ... بخيلٍ عتاقٍ مقرباتٍ سلاهب فجاءهم جمعٌ من الشأم بعده ... جموعٌ كموج البحر من كل جانب فما برحوا حتى أبيدت سراتهم ... فلم ينج منهم ثم غير عصائب وغودر أهل الصبر صرعى فأصبحوا ... تعاورهم ريح الصبا والجنائب فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلاً ... كأن لم يقاتل مرةً ويحارب ورأس بني شمخٍ وفارس قومه ... شنوءة والتيمي هادي الكتائب وعمرو بن بشرٍ والوليد وخالدٌ ... وزيد بن بكر والحليس بن غالب وضارب من همدان كل مشيعٍ ... إذا شد لم ينكل كريم المكاسب ومن كل قومٍ قد أصيب زعيمهم ... وذو حسبٍ في ذروة المجد ثاقب أبوا غير ضربٍ يفلق الهام وقعه ... وطعنٍ بأطراف الأسنة صائب وإن سعيداً يوم يدمر عامراً ... لأشجع من ليثٍ بدرني مواثب فيا خير جيشٍ للعراق وأهله ... سقيتم روايا كل أسحم ساكب فلا يبعدن فرساننا وحماتنا ... إذا البيض أبدت عن خدام الكواعب فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتةٍ ... وكل فتىً يوماً لإحدى الشواعب وما قتلوا حتى أثاروا عصابةً ... محلين ثوراً كالليوث الضوارب وقتل سليمان بن صرد ومن قتل معه بعين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر. ذكر الخبر عن بيعة عبد الملك وعبد العزيز ابني مروان وفي هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشأم بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك وعبد العزيز، وجعلهما ولي العهد. ذكر الخبر عن سبب عقد مروان ذلك لها قال هشام، عن عوانة قال: لما هزم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين وانصرف راجعاً إلى مروان، ومروان يومئذ بدمشق، قد غلب على الشأم كلها ومصر، وبلغ مروان أن عمراً يقول: إن هذا الأمر لي من بعد مروان، ويدعي أنه قد كان وعده وعداً، فدعا مروان حسان بن مالك بن بحدل فأخبره أنه يريد أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ابنيه من بعده، وأخبره بما بلغه عن عمرو بن سعيد، فقال: أنا أكفيك عمراً، فلما اجتمع الناس عند مروان عشياً قام ابن بحدل فقال: إنه قد بلغنا أن رجالاً يتمنون أماني، قوموا فبايعوا لعبد الملك ولعبد العزيز من بعده؛ فقام الناس، فبايعوا من عند آخرهم. ذكر الخبر عن موت مروان بن الحكم وفي هذه السنة مات مروان بن الحكم بدمشق مستهل شهر رمضان. ذكر الخبر عن سبب هلاكه حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الحويرث، قال: لما حضرت معاوية ابن يزيد أبا ليلى الوفاة، أبى أن يستخلف أحداً، وكان حسان بن مالك بن بحدل يريد أن يجعل الأمر بعد معاوية بن يزيد لأخيه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان صغيراً، وهو خال أبيه يزيد بن معاوية، فبايع لمروان، وهو يريد أن يجعل الأمر بعده لخالد بن يزيد، فلما بايع لمروان وبايعه معه أهل الشأم قيل لمروان: تزوج أم خالد - وأمه أم خالد ابنة أبي هشام بن عتبة - حتى تص شأنه، فلا يطلب الخلافة؛ فتزوجها، فدخل خالد يوماً على مروان وعنده جماعةٌ كثيرة، وهو يمشي بين الصفين، فقال: إنه والله ما علمت لأحمق، تعال يابن الرطبة الاست - يقصر به ليسقطه من أعين أهل الشأم - فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت له أمه: لا يعرفن ذلك منك، واسكت فإني أكفيكه؛ فدخل عليها مروان، فقال لها: هل قال لك خالد في شيئاً؟ فقالت: وخالد يقول فيك شيئاً! خالد أشد لك إعظاماً من أن يقول فيك شيئاً؛ فصدقها، ثم مكثت أياماً، ثم إن مروان نام عندها، فغطته بالوسادة حتى قتلته. قال أبو جعفر: وكان هلاك مروان في شهر رمضان بدمشق، وهو ابن ثلاث وستين سنة في قول الواقدي؛ وأما هشام بن محمد الكلبي فإنه قال: كان يوم هلك ابن إحدى وستين سنة؛ وقيل: توفي وهو ابن إحدى وسبعين سنة؛ وقيل: ابن إحدى وثمانين سنة؛ وكان يكنى أبا عبد الملك، وهو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه آمنة بنت علقمة ابن صفوان بن أمية الكناني، وعاش بعد أن بويع له بالخلافة تسعة أشهر؛ وقيل: عاش بعد أن بويع له بالخلافة عشرة أشهر إلا ثلاث ليال، وكان قبل هلاكه قد بعث بعثين: أحدهما إلى المدينة، عليهم حبيش بن دلجة القيني، والآخر منهما إلى العراق، عليهم عبيد الله بن زياد، فأما عبيد الله ابن زياد فسار حتى نزل الجزيرة، فأتاه الخبر بها بموت مروان، وخرج إليه التوابون من أهل الكوفة طالبين بدم الحسين، فكان من أمرهم ما قد مضى ذكره، وسنذكر إن شاء الله باقي خبره إلى أن قتل. ذكر خبر مقتل حبيش بن دلجة وفي هذه السنة قتل حبيش بن دلجة. وأما حبيش بن دلجة؛ فإنه سار حتى انتهى - فيما ذكر عن هشام، عن عوانة بن الحكم - إلى المدينة، وعليهم جابر ابن الأسود بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف؛ من قبل عبد الله بن الزبير، فهرب جابر من حبيش. ثم إن الحارث بن أبي ربيعة - وهو أخو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة - وجه جيشاً من البصرة، وكان عبد الله بن الزبير قد ولاه البصرة، عليهم الحنيف بن السجف التميمي لحرب حبيش ابن دلجة، فلما سمع حبيش بن دلجة سار إليهم من المدينة، وسرح عبد الله ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد الأنصاري على المدينة، وأمره أن يسير في طلب حبيش بن دلجة حتى يوافي الجند من أهل البصرة الذين جاءوا ينصرون ابن الزبير، عليهم الحنيف، وأقبل عباس في آثارهم مسرعاً حتى لحقهم بالربذة، وقد قال أصحاب ابن دلجة له: دعهم، لا تعجل إلى قتالهم؛ فقال: لا أنزل حتى آكل من مقندهم، - يعني السويق الذي فيه القند - فجاءه سهم غرب فقتله، وقتل معه المنذر بن قيس الجذامي، وأبو عتاب مولى أبي سفيان، وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم، والحجاج بن يوسف، وما نجوا يومئذ إلا على جمل واحد، وتحرز منهم نحوٌ من خمسمائة في عمود المدينة، فقال لهم عباس: انزلوا على حكمي، فنزلوا على حكمه فضرب أعناقهم، ورجع فل حبيش إلى الشأم. حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد أنه قال: الذي قتل حبيش ابن دلجة يوم الربذة يزيد بن سياه الأسواري، رماه بنشابة فقتله، فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على برذون أشهب وعليه ثيابٌ بياض، فما لبث أن اسودت ثيابه، ورأيته مما مسح الناس به ومما صبوا عليه من الطيب. ذكر خبر حدوث الطاعون الجارف قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع بالبصرة الطاعون الذي يقال له الطاعون الجارف، فهلك به خلقٌ كثير من أهل البصرة. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، عن المصعب بن زيد أن الجارف وقع وعبيد الله بن عبيد الله بن معمر على البصرة، فماتت أمه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة علوج فحملوها إلى حفرتها وهو الأمير يومئذ. مقتل نافع بن الأزرق واشتداد أمر الخوارج وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة، وقتل فيها نافع بن الأزرق. ذكر الخبر عن مقتلهحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن الزبير، أن عبيد الله بن عبيد الله بن معمر بعث أخاه عثمان بن عبيد الله إلى نافع بن الأزرق في جيش، فلقيهم بدولاب، فقتل عثمان وهزم جيشه. قال عمر: قال زهير: قال وهب: وحدثنا محمد بن أبي عيينة، عن سبرة بن نخف، أن ابن معمر عبيد الله بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق، فهزم جنده وقتل؛ قال وهب: فحدثنا أبي أن أهل البصرة بعثوا جيشاً عليهم حارثة بن بدر، فلقيهم، فقال لأصحابه: كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا حدثنا عمر، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا وهب، قال: حدثنا أبي ومحمد بن أبي عيينة، قالا: حدثنا معاوية بن قرة، قال: خرجنا مع ابن عبيس فلقيناهم، فقتل ابن الأزرق وابنان أو ثلاثة للماحوز، وقتل ابن عبيس. قال أبو جعفر: وأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف، عن أبي المخارق الراسبي من قصة ابن الأزرق، وبني الماحوز قصةً هي غير ما ذكره عمر، عن زهير بن حرب، عن وهب بن جرير؛ والذي ذكر من خبرهم أن نافع بن الأزرق اشتدت شوكته باشتغال أهل البصرة بالاختلاف الذي كان بين الأزد وربيعة وتميم بن مسعود بن عمرو، وكثرت جموعه، فأقبل نحو البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم ابن عبيس بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة، فخرج إليه، فأخذ يحوزه عن البصرة، ويدفعه عن أرضها، حتى بلغ مكاناً من أرض الأهواز يقال له: دولاب، فتهيأ الناس بعضهم لبعض وتزاحفوا، فجعل مسلم بن عبيس على ميمنته الحجاج بن باب الحميري، وعلى ميسرته حارثة بن بدر التميمي، ثم الغداني، وجعل ابن الأزرق على ميمنته عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرته الزبير بن الماحوز التميمي؛ ثم التقوا فاضطربوا، فاقتتل الناس قتالاً لم ير قتال قط أشد منه، فقتل مسلم ابن عبيس أمير أهل البصرة، وقتل نافع بن الأزرق رأس الخوارج، وأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الأزارقة عليهم عبد الله ابن الماحوز، ثم عادوا فاقتتلوا أشد قتال، فقتل الحجاج بن باب الحميري أمير أهل البصرة، وقتل عبد الله بن الماحوز أمير الأزارقة. ثم إن أهل البصرة أمروا عليهم ربيعة الأجذم التميمي، وأمرت الخوارج عليهم عبيد الله بن الماحوز، ثم عادوا فاقتتلوا حتى أمسوا، وقد كره بعضهم بعضاً، وملوا القتال، فإنهم لمتواقفون متحاجزون حتى جاءت الخوارج سرية لهم جامة لم تكن شهدت القتال، فحملت على الناس من قبل عبد القيس، فانهزم الناس، وقاتل أمير البصرة ربيعة الأجذم، فقتل، وأخذ راية أهل البصرة حارثة بن بدر، فقاتل ساعةً وقد ذهب الناس عنه، فقاتل من وراء الناس في حماتهم، وأهل الصبر منهم، ثم أقبل بالناس حتى نزل بهم منزلاً بالأهواز ففي ذلك يقول الشاعر من الخوارج: يا كبدا من غير جوعٍ ولا ظمإٍ ... ويا كبدي من حب أم حكيم ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان امرىءٍ في الحرب غير لئيم غداة طفت في الماء بكر بن وائل ... وعجنا صدور الخيل نحو تميم وكان لعبد القيس أول حدنا ... وذلت شيوخ الأزد وهي تعوم وبلغ ذلك أهل البصرة، فهالهم وأفزعهم، وبعث ابن الزبير الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي على تلك الحرة، فقدم، وعزل عبد الله ابن الحارث، فأقبلت الخوارج نحو البصر، وقدم المهلب بن أبي صفرة على تلك من حال الناس من قبل عبد الله بن الزبير، معه عهده على خراسان، فقال الأحنف للحارث بن أبي ربيعة وللناس عامة: لا والله، ما لهذا الأمر إلا المهلب بن أبي صفرة، فخرج أشراف الناس، فكلموه أن يتولى قتال الخوارج؛ فقال: لا أفعل، هذا عهد أمير المؤمنين معي على خراسان، فلم أكن لأدع عهده وأمره، فدعاه ابن أبي ربيعة فكلمه في ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأي ابن أبي ربيعة فكلمه في ذلك، فقال له مثل ذلك، فاتفق رأي ابن أبي ربيعة ورأي أهل البصرة على أن كتبوا على لسان ابن الزبير: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إلي أن الأزارقة المارقة أصابوا جنداً للمسلمين كان عددهم كثيراً، وأشرافهم كثيراً، وذكر أنهم قد أقبلوا نحو البصرة، وقد كنت وجهتك إلى خراسان، وكتبت لك عليها عهداً، وقد رأيت حيث دكر هذه الخوارج أن تكون أنت تلي قتالهم، فقد رجوت أن يكون ميموناً طائرك، مباركاً على أهل مصرك، والأجر في ذلك أفضل من المسير إلى خراسان، فسر إليهم راشداً، فقاتل عدو الله وعدوك، ودافع عن حقك وحقوق أهل مصرك، فإنه لن يفوتك من سلطاننا خراسان ولا غير خراسان إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله. فأتى بذلك الكتاب، فلما قرأه قال: فإني والله لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه، وتعطوني من بيت المال ما أقوي به من معي، وأنتخب من فرسان الناس ووجوههم وذوي الشرف من أحببت؛ فقال جميع أهل البصرة: ذلك لك؛ قال: فاكتبوا لي على الأخماس بذلك كتاباً ففعلوا، إلا ما كان من مالك بن مسمع وطائفة من بكر بن وائل، فضطغنها عليهم المهلب، وقال الأحنف وعبيد الله بن زياد بن ظبيان وأشراف أهل البصرة للمهلب: وما عليك ألا يكتب لك مالك بن مسمع ولا من تابعه من أصحابه، إذا أعطاك الذي أردت من ذلك جميع أهل البصرة! من تابعه من أصحابه، إذا أعطاك الذي أردت من ذلك جميع أهل البصرة! ويستطيع مالك خلاف جماعة الناس أوله ذلك! انكمش أيها الرجل، واعزم على أمرك، وسر إلى عدوك؛ ففعل ذلك المهلب، وأمر على الأخماس، فأمر عبيد الله بن زياد بن ظبيان على خمس بكر بن وائل، وأمر الحريش ابن هلال السعدي على خمس بني تميم، وجاءت الخوارج حتى انتهت إلى الجسر الأصغر، عليهم عبيد الله بن الماحوز، فخرج إليهم في أشراف الناس وفرسانهم ووجوههم، فحازهم عن الجسر، ودفعهم عنه، فكان أول شيء دفعهم عنه أهل البصرة، ولم يكن بقي لهم إلا أن يدخلوا؛ فارتفعوا إلى الجسر الأكبر. ثم إنه عبأ لهم، فسار إليهم في الخيل والرجال، فلما أن رأوا أن قد أظل عليهم، وانتهى إليهم، ارتفعوا فوق ذلك مرحلة أخرى، فلم يزل يحوزهم ويرفعهم مرحلةً بعد مرحلة، ومنزلة بعد منزلة، حتى انتهوا إلى منزل من منازل الأهواز يقال له سلى وسلبرى، فأقاموا به؛ ولما بلغ حارثة بن بدر الغداني أن المهلب قد أمر على قتال الأزارقة، قال لمن معه من الناس: كرنبوا ودولبوا ... وحيث شئتم فاذهبوا قد أمر المهلب فأقبل من كان معه نحو البصرة، فصرفهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة إلى المهلب؛ ولما نزل المهلب بالقوم خندق عليه، ووضع المسالح، وأذكى العيون، وأقام الأحراس، ولم يزل الجند على مصافهم، والناس على راياتهم وأخماسهم، وأبواب الخنادق عليها رجال موكلون بها، فكانت الخوارج إذا أرادوا بيات المهلب وجدوا أمراً محكماً، فرجعوا، فلم يقاتلهم إنسانٌ قط كان أشد عليهم ولا أغيظ لقلوبهم منه. قال أبو مخنف: فحدثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، أن رجلاً كان في تلك الخوارج حدثه أن الخوارج بعثت عبيدة ابن هلال والبير بن الماحوز في خيلين عظيمين ليلاً إلى عسكر المهلب، فجاء الزبير من جانبه الأيمن، وجاء عبيدة من جانبه الأيسر، ثم كبروا وصاحوا بالناس، فوجدوا على تعبيتهم ومصافهم حذرين مغذين، فلم يصيبوا للقوم غرةً، ولم يظفروا منهم بشيء، فلما ذهبوا ليرجعوا ناداهم عبيد الله ابن زياد بن ظبيان فقال: وجتمونا وقراً أنجادا ... لا كشفاً خوراً ولا أوغادا هيهات! إنا إذا صيح بنا أتينا، يا أهل النار، ألا ابكروا إليها غداً، فإنها مأواكم ومثواكم؛ قالوا: يا فاسق، وهل تدخر النار إلا لك ولأشباهك! إنها أعدت للكافرين وأنت منهم؛ قال: أتسمعون! كل مملوك لي حر إن دخلتم أنتم الجنة إن بقي فيما بين سفوان إلى أقصى حجر من أرض خراسان مجوسيٌّ ينكح أمه وابنته وأخته إلا دخلها؛ قال له عبيدة: اسكت يا فاسق فإنما أنت عبد للجبار العنيد، ووزيرٌ للظالم الكفور؛ قال: يا فاسق، وأنت عدو المؤمن التقي، ووزير الشيطان الرجيم؛ فقال الناس لابن ظبيان: وفقك الله يابن ظبيان؛ فقد والله أجبت الفاسق بجوابه، وصدقته. فلما أصبح الناس أخرجهم المهلب على تعبيتهم وأخماسهم، ومواقفهم الأزد، وتميم ميمنة الناس، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة الناس، وأهل العالية في القلب وسط الناس. وخرجت الخوارج على ميمنتهم عبيدة بن هلال اليشكري، وعلى ميسرتهم الزبير بن الماحوز، وجاءوا وهم أحسن عدة، وأكرم خيولاً، وأكثر سلاحاً من أهل البصرة؛ وذلك لأنهم مخروا الأرض وجردوها، وأكلوا ما بين كرمان إلى الأهواز، فجاءوا عليهم مغافر تضرب إلى صدورهم، وعليهم دروعٌ يسحبونها، وسوق من زرد يشدونها بكلاليب الحديد إلى مناطقهم، فالتقى الناس فاقتتلوا كأشد القتال، فصبر بعضهم عامة النهار. ثم إن الخوارج شدت على الناس بأجمعها شدةً منكرة، فأجفل الناس وانصاعوا منهزمين لا تلوي أمٌّ على ولد حتى بلغ البصرة هزيمة الناس، وخافوا السباء، وأسرع المهلب حتى سبقهم إلى مكان يفاع في جانب عن سنن المنهزمين. ثم إنه نادى الناس: إلي إلي عباد الله، فثاب إليه جماعةٌ من قومه، وثابت إليه سرية عمان فاجتمع إليه منهم نحوٌ من ثلاثة آلاف، فلما نظر إلى من قد اجتمع رضي جماعتهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيهزمون، وينزل النصر على الجمع اليسير فيظهرون، ولعمري ما بكم الآن من قلة، إني لجماعتكم لراضٍ؛ وإنكم لأنتم أهل الصبر، وفرسان أهل المصر، وما أحب أن أحداً ممن انهزم معكم، فإنهم لو كانوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً. عزمت على كل امرىءٍ منكم لما أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا نحو عسكرهم، فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيلهم في طلب إخوانكم؛ فوالله إني لأرجوا ألا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم. ففعلوا، ثم أقبل بهم راجعاً، فلا والله ما شعرت الخوارج إلا بالمهلب يضاربهم بالمسلمين في جانب عسكرهم. ثم استقبلوا عبيد الله بن الماحوز وأصحابه، وعليهم الدروع والسلاح كاملاً، فأخذ الرجل من أصحاب المهلب يستقبل الرجل منهم، فيستعرض وجهه بالحجارة فيرميه حتى يثخنه، ثم يطعنه بعد ذلك برمحه، أو يضربه بسيفه، فلم يقاتلهم إلا ساعة حتى قتل عبيد الله ابن الماحوز، وضرب الله وجوه أصحابه؛ وأخذ المهلب عسكر القوم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلاً ذريعاً، وأقبل من كان في طلب أهل البصرة منهم راجعاً؛ وقد وضع لهم المهلب خيلاً ورجالاً في الطريق تختطفهم وتقتلهم، فانكفئوا راجعين مفلولين، مقتولين محروبين، مغلوبين؛ فارتفعوا إلى كرمان وجانب أصفهان، وأقام المهلب بالأهواز، ففي ذلك اليوم يقول الصلتان العبدي: بسلى وسلبرى مصارع فتيةٍ ... كرامٍ وقتلى لم توسد خدودها وانصرفت الخوارج حين انصرفت؛ وإن أصحاب النيران الخمس والست ليجتمعون علىالنار الواحدة من الفلول وقلة العدد، حتى جاءتهم مادةٌ لهم من قبل البحرين، فخرجوا نحو كرمان وأصبهان؛ فأقام المهلب بالأهواز فلم يزل ذلك مكانه حتى جاء مصعب البصرة، وعزل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عنها. ولما ظهر المهلب على الأزارقة كتب: بسم الله الرحمن الرحيم. للأمير الحارث بن عبد الله، من المهلب بن أبي صفرة. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فالحمد لله الذي نصر أمير المؤمنين، وهزم الفاسقين، وأنزل بهم نقمته، وقتلهم كل قتلة، وشردهم كل مشرد. أخبر الأمير أصلحه الله أنا لقينا الأزارقة بأرض من أرض الأهواز يقال لها سلى وسلبرى؛ فزحفنا إليهم ثم ناهضناهم، فاقتتلنا كأشد القتال ملياً من النهار. ثم إن كتائب الأزارقة اجتمع بعضها إلى بعض، ثم حملوا على طائفة من المسلمين فهزموهم؛ وكانت في المسلمين جولة قد كنت أشفقت أن تكون هي الأصرى منهم. فلما رأيت ذلك عمدت إلى مكان يفاع فعلوته، ثم دعوت إلي عشيرتي خاصة والمسلمين عامة، فثاب إلي أقوام شروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله من أهل الدين والصبر والصدق والوفاء، فقصدت بهم إلى عسكر القوم؛ وفيه جماعتههم وحدهم وأميرهم قد أطاف به أولو فضلهم فيهم، وذوو النيات منهم؛ فاقتتلنا ساعة رمياً بالنبل، وطعناً بالرماح. ثم خلص الفريقان إلى السيوف؛ فكان الجلاد بها ساعة من النهار مبالطةً ومبالدةً. ثم إن الله عز وجل أنزل نصره على المؤمنين، وضرب وجوه الكافرين ونزل طاغيتهم في رجال كثير من حماتهم وذوي نياتهم، فقتلهم الله في المعركة. ثم اتبعت الخيل شرادهم فقتلوا في الطريق والآخاذ والقرى، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليك ورحمة الله. فلما أتى هذا الكتاب الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بعث به إلى الزبير فقرىء على الناس بمكة. وكتب الحارث بن أبي ربيعة إلى المهلب: أما بعد؛ فقد بلغني كتابك، تذكر فيه نصر الله إياك، وظفر المسلمين، فهنيئاً لك يا أخا الأزد بشرف الدنيا وعزها، وثواب الآخرة وفضلها، والسلام عليك ورحمة الله. فلما قرأ المهلب كتابه ضحك ثم قال: أما تظنونه يعرفني إلا بأخي الأزد! ما أهل مكة إلا أعرابٌ. قال أبو مخنف: فحدثني أبو المخارق الراسبي أن أبا علقمة اليحمدي قاتل يوم سلى وسلبرى قتالاً لم يقاتله أحدٌ من الناس؛ وأن أخذ ينادي في شباب الأزد وفيتان اليحمد: أعيرونا جماجمكم ساعةً من نهار؛ فأخذ فتيانٌ منهم يكرون، فيقاتلون ثم يرجعون إليه؛ يضحكون ويقولون: يا أبا علقمة، القدور تستعار! فلما ظهر المهلب ورأى من بلائه ما رأى وفاه مائة ألف. وقد قيل: إن أهل البصرة قد كانوا سألوا الأحنف قبل المهلب أن يقاتل الأزارقة، وأشار عليهم بالمهلب، وقال: هو أقوى على حربهم مني، وإن المهلب إذ أجابهم إلى قتالهم شرط على أهل البصرة أن ما غلب عليه من الأرض فهو له ولمن خف معه من قومه وغيرهم ثلاث سنين، وأنه ليس لمن تخلف عنه منه شيء. فأجابوه إلى ذلك، وكتب بذلك عليهم كتاباً، وأوفدوا بذلك وفداً إلى ابن الزبير. وإن ابن الزبير أمضى تلك الشروط كلها للمهلب وأجازها له، وإن المهلب لما أجيب إلى ما سأل وجه ابنه حبيباً في ستمائة فارس إلى عمرو القنا، وهو معسكر خلف الجسر الأصغر في ستمائة فارس، فأمر المهلب بعقد الجسر الأصغر، فقطع حبيب الجسر إلى عرمو ومن معه؛ فقاتلهم حتى نفاهم عما بين الجسر، وانهزموا حتى صاروا من ناحية الفرات، وتجهز المهلب فيمن خف من قومه معه، وهم اثنا عشر ألف رجل، ومن سائر الناس سبعون رجلاً، وسار المهلب حتى نزل الجسر الأكبر، وعمرو القنا بإزائه في ستمائة. فبعث المغيرة بن المهلب في الخيل والرجالة، فهزمتهم الرجالة بالنبل، واتبعتهم الخيل، وأمر المهلب بالجسر فعقد، فعبر هو وأصحابه، فلحق عمرو القنا حينئذ بابن الماحوز وأصحابه؛ وهو بالمفتح، فأخبروهم الخبر، فساروا فعسكروا دون الأهواز بثمانية فراسخ، وأقام المهلب بقية سنته، فجبى كور دجلة، ورزق أصحابه، وأتاه المدد من أهل البصرة لما بلغهم ذلك؛ فأثبتهم في الديوان وأعطاهم حتى صاروا ثلاثين ألفاً. قال أبو جعفر: فعلى قول هؤلاء كانت الوقعة التي كانت فيها هزيمة الأزارقة وارتحالهم عن نواحي البصرة والأهواز إلى ناحية أصبهان وكرمان في سنة ست وستين. وقيل: إنهم ارتحلوا عن الأهواز وهم ثلاثة آلاف، وإنه قتل منهم في الوقعة التي كانت بينهم وبين المهلب بسلى وسلبرى سبعة آلاف. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمداً إلى الجزيرة، وذلك قبل مسيره إلى مصر. وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة، وولاها عبد الله بن مطيع، ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير، وولاها أخاه مصعب بن الزبير، وكان سبب عزله أخاه عبيدة عنها أنه - فيما ذكر الواقدي - خطب الناس فقال لهم: قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمي مقوم الناقة؛ وبلغ ذلك ابن الزبير فقال: إن هذا لهو التكلف. ذكر خبر بناء عبد الله بن الزبير البيت الحرام وفي هذه السنة بنى عبد الله بن الزبير البيت الحرام، فأدخل الحجر فيه. أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثني عبد العزيز بن خالد بن رستم الصنعاني أبو محمد، قال: حدثني زياد بن جيل أنه كان بمكة يوم غلب ابن الزبير، فسمعه يقول: إن أمي أسماء بنت أبي بكر حدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: لولا حداثة عهد قومك بالكفر رددت الكعبة على أساس إبراهيم؛ فأزيد في الكعبة من الحجر. فأمر به ابن الزبير فحفر، فوجدوا قلاعاً أمثال الإبل، فحركوا منها صخرة، فبرقت بارقة فقال: أقروها على أساسها، فبناها ابن الزبير، وجعل لها بابين: يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير، وعلى الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ وهو الذي يقال له القباع. وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم. خروج بني تميم بخراسان على عبد الله بن خازم وفي هذه السنة خالف من كان بخراسان من بني تميم عبد الله بن خازم حتى وقعت بينهم حروب. ذكر الخبر عن سبب ذلكوكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن من كان بخراسان من بني تميم أعانوا عبد الله بن خازم على من كان بها من ربيعة، وعلى حرب بن أوس بن ثعلبة حتى قتل من قتل منهم، وظفر به؛ وصفا له خراسان، فلما صفا له ولم ينازعه به أحد جفاهم. وكان قد ضم هراة إلى ابنه محمد واستعمله عليها؛ وجعل بكير بن وشاح على شرطته، وضم إليه شماس بن دثار العطاردي؛ وكانت أم ابنه محمد امرأةً من تميم تدعى صفية، فلما جفا ابن خازم بني تميم من دخول هراة؛ فأما شماس بن دثار فأبى ذلك، وخرج من هراة، فصار من بني تميم، وأما بكير فمنعهم من الدخول. فذكر علي بن محمد أن زهير بن الهنيد حدثه أن بكير بن وشاح لما منع بني تميم من دخول هراة أقاموا ببلاد هراة، وخرج إليهم شماس بن دثار فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيك ثلاثين ألفاً، وأعطى كل رجل من بني تميم ألفاً على أن ينصرفوا، فأبوا، فدخلوا المدينة، وقتلوا محمد بن عبد الله ابن خازم. قال علي: فأخبرنا الحسن بن رشيد، عن محمد بن عزيز الكندي قال: خرج محمد بن عبد الله بن خازم يتصيد بهراة، وقد منع بني تميم من دخولها، فرصدوه، فأخذوه فشدوه وثاقاً، وشربوا ليلتهم، وجعل كلما أراد رجل منهم البول بال عليه، فقال لهم شماس بن دثار: أما إذ بلغتم هذا منه فاقتلوه بصاحبيكما اللذين قتلهما بالسياط. قال: وقد كان أخذ قبيل ذلك رجلين من بني تميم، فضربهما بالسياط حتى ماتا. قال: فقتلوه، قال: فزعم لنا عمن شهد قتله من شيوخهم أن جيهان بن مشجعة الضبي نهاهم عن قتله، وألقى نفسه عليه، فشكر له ابن خازم ذلك، فلم يقتله فيمن قتل يوم فرتنا. قال: فزعم عامر بن أبي عمر أنه سمع أشياخهم من بني تميم يزعمون أن الذي ولي قتل محمد بن عبد الله بن خازم رجلان من بني مالك بن سعد، يقال لأحدهما: عجلة، وللآخر كسيب. فقال ابن خازم: بئس ما اكتسب كسيبٌ لقومه، ولقد عجل عجلة لقومه شراً. قال علي: وحدثنا أبو الذيال زهير بن هنيد العدوي، قال: لما قتل بنو تميم محمد بن عبد الله بن خازم انصرفوا إلى مرو، فطلبهم بكير بن وشاح فأدرك رجلاً من بني عطارد يقال له شميخ؛ فقتله، وأقبل شماس وأصحابه إلى مرو، فقالوا لبني سعد: قد أدركنا لكم بثأركم؛ قتلنا محمد بن عبد الله ابن خازم بالجشمي الذي أصيب بمرو، فأجمعوا على قتال ابن خازم، وولوا عليهم الحريش بن هلال القريعي. قال: فأخبرني أبو الفوارس عن طفيل بن مرداس، قال: أجمع أكثر بني تميم على قتال عبد الله بن خازم، قال: وكان مع الحريش فرسان لم يدرك مثلهم؛ إنما الرجل منهم كتيبة؛ منهم شماس بن دثار، وبحير بن ورقاء الصريمي، وشعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري، والحجاج بن ناشب العدوي - وكان من أرمى الناس - وعاصم بن حبيب العدوي، فقاتل الحريش بن هلال عبد الله بن خازم سنتين. قال: فلما طالت الحرب والشر بينهم ضجروا؛ قال: فخرج الحريش فنادى ابن خازم، فخرج إليه فقال: قد طالت الحرب بيننا؛ فعلام تقتل قومي وقومك! فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له؛ فقال ابن خازم؛ وأبيك لقد أنصفتني؛ فبرز له، فتصاولا تصاول الفحلين، لا يقدر أحدٌ منهما على ما يريد. وتغفل ابن خازم غفلة، وضربه الحريش على رأسه، فرمى بفروة رأسه على وجهه، وانقطع ركابا الحريش، وانتزع السيف. قال: فلزم ابن خازم عنق فرسه راجعاً إلى أصحابه وبه ضربة قد أخذت من رأسه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا بذلك بعد الضربة أياماً؛ ثم مل الفريقان فتفرقوا ثلاث فرق؛ فمضى بحير بن ورقاء إلى أبرشهر في جماعة، وتوجه شماس بن دثار العطاردي ناحيةً أخرى، وقيل: أتى سجستان، وأخذ عثمان بن بشر بن المحتفز إلى فرتنا، فنزل قصراً بها، ومضى الحريش إلى ناحية مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم؛ فلحقه بقرية من قراها يقال لها قرية الملحمة - أو قصر الملحمة - والحريش بن هلال في اثني عشر رجلاً؛ وقد تفرق عنه أصحابه؛ فهم في خربة؛ وقد نصر رماحاً كانت معه وترسةً. قال: وانتهى إليه ابن خازم؛ فخرج إليه في أصحابه، ومع ابن خازم مولىً له شديد البأس، فحمل على الحريش فضربه فلم يصنع شيئاً، فقال رجل من بني ضبة للحريش: أما ترى ما يصنع العبد! فقال له الحريش: عليه سلاح كثير، وسيفي لا يعمل في سلاحه، ولكن انظر لي خشبةً ثقيلة؛ فقطع له عوداً ثقيلاً من عناب - ويقال: أصابه في القصر - فأعطاه إياه؛ فحمل به على مولى ابن خازم؛ فضربه فسقط وقيذاً. ثم أقبل على ابن خازم؛ فقال: ما تريد إلي وقد خليتك والبلاد! قال: إنك تعود إليها، قال: فإني لا أعود، فصالحه على أن يخرج له من خراسان ولا يعود إلى قتاله، فوصله ابن خازم بأربعين ألفاً. قال: وفتح له الحريش باب القصر، فدخل ابن خازم، فوصله وضمن له قضاء دينه، وتحدثا طويلاً. قال: وطارت قطنة كانت على رأس ابن خازم ملصقة على الضربة التي كان الحريش ضربه، فقام الحريش فتناولها، فوضعها على رأسه، فقال له ابن خازم: مسك اليوم يا أبا قدامة ألين من مسك أمس، قال: معذرة إلى الله وإليك؛ أما والله لولا أن ركابي انقطعا لخالط السيف أضراسك. فضحك ابن خازم، وانصرف عنه، وتفرق جمع بني تميم، فقال بعض شعراء بني تميم: فلو كنتم مثل الحريش صبرتم ... وكنتم بقصر الملح خير فوارس إذاً لسقيتم بالعوالي ابن خازمٍ ... سجال دمٍ يورثن طول وساوس قال: وكان الأشعث بن ذؤيب أخو زهير بن ذؤيب العدوي قتل في تلك الحرب، فقال له أخوه زهير وبه رمق: من قتلك؟ قال: لا أدري؛ طعنني رجل على برذون أصفر، قال: فكان زهير لا يرى أحداً على برذون أصفر إلا حمل عليه؛ فمنهم من يقتله، ومنهم من يهرب؛ فتحامى أهل العسكر البراذين الصفر؛ فكانت مخلاةً في العسكر لا يركبها أحد. وقال الحريش في قتاله ابن خازم: أزال عظم يميني عن مركبه ... حمل الردينى في الإدلاج والسحر حولين ما اغتمضت عيني بمنزلةٍ ... إلا وكفي وسادٌ لي على حجر بزي الحديد وسربالي إذا هجعت ... عني العيون محال القارح الذكر الجزء السادس بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة ست وستين ذكر الخبر عن الكائن الذي كان فيها من الأمور الجليلة فمما كان فيها من ذلك وثوب المختار بن أبي عبيد بالكوفة طالباً بدم الحسين بن علي بن أبي طالب وإخراجه منها عامل ابن الزبير عبد الله بن مطيع العدوى . ذكر الخبر عما كان من أمرهما في ذلك وظهور المختار للدعوة إلى ما دعا إليه الشيعة بالكوفة: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن فضيل بن خديج، حدثه عن عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير من بنى هند، أن أصحاب سليمان بن صرد لما قدموا كتب إليهم المختار: أما بعد، فإن الله أعظم لكم الأجر، وحط عنكم الوزر، بمفارقة القاسطين، وجهاد المحلين؛ إنكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة، إلى مالا يحصيه إلا الله من التضعيف؛ فأبشروا فإني لو قد خرجت إليكم قد جردت فما بين المشرق و المغرب في عدوكم السيف بإذن الله، فجعلتهم بإذن الله ركاماً؛ وقتلتهم فذاً وتؤاماً؛ فرحب الله بمن قارب منكم واهتدى؛ ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى؛ و السلام يا أهل الهدى. فجاءهم بهذا الكتاب سيحان بن عمرو، من بنى ليث من عبد القيس قد أدخله في قلنسوته يبين الظهارة و البطانة؛ فأتى بالكتاب رفاعة بن شداد والمثنى بن مخربة العبدى وسعد بن حذيفة بن اليمان ويزيد بن أنس وأحمر بن شميط الأحمسى وعبد الله بن شداد البجلى وعبد الله بن كامل؛ فقرأ عليهم الكتاب؛ فبعثوا إليه ابن كامل؛ فقالوا:قل له: قد قرأنا الكتاب؛ ونحن حيث يسرك؛ فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا. فأتاه؛ فدخل عليه السجن؛ فأخبره بما أرسل إليه به؛ فسر باجتماع الشيعة له؛ وقال لهم: لا تريدوا هذا؛ فإني أخرج في أيامي هذه. قال: وكان المختار قد بعث غلاماً يدعى زربياً إلى عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وكتب إليه: أما بعد: فإني قد حبست مظلوماً، وظن بي الولاة ظنوناً كاذبة؛ فاكتب في يرحمك الله إلى هذين الظالمين كتاباً لطيفاً؛ عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك وبركتك ويمنك؛ والسلام عليك. فكتب إليهما عبد الله بن عمر: أما بعد؛ فقد علمتما الذي بيني وبين المختار بن أبى عبيد من الصهر، و الذي بيني وبينكما من الود؛ فأقسمت عليكما بحق ما بيني وبينكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا، و السلام عليكما ورحمة الله. فلما أتى عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة كتاب عبد الله ابن عمر دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه أناس من أصحابه كثير، فقال يزيد بن الحارث بن يزيد بن رؤيم لعبد الله بن يزيد: ما تصنع بضمان هؤلاء كلهم! ضمنه عشرة منهم أشرافاً معروفين، ودع سائرهم. ففعل ذلك، فلما ضمنوه، دعا به عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة فحلفاه بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم؛ لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان؛ فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة؛ ومما ليكه كلهم ذكرهم وأنثاهم أحرار. فحلف لهما بذلك، ثم خرج فجاء داره فنزلها. قال أبومخنف: فحدثني يحيى بن أبى عيسى، عن حميد بن مسلم، قال: سمعت المختار بعد ذلك يقول: قاتلهم الله! ما أحمقهم حين يرون أنى أفي لهم بأيمانهم هذه! أما حلفي لهم بالله؛ فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتى الذي هو خير؛ وأكفر يميني، وخروجي عليهم خير من كفى عنهم؛ و أكفر يميني؛ وأما هدى ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة؛ وماثمن ألف بدنة فيهولني! وأما عتق مما ليكي فوالله لو ددت أنه قد استتب لي أمري، ثم لم أملك مملوكاً أبداً. قال: ولما نزل المختار داره عند خروجه من السجن، اختلف إليه الشيعة واجتمعت عليه؛ واتفق رأيها على الرضا به، وكان الذي يبايع له الناس وهو في السجن خمسة نفر: السائب بن مالك الأشعري، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، ورفاعة بن شداد الفتياني، وعبد الله بن شداد الجشمي. قال: فلم تزل أصحابه يكثرون، وأمره يقوى ويشتد حتى عزل ابن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة، وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما إلى الكوفة. قال أبو مخنف: فحدثني الصقعب بن زهير، عن عمر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، قال: دعا ابن الزبير عبد الله بن مطيع أخا بنى عدى ابن كعب و الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي؛ فبعث عبد الله بن مطيع على الكوفة، وبعث الحارث بن عبد الله بن أي ربيعة على البصرة. قال: فبلغ ذلك بحير بن ريسان الحميري؛ فلقيهما، فقال لهما: ياهذان؛ إن القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا. فأما ابن أبى ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرا ثم شخص إلى عمله فسلم؛ عبد الله بن مطيع فقال له: وهل نطلب إلا النطح! قال: فلقي والله نطحاً وبطحاً، قال: يقول عمر: والبلاء موكل بالقول. قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالاً على البلاد؛ فقال: من بعث على البصرة؟ فقيل: بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفاً وجلس! ثم فال: من بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيراً ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، وهو رجل أهل بيته. قال هشام: قال أبو مخنف: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: إن أحببت أن تقيم معي أحسنت صحبتك، وأكرمت مثواك؛ وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى من قبله من المسلمين. وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: الحق بأمير المؤمنين؛ فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الحراج؛ وقال: إنما كانت فتنة؛ فكف عنه ابن الزبير. قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة و الخراج؛ وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلى، وأمره أن يحسن السيرة و الشدة على المريب. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدى - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مصعب بن الزبير - قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على مصركم وثغوركم، وأمرني بحباية فيئكم؛ وألا أحمل فضل فيئكم عنكم إلى برضاً منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين؛ فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم؛ وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني؛ فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي؛ ولأقيمن درء الأصعر المرتاب.فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما امر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عن إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا؛ وألا يقسم إلا فينا؛ وألا يسار فينا إلا بسيرة على بن أبي طالب التي سار بها في بلادناهذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا؛ وإن كانت أهون السيرتين علينا ضراً؛ وقد كان لا يألو الناس خيراً. فقال يزيد ابن أنس: صدق السائب بن مالك وبر، رأينا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله.فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل. فقال: يزيد بن أنس الأسدى: ذهبت بفضلها يا سائب؛ لا يعدمك المسلمون!أما والله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحواً من مقالتك، وما أحب أن الله ولي الرد عليه رجلاً من أهل المصر ليس من شيعتنا. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع. فقال له: إن السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن المختار؛ فابعث إليه فليأتك؛ فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيوني قد أتتني فخبرتني أن أمره قد استجمع له؛ وكأنه قد وثب بالمصر. قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمى من همدان. فدخلا عليه،فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتحشخش للذهاب معهما؛ فلما رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله و الله خير الماكرين " ، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثم قال: ألقوا على القطيفة؛ ما أراني إلا قد وعكت؛ إني لأجد قفقفة شديدة ، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدى:بن أي ربيعة على البصرة. قال: فبلغ ذلك بحير بن ريسان الحميري؛ فلقيهما، فقال لهما: ياهذان؛ إن القمر الليلة بالناطح، فلا تسيرا. فأما ابن أبى ربيعة؛ فأطاعه؛ فأقام يسيرا ثم شخص إلى عمله فسلم؛ عبد الله بن مطيع فقال له: وهل نطلب إلا النطح! قال: فلقي والله نطحاً وبطحاً، قال: يقول عمر: والبلاء موكل بالقول. قال عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: بلغ عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير بعث عمالاً على البلاد؛ فقال: من بعث على البصرة؟ فقيل: بعث عليها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة؛ قال: لا حر بوادي عوف، بعث عوفاً وجلس! ثم فال: من بعث على الكوفة؟ قالوا: عبد الله بن مطيع، قال: حازم وكثيراً ما يسقط، وشجاع وما يكره أن يفر، قال: من بعث على المدينة؟ قالوا: بعث أخاه مصعب بن الزبير، قال: ذاك الليث النهد، وهو رجل أهل بيته. قال هشام: قال أبو مخنف: وقدم عبد الله بن مطيع الكوفة في رمضان سنة خمس وستين يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان، فقال لعبد الله ابن يزيد: إن أحببت أن تقيم معي أحسنت صحبتك، وأكرمت مثواك؛ وإن لحقت بأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير فبك عليه كرامة، وعلى من قبله من المسلمين. وقال لإبراهيم بن محمد بن طلحة: الحق بأمير المؤمنين؛ فخرج إبراهيم حتى قدم المدينة، وكسر على ابن الزبير الحراج؛ وقال: إنما كانت فتنة؛ فكف عنه ابن الزبير. قال: وأقام ابن مطيع على الكوفة على الصلاة و الخراج؛ وبعث على شرطته إياس بن مضارب العجلى، وأمره أن يحسن السيرة و الشدة على المريب. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله بن الحارث بن دريد الأزدى - وكان قد أدرك ذلك الزمان، وشهد قتل مصعب بن الزبير - قال: إني لشاهد المسجد حيث قدم عبد الله بن مطيع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بعثنى على مصركم وثغوركم، وأمرني بحباية فيئكم؛ وألا أحمل فضل فيئكم عنكم إلى برضاً منكم، ووصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وبسيرة عثمان ابن عفان التي سار بها في المسلمين؛ فاتقوا الله واستقيموا ولا تختلفوا، وخذوا على أيدي سفهائكم؛ وإلا تفعلوا فلوموا أنفسكم ولا تلوموني؛ فوالله لأوقعن بالسقيم العاصي؛ ولأقيمن درء الأصعر المرتاب.فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما امر ابن الزبير إياك ألا تحمل فضل فيئنا عن إلا برضانا فإنا نشهدك أنا لا نرضى أن تحمل فضل فيئنا عنا؛ وألا يقسم إلا فينا؛ وألا يسار فينا إلا بسيرة على بن أبي طالب التي سار بها في بلادناهذه حتى هلك رحمة الله عليه، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان في فيئنا ولا في أنفسنا؛ فإنها إنما كانت أثرة وهوى، ولا في سيرة عمر بن الخطاب في فيئنا؛ وإن كانت أهون السيرتين علينا ضراً؛ وقد كان لا يألو الناس خيراً. فقال يزيد ابن أنس: صدق السائب بن مالك وبر، رأينا مثل رأيه، وقولنا مثل قوله.فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتموها وهويتموها ثم نزل. فقال: يزيد بن أنس الأسدى: ذهبت بفضلها يا سائب؛ لا يعدمك المسلمون!أما والله لقد قمت وإني لأريد أن أقوم فأقول له نحواً من مقالتك، وما أحب أن الله ولي الرد عليه رجلاً من أهل المصر ليس من شيعتنا. وجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع. فقال له: إن السائب بن مالك من رؤوس أصحاب المختار، ولست آمن المختار؛ فابعث إليه فليأتك؛ فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس؛ فإن عيوني قد أتتني فخبرتني أن أمره قد استجمع له؛ وكأنه قد وثب بالمصر. قال: فبعث إليه ابن مطيع زائدة بن قدامة وحسين بن عبد الله البرسمى من همدان. فدخلا عليه،فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، وتحشخش للذهاب معهما؛ فلما رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ قول الله تبارك وتعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله و الله خير الماكرين " ، ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه، ثم قال: ألقوا على القطيفة؛ ما أراني إلا قد وعكت؛ إني لأجد قفقفة شديدة ، ثم تمثل قول عبد العزى بن صهل الأزدى: إذا ما معشر تركوا نداهم ... ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا ارجعا إلى ابن مطيع، فأعلماه حالي التي أنا عليها. فقال له زائدة بن قدامة: أما أنا ففاعل؛ فقال: وأنت ياأخا همدان فاعذرني عنده فإنه خير لك.قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمداني، عن حسين بن عبد الله، قال: قلت في نفسي: والله إن أنا لم أبلغ عن هذا يرضيه ما أنا بآمن من أن يظهر غداً فيهلكني. قال: فقلت له، نعم، أنا أضع عند ابن مطيع عذرك،وأبلغه كل ما تحب؛ فخرجنا من عنده؛ فإذا أصحابه على بابه، وفي داره منهم جماعة كثيرة. قال: فأقبلنا نحو ابن مطيع، فقلت لزائدة بن قدامة: أما إني قد فهمت قولك حين قرأت تلك الآية؛ وعلمت ما أردت بها، وقد علمت أنها هي ثبطته عن الخروج معنا بعد ما كان قد لبس ثيابه، وأسرج دابته؛ وعلمت حين تمثل البيت الذي تمثل أنما أراد يخبرك أنه قد فهم عنك ما أردت أن تفهمه، وأنه لن يأتيه. قال: فجاحدني أن يكون أراد شيئاً من ذلك؛ فقلت له: لا تحلف؛ والله ما كنت لأبلغ عنك ولا عنه شيئاً تكرهانه؛ ولقد علمت أنك مشفق عليه، تجد له ما يجد المرء لابن عمه. فأقبلنا إلى ابن مطيع؛ فأخبرناه بعلته وشكواه؛ فصدقنا ولها عنه. قال: وبعث المختار إلى أصحابه؛ فأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم؛ فجاء رجل من أصحابه من شبام - وكان عظيم الشرف يقال له عبد الرحمن بن شريح - فلقى سعيد بن منقذ الثوري وسعر ابن أبي سعر الحنفي والأسود بن جراد الكندي وقدامة بن مالك جشمي؛ فاجتمعوا في منزل سعر الحنفي، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أمابعد؛ فإن المختار يريد أن يخرج بنا، وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا؛ فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلنخبره بما قدم علينا به وبما دعانا إليه؛ فإن رخص لنا في اتباعه اتبعناه؛ وإن نهانا عنه اجتنبناه؛ فوالله ما ينبغي أن يكون شئ من أمر الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا.فقالوا له: أرشدك الله! فقد أصبت ووفقت؛ اخرج بنا إذا شئت .فأجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيامهم، فخرجوا، فلحقوا بابن الحنفية؛ وكان إمامهم عبد الرحمن بن شريح، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس فخبروه عن حالهم وما هم عليه. قال أبو مخنف: فحدثني خليفة بن ورقاء، عن الأسود بن جراد الكندي قال: قلنا لابن الحنفية؛ إن لنا إليك حاجة؛ قال: فسر هي أم علانية؟ قال: قلنا: لا؛ بل سر، قال: فرويداً إذاً؛ قال: فمكث قليلاً، ثم تنحى جانباً فدعانا فقمنا إليه، فبدأ عبد الرحمن بن شريح، فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوة، وعظم حقكم على هذه الأمة؛ فلا يجهل حقكم إلا مغبون الرأي، مخسوس النصيب؛ قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه. عظمت مصيبة اختصصتم بها، بعد ما عم بها المسلمون، وقد قدم علينا المختار بن أبي عبيد يزعم لنا أنه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ والطلب بدماء أهل البيت،والدفع عن الضعفاء؛ فبايعناه على ذلك. ثم إنا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعانا إليه، وندبنا له؛ فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه، وإن نهيتنا عنه إجتنبناه. ثم تكلمنا واحداً واحداً بنحو مما تكلم به صاحبنا؛ وهو يسمع، حتى إذا فرغنا حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما بعد؛ فأما ما ذكرتم مما خصصنا الله به من فضل؛ فإن الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ فلله الحمد!وأما ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين؛ فإن ذلك كان في الذكر الحكيم وهي ملحمة كتبت عليه، وكرامة أهداها الله له، رفع بما كان منها درجات قوم عنده، ووضع بها آخرين، وكان أمر الله مفعولا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً وأما ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا؛ فوالله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.قال: فخرجنا من عنده، ونحن نقول:قد أذن لنا ؛ قد قال: لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال: لا تفعلوا. قال: فجئنا وأناس من الشيعة ينتظرون مقدمنا ممن كنا قد أعلمناه بمخرجنا وأطلعناه على ذات أنفسنا؛ ممن كان على رأينا من إخواننا؛ وقد كان بلغ المختار مخرجنا، فشق ذلك عليه، وخشي أن نأتيه بأمر يخذل الشيعة عنه،فكان قد أرادهم على أن ينهض بهم قبل قدومنا؛ فلم يتهيأ ذلك له؛ فكان المختار يقول: إن نفيراً منكم ارتابوا وتحيروا وخابوا؛ فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا وإن هم كبوا وهابوا، واعترضوا وانجابوا، فقد ثبروا وخابوا؛ فلم يكن إلا شهراً وزيادة شئ؛ حتى أقبل القوم على رواحلهم؛ حتى دخلواعلى المختار قبل دخولهم إلى رحالهم، فقال لهم: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وارتبتم فقالوا له: قد أمرنا بنصرتك فقال: الله أكبر! أن أبو إسحاق، اجمعوا إلى الشيعة، فجمع له منهم من كان منه قريباً فقال: يا معشر الشيعة؛ إن نفراً منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى؛ حاشا النبي المجتبى؛ فسألوه عما قدمت به عليكم؛ فنبأهم أني وزيره وظهيره. ورسوله وخليله؛ وأمركم باتباعي وطاعتي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين، و الطلب بدماء أهل بيت نبيكم المصطفين.فقام عبد الله بن شريح، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا معشر الشيعة؛ فإنا قد كنا أحببنا أن نستثبت لأنفسنا خاصة ولجميع إخواننا عامة؛ فقدمنا على المهدي بن علي، فسألناه عن حربنا هذه، وعما دعانا إليه المختار منها فأمرنا بمظاهرته ومؤازرته وإجابته إلى ما دعانا إليه،فأقبلنا طيبة أنفسنا، منشرحة صدورنا، قد أذهب الله منها الشك والغل والريب، واستقامت لنا في قتال عدونا؛ فليبلغ ذلك شاهد كم،غائبكم، واستعدوا وتأهبوا. ثم جلس وقمنا رجلاً فرجلاً؛ فتكلمنا بنحو من كلامه؛ فاستجمعت له الشيعة وحدبت عليه. قال أبو مخنف: فحدثني نمير بن وعلة والمشرقي،عن عامر الشعبي،قال: كنت أنا وأبي أول من أجاب المختار. قال: فلما تهيأ أمره ودنا خروجه؛ قال له احمر بن شميط ويزيد بن أنس وعبد الله بن كامل وعبد الله بن شداد: إن أشرف أهل الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع؛ فإن جامعنا على أمرنا إبراهيم بن الأشر رجونا بإذن الله القوة علىعدونا، وألا يضرتا خلاف من خالفنا، فإنه فتى بئيس، وابن رجل شريف بعيد الصيت؛ وله عشيرة ذات عز وعدد. قال لهم المختار: فالقوه فادعوه،وأعلموه الذي أمرنا به من الطلب بدم الحسين وأهل بيته. قال الشعبى: فخرجوا إليه وأنا فيهم، وأبى، فتكلم يزيد بن أنس، فقال له: إنا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك.وندعوك إليه؛ فإن قبلته كان خيراً لك،وإن تركته فقد أدينا إليك فيه النصيحة؛ ونحن نحب أن يكون عندك مستوراً.فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإن مثلي لا تخاف غائلته ولا سعايته؛ ولاالتقرب إلى سلطانه باغتياب الناس، إنما أولئك الصغار الأخطار الدقاق همماً. فقال له: إنما ندعوك إلى أمر أجمع عليه رأي الملإ من الشيعة؛إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه، والطلب بدماء أهل البيت، وقتال المحلين، والدفع عن الضعفاء. قال: ثم تكلم أحمر بن شميط، فقال له: إني لك ناصح، ولحظك محب، وإن أباك قد هلك وهو سيد الناس وفيك منه إن رعيت حق الله خلف؛ قد دعوناك إلى أمر إن أجبتنا إليه عادت لك منزلة أبيك في الناس، وأحييت من ذلك أمراً قد مات؛ إنما يكفي مثلك اليسير حتى تبلغ الغاية التي لا مذهب وراءها، إنه قد بنى لك أولك مفتخراً. وأقبل القوم كلهم عليه يدعونه إلى أمرهم ويرغبونه فيه. فقال لهم إبراهيم بن الأشتر:فإني قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين وأهل بيته، علىأن تولوني الأمر،فقالوا: أنت لذلك أهل؛ ولكن ليس إلى ذلك سبيل؛ هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي؛ وهو الرسول والمأمور بالقتال؛ وقد أمرنابطاعته. فسكت عنهم ابن الأشتر ولم يجبهم. فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا؛ قال: فغبر ثلاثاً؛ ثم إن المختار دعا بضعة عشر رجلاً من وجوه أصحابه - قال الشعبي: أنا وأبي فيهم - قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة قداً لا ندري أين يريد؛ حتى وقف على باب إبراهيم بن الأشتر؛ فاستأذنا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا وسائد؛ فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه؛ فقال المختار: الحمد لله، وأشهد أن لا اله إلا الله، وصلى الله على محمد، والسلام عليه،أما بعد، فإن هذا كتاب إليك من المهدي محمد بن أمير المؤمنين الوصى؛ وهو خير أهل الأرض اليوم، وابن خير أهل الأرض كلها قبل اليوم بعد أنبياء الله ورسله؛ وهو يسألك أن تنصرنا وتؤازرنا، فإن فعلت اغتبطت،وإن لم تفعل فهذا الكتاب حجة عليك، وسيغني الله المهدي محمداً وأولياءه عنك.قال الشعبي: وكان المختار قد دفع الكتاب إلى حين خرج من منزله؛فلما قضى كلامه قال لي: ادفع الكتاب إليه، فدفعته إليه، فدعا بالمصباح وفض خاتمه، وقرأه فإذا هو: " بسم الله الرحمن الرحيم " . ن محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو؛ أما بعد فإني قد بعثت إليكم بوزيري وأميني ونجيي الذي ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوي والطلب بدماء أهل بيتي؛ فانهض معه بنفسك وعشيرتك ومن أطاعك؛ فإنك إن تنصرني وأجبت دعوتي وساعدت وزيري كانت لك عندي بذلك فضيلة؛ ولك بذلك أعنة الخيل وكل جيش غاز، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة ة وأقصى بلاد أهل الشأم،على الوفاء بذلك على عهد الله؛ فإن فعلت ذلك نلت به عند الله أفضل الكرامة، وإن أبيت هلكت هلاكاً لا تستقيله أبداً، والسلام عليك. فلما قضى إبراهيم قراءة الكتاب، قال: لقد كتب إلى ابن الحنفية؛ وقد كتبت إليه قبل اليوم؛ فما كان يكتب إلي إلا باسمه واسم أبيه، قال له المختار: إن ذلك زمان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلى؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم - قال الشعبي: إلا أنا وأبي - فقالوا نشهد أن هذا كتاب محمد ابن علي إليك، فتأخر إبراهيم عن ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال أبسط يدك أبايعك؛ فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنابفاكهة، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا؛ وخرج معنا ابن الأشتر؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله؛ فلما رجع إبراهيم منصرفاً اخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبي، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبي، إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك؛ أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقاً. قال: فقلت له هذه المقالة؛ وأنا والله لهم على شهادتهم متهم؛ غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم؛ وأحب تمام ذلك الأمر؛ فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك؛ فقال لي ابن الأشتر: أكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف. ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " ؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعري،ويزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط الأحمسي ومالك بن عمرو النهدي؛ حتى على أسماء القوم؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بموآزرة المختار ومظاهرته على قتال المحلين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شراحيل ابن عبد - وهو أبو عامر الشعبي الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي. فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال:دعه يكون. ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار.مان وهذا زمان، قال إبراهيم: فمن يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلى؟ فقال له: يزيد بن أنس وأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل وجماعتهم - قال الشعبي: إلا أنا وأبي - فقالوا نشهد أن هذا كتاب محمد ابن علي إليك، فتأخر إبراهيم عن ذلك عن صدر الفراش فأجلس المختار عليه، فقال أبسط يدك أبايعك؛ فبسط المختار يده فبايعه إبراهيم، ودعا لنابفاكهة، فأصبنا منها؛ ودعا لنا بشراب من عسل فشربنا ثم نهضنا؛ وخرج معنا ابن الأشتر؛ فركب مع المختار حتى دخل رحله؛ فلما رجع إبراهيم منصرفاً اخذ بيدي، فقال: انصرف بنا يا شعبي، قال: فانصرفت معه ومضى بي حتى دخل بي رحله، فقال: يا شعبي، إني قد حفظت أنك لم تشهد أنت ولا أبوك؛ أفترى هؤلاء شهدوا على حق؟ قال قلت له: قد شهدوا على ما رأيت وهم سادة القراء ومشيخة المصر وفرسان العرب، ولا أرى مثل هؤلاء يقولون إلا حقاً. قال: فقلت له هذه المقالة؛ وأنا والله لهم على شهادتهم متهم؛ غير أني يعجبني الخروج وأنا أرى رأي القوم؛ وأحب تمام ذلك الأمر؛ فلم أطلعه على ما في نفسي من ذلك؛ فقال لي ابن الأشتر: أكتب لي أسماءهم فإني ليس كلهم أعرف. ودعا بصحيفة ودواة، وكتب فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " ؛ هذا ما شهد عليه السائب بن مالك الأشعري،ويزيد بن أنس الأسدي وأحمر بن شميط الأحمسي ومالك بن عمرو النهدي؛ حتى على أسماء القوم؛ ثم كتب: شهدوا أن محمد بن علي كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يأمره بموآزرة المختار ومظاهرته على قتال المحلين، والطلب بدماء أهل البيت، وشهد على هؤلاء النفر الذين شهدوا على هذه الشهادة شراحيل ابن عبد - وهو أبو عامر الشعبي الفقيه - وعبد الرحمن بن عبد الله النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي. فقلت له: ما تصنع بهذا رحمك الله؟ فقال:دعه يكون. ودعا إبراهيم عشيرته وإخوانه ومن أطاعه، وأقبل يختلف إلى المختار. قال هشام بن محمد: قال أبومخنف: حدثني يحيى بن أبي عيسى الأزدي،قال: كان حميد بن مسلم الأزدي صديقاً لإبراهيم بن الأشتر؛ وكان يختلف إليه، ويذهب به معه؛ وكان أبراهيم يروح في كل عشية عند المساء،فيأتي المختار، فيمكث عنده حتى تصوب النجوم، ثم ينصرف؛ فمكثوا بذلك يدبرون أمورهم؛ حتى أجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين، ووطن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم.فلما كان عند غروب الشمس، قام إبراهيم بن الأشتر؛ فأذن؛ ثم إنه استقدم، فصلى بنا المغرب، ثم خرج بنا بعد المغرب حين قلت: أخوك أوالذئب - وهو يريد المختار، - فأقبلنا علينا السلاح، وقد أتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع فقال: إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين؛ قال: فخرج إياس في الشرط، فبعث ابنه إلى الكناسة، وأقبل يسيرحول السوق في الشرط. ثم إن إياس بن مضارب دخل على ابن مطيع، فقال له: إني قد بعثت ابني إلى الكناسة، فلو بعث في كل جبانة في الكوفة عظيمة رجلاً من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة؛ هاب المريب الخروج عليك. وقال:فبعث ابن مطيع عبد الرحمن بن سعيد بن قيس إلى جبانة السبيع، وقال: أكفني قومك،لا أوتين من قبلك، وأحكم أمر الجبانة التي وجهتك إليها،لا يحدثن بها حدث؛ فأوليك العجز والوهن. وبعث كعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشر، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة كندة، وبعث شمر بن ذي الجوشن إلى جبانة سالم، وبعث عبد الرحمن بن مخنف بن سليم إلى جبانة الصائديين، وبعث يزيد بن الحارث بن رؤيم أبا حوشب إلى جبانة مراد، وأوصى كل رجل أن يكفيه قومه، وألا يؤتى من قبله، وأن يحكم الوجه الذي وجهه فيه؛ وبعث شبث بن ربعى إلى السبخة، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم؛ فكان هؤلاء قد خرجوا يوم الاثنين؛ فنزلوا هذه الجبابين، وخرج إبراهيم بن الأشتر من رحله بعد المغرب يريد إتيان المختار؛وقد بلغه ان الجبابين قد حشيت رجالاً، وأن الشرط قد أحاطت بالسوق والقصر. قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن أبي عيسى،عن حميد بن مسلم، قال: خرجت مع إبراهيم من منزله بعد المغرب ليلة الثلاثاء حتى مررنا بدارعمرو بن حريث، ونحن مع ابن الأشتر كتيبة نحو من مائة، علينا بالدروع،قد كفرنا عليها بالأقبية، ونحن متقلدو السيوف؛ ليسي معنا سلاح إلا السيوف في عواتقنا، والدروع قد سترناها بأقبيتنا؛ فلما مررنا بدار سعيد بن قيس فجزناها إلى دار أسامة، قلنا: مر بنا على دار خالد بن عرفطة، ثم امض بنا إلى بجيلة، فلنمر في دورهم حتى نخرج إلى دار المختار - وكان إبراهيم فتىً حدثاً شجاعاً؛ فكان لا يكره أن يلقاهم - فقال والله لأمرن على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط السوق، ولأرعبن به عدونا ولأرينهم هوانهم علينا. قال: فأخذنا على باب الفيل على دار ابن هبار؛ ثم أخذ ذات اليمين على دار عمرو بن حريث؛ حتى إذا جاوزها ألفيناإياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح فقال لنا: من أنتم؟ ما أنتم؟ فقال له إبراهيم: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال له ابن مضارب: ما هذا الجمع معك؟وما تريد؟ والله إن أمرك لمريب وقد بلغني أنك تمر كل عشية هاهنا، وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه. فقال إبراهيم: لا أباً لغيرك! خل سبيلنا، فقال: كلا والله لا أفعل - ومع إياس بن مضارب رجل من همدان، يقال له أبو قطن، كان يكون مع إمرة الشرطة فهم يكرمونه ويؤثرونه، وكان لابن الأشتر صديقاً - فقال له ابن الأشتر: يا أبا قطن،أدن مني - ومع أبي قطن رمح له طويل - ؛ فدنا منه أبو قطن؛ ومعه الرمح؛ هو يرى أن ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلىسبيله؛ فقال إبراهيم - وتناول الرمح من يده: إن رمحك هذا لطويل؛ فحمل به إبراهيم على ابن مضارب، فطعنه في ثغرة نحره فصرعه، وقال لرجل من قومه: انزل عليه فاحتز رأسه،فنزل إليه فاحتز رأسه، وتفرق أصحابه ورجعوا إلى ابن مطيع. فبعث ابن مطيع ابنه راشد بن إياس مكان أبيه على الشرطة، وبعث مكان راشد بن إياس إلى الكناسة تلك الليلة سويد بن عبد الرحمن المنقري أبا القعقاع بن سويد. وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلىالمختار ليلة الأربعاء. فدخل عليه فقال له إبراهيم: إنا اتعدنا للخروج للقابلة ليلة الخميس. وقد حدث أمر لا بد من الخروج الليلة، قال المختار: ماهو؟ قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني بزعمه، فقتلته؛ وهذا رأسه مع أصحابي على الباب. فقال المختار: فبشرك الله بخير! فهذا طير صالح، وهذا أول الفتح إن شاء الله. ثم قال المختار: قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهرادي النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبد الله بن شداد؛ فناد " يا منصور أمت " ؛ وقم أنت ياسفيان بن ليل، وأنت يا قدامة ابن مالك، فناد: يا لثأرات الحسين! ثم قال المختار: على بدرعي وسلاحي، فأتى به؛ فأخذ يلبس سلاحه ويقول: قد علمت بيضاء حسناء الطلل ... واضحة الخدين عجزاء الكفل أنى غداة الروع مقدام بطل ثم إن إبراهيم قال للمختار: إن هؤلاء الرؤس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون إخواننا أن يأتونا، ويضيقون عليهم؛ فلو أنى خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتى قومي؛ فيأتيني كل من قد بايعني من قومي، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا؛ فخرج إلى من أراد الخروج إلينا، ومن قدر على إتيانك من الناس؛ فمن أتاك حبسته عندك إلى من معك ولم تفرقهم؛ فإن عوجلت فأتيت كان معك من تمتنع به؛ وأنا لو قد فرغت من هذا الأمر عجلت إليك في الخيل و الرجال. قال له. إمالا فاعجل وإياك أن بسير إلى أميرهم تقاتله. ولا تقاتل أحداً وأنت تستطيع ألا تقاتل،واحفظ ما أوصيتك به إلا أن يبدأك أحد بقتال. فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة التي أقبل فيها؛ حتى أتى قومه، واجتمع إليه جل من كان بايعه وأجابه. ثم إنه سار بهم في سكك الكوفة طويلاً من الليل؛ وهو في ذلك يتجنب السكك التي فيها الأمراء، فجاء إلى الذين معهم الجماعات الذين وضع ابن مطيع في الجبابين وأفواه الطرق العظام، حتى انتهى إلى مسجد السكون، وعجلت إليه خيل من خيل زحر بن قيس الجعفي ليس لهم قائد ولا عليهم أمير. فشد عليهم إبراهيم بن الأشتر وأصحابه،فكشفوهم حتى دخلوا جبانة كندة. فقال إبراهيم: من صاحب الخيل في جبانة كندة؟ فشد إبراهيم وأصحابه عليهم، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك، وثرنا لهم. فانصرنا عليهم، وتمم لنا دعوتنا؛ حتى أنتهى إليهم هو وأصحابه. فخالطوهم وكشفوهم فقيل له: زحر بن قيس؛ فقال: انصرفوا بنا عنهم. فركب بعضهم بعضاً كلما لقيهم زقاق دخل منهم طائفة، فانصرفوا يسيرون. ثم خرج إبراهيم يسير حتى انتهى إلى جبانة أثير، فوقف فيها طويلاً،ونادى أصحابه بشعارهم، فبلغ سويد بن عبد الرحمن المنقري مكانهم في جبانة أثير، فرجا أن يصيبهم فيحظى بذلك عند ابن مطيع، فلم يشعر ابن الأشتر إلا وهم معه في الجبانة، فلما رأى ذلك ابن الأشتر قال لأصحابه: يا شرطة الله، انزلوا فإنكم أولى بالنصر من الله من هؤلاء الفساق الذين خاضوا دماء أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلوا ثم شد عليهم إبراهيم،فضربهم حتى أخرجهم من الصحراء، ولوا منهزمين يركب بعضهم بعضاً،وهم يتلاومون،فقال قائل منهم: إن هذا الأمر يراد؛ ما يلقون لنا جماعة إلا هزموهم! فلم يزل يهزمهم حتى أدخلهم الكناسة. وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: اتبعهم واغتنم ما قد دخلهم من الرعب، فقد علم الله إلىمن ندعو وما نطلب. وإلى من يدعون وما يطلبون! قال: لا، ولكن سيروا بنا إلى صاحبنا حتى يؤمن الله بنا وحشته، ونكون من أمره على علم،ويعلم هو أيضاً ما كان من عنائنا، فيزداد هو وأصحابه قوة وبصيرة إلى قواهم وبصيرتهم، مع أنى لا آمن أن؟؟؟ يكون قد أتى. فأقبل إبراهيم في أصحابه حتى مر بمسجد الأشعث، فوقف به ساعة،ثم مضى حتى أتى دار المختار، فوجد الأصوات عالية، والقوم يقتلون،وقد جاء شبث بن ربعى من قبل السبخة، فعبى له المختار يزيد بن أنس،وجاء حجار بن أبجر العجلي. فجعل المختار في وجهه أحمر بن شميط،فالناس يقتلون، وجاء إبراهيم من قبل القصر، فبلغ حجاراً وأصحابه أن إبراهيم قد جاءهم من ورائهم، فتفرقوا قبل أن يأتيهم إبراهيم، وذهبوا في الأزقة و السكك، وجاء قيس بن طهفة في قريب من مائة رجل من بني نهد من أصحاب المختار، فحمل على شبث بن ربعي وهو يقاتل يزيد بن أنس، فخلى لهم الطريق حتى اجتمعوا جميعاً. ثم إن شبث بن ربعي ترك لهم السكة، وأقبل حتى لقي ابن مطيع، فقال: ابعث إلى أمراء الجبابين فمرهم فليأتوك، فاجمع إليك جميع الناس، ثم انهد إلى هؤلاء القوم فقاتلهم وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فإن أمر القوم قد قوي، وقد خرج المختار وظهر، واجتمع له أمره. فلما بلغ ذاك المختار من مشورة شبث بن ربعي على ابن مطيع خرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة. قال: وخرج أبو عثمان النهدي فنادى في شاكر وهم مجتمعون في دورهم،يخافون أن يظهروا في الميدان لقرب كعب بن أبي كعب الخثمعي منهم، وكان كعب في جبانة بشر، فلما بلغه أن شاكراً تخرج جاء يسير حتى نزل بالميدان،وأخذ عليهم بأفواه سككهم وطرقهم. قال: فلما أتاهم أبو عثمان النهدي في عصابة من أصحابه، نادى: يا لثأرات الحسين! يا منصور أمت! يا أيها الحي المهتدون، ألا إن أمير آل محمد ووزيرهم. قد خرج فنزل دير هند، وبعثني إليكم داعياً ومبشراً، فاخرجوا إليه يرحمكم الله! قال:فخرجوا من الدور يتداعون: يا لثأرات الحسين! ثم ضاربوا كعب بن أبي كعب حتى خلى لهم الطريق، فأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، وخرج عبد الله بن قراد الخثمعي في جماعة من خثعم نحو المائتين حتى لحق بالمختار، فنزلوا معه في عسكره، وقد كان عرض له كعب بن أبي كعب فصافه. فلما عرفهم ورأى أنهم قومه خلى عنهم. ولم يقاتلهم. وخرجت شبام من آخر ليلتهم فاجتمعوا إلى جبانة مراد، فلمابلغ ذلك عبد الرحمن بن سعيد بن قيس بعث إليهم: إن كنتم تريدون اللحاق بالمختار فلا تمروا على جبانة السبيع، فلحقوا بالمختار. فتوافى إلى المختارثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر. فأصبح قد فرغ من تعبيتة. قال أبو مخنف: فحدثني الوالي قال: خرجت أنا وحميد بن مسلم؛والنعمان بن أبي الجعد إلى المختار ليلة خرج. فأتيناه في داره، وخرجنا معه إلى معسكره؛ قال: فو الله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبيته؛ فلماأصبح استقدم، فصلى بنا الغداة بغلس، ثم قرأ " والنازعات " و " عبس وتولى " قال: فما سمعنا إماماً أم قوماً أفصح لهجة منه. قال أبو مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، أن ابن مطيع بعث إلى أهل الجبابين. فأمرهم أن ينضموا إلى المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب: ناد في الناس فليأتوا المسجد، فنادى المنادي: ألا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة! فتوافى الناس في المسجد، فلما اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو من ثلاثة ألاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت التيمي عن أبي سعيد الصيقل،قال: لما صلى المختار الغداة ثم انصرف سمعنا أصواتاً مرتفعة فيما بين بني سليم وسكة البريد، فقال المختار: من يعلم لنا علم هؤلاء ما هم؟ فقلت له: أنا أصلحك الله! فقال المختار: إما لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنك نظار، ثم تأتيني بخبرهم. قال: ففعلت، فلما دنوت منهم إذا مؤذنهم يقيم، فجئت حتى دنوت منهم فإذا شبث بن ربعي معهم خيل عظيمة، وعلى خيله شيبان بن حريث الضبي، وهو في الرجالة معهم منهم كثرة، فلما أقام مؤذنهم تقدم فصلى بأصحابه، فقرأ: " إذا زلزلت الأرض زلزالها " ، فقلت في نفيس: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ: " والعاديات ضبحاً " ، فقال أناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هاتين شيئاً! فقال شبث: ترون الديلم قد نزلت بساحتكم، وأنتم تقولون: لو قرأت سورة البقرة وآل عمران! قال: وكانوا ثلاثة آلاف قال: فأبلت سريعاً حتى أتيت المختار فأخبرته بخبر شبث و أصحابه، وأتاه معي ساعة أتيته سعر بن أبي سعر الحنفي يركض من قبل مراد، وكان ممن بايع المختار فلم يقدر على الخروج معه ليلة خرج مخافة الحرس، فلما أصبح أقبل على فرسه، فمر بجبانة مراد؛ وفيها راشد بن إياس، فقالوا: كما أنت! ومن أنت؟ فراكضهم حتى جاء المختار، فأخبره خبر راشد، وأخبرته أنا خبر شبث، قال: فسرح إبراهيم بن الأشتر قبل راشد بن إياس في تسعمائة - ويقال ستمائة فارس وستمائة راجل - وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة بن هبيرة في ثلثمائة فارس وستمائة راجل، وقال لهما:امضيا حتى تلقيا عدوكما، فإذا لقيتماهم فانزلا في الرجال وعجلا الفراغ وابدآهم بالإقدام، ولا تستهدفا لهم؛ فإنهم أكثر منكم، ولا ترجعا إلي حتى تظهرا أن تقتلا. فتوجه إبراهيم إلى راشد، وقدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة أمامه. وتوجه نعيم بن هبيرة قبل شبث.قال أبو مخنف: قال أبو سعيد الصيقل: كنت أنا فيمن توجه مع نعيم ابن هبيرة إلى شبث ومعي سعر بن أبي سعر الحنفي، فلما انتهينا إليه قاتلناه قتالاً شديداً، فجعل نعيم بن هبيرة سعر بن أبي سعر الحنفي على الخيل، ومشى هو في الرجال فقاتلهم حتى أشرقت الشمس وانبسطت، فضربناهم حتى أدخلناهم البيوت؛ ثم إن شبث بن ربعي ناداهم: يا حماة السوء! بئس فرسان الحقائق أنتم! أمن عبيدكم تهربون! قال: فثابت إليه منهم جماعة فشد علينا وقد تفرقنا فهزمنا، وصبر نعيم بن هبيرة فقتل، ونزل سعر فأسروأسرت أنا وخليد مولى حسان بن محدوج، فقال شبث لخليد - وكان وسيماً جسيماً: من أنت؟ فقال: خليد مولى حسان بن محدوج الذهلي، فقال له شبث:يا بن المتكاء، تركت بيع الصحناة بالكناسة وكان جزاء من أعتقك أن تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه! اضربوا عنقه، فقتل، ورأى سعراً الحنفي فعرفه، فقال: أخو بني حنيفة؟ فقال له: نعم، فقال: ويحك! ما أردت إلى اتباع هذه السبيئة! قبح الله رأيك، دعوا ذا. فقلت في نفسي: قتل المولى وترك العربي؛ إن علم و الله إني مولى قتلني.فلما عرضت عليه قال:من أنت؟ فقلت: من بني تيم الله؛ قال: أعربي أنت أو مولى؟ فقلت: لا بل عربي، أنا من آل زياد بن خصفة، فقال: بخ بخ! ذكرت الشريف المعروف، الحق بأهلك. قال: فأقبلت حتى انتهيت إلى الحمراء،وكانت لي في قتال القوم بصيرة، فجئت حتى انتهيت إلى المختار؛ وقلت في نفسي: والله لآتين أصحابي فلأواسينهم بنفسي، فقبح الله العيش بعدهم! قال: فأتيتهم وقد سبقني إليهم سعر الحنفي، وأقبلت إليه خيل شبث،وجاءه قتل نعيم بن هبيرة، فدخل من ذلك أصحاب المختار أمر كبير؛ قال: فدنوت من المختار، فأخبرته بالذي كان من أمري، فقال لي: اسكت، فليس هذا بمكان الحديث. وجاء شبث حتى أحاط بالمختار وبيزيد بن أنس وبعث ابن مطيع يزيد بن الحارث بي رؤيم في ألفين من قبل سكة لحام جرير،فوقفوا في أفواه تلك السكك. وولى المختار يزيد بن أنس خيله، وخرج هو في الرجالة. قال أبو مخنف: فدثني الحارث بن كعب الوالي؛ والبة الأزد، قال: حملت علينا خيل شبث بن ربعي حملتين. فما يزول من رجل من مكانه، فقال يزيد بن أنس لنا: يا معشر الشيعة، قد كنتم تقتلون وتقطع أيديكم وأرجلكم، وتسمل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم؛ وأنتم مقيمون في بيوتكم، وطاعة عدوكم. فما ظنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذاً والله لا يدعون منكم عيناً تطرف، وليقتلنكم صبراً، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلى الصدق و الصبر. و الطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم. فتيسروا للشدة. وتهيئوا للحملة، فإذا ركت رايتي مرتين فاحملوا. قال الحارث: فتهيأنا وتيسرنا، وجشوناً على الركب، وانتظرنا أمره. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن إبراهيم بن الأشتركان حين توجه إلى راشد بن إياس، مضى حتى لقيه في مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشرة، ولرب فئة قليلة قد غلبت فئة كثيرةً بإذن الله و الله مع الصابرين، ثم قال: يا خزيمة بن نصر، سر إليهم في الخيل. ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع مزاحم بن طفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قدماً قدماً، واقتتل الناس،فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشداً ورب الكعبة. وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد بيشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا، واشتدت أنفسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين. فاعترض إبراهيم بن الأشتر فوبق الحمراء ليرده عمن في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل، ومشي إبراهيم نحوه في الرجال.فقال:والله ما اطعنا برمح، ولا اضطربنا بسيف، حتى، انهزموا. وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم، وحمل عليه خزيمة بن نصر،فلما رآه عرفه، فقال له: يا حسان بن فائد، أما و الله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلك بجهدي، ولكن النجاء، فعثر بحسان فرسه فوقع.فقال: تعساً لك؛ أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به. فضاربهم ساعةً بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر، قال: إنك آمن يا أبا عبد الله، لا تقتل نفسك، وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه، ومر به إبراهيم، فقال لهنكم بهؤلاء القوم إن ظهروا عليكم اليوم! إذاً والله لا يدعون منكم عيناً تطرف، وليقتلنكم صبراً، ولترون منهم في أولادكم وأزواجكم وأموالكم ما الموت خير منه، والله لا ينجيكم منهم إلى الصدق و الصبر. و الطعن الصائب في أعينهم، والضرب الدراك على هامهم. فتيسروا للشدة. وتهيئوا للحملة، فإذا ركت رايتي مرتين فاحملوا. قال الحارث: فتهيأنا وتيسرنا، وجشوناً على الركب، وانتظرنا أمره. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن إبراهيم بن الأشتركان حين توجه إلى راشد بن إياس، مضى حتى لقيه في مراد، فإذا معه أربعة آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه: لا يهولنكم كثرة هؤلاء، فو الله لرب رجل خير من عشرة، ولرب فئة قليلة قد غلبت فئة كثيرةً بإذن الله و الله مع الصابرين، ثم قال: يا خزيمة بن نصر، سر إليهم في الخيل. ونزل هو يمشي في الرجال، ورايته مع مزاحم بن طفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك، امض بها قدماً قدماً، واقتتل الناس،فاشتد قتالهم، وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس، فحمل عليه فطعنه، فقتله، ثم نادى: قتلت راشداً ورب الكعبة. وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد بيشر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلما أن جاءهم البشير بذلك كبروا، واشتدت أنفسهم، ودخل أصحاب ابن مطيع الفشل، وسرح ابن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين. فاعترض إبراهيم بن الأشتر فوبق الحمراء ليرده عمن في السبخة من أصحاب ابن مطيع، فقدم إبراهيم خزيمة بن نصر إلى حسان بن فائد في الخيل، ومشي إبراهيم نحوه في الرجال.فقال:والله ما اطعنا برمح، ولا اضطربنا بسيف، حتى، انهزموا. وتخلف حسان بن فائد في أخريات الناس يحميهم، وحمل عليه خزيمة بن نصر،فلما رآه عرفه، فقال له: يا حسان بن فائد، أما و الله لولا القرابة لعرفت أني سألتمس قتلك بجهدي، ولكن النجاء، فعثر بحسان فرسه فوقع.فقال: تعساً لك؛ أبا عبد الله! وابتدره الناس فأحاطوا به. فضاربهم ساعةً بسيفه، فناداه خزيمة بن نصر، قال: إنك آمن يا أبا عبد الله، لا تقتل نفسك، وجاء حتى وقف عليه ونهنه الناس عنه، ومر به إبراهيم، فقال له خزيمة: هذا ابن عمي وقد آمنته؛ فقال له إبراهيم: أحسنت، فأمر خزيمة بطلب فرسه حتى أتى به، فحمله عليه. وقال: الحق بأهلك. قال: وأقبل إبراهيم نحو المختار، وشبث محيط بالمختار ويزيد بن أنس.فلما رآه يزيد بن الحارث وهو على أفواه سكك الكوفة التي تلي السبخة،وإبراهيم مقبل نحو شبث، أقبل نحوه ليصده عن شبث وأصحابه، فبعث إبراهيم طائفةً من أصحابه مع خزيمة بن نصر، فقال: أغن عنا يزيد بن الحارث. وصمد هو في بقية أصحابه نحو شبث بن ربعي. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب أن إبراهيم لما أقبل نحونارأينا شبشاً وأصحابه ينكصون وراءهم رويداً، فلما دنا إبراهيم من شبث وأصحابه. حمل عليهم. وأمرنا يزيد بن أنس بالحملة عليهم،فحملنا عليهم، فانكشفوا حتى انتهوا إلى أبيات الكوفة، وحمل خزيمة ابن نصر على يزيد بن الحارث بن رؤيم فهزمه، وازدحموا على أفواه السكك،وقد كان يزيد بن الحارث وضع راميةً على أفواه السكك فوق البيوت، وأقبل المختار في جماعة الناس إلى يزيد بن الحارث، فلما انتهى أصحاب المختار إلى أفواه السكك رمته تلك الرامية بالنبل، فصدوهم عن دخول الكوفة من ذلك الوجه، ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس. فأسقط في يده. قال أبو مخنف: فحدثني يحيى بن هانئ، قال: قال عمرو بن الحجاج الزبيدي لا بن مطيع: أيها الرجل لا يسقط في خلدك، ولا تلق بيدك، اخرج إلى الناس فاندبهم إلى عدوك فاغزهم، فإن الناس كثيرعددهم، وكلهم معك إلى هذه الطاغية التي خرجت على الناس، والله مخزيها ومهلكها، وأنا أول منتدب، فاندب معي طائفة، ومع غيري طائفة. قال: فخرج ابن مطيع، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس، إن من أعجب العجب عجزكم عن عصبة منكم قليل عددها، خبيث دينها. ضالة مضلة. اخرجوا إليهم فامنعوا منهم حريمكم وقاتلوهم عن مصركم، وامنعوا منهم فيئكم، وإلى و الله ليشاركنكم في فيئكم من لا حق له فيه. والله لقد بلغني أن فيهم خمسمائة رجل من محرريكم عليهم أمير منهم، وإنما ذهاب عزكم وسلطانكم وتغير دينكم حين يكثرون. " ثم نزل. قال: ومنعهم يزيد بن الحارث أن يدخلوا الكوفة. قال: ومضى المختارمن السبخة حتى ظهر على الجبانة، ثم ارتفع إلى البيوت؛ بيوت مزينة وأحمس وبارق، فنزل عند مسجدهم وبيوتهم، وبيوتهم شاذة منفردةمن بيوت أهل الكوفة، فاستقبلوه بالماء، فسقى أصحابه، وأبى المختار أن يشرب. قال: فظن أصحابه أنه صائم، وقال أحمر بن هديج من همدان لابن كامل: أترى الأمير صائماً؟ فقال له: نعم، هو صائم، فقال له: فلو أنه كان في هذا اليوم مفطراً كان أقوى له: إنه معصوم،وهو أعلم بما يصنع؛ فقال له: صدقت. أستغفر الله. وقال المختار: نعم مكان المقاتل هذا، فقال له: إبراهيم بن الأشتر: قد هزمهم الله وفلهم، وأدخل الرعب قلوبهم، وتنزل هاهنا! سر بنا، فو الله ما دون القصر أحد يمنع،ولا يمتنع لبير امتناع؛ فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ ضعيف وذي علة. وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع بهذا الموضع حتى تسيروا إلى عدونا. ففعلوا، فاستخلف المختار عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم بن الأشتر أماه، وعبى أصحابه على الحال التي عليها في السبخة. قال: وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي رجل، فخرج عليهم من سكة الثوريين، فبعث المختار إلى إبراهيم أن اطوه ولا تقم عليه. فطواه إبراهيم، ودعا المختار يزيد بن أنس، فأمره أن يصمد لعمرو بن الحجاج، فمضى نحوه، وذهب المختار في إبراهيم، فمضوا جميعاً حتى إذا انتهى المختار إلى موضع مصلى خالد بن عبد الله وقف، وأمر إبراهيم أن يمضى على وجهه حتى يدخل الكوفة من قبل الكناسة، فمضى، فخرج إليه من سكة ابن محرز، وأقبل شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فسرح المختارإليه سعيد بن منقذ الهمداني فواقعه، وبعث إلى إبراهيم أن اطوه، وامض على وجهك. فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث، وإذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة في نحو من ألفين - أو قال: خمسة آلاف.وهو الصحيح - وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس: أن الحقوا بابن مساحق. قال: واستخلف شبث بن ربعي على القصر،وخرج ابن مطيع حتى وقف بالكناسة. قال أبو مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله، قال: إني لأنظر إلى ابن الأشتر حين أقبل في أصحابه، حتى إذا دنا منهم قال لهم: انزلوا، فنزلوا، فقال:قربوا خيولكم بعضها إلى بعض، ثم امشوا إليهم مصلتين بالسيوف،ولا يهولنكم أن يقال: جاءكم شبث بن ربعي وآل عتيبة بن النهاس وآلاالأشعث وآل فلان وآل يزيد بن الحارث قال: فسمى بيوتات من بيوتات أهل الكوفة، ثم قال: إن هؤلاء لو قد وجدوا لهم حر السيوف قد انصفقوا عن ابن مطيع انصفاق المعزي عن الذئب. قال حصيرة: فإني لأنظر إليه وإلى أصحابه حين قربوا خيولهم وحين أخذ ابن الأشتر أسفل قبائه فرفعه فأدخله في منطقة له حمراء من حواشي البرود، وقد شد بها على القباء،وقد كفر بالقباء على الدرع، ثم قال لأصحابه: شدوا عليهم فدى لكم عمي وخالي! قال: فو الله ما لبثهم أن هزمهم؛ فركب بعضهم بعضاً على فم السكة وازدحموا، وانتهى ابن الأشتر إلى ابن مساحق، فأخذ بلجام دابته، ورفع السيف عليه، فقال له ابن مساحق: يابن الأشتر،لسيف عليه، فقال له ابن مساحق: يابن الأشتر أنشدك الله، أتطلبني بثأر! هل بيني وبينك من إحنة! فخلى ابن الأشتر سبيله،وقال له: اذكرها؛ فكان بعد ذلك ابن مساحق يذكرها لابن الأشتر،وأقبلوا يسيرون حتى دخلوا الكناسة في آثار القوم حتى دخلوا السوق والمسجد،وحصروا ابن مطيع ثلاثاً. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح أن ابن مطيع مكث ثلاثاً،يرزق أصحابه في القصر حيث حصر الدقيق، ومعه أشراف الناس، إلاما كان من عمرو بن حريث، فإنه أتى داره ولم يلزم نفسه الحصار، ثم خرج حتى نزل البر، وجاء المختار حتى نزل جانب السوق، وولى حصارالقصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنسن وأحمر بن شميط، فكان ابن الأشتر مما يلي المسجد وباب القصر، ويزيد بن أنس مما يلي بني حذيفةوسكة دار الروميين، وأحمر بن شميط مما يلي دار عمارة ودار أبي موسى.فلما اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلمه الأشراف، فقام إليه شبث فقال: أصلح الله الأمير! انظر لنفسك ولمن معك، فو الله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم. قال ابن مطيع: هاتوا، أشيروا علي برأيكم؛قال شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أماناً ولنا، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك. قال ابن مطيع: والله إني لأكره أن آخذ منه أماناً و الأمور مستقيمة لأمير المؤمنين بالحجاز كله وبأرض البصرة؛ قال: فتخرج لا يشعر بك أحد حتى تنزل منزلا بالكوفة عند من تستنصحه وتثق به، ولا يعلم بمكانك حتى تخرج فتلحق بصاحبك؛ فقال لأسماء بن خارجة وعبد الرحمن بن مخنف وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس وأشراف أهل الكوفة: ما ترون في هذا الرأي الذي أشار به على شبث؟ فقالوا: مانرى الرأي إلا ما أشار به عليك ، قال: فرويداً حتى أمسي. قال أبو مخنف: فحدثني أبو المغلس الليثي، أن عبد الله بن عبد الله الليثي أشرف على أصحاب المختار من القصر من العشي يشتمهم، وينتحي له مالك بن عمرو أبو نمران النهدي بسهم، فيمر بحلقه، فقطع جلدةً من حلقه فمال فوقع؛ قال: ثم إنه قام وبرأ بعد؛ وقال النهدي حين أصابه: خذها من مالك، من فاعل كذا. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صاح، عن حسان بن فائد بن بكير، قال لما أمسينا في القصر في اليوم الثالث، دعانا ابن مطيع، فذكرالله بما هو أهله. وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم وقال: أما بعد،فقد علمت الذين صنعوا هذا منكم من هم؛ وقد علمت أنما هم أراذلكم وسفهاؤكم وطغامكم وأخساؤكم، ما عدا الرجل أو الرجلين، وأن أشرافكم وأهل الفضل منكم لم يزالوا سامعين مناصحين، وأنا مبلغ ذلك صاحبي،ومعلمه طاعتكم وجهادكم عدوه، حتى كان الله الغالب على أمره، وقد كان من رأيكم وما أشرتم به على ما قد علمتم، وقد رأيت أن أخرج الساعة. فقال له شبث: جزاك الله من أمير خيراً! فقد و الله عففت عن أموالنا، أكرمت أشرافنا، ونصحت لصاحبك، وقضيت الذي عليك، والله ما كنا لنفارقك أبداً إلا ونحن منك في إذن، فقال: جزاكم الله خيراً، أخذ امرؤ حيث أحب، ثم خرج من نحو دروب الروميين حتى أتى دار أبي موسى، وخلى القصر، وفتح أصحابه الباب، فقالوا: يا ابن الأشتر، آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون؛ فخرجوا فبايعوا المختار. قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر العدوى؛ من عدى جهينة - وهو أبو الأشعر - أن المختار جاء حتى دخل القصر، فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبرفحمد الله وأثنى عليه، فقال: الحمد لله الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه آخر الدهر، وعداً مفعولاً، وقضاءً مقضياً، وقد خاب من افترى. أيها الناس، إنه رفعت لنا راية، ومدت لنا غاية، فقيل لنا في الراية: أن ارفعوها ولا تضعوها، وفي الغاية: أن اجروا إليها ولا تعدوها،فسمعنا دعوة الداعي، ومقالة الواعي؛ فكم من ناع وناعية، لقتلي في الواعية! وبعداً لمن طغى وأدبر، وعصى وكذب وتولى، ألا فادخلوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى، فلا و الذي جعل السماء سقفاً مكفوفاً، والأرض فجاجاً سبلا، ما بايعتم بعد على بن أبي طالب وآل على أهدى منها .ثم نزل فدخل، ودخلنا عليه وأشراف الناس، فبسط يده، وابتدره الناس فبايعوه،وجعل يقول: تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلين، والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا، لا نقيلكم ولا نستقيلكم؛ فإذا قال الرجل: نعم، بايعته. قال: فكأني والله أنظر إلى المنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذأتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه وانصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفاً عن المصطبة،فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح به سعيد بنالمنذر بن حسان بن ضرار الضبي إذأتاه حتى سلم عليه بالإمرة، ثم بايعه وانصرف عنه، فلما خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة واقفاً عن المصطبة،فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفهائهم: هذا والله من رءوس الجبارين، فشدوا عليه وعلى ابنه، فقتلوهما، فصاح به سعيد بن منقذ: لا تعجلوا، لاتعجلوا حتى ننظر مارأى أميركم فيه، قال: وبلغ المختار ذلك ، فكرهه حتى رئى ذلك في وجهه، وأقبل المختار يمني الناس ، ويستجر مودتهم ومودة الأشراف، ويسحن السيرة جهده. قال: وجاءه ابن كامل فقال للمختار، أعلمت أن ابن مطيع في دار أبي موسى؟ فلم يجبه بشئ، فأعادها عليه ثلاث مرات فلم يجبه، ثم أعادها فلم يجيبه، فظن ابن كامل أن ذلك لا يوافقه، وكان ابن مطيع قبل للمختار صديقاً، فلما أمسى بعث إلى أبن مطيع بمائة ألف درهم فقال له: تجهز بهذه واخراج؛ فإني قد شعرت بمكانك، وقد ظننت أنه لم يمنعك من الخروج إلى أنه ليس في يديك ما يقويك على الخروج. وأصاب المختار تسعة آلاف ألف في بيت مال الكوفة، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حصر ابن مطيع في القصر - وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل - كل رجل خمسمائة درهم خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة الأيام حتى دخل القصر مائتين مائتين، واستقبل الناس بخير، ومناهم العدل وحسن السيرة، وأدنى الأشراف، فكانوا جلساءه وحداثه، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عربته؛ فقام ذات يوم على رأسه، فرأى الأشراف يحدثونه، ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترىأبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا! فدعاه المختار فقال له: ما يقول لك أولئك الذين رأيتهم يكلمونك؟ فقال له - وأسر إليه: شق عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب، فقال له : قل لهم: لايشقن ذلك عليكم، فأنتم مني وأنا منكم، ثم سكت طويلاً، ثم قرأ: " إنا من المجرمين منتقمون " قال: فحدثني أبو الأشعر موسى بن عامر قال: ماهو إلى أن سمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: أبشروا،كأنكم والله به قد قتلهم . قال أبو مخنف: حدثني حصيرة بن عبد الله الأزدي وفضيل بن خديج الكندي والنضر بن صالح العبسي، قالوا: أول رجل عقد له المختارراية عبد الله بن الحارث أخو الأشتر، عقد له على أرمينية، وبعث محمد ابن عمير بن عطارد على آذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخى،وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري، وهو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقباذ الأوسط، وبعثحبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وكان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان. قال:ورزقه ألف درهم في كل شهر، وامره بقتال الأكراد، وبإقامة الطرق، وكتب إلى عماله على الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم إلى سعد بن حذيفة بحلوان،وكان عبد الله بن الزبير قد بعث محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل وأمر بمكاتبة ابن مطيع وبالسمع له والطاعة، غير أن ابن مطيع لا يقدر على عزله إلا بأمر ابن الزبير، وكان قبل ذلك في إمارة عبد الله بن يزيد،وإبراهيم بن محمد منقطعاً بإمارة الموصل، لا يكاتب أحداً دون ابن الزبير. فلما قدم عليه عبد الرحمنبن سعيد بن قيس من قبل المختار أميراً تنحى له عن الموصل، وأقبل حتى نزل تكريت، وأقام بها مع أناس من أشراف قومه وغيرهم، وهو معتزل ينظر ما يصنع الناس، وإلى ما يصير أمرهم، ثم شخص إلى المختار فبايع له، ودخل فيما دخل فيه أهل بلده. قال أبو مخنف: وحدثني صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما ظهر المختار واستمكن، ونفى ابن مطيع وبعث عماله،أقبل يجلس للناس غدوةً وعشية، فيقضى بين الخصمين، ثم قال: والله إن لي فيما أزاول وأحاول لشغلا عن القضاء بين الناس، قال: فأجلس للناس شريحاً، وقضى بين الناس، ثم إنه خافهم فمارض، وكانوا يقولون: إنه عثماني، وإنه ممن شهد على حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ عن هاني ابن عروة ما أرسله به - وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء - فلماأن سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول تمارض، وجعلالمختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود. ثم إن عبد الله مرض، فجعل مكانهعبد الله بن مالك الطائي قاضياً. قال مسلم بن عبد الله: وكان قبد الله بن همام سمع أبا عمرة يذكر الشيعة وينال من عثمان بن عفان، فقنعه بالسوط، فلما ظهر المختار كان معتزلاًحتى استأمن له عبد الله بن شداد، فجاء إلى المختار ذات يوم فقال: ألا انتسأت بالود عنك وأدبرت ... معالنةً بالهجر أم سريع وحملها واش سعى غير مؤتل ... فابت بهم في الفؤاد جميع فخفض عليك الشأن لايردك الهوى ... فليس انتقال خلة ببديع وفي ليلة المختارما يذهل الفتى ... ويلهيه عن رؤد الشباب شموع دعا يالثأرات الحسين فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الئيس ابن مالك ... يقود جموعاً عبيت بجموع ومن أسد وافى يزيد لنصره ... بكل فتى حامي الذمار منيع وجاء نعيم خير شيبان كلها ... بأمر لدى الهيجا أحد جميع وما ابن شميط إذ يحرض قومه ... هناك بمخذول ولا بمضيع ولا قيس نهد لا ولا ابن هوزان ... وكل أخو إخباتة وخشوع وسار أبو النعمان لله سعيه ... إلى ابن إياس مصحراً لوقوع بخيل عليها يوم هيجا دروعها ... وأخرى حسوراً غير ذات دروع فكر الخيول كرةً ثقفتهم ... وشد بأولاها على ابن مطيع فولى بضرب يشدخ الهام وقعه ... وطعن غداة السكتين وجيع فحوصر في دار الإمارة بائياً ... بذل وإرغام له وخضوع فمن وزير ابن الوصى عليهم ... وكان له في الناس خير شفيع وآب الهدى حقاً إلى مستقره ... بخير إياب آبه ورجوع إلى الهاشمي المهتدى به ... فنحن له من سامع ومطيع قال: فلما أنشدها المختار قال المختار لأصحابه: قد أثنى عليكم كما تسمعون، وقد أحسن الثناء عليكم، فأحسنوا له الجزاء. ثم قام المختار،فدخل وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى أخرج إليكم؛ قال: وقال عبد الله ابن شداد الجشمي: يابن همام: إن لك عندي فرساً ومطرفاً، وقال قيس بن طهفة النهدي - وكانت عنده الرباب بنت الأشعث: فإن لك عندي فرساً ومطرفاً، واستحيا أن يعطيه صاحبه شيئاً لا سعطى مثله، فقال ليزيد بن أنس: فما تعطيه؟ فقال يزيد: إن كان ثواب الله أراد بقوله فما عندالله خير له، وإن كان إنما اعترى بهذا القول أموالنا، فو الله ما في أموالنا ما يسعه؛ قد كانت بقيت من عطائي يقية فقويت بها إخواني؛ فقال أحمر بن شميط مبادراً لهم قبل أن يكلموه: يا بن همام، إن كنت أردت بهذا القول وجه الله فاطلب ثوابك من الله، وإن كنت إنما اعتريت به رضاالناس وطلب أموالهم، فاكدم الجندل؛ فو الله ما من قال قولا لغير الله وفي غير ذات الله بأهل أن ينحل، ولايوصل؛ فقال به : عضضت بأيرأبيك! فرفع يزيد بن أنس السوط وقلا لابن همام: تقول هذا القول يافاسق!وقال لابن شميط: اضربه بالسيف، فرفع ابن شميط عليه السيف ووثب ووثب أصحابهما يتفلتون على ابن همام. وأخذ بيده إبراهيم بن الأشتر فألقاه وراءه، وقال: أنا له جار، لم تأتون إليه ما أرى! فو الله إنه لواصل الولاية،راض بما نحن عليه، حسن الثناء، فإن أنتم لم تكافئوه بحسن ثنائه، فلا تشتموا عرضه، ولا تسفكوا دمه. ووثبت مذحج فحالت دونه، وقالوا:أجاره ابن الأشتر، لا والله لا يوصل إليه. قال: وسمع لغطهم المختار، فخرج إليهم، وأومأ بيده إليهم، أن اجلسوا، فجلسوا، فقال لهم: إذا قيل لكم خير فاقبلوه، وإن قدرتم على مكافأة فافعلوا، وإن لم تقدروا على مكافأة فتنصلوا، واتقوا لسان الشاعر. فإن شره حاضر، وقوله فاجر،وسعيه بائر. وهو بكم غداً غادر. فقالوا: أفلا تقتله؟ قال: إنا قدآمناه وأجرناه، وقد أجاره أخوكم إبراهيم بن الاشتر، فجلس مع الناس.قال: ثم إن إبراهيم قام فانصرف إلى منزله فأعطاه ألفاً وفرساً ومطرفاً فرجع بها وقال: لا والله، لا جاورت هؤلاء أبداً وأقبلت هوازن وغضبت واجتمعت في المسجد غضباً لابن همام. فبعث إليهم المختار فسألهم أن يصفحوا عما اجتمعوا له، ففعاوا، وقال ابن همام لابن الأشتر يمدحه: أطفأ عني نار كلبين ألبا ... على الكلاب ذو الفعال ابن مالك فتى حين يلقى الخيل يفرق بينها ... بطعن دراك أو بضرب مواشك وقد غضبت لي من هوازن عصبة ... طوال الذرا فيها عراض المبارك إذا ابن شميط أو يزيد تعرضا ... لها وقعا في مستحار المهالك وثبتم علينا يا موالي طيئ ... مع ابن شميط شر ماش وراتك وأعظم ديار على الله فرية ... وما مفتر طاغ كآخر ناسك فيا عجباً من أحمس اينة أحمس ... توثب حولي بالقنا والنيازك كأنكم في العز قيس وخثعم ... وهل أنتم إلى لئام عوارك وأقبل عبد الله بن شداد من الغد فجلس في المسجد يقول: علينا توثب بنو أسد وأحمس! والله لا نرضى بهذا أبداً. فبلغ ذلك المختار، فبعث إليه فدعاه، ودعا بيزيد بن أنس وبابن شميط، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يابن شداد، إن الذي فعلت نزغة من نزغات الشيطان، فتب إلى الله، قال: قد تبت، وقال: إن هذين أخواك، فأقبل إليهما، واقبل منهما، وهب لي هذا الأمر؛ قال: فهو لك، وكان ابن همام قد قال قصيدةً أخرى في أمر المختار، فقال: أضحت سليمي بعد طول عتاب ... وتجرم ونفاد غرب شباب قد أزمعت بصريمتي وتجنبي ... وتهوك مذ ذاك في إعتاب لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتوكلت همدان بالأسباب ورأيت أصحاب الدقيق كأنهم ... حول البيوت ثعالب الأسراب ورأيت أبواب الأزقة حولنا ... دربت بكل هراوة وذباب أيقنت أن خيول شيعة راشد ... لم يبق منها فيش أير ذباب ذكر الخبر عن أمر المختار مع قتلة الحسين بالكوفة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلةالحسين و المشايعين على قتله، فقتل من قدر عليه منهم، وهرب من الكوفةبعضهم، فلم يقدر عليه. ذكر الخبر عن سبب وثوبه بهم وتسمية من قتل منهم ومن هرب فلم يقدر عليه منهم: وكان سبب ذلك - فيما ذكره هشام بن محمد، عن عوانة بن الحكم - أن مروان بن الحكم لما استوسقت له الشأم بالطاعة، بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز عليه حبيش بن دلجة القيني - وقد ذكرنا أمره وخبر مهلكه قبل - والآخر منهما إلى العراق عليهم عبيد الله بن زياد - وقد ذكرنا ما كان من أمره وأمر التوابين من الشيعة بعين الوردة - وكان مروان جعل لعبيد الله بن زياد إذ وجهه إلى العراق ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا هوظفر بأهلها ثلاثاً. قال عوانة: فمر بأرض الجزيرة فاحتبس بها وبها قيس عيلان علىطاعة ابن الزبير، وقد كان مروان أصاب قيساً يوم مرج راهط وهم مع الضحاك بن قيس مخالفين على مروان، وعلى ابنه عبد الملك من بعده،فلم يزل عبيد الله مشغلا بهم عن العراق نحواً من سنة. ثم إنه أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد بن قيس عامل المختار على الموصل إلى المختار: أما بعد، فإني أخبرك أيها الأمير أن عبيد الله بن زياد قد دخل أرض الموصلن وقد وجه قبلي خيله ورجاله. وأني انحزت إلى تكريت حتىيأتيني رأيك وأمرك، والسلام عليك. فكتب إليه المختار: أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت كل ما ذكرت فيه، فقد أصبت بانحيازك إلى تكريت، فلا تبرحن مكانك الذي أنت به حتى يأتيك أمري إن شاء الله، والسلام عليك. قال هشام. عن أبي مخنف: حدثني موسى بن عامر، أن كتاب عبد الرحمن بن سعيد لما ورد على المختار بعث إلى يزيد بن أنس فدعاه، فقال له: يا يزيد بن أنس، إن العلم ليس كالجاهل، وإن الحق ليس كالباطل، وإني أخبرك خبر من لم يكذب ولم يكذب، ولم يخالف ولم يرتب، وإنا المؤمنون الميامين، الغالبون المساليم، وإنك صاحب الخيل التي تجر جعبها، وتضفر أذنابها، حتى توردها منابت الزيتون، غائرة عيونها،لاحقة بطونها. اخرج إلى الموصل حتى تنزل أدانيها، فإني ممدك بالرجال بعد الرجال. فقال له يزيد بن أنس: سرح معي ثلاثة آلاف فارس أنتخبهم، وخلني والفرج الذي توجهنا إليه، فإن احتجت إلى الرجال فسأكتب إليك؛ قال له المختار: فاخرج فانتخب على اسم الله من أحببت فخرج فانتخب ثلاثة آلاف فارس، فجعل على ربع المدينة النعمان بن عوف بن أبي جابر الأزدي، وعلى ربع تميم وهمدان عاصم بن قيس بن حبيب الهمداني، وعلى مذحج وأسد ورقاء بن عازب الأسدي، وعلى ربع ربيعة وكندة سعر بن أبي سعر الحنفي. ثم إنه فصل من الكوفة، فخرج وخرج معه المختار والناس يشيعونه، فلما بلغ دير أبي موسى ودعه المختار وانصرف، ثم قال له: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن خبرك في كل يوم عندي، وإن احتجت إلى مدد فاكتب إلى؛ مع أني ممدك ولو لم تستمدد، فإنه أشد لعضدك، وأعز لجندك، وأرعب لعدوك. فقال له يزيد بن أنس: لا تمدني إلى بدعائك، فكفى به مدداً. وقال له الناس: صحبك الله وأداك وأيدك. وودعوه فقال لهم يزيد: سلوا الله لي الشهادة وايم الله لئن لقيتهم ففاتني النصر لا تفتني الشهادة إن شاء الله. فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس: أما بعد، فخل بين يزيد وبين البلاد إن شاء الله، والسلام عليك. فخرج يزيد بن أنس بالناس حتى بات بسوراً، ثم غدا بهم سائراً حتى بات بهم بالمدائن؛ فشكا الناس إليه ما دخلهم من شدة السير عليهم، فأقام بها يوماً وليلة. ثم إنه اعترض بهم أرض جوخى حتى خرج بهم في الراذانات، حتى قطع بهم إلى أرض الموصل، فنزلت ببنا تلى، وبلغ مكانه ومنزله الذي نزل به عبيد الله بن زياد،فسأل عن عدتهم، فأخبرته عيونه أنه خرج معه من الكوفة ثلاثة آلاف فارس، فقال عبيد الله: فأنا أبعث إلى كل ألف ألفين. ودعا ربيعة بن المخارق الغنوي وعبد الله بن حملة الخثعمي، فبعثهما في ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، وبعث ربيعة بن المخارق أولا، ثم مكث يوماً، ثم بعث خلفه عبد الله بن حملة، ثم كتب إليهما: أيكما سبق فهو أمير على صاحبه،وإن انتهيتما جميعاً فأكبركما سنا أمير على صاحبه والجماعة. قال: فسبق ربيعة بن المخارق فنزل بيزيد بن أنس وهو ببنات تلى، فخرج إليه يزيد بن أنس وهو مريض مضنى. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال: خرج علينا يزيد بن أنس وهو مريض على حمار يمشي معه الرجال يمسكونه عن يمينه وعن شماله، بفخذيه وعضديه وجنبيه، فجعل يقف على الأرباع:ربع ربع ويقول: يا شرطة الله، اصبروا تؤجروا، وصابروا عدوكم تظفروا، وقاتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي. قال: و أنا والله فيمن يمشي معه ويمسك يعضده، وإني لأعرف في وجهه أن الموت قد نزل به. قال: فجعل يزيد بن أنس عبد الله بن ضمرة العذري على ميمنته، وسعر بن أبي سعر على ميسرته، وجعل ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل، ونزل هو فوضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم: ابرزوا لهم بالعراء، وقد موني في الرجال، ثم إن شئتم فقاتلوا عن أميركم،وإن شئتم ففروا عنه. قال: فأخرجناه في ذي الحجة يوم عرفة سنة ست وستين، فأخذنا نمسك أحياناً بظهره فيقول: اصنعوا كذا ، اصنعوا كذا،وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثم لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس . قال: فحملت ميسرتهم على ميمنتنا، فاشتد قتالهم، وتحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهمزمها، ويحمل ورقاء بن عازب الاسدي في الخيل فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم، وحوينا عسكرهم.ه، فجعل يقف على الأرباع:ربع ربع ويقول: يا شرطة الله، اصبروا تؤجروا، وصابروا عدوكم تظفروا، وقاتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي. قال: و أنا والله فيمن يمشي معه ويمسك يعضده، وإني لأعرف في وجهه أن الموت قد نزل به. قال: فجعل يزيد بن أنس عبد الله بن ضمرة العذري على ميمنته، وسعر بن أبي سعر على ميسرته، وجعل ورقاء بن عازب الأسدي على الخيل، ونزل هو فوضع بين الرجال على السرير، ثم قال لهم: ابرزوا لهم بالعراء، وقد موني في الرجال، ثم إن شئتم فقاتلوا عن أميركم،وإن شئتم ففروا عنه. قال: فأخرجناه في ذي الحجة يوم عرفة سنة ست وستين، فأخذنا نمسك أحياناً بظهره فيقول: اصنعوا كذا ، اصنعوا كذا،وافعلوا كذا، فيأمر بأمره، ثم لا يكون بأسرع من أن يغلبه الوجع فيوضع هنيهة ويقتتل الناس، وذلك عند شفق الصبح قبل شروق الشمس . قال: فحملت ميسرتهم على ميمنتنا، فاشتد قتالهم، وتحمل ميسرتنا على ميمنتهم فتهمزمها، ويحمل ورقاء بن عازب الاسدي في الخيل فهزمهم، فلم يرتفع الضحى حتى هزمناهم، وحوينا عسكرهم. قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر العدوي، قال: انتهينا إلى ربيعة ابن المخارق صاحبهم، وقد انهزم عنه أصحابه وهو نازل ينادي: يا أولياءالحق، ويا أهل السمع والطاعة، إلى أنا ابن المخارق؛ قال موسى: فأما أنا فكنت غلاماً حدثاً، فهبته ووقفت، ويحمل عليه عبد الله بن ورقاء الأسدي وعبد الله بن ضمرة العذري، فقتلاه. قال أبو مخنف: وحدثني عمرو بي مالك أبو كبشة القيني؛ قال: كنت غلاماً حين راهقت مع أحد عمومي في ذلك العسكر، فلما نزلنا بعسكر الكوفيين عبأنا ربيعة بن المخارق فأحسن التعبئة، وجعل على ميمنته ابن أخيه، وعلى ميسرته عبد ربه السلمي، وخرج هو في الخيل و الرجال وقال: ياأهل الشأم، إنكم إنما تقاتلون العبيد الأباق، وقوماً قد تركوا الإسلام وخرجوا منه. ليست لهم تقية، ولا ينطقون بالعربية؛ قال: فو الله إن كنت لأحسب أن ذلك كذلك حتى قاتلناهم؛ قال: فو الله ما هو إلى أن اقتتل الناس إذا رجل من أهل العراق يعترض الناس بسيفه وهو يقول: برئت من دين المحكمينا ... وذاك فينا شر دين دينا ثم إن قتالنا وقتالهم اشتد ساعة من النهار، ثم إنهم هزمونا حين ارتفع الضحى فقتلوا صاحبنا. وحووا عسكرنا؛ فخرجنا منهزمين حتى تلقانا عبد الله بن حملة على مسيرة ساعة من تلك القرية التي يقال لها بنات تلى، فردنا، فأقبلنا معه حتى نزل بيزيد بن أنس، فبتنا متحارسين حتى أصبحنا فصلينا الغداة، ثم خرجنا على تعبئة حسنة، فجعل على ميمنته الزبير بن خزيمة؛ من خثعم، وعلى ميسرته ابن أقيصر القحافي من خثعم، وتقدم في الخيل والرجال، وذلك يوم الاضحى، فاقتتلنا قتالاً شديداً، ثم إنهم هزمونا هزيمة قبيحة، وقتلونا قتالاً ذريعاً، وحووا عسكرنا، وأقبلناحتى انتهينا إلى عبيد الله بن زياد فحدثناه بما لقينا. قال أيو مخنف: وحدثني موسى بن عامر، قال: أقبل إلينا عبد الله بن حملة الخثعمي؛ فاستقبل فل ربيعة بن المخارق الغنوي فردهم، ثم جاء حتى نزل ببنات تلى، فلما أصبح غادوا غادينا، فتطاردت الخيلان من أول النهار، ثم انصرفوا وانصرفنا؛ حتى إذا صلينا الظهر خرجنا فاقتتلنا، ثم هزمناهم. قال: ونزل عبد الله بن حملة فأخذ ينادي أصحابه: الكرة بعد الفرة، ياأهل السمع والطاعة؛ فحمل عليه عبد الله بن قراد الخثعمي فقتله، وحوينا عسكرهم وما فيه، وأتى يزيد بن أنس بثلثمائة أسير وهو في السوق، فأخذ يومئ بيده أن اضربوا أعناقهم، فقتلوا من عند آخرهم. وقال يزيد بن أنس: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فما أمسى حتى مات، فصلى عليه ورقاء بن عازب ودفنه، فلما رأى ذلك أصحابه أسقط في أيديهم، وكسر موته قلوب أصحابه، وأخذوا في دفنه، فقال لهم ورقاء: ياقوم. ماذا ترون؟ إنه قد بلغني أن عبيد الله بن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفاً من أهل الشأم، فأخذوا يتسللون ويرجعون. ثم إن ورقاء دعا رءوس الأرباع وفرسان أصحابه فقال لهم: ياهؤلاء، ماذا ترون فيما أخبرتكم؟ إنما أنا رجل منكم، ولست بأفضلكم رأباً. فأشيروا على. فإن ابن زياد قد جاءكم في جند أهل الشأم الأعظم، وبجلتهم فرسانهم وأشرافهم. ولا أرى لنا ولكم بهم طاقة على هذه الحال، وقد هلك يزيد بن أنس أميرنا، وتفرقت عنا طائفة منا، فلو انصرفنا اليوم من تلقاء أنفسنا قبل أن نلقاهم، وقبل أن نبلغهم، فيعلموا أنا إنما ردنا عنهم هلاك صاحبنا، فلا يزالوا لنا هائبين لقتلنا منهم أميرهم! ولأنا إنما نعتل لانصرافنا بموت صاحبنا. وإنا لقيناهم اليوم كنا مخاطرين، فإن هزمنا اليوم لم تنفعنا هزيمتنا إياهم من قبل اليوم. قالوا: فإنك نعماً رأيت، انصرف رحمك الله. فانصرف، فبلغ منصرفهم ذلك المختار وأهل الكوفة، فأرجف الناس، ولم يعلموا كيف كان الأمر أن يزيد بن أنس هلك، وأن الناس هزموا، فبعث إلى المختار عامله على المدائن عيناً له من أنباط السواد فأخبره الخبر، فدعا المختار إبراهيم بن الأشتر فعقد له على سبعة آلاف رجل، ثم قال له: سر حتى إذا أنت لقيت جيش ابن أنس فارددهم معك، ثم سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم. فخرج إبراهيم فوضع عسكره بحمام أعين. قال أبو مخنف: فحدثني أبو زهير النضر بن صالح، قال: لما مات يزيد أنس التقى أشراف الناس بالكوفة فارجفوا بالمختار وقالوا: قتل يزيد بن أنس، ولم يصدقوا أنه مات، وأخذوا يقولون: والله لقد بأمر علينا هذا الرجل بغير رضاً منا، ولقد أدنى موالينا، فحملهم على الدواب، وأعطاهم وأطعمهم فيئنا، ولقد عصتنا عبيدنا، فحرب بذلك أيتامنا وأراملنا. فاتعدوا منزل شبث بن ربعي وقالوا: نجتمع في منزل شيخنا - وكان شبث جاهلياً إسلامياً - فاجتمعوا فأتوا منزله، فصلى بأصحابه، ثم تذاكروا هذا النحو من الحديث قال: ولم يكن فيما أحدث المختار عليهم شئ هو أعظم من أن جعل للموالي الفئ نصيباً - فقال لهم شبث: دعوني حتى ألقاه؛ فذهب فلقيه، فلم يدع شيئاً مما أنكره أصحابه إلى وقد ذاكره إياه، فأخذ لا يذكر خصلة إلا قال له المختار: أرضيهم في هذه الخصلة، وآتى كل شئ أحبوا؛ قال: فذكر المماليك؛ قال: فأنا أرد عليهم عبيدهم، فذكر له الموالي، فقال: عمدت إلى موالينا، وهم فئ أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعاً فأعتقنا رقابهم، نأمل الأجر في ذلك و الثواب و الشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا، فقال لهم المختار: إن أنا تركت لكم موالينا، وجعلت فيئكم فيكم، أتقاتلون معي بني أمية وابن الزبير، وتعطون على الوفاء بذلك عهد الله وميثاقه، وما أطمئن إليه من الأيمان؟ فقال شبث: ما أدري حتى أخرج إلى أصحابي فأذاكرهم ذلك، فخرج فلم يرجع إلى المختار.قال: وأجمع رأى أشراف أهل الكوفة على قتال المختار. قال أبو مخنف: فحدثني قدامة بن حوشب، قال: جاء شبث ابن ربعي وشمر بن ذي الجوشن ومحمد بن الأشعث وعبد الرحمن بن سعيد بي قيس حتى دخلوا على كعب بن أبي الخثعمي، فتكلم شبث، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبره باجتماع رأيهم على قتال المختار، وسأله أن يجيبهم إلى ذلك، وقال فيما يعيب به المختار: إنه تأمر علينا بغير رضاً منا، وزعم أن ابن الحنفية بعثه إلينا، وقد علمنا أن ابن الحنفية لم يفعل، وأطعم موالينا فيئنا. وأخذ عبيدنا، فحرب بهم يتامانا وأراملنا، وأظهر هو وسبئيته البراءة من أسلافنا الصالحين. قال: فرحب بهم كعب بن أبي كعب، وأجابهم إلى ما دعوه إليه. قال أبو مخنف: حدثني أبي يحيى بن سعيد أن أشراف أهل الكوفة قد كانوا دخلوا على عبد الرحمن بن مخنف، فدعوه إلى أن يجيبهم إلى قتال المختار، فقال لهم: ياهؤلاء، إنكم إن أبيتم إلا أن تخرجوا لم أخذلكم، وإن أنتم أطعتموني لم تخرجوا. فقالوا: لم؟ قال: لأني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا وتتخاذلوا؛ ومع الرجل والله شجعاؤكم وفرسانكم من أنفسكم؛ أليس معه فلان وفلان! ثم معه عبيد كم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، وعبيدكم و مواليكم أشد حنقاً عليكم من عدوكم، فهو مقاتلكم بشجاعة العرب، وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلا كفيتموه بقدوم أهل الشأم، أو بمجئ أهل البصرة، فتكونوا قد كفيتموه بغيركم، ولم تجعلوا بأسكم بينكم؛ قالوا: ننشدك الله أن تخالفنا، وأن تفسد علينا رأينا وما قد اجتمعت عليه جماعتنا. قال: فأنا رجل منكم، فإذا شئتم فاخرجوا.فسار بعضهم إلى بعض وقالوا: انتظروا حتى يذهب عنه إبراهيم بن الأشتر؛ قال: فأمهلوا حتى إذا بلغ ابن الأشتر ساباط، وثبوا بالمختار. قال: فخرج عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس الهمداني في همدان في جبانة السبيع، وخرج زحر بن قيس الجعفي وإسحاق بن محمد بن الأشعث في جبانة كندة. قال هشام: فحدثني سليمان بن محمد الحضرمي، قال: خرج إليهما جبير الحضرمي فقال لهما: أخرجا عن جبانتنا، فإنا نكره أن نعرى بشر؛ فقال له إسحاق بن محمد: وجبانتكم هي؟ قال: نعم، فانصرفوا عنه؛ وخرج كعب بن أبي كعب الخثعمي في جبانة بشر، وسار بشير بن جرير بن عبد الله إليهم في بمجيلة، وخرج عبد الرحمن بن مخنف في جبانة مخنف، وسار إسحاق بن محمد وزحر بن قيس إلى عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس بجبانة السبيع، وسارت بجيلة وخشعم إلى عبد الرحمن ابن مخنف وهو بالأزد. وبلغ الذين في جبانة السبيع أن المختار قد عبأ لهم خيلا ليسير إليهم فبعثوا الرسل يتلو بعضها بعضاً إلى الأزد وبجيلةو ثعم، يسألونهم بالله والرحم لما عجلوا إليهم. فساروا إليهم واجتمعوا جميعاً في جبانة السبيع، ولما أن بلغ ذلك المختار سره اجتماعهم في مكان واحد، وخرج شمر بن ذي الجوشن حتى نزل بجبانة بني سلول في قيس، ونزل شبث بن ربعي وحسان بن فائد العبسي وربيعة بن ثروان الضبي في مضر بالكناسة، ونزل حجار بن أبحر ويزيد بن الحارث بن رؤيم في ربيعة فيما بي التمارين والسبخة، ونزل عمرو بن الحجاج الزبيدي في جبانة مراد بمن تبعه من مذحج، فبعث إليه أهل اليمن: أن ائتنا، فأبى أن يأتيهم وقال لهم: جدوا، فكأني قد أتيتكم. قال: وبعث المختار رسولا من يومه يقال له عمرو بن توبة بالركض إلى إبراهيم بن الأشتر وهو بساباط ألا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك إلى قال: وبعث إليهم المختار في ذلك اليوم: أخبروني ما تريدون؟ فإني صانع كل ما أحببتم، فقالوا: فإنا نريد أن تعتزلنا، فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك. فأرسل إليهم المختار أن ابعثوا إليه من قبلكم وفداً، وأبعث إليه من قبلي وفداً، ثم انظروا في ذلك حتى تتبينوه؛ وهو يريد أن يريثهم بهذه المقالة ليقدم عليه إبراهيم بن الأشتر، وقد أمر أصحابه فكفوا أيديهم، وقد أخذ أهل الكوفة عليهم بأفواه السكك، فليس شئ يصل إلى المختار ولا إلى أصحابه من الماء إلا القليل الوتح، يجيئهم إذا غفلوا عنه. قال: وخرج عبد الله بن سبيع في الميدان، فقاتلته شاكر قتالاً شديداً، فجاءه عقبة بن طارق الجشمي فقاتل معه ساعة حتى رد عاديتهم عنه، ثم أقبلا على حاميتهما يسيران حتى نزل عقبة بن طارق مع قيس في جبانة بني سلول، وجاء عبد الله بن سبيع حتى نزل مع أهل اليمن في جبانة السبيع. قال أبو مخنف: حدثني يونس بن أبي إسحاق، أن شمر بن ذي الجوشن أتى أهل اليمن فقال لهم: إن اجتمعتم في مكان نجعل فيه مجنبتين ونقاتل من وجه واحد فأنا صاحبكم، وإلا فلا، والله لا أقاتل في مثل هذا المكان في سكك ضيقة، ونقاتل من غير وجه. وانصرف إلى جماعة قومه في جبانة بني سلول. قال: ولما خرج رسول المختار إلى ابن الأشتر بلغه من يومه عشية، فنادى في الناس: أن ارجعوا إلى الكوفة، فسار بقية عشيته تلك، ثم نزل حين أمسى، فتعشى أصحابه، وأراحوا الدواب شيئاً كلا شئ، ثم نادى في الناس، فسار ليلته كلها، ثم صلى الغداة بسورا، ثم سار من يومه فصلى العصر على باب الجسر من الغد، ثم إنه جاء حتى بات ليلته في المسجد ومعه من أصحابه أهل القوة والجلد، حتى إذا كانت صبيحة اليوم الثالث من مخرجهم على المختار، خرج المختار إلى المنبر فصعده. قال أبو مخنف: فحدثني أبو جناب الكلبي أن شبث بن ربعي بعث إليه أبنه عبد المؤمن فقال: إنما نحن عشيرتك، وكف يمينك، لا والله لا نقاتلك، فثق بذلك منا؛ وكان رأيه قتاله، ولكنه كاده. ولما أن اجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع حضرت الصلاة. فكره كل رأس من رءوس أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: هذا أول الإختلاف، قدموا الرضا فيكم فإن في عشيرتكم سيد قراء أهل مصر، فيلصل بكم رفاعو بن شداد الفتياني من بجيلة، ففعلوا، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الوقعة. قال أبو مخنف: وحدثني وازع بن السرى أن أنس بن عمرو الأزدي انطلق فدخل في أهل اليمن، وسمعهم وهم يقولون: إن سار المختار إلى إخواننا من مضر سرنا إليهم، وإن سار إلينا ساروا إلينا، فسمعها منهم رجل، وأقبل جواداً حتى صعد إلى المختار على المنبر، فاخبره بمقالتهم، فقال: أما هم فخلقاء لو سرت إلى مضر أن يسيروا إليهم، وأما أهل اليمن فأشهد لئن سرت إليهم لا تسير إليهم مضر، فكان بعد ذلك يدعو ذلك الرجل ويكرمه . ثم إن المختار نزل فعبأ أصحابه في السوق - والسوق إذ ذاك ليس فيها هذا البناء - فقال لإبراهيم بن الأشتر: إلى أي الفريقين أحب إليك أن تسير؟ فقال: إلى أي الفريقين أحببت، فنظر المختار - وكان ذا رأي، فكره أن يسير إلى قومه فلا يبالغ في قتالهم - فقال: سر إلى مضر بالكناسة وعليهم شبث بن ربعي ومحمد بن عمير بن عطارد، وأنا أسير إلى أهل اليمن. قال: ولم يزل المختار يعرف بشدة النفس، وقلة البقيا على أهل اليمن وغيرهم إذا ظفر، فسار إبراهيم بن الأشتر إلى الكناسة، وسار المختار إلى جبانة السبيع، فوقف المختار عند دار عمر بن سعد بن أبي وقاص، وسرح بين أيديه أحمر بن شميط البجلي ثم الأحمسي، وسرح عبد الله بن كامل الشاكري، وقال لابن شميط: الزم هذه السكة حتى تخرج إلى أهل جبانة السبيع من بين دور قومك . وقال لعبد الله بن كامل: الزم هذه السكة حتى تخرج على جبانة السبيع من دار آل الأخنس بن شريق، ودعاهما فأسر إليهما أن شباماً قد بعثت تخبرني أنهم قد أتوا القوم من ورائهم، فمضيا فسلكا الطريقين اللذين أمرهما بهما، وبلغ أهل اليمن مسير هذين الرجلين إليهم، فاقتسموا تينك السكتين، فأما السكة التي في دبر المسجد أحمس فإنه وقف فيها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني وإسحاق بن الأشعث وزحر بن قيس، وأما السكة التي تلى الفرات فإنه وقف فيها عبد الرحمن بن مخنف، وبشير بن جرير بن عبد الله، وكعب بن أبي كعب. ثم إن القوم اقتتلوا كأشد قتال اقتتله قوم. ثم إن أصحاب أحمر بن شميط انكشفوا وأصحاب عبد الله بن كامل أيضاً، فلم يرع المختار إلا وقد جاءه الفل قد أقبل؛ فقال: ما وراءكم؟ قالوا: هزمنا؛ قال: فما فعل أحمر بن شميط؟ قالوا: تركناه قد نزل عند مسجد القصاص - يعنون مسجد ألي دواد في وادعة، وكان يعتاده رجال أهل ذلك الزمان يقصون فيه، وقد نزل معه أناس من أصحابه - وقال أصحاب عبد الله: ما ندري ما فعل ابن كامل! فصاح بهم: أن انصرفوا. ثم أقبل بهم حتى انتهى إلى دار أبي عبد الله الجدلي، وبعث عبد الله بن قراد الخثعمي - وكان على أربعمائة رجل من أصحابه - فقال: سر في أصحابك إلى ابن كامل، فإن يك هلك فأنت مكانه، فقاتل القوم بأصحابك وأصحابه، وإن تجده حياً صالحاً فسر في مائة من أصحابك كلهم فارس، وادفع إليه بقية أصحابك ومر بالجد معه والمناصحة له، فغنهم إنما يناصحونني، ومن ناصحني فليبشر، ثم امض في المائة حتى تأتي أهل جبانة السبيع مما يلي حمام قطن ابن عبد الله. فمضى فوجد ابن كامل واقفاً عند حمام عمرو بن حريث معه أناس من أصحابه قد صبروا وهو يقاتل القوم. فدفع إليه ثلثمائة من أصحابه ثم مضى حتى نزل إلى جبانة السبيع. ثم أخذ في تلك السكك حتى انتهى إلى مسجد عبد القيس، فوقف عنده وقال لأصحابه: ماترون؟ قالوا: أمرنا لأمرك تبع وكل من كان معه من حاشد من قومه وهم مئة؛ فقال لهم: والله إني لأحب أن يظهر المختار. ووالله إني لكاره أن يهلك أشراف عشيرتي اليوم، ووالله لأن أموت أحب إلى من أن يحل بهم الهلاك على يدي، ولكن قفوا قليلا فإني قد سمعت شباماً يزعمون أنهم سيأتونهم من ورائهم، فلعل شباماً تكون هي تفعل ذلك، ونعافى نحن منه. قال له أصحابه: فرأيك. فثبت كما هو عند مسجد عبد القيس، وبعث المختار مالك بن عمرو النهدي في مائتي رجل - وكان من أشد الناس بأساً - وبعث عبد الله بن شريك النهدي في مائتي فارس إلى أحمر بن شميط، وثبت مكانه، فانتهوا إليه وقد علاه القوم وكشروه، فاقتتلوا عند ذلك كأشد القتال، ومضى ابن الأشتر حتى لقي شبث بن ربعي، وأناساً معه من مضر كثيراً ، وفيهم حسان بن فائد العبسي، فقال لهم إبراهيم : ويحكم! انصرفوا، فو الله ما أحب أن يصاب أحد من مضر على يدي، فلا تهلكوا أنفسكم، فأبوا، فقاتلوه فهزمهم، واحتمل حسان بن فائد إلى أهله، فمات حين أدخل إليهم، وقد كان وهو على فراشه قبل موته أفاق إفاقة فقال: أما والله ما كنت أحب أن أعيش من جراحتي هذه، وما كنت أحب أن تكون منيتي إلا بطعنة رمح، أو بضربة بالسيف؛ فلم يتكلم بعدها كلمة حتى مات. وجاءت البشرى إلى المختار من قبل إبراهيم بهزيمة مضر، فبعث المختار البشرى من قبله إلى أحمر بن شميط وإلى ابن كامل، فالناس على أحوالهم كل أهل سكة منهم قد أغنت ما يليها. قال: فاجتمعت شبام وقد رأسو عليهم أبا القلوص، وقد أجمعوا واجتمعوا بأن يأتوا أهل اليمن من ورائهم، فقال بعضهم لبعض: أما والله لو جعلتم جدكم هذا على من خالفكم من غيركم لكان أصوب، فسيروا إلى مضر أو إلى ربيعة فقاتلوهم - وشيخهم أبو القلوص ساكت لا يتكلم - فقالوا: يا أبا القلوص، مارأيك؟ فقال: قال الله جل ثناؤه: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " قوموا؛ فقاموا؛ فمشى بهم قيس رمحين أو ثلاثة ثم قال لهم: اجلسوا فجلسوا. ثم مشى بهم أنفس من ذلك شيئاً، ثم قعد بهم، ثم قال لهم: قوموا، ثم مشى بهم الثالثة أنفس من ذلك شيئاً، ثم قعد بهم، فقالوا له: يا أبا القلوص، و الله إنك عندنا لأشجع العرب، فما يحملك على الذي تصنع! قال: إن المجرب ليس كمن لم يجرب، إني أردت أن ترجع إليكم أفئدتكم، وأن توطنوا على القتال أنفسكم، وكرهت أن أقحمكم على القتال وأنتم على حال دهش؛ قالوا: أنت أبصر بما صنعت. فلما خرجوا إلى جبانة السبيع استقبلهم على فم السكة الأعسر الشاكري، فحمل عليه الجندعي وأبو الزبير بن كريب فصرعاه، ودخلا الجبانة، ودخل الناس الجبانة في آثارهم، وهم ينادون: يالثارات الحسين! فأجابهم أصحاب ابن شميط يالثارات الحسين! فسمعها يزيد بن عمير بن ذي مران من همدان فقال: يالثارات عثمان! فقال لهم رفاعة بن شداد: مالنا ولعثمان! لاأقاتل مع قوم يبغون دم عثمان، فقال له أناس من قومه: جئت بنا وأطعناك. حتى إذا رأينا قومنا تأخذهم السيوف قلت: انصرفوا ودعوهم! فعطف عليهم وهو يقول: أنا ابن شداد على دين علي ... لست لعثمان بن أروى بولى لأصلين اليوم فيمن يصطلي ... بحر نار الحرب غير مؤتل فقاتل حتى قتل، وقتل يزيد بن عمير بن ذي مران، وقتل النعمان ابن صهبان الجرمي ثم الراسي - وكان ناسكاً - ورفاعة بن شداد بن عوسجة الفتياني عند حمام المهبذان الذي بالسبخة - وكان ناسكاً - وقتيل الفرات ابن زحر بن قيس الجعفي، وارتث بن قيس، وقتل عبد الرحمن ابن سعيد بن قيس. وقتل عمر بن مخنف، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف حتى أرتث، وحملته الرجال على أيديها يشعر، وقاتل حوله رجال من الأزد، فقال حميد بن مسلم: لأضربن عن أبي حكيم ... مفارق الأعبد و الصميم وقال سراقة بن مرداس البارقي: يا نفس إلا تصبري تليمي ... لا تتولى عن أبي حكيم واستخرج من دور الوادعين خمسمائة أسير، فأتى بهم المختار مكتفين، فأخذ رجل من بني نهد وهو من رؤساء أصحاب المختار يقول له: عبد الله ابن شريك، لا يخلو بعربي إلا خلى سبيله، فرفع ذلك إلى المختار درهم مولى لبني نهد. فقال له المختار: اعرضوهم على، وانظروا كل من شهد منهم قتل الحسين فأعلموني به، فأخذوا لا يمر عليه برجل قد شهد قتل الحسين إلا قيل له: هذا ممن شهد قتله، فيقدمه فيضرب عنقه، حتى قتل منهم قبل أن يخرج مائتين وثمانية وأربعين قتيلاً، وأخذ أصحابه كلما رأوا رجلاً قد كان يؤذيهم أو يماريهم أو يضربهم خلوا به فقتلوه حتى قتل ناس كثير منهم وما يشعر بهم المختار، فأخبر بذلك المختار بعد، فدعا بمن بقي من الأسارى فأعتقهم، وأخذ عليهم المواثيق ألا يجامعوا عليه عدوا، ولا أصحابه غائلة، إلا سراقة بن مرداس البارقي، فإنه أمر أن يساق معه إلى المسجد. قال: ونادى منادي المختار: إنه من أغلق بابه فهو آمن، إلا رجلاً شرك في دم آل محمد صلى عليه وسلم. قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عمامر الشعبي.، أن يزيد ابن الحارث بن يزيد بن رؤيم وحجار بن أبجر بعثا رسلا لهما، فقالا لهم: كونوا من أهل اليمن قريباً، فإن أيتموهم قد ظهروا فأيكم سبق إلينا فليقل صرفان، وإن كانوا هزموا فليقل جمزان، فلما عزم أهل اليمن أتتهم رسلهم، فقال لهم أول من انتهى إليهم: جمزان، فقام الرجلان فقالا لقومهما: انصرفوا إلى بيوتكم، فانصرفوا، وخرج عمرو بن الحجاج الزبيدي - وكان ممن شهد قتل الحسين - فركب راحلته، ثم ذهب عليها، فأخذ طريق شراف وواقصة، فلم ير حتى الساعة. ولا يدري أرض بخسته، أم سماء حصبته! وأما فرات بن زحر بن قيس فإنه لما قتل بعثت عائشة بنت خليفة بن عبد الله الجعفية - وكانت امرأة الحسين بن علي - إلى المختار تسأله أن يأذن له أن تواري جسده، ففعل؛ فدفنته. وبعث المختار غلاماً له يدعى زريباً في طلب شمر بن ذي الجوشن قال أبو مخنف: فحدثني يونس بن أبي إسحاق، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: تبعنا زربي غلام المختار، فلحقنا وقد خرجنا من الكوفة على خيول لنا ضمر، فأقبل يتمطر به فرسه، فلما دنا منا قال لنا شمر: اركضوا وتباعدوا عني لعل العبد يطمع في؛ قال: فركضنا، فأمعنا، وطمع العبد في شمر، وأخذ شمر ما يستطرد له، حتى إذا انقطع من أصحابه حمل عليه شمر فدق ظهره، وأتى المختار فأخبر بذلك، فقال: بؤساً لزربى، أما لو يستشيرني ما أمرته أن يخرج لأبي السابغة. قال أبو مخنف: حدثني أبو محمد الهمداني، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: لما خرج شمر بن ذي الجوشن وأنا معه حين هزمنا المختار، وقتل أهل اليمن بجبانة السبيع، ووجه غلامه زربياً في طلب شمر، وكان من قتل شمر إياه ما كان، مضى شمر حتى ينزل ساتيدما، ثم مضى حتى ينزل إلى جانب قرية يقال لها الكلتانية على شاطئ نهر، إلى جانب تل، ثم أرسل إلى تلك القرية فأخذ منها علجاً فضربه، ثم قال: النجاء بكتابي هذا إلى المصعب بن الزبير وكتب عنوانه: للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن. قال: فمضى العلج حتى يدخل قرية فيها بيوت،وفيها أبو عمرة، وقد كان المختار بعثه في تلك الأيام إلى تلك القرية لتكون مسلحة فيما بينه وبين أهل البصرة، فلقى ذلك العلج علجاً من تلك القرية، فأقبل يشكو إلية ما لفي من شمر، فإنه لقائم معه يكلمه إذ مر به رجل من أصحاب أبي عمرة، فرأى الكتاب مع العلج، وعنوانه: لمصعب من شمر، فسألوا العلج عن مكانه الذي هو به، فأخبرهم، فإذا ليس بينهم وبينه إلا ثلاثة فراسخ. قال: فأقبلوا يسيرون إليه. قال أبو مخنف: فحدثني مسلم بن عبد الله قال: وأنا والله مع شمر تلك الليلة، فقلنا: لو أنك ارتحلت بنا من هذا المكان فإنا نتخوف به! فقال: أو كل هذا فرقاً من الكذاب! والله لا أحول منه ثلاثة أيام، ملأ الله قلوبكم رعباً! قال: وكان بذلك المكان الذي كنا فيه دبى كثير، فو الله إني لبين اليقظان والنائم، إذ سمعت وقع حوافر الخيل، فقلت في نفسي: هذا صوت الدبى، ثم سمعته أشد من ذلك، فانتبهت ومسحت عيني، وقلت: لا والله، ما هذا بالدبي. قال: وذهبت لأقوم، فإذا أنا بهم قد أشرفوا علينا من التل، فكبروا، ثم أحاطوا بأبياتنا، وخرجنا نشتد على أرجلنا، وتركنا خيلنا. قال: فأمر على شمر، وإنه لمتزر ببرد محقق - وكان أبرص - فكأني أنظر إلى بياض كشحيه من فوق البرد، فإنه ليطاعنهم بالرمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه، فمضينا وتركناه قال: فما هو إلا أن أمعنت ساعةً، إذ سمعت: الله أكبر، قتل الله الخبيث! قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: أنا والله صاحب للكتاب الذي رأيته مع العلج، وأتيت به أبا عمرة وأنا قتلت شمراً؛ قال: قلت: هل سمعته يقول شيئاً ليلتئذ؟ قال: نعم، خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة، ثم ألقى رمحه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم خرج علينا وهو يقول:ى بياض كشحيه من فوق البرد، فإنه ليطاعنهم بالرمح، قد أعجلوه أن يلبس سلاحه وثيابه، فمضينا وتركناه قال: فما هو إلا أن أمعنت ساعةً، إذ سمعت: الله أكبر، قتل الله الخبيث! قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، قال: أنا والله صاحب للكتاب الذي رأيته مع العلج، وأتيت به أبا عمرة وأنا قتلت شمراً؛ قال: قلت: هل سمعته يقول شيئاً ليلتئذ؟ قال: نعم، خرج علينا فطاعننا برمحه ساعة، ثم ألقى رمحه، ثم دخل بيته فأخذ سيفه، ثم خرج علينا وهو يقول: نبهتم ليث عرين باسلا ... جهما محياه يدق الكاهلا لم ير يوماً عن عدو ناكلا ... إلا كذا مقاتلاً أو قاتلا يبرحهم ضرباً ويروي العاملا قال أبو مخنف، عن يونس بن أبي إسحاق: ولما خرج المختار من جبانة السبيع، وأقبل إلى القصر، أخذ سراقة بن مرداس يناديه بأعلى صوته: امنن عليّ اليوم يا خير معد ... وخير من حل بشحر والجند وخير من حيا ولبى وسجد فبعث به المختار إلى السجن، فحبسه ليلة، ثم أرسل إليه من الغد فأخرجه، فدعا إلى المختار وهو يقول: ألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الضعفاء شيئاً ... وكان خروجنا بطراً وحينا نراهم في مصافهم قليلاً ... وهم مثل الدبي حين التقينا برزنا إذ رأيناهم فلما ... رأينا القوم قد برزوا إلينا لقينا منهم ضرباً طلحفاً ... وطعناً صائباً حتى انثنينا نصرت على عدوك كل يوم ... بكل كتيبة تنعى حسينا كنصر محمد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ لاقى حنينا فأسجح إذ ملكت فلو ملكنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فإني ... سأشكر إن جعلت النقد دينا قال: فلما انتهى إلى المختار، قال له: أصلحك الله أيها الأمير! سراقة ابن مرداس يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض؛ فقال له المختار: فاصعد المنبر فأعلم ذلك المسلمين؛ فصعد فأخبرهم بذلك ثم نزل، فخلا به المختار، فقال: فاذهب عني حيث أحببت، لا تفسد علي أصحابي. قال أبو مخنف: الحجاج بن علي البارقي عن سراقة بن مرداس، قال: ما كنت في أيمان حلفت بها قط إجتهاداً ولا مبالغةً في الكذب مني في أيماني هذه التي حلفت لهم بها أني قد رأيت الملائكة معهم تقاتل. فخلوا سبيله. فهرب، فلحق بعبد الرحمن بن مخنف عند المصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج أشراف أهل الكوفة و الوجوه. فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، وخرج سراقة بن مرداس من الكوفة وهو يقول: ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهماً مصمتات كفرت بوحيكم وجعلت نذراً ... على قتالكم حتى الممات أرى عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات إذا قالوا أقول لهم كذبتم ... وإن خرجوا لبست لهم أداتي حدثني أبو السائب سلم بن جناده، قال حدثنا محمد بن براد، من ولد أبي موسى الأشعري، عن شيخ، قال: لما أسر سراقة البارقي، قال:وأنتم أسرتموني! ماأسرني إلا قوم على دواب بلق، عليهم ثياب بيض.قال: فقال المختار: أولئك الملائكة. فأطلقه، فقال: ألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت البلق دهماً مصمتات أرى عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات قال أبو مخنف: حدثني عمير بن زياد أن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني قال يوم جبانة السبيع: ويحكم! من هؤلاء الذين أتونا من ورائنا؟ قيل له: شبام؛ فقال: ياعجبا! يقاتلني بقومي من لاقوم له. قال أبو مخنف: وحدثني أبو روق أن شرحبيل بن ذي يقلان من الناعطيين قتل يومئذ، وكان من بيوتات همدان، فقال يومئذ قبل أن يقتل: يالها قتلةً، ما أضل مقتولها! قتال مع غير إمام، وقتال على غير نية، وتعجيل فراق الأحبة، ولو قتلناهم إذاً لم نسلم منهم، إنا لله وإنا إليه راجعون! أما والله ما خرجت إلا مواسياً لقومي بنفسي مخافة أن يضطهدوا، وايم الله مانجوت من ذلك ولاأنجوا، ولا أغنيت عنهم ولا أغنوا. قال: ويرميه رجل من الفائشيين من همدان يقال له أحمر بن هديج بسهم فيقتله. قال: واختصم في عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني نفر ثلاثة: سعر ابن أبي سعر الحنفي، وأبو الزبير الشبامي: ورجل آخر، فقال سعر: طعنته طعنة، وقال أبو الزبير: لكن ضربته أنا عشر ضربات أو أكثر، وقال لي ابنه: يا أبا الزبير، أتقتل عبد الرحمن بن سعيد سيد قومك! فقلت: " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أوعشيرتهم " فقال المختار: كلكم محسن. وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلا من قومه. قال أبو مخنف: حدثني النصر بن صالح أن القتل إذ ذاك كان استحر في أهل اليمن، وأن مضر أصيب منهم بالكناسة بضعة عشر رجلا، ثم مضو حتى مروا بربيعة، فرجع حجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رؤيم وشداد بن المنذر - أخو حضين - وعكرمة بن ربعى، فانصرف جميع هؤلاء إلى رحالهم، وعطف عليهم عكرمة فقاتلهم قتالا شديداً، ثم انصرف عنهم وقد خرج، فجاء حتى دخل منزله، فقيل له: قد مرت خيل في ناحية الحي؛ فخرج فأراد أن يثب من حائط داره إلى دار أخرى إلى جانبه فلم يستطع حتى حمله غلام له. وكانت وقعة جبانة السبيع يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين. قال: وخرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة. وتجرد المختار لقتلة الحسين فقال: ما من ديننا ترك قوم قتلوا الحسين يمشون أحياء في الدنيا آمنين؛ بئس ناصر آل محمد أنا إذاً في الدنيا! أنا إذاً الكذاب كما سموني، فإنى بالله أستعين عليهم، الحمد لله الذي جعلني سيفاً ضربهم به، ورمحاً طعنهم به، وطالب وترهم، والقائم بحقهم، إنه كان حقاً على الله أن يقتل من قتلهم، وأن يذل من جهل حقهم، فسموهم لى ثم اتبعوهم حتى تفنوهم. قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن عامر أن المختار قال لهم: اطلبوا لى قتلة الحسين، فإنه لا يسوغ لى الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، وأنفى المصر منهم. قال أبو مخنف: وحدثني مالك بن أعين الجهنى أن عبد الله بن دباس، وهو الذي قتل محمد بن عمار بن ياسر الذي قال الشاعر: قتيل ابن دباس أصاب قذاله هو الذي دل المختار على نفر ممن قتل الحسين، منهم عبد الله بن أسيد بن النزال الجهنى من حرقة، ومالك بن النسير البداى،وحمل بن مالك المحاربي؛ فبعث إليهم المختار أبا نمران مالك بن عمرو النهدي وكان من رؤساء أصحاب المختارفأتاهم وهم بالقادسية، فأخذهم فأقبل بهم حتى أدخلهم عليه عشاء، فقال لهم المختار: يا أعداء الله وأعداء كتابه وأعداء رسوله وآل رسوله، أين الحسين بن علي؟ أدوا إلى الحسين، قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة، فقالوا: رحمك الله! بعثنا ونحن كارهون، فامنن علينا واستبقنا، قال المختار: فهلا مننتم على الحسين ابن بنت نبيكم واستبقيتموه وسسقيتموه! ثم قال المختار للبدى: أنت صاحب برنسه؟ فقال له عبد الله بن كامل: نعم، هو هو؛ فقال المختار، اقطعوا يدي هذا ورجليه. ودعوه فليضطرب حتى يموت، ففعل ذلك به وترك، فلم يزل ينزف الدم حتى مات، وأمر بالآخرين فقدما، فقتل عبد الله بن كامل عبد الله الجهني، وقتل سعر بن أبي سعر حمل بن مالك المحاربي. قال أبو مخنف: وحدثني أبو الصلت التيمي، قال حدثني أبو سعيد الصيقل أن المختار دل على رجال من قتلة الحسين، دله عليهم سعر الحنفي؛ قال: فبعث المختار عبد الله بن كامل، خرجنا معه حتى مر ببني ضبيعة، فأخذ منهم رجلا يقال له زياد بن مالك؛ قال: ثم مضى إلى عنزة فأخذ منهم رجلا يقال له عمران بن خالد. قال: ثم بعثني في رجال معه يقال لهم الدبابة إلى دار في الحمراء، فيها عبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي وعبد الله بن قيس الخولاني، فجئنا بهم حتى أدخلناهم عليه، فقال لهم: ياقتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة، ألا ترون الله قد أقاد منكم اليوم! لقد جاءكم الورس، بيوم نحس - وكانوا قد أصابوا من الورس الذي كان مع الحسين - أخرجوهم إلى السوق فضربوا رقابهم. ففعل ذلك بهم، فهؤلاء أربعة نفر. قال أبو مخنف: وحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم، قال: جاءنا السائب بن مالك الأشعري في خيل المختار، فخرجت نحو عبد القيس، وخرج عبد الله وعبد الرحمن ابنا صلخب في أثري، وشغلوا بالاحتباس عليهما عني، فنجوت وأخذوهما، ثم مضوا بهما حتى مروا على منزل رجل يقال له عبد الله بن وهب بن عمرو ابن عم أعشى همدان من بني عبد، فأخذوه، فانتهوا بهم إلى المختار، فأمر بهم فقتلوا في السوق، فهؤلاء ثلاثة. فقال حميد بن مسلم في ذلك حيث نجا منهم: ألم ترني على دهش ... نجوت ولم أكد أنجو رجاء الله أنقذني ... ولم أك غيره أرجو قال أبو مخنف: حدثني موسى ين عامر العدوي من جهينة - وقد عرف ذلك الحديث شهم بن عبد الرحمن الجهني - قال: بعث المختار عبد الله ابن كامل إلى عثمان بن خالد بن أسير الدهماني من جهينة، وإلى أبي أسماء بشر بن سوط القابضي - وكانا ممن شهدا قتل الحسين، وكانا اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وفي سلبه - فأحاط عبد الله بن كامل عند العصر بمسجد بني دهمان، ثم قال: على مثل خطايا بني دهمان منذ يوم خلقوا إلى يوم يبعثون إن لم أوت بعثمان بن خالد بن أسير، إن لم أضرب أعناقكم من عند آخركم، فقلنا له: أمهلنا نطلبه، فخرجوا مع الخيل في طلبه، فوجدوهما جالسين في الجبانة - وكانا يريدان أن يخرجا إلى الجزيرة - فأتى بهما عبد الله بن كامل، فقال: الحمد لله الذي كفى المؤمنين القتال، لو لم يجدوا هذا مع هذا عنانا إلى منزله في طلبه، فالحمد لله الذي حينك حتى أمكن منك. فخرج بهما حتى إذا كان في موضع بئر الجعد ضرب أعناقهما، ثم رجع فأخبر المختار خبرهما، فأمره أن يرجع إليهما فيحرقهما بالنار، وقال: لا يدفنان حتى يحرقا. فهذان رجلان، فقال أعشى همدان يرثى عثمان الجهني: يا عين بكى فتى الفتيان عثمانا ... لا يبعدن الفتى من آل دهمانا واذكر فتى ماجداً حلوا شمائله ... ما مثله فارس في آل همدانا قال موسى بن عامر: وبعث معاذ بن هاني بن عدى الكندي، ابن أخي حجر، وبعث أبا عمرة صاحب حرسه، فساروا حتى أحاطوا بدار خولى بن يزيد الأصبحي وهو صاحب رأس الحسين الذي جاء به، فاختبأ في مخرجه، فأمر معاذ أبا عمرة أن يطلبه في الدار، فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها: أين زوجك؟ فقالت: لا أدري أين هو - وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرةً، فأخرجوه، وكان المختار يسير بالكوفة. ثم إنه أقبل في أثر أصحابه وقد بعث أبو عمرة إليه رسولا، فاستقبل المختار الرسول عند دار بلال، ومعه ابن كامل، فأخبره الخبر، فأقبل المختار نحوهم، فاستقبل به، فردده حتى قتله إلى جانب أهله. ثم دعا بنار فحرقه بها ثم لم يبرح حتى عاد رماداً، ثم انصرف عنه. وكانت امرأته من حضرموت يقال لها العيوف بنت مالك بن نهار بن عقرب، وكانت نصبت له العداوة حين جاء برأس الحسين. قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر أبو الأشعر أن المختار قال ذات يوم وهو يحدث جلساءه: لأقتلن غداً رجلا عظيم القدمين، غائر العينين مشرف الحاجبين، يسر مقتله المؤمنين و الملائكة المقربين. قال: وكان الهيثم بن الأسود النخعي عند المختار حين سمع هذه المقالة. فوقع في نفسه أن الذي يريد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فلما رجع إلى منزله دعا ابنه العريان فقال: الق ابن سعد الليلة فخبره بكذا وكذا، وقل له: خذ حذرك، فإنه لا يريد غيرك. قال: فأتاه فاستخلاه، ثم حدثه الحديث، فقال له عمر بن سعد: جزى الله أباك و الإخاء خيراً! كيف يريد هذا بي بعد الذي أعطاني من العهود والمواثيق! وكان المختار أول ماظهر أحسن شئ سيرة وتألفاً للناس، وكان عبد الله بن جعدة بن هبيرة أكرم خلق الله على المختار لقرابته بعلي فكلم عمر بن سعد عبد الله بن جعدة وقال له: إني لا آمن هذا الرجل - يعني المختار - فخذ لي منه آماناً، ففعل؛ قال: فأنا رأيت أمانه وقرأته وهو " بسم الله الرحمن الرحيم " هذا أمان من المختار بن أبي عبيد لعمر بن سعد ابن أبي وقاص، إنك آمن بأمان الله على نفسك ومالك وأهلك وأهل بيتك وولدك، لا تؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت وأطعت ولزمت رحلك وأهلك ومصرك، فمن لقي عمر بن سعد من شرطة الله وشيعة آل محمد ومن غيرهم من الناس، فلا يعرض له إلا بخير. شهد السائب بن مالك وأحمر بن شميط وعبد الله بن شداد وعبد الله بن كامل. وجعل المختار على نفسه عهد الله وميثاقه ليفين لعمر بن سعد بما أعطاه من الأمان، إلا أن يحدث حدثاً، وأشهد الله على نفسه، وكفى بالله شهيداً. قال: فكان أبو جعفر محمد بن علي يقول: أما أمان المختار لعمر بن سعد: إلا أن يحدث حدثاً، فإنه كان يريد به إذا دخل الخلاء فأحدث. قال: فلما جاءه العريان بهذا خرج من تحت ليلته حتى أتى حمامه، ثم قال في نفسه: أنزل داري، فرجع فعبر الروحاء، ثم أتى داره غدوة، وقد أتى حمامه، فأخبر مولى له بما كان من أمانه وبما أريد به، فقال له مولاه: وأي حدث أعظم مما صنعت! إنك تركت رحلك وأهلك وأقبلت إلى ها هنا، ارجع إلى رحلك، لا تجعن للرجل عليك سبيلا. فرجع إلى منزله، وأتى المختار بانطلاقه، فقال: كلا إن في عنقه سلسلة سترده، لو جهد أن ينطلق ما استطاع. قال: وأصبح المختار فبعث إليه أبا عمرة، وأمره أن يأتيه به، فجاءه حتى دخل عليه فقال: أجب الأمير، فقام عمر: فعثر في جبة له، ويضربه أبو عمرة بسيفه، فقتله، وجاء برأسه في أسفل قبائه حتى وضعه بين يدي المختار، فقال المختار لابنه حفص بن عمر بن سعد وهو جالس عنده: أتعرف هذا الرأس؟ فاسترجع وقال: نعم، ولا خير في العيش بعده، قال له المختار: صدقت، فإنك لاتعيش بعده، فأمر به فقتل، وإذا رأسه مع رأس أبيه. ثم إن المختار قال: هذا بحسين هذا بعلي بن حسين، ولا سواء، والله لوقتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله؛ فقالت حميدة بنت عمر بن سعد تبكي أباها: لو كان غير أخي قسي غره ... أو غير ذي يمن وغير الأعجم سخي بنفسي ذاك شيئاً فاعلموا ... عنه وما البطريق مثل الألأم أعطي ابن سعد في الصحيفة وابنه ... عهداً يلين له جناح الأرقم فلما قتل المختار عمر بن سعد وابنه بعث برأسيهما مع مسافر بن سعيد ابن نمران الناعطي وظبيان بن عمارة التميمي، حتى قدما بهما على محمد ابن الحنفية، وكتب إلى ابن الحنفية في ذلك بكتاب. قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عامر، قال: إنما كان هيج المختار على قتل عمر بن سعد أن يزيد بن شارحيل الأنصاري أتى محمد بن الحنفية، فسلم عليه؛ فجرى الحديث إلى أن تذاكروا المختار وخروجه وما يدعو إليه من الطلب بدماء أهل البيت، فقال محمد بن الحنفية: على أهون رسله يزعم أنه لنا شيعة، وقتلة الحسين جلساؤه على الكراسي يحدثونه! قال: فوعاها الآخر منه، فلما قدم الكوفة أتاه فسلم عليه، فسأله المختار: هل لقيت المهدي؟ فقال له: نعم، فقال: ما قال لك وماذاكرك؟ قال: فخبره الخبر. قال: فما لبث المختار عمر بن سعد وابنه أن قتلهما، ثم بعث برأسيهما إلى أبن الحنفية مع الرسولين اللذين سمينا، وكتب معهما إلى ابن الحنفية: " بسم الله الرحمن الرحيم " للمهدي محمد بن على من المختار بن أبي عبيد. سلام عليك يا أيها المهدي، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله بعثني نقمة على أعدائكم، ونصر مؤازريكم. وقد بعثت إليك برأس عمر بن سعد وابنه، وقد قتلنا من شرك في دم الحسين وأهل بيته - رحمة الله عليهم - كل من قدرنا عليه، ولن يعجز الله من بقي، ولست بمنجم عنهم حتى لا يبلغني أن على أديم الأرض منهم أرميا فاكتب إلى أيها المهدي برأيك أتبعه وأكون عليه. والسلام عليك أيها المهدي ورحمة الله وبركاته. ثم إن المختار بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن طفيل الطائي السنبسي - وقد كان أصاب صلب العباس بن علي، ورمى حسيناً بسهم، فكان يقول: تعلق سهمي بسرباله وما ضره فأتاه عبد الله ابن كامل، فأخذه ثم أقبل به، وذهب أهله فاستغاثوه بعدى بن حاتم، فلحقهم في الطريق، فكلم عبد الله بن كامل فيه، فقال: ما إلى من أمره شىء، إنما ذلك إلى الأمير المختار. قال: فإني آتيه؛ قال: فأته راشداً. فمضى عدى نحو المختار، وكان المختار قد شفعه في نفر منقومه أصابهم يوم جبانة السبيع، لم يكونوا نطقوا بشىء من أمر الحسين ولا أهل بيته، فقالت الشيعة لابن كامل: إنا نخاف أن يشفع الأمير عدى بن حاتم في هذا الحبيث، وله من الذنب ما قد علمت، فدعنا نقتله. قال: شأنكم به، فلما انتهوا به إلى دار العنزيين وهو مكتوف نصبوه غرضاً، ثم قالوا له: سلبت ابن علي ثيابه، والله لنسلبن ثيابك وأنت حي تنظر! فنزعوا ثيابه، ثم قالوا له: رميت حسيناً، واتخذته غرضاً لنبلك، وقلت: تعلق شهمي بسرباله ولم يضره، وايم الله لنرمينك كما رميته بنبال ما تعلق بك منها أجزاك. قال: فرموه رشقاً واحداً، فوقعت به منهم نبال كثيرة فخر ميتاً. قال أبو مخنف: فحدثني أ بو الجارود، عمن رآه قتيلاً كأنه قنفذ لما فيه من كثرة النبل: ودخل عدى بن حاتم على المختار فأجلسه معه على مجلسه، فأخبره عدى عما جاء له، فقال له المختار: أتستحل يا أبا طريف أن تطلب في قتلة الحسين! قال: إنه مكذوب عليه أصلحك الله! قال: إذاً ندعه لك قال: فلم يكن بأسرع من أن دخل ابن كامل فقال له المختار: ما فعل الرجل؟ قال: قتلته الشيعة: قال: وما أعجلك إلى قتله قبل أن تأتيني به وهو لايسره أنه لم يقتله وهذا عدى قد جاء فيه، وهو أهل أن يشفع ويؤتي ما سره! قال: غلبتني والله الشيعة، قال له عدى: كذبت يا عدو الله، ولكن ظننت أن من هو خير منك سيشفعني فيه، فبادرتني فقتلته، ولم يكن خطر يدفعك عما صنعت، قال: فاسحنفر إليه ابن كامل بالشتيمة، فوضع المختار إصبعه على فيه، يأمر ابن كامل بالسكوت والكف عن عدى، فقام عدى، راضياًعن المختار ساخطاً على ابن كامل، يشكوه عند من لفى من قومه. وبعث المختار إلى قاتل علي بن الحسين عبد الله ابن كامل. وهو رجل من عبد القيس يقال له مرة بن منقذ بن النعمان العبدي وكان شجاعاً، فأتاه ابن كامل فأحاط بداره، فخرج إليهم وبيده الرمح، وهو على فرس جواد، فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامى، فصرعه ولم يضره. قال: ويضربه ابن كامل بالسيف فيتقيه بيده اليسرى، فأسرع فيها السيف، وتمطرت به الفرس، فأفلت ولحق بمصعب، وشلت يده بعد ذلك. قال: وبعث المختار أيضاً عبد الله الشاكري إلى رجل من جنب يقال له زيد بن رقاد. كان يقول: لقد رميت فتى منهم بسهم وإنه لواضع كفه على جبهته يتقى النبل فأثبت كفه في جبهته، فما استطاع أن يزيل كفه عن جبهته. قال أبو مخنف:فحدثني أبو عبد الأعلى الزبيدي أن ذلك الفتى عبد الله ابن مسلم بن عقيل، وأنه قال حيث أثبت كفه في جبهته: اللهم إنهم استقلونا و استذلونا، اللهم فاقتلهم كما قتلونا، وأذلهم كما استذلونا. ثم إنه رمى الغلام بسهم آخر فقتله، فكان يقول: جئته ميتاً فنزعت سهمي الذي قتلته به من جوفه، لم أزل أنضنض السهم من جبهته حتى نزعته، وبقى النصل في جبهته مثبتاً ما قدرت على نزعه. قال: فلما أتى ابن كامل داره أحاط بها، واقتحم الرجال عليه، فخرج مصلتاً بسيفه - وكان شجاعاً - فقال ابن كامل: لا تضربوه بسيف، ولا تطعنوه برمح، ولكن ارموه بالنبل، وارجموه بالحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فقال ابن كامل: إن كان به رمق فأخرجوه؛ فأحرجوه وبه رمق، فدعا بنار فحرقه بها وهو حي لم تخرج روحه. وطلب المختار سنان ابن أنس الذي كان يدعى قتل الحسين، فوجده قد هرب إلى البصرة. فهدم داره. وطلب المختار عبد الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب، ولحق بالجزيرة، فهدم داره وكان ذلك الغنوي قد قتل منهم غلاماً. وقتل رجل آخر من بني أسد يقال له حرملة بن كاهل رجلاً من آل الحسين، ففيهما يقول ابن أبي عقب الليثي: وعند غنى قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعد وتذكر وطلب رجلاً من خشعم يقال له عبد الله بن عروة الخثعمي - كان يقول: رميت فيهم باثنى عشر سهماً ضيعة - ففاته ولحق بصعب، فهدم داره. وطلب رجلاً من صداء يقال له عمرو بن صبيح، وكان يقول: لقد طعنت بعضهم وجرحت فيهم وما قتلت منهم أحداً، فأتى ليلاً وهو على سطحه وهو لا يشعر بعد ما هدأت العيون. وسيفه تحت رأسه، فأخذوه أخذاً، وأخذوا سيفه، فقال: قبحك الله سيفاُ، ما أقربك وما أبعدك! فجيء به إلى المختار، فحبسه معه في القصر، فلما أن أصبح أذن لاُصحابه، وقيل: ليدخل من شاء أن يدخل، ودخل الناس، وجيء به مقيداً، ففال: أما والله يا معشر الكفرة الفجرة أن لو بيدي سيفي لعلم أنى بنصل السيف غير رعش ولا رعديد،ما يسرني إذا كانت منيتي قتلاً أنه قتلني من الخلق أحد غيركم. لقد علمت أنكم شرار خلق الله. غير أني وددت أن بيدي سيفاُ أضرب به فيكم ساعة، ثم رفع يده فلطم عين ابن كامل وهو إلى جنبه، فضحك ابن كامل، ثم أخذ بيده وأمسكها، ثم قال: إنه يزعم أنه قد جرح في آل محمد وطعن، فمرنا بأمرك فيه، فقال المختار: علي بالرماح، فأتى بها، فقال: أطعنوه حتى يموت، فطعن بالرماح حتى مات. قال: أبو مخنف: حدثني هشام بن عبد الرحمن وابنه بن هشام أن أصحاب المختار مروا بدار بني أبي زرعة بن مسعود، فرموهم من فوقها، فأقبلوا حتى دخلوا الدار، فقتلوا الهبياط بن عثمان بن أبي زرعة الثقفي وعبد الرحمن بن عثمان بن أبي زرعة الثفقي، وأفلتهم عبد الملك ابن أبي زرعة بضربة في رأسه، فجاء يشتد حتى دخل على المختار، فأمر امرأته أم ثابت ابنة سمرة بن جندب، فداوت شجته، ثم دعاه، فقال: لا ذنب لي، إنكم رميم القوم فأغضبتموهم. وكان محمد بن الشعث بن قيس في قرية الشعث إلى جانب القادسية، فبعث المختار إليه حوشباً سادن الكرسي في مائة، فقال: انطلق إليه فإنك تجده لاهياً متصيداً، أو قائماً متلبداً، أو خائفاً متلدداً، أو كامناً متغمداً، فإن قدرت عليه فأتني برأسه. فخرج حتى أتى قصره فأحاط به، وخرج منه محمد بن الأشعث فلحق بمصعب، وأقاموا على القصر وهم يرون أنه فيه، ثم دخلوا فعلموا أنه قد فاتهم، فانصرفوا ألى المختار، فبعث إلى داره فهدمها، وبنى بلبنها وطينها دار حجر بن عدي الكندي، وكان زياد بن سمية قد هدمها ذكر الخبر عن البيعة للمختار بالبصرة قال أبو جعفر: وفي بهذه السنة دعا المثنى بن مخربة العبدي إلى البيعة للمختار بالبصرة أهلها؛ فحدثني أحمد ين زهير، عن علي بن محمد، عن عبد الله بن عطية الليثي وعامر بن الأسود، أن المثنى بن مخربة العبدي كان ممن شهد عين الوردة مع سليمان بن صرد، ثم رجع مع من رجع ممن بقى من التوابين إلى الكوفة، والمختار محبوس، فأقام حتى خرج المختار من السجن، فبايعه المثنى سراً، وقال له المختار: الحق ببلدك بالبصرة فارع الناس، وأسر أمرك؛ فقدم البصرة فدعا، فأجابه رجال من قومه وغيرهم فلما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة ومنع عمر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام من الكوفة خرج المثنى بن مخربة فاتخذ مسجداً، واجتمع إليه قومه، ودعا إلى المختار، ثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها، وجمعوا الطعام في المدينة، ونحروا الجزر، فوجه إليهم القباع عباد بن حصين وهو على شرطته، وقيس بن الهيثم في الشرط والمقاتلة، فأخذوا في سكة الموالي حتى خرجوا إلى السبخة،فوقفوا، ولزم الناس دورهم، فلم يخرج أحد، فجعل عباد ينظر هل يرى أحداً يسأله! فلم ير أحداً؛ فقال: أما ها هنا رجل من ينس تميم؟ فقال خليفة الأعور مولى بني عدي، عدى الرباب:هذه دار وراد مولى بني عبد شمس؛ قال: دق الباب، فدقه، فخرج إليه وراد، فشتمه عباد وقال: ويحك! أنا واقف ها هنا، لم لم تخرج إلي! قال: لم أدر ما يوافقك، قال: شد عليك سلاحك واركب، ففعل، ووقفوا، وأقبل أصحاب المثنى فوافقوهم،فقال عباد لوراد: قف مكانك مع قيس، فوقف قيس بن الهيثم ووراد، ورجع عباد فأخذ في طريق الذباحين، والناس وقوف في السبخة،حتى أتى الكلاُ، ولمدينة الرزق أربعة أبواب: باب مما يلي البصرة، وباب إلى الخلالين، وباب إلى المسجد، وباب إلى مهيب الشمال، فأتى الباب الذي يلي النهر مما يلي أصحاب السقط، وهو باب صغير، فوقف ودعا بسلم فوضعه مع حائط المدينة، فصعد ثلاثون رجلاً، وقال لهم: إلزموا السطح، فإذا سمعتم التكبير فكسروا على السطوح، ورجع عباد إلى قيس بن الهيثم وقال لوراد: حرش القوم؛ فطاردهم وراد، ثم التبس القتال فقتل أربعون رجلاً من أصحاب المثنى، وقتل رجل من أصحاب عباد، وسمع الذين على السطوح في دار الرزق الضجة والتكبير، فكبروا، فهرب من كان في المدينة، وسمع المثنى وأصحابه التكبير من ورائهم، فانهزموا، وأمر عباد وقيس بن الهيثم الناس بالكف عن أتباعهم وأخذوا مدينة الرزق وما كان فيها، وأتى المثنى وأصحابه عبد القيس ورجع عباد وقيس ومن معهما إلى القباع فوجههما إلى عبد القيس، فأخذ قيس بن الهيثم من ناحية الجسر، وأتاهم عباد من طريق المربد، فالتقوا فأقبل زياد بن عمرو العتكي إلى القباع وهو في المسجد جالس على المنبر، فدخل زياد المسجد على فرسه، فقال: أيها الرجل، لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنها. فأرسل القباع الأحنف بن قيس وعمر بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا أمر الناس، فأتيا عبد القيس، فقال الأحنف لبكر والأسد والعامة: ألستم على بيعة ابن الزبير؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نسلم إخواننا. قال: فمروهم فليخرجوا إلى أي بلد أحبوا، ولا يفسدوا هذا المصر على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا. فمشى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ووجوه أصحابهم إلى المثنى، فقالوا له ولأصحابه: إنا والله ما نحن على رأيكم، ولكننا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإن من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون. فقبل المثنى قولهما وما أشارا به، وانصرف ورجع الأحنف وقال: ما غبنت رأيي إلا يومي هذا القباع، وشخص المثنى إلى المختار بالكوفة في نغر يسير من أصحابه. وأصيب في تلك الحرب سويد بن رئاب الشنى، وعقبة بن عشيرة الشنى، قتله رجل من بني تميم وقتل التميمي فولغ أخو عقبة بن عشيرة في دم التميمي، وقال: ثأري. وأخبر المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبهما عنه حتى شخص عن البصرة، فطمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أما بعد، فاسمعا وأطيعا أوتيكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنة. فقال. مالك لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاق إعطاءنا الدنيا والآخرة؟؟؟؟؟؟؟؟ فقال زياد لمالك مازحاً: يا أبا غسان، أما أنا فلا أقاتل نسيئة، من أعطانا الدراهم نقاتل معه. وكتب المختار إلى الأحنف بن قيس:من المختار إلى الأحنف ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد، فويل أم ربيعة من مضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر،حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذاباً، وقد كذب الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم. وكتب إلى الأحنف:ياد المسجد على فرسه، فقال: أيها الرجل، لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلنها. فأرسل القباع الأحنف بن قيس وعمر بن عبد الرحمن المخزومي ليصلحا أمر الناس، فأتيا عبد القيس، فقال الأحنف لبكر والأسد والعامة: ألستم على بيعة ابن الزبير؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ قالوا: بلى، ولكنا لا نسلم إخواننا. قال: فمروهم فليخرجوا إلى أي بلد أحبوا، ولا يفسدوا هذا المصر على أهله، وهم آمنون فليخرجوا حيث شاءوا. فمشى مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ووجوه أصحابهم إلى المثنى، فقالوا له ولأصحابه: إنا والله ما نحن على رأيكم، ولكننا كرهنا أن تضاموا، فالحقوا بصاحبكم، فإن من أجابكم إلى رأيكم قليل، وأنتم آمنون. فقبل المثنى قولهما وما أشارا به، وانصرف ورجع الأحنف وقال: ما غبنت رأيي إلا يومي هذا القباع، وشخص المثنى إلى المختار بالكوفة في نغر يسير من أصحابه. وأصيب في تلك الحرب سويد بن رئاب الشنى، وعقبة بن عشيرة الشنى، قتله رجل من بني تميم وقتل التميمي فولغ أخو عقبة بن عشيرة في دم التميمي، وقال: ثأري. وأخبر المختار حين قدم عليه بما كان من أمر مالك بن مسمع وزياد بن عمرو ومسيرهما إليه، وذبهما عنه حتى شخص عن البصرة، فطمع المختار فيهما، فكتب إليهما: أما بعد، فاسمعا وأطيعا أوتيكما من الدنيا ما شئتما، وأضمن لكما الجنة. فقال. مالك لزياد: يا أبا المغيرة، قد أكثر لنا أبو إسحاق إعطاءنا الدنيا والآخرة؟؟؟؟؟؟؟؟ فقال زياد لمالك مازحاً: يا أبا غسان، أما أنا فلا أقاتل نسيئة، من أعطانا الدراهم نقاتل معه. وكتب المختار إلى الأحنف بن قيس:من المختار إلى الأحنف ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد، فويل أم ربيعة من مضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر،حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط في القدر، وقد بلغني أنكم تسمونني كذاباً، وقد كذب الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير منهم. وكتب إلى الأحنف: إذا اشتريت فرساً من مالكاً ... ثم أذت الجوب في شمالكا فاجعل مصاعاً حذما من بالكا حدثني أو السائب سليم بن جنادة، قال: حدثنا الحسن بن حمادة، عن حبان بن علي، عن المجالد، عن الشعبي، قال: دخلت البصرة فقعدت إلى حلقة فيها الأحنف بن قيس، فقال لي بعض القوم: من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة؛ قال: أنتم موال لنا؛ قلت: وكيف؟ قال: قد أنقذناكم من أيدي عبيدكم من أصحاب المختار، قلت: تدري ما قال شيخ همدان فينا وفيكم؟ فقال الأحنف بن قيس: وما قال؟ قلت قال: أفخرتم أن قتلتم أعبداً ... وهزمتم مرة آل عزل وإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل بين شيخ غاضب عثنونه ... وفتى أبيض وضاح رفل جاءنا يهدج في سابغة ... فذبحناه ضحى ذبح الحمل وعفونا فنسيتم عفونا ... وكفرتم نعمة الله الأجل وقتلتم خشبيين بهم ... بدلاً من قومكم شر بدل فعضب الأحنف، فقال: يا غلام، هات تلك النصيحة، فأتى بصحيفة فيها: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من المختار بن أبي عبيد إلى الأحنفبن قيس، أما بعد، فويل أم ربيعة ومضر، فإن الأحنف مورد قومه سقر، حيث لا يقدرون على الصدر، وقد بلغني أنكم تكذبوني، وإن كذبت فقد كذب رسل من قبلي، ولست أنا خير منهم، فقالوا: هذا منا أو منكم. وقال هشام بن محمد عن أبي مخنف، قال: حدثني منيع بن العلاء السعدي أن مسكين بم عامر بن أنيف بن شريح بن عمرو بن عدس كان فيمن قاتل المختار، فلما هزم الناس لحق بآذربيجان بمحمد بن عمير بن عطارد. وقال: عجبت دختنوس لما رأتني ... قد علاني من المشيب خمار فأهلت بصوتها وأرنت ... لاتهالى قد شاب منى العذار إن تريني فقد بان غرب شبابي ... وأتى دون مولدي إعصار فابن عامين وابن خمسين عاماً ... أى دهر إلا له أدهار؟؟؟؟ ليت سيفي لها وجوبتها لي ... يوم قالت ألا كريم يغار ليتنا قبل ذلك اليوم متنا ... أو فعلنا ما تفعل الأحرار فعل قوم تقاذف الخير عنهم ... لم نقاتل وقاتل العيزار ؟؟وتوليت عنهم وأصيبوا ... ونفاني عنهم شنار وعار لهف نفسي علي شهاب قريش ... يوم يؤتى برأسه المختار وقال المتوكل الليثي: قتلوا حسيناً ثم هم ينعونه ... إن الزمان بأهله أطوار لا تبعدن بالطف قتلى ضيعت ... وسقى مساكن هامها الأمطار ما شرطة الجال تحت لوائه ... بأضل ممن غره المختار أبنى قسى أوثقوا دجالكم ... يجل الغبار وأنتم أحرار لو كان علم الغيب عند أخيكم ... لتوطات لكم به الأخبار ولكان أمراً بيناً فيما مضى ... تأتى به الأنباء والأخبار إني لأرجو أن يكذب وحيكم ... طعن يشق عصاكم وحصار ويجيئكم قوم كأن سيوفهم ... بأكفهم تحت العجاجة نار لاينثنون إذا هم لاقوكم ... إلا وهام كماتكم أعشار ذكر الخبر عن بعث المختار جيشه للمكر بابن الزبيرقال أبو جعفر: وفي هذه السنة بعث المختار جيشاً إلى المدينة للمكر بابن الزبير، وهو مظهر لهم أنه وجههم معونة له لحرب الجيش الذي كان عبد الملك بن مروان وجهه إليه لحروبه، فنزلوا وادي القرى. ذكر الخبر عن السبب الداعي كان للمختار إلى توجيه الجيش وإلى ما صار أمرهم: قال: هشام بن محمد: قال أبو محنف: حدثني موسى بن عامر، قال: لما أخرج المختار ابن مطيع من الكوفة لحق بالبصرة. وكره أن يقدم ابن الزبير بمكة وهو مهزوم مفلول، فكان بالبصرة مقيماً حتى قدم عليه عمر بن عبد الرحمن بن هشام، فصارا جميعاً بالبصرة. وكان سبب قدوم عمر البصرة أن المختار حين ظهر بالكوفة واستجمع له الأمر وهو عند الشيعة إنما يدعو إلى ابن الحنفية والطلب بدماء أهل البيت، أخذ يخادع ابن الزبير ويكتب إليه، فكتب إليه: أما بعد، فقد عرفت مناصحتي إياك وجهدي على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتني إذا أنا فعلت ذلك من نفسك فلما وفيت لك، وقضيت الذي كان لك علي، خست بي، ولم تفي بما عاهدتني عليه، ورأيت مني ما قد رأيت، فإن ترد مراجعتي أراجعك، وإن ترد مناصحتي أنصح لك. وهو يريد بذلك كفه عنه، حتى يستجمع له الأمر، وهو لا يطلع الشيعة على شيء من هذا الأمر، وإذا بلغهم شيء منهم أراهم أنه أبعد الناس عن ذلك، قال: فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب! فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد وليناكها، فقال: كيف وبها المختار! قال: إنه يزعم أنه سامع مطيع. قال: فتجهز بما بين الثلاثين ألف درهم إلى الأربعين ألفاً، ثم خرج مقبلاً إلى الكوفة. قال: ويجيء عين المختار من مكة حتى أخبره الخبر، فقال له: بكم تجهز؟ قال: بما بين الثلاثين ألفاً إلى الأربعين ألفاً. قال: فدعا المختار زائدة بن قدامة وقال له: احمل معك سبعين ألف درهم ضعف ما أنفق هذا في مسيره إلينا وتلقه في المفاوز، واخرج معك مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي في خمسمائة فارس دارع رامح، عليهم البيض، ثم قل له: خذ هذه النفقة فإنها ضعف نفقتك، فإنه قد بلغنا أنك تجهزت وتكلفت قدر ذلك، فكرهنا أن تغرم، فخذها وانصرف، فإن فعل وإلا فأره الخيل وقل له: إن وراء هؤلاء مثلهم مائة كتيبة. قال: فأخذ زائد المال، وانصرف معه الخيل، وتلقاه بالمفاوز، وعرض عليه المال، وأمره بالانصراف، فقال له: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ولا بد من إنفاذ أمره. فدعا زائدة بالخيل وقد أكمنها في جانب، فلما رآها قد قبلت قال: هذا الآن أعذر لي وأجمل بي، هات المال، فقال له زائدة: أما إنه لم يبعث به إليك إلا لما بنيك وبينه، فدفعه إليه فأخذه، ثم مضى راجعاً نحو البصرة، فاجتمع بها هو وابن مطيع في إمارة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وذلك قبل وثوب المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة. قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم أن المختار أخبر أن أهل الشام قد أقبلوا نحو العراق، فعرف أنه به يبدأ، فخشي أن يأتيه أهل الشام من قبل المغرب، ويأتيه مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فوادع ابن الزبير وداره وكايده؛ وكان عبد الملك بن مروان قد بعث عبد الملك ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص إلى وادي القرى، والمختار لابن الزبير مكايد موادع، فكتب المختار إلى ابن الزبير: أما بعد، فقد بلغني أن عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشاً، فإن أحببت أن أمدك بمدد أمددتك. فكتب إليه عبد الله بن الزبير: أما بعد، فإن كنت على طاعتي فلست أكره أن تبعث الجيش إلى بلادي وتبايع لي الناس قبلك، فإذا أتتني بيعتك صدقت مقالتك، وكففت جنودي على بلادك، وعجل علي بتسريح الجيش الذي أنت باعثه، ومرهم فليسيروا إلى من بوادي القرى من جند بن مروان فليقاتلوهم. والسلام. فدعا المختار شرحبيل بن ورس من همذان، فسرحه في ثلاثة آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم من العرب إلا سبعمائة رجل، فقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإذا دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري، وهو يريد إذادخلوا المدينة أن تبعث عليهم أميراً من قبله، ويأمر ابن ورس أن يمضي إلى مكة حتى يحاصر ابن الزبير ويقاتله بمكة، فخرج الآخر يسير قبل المدينة، وخشى ابن الزبير أن يكون المختار إنما يكيده، فبعث من مكة إلى المدينة عباس بن سهل بن سعد في ألفين، وأمره أن يستنفر الأعراب، وقال له ابن الزبير: إن رأيت القوم في طاعتي فاقبل منهم. وإلا فكايدهم حتى تهلكهم. ففعلوا، وأقبل عباس بن سهل حتى لقي ابن ورس بالرقيم، وقد عبى ابن ورس أصحابه، فجعل على ميمنته سلمان ابن حمير الثورى من همدان، وعلى ميسرته عياش بن جعدة الجدلي، وكانت خيله كلها في الميمنة والميسرة، فدنا فسلم عليه، ونزل هو يمشي في الرجالة، وجاء عباس في أصحابه وهم منقطعون على غير تعبية، فيجد ابن ورس على الماء قد عبى أصحابه تعبية القتال، فدنا منهم فسلم عليهم، ثم قال: اخل معي ها هنا، فخلا به، فقال له: رحمك الله! ألست في طاعة ابن الزبير! فقال له ابن ورس: بلى، قال: فسر بنا إلى عدوه هذا الذي بوادي القرى، فإن ابن الزبير حدثني أنه إنما أشخصكم صاحبكم إليهم، قال ابن ورس: ما أمرت بطاعتك، إنما أمرت أن أسير حتى آتى المدينة، فإذا نزلتها رأيت رأيى. قال له عباس بن سهل: فإن كنت في طاعة ابن الزبير فقد أمرني أن أسير بك وبأصحابك إلى عدونا الذين بوادي القرى، فقال له ابن ورس: ما أمرت بطاعتك، وما أنا بمتبعك دون أن أدخل المدينة، ثم أكتب إلى صاحبي فيأمرني بأمره. فلما رأى عباس بن سهل لجاجته عرف خلافه، فكره أن يعلمه أنه قد فطن له، فقال: فرأيك أفضل، اعمل بما بدا لك؛ فأما أنا فإني سائر إلى وادي القرى. ثم جاء عباس بن سهل فنزل بالماء، وبعث إلى ابن ورس بجزائر كانت معه، فأهداها له، وبعث إليه بدقيق وغنم مسلخة وكان ابن ورس وأصحابه قد هلكوا جوعاً فبعث عباس بن سهل إلى كل عشرة منهم شاة، فذبحوها، واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء، وترك القوم تعبيتهم، وأمن بعضهم بعضاً، فلما رأى عباس بن سهل ما هم فيه من الشغل جمع من أصحابه نحواً من ألف رجل من ذوي البأس والنجدة ثم أقبل نحو فسطاط شرحبيل بن ورس، فلما رآهم ابن ورس مقبلين إليه نادى في أصحابه، فلم يتواف إليه مائة رجل حتى انتهى إليه عباس بن سهل وهو يقول: يا شرطة الله، إلى إلي! قاتلوا المحلين، أولياء الشيطان الرجيم، فإنكم على الحق والهدى، قد غدروا وفجروا. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف أن عباساً انتهى إليهم، وهو يقول: أنا ابن سهل فارس غير وكل ... أروع مقدام إذا الكبش نكل وأعتلي رأس الطرماح البطل ... بالسيف يوم الروع حتى ينخزل قال: فوالله ما اقتتلنا إلا شيئاً ليس بشىء حتى قتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ، ورفع عباس بن سهل راية أمان لأصحاب ابن ورس، فأتوها إلا نحواً من ثلثمائة رجل انصرفوا مع سلمان بن حمير الهمداني و عياش بن جعدة الجدلى، فلما وقعوا في يد عباس بن سهل أمر بهم فقتلوا إلا نحواً من مائتي رجل، كره ناس من الناس ممن دفعوا إليهم قتلهم، فخلوا سبيلهم، فرجعوا، فماتأكثرهم في الطريق، فلما بلغ المختار أمرهم، ورجع من رجع منهم، قام خطيباً فقال: ألا إن الفجار الأشرار، قتلوا الأبرار الأخيار. ألا إنه كان أمراً مأتياً، وقضاء مقضياً. وكتب المختار إلى ابن الحنفية مع صالح بن مسعود الخثمعي: " بسم الله الرحمن الرحيم " . أما بعد، فإني كنت بعثت إليك جنداً ليبذلوا لك الأعداء. وليحوزوا لك البلاد، فساروا إليك حتى إذا أظلوا على طيبة، لقيهم جند الملحد، فخدعوهم بالله، وغروهم بعهد الله، فلما اطمأنوا إليهم،ووثقوا بذلك منهم، وثبوا عليهم فقتلوهم، فإن رأيت أنا بعث إلى المدينة من قبلي جيشاً كثيفاً، وتبعث إليهم من قبلك رسلاً؛ يعلم أهل المدينة أني في طاعتك، وإنما بعثت الجند إليهم عن أمرك، فافعل، فإنك ستجد عظمهم بحقهم أعرف، وبكم أهل البيت أرأف منهم بآل الزبير الظلمة الملحدين. والسلام عليكم. فكتب إليه ابن الحنفية: أما بعد، فإن كتابك لما بلغني قرأته، وفهمت تعظيمك لحقي، وما تنوي به من سروري. وإن أحب الأمور كلها إلى ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت فيما أعلنت وأسررت، واعلم أني لو أردت لوجدت الناس إلي سراعاً، والأعوان لي كثيراً، ولكني أعتزلهم، وأصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. فأقبل صالح بن مسعود إلى ابن الحنفية فودعه وسلم عليه، وأعطاه الكتاب وقال له: قل للمختار فليتق الله، وليكفف عن الدماء، قال: فقلت له: أصلحك الله؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟! أو لم تكتب بهذا إليه! قال له ابن الحنفية: قد أمرته بطاعة الله. وطاعة الله تجمع الخير كله، وتنهى عن الشر كله. فلما قدم كتابه على المختار أظهر للناس أنى قد أمرت بأمر يجمع البر واليسر، ويضرح الكفر والغدر. ذكر الخبر عن قدوم الخشبية مكة وموافاتهم الحجقال أبو جعفر: وفي هذه السنة قدمت الخشبية مكة، ووافوا الحج وأميرهم أبو عبد الله الجدلي. ذكر الخبر عن سبب قدومهم مكة: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام،عن أبي مخنف وعلي بن محمد، عن مسلمة ابن محارب - أن عبد الله بن الزبير حبس محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلاً من أهل الكوفة بزمزم، وكرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمة، وهربوا إلى الحرم، وتوعدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهداً إن لم يبايعوا إن ينفذ فيهم ما توعدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلاً، فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من بالكوفة رسولاً يعلمهم حالهم وحال من معهم، وما توعدهم به ابن الزبير. فوجه ثلاثة نفر من أهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب معهم إلى المختار وأهل الكوفة يعلمهم حاله وحال من معه، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار، ويسألهم ألا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته. فقدموا إلى المختار، فدفعوا إليه الكتاب فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم، وقد تركوا محظوراً عليهم كما يحظروا على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار في آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصراً مؤزراً، وإن لم أسرب إليهم الخيل في أثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل. ووجه ابا عبد الله الجدلي في سبعين راكباً من أهل القوة، ووجه ظبيان ابن عمارة أخا بني تميم ومعه أربعمائة، وأبا المعتمر في مائة، وهانئ ابن قيس في مائة، وعميربن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين، وكتب إلى محمد بن علي مع الطفيل بن عامر ومحمد بن قيس بتوجيه الجنود إليه، فخرج الناس بعضهم في أثر بعض، وجاء أبو عبد الله حتى نزل ذات عرق في سبعين راكباً، ثم لحقه عمير بن طارق في أربعين راكباً، ويونس ابن عمران في أربعين راكباً، فتموا خمسين ومائة، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام، ومعهم الكافركوبات، وهم ينادون: يالثارات الحسين! حتى انتهوا إلى زمزم، وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومان، فطردوا الحرس، وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفية. فقالوا له: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير، فقال لهم: إني لأستحل القتال في حرم الله فقال ابن الزبير: أتحسبون أني مخل سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا! فقال أبو عبد الله الجدلى: إي ورب الركن والمقام، ورب الحل والحرام، لتخلين سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلاداً يرتاب منه المبطلون. فقال ابن الزبير: والله ما هؤلاء إلا أكلة رأس، والله لأذنت لأصحابي ما مضت ساعة حتى تقطف رؤوسهم، فقال له قيس بن مالك: أما والله إني لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحب. فكف ابن الحنفية أصحابه وحذرهم الفتنة، ثم قدم أبو المعتمر في مائة، وهانىء بن قيس في في مائة، وظبيان بن عمارة في مائتين، ومعه المال حتى دخلوا المسجد، فكبروا: يالثارات الحسين! فلما رآهم ابن الزبير خافهم، فخرج محمد بن الحنفية ومن معه إلى شعب على وهم يسبون ابن الزبير. ويستأذنون ابن الحنفية فيه، فيأبى عليهم، فاجتمع مع محمد ابن علي في الشعب أربعة آلاف رجل، فقسم بينهم ذلك المال. ذكر الخبر عن حصار بني تميم بخراسانقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان حصار عبد الله بن خازم من كان بخراسان من رجال بني تميم بسبب قتل من قتل منهم ابنه محمداً. قال علي بن محمد: حدثنا الحسن بن رشيد الجوزجاني عن الطفيل ابن مرداس العمى، قال: لما تفرقت بنو تميم بخراسان أيام ابن خازم، أتى فصر فرتنا عدة من فرسانهم ما بين السبعين إلى الثمانين؛ فولوا أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفر المزني، ومعه شعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري، وزهير بن ذؤيب العدوي، وجيهان بن مشجعة الضبى، والحجاج بن ناشب العدوي، ورقبة بن الحر في فرسا بني تميم. قال: فأتاهم ابن خازم، فحصرهم وخندق خندقاً حصيناً. قال: وكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر. قال: فخرج ابن خازم يوماً على تعبية من خندقه في ستة آلاف، وخرج أهل القصر إليه، فقال لهم عثمان بن بشر بن المحتفر: انصرفوا اليوم عن ابن خازم، فلا أظن لكم به طاقة، فقال زهير بن ذؤيب العدوي: امرأته طالق إن رجع حتى ينقض صفوفهم وإلى جنبهم نهر يدخله الماء في الشتاء، ولم يكن يومئذ فيه ماء، فاستبطنه زهير، فسار فيه، فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم، فحطم أولهم على آخرهم، واستداروا وكر راجعاً، واتبعوه على جنبي النهر يصيحون به: لاينزل إليه أحد، حتى انتهى إلى الموضع الذي انحدرفيه، فخرج فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع؛ قال: فقال ابن خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيراً فاجعلوا في رماحكم كلاليب فأعلقوها في أداته إن قدرتم عليه، فخرج إليهم يوماً وفي رماحكم كلاليب قد هيئوها له، فطاعنوه، فأعلقوا في درعه أربعة أرماح، فالتفتت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم، فخلوا رماحهم، فجاء يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر؛ قال: فأرسل ابن خازم غزوان بن جزء العدوى إلى زهير فقال: قل له: أرأيتك إن آمنتك وأعطيتك مائة ألف، وجعلت لك باسار طعمة تناصحني؛ فقال لغزوان: ويحك! كيف أناصح قوماً قتلوا الأشعث ابن ذؤيب! فأسقط بها غزوان عند موسى بن عبد الله بن خازم. قال: فلما طال عليهم الحصار أرسلوا إلى خازم أن خلنا نخرج فنتفرق، فقال: لا إلا أن تنزلوا على حكمي؛ قالوا: فإنا ننزل على حكمك، فقال لهم زهير: ثكلتكم أمهاتكم! والله ليقتلنكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت أنفساً فموتوا كراماً، اخرجا بنا جميعاً فإما أن تموتوا جميعاً وإما أن ينجو بغضكم ويهلك بعضكم، وايم الله لئن شددتم عليهم شدةً صادقةً ليفرجن لكم عن مثل طريق المربد، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خافكم قال: فأبوا عليه، فقال: أما إني سأريكم، ثم خرج هو ورقبة بن الحر ومع رقبة غلام له ترمى وشعبة بن ظهير. قال: فحملوا على القوم حملةً منكرةً فأفرجوا لهم، فمضوا؛ فأما زهير فرجع إلى أصحابه حتى دخل القصر فقال لأصحابه: قد رأيتم فأطيعوني، ومضى رقبة وغلامه وشعبة. قالوا: إن فينا من يضعف عن هذا ويطمع في الحياة، قال: أبعدكم الله! أتأخذون عن أصحابكم! والله لا أكون أجزعكم عند الموت. قال: ففتحوا القصر ونزلوا، فأرسل فقيدهم، ثم ملوا إليه رجلا رجلاً، فأراد أن يمن عليهم، فأبى ابنه موسى، وقال: والله لئن عفوت عنهم لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري؛ فقال له عبد الله: أما والله إني لأعلم أن الغي فيما تأمرني به، ثم قتلهم جميعاً إلا ثلاثة؛ قال: أحدهم الحجاج بن ناشب العدوي - وكان رمى ابن خازم وهو محاصرهم بكسر ضرسه، فحلف لئن ظفر به ليقتلنه أو ليقطعن يده، وكان حدثاً، فكلمه فيه رجال من بني تميم كانوا معتزلين؛ من عمرو بن حنظلة، فقال رجل منهم: ابن عمي وهو غلام حدث جاهل؛ هبه لي، قال: فوهبه له، وقال: النجاء! لا أرينك قال: وجيهان بن مشجعة الضبي الذي ألقى نفسه على ابنه محمد يوم قتل، فقال ابن خازم: خلوا هذا البغل الدارج، ورجل من بني سعد، وهو الذي قال يوم لحقوا ابن خازم: انصرفوا عن فارس مضر. قال: وجاءوا بزهير بن ذؤيب فأرادوا حمله وهو مقيد، فأبى وأقبل يحجل حتى جلس بين يديه، فقام له ابن خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وجعلت لك باسار طعمة؟ قال: لو لم تصنع بي إلا جقن دمى لشكرتك، فقام ابنه موسى فقال: تقتل الضبع وتترك الذيخ! تقتل اللبؤة وتترك الليث! قال: ويحك! نقتل مثل زهير! من لقتال عدو المسلمين! من النساء العرب! قال: والله لوشركت في دم أخي أنت لقتلتك؛ فقام رجل من بني سليم إلى ابن خازم، فقال: أذكرك الله في زهير! فقال له موسى: اتخذه فحلاً لبناتك، فغضب ابن خازم، فأمر بقتله، فقال له زهير: إن لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقتلني على حدة، ولا تخلط دمي بدماء هؤلاء اللئام، فقد نهيتهم عما صنعوا وأمرتهم أن يموتوا كراماً، وأن يخرجوا عليكم مصلتين، وايم الله أن لو فعلوا لذعروا بنيك هذا، وشغلوه بنفسه عن طلب الثأر بأخيه فأبوا، ولو فعلوا ما قتل منهم رجل حتى يقتل رجالاً فأمر به فنحى ناحية فقتل. قال مسلمة بن محارب: فكان الأحنف بن قيس إذا ذكرهم قال: قبح الله ابن خازم! قتل رجالاً من بني تميم بابنه، ضبي وغدا أحمق لايساوي علقاً. ولو قتل منهم رجلاً به لكان وفى. قال: وزعمت بنو عدي انهم لا أرادوا حمل زهير بن ذؤيب أبىواعتمد على رمحه وجمع رجليه فوثب الخندق، فلما بلغ الحريش بن هلال قتلهم قال: أعاذل إني لم ألم في قتالهم ... وقد عض سيفي كبشهم ثم صمما أعاذل ما وليت حتى تبددت ... رجال وحتى لم أجد متقدما أعاذل أفناني السلاح ومن يطل ... مقارعو الأبطال يرجع مكلما أعيني إن أنزفتما الدمع فاسكبا ... دماً زماً لي دون أن تسكبا الدما أبعد زهير وابن بشر تتابعا ... وورد أرجى في خراسان مغنما أعذل كم من يوم حرب شهدته ... أكر إذا ما فارس السوء أحجما يعني بقوله: أبعد زهير، زهير بن ذؤيب، وابن بشر، عثمان بن بشر المحتفز المازني، وورد بن الفلق العنبري، قتلوا يومئذ، وقتل سليمان بن المحتفز أخو بشر. قال أبو جعفر: وجج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير من قبل أخيه عبد الله، وعلى البصرة الحارث ابن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وكانت الكوفة بها المختار غالباً عليها، وبخراسان عبد الله بن خازم. شخوص إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زيادوفي هذه السنة شخص إبراهيم بن الأشتر متوجهاً إلى عبيد الله ابن زياد لحربه، وذلك لثمان يقين من ذي الحجة. قال هشام بن محمد: حدثني أبو مخنف، قال: حدثني النضر بن صالح - وكان قد أدرك ذلك - قال: حدثني فضيل بن خديج - وكان قد شهد ذلك - وغيرهما. قالوا: ما هو إلا أن فرغ المختار من أهل السبيع و أهل الكناسة، فما نزل إبراهيم بن الأشتر إلا يومين حتى أشخصه إلى الوجه الذي كان وجهه له لقتال أهل الشام، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، وأخرج المختار معه من وجوه أصحابه وفرسانهم وذوي البصائر منهم: ممن قد شهد الحرب وجربها، وخرج معه قيس بن طهفة النهدي على ربع أهل المدينة ، وأمر عبد الله بن حية الأسدي على ربع مذبح جج وأسد، وبعث الأسود بن جراد الكندي على ربع كندة وربيعة. وبعث حبيب بن منقذ الثوري من همدان على ربع تميم وهمدان، وخرج معه المختار يشيعه حتى إذا بلغ دير عبد الرحمن بن أم الحكم، إذا أصحاب المختار قد استقبلوه، قد حملوا الكرسي على بغل أشهب كانوا يحملونه عليه، فوقفوا به على القنطرة، وصاحب أمر الكرسي حوشب البرسمي، وهو يقول: يا رب عمرنا في طاعتك، وانصرنا على الأعداء، واذكرنا ولا تنسنا واسترنا، قال: وأصحابه يقولون: آمين آمين؛ قال فضيل: فأنا سمعت ابن نوف الهمداني يقول: قال المختار: أما ورب المرسلات عرفا ً ... لنقتلن بعد صف صفا وبعد ألف قاسطين ألفاً قال: فلما انتهى إليهم المختار وابن الأشر ازدحموا ازدحاماً شديداً على القنطرة، ومضى المختار مع إبراهيم إلى قناطر رأس الجالوت - وهي إلى جنب دير عبد الرحمن - فإذا أصحاب الكرسي قد وقفوا على قناطر رأس الجالوت يستنصرون، فلما صار المختار بين قنطرة دير عبد الرحمن وقناطر رأس الجالوت وقف، وذلك حين أراد أن ينصرف، فقال لابن الأشتر: خذ عني ثلاثاً: خف الله في سر أمرك وعلانيته، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم ساعة تلقاهم، وإن لقيتهم نهاراً فلا تنتظر بهم الليل حتى تحاكمهم إلى الله. ثم قال: هل حفظت ماأوصيتك به؟ قال: نعم، قال: صحبك الله؛ ثم انصرف. وكان موضع عسكر إبراهيم بموضع حمام أعين،ومنه شخص بعسكره. ذكر أمر الكرسي الذي كان المختار يستنصر به!قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج قال: لما انصرف المختار مضى إبراهيم ومعه أصحابه حتى انتهى إلى أصحاب الكرسي وقد عكفوا حوله وهم رافعو أيديهم إلى السماء يستنصرون، فقال إبراهيم: اللهم لاتؤاخذنا بما فعل السفهاء - سنة بني إسرائيل، والذي نفسي بيده إذ عكفوا على عجلهم - فلما جاز القنطرة إبراهيم وأصحابه انصرف أصحاب الكرسي. ذكر الخبر عن سبب كرسي المختار الذي يستنصر به هو وأصحابه: قال أبو جعفر: وكان بدء سببه ما حدثني به عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال:حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله ابن المبارك، عن إسحاق بن طلحة، قال: حدثني معبد بن خالد، قال: حدثني طفيل بن جعدة بن هبيرة، قال: أعدمت مرة من الورق، فإني لكذلك إذ خرجت يوماً فإذا زيات جار لي، له كرسي قد ركبه وسخ شديد، فخطر على بالي أن لو قلت للمختار في هذا! فرجعت فأرسلت إلى الزيات: أرسل إلي بالكرسي، فأرسل إلي به، فأتيت المختار، فقلت: إني كنت أكتمك شيئاً لم أستحل ذلك، فقد بدا لي أن أذكره لك، قال: وما هو؟ قلت: كرسي كان جعد بن هبيرة يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم، قال: سبحان الله! فأخرت هذا إلى اليوم! أبعث إليه، أبعث إليه، قال: وقد غسل وخرج عود نضار، وقد تشرب الزيت، فخرج يبص، فجئ به وقد غشى، فأمر لي باثني عشر ألفاً، ثم دعا:الصلاة جامعة. فحدثني معبد بن خالد الجدلي فقال: انطلق بي وبإسماعيل بن طلحة ابن عبيد الله وشبث بن ربعى والناس يجرون إلى المسجد، فقال المختار: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وإن هذا فينا مثل التابوت، اكشفوا عنه؛ فكشفوا عنه أثوابه، وقامت السبئية فرفعوا أيديهم، وكبروا ثلاثاً، فقام شبت بن ربعى وقال: يا معشر مضر، لاتكفرن، فنحوه فذبوه وصدوه وأخرجوه، قال إسحاق: فوالله إني لأرجو أنها لشبت، ثم لم يلبث أن قيل: هذا عبيد الله بن زياد قد نزل بأهل الشام باجميرة، فخرج بالكرسي على بغل وقد غشى، يمسكه عن يمينه سبعة وعن يساره سبعة، فقتل أهل الشام مقتلة لم يقتلوا مثلها، فزادهم ذلك فتنة، فارتفعوا فيه حتى تعاطوا الكفر، فقلت: إنا لله! وندمت على ما صنعت، فتكلم الناس في ذلك، فغيب، فلم أره بعد. حدثني عبد الله، قال: حدثني أبي قال: قال أبو صالح: فقال في ذلك أعشى همدان كما حدثني غير عبد الله: شهدت عليكم أنكم سبئية ... وإني بكم يا شرطة الشرك عارف وأقسم ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف وأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف وإني امرؤ أحببت آل محمد ... وتابعت وحياً ضمنته المصاحف وتابعت عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش: شمطها والغطارف وقال المتوكل الليثي: أبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أنى بكرسيكم كافر تنزو شبام حول أعواده ... وتحمل الوحى له شاكر محمرة أعينهم حوله ... كأنهن الحمص الحادر فأما أبو مخنف: فإنه ذكر عن بعض شيوخ قصة هذا الكرسي غير الذي ذكره عبد الله بن أحمد بالإسناد الذي حدثنا به، عن طفيل بن جعدة. والذي ذكر من ذلك ما حدثنا به، عن هشام بن محمد. عنه، قال: حدثنا هشام بن عبد الرحمن وابنه الحكم بن هشام، أن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي - وكانت أم جعدة أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب عليه السلام لأبيه وأمه: ائتوني بكرسي علي بن أبي طالب؛ فقالوا لا والله ما هو عندنا، وما ندري من أين نجيء به! قال: لا تكونن حمقى، اذهبوا فأتوني به، قال: فظن القوم عند ذلك أنهم لا يأتون بكرسي، فيقولون: هو هذا إلا قبله منهم، فجاءوا بكرسي فقالوا: هو هذا فقبله، قال: فخرجت شبام وشاكر ورؤوس أصحاب المختار وقد عصبوه بالحرير والديباج. قال أبو مخنف، عن موسى بن عامر أبي الأشعر الجبهني: إن الكرسي لما بلغ ابن الزبير أمره قال: أين بعض جنادبة الأزد عنه! قال أبو الأشعر: لما جيء بالكرسي كان اول من سدنه موسى بن أبي موسى الأشعري، وكان يأتي المختار أول ما جاء ويحف به، لأن أمة أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب. ثم إنه بعد ذلك عتب عليه فاستحيا منه، فدفعه إلى حوشب البرسمي، فكان صاحبه حتى هلك المختار. قال: وكان أحد عمومة الأعشى رجلاً يكنى أبا أمامة يأتي مجلس أصحابه فيقول: قد وضع لنا اليوم وحي ما سمع الناس بمثله، فيه نبأ ما يكون من شيء. قال أبو مخنف: حدثنا موسى بن عامر أنه إنما كان يضع ذلك لهم عبد الله بن نوف. ويقول: المختار أمرني به، ويتبرأ المختار منه. ثم دخلت سنة سبع وستين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مقتل عبيد الله بن زياد ومن كان معه من أهل الشام. ذكر الخبر عن صفة مقتله. ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الصلت، عن أبي سعيد الصيقل، قال: مضينا مع إبراهيم بن الأشتر ونحن نريد عبيد الله بن زياد ومن معه من أهل الشام، فخرجنا مسرعين لا ننثني، نريد أن نلقاه قبل أن يدخل أرض العراق. قال: فسبقناه إلى تخوم أرض العراق سبقاً بعيداً، ووغلنا في أرض الموصل، فتعجلنا إليه، وأسرعنا السير، فنلقاه في خازر إلى جنب قرية يقال لها باربيثا، بينها وبين مدينة الموصل خمسة فراسخ، وقد كان ابن الأشتر جعل على مقدمة الطفيل بن لقيط؛ من وهبيل من النخع - رجلاً من قومه - وكان شجاعاً بئيساً، فلما أن دنا من ابن زياد ضم حميد بن حريث إليه، وأخذ ابن الأشتر لايسير إلا على تعبية، وضم أصحابه كلهم إليه بخيله ورجاله، فأخذ يسير بهم جميعاً لايفرقهم، إلا يبعث الطفيل بن لقيط في الطلائع حتى نزل تلك القرية. قال: وجاء عبيد الله بن زياد حتى نزل قريباً مكنهم على شاطئ خازر. وارسل عمير بنالحباب السلمى إلى ابن الأشتر: إني معك، وأنا أريد الليلة لقاءك، فأرسل إليه ابن الأشتر: أن القنى إذا شئت؛ وكانت قيس كلها بالجزيرة، فهم أهل خلاف لمروان وآل مروان، وجند مروان يومئذ كلب وصاحبهم ابن بحدل. فأتاه عمير ليلاً فبايعه، وأخبره أنه على ميسرة صاحبه، وواعده أن ينهزم بالناس، وقال ابن الأشتر: ما رأيك؟ أخندق على وأتلوم يومين أو ثلاثة؟ قال عمير بن الحباب: لاتفعل، إنا لله! هل يريد القوم إلا هذه! إن طاولوك وما طالوك فهو خير لهم، هم كثير أضعافكم. وليس يطيق القليل الكثير في المطاولة، ولكن ناجز القوم فإنهم قد ملئوا منكم رعباً، فأتهم فإنهم إن شاموا أصحابك وقاتلوهم يوماً بعد يوم، ومرة بعد مرة أنسوا بهم، واجترءوا عليهم؛ قال إبراهيم: الآن علمت أنك لي مناصح، صدقت، الرأي ما رأيت، أما إن صاحبي بهذا أوصاني، وبهذا الرأي أمرني. قال عمير: فلا تعدون رأيه، فإن الشيخ قد ضرسته الحروب، وقاسى منها ما لم نقاس، أصبح فناهض الرجل. ثم إن عميراً انصرف، وأذكى ابن الأشتر حرسه تلك الليلة الليل كله، ولم يدخل عينه غمض، حتى إذا كان في السحر الأول عبى أصحابه، وكتب كتائبه،وأمر أمراءه. فبعث سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي على ميمنته،وعلي بن مالك الجشمي على ميسرته، وهو أخو أبي الأخوص. وبعث عبد الرحمن بن عبد الله - وهو أخو إبراهيم الأشتر لأمه - على الخيل، وكانت خيله قليلة فضمها إليه، وكانت في الميمنة والقلب، وجعل على رجالته الطفيل بن لقيط ، وكانت رايته مع مزاحم بن مالك. قال: فلما انفجر الفجر صلى بهم الغداة بغلس، ثم خرج بهم فصفهم، ووضع أمراء الأرباع في مواضعهم، وألحق أمير الميمنة بالميمنة، وأمير الميسرة بالميسرة، وأمير الرجالة بالرجالة. وضم الخيل إليه، وعليها أخوه لأمه عبد الرحمن بن عبد الله، فكانت وسطاً من الناس، ونزل إبراهبم يمشي، وقال للناس: ازحفوا، فزحف الناس معه على رسلهم رويداً رويداً حتى أشرف على تل عظيم مشرف على القوم، فجلس عليه، وإذا أولئك لم يتحرك منهم أحد بعد - فسرح عبد الله بن زهير السلولي وهو على فرس له يتأكل تأكلاً، فقال: قرب على فرسك حتى تأتيني بخبر هوْلاء، فانطلق، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء، فقال: قد خرج القوم على دهش وفشل، لقيني رجل منهم فما كان له هجيري إلا يا شيعة أبي تراب، يا شيعة المختار الكذاب! فقلت: ما بيننا وبينكم أجل من الشتم، فقال لي: يا عدو الله، إلام تدعوننا! أنتم تقاتلون مع غير إمام، فقلت له: بل يالشارات الحسن، ابن رسول الله! ادفعوا إلينا عبيد الله بن زياد، فإنه قتل ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنه حتى نقتله ببعض موالينا الذين قتلهم مع الحسين، فإنا لانراه لحسين نداً فنرضى أن يكون منه قوداً، وإذا دفعتموه إلينا فقتلناه ببعض موالينا الذين قتلهم جعلنا بيننا وبينكم كتاب الله، أو أي صالح من المسلمين شتم حكماً، فقال لي: قد جربناكم مرة أخرى في مثل هذا - يعني الحكمين - فغدرتم. فقلت له: وما هو؟ فقال: قد جعلنا بيننا وبينكم حكمين فلم ترضوا بحكمهما؛ فقلت له: ما جئت بحجة، ئغنما كان صلحنا على أنهما إذا اجتمعنا على رجل تبعنا حكمهما. ورضينا به وبايعناه. فلم يجتمعا على واحد، وتفرقا، فكلاهما لم يوفقه الله لخير ولم يسدده. فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقلت له: من أنت؟ فقال: عدس - لبغلته يزجرها - فقلت له: ما أنصفتني، هذا أول غدرك! قال: ودعا ابن الأشتر بفرس له فركبه، ثم أمر بِأصحاب الرايات كلها، فكلما مر على راية وقف عليها، ثم قال: يا أنصار الدين. وشيعة الحق، وشرطة الله، هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي، ابن فاطمة بنت رسول الله. حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه، وهم ينظرون إليه، ومنعه أن يأتي ابن عمه فيصالحه، ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله، ومنعه الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته؛ فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قد جاءكم الله به، وجاءه بكم، فوالله إني لأرجو ألا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم، فقد علم الله أنكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيكم. فسار فيما بين الميمنة والميسرة، وسار في الناس كلهم فرغبهم في الجهاد، وحرضهم على القتال. ثم رجع حتى نزل تحت رايته، وزحف لقوم إليه، وقد جعل ابن زياد على ميمنته الحصين بن نمير السكوني، وعلى ميسرته عمير بن الحباب السلمى، وشرحبيل بن ذي الكلاع على الخيل وهو يمشي في الرجال، فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير في ميمنة أهل الشام على ميسرة أهل الكوفة، وعليها علي بن مالك الجشمي؛ فثبت له هو بنفسه فقتل، ثم أخذ رايته قرة بن علي، فقتل أيضاً في رجال من أهل الحفاظ قتلوا وانهزمت الميسرة، فأخذ راية علي بن مالك الجشمي عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي ابن أخا حبشى بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل أهل الميسرة حين انهزموا، فقال: إلي يا شرطة الله؛ فأقبل إليه جلهم، فقال: هذا أميركم يقاتل، سيروا بنا إليه، فأقبل حتى أتاه وإذا هو كاشف عن رأسه ينادي: يا شرطة الله، إلي أنا ابن الأشتر! إن خير فراركم كراركم، ليس مسيئاً من أعتب، فثاب إليه أصحابه، وأرسل إلي صاحب الميمنة: احمل على مسيرتهم - وهو يرجو أن ينهزم لهم عمير ابن الحباب كما زعم، فحمل عليهم صاحب الميمنة، وهو سفيان بن يزيد ابن المغفل، فثبت له عمير بن الحباب وقاتله قتالاً شديداً، فلما رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: أموا هذا السواد الأعظم، فوالله لو قد فضضناه لانجفل من ترون منهم يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها فطارت. قال أبو مخنف: حدثني إبراهيم بن عبد الله الأنصاري، عن ورقاء ابن عازب، قال: مشينا إليهم حتى إذا دنونا منهم أطلعنا بالرماح قليلاً، ثم صرنا إلى السيوف والعمد، فاضطربنا بها ملياً من النهار، فوالله ما شبهت ما سمعت بيننا وبينهم من وقع الحديد إلا مياجن قصارى دار الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال: فكان ذلك كذلك، ثم إن الله هزمهم، ومنحنا أكتافهم. قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق أن إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته: انغمس برايتك فيهم، فيقول له: إنه - جعلت فداك - ليس لي متقدم، فيقول: بلى، فإن أصحابك يقاتلون؛ وإن هؤلاء لا يهربون إن شاء الله؛ فإذا تقدم صاحب الراية برايته شد إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلاً إلا صرعه. وكرد إبراهيم الرجال من بين يديه كأنهم الحملان، وإذا حمل برايته شد أصحابه شدة رجل واحد. قال أبو مخنف: حدثني المشرقي أنه كان مع عبيد الله بن زياد يومئذ حديدة لا تليق شيئاً مرت به، وأنه لما هزم أصابه حمل عيينة ابن أسماء أخت هند بنت أسماء - وكانت امرأة عبيد الله بن زياد - فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول: إن تصرمى حبالنا فربما ... أرديت في الهيجاء الكمى المعلما قال أبو مخنف: وحدثني فيصل بن خديج أن إبراهيم لما شد على ابن زياد وأصحابه انهزموا بعد قتال شديد وقتلى كثيرة بين الفريقين، وإن عمير بن الحباب لما رأى أصحاب إبراهيم قد هزموا أصحاب عبيد الله بعث إليه: أجيئك الآن؟ فقال: لا تأتيني حتى تسكن فورة شرطة الله ، فإني أخاف عليك عاديتهم. وقال ابن الأشتر: قتلت رجلاً وجدت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، تحت راية منفردة، على شاطئ نهر خازر. فالتمسوه فإذا هو عبيد الله بن زياد قتيلاً، ضربه فقده بنصفين، فذهبت رجلاه في المشرق، ويداه في المغرب. وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين بن نمير السكوني وهو يحسبه عبيد الله بن زياد، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، ونادى التغلبي: اقتلوني وابن الزانية؛ فقتل ابن نمير. وحدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: حدثني عبد الله بن المبارك، قال: حدثني الحسن بن كثير، قال: كان شريك بن جدير التغلبي مع علي عليه السلام، أصيبت عينه معه، فلما انقضت حرب علي لحق ببيت المقدس، فكان به، فلما جاءه قتل الحسين، قال: أعاهد الله إن قدرت على كذا وكذا - يطلب بدم الحسين - لأقتلن ابن مرجانة أو لأموتن دونه. فلما بلغه أن المختار خرج يطلب بدم الحسين أقبل إليه. قال: فكان وجهه مع إبراهيم بن الأشتر، وجعل على خيل ربيعة، فقال لأصحابه: إني عاهدت الله على كذا وكذا فبايعه ثلثمائة على الموت، فلما التقوا حمل فجعل يهتكها صفاً صفاً مع أصحابه حتى وصلوا إليه، وثار الرهج فلا يسمع إلا وقع الحديد والسيوف، فانفرجت عن الناس وهما قتيلان ليس بينهما أحد، التغلبي وعبيد الله ابن زياد، قال: وهو الذي يقول: كل عيش قد أراه قذراً ... غير ركز الرمح في ظل الفرس قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، قال: قتل شرحبيل بن ذي الكلاع، فادعى قتله ثلاثة: سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي، وورقاء بن عازب الأسدي، وعبيد الله بن زهير السلمي. قال: ولما هزم أصحاب عبيد الله تبعهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر، فكان من غرق أكثر ممن قتل، وأصابوا عسكرهم فيه من كل شيء، وبلغ المختار وهو يقول لأصحابه: يأتيكم الفتح أحد اليومين إن شاء الله من قبل إبراهيم ابن الأشتر وأصحابه، قد هزموا أصحاب عبيد الله بن مرجانة.قال: فخرج المختار من الكوفة، واستخلف عليها السائب بن مالك الأشعري، وخرج بالناس، ونزل ساباط. قال أبو مخنف: حدثني المشرقي، عن الشعبي، قال: كنت أنا وأبي ممن خرج معه، قال: فلما جزنا ساباط قال للناس: أبشروا فإن شرطة الله قد حسوهم بالسيوف يوماً إلى الليل بنصيبين أو قريباً من نصيبين ودوين منازلهم، إلا أن جلهم محصور بنصيبين. قال: ودخلنا المدائن، واجتمعنا إليه، فصعد المنبر، فوالله إنه ليخطبنا ويأمرنا بالجد وحسن الرأي والاجتهاد والثبات على الطاعة، والطلب بدماء أهل البيت عليهم السلام، إذ جاءته البشرى تترى يتبع بعضها بعضاً بقتل عبيد الله بن زياد وهزيمة أصحابه، وأخذ عسكره. وقتل أشراف أهل الشام، فقال المختار: يا شرطة الله، ألم أبشركم بهذا قبل أن يكون! قالوا: بلى والله لقد قلت ذلك، قال: فيقول لي رجل من بعض جيراننا من الهمذانيين: أتؤمن الآن يا شعبي؟ قال: قلت بأي شيء أؤمن؟ أؤمن بأن المختار يعلم الغيب! لاأؤمن بذلك أبداً. قال: أولم يقل لنا: إنهم قد هزموا! فقلت له: إنما زعم لنا أنهم هزموا بنصيبين من أرض الجزيرة، وإنما هو بخازر من أرض الموصل، فقال: والله لا تؤمن يا شعبي حتى ترى العذاب الأليم، فقلت له: من هذا الهمذاني الذي يقول لك هذا؟ فقال: رجل لعمري كان شجاعاً - قتل مع المختار بعد ذلك يوم حروراء - يقال له: سلمان بن حمير من الثوريين من همذان، قال: وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر من عسكره إلى الموصل، وبعث عماله عليها، فبعث أخاه عبد الرحمن بن عبد الله على نصيبين، وغلب على سنجار ودارا، وما والاها من أرض الجزيرة، وخرج أهل الكوفة الذين كان المختار قاتلهم فهزمهمن فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة. وكان فيمن قدم على مصعب شبث بن ربعي، فقال سراقة ابن مرداس البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر وأصحابه في قتل عبيد الله ابن زياد: أتاكم غلام من عرانين مذحج ... جري على الأعداء غيرنكول فيابن زياد بؤ بأعظم مالك ... وذق حد ماضي الشفرتين صقيل ضربناك بالعضب الحسام بحدة ... إذا ما أبأنا قاتلا بقتيل جزى الله خيراً شرطة الله إنهم ... شفوا من عبيد الله أمس غليلي ذكر الخبر عن عزل القباع عن البصرةوفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير القباع عن البصرة، وبعث عليها أخاه مصعب بن الزبير، فحدثني عمر بن شبة، قال:حدثني علي ابن محمد، قال: حدثنا الشعبي. قال: حدثني وافد بن أبي ياسر. قال: كان عمرو بن سرح مولى الزبير يأتينا فيحدثنا. قال: كنت والله في الرهط الذين قدموا مع المصعب بن الزبير من مكة إلى البصرة؛ قال: فقدم متلثماً حتى أناخ على باب المسجد، ثم دخل فصعد المنبر، فقال الناس: أمير أمير. قال: وجاء الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو أميرها قبله - فسفر المصعب فعرفوه. وقالوا: مصعب بن الزبير! فقال: للحارث: اظهر اظهر، فصعد حتى جلس تحته من المنبر درجة؛ قال: ثم قام المصعب فحمد الله وأثنى عليه. قال: فو الله ما أكثر الكلام. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم: " طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى " إلى قوله: " إنه كان من المفسدين " - وأشار بيده نحو الشام - " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " - وأشار بيده نحو الحجاز - " وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " - وأشار بيده نحو الشام حدثني عن عمر بن شبة، قال: حدثني على بن محمد، عن عوانة، قال: لما قدم مصعب البصرة خطبهم فقال: يا أهل البصرة، بلغني أنكم تلقبون أمراءكم، وقد سميت نفسي الجزار. ذكر خبر قتل مصعب المختار بن أبي عبيدوفي هذه السنة سار مصعب بن الزبير إلى المختار فقتله ذكر الخبر عن سبب مسير مصعب إليه والخبر عن مقتل المختار: قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، حدثني حبيب بن بديل، قال: لما قدم شبث على مصعب بن الزبير البصرة وتحته بغله له قد قطع ذنبها، وقطع طرف أذنها وشق قباءه، وهو ينادي: ياغوثاه ياغوثاه! فأتى مصعب، فقيل له: إن بالباب رجلاً ينادي: ياغوثاه ياغوثاه! مشقوق القباء، من صفته كذا وكذا، فقال لهم: نعم، هذا شبث بن ربعي لم يكن ليفعل هذا غيره، فأدخلوه، فأدخل عليه، وجاءه أشراف الناس من أهل الكوفة فدخلوا عليه، فأخبروه بما اجتمعوا له، وبما أصيبوا به ووثوب عبيدهم ومواليهم عليهم، وشكوا إليه، وسألوه النصر لهم، والمسير إلى المختار معهم. وقدم عليهم محمد بن الأشعث بن قيس - ولم يكن شهد وقعة الكوفة، كان في قصر له مما يلي القادسية بطيزناباذ - فلما بلغه هزيمة الناس تهيأ للشخوص، وسأل عنه المختار، فأخبر بمكانه، فسرح إليه عبد الله بن قراد الخثعمي في ماء، فلما ساروا إليه، وبلغه أن قد دنوا منه، خرج في البرية نحو المصعب حتى لحق به، فلما قدم على المصعب استحثه بالخروج، وأدناه مصعب وأكرمه لشرفه. قال: وبعث المختار إلى دار محمد بن الأشعث فهدمها. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يوسف بن يزيد أن المصعب لما أراد المسير إلى الكوفة حين أكثر الناس عليه، قال لمحمد بن الأشعث: إني لا أسير حتى يأتني المهلب بن أبي صفرة. فكتب المصعب إلى المهلب - وهو عامله على فارس: أن أقبل إلينا لتشهد أمرنا، فإنا نريد المسير إلى الكوفة. فأبطأ عليه المهلب وأصحابه، واعتل بشيء من الخراج، لكراهة الخروج، فأمر مصعب محمد بن الأشعث في بعض ما يستحثه أن يأتي المهلب فيقبل به، وأعلمه أنه لا يشخص دون أن يأتي المهلب؛ فذهب محمد بن الأشعث بكتاب المصعب إلى المهلب، فلما قرأه قال له: مثلك يامحمد من يأتي بريداً! أما وجد المصعب بريداً غيرك! قال محمد: إني والله ما أنا ببريد أحد، غير أن نساءنا وأبناءنا وحرمنا غلبنا عليهم عبداننا وموالينا. فخرج المهلب، وأقبل بجموع كثيرة وموال عظيمة معه في جموع وهيئة ليس بها أحد من أهل البصرة. ولما دخل المهلب البصرة أتى باب المصعب ليدخل عليه وقد أذن للناس، فحجبه الحاجب وهو لا يعرفه، فرفع المهلب يده فكسر أنفه، فدخل إلى المصعب وأنفه يسيل دماً، فقال له: مالك؟ فقال: ضربني رجل ما أعرفه، ودخل المهلب فلما رآه الحاجب قال: هو ذا، قال له المصعب: عد إلى مكانك، وأمر المصعب الناس بالمعسكر عند الجسر الأكبر، ودعا عبد الرحمن بن مخنف فقال له: ائت الكوفة فأخرج إلى جميع من قدرت عليه أن تخرجه، وادعهم إلى بيعتي سراً، وخذل أصحاب المختار، فانسل من عنده حتى جلس في بيته مستراً لايظهر، وخرج المصعب فقدم أمامه عباد بن الحصين الحبطي من بني تميم على مقدمته، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على ميمنته، وبعث المهلب بن أبي صفرة على ميسرته، وجعل مالك بن مسمع على خمس بكر بن وائل، ومالك بن المنذر على خمس عبد القيس، والأحنف بن قيس على خمس تميم وزياد بن عمرو الأزدي على خمس الأزد، وقيس الهيثم على خمس أهل العالية؛ وبلغ ذلك المختار، فقام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، يا أهل الدين، وأعوان الحق، وأنصار الضعيف، وشيعة الرسول، وآل الرسول، إن فراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم عليكم ليمصح الحق، وينتعش الباطل، ويقتل أولياء الله، والله لو تهلكون ما عبد الله في الأرض إلا بالفرى على الله و اللعن لأهل بيت نبيه. انتدبوا مع أحمر بن شميط فإنكم لو قد لقيتموه لقد قتلتموه إنا شاء الله قتل عاد وإرم. فخرج أحمر بن شميط، فعسكر بحمام أعين، ودعا المختار رءوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمر بن شميط، كما كانوا مع أبي الأشتر، فإنهم إنما فارقوا بن الأشتر؛ لأنهم رأوه كالمتهاون بأمر المختار، فانصرفوا عنه، وبعثهم المختار مع ابن شميط، وبعث معه جيشاً كثيفاً، فخرج ابن شميط، فبعث على مقدمته ابن كامل الشاكري، وسار أحمر بن شميط حتى ورد المذار، وجاء المصعب حتى عسكر منه قريباً. ثم إن كل واحد منهما عبى جنده. ثم تزاحقا، فجعل أحمر بن شميط على ميمنته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى ميسرته عبد الله ابن وهب بن نضلة الجشمي، وعلى الخيل رزين بن عبد السلولي. وعلى الرجالة كثير بن إسماعيل الكندي - وكان يوم خازر مع ابن الأشتر - وجعل كيسان أبا عمرة - وكان مولى لعرينة - على الموالي، فجاء عبد الله بن وهب بن أنس الجشمي إلى ابن شميط وقد جعله على ميسرته، فقال له: إن الموالي والعبيد آل خور عند المصدوقة، وإن معهم رجالاً كثيراً على الخيل. وأنت تمشي. فمرهم فلينزلوا معك، فإن لهم بك أسوةً. فإني أتخوف إن طوردوا ساعةً وطوعنوا وضوربوا أن يطيروا على منزلها ويسلموك، وإنك إن أرجلتهم لم يجدوا من الصبر بداً، وإنما كان هذا منه غشاً للموالي والعبيد، لما كانوا لقوا منهم بالكوفة، فأحب إن كانت عليهم الدبرة أن يكونوا رجالاً لا ينجو منهم أحد، ولم يتهمه ابن شميط، وظن أنه إنما أراد بذلك نصحه ليصبروا ويقاتلوا، فقال: يا معشر الموالي، انزلوا معي فقاتلو، فنزلوا معه، ثم مشوا بين يديه وبين يدي رايته، وجاء مصعب بن الزبير وقد جعل عباد ابن الحصين على الخيل، فجاء عباد حتى دنا من ابن شميط وأصحابه فقال: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله ابن الزبير؛ وقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة الأمير المختار، وإلى أن نجعل هذا الأمر شورى في آل الرسول، فمن زعم من الناس أن أحداً ينبغي له أن يتولى عليهم برئنا منه وجاهدناه فانصرف عباد إلى المصعب فأخبره، فقال له: ارجع فاحمل عليهم فرجع فحمل على ابن شميط وأصحابه فلم يزل منهم أحد، ثم انصرف إلى موقفه وحمل المهلب على ابن كامل، فجال أصحابه بعضهم في بعض، فنزل ابن كامل، ثم انصرف عنه المهلب، فقام مكانه، فوقفوا ساعةً ثم قال المهلب لأصحابه: كروا كرة صادقة، فإن القوم قد أطعموكم، وذلك بجولتهم التي جالوا، فحمل عليهم حملة منكرة فولوا، وصبر ابن كامل في رجال من همدان، فأخذ المهلب يسمع شعار القوم: أنا الغلام الشاكري، أنا الغلام الشبامي، أنا الغلام الثوري، فما كان إلا ساعة حتى هزموا، وجعل عمر بن عبيد الله بن معمر على عبد الله ابن أنس، فقاتل ساعة ثم انصرف، وحمل الناس جميعاً على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وتنادوا: يا معشر بجيلة وخشعم، الصبر الصبر! فناداهم المهلب: الفرار الفرار! اليوم أنجى لكم، علام تقتلون أنفسكم مع هذه العبدان، أضل الله سعيكم. ثم نظر إلى أصحابه فقال: والله ما أرى استحرار القتل اليوم إلا في قومي. ومالت الخيل على رجالة ابن شميط، فافترقت فانهزمت وأخذت الصحراء. فبعث المصعب عباد بن الحصين على الخيل، فقال: أيما أسير أخذته فاضرب عنقه. سرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من خيل أهل الكوفة ممن كان المختار طردهم، فقال: دونك ثأركم! فكانوا حيث انهزموا أشد عليهم من أهل البصرة، لا يدركون منهزماً إلا قتلوه. ولا يأخذون أسيراً فيعفون عنه. قال: فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل؛ وأما رجالتهم فأبيدوا إلا قليلا. فال أبو مخنف: حدثني ابن عياش المنتوف، عن معاوية بن قرة المزني، قال: انهيت إلى رجل منهم، فأدخلت سنان الرمح في عينه، فأخذت أخضخض عينه بسنان رمحي، فقلت له: وفعلت به هذا؟ قال: نعم، إنهم كانوا أحل عندنا دماء من الترك والديلم؛ وكان معاوية بن قرة قاضياً لأهل البصرة، ففي ذلك يقول الأعشى: ألا هل أتاك والأنباء تنمى ... بما لاقت بجلة بالمذار أتيح لهم بها ضرب طلحف ... وطعن صائب وجه النهار كأن سحابة صعقت عليهم ... فعمتهم هنالك بالدمار فبشر شيعة المختار إما ... مررت على الكويفة بالصغار أقر العين صرعاهم وفل ... لهم جم يقتل بالصحارى وما إن سرني إهلاك قومي ... وإن كانوا وجدك في خيار ولكني سررت بما يلاقي ... أبو إسحاق من خزي وعار وأقبل المصعب حتى قطع من تلقاء واسط القصب، ولم تك واسط هذه بنيت حينئذ بعد، فأخذ في كسكر، ثم حمل الرجال وأثقالهم وضعفاء الناس في السفن، فأخذوا في نهر يقال له: نهر خرشاذ، ثم خرجوا من ذلك النهر إلى نهر يقال له قوسان؛ ثم أخرجهم من ذلك النهر إلى الفرات. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي، أن أهل البصرة كانوا يخرجون فيجرون سفنهم ويقولون: عودنا المصعب جر القلس ... والزنبريات الطوال القعس قال: فلما بفغ من مع المختار من تلك الأعاجم مالقي إخوانهم مع ابن شميط قالوا بالفارسية: " ابن بارد روغ كفت " يقولون: هذا المرة كذب. قال أبو مخنف: وحدثني هشام بن عبد الرحمن الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفي، قال: و الله إني لجالس عند المختار حين أتاه هزيمة القوم ومالقوا، قال: فأصغى إلى، فقال: قتلت و الله العبيد قتلةً ما سمعت بمثلها قط. ثم قال: وقتل ابن شميط وابن كامل وفلان وفلان، فسمى رجالاً من العرب أصيبوا، كان الرجل منهم في الحرب خيراً من فئام من الناس. قال: فقلت له: فهذه والله مصيبة، فقال لي: ما من الموت بد، وما من ميتة أموتها أحب إلي من مثل ميتة ابن شميط،حبذامصارع الكرام! قال: فعلمت أن الرجل قد حدث نفسه إن لم يصب حاجته أن يقاتل حتى يموت. ولما بلغ المختار أنهم قد أقبلوا إليه في البحر، وعلى الظهر، سار حتى نزل بهم السيلحينن، ونظر إلى مجتمع الأنهار نهر الحيرة ونهر السيلحين ونهر القادسية، ونهر يوسف، فسكر الفرات على مجتمع الأنهار، فذهب ماء الفرات كله في هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين، فلما رأوا ذلك خرجوا من السفن يمشون، وأقبلت خيلهم تركض حتى أتوا ذلك السكر، فكسروه وصمدوا صمد الكوفة، فلما رأى ذلك المختار أقبل إليهم حتى نزل حروراء، وحال بينهم وبين الكوفة وقد كان حصن قصره والمسجد، وأدخل في قصره عدة الحصار، وجاء المصعب يسير إليه وهو بحروراء وقد استعمل على الكوفة عبد الله ابن شداد، وخرج إليه المختار وقد جعل على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وجعل على ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني ثم الثوري، وكان على شرطته يومئذ عبد الله بن قراد الخشعمي، وبعث على الخيل عمر بن عبد الله النهدي، وعلى الرجال مالك بن عمرو النهدي. وجعل مصعب على ميمنته المهلب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى الخيل عباد بن الحصين الحبطي، وعلىالرجال مقاتل بن مسمع البكري، ونزل هو يمشي متنكباً قوساً له. قال: وجعل على أهل الكوفة محمد بن الأشعث، فجاء محمد حتى نزل بين المصعب والمختار مغرباً ميامنا. قال: فلما رأى ذلك المختار بعث إلى كل خمس من أخماس أهل البصرة رجلا من أصحابه، فبعث إلى بكر ابن وائل سعيد بن منقذ صاحب ميسرته، وعليهم مالك بن مسمع البكري، وبعث إلى عبد القيس وعليهم مالك بن المنذر عبد الرحمن بن شريح الشبامي، وكان على بيت ماله، وبعث إلى أهل العالية وعليهم قيس ابن الهيثم السلمي عبد الله بن جعدة القرشي، ثم المخزومي، وبعث إلى الأزد وعليهم زياد بن عمرو العتكي مسافر بن سعيد بن نمران الناعطي، وبعث إلى بني تميم وعليهم الأحنف بن قيس سليم بن يزيد الكندي، وكان صاحب ميمنته، وبعث إلى محمد بن الأشعث السائب بن مالك الأشعري، ووقف في بقية أصحابه، وتزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، ويحمل سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح على بكر بن وائل، وعبد القيس، وهم في الميسرة وعليهم عمر بن عبيد الله بن معمر؛ فقاتلتهم ربيعة قتالاً شديداً، وصبروا لهم، وأخذ سعيد بن منقذ وعبد الرحمن بن شريح لا يقلعان، إذا حمل واحد فانصرف حمل الآخر، وربما حملا جميعاً؛ قال: فبعث المصعب إلى المهلب: ما تنتظر أن تحمل على من بإزائك! ألا ترى ما يلقى هذان الخمسان منذ اليوم! احمل بأصحابك، فقال: إي لعمري ماكنت لأجزر الأزد وتميماً خشية أهل الكوفة حتى أرى فرصتي. قال: وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة أن احمل على من بإزائك، فحمل على أهل العلية فكشفهم حتى انتهوا إلى المصعب، فبحثا المصعب على ركبتيه - ولم يكن فراراً - فرمى بأسهمه. ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعةً، ثم تحاجزوا. قال: وبعث المصعب إلى المهلب وهو في خمسين جامين كثيري العدد والفرسان: لا أبا لك! ما تنتظر أن تحمل على القوم! فمكث غير بعيد، ثم إنه قال لأصحابه: قد قاتل الناس منذ اليوم وأنتم وقوف، وقد أحسنوا، وقد بقى ما عليكم، احملوا واستعينوا بالله واصبروا، فحمل على من يليه حملةً منكرةً، فحطموا أصحاب المختار حطمةً منكرة، فكشوفهم. وقال عبد الله ابن عمرو النهدي - وكان من أصحاب صفين: اللهم إني على ما كنت عليه ليلة الخميس بصفين، اللهم إني أبرأ إليك من فعل هؤلاء لأصحابه حين انهزموا، وأبرأ إليك من أنفس هؤلاء - يعني أصحاب المصعب - ثم جالد بسيفه حتى قتل، وأتى مالك بن عمرو أبو نمران النهدي وهو على الرجالة بفرسه فركبه، وانقصف أصحاب المختار انقصافةً شديدة كأنهم أجمة فيها حريق. فقال مالك حين ركب: ما أصنع بالركوب! والله لأن أقتل ها هنا أحب إلي من أن أقتل في بيتي؛ أين أهل البصائر؟ أين أهل الصبر؟ فئاب إليه نحو من خمسين رجلاً، وذلك عند المساء، فكر على أصحاب محمد بن الأشعث، فقتل محمد بن الأشعث إلى جانبه هو وعامة أصحابه، فبعض الناس يقول: هو قتل محمد بن الأشعث، ووجد أبو نمران قتيلاً إلى جانبه - و كندة تزعم أن عبد الملك بن أشاءة الكندي هو الذي قتله - فلما مر المختار في أصحابه على محمد بن الأشعث قتيلاً قال: يا معشر الأنصار، كروا على الثعالب الرواغة، فحملوا عليهم، فقتل؛ فخشعم تزعم أن عبد الله بن قراد هو الذي قتله. قال أبو مخنف: وسمعت عوف بن عمرو الجشمي يزعم أن مولى لهم قتله، فادعى قتله أربعة نفر. كلهم يزعم أنه قتله، وانكشف أصحاب سعيد بن منقذ، فقاتل في عصابة من قومه نحو من سبعين رجلاً فقتلوا، وقاتل سليم بن يزيد الكندي في تسعين رجلاً من قومه، وغيرهم ضارب حتى قتل، وقاتل المختار على فم سكة شبث، ونزل وهو يريد ألا يبرح، فقاتل عامة ليلته حتى انصرف عنه القوم، وقتل معه ليلتئذ رجال من أصحابه من أهل الحفاظ، منهم عاصم بن عبد الله الأزدي، وعياش بن خازم الهمداني، ثم الثوري. وأحمر بن هديج الهمداني ثم الفايشي. قال أبو مخنف: حدثنا أبو الزبير أن همدان تنادوا ليلتئذ: يا معشر همدان، سيفوهم فقاتلوهم أشد القتال؛ فلما أن تفرقوا عن المختار قال له أصحابه: أيها الأمير، قد ذهب القوم فانصرف إلى منزلك إلى القصر، فقال المختار: أما والله ما نزلت وأنا أريد أن آتى القصر، فأما إذ انصرفوا فاركبوا بنا على اسم الله؛ فجاء حتى دخل القصر فقال الأعشى في قتل محمد بن الأشعث: تأوب عينك عوارها ... وعاد لنفسك تذكارها وإحدى لياليك راجعتها ... أرقت ولوم سمارها وما ذاقت العين طعم الرقا ... د حتى تبلج إسفارها وقام نعاة أبي قاسم ... فأسبل بالدمع تحدارها فحق العيون على ابن الأشج ... ألا يفتر تقطارها و ألا تزال تبكي له ... وتبتل بالدمع أشفاها عليك محمد لما ثوي ... ت تبكي البلاد وأشجارها وما يذكرونك إلا بكوا ... إذا ذمة خانها جارها وعارية من ليالي الشتا ... ء لا يتمنح أيسارها ولا ينبح الكلب فيها العقو ... ر إلا الهرير وتختارها ولا ينفع الثوب فيها الفتى ... ولا ربة الخدر تخدارها فأنت محمد في مثلها ... مهين الجزائر نحارها تظل جفانك موضوعة ... تسيل من الشحم أصبارها وما في سقائك مستنطف ... إذا الشول روح أغبارها فيا واهب الوصفاء الصبا ... ح إن شبرت تم إشبارها ويا واهب الجرد مثل القدا ... ح قد يعجب الصف شوارها ويا واهب البكرات الهجا ... ن عوذا تجاوب أبكارها وكنت كدجلة إذ ترتمي ... فيقذف في البحر تيارها وكنت جليداً وذا مرة ... إذا يبتغي منك إمرارها وكنت إذا بلدة أصفقت ... وآذان بالحرب جبارها بعثت عليها ذواكي العيو ... ن حتى تواصل أخبارها بإذن من الله والخيل قد ... أعد لذلك مضمارها وقد تطعم الخيل منك الوجي ... ف حتى تنبذ أمهارها وقد تعلم البازل العيسجو ... ر أنك بالخبث حسارها فيا أسفي يوم لاقيتهم ... وخانت رجالك فرارها وأقبلت الخيل مهزومة ... عثاراً تضرب أدبارها بشط حروراء واستجمعت ... عليك الموالي وسحارها فأخطرت نفسك من دونهم ... قحاز الرزيئة أخطارها فلا تبعدان أبا قاسم ... فقد يبلغ النفس مقدارها وأفني الحوادث ساداتنا ... ومر الليالي وتكرارها قال هشام: قال أبي: كان السائب أتى مع مصعب بن الزبير، فقتله ورقاء النخعي من وهيبل، فقال ورقاء: من مبلغ عني عبيداً بأنني ... علوت أخاه بالحسام المهند فإن كنت تبغي العلم عنه فإنه ... صريع لدى الديرين غير موسد وعمداً علوت الرأس منه بصارم ... فأثكلته سفيان بعد محمد قال هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني حصيرة بن عبد الله، أن هنداً بنت المتكلفة الناعطية كان يجتمع إليها كل غال من الشيعة فيتحدث في بيتها وفي بيت ليلى بنت قمامة المزنية، وكان أخوها رفاعة ابن قمامة من شيعة علي، وكان مقتصداً، فكانت لا تحبه، فكان أبو عبد الله الجدلي ويزيد بن شراحيل قد أخبرا ابن الحنفية خبر هاتين المرأتين وغلوهما وخبر أبي الأحراس المرادي و البطين الليثي وأبي الحارث الكندي. قال هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني يحيى بن أبي عيسى، قال: فكان ابن الحنفية قد كتب مع يزيد بن شراحيل إلى الشيعة بالكوفة يحذرهم هؤلاء، فكتب إليهم: من محمد بن علي إلى من بالكوفة من شيعتنا أما بعد، فاخرجوا إلى المجالس والمساجد فاذكروا الله علانية وسراً ولاتتخذوا من دون المؤمنين بطانة، فإن خشيتم على أنفسكم فاحذروا على دينكم الكذابين، وأكثروا الصلاة والصيام والدعاء، فإنه ليس أحد من الخلق يملك لأحد ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وكل نفس بما كسبت رهينة، و لا تزر وازرة وزر أخرى، و الله قائم على كل نفس بما كسبت؛ فاعملوا صالحاً، وقدموا لأنفسكم حسناً، ولا تكونوا من الغافلين، والسلام عليكم. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله، أن عبد الله بن نوف خرج من بيت هند بنت المتكلفة حين خرج الناس إلى حروراء وهو يقول: يوم الأربعاء، ترفعت السماء، ونزل القضاء، بهزيمة الأعداء، فاخرجوا على اسم الله إلى حروراء. فخرج ، فلما التقى للقتال ضرب على وجهه ضربة، ورجع الناس منهزمين، ولقيه عبد الله بن شريك النهدي، وقد سمع مقالته، فقال له: ألم تزعم لنا يا بن نوف أن سنهزمهم! قال: أو ما قرأت في كتاب الله: " يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " ! قال: فلما أصبح المصعب أقبل يسير بمن معه من أهل البصرة ومن خرج إليه من أهل الكوفة، فأخذ بهم نحو السبخة، فمر بالمهلب. فقال له المهلب: يا له فتحاً ما أهناه لو لم يكن محمد بن الأشعث قتل! قال: صدقت، فرحم الله محمداً. ثم سار غير بعيد، ثم قال: يا مهلب، قال: لبيك أيها الأمير؛ قال: هل علمت أن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل! قال: " إنا لله و إنا إليه راجعون " قال: المصعب: أما إنه كان ممن أحب أن يرى هذا الفتح، ثم لا نجعل أنفسنا أحق بشئ مما نحن فيه منه، أتدري من قتله؟ قال: لا؛ قال: إنما قتله من يزعم أنه لأبيه شيعة، أما إنهم قد قتلوه وهم يعرفونه. قال: ثم مضى حتى نزل السبخة فقطع عنهم الماء والمادة، وبعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فنزل الكناسة، وبعث عبد الرحمن ابن مخنف بن سليم إلى جبانة السبيع، وقد كان قال لعبد الرحمن بن مخنف: ما كنت صنعت فيما كنت وكلتك به؟ قال: أصلحك الله! وجدت الناس صنفين؛ أما من كان له فيك هوى فخرج إليك. وأما من كان يرى رأى المخار، فلم يكن ليدعه، ولا ليؤثر أحداً عليه، فلم أبرح بيتي حتى قدمت؛ قال: صدقت؛ وبعث عباد بن الحصين إلى جبانة كندة، فكل هؤلاء كان يقطع عن المختار وأصحابه الماء والمادة. وهم في قصر المختار، وبعث زحر بن قيس إلى جبانة مراد، وبعث عبيد الله بن الحر إلى جبانة الصائدين قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج، قال: لقد رأيت عبيد الله ابن الحر؛ وإنه ليطارد أصحاب خيل المختار، يقاتلهم في جبانة الصائدين ولربما رأيت خيلهم تطرد خيله، وإنه لوراء خيله يحميها حتى ينتهي إلى دار عكرمة، ثم يكر راجعاً هو وخيله، فيطردهم حتى يلحقهم بجبانة الصائدين، ولربما رأيت خيل عبيد الله قد أخذت السقاء والسقاءين فيضربون، وإنما كانوا يأتونهم بالماء أنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينار من الجهد. وكان المختار ربما خرج هو و أصحابه فقاتلوا قتالاً ضعيفاً، ولا نكاية لهم، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت، ويصب عليهم الماء القذر. واجترأ عليهم الناس، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم، فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء، قد التحقت عليه، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها، فإذا دنت من القصر فتح لها، فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه. وإن ذلك بلغ المصعب وأصحابه، فقال له المهلب - وكان مجرباً: اجعل عليهم دروباً حتى تمنع من يأتيهم من أهليهم و أبنائهم، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه. وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر. ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه لغير طعمه فيشربوا منه، فكان ذلك أيضاً مما يروي أكثرهم. ثم إن مصعباً أمر أصحابه فاقتربوا من القصر، فجاء عباد بن الحصين الحبطي حتى نزل عند مسجد جهينة، وكان ربما تقدم حتى ينتهي إلى مسجد بني مخزوم، وحتى يرمي أصحابه من أشرف عليهم من أصحاب المختار من القصر، وكان لا يلقى امرأة قريباً من القصر إلا قال لها: من أنت؟ ومن أين جئت؟ وما تريدين؟ فأخذ في يوم ثلاث نسوة للشباميين وشاكر أتين أزواجهن في القصر، فبعث بهن إلى مصعب، وإن الطعام لمعهن، فردهن مصعب ولم يعرض لهن، وبعث زحر بن قيس، فنزل عند الحدادين حيث تكرى الدواب، وبعث عبيد الله بن الحر فكان موقفه عند دار بلال، وبعث محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فكان موقفه عند دار أبيه، وبعث حوشب بن يزيد فوقف عند عند زقاق البصريين عند فم سكة بين جذيمة بن مالك من بني أسد بن خزيمة، وجاء المهلب يسير حتى نزل جهار سوج خنيس، وجاء عيد الرحمن بن مخنف من قبل دار السقاية، وابتدر السوق أناس من شباب أهل الكوفة وأهل البصرة، أغمارها ليس لهم علم بالحرب، فأخذوا يصيحون - وليس لهم أمير: يابن دومة، يابن دومة! فأشرف عليهم المختار فقال: أما والله لو أن الذي يعيرني بدومة كان من القريتين عظيماً ما عيرني بها. وبصر بهم وبتفرقهم وهيئتهم وانتشارهم، فطمع فيهم، فقال لطائفة من أصحابه: اخرجوا معي، فخرج معه منهم نحو من مائتي رجل، فكر عليهم، فشدخ نحواً من مائة، وهزمهم، فركب بعضهم بعضاً، وأخذوا على دار فرات بن حيان العجلي. ثم إن رجلا من بني ضبة من أهل البصرة يقال له يحيى بن ضمضم، كانت رجلاه تكادان تخطان الأرض إذا ركب من طوله، وكان أقتل شئ للرجال وأهيبه عندهم إذا رأوه، فأخذ يحمل على أصحاب المختار فلا يشبت له رجل صمد صمده، وبصر به المختار، فحمل عليه فضربه ضربة على جبهته فأطار جبهته وقحف رأسه، وخر ميتاً، ثم إن تلك الأمراء وتلك الرءوس أقبلوا من كل جانب، فلم تكن لأصحابه بهم طاقة، فدخلوا القصر، فكانوا فيه، فاشتد عليهم الحصار فقال لهم المختار: ويحكم! إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفاً، انزلوا بنا فلنقاتل حتى نقتل كراماً إن نحن قتلنا، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم ثم دعا العرفاء فقال: ألحقوا الناس بالمهلب، وأتوني بالبراءات بموافاتهم ولا تغلقن أبواب الجسر ليلاً ولا نهاراً حتى تنقضي هذه المدة. تفسير الخطبة: قوله : " أنا ابن جلا " فابن جلا الصبح لأنه يجلو الظلمة. والثنايا: ما صغر من الجبال ونتأ. أوينع الثمر: بلغ إدراكه. وقوله: " فاشتد زيم " فهى اسم للحرب. والحطم: الذي يحطم كل شئ يمر به. والوضم: ما وقى به اللحم من الأرض. والعصلبي: الشديد. والدوية: الأرض الفضاء التي يسمع فيها دوي أخفاف الإبل. و الأعلاط: الإبل التي لا أرسان عليها. أنشد أبو زيد الأصمعي: واعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالديداء والربعة والشنان، جمع شنة: القرية البالية اليابسة، قال الشاعر: كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن وقوله: " فعجم عيدانها " أي عضها، والعجم بفتح الجيم: حب الزبيب، قال الأعشى: وملفوظها كلقيط العجم وقوله: " أمرها عوداً " أي أصلبها، يقال: حبل ممر، إذا كان شديد الفتل. وقوله: " لأعصبنكم عصب السلمة " فالعصب القطع، والسلمة؛ شجرة من العضاه. وقوله: " لا أخلق إلا فريت " فالخلق: التقدير، قال الله تعالى: " من مضغة مخلقة وغير مخلقة " أي مقدرة وغير مقدرة. يعني ما يتم وما يكون سقطاً، قال الكميت يصف قربة: لم تجثم الخالقات فريتها ... ولم يفض من نطاقها السرب وإنما وصف حواصل الطير، يقول: لبست كهذه. وصخرة خلقاء، أي ملساء، قال الشاعر: وبهو هواء فوق مور كأنه ... من الصخرة الخلقاء زحلوق ملعب ويقال: فريت الأديم إذا أصلحته، وأفريت، بالألف إذا أنت أفسدته. والسمهى: الباطل، قال أبو عمرو الشيباني: وأصله ما تسميه العامة مخاط الشيطان، وهو لعاب الشمس عند الظهيرة، قال أبو النجم العجلي: وذاب للشمس لعاب فنزل ... وقام ميزان الزمان فاعتدل والزرقات: الجماعات. تم التفسير. قال أبو جعفر: قال عمر: فحدثني محمد بن يحيى، عن عبد الله بن أبي عبيدة، قال: فلما كان اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق، فخرج حتى جلس على المنبر، فقال: يا أهل العراق، وأهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إني سمعت تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد الله به في الترغيب، ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب، وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف. يا بني اللكيعة وعبيد العصا، وأبناء الأيامي، ألا يرجع رجل منكم على ظلعه. ويحسن حقن دمه، ويبصر موضع قدمه! فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعة تكونون نكالاً لما قبلها، وأدباً لما بعدها. قوله: " تحتها قصف " ، فهو شدة الريح. واللكعاء: الورهاء، وهي الحمقاء من الإماء. والظلع: الضعف والوهن من شدة السير. وقوله: " تهوي هوي سابق الغطاط " ، فالغطاط بضم الغين: ضرب من الطير. قال الأصمعي: الغطاط بفتح الغين: ضرب من الطير، وأنشد لحسان ابن ثابت: يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لايسألون عن الغطاط المقبل بقتح الغين. قال: والغطاط بضم الغين: اختلاط الضوء بالظلمة من آخر الليل، قال الراجز: قام إلى أدماء في الغطاط ... يمشي بمثل قائم الفسطاط تم التفسير. قال: فقام إليه عمير بن ضابىء التميمي ثم الحنظلي فقال: أصلح الله الأمير! أنا في هذا البعث، وأنا شيخ كبير عليل، وهذا ابني، وهو أشب مني؛ قال: ومن أنت؟ قال: عمير بن ضابىء التميمي، قال: أسمعت كلامنا بالأمس؟ قال: نعم، قال: ألست الذي غزا أمير المؤمنين عثمان؟ قال: بلى؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: كان حبس أبي، وكان شيخاً كبيراً، قال: آوليس يقول: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله إني لأحسب في قتلك صلاح المصرين، قم إليه يا حرسي فاضرب عنقه ؛ فقام إليه رجل فضرب عنقه، وأنهب ماله. ويقال: إن عنبسة بن سعيد قال للحجاج: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أحد قتلة أمير المؤمنين عثمان؛ فقال الحجاج: يا عدو الله، أفلا إلى أمير المؤمنين بعثت بديلاً! ثم أمر بضرب عنقه، وأمر منادياً فنادى: ألا إن عمير بن ضابىء أتى بعد ثالثة؛ وقد كان سمع النداء، فأمرنا بقتله. ألا فإن ذمة الله بريئة ممن بات الليلة من جند المهلب. فخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برا مهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلب قدم العراق اليوم رجل ذكر: اليوم قوتل العدو. قال ابن أبي عبيدة في حديثه: فعبر الجسر تلك الليلة أربعة آلاف من مذجح؛ فقال المهلب: قدم العراق رجل ذكر. ===========================================ج20. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال عمر عن أبي الحسن، قال: لما قرأ عليه كتاب عبد الملك قال القارىء: أما بعد، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله. فقال له: اقطع، يا عبيد العصا، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام! هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، ابدأ بالكتاب، فلما بلغ إلى قوله: " أما بعد سلام عليكم " ، لم يبق منهم أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله. قال عمر: حدثني عبد الملك بن شيبان بن عبد الملك بن مسمع، قال: حدثني عمرو بن سعيد، قال: لما قدم الحجاج الكوفة خطبهم فقال: إنكم قد أخللتم بعسكر المهلب، فلا يصبحن بعد ثالثة من جنده أحد، فلما كان بعد ثالثة أتى رجل يستدمى، فقال: من بك؟ قال: عمير بن ضابىء البرجمي، أمرته بالخروج إلى معسكره فضربني - وكذب عليه. فأرسل الحجاج إلى عمير بن ضابىء، فأتي به شيخاً كبيراً، فقال له: ما خلفك عن معسكرك؟ قال: أنا شيخ كبير لا حراك بي، فأرسلت ابني بديلاً فهو أجلد مني جلداً، وأحدث مني سناً، فسل عما أقول لك، فإن كنت صادقاً وإلا فعاقبني. قال: فقال عنبسة بن سعيد: هذا الذي أتى عثمان قتيلاً؛ فلطم وجهه ووثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه، فأمر به الحجاج فضربت عنقه. قال عمرو بن سعيد: فوالله إني لأسير بين الكوفة والحيرة إذ سمعت رجزاً مضرياً، فعدلت إليهم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: قدم علينا رجل من شر أحياء العرب من هذا الحي من ثمود، أسقف الساقين، ممسوح الجاعرتين، أخفش العينين، فقدم سيد الحي عمير بن ضابىء فضرب عنقه. ولما قتل الحجاج عمير بن ضابىء لقى إبراهيم بن عامر أحد بني غاضرة من بني أسد عبد الله بن الزبير في السوق فسأله عن الخبر. فقال ابن الزبير: أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أمسى منصباً متشعباً تجهز وأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا تخير فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميراً وإما أن تزور المهلبا هما خطتا كره نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا فحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا فكائن ترى من مكره العدو ممسن ... تحمم حنو السرج حتى تحنبا وكان قدوم الحجاج الكوفة - فيما قيل - في شهر رمضان من هذه السنة، فوجه الحكم بن أبي الشقفي على البصرة أميراً، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالداً الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم، فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة، فلم يبرح مصلاه حتى قسم فيهم ألف ألف. وحج بالناس في هذه السنة عبد الملك بن مروان، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك بن مروان، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عثمان، وأمر عبد الملك يحيى بن الحكم أن يقر على عمله على ما كان عليه بالمدينة. وعلى الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف. وعلى خراسان أمية بن عبد الله. وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة ابن أوفى. وفي هذه السنة خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة أبا يعفور عروة بن المغيرة بن شعبة، فلم يزل عليها حتى رجع إليها بعد وقعة رستقباذ. ذكر الخبر عن ثورة الناس بالحجاج بالبصرة وفي هذه السنة ثار الناس بالحجاج بالبصرة.ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به: ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: خرج الحجاج بن يوسف من الكوفة بعد ما قدمها، وقتل ابن ضابىء في فوره ذلك حتى قدم البصرة. فقام فيها بخطبة مثل الذي قام بها في أهل الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده إياهم، فأتى برجل من بني يشكر فقيل: هذا عاص، فقال: إن بي فتقاً. وقد رآه بشر فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البصرة، فخرجوا حتى تداكئوا على العارض بقنطرة رامهرمز، فقال المهلب: جاء الناس رجل ذكر. وخرج الحجاج حتى نزل رستقباذ في أول شعبان سنة خمس وسبعين فثار الناس بالحجاج، عليهم عبد الله بن الجارود، فقتل عبد الله بن الجارود، وبعث بثمانية عشر رأساً فنصبت برامهرمز للناس، فاشتدت ظهور المسلمين، وساء ذلك الخوارج، وقد كانوا رجوا أن يكون من الناس فرقة واختلاف، فانصرف الحجاج إلى البصرة. وكان سبب أمر عبد الله بن الجارود أن الحجاج لما ندب الناس إلى اللحاق بالمهلب بالبصرة فشخصوا سار الحجاج حتى نزل رستقباذ قريباً من دستوى في آخر شعبان ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخاً، فقام في الناس، فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق، ولست أجيزها. فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا. فكذبه وتوعده، فخرج ابن الجارود على الحجاج وتابعه وجوه الناس، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه وبرءوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، وانصرف إلى البصرة، وكتب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن ابن مخنف: أما بعد، إذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج؛ والسلام. نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز وفي هذه السنة نفى المهلب وابن مخنف الأزارقة عن رامهرمز. ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهم في هذه السنة: ذكر هشام عن أبي مخنف، عن أبي زهير العبسي، قال: ناهض المهلب وابن مخنف الأزارقة برامهروز بكتاب الحجاج إليهما لعشر بقين من شعبان يوم الاثنين سنة خمس وسبعين، فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال شديد، ولكنهم زحفوا إليهم حتى أزالوهم، وخرج القوم كأنهم على حامية، حتى نزلوا سابور بأرض منها يقال لها كازرون، وسار المهلب وعبد الرحمن بن مخنف حتى نزلوا بهم في أول رمضان، فخندق المهلب عليه، فذكر أهل البصرة أن المهلب قال لعبد الرحمن بن مخنف: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل؛ وإن أصحاب عبد الرحمن أبوا عليه وقالوا: إنما خندقنا سيوفنا. وإن الخوارج زحفوا إلى المهلب ليلاً ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا نحو عبد الرحمن بن مخنف فوجدوه لم يخندق، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في أناس من أصحابه فتل، وقتلوا حوله، فقال شاعرهم: لمن العسكر المكلل بالصر ... عى فهم بين ميت وقتيل فتراهم تسفى الرياح عليهم ... حاصب الرمل بعد جر الذيول وأما أهل الكوفة فإنهم ذكروا أن كتاب الحجاج بن يوسف أى المهلب وعبد الرحمن بن مخنف؛ أن ناهضاً الخوارج حين يأتيكما كتابي. فناهضاهم يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان سنة خمس وسبعين واقتتلوا قتالاً شديداً لم يكن بينهم فيما مضى قتال كان أشد منه، وذلك بعد الظهر، فمالت الخوارج على المهلب بن أبي صفرة فاضطروه إلى عسكره، فسرح إلى عبد الرحمن رجالاً من صلحاء الناس، فأتوه، فقالوا: إن المهلب يقول لك: إنما عدونا واحد، وقد ترى ما قد لقى المسلمون، فأمد إخوانك يرحمك الله. فأخذ يمده بالخيل بعد الخيل، والرجال بعد الرجال، فلما كان بعد العصر ورأت الخوارج ما يجئ من عسكر عبد الرحمن من الخيل والرجال إلى عسكر المهلب ظنوا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا خمس كتائب أو ستا تجاه عسكر المهلب، وانصرفوا بحدهم وجمعهم إلى عبد الرحمن بن مخنف، فلما رآهم قد صمدوا له نزل ونزل معه القراء، عليهم أبو الأحوص صاحب عبد الله بن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر ابن خزيمة العبسي الذي قتل مع زيد بن علي وصلب معه بالكوفة، ونزل معه من خاصة قومه أحد وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلتهم قتالا شديداً. ثم إن الناس انكشفوا عنه، فبقى في عصابة من أهل الصبر ثبتوا معه، وكان ابنه جعفر بن عبد الرحمن فيمن بعثه إلى المهلب، فنادى في الناس ليتبعوه إلى أبيه، فلم يتبعه إلا ناس قليل، فجاء حتى إذا دنا من أبيه حالت الخوارج بينه وبين أبيه، فقاتل حتى ارتشته الخوارج، وقاتل عبد الرحمن بن مخنف ومن معه على تل مشرف حتى ذهب نحو من ثلثي الليل، ثم قتل في تلط العصابة، فلما أصبحوا جاء المهلب حتى أتاه، فدفنه وصلى عليه، وكتب بمصابه إلى الحجاج، فكتب بذلك الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، فنعى عبد الرحمن بمنىً، وذم أهل الكوفة، وبعث الحجاج على عسكر عبد الرحمن بن مخنف عتاب بن ورقاء، وأمره إذا ضمتهما الحرب أن يسمع للمهلب ويطيع، فساءه ذلك، فلم يجد بداً من طاعة الحجاج ولم يقدر على مراجعته، فجاء حتى أقام في ذلك العسكر، وقاتل الخوارج وأمره إلى المهلب، وهو في ذلك يقضي أموره، ولا يكاد يستشير المهلب في شئ. فلما رأى ذلك المهلب اصطنع رجالاً من أهل الكوفة فيهم بسطام بن مصقلة بن هبيره، فأغراهم بعتاب. قال أبو مخنف عن يوسف بن يزيد: إن عتابا أتى المهلب بسأله أن يرزق أصحابه، فأجلسه المهلب معه على مجلسه، قال: فسأله أن يرزق أصحابه سؤالاً فيه غلظة وتحبهم، قال: فقال له المهلب: وإنك لها هنا بابن اللخناء! فبنو تميم يزعمون أنه رد عليه، وأما يوسف بن يزيد وغيره فيزعمون أنه قال: والله إنها لمعمة مخولة، ولوددت أن الله فرق بيني وبينك، قال: فجرى بينهما الكلام حتى ذهب المهلب ليرفع القضيب عليه، فوثب عليه ابنه المغيرة، فقبض على القضيب وقال: أصلح الله الأمير! شيخ من أشياخ العرب، وشريف من أشرافهم، إن سمعت منه بعض ما تكرهه فاحتمله له. فإنه لذلك منك أهل، ففعل، وقام عتاب فرجع من عنده، واستقبله بسطام بن مصقلة يشتمه، ويقع فيه فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج يشكو إليه المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء أهل المصر، ويسأله أن يضمه إليه، فوافق ذلك من الحجاج حاجة إليه فيما لقى أشراف الكوفة من شبيب، فبعث إليه أن اقدم واترك أمر ذلك الجيش إلى المهلب، فبعث المهلب عليه حبيب بن المهلب. وقال حميد بن مسلم يرثي عبد الرحمن بن مخنف: إن يقتلوك أبا حكيم غدوة ... فلقد تشد وتقتل الأبطالا أو يثكلونا سيدا لمسود ... سمح الخليقة ماجداً مفضالا فلمثل قتلك هد قومك كلهم ... من كان يحمل عنهم الأثقالا من كان يكشف غرمهم وقتالهم ... يوماً إذا كان القتال نزالا! أقسمت ما نيلت مقاتل نفسه ... حتى تدرع من دم سربالا وتناجز الأبطال تحت لوائه ... بالمشرفية في الأكف نصالاً يوماً طويلاً ثم آخر ليلهم ... حين استبانوا في السماء هلالا وتكشفت عنه الصفوف وخيله ... فهناك نالته الرماح فمالا وقال سراقة بن مرداس البارقي: أعيني جودا بالدموع السواكب ... وكونا كواهي شنة مع راكب على الأزد لما أن أصيب سراتهم ... فنوحا لعيش بعد ذلك خائب نرحي الخلود بعدهم وتعوقنا ... عوائق موت أو قراع الكتائب وكنا بخير قبل قتل ابن مخنف ... وكل امرئ يوماً لبعض المذاهب أمار دموع الشيب من أهل مصره ... وعجل في الشبان شيب الذوائب وقاتل حتى مات أكرم ميتة ... وخر على خد كريم وحاجب وضارب عنه المارقين عصابة ... من الأزد تمشي بالسيوف القواضب فلا ولدت أنثى ولا آب غائب ... إلى أهله إن كان ليس بآيب فيا عين بكى مخنفاً وابن مخنف ... وفرسان قومي قصرةً وأقاربي وقال سراقة أيضاً يرثي عبد الرحمن بن مخنف: ثوى سيد الأزدين أزد شنوءة ... وأزد عمان رهن رمس بكازر وضارب حتى مات أكرم ميتة ... بأبيض صاف كالعقيقة باتر وصرع حول التل تحت لوائه ... كرام المساعي من كرام المعاشر قضى نحبه يوم اللقاء ابن مخنف ... وأدبر عنه كل ألوث داثر أمد فلم يمدد فراح مشمراً ... إلى الله لم يذهب بأثواب غادر وأقام المهلب بسابور يقاتلهم نحواً من سنة. وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس، وكان يرى رأى الصفرية، وقيل: إنه أول من خرج من الصفرية. ذكر الخبر عن تحرك صالح للخروج وما كان منه في هذه السنة ذكر أن صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس حج سنة خمس وسبعين ومعه شبيب بن يزيد وسويد و البطين وأشباههم. وحج في هذه السنة عبد الملك بن مروان، فهم شبيب بالفتك به، وبلغه ذرء من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم بها الشهر ونحوه فيلقى أصحابه ليعدهم، فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج، فتنكبها. دخلت سنة ست وسبعين ذكر الكائن من الأحداث فيها فمن ذلك خروج صالح بن مسرح ذكر الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه وكان سبب خروجه - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الله ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخثعمي - أن صالح بن مسرح التميمي كان رجلا ناسكاً مخبتاً مصفر الوجه، صاحب عبادة، و أنه كان بدارا وأرض الموصل والجزيرة له أصحاب يقرئهم القرآن وفقههم وقص عليهم، فكان قبيصة بن عبد الرحمن حدث أصحابنا أن قصص صالح بن مسرح عنده، وكان ممن يرى رأيهم، فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم، ففعل. وكان قصصه: " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " . اللهم إنا لا نعدل بك. ولا نحفد إلا إليك، ولا نعبد إلا إياك، لك الخلق والأمر، ومنك النفع والضر، وإليك المصير. ونشهد أن محمداً عبدك الذي اصطفيته، ورسولك الذي اخترته وارتضيته لتبليغ رسالاتك، ونصيحة عبادك، ونشهد أنه قد بلغ الرسالة، ونصح للأمة، ودعا إلى الحق، وقام بالقسط، ونصر الدين. وجاهد المشركين، حتى توفاه الله صلى الله عليه وسلم. أوصيكم بتقوى الله والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت، وفراق الفاسقين، وحب المؤمنين، فإن الزهادة في الدنيا ترغب العبد فيما عند الله، وتفرغ بدنه لطاعة الله، وإن كثرة ذكر الموت يخيف العبد من ربه حتى يجأر إليه، ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً و لا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " وإن حب المؤمنين للسبب الذي تنال به كرامة الله ورحمته وجنته، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين. ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم ووفقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، حتى قبضه الله، صلوات الله عليه، ثم ولى الأمر من بعده التقي الصديق على الرضا من المسلمين، فاقتدى بهديه، واستن بسنته، حتى لحق بالله - رحمه الله - واستخلف عمر، فولاه الله أمر هذه الرعية، فعمل بكتاب الله، وأحيا سنة رسول الله، ولم يحنق في الحق على جرته، ولم يخف في الله لومة لائم، حتى لحق به رحمة الله عليه، وولى المسلمين من بعده عثمان، فاستأثر بالفئ، وعطل الحدود، وجار في الحكم، واستذل المؤمن، وعزز المجرم، فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين؛ وولى أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب، فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال، وشك في أهل الضلال، وركن وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة، وأئمة الضلال الظلمة وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم غير ما ترجم الظنون، فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم، وحلائلكم ودنياكم، وإن اشتد لذلك كرهكم وجزعكم. ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين وأموالكم تدخلوا الجنة آمنين، وتعانقوا الحور العين، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة، قال: بينا أصحاب صالح يختلفون إليه إذ قال لهم ذات يوم: ما أدري ما تنتظرون! حتى متى أنتم مقيمون! هذا الجوار قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلوا وعتوا، وتباعداً عن الحق، وجرأة على الرب؛ فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل و الدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون، فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون. قال: فتراسل أصحاب صالح، وتلاقوا في ذلك، فبيناهم في ذلك إذ قدم عليهم المحلل بن وائل اليشكري بكتاب من شبيب إلى صالح بن مسرح: أما بعد، فقد علمت أنك كنت أردت الشخوص، وقد كنت دعوعتني إلى ذلك فاستجبت لك، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين، ولن نعدل بك منا أحداً، وإن أردت تأخير ذلك اليوم أعلمتني؛ فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تختر مني المنية ولما أجاهد الظالمين، فياله غبناً، وياله فضلا متروكاً! جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه، والنظر إلى وجهه، ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك، قال: فلما قدم على صالح المحلل بن وائل بذلك الكتاب من شبيب كتب إليه صالح: أما بعد، فقد كان كتابك وخبرك أبطآ عني حتى أهمني ذلك، ثم إن امرأً من المسلمين نبأني بنبإ مخرجك ومقدمك، فنحمد الله على قضاء ربنا. وقد قدم على رسولك بكتابك، فكل ما فيه فهمته، ونحن في جهاز واستعداد للخروج، ولم يمنعني من الخروج إلا إنتظارك، فأقبل إلينا، ثم اخرج بنا متى ما أحببت، فإنك ممن لا يستغني عن رأيه، ولا تقضى دونه الأمور. والسلام عليك، فلما قدم على شبيب كتابه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه؛ منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نعيم، والمحلل بن وائل اليشكري، والصقر ابن حاتم من بني تيم بن شيبان، وإبراهيم بن حجر أبو الصقير بن بني محلم، والفضل بن عامر من بني ذهل بن شيبان، ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح بداراً، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك الله! فو الله ما تزداد السنة إلا دروساً، ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً، فبث صالح رسله في أصحابه، وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين، فاجتمع بعضهم إلى بعض، وتهيئوا، وتيسروا للخروج في تلك الليلة، واجتمعوا جميعاً عنده في تلك الليلة لميعاده. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط الأزدي، قال: والله إني لمع شبيب بالمدائن إذ حدثنا عن مخرجهم، قال: لما هممنا بالخروج اجتمعنا إلى صالح بن مسرح ليلة خرج، فكان رأيي استعراض الناس لما رأيت من المنكر والعدوان والفساد في الأرض، فقمت إليه فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف ترى في السيرة في هؤلاء الظلمة؟ أتقتلهم قبل الدعاء، أم ندعوهم قبل القتال؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني فيهم برأيك؛ أما أن فأرى أن نقتل كل من لا يرى رأينا فريباً كان أو بعيداً، فإنا نخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله، واستحوذ عليهم الشيطان. فقال: لا بل ندعوهم، فلعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك وليقاتلنك من يزري عليك، والدعاء أقطع لحجتهم، وأبلغ في الحجة عليهم. قال: فقلت له: فكيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به؟ ما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا ولنا. وقال: فأحسن القول وأصاب، رحمة الله عليه وعلينا. قال أبو مخنف: فحدثني رجل من بني محلم أن صالح بن مسرح لأصحابه ليلة خرج: اتقوا الله عباد الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس غلا أن يكونوا قوماً يريدونكم، وينصبون لكم، فإنكم إنما خرجتم غضباً لله حيث انتهكت محارمه، وعصى في الأرض، فسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حفها، فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملوا بها، فإن كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤلون، وإن عظمكم رجالة، وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق، فابدءوا بها، فشدوا عليها، فاحملوا أراجلكم، وتقووا بها على عدوكم فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدواب فحملوا رجالتهم عليها، وصارت رجالتها فرساناً، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار، وخرج صالح ليلة خرج في مائة وعشرين - وقيل في مائة وعشرة - قال: وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة، فاستخف بأمرهم، وبعث إليهم عدى بن عدى بن عميرة من بني الحارث بن معاوية بن ثور في خمسمائة، فقال له: أصلح الله الأمير! أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة! قد خرج معه رجال من ربيعة قد سموا لي، كانوا يعازوننا، الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة رجل، قال له: فإني أزيدك خمسمائة أخرى، فسر إليهم في ألف، فسار من حران في ألف رجل، فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عدي، وكأنما يساق إلى الموت، وكان عدي رجلا يتنسك، فأقبل حتى إذا نزل دوغان نزل بالناس وسرح إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه من بني خالد من بني الورثة؛ يقال له: زياد بن عبد الله، فقال: إن عديا بعشي إليك يسألك أن تخرج من هذا البلد وتأتي بلداً آخر فتقاتل أهله؛ فإن عديا للقائك كاره، فقال له صالح: ارجع إليه، فقل له: إن كنت ترى رأينا فأرنا من ذلك ما نعرف، ثم نحن مدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره، وإن كنت على رأى الجبابرة وأئمة السوء رأينا رأينا، فإن شئنا بدأنا بك، وإن شئنا رحلنا إلى غيرك، فانصرف إليه الرسول فأبلغه ما أرسل به، فقال له: ارجع إليه فقل له: إني والله ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك، فقاتل غيري، فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فركبوا وحبس الرجل عنده حتى خرجوا، ثم تركه ومضى بأصحابه حتى يأتي عدي بن عدي بن عميرة في سوق دوغان وهو قائم يصلي الضحى، فلم يشعر إلا والخيل طالعة عليهم، فلما بصروا بها تنادوا، وجعل صالح شبيباً في كتيبة في ميمنة أصحابه، وبعث سويد بن سليم الهندي من بني شيبان في كتيبة في ميسرة أصحابه، ووقف هو في كتيبة في القلب، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبية، وبعضهم يجول في بعض، فأمر شبيباً فحمل عليهم، ثم حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يقاتلوا، وأتى عدي بن عدي بدابته وهو يصلي فركبها ومضى على وجهه، وجاء صالح ابن مسرح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فل عدي وأوائل أصحابه حتى دخلوا على محمد بن مروان، فغضب، ثم دعا خالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعا الحارث بن جعونة من بني ربيعة بن عامر بن صعصعة فبعثه في ألف وخمسمائة، ودعاهما، فقال: اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة، وعجلا الخروج، وأغذا السير، فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه؛ فخرجا من عنده فأغذا السير، وجعلا يسألان عن صالح بن مسرح فيقال لهما: إنه توجه نحو آمد، فأتبعاه حتى انتهيا إليه، وقد نزل على أهل آمد فنزلا ليلا، فيخندقا وانتهيا إليه وهما متساندان كل واحد منهما في أصحابه على حدته، فوجه صالح شبيباً إلى الحارث بن جعونة العامري في شطر أصحابه، وتوجه هو نحو خالد بن جزء السلمي. قال أبو مخنف: فحدثني المحلمي، قال: انتهوا إلينا في أول وقت العصر، فصلى بنا صالح العصر، ثم عبانا لهم فاقتتلنا كأشد قتال اقتتله قوم قط، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرين فكذلك، وجعلت خليهم لا تثبت لخيلنا. فلما رأى أميراهم ذلك ترجلا وأمرا جل من معهما فترجل، فعند ذلك جعلنا لا نقدر منهم على الذي نريد، إذا حملنا عليهم استقبلنا رجالتهم بالرماح، ونضحتنا رماتهم بالنبل، وخيلهم تطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المساء حتى حال الليل بيننا وبينهم، وقد أفشوا فينا الجراحة، وأفشيناها فيهم، وقد قتلوا منا نحواً من ثلاثين رجلاً، وقتلنا منهم أكثر من سبعين، ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، فوقفنا مقابلهم ما يقدمون علينا وما نقدم عليهم، فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم، ورجعنا إلى عسكرنا فصلينا وتروحنا وأكلنا من الكسر. ثم إن صالحاً دعا شبيباً وروءس أصحابه فقال: يا أخلائي، ماذا ترون؟ فقال شبيب: أرى أنا قد لقينا هؤلاء القوم فقاتلناهم، وقد اعتصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم، فقال صالح: وأنا أرى ذلك، فخرجوا من تحت ليلتهم سائرين، فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة، ثم دخلوا أرض الموصل فساروا فيها حتى قطعوها ومضوا حتى قطعوا الدسكرة. فلما بلغ ذلك الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة، ألف من المقاتلة الأولى، وألفين من الفرض الذي فرض لهم الحجاج. فسار حتى إذا دنا من الدسكرة خرج صالح بن مسرح نحو جلولاء وخانقين، وأتبعه الحارث ابن عميرة حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج من أرض الموصل على تخوم ما بينها وبين أرض جوخى، وصالح يومئذ في تسعين رجلا، فعبي الحارث ابن عميرة يومئذ أصحابه، وجعل على ميمنته أبا الرواغ الشاكري، وعلى ميسرته الزبير بن الأروح التميمي، ثم شد عليهم - وذلك بعد العصر وقد جعل أصحابه ثلاثة كراديس؛ فهو في كردوس، وشبيب في كردوس في ميمنته، وسويد بن سليم في كردوس في الميسرة، في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا فلما شد عليهم الحارث بن عميرة في جماعة أصحابه انكشف سويد ابن سليم، وثبت صالح وثبت صالح بن مسرح فقتل، وضارب شبيب حتى صرع، فوقع رجالة، فشد عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح ابن مسرح فأصابه قتيلا، فنادى: إلى يا معشر المسلمين؛ فلاذوا به، فقال لأصحابه: ليعجل كل واحد منكم ظهره إلى ظهره صاحبه، وليطاعن عدوه إذا أقدم عليه حتى ندخل هذا الحصن، ونرى رأينا، ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلا بشبيب، وأحاط بهم الحارث بن عميرة ممسياً، وقال لأصحابه: احرقوا الباب، فإذا صار حمراً فدعوه فإنهم لا يقدرون على أن يخرجوا منه حتى نصبحهم فنقتلهم، ففعلوا ذلك بالباب، ثم انصرفوا إلى عسكرهم، فأشرف شبيب عليهم وطائفة من أصحابه، فقال بعض أولئك الفرض: يا بني الزواني، ألم يخزكم الله! فقالوا: يافساق، نعم تقاتلوننا لقتالنا إياكم إذ أعماكم الله عن الحق الذي نحن عليه، فما عذركم عند الله في الفري على أمهاتنا! فقال له حلماؤهم إنما هذا من قول شباب فينا سفهاء، والله ما يعجبنا قولهم ولا نستحله. وقال شبيب لأصحابه: يا هؤلاء، ما تنظرون! فو الله لئن صبحكم هؤلاء غدوة إنه لهلاككم، فقالوا له: مرنا بأمرك، فقال لهم : إن الليل أخفى للويل، بايعوني ومن شئم منكم، ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم، فإنهم لذلك منكم آمنون، وأنا أرجوا أن ينصركم الله عليهم. قالوا: فابسط يدك فلنبايعك، فبايعوه، ثم جاءوا ليخرجوا، وقد صار بابهم جمراً، فأتوا باللبود فبلوها بالماء، ثم ألقوها على الجمر، ثم قطعوا عليها، فلم يشعر الحارث بن عميرة ولا أهل العسكر إلا وشبيب وأصحابه يضربونهم بالسيوف في جوف عسكرهم، فضارب الحارث حتى صرع، واحتمله أصحابه وانهزموا، وخلوا لهم العسكر وما فيه، ومضوا حتى نزلوا المدائن، فكان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب، وأصيب صالح بن مسرح يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى من سنته. خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجاجوفي هذه السنة دخل الكوفة ومعه زوجته عزالة ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمره وأمر الحجاج بها و السبب الذي دعا شبيباً إلى ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر هشام، عن أبي مخنف، عن عبد الله ابن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخشعمي - أن شبيباً لما قتل صالح بن مسرح بالمدبج وبايعه أصحاب صالح، ارتفع إلى أرض الموصل فلقى سلامة بن سيار بن المضاء التيمي تيم شيبان، فدعاه إلى الخروج معه، وكان يعرفه قبل ذلك إذ كانا في الديوان والمغازي، فاشترط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارساً، ثم لا يغيب عنه إلا ثلاث ليال عدداً. ففعل، فانتخب ثلاثين فارساً، فانطلق بهم نحو عنزة، وإنما أرادهم ليشفي نفسه منهم لقتلهم أخاه فضالة، وذلك أن فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نفساً حتى نزل ماء يقال له الشجرة من أرض الجبال عليه أثلة عظيمة، وعليه عنزة، فلما رأته عنزة قال بعضهم لبعض: نقتلهم ثم نغدو بهم إلى الأمير فنعطي ونجى، فأجمعوا على ذلك، فقال بنو نصر أخواله: لعمر الله لا نساعدكم على قتل ولدنا. فنهضت عنزة إليهم فقاتلوهم فقتلوهم، وأتوا برءوسهم عبد الملك بن مروان، فلذلك أنزلهم بانقيا، وفرض لهم، ولم تكن لهم فرائض قبل ذلك إلا قليلة، فقال سلامة بن سيار، أخو فضالة يذكر قتل أخيه وخذلان أخواله إياه: وما خلت أخوال الفتى يسلمونه ... لوقع السلاح قبل ما فعلت نصر قال: وكان خروج أخيه فضالة قبل خروج صالح بن مسرح وشبيب. فلما بايع سلامة شبيباً اشترط عليه هذا الشرط، فخرج في ثلاثين فارساً حتى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلة منهم بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيهم خالته، وقد أكبت على ابن لها وهو غلام حين احتلم، فقالت و أخرجت ثديها إليه: أنشدك برحم هذا يا سلامة! فقال: لا و الله، ما رأيت فضالة مذ أناخ بعمر الشجرة - يعني أخاه - لتقومن عنه، أو لأجمعن حافتك بالرمح، فقامت عن ابنها عند ذلك فقتله. قال أبو مخنف: فحدثني المفضل بن بكر من بني تيم بن شيبان أن شبيباً أقبل في أصحابه نحو راذان. فلما سمعت به طائفة من بني تيم ابن شيبان خرجوا هراباً منه، ومعهم ناس من غيرهم قليل، فأقبلوا حتى نزلوا دير خرزاد إلى جنب حولايا، وهم نحو من ثلاثة آلاف، وشبيب في نحو من سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم؛ فهابوه وتحصنوا منه، ثم إن شبيباً سرى في اثنى عشر فارساً من أصحابه إلى أمه، وكانت في سفح ساتيد ما نازلة في مظلة من مظال الأعراب: فقال: لأتين بأمي فلأجعلنها في عسكري فلا تفارقني أبداً حتى أموت أو تموت. وخرج رجلان من بني تيم بن شيبان تخوفا على أنفسهما فنزلا من الدير، فلحقا بجماعة من قومهما وهم نزول بالجال منهم على مسيرة ساعة من النهار، وخرج شبيب، في أولئك الرهط في أولهم وهم اثنا عشر، يريد أمه بالسفح، فإذا هو بجماعة من بني تيم بن شيبان غارين في أموالهم مقيمين، لا يرون أن شبيباً يمر بهم لمكانهم الذي هم به، ولا يشعر بهم، فحمل عليهم في فرسانه تلك، فقتل منهم ثلاثين شيخاً؛ فيهم حوثرة بن أسد ووبرة بن عاصم الذان كانا نزلا من الدير، فلحقا بالجبال. ومضى شبيب إلى أمه فحملها من السفح، فأقبل بها، وأشرف رجل من أصحاب الدير من بكر بن وائل على أصحاب شبيب، وقد استخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد بن يزيد، ويقال لذلك الرجل الذي أشرف عليهم سلام بن حيان، فقال لهم: يا قوم، القرآن بيننا وبينكم. ألم تسمعوا قول الله: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " قالوا: بلى، قال لهم: فكفوا عنا حتى نصبح، ثم نخرج إليكم على أمان لنا منكم، لكيلا تعرضوا لنا بشئ نكرهه حتى تعرضوا علينا أمركم هذا، فإن نحن قبلناه حرمت عليكم أموالنا ودماؤنا، وكنا لكم إخواناً وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم؛ قالوا لهم: فهذا لكم. فلما أصبحوا خرجوا إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، ووصفوا لهم أمرهم، فقبلوا ذلك كله، وخالطوهم ونزلوا إليهم، فدخل بعضهم إلى بعض، وجاء شبيب وقد اصطلحوا، فأخبره أصحابه خبرهم، فقال: أصبتم ووفقتم وأحسنتم. ثم إن شبيباً ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامت طائفة جانحة، وخرج يومئذ معه إبراهيم بن حجر المحلمي أبو الصقير كان مع بني تيم بن شيبان نازلاً فيهم، ومضى شبيب في أداني أرض الموصل وتخوم أرض جوخى، ثم ارتفع نحو أذربيجان، وأقبل سفيان بن أبي العالية الخشعمي في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طبرستان، فأمر بالقفول، فأقبل راجعاً في نحو من ألف فارس، فصالح صاحب طبرستان. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة عن سفيان بن أبي العالية الخثعمي أن كتاب الحجاج أتاه: أما بعد، فسر حتى تنزل الدسكرة فيمن معك، ثم أقيم حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة الهمداني بن ذي المشعار، وهو الذي قتل صالح بن مسرح وخيل المناظر، ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه، فلما أتاه الكتاب أقبل حتى نزل الدسكرة، ونودي في جيش الحارث بن عميرة بالكوفة والمدائن: أن برئت الذمة من رجل من جيش الحارث بن عميرة لم يواف سفيان بن أبي العالية بالدسكرة قال: فخرجوا حتى أتوه، وأتته خيل المناظر، وكانوا خمسمائة، عليهم سورة بن أبجر التميمي من بني أبان بن دارم، فوافوه إلا نحواً من خمسين رجلا تخلفوا عنه، وبعث إلى سفيان بن أبي العالية ألا تبرح العسكر حتى آتيك. فعجل سفيان فارتحل في طلب شبيب، فلحقه بخانقين في سفح جبل على ميمنته خازم بن سفيان الخثعمي من بني عمر بن شهران، وعلى ميسرته عدي بن عميرة الشيباني، وأصحر لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم حتى كأنه يكره لقاءه، وقد أكن له أخاه مصاداً معه خمسون في هزم من الأرض، فلما رأوه جمع أصحابه ثم مضى في سفح الجبل مشرفاً فقالوا: هرب عدو الله فاتبعوه، فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني: أيها الناس، لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الأرض ونسير بها، فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كميناً كنا قد حذرناه، وإلا فإن طلبهم لن يفوتنا. فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا في آثارهم. فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين عطف عليهم ولما رأى الكمين أن قد جاوزهم خرجوا إليهم، فحمل عليهم شبيب من أمامهم، وصاح بهم الكمين من ورائهم، فلم يقاتلهم أحد، وكانت الهزيمة، فثبت ابن أبي العالية في نحو من مائتي رجل، فقاتلهم قتالا شديداً حسناً؛ حتى ظن أنه انتصف من شبيب وأصحابه، فقال سويد بن سليم لأصحابه: أمنكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبي العالية؟ فو الله لئن عرفته لأجهدن نفسي في قتله، فقال شبيب: أنا من أعرف الناس به، أما ترى صاحب الفرس الأغر الذي دونه المرامية! فإنه ذلك، فإن كنت تريده فأمهله قليلاً، ثم قال: يا قعنب، اخرج في عشرين فأتهم من ورائهم فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم. فلما رأوه يريد أن يأتيهم من ورائهم جعلوا يتنقضون ويتسسللون، وحمل سويد بن سليم على سفيان بن أبي العالية فطاعنه، فلم تصنع رمحاهما شيئاً، ثم اضطربا بسيفهما ثم اعتنق كل منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض يعتركان؛ ثم تحاجزوا وحمل عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سفيان غلام له يقال له غزوان، فنزل عن برذونة، وقال: اركب يا مولاي، فركب سفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتل دونه غزوان فقتل، وكانت معه رايته. وأقبل سفيان بن أبي العالية حتى انتهى إلى بابل مهروذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني أتبعت هذه المارقة حتى لحقتهم بخانقين فقاتلتهم، فضرب الله وجوههم، ونصرنا عليهم، فبينا نحن كذلك إذ أتاهم قوم كانوا غيباً عنهم، فحملوا على الناس فهزموهم، فنزلت في رجال من أهل الدين والصبر فقاتلتهم، حتى خررت بين القتلى، فحملت مرتثاً، فأتى بي بابل مهروذ، فهأنذا بها والجند الذين وجههم إلى الأمير وافوا إلا سورة بن أبجر فإنه لم يأتني ولم يشهد معي حتى إذا نزلت بابل مهروذ أتاني يقول ما لا أعرف، ويعتذر بغير العذر والسلام. فلما قرأ الحجاج الكتاب قال: من صنع كما صنع هذا، وأبلى كما أبلى فقد أحسن. ثم كتب إليه: أما بعد: فقد أحسنت البلاء، وقضيت الذي عليك، فإذا خف عنك الوجع فأقبل مأجوراً إلى أهلك والسلام. وكتب إلى سورة بن أبحر: أما بعد فيا بن أم سورة، ما كنت خليقاً أن تجترئ على ترك عهدي وخذلان جندي، فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك صليباً إلى الخيل التي بالمدائن، فلينتخب منهم خمسمائة رجل، ثم ليقدم بهم عليك، ثم سر بهم حتى تلقى هذه المارقة. واحزم في أمرك، وكد عدوك، فإن أفضل أمر الحرب حسن المكيدة. والسلام. فلما أتى سورة كتاب الحجاج بعث عدي بن عميرة إلى المدائن. وكان بها ألف فارس، فانتخب منهم خمسمائة، ثم دخل على عبد الله بن أبي عصيفير - وهو أمير المدائن في إمارته الأولى - فسلم عليه، فأجازه بألف درهم، وحمله على فرس، وكساه أثواباً. ثم إنه خرج من عنده، فأقبل بأصحابه حتى قدم بهم على سورة بن أبجر ببابل مهروذ، فخرج في طلب شبيب، وشبيب يجول في جوخى وسورة في طلبه، فجاء شبيب حتى انتهى إلى المدائن فتحصن منه أهل المدائن وتحرزوا. وهي أبنية المدائن الأولى، فدخل المدائن، فأصاب بها دواب جند كثيرة فقتل من ظهر له ولم يدخلوا البيوت. فأتى فقيل له: هذا سورة بن أبجر قد أقبل إليك. فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان، فنزلوا به وتوضئوا وصلوا، ثم أتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام، فاستغفروا لإخوانهم، وتبرءوا من علي وأصحابه، وبكوا فأطالوا البكاء، ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان، فنزلوا من جانبه الشرقي، وجاء سورة حتى نزل بقطراثا، وجاءته عيونه فأخبرته بمنزل شبيب بالنهروان، فدعا رءوس أصحابه فقال: إنهم قلما يلقون مصحرين أو على ظهر إلا انتصفوا منكم، وظهروا عليكم، وقد حدثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل إلا قليلا، وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلثمائة رجل منكم من أقويائكم وشجعانكم فآتيهم الآن إذ هم آمنون لبياتكم؛ فو الله إلى لأرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الذين صرعوا منهم بالنهروان من قبل فقالوا: اصنع ما أحببت. فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة الخثعمي، وانتخب من أصحابه ثلثمائة رجل من أهل القوة والجلد الشجاعة، ثم أقبل بهم نحو النهروان، وبات شبيب وقد أذكى الحرس، فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم، فاستووا على خيولهم وتعبوا تعبيتهم. فلما انتهى إليهم سورة وأصحابه أصابوهم قد حذروا واستعدوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضاربوهم حتى صد عنهم سورة وأصحابه، ثم صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتى تركوا له العرصة، وحملوا عليهم معه، وجعل شبيب يضرب ويقول: من ينك العير ينك نياكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا فرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمل بهم حتى أقبل بهم نحو المدائن، فدفع إليهم وقد تحمل وتعدى الطريق الذي فيه شبيب، واتبعه شبيب وهو يرجو أن يلحقه فيصيب عسكره، ويصيب بهزيمته أهل المعسكر، فأخذ السير في طلبهم، فانتهوا إلى المدائن فدخلوها، وجاء شبيب حتى انتهى إلى بيوت المدائن. فدفع إليهم وقد دخل الناس، وخرج ابن أبي عصيفير في أهل المدائن فرماهم الناس بالنبل، ورموا من فوق البيوت بالحجارة، فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن، فمر على كلواذا فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج فأخذها، ثم خرج يسير في أرض جوخى، ثم مضى نحو تكريت، فبينا ذلك الجند في المدائن إذ أرجف الناس بينهم، فقالوا: هذا شبيب قد دنا، وهو يريد أن يبيبت أهل المدائن الليلة، فارتحل عامة الجند. فلحقوا بالكوفة. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن علقمة الخثعمي، قال: والله لقد هربوا من المدائن وقالوا: نبيت الليلة، وإن شبيباً لبتكبريت، قال: ولما قدم الفل على الحجاج سرح الجزل بن سعيد بن شرحبيل بن عمرو الكندي. قال أبو مخنف: حدثنا النضر بن صالح العبسي وفضيل بن خديج الكندي أن الحجاج لما أتاه الفل قال: قبح الله سورة! ضيع العسكر والجند، وخرج يبيت الخوارج، أما والله لأسوءنه، وكان بعد قد حبسه ثم عفا عنه. قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج أن الحجاج دعا الجزل - وهو عثمان بن سعيد - فقال له: تيسر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق، ول تحجم إحجام الواني الفرق، هل فهمت؟ لله أنت يا أخا بني عمرو بن معاوية! فقال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت؛ قال له: فاخرج فعسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج إليك الناس، فقال: أصلح الله الأمير! لاتبعثن معي أحداً من أهل هذا الجند المفلول المهزوم، فإن الرعب قد دخل قلوبهم، وقد خشيت ألا ينفعك والمسلمين منهم أحد؛ قال له: فإن ذلك لك، ولا أراك إلا قد أحسنت الرأي ووفقت. ثم دعا أصحاب الدواووين فقال: اضربوا على الناس البعث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس، من كل ربع ألف رجل، وعجلوا ذلك، فجمعت العرفاء، وجلس أصحاب الدواوين، وضربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف، فأمرهم بالعسكر فعسكروا، ثم نودى فيهم بالرحيل، ثم ارتحلوا ونادى منادي الحجاج: أن برئت الذمة من رجل أصبناه من هذا البعث متخلفاً؛ قال: فمضى الجزل بن سعيد، وقد قدم بين يديه عياض بن أبي لينة الكندي على مقدمته، فخرج حتى أتى المدائن، فأقام فيها ثلاثاً، وبعث إليه ابن أبي عصيفير بفرس وبرذون وبغلين وألفي درهم، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتى ارتحلوا، فأصاب الناس ما شاؤوا من تلك الجزر والعلف الذي وضع لهم ابن عصيفير. ثم إن الجزل بن سعيد خرج بالناس في أثر شبيب، فطلبه في أرض جوخى، فجعل شبيب يريه الهيبة، فيخرج من رستاق إلى رستاق، ومن طسوج إلى طسوج، ولا يقيم له إرادة أن يفرق الجزل أصحابه، ويتعجل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير تعبية، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقاً، فلما طال ذلك على شبيب أمر أصحابه ذات ليلة فسروا. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط أن شبيباً دعانا ونحن بدير بيرما ستون مائة رجل، فجعل على كل أربعين من أصحابه رجلاً، وهو في أربعين، وجعل أخاه مصاداً في أربعين، وبعث سويد بن سليم في أربعين، وبعث المحلل بن وائل في أربعين، وقد أتته عيونه فأخبرته أن الجزل بن سعيد قد نزل دير يزيد جرد، قال: فدعانا عند ذلك فعبانا هذه التعبئة، وأمرنا على دوابنا، وقال لنا: تيسروا فإذا قضمت دوابكم فاركبوا، وليسر كل امرئ منكم مع أميره الذي أمرناه عليه، ولينظر كل امرئ منكم ما يأمره أميره فليتبعه. ودعا أمرائنا فقال لهم: إني أريد أن أبيت هذا العسكر الليلة، ثم قال لأخيه مصاد: إيتهم فارتفع من فوقهم حتى تأتيهم من ورائهم من قبل حلوان، وسآتيهم أنا من أمامي من قبل الكوفة، وأتهم أنت يا سويد من قبل المشرق، وأتهم أنت من قبل المغرب، وليلج كل امرئ منكم على الجانب الذي يحمل عليه، ولا تقلعوا عنهم، تحملون وتكرون عليهم، وتصيحون بهم حتى يأتيكم أمري. فلم نزل على تلك التعبئة، وكنت أنا في الأربعين الذين كانوا معه، حتى إذا قضمت دوابنا - وذلك أول الليل أول ما هدأت العيون - خرجنا حتى انتهينا إلى دير الحرارة، فإذا القوم مسلحة، عليهم عياض بن أبي لينة، فما هو إلا أن انتهينا إليهم، فحمل عليهم مصاد أخو شبيب في أربعين رجلاً، وكان أمام شبيب، وقد كان أراد أن يسبق شبيباً حتى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره، فلما لقى هؤلاء قاتلهم فصبروا ساعة، وقاتلوهم. ثم إنا دفعنا إليهم جميعاً، فحملنا عليهم فهزمناهم، وأخذوا الطريق الأعظم، وليس بينهم وبين عسكرهم بدير جرد إلا قريب من ميل. فقال لنا شبيب: اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم؛ فأتبعناهم والله ملظين بهم، ملحين عليهم، ما نرفه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همة إلا عسكرهم، فانتهوا إلى عسكرهم، ومنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم، ورشقوا بالنبل، وكانت عيون لهم قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا، وكان الجزل قد خندق عليه، وتحرز ووضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الحرارة، ووضع مسلحة أخرى مما يلي حلوان على الطريق فلما أن دفعنا إلى هذه المسلحة التي كانت بدير الحرارة فألحقناهم بعسكر جماعتهم ورجعت المسالح الأخر حتى اجتمعت، منعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم: قاتلوا، وانضحوا عنكم بالنبل. قال أبو مخنف: وحدثني جرير بن الحسين الكندي، قال: كان على المسلحتين الأخريين عاصم بن حجر على التي تلي حلوان، وواصل ابن الحارث السكوني إلى الأخرى. فلما اجتمعت المسالح جعل شبيب يحمل عليها حتى اضطرها إلى الخندق، ورشقهم أهل العسكر بالنبل حتى ردوهم عنهم. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم قال لأصحابه: سيروا ودعوهم، فمضى على الطريق نحو حلوان حتى إذا كان قريباً من موضع قباب حسين بن زفر من بني بدر بن فزارة - وإنما كانت قباب حسين بن زفر بعد ذلك - قال لأصحابه: انزلوا فاقضموا وأصلحوا نبلكم وتروحوا وصلوا ركعتين، ثم اركبوا؛ فنزلوا ففعلوا ذلك. ثم إنه أقبل بهم راجعاً إلى عسكر أهل الكوفة أيضاً، وقال: سيروا على تعبيتكم التي عبأتكم عليها بدير بيرما أول الليل، ثم أطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم، فأقبلوا. قال: فأقبلنا معهم وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إلهم، وقد أمنونا فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر خيولنا قريباً منهم، فانتهينا إليهم قبيل الصبح فأحطنا بعسكرهم، ثم صحنا بهم من كل جانب، فإذا هم يقاتلوننا من كل جانب، ويرموننا بالنبل. ثم إن شبيباً بعث إلى أخيه مصاب وهو يقاتلهم من نحو الكوفة أن أقبل إلينا وخل لهم سبيل الطريق إلى الكوفة، فأقبل إليه، وترك ذلك الوجه، وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة، حتى أصبحنا، فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئاً، فسرنا وتركناهم، فجعلوا يصيحون بنا: أين يا كلاب النار! أين أيتها العصابة المارقة! أصبحوا نخرج إليكم، فارتفعنا عنهم نحواً من ميل ونصف، ثم نزلنا فصلينا الغداة، ثن أخذنا الطريق على براز الروذ، ثم مضينا إلى جسر جسرايا وما يليها، فأقبلوا في طلبنا. قال أبو مخنف: فحدثني مولى لنا يدعى غاضرة أو قيصر، قال: كنت مع الناس تاجراً وهم في طلب الحرورية، وعلينا الجزل بن سعيد، فجعل يتبعهم فلا يسير إلا على تعبية، ولا ينزل إلا على خندق، وكان شبيب يدعه ويضرب في أرض جوخى وغيرها يكسر الخراج، وطال ذلك على الحجاج، فكتب إليه كتاباً، فقر على الناس: أما بعد، فأني بعثتك في فرسان أهل المصر ووجوه الناس، وأمرتك بإتباع هذه المارقة الضالة المضلة حتى تلقاها، فلا تقلع عنها حتى تقتلها وتفنيها، فوجدت التعريس في القرى والتخييم في الخنادق أهون عليك من المضي لما أمرتك به من مناهضتهم ومناجزتهم. والسلام. فقرئ الكتاب علينا ونحن بقطراثا ودير أبي مريم، فشق ذلك على الجنرال. وأمر الناس بالسير. فخرجوا في طلب الخوارج جادين، وأرجفنا بأميرنا وقلنا: يعزل. قال أبو مخنف: فحدثني إسماعيل بن نعيم الهمذاني ثم البرسمي أن الحجاج بعث سعيد بن المجالد على ذلك الجيش، وعهد إليه أن لقيت المارقة فازحف إليهم ولا تناظرهم ولا تطاولهم وواقفهم واستعن بالله عليهم، ولا تصنع صنيع الجزل، واطلبهم طلب السبع، وحد عنهم حيدان الضبع. وأقبل الجزل في طلب شبيب حتى انتهوا إلى النهروان فأدركوه فلزم عسكره، وخندق عليه. وجاء إليه سعيد بن المجالد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميراً، فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ياأهل الكوفة، إنكم قد عجزتم ووهنتم وأغضبتم عليكم أميركم. وكسروا خراجكم، وأتنم حاذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها إلا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم، ونزلوا بلداً سوى بلدكم، فأخرجوا على اسم الله إليهم. فخرج وأخرج الناس معه، وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل، فقال له الجزل: أقم أنت في جماعة الجيش، فارسهم وراجلهم، وأصحر له، فوالله ليقدمن عليك، فلا تفرق أصحابك، فإن ذلك شر لهم وخير لك. فقال له: قف أنت في الصف، فقال: يا سعيد بن مجالد، ليس لي فيما صنعت رأي، أنا بريء من رأيك هذا، سمع الله ومن حضر من المسلمين. فقال: هو رأيي إن أصبت، فالله وفقني له، وإن يكن غير صواب فأنتم منه براء، قال: فوقف الجزل في صف أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق، وجعل على ميمنتهم عياض بن أبي لينة الكندي، وعلى ميسرتهم عبد الرحمن بن عوف أبا حميد الرواسي، ووقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد، فخرج وأخرج الناس معه، وقد أخذ شبيب إلى براز الروز، فنزل فطفتا، وأمر دهقانها أن يشتري لهم ما يصلحهم، ويتخذ لهم غداء، ففعل، ودخل مدينة قطفتا وأمر بالباب فأغلق، فلم يفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بن مجالد في أهل ذلك العسكر، فصعد الدهقان السور فنظر إلى الجند مقبلين قد دنوا من حصنه، فنزل وقد تغير لونه، فقال له شبيب: ما لي أراك متغير اللون! فقال له الدهقان: قد جاءتك الجنود من كل ناحية، قال: لا بأس، هل أدرك غداءنا؟ قال: نعم، قال: فقربه، وقد أغلق الباب، وأتى بالغداء، فتغدى وتوضأ وصلى ركعتين، ثم دعا ببغل له فركبه. ثم إنهم اجتمعوا على باب المدينة، فأمر بالباب ففتح، ثم خرج على بغله فحمل عليهم. وقال: لا حكم إلا للحكم الحكيم، أنا أبو مدله، أثبتوا إن شئتم. وجعل سعيد يجمع قومه وخيله، ويزلفها في أثره، ويقول: ما هؤلاء! إنما هم أكلة رأس، فلما رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لف خيله كلها، ثم جمعها، ثم قال: استعرضوهم استعراضاً، وانظروا إلى أميرهم، فو الله لأقتلنه أو يقتلني. وحمل عليهم مستعرضاً لهم، فهزمهم وثبت سعيد بن المجالد، ثم نادى أصحابه: إلي إلي، أنا ابن ذا مران! وأخذ قلنسوته فوضعها على قربوص سرجه، وحمل عليه شبيب فعممه بالسيف، فخالط دماغه، فخر ميتاً، وانهزم ذلك الجيش، وقتلوا كل قتلة، حتى انتهوا إلى الجزل، ونزل الجزل ونادى: أيها الناس، إلي. وناداهم عياض بن أبي لينة: أيها الناس، إن كان أميركم القادم قد هلك فأميركم الميمون النقيبة المبارك حي لم يمت فقاتل الجزل قتالاً شديداً حتى حمل من بين القتلى، فحمل إلى المدائن مرتثاً، وقدم فل أهل ذلك العسكر الكوفة، وكان من أشد الناس بلاءً يومئذ خالد بن نهيك من بني ذهل بن معاوية وعياض بن أبي لينة، حتى استنقذاه وهو مرتث. هذا حديث طائفتك من الناس، والحديث الأخر قتالهم فيما بين دير أبي مريم إلى براز الروز. ثم إن الجزل كتب إلى الحجاج. قال: وأقبل شبيب حتى قطع دجلة عند الكرخ، وبعث إلى سوق بغداد فأمنهم، وذلك اليوم يوم سوقهم، وكان بلغه أنهم يخافونه، فأحب أن يأمنهم، وكان أصحابه يريدون أن يشتروا من السوق دواب وثياب وأشياء ليس لهم منها بد، ثم أخذ بهم نحو الكوفة، وساروا أول الليل حتى نزلوا عقر الملك الذي يلي قصر ابن هبيرة، ثم أغذ السير من الغد، فبات بين حمام عمر بن سعد وبين قبين. فلما بلغ الحجاج مكانه بعث إلى سويد بن عبد الرحمن السعدي، فبعثه في ألفي فارس نقاوة، وقال له: اخرج إلى شبيب فالقه، واجعل ميمنة وميسرة، ثم أنزل إليه في الرجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه. فخرج فعسكر بالسبخة، فبلغه أن شبيب قد أقبل، فأقبل نحوه وكأنما يساقون إلى الموت، وأمر الحجاج عثمان ابن قطن فعسكر بالناس بالسبخة، ونادى: ألا برئت الذمة من رجل من هذا الجند بات الليلة بالكوفة لم يخرج إلى عثمان بن قطن بالسبخة! وأمر سويد بن عبد الرحمن أن يسير في الألفين الذين معه حتى يلقى شبيباً فعبر بأصحابه إلى زرارة وهو يعبئهم ويحرضهم إذ قيل له: قد غشيك شبيب، فنزل ونزل معه جل أصحابه، وقدم رايته ومضى إلى أقصى زرارة، فأخبر أن شبيباً قد أخبر بمكانك فتركك، ووجد مخاضة فعبر الفرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الذي أنت به. ثم قيل له: أما تراهم! فنادى: في أصحابه، فركبوا في آثارهم. وإن شبيباً أتى دار الرزق. فنزلها، فقيل: إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسبخة، فلما بلغهم مكان شبيب صاح بعضهم ببعض وجالوا، وهموا أن يدخلوا الكوفة حتى قيل لهم: إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم في الخيل. قال هشام: وأخبرني عمر بن بشير، قال: لما نزل شبيب الدير أمر بغنم تهيأ له، فصعد الدهقان، ثم نزل وقد تغير لونه، فقال: مالك! قال: قد والله جاءك جمع كثير؛ قال: أبلغ الشواء بعد! قال: لا، قال: دعه. قال: ثم أشرف إشرافة أخرى، فقال: قد والله أحاطوا بالجوسق، قال: هات شواءك، فجعل يأكل غير مكترث لهم، فلما فرغ توضأ وصلى بأصحابه الأولى، ثم تقلد سيفين بعدما لبس درعه، وأخذ عمود حديد ثم قال: أسرجوا لي البغلة، فقال أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تسرج بغلة! قال: نعم أسرجوها، فركبها، ثم قال: يا فلان، أنت على الميمنة وأنت يا فلان على الميسرة، وقال لمصاد: أنت في القلب، وأمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم. قال: فخرج إليهم وهو يحكم، فجعل سعيد وأصحابه يرجعون القهقرى حتى صار بينهم وبين الدير نحو من ميل. قال: وجعل سعيد يقول: يا معشر همدان، أنا ابن ذي مران، إلي إلي. ووجه سرباً مع ابنه وقد أحس أنها تكون عليه، فنظر شبيب إلى مصاد فقال: أثكلينك الله إن لم أثكله ولده. قال: ثم علاه بالعمود، فسقط ميتاً، وانهزم أصحابه وما قتل بينهم يومئذ إلا قتيل واحد. قال: وانكشف أصحاب سعيد بن مجالد حتى أتوا الجزل، فناداهم الجزل: أيها الناس، إ لي إلي. وناداهم عياض بن أبي لينة: أيها الناس، إن يكن أميركم هذا القادم قد هلك فهذا أميركم الميمون النقيبة، أقبلوا إليه، وقاتلوا معه؛ فمنهم من أقبل إليه، ومنهم من ركب رأسه منهزماً، وقاتل الجزل قتالاً شديداً حتى صرع، وقاتل عنه خالد بن نهيك وعياض ابن أبي لينة حتى استنقذاه وهو مرتث، وأقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة، فأتى بالجزل حتى أدخل المدائن، وكتب إلى الحجاج بن يوسف. قال أبو مخنف: حدثني بذلك ثابت مولى زهير: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أني خرجت فيمن قبلي من الجند الذي وجهني إلى عدوه، وقد كنت حفظت عهد الأمير إلي فيهم ورأيه، فكنت أخرج إليهم إذا رأيت الفرصة، وأحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة، فلم أزل كذلك، وقد أرادني العدو بكل ريدة فلم يصب مني غرة، حتى قدم على سعيد بن مجالد رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدة، ونهيته عن العجلة، وأمرته ألا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة فعصاني، وتعجل إليهم في الخيل، فأشهد عليه أهل المصرين أني بريئ من رأيه الذي رأى، وأني لا أهوى ما صنع. فمضى فأصيب تجاوز الله عنه، ودفع الناس إلي، فنزلت ودعوتهم إلي، ورفعت لهم رايتي، وقاتلت حتى صرعت، فحملني أصحابي من بين القتلى، فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأس ميل من المعركة، فأنا اليوم بالمدائن في جراحة قد يموت الرجل من دونها ويعافى من مثلها. فليسأل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي عدوه، وعن موقفي يوم البأس، فإنه يستبين له عند ذلك أني قد صدقته ونصحت له. والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فقد أتاني كتابك وقرأته، وفهمت كل ما ذكرت فيه، وقد صدقتك في كل ما وصفت به نفسك من نصيحتك لأميرك، وحيطتك على أهل مصرك، وشدتك على عدوك، وقد فهمت ما ذكرت من أمر سعيد وعجلته إلى عدوه، فقد رضيت عجلته وتؤدتك، فأما عجلته فإنها أفضت به الجنة، وأما تؤدتك فإنها لم تدع الفرصة إذا أمكنت، وترك الفرصة إذا لم تمكن حزم، وقد أصبت وأحسنت البلاء، وأجرت وأنت عندي من أهل السمع والطاعة والنصيحة، وقد أشخصت إليك حيان ابن أبجر ليداويك ويعالج جراحتك، وبعثت إليك بألفي درهم فأنفقها في حاجتك وما ينوبك. والسلام. فقدم عليه حيان بن أبجر الكناني من بني فراس - وهم يعالجون الكي وغيره - فكان يداويه، وبعث إليه عبد الله بن أبي عصيفير بألف درهم، وكان يعوده ويتعاهده باللطف والهدية. قال: وأقبل شبيب نحو المدائن، فعلم أنه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتى انتهى إلى الكرخ، فعبر دجلة إليه، وبعث إلى أهل سوق بغداد وهو بالكرخ أن اثبتوا في سوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنهم يخافونه قال: ويخرج سويد حتى جعل بيوت مزينة وبني سليم في ظهره وظهور أصحابه، وحمل عليهم شبيب حملةً منكرة، وذلك عند المساء، فلم يقدر منهم على شئ، فأخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وأتبعه سويد لا يفارقه حتى قطع بيوت الكوفة كلها إلى الحيرة، وأتبعه سويد حتى انتهى إلى الحيرة، فيجده قد قطع قنطرة الحيرة ذاهباً، فتركه وأقام حتى أصبح. وبعث إليه الحجاج أن أتبعه فأتبعه، ومضى شبيب حتى أغار في أسفل الفرات على من وجد من قومه، وارتفع في البر من وراء خفان في أرض يقال لها الغلظة، فيصيب رجالا من بني الورثة، فحمل عليهم، فاضطرهم إلى جدد من الأرض، فجعلوا يرمونه وأصحابه بالحجارة من حجارة الأرحاء كانت حولهم، فلما نفدت وصل إليهم فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم حنظلة بن مالك ومالك بن حنظلة وحمران بن مالك؛ كلهم من بني الورثة. قال أبو مخنف: حدثني بذلك عطاء بن عرفجة بن زياد بن عبد الله الورثي. ومضى شبيب حتى يأتي بني أبيه على اللصف ماء لرهطه وعلى ذلك الماء الفرز بن الأسود، وهو أحد بني الصلت، وهو الذي كان ينهي شبيباً عن رأيه، وأن يفسد بني عمه وقومه، فكان شبيب يقول: والله لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون الفزر. فلما غشيهم شبيب في الخيل سأل عن الفزر فاتقاه الفزر، فخرج على فرس لا تجارى من وراء البيوت، فذهب عليها في الأرض، وهرب منه الرجال، ورجع وقد أخاف أهل البادية حتى أخذ على القطقطانة؛ ثم على قصر مقاتل، ثم أخذ على شاطئ الفرات حتى أخذ على الحصاصة، ثم على الأنبار، ثم مضى حتى دخل دقوقاء، ثم ارتفع إلى أداني أذربيجان. فتركه الحجاج وخرج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة،فما شعر الناس بشيء حتى جاء كتاب من ماذرواسب دهقان بابل مهروذ وعظيمها إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أن تاجراً من تجار الأنبار من أهل بلادي أتاني فذكر أن شبيباً يريد أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل، أحببت إعلامك ذلك لترى رأيك، ثم لم ألبث إلا ساعة حتى جاءني جابيان من جباتي فحدثاني أنه قد نزل خانيجار. فأخذ عروة كتابه فأدرجه وسرح به إلى الحجاج بالبصرة، فلما قرأه الحجاج أقبل جواداً إلى الكوفة، وأقبل شبيب يسير حتى انتهى إلى قرية يقال لها حربى على شاطئ دجلة فعبر منها، فقال: مااسم هذه القرية؟ فقالوا: حربى؛ فقال: حربى يصلى بها عدوكم، وحرب تدخلونه بيوتهم، إنما يتطير من يقوف ويعيف، ثم ضرب رايته وقال لأصحابه: سيروا؛ فأقبل حتى نزل عقرقوفا، فقال له سويد بن سليم: يا أمير المؤمنين، لو تحولت بنا من هذه القرية المشؤومة الاسم! قال: وقد تطيرت أيضاً! والله لا أتحول عنها حتى أسير إلى عدوي منها، إنما شؤمها إن شاء الله على عدوكم تحملون عليهم فيها، فالعقر لهم. ثم قال لأصحابه: يا هؤلاء، إن الحجاج ليس بالكوفة، وليس دون الكوفة إن شاء الله شيء، فسيروا بنا. فخرج يبادر الحجاج إلى الكوفة، وكتب عروة إلى الحجاج أن شبيباً قد أٌقبل مسرعاً يريد الكوفة، فالعجل العجل. فطوى الحجاج المنازل، واستبقا إلى الكوفة، ونزلها الحجاج صلاة الظهر، ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب، فصلى المغرب والعشاء، ثم أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئاً يسيراً، ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة، فجاء شبيب حتى انتهى إلى السوق، ثم شد حتى ضرب باب القصر بعموده قال أبو المنذر: رأيت ضربة شبيب بباب القصر قد أثرت أثراَ عظيماً، ثم أقبل حتى وقف عند المصطبة، ثم قال: وكأن حافرها بكل خميلة ... كيل يكيل به شحيح معدم عبد دعى من ثمود أصله ... لا بل يقال أبو أيهم يقدم ثم اقتحموا المسجد الأعظم وكان كبيراً لا يفارقه قوم يصلون به فقتل عقيل بن مصعب الوادعي وعدي بن عمر الثقفي وأبا ليث بن أبي سليم مولى عنبسة بن أبي سفيان، وقتلوا أزهر بن عبد الله العامري، ومروا بدار حوشب وهو على الشرط فوقفوا على بابه وقالوا: إن الأمير يدعوا حوشباً، فأخرج ميمون غلامه برذون حوشب ليركبه حوشب، فكأنه أنكرهم فظنوا أنه قد اتهمهم، فأراد أن يدخل، فقالوا له: كما أنت، حتى يخرج صاحبك. فسمع حوشب الكلام، فأنكر القوم، فخرج إليهم، فلما رأى جماعتهم أنكرهم، وذهب لينصرف، فجعلوا نحوه، ودخل وأغلق الباب، وقتلوا غلامه ميموناً، وأخذوا برذونه ومضوا حتى مروا بالجحاف ابن نبيط الشيباني من رهط حوشب، فقال له سويد: إنزل إلينا، فقال له: ما تصنع بنزولي! قال له سويد: أقضيك ثمن البكرة التي كنت ابتعت منك بالبادية، فقال له الجحاف: بئس ساعة القضاء هذه الساعة، وبئس قضاء الدين هذا المكان! أما ذكرت أمانتك إلا والليل مظلم، وأنت على ظهر فرسك! قبح الله يا سويد ديناً لا يصلح ولا يتم إلا بقتل ذوي القرابة وسفك دماء هذه الأمة. قال: ثم مضوا فمروا بمسجد بن ذهل فلقوا ذهل بن الحارث، وكان يصلي في مسجد قومه فيطيل الصلاة، فصادفوه منصرفاً إلى منزله، فشدوا عليه ليقتلوه، فقال: اللهم إني أشكو إليك هؤلاء وظلمهم وجهلهم. اللهم إني عنهم ضعيف، فانتصر لي منهم! فضربوه حتى قتلوه، ثم مضوا حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة. قال هشام: قال أبو بكر بن عياش: واستقبله النضر بن قعقاع ابن شور الذهلي، وأمه ناجية بنت هاني بن قبيصة بن الشيباني فأبطره حين نظر إليه - قال: يعني بقوله: أبطره أفزعه - فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله؛ قال له سويد مبادراً: أمير المؤمنين، ويلك! فقال: أمير المؤمنين. حتى خرجوا من الكوفة متوجهين نحو المردمة، وأمر الحجاج المنادي فنادى: يا خيل الله اركبي و أبشري، وهو فوق باب القصر، وثم مصباح مع غلام له قائم، فكان أول من جاء إليه من الناس عثمان بن قطن بن عبد الله بن الحصين ذي الغصة، ومعه مواليه، وناس من أهله، فقال: أنا عثمان بن قطن، أعلموا الأمير مكاني، فيليأمر بأمره، فقال له ذلك الغلام: قف مكانك حتى يأتيك أمر الأمير، وجاء الناس من كل جانب، وبات عثمان فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبح. ثم إن الحجاج بعث بسر بن غالب الأسدي من بني والية في ألفي رجل، وزائدة بن قدامة الثقفي في ألفي رجل، وأبا الضريس مولى بني تميم في ألف من الموالي، وأعين - صاحب حمام أعين مولى بشر بن مروان - في ألف رجل، وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمد بن موسى بن طلحة على سجستان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهز معه ألفي رجل إلى سجستان، وعجل سراحه. وأمر عبد الملك محمد بن موسى بمكاتبة الحجاج، فلما قدم محمد ابن موسى جعل يتحبس في الجهاز، فقال له نصحاؤه: تعجل أيها الأمير إلى عملك؛ فإنك لا تدري ما يكون من أمر الحجاج! وما يبدو له. فأقام على حاله، وحدث من أمر شبيب ما حدث، فقال الحجاج لمحمد ابن موسى بن طلحة بن عبيد الله: تلقى شبيباً وهذه الخارجة فتجاهدهم ثم تمضي إلى عملك، وبعث الحجاج مع هؤلاء الأمراء أيضاَ عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي وزيادة بن عمرو العشكي. وخرج شبيب حيث خرج من الكوفة. فأتى المردمة وبها رجل من حضرموت على العشور يقال له ناجية بن مرثد الحضرمي، فدخل الحمام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه، واستقبل شبيب النضر بن القعقاع بن شور - وكان مع الحجاج حين أقبل من البصرة، فلما طوى الحجاج المنازل خلفه وراءه - فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه، فقال له شبيب: يانضر بن القعقاع، لاحكم إلا لله - وإنما أراد شبيب بمقالته له تلقينه. فلم يفهم النضر - فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فقال أصحاب شبيب: يا أمير المؤمنين؛ كأنك إنما تريد بمقالتك أن تلقنه. فشدوا على نضر فقتلوه. قال: واجتمعت تلك الأمراء في أسفل الفرات. فترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة أولئك القواد. وأخذ نحو القادسية، ووجه الحجاج زحر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس، وقال له: أتبع شبيباً حتى تواقعه حيثما أدركته، إلا أن يكون منطلقاً ذاهباً فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك، فلا تبرح إن هو أقام حتى تواقعه، فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين، وبلغ شبيباً مسيره إليه، فأقبل نحوه فالتقيا، فجعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز النهدي، وكان شجاعاً، وعلى ميسرته عدي بن عدي بن عميرة الكندي الشيباني، وجمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة ثم اعترض بها الصف، فوجف وجيفاً، واضطرب حتى انتهى إلى زحر بن قيس، فنزل زحر بن قيس، فقاتل زحر حتى صرع، وانهزم أصحابه، وظن القوم أنهم قد قتلوه، فلما كان في السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها، وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه ورأسه بضع عشرة جراحة ما بين ضربة وطعنة، فمكث أياماً، ثم أتى الحجاج وعلى وجهه وجراحة القطن، فأجلسه الحجاج معه على السرير وقال لمن حوله: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين الناس وهو شهيد فينظر إلى هذا وقال أصحاب شبيب لشبيب وهم يظنون أنهم قد قتلوا زحراً: قد هزمنا لهم جنداً. وقتلنا لهم أميراً من أمرائهم عظيماً. انصرف بنا الآن وافرين، فقال لهم: إن قتلنا هذا الرجل، وهزيمتنا هذا الجند، قد أرعبت هذه أرعبت هذه الأمراء والجنود التي بعثت في طلبكم فاقصدوا بنا قصدهم، فو الله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجاج من شئ وأخذ الكوفة إن شاء الله فقالوا: نحن لرأيك سمع تبع، ونحن طوع يديك قال: فانقض بهم جواداً حتى يأتي نجران - وهي نجران الكوفة ناحية عين التمر - ثم سأل عن جماعة القوم فخبر باجتماعهم بروذبار في أسفل الفرات في بهقباذ الأسفل، على رأس أربعة وعشرين فرسخاً من الكوفة. فبلغ الحجاج مسيره إليهم، فبعث إليهم عبد الرحمن بن الغرق مولى ابن أبي عقيل - وكان على الحجاج كريماً - فقال له: الحق بجماعتهم - يعني جماعة الأمراء - فأعلمهم بمسير المارقة إليهم، وقل لهم: إن جمعكم قتال فأمير الناس زائدة بن قدامة، فأتاهم ابن الغرق فأعلمهم ذلك وانصرف عنهم. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الرحمن بن جندب قال: انتهى إلينا شبيب وفينا سبعة أمراء على جماعتهم زائدة بن قدامة، وقد عبى كل أمير أصحابه على حدة، ففي ميمنتنا زياد بن عمرو العتكي، وفي ميسرتنا بشر بن غالب الأسدي، وكل أمير واقف في أصحابه. فأقبل شبيب حتى وقف على تل، فأشرف على الناس وهو على فرس له كميت أغر. فنظر إلى تعبيتهم، ثم رجع إلى أصحابه، فأقبل في ثلاث كتائب يوجفون، حتى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم، فتقف في ميمنتنا، ومضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب، فوقفت على ميسرتنا، وجاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القلب. قال: وخرج زائدة ابن قدامة يسير في الناس فيما بن ميمنتهم إلى ميسرتهم يحرض الناس ويقول: يا عباد الله أنتم الكثيرون الطيبون وقد نزل بكم القليلون الخبيثون فاصبروا - جعلت لكم الفداء - لكرتين أو ثلاث تكرون عليهم، ثم هو النصر ليس بينه حاجز ولا دونه شئ ألا ترون إليهم والله ما يكونون مائتي رجل، إنما هم أكلة رأس ، إنما هم السراق المراق، إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم، ويأخذوا فيثكم، فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهل فرقة وأنتم أهل جماعة، غضوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسنة، ولا تحملوا عليهم حتى آمركم، ثم انصرف إلى موقفه. قال: ويحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صفهم، وثبت زياد في نحو من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلاً، ثم كر عليهم ثانيةً، ثم اطعنوا ساعة. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: أنا والله فيهم يومئذ، قال: اطعنا ساعة وصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا، وقاتل زياد بن عمرو قتالا شديداً، وجعل ينادي: ياخيلي، ويشد بالسيف فيقاتل قتالا شديداً، فلقد رأيت سويد بن سليم يومئذ وإنه لأشجع العرب وأشده قتالاً وما يعرض له. قال: ثم إنا ارتفعنا عنهم آخراً فإذا هم يتقوضون، فقال له أصحابه: ألا تراهم يتقوضون! احمل عليهم، فقال لهم شبيب: خلوهم حتى يخفوا، فتركوهم قليلاً، ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا. فنظرت إلى زياد ابن عمرو وإنه ليضرب بالسيف وما من سيف يضرب به إلا نبا عنه وهو مجفف، ولقد رأيته اعتوره أكثر من عشرين سيفاً فما ضره من ذلك شئ ثم إنه انهزم وقد جرح جراحة يسيرة. وذلك عند المساء قال: ثم شددنا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه، وما قاتلنا كثير قتال، وقد ضارب ساعة، وقد بلغني أنه كان جرح ثم لحق بزياد بن عمرو، فمضينا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلناه قتالاً شديداً وصبر لنا. ذكر هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الرحمن بن جندب وفروة بن لقيط، أن أخا شبيب مصاداً حمل على بشر بن غالب وهو في الميسرة، فأبلى وكرم والله وصبر، فنزل ونزل معه رجال من أهل الصبر نحو من خمسين، فضاربوا بأسيافهم حتى قتلوا عن آخرهم. وكان فيهم عروة بن زهير بن ناجذ الأزدي، وأمه زارة امرأة ولدت في الأزد، فيقال لهم بنو زارة، فلما قتلوه وانهزم أصحابه مالوا فشدوا على أبي الضريس مولى بني تميم، وهو يلي بشر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين، ثم شدوا عليه وعلى أعين جميعاً فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة، فلما انتهوا إ ليه نزل ونادى: يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إلى إلى! لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إمانكم؛ فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر. ثم إن شبيباً شد عليه في جماعة من أصحابه فقتله وأصحابه وتركهم ربضةً حوله من أهل الحفاظ. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الرحمن بن جندب قال: سمعت زائدة ابن قدامة ليلتئذ رافعاً صوته يقول: يأيها الناس، اصبروا وصابروا، " يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " ثم والله ما برح يقاتلهم مقبلا غير مدبر حتى قتل. قال أبو مخنف: وحدثني فروة بن لقيط أن أبا الصقير الشيباني ذكر أنه قتل زائدة بن قدامة، وقد حاجه في ذلك آخر يقال له الفضل ابن عامر. قال: ولما قتل شبيب زائدة بن قدامة دخل أبو الضريس وأعين جوسقاً عظيماً، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البيعة، فدعوهم إلى البيعة عند الفجر. قال عبد الرحمن بن جندب: فكنت فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقف على فرس وخيله واقفة دونه، فكل من جاء ليبايعه نزع سيفه عن عاتقه، وأخذ سلاحه منه، ثم يدنى من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين، ثم يخلى سبيله. قال: وإنا لكذلك إذ انفجر الفجر ومحمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله في أقصى العسكر، معه عصابة من أصحابه قد صبروا، فلما انفجر الفجر أمر مؤذنه فأذن، فلما سمع شبيب الأذان قال: ماهذا؟ فقال: هذا محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله لم يبرح؛ فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه سيحمله على هذا؛ نحواً هؤلاء عنا وانزلوا بنا فلنصل. قال: فنزل فأذن هو، ثم استقدم فصلى بأصحابه، فقرأ: " ويل لكل همزة لمزة " ، و " أرأيت الذي يكذب بالدين " ، ثم سلم، ثم ركبوا فحمل عليهم فانكشفت طائفة من أصحابه، وثبتت طائفة قال فروة: فما أنسى قوله وقد غشيناه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: " آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " قال: وضارب حتى قتل. قال: فسمعت أصحابي يقولون: إن شبيباً هو الذي قتله. ثم إنا نزلنا فأخذنا ما كان في العسكر من شئ، وهرب الذين كانوا بايعوا شبيباً، فلم يبق منهم أحد. وقد ذكر من أمر محمد بن موسى بن طلحة غير أبي مخنف أمراً غير الذي ذكرته عنه، والذي ذكر من ذلك أن عبد الملك بن مروان كان ولي محمد بن موسى بن طلحة سجستان، فكتب إليه الحجاج: إنك عامل كل بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك. فعدل إليه محمد، فأرسل إليه شبيب: إنك امرؤ مخدوع، قد اتقى بك الحجاج، وأنت جار لك حق، فانطلق لما أمرت به ولك الله لا آذيتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلا قتاله، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلا شبيباً، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنكم هذه الأشراف! فبرز إليه شبيب، وقال: إني أنشدك الله في دمك، فإن لك جواراً. فأبى إلا قتاله، فحمل عليه شبيب فضربه بعصا حديد فيها أثنا عشر رطلا بالشأمى، فهشم بها بيضه عليه ورأسه فسقط، ثم كفنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه وقال: هو جاري بالكوفة، ولي أن أهب ما غنمت لأهل الردة. قال عمر بن شبة: قال أبو عبيدة: كان محمد بن موسى مع عمر ابن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فديك وكان ميمنته، وشهر بالنجدة وشدة البأس وزوجه عمر بن عبيد الله بن معمر ابنته أم عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سجستان، فمر بالكوفة وبها الحجاج بن يوسف، فقيل للحجاج: إن صار هذا إلى سجستان مع نجدته وصهره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممن تطلب، منعك منه؛ قال: فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلم عليه، وتذكر نجدته وبأسه وأن شبيباً في طريقه، وأنه قد أعياك، وأنك ترجو أن يريح الله منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته. ففعل، فعدل إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إني قد علمت خداع الحجاج، وإنما اغترك ووقى بك نفسه، وكأني بأصحابك لو قد التقت حلقتا البطان قد أسلموك، فصرعت مصرع أصحابك؛ فأطعني وانطلق لشأنك، فإني أنفس بك عن الموت؛ فأبى محمد بن موسى، فبارزه شبيب فقتله. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. قال عبد الرحمن: لقد كان فيمن بايعه تلك الليلة أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، فلما بايعه قال له شبيب: ألست أبا بردة! قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلائي، أبو هذا أحد الحكمين، فقالوا: ألا نقتل هذا؟ فقال: إن هذا لاذنب له فيما صنع أبوه؛ قالوا: أجل قال: وأصبح شبيب: فأتى مقبلا نحو القصر الذي فيه أبو الضريس وأعين فرموه بالنبل، وتحصنا منه، فأقام ذلك اليوم عليهم، ثم شخص عنهم، فقال له أصحابه: مادون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابه قد جرحوا؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر مما قد فعلتم، فخرج بهم على نفر، ثم على الصراة، ثم على بغداد ، ثم خرج إلى خانيجار فأقام بها. قال: ولما بلغ الحجاج أن شبيباً قد أخذ نحو نفر ظن أنه يريد المدائن - وهي باب الكوفة، ومن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجاج، وبعث إلى عثمان بن قطن، ودعاه وسرحه إلى المدائن، وولاه منبرها والصلاة ومعونة جوخى كلها وخراج الأستان. فخرج مسرعاً حتى نزل المدائن، وعزل الحجاج عبد الله بن أبي عصيفير؛ وكان بها الجزل مقيماً أشهراً يداوي جراحته، وكان ابن أبي عصيفير يعوده بكرمه، فلما قدم عثمان بن قطن المدائن لم يعده، ولم يكن يتعاهده ولا يلطفه بشئ، فقال الجزل: اللهم زد ابن عصيفير جوداً وكرماً وفضلا وزد عثمان بن قطن ضيقاً وبخلا، قال: ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: انتخب الناس، واخرج في طلب هذا العدو، فأمره بنخبة ستة آلاف، فنتخب فرسان الناس ووجوههم، وأخرج من قومه ستمائة من كندة وحضرموت، واستحثه الحجاج بالعسكر، فعسكر بدير عبد الرحمنن فلما أراد الحجاج إشخاصهم كتب إليهم: أما بعد، فقد اعتدتم عادة الأذلاء. ووليتم الدبر يوم الزحف، وذلك دأب الكافرين، وإني قد صفحت عنكم مرة بعد مرة، ومرة بعد مرة وإني أقسم لكم بالله قسماً صادقاً لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم إ يقاعاً أكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية و الشعاب، وتسترون منه بأثناء الأنهار وألواذ الجبال، فخاف من له معقول على نفسه، ولم يجعل عليها سبيلاً، وقد أعذر من أنذر : وقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي و السلام عليكم. قال: ثم سرح ابن الأصم مؤذنه، فأتى عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث عند طلوع الشمس، فقال له: ارتحل الساعة وناد في الناس: أن برئت الذمة من رجل من هذا البعث وجدناه متخلفاً. فخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث في الناس حتى مر بالمدائن فنزل يوماً وليلة، وتشرى أصحابه حوائجهم، ثم نادى في الناس بالرحيل، فارتحلوا، ثم أقبلوا حتى دخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجزل فسأله عن جراحته، وسأله ساعة وحدثه. ثم إن الجزل قال له: يا بن عم: إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب، وأحلاس الخيل، والله لكأنما خلقوا من ضلوعها، ثم بنوا على ظهورها، ثم هم أسد الأجم، الفارس منهم أشد من مائة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هجهج أقدم، فإني قد قاتلتهم وبلوتهم، فإذا أصحرت لهم إنتصفوا مني، وكان لهم الفضل علي، وإذا خندقت علي وقاتلتهم في مديق نلت منهم بعض ما أحب، وكان لي عليهم الظفر، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا في تعبية أو في خندق. ثم إنه ودعه، فقال له الجزل: هذه فرسي الفسيفساء، خذها فإنها لا تجارى. فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب، فلما دنا منه ارتفع عنه شبيب إلى دقوقاء وشهرزور، فخرج عبد الله في طلبه، حتى إذا كان على التخوم أقام، وقال: إنما هو في أرض الموصل، فليقاتلوا عن بلادهم أو ليدعوه، فكتب إليه الحجاج بن يوسف: أما بعد، فاطلب شبيباً واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده. والسلام. فخرج عبد الرحمن حين قرأ كتاب الحجاج في طلب شبيب، فكان شبيب يدعه حتى إذا دنا منه بيته، فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيمضي ويدعه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنه قد تحمل وأنه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجده قد صف الخيل والرجال وأدنى المرامية، فلا يصيب له غرة ولا له علة، فيمضي ويدعه. قال: ولما رأى شبيب أنه لا يصيب لعبد الرحمن غرة ولا يصل إليه، جعل يخرج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله، فينزل على مسيرة عشرين فرسخاً، ثم يقيم في أرض غليظة حزنة، فيجيء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب أرتحل شبيب فسار خمسة عشر أو عشرين فرسخاً، فنزل منزلاً غليظاً خشناً، ثم يقيم حتى يدنو عبد الرحمن. قال أبو مخنث: فحدثني عبد الرحمن بن جندب أن شبيباً كان قد عذب ذلك العسكر وشق عليهم، وأخفى دوابهم، ولقوا منه كل بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين ثم على جلولاء ثم على تامراً، ثم أقبل حتى نزل البت - قرية من قرى الموصل على تخوم الموصل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر يسمى حولايا - قال: وجاء عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث حتى نزل في نهر حولايا وفي راذان الأعلى من أرض جوخى، ونزل عواقيل من النهر، ونزلها عبد الرحمن حيث نزلها وهي تعجبه، يرى أنها مثل الخندق والحصن. قال: وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إن هذه الأيام أيام عيد لنا ولكم، فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضي هذه الأيام فافعلوا، فقال له عبد الرحمن: نعم، ولم يكن شيء أحب إلى عبد الرحمن من المطاولة والموادعة. قال: وكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله أن عبد الرحمن بن محمد قد حفر جوخى كلها خندقاً واحداً، وخلى شبيباً وكسر خراجها وهو يأكل أهلها. والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت لي عن عبد الرحمن، وقد لعمري فعل ما ذكرت، فسر إلى الناس فأنت أميرهم، وعاجل المارقة حتى تلقاهم، فإن الله إن شاء الله ناصرك عليه. والسلام. قال: وبعث الحجاج إلى المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدم على عبد الرحمن بن محمد ومعه من أهل الكوفة وهم معسكرون على نهر حولايا قريباً من البت. عشية الثلاثاء، وذلك يوم التروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيها الناس، أخرجوا إلى عدوكم. فوثب إليه الناس، فقالوا: ننشدك الله، هذا المساء قد غشينا، والناس لم يوطنوا أنفسهم على القتال، فبت الليلة ثم اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأجازنهم، ولتكون الفرصة لي أولهم. فأتلهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابته، وناشده الله لما نزل، وقال له عقيل بن شداد السلولي: إن الذي تريد من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غداً، وهو غداً خيراً لك وللناس. إن هذه ساعة ريح وغبرة، وقد أمسيت فانزل، ثم أبكر بنا إليهم غدوة. فنزل، فسفت عليه الريح، وشق عليه الغبار، ودعا صاحب الخراج العلوج فبنوا له قبة فبات فيها، ثم أصبح يوم الأربعاء، فجاء أهل البت إلى شبيب - وكان قد نزل بيعتهم - فقالوا: أصلحك الله! أنت ترحم الضعفاء وأهل الجزية، ويكلمك من تلي عليه، ويشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكف عنهم، وإن هؤلاء القوم جبابرة لا يكلمون ولا يقبلون العذر، والله لئن بلغهم أنك مقيم في بيعتنا ليقتلننا إن قضي لك أن ترتحل عنا، فإن رأيت جانب القرية ولا تجعل لهم علينا مقالاً، قال: فإني أفعل ذلك بكم، ثم خرج فنزل جانب القرية. قال: فبات عثمان ليلته كلها يحرضهم؛ فلما أصبح - وذلك يوم الأربعاء - خرج بالناس فاستقبلتهم ريح شديدة وغبرة، فصاح الناس إليه، فقالوا: ننشدك الله أن تخرج بنا هذا اليوم، فإن الريح علينا! فأقام بهم ذلك اليوم، وأراد شبيب قتالهم، وخرج أصحابه، فلما رآهم لم يخرجوا إليه أقام، فلما كان ليلة الخميس خرج عثمان فعبى الناس على أرباعهم، فجعل كل ربع في جانب العسكر، وقال لهم: أخرجوا على هذه التعبية، وسألهم: من كان على ميمنتكم؟ قالوا: خالد بن نهيك بن قيس الكندي، وكان على ميسرتنا عقيل بن شداد السلولي، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما التي كنتما بها، وليتكما المجنبتين، فاثبتا ولا تفرا، فوالله لا أزول حتى يزول نخل راذان على أصوله. فقالا: ونحن والله الذي لا إله إلا هو لا نفر حتى نظفر أو نقتل، فقال لهما: جزاكما الله خيراً. ثم أقام حتى صلى بالناس الغداة، ثم خرج فجعل ربع أهل المدينة تميم وهمدان نحو نهر حولايا في المسيرة، وجعل ربع كندة وربيعة ومذحج وأسد في الميمنة، ونزل يمشي في الرجال. وخرج شبيب وهو يومئذ في مائة وأحد وثمانين رجلاً، فقطع إليهم النهر، فكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سويد بن سليم، وجعل في القلب مصاد بن يزيد أخاه، وزحفوا وسما بعضهم لبعض.قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح العبسي أن عثمان كان يقول فيكثر: " لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لاتمتعون إلا قليلاً " . أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عقيل بن شداد بن حبشي السلولي: لعلي أن أكون أحدهم، قتل أولئك يوم روذبار. ثم قال شبيب لأصحابه: إني حامل على ميسرتهم مما ياي النهر، فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم، ولايبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمري، وحمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل يومئذ مالك بن عبد الله الهمداني ثم المرهبي، عم عياش بن عبد الله بن عياش المنتوف، وجعل يومئذ عقيل بن شداد يقول وهو يجالدهم: لأضربن بالحسام الباتر ... ضرب غلام من سلول صابر ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب على ميمنة عثمان بن قطن فهزمها، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكندي، فنزل خالد فقاتل قتالاً شديداً، وحمل عليه شبيب من ورائه وهو على ربع كندة وربيعة يومئذ، وهو صاحب الميمنة، فلم ينثني شبيب حتى علاه بالسيف فقتله، ومضى عثمان بن قطن وقد نزلت معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلاً، فلما دنا منهم عثمان بن قطن شد عليهم في الأشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتى فرقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن سليم أيضاً في خيله، ورجع مصاد وأصحابه، وقد كان شبيب رجلهم، فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قطن فأحسن القتال. ثم إنهم شدوا عليهم فأحاطوا به، وحمل عليه مصاد أخو شبيب فضربه ضربة بالسيف استدار لها، ثم قال: " وكان أمر الله مفعولاً " . ثم إن الناس قتلوه، وقتل يومئذ الأبرد بن ربيعة الكندي، وكان على تل، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاه فرسه، وقاتل حتى قتل. ووقه عبد الرحمن فرآه ابن أبي سبرة الجعفي وهو على بغلة فعرفه، فنزل إليه فناوله الرمح وقال له: اركب، فقال عبد الرحمن ابن محمد: أينا الرديف؟ قال ابن أبي سبرة: سبحان الله! أنت الأمير تكون المقدم، فركب وقال لابن أبي سبرة: ناد في الناس: الحقوا بدير أبي مريم، فنادى، ثم انطلقا ذاهبين، ورأى واصل بن الحارث السكوني فرس عبد الرحمن الذي حمل عليه الجزل يجول في المعسكر، فأخذها بعض أصحاب شبيب، فظن أنه قد هلك، فطلبه في القتلى فلم يجده، وسأل عنه فقيل له: قد رأينا رجلاً قد نزل عن دابته فحمله عليها، فما أخلقه أن يكون إياه؛ وقد أخذ هاهنا آنفاً. فأتبعه واصل بن الحارث على برذونه ومع واصل غلامه على بغل، فلما دنوا منهما قال محمد بن أبي سبرة لعبد الرحمن: قد والله لحق بنا فارسان، فقال عبد الرحمن: فهل غير اثنين؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن: فلا يعجز اثنان عن اثنين. قال: وجعل يحدث ابن أبي سبرة وكأنه لا يكترث بهما، حتى لحقهما الرجلان، فقال له ابن أبي سبرة: رحمك الله! قد لحقنا الرجلان، فقال له: فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفهما، ثم مضيا إليهما، فلما رآهما واصل عرفهما، فقال لهما: إنكما قد تركما النزول في موضعه، فلا تنزلا الآن، ثم حسر العمامة عن وجهه، فعرفاه فرحبا به، وقال لابن الأشعث: إني لما رأيت فرسك يجول في العسكر ظننتك رجلاً، فأتيتك ببردوني هذا لتركبه، فترك لابن أبي سبرة بغلته، وركب البرذون، وانطلق عبد الرحمن بن الأشعث حتى نزل دير اليعار، وأمر شبيب أصابه فرفعوا عن الناس السيف، ودعاهم إلى البيعة، فأتاه من بقي من الرجالة فبايعوه، وقال له أبو الصقير المحملي: قتلت من الكوفيين سبعة في جوف النهر كان آخرهم رجلاً تعلق بثوبي وصاح، ورهبني حتى رهبته، ثم إني أقدمت عليه فقتلته. وقتل من كندة مائة وعشرون يومئذ وألف من سائر الناس أو ستمائة، وقتل عظم العرفاء يومئذ. قال أبو مخنف: حدثني قدامة بن حازم بن سفيان الخثعمي أنه قتل منهم يومئذ جماعة، وبات عبد الرحمن بن محمد تلك الليلة بدير اليعار، فأتاه فارسان فصعدا إليه فوق البيت، وقام آخر قريباً منهما فخلا أحدهما بعبد الرحمن طويلاً يناجيه، ثم نزل هو وأصابه، وقد كان الناس يتحدثون أن ذلك كان شبيباً، وأنه قد كان كاتبه، ثم خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دير أبي مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة صبر الشعير وألقت بعضه على بعض كأنه القصور، ونحر لهم من الجزر ما شاءوا، فأكلوا يومئذ، وعلفوا دوابهم، واجتمع الناس إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقالوا له: إن سمع شبيب بمكانك أتاك وكنت له غنيمة، قد ذهب الناس وتفرقوا وقتل خيارهم فالحق أيها الرجل بالكوفة. فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضاً، وجاء فاختبأ من الحجاج حتى أخذ منه الأمان بعد ذلك. نقش الدنانير والدراهم بأمر عبد الملك بن مروان وفي هذه السنة أمر عبد الملك بن مروان بنقش الدنانير والدراهم. ذكر الواقدي: أن سعد بن راشد حدثه عب صالح بن كيسان بذلك. قل: وحدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، أن عبد الملك ضرب الدراهم والدنانير عامئذ، وهو أول من أحدث ضربها. قال: وحدثني خالد بن أبي ربيعة، عن أبي هلال، عن أبيه، قال: كانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، وكان العشرة وزن السبعة. قال: وحدثني عبد الرحمن بن جرير الليثي عن هلال بن أسامة قال: سألت سعيد بن المسيب في كم تجب الزكاة من الدنانير؟ قال: في كل عشرين مثقالاً بالشأمى نصف مثقال، قلت: ما بال الشأمي من المصري؟ قال: هو الذي تضرب عليه الدنانير. وكان ذلك وزن الدنانير قبل أن تضرب الدنانير، كانت اثنين وعشرين قيراطاً إلا حبة، قال سعيد. قد عرفته، قد أرسلت بدنانير إلى دمشق فضربت على ذلك. وفي هذه السنة: وفد يحيى بن الحكم على عبد الملك بن مروان وولي أبان بن عثمان المدينة في رجب. وفيها استقضي أبان بن نوفل بن مساحق بن عمرو بن خداش من بني عامر بن لؤي. وفيها ولد مروان بن محمد بن مروان. وأقام الحج للناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير على المدينة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى. عن أبي معشر،وكذلك قال الواقدي. وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى. ثم دخلت سنة سبع وسبعين محاربة شبيب عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما ففي هذه السنة قتل شبيب عتاب بن ورقاء الرياحي وزهرة بن حوية ذكر الخبر عن سبب مقتلهما: مكان سبب ذلك فيما ذكر هشام عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن ابن جندب وفروة بن لقيط، أن شبيباً لما هزم الجيش الذي كان الحجاج وجهه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إليه، وقتل عثمان ابن قطن، ذلك في صيف وحر شديد، اشتد الحر عليه وعلى أصحابه. فأتى ماه بهزاذان فتصيف بها ثلاثة أشهر، وأتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا فلحقوا به. وناس ممن كان الحجاج يطلبهم الحجاج بمال أو تباعات؛ كان منهم رجل من الحي يقال له الحر بن عبد الله بن عوف. وكان دهقانان من أهل نهر درقيط قد أساءا إليه وضيقا عليه، فشد عليهما فقتلهما، ثم لحق بشبيب فكان معه بماه، وشهد معه مواطنه حتى قتل. فلما آمن الحجاج كل من كان خرج إلى شبيب من أصحاب المال والتباعات - و1لك بعد يوم السبخة - خرج إليه الحر فيمن خرج، فجاء أهل الدهقانين يستعدون عليه الحجاج. فأتى به فدخل. وقد أوصى ويئس من نفسه، فقال له الحجاج. يا عدو الله. قتلت رجلين من أهل الخراج! فقال له: قد كان أصلحك الله ما هو أعظم من هذا. فقال: وما هو؟ قال: خروجي من الطاعة وفراق الجماعة. ثم آمنت كل من خرج إليك، فهذا أماني وكتابك لي. فقال له الحجاج: أولى لك! قد لعمري فعلت، وخلى سبيله. قال: ولما انفسخ الحر عن شبيب خرج من ماه في نحو من ثمانمائة رجل. فأقبل نحو المدائن وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة. فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان، فكتب ماذرواسب عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج: أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله أن شبيباً قد أقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ولا أدري أين يريد! فلما قرأ الحجاج كتابه قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع وأبصر على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيئكم. فقام إليه الناس من كل جانب، وقالوا نحن نقاتلهم ونعتب الأمير، فليند بنا الأمير إليهم فإنا حيث سره. وقام إليه زهرة بن حوية وهو شيخ كبير لا يستم قائماً حتى يؤخذ بيده. فقال له: أصلح الله الأمير! إنك إنما تبعث إليهم الناس متقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة فلينفروا إليهم كافة، وأبعث عليهم رجلاً ثبتاً شجاعاً مجرباً للحرب ممن يرى الفرار هضماً وعاراً والصبر مجداً وكرماً. فقال الحجاج: فأنت ذاك فاخرج، فقال: أصلح الله الأمير! إنما يصلح للناس في هذا رجل يحمل الرمح والدرع، ويهز السيف، ويثبت على متن الفرس، وأنا لا أطيق من هذا شيئاً، وقد ضعف بصري وضعفت، ولكن أخرجني في الناس مع الأمير، فإني إما أثبت على الراحلة فأكون نع الأمير في عسكره وأشير عليه برأيي. فقال له الحجاج: جزاك الله عن الإسلام وأهله في أول الإسلام خيراً، وجزاك الله عن الإسلام في آخر الإسلام خيراً،فقد نصحت وصدقت، أنا مخرج الناس كافة. ألا فسيروا أيها الناس. فانصرف الناس وليس يدرون من هو أميرهم! وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن شبيباً قد شارف المدائن وإنما يريد الكوفة، وقد عجز أهل الكوفة عن قتاله في مواطن كثيرة، في كلها يقتل أمراءهم. ويفل جنودهم؛ فإن رأي أمير المؤمنين أن يبعث إلى أهل الشام فيقاتلوا عدوهم ويأكلوا بلادهم فليفعل. والسلام. فلما أتى عبد الملك كتابه بعث إليه سفيان بن الأبرد في أربعة آلاف، وبعث إليه حبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ألفين . فسرحهم حين أتاه الكتاب إلى الحجاج. وجعل أهل الكوفة يتجهزون إلى شبيب ولا يدرون من أميرهم! وهم يقولون: يبعث فلاناً أو فلاناً، وقد بعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه وهو على خيل الكوفة مع المهلب، وقد كان ذلك الجيش من أهل الكوفة هم الذين كان بشر بن مروان بعث عبد الرحمن بن مخنف عليهم إلى قطري. فلم يلبث عبد الرحمن بن مخنف إلا نحواً من شهرين حتى قدم الحجاج على العراق. فلم يلبث عليهم عبد الرحمن بن مخنف بعد قدوم الحجاج إلا رجب وشعبان. وقتل قطري عبد الرحمن في آخر رمضان. فبعث الحجاج عتاب بن ورقاء على ذلك الجيش من أهل الكوفة الذين أصيب فيهم عبد الرحمن ابن مخنف، وأمر الحجاج عتاباً بطاعة المهلب، فكأن ذلك قد كبر على عتاب، ووقع بينه وبين المهلب شر، حتى كتب عتاب إلى الحجاج يستعفيه من ذلك الجيش ويضمه إليه، فلما أن جاء كتاب الحجاج بإتيانه سر بذلك، قال: ودعا الحجاج أشراف أهل الكوفة؛ فيهم زهرة بن حوية السعدي من بني الأعرج، وقبيصة بن والق التغلبي، فقال لهم : من ترون أن أبعث على هذا الجيش؟ فقلوا: رأيك أيها الأمير أفضل؛ قال: فإني قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء؛ وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة فيكون هو الذي يسير في الناس؛ قال زهرة بن حوية: أصلح الله الأمير! رميتهم بحجرهم، لا والله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل وقال له قبيصة بن والق: إني مشير عليك برأيي، فإن يكن خطأ فبعد اجتهادي في النصيحة لأمير المؤمنين وللأمير ولعامة المسلمين، وإن يك صواباً فا لله سد دني له؛ إنا قد تحدثنا وتحدث الناس أن جيشاً قد فصل إليك من قبل الشام، وأن أهل الكوفة قد هزموا وفلوا واستخفوا بالصبر، وهان عليهم عار الفرار، فقلوبهم كأنها ليست فيهم، كأنما هي في قوم آخرين، فإن رأيت أن تبعث إلى جيشك الذي أمددت به من أهل الشام فيأخذوا حذرهم، ولا يبيتوا إلا وهم يرون أنهم مبيتون فعلت، فإنك تحارب حولا قلباً، ظعاناً رحالا، وقد جهزت إليه أهل الكوفة ولست واثقاً بهم كل الثقة، وإنما إخوانهم هؤلاء القوم الذين بعثوا إليك من الشام، إن شبيباً بينا هو في أرض إذ هو في أخرى، ولا آمن أن يأتيهم وهو غارون فإن يهلكوا نهلك ويهلك العراق، فقال: لله أنت! ما أحسن ما رأيت! وما أحسن ما أشرت به علي! قال: فبعث عبد الرحمن بن الغرق مولى عقيل إلى من أقبل من أهل الشام. فأتاهم وقد نزلوا هيت بكتاب من الحجاج: أما بعد، فإذا حاذيتم هيت فدعوا طريق الفرات والأنبار، وخذوا على عين التمر حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله، وخذوا حذركم، وعجلوا السير. والسلام. فأقبل القوم سراعاً. قال: وقدم عتاب بن ورقاء في الليلة التي قال الحجاج إنه قادم عليكم فيها. فأمره الحجاج فخرج بالناسفعسكر بهم بحمام أعين، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذا فقطع منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بهر سير الدنيا. فصار بينه وبين مطرف بن المغيرة ابن شعبة جسر دجلة. فلما نزل شبيب مدينة بهرسير قطع مطرف الجسر، وبعث إلى شبيب: أن ابعث إلى رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن، وأنظر فيما تدعو إليه، فبعث إليه شبيب رجالا من وجوه أصحابه؛ فيهم قعنب وسويد والمحلل، فلما أرادوا أن ينزلوا في السفينة بعث إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلى رسول من عند مطرف، فرجع الرسول، وبعث إلى مطرف أن ابعث إلى من أصحابك بعدد أصحابي يكونوا رهناً في يدي حتى ترد علي أصحابي. فقال مطرف لرسوله: القه وقل له: كيف آمنك أنا على أصحابي إذا أنا بعثتهم الآن إليك، وأنت لا تأمنني على أصحابك! فرجع الرسول إلى شبيب فأبلغه، فأرسل إليه شبيب: إنك قد علمت أنا لا نستحل الغدر في ديننا، وأنتم تفعلونه وتستحلونه، فبعث إليه مطرف الربيع بن يزيد الأسدي وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني ويزيد بن أبي زياد مولاه وصاحب حرمه، فلما صاروا في يدي شبيب سرح إليه أصحابه، فأتوا مطرف فمكثوا أربعة أيام يتراسلون، ثم لم يتفقوا على شئ، فلما تبين لشبيب أن مطرفاً غير تابعه ولا داخل معه تهيأ للمسير إلى عتاب بن ورقاء وإلى أهل الشام. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط أن شعيباً دعا رءوس أصحابه فقال لهم: إنه لم يثبطني على رأي قد كنت رأيته إلا هذا الثقفي منذ أربعة أيام، قد كنت حدثت نفسي أن أخرج في جريدة خيل حتى ألقى هذا الجيش المقبل من الشام رجاء أن أصادف غرتهم أو يحذروا فلا أبالي كنت ألقاهم منقطعين من المصر، ليس عليهم أمير كالحجاج يستندون إليه ولا مصر كالكوفة يعتصمون به؛ وقد جاءتني عيوني اليوم فخبروني أن أوائلهم قد دخلوا عين التمر، فهم الآن قد شارفوا الكوفة، وجاءتني عيوني من نحو عتاب بن ورقاء فحدثوني أنه قد نزل بجماعة أهل الكوفة الصراة، فما أقرب بيننا وبينهم! فتيسروا بنا للمسير إلى عتاب بن ورقاء. قال: وخاف مطرف أن يبلغ خبره وما كان من إرساله إلى شبيب الحجاج، فخرج نحو الجبال، وقد كان أراد أن يقيم حتى ينظر ما يكون بين شبيب وعتاب. فأرسل إليه شبيب: أما إذ لم تبايعني فقد نبذت إليك على سواء، فقال مطرف لأصحابه: اخرجوا بنا وافرين فإن الحجاج سيقاتلنا، فيقاتلنا وبنا قوة أمثل. فخرج ونزل المدائن؛ فعقد شبيب الجسر، وبعث إلى المدائن أخاه مصاداً، وأقبل إليه عتاب حتى نزل بسوق حكمة، وقد أخرج الحجاج جماعة أهل الكوفة مقاتلتهم، ومن نشيط إلى الخروج من شبابهم، وكانت مقاتلتهم أربعين ألفاً سوى الشباب، ووافى مع عتاب يومئذ أربعون ألفاً من المقاتلة وعشرة آلاف من الشباب بسوق حكمة فكانوا خمسين ألفاً، ولم يدع الحجاج قرشياً ولا رجلا من بيوتات العرب إلا أخرجه. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الرحمن بن جندب، قال: سمعت الحجاج وهو على منبر حين وجه عتاباً إلى شبيب في الناس وهو يقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم، لا أرخص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلا قد وليناه من أعمالنا، ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والأثرة، ألا وإن للناكل الهارب الهوان والجفوة. والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن كفعلكم في المواطن التي كانت لأولينكم كنفاً خشناً، ولأعركنكم بكلكل ثقيل. ثم نزل، وتوافى الناس مع عتاب بسوق حكمة. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: عرضنا شبيب بالمدائن فكنا ألف رجل، فقام فينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر المسلمين، إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان وأكثر من ذلك قليلا، وأنقص منه قليلا، فأنتم اليوم مئون ومئون، ألا إني مصل الظهر ثم سائر بكم، فصلى الظهر ثم نودي في الناس: يا خيل الله اركبي وأبشري، فخرج في أصحابه، فأخذوا يتخلفون ويتأخرون، فلما جاوزنا ساباط ونزلنا معه قص علينا وذكرنا بأيام الله، وزهدنا في الدنيا، ورغبنا في الآخرة ساعة طويلة، ثم أمر مؤذن فأذن، ثم تقدم فصلى بنا العصر، ثم أقبل حتى أشرف بناعلى عتاب بن روقاء وأصحابه، فلما أن رآهم من ساعته نزل وأمر مؤذنه فأذن، ثم تقدم فصلى بنا المغرب، وكان مؤذنه سلام بن سيار الشيباني. وكانت عيون عتاب بن ورقاء قد جاءوه فأخبروه أنه قد أقبل إليه، فخرج بالناس كلهم فعبأهم، وكان قد خندق أول يوم نزل، وكان يظهر كل أنه يريد أن يسير إلى شبيب بالمدائن، فبلغ ذلك شبيباً، فقال: أسير إليه أحب إلى من أن يسير إلى، فأتاه، فلما صف عتاب الناس بعث على ميمنته محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وقال: يا بن أخي، إنك شريف فاصبر وصابر، فقال: أما أنا فوالله لأقاتلن ما ثبت معي إنسان. وقال لقبيصة بن والق - وكان يومئذ على ثلث بني تغلب: اكفني الميسرة فقال: أنا شيخ كبير، كثير من أن أثبت تحت رايتي، قد أنيت مني القيام، ما أستطيع القيام إلا أن أقام؛ ولكن هذا عبيد الله بن الحليس ونعيم بن عليم التغلبيان - وكان كل واحد منهما على ثلثي من أثلاث تغلب - فقال: ابعث أيهما أحببت، فأيهما بعثت فلبتعثن ذا حزم وعزم وغناء. فبعث نعيم بن عليم على ميسرته، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعي - وهو ابن عم عتاب شيخ أهل بيته - على الرجالة، وصفهم ثلاثة صفوف: صف فيهم الرجال معهم السيوف، وصف وهم أصحاب الرماح، وصف فيه المرامية، ثم سار فيما بين الميمنة إلى الميسرة يمر بأهل راية راية؛ فيحثهم على تقوى الله، ويأمرهم بالصبر ويقص عليهم. قال أبو مخنف: فحدثني حصيرة بن عبد الله أن تميم بن الحارث الأزدي قال: وقف علينا فقص علينا قصصاً كثيراً، كان مما حفظت منه ثلاث كلمات؛ قال: يا أهل الإسلام، إن أعظم الناس نصيباً في الجنة الشهداء. وليس الله لأحد من خلقه بأحمد منه للصابرين، ألا ترون أنه يقول: " واصبروا إن الله مع الصابرن " ! فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته، وليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي؛ ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه، لا يرون إلا أن ذلك لهم قربة عند الله! فهم شرار أهل الأرض وكلاب أهل النار، أين القصاص؟ قال ذلك فلم يجيبه والله أحد منا؛ فلما رآى ذلك، قال: أين من يروي شعر عنترة؟ قال: فلا والله مرد عليه إنسان كلمةً، فقال: إنا لله! كأني بكم قد فررتم عن عتاب بن ورقاء وتركتموه تسفي في استه الريح ثم أقبل حتى جلس في القلب معه زهرة بن حوية جالس وعبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث وأبو بكر من محمد بن أبي جهم العدوي، وأقبل شبيب وهو في ستمائة وقد تخلف عنه من الناس أربعمائة، فقال: لقد تخلف عنا من لا أحب أن يرى فينا. فبعث سويد بن سليم في مائتين إلى الميسرة، وبعث المحلل بن وائل إلى القلب، ومضى هو في مائتين إلى الميمنة بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذا الريات؟ قالوا: رايات ربيعة، فقال: شبيب: رايات طالما نصرت الحق، وطالما نصرت الباطل، لها في كل نصيب، والله لأجاهدنكم محتسباً للخير في جهادكم، أنتم ربيعة وأنا شبيب، أنا أبو المدله، لا حكم إلا للحكم، اثبتوا إن شئتم. ثم حمل عليهم وهو على مسناة أمام الخندق ففضهم، فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق بن الحليس ونعيم بن عليم، فقتلوا، وانهزمت الميسرة كلها وتنادى أناس من بني تغلب: قتل قبيصة بن والق. فقال شبيب: قتلتم قبيصة بن والق التغلبي يا معشر المسلمين! قال الله: " واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان منا الغاوين " ، هذا مثل ابن عمكم قبيصة بن والق، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم جاء يقاتلكم مع الكافرين! ثم وقف عليه فقال: ويحك! لو ثبت على إسلامك الأول سعدت، ثم حمل من الميسرة على عتاب بن ورقاء، وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن، فقاتل في الميمنة رجال من بني تميم وهمدان، فأحسنوا القتال، فما زالوا كذلك حتى أتوا فقيل لهم: قتل عتاب بن ورقان، فانفضوا، ولم يزل عتاب جالساً على طنفسة في القلب وزهرة بن حورية معه، إذ غشيهم شبيب، فقال له عتاب: يا زهرة بن حوية، هذا يوم كثر فيه العدد، وقل فيه الغناء، والهفى على خمسمائة فارس من نحو رجال تميم معي من جميع الناس! ألا صابر لعدوه! ألا مؤاس بنفسه! فانفضوا عنه وتركوه، فقال له زهرة: أحسنت يا عتاب، فعلت فعل مثلك، والله والله لو منحتهم كتفك ما كان بقاؤك إلا قليلاً، أبشر فإني أرجو أن يكون الله قد أهدى إلينا الشهادة عند فناء أعمارنا؛ فقال له: جزاك الله خيراً من جزى آمراً بمعروف وحاثاً على تقوى. فلما دنا منه شبيب وثب في عصابة صبرت معه قليلة، وقد ذهب الناس يميناً وشمالاً، فقال له عمار بن يزيد الكلبي من بني المدينة: أصلحك الله! إن عبد الرحمن بن محمد قد هرب عنك فانصفق معه أناس كثير، فقال له: قد فر قبل اليوم، وما رأيت ذلك الفتى يبالي ما صنع، ثم قاتلهم ساعة وهو يقول:ما رأيت كاليوم قط موطناً لم أبتل بمثله قط أقل مقاتلاً ولا أكثر هارباً خاذلاً؛ فرآه رجل من بني تغلب من أصحاب شبيب من بني زيد بن عمرو يقال له عامر بن عمرو بن عبد عمرو، وكان قد أصاب دماً في قومه، فلحق بشبيب، وكان من الفرسان، فقال لشبيب: والله إني لأظن هذا المتكلم عتاب بن ورقاء! فحمل عليه فطعنه، فوقع فكان هو ولي قتله. ووطئت الخيل زهرة بن حوية، فأخذ يذب بسيفه وهو شيخ كبير لايستطيع أن يقوم، فجاء الفضل بن عامر الشيباني فقتله، فانتهى إليه شبيب فوجده صريعاً فعرفه، فقال: من قتل هذا؟ فقال الفضل: أنا قتلته، فقال شبيب: هذا زهرة حوية، أما والله لئن كنت قتلت على ضلالة لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك، وعظم فيه غناؤك! ولرب خيل للمشركين قد هزمتها، وسرية لهم قد ذعرتها وقرية من قراهم جم أهلها قد افتتحتها، ثم كان في علم الله أن تقتل ناصراً للظالمين! قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط قال: رأيناه والله توجع له، فقال رجل من شبان بكر بن وائل: والله إن أمير المؤمنين منذ الليلة ليتوجع لرجل من الكافرين! قال: إنك لست بأعرف بضلالهم مني، ولكني أعرف من قديم أمرهم مالا تعرف؛ ما لو ثبتوا عليه كانوا إخواناً. وقتل في المعركة عمار بن يزيد الكلبي، وقتل أبو خثيمة بن عبد الله يومئذ، واستمكن شبيب من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا عنهم السيف، ودعا إلى البيعة، فبايعه الناس من ساعتهم، وهربوا من تحت ليلتهم، وأخذ شبيب يبايعهم، ويقول إلى ساعة يهربون. وحوى شبيب على ما في العسكر، وبعث إليه أخيه، فأتاه من المدائن، فلما وافاه بالعسكر أقبل إلى الكوفة وقد أقام بعسكره ببيت قرة يومين، ثم توجه نحو وجه أهل الكوفة، وقد دخل سفيان بن الأبرد الكلبي وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج فيمن معهما من أهل الشام الكوفة، فشدوا للحجاج ظهره، فاستغنى بهما عن أهل الكوفة، فقام على منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل الكوفة، فلا أعز الله من أراد بكم العز، ولا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا، ولا تشهدوا معنا قتال عدونا، الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا تقاتلوا معنا إلا من كان لنا عاملاً، ومن لم يكن شهد قتل عتاب بن ورقاء. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: والله لخرجنا نتبع آثار الناس، فانتهى إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ومحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني، وهما يمشيان كأني أنظر إلى رأس عبد الرحمن قد امتلاُ طيناً، فصددت عنهما، وكرهت أن أذعرهما، ولو أني أوذن بهما أصحاب شبيب لقتلا مكانهما، وقلت في نفسي: لئن سقت إلى مثلكما من قومي القتل ما أنا برشيد الرأي؛ وأقبل شبيب حتى نزل الصراة. قال أبو مخنف: فحدثني موسى بن سوار أن شبيباً خرج يريد الكوفة، فانتهى إلى سوار، فندب الناس، فقال: أيكم يأتي برأس عامل سوار؟ فانتدب له بطين وقعنب وسويد ورجلان من أصحابه، فساروا مغذين حتى انتهوا إلى دار الخراج والعمال في سمرجة فدخلوا الدار وقد كادوا الناس بأن قالوا: أجيبوا الأمير، فقالوا: أي الأمراء؟ قالوا: أمير خرج من قبل الحجاج يريد هذا الفاسق شبيباً، فاغتر بذلك العامل منهم. ثم إنهم شهروا السيوف وحكموا حين وصلوا إليه فضربوا عنقه، وقبضوا على ما كان من مال، ولحقوا بشبيب، فلما انتهوا إليه قال: ما الذي أتيتمونا به؟ قالوا: جئناك برأس الفاسق وما وجدنا من مال، والمال على دابة في بدوره، فقال شبيب: أتيتمونا بفتنة للمسلمين، هلم الحربة يا غلام، فخرق بها البدور، وأمر فنخس بالدابة والمال يتناثر من بدوره حتى وردت الصراة، فقال: إن كان بقي شيء فاقذفه في الماء. ثم خرج إليه سفيان بن الأبرد مع الحجاج، وكان اتاه قبل خروجه معه، فقال: إبعثني أستقبله قبل أن يأتيك، فقال: ما أحب أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم والكوفة في ظهورنا والحصن في أيدينا. ذكر الخبر عن دخول شبيب الكوفة مرة ثانية وفي هذه السنة دخل شبيب الكوفة دخلته الثانية ذكر الخبر عن ذلك وما كان من حربه بها الحجاج قال هشام: حدثني أبو مخنف، عن موسى بن سوار، قال: قدم سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف من الدسكرة الكوفة بعدما قدم جيش الشام الكوفة، وكان مطرف بن المغيرة كتب إلى الحجاج: إن شبيباً قد أطل علي، فابعث إلى المدائن بعثاً. فبعث إليه سيرة بن عبد الرحمن ابن مخنف في مائتي فارس، فلما خرج مطرف يريد الجبل خرج بأصحابه معه وقد أعلمهم ما يريد، وكتم ذلك سبرة، فلما انتهى إلى دسكرة الملك دعا سبرة فأعلمه ما يريدن ودعا إلى أمره، فقال له: نعم أنا معك، فلما خرج من عنده بعث إلى أصحابه فجمعهم، وأقبل بهم فصادف عتاب ابن ورقاء قد قتل وشبيباً قد مضى إلى الكوفة، فأقبل حتى انتهى إلى قرية يقال لها بيطرى، وقد نزل شبيب حمام عمر، فخرج سبرة حتى يعبر الفرات في معبر قرية شاهي، ثم أخذ الظهر حتى قدم على الحجاج، فوجد أهل الكوفة مسخوطاً عليهم، فدخل على سفيان بن الأبرد، فقص قصته عليه وأخبره بطاعته وفراقه مطرفاً، وانه لم يشهد عتاباً ولم يشهد هزيمة في مواطن أهل الكوفة، ولم أزل للأمير عاملاً، ومعي مائتا رجل لم يشهدوا معي هزيمة قط، وهم على طاعتهم ولم يدخلوا في فتنة. فدخل سفيان إلى الحجاج فخبره بخبر ما قص عليه سبرة بن عبد الرحمن، فقال: صدق وبر! قل له: فليشهد معنا لقاء عدونا، فخرج إليه فأعلمه ذلك. وأقبل شبيب حتى نزل موضع حمام أعين، ودعا الحجاج الحارث بن معاوية بن أبي زرعة بن مسعود الثقفي فوجهه في ناس من الشرط لم يكونوا شهدوا يوم عتاب، ورجال كانوا عمالاً في نحو من مائتي رجل من أهل الشام، فخرج في نحو من ألف، فنزل زرارة، وبلغ ذلك شبيباً، فتعجل إليه في أصحابه، فلما أنتهى إليه حمل عليه فقتله، وهزم أصحابه، وجاءت المنهزمة فدخلوا الكوفة. وجاء شبيب حتى قطع الجسر، وعسكر دونه إلى الكوفة، وأقام شبيب في عسكره ثلاثة أيام؛ فلم يكن في أول يوم إلا قتل الحارث بن معاوية، فلما كان في اليوم الثاني أخرج الحجاج مواليه وغلمانه عليهم السلاح، فأخذوا بأفواه السكك مما يلي الكوفة، وخرج أهل الكوفة فأخذوا بأفواه سككهم، وخشوا إن لم يخرجوا موجدة الحجاج وعبد الملك بن مروان. وجاء شبيب حتى ابتنى مسجداً في أقصى السبخة مما يلي موقف أصحاب القت عند الإيوان، وهو قائم حتى الساعة، فلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج ابا الورد مولىً له عليه تجفاف، وأخرج مجففة كثيرة وغلماناُ له، وقالوا له: هذا الحجاج، فحمل عليه شبيب فقتله، وقال: إن كان هذا الحجاج فقد أرحمتكم منه. ثم إن الحجاج أ خرج له غلامه طهمان في مثل تلك العدة على مثل تلك الهيئة، فحمل عليه شبيب فقتله، وقال إن كان هذا الحجاج فقد أرحمتكم منه. ثم إن الحجاج خرج ارتفاع النهار من القصر فقال: ائتوني ببغل أركبه ما بينى وبين السبخة، فأتى ببغل محجل، فقيل له: إن الأعاجم أصلحك الله تطير أن تركب في مثل هذا اليوم مثل هذا البغل، فقال: أدنوه منى، فإن اليوم يوم أغر محجل؛ فركبه ثم خرج في أهل الشام حتى أخذ في سكة البريد، ثم خرج في أعلى السبخة، فلما نظر الحجاج إلى شبيب وأصحابه نزل، وكان شبيب في ستمائة فارس، فلما رأى الحجاج قد خرج إليه أقبل بأصحابه، وجاء سبرة بن عبد الرحمن إلى الحجاج فقال: أين يأمرني الأمير أن أقف؟ فقال: قف على أفواه السكك، فإن جاءوكم فكان فيكم قتال فقاتلوا، فانطلق حتى وقف في جماعة الناس، ودعا الحجاج بكرسي له فقعد عليه، ثم نادى: يا أهل الشام، أنتم أهل السمع والطاعة والصبر واليقين، لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم، غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، واستقبلوا القوم بأطراف الأسنة، فجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، وكأنهم حرة سوداء. وأقبل إليهم شبيب حتى إذا دنى منهم عبى أصحابه ثلاثة كراديس، كتيبة معه، وكتيبة مع سويد بن سليم، وكتيية مع المحلل بن وائل، فقال لسويد. احمل عليهم في خيلكن فحمل عليهم، فثبتوا له، حتى إذا غشي أطراف الأسنة وثبوا في وجهه ووجوه أصحابه، فطعنوهم قدماً حتى انصرف، وصاح الحجاج: يا أهل السمع والطاعة، هكذا فافعلوا. قدم كرسي يا غلام، وأمر شبيب المحلل. فحمل عليهم، ففعلوا به مثل ما فعلوا بسويد، فناداهم الحجاج: يا أهل السمع والطاعة؛ هكذا فافعلوا، قدم كرسي يا غلام. ثم إن شبيباً حمل عليهم في كتيبته فثبتوا له، حتى إذا غشى أطراف الرماح وثبوا في وجهه، فقاتلهم طويلاً. ثم إن أهل الشام طعنوه قدماً حتى ألحقوه بأصحابه، فلما رأى صبرهم نادى: يا سويد، احمل في خيلك على أهل هذه السكة - يعني سكة لحام جرير - لعلك تزيل أهلها عنها، فتأتي الحجاج من ورائه، ونحمل نحن عليه من أمامه. فانفرد سويد بن سليم فحمل على أهل تلك السكة؛ فرمى من فوق البيوت رأفواه السكك، فانصرف، وقد كان الحجاج جعل عروة بن المغيرة بن شعبة في نحو من ثلثمائة رجل من أهل الشام ردءاً له ولأصحابه لئلا يؤتوا من ورائه. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط: إن شبيباً قال لنا يومئذ: يا أهل الإسلام إنما شرينا الله. ومن شرى الله لم يكبر عليه ما أصابه من أذى والألم في جنب الله. الصبر الصبر، شدة كشداتكم في مواطنكم الكريمة. ثم جمع أصحابه، فلما ظن الحجاج أنه حامل عليهم قال لأصحابه: يا أهل السمع والطاعة، اصبروا لهذه الشدة الواحدة. ثم ورب السماء ما شيء دون الفتح. فجثوا على الركب. وحمل عليهم شبيب بجميع أصحابه. فلما غشيهم نادى الحجاج بجماعة الناس. فوثبوا في وجه، فما زالوا يطعنون ويضربون قدماً ويدفعون شبيباً وأصابه وهو يقاتلهم حتى بلغوا موضع بستان زائدة. فلما بلغ ذلك المكان نادى شبيب أصحابه: يا أولياء الله، الأرض الأرض. ثم نزل وأمر أصحابه فنزل نصفهم وترك نصفهم مع سويد بن سليم، وجاء الحجاج حتى انتهى إلى مسجد شبث، ثم قال: يا أهل الشام، يا أهل السمع والطاعة، هذا أول الفتح والذي نفس الحجاج بيده! وصعد المسجد معه نحو من عشرين رجلاً معهم النبل، فقال: إن دنوا منا فارشقوهم، فاقتتلوا عامة النهار من أشد قتال في الأرض، حتى أقر كل واحد من الفريقين لصاحبه. ثم إن خالد بن عتاب قال للحجاج: إئذن لي في قتالهم فإني موتور، وأنا ممن لا يتهم في نصيحة، قال: فإني قد أذنت لك، قال: فإني آتيهم من ورائهم حتى أغير على عسكرهم، فقال له: افعل ما بدا لك، قال: فخرج معه بعصابة من أهل الكوفة حتى دخل عسكرهم من ورائهم، فقتل مصاداً أخا شبيب، وقتل غزالة امرأته، قتلها فروة بن الدفان الكلبي، وحرق في عسكره، وأتى ذلك الخبر الحجاج وشبيباً، فأما الحجاج وأصحابه فكبروا تكبيرة واحدة، وأما شبيب فوثب هو وكل راجل معه على خيولهم، وقال الحجاج لأهل الشام: شدوا عليهم فإنه قد أتاهم ما أرعب قلوبهم. فشدوا عليهم فهزموهم، وتخلف شبيب في حامية الناس. قال هشام: فحدثني أصغر الخارجي، قال: حدثني من كان مع شبيب قال: لما انهزم الناس فخرج من الجسر تبعه خيل الحجاج، قال: فجعل يخفق برأسه، فقلت: يا أمير المؤمنين، التفت فانظر من خلفك؛ قال: فالتفت غير مكترث، ثم أكب يخفق برأسه؛ قال: ودنوا منا؛ فقلنا يا أمير المؤمنين، قد دنوا منك، قال: فالتفت والله غير مكترث، ثم جعل يخفق برأسه. قال: فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه في حرق الله وناره، فتركوه ورجعوا. قال هشام: قال أبو مخنف: حدثني أبو عمرو العذرى، قال: قطع شبيب الجسر حين عبر.قال: وقال لي فروة: كنت معه حين انهزمنا فما حرك الجسر، ولا اتبعونا حتى قطعنا الجسر. ودخل الحجاج الكوفة، ثم صعد المنبر فحمد الله، ثم قال: والله ما قوتل شبيب قبلها، ولى والله هارباً، وترك امرأته يكسر في أستها القصب. وقد قيل في قتال الحجاج شبيباً بالكوفة ما ذكره عمر بن شبة قال: حدثني عبد الله بن المغيرة بن عطية، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا مزاحم بن زفر بن جساس التيمي، قال: لما فض شبيب كتائب الحجاج أذن لنا فدخلنا عليه في مجلسه الذي يبيت فيه وهو على سرير عليه لحاف، فقال: إني دعوتكم لأمر فيه أمان ونظر، فأشير علي؛ إن هذا الرجل قد تبحبح بحبوحتكم، ودخل حريمكم، وقتل مقاتلتكم، فأشيروا على؛ فأطرقوا. وفصل رجل من الصف بكرسيه فقال: إن أذن لي الأمير تكلمت، فقال: تكلم، فقال: إن الأمير والله ما راقب الله، ولا حفظ أمير المؤمنين. ولا نصح للرعية. ثم جلس بكرسيه في الصف. قال: وإذا هو قتيبة، قال: فغضب الحجاج وألقى اللحاف، ودلى قدميه من السرير كأني أنظر إليهما؛ فقال: من المتكلم؟ قال: فخرج قتيبة بكرسيه من الصف فأعاد الكلام، قال: فما الرأي؟ قال: أن تخرج إليه فتحاكمه؛ قال: فارتد لي معسكراً ثم اغد إلى، قال: فخرجنا نلعن عنسبة بن سعيد، وكان كلم الحجاج في قتيبة، فجعله من أصحابه، فلما أصيحنا وقد أوصينا جميعاً. غدونا في السلاح، فصلى الحجاج الصبح ثم دخل، فجعل رسوله يخرج ساعة بعد ساعة فيقول: أجاء بعد؟ أجاء بعد؟ ولا ندري من يريد! وقد أفعمت المقصورة بالناس، فخرج الرسول فقال: أجاء بعد؟ وإذا قتيبة يمشي في المسجد عليه قباء هروى أصفر، وعمامة خز أحمر، متقلداً سيفاً عريضاً قصير الحمائل كأنه في إبطه، قد أدخل بركة قبائه في منطقته، والدرع يصفق ساقيه وفتح له الباب فدخل ولم يحجب، فلبث طويلاً ثم خرج، وأخرج معه لواءً منشوراً. فصلى الحجاج ركعتين، ثم قام فتكلم، وأخرج اللواء من باب الفيل. وخرج الحجاج يتبعه، فإذا بالباب بغلة شقراء غراء محجلة فركبها، وعارضه الوصفاء بالدواب، فأبى غيرها. وركب الناس. وركب قتيبة فرساً أغر محجلا كوميتاً كأنه في سرجه رمانة من عظم السرج، فأخذ في طريق دار السقاية حتى خرج إلى السبخة وبها عسكر شبيب، وذلك يوم الأربعاء، فتواقفوا، ثم غدوا يوم الخميس للقتال، ثم غادوهم يوم الجمعة. فلما كان وقت الصلاة انهزمت الخوارج. قال أبو زيد: حدثني خلاد بن يزيد، قال: حدثنا الحجاج بن قتيبة، قال: جاء شبيب وقد بعث إليه الحجاج أميراً فقتله، ثم آخر فقتله. أحدهما أعين صاحب حمام أعين، قال: فجاء حتى دخل الكوفة ومعه غزالة، وقد كانت نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ فيهما البقرة وآل عمران. قال: ففعلت. قال: واتخذ شبيب في عسكره أخصاصاً، فقام الحجاج فقال: لا أراكم تناصحون في قتال هؤلاء القوم يا أهل العراق! وأنا كاتب إلى أمير المؤمنين ليمدني بأهل الشام. قال: فقام قتيبة فقال: إنك لم تنصح لله ولا لأمير المؤمنين في قتالهم. قال عمر بن شبة: قال خلاد: فحدثني محمد بن حفص بن موسى ابن عبيد الله بن معمر بن عثمان التميمي أن الحجاج خنق قتيبة بعمامته خنقاً شديداً. ثم رجع الحديث إلى حديث الحجاج وقتيبة. قال: فقال: وكيف ذاك؟ قال: تبعث الرجل الشريف وتبعث معه رعاعاً من الناس فينهزمون عنه. ويستحي فيقاتل حتى يقتل؛ قال: فما الرأي؟ قال: أن تخرج بنفسك ويخرج معك نظراؤك فيؤاسونك بأنفسم. قال: فلعنه من ثم. وقال: والله لأبرزن له غداً؛ فلما كان الغد حضر الناس، فقال قتيبة: اذكر يمينك أصلح الله الأمير! فلعنوه أيضاً. وقال الحجاج: اخرج فارتد لي معسكراً، فذهب فتهيأ وهو وأصحابه فخزجوا، ف أتى على موضع فيه بعض القذر: موضع كناسة، فقال: ألقوا لي هاهنا. فقيل: إن الموضع قذر، فقال: ما تدعونني إليه أقذر، الأرض تحته طيبة، والسماء فوقه طيبة. قال: فنزل وصف الناس وخالد بن عتاب بن ورقاء مسخوط عليه فليس في القوم، وجاء شبيب وأصحابه فقربوا دوابهم، وخزجوا يمشون، فقال لهم شبيب: الهوا عن رميكم، ودبوا تحت تراسكم، حتى إذا كانت أسنتهم فوقها، فأصدقوها صعداً، ثم ادخلوا تحتها لتستقلوا فتقطعوا أقدامهم، وهي الهزيمة بإذن الله. فأقبلوا يدبون إليهم. وجاء خالد بن عتاب في شاكريته، فدار من وراء عسكرهم، فأضرم أخصاصهم بالنار. فلما رأوا ضوء النار وسمعوا معمعتها التفتوا فرأوها في بيوتهم، فولوا إلى خيلهم وتبعهم الناس، وكانت الهزيمة. ورضي الحجاج عن خالد، وعقد له على قتالهم. قال: ولما قتل شبيب عتاباً أراد دخول الكوفة ثانية، فأقبل حتى شارفها فوجه إليه الحجاج سيف بن هانىء ورجلاً معه ليأتياه بخبر شبيب، فأتيا عسكره، ففطن بهما، فقتل الرجل، وأفلت سيف، وتبعه رجل من الخوارج، فأوثب سيف فرسه ساقية، ثم سأل الرجل الأمان على أن يصدقه، فآمنه، فأخبره ان الحجاج بعثه وصاحبه ليأتياه بخبر شبيب. قال: فأخبره أنا نأتيه يوم الاثنين. فأتى سيف الحجاج فأخبره؛ فقال: كذب وماق، فلما كان يوم الاثنين توجهوا يريدون الكوفة، فوجه إليهم الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي، فلقيه شبيب بزرارة فقتله، وهزم أصحابه ودنا من الكوفة فبعث البطين في عشرة فوارس يرتاد له منزلاً على شاطىء الفرات في دار الرزق. فأقبل البطين وقد وجه الحجاج حوشب بن يزيد في جمع من أهل الكوفة، فأخذوا بأفواه السكك، فقاتلهم البطين فلم يقوى عليهم، فبعث إلى شبيب فأمده بفوارس، فعقروا فرس حوشب وهزموه ونجا، ومضى البطين إلى دار الرزق، وعسكر على شاطىء الفرات وأقبل شبيب فنزل دون الجسر، فلم يوجه إليه الحجاج أحداً، فمضى فنزل السبخة بين الكوفة والفرات، فأقام ثلاثاً لا يوجه إليه الحجاج أحداً، فأشير على الحجاج ان يخرج بنفسه، فوجه قتيبة بن مسلم، فهيأ له عسكراً ثم رجع، فقال: وجدت المآتي سهلاً، فسر على الطائر الميمون؛ فنادى في أهل الكوفة فخرجوا، وخرج معه الوجوه حتى نزلوا في ذلك العسكر وتواقفوا، وعلى ميمنة شبيب البطين. وعلى ميسرته قعنب مولى بني أبي ربيعة بن ذهل، وهو في زهاء مائتين. وجعل الحجاج على ميمنته مطر بن ناجية الرياح. وعلى ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء الرياح في زهاء أربعة آلاف. وقيل له: لاتعرفه موضعك، فتنكر وأخفي مكانه، وشبه له أبا الورد مولاه، فنظر إليه شبيب، فحمل عليه، فضربه بعمود وزنه خمسة عشر رطلاً فقتله، وشبه له أعين صاحب حمام أعين بالكوفة، وهو مولىً لبكر بن وائل فقتله، فركب الحجاج بغلة غراء محجلة، وقال: إن الدين أغر محجل، وقال لأبي كعب: قدم لواءك، أنا ابن أبي عقيل. وحمل شبيب على خالد بن عتاب وأصحابه، فبلغ بهم الرحبة، وحملوا على مطر بن ناجية فكشفوه، فنزل عند ذلك الحجاج وأمر أصحابه فنزلوا، فجلس على عباءة ومع عنبسة بن سعيد، فإنهم على ذلك إذ تناول مصقلة بن مهلول الضبي لجام شبيب؛ فقال: ما تقول في صالح بن مسرح؟ وبم تشهد عليه؟ قال: أعلى هذا الحال، وفي هذه الحزة؟؟! والحجاج ينظر، قال: فبرىء من صالح، فقال مصقلة: برىء الله منك. وفلرقوه إلا أربعين فارساً هم أشد أصحابه، وانحاز الآخرون إلى دار الرزق؛ وقال الحجاج: قد اختلفوا، وأرسل إلى خالد بن عتاب فأتاهم فقاتلهم، فقتلت غزالة، ومر برأسها إلى الحجاج فارس فعرفه شبيب، فأمر علوان فشد على الفارس فقتله وجاء بالرأس، فأمر به فغسل ودفنه وقال: هي أقرب إليكم رحماً - يعني غزالة. ومضى القوم على حاميتهم، ورجع خالد إلى الحجاج فأخبره بانصراف القوم. فأمره أن يحمل على شبيب فحمل عليهم. وأتبعه ثمانية، منهم قعنب والبطين وعلوان وعيسى والمهذب وابن عويمر وسنان، حتى بلغوا به الرحبة، وأتى شبيب في موقفه بخطوط بني عمير السدوسي. فقال له شبيب: يا خوط، لاحكم إلا لله، فقال: لاحكم إلا لله، فقال شبيب: خوط من أصحابكم. ولكنه كان يخاف، فأطلقه. وأتى بعمير بن القعقاع، فقال له: لاحكم إلا لله يا عمير، فجعل لايفقه عنه، ويقول: في سبيل الله شبابي. فردد عليه شبيب: لاحكم إلا لله. ليتخلصه، فلم يفقه، فأمر بقتله، وقتل مصاد أخو شبيب، وجعل شبيب ينتظر النفر الذين تيعوا خالداً فأبطئوا. ونعس شبيب فأيقظه حبيب بن خدرة، وجعل أصحاب الحجاج لايقدمون عليه هيبة له، وسار إلى دار الرزق، فجمع رثة من قتل من أصحابه، وأقبل الثمانية إلى موضع شبيب فلم يجدوه، فظنوا أنهم قتلوه، ورجع مطر وخالد إلى الحجاج فأمرهما فأتبعا الرهط الثمانية. واتبع الرهط شبيباً، فمضوا جميعاً حتى قطعوا جسر المدائن، فدخلوا ديراً هناك وخالد يقفوهم. فحصرهم في الدير، فخرجوا عليه فهزموه نحواً من فرسخين حتى ألقوا أنفسهم في دجلة بخيلهم، وألقى خالد نفسه بفرسه فمر به ولواؤه في يده، فقال شبيب: قاتله الله فارساً وفرسه! هذا أشد الناس، وفرسه أقوى فرس في الأرض؛ فقيل له: هذا خالد بن عتاب، فقال: معرق له في الشجاعة؛ والله لو علمت لأقحمت خلفه ولو دخل النار. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف، عن أبي عمرو العذري، أن الحجاج دخل الكوفة حين انهزم شبيب، ثم صعد المنبر، فقال: والله ما قوتل شبيب قط قبلها مثلها، ولى الله هارباً، وترك امرأته يكسر في أستها القصب. ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن الحكمي فبعثه في أثره ثلاثة آلاف من أهل الشام، فقال له الحجاج: احذر بياته، وحيثما لقيته فنازله، فإن الله قد فل حده، وقصم نابه. فخرج حبيب بن عبد الرحمن في أثر شبيب حتى نزل الأنبار، وبعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب أن من جاءنا منهم فهو آمن؛ فكان كل من ليست تلك البصيرة ممن قد هده القتال يجيء فيؤمن، وقبل ذلك ما قد نادى فيهم الحجاج يوم هزموا: عن من جاءنا منكم فهو آمن، فتفرق عنه ناس كثير من أصحابه، وبلغ شبيباً منزل حبيب بن عبد الرحمن الأنبار، فأقبل بأصحابه حتى إذا دنا من عسكرهم نزل فصلى بهم المغرب. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي، قال: أنا والله في أهل الشام ليلة جاءنا شبيب بيتنا. قال: فلما أمسينا جميعاً حبيب بن عبد الرحمن فجعلنا أرباعاً. وقال لكل ربع منا: ليجزي كل ربع منكم جانبه، فإن قاتل هذا الربع فلا يغثهم هذا الربع الآخر، فإنه قد بلغني أن هذه الخوارج منا قريب، فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون ومقاتلون؛ فما زلنا على تعبيتنا حتى جاءنا شبيب فبيتنا، فشد على ربع منا، عليهم عثمان بن سعيد العذري فضاربهم طويلاً، فما زالت قدم إنسان منهم، ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر، وقد جعل عليهم سعيدبن بحل العامري فقاتلهم، فما زالت قدم إنسان منهم، ثم تركهم وأقبل على الربع الآخر وعليهم النعمان بن سعيد الحميري فما قدر منهم على شيء، ثم أقبل على الربع الآخر وعليهم ابن أقيصر الخثعمي فقاتلهم طويلاً، فلم يظفر بشيء، ثم أطاف بنا يحمل علينا حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل، وألز بنا حتى قلنا، لايفارقنا، ثم نازلنا راجلاً طويلاً، فسقط والله بيننا وبينهم الأيدي، وفقئت الأعين، وكثرت القتلى، قتلنا منهم نحواً من ثلاثين، وقتلوا منا نحواً من مائة، والله لو كانوا فيما نرى يزيدون على مائة رجل لأهلكونا، وايم الله على ذلك ما فارقونا حتى مللناهم وملونا، وكرهونا وكرهناهم، ولقد رأيت الرجل منا يضرب بسيفه الرجل منهم فما يضره شئ من الإعياء والضعف، ولقد رأيت الرجل منا يقاتل جالساً ينفح بسيفه ما يستطيع أن يقوم من الإعياء، فلما يأسوا منا ركب شبيب ثم قال لمن كان نزل من أصحابه: أركبوا، فلما استووا على متون خيولهم وجه منصرفاً عنا. قال أبو مخنف: حدثني فروة بن لقيط، عن شبيب، قال: لما انصرفنا عنهم وبنا كآبة شديدة، وجراحة ظاهرة، قال لنا: ما أشد هذا الذي لو كنا إنما نطلب الدنيا! وما أيسر هذا في ثواب الله! فقال أصحابه: صدقت يا أمير المؤمنين، قال: فما أنسى منه إقباله على سويد بن سليم ولا مقاتلته له: قتلت منهم أمس رجلين: أحدهما أشجع الناس، ولآخر أجبن الناس، خرجت عشية أمس طليعة لكم فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية يشترون منها حوائجهم، فاشترى أحدهم حاجته، ثم خرج قبل أصحابه وخرجت معه، فقال: كأنك لم تشتر علفاً، فقلت: إن لي رفقاء قد كفوني ذلك، فقلت له: أين ترى عدونا هذا نزل؟ قال: بلغني أنه قد نزل منا قريباً، وايم الله لوددت اني قد لقيت شبيبهم هذا، قلت: فتحب ذلك؟ قال: نعم، قلت: فخذ حذرك، فأنا والله شبيب، وانتضيت سيفي، فخر والله ميتاً، فقلت له: ارتفع ويحك! وذهبت أنظر فإذا هو مات، فانصرفت راجعاً، فأستقبل الآخر خارجاً من القرية، قال: أين تذهب هذه الساعة؟ وإنما يرجع الناس إلى عسكرهم! فلم أكلمه، ومضيت يقرب بي فرسي، وأتبعني حتى لحقني، فقطعت عليه فقلت له: ما لك؟ فقال: أنت والله من عدونا؟ فقلت: أجل والله، فقال: والله لا تبرح حتى تقتلني أو أقتلك، فحملت عليه وحمل علي، فاضربنا بسيفنا ساعة، فوالله ما فضلته في شدة نفس ولا إقدام إلا أن سيفي كان أقطع من سيفه، فقتلته؛ قال: فمضينا حتى قطعنا دجلة، ثم أخذنا في أرض جوخى حتى قطعنا دجلة مرة أخرى من عند واسط، ثم أخذنا إلى الأهواز ثم إلى فارس، ثم ارتفعنا إلى كرمان. ذكر الخبر عن مهلك شبيبوفي هذه السنة في قول هشام بن محمد، وفي قول غيره كان هلاكه سنة ثمان وسبعين. ذكر سبب هلاكه: قال هشام: عن أبي مخنف: قال: حدثني أبو يزيد السكسكي، قال: أقفلنا الحجاج إليه - يعني إلى شبيب - فقسم فينا مالاً عظيماً، وأعطى كل جريح منا وكل ذي بلاء، ثم أمر سفيان بن الأبرد أن يسير إلى شبيب، فتجهز سفيان، فشق ذلك على حبيب بن عبد الرحمن الحكمي، وقال: تبعث سفيان إلى رجل قد فللته وقتلت فرسان أصحابه! فأمضى سفيان بعد شهرين، وأقام شبيب بكرمان، حتى إذا انجبر واستراش هو وأصحابه أقبل راجعاً، فيستقبله سفيان بجسر دجيل الأهواز، وقد كان الحجاج كتب إلى الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وهو زوج ابنة الحجاج وعامله على البصرة. أما بعد، فابعث رجلاً شجاعاً شريفاً من أهل البصرة في أربعة آلاف إلى شبيب، ومره فليلحق بسفيان بن الأبرد، وليسمع له وليطع. فبعث إليه زياد بن عمرو العتكي في أربعة آلاف، فلم ينته إلى سفيان حتى التقى سفيان وشبيب، ولما أن التقيا بجسر دجيل عبر شبيب إلى سفيان فوجد سفيان قد نزل في الرجال، وبعث مهاصر بن صيفي العذري على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفهري، وبعث على ميسرته عمر بن هبيرة الفزاري، فأقبل شبيب في ثلاثة كراديس من أصحابه، وهو كتيبة وسويد في كتيبة، وقعنب المحلمي في كتيبة، وخلف المحلل بن وائل في عسكره. قال: قلما حمل سويد وهو في ميمنته على ميسرة سفيان، وقعنب وهو في ميسرته على ميمنته حمل هو على سفيان، فاضطربنا طويلاً من النهار، حتى انحازوا فرجعوا إلى المكان الذي كانوا فيه. فكر علينا هو وأصحابه أكثر من ثلاثين كرة، كل ذلك لا نزول من صفنا. وقال لنا سفيان بن الأبرد: لاتنصرفوا. ولكن لتزحف الرجال إليهم زحفاًن فوالله لازلنا نطاعنهم ونضاربهم حتى اضطررناهم إلى الجسر، فلما اتنهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو من مائة رجل، فقاتلناهم حتى المساء أشد قتال قاتله قوم قط، فما هو إلا أن نزلوا فأوقعوا لنا من اطعن والضرب شيئاً ما رأينا مثله من قوم قط. فلما رأى سفيان أنه لا يقدر عليهم، ولا يأمن من ذلك ظفرهم. دعا الرماة فقال: ارشقوهم بالنبل، وذلك عند المساء، وكان التقاؤهم نصف النهار، فرماهم أصحاب النبل بالنبل عند المساء، وقد صفهم سفيان بم الأبرد على حدة، وبعث على المرامية رجلاً، فلما رشقوهم بالنبل ساعة شدوا عليهم، فلما شدوا على رماتنا شددنا عليهم، فشغلناهم عنهم، فلما رموا بالنبل ساعة ركب شبيب وأصحابه ثم كروا على أصحاب النبل كرة صرع منهم أكثر من ثلاثين رجلاً، ثم عطف بخيله علينا، فمشى عامداً نحونا؛ فطاعناه حتى اختلط الظلام، ثم انصرف عنا. فقال سفيان لأصحابه: أيها الناس، دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم غدوة. قال: فكففنا عنهم وليس شيء أحب إلينا من أن ينصرفوا عنا. قال أبو مخنف: فحدثني فروة بن لقيط، قال: فما هو إلا أن انتهينا إلى الجسر، فقال: اعبروا معاشر المسلمين، فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله، فعبرنا أمامه، وتخلف في أخرانا، فأقبل على فرسه، وكانت بين يديه فرس انثى ماذيانة، فنزا فرسه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة، ونزل حافر رجل فرس شبيب على حرف السفينة، فسقط في الماء، فلما سقط قال: " ليقضي الله أمراً كان مفعولاً " . فارتمس في الماء، ثم ارتفع فقال: " ذلك تقدير العزيز العليم " . قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي بهذا الحديث - وكان ممن يقاتله من أهل الشام. وحدثني فروة بن لقيط، وكان ممن شهخد مواطنه - فأما رجل من بني رهطة من بني مرة بن همام فإنه حدثني انه كان معه قوم يقاتلون من عشيرته، ولم يكن لهم تلك البصيرة النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالاً كثيراً، فكأن ذلك قد أوجع قلوبهم، وأوغر صدورهم؛ وكان رجل يقال له مقاتل من بني تيم بن شيبان من أصحاب شبيب، فلما قتل شبيب رجالاً من بني تيم بن شيبان أغار هو على بني مرة بن همام فأصاب منهم رجلاً، فقال له شبيب: ما حملك على قتلهم بغير أمري! فقال له: أصلحك الله! قتلت كفار قومي، وقتلت كفار قومك، قال: وأنت الوالي علي حتى تقطع الأمور دوني! فقال: أصلحك الله! أليس من ديننا قتل من كان على غير رأينا، منا كان أو من غيرنا! قال بلى، قال: فإنما فعلت ما كان ينبغي، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت م رهطك عشر ما أصبت من رهطي، وما يحل لك يا أمير المؤمنين أن تجد من قتل الكافرين؛ قال: إني لا أجد من ذلك. وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم، فزعموا انه لما تخلف في أخريات أصحابه قال بعضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجسر فندرك ثأرنا الساعة! فقطعوا الجسر، فمالت السفن، ففزع الفرس ونفر، ووقع في الماء فغرق. قال أبو مخنف: فحدثني ذلك المري بهذا الحديث، وناس من رهط شبيب يذكرون هذا أيضاً؛ وأما حديث العامة فالحديث الأول. قال أبو مخنف: وحدثني أبو يزيد السكسكي، قال: إنا والله لنتهيأ للانصراف إذ جاء صاحب الجسر فقال: أين اميركم؟ قلنا: هو هذا، فجاءه فقال: أصلحك الله! عن رجلاً منهم وقع في الماء فتنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين! ثم إنهم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبر سفيان وكبرنا، ثم أقبل حتى انتهى إلى الجسر، وبعث مهاصر بن صيفي فعبر إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه منهم صافر ولا آثر. فنزل فيه، فإذا أكثر عسكر خلق الله خيراً، وأصبحنا فطلبنا شبيباً حتى استخرجناه وعليه الدرع، فسمعت الناس يزعمون أنه ثق شق بطنه فأخرج قلبه، فكان مجتمعاً صلباً كأنه صخرة، وإنه كان يضرب به الأرض فيثب قامة إنسان؛ فقال سفيان: إحمدوا الله الذي أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا. قال أبو زيد عمر بن شبة: حدثني خلاد بن يزيد الأرقط، قال: كان شبيب ينعى لأمه فيقال: قتل فلا تقبل قال: فقيل لها: إنه غرق، فقبلت، وقالت: إني أعلم أني لما ولدته أنه خرج مني شهاب من نار، فعلمت إنه لا يطفئه إلا الماء. قال هشام عن أبي مخنف: حدثني فروة بن لقيط الأزدي ثم الغامري أن يزيد بن نعيم أبا شبيب كان ممن دخل في جيش سليمان بن ربيعة إذ بعث به وبمن معه الوليد بن عقبة عن أمر عثمان إياه بذلك مدداً لأهل الشام أرض الروم، فلما قفل المسلمون أقيم السبي للبيع، فرأى يزيد ابن نعيم أبو شبيب جارية حمراء، لا شهلاء ولا زرقاء طويلة جميلة تأخذها العين، فابتاعها ثم أقبل بها، وذلك سنة خمس وعشرين اول السنة، فلما أدخلها الكوفة قال: أسلمي، فأبت عليه، فضربها فلم تزدد إلا عصياناً، فلما رأى ذلك امر بها فأصلحت، ثم دعا بها فأدخلت عليه، فلما تغشاها تلقت منه بحمل فولدت شبيباً، وذلك سنة خمس وعشرين في ذي الحجة في يوم النحر يوم السبت. وأحبت مولاها حباً شديداً - وكانت حدثة - وقالت: إن شئت أجبتك إلى ما سألتني من الإسلام، فقال لها: شئت، فأسلمت، وولدت شبيباً وهي مسلمة، وقالت: إني رأيت فيما يرى النائم انه خرج من قبلي شهاب فثقب يسطع حتى بلغ السماء وبلغ الآفاق كلها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جار فخبا، وقد ولدته في يومكم هذا الذي تهرقون فيه الدماء، وإني قد أولت رؤياي هذه إني أرى ولدي هذا غلاماً، أراه سيكون صاحب دماء يهريقها، وإني أرى أمره سيعلو ويعظم سريعاً. قال: فكان أبوه يختلف به وبأمه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يدعى اللصف. قتال أبو مخنف: وحدثني موسى بن أبي سويد بن رادي أن أن جند أهل الشام الذين جاؤوا حملوا معهم الحجر فقالوا: لانفر من شبيب حتى يفر هذا الحجر؛ فبلغ شبيباً امرهم، فأراد أن يكيدهم، فدعا بأفراس أربعة. أذنابها ترسة في ذنب كل فرس ترسين، ثم ندب معه ثمانية نفر من أصحابه، وعه غلام له يقال له حيان، وأمره أنيحمل معه إدواة من ماء، ثم سار حتى يأتي ناحية من المعسكر، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كل رجلين فرساً، ثم يمسوها الحديد حتى تجد حره ويخلوها في العسكر، وواعدهم تلعة قريبة من العسكر، فقال: من نجا منكم فإن موعده هذه التلعة؛ وكره أصحابه الإقدام على ما أمرهم به، فنزل حيث رأى منهم حتى صنع بالخيل مثل الذي أمرهم، ثم وغلت في العسكر، ودخل يتلوها محكماً فضرب الناس بعضهم بعضاً، فقام صحبهم الذي كان عليهم، وهو حبيب بن عبد الرحمن الحكمي، فنادى: أيها الناس، إن هذه مكيدة، فالزموا الأرض حتى يتبين لكم الأمر، ففعلوا وبقي شبيب في عسكرهم، فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا، وقد أصابته ضربة عمود وأوهنته، فلما أن هدأ الناس ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غمارهم حتى أتى التلعة، فإذا هو بحيان، فقال: أفرغ يا حيان على رأسي من الماء، فلما مد رأسه ليصب عليه الماء هم حيان أن يضرب عنقه، فقال لنفسه لا أجد لي مكرمة ولا ذكراً أرفع من قتلي هذا، وهو أماني عند الحجاج، فاستقبلته الرعدة حيث هم بما هم به، فلما أبطأ بحل الإدواة قال: ما يبطئك بحلها! فتناول السكين من موجزه فخرقها به، ثم ناولها إياه، فأفرغ عليه الماء. فقال حيان: منعني والله الجبن وما أخذني من الرعدة أن أضرب عنقه بعد ما هممت به. ثم لحق شبيب بأصحابه في عسكره. خروج مطرف بن المغيرة على الحجاج وعبد الملك قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج مطرف بن المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان ولحق بالجبال فقتل. ذكر السبب الذي كان عند خروجه وخلعه عبد الملك بن مروان: قال هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني يوسف بن يزيد بن بكر الأزدي أن بني المغيرة بن شعبة كانوا صلحاء نبلاء، أشرافاً بأبدانهم سوى شرف أبيهم ومنزلتهم في قومهم. قال: فلما قدم الحجاج فلقوه وشافههم علم أنهم رجال قومه وبنو أبيه، فاستعمل عروة بن المغيرة على الكوفة، ومطرف بن المغيرة على المدائن، وحمزة بن المغيرة على همذان. قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد بن عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، قال: قدم علينا مطرف بن المغيرة بن شعبة المدائن فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الأمير الحجاج أصلحه الله قد ولاني عليكم، وأمرني بالحكم بالحق، والعدل في السيرة، فإن عملت بما أمرني فأنا أسعد الناس، وإن لم أفعل فنفسي أوبقت، وحظ نفسي ضيعت، ألا إني جالس لكم العصرين، فارفعوا إلى حوائجكم، وأشيروا علي بما يصلحكم ويصلح بلادكم، فإني لن آلوكم خيراً ماستطعت.ثم نزل. وكان بالمدائن إذ ذاك رجال من أشراف أهل المصر وبيتوتات الناس، وبها مقاتلة لا تسعها عدة، عن كان كون بأرض جوخى أو بأرض الأنبار فأقبل مطرف حين نزل حتى جلس للناس في الإيوان، وجاء حكيم بن الحارث الأزدي يمشي نحوه، وكان من وجوه الأزد وأشرافهم، وكان الحجاج قد استعمله بعد ذلك على بيت المال - فقال له: أصلحك الله! إني كنت منك نائياً حين تكلمت، وإني أقبلت نحوك لأجيبك، فوافق ذلك نزولك، إنا قد فهمنا ماذكرت لنا، أنه عهد إليك، فأرشد الله العاهد والمعهود إليه، وقد منيت من نفسك العدل، وسألت المعونة على الحق، فأعانك الله على ما نويت، إنك تشبه أباك في سرته برضا الله والناس، فقال له مطرف: هاهنا إلي؛ فأوسع له وجلس في جنبه. قال أبو مخنف: فحدثني الحصين بن يزيد انه كان من خير عامل قدم عليهم قط، أقمعه لمريب، وأشده إنكاراً للظلم، فقدم عليه بشر بن الأجدع الهمداني، ثم الثوري، وكان شاعراً فقال: إني كلفت بخود غير فاحشة ... غراء وهنانة حسانة الجيد كأنها الشمس يوم الدجن إذ برزت ... تمشي مع الآنس الهيف الأماليد سل الهوى بعلنداة مذكرة ... عنها إلى المجتدي ذي العرف والجود إلى الفتى الماجد الفياض نعرفه ... في الناس ساعة يحلى كل مردود من الأكارم أنساباً إذا نسبوا ... والحامل الثقل يوم المغرم الصيد إني أعيذك بالرحمن من نفر ... حمر السبال كأسد الغابة السود فرسان شيبان لم نسمع بمثلهم ... أبناء كل كريم النجل صنديد شدوا على ابن حصين في كتيبته ... فغادره صريعاً ليلة العيد وابن المجالد أردته رماحهم ... كأنما زل عن خوصاء صيخود وكل جمع بروذابار كان لهم ... قد فيض بالطعن بين النخل والبيد فقال له: ويحك! ما جئت إلا لترغبنا. وقد كان شبيب أقبل من ساتيدما، فكتب مطرف إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أكرمه الله أن شبيباً قد أقبل نحونا، فإن رأى الأمير أن يمدني برجال أضبط بهم المدائن فقل، فإن المدائن باب الكوفة وحصنها. فبعث إليه الحجاج بن يوسف سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف في مائتين وعبد الله بن كناز في مائتين، وجاء شبيب فأقبل حتى نزل قناطر حذيفة، ثم جاء حتى انتهى إلى كلواذا، فعبر منها دجلة، ثم أقبل حتى نزل مدينة بهرسير ومطرف بن المغيرة في المدينة العتيقة التي فيها منزل كسرى و القصر الأبيض، فلما نزل شبيب بهرسير قطع مطرف الجسر فيما بينه وبين شبيب، وبعث إلى شبيب أن ابعث إلى رجالا من صلحاء أصحابك أدارسهم القرآن، وأنظر ما تدعون إليه، فبعث إليه رجالا منهم سويد بن سليم وقعنب والمحلل بن وائل، فلما أدنى منهم المعبر وأرداوا أن ينزلوا فيه أرسل إليهم شبيب ألا تدخلوا السفينة حتى يرجع إلي رسولي من عند مطرف، وبعث إلى مطرف: أن ابعث إلي بعدة من أصحابك حتى ترد علي أصحابي، فقال لرسوله: القه فقل له: فكيف أمنك على أصحابي إذا بعثتهم الآن إليك، وأنت لا تأمنني على أصحابك! فأرسل إليه شبيب: إنك قد علمت أنا لا نستحل في ديننا الغدر، وأنتم تفعلونه وتهونونه. فسرح إليه مطرف الربيع بن يزيد الأسدي، وسليمان بن حذيفة بن هلال بن مالك المزني، ويزيد بن أبي زياد مولى المغيرة - وكان على حرس مطرف - فلما وقعوا في يديه بعث أصحابه إليه. قال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح، قال: كنت عند مطرف بن المغيرة بن شعبة فما أدري أقال: إني كنت في الجند الذين كانوا معهم، أو قال: كنت بإزائه حيث دخلت عليه رسل شبيب! وكان لي ولأخي وداً مكرماً، ولم يكن ليستر منا شيئاً، فدخلوا عليه وما عنده أحد من الناس غيري وغير أخي حلام بن صالح، وهم ستة ونحن ثلاثة، وهم شاكون في السلاح، ونحن ليس علينا إلا سيوفنا، فلما دنوا قال سويد: السلام على من خاف مقام ربه وعرف الهدى وأهله، فقال له مطرف: أجل، فسلم الله على أولئك، ثم جلس القوم، فقال لهم مطرف: قصوا على أميركم، وخبروني ماالذي تطلبون؟ وإلام تدعون؟ فحمد الله سويد بن سليم وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الذي ندعوا إليه كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفئ وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية. فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، ولا نقمتم إلا جوراً ظاهراً، أنا لكم على هذا متابع، فتابعوني إلى ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم، وتكون يدي وأيديكم واحدة، فقالوا: هات، اذكر ما تريد أن تذكر فإن يكن ما تدعون إليه حقاً نجبك؛ قال: فإني أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة العاصين على إحداثهم الذي أحدثوه، وأن ندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمرون عليهم من يرضون لأنفسهم على مثل الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب؛ فإن العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا، وكثر تبعكم منهم وأعوانكم على عدوكم، وتم لكم هذا الأمر الذي تريدون. قال: فوثبوا من عنده، وقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه أبداً، فلما مضوا فكادوا أن يخرجوا من صفة البيت التفت إليه سويد بن سليم، فقال: يا بن المغيرة لو كان القوم عداةً غدراً كنت قد أمكنتهم من نفسك، ففزع لها مطرف، وقال: صدقت وإله موسى وعيسى. قال: ورجعوا إلى شبيب فأخبروه بمقالته، فطمع فيه، وقال لهم: إن أصبحتم فليأته أحدكم؛ فلما أصبحوا بعث إليه سويداً وأمره بأمره، فجاء سويد حتى انتهى إلى باب مطرف، فكنت أنا المستأذن له، فلما دخل وجلس أردت أن أنصرف، فقال لي مطرف: اجلس فليس دونك ستر؛ فجلست وأنا يومئذ شاب أغيد، فقال له سويد: من هذا الذي ليس لك دونه ستر؟ فقال له: هذا الشريف الحسيب، هذا ابن مالك بن زهير بن جذيمة، فقال له: بخ أكرمت فارتبط، إن كان دينه على قدر حسبه فهو الكامل، ثم أقبل عليه فقال: إن لقينا أمير المؤمنين بالذي ذكرت لنا، فقال لنا: القوه فقولوا له: ألست تعلم أن إختيار المسلمين منهم خيرهم لهم فيما يرون رأي رشيد! فقد مضت به السنة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا قال لكم: نعم، فقولوا له: فإن قد اخترنا لأنفسنا أرضانا فينا، وأشدنا إضطلاعاً لما حمل، فما لم يغير ولم يبدل فهو ولي أمرنا. وقال لنا: قولوا له فيما ذكرت لنا من الشورى حين قلت: إن العرب إذا علمت أنكم إنما تريدون بهذا الأمر قريشاً كان أكثر لتبعكم منهم؛ فإن أهل الحق لا ينقصهم عند الله أن يقلوا، ولا يزيد الظالمين خيراً أن يكثروا، وإن تركنا حقنا الذي خرجنا له، ودخولنا فيما دعوتنا إليه من الشورى خطيئة وعجز ورخصة إلى نصر الظالمين ووهن، لأنا لا نرى أن قريشاً أحق بهذا الأمر من غيرها من العرب. وقال: فإن زعم أنهم أحق بهذا الأمر من غيرها من العرب فقولوا له: ولم ذاك؟ فإن قال: لقرابة محمد صلى الله عليه وسلم بهم فقولوا له: فوالله ما كان ينبغي إذاً لأسلافنا الصالحين من المهاجرين الأولين أن يتولوا على أسرة محمد، ولا على ولد أبي لهب لو لم يبقى غيرهم؛ ولو لا أنهم علموا أن خير الناس عند الله أتقاهم، وأن أولاهم بهذا الأمر أتقاهم وأفضلهم فيهم، وأشدهم اضطلاعاً بحمل أمورهم ما تولى أمور الناس. ونحن أول من أنكر الظلم وغير الجور وقاتل الأحزاب، فإن اتبعنا فله ما لنا وعليه ما علينا، وهو رجل من المسلمين وإلا يفعل، فهو كبعض من نعادي ونقاتل من المشركين. فقال له مطرف: قد فهمت ما ذكرت، ارجع يومك هذا حتى تنظر في أمرنا. فرجع، ودعا مطرف رجالاً من أهل ثقاته وأهل نصائحه؛ منهم سليمان بن حذيفة المزني، والربيع بن يزيد الأسدي. قال النضر بن صالح: وكنت أنا ويزيد بن أبي زياد مولى المغيرة بن شعبة قائمين على رأسه بالسيف، وكان على حرسه، فقال لهم مطرف: يا هؤلاء، إنكم نصحائي وأهل مودتي ومن أثق بصلاحه وحسن رأيه، والله مازلت لأعمال هؤلاء الظلمة كارهاً، أنكرها بقلبي، وأغيرها ما استطعت بفعلي وأمري، فلما عظمت خطيئتهم، ومر بي هؤلاء القوم يجاهدونهم، لم أر أنه يسعني إلا مناهضتهم وخلافهم إن وجدت أعواناً عليهم، وإني دعوت هؤلاء القوم فقلت لهم كيت وكيت، وقالوا لي كيت وكيت، فلست أرى القتال معهم، ولو تابعوني على رأيي وعلى ما وصفت لهم لخلعت عبد الملك والحجاج، ولسرت إليهم أجاهدهم . فقال له المزني: إنهم لن يتابعوك، وإنك لن تتابعهم فأخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد، وقال له الأسدي مثل ذلك، فجثا مولاه ابن أبي زياد على ركبتيه ثم قال: والله لا يخفى مما كان بينك وبينهم على الحجاج كلمة واحدة، وليزادن على كل كلمة عشرة أمثالها، والله أن لو كنت في السحاب هارباً من الحجاج ليلتمسن أن يصل إليك حتى يهلكك أنت ومن معك؛ فالنجاء النجاء من مكانك هذا، فإن أهل المدائن من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وأهل عسكر شبيب يتحدثون بما كان بينك وبين شبيب، ولا تمس من يومك هذا حتى يبلغ الخبر الحجاج؛ فاطلب داراً غير المدائن. فقال له صاحباه: ما نرى الرأي إلا كما ذكر لك، قال لهما مطرف: فما عندكما؟ قالا: الإجابه إلى ما دعوتنا إليه والمؤاساة لك بأنفسنا على الحجاج وغيره. قال: ثم نظر إلي، فقال: ما عندك؟ فقلت: قتال عدوك، والصبر معك ما صبرت، فقال لي: ذاك الظن بك. قال: ومكث حتى إذا كان في اليوم الثالث أتاه قعنب فقال له: إن تابعتنا فأنت منا، وإن أبيت فقد نابذناك، فقال: لا تعجلوا اليوم فإنا ننظر. قال: وبعث إلى أصحابه أن ارحلوا الليلة من عندي آخركم حتى توفوا الدسكرة معي لحدث حدث هنالك. ثم أجدلج وخرج أصحابه معه حتى مر بدير يزد جرد فنزله، فلقيه قبيصة بن عبد الرحمن القحافي من خثعم، فدعاه إلى صحبته، فصحبه فكساه وحمله. وأمر له بنفقة، ثم سار حتى نزل الدسكرة، فلما أراد أن يرتحل منها لم يجد بداً من أن يعلم أصحابه ما يريد، فجمع إليه رؤوس أصحابه، فذكر الله بما هو أهله وصلى على رسوله، ثم قال لهم: أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وأمر بالعدل والإحسان، وقال فيما أنزل علينا: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب " وإني أشهد الله أني قد خلعت عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، فمن أحب منكم صحبي وكان على مثل رأيي فليتابعني، فإن له الأسوة وحسن الصحبة، ومن أبى فليذهب حيث شاء، فإني لست أحب أن يتبعني من ليست له نية في جهاد أهل الجود، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى قتال الظلمة، فإذا جمع الله لنا أمرنا كان هذا الأمر شورى بين المسلمين يرتضون لأنفسهم من أحبوا. قال: فوثب إليه أصحابه فبايعوه، ثم إنه دخل رحله وبعث إلى سبر بن عبد الرحمن بن مخنف وإلى عبد الله بن كناز النهدي فاستخلاهما، ودعاهما إلى مثل ما دعا إليه عامة أصحابه، فأعطياه الرضا، فلما ارتحل انصرفا بمن معهما من أصحابه حتى أتيا الحجاج فوجداه قد نازل شبيباً، فشهدا معه وقعة شبيب. قال: وخرج مطرف بأصحابه من الدسكرة موجهاً نحو حلوان، وقد الحجاج بعث في تلك السنة سويد بن عبد الرحمن السعدي على حلوان وماسبذان؛ فلما بلغه أن مطرف بن المغيرة قد أقبل نحو أرضه عرف أنه إن رفق في أمره أو داهن لا يقبل ذلك منه الحجاج، فجمع له سويد أهل البلد والأكراد، فأما الأكراد فأخذوا عليه ثنية حلوان، وخرج إليه سويد وهو يحب أن يسلم من قتاله، وأن يعافى من الحجاج، فكان خروجه كالتعذير. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقم الخثعمي أن الحجاج بن جارية الخثعمي حين سمع بخروج مطرف من المدائن نحو الجبل أتبعه في نحو من ثلاثين رجلا من قومه وغيرهم. قال: وكنت فيهم فلحقناه بحلوان، فكنا ممن شهد معه قتال سويد بن عبد الرحمن. قال أبو مخنف: وحدثني بذلك أيضاً النضر. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن علقمة. قال: ما هو إلا أن قدمنا على مطرف بن المغيرة، فسر بمقدمنا عليه. وأجلس الحجاج ابن جارية معه على مجلسه. قال أبو مخنف: وحدثني النضر بن صالح. وعبد الله بن علقمة، أن سويداً لما خرج إليهم بمن معه وقف في الرجال ولم يخرج بهم من البيوت، وقدم ابنه القعقاع في الخيل، وما خيله يومئذ بكثير. قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح: أراهم كانوا مائتين، وقال ابن علقمة: أراهم كانوا ينقصون عن الثلثمائة. قال: فدعا مطرف الحجاج بن جارية فسرحه إليهم في نحو من عدتهم، فأقبلوا نحو القعقاع وهم جادون في قتاله، وهم فرسان متعالمون، فلما رآهم سويد قد تيسروا نحو ابنه أرسل إليهم غلاماً يقال له رستم - قتل معه بعد ذلك بدير الجماجم - وفي يده راية بني سعد، فانطلق وغلامه حتى انتهى إلى الحجاج بن جارية، فأسر إليه: إن كنتم تريدون الخروج من بلادنا هذه إلى غيرها فاخرجوا عنا، فإنا لا نريد قتالكم، وإن كنتم إيانا تريدون فلا بد من منع ما في أيدينا. فلما جاءه بذلك قال له الحجاج بن جارية: إئت أميرنا فاذكر له ماذكرت لي، فخرج حتى أتى مطرفاً فذكر له مثل الذي ذكر للحجاج بن جارية، فقال له مطرف: ما أريدكم ولا بلادكم، فقال له: فالزم هذا الطريق حتى تخرج من بلادنا، فإنا لا نجد بداً من أن يرى الناس وتسمع بذلك أنا قد خرجنا إليك. قال: فبعث مطرف إلى الحجاج فأتاه، ولزموا الطريق حتى مروا بالثنية فإذا الأكراد بها، فنزل مطرف ونزل معه عامة أصحابه وصعد إليهم في الجانب الأيمن الحجاج بن جارية، وفي الجانب الأيسر سليمان بن حذيفة، فهزماهم وقتلاهم، وسلم مطرف وأصحابه فمضوا حتى دنوا من همذان، فتركها وأخذ ذات اليسار إلى ما دينار، وكان أخوه حمزة بن المغيرة على همذان، فكره أن يدخلها فيتهم أخوه عند الحجاج، فلما دخل مطرف أرض ماه دينار كتب إلى أخيه حمزة: أما بعد، فإن النفق قد كثرت والمؤنة قد اشتدت، فامدد أخاك بما قدرت عليه من مال وسلاح. وبعث إليه يزيد بن أبي زياد مولى المغيرة بن شعبة، فجاء حتى دخل على حمزة بكتاب مطرف ليلاً، فلما رآه قال له: ثكلتك أمك! أنت قتلت مطرفاً؟ فقال له: ما أنا قتلته جعلت فداك! ولكن مطرفاً قتل نفسه وقتلني، وليته لا يقتلك، فقال له: ويحك! من سول له هذا الأمر! فقال: نفسه سولت هذا له. ثم جلس إليه فقص عليه القصص، وأخبره بالخبر، ودفع كتاب مطرف إليه، فقرأه ثم قال: نعم، وأنا باعث إليه بمال وسلاح، ولكن أخبرني ترى ذلك يخفى لي؟ قال: ما أظن أن يخفى، فقال له حمزة: فوالله لئن أنا خذلته في أنفع النصرين له نصر العلانية، لا أخذله في أيسر النصرين نصر السريرة. قال: فسرح إليه مع يزيد بن أبي زياد بمال وسلاح، فأقبل به حتى أتى مطرفاً ونحن نزول في رستاق من رساتيق ماه دينار، يقال له: سامان متاخم أرض أصبهان، وهو رستان كانت الحمراء تنزله. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح، قال: والله ما هو إلا أن مضى يزيد بن أبي زياد، فسمعت أهل العسكر يتحدثون أن الأمير بعث إلى أخيه يسأله النفقة والسلاح، فأتيت مطرفاً فحدثته بذلك ، فضرب بيده على جبهته ثم قال: سبحان الله! قال الأول: ما يخفى إلا ما لا يكون، قال: وما هو إلا أن قدم يزيد بن أي زياد علينا. فسار مطرف بأصحابه حتى نزل قم وقاشان وأصبهان. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الله بن علقمة أن مطرفاً حين نزل قم وقاشان واطمئن، دعا الحجاج بن جارية فقال له: حدثني عن هزيمة شبيب يوم السبخة أكانت وأنت شاهدها، أم كنت خرجت قبل الوقعة؟ قال : لا. بل شهدتها؛ قال: فحدثني حديثهم كيف كان؟ فحدثه، فقال: إني كنت أحب أن يظفر شبيب وإن كان ضالاً فيقتل ضالاً. قال: فظننت أنه تمنى ذلك لأنه كان يرجوا أن يتم له الذي يطلب لو هلك الحجاج، قال: ثم إن مطرفاً بعث عماله. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح أن مطرفاً عمل عملاً حازماً لو لا أن الأقدار غالبة. قال: كتب مع الربيع بن يزيد إلى سويد ابن سرحان الثقفي، وإلى بكير بن هارون البجلي: أما بعد، فإنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى جهاد من عند عن الحق، واستأثر بالفئ، وترك حكم الكتاب، فإذا ظهر الحق ودمغ الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، جعلنا هذا الأمر شورى بين الأمة يرتضي المسلمون لأنفسهم الرضا، فمن قبل هذا منا كان أخانا في ديننا. وولينا في محيانا ومماتنا، ومن رد ذلك علينا جاهدناه واستنصرنا الله عليه فكفى بنا عليه حجة، وكفى بتركه الجهاد في سبيل الله غبناُ، وبمداهنة الظالمين في أمر الله وهناً! إن الله كتب القتال على المسلمين وسماه كرهاً، ولن ينال رضوان الله إلا بالصبر على أمر الله، وجهاد أعداء الله، فأجيبوا رحمتكم الله إلى الحق. وادعوا إليه من ترجون إجابته، وعرفوه ما لا يعرفه، وليقبل إلى كل من رأى رأينا، وأجاب دعوتنا، ورأى عدوه عدونا. أرشدنا الله وإياكم، وتاب علينا وعليكم، إنه هو التواب الرحيم. والسلام. فلما قدم الكتاب على ذينك الرجلين دباً في رجال من أهل الري ودعوا من تابعهما، ثم خرجا في نحو من مائة من أهل الري سراً لا يفطن بهم، فجاءوا حتى وافوا مطرفاً. وكتب البراء بن قبيصة، وهو عامل الحجاج على أصبهان: أما بعد، فإن كان للأمير أصلحه الله حاجة في أصبهان فليبعث إلى مطرف جيشاً كثيفاً يسأصله ومن معه، فإنه لا تزلا عصابة قد انتفحت له من بلدة من البلدان حتى توافيه بمكانه الذي هو به، فإنه قد استكشف وكثر تبعه، والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، إذا أتاك رسولي فعسكر بمن معك، فإذا مر بك عدي ابن وتاد فاخرج معه في أصحابك، واسمع له وأطع. والسلام. فلما قرأ كتابه خرج فعسكر، وجعل الحجاج بن يوسف يسرح إلى البراء بن قبيصة الرجال على دواب البريد عشرين عشرين. وخمسة عشر خمسة عشر، وعشرة وعشرة، حتى سرح إليه نحواً من خمسمائة، وكان في ألفين. وكان الأسود بن سعد الهمذاني أتى الري في فتح الله على الحجاج يوم لقي شبيباً بالسبخة، فمر بهمذان والجبال، ودخل على حمزة فاعتذر إليه، فقال الأسود: فأبلغت الحجاج عن حمزة، فقال: قد بلغني ذاك، وأراد عزله، فخشي أن يمكر به، وأن يمتنع منه، فبعث إلى قيس بن سعيد العجلي - وهو يومئذ على شرطة حمزة بن المغيرة ولبني عجل وربيعة عدد بهمذان - فبعث إلى قيس بن سعد بعهده على همذان،وكتب إليه أن أوثق حمزة ابن المغيرة في الحديد، واحبسه قبلك حتى يأتيك أمري. فلما أتاه عهده وأمره أقبل ومعه ناس من عشيرته كثير، فلما دخل المسجد وافق الإقامة لصلاة العصر. فصلى حمزة، فلما انصرف حمزة انصرف معه قيس بن سعد العجلي صاحب شرطة، فأقرأه كتاب الحجاج إليه، وأراه عهده، فقال حمزة. سمعاً وطاعةً؛ فأوثقه وحبسه في السجن، وتولى أمر همذان، وبعث عماله عليها، وجعل عماله كلهم من قومه؛ وكتب إلى الحجاج: أما بعد، فإني أخبر الأمير أصلحه الله، أني قد شددت حمزة بن المغيرة في الحديد، وحبسته في السجن وبعث عمالي على الخراج، ووضعت يدي في الجباية، فإن رأي الأمير أبقاه الله أن يأذن لي في المسير إلى مطرف أذن لي حتى أجاهده في قومي، ومن أطاعني من أهل بلادي؛ فإني أرجو أن يكون الجهاد أعظم أجراً من جباية الخراج. والسلام. فلما قرأ الحجاج كتابه ضحك ثم قال: هذا جانب آثراً ما قد أمناه. وقد كان حمزة بهمذان أثقل ما خلق الله على الحجاج مخافة أن يمد أخاه بالسلاح والمال، ولا يدري لعله يبدو له فيعق، فلم يزل يكيده حتى عزله؛ فاطمأن وقصد قصد مطرف. قال أبو مخنف: فحدثني مطرف بن عامر بن واثل أن الحجاج لما قرأ كتاب قيس بن سعد العجلي وسمع قوله: إن أحب الأمير سرت إليه حتى أجاهده في قومي، قال: ما أبغض إلى أن تكثر العرب في أرض الخراج. قال: فقال لي ابن الغرق: ما هو إلا أن سمعتها من الحجاج فعلمت أنه لو قد فرغ له قد عزله. قال: وحدثني النضر بن صالح أن الحجاج كتب إلى عدي بن وتاد الإيادي وهو على الري يأمره بالمسير إلى مطرف بن المغيرة وبالممر على البراء ابن قبيصة، فإذا اجتمعوا فهو أمير الناس. قال أبو مخنف: وحدثني أبي عند عبد الله بن زهير، عن عبد الله بن سليم الأزدي، قال: إني لجالس مع عدي بن وتاد على مجلسه بالري إذ أتاه كتاب الحجاج، فقرأه ثم دفعه إلي، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فانهض بثلاثة أرباع من معك من أهل الري، ثم أقبل حتى تمر بالبراء بن قبيصة بجي، ثم سيرا جميعاً، فإذا لقيتهما فأنت أمير الناس حتى يقتل الله مطرفاً، فإذا كفى الله المؤمنين مؤنته فانصرف إلى عملك في كنف من الله وكلاءته وستره، فلما قرأته قال لي: قم وتجهز. قال: وخرج فعسكر، ودعا الكتاب فضربوا البعث على ثلاثة أرباع الناس، فما مضت جمعة حتى سرنا فانتهينا إلى جي، ويوافينا بها قبيص القحافي تسعمائة من أهل الشام، فيهم عمر بن هبيرة، قال: ولم نلبث بجي إلا يومين حتى نهض عدي بن وتاد بمن أطاعه من الناس ومعه ثلاثة آلاف مقاتل من أهل الري وألف مقاتل مع البراء بن قبيص بعثهم إليه الحجاج من الكوفة، وسبعمائة من أهل الشام، ونحو ألف رجل من أهل أصبهان والأكراد، فكان في قريب من ستة آلاف مقاتل، ثم أقبل حتى دخل على مطرف بن المغيرة. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح، عن عبد الله بن علقمة. أن مطرفاً لما بلغه مسيرهم إليه خندق على أصحابه خندقاً، فلم يزالوا فيه حتى قدموا عليه. قال أبو مخنف: وحدثني يزيد مولى عبد الله بن زهير، قال: كنت مع مولاي إذ ذاك؛ قال: خرج عدي بن وتاد فعبى الناس، فجعل على ميمنته عبد الله بن زهير، ثم قال للبراء بن قبيصة: قم في الميسرة، فغضب البراء، وقال: تأمرني بالوقوف في الميسرة وأن أمير مثلك! تلك خيلي في الميسرة، وقد بعثت عليها فارس مصر الطفيل بن عامر بن واثلة، قال: فأنهي ذلك إلى عدي بن وتاد، وقال لابن أقيصر الخثعمي: إنطلق فأنت على الخيل، وانطلق إلى البراء بن قبيص فقل له: إنك قد أمرت بطاعتي، ولست من الميمنة والميسرة والخيل والرجالة في شئ، إنما عليك أن تؤمر فتطيع، ولا تعرض لي في شئ أكرهه فأتنكر لك - قد كان له مكرماً. ثم إن عدياً بعث على الميسرة عمر بن هبيرة، وبعث في مائة من أهل الشام، فجاء حتى وقف برايته، فقال رجل من أصحابه للطفيل بن عامر: خل رايتك وتنح عنا، فإنما نحن أصحاب هذا الموقف، فقال الطفيل: إني لا أخاصمكم، إنما عقد لي هذه الراية البراء من قبيصة، وهو أميرنا، وقد علمنا أن صاحبكم على جماعة الناس، فإن كان قد عقد لصاحبكم هذا فبارك الله له، ما أسمعنا وأطوعنا! فقال لهم عمر بن هبيرة: مهلاً، كفوا عن أخيكم وابن عمكم، رايتنا رايتك، فإن شئت آثرناك بها. قال: فما رأينا رجلين كانا أحلم منهما في موقفهما ذلك. قال: ونزل عدي بن وتاد ثم زحف نحو مطرف. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح وعبد الله بن علقمة أن مطرفاً بعث على ميمنته الحجاج بن جارية، وعلى ميسرته الربيع بن يزيد الأسدي، وعلى الحامية سليمان بن صخر المزني، ونزل هو يمشي في الرجال، ورأيته مع يزيد بن أبي زياد مولى أبيه المغيرة بن شعبة. قال: فلما زحف القوم بعضهم إلى بعض وتدانوا قال لبكير بن هارون البجلي: اخرج إليهم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وبكتم بأعماله الخبيثة. فخرج إليهم بكير بن هارون على فرس لهم أدهم أرح ذنوب عليه الدرع والمغفر والساعدان، في يده الرمح، شد درعه بعصابة حمراء من حواشي البرود، فنادى بصوت عال رفيع: يا أهل قبلتنا، وأهل ملتنا، وأهل دعوتنا، إنا نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي علمه بما تسرون مثل علمه بما تعلنون لما أنصفتمونا وصدقتمونا، وكانت نصيحتكم لله لا لخلقه، وكنتم شهداء لله على عباده بما يعلمه الله من عباده. خبروني عن عبد الملك بن مروان، وعب الحجاج بن يوسف، ألستم تعلمونهما جبارين مستأثرين يتبعان الهوى، فيأخذان بالظنة، ويقتلان على الغضب. قال: فتنادوا من كل جانب: يا عدو الله كذبت، ليسا كذلك، فقال لهم: ويلكم " لا تفترون على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " ويلكم، أو تعلمون من الله ما لا يعلم، إني قد استشهدتكم وقد قال الله في الشهادة: " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " . فخرج إليه صارم مولى عدي بن وتاد وصاحب رايته، فحمل على بكير ابن هارون البجلي، فاضربا بسيفهما، فلم تعمل ضربة مولى عدي شيئاً، وضربه بكير بالسيف فقتله، ثم استقدم، فقال: فارس لفارس، فلم يخرج إليه أحد، فجعل يقول: صارم قد لاقيت سيفاً صارماً ... وأسداً ذا لبدة ضارماً قال: ثم إن الحجاج بن جارية حمل وهو في الميمنة على عمر بن هبيرة وهو في الميسرة، وفيها الطفيل بن عامر بن واثلة، فالتقى هو والطفيل - وكانا صديقين متؤاخيين - فتعارفا، وقد رفع كل منهما السيف على صاحبه، فكفا أيديهما، واقتتلوا طويلاً، ثم إن ميسرة عدي بن وتاد زالت غير بعيد، وانصرف الحجاج بن جارية إلى موقفه. ثم إن الربيع بن يزيد حمل على عبد الله بن زهير، فاقتتلوا طويلاً، ثم إن جماعة الناس حملت على الأسدي فقتلته، وانكشف ميسرة مطرف ابن المغيرة حتى انتهت إليه. ثم إن عمر بن هبيرة حمل على الحجاج بن جارية وأصحابه فقاتله قتالاً طويلاً، ثم إنه حذره حتى اتنهى إلى مطرف، وحمل ابن أقيصر الخثعمي في الخيل على سليمان بن صخر المزني فقتله، وانكشف خيلهم، حتى انتهى إلى مطرف، فثم اقتتلت الفرسان أشد قتال رآه الناس قط، ثم إنه وصل إلى مطرف. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح أنه جعل يناديهم يومئذ: " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون " . قال: ولم يزل يقاتل حتى قتل، واحتز رأسه عمر بن هبيرة، وذكر أنه قتله، وقد كان أسرع إليه غير واحد، غير أن ابن هبيرة احتز رأسه وأوفده إلى عدي بن وتاد وحظي به، وقاتل عمر بن هبيرة يومئذ وأبلى بلاء حسناً. قال أبو مخنف: وقد حدثني حكيم بن أبي سفيان الأزدي أنه قتل يزيد بن زياد مولى المغيرة بن شعبة، وكان صاحب راية مطرف. قال: ودخلوا عسكر مطرف، وكان مطرف قد جعل على عسكره عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف الأزدي، فقتل، وكان صالحاً ناسكاً عفيفاً. أبو مخنف: حدثني زيد مولاهم أنه رأى رأساً مع ابن أقيصر الخثعمي، فما ملكت نفسي أن قلت له: أما والله قد قتلته من المصلين العابدين الذاكرين الله كثيراً. قال: فأقبل نحوي وقال: من أنت ؟ فقال له مولاي: هذا غلامي ماله؟ قال: فأخبره بمقالتي؛ فقال إنه ضعيف العقل؛ قال: ثم انصرفنا إلى الري بن عدي بن وتاد. قال: وبعث رجالاً من أهل البلاء إلى الحجاج، فأكرمهم وأحسن إليهم. قال: ولما رجع إلى الري جاءت بجيلة إلى عدي بن وتاد فطلبوا لبكير بن هارون الأمان فآمنه، وطلبت ثقيف لسويد بن سرحان الثقفي الأمان فآمنه، وطلبت في كل رجل كان مع مطرف عشيرته، فآمنهم وأحسن في ذلك، وقد كان رجال مكن أصحاب مطرف أحيط بهم في عسكر مطرف، فنادوا: يا براء، خذ لنا الأمان، يا براء، اشفع لنا. فشفع لهم، فتركوا، وأسر عدي ناساً كثيراً فخلى عنهم. قال أبو مخنف: فحدثني النضر بن صالح أنه أقبل حتى قدم على سويد بن عبد الرحمن بحلوان، فأكرمه وأحسن إليه، ثم إنه انصرف بعد ذلك إلى الكوفة. قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن علقمة أن الحجاج بن جارية الخثعمي أتى الري وكان مكتبه بها، فطلب إلى عدي فيه، فقال: هذا رجل مشهور قد شهر مع صاحبه، وهذا كتاب الحجاج إلى فيه. قال أبو مخنف: فحدثني أبي عن عبد الله بن زهير، قال: كنت فيمن كلمه في الحجاج بن جارية، فأخرج إلينا كتاب الحجاج بن يوسف: أما بعد: فإن كان الله قتل الحجاج بن جارية فبعداً له. فذاك ما هو أهوى وأحب؛ وإن كان حياً فاطلبه قبلك حتى توثقه، ثم سرح به إلى إن شاء الله. والسلام. قال: فقال لنا: قد كتب إلي فيه، ولابد من السمع والطاعة، ولو لم يكتب إلي فيه آمنته لكم، وكففت عنه فلم أطلبه. وقمنا من عنده. قال: فلم يزل الحجاج بن جارية خائفاً حتى عزل عدي بن وتاد، وقدم خالد ابن عتاب بن ورقاء، فمشيت إليه فيه، فكلمته فآمنته. وقال حبيب بن خدرة مولى لبنى هلال بن عامر: هل أتى فائد عن أيسارنا ... إذ خشينا من عدو خرقا إذ أتاني الخوف من مأمننا ... فطوينا في سواد أفقا وسلي هدية يوم هل رأيت ... بشراً أكرم منا خلقا! وسليها أعلى العهد لنا ... أو يصيرون علينا حنقا! ولكم من خلة من قبلها ... قد صرمنا حبلها فانطلقا قد أصبنا العيش عيش ناعماً ... وأصبنا العيش عيشاً رنقا وأصبت الدهر دهراً اشتهى ... طبقاً منه وألوى طبقا وشهدت الخيل في ملومة ... ما ترى منهن إلا الحدقا يتساقون بأطراف القنا ... من نجيع الموت كأسا دهقا فطراد الخيل قد يؤنقني ... ويرد اللهو عني الأنقا بمشيح البيض حتى يتركوا ... لسيوف الهند فيها طرقا فكأني من غد وافقتها ... مثل ما وافق شن طبقا ذكر الخبر عن وقوع الخلاف بين الأزارقة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين الأزارقة أصحاب قطري بن الفجاءة، فخالفه بعضهم واعتزله، وبايع عبد ربه الكبير، وأقام بعضهم على بيعة قطري. ذكر الخبر عن ذلك، وعن السبب الذي من أجله حدث الأختلاف بينهم حتى صار أمرهم إلى الهلاك: ذكر هشام عن أبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، أن المهلب أقام بسابور فقاتل قطرياً وأصحابه من الأزارقة بعدما صرف الحجاج عتاب بن ورقاء عن عسكره نحواً من سنة. ثم إنه زاحفهم يوم البستان فقاتلهم قتالاً شديداً، وكانت كرمان في أيدي الخوارج، وفارس في يد المهلب، فكان قد ضاق عليهم مكانهم الذي هم به، لا يأتيهم من فارس مادة، وبعدت ديارهم عنهم، فخرجوا حتى أتوا كرمان وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت - وجيرفيت مدينة كرمان - فقاتلهم بها أكثر من سنة قتالاً شديداً. وحازهم عن فارس كلها، فلما صارت فارس كلها في يد المهلب بعث الحجاج عليها عماله وأخذها من المهلب، فبلغ ذلك عند عبد الملك، فكتب إلى الحجاج: أما بعد، فدع بيد المهلب خراج جبال فارس، فإنه لا بد للجيش من قوة، ولصاحب الجيش من معونة، ودع له كورة فساودرابجرد. وكورة إصطخر. فتركها للمهلب، فبعث المهلب عليها عماله، فكانت له قوة على عدوه وما يصلحه، ففي ذلك يقول الشاعر الأزد وهو يعاتب المهلب: نقاتل عن قصور درابجرد ... ونجبي للمغيرة والرقاد وكان الرقاد بن زياد بن همام - رجل من العتيك - كريماً على المهلب، وبعث الحجاج إلى المهلب البراء بن قبيصة. وكتب إلى المهلب: أما بعد، فإنك والله لو شئت فيما أرى لقد اصطلمت هذه الخارجة المارقة، ولكنك تحب طول بقائهم لتأكل الأرض حولك. وقد بعثت إليك البراء بن قبيصة لينهضك إليهم، فانهض إليهم إذا قدم عليك بجميع المسلمين، قم جاهدهم أشد الجهاد. وإياك والعلل والأباطيل، والأمور التي ليست لك عندي بسائغة ولا جائزة؛ والسلام. فأخرج المهلب بنيه؛ كل ابن له في كتيبة، وأخرج الناس على راياتهم ومصافهم وأخماسهم، وجاء البراء بن قبيصة فوقف على تل قريب منهم حيث يراهم. فأخذت الكتائب تحمل على الكتائب، والرجال على الرجال، فيقتلون أشد قتال رآه الناس من صلاة الغداة إلى انتصاف النهار، ثم انصرفوا. فجاء البراء بن قبيصة إلى المهلب فقال له: لا والله ما رأيت كبنيك فرساناً قط، ولا كفرسانك من العرب فرساناً قط، ولا رأيت مثل قوم يقاتلونك قط أصبر ولا أبأس، أنت والله المعذور. فرجع بالناس المهلب، حتى إذا كان عند العصر خرج إليهم بالناس وبنيه في كتائبهم، فقاتلوه كقتالهم في أول مرة. قال أبو مخنف: وحدثني أبو المغلس الكناني، عن عمه أبي طلحة، قال: خرجت كتيبة من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا، فاشتد بينهما القتال، فأخذت كل واحدة منهما لا تصد عن الأخرى، فاقتتلتا حتى حجز الليل بينهما، فقالت إحداهما للأخرى: ممن أنتم؟ فقال هؤلاء: نحن من بني تميم؛ وقال هؤلاء: نحن من بني تميم؟ فانصرفوا عند المساء، قال المهلب للبراء: كيف رأيت؟ قال: رأيت قوماً والله ما يعينك عليهم إلا الله. فأحسن إلى البراء بن قبيصة وأجازه. وحمله وكساه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، ثم انصر إلى الحجاج فآتاه بعذر المهلب، وأخبره بما رأى، وكتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد، فقد آتاني كتاب الأمير أصلحه الله. واتهامه إياي في هذه الخارجة المارقة، وأمرني الأمير بالنهوض إليهم، وإشهاد رسوله ذلك، وقد فعلت، فليسأله عما رأى، فأما أنا فوالله لو كنت أقدر على استئصالهم وإزالتهم عن مكانهم ثم أمسكت عن ذلك لقد غششت المسلمين، وما وفيت لأمير المؤمنين، ولا نصحت للأمير - أصلحه الله - فمعاذ الله أن يكون هذا من رأيي، ولا مما أدين الله به، والسلام. ثم إن الهلب قاتلهم بها ثمانية عشر شهراً لا يستقل منهم شيئاً، ولا يرى في موطن ينقعون له ولمن معه من أهل العراق من الطعن والضرب ما يردعونهم به ويكفونهم عنهم. ثم إن رجلاً منهم كان عاملاً لقطرى على ناحية من كرمان خرج في سرية لهم يدعى المقعطر من بني ضبة، فقتل رجلاً قد كان ذا بأس من الخوارج، ودخل منهم في ولاية، فقتله المقعطر، فوثبت الخوارج إلى قطرى، فذكروا له ذلك، وقالوا: أمكنا من الضبي نقتله بصاحبنا، فقال لهم: ما أرى أن أفعل! رجل تأول فأخطأ في التأويل ما أرى أن تقتلوه، وهو من ذوي الفضل منكم، والسابقة فيكم، قالوا: بلى! قال لهم: لا، فوقع الاختلاف بينهم، فولوا عبد ربه الكبير، وخلعوا قطرياً، وبايع قطرياً منهم عصابة نحواً من ربعهم أو خمسهم، فقاتلهم نحواً من شهر غدوة وعشية. فكتب بذلك المهلب إلى الحجاج: أما بعد، فإن الله قد ألقى بأس الخوارج بينهم، فخلع عظمهم قطرياً وبايعوا عبد رب، وبقيت عصابة منهم مع قطري، فهم يقاتل بعضهم بعضأ غدواً وعشياً، وقد رجزت أن يكون ذلك من أمرهم سبب هلاكهم إن شاء الله! والسلام. فكتب إليه: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه اختلاف الخوارج بينها، فإذا آتاك كتابي هذا فناهضهم على حال اختلافهم وافتراقهم قبل أن يجتمعوا، فتكون مأونتهم عليك أشد، والسلام. فكتب إليه: أما بعد، فقد بلغني كتاب الأمير، وكل ما فيه قد فهمت، ولست أرى أن أقاتلهم ما داموا يقتل بعضهم بعضاً، وينقص بعضهم عدد بعض، فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضاً. فأناهضهم على تفئة ذلك، وهم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة، إن شاء الله، والسلام. فكف عنه الحجاج، وتركهم المهلب يقتتلون شهراً لا يحركهم. ثم إن قطرياً خرج بمن اتبعه نحو طبرستان. وبايع عامتهم عبد ربه الكبير، فنهض إليهم المهلب، فقاتلوه قتالاً شديداً. ثم إن الله قتلهم فلم ينج منهم إلا قليل، وأخذ عسكرهم وما فيه وسبوا، لأنهم كانوا يسبون المسلمين. وقال كعب الأشقري - والأشقر بطن من الأزد - يذكر يوم رامهرمز، وأيام سابور. وأيام جيرفت: يا حفص إن عداني عنكم السفر ... وقد أرقت فآذى عيني السهر علقت يا كعب بعد الشيب غانية ... والشيب فيه عن الأهواء مزدجر أممسك أنت عنها بالذي عهدت ... أم حبلها إذ نأتك اليوم منبتر علقت خوداً بأعلى الطف منزلها ... في غرفة دونها الأبواب والحجر درماً مناكبها ريا مآكمها ... تكاد إذ نهضت بالمشي تنبتر وقد تركت بشط الزابيين لها ... داراً بها يسعد البادون والحضر واخترت داراً بها حي أسر بهم ... ما زال فيهم لمن تختارهم خير لما نيت بي بلادي سرت منتجعاً ... وطالب الخير مرتاد ومنتظر أبا سعيد فإني جئت منتجعاً ... أرجو نوالك لما مسني الضرر لولا المهلب ما زرنا بلادهم ... ما دامت الأرض فيها الماء والشجر فما من الناس من حي علمتهم ... إلا يرى فيهم من سيبكم أثر أحييتهم بسجال من نداك كما ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر إني لأرجو إذا ما فاقه نزلت ... فضلا من الله في كفيك يبتدر فاجبر أخاً لك أوهى الفقر قوته ... لعله بعد وهي العظم ينجبر جفا ذوو نسبي عني وأخلقني ... ظني فلله دري كيف آتمر يا واهب القينة الحسناء سنتها ... كالشمس هر كولة في طرفها فتر وما تزال بدور منك رائحة ... وآخرون لهم من سيبك الغرر نماك للمجد أملاك ورثتهم ... شم العرانين في أخلاقهم يسر ثاروا بقتلى وأوتار تعددها ... في حين لاحدث في الحرب يتئر واستسلم الناس إذ حل العدو بهم ... فما لأمرهم ورد ولا صدر وما تجاوز باب الجسر من أحد ... وعضت الحرب أهل المصر فانجحروا وأدخل الخوف أجواف البيوت على ... مثل النساء رجال ما بهم غير واشتدت الحرب والبلوى وحل بنا ... أمر تشمر في أمثاله الأزر نظل من دون خفض معصمين بهم ... فشمر الشيخ لما أعظم الخطر كنا نهون قبل اليوم شأنهم ... حتى تفاقم أمر كان يحتقر لما وهنا وقد حلوا بساحتنا ... واستنفر الناس تارات فما نفروا نادى امرؤ لا خلاف في عشيرته ... عنه وليس به في مثله قصر أفشى هنالك مما كان مذ عصروا ... فيهم صنائع مما كان يدخر تلبسوا لقراع الحرب بزتها ... فأصبحوا من وراء الجسر قد عبروا ساروا بألوية للمجد قد رفعت ... وتحتهن ليوث في الوغى وقر حتى إذا خلفوا الأهواز واجتمعوا ... برامهرمز وافاهم بها الخبر نعي بشر فجال اليوم وانصدعوا ... إلا بقايا إذا ما ذكروا ذكروا ثم استمر بنا راض ببيعته ... ينوي الوفاء ولم نغدر كما غدروا حتى اجتمعنا بسابور الجنود وقد ... شبت لنا ولهم نار لها شرر نلقي مساعير أبطالاً كأنهم ... جن نقارعهم ما مثلهم بشر نسقى ونسقيهم سماً على حنق ... مستأنفي الليل حتى أسفر السحر قتلى هنالك لا عقل ولا قود ... منا ومنهم دماء سفكها هدر حتى تنحوا لنا عنها تسوقهم ... منا ليوث إذا ما أقدموا جسروا لم يغن عنهم غداة التل كيدهم ... عند الطعان ولا المكر الذي مكروا باتت كتائبنا تردى مسومةً ... حول المهلب حتى نور القمر هناك ولوا حزاناً بعدما فرحوا ... وحال دونهم الأنهار والجدر عبوا جنودهم بالسفح إذ نزلوا ... بكازرون فما عزوا ولا ظفروا وقد لقوا مصدقاً منا بمنزلة ... ظنوا بأن ينصروا فيها فما نصروا بدشت بارين يوم الشعب إذ لحقت ... أسد بسفك دماء الناس قد زئروا لاقوا كتائب لا يخلون ثغرهم ... فيهم على من يقاسي حربهم صعر المقدمين إذ ما خيلهم وردت ... والعاطفين إذا ما ضيع الدبر وفي جبيرين إذ صفوا بزحفهم ... ولوا خزايا وقد فلوا وقد قهروا والله ما نزلوا يوماً بساحتنا ... إلا أصابهم من حربنا ظفر ننفيهم با لقنا عن كل منزلة ... تروح منا مساعير وتبتكر ولوا حذاراً وقد هزوا أسنتنا ... نحو الحروب فما نجاهم الحذر صلت الجبين طويل الباع ذو فرح ... ضخم الدسيعة لا وان ولا غمر مجرب الحرب ميمون نقيبته ... لا يستخف ولا من رأيه البطر وفي ثلاث سنين يستديم بنا ... يقارع الحرب أطواراً ويأتمر يقول إن غداً مبد لناظره ... وفي الليالي وفي الأيام معتبر دعوا التتابع والإسراع وارتقبوا ... إن المحارب يستأني وينتظر حتى أتته أمور عندها فرج ... وقد تبين ما يأتي وما يذر لما زواهم إلى كرمان وانصدعوا ... وقد تقاربت الآجال والقدر سرنا إليهم بمثل الموج وازدلفوا ... وقبل ذلك كانت بيننا مئر وزادنا حنقاً قتلى نذكرها ... لا تستفيق عيون كلما ذكروا إذا ذكرنا جروزاً والذين بها ... قتلى مضى لهم حولان ما قبروا تأتي علينا حزازات النفوس فما ... نبقي عليهم وما يبقون إن قدروا ولا يقيلوننا في الحرب عثرتنا ... ولا نقيلهم يوماً إذا عثروا لا عذر يقبل منا دون أنفسنا ... ولا لهم عندنا عذر لو اعتذروا صفان بالقاع كالطودين بينهما ... كالبرق يلمع حتى يشخص البصر على بصائر كل غير تاركها ... كلا الفريقين تتلى فيهم السور يمشون في البيض والأبدان إذ وردوا ... مشي الزوامل تهدي صفهم زمر وشيخنا حوله منا ململمة ... حي من الأزد فيما نابهم صبر في موطن يقطع الأبطال منظره ... تشاط فيه نفوس حين تبتكر مازال منا رجال ثم نضربهم ... بالمشرفي ونار الحرب تستعر وباد كل سلاح يستعان به ... في حومة الموت إلا الصارم الذكر ندوسهم بعناجيج مجففة ... وبيننا ثم من صم القنا كسر يغشين قتلي وعقري ما بها رمق ... كأنما فوقها الجادي يعتصر قتلى بقتلى قصاص يستقاد بها ... تشفي صدور رجال طالما وتروا مجاوين بها خيلاُ معقرة ... للطير فيها وفي أجسادهم جزر في معرك تحسب القتلى بساحته ... أعجاز نخل زفته الريح ينعقر وفي مواطن قبل اليوم قد سلفت ... قد كان للأزد فيها الحمد والظفر في كل يوم تلاقى الأزد مفظعةً ... يشيب في ساعة من هولها الشعر والأزد قومي خيار القوم قد علنوا ... إذا قرومهم يوم الوغى خطر فيهم معاقل من عز يلاذ بها ... يوماً إذا شمرت حرب لها درر حي بأسيافهم يبغون مجدهم ... إن المكارم في المكروه تبتدر لولا المهلب للجيش الذي وردوا ... أنهار كرمان بعد الله ما صدروا إن اعتصمنا بحبل الله إذ جحدوا ... بالمحكمات ولم نكفر كما كفروا جاروا عن القصد والإسلام واتبعوا ... ديناً يخالف ما جاءت به النذر قالت طفيل بن عامر بن واثلة وهو يذكر قتل عبد ربه الكبير وأصحابه، ذهاب قطري في الأرض واتباعهم إياه ومراوغته إياهم: لقد مس منا عبد رب وجنده ... عقاب فأمسى سبيهم في المقاسم سما لهم بالجيش حتى أزاحهم ... بكرمان عن مثوى من الأرض ناعم وما قطري الكفر إلا نعامة ... طريد يدوي ليله غير نائم إذا فر منا هارب كان وجهه ... طريقاً سوى قصد الهدى والمعالم فليس بمنجيه الفرار وإن جرت ... به الفلك في لج من البحر دائم ذكر الخبر عن هلاك قطري وأصحابه قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت هلكة قطري وعبيدة بن هلال وعبد رب الكبير ومن كان معهم من الأزارقة ذكر سبب مهلكهم : وكان سبب ذلك أن أمر الذين ذكرنا خبرهم من الأزارقة لما تشتت بالاختلف الذي حدث بينهم بكرمان فصار بعضهم مع عبد ربه الكبير وبعضهم مع قطري ووهي أمر قطري، توجه يريد طبرستان، وبلغ أمره الحجاج، فوجه - فيما ذكر هشام عن أبي مخنف. عن يونس بن يزيد - سفيان بن الأبرد، ووجه معه جيشاً من أهل الشام عظيماً في طلب قطري، فأقبل سفيان حتى أتى الري ثم أتبعهم، وكتب الحجاج إلى إسحاق بن محمد ابن الأشعث وهو على جيش لأهل الكوفة بطبرستان، أن اسمع وأطيع لسفيان. فأقبل إلى سفيان فسار معه في طلب قطري حتى لحقوه في شعب من شعاب طبرستان، فقاتلوه، فتفرق عنه أصحابه، ووقع عن دابته في أسفل الشعب فتد هدى حتى خر إلى أسفله، فقال معاوية بن محصن الكندي: رأيته حيث هوى ولم أعرفه، ونظرت إلى خمس عشرة امرأة عربية هن في الجمال والبزازة وحسن الهيئة كما شاء ربك، ما عدا عجوزاً فيهن، فحملت عليهن فصرفتهن إلى سفيان بن الأبرد. فلما دنوت بهن منه انتحت لي بسيفها العجوز فتضرب به عنقي فقطعت المغفر، وقطعت جلدةً من حلقي وأختلج السيف فأضرب به وجهها. فأصاب قحف رأسها، فوقعت ميتةً، وأقبلت بالفتيات حتى دفعتهن إلى سفيان وإنه ليضحك من العجوز. وقال: ما أردت إلى قتل هذه أخزاها الله - فقلت: أو ما رأيت أصلحك الله ضربتها إياي! والله إن كادت لتقتلني؛ قال: قد رأيت، فوالله ما ألومك على فعلك، أبعدها الله ويأتي قطرياً حيث تدهدى من الشعب علج من أهل البلد، فقال له قطري: اسقني من الماء - وقد كان اشتد عطشه - فقال: أعطني شيئاً حتى أسقيك، فقال: ويحك؛ والله ما معي إلا ما ترى من سلاحي، فأنا مؤتيكه إذا أتيني بماء، قال: لا، بل أعطنيه الآن، قال: لا، ولكن ائتني بماء قبل، فانطلق العلج حتى أشرف على قطري، ثم حدر عليه حجراً عظيماً من فوقه دهداه عليه، فأصاب إحدى وركيه فأوهته، وصاح بالناس، فأقبلوا نحوه. والعلج حينئذ لا يعرف قطرياً، غير أنه يظن أنه من أشرافهم لحسن هيئته، وكمال سلاحه، فدفع إليه نفر من أهل الكوفة فابتدروه فقتلوه، منهم سورة بن أبجر التميمي، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث، وباذام مولى بني الأشعث، وعمر بن أبي الصلت بن كنارة مولى بني نصر بن معاوية، وهو من الدهاقين، فكل هؤلاء ادعوا قتله. فدفع إليهم أبو الجهم بن كنانة الكلبي - وكلهم يزعم أنه قاتله - فقال لهم: ادفعوه إلي حتى تصتلحوا، فدفعوه إليه. فأقبل به إلى إسحاق بن محمد - وهو على أهل الكوفة - ولم يأته جعفر لشئ كان بينه وبينه قبل ذلك - وكان لا يكلمه، وكان جعفر مع سفيان بن الأبرد، ولم يكن معه إسحاق. وكان جعفر على ربع أهل المدينة بالري، فلما مر سفيان بأهل الري انتخب فرسانهم بأمر الحجاج. فسار بهم معه، فلما أتى القوم بالرأس فاختصموا به إليه وهو في يدي أبي الجهم بن كنانة الكلبي، قال له: امض به أنت، ودع هؤلاء المختلفين، فخرج برأس قطري حتى قدم به على الحجاج، ثم أتى به عبد الملك بن مروان، فألحق في ألفين، وأعطى فطما - يعني أنه يفرض للصغار في الديوان - وجاء جعفر إلى سفيان فقال له: أصلحك الله! إن قطرياً كان أصاب والدي فلم يكن لي هم غيره. فاجمع بيني وبين هؤلاء الذين ادعوا قتله، فسلهم، ألم أكن أمامهم حتى بدرتهم فضربته ضربةً فصرعته، ثم جاؤوني بعد، فأقبلوا يضربونهم بأسيافهم! فإن أقروا لي بهذا فقد صدقوا، وإن أبوا فأنا أحلف بالله أني صاحبه، وإلا فليحلفوا بالله أنهم أصحابه الذين قتلوه، وأنهم لا يعرفون ما أقول، ولا حق لي فيه، قال: جئت الآن وقد سرحنا بالرأس. فانصرف عنه فقال له أصحابه: أما والله إنك لأخلق القوم أن تكون صاحبه. ثم إن سفيان بن الأبرد أقبل منصرفاً إلى عسكر عبيدة بن هلال، وقد تحصن في قصر بقومس، فحاصره فقاتله أياماً. ثم إن سفيان بن الأبرد سار بنا إليهم حتى أحطنا بهم، ثم أمر مناديه فنادى فيهم: أيما رجل قتل صاحبه ثم خرج إلينا فهو آمن؛ فقال عبيدة بن هلال: لعمري لقد قام الأصم بخطبة ... لذي الشك منها في الصدور غليل لعمري لأن أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني إنني لجهول إلى الله أشكو ما ترى بجيادنا ... تساوك هزلى مخهن قليل تعاورها القذاف من كل جانب ... بقومس حتى صعبهن ذلول فإن يك أفناها الحصار فربما ... تشحط فيما بينهن قتيل وقد كنا مما إن يقدن على الوجى ... لهن بأبواب القباب صهيل فحاصرهم حتى جهدوا، وأكلوا دوابهم، ثم إنهم خرجوا إليه فقاتلوه، فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحجاج، ثم دخل إلى دنباوند و طبرستان، فكان هنالك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم. ذكر الخبر عن مقتل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل بكير بن وشاح السعدي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: ذكر سبب قتله إياه. وكان سبب ذلك - فيما ذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد - أن أمية بن عبد الله وهو عامل عبد الملك بن مروان على خراسان، ولى بكيراً غزو ما وراء النهر، وقد كان ولاه قبل ذلك طخارستان، فتجهز للخروج إليها، وأنفق نفقةً كثيرة، فوشى به إليه بحير بن ورقاء الصريمي على ما بينت قبل، فأمره أمية بالمقام. فلما ولاه غزو ماوراء النهر تجهز وتكلف الخيل والسلاح، وادان من رجال السغد وتجارهم، فقال بحير لأمية: إن صار بينك وبينه النهر ولقي الملوك خلع الخليفة ودعا إلى نفسه، فأرسل إليه أمية: أقم لعلي أغزو فتكون معي، فغضب بكير وقال: كأنه يضارني. وكان عتاب اللقوة الغداني استدان ليخرج مع بكير، فلما أقام أخذه غرماؤه، فحبس فأدى عنه بكير وخرج، ثم أجمع أمية على الغزو. قال: فأمر بالجهاز ليغزو بخارى، ثم يأتي موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ، فاستعد الناس وتجهزوا، واستخلف على الخراسان ابنه زياداً، وسار معه بكير فعسكر بكشماهن، فأقام أياماً، ثم أمر بالرحيل، فقال له بحير: إني لا آمن أن يتخلف الناس فقيل لبكير: فلتكن في الساقة ولتحشر الناس. قال: فأمره أمية فكان على الساقة حتى أتى النهر، فقال له أمية: إقطع يا بكير؛ فقال عتاب اللقوة الغداني: أصلح الله الأمير! إعبر ثم يعبر الناس بعدك. فعبر ثم عبر الناس، فقال أمية لبكير: قد خفت ألا يضبط ابني عمله وهو غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها فقد وليتكها، فزين ابني وقم بأمره. فانتخب بكير فرساناً من فرسان خراسان قد كان عرفهم ووثق بهم وعبر، ومضى أمية إلى بخارى وعلى مقدمته أبو خالد ثابت مولى خزاعة. فقال عتاب اللقوة لبكير لما عبر وقد مضى أمية: إن قتلنا أنفسنا وعشائرنا حتى ضبطنا خراسان، ثم طلبنا أميراً من قريش يجمع أمرنا، فجاءنا أمير يلعب بنا يحولنا من سجن إلى سجن، قال: فما ترى؟ قال: إحرق هذه السفن. وامض إلى مرو فخلع أمية، وتقيم بمرو وتأكلها إلى يوم ما؛ قال: فقال الأحنف بن عبد الله العنبري: الرأي مارأى عتاب، فقال بكير: إني أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي، فقال: أتخاف عدم الرجال! أنا آتيك من أهل مرو بما شئت إن هلك هؤلاء الذين معك، قال: يهلك المسلون؛ قال: إنما يكفيك أن ينادي مناد: من أسلم رفعنا عنه الخراج فيأتيك خمسون ألفاً من المصلين أسمع لك من هؤلاء وأطوع؛ قال: فيهلك أمية ومن معه؛ قال: ولم يهلكون ولهم عدة وعدد ونجدة وسلاح ظاهر وأداة كاملة، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين! فأحرق بكير السفن، ورجع إلى مرو، فأخذ ابن أمية فحبسه، ودعا الناس إلى خلع أمية فأجابوه، وبلغ أمية،فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع فأمر باتخاذ السفن، فاتخذت له وجمعت، وقال لمن معه من وجوه تميم: ألا تعجبون من بكير! إني قدمت خراسان فحذرته، ورفع عليه وشكا منه، وذكروا أموالاً أصابها، فأعرضت عن ذلك كله، ثم لم أفتشه عن شيء ولا أحد من عماله، ثم عرضت عليه شرطتي فأبى، فعفيته، ثم وليته فحذرته، فأمرته بالمقام وما كان ذلك إلا نظراً له، ثم رددته إلى مرو، ووليته الأمر، فكفر ذلك كله، وكافأني بما ترون. فقال له قوم: أيها الأمير، لم يكن هذا من شأنه، إنما أشار عليه بإحراق السفن عتاب اللقوة، فقال: وما عتاب! وهل عتاب إلا دجاجة حاضنة، فبلغ قوله عتاباً، فقال عتاب في ذلك: إن الحواضن تلقاها مجففة ... غلب الرقاب على المنسوبة النجب تركت أمرك من جبن ومن خور ... وجئتنا حمقاً يا ألأم العرب لما رأيت جبال السغد معرضةً ... وليت موسى ونوحاً عكوة الذنب وجئت ذيخاً مغذى ما تكلمنا ... وطرت من سعف البحرين كالخرب أوعد وعيدك إني سوف تعرفني ... تحت الخوافق دون العارض اللجب يخب بي مشرف عار نواهقه ... يغشى الكتيبة بين العدو والخبب قال: فلما تهيأت السفن، عبر أمية وأقبل إلى مرو، وترك موسى بن عبد الله، وقال: اللهم إني أحسنت إلى بكير، فكفر إحساني، وصنع ما صنع، اللهم أكفنيه. فقال شماس بن دثار - وكان رجع من سجستان بعد قتل ابن خازم، فغزا مع أمية: أيها الأمير، أنا أكفيكه إن شاء الله. فقدمه أمية في ثمانمائة، فأقبل حتى نزل باسان وهي لبني نصر، وسار إليه بكير ومعه مدرك بن أنيف وأبوه مع شماس، فقال: أما كان في تميم أحد يحاربني غيرك! ولامه. فأرسل إليه شماس: أنت ألوم وأسوأ صنيع مني، لم تفي لأمية ولم تشكر له صنيعه بك؛ قدم فأكرمك ولم يعرض لك ولا لأحد من عمالك. قال: فبيته بكير ففرق جمعه وقال: لا تقتلوا منهم أحداً، وخذوا سلاحهم، فكانوا إذا أخذوا رجلا سلبوه وخلوا عنه، فتفرقوا، ونزل شماس في قرية لطيئ يقال لها: بوينة، وقدم أمية فنزل كشماهن، ورجع إليه شماس بن دثار فقدم أمية ثابت بن قطبة مولى خزاعة، فلقيه بكير فأسر ثابتاً وفرق جمعه، وخلى بكير سبيل ثابت ليد كانت له عنده. قال: فرجع إلى أمية، فأقبل أمية بالناس، فقاتله بكير وعلى شرطة بكير أبو رستم الخليل بن أوس العبشمي، فأبلى يومئذ، فنادوه: يا صاحب شرطة عارمة - وعارمة جارية بكير - فأحجم، فقال له بكير: لا أبالك، لا يهدك نداء هؤلاء القوم، فإن للعارم فحل يمنعها، فقدم لوائك، فقاتلوا حتى انحاز بكير فدخل الحائط، فنزل السوق العتيقة، ونزل أمية باسان فكانوا يلتقون في ميدان يزيد، فانكشفوا يوماً، فحماهم بكير، ثم التقوا يوماً آخر في الميدان، فضرب رجل من بني تميم على رجله فجعل يسحبها، وهريم يحميه، فقال الرجل: اللهم أيدنا فأمدنا بالملائكة، فقال له هريم: أيها الرجل، قاتل عن نفسك، فإن الملائكة في شغل عنك، فتحامل ثم أعاد قوله: اللهم أمدنا بالملائكة، فقال هريم: لتكفن عني أو لأدعنك والملائكة، وحماه حتى ألحقه بالناس. قال: ونادى رجل من بني تميم: يا أمية، يا فاضح قريش؛ فآلى أمية إن ظفر به أن يذبحه، فظفر به فذبحه بين شرفتين من المدينة، ثم التقوا يوماً آخر، فضرب بكير بن وشاح ثابت بن قطبة على رأسه وانتمى: أنا ابن وشاح؛ فحمل حريث من قطبة أخو ثابت على بكير، فانحاز بكير، وانكشف أصحابه، وأتبع حريث بكيراً حتى بلغ القنطرة، فناداه: أين يا بكير؟ فكر عليه، فضربه حريث على رأسه، فقطع المغفر، وعض السيف برأسه، فصرع، فاحتمله أصحابه، فأدخلوه المدينة. قال: فكانوا على ذلك يقاتلونهم، وكان أصحاب بكير يغدون متفضلين في ثياب مصبغة، وملاحف وأزر صفر وحمر، فيجلسون على نواحي المدينة يتحدثون، وينادي مناد: من رمى بسهم رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله؛ فلا يرميهم أحد. قال: فأشفق بكير، وخاف إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلحة، وأحب ذلك أيضاً أصحاب أمية لمكان عيالاتهم بالمدينة، فقالوا لأمية: صالحه - وكان أمية يحب العافية - فصالحه على أن يقضي عنه أربعمائة ألف، ويصل أصحابه ويوليه أيضاً أي كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه منه ريب فهو آمن أربعين يوماً حتى يخرج عن مرو، فأخذ الآمان لبكير من عبد الملك، وكتب له كتاباً على باب سنجان، ودخل أمية بالمدينة. قال: وقوم يقولون: لم يخرج بكير مع أمية غازياً، ولكن أمية لما غزا استخلفه على مرو فخلعه، فرجع أمية فقاتله، ثم صالحه ودخل مرو ووفى أمية لبكير. وعاد إلى ما كان عليه من الإكرام وحسن الإذن، وأرسل إلى عتاب اللقوة، فقال: أنت صاحب المشورة؛ فقال: نعم أصلح الله الأمير! قال: ولم؟ قال: خف ما كان في يدي، وكثر ديني، وأعديت على غرامائي؛ قال: ويحك! فضربت بين المسلمين، وأحرقت السفن والمسلمون في بلاد العدو، وما خفت الله! قال: قد كان ذلك، فاستغفر الله، قال: كم دينك؟ قال: عشرون ألفاً؛ قال: تكف عن غش المسلمين وأقضي دينك؟ قال: نعم، جعلني الله فداك! قال: فضحك أمية وقال: إن ظني بك غير ما تقول، وسأقضي عنك. فأدى عنه عشرين ألفاً. وكان أمية سهلاً ليناً سخياً، لم يعط أحد من عمال خراسان بها مثل عطاياه؛ قال: وكان مع ذلك ثقيلاُ عليهم، كان فيه زهو شديد، وكان يقول : ما أكتفي بخراسان وسجستان لمطبخي. وعزل أمية بحيراً عن شرطته، وولاها عطاء بن أبي السائب. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمر بكير وصفحه عنه. فضرب عبد الملك بعثاً إلى أمية بخراسان، فتجاعل الناس، فأعطى شقيق بن سليل الأسدي جعالته رجلاً من جرم، وأخذ أمية الناس بالخراج، واشتد عليهم فيه فجلس بكير يوماً في المسجد وعنده ناس من بني تميم، فذكروا شدة أمية على الناس، فذموه، وقالوا: صلت علينا الدهاقين في الجباية وبحير وضرار بن حصين وعبد العزيز بن جارية ابن قدامة في المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه فادعى شهادة هؤلاء، وادعى شهادة مزاح بن أبي المجشر السلمي، فدعا أمية مزاحماً فسأله فقال: إنما كان يمزح، فأعرض عنه أمية، ثم أتاه بحير فقال: أصلح الله الأمير! إن بكيراً والله قد دعاني إلى خلعك، وقال: لو لا مكانك لقتلت هذا القرشي وأكلت خراسان؛ فقال أمية: ما أصدق بهذا وقد فعل ما فعل؛ فآمنته ووصلته. قال: فأتاه بضرار بن حصين وعبد العزيز بن جارية فشهدا أن بكيراً قال لهما: لو أطعتماني لقتلت هذا القرشي المخنث، وقد دعانا إلى الفتك بك. فقال أمية: أنتم أعلم وما شهدتم، وما أظن هذا به وإن تكركه، وقد شهدتم بما شهدتم عجز؛ وقال لحاجبه عبيدة ولصاحب حرسه عطاء بن أبي السائب: إذ دخل بكير، وبدل وشمردل ابنا أخيه، فنهضت فخذوهم. وجلس أمية للناس، وجاء بكير وابنا أخيه، فلما جلسوا قام أمية عن سريره فدخل، وخرج الناس وخرج بكير، فحبسوه وابني أخيه، فدعا أمية ببكير فقال : أنت القائل كذاوكذا؟ قال: تثبت أصلحك الله ولا تسمعن قول ابن المحلوقة! فحبسه، وأخذ جاريته العارمة فحبسها، وحبس الأحنف ابن عبد الله العنبري، وقال: أنت ممن أشار على بكير بالخلع. فلما كان من الغد أخرج بكيراً فشهد عليه بحير وضرار وعبد العزيز بن جارية أنه دعاهم إلى خلعك والفتك به، فقال: أصلحك الله! تثبت فإن هؤلاء أعدائي، فقال أمية لزياد بن عقبة - وهو رأس أهل العالية - ولابن والآن العدوى - وهو يومئذ من رؤساء بني تميم - ليعقوب بن خالد الذهلي: أتقتلونه؟ فلم يجيبوه؛ فقال لبحير: أتقتله؟ قال: نعم، فدفعه إليه فنهض يعقوب بن القعقاع الأعلم الأزدي من مجلسه - وكان صديقاً لبكير - فاحتضن أمية، وقال: أذكرك الله أيها الأمير في بكير، فقد أعطيته ما أعطيته من نفسك، قال: ما يقتله إلا قومه، شهدوا عليه، فقال: عطاء بن أبي السائب الليثي وهو على حرس أمية: خل عن الأمير؛ قال: لا، فضربه عطاء بقائم السيف، فأصاب أنفه فأدماه، فخرج، ثم قال لبحير: يا بحير، إن الناس أعطوا بكيراً ذمتهم في صلحه، وأنت منهم، فلا تخفر ذمتك؛ قال: يا بعقوب، ما أعطيته ذمة، ثم أخذ بحير سيف بكير الموصول الذي كان أخذه من أسوار الترجمان ترجمان ابن خازم، فقال له بكير: يا بحير، إنك تفرق أمر بني أسد إن قتلتني، فدع هذا القرشي يلي مني ما يريد؛ فقال بحير: لا والله يابن الأصبهانية لا تصلح بنو سعد ما دمنا حيين، قال: فشأنك يا بن المحلوقة، فقتله، وذلك يوم جمعة. وقتل أمية ابني أخي بكير، ووهب جارية بكير العارمة لبحير، وكلم أمية في الأحنف بن عبد الله العنبري، فدعا به من السجن، فقال: وأنت من أشار على بكير، وشتمه، وقال: قد وهبتك لهؤلاء. قال: ثم وجه أمية رجلاً من خزاعة إلى موسى بن عبد الله بن خازم، فقتله عمرو بن خالد بن حصين الكلابي غيلة، فتفرق جيشه؛ فاستأمن طائفة منهم موسى، فصاروا معه، ورجع بعضهم إلى أمية. وفي هذه السنة عبر النهر، نهر بلخ أمية للغزو، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا بعدما أشرفوا على الهلاك؛ فانصرف والذين معه من الجند إلى مرو. وقال عبد الرحمن بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يهجو أمية: ألا أبلغ أمية أن سيجزي ... ثواب الشر إن له ثوابا ومن ينظر عتابك أو يرده ... فلست بناظر منك العتابا محا المعروف منك خلال سوء ... منحت صنيعها باباً فبابا ومن سماك إذا قسم الأسامي ... أمية إذ ولدت فقد أصابا قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، وهو أمير على المدينة، وكان على الكوفة والبصرة الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان أمية ابن عبد الله بن خالد بن أسيد. وحدثني أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج أبان بن عثمان وهو على المدينة بالناس حجتين سنة ست وسبعين وسنة سبع وسبعين. وقد قيل: إن هلاك شبيب كان في سنة ثمان وسبعين، وكذلك قيل في هلاك قطري وعبيدة بن هلال وعبد ربه الكبير. وغزا في هذه السنة الصائفة الوليد. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ذكر الخبر عن الكائن في هذه المدينة من الأحداث الجليلة في ذلك عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وضمه خراسان وسجستان إلى الحجاج بن يوسف. فلم ضم ذلك إليه فرق فيه عماله. ذكر الخبر عن العمال الذين ولاهم الحجاج خراسان وسجستان وذكر سبب في توليته من ولاه ذلك وشيئاً منه ذكر أن الحجاج لما فرغ من شبيب ومطرف شخص من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل - وقد قيل: إنه استخلف عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، ثم عزله، وجعل مكانه المغيرة بن عبد الله - فقدم عليه المهلب بها، وقد فرغ من أمر الأزارقة. فقال هشام: حدثني أبو مخنف عن أبي المخارق الراسبي، أن المهلب بن أبي صفرة لما فرغ من الأزارقة قدم على الحجاج - وذلك سنة ثمان وسبعين - فأجلسه معه، ودعا بأصحاب البلاء من أصحاب المهلب، فأخذ الحجاج لا يذكر له المهلب رجلاً من أصحابه ببلاء حسن إلا صدقه الحجاج بذلك، فحملهم الحجاج وأحسن عطاياهم، وزاد في أعطياتهم، ثم قال: هؤلاء أصحاب الفعال، وأحق بالأموال، هؤلاء حماة الثغور، وغيظ الأعداء. قال هشام عن أبي مخنف: قال يونس بن أبي إسحاق: وقد كان الحجاج ولى المهلب سجستان مع خراسان، فقال له المهلب: إلا أدلك على رجل هو أعلم بسجستان مني، وقد كان ولي كابا وزابل، وجباهم وقاتلهم وصالحهم؟ قال له: بلى، فمن هو؟ قال عبيد الله بن أبي بكرة. ثم إنه بعث المهلب على خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، وكان العامل هناك أمية بن هبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وكان عاملاً لعبد الملك بن مروان، لم يكن للحجاج شيء من أمره حين بعث على العراق حتى كانت تلك السنة، فعزله عبد الملك وجمع سلطانه للحجاج فمضى المهلب إلى خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان، فمكث عبيد الله بن أبي يكرة بقية سنته. فهذه رواية أبي مخنف عن أبي المخارق، وأما علي بن محمد فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن خراسان وسجستان جمعتا للحجاج مع العراق في أول سنو ثمان وسبعين بعد ما قتل الخوارج، فاستعمل عبيد الله بن أبي بكرة على خراسان، والمهلب بن أبي صفرة على سجستان، فكره المهلب سجستان، فلقي عبد الرحمن بن عبيد طارق العبشمي - وكان على شرطة الحجاج - فقال: إن الأمير ولاني سجستان، وولى ابن أبي بكرة خراسان، وأنا أعرف بخراسان منه، قد عرفتها أيام الحكم بن عمرو الغفاري، وابن أبي بكرة أقوى على سجستان مني، فكلم الأمير يحولني إلى خراسان، وابن أبي بكرة إلى سجستان؛ قال: نعم، وكلم زاذان فروخ يعينني؛ فكلمه، فقال: نعم، فقال عبد الرحمن بن عبيد للحجاج: وليت المهلب سجستان وابن أبي بكرة أقوى عليها منه، فقال زاذان فروخ: صدق، قال: إنا قد كتبنا عهده؛ قال زاذان فروخ: ما أهون تحويل عهده! فحول ابن أبي بكرة إلى سجستان، والمهلب إلى خراسان، وأخذ المهلب بألف ألف من خراج الأهواز، وكان ولاها إياه خالد بن عبد الله، فقال المهلب لابنه المغيرة: إن خالداً ولاني الأهواز، وولاك إصطخر، وقد أخذني الحجاج بألف ألف، فنصف علي ونصف عليك، ولم يكن عند المهلب مال، كان إذا عزل استقرض؛ قال: فكلم أبا معاوية مولى عبد الله بن عامر - وكان أبو ماوية على بيت مال عبد الله بن عامر - فأسلف المهلب ثلثمائة ألف، فقالت خيرة القشيرية امرأة المهلب: هذا لا يفي بما عليك؛ فباعت حلياً لها ومتاعاً، فأكمل خمسمائة ألف، وحمل المغيرة إلى أبيه خمسمائة ألف فحملها إلى الحجاج، ووجه المهلب ابنه حبيباً على مقدمته، فأتى الحجاج فودعه، فأمر الحجاج له بعشرة آلاف وبغلة خضراء، قال: فسار حبيب على تلك البغلة حتى قدم خراسان هو وأصحابه على البريد، فسار عشرين يوماً، فتلقاهم حين دخلوا حمل حطب، فنفرت البغلة فتعجبوا منها ومن نفارها بعدذلك التعب وشدة السير. فلم يعرض لأمية ولا لعماله، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب سنة تسع وسبعين. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان أمير المدينة في هذه السنة أبان بن عثمان، وامير الكوفة والبصرة وخراسان وسجستان وكرمان الحجاج بن يوسف، وخليفته بخراسان المهلب، وبسجستان عبيد الله ابن أبي بكرة، وعلى فضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة - فيما قيل - موسى بن أنس. وأغزى عبد الملك في هذه السنة يحيى بن الحكم. ثم دخلت سنة تسع وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة في ذلك ما أصاب أهل الشام في هذه السنة من الطاعون حتى كادوا يفنون من شدته، فلم يغز في تلك السنة أحد - فيما قيل - للطاعون الذي كان بها وكثرة الموت. وفيها - فيما قيل - : أصابت الروم أهل أنطاكية. ذكر الخبر عن غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيلوفيها غزا عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل. ذكر الخبر عن غزوته إياه: قال هشام: حدثني أبو مخنف، عن أبي المخارق الراسبي، قال: لما ولى الحجاج المهلب خراسان، وعبيد الله بن أبي بكرة سجستان، مضى المهلب إلى خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة إلى سجستان، وذلك في سنة ثمان وسبعين، فمكث عبيد الله بن أبي بكرة بقية سنته. ثم إنه غزا رتبيل وقد كان مصالحاً، وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خراجاً، وربما امتنع فلم يفعل، فبعث الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيح أرضه، وتهدم قلاعه، وتقتل مقاتلته، وتسبي ذريته. فخرج بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة، وكان على أهل الكوفة شريح بن هانئ الحارثي ثم الضباني، وكان من أصحاب علي، وكان عبيد الله على أهل البصرة، وهو أمير الجماعة، فمضى حتى وغل في بلاد رتبيل، فأصاب من البقر والغنم والأموال ماشاء وهدم قلاعاً وحصوناً، وغلب على أرض من أرضهم كثيرة، وأصحاب رتبيل من الترك يخلون لهم عن أرض بعد أرض، حتى أمعنوا في بلادهم ودنوا من مدينتهم، وكانوا منها ثمانية عشر فرسخاً، فأخذوا على المسلمين العقاب والشعاب، وخلوهم والرساتيق، فسقط في أيدي المسلمين، وظنوا أن قد هلكوا، فبعث ابن أبي بكرة إلى شريح بن هانئ: إني مصالح القوم على أن أعطيهم مالاً، ويخلوا بيني وبين الخروج، فأرسل إليهم فصالحهم على سبعمائة ألف درهم، فلقيه شريح فقال: إنك لا تصالح على شئ إلا حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم، قال: لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من هلاكنا؛ قال شريح: والله لقد بلغت سناً، وقد هلكت لداتي، ما تأتي على ساعة من ليل أو نهار فأظنها تمضي حتى أموت، ولقد كنت أطلب الشهادة منذ زمان، ولئن فاتتني اليوم ما إخالني مدركها حتى أموت، وقال: يا أهل الإسلام، تعاونوا على عدوكم؛ فقال له ابن أبي بكرة: إنك شيخ قد خرفت، فقال شريح: إنما حسبك أن يقال: بستان ابن أبي بكرة وحمام ابن أبي بكرة، يا أهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلي. فاتبعه ناس من المتطوعة غير كثير، وفرسان الناس و أهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، فجعل شريح يرتجز مومئذ ويقول: أصبحت ذا بث أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا ثمت أدركت النبي المنذرا ... وبعده صيقه وعمرا ويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع في صفينهم والنهرا وبا جميرات مع المشقرا ... هيهات ما أطول هذا عمرا فقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا، فخرجوا من بلاد رتبيل حتى خرجوا منها، فاستقبلهم من خرجوا إليهم من المسلمين بالأطمعة، فإذا أكل أحدهم وشبع مات، فلما رأى ذلك الناس حذروا يطعمونهم، ثم جعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا، حتى استمرءوا. وبلغ ذلك الحجاج، فأخذه ما تقدم وما تأخر، وبلغ ذلك منه كل مبلغ، وكتب إلى عبد الملك: أما بعد، فإن جند أمير المؤمنين الذي بسجستان أصيبوا فلم ينج منهم إلا القليل، وقد اجترأ العدو بالذي أصابه على أهل الإسلام فدخلوا بلادهم، وغلبوا على حصونهم وقصورهم، وقد أردت أن أوجه إليهم جنداً كثيفاً من أهل المصرين، فأحببت أن أستطلع رأى أمير المؤمنين في ذلك، فإن رأى لي بعثة ذلك الجند أمضيته، وإن لم ير ذلك فإن أمير المؤمنين أولى بجنده، مع أني أتخوف إن لم يأت رتبيل ومن معه من المشركين جند كثيف عاجلا أن يستولوا على ذلك الفرج كله. وفي هذه السنة قدم المهلب خراسان أميراً، وانصرف عنها أمية بن عبد الله، وقيل استعفى شريح القاضي من القضاء في هذه السنة، وأشار بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فأعفاه الحجاج وولى أبا بردة. وحج بالناس في هذه السنة - فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر - أبان بن عثمان، وكذلك قال الواقدي وغيره من أهل السير. وكان أبان هذه السنة أميراً على المدينة من قبل عبد الملك بن مروان وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف. وكان على خراسان المهلب من قبل الحجاج وقيل: إن المهلب كان على حربها، وابنه المغيرة على خراجها، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس ثم دخلت سنة ثمانين ذكر الأحداث الجليلة التي كانت في هذه السنة وفي هذه السنة جاء - فيما حدثت عن ابن سعد، عن محمد بن عمر الواقدي - سيل بمكة ذهب بالحجاج، فغرقت بيوت مكة فسمى ذلك العام عام الجحاف، لأن ذلك السيل جحف كل شئ مر به. قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن رفاعة بن ثعلبة، عن أبيه، عن جده، قال: جاء السيل حتى ذهب بالحجاج ببطن مكة، فسمى لذلك عام الجحاف، ولقد رأيت الإبل عليها الحمولة والرجال والنساء تمر بهم ما لأحد فيهم حيلة، وإني لأنظر إلى الماء قد بلغ الركن وجاوزه. وفي هذه السنة كان بالبصرة طاعون الجارف، فيما زعم الواقدي ذكر خبر غزو المهلب ما وراء النهرئ وفي هذه السنة قطع المهلب نهر بلخ فنزل على كس، فذكر على بن محمد، عن المفضل بن محمد وغيره أنه كان على مقدمة المهلب حين نزل على كس أبو الأدهم زياد بن عمرو الزماني في ثلاثة آلاف وهم خمسة آلاف إلا أن أبا الأدهم كان يغني غناء ألفين في البأس والتدبير والنصيحة. قال: فأتى المهلب وهو نازل على كس ابن عم ملك الختل، فدعاه إلى غزو الختل، فوجه معه ابنه يزيد، فنزل في عسكره، ونزل ابن عم الملك - وكان الملك يومئذ اسمه السبلي في عسكره على ناحية، فبيت السبل ابن عمه، فكبر عي عسكره، فظن ابن عم السبل أن العرب قد غدروا به، وأنهم خافوه. إلى الغدر حين اعتزل عسكرهم، فأسره السبل، فأتى به قلعته فقتله. قال: فأطاف يزيد بن المهلب بقلعة السبل، فصالحوه على فدية حملوها إليه، ورجع إلى المهلب فأرسلت أم الذي قتله السبل إلى أم السبل: كيف ترجين بقاء السبل بعد قتل ابن عمه، وله سبعة إخوة قد وترهم! وأتت أم واحد فأرسلت إليها: إن الأسد تقل أولادها، والخنازير كثير أولادها. ووجه المهلب ابنه حبيباً إلى ربنجن فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفاً، فدعا رجل من المشركين إلى المبارزة، فبرز له جبلة غلام حبيب، فقتل المشرك، وحمل على جمعهم، فقتل منهم ثلاثة نفر، ثم رجع ورجع العسكر، ورجع العدو إلى بلادهم، ونزلت جماعة من العدو قرية، فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف، فقاتلهم فظفر بهم، فأحرقها، ورجع إلى أبيه فسميت المحترقة. ويقال إن الذي أحرقها جبلة غلام حبيب قال: فمكث المهلب سنتين مقيماً بكس، فقيل له: لو تقدمت إلى السغد وما وراء ذلك! قال: ليت حظي من هذه الغزوة سلامة هذه الجند، حتى يرجعوا إلى مرو سالمين. قال: وخرج رجل من العدو بوماً فسأله البراز، فبرز إليه هريم بن عدي أبو خالد بن هريم وعليه عمامة قد شدها فوق البيضة، فانتهى إلى جدول، فجاوله المشرك ساعة فقتله هريم وأخذ سلبه، فلامه المهلب، وقال: لو أصبت ثم أمددت بألف فارس ما عد لوك عندي، واتهم المهلب وهو بكس قوماً من مضر فحبسهم بها، فلما قفل وصار صلح خلاهم، فكتب إليه الحجاج: إن كنت أصبت بحبسهم فقد أخطأت في تخليتهم؛ وإن كنت أصبت بتخليتهم فقد ظلمتهم إذ حبستهم. فقال المهلب: خفتهم فحبستهم، فلما أمنت خليتهم. وكان فيمن حبس عبد الملك بن أبي شيخ القشيري. ثم صالح المهلب أهل كس على فدية ، فأقام ليقبضها، وأتاه كتاب ابن الأشعث بخلع الحجاج ويدعوه إلى مساعدته على خلعه، فبعث بكتاب ابن الأشعث إلى الحجاج تسيير الجنود مع ابن الأشعث لحرب رتبيل وفي هذه السنة وجه الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك؛ وقد اختلف أهل السير في سبب توجيهه إياه إليها، وأين كان عبد الرحمن يوم ولاه الحجاج سجستان وحرب رتبيل؛ فأما يونس بن أبي إسحاق - فيما حدث هشام، عن أبي مخنف عنه - فإنه ذكر أن عبد الملك لما ورد عليه كتاب الحجاج بن يوسف بخبر الجيش الذي كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في بلاد رتبيل وما لقوا بها كتب إليه: أما بعد: فقد أتاني كتابك تذكر فيه مصاب المسلمين بسجستان، وأولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وعلى الله ثوابهم وأما ما أردت أن يأتيك فيه من توجيه الجنود وإمضائها إلى ذلك الفرج الذي أصيب فيه المسلمون أو كفها، فإن رأيي في ذلك أن تمضي رأيك راشداً موفقاً. وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله. قال أبو مخنف: فحدثني نمير بن وعلة الهمداني، ثم اليناعي عن الشعبي، قال: كنت عند الحجاج جالساً حين دخل عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فلما رآه الحجاج قال: انظر إلى مشيته، والله لهممت أن أضرب عنقه. قال: فلما خرج عبد الرحمن خرجت فسبقته وانتظرته على باب سعيد بن قيس السبيعي، فلما انتهى إلي قلت: ادخل بنا الباب، إني أريد أن أحدثك حديثاً هو عندك بأمانة الله أن تذكره ما عاش الحجاج. فقال: نعم، فأخبرته بمقالة الحجاج له؛ فقال: وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أزيله عن سلطانه، فأجهد الجهد إذ طال بي وبه بقاء. ثم إن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة، وجد في ذلك وشمر، وأعطى الناس أعطياتهم كملاً وأخذهم بالخيول الروائع، والسلاح الكامل، وأخذ في عرض الناس، ولا يرى رجلا تذكر منه شجاعة إلا أحسن معونته، فمر عبيد الله بن أبي محجن الثقفي على عباد بن الحصين الحبطي، وهو مع الحجاج يريد عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي، وهو يعرض الناس، فقال عباد: ما رأيت فرساً أروع ولا أحسن من هذا، وإن الفرس قوة وسلاح وإن هذه البغلة علنداة، فزاده الحجاج خمسين وخمسمائة درهم، ومر به عطية العنبري، فقال له الحجاج؛ يا عبد الرحمن، أحسن إلى هذا فلما استتب له أمر ذينك الجندين، بعث الحجاج عطارد بن عمر التميمي فعسكر بالأهواز، ثم بعث عبيد الله بن حجر بن ذي الجوشن العامري من بني كلاب. ثم بدا له، فبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعزل عبيد الله بن حجر، فأتى الحجاج عمه إسماعيل بن الأشعث، فقال له: لا تبعثه فإني أخاف خلافه، والله ما جاز جسر الفرات قط فرأى لوال من الولاة عليه طاعة وسلطاناً. فقال الحجاج: ليس هنالك، هولى أهيب وفي أرغب من أن يخالف أمري، أو يخرج من طاعتي؛ فأمضاه على ذلك الجيش، فخرج بهم حتى قدم سجستان ينة ثمانين؛ فجمع أهلها حين قدمها. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الزبير الأرحبي - رجل من همدان كان معه - أنه صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن الأمير الحجاج ولاني ثغركم، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم وأباد خياركم، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس. فعسكر الناس كلهم في معسركهم ووضعت له الأسواق، وأخذ الناس بالجهاز والهيئة بآلة الحرب، فبلغ ذلك رتبيل، فكتب إلى عبد الرحمن بن محمد يعتذر إليه من مصاب المسلمين ويخبره أنه كان لذلك كارهاً، وأنهم ألجئوه إلى قتالهم، ويسأله الصلح ويعرض عليه أن يقبل منه الخراج، فلم يجبه، ولم يقبل منه. ولم ينشب عبد الرحمن أن سار في الجنود حتى دخل أول بلاده، وأخذ رتبيل يضم إليه جنده، ويدع له الأرض رستاقاً رستاقاً، وحصناً حصناً، وطفق ابن الأشعث كلما حوى بلداً بعث إليه عاملا، وبعث معه أعواناً، ووضع البرد فيما بين كل بلد وبلد، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب، ووضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى إذا جاز من أرضه أرضاً عظيمة، وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة، حبس الناس عن الوغول في أرض رتبيل وقال: نكتفي بما أصبناه العام من بلادهم حتى نجبيها ونعرفها، وتجترئ المسلمون على طرقها، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثم لم نزل نتنقصهم في كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم، وفي أقصى بلادهم، وممتنع حصونهم، ثم لا نزايل بلادهم حتى يهلكهم الله. ثم كتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه من بلاد العدو، وبما صنع الله للمسلمين، وبهذا الرأي الذي رآه لهم. وأما غير يونس بن أبي إسحاق وغير من ذكرت الرواية عنه في أمر ابن الأشعث فإنه قال في سبب ولايته سجستان ومسيره إلى بلاد رتبيل غير الذي رويت عن أبي مخنف، وزعم أن السبب في ذلك كان أن الحجاج وجه هميان بن عدى السدوسي إلى كرمان، مسلحة لها ليمد عامل سجستان والسند إن احتاجا إلى مدد، فعصى هميان ومن معه، فوجه الحجاج بن الأشعث في محاربته، فهزمه، وأقام بموضعه. ومات عبيد الله بن أبي بكرة، وكان عاملاً على سجستان، فكتب الحجاج عهد ابن الأشعث عليها، وجهز إليها جيشاً أنفق عليهم ألفى ألف سوى أعطياتهم، كان يدعى جيش الطواويس، وأمره بالإقدام على رتبيل. وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، كذلك حدثن أجمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي. وقال بعضهم: الذي حج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك وكان على المدينة في هذه السنة آبان بن عثمان، وعلى العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف، وعلى خراسان المهلب بن أبي صفرة من قبل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس وأغزى عبد الملك في هذه السنة ابنه الوليد. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففي هذه السنة كان فتح قاليقلا، حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي ابن محمد، قال: أغزى عبد الملك سنة إحدى وثمانين ابنه عبيد الله بن عبد الملك، ففتح قاليقلا. ذكر الخبر عن مقتل بحير بن ورقاء بخراسان وفي هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي بخراسان. ذكر الخبر عن مقتله: وكان سبب قتله أن بحيراً كان هو الذي تولى قتل بكير بن وشاح بأمر أمية بن عبد الله إياه بذلك، فقال عثمان بن رجاء بن جابر بن شداد أحد بني عوف بن سعد من الأبناء يحض رجلا من الأبناء من آل بكير بالوتر: لعمري لقد أغضبت عيناً على القذى ... وبت بطينا من رحيق مروق وخليت ثأراً طل واخترت نومة ... ومن شرب الصهباء بالوتر يسبق فلو كنت من عوف بن سعد ذؤابة ... تركت بحيراً في دم متر قرق فقل لبحير نم ولا تخش ثائراً ... بعوف فعوف أهل شاة حبلق دع الضأن يوماً قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثاً بين غرب ومشرق وهبوا فلوا أمسى بكير كعهده ... صحيحاً لغاداهم بجأواء فيلق وقال أيضاً: فلو كان بكر بارزاً في أداته ... وذي العرش لم يقدم عليه بحير ففي الدهر إن أبقاني الدهر مطلب ... وفي الله طلاب بذاك جدير وبلغ بحيراً أن الأنباء يتوعدونه، فقال: توعدني الأنباء جهلاً كأنما ... يرون فنائي مقفراً من بني كعب رفعت له كفي بحد مهند ... حسام كلون الملح ذي رونق عضب فذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، أن سبعة عشر رجلا من بني عوف بن كعب بن سعد تعاقدوا على الطلب بدم بكير، فخرج فتى منهم يقال له الشمردل من البادية حتى قدم خراسان، فنظر إلى بحير واقفاً، فشد عليه فطعنه فصرعه، فظن أنه قد قتله، وقال الناس: خارجي، فراكضهم، فعثر فرسه فندر عنه فقتل. ثم خرج صعصعة بن حرب العوفي، ثم أحد بني جندب، من البادية وقد باع غنيمات له، واشترى حماراً، ومضى إلى سجستان فجاور قرابةً لبحير هنالك ولا طفهم، وقال: أنا رجل من بني حنيفة من أهل اليمامة، فلم يزل يأتيهم ويجالسهم حتى أنسوا به، فقال لهم: إن لي بخراسان ميراثاً قد غلبت عليه، وبلغني أن بحيراً عظيم القدر بخراسان، فاكتبوا لي إليه كتاباً يعينني على طلب حقي، فكتبوا إليه، فخرج فقدم مرو والمهلب غاز. قال: فلقي قوماً من بني عوف، فأخبرهم أمره، فقام إليه مولى لبكير صيقل، فقبل رأسه، فقال له صعصعة: اتخذ لي خنجراً، فعمل له خنجراً وأحماه وغمسه في لبن أتان مراراً، ثم شخص من مرو فقطع النهر حتى أتى عسكر المهلب وهو بأخرون يومئذ، فلقى بحيراً بالكتاب، وقال: إني رجل من بني حنيفة، كنت من أصحاب ابن أبي بكرة، وقد ذهب مالي بسجستان، ولي ميراث بمرو، فقدمت لأبيعه، وأرجع إلى اليمامة قال: فأمر له بنفقة وأنزله معه، وقال له: استعن بي على ما أحببت، قال: أقيم عندك حتى يقفل الناس، فأقام شهراً أو نحواً من شهر يحضر معه باب المهلب ومجلسه حتى عرف به، قال: وكان بحير يخاف الفتك به، ولا يأمن أحداً، فلما قدم صعصعة بكتاب أصحابه قال: هو رجل من بكر بن وائل، فأمنه، فجاء يوماً وبحير جالس في مجلس المهلب، عليه قميص ورداء ونعلان، فقعد خلفه، ثم دنا منه، فأكب عليه كأنه يكلمه، فوجأه بخنجره في خاصرته، فغيبه في جوفه، فقال الناس: خارجي!، فنادى: يا لثارات بكير، أنا ثائر ببكير! فأخذه أبو العجفاء بن أبي الخرقاء، وهو يومئذ على شرط المهلب، فأتى به المهلب فقال له: بؤساً لك! ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك، وما على بحير بأس، فقال: لقد طعنته طعنةً لو قسمت بين الناس لماتوا، ولقد وجدت ريح بطنه في يدي، فحبسه فدخل عليه السجن قوم من الأبناء فقبلوا رأسه. قال: ومات بحير من غد عند ارتفاع النهار، فقيل لصعصعة: مات بحير، فقال: اصنعوا بي الآن ما شئتم، وما بدا لكم، أليس قد حلت نذور نساء بني عوف، وأدركت بثأري! لا أبالي ما لقيت، أما والله لقد أمكني ما صنعت خالياً غير مرة، فكرهت أن أقتله سراً؛ فقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفساً بالموت صبراً من هذا؛ وأمر بقتله أبا سويقة ابن عم لبجير، فقال له أنس بن طلق: ويحك! قتل بحير فلا تقتلوا هذا، فأبى وقتله، فشمه أنس وقال آخرون: بعث به المهلب إلى بحير قبل أن يموت، فقال له أنس ابن طلق العبشمي: يا بحير، إنك قتلت بكيراً، فاستحي هذا، فقال بحير: أدنوه مني، لا والله لا أموت وأنت حي، فأدنوه منه، فوضع رأسه بين رجليه وقال: اصبر عفاق، إنه شر باق، فقال ابن طلحة لبحير: لعنك الله! أكلمك فيه وتقتله بين يدي! فطعنه بحير بسيفه حتى قتله ومات بحير، فقال المهلب: إنا لله وإنا إليه راجعون، غزوة أصيب فيها بحير؛ فغضب عوف بن كعب والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما طلب بثأره! فنازعتهم مقاعس والبطون حتى خاف الناس أن يعظم البأس، فقال أهل الحجي: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير بواءً ببكير فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة: لله در فتى تجاوز همه ... دون العراق مفاوزاً وبحوراً ما زال يدأب نفسه ويكدها ... حتى تناول في خرون بحيرا قال: وخرج عبد ربه الكبير أبو وكيع، وهو من رهط صعصعة إلى البادية، فقال لرهط بكير: قتل صعصعة بطلبه بدم صاحبكم، فودوه، فأخذ لصعصعة ديتين. ذكر الخبر عن خلاف ابن الأشعث على الحجاج قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الحجاج ومن معه من جند العراق، وأقبلوا إليه لحربه في قول أبي مخنف، وروايته لذلك عن أبي المخارق الراسبي، وأما الواقدي فإنه زعم أن ذلك كان في سنة اثنتين وثمانين. ذكر الخبر عن السبب الذي دعا عبد الرحمن بن محمد إلى ما فعل من ذلك وما كان من صنيعه بعد خلافه الحجاج في هذه السنة: قد ذكرنا فيما مضى قبل ما كان من عبد الرحمن بن محمد في بلاد رتبيل، وكتابه إلى الحجاج بما كان منه هناك، وبما عرض عليه من الرأي فيما يستقبل من أيامه في سنة ثمانين، ونذكر الآن ما كان من أمره في سنة إحدى وثمانين في رواية أبي مخنف، عن أبي المخارق. ذكر هشام عن أبي مخنف قال: قال أبو المخارق الراسبي: كتب الحجاج إلى عبد الرحمن بن محمد جواب كتابه: أما بعد، فإن كتابك أتاني، وفهمت ما ذكرت فيه، وكتابك كتاب امرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، قد صانع عدواً قليلاً ذليلاً، قد أصابوا من المسلمين جنداً كان بلاؤهم حسناً، وغناؤهم في الإسلام عظيماً. لعمرك يا بن أم عبد الرحمن؛ إنك حيث تكف عن ذلك العدو بجندي وحدي لسخى النفس عمن أصيب من المسلمين. إني لم أعدد رأيك الذي زعمت أنك رأيته رأى مكيدة، ولكني رأيت أنه لم يحملك عليه إلا ضعفك، والتياث رأيك، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم. ثم أردفه كتاباً فيه: أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا وليقيموا، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم. ثم أردفه كتاباً آخر فيه: أما بعد، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، وإلا فإن إسحاق ابن محمد أخاك أمير الناس، فخله وما وليته. فقال حين قرأ كتابه: أنا أحمل ثقل إسحاق؛ فعرض له، فقال: لا تفعل، فقال: ورب هذا - يعني المصحف - لئن ذكرته لأحد لأقتلنك. فظن أنه يريد السيف، فوضع يده على قائم السيف، ثم دعا الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني لكم ناصح، ولصلاحكم محب، ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر، وقد كان من رأيي فيما بينكم وبين عدوكم رأى استشرت فيه ذوي أحلامكم، وأولى التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأياً، ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحاً، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج، فجاءني منه كتاب يعجزني ويضعفني، ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك إخوانكم فيها بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم. فثار إليه الناس فقالوا: لا، بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع قال أبو مخنف: فحدثني مطرف بن عامر بن واثلة الكناني أن أباه كان أول متكلم يومئذ، وكان شاعراً خطيباً، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد، فإن الحجاج والله ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول إذ قال لأخيه: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، إن الحجاج والله ما يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذي لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن، فإني أشهدكم أني أول خالع. فنادى الناس من كل جانب، فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله، وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي التميمي ثانياً - وكان على شرطته حين أقبل - فقال: عباد الله، إنكم إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ما بقيتم، وجمركم تجمير فرعون الجنود، فإنه بلغني أنه أول من جمر البعوث، ولن تعاينوا الأحبة فيما أرى أو يموت أكثركم بايعوا أميركم، وانصرفوا إلى عدوكم فانفوه عن بلادكم، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه، فقال: تبايعوني على خلع الحجاج عدو الله وعلى النصرة لي وجهاده معي حتى ينفيه الله من أرض العراق فبايعه الناس، ولم يذكر خلع عبد الملك إذ ذاك بشيء قال أبو مخنف: حدثني عمر بن ذر القاص أن أباه كان معه هنالك، وأن ابن محمد كان ضربه وحبسه لا نقطاعه كان إلى أخيه القاسم بن محمد، فلما كان من أمره الذي كان من الخلاف دعاه فحمله وكساه وأعطاه، فأقبل معه فيمن أقبل، وكان قاصاً خطيباً قال أبو مخنف: حدثني سيف بن بشر العجلي، عن المنخل بن حابس العبدي أن ابن محمد لما أقبل من سجستان أمر على بست عياض ابن هميان البكري، من بني سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي ثم الدارمي، ثم بعث إلى رتبيل، فصالحه على أن ابن الأشعث إن ظهر فال خراج عليه أبداً ما بقي، وإن هزم فأراده ألجأه عنده. قال أبو مخنف: حدثني خشينة بن الوليد العبسي أن عبد الرحمن لما خرج من سجستان مقبلا إلى العراق سار بين يديه الأعشى على فرس، وهو يقول: شطت نوى من داره بالإيوان ... إيوان كسرى ذي القرى والريحان من عاشق أمسى بزابلستان ... إن ثقيفاً منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان ... أمكن ربي من ثقيف همدان يوماً إلى الليل يسلى ما كان ... إنا سمونا للكفور الفتان حين طغى في الكفر بعد الإيمان ... بالسيد الغطريف عبد الرحمن سار بجمع كالدبى من قحطان ... ومن معد قد أتى ابن عدنان بجحفل جم شديد الإرنان ... فقل لحجاج ولي الشيطان يثبت لجمع مذحج وهمدان ... فإنهم ساقوه كأس الذيقان وملحقوه بقرى ابن مروان قال: وبعث على مقدمته عطية بن عمرو العنبري، وبعث الحجاج إليه الخيل، فجعل لا يلقى خيلا إلا هزمها، فقال الحجاج: من هذا؟ فقيل له: عطية ، فذلك قول الأعشى: فإذا جعلت دروب فا ... رس خلفهم درباً فدربا فابعث عطية في الخيو ... ل يكبهن عليك كباً ثم إن عبد الرحمن أقبل يسير بالناس، فسأل عن أبي إسحاق السبيعي، وكان قد كتبه في أصحابه، وكان يقول: أنت خالي، فقيل له: ألا تأتيه فقد سأل عنك! فكره أن يأتيه، ثم أقبل حتى مر بكرمان فبعث عليهم خرشة ابن عمرو التميمي، ونزل أبو إسحاق بها، فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم، ولما دخل الناس فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس. قال أبو مخنف فيما حدثني أبو الصلت التيمي: خلع عبد الملك بن مروان تيحان بن أبجر من تيم الله بن ثعلبة، فقام فقال: أيها الناس، إني خلعت أبا ذبان كخلعي قميصي، فخلعه الناس إلا قليلاً منهم، ووثبوا إلى ابن محمد فبايعوه، وكانت بيعته: تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين، فإذا قالوا: نعم بايع. فلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك يخبره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ويسأله أن يعجل بعثه الجنود إليه، وبعث كتابه إلى عبد الملك يتمثل في آخره بهذه الأبيات، وهي للحارث بن وعلة: سائل مجاور جرم جنيت لهم ... حرباً تفرق بين الجيرة الخلط وهل سموت بجرار له لجب ... جم الصواهل بين الجم والفرط وهل تركت نساء الحي ضاحية ... في ساحة الدار يستوقدون بالغبط وجاء حختى نزل البصرة. وقد كان بلغ المهلب شقاق عبد الرحمن وهو بسجستان، فكتب إليه: أما بعد، فإنك وضعت رجلك يا بن محمد في غرز طويل الغي على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. الله الله فانظر لنفسك لا تهلكها؛ ودماء المسلمين فلا تسفكها، والجماعة فلا تفرقها، والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت: أخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه عليها من الناس، فلا تعرضها لله في سفك دم، ولا استحلال محرم والسلام عليك. وكتب المهلب إلى الحجاج: أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك وهم مثل السيل المنحدر من عل، و ليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق شرة في أول مخرجهم، وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم، فليس شيء يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم، ويثموا أولادهم، ثم واقفهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم إنا شاء الله. فلما قرأ كتابه قال: فعل الله به وفعل، لا والله مالي نظر. ولكن لابن عمه نصح. لما رقع كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن يزيد ين معاوية، ودعاه فأقرأه الكتاب، ورأى ما به من الجزع، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من قبل سجستان، فلا تخفه، وإن كان من قبل خراسان تخوفته. قال: فخرج إلى الناس فقام فيهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أهل العراق طال عليهم عمري فاستعجلوا قدري. اللهم سلط عليهم سيوف أهل الشام حتى يبلغوا رضاك، فإذا بلغوا رضاك لم يجاوزوا إلى سخطك. ثم نزل. وأقام الحجاج بالبصرة وتجهز ليلقى ابن محمد. وترك رأي المهلب وفرسان الشام يسقطون إلى الحجاج، في كل يوم مائة وخمسون وعشرة وأقل على البرد من قبل عبد الملك، وهو في كل يوم تسقط إلى عبد الملك كتبه ورسله بخبر ابن محمد أي كورة نزل، ومن أي كورة يرتحل، وأي الناس إليه أسرع. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج أن مكتبه كان بكرمان، وكان بها أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة وأهل البصرة، فلما مر بهم ابن محمد بن الأشعث، انجلفوا معه، وعزم الحجاج رأيه على استقبال ابن الأشعث، فسار بأهل الشام حتى نزل تستر، وقدم بين يديه مطهر بن حر العكي - أو الجذامى - وعبد الله بن رميشه الطائي، ومطهر على الفريقين، فجاءوا حتى انتهوا إلى دجيل، وقد قطع عبد الرحمن بن محمد خيلا له، عليها عبد الله بن أبان الحارثي في ثلثمائة فارس - وكانت مسلحةً له وللجند - فلما انتهى إليه مطهر بن حر أمر عبد الله بن رميثة الطائي فأقدم عليهم، فهزمت خيل عبد الله حتى انتهت إليه، وجرح أصحابه. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الزبير الهمداني، قال: كنت في أصحاب ابن محمد إذ دعا الناس وجمعهم إليه ثم قال: اعبروا إليه من هذا المكان، فأقحم الناس خيولهم دجيل من ذلك المكان الذي أمرهم به. فوالله ما كان بأسرع من أن عبر عظم خيولنا، فما تكاملت حتى حملنا على مطهر بن حر والطائي فهزمناهما يوم الأضحى في سنة إحدى وثمانين وقتلناهم قتلا ذريعاً، وأصبنا عسكرهم، وأتت الحجاج الهزيمة وهو يخطب، فصعد إليه أبو كعب بن عبيد بن سرجس فأخبره بهزيمة الناس، فقال: أيها الناس، ارتحلوا إلى البصرة إلى معسكر ومقاتل وطعام ومادة، فإن هذا المكان الذي نحن به لا يحمل الجند، ثم انصرف راجعاً وتبعته خيول أهل العراق، فكلما أدركوا منهم شاذاً قتلوه، وأصابوا ثقلا حووه، ومضى الحجاج لا يلوي على شيء حتى نزل الزاوية، وبعث إلى طعام التجار بالكلاء فأخذه فحمله إليه، وخلى البصرة لأهل العراق. وكان عامله عليها الحكم ابن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي. وجاء أهل العراق حتى دخلوا البصرة. وقد كان الحجاج حين صدم تلك الصدمة وأقبل راجعاً دعا بكتاب المهلب، فقرأه ثم قال: لله أبوه! أي صاحب حرب هو! أشار علينا بالرأي، ولكنا لم نقبل. وقال غير أبي مخنف: كان عامل البصرة يومئذ الحكم بن أيوب على الصلاة والصدقة، وعبد الله بن عامر بن مسمع على الشرط، فسار الحجاج في جيشه حتى نزل رستقباذ وهي من دستوري من كور الأهواز، فعسكر بها، وأقبل ابن الأشعث فنزل تستر، وبينهما نهر، فوجه الحجاج مطهر ابن حر العكي في ألفي رجل، فأوقعوا بمسلحة لابن الأشعث، وسار ابن الأشعث مبادراً، فواقعهم، وهي عشية عرفة من سنة إحدى، وثمانين فيقال: إنهم قتلوا من أهل الشام ألفاً وخمسمائة، وجاءه الباقون منهزمين، ومعه يومئذ مائة وخمسون ألف ألف، ففرقها في قواده، وضمنهم إياها، وأقبل منهزماً إلى البصر. وخطب ابن الأشعث أصحابه فقال: أما الحجاج فليس بشيء، ولكنا نريد غزو عبد الملك، وبلغ أهل البصرة هزيمة الحجاج، فأراد عبد الله بن عامر بن مسمع أن يقطع الجسر دونه، فرشاه الحكم ابن أيوب مائة ألف، فكف عنه. ودخل الحجاج البصرة، فأرسل إلى ابن عامر فانتزع المائة الألف منه. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف عن أبي الزبير الهمداني. فلما دخل عبد الرحمن بن محمد البصرة بايعه على حرب الحجاج، وخلع عبد الملك جميع أهلها من قراءها وكهولها، وكان رجل من الأزد من الجهاضن يقال له عقبة بن عبد الغافر له صحابة، فننزا فبايع عبد الرحمن مستبصراً في قتال الحجاج، وخندق الحجاج عليه، وخندق عبد الرحمن على البصرة. وكان دخول عبد الرحمن البصرة فر آخر ذي الحجة من سنة إحدى وثمانين. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الملك، كذا حدثني أحمد ابن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي، وقال: في هذه السنة ولد ابن أبي ذئب. وكان العامل في هذه السنة على المدينة أبان بن عثمان، وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف، وعلى حرب خراسان المهلب، وعلى خراجها المغيرة بن المهلب من قبل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى، وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ذكر الخبر عن الكائن من الأحداث فيها خبر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث بالزاوية فمن ذلك ما كان بين الحجاج وعبد الرحمن بن محمد من الحروب بالزاوية، ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الزبير الهمداني قال: كان دخول عبد الرحمن البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في المحرم من سنة اثنتين وثمانين، فتزاحفوا ذات يوم، فاشتد قتالهم. ثم إن أهل العراق هزموهم حتى انتهوا إلى الحجاج، وحتى قاتلوهم على خنادقهم، وانهزمت عامة قريش وثقيف، حتى قال عبيد بن موهب مولى الحجاج وكاتبه: فر البراء وابن عمه مصعب ... وفرت قريش غير آل سعيد ثم إنهم تزاحفوا في المحرم في آخره في اليوم الذي هزم فيه أهل العراق أهل الشام، فنكصت ميمنتهم وميسرتهم، واضطربت رماحهم، وتقوض صفهم، حتى دنوا منا، فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه، وانتضى نحواً من شبر من سيفه، وقال: لله در مصعب! ما كان أكرمه حين نزل به ما نزل! فعلمت أنه والله لايريد أن يفر قال: فغمزت أبي بعيني ليأذن لي فيه فأضربه بسيفي، فغمزني غمزةً شديدة، فسكنت وحانت مني التفاتة، فإذا سفيان بن الأبرد الكلبي قد حمل عليهم فهزمهم من قبل الميمنة، فقلت: أبشر أيها الأمير، فإن الله قد هزم العدو. فقال لي: قم فانظر؛ قال: فقمت فنظرت؛ فقلت: قد هزمهم الله، قال: قم يا زياد فانظر؛ قال: فقام فنظر فقال: الحق أصلحك الله يقيناً قد هزموا، فخر ساجداً، فلما رجعت شتمني أبي وقال: أردت أن تهلكني وأهل بيتي. وقتل في المعركة عبد الرحمن بن عوسجة أبو سفيان النهمي، وقتل عقبة ابن عبد الغافر الأزدي ثم الجهضي، في أولئك القراء في ربضة واحدة وقتل عبد الله بن رزام الحارثي، وقتل المنذر بن الجارود، وقتل عبد الله ابن عامر بن مسمع، وأتى الحجاج برأسه، فقال: ما كنت أرى هذا فارقني حتى جاءني الآن برأسه؛ وبارز سعيد بن يحيى ين سعيد بن العاص رجلاً يومئذ فقتله، وزعموا أنه كان مولى للفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب، كان شجاعاً يدعى نصيراً، فلما رأى مشيته بين الصفين، وكان يلومه على مشيته قال: لا ألومه على هذه المشية أبداً. وقتل الطفيل بن عامر بن واثلة، وقد كان وهو بفارس يقبل مع عبد الرحمن من كرمان إلى الحجاج: ألا طرقتنا بالغريين بعدما ... كللنا على شحط المزار جنوب أتوك يقودون المنايا وإنما ... هدتها بأولانا إليك ذنوب ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار القرار نصيب ألا أبلغ الحجاج أن قد أظله ... عذاب بأيدي المؤمنين مصيب متى نهبط المصرين يهرب محمد ... وليس بمنجي ابن اللعين هروب قال: منيتنا أمراً كان في علم الله أنك أولى به، فعجل لك في الدنيا، وهو معذبك في الآخرة. وانهزم الناس، فأقبل عبد الرحمن نحو الكوفة وتبعه من كان معه من أهل الكوفة، وتبعه أهل القوة من أصحاب الخيل من أهل البصرة. ولما مضى عبد الرحمن نحو الكوفة وثب أهل البصرة إلى عبد الرحمن ابن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فبايعوه، فقاتل بهم خمس ليال الحجاج أشد قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث وتبعه طائفة من أهل البصرة فلحقوا به، وخرج الحريش بن هلال السعدي وهو من بني أنف الناقة - وكان جريحاً - إلى سفوان فمات من جراحته، وقتل في المعركة زياد بن مقاتل بن مسمع من بني قيس بن ثعلبة، فقامت حميدة ابنته تندبه، وكان على خمس بكر بن وائل مع ابن الأشعث وعلى الرجال، فقالت: وحامي زياد على رايته ... وفر جدي بني العنبر فجاء البلتع السعدي فسمعها وهي تندب أباها، وتعيب التميمي، فجاء وكان يبيع سمناً بالمربد، فترك سمنه عند أصحابه، وجاء حتى قام تحتها فقال: علام تلومين من لم يلم ... تطاول ليلك من معصر! فإن كان أردى أباك السنان ... فقد تلحق الخيل بالمدير وقد تنطح الخيل تحت العجا ... ج غير البرى ولا المعذر ونحن منعنا لواء الحريش ... وطاح لواء بني جحدر فقال عامر بن واثلة يرثي ابنه طفيلا: خلى طفيل على الهم فانشعبا ... وهد ذلك ركني هدة عجبا وابني سمية لا أنساهما أبداً ... فيمن نسيت وكل كان لي نصبا وأخطأتني المنايا لا تطالعني ... حتى كبرت ولم يتركن لن نشبا وكنت بعد طفيل كالذي نضبت ... عنه المياه وفاض الماء فأنقضبا فلا بعير له في الأرض يركبه ... وإن سعى إثر من قد فاته لغبا وسار من أرض خاقان التي غلبت ... أبناء فارس في أربائها غلبا ومن سجستان أسباب تزينها ... لك المنية حيناً كان مجتلبا حتى وردت حياض الموت فانكشفت ... عنك الكتائب لا تخفى لها عقبا وغادروك صريعاً رهن معركة ... ترى النسور على القتلى بها عصبا تعاهدوا ثم لم يوفوا بما عهدوا ... وأسلموا للعدو السبي والسلبا يا سوءة القوم إذ تسبى نساؤهم ... وهم كثير يرون الخزي والحربا قال أبو مخنف: فحدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي أن الحجاج أقم بقية المحرم وأول صفر، ثم استعمل على البصرة أيوب ابن الحكم بن أبي عقيل، ومضى ابن الأشعث إلى الكوفة، وقد كان الحجاج خلف عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي، حليف حرب ابن أمية على الكوفة. قال أبو مخنف - كما حدثني يونس بن أبي إسحاق: إنه كان على أربعة آلاف من أهل الشام قالأبو مخنف: فحدثن سهم بن عبد الرحمن الجهني أنهم كانوا ألفين، وكان حنظلة بن الوراد من بني رياح ين يربوع التميمي وابن عتاب ابن ورقاء على المدائنن وكان مطر بن ناجية من بني يربوع على المعونة، فلما بلغه ما كان من أمر ابن الأشعث أقبل حتى دنا من الكوفة، فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر، ووثب أهل الكوفة مع مطر بن ناجية بابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام فحاصرهم، فصالحوه على أن يخرجوا ويخلوه والقصر، فصالحهم. قال أبو مخنف: فحدثني يونس بن أبي إسحاق أنه رآهم ينزلون من القصر على العجل، وفتح باب القصر باب القصر لمطر بن ناجية، فازدحم الناس على باب القصر، فزحم مطر على باب القصر، فاخترط سيفه، فضرب به جحفلة بغل من بغال أهل الشام وهم يخرجون من القصر، فألقى جحفلته ودخل القصر، واجتمع الناس عليه فأعطاهم مائتي درهم. قال يونس: وأنا رأيتها تقسم بينهم، وكان أبو السقر فيمن أعطيها. وأقبل ابن الأشعث منهزماً إلى الكوفة، وتبعه الناس إليها. وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعثقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث في قول بعضهم. قال الواقدي: كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه السنة، وفي قول بعضهم: كانت في سنة ثلاث وثمانين ذكر الخبر عن ذلك وعن سبب مصير ابن الأشعث إلى دير الجماجم وذكر ما جرى بينه وبين الحجاج بها: ذكر هشام عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الزبير الهمداني ثم الأرحبي، قال: كنت قد أصابتني جراحة، وخرج أهل الكوفة يستقبلون ابن الأشعث حين أقبل، فاستقبلوه بعدما جاز قنطرة زبارا، فلما دنا منها قال لي: إن رأيت أن تعدل عن الطريق - فلا يرى الناس جراحتك فإني لا أحب أن يستقبلهم الجرحى - فافعل. فعدلت ودخل الناس، فلما دخلى الكوفة مال إليه أهل الكوفة كلهم، وسبقت همدان إليه، فحفت به عند دار عمرو بن حريث إلا طائفة من تميم ليسوا بالكثير قد أتوا مطر بن ناجية، فأرادوا أن يقاتلوا دونه، فلم يطيقوا قتال الناس. فدعا عبد الرحمن بالسلاليم والعجل، فوضعت ليصعد الناس القصر، فصعد الناس القصر فأخذوه، فأتى به عبد الرحمن بن محمد، فقال له: استبقني فإني أفضل فرسانك وأعظمهم عنك غناء؛ فأمر به فحبس، ثم دعا به بعد ذلك فعفا عنه. وبايعه مطر، ودخل الناس إليه فبايعوه، وسقط إليه أهل البصرة وتقوضت إليه المسالح والثغور، وجاءه فيمن جاءه من أهل البصرة عبد الرحمن ابن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وعرف بذلك، وكان قد قاتل الحجاج بالبصرة بعد خروج ابن الأشعث ثلاثاً، فبلغ ذلك عبد الملك ابن مروان، فقال: قاتل الله عدى الرحمن، إنه قد فر! وقاتل غلمان من غلمان قريش بعده ثلاثاً. وأقبل الحجاج من البصرة فسار في البر حتى مر بين القادسية والعذيب، ومنعوه من نزول القادسية، وبعث إليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل المصرين فمنعوه من نزول القادسية، ثم سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة، ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم، ثم جاء ابن الأشعث فنزل بدير الجماجم والحجاج بدير قرة، فكان الحجاج بعد ذلك يقول: أما كان عبد الرحمن يزجر الطير حيث رآني نزلت دير قرة، ونزل دير الجماجم! واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم. وجاءت الحجاج أيضاً أمداده من قبل عبد الملك من قبل أن ينزل دير قرة، وقد كان الحجاج أراد قبل أن ينزل دير قرة أن يرتفع إلى هيت وناحية الجزيرة إرادة أن يقترب من الشام والجزيرة فيأتيه المدد من الشام من قريب، ويقترب من رفاغة سعر الجزيرة، فلما مر بدير قرة قال: ما بهذا المنزل بعد من أمير المؤمنين، وإن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا. فنزل فكان في عسكره مخندقاً وابن محمد في عسكره مخندقاً، والناس يخرجون في كل يوم فيقتتلون، فلا يزال أحدهما يدنى خندقه نحو صاحبه، فإذا رآه الآخر خندق أيضاً، وأدنى خندقه من صاحبه. واشتد القتال بينهم. فلما بلغ ذلك رءوس قريش وأهل الشام قبل عبد الملك ومواليه قالوا: إن كان إنما يرضى أهل العراق أن ينزع عنهم الحجاج، فإن نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق، فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم، وتحقن به دماءنا ودماهم. فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك، وبعث إلى أخيه محمد بن مروان بأرض الموصل يأمره بالقدوم عليه، فاجتمعنا جميعاً عنده؛ كلاهما في جند بهما، فأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم، وأن يجري عليهم أعطائهم كما تجري على أهل الشام، وأن ينزل ابن محمد أي بلد من عراق شاء، يكون عليه والياً ما دام حياً، وكان عبد الملك والياً؛ فإن هم قبلوا ذلك عزل عنهم الحجاج، وكان محمد بن مروان أمير العراق، وإن أبوا أن يقبلوا فالحجاج أمير جماعة أهل الشام وولى القتال، محمد بن مروان وعبد الملك في طاعته. فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان، فلما سألهم ما يريدون قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه! إن الحديد بالحديد يفلح. خار الله لك فيما ارتأيت. والسلام عليك. فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب. فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبد الله بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق، أنا عبد الله بن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذاو كذا، فذكر هذه الخصال التي ذكرنا. وقال محمد بن مروان: أنا رسول أمير المؤمنين إليكم، وهو يعرض عليكم كذا وكذا، فذكر هذه الخصال. قالوا: نرجع العشية، فرجعوا عند ابن الأشعث، فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه، فحمد الله ابن الأشعث وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد أعطيتم أمراً انتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غداً حسرة، وإنكم اليوم على النصف وإن كانوا اعتدوا بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء، والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون فلا والله لا زلتم عليهم جراء، ولا زلتم عندهم أعزاء، إن أنتم قبلتم أبداً ما بقيتم. فوثب الناس من كل جانب، فقالوا: إن الله قد أهلكهم، فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير، والسعر الرفيغ والمادة القريبة، لا والله لا نقبل. فأعادوا خلعه ثانية. وكان عبد الله بن ذواب السلمي وعمير بن تيجان أول من قام بخلعه في الجماجم، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من خلعهم إياه بفارس، فرجع محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا: شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع فقال: قد قلت لكما: إنه لا يراد بهذا الأمر غيركما، ثم قال: إنما أقاتل لكما، وإنما سلطاني سلطانكما، فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة. وقد زعم أبو يزيد السكسكي أنه إنما كان أيضاً يسلم عليهما بالإمرة إذا لقيهما، وخلياه والحرب فتولاها قال أبو مخنف: فحدثني الكلبي محمد بن السائب أن الناس لما اجتمعوا بالجماجم سمعت عبد الرحمن بن محمد وهو يقول: ألا إن بني مروان يعيرون بالزرقاء، والله مالهم نسب أصح منه إلا أن بني أبي العاص أعلاج من أهل صفورية، فإن يكن هذا الأمر في قريش فعنى فقئت بيضة قريش، وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث بن قيس - ومد بها صوته يسمع الناس - وبرزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن ابن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى خيله سفيان ابن الأبرد الكلبي، وعلى رجاله عبد الرحمن بن حبيب الحكمي، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن جارية الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى مجففته عبد الله بن رزام الحارثي، وجعل على القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وكان معه خمسة عشر رجلا من قريش، وكان فيهم عامر الشعبي، وسعيد ابن جبير، وأبو البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ثم إنهم أخذوا يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون؛ وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة ومن سوادها فيما شاءوا من خصبهم، وإخوانهم من أهل البصرة وأهل الشام في ضيق شديد، وق غلت عليهم الأسعار، وقل عندهم، الطعام، وفقدوا اللحم، وكانوا كأنهم في حصار، وهم على ذلك يغادون أهل العراق ويراوحونهم، فيقتتلون أشد القتال، وكان الحجاج يدني خندقه مرة وهؤلاء أخرى، حتى كان اليوم الذي أصيب فيه جبلة بن زحر. ثم إنه بعث إلى كميل بن زياد النخعي وكان رجلاً ركيناً وقوراً عند الحرب، له بأس وصوت في الناس، وكانت كتيبته تدعى كتيبة القراء، يحمل عليهم فلا يكادون يبرحون، ويحملون فلا يكذبون، فكانوا قد عرفوا بذلك، فخرجوا ذات يوم كما كانوا يخرجون، وخرج الناس، فعبى الحجاج أصحابه، ثم زحف في صفوفه، وخرج ابن محمد في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض، وعبى الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب، وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمي، فأقبلوا نحوهم. قال أبو مخنف: حدثني أبو يزيد السكسكي، قال: أنا والله في الخيل التي عبيت لجبلة بن زحر، قال: حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات؛ كل كتيبة تحمل حملة، فلا والله ما استنقصنا منهم شيئاً. ذكر الخبر عن وفاة المغيرة بن المهلبوفي هذه السنة توفى المغيرة بن المهلب بخراسان. ذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، قال: كان المغيرة بن المهلب خليفة أبيه بمرو على عمله كله، فمات فر رجب سنة اثنتين وثمانين، فأتى الخبر يزيد، وعلمه أهل العسكر فلم يخبروا المهلب، وأحب يزيد أن يبلغه، فأمر النساء فصرخن، فقال المهلب: ماهذا؟ فقيل: مات المغيرة، فاسترجع، وجزع حتى ظهر جزعه عليه، فلامه بعض خاصته، فدعى يزيد فوجهه إلى مرو، فجعل يوصيه بما يعمل ودموعه تنحدر على لحيته. وكتب الحجاج إلى المهلب يعزيه عن المغيرة، وكان سيداً، وكان المهلب يوم مات المغيرة مقيماً بكس وراء النهر لحرب أهلها. قال: فسار يزيد في ستين فارساً - ويقال: سبعين - فيهم مجاعة بن عبد الرحمن العتكي وعبد الله بن معمر بن سمير اليشكري، ودينار السجستاني، والهيثم بن منخل الجرموزي، وغزوان الإسكاف صاحب زم - وكان أسلم على يد المهلب - وأبو محمد الزمى، وعطية - مولى العتيك - فلقيهم خمسمائة من الترك في مفازة نسف، فقالوا: ما أنتم؟ قالوا: تجار؛ قالوا: فأين الأثقال؟ قالوا: قدمناها؛ قالوا: فأعطونا شيئاً، فأبى يزيد، فأعطاهم مجاعة ثوباً وكرابيس وقوساً، فانصرفوا ثم غدروا وعادوا إليهم، فقال يزيد: أنا كنت أعلم بهم فقاتلوهم، فاشتد القتال بينهم، ويزيد على فرس قريب من الأرض، ومعه رجل من الخوارج كان يزيد أخذه، فقال: استبصقني! فمن عليه، فقال له: ما عندك؟ فحمل عليهم حتى خالطهم وصار من وراءهم وقد قتل رجلاً، ثم كر فخالطهم حتى تقدمه وقتل رجلاً ثم رجع إلى يزيد. وقتل يزيد عظيماً من عظمائهم. ورمى يزيد في ساقه، واشتدت شوكتهم، وهرب أبو محمد الزمى، وصبر لهم يزيد حتى حاجزوهم، وقالوا: قد غدرنا، ولكن لا ننصرف حتى نموت جميعاً أو تموتوا أو تعطونا شيئاً، فحلف يزيد لا يعطيهم شيئاً، فقال مجاعة: أذكرك الله، قد هلك المغيرة، وقد رأيت ما دخل على المهلب من مصابه، فأنشدك الله أن تصاب اليوم! قال: إن المغيرة لم يعد أجله، ولست أعدوا أجلي. فرمى إليهم مجاعة بعمامة صفراء فأخذوها وانصرفوا، وجاء أبو محمد الزمى بفوارس وطعام، فقال له يزيد: أسلمتنا يا أبا محمد؛ فقال: إنما ذهبت لأجيئكم بمدد وطعام، فقال الراجز: يزيد يا سيف أبا سعيد ... قد علم الأقوام والجنود والجمع يوم المجمع المشهود ... أنك يوم الترك صلب العود وقال الأشقري: والترك تعلم إذ لاقى جموعهم ... أن قد لقوه شهاباً يفرج الظلمى بفتية كأسود الغاب لم يجدوا ... غير التأسى وغير الصبر معتصما نرى شرائج تغشى القوم من علق ... وما أرى نبوة منهم ولا كزمى وتحتهم قرح يركبن ماركبوا ... من الكريهة حتى ينتلعن دما في حازة الموت حتى جن ليلهم ... كلا الفريقين ما ولى ولا انهزما وفي هذه السنة صالح المهلب أهل كس على فدية، ورحل عنها يريد مرو. ذكر الخبر عن سبب إنصراف المهلب عن كسذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، أن المهلب اتهم قوماً من مضر فحبسهم وقفل من كس وخلفهم، وخلف حريث بن قطبة مولى خزاعة، وقال: إذا استوفيت الفدية فرد عليهم الرهن. وقطع النهر فلما صار ببلخ أقام بها وكتب إلى حريث: إني لست آمن إن رددت عليهم الرهن أن يغيروا عليك، فإذا قبضت الفدية فلا تخلى الرهن حتى تقدم أرض بلخ. فقال حريث لملك كس: إن المهلب كتب إلي أن أحبس الرهن حتى أقدم أرض بلخ، فإن عجلت لي ما عليك سلمت إليك رهائنك، وسرت فعجل لهم صلحهم، ورد عليهم من كان في أيديهم منهم. وأقبل فعرض لهم الترك، فقالوا: افد نفسك ومن معك، فقد لقينا يزيد بن المهلب ففدى نفسه. فقال حريث: ولدتني إذاً أم يزيد! وقاتلهم فقتلهم، وأسر منهم أسرى ففدوهم، فمن عليهم وخلاهم، ورد عليهم الفداء. وبلغ المهلب قوله: ولدتني أم يزيد إذاً، فقال: يا أنف العبد أن تلده رحمه! وغضب. فلما قدم عليه بلخ قال له: أين الرهن؟ قال: قبضت ماعليهم وخليتهم، قال: ألم أكتب إليك ألا تخليهم! قال: أتاني كتابك وقد خليتهم، وقد كفيت ما خفت؛ قال: كذبت، ولكنك تقربت إليهم وإلى ملكهم فأطلعته على كتابي إليك. وأمر بتجريده، فجزع من التجريد حتى ظن المهلب أن به برصا، فجرده وضربه ثلاثين صوتاً. فقال حريث: وددت أنه ضربني ثلثمائة صوت ولم يجردني، أنفاً واستحياء من التجريد، وحلف ليقتلن المهلب فركب المهلب يوماً وركب حريث، فأمر غلامين له وهو يسير خلف المهلب أن يضرباه، فأبى أحدهما وتركه وانصرف، ولم يجترئ الآخر لما صار وحده أن يقدم عليه، فلما رجع قال لغلامه: ما منعك منه؟ قال: الإشفاق والله عليك، ووالله ما جزعت على نفسي، وعلمت أنا إن قتلناه أنك ستقتل ونقتل، ولكن كان نظري لك، ولو كنت أعلم أنك تسلم من القتل لقتلته. قال: فترك حريث إتيان المهلب وأظهر أنه وجع، وبلغ المهلب، أنه تمارض وأنه يريد الفتك به، فقال المهلب لثابت بن قطبة: جئني بأخيك، فإنما هو كبعض ولدي عندي، وما كان ما كان من إليه إلا نظراً له وأدباً، ولربما ضربت بعض ولدي أؤدبه. فأتى ثابت أخاه فناشده، وسأله أن يركب. إلى المهلب، فأبى وخافه وقال: والله لا أجيئه بعد ما صنع بي ما صنع، ولا آمنه ولا يأمنني فلما رأى ذلك أخوه ثابت قال له: أما إن كان هذا رأيك فاخرج بنا إلى موسى بن عبد الله بن خازم، وخاف ثابت أن يفتك حريث بالمهلب فيقتلون جميعاً؛ فخرجا في ثلثمائة من شاكريتهما والمنقطعين إليها من العرب. خبر وفاة المهلب بن أبي صفرةقال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي المهلب بن أبي صفرة. ذكر الخبر عن سبب موته ومكان وفاته: قال علي بن محمد: حدثني المفضل، قال: مضى المهلب منصرفه من كس يريد مرو، فلما كان بزاغول من مرو الروذ أصابته الشوصة - وقوم يقولون: الشوكة - فدعا حبيباً ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: أفتروكم كاسريها متفرقة؟ قالوا: نعم؛ قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم تنسئ في الأجل، وتشري المال، وتكثر العدد؛ وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار، وتورث الذلة والقلة، فتحابوا وتواصلوا، وأجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم؛ إن بني الأم يختلفون، فكيف ببني العلات! وعليكم بالطاعة والجماعة، وليكن فعالكم أفضل من قولكم، فإن أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب وزلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته، ويزل لسانه فيهلك. إعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب واصطنعوا العرف، فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده! عليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإن كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه قيل: أتى الأمر من وجهه، ثم ظفر فحمد، وإن لم يظفر بعد الأناة قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنن، وأدب الصالحين، وإياكم والخفة وكثرة الكلام في مجالسكم، وقد استخلفت عليكم يزيد، وجعلت حبيباً على الجند حتى يقدم بهم على يزيد، فلا تخالفوا يزيد، فقال له المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه. ومات المهلب وأوصى إلى حبيب، فصلى عليه حبيب، ثم سار إلى مرو. وكتب يزيد إلى عبد الملك بوفاة المهلب واستخلافه إياه، فأقره الحجاج ويقال: إنه قال عند موته ووصيته: لو كان الأمر إلي لوليت سيد ولدي حبيباً. قال: وتوفى في ذي الحجة سنة إثنتين وثمانين، فقال نهار بن توسعة التميمي: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب أقام بمرو الروذ رهني ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب إذا قيل أي الناس أولى بنعمة ... على الناس؟ قلناه ولم نتهيب أبح لنا سهل البلاد وحزنها ... بخيل كأرسال القطا المتسرب يعرضها للطعن حتى كأنما ... يجللها بالأرجوان المخضب تطيف به قحطان قد عصبت به ... وأحلافها من حي بكر وتغلب وحيا معد عوذ بلوائه ... يفدونه بالنفس والأم والأب وفي هذه السنة ولى الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب خراسان بعد موت المهلب. وفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة؛ قال الواقدي: عزله عنها لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخر. قال: وفيها ولى عبد الملك هشام بن إسماعيل المخزومي المدينة. وعزل هشام بن إسماعيل عن قضاء المدينة لما وليها نوفل بن مساحق العامري، وكان يحيى بن الحكم هو الذي استقضاه على المدينة، فلما عزل يحيى ووليها أبان ابن عثمان أقره على قضائها؛ وكانت ولاية أبان المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاث عشرة ليلة، فلما عزل هشام بن إسماعيل نوفل بن مساحق عن القضاء ولى مكانه عمرو بن خالد الزرقي. وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عم إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان على الكوفة والبصرة والمشرق الحجاج، وعلى خراسان يزيد ابن المهلب من قبل الحجاج. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ذكر الأحداث التي كانت فيها خبر هزيمة ابن الأشعث بدير الجماجم فمما كان فيها من ذلك هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم. ذكر الخبر عن سبب انهزامه: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو الزبير الهمداني، قال: كنت في خيل جبلة بن زحل، فلما حمل عليه أهل الشام مرة بعد مرة، نادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه فقال: يا معشر القراء، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم؛ إني سمعت علياً - رفع الله درجته في الصالحين، وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين - يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، ونور في قلبه اليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه، وقال أبو البختري: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم. وقال الشعبي: يا أهل الإسلام، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم، ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار. وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة. قال أبو مخنف، قال أبو الزبير: فتهيأنا للحملة عليهم، فقال لنا جبلة: إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة، ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم. قال: فحملنا عليهم حملة بجد منا في قتالهم، وقوة منا عليهم، فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشفترت، ثم مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه، ثم انصرفنا فمررنا بجبلة صريعاً لا ندري كيف قتل. قال: فهدنا ذلك وجبنا فوقفنا موقفنا الذي كنا به، وإن قراءنا لمتوافرون، ونحن نتناعى جبلة بن زحر بيننا، كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه، بل هو في ذلك الموطن كان أشد علينا فقداً، فقال لنا أبو البختري الطائي: لا يستبينن فيكم قتل جبلة بن زحر، فإنما كان كرجل منكم أتته منيته ليومها، فلم يكن ليتقدم يومه ولا ليتأخر عنه، وكلكم ذائق ما ذاق، ومدعو فمجيب. قال: فنظرت إلى وجوه القراء فإذا الكآبة على وجوههم بينة، وإذا ألسنتهم منقطعة، وإذا الفشل فيهم قد ظهر، وإذا أهل الشام قد سروا وجذلوا، فنادوا: يا أعداء الله، قد هلكتم، وقد قتل الله طاغوتكم. قال أبو مخنف: فحدثني أبو يزيد السكسكي أن جبلة حين حمل هو وأصحابه علينا انكشفنا، وتبعونا، وافترقت منا فرقة فكانت ناحية، فنظرنا فإذا أصحابه يتبعون أصحابنا، وقد وقف لأصحابه ليرجعوا إليه على رأس رهوة، فقال بعضنا، هذا والله جبلة بن زجر، إحملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال عنه لعلكم تصيبونه. قال: فحملنا عليه، فأشهد ما ولى، ولكن حنل علينا بالسيف. فلما هبط من الرهوة شجرناه بالرماح فأذريناه عن فرسه فوقع قتيلاً، ورجع أصحابه، قلما رأيناهم مقبلين تنحينا عنهم، فلما رأوه قتيلاً رأينا من إسترجاعهم وجزعهم ما قرت به أعيننا؛ قال: فتبينا ذلك في قتالهم إيانا وخوجهم إلينا قال أبو مخنف: حدثني سهم بن عبد الرحمن الجهني، قال: لما أصيب جبلة هد الناس مقتله، حتى قدم علينا بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، فشجع الناس مقدمه، وقالوا: هذا يقوم مقام جبلة، فسمع هذا القول من بعضهم أبو البختري، فقال: قبحتم! إن قتل منكم رجل واحد ظننتم أن قد أحيط بكم، فإن قتل الآن ابن مصقلة ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة، وقلتم: لم يبق أحد يقاتل معه! ما أخلقكم أن يخلف رجاؤنا فيكم! وكان مقدم بسطام من الري، فالتقى هو وقتيبة في الطريق، فدعاه قتيبة إلى الحجاج وأهل الشام، ودعاه بسطام إلى عبد الرحمن وأهل العراق، فكلاهما أبى على صاحبه، وقال بسطام: لأن أموت مع أهل العراق أحد إلي من أن أعيش مع أهل الشام، وكان قد نزل ماسبذان؛ فلما قدم قال لابن محمد: أمرني على خيل ربيعة؛ ففعل، فقال لهم: يا معشر ربيعة، إن في شرسفة عند الحرب فاحتملوها لي - وكان شجاعاً - فخرج الناس ذات يوم ليقتتلوا، فحمل في خيل ربيعة حتى دخل عسكرهم، فأصابوا فيهم نحواً من ثلاثين امرأة من بين أمة وسرية، فأقبل بهن حتى إذا دنا من عسكره ردهن، فجئن ودخلن عسكر الحجاج، فقال: أولى لهم! منع القوم نساءهم، أما لو لم يردوهن لسبيت نساؤهم غداً إذا ظهرت. ثم اقتتلوا يوماً آخر بعد ذلك، فحمل عبد الله بن مليل الهمداني في خيل له حتى دخل عسكرهم فسبا ثماني عشر امرأة، وكان معه طارق بن عبد الله الأسدي - وكان رامياً - فخرج شيخ من أهل الشام من فسطاطة، فأخذ الأسدي يقول لبعض أصحابه: استر مني هذا الشيخ لعلني أرميه أو أحمل عليه فأطعنه، فإذا الشيخ يقول رافعاً صوته: اللهم لمنا وإياهم بعافية؛ فقال الأسدي: ما أحب أن أقتل مثل هذا، فتركه، وأقبل ابن مليل بالنساء غير بعيد؛ ثم خلى سبيلهن أيضاً، فقال الحجاج مثل مقالته الأولى. قال هشام: قال أبي: أقبل الوليد بن نحيت الكلبي من بني عامر في كتيبة إلى جبلة بن زحر، فانحط عليه الوليد بن رابية - وكان جسيماً، وكان جبلة رجلا ربعة - فالتقيا، فضربه على رأسه فسقط، وانهزم أصحابه وجيء برأسه. قال هشام: فحدثني بهذا الحديث أبو مخنف وعوانة الكلبي،قال: لما جيء برأس جبلة بن زحر إلى الحجاج حمله على رمحين ثم قال: يا أهل الشام، أبشروا؛ هذا أول الفتح، لا والله ما كانت فتنة قط فخبت حتى يقتل فيها عظيم من عظماء أهل اليمن، وهذا من عظمائهم. ثم خرجوا ذات يوم فخرج رجل من أهل الشام يدعوا إلى المبارزة، فخرج إليه الحجاج ابن جارية، فحمل عليه، فطعنه فأذاره وحمل أصحابه فاستنقذوه، فإذا هو رجل من خثعمة يقال له أبو الدرداء فقال الحجاج بن جارية: أما إني لم أعرفه حتى وقع، ولو عرفته ما بارزته ما أحب أن يصاب من قومي مثله. وخرج عبد الرحمن بن عوف الرؤاسي أبو حميد فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ابن عم له من أهل الشام، فاضطربا بسيفيهما، فقال كل واحد منهما: أنا الغلام الكلابي، فقال كل واحد منهما لصاحبه: من أنت؟ فلما تساءلا تحاجزا. وخرج عبد الله بن رزام الحارثي إلى كتيبة الحجاج، وقال: اخرجوا لي رجلا رجلا، فأخرج إليه رجل، فقتله ثم فعل ذلك ثلاثة أيام، يقتل كل يوم رجلاً، حتى إذا كان اليوم الرابع أقبل، فقالوا: قد جاء لا جاء الله به! فدعا إلى المبارزة، فقال الحجاج للجراح: اخرج إليه، فخرج إليه، فقال له عبد الله بن رزام - وكان له صديقاً: ويحك يا جراح! ما أخرجك إلي! قال: قد ابتليت بك، قال: فهل لك في خير؟ قال: ما هو؟ قال: أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأما أنا فإني أحتمل مقالة الناس في إنهزامي عنك حباً لسلامتك، فإني لا أحب أن أقتل من قومي مثلك؛ قال: فافعل، فحمل عليه فأخذ يستطرد له - وكان الحارثي قد قطعت لهاته، وكان يعطش كثيراً، وكان معه غلامه له معه إدواة من ماء، فكلما عطش سقاه الغلام - فاطرد له الحارثي، وحمل عليه الجراح حملة بجد لا يريد إلا قتله، فصاح به غلامه: إن الرجل جاد في قتلك! فعطف عليه فضربه بالعمود على رأسه فصرعه، فقال لغلامه: إنضح على وجهه من ماء الإدواة، واسقه؛ ففعل ذلك به، فقال: يا جراح، بئسما ما جزيتني، أردت بك العافية وأردت أن تزريني المنية! فقال: لم أرد ذلك، فقال: انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة. قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن صالح بن كيسان، قال: قال سعيد الحرشي: أنا في صف القتال يومئذ إذ خرج رجل من أهل العراق، يقال له: قدامة بن الحريش التميمين فوقف بين الصفين، فقال: يا معشر جرامقة أهل الشام، إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن أبيتم فليخرج إلي رجل، فخرج إليه رجل من أهل الشام فقتله، حتى قتل أربعة، فلما رأى ذلك الحجاج أمر منادياً فنادى: لا يخرج إلى هذا الكلب أحد، قال: فكف الناس. قال سعيد الحبشي: فدنوت من الحجاج فقلت: أصلح الله الأمير! إنك رأيت ألا يخرج إلى هذا الكلب أحد، وإنما هلك من هلك من هؤلاء النفر بآجالهم، ولهذا الرجل آجل، وأرجو أن يكون قد حضر، فأذن لأصحابي الذين قدموا معي فليخرج إليه رجل منهم، فقال الحجاج: إن هذا الكلب لم يزل هذا له عادة وقد أرعب الناس، وقد أذنت لأصحابك، فمن أحب أن يقوم فليقم. فرجع سعيد الحرشي إلى أصحابه فأعلمهم، فلما نادى ذلك الرجل بالبراز برز إليه رجل من أصحاب الحرشي، فقتله قدامة، فشق ذلك على سعيد، وثقل عليه لكلامه الحجاج، ثم نادى قدامة: من يبارز؟ فدنا سعيد من الحجاج، فقال: أصلح الله الأمير! إئذن لي في ا لخروج إلى هذا الكلب. فقال: وعندك ذلك؟ قال سعيد: نعم، أنا كما تحب؛ فقال الحجاج: أرني سيفك، فأعطاه إياه، فقال الحجاج: معي سيف أثقل من هذا، فأمر له بالسيف، فأعطاه إياه، فقال الحجاج - ونظر إلى سعيد فقال: ما أجود درعك وأقوى فرسك! ولا أدري كيف تكون مع هذا الكلب! قال سعيد: أرجو أن يظفرني الله به؛ قال الحجاج: اخرج على بركة الله. قال سعيد: فخرجت إليه، فلما دنوت منه، قال: قف يا عدو الله، فوقفت، فسرني ذلك منه، فقال: إختر إما أن تمكني فأضربك ثلاثاً، وإما أن أمكنك فتضربني ثلاثاً، ثم تمكنني. قلت: أمكني، فوضع صدره على قربوسه ثم قال: إضرب، فجمعت يدي على سيفي، ثم ضربت على المغفر متمكناً، فلم يصنع شيئاً، فساءني ذلك من سيفي ومن ضربتي، ثم أجمع رأيي أن أضربه على أصل العاتق، فإما أن أقطع وإما أن أوهن يده عن ضربته، فضربته فلم أصنع شيئاً؛ فساءني ذلك ومن غاب عني ممن هو في ناحية العسكر حين بلغه ما فعلت، والثالثة كذلك. ثم اخترط سيفاً ثم قال: أمكني، فأمكنته، فضربني ضربةً صرعني منها، ثم نزل عن فرسه وجلس على صدري، وانتزع من خفيه خنجراً أو سكيناً فوضعها على حلقي يريد ذبحي، فقلت له: أنشدك الله! فإنك لست مصيباً من قتلي الشرف والذكر مثل ما أنت مصيب من تركي، قال: ومن أنت؟ قلت: سعيد الحرشي، قال: أولى يا عدو الله! فانطلق فأعلم صاحبك ما لقيت. قال سعيد: فانطلقت أسعى حتى أنتهيت إلى الحجاج، فقال: كيف رأيت! فقلت: الأمير كان أعلم بالأمر. رجع الحديث إلى الحديث أبي مخنف، عن أبي يزيد، قال: وكان أبو البختري الطائي وسعيد بن جبير يقولان: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً " إلى آخر الآية، ثم يحملان حتى يواقعا الصف. قال أبو المخارق: قاتلناهم مائة يوم سواء أعدها عداً. قال: نزلنا دير الجماجم مع ابن محمد غداة الثلاثاء ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وهزمنا يوم الأربعاء بأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة عند إمتداد الضحى ومتوع النهار، وما كنا قط أجرأ عليهم ولا هم أهون علينا منهم في ذلك اليوم. قال: خرجنا إليهم وخرجوا إلينا يوم الأربعاء، لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة، فقاتلناهم عامة النهار أحسن قتال قاتلناهموه قط، ونحن أمنون من الهزيمة، عالون بالقوم، إذ خرج سفيان بن الأبرد الكلبي في الخيل من قبل ميمنة أصحابه، حتى دنا من الأبرد بن قرة التميمي، وهو على ميسرة عبد الرحمن بن محمد، فوالله ما قاتله كبير كبير قتال حتى انهزم، فأنكرها الناس منه، وكان شجاعاً ولم يكن الفرار له بعادة، فظن الناس أنه قد كان أومن، وصولح على أن ينهزم بالناس، فلما فعلها تقوضت الصفوف من نحوه، وركب الناس وجوههم وأخذوا في كل وجه، وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر، فأخذ ينادي الناس: عباد الله، إلي أنا ابن محمد؛ فأتاه عبد الله بن رزام الحارثي، فوقف تحت منبره، وجاء عبد الله بن ذؤاب السلمي في خيل له، فوقف منه قريباً، وثبت حتى دنا منه أهل الشام، فأخذت نبلهم تحوزه، فقال: يا بن رزام، احمل على هذه الرجال والخيل، فحمل عليهم حتى أمعنوا. ثم جاءت خيل لهم أخرى ورجال، فقال: احمل عليهم يا بن ذؤاب، فحمل عليهم حتى أمعنوا، وثتب لا يبرح منبره، ودخل أهل الشام العسكر، فكبروا، فصعد إليه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدي - وكانت مليكة ابنة أخيه امرأة عبد الرحمن - فقال: إنزل، فإني أخاف عليك إن لم تنزل أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعاً يهلكهم الله به بعد اليوم. فنزل وخلى أهل العراق العسكر، وانهزموا لا يلوون على شيء، ومضا عبد الرحمن بن محمد مع ابن جعدة بن هبيرة ومعه أناس من أهل بيته؛ حتى إذا حاذوا قرية بني جعدة بالفلوجة دعوا بمعبر، فعبروا فيه، فانتهى إليهم بسطام بن مصقلة، فقال: هل في السفينة عبد الرحمن بن محمد؟ فلم يكلموه، وظن أنه فيهم، فقال: " لا وألت نفس عليها تحاذر " ضرم قيس على البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما ثم جاء حتى انتهى إلى بيته وعليه السلاح وهو على فرسه لم ينزل عنه، فخرجت إليه ابنته فالتزمها، وخرج إليه أهله يبكون، فأوصاهم بوصية وقال: لا تبكوا، أرأيتم إن لم أترككم، كم عسيت أن أبقى معكم حتى أموت! وإن أنا مت فإن الذي رزقكم الآن حي لا يموت، وسيرزقكم بعد وفاتي كما رزقكم في حياتي؛ ثم ودع أهله وخرج من الكوفة. قال أبو مخنف: فحدثني الكلبي محمد بن السائد، أنهم لما هزموا ارتفاع النهار حين امتد ومتع، قال: جئت أشتد ومعي الرمح والسيف والترس حتى بلغت أهلي من يومي، ما ألقيت شيئاً من سلاحي، فقال الحجاج: اتركوهم فليتبدلوا ولا تتبعوهم، ونادى المنادي من رجع فهو آمن. ورجع محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام بعد الوقعة، وخليا الحجاج والعراق، وجاء الحجاج حتى دخل الكوفة، وأجلس مصقلة ابن كرب بن رقبة العبدي إلى جنبه، وكان خطيباً فقال: إشتم كل امرئ بما فيه ممن كنا أحسنا إليه، فاشتمه بقلة شكره، ولؤم عهده؛ ومن علمت منه عيباً فعبه بما فيه، وصغر إليه نفسه. وكان لا يبايعه أحد إلا قال له: أتشهد أنك قد كفرت؟ فإذا قال: نعم، بايعه وإلا قتله، فجاء إليه رجل من خثعم ق كان معتزلاً للناس جميعاً من وراء الفرات، فسأله عن حاله فقال: ما زلت معتزلاً وراء هذه النطفة، منتظراً أمر الناس حتى ظهرت، فأتيتك لأبايعك مع الناس؛ قال: أمتربص! أتشهد أنك كافر؟ قال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر؛ قال: إذاً أقتلك؛ قال: وإن قتلتني فوالله ما بقي من عمري إلا ظمء حمار، وإني لأنتظر الموت صباح مساء، قال: اضربوا عنقه، فضربت عنقه، فزعموا أنه لم يبقى حوله قرشي ولا شامي ولا أحد من الحزبين إلا رحمه ورثى له من القتل. ودعا بكميل بن زياد النخعي فقال له: أنت المقتص من عثمان أمير المؤمنين؟ قد كنت أحب أن أجد عليك سبيلاً، فقال: والله ماأدري على أينا أشد غضباً؟ عليه حين أقاد من نفسه، أم على حين عفوت عنه؟ ثم قال: أيها الرجل من ثقيف، لا تصرف عن أنيابك، ولا تهدم على تهدم الكثيب، ولا تكثر كثران الذئب، والله ما بقي من عمري إلا ظمء الحمار، فإنه يشرب غدوة ويموت عشية، ويشرب عشية ويموت غدوة، اقض ما أنت قاض، فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب، قال الحجاج إن الحجة عليك، قال: ذلك إن كان القضاء إليك، قال: بلى كنت فيمن قتل عثمان، وخلعت أمير المؤمنين، اقتلوه. فقدم فقتل، قتله أبو الجهم بم كنانة الكلبي من بني عامر بن عوف، ابن عم منثور بن جمهور. وأتى بآخر من بعده، فقال الحجاج: إني أرى رجلاً ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال: أخادعي عن نفسي! أنا أكفر أهل الأرض، واكفر من فرعون ذي الأوتاد، فضحك الحجاج وخلى سبيله. وأقام بالكوفة شهراً، وعزل أهل الشام عن بيوت أهل الكوفة هزيمة ابن الأشعث وأصحابه في وقعة مسكنوفي هذه السنة كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الأشعث بعدما انهزم من دير الجماجم. ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وعن صفتها: قال هشام: حدثني أبو مخنف، عن أبي يزيد السكسكي، قال: خرج محمد بن سعيد بن أبي وقاص بعد وقعة الجماجم حتى نزل المدائن، واجتمع إليه ناس كثير، وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن شمرة بن حبيب بن عبد شمس القرشي حتى أتى البصرة وبها أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، ابن عم الحجاج، فأخذها، وخرج عبد الرحمن بن محمد حتى قدم البصرة وهو بها، فاجتمع الناس إلى عبد الرحمن ونزل، فأقبل عبيد الله حينئذ إلى ابن محمد بن الأشعث، وقال له: إني لم أرد فراقك، وإنما أخذتها لك. وخرج الحجاج فبدأ بالمدائن، فأقام عليها خمساً حتى هيأ الرجال في المعابر، فلما بلغ محمد بن سعد عبورهم إليهم خرجوا حتى لحقوا بابن الأشعث جميعاً. وأقبل نحو الحجاج، فخرج الناس معه إلى مسكن على دجيل، وأتاه أهل الكوفة والفلول من الأطراف، وتلاوم الناس على الفرار، وبايع أكثرهم بسطام بن مصقلة على الموت، وخندق عبد الرحمن على أصحابه، وبشق الماء من جانب، فجعل القتال من وجه واحد، وقدم عليه خالد بن جرير بن عبد الله القسري من خراسان في ناس من بعث الكوفة ، فاقتتلوا خمس عشرة ليلة من شعبان أشد القتال حتى قتل زياد بن غنيم القيني، وكان على مسالح الحجاج، فهده ذلك واصحابه هداً شديداً. قال أبو مخنف: حدثني أبو جهضم الأزدي، قال: بات الحجاج ليله كله يسير فينا يقول لنا: إنكم أهل الطاعة، وهم أهل المعصية، وأنتم تسعون في رضوان الله، وهم يسعون في سخط الله، وعادة الله عندكم فيهم حسنة؛ ما صدقتموهم في موطن قط ولا صبرتم إلا أعقبكم الله النصر عليهم والظفر بهم؛ قأصبحوا إليهم عادين جادين، فإني لست أشك في النصر إن شاء الله. قال: فأصبحنا، وقد عبأنا في السحر، فباكرناهم فقاتلناهم أشد قتال قاتلناهموه قط، وقد جاءنا عبد الملك بن المهلب مجففاً، وقد كشفت خيل سفيان بن الأبرد، فقال له الحجاج: ضم إليك يا عبد الملك هذا النشر لعلي أحمل عليهم، ففعل، محمل الناس من كل جانب، فانهزم أهل العراق أيضاً، وقتل أبو البختري الطائي وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقالا قبل أن يقتلا: إن الفرار كل ساعة بنا لقبيح. فأصيبا. قال: ومشى بسطام بن مصقلة الشيباني في أربعة آلاف من أهل الحفاظ من أهل المصرين، فكسروا جفون السيوف، وقال لهم ابن مصقلة: لو كنا إذا فررنا بأنفسنا من الموت نجونا منه فررنا، ولكنا قد علمنا أنه نازل بنا عما قليل، فأين المحيد عما لابد منه! يا قوم إنكم محقون، فقاتلوا على الحق، والله لو لم تكونوا على الحق لكان موت في عز خيراً من حياة في ذل. فقاتل هو وأصحابه قتالاً شديداً كشفوا فيه أهل الشام مراراً، حتى قال الحجاج: علي بالرماة لايقاتلهم غيرهم، فلنا جاءتهم الرماة وأحاط بهم الناس من كل جانب قتلوا إلا قليلاً، وأخذ بكير بن ربيعة بن ثروان الضبي أسيراً، فأتى به الحجاج فقتله. قال أبو مخنف: فحدثني أبو الجهضم، قال: جئت بأسير كان الحجاج يعرفه بالبأس، فقال الحجاج: يا أهل الشام، إنه من صنع الله لكم أن هذا غلام من الغلمان جاء بفارس أهل العراق أسيراً، اضرب عنقه، فقتله. قال: ومضى ابن الأشعث والفل من المنهزمين معه نحو سجستان فأتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن الحجاج وعمارة أمير على القوم؛ فسار عمارة بن تميم إلى عبد الرحمن فأدركه بالسوس، فقاتله ساعة من نهار، ثم إنه انهزم هو وأصحابه فمضوا حتى أتوا سابور، واجتمعت إلى عبد الرحمن بن محمد الأكراد مع من كان من الفلول، فقاتلهم عمارة بن تميم قتالاً شديداً على العقبة حتى جرح عمارة وكثير من أصحابه، ثم انهزم عمارة وأصحابه وخلوا لهم عن العقبة، ومضى عبد الرحمن مر بكرمان. قال الواقدي: كانت وقعة الزاوية بالبصرة في المحرم سنة ثلاث وثمانين. قال أبو مخنف: حدثني سيف الله بن بشر العجلي، من المنخل بن حابس العبدي، قال: لما دخل عبد الرحمن بن محمد كرمان تلقاه عمرو بن لقيط العبدي - وكان عامله فيها - فهيأ له نزلاً فنزل، فقال له شيخ من عبد القيس يقال له معقل: والله لقد بلغنا عنك يا بن الأشعث أن قد كنت جباناً، فقال عبد الرحمن: والله ما جبنت، والله لقد دلفت الرجال بالرجال، ولففت الخيل بالخيل، ولقد قاتلت فارساً، وقاتلت راجلاً، وما انهزمت، ولا تركت العرصة للقوم في موطن حتى لا أجد مقاتلاً ولا أرى معي مقاتلاً، ولكني زاولت ملكاً مؤجلاً. ثم إنه مضى بمن معه حتى فوز في مفازة كرمان. قال أبو مخنف: فحدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي، قال: لما مضى ابن محمد في مفازة كرمان وأتبعه أهل الشام دخل بعض أهل الشام قصراً في المفازة، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من شعر أبي جدة اليشكري، وهي قصيدة طويلة: أيا لهفاً ويا حزناً جميعاً ... ويا حر الفؤاد لما لقينا! تركنا الدين والدنيا جميعاً ... وأسلمنا الحلال والبنينا فما كنا أناساً أهل دين ... فنصبر في البلاء إذا ابتلينا وما كنا أناساً أهل ديناً ... فنمنعها ولو لم نرج دينا تركنا دورنا لطغام عك ... وأنباط القرى والأشعرينا ثم إن ابن محمد مضى حتى خرج من زرنج مدينة سجستان، وفيها رجل من بني تميم قد كان عبد الرحمن استعمله عليها، يقال له عبد الله بن عامر البعار من بني مجاشع بن دارم، فلما قدم عليه عبد الرحمن بن محمد منهزماً أغلق باب المدينة دونه، ومنه دخولها، فأقام عليها عبد الرحمن أياماً رجاء افتتاحها ودخولها. فلما رأى أنه لا يصل إليها خرج حتى أتى بست، وقد كان استعمل عليها رجلاً من بكر بن وائل يقال له عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسي، فاستقبله، وقال له: انزل، فجاء حتى نزل به، وانتظر حتى غفل أصحاب عبد الرحمن وتفرقوا عنه وثب عليه فأوثقه، وأراد أن يأمن به عند الحجاج. ويتخذ بها عنده مكاناً.وقد كان رتيبل سمع يمقدم عبد الرحمن عليه، فاستقبله في جنوده، فجاء رتيبل حتى أحاط ببست، ثم نزل وبعث إلى البكري: والله لئن آذيته بما يقذى عينه، أو ضررته ببعض المضرة، أو رزأته حبلاً من شعر لاأبرح العرصة حتى أستنزلك فأقتلك وجميع من معك، ثم أسبي ذراريكم، وأقسم بين الجند أموالكم. فأرسل إليه البكري أن أعطانا أماناً على أنفسنا وأموالنا، ونحن ندفعه إليك سالماً، وما كان له من مال موفراً. فصالحهم على ذلك وآمنهم، ففتحوا لابن الأشعث الباب وخلوا سبيله، فأتى رتيبل فقال له: إن هذا كان عاملي على هذه المدينة، وكنت حيث وليته واثقاً به، مطمئناً إليه. فغدر بي وركب مني ما قد رأيت، فأذن لي في قتله، قال: قد آمنته وأكره أن أغدر به، قال: فأذن لي دفعه ولهزه، والتصغير به، قال: أما هذا فنعم. ففعل به عبد الرحمن بن محمد، ثم مضى حتى دخل مع رتيبل بلاده، فأنزله رتيبل عنده وأكرمه وعظمه، وكان معه ناس من الفل كثير. ثم إن عظم الفلول وجماعة أصحاب عبد الرحمن ومن كان لا يرجو الأمان من الرؤوس والقادة الذين نصبوا للحجاج في كل موطن مع ابن الأشعث، ولم يقبلوا أمان الحجاج في أول مرة، وجهدوا عليه الجهد كله، اقبلوا في أثر ابن الأشعث وفي طلبه حتى سقطوا بسجستان، فكان بها منهم وممن تبعهن من أهل سجستان وأهل البلد نحو من ستين ألفاً، ونزلوا على عبد الله بن عامر البعار فحصروه، وكتبوا إلى عبد الرحمن يخبرونه بقدومهم وعددهم وجماعتهم، وهو عند رتبيل. وكان يصلي بهم عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فكتبوا إليه: أن أقبل إلينا لعلنا نسير إلى خراسان، فإن بها منا جنداً عظيماً، فلعلهم يبايعوننا على قتال أهل الشام، وهي بلاد واسعة عريضة، وبها الرجال والحصون. فخرج إليهم عبد الرحمن بن محمد بمن معه، فحصروا عبد الله بن عامر البعار حتى استنزلوه، فأمر به عبد الرحمن فضرب وعذب وحبس. وأقبل نحو عمارة بن تميم في أهل الشام، فقال أصحاب عبد الرحمن بن محمد لعبد الرحمن: اخرج بنا عن سجستان فلندعها له ونأتي خراسان، فقال عبد الرحمن بن محمد: على خراسان يزيد بن المهلب، وهو شاب شجاع صارم، وليس بتارك لكم سلطانه، ولوا دخلتموها وجدتموه إليكم سريعاً، ولن يدع أهل الشام أتباعكم، فأكره أن يجتمع عليكم أهل خراسان وأهل الشام، وأخاف ألا تنالوا ما تطلبون، فقالوا: إنما أهل خراسان منا، ونحن نرجو أن لو قد دخلناها ان يكون من يتبعنا منهم أكثر ممن يقاتلنا، وهو أرض طويلة عريضة ننتحي فيها حيث شئنا، ونمكث حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك، أونرى من رأينا. فقال لهم عبد الرحمن: سيروا على أسم الله. فساروا حتى بلغوا هراة، فلم يشعروا بشيء حتى خرج من عسكره عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشي في ألفين، ففارقه، فأخذ طريقاً سوى طريقهم، فلما أصبح ابن محمد قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني قد شهدتكم في هذه المواطن، وليس فيها مشهد إلا أصبر لكم فيه نفسي حتى لا يبقى منكم أحد، فلما رأيت أنكم لا تقاتلون، ولا تصبرون، أتيت ملجأ ومأمناً فكنت فيه،فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا، فإنا قد اجتمعنا وأمرنا واحد، لعلنا نقاتل عدونا، فأتيتكم فرأيت أن أمضي إلى خراسان وزعمتم أنكم مجتمعون لي، وأنكم لن تفرقوا عني. ثم هذا عبيد الله بن عبد الرحمن قد صنع ما قد رأيتم، فحسبي منكم يومي هذا فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبله، فمن أحب منكم أن يتبعني فليتبعني. ومن كره ذلك فليذهب حيث أحب في عياذ من الله. فتفرقت منهم طائفة، ونزلت معه طائفة، وبقى عظم العسكر، فوثبوا إلى عبد الرحمن بن العباس لما انصرف عبد الرحمن، فبايعوه، ثم مضى ابن محمد إلى رتبيل ومضوا هم إلى خراسان حتى انتهوا إلى هراة فلقوا بها الرقاد الأزدي من العتيك، فقتلوه، وسار إليهم يزيد بن المهلب. وأما على بن محمد المدائني فإنه ذكر عن المفضل بن محمد أن ابن الأشعث لما انهزم من مسكن مضى إلى كابل، وأن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة أتى هراة، فذم ابن الأشعث وعابه بفراره، وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان فانضم إليه فل ابن الأشعث، فسار إلى خراسان في جمع يقال في عشرين ألفاً، فنزل هراة ولقوا الرقاد بن عبيد العتكي فقتلوه، وكان مع عبد الرحمن من عبد القيس عبد الرحمن بن المنذر بن الجارود، فأرسل إليه يزيد بن المهلب: قد كان لك في البلاد متسع، ومن هو أكل مني حداً وأهون شوكة، فارتحل إلى بلد ليس فيه سلطان، فإني أكره قتالك، وإن أحببت أن أمدك بمال لسفرك أعنتك به؛ فأرسل إليه: ما نزلنا هذه البلاد لمحاربة ولا لمقام، ولكنا أردنا أن نريح، ثم نشخص إن شاء الله، وليست بنا حاجة إلى ما عرضت، فانصرف رسول يزيد إليه، وأقبل الهاشمي على الجباية، وبلغ يزيد، فقال: من أراد أن يريح ثم يجتاز لم يجب الخراج؛ فقدم المفضل في أربعة آلاف - ويقال في ستة آلاف - ثم أتبعه في أربعة آلاف، ووزن يزيد نفسه بسلاحه، فكان أربعمائة رطل، فقال: ما أراني إلا قد ثقلت عن الحرب، أي فرس يحملني! ثم دعا بفرسه الكامل فركبه، واستخلف على مرو خاله جديع بن يزيد، وصير طريقه على مرو الروذ، فأتى قبر أبيه فأقام عنده ثلاثة أيام، وأعطى من معه مائة درهم مائة درهم، ثم أتى هراة فأرسل إلى الهاشمي: قد أرحت وأسمنت وجبيت، فلك ما جبيت، وإن أردت زيادة زدناك، فاخرج فوالله ما أحب أن أقاتلك. قال: فأبى إلا القتال ومعه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، ودس الهاشمي إلى جند يزيد يمنيهم ويدعوهم إلى نفسه، فأخبر تعضهم يزيد، فقال: جل الأمر عن العتاب، أتغدى بهذا قبل أن يتعشى بي؛ فسار إليه حتى تدانى العسكران، وتأهبوا للقتال، وألقى ليزيد كريس فقعد عليه، وولى الحرب أخاه المفضل، فأقبل رجل من أصحاب الهاشمي - يقال له خليد عينين من عبد القيس - على ظهر فرسه، فرفع صوته فقال: دعت يا يزيد بن المهلب دعوةً ... لها جزع ثم استهلت عيونها ولو يسمع الداعي النداء أجابها ... بصم القنا والبيض تلقى جفونها وقد فر أشراف العراق وغادروا ... بها بقرا للحين جما قرونها وأراد أن يحض يزيد، فسكت يزيد طويلا حتى ظن الناس أن الشعر قد حركه، ثم قال لرجل: ناد وأسمعهم، جشموهم ذلك، فقال خليد: لبئس المنادي والمنوه باسمه ... تناديه أبكار العراق وعونها يزيد إذا يدعى ليوم حفيظة ... ولا يمنع السو آت إلا حصونها فأني أراه عن قليل بنفسه ... يدان كما قد كان قبل يدينها فلا حرة تبكيه لكن نوائح ... تبكي عليه البقع منها وجونها فقال يزيد للمفضل: قدم خيلك، فتقدم بها، وتهايجوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى تفرق الناس عن عبد الرحمن، وصبر وصبرت معه طائفة من أهل الحفاظ، وصبر معه العبديون، وحمل سعد بن نجد القردوسي على حليس الشيباني وهو أمام عبد الرحمن، فطعنه حليس فأذراه عن فرسه، وحماه أصحابه، وكثرهم الناس فانكشفوا، فأمر يزيد بالكف عن اتباعهم، وأخذوا ما كان في عسكرهم، وأسروا منهم أسرى، فولى يزيد عطاء بن أبي السائب العسكر، وأمره بضم ما كان فيه، فأصابوا ثلاث عشرة امرأة، فأتوا بهن يزيد، فدفعهن إلى مرة بن عطاء بن أبي السائب، فحملهن إلى الطبسين، ثم حملهن إلى العراق. وقال يزيد لسعد بن نجد: من طعنك؟ قال: حليس الشيباني، وأنا والله راجلا أشد منه وهو فارس. قال: فبلغ حليساً، فقال: كذب و الله، لأنا أشد منه فارساً وراجلاً. وهرب عبد الرحمن بن منذر بن بشر بن حارثة فصار إلى موسى بن عبد الله بن خازم، قال: فكان في الأسرى محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن ==========================================ج21. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري موسى بن عبيد الله بن معمر، وعياش بن الأسود بن عوف الزهري والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز حصين، وأبو العلج مولى عبيد الله بن معمر، ورجل من آل أبي عقيل، وسوار بن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف، وعبد الله بن فضالة الزهراني. ولحق الهاشمي بالسند، وأتى ابن سمرة مرو، ثم انصرف يزيد إلى مرو وبعث بالأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نخف بن أبي صفرة، وخلى عن ابن طلحة وعبد الله بن فضالة، وسعى قوم بعبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، فأخذه يزيد فحبسه. وأما هشام فإنه ذكر أنه حدثه القاسم بن محمد الحضرمي، عن حفص ابن عمرو بن قبيصة، عن رجل من بني حنيفة يقال له جابر بن عمارة، أن يزيد بن المهلب حبس عنده عبد الرحمن بن طلحة وآمنه، وكان الطلحي قد آلى على يمين ألا يرى يزيد بن المهلب في موقف إلا أتاه حتى يقبل يده شكراً لما أبلاه. قال: وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص ليزيد: أسألك بدعوة أبي لأبيك! فخلى سبيله. ولقول محمد بن سعد ليزيد: " أسألك بدعوة أبي لأبيك " حديث فيه بعض الطول. قال هشام: حدثني أبو مخنف، قال: حدثني هشام بن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي، قال: بعث يزيد بن المهلب ببقية الأسرى إلى الحجاج بن يوسف؛ بعمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، فقال: أنت صاحب شرطة عبد الرحمن؟ فقال: أصلح الله الأمير! كانت فتنه شملت البر والفاجر، فدخلنا فيها، فقد أمكنك الله منا، فإن عفوت فبحلمك وفضلك وإن عاقبت عاقبت ظلمة مذنبين، فقال الحجاج: أما قولك: " إنها شملت البر والفاجر " فكذبت، ولكنها شملت الفجار، وعوفي منها الأبرار، وأما اعترافك بذنبك فعسى أن ينفعك، فعزل، ورجا الناس له العافية حتى قدم بالهلقام بن نعيم، فقال له الحجاج: أخبرني عنك، مارجوت من إتباع عبد الرحمن بن محمد؟ أرجوت أن يكون خليفة؟ قال: نعم، رجوت ذلك، وطمعت أن ينزلني منزلتك من عبد الملك، قال: فغضب الحجاج وقال: اضربوا عنقه، فقتل: قال: ونظر إلى موسى بن عمر بن عبيد الله بن معمر وقد نحى عنه فقال: اضربوا عنقه، وقتل بقيتهم. وقد كان آمن عمرو بن أبي قرة الكندي ثم الحجري وهو شريف وله بيت قديم، فقال: يا عمرو، كنت تفضي إلي وتحدثني أنك ترغب عن ابن الأشعث وعن الأشعث قبله، ثم تبعت عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ والله م بك عن اتباعهم رغبة، ولا نعمة عين لك ولا كرامة. قال: وقد كان الحجاج حين هزم الناس بالجماجم نادي مناديه: من لحق بقتيبة بن مسلم بالري فهو أمانه، فلحق ناس كثير بقتيبة، وكان فيمن لحق به عامر الشعبي، فذكر الحجاج الشعبي يوماً فقال: أين هو؟ وما فعل؟ فقال له يزيد بن أبي مسلم: بلغني أيها الأمير أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالري، قال: فابعث إليه فلنؤت به، فكتب الحجاج إلى قتيبة: أما بعد، فابعث إلى بالشعبي حين تنظر في كتابي هذا؛ والسلام عليك؛ فسرح إليه. قال أبو مخنف: فحدثني السري بن إسماعيل عن الشعبي، قال: كنت لابن أبي مسلم صديقاً، فلما قدم بي على الحجاج لقيت ابن أبي مسلم فقلت: أشر علي؛ قال: ما أدري ما أشير به عليك غير أن أعتذرما استطعت من عذر! وأشار بمثل ذلك نصحائي وإخواني، فلما دخلت عليه رأيت والله غير ما رأوا لي، فسلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقاً، قد والله سودناه عليك، وحرضنا وجهدنا عليك كل الجهد، فما آلونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا الأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد الحجة لك علينا، فقال له الحجاج: أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت ولا شهدت؛ قد أمنت عندنا يا شعبي، فانصرف قال: فانصرفت، فلما مشيت قليلاً قال: هلم يا شعبي؛ قال: فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت قوله: قد أمنيت ياشعبي، فاطمأنت نفسي، قال: كيف وجدت الناس يا شعبي بعدنا؟ قال - وكان لي مكرماً: فقلت: أصلح الله الأمير! اكتحلت والله بعدك السهر، واستوعرت الجناب، واستحلست الخوف، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفاً قال: انصرف يا شعبي، فانصرفت. قال أبو مخنف: قال خالد بن قطن الحارثي: أتى الحجاج بالأعشى، أعشى همدان، فقال: إيه يا عدو الله! أنشدني قولك: " بين الأشج وبين قيس " ، أنفذ بيتك، قال: بل أنشدك ما قلت لك؛ قال: بل أنشدني هذه؛ فأنشده: أبى الله إلا أن يتمم نوره ... ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا ويظهر أهل الحق في كل موطن ... ويعد وقع السيف من كان أصيدا وينزل ذلا بالعراق وأهله ... لما نقضوا العهد الوثيق الموكدا وما أحدثوا من بدعة وعظيمة ... من القول لم تصعد إلى الله مصعدا وما نكثوا من بيعة بعد بيعة ... إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا وجبناً حشاه ربهم في قلوبهم ... فما يقربون الناس إلا تهددا فلا صدق في قول ولا صبر عندهم ... ولكن فخراً فيهم وتزيدا فكيف رأيت الله فرق جمعهم ... ومزقهم عرض البلاد وشردا! فقتلاهم قتلى ضلال وفتنة ... وحيهم أمسى ذليلا مطردا ولما زحفنا لابن يوسف غدوة ... قطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا فكا فحنا الحجاج دون صفوفنا ... كفاحاً ولم يضرب لذلك موعدا بصف كأن البرق في حجراته ... إذا ما تجلى بيضه وتوقدا دلفنا إليه في صفوف كأنها ... جبال شروري لو تعان فتنهدا فما لبث الحجاج أن سل سيفه ... علينا فولى جمعنا وتبددا وما زاحف الحجاج إلا رأيته ... معاناً ملقى للفتوح معودا وإن ابن عباس لفى مرجحنة ... نشبهها قطعاً من الليل أسودا فما شرعوا رمحاً ولا جردوا له ... ألا ربما لا في الجبان فجردا وكرت علينا خيل سفيان كرةً ... بفرسانها والسمهرى مقصدا وسفيان يهديها كأن لواءه ... من الطعن سندبات بالصبغ مجسدا كهول ومرد من قضاعة حوله ... مساعير أبطال إذا النكس عردا إذ قال شدوا شدة حملوا معاً ... فأنهل خرصان الرماح وأوردا جنود أمير المؤمنين وخيله ... وسلطانه أمسى عزيزاً مؤيدا فيهنى أمير المؤمنين ظهوره ... على أمة كانوا بغاة وحسدا نزوا يشتكون البغا من أمرائهم ... وكانوا هم أبغى البغاة وأعندا وجدنا بني مروان خير أئمة ... وأفضل هذي الناس حلماً وسوددا وخير قريش في قريش أرومةً ... وأكرمهم إلا النبي محمدا إذا ما تدبرنا عواقب أمره ... وجدنا أمير المؤمنين مسددا سيغلب قوم غالبوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا كذاك يضل الله من كان قلبه ... مريضاً ومن وإلى النفاق وألحدا فقد تركوا الأهلين والمال خلفهم ... وبيضاً عليهن الجلابيب خردا يناديهم متعبرات إليهم ... ويذرين دمعاً في الخدود وإثمدا فإلا تناولهن منك برحمة ... يكن سبايا والبعولة أعبدا أنكثاً وعصياناً وغدراً وذلةً ... أهان الإله من أهان وأبعدا لقد شام المصرين فرخ محمد ... بحق وما لاقى من الطير أسعدا كما شام الله النجير وأهله ... بجد له قد كان أشقى وأنكدا فقال أهل الشام: أحسنوا، أصلح الله الأمير! فقال الحجاج: لا، لم يحسن، إنكم لا تدرون ما أراد بها، ثم قال: يا عدو الله إنا لسنا نحمدك على هذا القول إنما قلت: تأسف ألا يكون ظهر وظفر، وتحريضاً لأصحابك علينا، وليس عن هذا سألناك، أنفذ لنا قولك: بين الأشج وبين قيس باذخ فأنفذها، فلما قال: بخ بخ لوالده وللمولود قال: الحجاج: لا والله لا تبخبخ بعدها لأحد أبداً، فقدمه فضرب عنقه. وقد ذكر من أمر هؤلاء الأسرى الذين أسرهم يزيد بن المهلب ووجههم إلى الحجاج ومن فلول ابن الأشعث الذين انهزموا يوم مسك أمر غير ما ذكره أبو مخنف عن أصحابه. والذي ذكر عنهم من ذلك أنه لما انهزم ابن الأشعث مضى هؤلاء مع سائر الفل إلى الري، وقد غلب عليهم عمر بن أبي الصلت بن كنارة مولى بني نصر بن معاوية، وكان من أفرس الناس، فانضموا إليه، فأقبل قتيبة بن مسلم إلى الري من قبل الحجاج وقد ولاه عليها. فقال النفر الذين ذكرت أن يزيد بن المهلب وجههم إلى الحجاج مقيدين وسائر فل ابن الأشعث الذين صاروا إلى الري لعمر بن أبي الصلت: نوليك أمرنا وتحارب بنا قتيبتة؛ فشاور عمر أباه أبا الصلت، فقال له أبوه: والله يا بني ما كنت أبالي إذا سار هؤلاء تحت لوائك أن تقتل من غد. فعقد لواءه، وسار فهزم وهزم أصحابه، وانكشفوا إلى سجستان، واجتمعت بها الفلول، وكتبوا إلى عبد الرحمن بن محمد وهو عند رتبيل، ثم كان من أمرهم وأمر يزيد ين المهلب ما قد ذكرت. وذكر أبو عبيدة أن يزيد لما أراد أن يوجه الأسرى إلى الحجاج قال له أخوه حبيب: بأي وجه تنظر إلى اليمانية وقد بعثت ابن طلحة! فقال يزيد: هو الحجاج ، ولا يتعرض له! وقال: وطن نفسك على العزل، ولا ترسل به، فإن له عندنا بلاء، قال: وما بلاءه؟ قال لزم المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف، فأداها طلحة عنه. فأطلقه، وأرسل بالباقين، فقال الفرزدق: وجد ابن طلحة يوم لاقى قومه ... فحطان يوم هراة خير المعشر وقال: إن الحجاج لما أتى بهؤلاء الأسرى من عند يزيد بن المهلب قال الجاجبة: إذا دعوتك بسيدهم فآتني بفيروز، فأبرز سريره - وهوحينئذ بواسط الصب قبل أن تبنى مدينة واسط - ثم قال لحاجبه: جئني بسيدهم؛ فقال لفيروز: قم؛ فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء، فوالله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم! قال: فتنة عمت الناس، فكنا فيها، قال: أكتب لي أموالك، قال: ثم ماذا، قال: أكتبها أول؛ قال: ثم أنا آمن على دمي، قال: اكتبها، ثم أنظر؛ قال: اكتب يا غلام ألف ألف ألفي ألف، فذكر مالاً كثيراً، فقال: الحجاج: أين هذه الأموال؟ قال: عندي، قال: فأدها؛ قال: وأنا آمن على دمي، قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك؛ قال: والله لاتجمع مالي ودمي، فقال الحجاج للحاجب: نحه، فنحاه. ثم قال: أتني بمحمد بن سعد بن أبي وقاص، فدعاه، فقال له الحجاج: إيهن يا ظل الشيطان أعظم الناس تيهاً وكبراً، تأبى بيعة يزيد بن معاوية، وتشبه بحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذناً لابن كنارة عبد بني نصر - يعني عمر بن أبي الصلت - مجعل يضرب بعود في يده رأسه حتى أدماه؛ فقال له محمد: أيها الرجل، ملكت فأسجح! فكف يده، فقال: إن رأيت أن تكتب إلى أمير المؤمنين فإن جاءك عفو كنت شريكاً في ذلك محموداً، وإن جاءك غير ذلك كنت قد أعذرت فأطرق ملياً ثم قال: اضرب عنقه، فضربت عنقه. ثم دعا بعمر بن موسى فقال: يا عبد المرأة، أتقوم بالعمود على رأس ابن الحائك، وتشرب معه الشراب في حمام فارس، وتقول المقالة التي قلت! أين الفرزدق؟ قم فأنشده ما قلت فيه، فأنشده: وخضبت أيرك للزناء ولم تكن ... يوم الهياج لتخضب الأبطالا فقال: أما والله لقد رفعته عن عقائل نسائك، ثم أمر بضرب عنقه. ثم دعا ابن عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة، فإذا غلام حدث، فقال: أصلح الله الأمير! ما لي ذنب إنما كنت غلاماً صغيراً مع أبي وأمي لا أمر لي ولا نهي، وكنت معهما حيث كانا، فقال: وكانت أمك مع أبيك في هذه الفتن كلها؟ قال: نعم، قال: على أبيك لعنة الله. ثم دعا بالهلقام بن نعيم فقال: جعل ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذي أملت أنت معه؟ قال: أمنت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك. قال: قم يا حوشب فاضرب عنقه، فقام إليه، فقال له الهلقام: يا بني لقيطة، أتنكأ القرح! فضرب عنقه. ثم أوتي بعبد الله بن عامر، فلما قام بين يديه قال: لا رأت عيناك يا حجاج الجنة إن أقلت ابن المهلب بما صنع. قال: وما صنع؟ قال: لآنه كاس في إطلاق أسرته ... وقاد نحوك في أغلالها مضرا وقى بقومك ورد الموت أسرته ... وكان قومك أدنى عنده خطرا فأطرق الحجاج ملياً ووقرت في قلبه، وقال: وما أنت وذاك! اضرب عنقه. فضربت عنقه. ولم تزل في نفس الحجاج حتى عزل يزيد عن خراسان وحبسه. ثم أمر بفيروز فعذب، فكان فيما عذب به أن كان يشد عليه القصب الفارسي المشقوق، قم يجر عليه حتى يخرق جسده، ثم ينضح عليه الخل والملح، فلما أحس بالموت قال لصاحب العذاب: إن الناس لايشكون أني قد قتلت، ولي ودائع وأموال عند الناس، لا تؤدى إليكم أبداً، فأطهروني للناس ليعلموا أني حي فيؤدوا المال. فأعلم الحجاج، فقال: أظهروه، فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا فيروز حصين؛ إن لي عند أقوام مالاً، فمن كان لي عنده شيء فهو له، وهو منه في حل، فلا يؤدين منه أحد درهماً، ليبلغ الشاهد الغائب. فأمر به الحجاج فقتل. وكان ذلك مما روى الوليد بن هشام بن قحذم، عن أبي بكر الهذلى. وذكر ضمرة بن ربيعة، عن أبي شوذب، أن عمال الحجاج كتبوا إليه: إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد ألموا ولحقوا بالأمصار، فكتب إلى البصرة وغيرها أن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها. وجعلوا لا يدرون أين يذهبون! فجعل قراء أهل البصرة يخرجون إليهم مقنعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون. قال: فقدم ابن الأشعث على تفيئة ذلك، واستبصر قراء أهل البصرة في قتال الحجاج مع عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث. وذكر عن ضمرة بن ربيعة عن الشيباني، فقال: قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفاً، ما استحيا منهم إلا واحداً، كان ابنه في كتاب الحجاج، فقال له: أتحب أن نعفو لك عن أبيك؟ قال: نعم، فتركه لابنه؛ وإنما خدعهم بالأمان، أمر منادياً فنادى عند الهزيمة: ألا لا أمان لفلان ولا فلان،فسمى رجالاً من أولئك الأشراف، ولم يقل: الناس آمنون، فقالت العامة: قد آمن الناس كلهم إلا هؤلاء النفر، فأقبلوا إلى حجرته فلما اجتمعوا أمرهم بوضع أسلحتهم، ثم قال: لآمرن بكم اليوم رجلاً ليس بينكم وبينه قرابة، فأمر بهم عمارة بن تميم اللخمي فقربهم فقتلهم. وروي عن النضر بن شمير، عن هشام بن حسان، أنه قال: بلغ ما قتل الحجاج صبراً مائة وعشرين، أو مائة وثلاثين ألفاً. وقد ذكر في هزيمة ابن الأشعث بمسكن قول غير الذي ذكره أبو مخنف والذي ذكر من ذلك أن ابن الأشعث والحجاج اجتمعا بمسكن من أرض أبزقباذ، فكان عسكر ابن الأشعث على نهر يدعى خداج مؤخر النهر، نهر تيري، ونزل الحجاج على نهر أفريذ والعسكران جميعاً بين دجلة و السيب والكرخ، فاقتتلوا شهراً - وقيل: دون ذلك - ولم يكن الحجاج يعرف إليهم طريقاً إلا الطريق الذي يلتقون فيه، فأتى بشيخ كان راعياً يدعى زورقاً فدله على طريق من وراء الكرخ طوله ستة فراسخ، في أجمة وضحضاح من الماء، فانتخب أربعة آلاف من جلة أهل الشام، وقال لقائدهم: ليمن هذا العلج أمامك، وهذه أربعة آلاف درهم معك، فإن أقامك على عسكرهم فادفع المال إليه، وإن كان كذباً فاضرب عنقه، فإن رأيتهم فاحمل عليهم فيمن معك، وليكن شعاركم: يا حجاج يا حجاج. فانطلق القائد صلاة العصر، وذلك مع صلاة العصر، فاقتتلوا إلى الليل، فانكشف الحجاج حتى عبر السيب - وكان قد عقده - ودخل ابن الأشعث عسكره فانتهب ما فيه. فقيل له: لو اتبعته؟ فقال: قد تعبنا ونصبنا، فرجع إلى عسكره فألقى أصحابه السلاح، وباتوا آمنين في أنفسهم لهم الظفر. وهم القوم عليهم نصف الليل يصيحون بشعارهم، فجعل الرجل من أصحاب ابن الأشعث لا يدري أين يتوجه! دجيل عن يساره ودجلة أمامه، ولها جرف منكر، فكان من غرق أكثر ممن قتل. وسمع الحجاج الصوت فعبر السيب إلى عسكره، ثم وجه خيله إلى القوم فالتقى العسكران على عسكر ابن الأشعث، وانحز في ثلثمائة، فمضى على شاطئ دجلة حتى أتى دجيلاً فعبره في السفن، وعقروا دوابهم، وانحدروا في السغن إلى البصرة، ودخل الحجاج عسكرهم فانتهب ما فيه، وجعل يقتل من وجد حتى قتل أربعة آلاف؛ فيقال: إن فيمن قتل عبد الله ابن شداد بن الهاد؛ وقتل بسطام بن مصقلة بن هبيرة، وعمر ابن ضبيعة الرقاشي، وبشر بن المنذر بن الجارود والحكم بن مخرمة العبديين، وبكير بن ربيعة بن ثروان الضبي؛ فأتى الحجاج برؤوسهم على ترس، فجعل ينظر إلى رأس بسطام ويتمثل: إذا مررت بوادي حية ذكر ... فاذهب ودعني أقاسي حية الوادي ثم نظر إلى رأس بكير، فقال: ما ألقى هذا الشقي مع هؤلاء. خذ بإذنه يل غلام فألقه عنهم. ثم قال: ضع هذا الترس بين يدي مسمع بن مالك ابن مسمع، فوضع بين يديه، فبكى، فقال له الحجاج: ما أبكاك؟ أحزناً عليهم؟ قال: بل جزعاً لهم من النار. ذكر خبر بناء مدينة واسط وفي هذه السنة: بنى الحجاج واسطاً، وكان سبب بنائه ذلك - فيما ذكر - أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان، فعسكروا بحمام عمر. وكان فتى من أهل الكوفة من بني أسد حديث عهد بعرس بابنه عم له، انصرف من العسكر إلى ابنة عمه ليلاً، فطرق الباب طارق ودق دقاً شديداً، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت للرجل ابنة عمه: لقد لقينا من هذا الشامي شراً، يفعل بنا كل ليلة ما ترى، يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه وعرفوا ذلك فقال: إذنوا له، ففعلوا فأغلق الباب وقد كانت المرأة نجدت منزلها وطيبته، فقال الشامي: قد آن لكم، فاستقنأه الأسدي فأندر رأسه، فلما أذن بالفجر خرج الرجل إلى العسكر وقال لامرأته إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين أن أخرجوا صاحبكم، فسيأتون بك الحجاج، فاصدقيه الخبر على وجهه؛ ففعلت، ورفع القتيل إلى الحجاج، وأدخلت المرأة عليه وعنده عنبسة ابن سعيد على سريره، فقال لها: ما خطبك؟ فأخبرته، فقال: صدقتني. ثم قال لولاية الشامي إدفنوا صاحبكم فإنه قتيل الله إلى النار، لا قود له ولا عقل، ثم نادى مناديه: لا ينزلن أحد على أحد، واخرجوا فعسكروا. وبعث رواداً يرتادون له منزلاً، وأمعن حتى نزل أطراف كسكر، فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حمار له وعبر دجلة، فلما كان في موضع واسط تفاجت الآتان فبالت، فنزل الراهب، فاحتفر ذلك البول، ثم احتمله فرمى به في دجلة،وذلك بعين الحجاج، فقال: علي به، فأتى به، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الوضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده. فاختط الحجاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع. وفي هذه السنة عزل عبد الملك - فيما قال الواقدي - عن المدينة أبان بن عثمان، واستعمل عليها هشام بن اسماعيل المخزومي. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر وكان العمال في هذه السنة على الأمصار سوى المدينة هم العمال الذين كانوا عليها في السنة التي قبلها؛ وأما المدينة فقد ذكرنا من كان عليها فيها ثم دخلت سنة أربع وثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كانت غزوة عبد الله بن عبد الملك بن مروان الروم، ففتح فيها المصيصة، كذلك ذكر الواقدي. خبر قتل الحجاج أيوب بن القرية وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية، وكان ممن كان مع ابن الأشعث. وكتان سبب قتله إياه - فيما ذكر - أنه كان يدخل على حوشب بن يزيد بعد انصرافه من دير الجماجم - وحوشب على الكوفة عامل للحجاج - فيقول حوشب: انظروا إلى هذا الواقف معي، وغداً أو بعد غد يأتي كتاب من الأمير لا أستطيع إلا نفاذه، فبينا هو ذات يوم واقف إذ آتاه كتاب من الحجاج: اما بعد، فإنك قد صرت كهفاً لمنافقي أهل العراق ومأوى، فإذا نظرت في كتابي هذا فابعث إلي بابن القرية مشدودة يده إلى عنقه، مع ثقة من قبلك. فلما قرأ حوشب الكتاب رمى به إليه، فقرأه فقال: سمعاً وطاعة؛ فبعث به إلى الحجاج موثقاً، فلما دخل الحجاج قال له: يا بن القرية، ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: أصلح الله الأمير! ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف، دنيا، وآخرة، ومعروف. قال: إخرج مما قلت، قال: أفعل، أما الدنيا فمال الحاضر، يأكل منه البر والفاجر، وأما الآخرة فميزان عادل ومشهد ليس فيه باطل، وأما المعروف فإن كان علي اعترفت، وإن كان لي إغترفت. قال: إما لا فاعترف بالسيف إذا وقع بك. قال: أصلح الله الأمير! أقلني عشرتي، وأسغني رقيقي؛ فإنه ليس جواد إلا له كبوة، ولا شجاع إلا هبوة. قال الحجاج: كلا والله لأرينك جهنم، قال: فأرحني فإني أجد جرها، قال: قدمه يا حرسي فاضرب عنقه، فلما نظر إليه الحجاج يتشحط في دمه قال: لو كنا تركنا ابن القرية حتى نسمع من كلامه! ثم أمر به فاخرج فرمى به. قال هشام: قال عوانة: حين منع الحجاج من الكلام ابن قرية، قال له ابن القرية: أما والله لو كنت أنا وأنت على السواء لسكنا جميعاً، أو لألفيت منيعاً. فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس وفي هذه السنة فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك بباذغيس. ذكر سبب فتحه إياها: ذكر علي بن محمد، عن المضل بن محمد، قال: كان نيزك ينزل بقلعة باذغيس، فتحين يزيد عزوه، ووضع عليه العيون، فبلغه خروجه، فخالفه يزيد إليها، وبلغ نيزك فرجع، فصالحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن، ويرتحل عنها بعياله، فقال كعب بن معدان الأشقري: وباذغيس التي من حل ذروتها ... عز الملوك فإن شا جار أو ظلما منعة لم يكدها قبله ملك ... إلا إذا واجهت جيشاً له وجما تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ليلها عتما لما أطاف بها ضاقت صدورهم ... حتى أقروا له بالحكم فاحتكما فذل ساكنها من بعد عزته ... يعطي الجزية عارفاً بالذل مهتضما وبعد ذلك أياماً نعددها ... وقبلها ما كشفت الكرب والظلما أعطاك ذاك ولى الرزق يقسمه ... بين الخلائق والمحروم من حرما يداك إحداهما تسقي العدو بها ... سماً وأخرى نداها لم يزل ديما فهل كسيب يزيد أو كنائله ... إلا الفرات وإلا النيل حين طما ليسا بأجود منه حين مدهما ... إذ يعلوان حداب الأرض والأكما وقال: ثنائي على حي العتيك بأنها ... كرام مقارها، كرام نصابها إذا عقدوا للجار حل بنجوة ... عزيز مراقيها، منيع هضابها نفى نيزكاً عن باذغيس ونيزك ... بمنزلة أعيا الملوك أغتصابها محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زل عنها سحابها ولا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها تمنيت أن ألقي العتيك ذوي النهى ... مصلة تحمى بملك ركابها كما يتمنى صاحب الحرث أعطشت ... مزارعه غيثاً غزيراً ربابها فأسقى بعد اليأس حتى تحيرت ... جداولها رياً وعب عبابها لقد جمع الله النوى وتشعبت ... شعوب من الآفاق شتى مآبها قال: وكان نيزك يعظم القلعة إذا رآها سجد لها. وكتب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بالفتح، وكانت كتب يزيد إلى الحجاج يكتبها يحيى بن يعمر العدواني، وكان حليفاً لهذيل، فكتب: إن لقينا العدو فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة برؤوس الجبال وعراعر الأودية، وأهضام الغيطان وأثناء الأنهار؛ فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟ فقيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد فحمله على البريد، فقدم عليه أفصح الناس، حفظت كلام أبي وكان فصيحاً. قال: من هناك فأخبرني هل يلحن عنبس ين سعيد؟ قال: نعم كثيراً، قال: ففلان؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عنى أألحن؟ قال: نعم تلحن لحنا خفياً؛ تزيد حرفاً وتنقص حرفاً، وتجعل أن في موضع إن، وإن في موضع أن. قال: قد أجلتك ثلاثاً، فإن أجدك بعد ثلاث بأرض العراق قتلتك. فرجع إلى خراسان. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن اسماعيل المخزومي، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها الذين سميت قبل في سنة ثلاث وثمانين. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ذكر ما فيها من الأحداث خبر هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ففيها كان هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.ذكر السبب الذي به هلك، وكيف كان: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: لما انصرف ابن الأشعث من هراة راجعاً إلى رتبيل كان معه رجل من أود يقال له علقمة بن عمرو، فقال له: ما أريد أن أدخل معك؛ فقال له عبد الرحمن: لم؟ قال: لأني أتخوف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب الحجاج قد جاء، فوقع إلى رتبيل يرغبه ويرهبه، فإذا هو قد بعث بك سلماً أو قتلكم. ولكن هنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها، ونقاتل حتى نعطى أماناً أو نموت كراماً. فقال له عبد الرحمن: أما لو دخلت معي لآسيتك وأكرمتك، فأبى عليه علقمة، ودخل عبد الرحمن بن محمد إلى رتبيل. وخرج هؤلاء الخمسمائة فبعثوا عليهم مودوداً النضري، وأقاموا حتى قدم عليهم عمارة بن تميم اللخمي فحاصرهم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم، فخرجوا إليه فوفى لهم. قال: وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن بن محمد أن ابعث به إلي، وإلا فوالذي لا إله إلا هو لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل. وكان عند رتبيل رجل من بني تميم ثم من بني يربوع يقال له عبيد بن أبي سبيع، فقال لرتبيل: أنا آخذ لك من الحجاج عهداً ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن بن محمد، قال رتبيل لعبيد: فإن فعلت فإن لك عندي ما سألت. فكتب إلى الحجاج يخبره أن رتبيل لا يعصيه، وأنه لن يدع رتبيل حتى بعث إليه بعبد الرحمن بن محمد، فأعطاه الحجاج على ذلك مالاً وأخذ من رتبيل عليه مالاً، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن بن محمد إلى الحجاج، وترك له الصلح الذي كان يأخذه منه سبع سنين. وكان الحجاج يقول: بعث إلى رتبيل بعدو الله . فألقى نفسه من فوق إجار فمات. قال أبو مخنف: وحدثني سليمان بن أبي راشد. أنه سمع مليكة ابنة يزيد تقول:والله لما مات عبد الرحمن وإن رأسه لعلى فخذي، كان السل قد أصابه. فلما مات وأرادوا دفنه بعث إليه رتبيل فحز رأسه، فبعث به إلى الحجاج، وأخذ ثمانية رجلاً من آل الأشعث فحبسهم عنده، وترك جميع من كان معه من أصحابه. وكتب إليه الحجاج بأخذه الثمانية عشر رجلاً من أهل بيت عبد الرحمن، فكتب إليه: أن اضرب رقابهم، وابعث إلي برؤوسهم، وكره أن يؤتى بهم إليه أحياء فيطلب فيهم إلى عبد الملك، فيترك منهم أحداً. وقد قيل في أمر بن أبي سبيع وابن الأشعث غير ما ذكرت عن أبي مخنف، وذلك ما ذكر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه كان يقول: زعم أن عمارة بن تميم خرج من كرمان فأتى سجستان وعليها رجل من بني العنبر يدعى مودوداً، فحصره ثم آمنه، ثم استولى على سجستان، وأرسل إلى رتبيل. وكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإني قد بعثت إليك عمارة بن تميم في ثلاثين ألفاً من أهل الشام لم يخلفوا طاعة، ولم يخلعوا خليفة، ولم يتبعوا إمام ضلالة، يجري على كل رجل منهم في كل شهر مائة درهم، يستطعمون الحرب استطعاماً، يطلبون ابن الأشعث. فأبى رتبيل أن يسلمه. وكان مع ابن الأشعث عبيد بن أبي سبيع التميمي قد خص به، وكان رسوله إلى رتبيل، فخص بريتبيل أيضاُ، وخف عليه. فقال القاسم ابن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إني لا آمن غدر التميمي، فأقتله، فهم به، وبلغ ابن أبي سبيع، فخافه فوشى به إلى رتبيل، وخوفه الحجاج، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث فأجابه، فخرج سراً إلى عمارة بن تميم، فاستعجل في ابن الأشعث، فجعل له ألف ألف، فأقام عنده، وكتب بذلك عمارة إلى الحجاج، فكتب إليه أن أعط عبيداً ورتبيل ما سألاك واشترط، فاشترط رتبيل ألا تغزي بلاده عشر سنين، وأن يؤدي بعد العشر سنين قي كل سنة تسعمائة ألف، فأعطى رتبيل وعبيداً ما سألا، وأرسل رتبيل إلى ابن الأشعث فأحضره وثلاثين من أهل بيته، وقد أعد لهم الجوامع والقيود، فألقى في عنقه جامعة، وفي عنق القاسم جامعة، وأرسل بهم إلى أدنى مسالح عمارة منه، وقل لجماعة من كان مع ابن الأشعث من الناس: تفرقوا إلى حيث شئتم، ولما قرب ابن الأشعث من عمارة ألقى نفسه من فوق قصر فمات، فاحتز رأسه، فأتى به وبالأسرى عمارة، فضرب أعناقهم، وأرسل برأس ابن الأشعث وبرؤوس أهله وبامرأته إلى الحجاج، فقال في ذلك بعض الشعراء: هيهات موضع جثة من رأسها ... رأس بمصر وجثة بالرخج وكان الحجاج أرسل به إلى عبد الملك، فأرسل به إلى عبد الملك إلى عبد العزيز وهو يومئذ على مصر. وذكر عمر بن شبة أن ابن عائشة حدثه قال: أخبرني سعد بن عبيد الله قال: لما أتاني عبد الملك برأس ابن الأشعث أرسل به مع خصي إلى امرأة منهم كانت تحت رجل من قريش، فلما وضع بين يديها قالت: مرحباً بزائر لايتكلم؛ ملك من الملوك طلب ما هو أهله فأيت المقادير. فذهب الخصي يأخذ الرأس فاجتذبته من يده، قالت: لا والله حتى أبلغ حاجتي، ثم دعت بخطمي فغلته وغلفته ثم قالت: شأنك به الآن. فأخذه، ثم أخبر عبد الملك، فلما دخل عليه زوجها، قال: إن استطعت أن تصيب منها سخلة. وذكر أن ابن الأشعث نظر إلى رجل من أصحابه وهو هارب إلى بلاد رتبيل فتمثل: يطرده الخوف فهم تائه ... كذاك من يكره حر الجلاد منخرق الخفين يشكو الوجا ... تنكبه أطراف مرو حداد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد فالتفت إليه فقال: يالحية، هلا ثبت في موطن من المواطن فنموت بين يديك، فكان خيراً مما صرت إليه! قال هشام: قال أبو مخنف: خرج الحجاج في أيامه تلك يسير ومعه حميد الأرقط وهو يقول: مازال يبني خندقاً ويهدمه ... عن عسكر يقوده فيسلمه حتى يصير في يديك مقسمه ... هيهات من مصفه منهزمه إن أخ الكظاظ من لا يسأمه فقال الحجاج: هذا أصدق من قول الفاسق أعشى همدان: نبئت أن بني يو ... سف خر من زلق فتباً قد تبين له من زلق وتب ودحض فانكب، وخاف وخاب، وشك وارتاب؛ ورفع صوته فما أبقى أحد إلا فزع لغضبه، وسكت الأرقط، فقال له الحجاج: عد فيما كنت فيه، مالك يا أرقط! قال: إني جعلت فداك أيها الأمير وسلطان الله عزيز، ما هو إلا أن رأيتك غضب فأرعدت خصائلي، واجزألت مفاصلي، واظلم بصري، ودالات بي الأرض. قال له الحجاج: أجل، إن سلطان الله عزيز، عد فيما كنت فيه، ففعل. وقال الحجاج وهو ذات يموم يسير معه زياد بن جرير بن عبد الله البجلي وهو أعور، فقال الحجاج للأريقط: كيف قلت لابن سمرة؟ قال: قلت: يا أعور العين فديت العورا ... كنت حبست الخندق المحفورا يرد عنك القدر المقدورا ... ودائرات السوء أن تدورا وقد قيل: أن مهلك عبد الرحمن بن محمد كان في سنة أربع وثمانين. عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وفي هذه السنة عزل الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها المفضل بن المهلب أخا يزيد. ذكر السبب الذي من أجله عزله الحجاج عن خراسان واستعمل المفضل: ذكر علبي بن محمد، عن المفضل بن محمد، أن الحجاج وفد إلى عبد الملك، فمر في منصرفه بدير فنزله، فقيل له: إن في هذا الدير شيخاً من أهل الكتب عالماً، فدعا به فقال: يا شيخ، هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال: نعم، نجد ما مضى من أمركم وما أنتم فيه وما هو كائن؛ قال: أفمسمي كان أم موصوفاً؟ قال: كل ذلك؛ موصوف بغير اسم، واسم بغير صفة، قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه؛ مللك أقرع، من يقم لسبيله يصرع، قال: ثم من؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، قال: ثم ماذا؟ قال: رجل اسمه اسم نبي يفتح على الناس، قال: أتعرفني؟ قال: قد أخبرت بك. قال: أفتعلم ما ألي؟ قال: نعم، قال: فمنيليه بعدي؟ قال: رجل يقال له يزيد، قال: في حياتي أم بعد موتي؟ قال: لا أدري، قال: أفتعرف صفته؟ قال: يغدر غدرة؛ لا أعرف غير هذا. قال: فوقع في نفسه يزيد بن المهلب، وارتحل فسار سبعاً وهو وجل من قول الشيخ؛ وقدم فكتب إلى عبد الملك يستعفيه من العراق، فكتب إليه: يا بن أم الحجاج، قد علمت الذي تغزو، وأنك تريد أن تعلم رأيي فيك، ولعمري إني لأرى مكان نافع بن علقمة، فاله عن هذا حتى يأتي الله بما هو آت؛ فقال الفرزدق تذكر مسيره: لو أن طيراً كلفت مثل سيره ... إلى واسط من إيلياء لملت سرى بالمهاري من فلسطين بعدما ... دنا الليل من شمس النهار فولت فما عاد ذاك اليوم حتى أناخها ... بميسان قد ملت سراها وكلت كأن قطامياً على الرحل طاوياً ... إذا غمرة الظلماء عنه تجلت قال فبينا الحجاج يوماً خال إذ دعا عبيد بن موهب، فدخل وهو ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: ويحك يا عبيد! إن أهل الكتب يذكرون أن ما تحت يدي يليه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيد بن أبي كبشة، ويزيد بن حصين بن نمير، ويزيد بن دينار، فليسوا هناك، وما هو إن كان إلا يزيد بن المهلب؛ فقال عبيد: لقد شرفتهم و أعظمت ولا يتهم، وإن لهم لعدداً وجلداً، وطاعة وحظاً، فأخلق به، فأجمع على عزل يزيد فلم يجد له شيئاً حتى قدم الخيار بن أبي سبرة بن ذؤيب بن عرفجة بن محمد بن سفيان بن مجاشع - وكان من فرسان المهلب - وكان مع يزيد - فقال له الحجاج: أخبرني عن يزيد، قال: حسن الطاعة، لين السيرة، قال: كذبت، أصدقني عنه، قال: الله أجل وأعظم، قد أسرج ولم يلجم، قال: صدقت، واستعمل الخيار على عمان بعد ذلك قال: ثم كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب بالزبيرية، فكتب إليه عبد الملك: إني لا أرى نقصاً بآل المهلب طاعتهم لآل الزبير، بل أراه وفاء منهم لهم، وإن وفاءهم يدعوهم إلى الوفاء لي، فكتب إليه الحجاج يخوفه غدرهم لما أخبره به الشيخ. فكتب إليه عبد الملك: قد أكثرت في يزيد وآل المهلب، فسم لي رجلاً يصلح لخراسان؛ فسمى له مجاعة بن سعر السعدي، فكتب إليه عبد الملك: إن رأيك الذي دعاك إلى استفساد آل المهلب هو الذي دعاك إلى مجاعة بن سعر، فانظر لي رجلاً صارماً، ماضياً لأمرك، فسمى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: وله وبلغ يزيد أن الحجاج عزله، فقال لأهل بيته: من ترون الحجاج يولى خراسان؟ قالوا: رجلا من ثقيف، قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعهده، فإذا قدمت عليه عزله وولى رجلاً من قيس، وأخلق بقتيبة! قال: فلما أذن عبد الملك للحجاج في عزل يزيد كره أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه أن استخلف المفضل وأقبل، فاستشار يزيد حضين بن المنذر، فقال له: أقمم واعتل، فإن أمير المؤمنين حسن الرأي فيك، وإنما أتيت من الحجاج، فإن أقمت ولم تعجل رجوت أن يكتب إليه أن يقر يزيد، قال: إنا أهل بيت بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف؛ فأخذ في الجهاز، وأبطأ ذلك على الحجاج، فكتب إلى المفضل: إني قد وليتك خراسان، فعجل المفضل يستحث يزيد، فقال له يزيد: إن الحجاج لا يقرك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، قال: بل حسدتني، قال يزيد: يا بن بهلة، أنا أحسدك! ستعلم. وخرج يزيد في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين. فعزل الحجاج المفضل، فقال الشاعر للمفضل وعبد الملك وهو أخوه لأمه: يا بني بهلة إنما أخزاكما ... ربي غداة غدا الهمام الأزهر أحفرتم لأخيكم فوقعتم ... في قعر مظلمة أخوها المعور جودوا بتوبة مخلصين فإنما ... يأبى ويأنف أن يتوب الأخسر وقال حضين ليزيد: أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فما أنا بالباكي عليك صبابة ... وما أنا بالداعي لترجع سالما فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: كيف قلت ليزيد؟ قال: قلت: أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فنفسك أول اللوم إن كنت لائما فإن يبلغ الحجاج أن قد عصيته ... فإنك تلقى أمره متفاقما قال: فماذا أمرته به فعصاك؟ قال: أمرته ألا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الأمير، فقال رجل لعياض بن حضين: أما أبوك فوجده قتيبة حين فره قارحاً بقوله: " أمرته ألا يدع صفراء ولا بيضاء إلا حملها إلى الأمير " قال علي: حدثنا كليب بن خلف، قال: كتب الحجاج إلى يزيد أن اغز خوارزم، فكتب إليه: أيها الأمير، إنها قليلة السلب، شديدة الكلب. فكتب إليه الحجاج: استخلف واقدم، فكتب إليه: إني أريد أن أغزو خوارزم فكتب إليه: لا تغزها فإنها كما وصفت؛ فغزا ولم يطعه، فصالحه أهل خوارزم، وأصاب سبياً مما صالحوه، وقفل في الشتاء، فاشتد عليهم البرد، فأخذ الناس ثياب الأسرى فلبسوها، فمات ذلك السبي من البرد. قال: ونزل يزيد بلستانة، وأصاب أهل مرو الروذ طاعون ذلك العام، فكتب إليه الحجاج: أن اقدم، فقدم، فلم يمر ببلد إلا فرشوا له الرياحين. وكان يزيد ولي سنة اثنتين وثمانين، وعزل سنة خمس وثمانين، وخرج من خراسان في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، وولى قتيبة وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنف في عزل الحجاج يزيد عن خراسان سبباً غير الذي ذكره على بن محمد، والذي ذكر من ذلك عن أبي مخنف أن أبا المخارق الراسبي وغيره حدثوه أن الحجاج لم يكن له حين فرغ من عبد الرحمن بن محمد هم إلا يزيد ين المهلب وأهل بيته - وقد كان الحجاج أذل أهل العراق كلهم إلا يزيد وأهل بيته ومن معهم من أهل المصرين بخراسان، ولم يكن يتخوف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غير يزيد بن المهلب - فأخذ الحجاج في مواربة يزيد ليسبخرجه من خراسان، فكان يبعث إليه يلأتيه، فيعتل عليه بالعدو وحرب خراسان، فمكث بذلك حتى كان آخر سلطان عبد الملك، ثم إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعزل يزيد بن المهلب، ويخبره بطاعة آل المهلب لا بن الزبير، وأنه لا وفاء لهم؛ فكتب إليه عبد الملك: إني لا أرى تقصيراً بولد المهلب طاعتهم لآل الزبير ووفاءهم لهم، فإن طاعتهم ووفاءهم لهم، هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لي. ثم ذكر بقية الخبر نحو الذي ذكره على بن محمد، غزو المفضل باذغيس وأخرونوفي هذه السنة غزا المفضل باذغيس ففتحها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر علي بن محمد، عن المفضل بن محمد، قال: عزل الحجاج يزيد، وكتب إلى المفضل بولايته على خراسان سنة خمس وثمانين، فوليها تسعة أشهر، فغزا باذغيس ففتحها وأصاب مغنماً، فقسمه بين الناس، فأصاب كل رجل منهم ثمانمائة درهم، ثم غزا خرون وشومان، فظفر وغنم، وقسم ما أصاب بين الناس. ولم يكن للمفضل بيت مال، كان يعطي الناس كلما جاءه شيء. وإن غنم شيئاً قسمه بينهم، فقال كعب الأشقري يمدح المفضل: ترى ذا الغنى والفقر من كل معشر ... عصائب شتى ينتوون المفضلا فمن زائر يرجو فواضل سيبه ... وآخر يقضى حاجة قد ترحلا إذا ما انتوينا غير أرضك لم نجد ... بها منتوى خيراً ولا متعللا إذا ما عددنا الأكرمين ذوي النهى ... وقد قدموا من صالح كنت أولا لعمري لقد صال المفضل صولة ... أباحت بشومان المناهل والكلا ويوم ابن عباس تناولت مثلها ... فكانت لنا بين الفريقين فيضلا صفت لك أخلاق المهلب كلها ... وسربلت من مسعاته ما تسربلا أبوك الذي لم يسع ساع كسعيه ... فأورث مجداً لم يكن متنحلا خبر مقتل موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ وفي هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم السلمي بالترمذ ذكر سبب قتله ومصيره إلى الترمذ حتى قتل بها: ذكر أن سبب مصيره إلى الترمذ كان أن أباه عبد الله بن خازم لما قتل من قتل من بني تميم بفرتنا - وقد مضى ذكري خبر قتله إياهم - تفرق عنه عظم من كان بقي معه منهم، فخرج إلى نيسابور وخاف بني تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: حول ثقلي عن مرو، واقطع نهر بلخ حتى تلجأ إلى بعض الملوك أو إلى حصن تقيم فيه. فشخص موسى من مرو في عشرين ومائتي فارس، فأتى آمل وقد ضوى إليه قوم من الصعاليك، فصار في أربعمائة، وانضم إليه رجال من بني سليم، منهم زرعة بن علقمة فأتى زم فقاتلوه، فظفر بهم وأصاب مالا، وقطع النهر، فأتى بخارى فسأل صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافه، وقال: رجل فاتك، وأصحابه مثله أصحاب حرب وشر، فلا آمنه. وبعث إليه بصلة عين ودواب وكسوة، ونزل على عظيم من عظماء أهل بخارى في نوقان، فقال له: إنه لا خير في المقام في هذه البلاد، وقد هابك القوم وهم لا يأمنونك. فأقام عند دهقان نوقان أشهراً، ثم خرج يلتمس ملكا يلجأ إليه أو حصناً، فلم يأت بلداً إلا كرهوا مقامه فيهم، وسألوه أن يخرج عنهم. قال علي بن محمد: فأتى سمرقند فأقام بها، وأكرمه طرخون ملكها، وأذن له في المقام، فأقام ما شاء الله، ولأهل الصغد مائدة يوضع عليها لحم ودك وخبز وإبريق شراب، وذلك في كل عام يوماً، يجعل ذلك لفارس الصغد فلا يقر به أحد غيره، هو طعامه في ذلك اليوم، فإن أكل منه أحد غيره بارزه فأيهما قتل صاحبه فالمائدة له، فقال رجل من أصحاب موسى: ما هذه المائدة؟ فأخبر عنها، فسكت، فقال صاحب موسى: لأكلن ما على هذه المائدة، ولأبارزن فارس الصغد، فإن قتلته كنت فارسهم فجلس فأكل ما عليها، وقيل لصاحب المائدة، فجاء معضباً، فقال: يا عربي، بارزني، قال: نعم، وهل أريد إلا المبارزة! فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارس الصغد! لو لا أني أعطيتك وأصحابك الآمان لقتلتكم، اخرجوا عن بلدي، ووصله. فخرج موسى فأتى كس فكتب صاحب كس إلى طرخون يستنصره، فأتاه، فخرج إليه موسى في سبعمائة فقاتلهم حتى أمسوا، وتحاجزوا وبأصحاب موسى جراح كثيرة، فلما أصبحوا أمرهم موسى فحلقوا رءوسهم كما يصنع الخوارج، وقطعوا صفينات أخبيتهم كما يصنع العجم إذا استماتوا وقال موسى لزرعة بن علقمة: انطلق إلى طرخون فاحتل له. فأتاه، فقال له طرخون: لم صنع أصحابك ما صنعوا؟ قال: استقتلوا فما حاجتك إلى أن تقتل أيها الملك موسى وتقتل! فإنك لا تصل إليه حتى بقتل مثل عدتهم منكم، ولو قتلته وإياهم جميعاً ما نلت حظاً، لأن له قدراً في العرب، فلا يلي أحد خراسان إلا طالبك بدمه، فإن سلمت من واحد لم تسلم من آخر؛ قال: ليس إلى ترك كس في يده سبيل؛ قال: فكف عنه حتى يرتحل، فكف وأتى موسى الترمذ وبها حصن يشرف على النهر إلى جانب منه، فنزل موسى على بعض دهاقين الترمذ خارجاً من الحصن و الدهقان مجانب لتر مذشاه، فقال لموسى: إن صاحب الترمذ متكرم شديد الحياء، فإن ألطفته وأهديت إليه أدخلك حصنه، فإنه ضعيف، قال: كلا، ولكني أسأله أن يدخلني حصنه، فسأله فأبى، فما كره موسى وأهدى له وألطفه، حتى لطف الذي بينهما، وخرج فتصيد معه، وكثر إلطاف موسى له، فصنع صاحب الترمذ طعاماً وأرسل إليه: إني أحب أن أكرمك، فتغد عندي، وائتني في مائة من أصحابك، فانتخب موسى من أصحابه مائةً، فدخلوا على خيولهم، فلما صارت في المدينة تصاهلت، فتطير أهل الترمذ وقالوا لهم: انزلوا، فنزلوا، فأدخلوا بيناً، خمسين في خمسين، وغدوهم، فلما فرغوا من الغداء اضطجع موسى، فقالوا له: اخرج، قال: لا أصيب منزلا مثل هذا، فلست بخارج منه حتى يكون بيتي أو قبري، وقاتلوهم في المدينة، فقتل من أهل الترمذ عدة، وهرب الأخرون فدخلوا منازلهم، وغلب موسى على المدينة، وقال لترمذ شاه: اخرج فإني لست أعرض لك ولا لأحد من أصحابك. فخرج الملك وأهل المدينة فأتوا الترك يستنصرونهم، فقالوا: دخل إليكم مائة رجل أخرجوكم عن بلادكم، وقد قاتلناهم بكس، فنحن لا نقاتل هؤلاء. فأقام ابن خازم بالترمذ، ودخل إليه أصحابه، وكانوا سبعمائة، فأقام، فلما قتل أبوه انضم إليه من أصحاب أبيه أربعمائة فارس، فقوى، فكان يخرج فيغير على من حوله. قال: فأرسل الترك قوماً إلى أصحاب موسى ليعلموا علمه، فلما قدموا قال موسى لأصحابه: لا بد من مكيدة لهؤلاء - قال: وذلك في أشد الحر - فأمر بنار فأججت، وأمر أصحابه فلبسوا ثياب الشتاء، ولبسوا فوقها لبوداً، ومدوا أيديهم إلى النار كأنهم يصطلون. وأذن موسى للترك فدخلوا، ففزعوا مما رأوا، وقالوا: لم صنعتم هذا؟ قالوا: نجد البرد في هذا الوقت، ونجد الحر في الشتاء، فرجعوا وقالوا: جن لا نقاتلهم، قال: وأراد صاحب الترك أن يغزو موسى، فوجه إليه رسلا، وبعث بسم ونشاب في مسك، وإنما أراد بالسم أن حربهم شديدة، والنشاب الحرب، والمسك السلم، فاختر الحرب أو السلم، فأحرق السم، وكسر النشاب، ونثر المسك، فقال القوم: لم يريدوا الصلح، وأخبر أن حربهم مثل النار، وإنه يكسرنا، فلم يغزهم، قال: فولى بكير بن وشاح خراسان فلم يعرض له، ولم يوجه إليه أحداً، ثم قدم أمية فسار بنفسه يريده، فخالفه بكير، وخلع، فرجع إلى مرو، فلما صالح أمية بكيراً أقام عامة ذلك، فلما كان في قابل وجه إلى موسى رجلاً من خزاعة في جمع كثير، فعاد أهل الترمذ إلى الترك فاستنصروهم فأبوا، فقالوا لهم: قد غزاهم قوم منهم وحصروهم، فإن أعناهم عليهم ظفرنا بهم، فسارت الترك مع أهل الترمذ في جمع كثير، فأطاف بموسى الترك والخزاعي، فكان يقاتل الخزاعي أول النهار والترك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة، فقال موسى لعمرو بن خالد بن حصين الكلابي - وكان فارساً: قد طال أمرنا وأمر هؤلاء، وقد أجمعت أن أبيت عسكر الخزاعي، فإنهم للبيات آمنون، فما ترى؟ قال: البيات نعما هو، وليكن ذلك بالعجم، فإن العرب أشد حذراً، وأسرع فزعاً، وأجراً على الليل من العجم، فبيتهم فإني أرجو أن ينصرنا الله عليهم، ثم ننفرد لقتال الخزاعي فنحن في حصن وهم بالعراء، وليسوا بأولى بالصبر، ولا أعلم بالحرب منا، قال: فاجمع موسى على بيات الترك، فلما ذهب من الليل ثلثه خرج في أربعامائة، وقال لعمرو بن خالد: أخرجوا بعدنا وكونوا منا قريباً؛ فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا، أخذ على شاطئ النهر حتى ارتفع فوق العسكر، ثم أخذ من ناحية كفتان، فلما قرب من عسكرهم جعل أصحابه أرباعاً، ثم قال: أطيفوا بعسكرهم؛ فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا، وأقبل وقدم عمراً بين يديه مشوا خلفه، فلما رأته أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم؟ قالوا: عابري سبيل. قال: فلما جازوا الرصد تفرقوا وأطافوا بالعسكر وكبروا، فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف، فثاروا يقتل بعضهم بعضاً وولوا، وأصيب من المسلمين ستة عشر رجلاً، وحووا عسكرهم وأصابوا سلاحاً ومالاً، وأصبح الخزاعي وأصحابه قد كسرهم ذلك، وخافوا مثلها من البيات، فتحذروا فقال لموسى عمرو بن خالد: إنك لا تظفر إلا بمكيدة ولهم أمداد وهم يكثرون، فدعني آتهم لعلي أصيب من صاحبهم فرصة؛ إني إن خلوت به قتلته، فتناولني بضرب، قال: تتعجل الضرب وتتعرض للقتل! قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له، وأما الضرب فما أيسره في جنب ما أريد، فقناوله بضرب؛ ضربه خمسين سوطاً، فخرج من عسكر موسى فأتى عسكر الخزاعي مستأمناً وقال: أنا رجل من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فلم أزل معه، وكنت أول من أتاه، فلما قدمت اتهمني، وتعصب على، وتنكر لي وقال لي: قد تعصبت لعدونا، فأنت عين له، فضربني، ولم آمن القتل، وقلت: ليس بعد الضرب إلا القتل، فهربت منه، فآمنه الخزاعي وأقام معه. قال: فدخل يوماً وهو خال ولم ير عنده سلاحاً، فقال كأنه ينصح له: أصلحك الله! إن مثلك في مثل حالك لا ينبغي أن يكون في حال من أحوال بغير سلاح، فقال: إن معي سلاحاً، فرفع صدر فراشه فإذا سيف منتضى، فتناوله عمرو فضربه فقتله، وخرج فركب فرسه، ونذروا به بعد ما أمعن، فطلبوه ففاتهم، فأتى موسى وتفرق ذلك الجيش، فقطع بعضهم النهر، وأتى بعضهم موسى مستأمناً، فأمنه، فلم يوجه إليه أمية أحداً قال: وعزل أمية، وقدم المهلب أميراً، فلم يعرض لابن خازم، وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون ولاة ه هذا الثغر ما أقام هذا الثط بمكانه،فإن قتل كان أول طالع عليكم أميراً على خراسان رجل من قيس، فمات المهلب ولم يوجه إليه أحداً، ثم تولى يزيد بن المهلب فلم يعرض له، وكان المهلب ضرب حريث بن قطبة الخزاعي، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، فلما ولى يزيد بن المهلب أخذ أموالهما وحرمهما وقتل أخاهما لأمهما؛ الحارث بن منقذ، وقتل صهراً لهما كانت عنده أم حفص ابنه ثابت، فبلغهما ما صنع يزيد. قال: فخرج ثابت إلى طرخون فشكل إليه ماصنع به - وكان ثابت محبباً في العجم، بعيد الصوت، يعظمونه ويثقون به، فكان الرجل منهم إذا أعطى عهداً يريد الوفاء به حلف بحياة ثابت فلا يغدر - فعضب له طرخون وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى والصغانيان، فقدموا مع ثابت إلى موسى بن عبد الله، وقد سقط إلى موسى فل عبد الرحمن بن العباس من هراة، وفل ابن الأشعث من العراق ومن ناحية كابل، وقوم من بني تميم ممن كان يقاتل ابن خازم في الفتنة من أهل خراسان، فاجتمع إلى موسى ثمانية آلاف من تميم وقيس وربيعة واليمن، فقال له ثابت وحريث: سر تعطع النهر فتخرج يزيد ين المهلب عن خراسان؛ ونوليك، فإن طرخون ونيزك والسبل و أهل بخارى معك، فهم أن يفعل، فقال له أصحابه: إن ثابتاً وأخاه خائفان ليزيد، وإن أخرجت يزيد عن خراسان وأمنا توليا الأمر وغلباك على خراسان، فأقم مكانك. فقبل رأيهم، وأقام بالترمذ. وقال لثابت: إن أخرجنا يزيد قدم عامل لعبد الملك، ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر مما يلينا، وتكون هذه الناحية لنا نأكلها. فرضي ثابت بذلك، وأخرج من كان من عمال يزيد من وراء النهر، وحملت إليهم الأموال، وقوى أمرهم وأمر موسى، وانصرف طرخون ونيزك وأهل بخارى والسبل إلى بلادهم، وتدبير الأمر لحريث وثابت، والأمير موسى ليس له غير الإسم، فقال لموسى أصحابه: لسنا نرى من الأمر في يديك شيئاً أكثر من اسم الإمارة، فأما التدبير فلحريث وثابت، فاقتلهما وتول الأمر، فأبى وقال: ما كنت لأغدر بهما وقد قويا أمري، فحسدوهما وألحوا على موسى في أمرهما حتى أفسدوا قلبه، وخوفوه غدرهما، وهم بمتابعتهم على الوثوب بثابت وحريث. واضطرب أمرهم؛ فإنهم لفي ذلك إذ خرجت عليهم الهياطلة والتبت والترك، فأقبلوا في سبعين ألفاً لا يعدون الحاسر ولا صاحب بيضة جماء، ولا يعدون إلا صاحب بيضة ذات قونس، قال: فخرج ابن خازم إلى ربض المدينة في ثلثمائة راجل وثلاثين مجففاً، وألقي له كرسي فقعد عليه. قال: فأمر طرخون أن يثلم حائط الربض، فقال موسى: دعوهم، فهدموا ودخل أوائلهم، فقال: دعوهم يكثرون، وجعل يقلب طبرزيناً بيده، فلما كثروا قال: الآن امنعوهم، فركب وحمل عليهم فقاتلهم حتى أخرجهم عن الثلمة ثم رجع فجلس على الكرسي وذمر الملك أصحابه ليعودوا، فأبوا، فقال لفرسانه: هذا الشيطان، من سره أن ينظر إلى رسم فلينظر إلى صاحب الكرسي، فمن أبي فليقدم عليه. ثم تحولت الأعاجم إلى رستاق كفتان. قال: فأغاروا على سرح موسى، فاغنم ولم يطعم، وجعل يعبث بلحيته، فسار ليلا على نهر في حافتيه نبات لم يكن فيه ماء، وهو يفضي إلى خندقهم، في سبعمائة، فأصبحوا عند عسكرهم، وخرج السرح فأغار عليه فاستاقه، وأتبعه قوم منهم، فعطف عليه سوار، مولى لموسى، فطعن رجلاً منهم فصرعه، فرجعوا عنهم وسليم موسى بالسرح. قال: وغاداهم العجم القتال، فوقف ملكهم على تل في عشرة آلاف في أكمل عدة، فقال موسى: إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشيء. فقصد لهم حريث بن قطبة فقاتلهم صدر النهار، وألح عليهم حتى أزالوهم عن التل، ورمى يومئذ حريث بنشابه في جبهته، فتحاجزوا، فبيتهم موسى، وحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم، فوجأ رجلاً منهم بقبيعة سيفه، فطعن فرسه، فاحتمله فألقاه في نهر بلخ فغرق، وعليه درعان، فقتل العجم قتلاً ذريعاً، ونجا منهم من نجا بشر، ومات حريث بن قطبة بعد يومين، فدفن في قبته. قال: وارتحل موسى، وحملوا الرءوس إلى الترمذ، فبنوا من تلك الرءوس جوسفين، وجعلوا الرءوس يقابل بعضها بعضاً. وبلغ الحجاج خبر الواقعة، فقال: الحمد لله الذي نصر المنافقين على الكافرين، فقال أصحاب موسى: قد كفينا أمر حريث، فأرحنا من ثابت، فأبى وقال: لا. وبلغ ثابتاً بعض ما يخوضون فيه، فدس محمد بن عبد الله بن مرثد الخزاعي، عم نصر بن عبد الحميد عامل أبي مسلم على الري - وكان في خدمة موسى بن عبد الله - وقال له: إياك أن تتكلم بالعربية، وإن سألوك من أين أنت! فقل: من سبى الباميان، فكان يخدم موسى وينقل إلى ثابت خبرهم، فقال له: تحفظ ما يقولون. وحذر ثابت فكان لا ينام حتى يرجع الغلام، وأمر قوماً من شاكريته يحرسونه ويبيتون عنده في داره، ومعهم قوم من العرب، وألح القوم على موسى فأضجروه، فقال لهم ليلة: قد أكثرتم علي، وفيم تريدون هلاككم، وقد أبرمتموني! فعلى أي وجه تفتكون به، وأنا لا أغدر به! فقال نوح بن عبد الله أخو موسى: خلناه وإياه، فإذا غدا إليك غدوة عدلنا به إلى بعض الدور، فضربنا عنقه فيها قبل أن يصل إليك، قال: أما والله إنه لهلاككم، وأنتم أعلم - والغلام يسمع - فأتى ثابتاً فأخره، فخرج من ليلته في عشرين فارساً، فمضى، وأصبحوا وقد ذهب يدروا من أين أوتوا وفقدوا الغلام، فعلموا انه كان عيناً له عليهم، ولحق ثابت بحشورا فنزل المدينة، وخرج إليه قوم كثير من العرب والعجم، فقال موسى لأصحابه: قد فتحتم على أنفسكم باباً فسدوه. وسار إليه موسى، فخرج إليه ثابت في جمع كثير فقاتلهم، فأمر موسى بإحراق السور، وقاتلهم حتى ألجثوا ثابتاً وأصحابه إلى المدينة، وقاتلوهم عن المدينة. فأقبل رقبة بن الحر العنبري حتى اقتحم النار؛ فانتهى إلى باب المدينة ورجل من أصحاب ثابت واقف يحمي أصحابه، فقتله، ثم رجع فخاض النار وهي تلتهب، وقد أخذت بجوانب نمط عليه، فرمى به عنه ووقف، وتحصن ثابت في المدينة، وأقام موسى في الربض، وكان ثابت حين شخص إلى حشورا أرسل إلى طرخون، فأقبل طرخون معيناً له، وبلغ موسى مجيء طرخون، فرجع إلى الترمذ، وأعانه أهل كس ونسف وبخاري، فصار ثابت في ثمانين ألفاً، فحصروا موسى وقطعوا عنه المادة حتى جهدوا. قال: وكان أصحاب ثابت يعبرون نهراً إلى موسى بالنهار - ثم يرجعون بالليل إلى عسكرهم، فخرج يوماً رقبة - وكان صديقاً لثابت، وقد كان ينهى أصحاب موسى عما صنعوا - فنادى ثابتاً، فبرز له - وعلى رقبة قباء خز - فقال له: كيف حالك يارقبة؟ فقال: ما تسأل عن رجل عليه جبة خز في حمارة القيظ! وشكى إليه حالهم، فقال: أنتم صنعتم هذا بأنفسكم، فقال: أما والله دخلت في أمرهم، ولقد كرهت ما أرادوا، فقال ثابت: أين تكون حتى يأتيك ما قدر لك؟ قال: أنا عند المحل الطفاوي - رجل من قيس من يعصر - وكان المحل شيخاً صاحب شراب - فنزل رقبة عنده. قال: فبعث ثابت إلى رقبة في خمسائة درهم مع علي بن المهاجر الخزاعي، وقال: إن لنا تجار قد خرجوا من بلخ، فإذا بلغ أنهم قد قدموا فأرسل إلي تأتك حاجتك. فأتى على باب المحل، فدخل فإذا رقبة والمحل جالسان بينهما جفنة فيها شراب، وخوان عليه دجاج وأرغفة، ورقبة شعث الرأس، متوشح بملحفة حمراء، فدفع إليه الكيس، وابلغه الرسالة وما كلمه، وتناول الكيس وقال له بيده، اخرج، ولم يكلمه. قال: وكان رقبة جسيماً كبيراً غائر العينين، ناتئ الوجنتين، مفلج، بين كل سنين له موضع سن، كان وجهه ترس. قال: فلما أضاق أصحاب موسى واشتد عليهم الحصار قال يزيد بن هزيل: إن مقام هؤلاء مع ثابت والقتل أحسن من الموت جوعاً، والله لأفتكن بثابت أو لأموتن. فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير: أنا أعرف بهذا منك، إن هذا لم يأتك رغبة فيك ولا جزعاً لك، ولقد جاءك بغدرة، فاحذره وخلني إياه، فقال: ما كنت لأقدم على رجل أتاني لا أدري أكذلك هو أم لا. قال: فدعني أرتهن منه رهناً، فأرسل ثابت إلى يزيد فقال: أما أنا فلم أكن أظن رجلا يغدر بعد ما يسأل الأمان، وابن عمك أعلم بك مني، فانظر ما يعاملك عليه، فقال يزيد لظهير: أبيت يا أبا سعيد إلا حسداً! قال: أما يكفيك ما ترى من الذل! تشردت عن العراق وعن أهلي، وصرت بخراسان فيما ترى، فما تعطفك الرحم! فقال له ظهير: أما والله لو تركت ورأيي فيك لما كان هذا، ولكن أرهنا أبنيك قدامة والضحاك. فدفعهما إليهم، فكانا في يدي ظهير. قال: وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت، لا يقدر منه على مايريد، حتى مات ابن لزياد القصير الخزاعي، أتى أباه نعيه من مرو، فخرج متفضلا إلى زياد ليعزيه، ومعه ظهير ورهط من أصحابه وفيهم يزيد بن هزيل، وقد غابت الشمس، فلما صار على نهر الصغانيان تأخر يزيد بن هزيل ورجلان معه، وقد تقدم ظهير وأصحابه، فدنا يزيد بن ثابت فضربه فعض السيف برأسه، فوصل إلى الدماغ. قال: ورمى يزيد وصاحباه بأنفسهم في نهر الصغانيان، فرموهم، فنجا يزيد سباحة وقتل صاحباه، وحمل ثابت إلى منزله فلما أصبح طرخون أرسل إلى ظهير: أتني بابني يزيد، فأتاه بهما، فقدم ظهير الضحاك بن يزيد فقتلهم، ورمى به وبرأسه في النهر، وقدم قدامة ليقتله، فالتفت فوقع السيف في صدره ولم يبن. فألقاه في النهر حي فغرق، فقال طرخون: أبوهما قتلهما وغدره. فقال يزيد بن هزيل: لأقتلن يا بني كل خزاعي بالمدينة، فقال له عبد الله بن بديل بن عبد الله بن بديل بن ورقاء - وكان ممن أتى موسى من فل ابن الأشعث: لو رمت ذاك من خزاعة لا تصعب عليك. وعاش ثابت سبعة أيام ثم مات. وكان يزيد بن هزيل سخياً شجاعاً شاعراً، ولى أيام ابن زياد جزيرة ابن كاوان، فقال: قد كنت أدعو الله في السر مخلصاً ... ليمكنني من جزية ورجال فاترك فيها ذكرطلحة خاملاً ... ويحمد فيها نائلي وفعالي قال: فقام بأمر العجل بعد موت ثابت طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت، فقاما قياماً ضعيفاً، وانتشر أمرهم، فأجمع موسى على بياتهم، فجاء رجل فأخبر طرخون، فضحك وقال: موسى يعجز أن يدخل متوضأه، فكيف يبيتنا! لقد طار قلبك، لا يحرسن الليلة أحد العسكر. فلما ذهب من الليل ثلثه خرج موسى في ثمانمائة قد عباهم من النهار، وصيرهم أرباعاً. قال: فصير على ربع رقبة بن الحرب وعلى ربع أخاه نوح بن عبد الله بن خازم، وعلى ربع يزيد بن هزيل، وصار هو في ربع، وقال لهم: إذا دخلتم عسكرهم فتفرقوا، ولا يمرن أحد منكم بشيء إلا ضربه، فدخلوا عسكره من أربع نواح لا يمرون بدابة ولا رجل ولا خباء ولا جوالق إلا ضربوه وسمع الوجبة نيزك فلبس سلاحه، ووقف في ليلة مظلمة، وقال لعلي بن المهاجر الخزاعي: انطلق إلى طرخون فأعلمه موقفي، وقال له: ما ترى أعمل به، فأتى طرخون، فإذا هو في فازة قاعد على كرسيه وشاكريته قد أوقدوا النيران بين يديه، فأبلغه رسالة نيزك، فقال: اجلس، وهو طامح ببصره نحو العسكر والصوت. إذا أقبل محمية السلمى وهو يقول: " حم لا ينصرون " ، فتفرق في الشاكرية، ودخل محمية الفازة. وقام إليه طرخون فبدره فضربه، فلم يغني شيئاً، قال: وطعنه طرخون بذباب السيف في صدره وصرعه، ورجع إلى الكرسي فجلس عليه، وخرج محمية يعدو. قال: ورجعت الشاكرية، فقال لهم طرخون: فررتم من رجل! أرأيتم لو كان ناراً هل كانت تحرق منكم أكثر من واحد! فما فرغ من كلامه حتى دخل جواريه الفازة، وخرج الشاكرية هراباً، فقال للجواري: اجلسن، وقال لعلي بن المهاجر: قم، قال: فخرجا فإذا نوح بن عبد الله ابن خازم في السرادق، فتجاولا ساعة، واختلفا ضربتين، فلم يصنعا شيئاً، وولى نوح وأتباعه طرخون، فطعن فرس نوح في خاصرته فشب فسقط نوح والفرس في نهر الصغانيان ورجع طرخون وسيفه يقطر دماً، حتى دخل السرادق وعلي بن المهاجر معه، ثم دخلا الفازة. وقال طرخون للجواري: ارجعن، فرجعن إلى السرادق؛ وأرسل طرخون إلى موسى: كف أصحابك؟ فإذا نرتحل إذا أصبحنا، فرجع موسى إلى عسكره، فلما أصبحوا ارتحل طرخون والعجم جميعاً، فأتى كل قوم بلادهم، قال: وكان أهل خراسان يقولون: ما رأينا مثل موسى ابن عبد الله بن خازم، ولا سمعنا به، قاتل مع أبيه سنتين، ثم خرج يسير في بلاد خراسان حتى أتى ملكاً فغلبه على مدينته وأخرجه منها، ثم سارت إليه الجنود من العرب والترك فكان يقاتل العرب أول النهار والعجم آخر النهار، وأقام في حصنه خمس عشرة سنة، وصار ما وراء النهر لموسى، لا يعازه فيه أحد قال: وكان بقومس رجل يقال له عبد الله، يجتمع إليه فتيان يتنادمون عنده في مؤونته ونفقته، فلزمه دين ، فأتى موسى بن عبد الله، فأعطاه أربعة آلاف، فأتى بها أصحابه، فقال الشاعر يعاتب رجلا يقال له موسى: فما أنت موسى إذ يناجى إلهه ... ولا واهب القينات موسى بن خازم قال: فلما عزل يزيد وولى المفضل خراسان أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى بن عبد الله، فأخرج عثمان بن مسعود - وكان يزيد حبسه - فقال: إني أريد أن أوجهك إلى موسى بن عبد الله، فقال: والله لقد وترني، وإني لثائر بابن عمتي ثابت وبالخزاعي، وما يد أبيك وأخيك عندي وعند أهل بيتي بالحسنة، لقد حبستموني وشردتم بني عمتي، واصطفيتم أموالهم، فقال له المفضل: دع هذا عنك، وسر فأدرك بثأرك فوجهه في ثلاثة آلاف، وقال له: مر منادياً فليناد: من لحق بنا فله ديوان، فنادى بذلك في السوق، فسارع إليه الناس، وكتب المفضل إلى مدرك وهو ببلخ أن يسير معه، فخرج، فلما كان ببلخ خرج ليلة يطوف في العسكر، فسمع رجلا يقول: قتلته والله، فرجع إلى أصحابه، فقال: قتلت موسى ورب الكعبة! قال: فأصبح فسار من بلخ وخرج مدرك معه متثاقلاً، فقطع النهر فنزل جزيرة بالترمذ يقال لها اليوم جزيرة عثمان - لنزول عثمان بها في خمسة عشر ألفاً - وكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى، فضيقوا عليه وعلى أصحابه، فخرج موسى ليلاً فأتى كفتان، فامتار منها، ثم رجع فمكث شهرين في ضيق، وقد خندق عثمان وحذر البيات، فلم يقدر موسى منه على غرة، فقال لأصحابه: حتى متى! اخرجوا بنا فاجعلوا يومكم؛إما ظفرتم وإما قتلتم. وقال لهم: اقصدوا للصغد والترك، فخرج وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم في المدينة، وقال له: إن قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان، وادفعها إلى مدرك بن المهلب وخرج فصير ثلث أصحابه بإزاء عثمان وقال: لا تهايجوه إلا أن يقاتلكم، وقصد لطرخون وأصحابه، فصدقوهم، فانهزم طرخون والترك، وأخذوا عسكرهم فجعلوا ينقلونه، ونظر معاوية بن خالد بن أبي برزة إلى عثمان وهو على برذون لخالد بن أبي برزة الأسلمي، فقال: انزل أيها الأمير، فقال خالد: لا تنزل فإن معاوية مشئوم. وكرت الصغد والترك راجعة، فحالوا بين موسى وبين الحصن، فقاتلهم، فعقر به فسقط، فقال لمولى له: احملني، فقال: الموت كريه، ولكن ارتدف، فإن نجونا نجونا جميعاً، وإن هلكنا هلكنا جميعاً. قال: فارتدف، فنظر إليه عثمان حين وثب فقال: وثبة موسى ورب الكعبة! وعليه مغفر له موشى بخز أحمر في أعلاه ياقوتة اسما نجونية، فخرج من الخندق فكشفوا أصحاب موسى فقصد لموسى، وعثرت دابة موسى فسقط هو ومولاه، فابتدروه فانطووا عليه فقتلوه، ونادى منادي عثمان: لا تقتلوا أحداً، من لقيتموه فخذوه أسيراً. قال: فتفرق أصحاب موسى، وأسر منهم قوم، فعرضوا على عثمان، فكان إذا أتى بأسير من العرب قال: دماؤنا لكم حلال، ودماؤكم علينا حرام! يأمر بقتله، وإذا أتى بأسير من الموالي شتمه، وقال: هذه العرب تقاتلني، فهلا غضبت لي! فيأمر به فيشدخ، وكان فظاً غليظاً، فلم يسلم عليه يومئذ أسير إلا عبد الله بن بديل بن عبد الله بن بديل بن ورقاء؛ فإنه كان مولاه، فلما نظر إليه أعرض عنه وأشار بيده أن خلوا عنه، ورقبة بن الحر لما أتى به نظر إليه وقال: ما كان من هذا إلينا كبير ذنب وكان صديقاً لثابت، وكان مع قوم فرفى لهم، والعجب كيف أسرتموه! قالوا: طعن فرسه فسقط عنه في وهدة فأسر؛ فأطلقه وحمله، وقال لخالد بن أبي برزة: ليكن عندك. قال: وكان الذي أجهز على موسى ابن عبد الله واصل بن قيصلة العنبري. ونظر يومئذ عثمان إلى زرعة بن علقمة السلمة والحجاج بن مروان وسنان الأعرابي ناحية فقال: لكم الأمان، فظن الناس أنه لم يؤمنهم حتى كاتبوه. قال: وبقيت المدينة في يدي النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم، فقال: لا أدفعها إلى عثمان، ولكني أدفعها إلى مدرك، فدفعها إليه وآمنه، فدفعها مدرك إلى عثمان. وكتب المفضل بالفتح إلى الحجاج، فقال الحجاج: العجب من ابن بهلة! أمره بقتل ابن سمرة فيكتب إلي أنه لمأبه ويكتب إلي إنه قتل موسى بن عبد الله بن خازم؛ قال: وقتل موسى سنة خمس وثمانين، فذكر البحتري أن مغراء بن المغيرة بن أبي صفرة قتل موسى فقال: وقد عركت بالترمذ الخيل خازماً ... ونوحاً وموسى عركةً بالكلاكل قال: فضرب رجل من الجند ساق موسى، فلما ولى قتيبة أخبر عنه فقال: ما دعاك إلى ماصنعت بفتى العرب بعد موته! قال: كان قتل أخي، فأمر به قتيبة فقتل بين يديه عزم عبد الملك بن مروان على خلع أخيه عبد العزيز وفي هذه السنة أراد عبد الملك بن مروان خلع أخيه عبد العزيز بن مروان. ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمرهما فيه: ذكر الواقدي أن عبد الملك هم بذلك، فنهاه عنه قبيصة بن ذؤيب، وقال: لا تفعل هذا، فإنك باعث على نفسك صوت نعار، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه! فكف عبد الملك عن ذلك ونفسه تنازعه إلى أن يخلعه. ودخل عليه روح بن زنباع الجذامي - وكان أجل الناس عند عبد الملك - فقال: يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان، فقال: ترى ذلك يا أبا زرعة؟ قال: أي والله، وأنا من أول من يجيبك إلى ذلك؛ فقال: نصيح إن شاء الله. قال: فبينى هو على ذلك وقد نام عبد الملك وروح ابن زنباع إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب طروقاً، وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابة فقال: لا يحجب عني قبيصة أي ساعة جاء من ليل أو نهار، إذا كنت خالياً أو عندي رجل واحد، وإن كنت عندي النساء أدخل المجلس وأعلمت بمكانه فدخل، وكان الخاتم إليه، وكان السكة إليه، تأتيه الأخبار قبل عبد الملك، ويقرأ الكتب قبله، ويأتي بالكتاب إلى عبد الملك منشوراً فيقرؤه، إعظاماً لقبيصة - فدخل عليه فسلم عليه وقال: أجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك عبد العزيز! قال: وهل توفى؟ قال: نعم، فاسترجع عبد الملك، ثم أقبل على روح فقال: كفانا الله أبازرعة ما كنا نريد وما أجمعنا عليه وكان ذلك مخالفاً لك يا أبا إسحاق، فقال: قبيصة: ماهو؟ فأخبره بما كان؛ فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، إن الرأي كله في الأناة والعجلة فيها ما فيها، فقال عبد الملك: ربما كان في العجلة خير كثير، رأيت أمر عمر بن سعيد، ألم تكن العجلة فيه خيراً من التأني! خبر موت عبد العزيز بن مروان وفي هذه السنة توفى عبد العزيز بن مروان بمصر في جمادى الأولى، فضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وولاه مصر. وأما المدائني فإنه قال في ذلك ما حدثنا به أبو زيد عنه، أن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد، وأفد وفداً في ذلك عليهم عمران ابن عصام العنزي، فقام عمران خطيباً، فتكلم وتكلم الوفد وحثوا عبد الملك وسألوه ذلك فقال عمران بن عصام: أمير المؤمنين إليك نهدي ... على نأي التحية والسلاما أجبني في بنيك يكن جوابي ... لهم عادية ولنا قواما فلو أن الوليد أطاع فيه ... جعلت له الخلافة والذماما شبيهك حول قبته قريش ... به يستمطر الناس الغماما ومثلك في التقى لم يصب يوماً ... لدن خلع القلائد والتماما فإن تأثر أخاك بها فإن ... وجدك لا نطيق لها إتهاما ولكنا نحاذر من بنيه ... بني العلات مأثرة سماما ونخشى إن جعلت الملك فيهم ... سحاباً أن تعود لهم جهاما فلا يك ما حلبت غداً لقوم ... وبعد غد بنوك هم العياما فأقسم لو تخطاني عصام ... بذلك ما عذرت به عصاما ولو أني حبوت أخاً بفضل ... أريد به المقالة والمقاما لعقب في بني على بنيه ... كذلك أو لرمت مراما فمن يك في أقاربه صدوع ... فصدع الملك أبطؤه التئاما فقال عبد الملك: يا عمران، إنه عبد العزيز، قال: احتل له يا أمير المؤمنين. قال علي: أراد عبد الملك بيعة الوليد قبل أمر الأشعث، لأن الحجاج بعث في ذلك عمران بن عصام، فلما أبى عبد العزيز أعرض عبد الملك عما أراد حتى مات عبد العزيز، ولما أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد كتب إلى أخيه: إن رأيت أن تصير هذا الأمر لابن أخيك! فأبى، فكتب إليه: فاجعلها له من بعدك، فإنه أعز الخلق على أمير المؤمنين. فكتب إليه عبد العزيز: إني أرى في أبي بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد، فقال عبد الملك: اللهم إن عبد العزيز قطعني فاقطعه. فكتب إليه عبد الملك: احمل خراج مصر. فكتب إليه عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، إني وإياك قد بلغنا سناً لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلاً، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولاً! فإن رأيت ألا تفنث على بقية عمري فافعل. فرق له عبد الملك وقال: لعمري لا أغثث عليه بقية عمره، وقال لابنيه: إن يرد الله أن يعطيكموها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك. وقال لابنيه: الوليد وسليمان: هل قارفتما حراماً قط؟ قالا: لا والله قال: الله أكبر، نلتماها ورب الكعبة! قال: فلما أبى عبد العزيز أن يجيب عبد الملك إلى ما أراد، قال عبد الملك: اللهم قد قطعني فاقطعه، فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين أمره، فدعا عليه، فاستجيب له. قال: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشير عليه أن يستكتب محمد بن يزيد الأنصاري، وكتب إليه: إن أردت رجلاً مأموناً فاضلاً عاقلاً وديعاً مسلماً كتوماً تتخذه لنفسك، وتضع عنده سرك، وما لا تحب أن يظهر، فاتخذ محمد بن يزيد. فكتب إليه عبد الملك: احمله إلي. فحمله، فاتخذه عبد الملك كاتباً. قال محمد: فلم يكن يأتيه كتاب إلا دفعه إلي، ولا يستر شيئاً إلا أخبرني به وكتمه الناس، ولا يكتب إلى عامل من عماله إلا أعلمنيه، فإني لجالس يوماً نصف النهار إذا ببرد قد قدم من مصر، فقال: الأذن على أمير المؤمنين. قلت: ليست هذه ساعة إذن، فأعلمني ما قد قدمت له، قال: لا. قلت: فإن كان معك كتاب فادفعه إلي. قال: لا، قال: فأبلغ بعض من حضرني أمير المؤمنين، فخرج فقال: ما هذا؟ قلت: رسول قدم من مصر، قال: فخذ الكتاب، قلت: زعم أنه ليس معه كتاب، قال: فسله عما قدم له، قلت: قد سألته فلم يخبرني، قال أدخله، فأدخلته، فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز! فاسترجع وبكى ووجم ساعة ثم قال: يرحم الله عبد العزيز! مضى والله عبد العزيز لشأنه، وتركنا وما نحن فيه، ثم بكى النساء وأهل الدار، ثم دعاني من غد، فقال: إن عبد العزيز رحمه الله قد مضى لسبيله، ولا بد للناس من علم وقائم يقوم بالأمر من بعدي، فمن ترى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سيد الناس وأرضاهم وأفضلهم الوليد بن عبد الملك، قال: صدقت وفقك الله! فمن ترى أن يكون بعده؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أين تعدلها عن سليمان فتى العرب! قال: وفقت، أما إنا لو تركنا الوليد وإياها لجعلها لبنيه، اكتب عهداً للوليد وسليمان من بعده، فكتب بيعة الوليد ثم سليمانمن بعده. فغضب علي الوليد فلم يولني شيئاً حين أشرت بسليمان من بعده. قال علي، عن أبي جعدية: كتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أن يدعو الناس لبيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غير سعيد بن المسيب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حي؛ فضربه هشام ضرباً مبرحاً وألبسه المسوح، وسرحه إلى ذباب - ثنية بالمدينة كانوا يقتلون عندها ويصلبون فظن أنهم يريدون قتله، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يصلبوني ما لبست سراويل مسوح، ولكن قلت: يصلبوني فيسترني، وبلغ عبد الملك الخبر، فقال: قبح الله هشاماً! إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى يضرب عنقه، أو يكف عنه. بيعة عبد الملك لابنيه الوليد وسليمان وفي هذه السنة بايع عبد الملك لابنيه: الوليد، ثم من بعده سليمان، وجعلهما وليي عهد المسلمين، وكتب بيعته لهما البلدان، فبايع الناس، وامتنع من ذلك سعيد بن المسيب، فضربه هشام بن إسماعيل - وهو عامل عبد الملك على المدينة - وطاف به وحبسه، فكتب عبد الملك إلى هشام يلومه على ما فعل من ذلك، وكان ضربه ستين سوطاً، وطاف به فيد تبان سعر حتى بلغ به رأس الثنية. وأما الحارث فقد قال: حدثني ابن سعيد، عن محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا قالوا: استعمل عبد الله ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس؛ فضربه ستين سوطاً، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه، وقال: مالنا ولسعيد، دعه! وحدثني الحارث، عن ابن سعد، أن محمد بن عمر أخبره قال: حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره من أصحابنا أن عبد العزيز بن مروان توفي بمصر في جمادى سنة أربع وثمانين، فعقد عبد الماك لابنيه الوليد وسليمان العهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وعامله يومئذ هشام بن اسماعيل المخزومي، فدعا الناس إلى البيعة، فبايع الناس، ودعا سعيد بن المسيب أب يبايع لهما، فأبى وقال: لا حتى أنظر، فضربه هشام بن إسماعيل ستين سوطاً وطاف به في تبان شعر حتى بلغ به رأس الثنية، فلما كروا به قال: أين تكرون بي؟ قالوا: إلى السجن؛ قال: والله لولا أني، ظننت أنه الصلب لما لبست هذا التبان أبداً. فرده إلى السجن، وحبسه وكتب إلى عبد الملك يخبره بخلافه، وما كان من أمره، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع ويقول: سعيد والله كان أحوج أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده من شقاق وخلاف. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي، كذلك حدثنا أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان العامل على المشرق في هذه السنة كم العراق الحجاج بن يوسف. ثم دخلت سنة ست وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر وفاة عبد الملك بن مروان فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الملك بن مروان، وكان مهلكه في النصف من شوال منها. حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفي عبد الملك بن مروان يوم الخميس للنصف من شوال سنة ست وثمانين، فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر. وأما الحارث فإنه حدثني عن أبي سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: أجمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين. قال ابن عمر: وحدثني أبو معشر نجيح، قال: مات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس اانصف من شوال سنة ست وثمانين، فكانت ولايته منذ يوم بويع إلى يوم توفي إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً، كان تسع سنين منها يقاتل عبد الله بن الزبير، ويسلم عليه بالخلافة بالشام، ثم بالعراق بعد مقتل مصعب، وبقي بعد مقتل عبد الله بن الزبير واجتماع الناس عليه ثلاث عشر سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال. وأما علي بن محمد المدائني، فإنه - فيما حدثنا أبو زيد عنه - قال: مات عبد الملك سنة ست وثمانين بدمشق، وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يوماً. ذكر الخبر عن مبلغ سنه يوم توفي اختلف أهل السير في ذلك، فقال أبو معشر فيه - ما حدثني الحارث عن أبي سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو معشر نجيح، قال: مات عبد الملك بن مروان وله ستون سنة. قال الواقدي: وقد روى لنا أنه مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة. قال: والأول أثبت. وهو على مولده، قال: وولد سنة ست وعشرين في خلافة عثمان ابن عفان رضي الله عنه،وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين. وقال المدائني علي بن محمد - فيما ذكر، أبو زيد عنه: مات عبد الملك وهو ابن ثلاث وستين سنة. ذكر نسبه وكنيته أما نسبه، فإنه عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف. وأما كنيته فأبو الوليد. وأمه عائشة بنت معاوية بنت المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وله يقول ابن قيس الرقيات: أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها لم تلتفت للداتها ... ومضت على غلوائها ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر - درج - وعائشة؛ أمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض. ويزيد، ومروان، ومعاوية - درج - وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وهشام، وأمه أم هشام بنت هشام إسماعيل بن هشامبن الوليد بن المغيرة المخزومي. وقال المدائني: اسمها عائشة بنت هشام. وأبو بكر، واسمه بكار، أمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله، والحكم - درج - أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان. وفاطمة بنت عبد الملك، أمها أم المغيرة بنت المغير بن خالد بن العاص ابن هشام بم المغيرة. وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج؛ لأمهات أولاد. قال المدائني: وكان له من النساء - سوى من ذكرنا - شقراء بنت سلمة ابن حلبس الطائي، وابنة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأم أبيها بنت عبد الله بم جعفر. وذكر المدائني، عن عوانة وغيره أن أم سلمة بن يزيد بن وهب بن نباتة الفهمي دخل على عبد الملك فقال له: أي الزمان أدركت أفضل؟ وأي الملوك أكمل؟ قال: أما الملوك فلم أر إلا ذاماً وحامداً؛ وأما الزمان فيرفع أقواماً ويضع أقواماً، وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم، ويهرم صغيرهم، وكل ما فيه منقطع غير الأمل؛ قال: فأخبرني عن فهم، قال: هم كما قال من قال: درج الليل والنهار على فه ... م بن عمرو فأصبحوا كالرميم وخلت دارهم فأضحت يباباً ... بعد عز وثروة ونعيم كذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم قال: فمن يقول منكم: رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبون الغنى من الرجال وإن كان الغنى قليل خير ... بخيلاً بالقليل من النوال فما أدرى علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من البخال أللدينا؟ فبيس هناك دنيا ... ولا يرجى لحادثة الليالي قال: أنا. قال علي: قال أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معبط لعبد الملك بن مروان: نبئت أن ابن القلمس عابني ... ومن ذا من الناس الصحيح المسلم! فأبصر سبل الرشد سيد قومه ... وقد يبصر الرشد الرئيس المعمم فمن أنتم؟ ها خبرونا من أنتم ... وقد جعلت أشياء تبدو وتكتم فقال عبد الملك: ما كنت أرى أن مثلنا يقال له: من أنتم! أما والله لولا ما تعلم لقلت قولاً ألحقكم بأصلكم الخبيث حتى تموت. وقال عبد الله بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك: يا بن العاص ويا خير فتى ... أنت سداد الدين إن دين وهى أنت الذي لا يجعل الأمر سدى ... جيبت قريش عنكم جوب الرحى إن أبا العاصي وفي ذاك اعتصى ... أوصى بنيه فوعوا منه الوصى إن يسعروا الحرب ويأبوا ما أبى ... الطاعنين في النحور والكلى شزراً ووصلاً للسيوف بالخطا ... إلى القتال فحووا ما قد حوى وقال أعشى بن شيبان: عرفت قريش كلها ... لبني أبي العاص الإمارة لأبرها وأحقها ... عند المشورة بالإشارة المانعين لما ولوا ... والنافعين ذوي الضرارة وهم أحقهم بها ... عند الحلاوة والمرارة وقال عبد الملك: ما أعلم مكان أحد أقوى على هذا الأمر مني. وإن ابن الزبير لطويل الصلاة، كثير الصيام، ولكن لبخله لا يصلح أن يكون سائساً. خلافة الوليد بن عبد الملكوفي هذه السنة بويع للوليد بن عبد الملك بالخلافة، فذكر أنه لما دفن أباه وانصرف عن قبره. دخل المسجد فصعد المنبر، واجتمع إليه الناس، فخطب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله المستعان بمصيبتا بوت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام لبيعته عبد الله بن هشام السولي، فإنه قام وهو يقول: الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها فبايعه، ثم تتابع الناس على البيعة. وأما الواقدي فإنه ذكر أن الوليد لما رجع من دفن أبيه، ودفن خارج باب الجابية، لم يدخل منزله حتى صعد على منبر دمشق، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت. وقد صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة الذي يحق عليه لله من الشدة على المريب، واللين لأهل الحق والفضل، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه؛ من حج هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشن هذه الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزاً ولم يكن مفرطاً. أيها الناس، عليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل، فنظر إلى ما كان من دواب الخلافة فحازه، وكان جباراً عنيداً. ولاية قتيبة بن مسلم على خراسان من قبل الحجاج وفي هذه السنة قدم قتيبة بن مسلم خراسان والياً عليها من قبل الحجاج، فذكر علي بن محمد أن كليب بن خلف، أخبره عن طفيل ابن مرداس العمي والحسن بن رشيد، عن سليمان بن كثير العمي، قال: أخبرني عمي قال: رأيت قتيبة بن مسلم حين قدم خراسان في سنة ست وثمانين، فقدم والمفضل يعرض الجند، وهو يريد أن يغزو أخرون وشومان، فخطب الناس قتيبة، وحثهم على الجهاد، وقال: إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه، ويذب بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدو وقماً، ووعد نبيه صلى الله عليه وسلم النصر بحديث صادق، وكتاب ناطق، فقال: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " . ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب، وأعظم الذخر عنده فقال: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله " ، إلى قوله " أحسن ما كانوا يعملون " . ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حي مرزوق، فقال " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " . فتنجزوا موعود ربكم ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم، وإياي والهوينى. ذكر ما كان من أمر قتيبة بخراسان في هذه السنة ثم عرض قتيبة الجند في السلاح والكراع، وسار واستخلف بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان بن السعدي، فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وبعض عظمائهم فساروا معه، فلما قطع النهر تلقاه تيش الأعور ملك الطغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب، فدعاه إلى بلاده، فأتاه وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال، ودعا إلى بلاده، فمضى مع بيش إلى الصغانيان، فسلم إليه بلاده، وكان ملك آخرون وشومان قد أساء جوار تيش وغزاه وضيق عليه، فسار قتيبة إلى أخرون وشومان - وهما من طخارستان، فجاءه غشتاسبان فصالحه على فدية أداها إليه، فقبلها قتيبة ورضي، انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم، وتقدم جنده فسبقهم إلى مرو، وفتح صالح بعد رجوع قتيبة باسارا، وكان معه نصر بن سيار فأبلى يومئذ؛ فوهب له قرية تدعى تنجانة، ثم قدم صالح على قتيبة فاستعمله على الترمذ. قال: واما الباهليون فيقولون: قدم قتيبة خراسان سنة خمس وثمانين فعرض الجند، فكان جميع ما أحصوا من الدروع في جند خراسان ثلثمائة وخمسين درعاً، فغزا أخرون وشومان، ثم قفل فركب السفن فانحدر إلى آمل، وخلف الجند، فأخذوا طرق بلخ إلى مرو، وبلغ الحجاج، فكتب إليه يلومه ويعجز رأيه في تخليفه الجند، وكتب إليه: إذا غزوت فكن في مقدم الناس، وإذا قفلت فكن في أخرياتهم وساقتهم. وقد قيل: إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة على بلخ، لأن بعضها كان منتقداً عليه ، وقد ناصب المسلمين، فحارب أهلها، فكان ممن سبى امرأة برمك، أبا خالد بن برمك - وكان برمك على النوبهار - فسارت لعبد الله بن مسلم الذي يقال له الفقير، أخى قتيبة بن مسلم، فوقع عليها، وكان به شيء من الجذام. ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذي حاربهم قتيبة، فأمر قتيبة برد السبى، فقالت امرأة برمك لعبد الله بن مسلم: يا تازي، إني قد علقت منك. وحضرت عبد الله بن مسلم الوفاة، فأوصى أن يلحق به ما في بطنها، وردت إلى برمك، فذكر أن ولد عبد الله بن مسلم جاؤوا أيام المهدي حين قدم الري إلى خالد، فادعوه، فقال لهم مسلم بن قتيبة: إنه لا بد لكم إن استلحقتموه ففعل من أن تزوجوه، فتركوه وأعرضوا عن دعواهم. وكان برمك طبيباً، فداوى بعد ذلك مسلمة من علة كانت به. وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم. وفيها حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان، وعبد الملك بن المهلب عن شرطته. وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان الأمير على العراق كله والمشرق كله الحجاج بن يوسف وعلى الصلة بالكوفة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل. وعلى الحرب بها من قبل الحجاج زياد بن جرير بن عبد الله. وعلى البصرة أيوب بن الحكم. وعلى خراسان قتيبة بن مسلم. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث في هذه السنة عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة، وورد عزله عنها - فيما ذكر - ليلة الأحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين. وكانت إمرته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه. خبر إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة وفي هذه السنة ولي الوليد عمر بن عبد العزيز المدينة. قال الواقدي: قدمها والياً في شهر ربيع الأول؛ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وولد سنة اثنتين وستين. قال: وقدم على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان. قال: فحدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة ونزل دار مروان دخل عليه الناس فسلموا، فلما صلى الظهر دعا عشرة م فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبد الله ابن عمرو، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد؛ فدخلوا عليه فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرج الله على من بلغه ذلك إلا بلغني. فخرجوا يجزونه خيراً، وافترقوا. قال: وكتب الوليد إلى عمر يأمره أن يقف هشام بن إسماعيل للناس، وكان فيه سيء الرأي. قال الواقدي: فحدثني داود بن جبير، قال: أخبرتني أمولد سعيد بن المسيب أن سعيداً دعا أبنه ومواليه فقال: إن هذا الرجل يوقف للناس أوقد وقف - فلا يتعرض له أحد ولا يؤذه بكلمة، فإنا سنترك ذلك لله وللرحيم، فإن كان ما علمت لسيء النظر لنفسه، فأما كلامه فلا أكلمه أبداً. قال: وحدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، عن أبيه، قال: كان هشام بن إسماعيل يسيء جوارنا ويؤذينا، ولقى منه على بن الحسين أذى شديداً، فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس، فقال ما أخاف إلا من علي بن الحسين. فمر به علي وقد وقف عند دار مروان، وكان علي قد تقدم إلى خاصته ألا يعرض له أحد منهم بكلمة؛ فلما مر ناداه هشام بن إسماعيل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. خبر صلح قتيبة ونيزك وفي هذه السنة قدم نيزك على قتيبة ، وصالح قتيبة أهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر علي بن محمد أن أبا الحسن الجشمي أخبره عن أشياخ من أهل خراسان، وجبلة بن فروخ عن محمد بن المثنى، أن نيزك طرخان كان في يديه أسراء من المسلمين، وكتب إليه قتيبة حين صالح ملك شومان فيمن في يديه من أسرى المسلمين أن يطلقهم، ويهدده في كتابه، فخافه نيزك، فأطلق الأسرى، وبعث بهم إلى قتيبة، فوجه إليه قتيبة سلياً الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، وكتب إليه كتاباً يحلف فيه بالله: لئن لم يقدم عليه ليغزونه، ثم ليطلبنه حيث كان ، لا يقلع منه حتى يظفر به أو يموت قبل ذلك. فقدم سليم على نيزك بكتاب قتيبة - وكان يستنصحه - فقال له: يا سليم، ما أظن عند صاحبك خيراً، كتب إلي كتاباً لايكتب إلى مثلي! قال له سليم: يا أبا الهياج، إن هذا رجل شديد في سلطانه، سهل إذا سوهل، صعب إذا عوسر، فلا يمنعك منه غلظة كتابه إليك، فما أحسن حلك عنده وعند جميع مضر! فقدم نيزك مع سليم على قتيبة، فصالحه أهل باذغيس في سنة سبع وثمانين على ألا يدخل باذغيس. خبر غزو مسلمة بن عبد الملك أرض الروم وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، ومعه يزيد بن جبير، فلقى الروم في عدد كثير بسوسنة من ناحية المصيصة. قال الواقدي: فيها لاقى مسلم ميموناً الجرماني ومع مسلمة نحو من ألف مقاتل من أهل انطاكية عند طوانة، فقتل منهم بشراً كثيراً، وفتح الله على يديه حصوناً. وقيل: إن الذي غزا الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح الله على يديه حصن بولق وحصن الأخرم وحصن بولس وقمقم، وقتل ممن المستعربة نحواً من ألف مقاتل، وسبى ذراريهم ونسائهم. خبرغزو قتيبة بيكند وفي هذه السنة غزا قتيبة بيكند. ذكر الخبر عن غزوته هده: ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس. عن أبيه، عن حسين بن مجاهد الرازي وهارون بن عيسى، عن يونس ابن أبي إسحاق وغيرهم، أن قتيبة لما صالح نيزك أقام إلى وقت الغزو،ثم غزا في تلك السنة - سنة سبع وثمانين - بيكند، فسار من مرو وأتى مرو الروذ، ثم أتى آمل! ثم مضى إلى زم فقطع النهر، وسار إلى بيكند - وهي أدنى مدائن بخاري إلى النهر، يقال لها مدينة التجار على رأس المفازة من بخاري - فلما نزل بعقوتهم استنصروا الصغد، واستمدوا من حولهم، فآتوهم في جمع كثير، وأخذوا بالطريق فلم ينفذ لقتيبة رسول، ولم يصل إليه رسول، ولم يجر له خبر شهرين، وأبطأ خبره على الحجاج، فأشفق الحجاج على الجند، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد، وكتب بذلك إلى الأمصار وهم يقتتلون في كل يوم. قال: وكان لقتيبة عين يقال له تنذر من العجم، فأعطاه أهل بخاري الأعلى مالاً على أن يفشأ عنهم قتيبة؛ فآتاه، فقال: أخلني، فنهض الناس واحتبس قتيبة ضرار بن حصين الضبي، فقال تنذر: هذا عامل يقدم عليك، وقد عزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو! فدعا قتيبة سياه مولاه، فقال: اضرب عنق تنذر، فقتله، ثم قال لضرار: لم يبق أحد يعلم هذا الخبر غيري وغيرك، وإني أعطي الله عهداً إن ظهر هذا الحديث من أحد حتى تنقضي حربنا هذه لألحقنك به؛ فاملك لسانك، فإن انتشار هذا الحديث يفت في أعضاد الناس. ثم أذن للناس. قال: فدخلوا، فراعهم قتل تنذر، فوجموا وأطرقوا، فقال قتيبة: ما يروعكم من قتل عبد أحانه الله! قالوا: إنا كنا نظنه ناصحاً للمسلمين، قال: بل كان غاشاً فأحانه الله بذنبه، فقد مضى لسبيله، فاغدوا على قتال عدوكم، والقوهم بغير ما كنتم تلقونهم به. فغدا الناس متأهبين، وأخذوا مصافهم، ومشى قتيبة قحض أهل الريات، فكانت بين الناس مشاولة، ثم تزاحفوا والتقوا، وأخذت السيوف مأخذها، وأنزل الله على المسلمين الصبر، فقاتلوهم حتى زالت الشمس، ثم منح الله المسلمين أكتافهم، فانهزموا يريدون المدينة، واتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول فتفرقوا، وركبهم المسلمون قتلا وأسراً كيف شاءوا، واعتصم من دخل المدينة بالمدينة، وهم قيل، فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها، فسألوه الصلح فصالحهم، واستعمل عليهم رجلا من بني قتيبة. وارتحل عنهم يريد الرجوع، فلما سار مرحلة أو ثنتين، وكان منهم عل خمسة فراسخ نقضوا وكفروا، فقتلوا العامل وأصحابه، وجدعوا آنفهم وآذانهم، وبلغ قتيبة فرجع إليهم، وقد تحصنوا، فقاتلهم شهراً، ثم وضع الفعلة في أصل المدينة فعلقوها بالخشب، وهو يريد إذا فرغ من تعليقها أن يحرق الخشب فتنهدم، فسقط الحائط وهم يعلقونه، فقتل أربعين من الفعلة، فطلبوا الصلح، فأبى وقاتلهم، فظفر بهم عنوة، فقتل من كان فيها من المقاتلة، وكان فيمن أخذوا في المدينة رجل أعور كان هو الذي استجاش الترك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا افدي نفسي، فقال له سليم الناصح: ما تبذل؟ قال: خمسة آلاف حريرة صينية قيمتها ألف ألف، فقال قتيبة: ما ترون؟ قالوا: نرى أن فداءه زيادة في غنائم المسلمين، وما عسى أن يبلغ من كيد هذا! قال: لا والله لا تروع بك مسلمة أبداً، وأمر به فقتل قال علي: قال أبو الذيال، عن المهلب بن إياس، عن أبيه والحسن ابن رشيد، عن طفيل بن مرداس، أن قتيبة لما فتح بيكند أصابوا فيها من آنية الذهب والفضة ما لا يحصى، فولى الغنائم والقسم عبد الله بن وألان العدوي أحد بني ملكان - وكان قتيبة يسميه الأمين ابن الأمين - وإياس بن بيهس الباهلي، فأذابا الآنية والأصنام فرفعاه إلى قتيبة، ورفعا إليه خبث ما أذابا، فوهبه لهما، فأعطيا به أربعين ألفاً، فأعلماه فرجع فيه وأمرهما أن يذيباه فأذاباه، فخرج منه خمسون ومائة ألف مثقال - أو خمسون ألف مثقال - وأصابوا في بيكند شيئاً كثيراً، وصار في أيدي المسلمين من بيكند شيء لم يصيبوا مثله بخراسان، ورجع قتيبة إلى مرو وقوى المسلمون، فاشتروا السلاح والخيل، وجلبت إليهم الدواب. وتنافسوا في حسن الهيئة والعدة، وغالوا بالسلاح حتى بلغ الرمح سبعين؛ وقال الكميت: ويوم بيكند لا تحصى عجائبه ... وما بخاراء مما أخطأ العدد وكان في الخزائن سلاح وآلة من آلة الحرب كثير، فكتب قتيبة إلى الحجاج يستأذنه في دفع ذلك السلاح إلى الجند، فأذن له، فأخرجوا ما كان في الخزائن من عدة الحرب وآلة السفر، فقسمه في الناس فاستعدوا، فلما كان الربيع ندب الناس وقال: إني أغزيكم قبل أن تحتاجوا إلى حمل الزاد، وأنتقلكم قبل أن تحتاجوا إلى الإدفاء؛ فسار في عدة حسنة من الدواب والسلاح، فأتى آمل؛ ثم عبر من زم إلى بخارى، فأتى نومشكث - وهي من بخارى - فصالحوه. قال علي: حدثنا أبو الذيال، عن أشياخ من بني عدي، أن مسلماً الباهلي قال لو ألان: إن عندي مالاً أحب أن أستودعكه، قال: أتريد أن يكون مكتوماً أو لا تكره أن يعلمه الناس؟ قال: أحب أن تكتمه؛ قال: ابعث به مع رجل تثق به إلى موضع كذا و كذا ومره إذا رأى رجلا في ذلك الموضع أن يضع ما معه وينصرف؛ قال: نعم، فجعل مسلم المال في خرج، ثم حمله على بغل وقال لمولى له: انطلق بهذا البغل إلى موضع كذا وكذا، فإذا رأيت رجلاً جالساً فخل عن البغل وانصرف. فانطلق الرجل بالبغل، وقد كان وألان أتى الموضع لميعاده. فأبطأ عليه رسول مسلم، ومضى الوقت الذي وعده، فظن أنه قد بدا له، فانصرف وجاء رجل من بني تغلب فجلس في ذلك الموضع، وجاء مول مسلم فرأى الرجل جالساً، فخلى عن البغل ورجع، فقام التغلبي إلى البغل، فلما رأى المال ولم ير مع البغل أحداً قاد البغل إلى منزله، فأخذ البغل وأخذ المال، فظن مسلم أن المال قد صار إلى وألان، فلم يسأل عنه حتى احتاج إليه، فلقيه فقال: مالي! فقال: ماقبضت شيئاً، ولا لك عندي مال. قال: فكان مسلم يشكوه ويتنقصه. قال: فأتى يوماً مجلس بني ضبيعة فشكاه والتغلبي جالس، فقام إليه فخلا به وسأله عن المال، فأخبره فانطلق به إلى منزله، وأخرج الخرج فقال: أتعرفه؟ قال: نعم، قال: والخاتم؟ قال: نعم؛ قال: اقبض مالك، وأخبره الخبر، فكان مسلم يأتي الناس والقبائل التي كان يشكو إليهم وألان فيعذره ويخبرهم الخبر، وفي وألان يقول الشاعر: ولست كو ألان الذي ساد بالتقى ... ولست كعمران ولا كالمهلب وعمران: ابن الفصيل البرجمي. وحج بالناس في هذه السنة - فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى،عن أبي معشر - عمر بن عبد العزيز، وهو أمير على المدينة. وكان على قضاء المدينة في هذه السنة أبو بكر بن عمرو بن حزم من قبل عمر بن عبد العزيز. وكان على العراق والمشرق كله الحجاج بن يوسف، وخليفته على البصرة في هذه السنة - فيما قيل - الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الله ابن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم. ثم دخلت سنة ثمان ثمانين ذكر ما كان فيها من الأحداث خبر فتح حصن طوانة من بلاد الروم فمن ذلك ما كان من فتح الله على المسلمين حصناً من حصون الروم يدعى طوانة في جمادى الآخرة وشتوا بها، وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن الوليد بن عبد الملك. فذكر محمد بن عمر الواقدي أن ثور بن يزيد حدثه عن أصحابه قال: كان فتح طوانة على يدي مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد، وهزم المسلمون العدو يومئذ هزيمة صاروا إلى كنيستهم، ثم رجعوا فانهزم الناس حتى ظنوا ألا يجتبروها أبداً، وبقي العباس معه نفير؛ منهم ابن محيريز الجمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة؟ فقال ابن محيريز: نادهم يأتوك؛ فنادى العباس: يا أهل القرآن! فأقبلوا جميعاً، فهزم الله العدو حتى دخلوا طوانة. وكان الوليد بن عبد الملك ضرب البعث على أهل المدينة في هذه السنة. فذكر محمد بن عمر، عن أبيه، أن مخرمة بن سليم الوالبي قال: ضرب عليهم بعث ألفين. وأنهم تجاعلوا فخرج ألف وخمسمائة، وتخلف خمسمائة، فغزوا الصائفة مع مسلمة والعباس، وهما على الجيش. وإنهم شتوا بطوانة وافتتحوها. وفيها ولد الوليد بن يزيد بن عبد الملك. ذكر عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أمر الوليد بن عبد الملك بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدخالها في المسجد، فذكر محمد بن عمر، أن محمد بن جعفر بن وردان البناء قال: رأيت الرسول الذي بعثه الوليد بن عبد الملك قدم في شهر ربيع الأول سنة ثمان و ثمانين، قدم معتجراً، فقال الناس: ما قدم به الرسول! فدخل على عمر بن عبد العزيز بكتاب الوليد يأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله، وأن يشتري ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمر أهل المصر فليقوموا له قيمة عدل، ثم اهدم عليهم وادفع إليهم الأثمان، فإن لك في ذلك سلف صدق؛ عمر وعثمان فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده، فأجاب القوم إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وأخذ في هدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناء المسجد، فلم يمكث إلا يسيراً حتى قدم الفعلة، بعث بهم الوليد. قال محمد بن عمر: وحدثني موسى بن يعقوب، عن عمه، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس: القاسم، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، يرونه أعلاماً في المسجد ويقرونه، فأسسوا أساسه. قال محمد بن عمر: وحدثني يحيى ين النعمان الغفاري، عن صالح بن كيسان، قال: لما جاء كتاب الوليد من دمشق وسار خمس عشرة بهدم المسجد، تجرد عمر بن عبد العزيز، قال صالح: فاستعملني على هدمه وبنائه، فهدمناه بعمال المدينة، فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد. قال محمد: وحدثني موسى بن أبي بكر، عن صالح بن كيسان، قال: ابتدأنا بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر من سنة ثمان وثمانين، وبعث الوليد إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعينه فيه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، وبعث إليه بمائة عالم، وبعث من الفسيفساء بأربعين حملا، وأمر أن يتتبع الفسيفساء في المدائن التي خربت، فبعث بها إلى الوليد فبعث بذلك الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، وفي هذه السنة ابتدأ عمر بن عبد العزيز في بناء المسجد. وفيها غزا أيضاً مسلمة الروم، ففتح على يديه حصون ثلاثة: حصن قسطنطينة، وغزالة، وحصن الأخرم، وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبي الذرية وأخذ الأموال. ذكر غزو قتيبة نومشكث وراميثنه وفي هذه السنة غزا قتيبة نومشكث وراميثنه، ذكر الخبر عما كان من خبر غزوته هذه: ذكر على بن محمد، أن المفضل بن محمد أخبره عن أبيه ومصعب بن حيان، عن مولى لهم أدرك ذلك، أن غزا نومشكث في سنة ثمان وثمانين، واستخلف على مرو بشار بن مسلم، فتلقاه أهلها، فصالحهم، ثم صار إلى راميثنه فصالحه أهلها، فانصرف عنهم وزحف إليه الترك، معهم السغد وأهل فرغانة، فاعترضوا المسلمين في طريقهم، فلحقوا عبد الرحمن ابن مسلم الباهلي وهو على الساقة، بينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، فلما قربوا منه أرسل رسولاً إلى قتيبة بخبره، وغشيه الترك فقاتلوه، وأتى الرسول قتيبة فرجع بالناس، فانتهى إلى عبد الرحمن وهو يقاتلهم، وقد كاد الترك يستعملونهم، فلما رأى الناس قتيبة طابت أنفسهم فصبروا، وقاتلوهم إلى الظهر، وأبلى يومئذ نيزك وهو مع قتيبة، فهزم الله الترك، وفض جمعهم، ورجع قتيبة يريد مرو، وقطع النهر من الترمذ يريد بلخ، ثم أتى مرو. وقال الباهليون: لفي الترك المسلمين عليهم كور مغانون التركي ابن أخت ملك الصين في مائتي ألف، فأظهر الله المسلمين عليهم، ذكر ما عمل الوليد من المعروف وفي هذه السنة كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر الآبار في البلدان. قال محمد بن عمر: حدثني ابن أبي سبرة، قال: حدثني صالح بن كيسان، قال: كتب الوليد إلى عمر في تسهيل الثنايا وحفر الآبار بالمدينة، وخرجت كتبه إلى البلدان بذلك، وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله بذلك، قال: وحبس المجذمين عن أن يخرجوا على الناس، وأجرى عليهم أرزاقاً، وكانت تجري عليهم. وقال. ابن أبي سبرة، عن صالح بن كيسان؛ قال: كتب الوليد إلى عمر ابن عبد العزيز أن يعمل الفوارة التي عند دار يزيد بن عبد الملك اليوم، فعملها عمر وأجرى ماءها فلما حج الوليد وقف عليها، فنظر إلى بيت الماء والفوارة، فأعجبته، وأمر لها بقوام يقومون عليها، وأن سقى أهل المسجد منها، ففعل ذلك وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز في رواية محمد بن عمر ذكر أن محمد بن عبد الله بن جبير - مولى لبني العباس - حدثهعن صالح بن كيسان، قال: خرج عمر بن عبد العزيز تلك السنة - يعني سنة ثمان وثمانين - بعدة من قريش، أرسل إليهم بصلات وظهر للحمولة، وأحرموا معه من ذي الحليفة، وساق معه بدنا، فلما كان بالتنعيم لقيهم نفر من قريش، منهم ابن أبي مليكة وغيره. فأخبروه أن مكة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاج العطش. وذلك أن المطر قل، فقال عمر: فالمطلب هاهنا بين، تعالوا ندع الله. قال: فرأيتهم دعوا ودعا معهم، فألحوا في الدعاء. قال صالح: فلا والله إن وصلنا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل، وسكبت السماء، وجاء سيل الوادي، فجاء أمر خافه أهل مكة، ومطرت عرفه ومنى وجمع؛ فما كانت إلا عبراً، قال: ونبتت مكة تلك السنة للخصب. وأما أبو معشر فإنه قال: حج بالناس سنة ثمان و ثمانين عمر بن الوليد ابن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى عنه. وكانت العمال على الأمصار في هذه السنة العمال الذين ذكرنا أنهم كانوا عمالها في سنة سبع ثمانين. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها خبر غزو مسلمة أرض الروم فمن ذلك افتتاح المسلمين في هذه السنة حصن سورية، وعلى الجيش مسلمة بن عبد الملك، زعم الواقدي أن مسلمة غزا في هذه السنة أرض الروم، ومعه العباس بن الوليد ودخلاها جميعاً ثم تفرقا، فافتتح مسلمة حصن سورية، وافتتح العباس أذرولية، ووافق من الروم جميعاً فهزمهم. وأما غير الواقدي فإنه قال: قصد مسلمة عمورية فوافق بها للروم جمعاً كثيراً، فهزمهم الله، وافتتح هرقلة وقمودية. وغزا العباس الصائفة من ناحية البد ندون خبر غزو قتيبة بخارى وفي هذه السنة غزا قتيبة بخارى، ففتح راميثنه. ذكر علي بن محمد عن الباهليين أنهم قالوا ذلك، وأن قتيبة رجع بعد ما فتحها في طريق بلخ، فلما كان بالفارياب أتاه كتاب الحجاج: أن رد وردان خذاه. فرجع قتيبة سنة تسع وثمانين، فأتى زم، فقطع النهر، فلقيه السغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة، فقاتلوه، فظفر بهم ومضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السفلي عن يمين وردان، فلقوه بجمع كثير، ففاتلهم يومين وليلتين، ثم أعطاه الله الظفر عليهم؛ فقال نهار بن توسعة: وباتت لهم منا بخرقان ليلة ... وليلتنا كانت بخرقان أطولا قال علي: أخبرنا أبو الذيال عن المهلب بن إياس، وأبو العلاء عن إدريس بن حنظلة، أن قتيبة غزا وردان خذاه ملك بخارى سنة تسع وثمانين فلم يطقه، ولم يظفر من البلد بشيء، فرجع إلى مرو، وكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج: أن صورها لي، فبعث إليه بصورتها، فكتب إليه الحجاج: أن ارجع إلى مراغتك فتب إلى الله مما كان منك، وأتها من مكان كذا وكذا وقيل: كتب إليه الحجاج أن كس بكس وانسف نسف ورد وردان، وإياك و التحويط، ودعني من بنيات الطريق خبر ولاية خالد القسري على مكة وفي هذه السنة ولى خالد بن عبد الله القسري مكة فيما زعم الواقدي، وذكر أن عمر بن صالح حدثه عن نافع مولى بني مخزوم، قال: سمعت خالد بن عبد الله يقول على منبر مكة وهو يخطب: أيها الناس، أيهما أعظم؟ أخليفة الرجل على أهله، أم رسوله إليهم؟ و الله لو لم تعلموا فضل الخليفة، إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحاً أجاجاً، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً، بئراً حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين - ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال: ثم غارت البئر فذهبت فلا يدري أين هي اليوم. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح حصوناً ومدائن هنالك وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان العمال في هذه السنة على الأمصار العمال في السنة التي قبلها وقد ذكرناهم قبل. ثم دخلت سنة تسعين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها ففي هذه السنة غزا مسلمة أرض الروم - فيما ذكر محمد بن عمر - من ناحية سورية، ففتح الحصون الخمسة التي بسورية، وغزا فيها العباس بن الوليد؛ قال بعضهم: حتى بلغ الأرزن؛ وقال بعضهم: حتى بلغ سورية. وقال محمد بن عمر: قول من قال: حتى بلغ سورية أصح. وفيها قتل محمد بن القاسم الثقفي داهر بن صصة ملك السند، وهو على جيش من قبل الحجاج بن يوسف. وفيها استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر موضع عبد الله بن عبد الملك. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فذهبوا به إلى ملكهم، فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك. خبر فتح بخارىوفيها فتح قتيبة بخارى، وهزم جموع العدو بها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس؛ وأبا العلاء عن إدريس بن حنظلة؛ أن كتاب الحجاج لما ورد على قتيبة يأمره بالتوبة مما كان، من انصرافه عن وردان خذاه ملك بخارى قبل الظفر به والمصير إليه، ويعرفه الموضع الذي ينبغي له أن يأتي بلده منه، خرج قتيبة إلى بخارى في سنة تسعين غازياً، فأرسل وردان خذاه إلى السغد والترك ومن حولهم يستنصرونهم، فأتوهم وقد سبق إليها قتيبة فحصرهم، فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إليهم ليقاتلوهم، فقالت الأزد: اجعلونا على حدة وخلوا بيننا وبين قتالهم. فقال قتيبة: تقدموا؛ فتقدموا يقاتلونهم وقتيبة جالس، عليه رداء أصفر فوق سلاحه، فصبروا جميعاً ملياً، ثم جال المسلمون، وركبهم المشركون فحطموهم حتى دخلوا في عسكر قتيبة وجازوه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين، فكروا راجعين، وانطوت مجنبتاً المسلمين على الترك، فقاتلوهم حتى ردوهم إلى مواقفهم، فوقف الترك على نشز، فقال قتيبة: من يزيلهم لنا عن هذا الموضع؟ فلم يقدم عليهم أحد، والأحياء كلها وقوف. فمشى قتيبة إلى بني تميم، فقال: يا بني تميم، إنكم أنتم بمنزلة الحطمية، فيوم كأيامكم، أبى لكم الفداء! قال: فأخذ وكيع اللواء بيده، وقال: يا بني تميم، أتسلمونني اليوم؟ قالوا: لا يا أبا مطرف - وهريم بن أبي طلحة المجاشعي على خيل بني تميم ووكيع رأسهم، والناس وقوف - فأحجموا جميعاً، فقال وكيع: يا هريم، قدم، ودفع إليه الراية، وقال: قدم خيلك فتقدم هريم، ودب وكيع في الرجال، فانتهى هريم إلى نهر بينه وبين العدو فوقف، فقال له وكيع: اقحم يا هريم؛ قال: فنظر هريم إلى وكيع نظر الجمل الصئول وقال: أنا أقحم خيلي هذا النهر، فإن انكشفت كان هلاكها! والله إنك لأحمق؛ قال: يا بن اللخناء، ألا أراك ترد أمري! وحذفه بعمود كان معه، فضرب هريم فرسه فأقحمه، وقال: ما بعد هذا أشد من هذا، وعبر هريم في الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فدعا بخشب؛ فقنطر النهر وقال لأصحابه: من وطن منكم نفسه على الموت فليعبر، ومن لا فليثبت مكانه؛ فما عبر معه إلا ثمانمائة راجل، فدب فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا حتى دنا من العدو، فجعل الخيل مجنبتين، وقال لهريم: إني مطاعن القوم، فاشغلهم عنا بالخيل، وقال للناس: شدوا، فحملوا فما انثنوا حتى خالطوهم، وحمل هريم خيله عليهم فطاعنوهم بالرماح، فما كفوا عنهم حتى حدروهم عن موقفهم، ونادى قتيبة: أما ترون العدو منهزمين! فما عبر أحد ذلك النهر حتى ولى العدو منهزمين، فأتبعهم الناس، ونادى قتيبتة: من جاء برأس فله مائة. قال: فزعم موسى بن المتوكل القريعي، قال: جاء يومئذ أحد عشر رجلا من بني قريع، كل رجل يجيء برأس، فيقال له: من أنت؟ فيقول: قريعي. قال: فجاء رجل من الأزد برأس فألقاه، فقالوا له: من أنت؟ قال: قريعي؛ قال: وجههم بن زحر قاعد، فقال: كذب والله أصلحك الله! إنه لابن عمي؛ فقال له قتيبة: ويحك! ما دعاك إلى هذا؟ قال: رأيت كل من جاء قريعي: فظننت أنه ينبغي لكل من جاء برأس أن يقول: قريعي. قال: فضحك قتيبة. قال: وجرح يومئذ خاقان وابنه، ورجع قتيبة إلى مرو، وكتب إلى الحجاج: إني بعثت عبد الرحمن بن مسلم، ففتح الله على يديه. قال: وقد كان شهد الفتح مولى للحجاج، فقدم فأخبره الخبر، فغضب الحجاج على قتيبة، فاغتم لذلك، فقال له الناس. ابعث وفداً من بني تميم وأعطهم وأرضهم يخبروا الأمير أن الأمر على ما كتبت، فبعث رجالاً فيهم عرام بن شتير الضبي، فلما قدموا على الحجاج صاح بهم وعاتبهم ودعا بالحجام بيده مقراض فقال: لأقطعن ألسنتكم أو لتصدقني، قالوا: الأمير قتيبة، وبعث عليهم عبد الرحمن، فالفتح للأمير والرأس الذي يكون على الناس، وكلمه بهذا عرام بن شتير، فسكن الحجاج خبر صلح قتيبة مع السغد وفي هذه السنة جدد قتيبة الصلح بينه وبين طرخون ملك السغد. ذكر الخبر عن ذلك: قال علي: ذكر أبو السري عن الجهم الباهلي، قال: لما أوقع قتيبة بأهل بخارى ففض جمعهم هابه أهل السغد، فرجع طرخون ملك السغد ومعه فارسان حتى وقف قريباً من عسكر قتيبة، وبينهما نهر بخارى، فسأل أن يبعث إليه رجلاً يكلمه، فأمر قتيبة رجلاً فدنا منه وأما الباهليون فيقولون: نادى طرخون حيان النبطي فأتاه، فسألهم الصلح على فدية يؤديها إليهم، فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وصالحه، وأخذ منه رهناً حتى يبعث إليه بما صالحه عليه، وانصرف طرخون إلى بلاده، ورجع قتيبة ومعه نيزك. غدر نيزكوفي هذه السنة غدر نيزك فنقض الصلح الذي كان بينه وبين المسلمين وامتنع بقلعته، وعاد حرباً، فغزاه قتيبة. ذكر الخبر عن سبب غدره وسبب الظفر به: قال علي: ذكر أبو الذيال، عن المهلب بن إياس والمفضل الضبي عن أبيه، وعلى بن مجاهد وكليب بن خلف العمي؛ كل قد ذكر شيئاً فألفته؛ وذكر الباهليون شيئاً فألحقته في خبر هؤلاء وألفته؛ أن قتيبة فصل من بخارى ومعه نيزك وقد ذعوه ما قد رأى من الفتوح، وخاف قتيبة، فقال: لأصحابه وخاصته: متهم أنا مع هذا، ولست آمنه؛ وذلك أن العربي بمنزلة الكلب؛ إذا ضربته نبح، وإذا أطعمته بصبص واتبعك، وإذا غزوته ثم أعطيته شيئاً رضي، ونسي ما صنعت به، وقد قاتله طرخون مراراً، فلما أعطاه فدية قبلهما ورضي، وهو شديد السطوة فاجر فلو استأذنت ورجعت كان الرأي، قالوا: استأذنه. فلما كان قتيبة بآمل استأذنهفي الرجوع إلى تخارستان، فأذن له، فلما فارق عسكره متوجهاً إلى بلخ قال لأصحابه: أغذوا السير؛ فساروا سيراً شديداً حتى أتوا النوبهار، فنزل يصلي فيه وتبرك به. وقال لأصحابه: إني لا أشك أن قتيبة قد ندم حين فارقنا عسكره على إذنه لي، وسيقدم الساعة رسوله على المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي،فأقيموا ربيئة تنظر، فإذا رأيتم الرسول قد جاوز المدينة وخرج من الباب فإنه لا يبلغ البروقان حتى بلغ تخارستان، فيبعث المغيرة رجلاً فلا يدركنا حتى ندخل شعب خلم؛ ففعلوا. قال: وأقبل الرسول من قبل قتيبة إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك. فلما مر الرسول إلى المغيرة وهو بالبروقان - ومدينة بلخ يومئذ خراب - ركب نيزك وأصحابه فمضوا، وقدم الرسول على المغيرة فركب بنفسه في طلبه، فوجده قد دخل شعب خلم، فانصرف المغيرة، وأظهر نيزك الخلع، وكتب إلى أصبهبذ بلخ وإلى باذام ملك مروروذ، وإلى سهرب ملك الطالقان، وإلى ترسل ملك الفارياب، وإلى الجوز جاني ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة. وكتب إلى كابل شاه يستظهر به، وبعث إليه بثقله وماله، وسأله أن يأذن له إن اضطر إله أن يأتيه ويؤمنه في بلاده، فأجابه إلى ذلك وضم ثقله. قال: وكان جبغويه ملك تخارستان ضعيفاً، واسمه الشذ، فأخذه نيزك فقيده بقيد من ذهب مخافة أن يشغب عليه - وجبغويه ملك تخارستان ونيزك من عبيده - فلما استوثق منه وضع عليه الرقباء، وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبغويه، وكان العامل محمد بن سليم الناصح، وبلغ قتيبة خلعه قبل الشتاء، وقد تفرق الجند فلم يبق مع قتيبة إلا أهل مرو، فبعث عبد الرحمن أخاه إلى بلخ في اثني عشر ألفاً إلى البروقان، وقال: أقم بها، ولا تحدث شيئاً، فإذا حسر الشتاء فعسكر وسر نحو تخارستان، واعلم أني قريب منك، فسار عبد الرحمن فنزل البروقان، وأمهل قتيبة حتى إذا كان آخر الشتاء كتب إلى أبرشهر وبيورد وسرخس وأهل هراة ليقدموا قبل أوانهم الذي كانوا يقدمون عليه فيه. خبر فتح الطالقان وفي هذه السنة، أوقع قتيبة بأهل الطالقان بخراسان - فيما قال بعض أهل الأخبار - فقتل من أهلها مقتلةً عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظام واحد ذكر الخبر عن سبب ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن نيزك طرخان لما غدر وخلع قتيبة وعزم على حربه، طابقه على حربه مللك الطالقان وواعده المصير إليه من استجاب للنهوض معه من الملوك لحرب قتيبة، فلما هرب نيزك من قتيبة ودخل شعب خلم الذي يأخذ إلى طخارستان علم أنه لا طاقة له بقتيبة، فهرب، وسار قتيبة إلى الطالقان فأوقع بأهلها، ففعل ما ذكرت فيما قبل وقد خولف قائل هذا القول فيما قال من ذلك، وأنا ذاكره في أحداث سنة إحدى وتسعين. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز، كذلك حدثني أحمد ابن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. كذلك قال محمد بن عمر. وكان عمر بن عبد العزيز في هذه السنة عامل الوليد بن عبد الملك على مكة والمدينة والطائف. وعلى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف، وعامل الحجاج على البصرة الجراح بن عبد الله. وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى الكوفة زياد بن جرير بن عبد الله. وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى وعلى خراسان قتيبة بن مسلم. وعلى مصر قرة بن قرة بن شريك. هرب يزيد بن المهلب وإخوته من سجن الحجاجوفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته الذين كانوا معه من السجن مع آخرين غيرهم، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك مستجيرين به من الحجاج ابن يوسف، والوليد بن عبد الملك. ذكر الخبر عن سبب تخلصهم من سجن الحجاج ومسيرهم إلى سليمان: قال هشام: حدثني أبو مخنف، عن أبي المخارق الراسبي، قال: خرج الحجاج إلى رستقباذ للبعث، لأن الأكراد كانوا قد غلبوا على عامة أرض فارس، فخرج بيزيد وبإخوته المفضل وعبد الملك حتى قدم بهم رستقباد؛ فجعلهم في عسكره، وجعل عليهم كهيئة الخندق، وجعلهم في فسطاط قريباً من حجرته، وجعل عليهم حرساً من أهل الشام، وأغرمهم ستة آلاف ألف، وأخذ يعذبهم، وكان يزيد يصبر صبراً حسناً، وكان الحجاج يغيظه ذلك، فقيل له: إنه رمى بنشابة فثبت نصلها في ساقه، فهو لا يمسها شيء إلا صاح، فإن حركت أدنى شيء سمعت صوته، فأمر أن يعذب ويدهق ساقه، فلما فعل ذلك به صاح، وأخته هند بنت المهلب عند الحجاج، فلما سمعت صياح يزيد صاحت وناحت، فطلقها. ثم إنه كف عنهم، وأقبل يستأديهم، فأخذوا يؤدون وهو يعملون في التخلص من مكانهم، فبعثوا إلى مروان بن المهلب وهو بالبصرة يأمرونه أن يضمر لهم الخيل، ويرى الناس أنه إنما يريد بيعها ويعرضها على البيع، ويغلي بها لئلا تشترى فتكون لنا عدة أن نحن قدرنا على أن ننجو مما هاهنا. ففعل ذلك مروان، وحبيب بالبصرة يعذب أيضاً وأمر يزيد بالحرس فصنع لهم طعاماً كثير فأكلوا؛ وأمر بشراب فسقوا، فكانوا متشاغلين به، ولبس يزيد ثياب طباخه، ووضع على لحيته لحية بيضاء، وخرج فرآه بعض الحرس فقال: كان هذه مشية يزيد! فجاء حتى استعرض وجهه ليلاً، فرأى بياض اللحية، فانصرف عنه، فقال: هذا شيخ. وخرج المفضل على أثره. ولم يفطن له، فجاؤوا إلى سفنهم وقد هيثوها في البطائح، وبينهم وبين البصرة ثمانية عشر فرسخاً، فلما انتهوا إلى السفن أبطأ عليهم عبد الملك وشغل عنهم، فقال يزيد للمفضل: اركب بنا فإنه لاحق، فقال المفضل - وعبد الملك أخوه لأمه - وهي بهلة، هندية: لا والله، لا أبرح حتى يجيء ولو رجعت إلى السجن. فأقام يزيد حتى جاءهم عبد الملك، وركبوا عند ذلك السفن، فساروا ليلتهم حتى أصبحوا، ولما أصبح الحرس علموا بذهابهم، فرفع ذلك إلى الحجاج، وقال الفرزدق في خروجهم: فلم أر كالرهط الذين تتابعوا ... على الجذع والحراس غير نيام مضوا وهم مستقنون أنهم ... على الجذع والحراس غير نيام وإن منهم إلا يكن جأشه ... بعضب صقيل صارم وحسام فلما التقوا لم يلتقوا بمنفه ... كبير ولا رخص العظام غلام بمثل أبيهم حين تمت لداتهم ... لخمسين قل في جرأة وتمام ففزع له الحجاج، وذهب معه وهمه أن ذهبوا قبل خراسان، وبعث البريد إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم، ويأمره أن يستعد لهم، وبعث إلى أمراء الثغور والكور أن يرصدوهم، ويستعدوا لهم، وكتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم أرادوا إلا خراسان، ولم يزل الحجاج يظن ببريد ماصنع، كان يقول: إني لأظنه يحدث نفسه بمثل الذي صنع ابن الأشعث. ولما دنا يزيد من البطائح، من موقوع استقبله الخيل، قد هيئت له ولإخوته، فخرجوا عليها ومعهم دليل لهم من كلب يقال له: عبد الجبار بن يزيد بن الربعة، فاخذ بهم السماوة، وأتى الحجاج بعد يومين، فقيل له: إنما أخذ الرجل طريق الشام، وهذه الخيل حسرى في الطريق، وقد أتى من رآهم موجهين في البر، فبعث إلى الوليد يعلمه ذلك، ومضى يزيد حتى قدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريماً على سليمان - وأنزل بعض ثقله وأهله على سفيان بن سليمان الأزدي، وجاء وهيب بن عبد الرحمن حتى دخل على سليمان، فقال: هذا يزيد بن المهلب، وإخوته في منزلي، وقد أتوك هراباً من الحجاج متعوذين بك؛ قال: فأتني بهم فهم آمنون لا يوصل إليهم أبداً وأنا حي. فجاء بهم حتى أدخلهم عليه، فكانوا في مكان آمن. وقال الكلبي دليلهم في مسيرهم: ألا جعل الله الأخلاء كلهم ... فداء على ما كان لابن المهلب لنعم الفتى يا معشر الأزد أسعفت ... ركابكم بالوهب شرقي منقب عدلن يميناً عنهم رمل عالج ... وذات يمين القوم أعلام غرب فإلا تصبح بعد خمس ركابنا ... سليمان من أهل اللوى تنأوب تقر قرار الشمس مما وراءنا ... وتذهب في داج من الليل غيهب بقوم هم كانوا الملوك هديتهم ... بظلماء لم يبصر بها ضوء كوكب ولا قمر إلا ضئيلاً كأنه ... سوار حناه صائغ السور مذهب قال هشام: فأخبرني الحسن ين أبان العليمي، قال: بينا عبد الجبار ابن يزيد بن الربعة يسرى بهم فسقطت عمامة يزيد، ففقدها فقال: يا عبد الجبار، ارجع فاطلبها لنا، قال: إن مثلي لا يؤمر بهذا، فأعاد؛ فأبى، فتناوله بالسوط، فانتسب له، فاستحيا منه، فذلك قوله: ألا جعل الله الأخلاء كلهم ... فداء على ما كان لابن المهلب وكتب الحجاج: إن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا مني ولحقوا بسليمان، وكان آل المهلب قدموا على سليمان، وقد أمر الناس أن يحصلوا ليسرحوا إلى خراسان، لا يرون إلا أن يزيد توجه إلى خراسان ليفتن من بها. فلما بلغ الوليد مكانه عند سليمان هون عليه بعض ما كان في نفسه، وطار غضباً للمال الذي ذهب به. وكتب سلمان إلى الوليد: إن يزيد بن المهلب عندي وقد آمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألف، كان الحجاج أغرمهم ستة آلاف ألف فأدوا ثلاثة آلاف ألف، وبقي ثلاثة آلاف ألف، فهي على فكتب إليه: لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلى ، فكتب إليه: لئن أنا بعثت به إليك لأجيئن معه، فأنشدك الله أن تفضحني ولا أن تخفرني. فكتب إليه: والله لئن جئتني لا أؤمنه. فقال يزيد: إبعثني إليه، فوالله ما أحب أن أوقع بينك وبينهم عداوة وحرباً، ولا أن يتشاءم بي لكما الناس، أبعث إليه بي، وأرسل معي إبنك، واكتب إليه بألطف ما قدرت عليه. فأرسل ابنه أيوب معه. وكان الوليد أمره أن يبعث به إليه في وثاق، فبعث به إليه، وقال لابنه: إذا أردت أن تدخل عليه فادخل أنت ويزيد في سلسلة ثم ادخلا جميعاً على الوليد، ففعل ذلك به حين انتهيا إلى الوليد، فدخلا عليه، فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلة، قال: والله لقد بلغنا من سليمان! ثم إن الغلام دفع كتاب أبيه إلى عمه وقال: يا أمير المؤمنين، نفسي فداؤك! لا تخفر ذمة أبي، وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. واقرأ الكتاب: لعبد الله الوليد أمير المؤمنين من سليمان بن عبد الملك. أما بعد يا أمير المؤمنين، فوالله إن كنت لا أظن لو استجار بي عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته أجرته أنك لا تذل جاري، ولا تخفر جواري، بله لم أجر إلا سامعاً مطيعاً حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك، فإن كنت إنما تغزو قطيعتي والإخفار لذمتي، والإبلاغ في مساءتي، فقد قدرت إن أنت فعلت. وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي، وانتهاك حرمتي وترك بري وصلتي، فوالله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك! فإن استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره ألا يأتي علينا أجل الوفاة إلا وهو لي واصل، ولحقي مؤد، وعن مساءتي نازع، فليفعل. والله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله فيها بأسر مني برضاك وسرورك. وإن رضاك مما ألتمس به رضوان الله، فإن كنت يا أمير المؤمنين تريد يوماً من الدهر مسرتي وصلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو علي. فلما قرأ كتابه، قال: لقد شققنا على سليمان! ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه. وتكلم يزيد فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينسى ذلك فلسنا ناسيه، ومن يكفر فلسنا كافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب ما إن المنة علينا فيها عظيمة. فقال: اجلس، فجلس فآمنه وكف عنه، ورجع إلى سليمان وسعى اخوته في المال الذي عليه، وكتب إلى الحجاج: إني لم أصل إلى يزيد، وأهل بيته مع سليمان، فاكفف عنهم، واله عن الكتاب فيهم. فلما رأى ذلك الحجاج كف عنهم. وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف درهم، فتركها له، وكف عن حبيب بن المهلب. ورجع يزيد إلى سليمان بن عبد الملك فأقام عنده يعلمه الهيئة، ويصنع له طيب الأطعمة، ويهدي له الهدايا العظام. وكان من أحسن الناس عنده منزلةً، وكان لا تأتي يزيد بن المهلب هدية إلا بعث بها إلى سليمان، ولا تأتي سليمان هدية ولا فائدة إلا بعث بنصفها إلى يزيد بن المهلب، وكان لا تعجبه جارية إلا بعث بها إلى يزيد إلا خطيئة الجارية. فبلغ ذلك الوليد بن عبد الملك، فدعا الحارث بن مالك بن ربيعة الأشعري، فقال: انطلق إلى سليمان فقل له: يا خالفة أهل بيته، إن أمير المؤمنين قد بلغه أنه لا تأتيك هدية ولا فائدة إلا بعثت إلى يزيد بنصفها، وإنك تأتي الجارية من جواريك فلا ينقضي طهرها حتى تبعث بها إلى يزيد، وقبح ذلك عليه، وعيره به، أتراك مبلغاً ما أمرتك به؟ قال: طاعتك طاعة، وإنما أنا رسول؛ قال: فآته فقل له ذلك، وأقم عنده، فإني باعث إليه بهدية فادفعها إليه، وخذ منه البراءة بما تدفع إليه. ثم أقبل فمضى حتى قدم عليه وبين يديه المصحف، وهو يقرأ، فدخل عليه فسلم، فلم يرد عليه السلام حتى فرغ من قراءته ثم رفع رأسه إليه فكلمه بكل شيء أمره به الوليد فتمعر وجهه، ثم قال: أما والله لئن قدرت عليك يوماً من الدهر لأقطعن منك طابقاً! فقال له: إنما كانت على الطاعة. ثم خرج من عنده. فلما أتى بذلك الذي بعث به الوليد إلى سليمان، دخل عليه الحارث بن ربيعة الأشعري وقال له: أعطني البراءة بهذا الذي دفعت إليك، فقال: كيف قلت لي؟ قال: لا أعيده عالماً أبداً، إنما كان على فيه الطاعة. فسكن، وعلم أن قد صدقه الرجل، ثم خرج وخرجوا معه، فقال: خذوا نصف هذه الأعدال وهذه الأسفاط وابعثوا بها إلى يزيد قال: فعلم الرجل أنه لا يطيع في يزيد أحداً، ومكث يزيد بن المهلب عند سليمان تسعة أشهر. وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في رمضان لتسع بقين منه في يوم الجمعة. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها غزا - فيما ذكر محمد بن عمر وغيره - الصائفة عبد العزيز بن الوليد، وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك. وفيها غزا أيضاً مسلمة الترك؛ حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح على يديه مدائن وحصون. وفيها غزا موسى بن نصير الأندلس، ففتح على يديه أيضاً مدائن وحصون. وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم نيزك طرخان. تتمة خبر قتيبة مع نيزك رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد رقصة نيزك وظفر قتيبة به حتى قتله. ولما قدم من كان قتيبة كتب إليه يأمره بالقدوم عليه من أهل أبرشهر وبيورد وسرخس وهراة على قتيبة، سار بالناس إلى مروروذ واستخلف على الحرب حماد بن مسلم، وعلى الخراج عبد الله بن الأهتم. وبلغ مرزبان مروروذ إقباله إلى بلاده، فهرب إلى بلاد الفرس. وقدم قتيبة مروروذ فأخذ ابنين له فتلهما وصلبهما، ثم سار إلى الطالقان فقام صاحبها ولم يحاربه، فكف عنه، وفيها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، واستعمل على الطالقان عمرو بن مسلم، ومضى إلى الفارياب، فخرج إليه ملك الفارياب مذعناً مقراً بطتاعته، فرضى عنه، ولم يقتل بها أحداً، واستعمل عليها رجلا من باهلة. وبلغ صاحب الجوزجان خبرهم، فترك أرضه وخرج إلى الجبال هارباً، وسار قتيبة إلى الجوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين، فقبل منهم، فلم يقتل فيها أحداً، واستعمل عليها عامر بن مالك الحماني، ثم أتى بلخ فلقيه الأصبهبذ في أهل بلخ، فدخلها فلم يقيم بها إلا يوماً واحداً. ثم مضى يبتع عبد الرحمن حتى أتى شعب خلم، وقد مضى نيزك فعسكر ببغلان، وخلف مقاتلةً على فم الشعب ومضايقة يمنعونه، ووضع مقاتلةً في قلعة حصينة من وراءالشعب، فأقام قتيبة أياماًيقاتلهم على مضيق الشعب لا يقدر منهم على شيء، ولا يقدر على دخوله، وهو مضيق الوادي يجري وسطه، ولا يعرف طريقاً يفضي به إلى نيزك إلا الشعب أو مفازة لا تحتمل العساكر، فبقي متلدداً يلتمس الحيل. قال: فهو في ذلك إذ قدم عليه الروب خان ملك الروب وسمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي وراء هذا الشعب، فآمنه قتيبة، وأعطاه ما سأله، وبعث معه رجالا ليلاً، فانتهى بهم إلى القلعة التي من وراء شعب خلم، فطرقوهم وهم آمنون فقتلوهم، وهرب من بقي منهم ومن كان في الشعب، فدخل قتيبة والناس الشعب، فأتى القلعة ثم مضى إلى سمنجان ونيزك ببغلان بعين تدعى فنج جاه، وبين سمنجان وبغلان مفازة ليست بالشديدة قال: فأقام قتيبة بسمنجان أياماً، ثم سار نيزك، وقدم أخاه عبد الرحمن، وبلغ نيزك فارتحل من منزله حتى قطع وادي فرغانة، ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى حتى نزل الكرز وعبد الرحمن بن مسلم يتبعه، فنزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قتيبة أسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فرسخان. فتحرز نيزك في الكرز وليس إليه مسلك إلا من وجه واحد، وذلك الوجه صعب لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجدري وجدر جبغويه، وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليماً الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك واحتل لأن تأتيني به بغير أمان، فإن أعياك وأبى فآمنه، واعلم أني إن عاينتك وليس هو معك صلبتك؛ فاعمل لنفسك. قال: فاكتب لي إلى عبد الرحمن لا يخالفني؛ قال: نعم. فكتب له إلى عبد الرحمن فقدم عليه، فقال له: ابعث رجالاً فليكونوا على فم الشعب، فإذا خرجت أنا ونيزك فليعطفوا من ورائنا فيحولوا بيننا وبين الشعب. قال: فبعث عبد الرحمن خيلا فكانوا حيث أمرهم سليم، ومضى سليم وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقى أياماً والأخبصة أو قاراً، حتى أتى نيزك، فقال له نيزك: خذلتني يا سليم، قال: ما خذلتك، ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك، خلعت وغدرت، قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تأتيه فقد أمحكته، وليس ببارح موضعه هذا، قد اعتزم على أن يشتو بمكانه؛ هلك أو سلم؛ قال: آتيه على غير أمان! قال: ما أظنه يؤمنك لما في قلبه عليك، فإنك قد ملأته غيظاً، ولكني أرى ألا يعلم بك حتى تضع يدك في يده، فإني أرجو إن فعلت ذاك أن يستحي ويعفو عنك، قال: أترى ذلك؟ قال: نعم؛ إن نفسي لتأبى هذا، وهو إن رآني قتلني، فقال له سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم وأن تعود حالك عنده إلى ما كانت؛ فأما إذ أبيت فإني منصرف. قال: فنغديك إذاً، قال: إني لأظنكم في شغل عن تهيئة الطعام، ومعنا طعام كثير قال: ودعا سليم بالغداء فجاءوا بطعام كثير لا عهد لهم بمثله منذ حصروا، فانتهبه الأتراك، فغم ذلك نيزك، وقال سليم: يا أبا الهياج، أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار وأقمت على حالك لم أمنهم أن يستأمنوا بك، فانطلق وأت قتيبة، قال: ما كنت لآمنه على نفسي، ولا آتيه على غير أمان؛ فإن ظني به أنه قاتلي وإن آمني، ولكن الأمان أعذر لي وأرجي، قال: فقد آمنك أفتتهمني! قال: لا، قال: فانطلق معي، قال له أصحابه: اقبل قول سليم، فلم يكن ليقول إلا حقاً، فدعا بدوابه وخرج مع سليم، فلما انتهى إلى الدرجة التي يهبط منها إلى قرار الأرض قال: ياسليم، من كان لا يعلم متى يموت فإني أعلم متى أموت، أموت إذا عاينت قتيبة؛ قال: كلا أيقتلك مع الأمان! فركب ومضى معه جبغويه - وقد برأ من الجدري - وصول وعثمان ابنا أخي نيزك - وصول طرخان خليفة جبغوية، وخنس طرخان صاحب شرطه - قال: فلما خرج من الشعب عطفت الخيل التي خلفها سليم على فوهة الشعب؛ فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزك لسليم: هذا أول الشر؛ قال: لا تفعل، تخلف هؤلاء عنك خير لك. وأقبل سليم ونيزك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مسلم، فأرسل رسولاً إلى قتيبة يعلمه، فأرسل قتيبة عمرو بن أبي مهزم إلى عبد الرحمن: أن اقدم بهم على، فقدم بهم عبد الرحمن عليه، فحبس أصحاب نيزك، ودفع إلى ابن بسام الليثي، وكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك، فجعل ابن بسام نيزك في قبته، وحفر حول القبة خندقاً، ووضع عليه حرساً. ووجه قتيبة معاوية بن عامر بن علقمة العليمي، فاستخرج ما كان في الكرز من متاع ومن كان فيه، وقدم به على قتيبة، فحبسهم ينتظر كتاب الحجاج فيما كتب إليه، فأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يوماً يأمره بقتل نيزك. قال: فدعا به فقال: هل لك عندي عقد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟ قال: لي عند سليم؛ قال: كذبت، وقام فدخل ورد نيزك إلى حبسه، فمكث ثلاثة أيام لا يظهر للناس، قال: فقام المهلب ابن إياس العدوي، وتكلم في أمر نيزك، فقال بعضهم: ما يحل له أن يقتله، وقال بعضهم: ما يحل له تركه، وكثرت الأقاويل فيه. وخرج قتيبة اليوم الرابع فجلس وأذن للناس، فقال: ما ترون في قتل نيزك؟ فاختلفوا، فقال قائل: اقتله، وقال قائل: أعطيته عهداً فلا تقتله؛ وقال قائل: ما نأمنه على المسلمين. ودخل ضرار بن حصين الضبي فقال: ما تقول يا ضرار؟ قال: أقول: إني سمعتك تقول: أعطيت الله عهداً إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبداً. فأطرق قتيبة طويلا، ثم قال: والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلت: اقتلوه، اقتلوه، وأرسل إلى نيزك فأمر بقتله وأصحابه فقتل مع سبعمائة. وأما الباهليون فيقولون: لم يؤمنه ولم يؤمنه سليم، فلما أراد قتله دعا به ودعا بسيف حنفي فانتضاه وطول كمية ثم ضرب عنقه بيده، وأمر عبد الرحمن فضرب عنق صول، وأمر صالحاً فقتل عثمان - ويقال: شقران ابن أخي نيزك - وقال لبكر بن حبيب السهمي من باهلة: هل بك قوة؟ قال: نعم، وأريد - وكانت في بكر أعرابية - فقال: دونك هؤلاء الدهاقين. قال: وكان إذا أتى برجل ضرب عنقه وقال: أوردوا ولا تصدروا، فكان من قتل يومئذ اثنا عشر ألفاً في قول الباهليين، وصلب نيزك وابني أخيه في أصل عين تدعى وخش خاشانفي أسكيمشت، فقال المغيرة بن حبناء يذكر ذلك في كلمة له طويلة: لعمر لنعمت غزوة الجند غزوةً ... قضت نحبها من نيزك وتعلت قال علي: أخبرنا مصعب بن حيان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس نيزك مع محفن بن جزء الكلابي، وسوار بن زهدم الجرمي، فقال الحجاج: إن كان قتيبة لحقيقاً أن يبعث برأس نيزك مع ولد مسلم، فقال سوار: أقول لمحفن وجرى سنيح ... وآخر بارح من عن يميني وقد جعلت بواثق من أمور ... ترفع حوله وتكف دوني نشدتك هل يسرك أن سرجي ... وسرجك فوق أبغل باذيين قال: فقال محفن: نعم و بالصين. قال علي: أخبرنا حمزة بن إبراهيم وعلى بن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة؛ عن مرزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة دعا يوماً بنيزك وهو محبوس، فقال: ما رأيك في السبل والشذ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلت إليهما؟ قال: لا؛ قال: فأرسل إليهما قتيبة فقد ما عليه، ودعا نيزك وجبغويه فدخلا، فإذا السبل والشذ بين يديه على كرسيين، فجلسا بإزائهما، فقال الشذ لقتيبة: إن جبغويه - وإن كان لي عدواً - فهو أسن مني، وهو الملك وأنا كعبده، فأذن لي أدن منه، فأذن له، فدنا منه، فقبل يده وسجد له، قال: ثم استأذنه في السبل، فأذن له فدنا منه فقبل يده، فقال نيزك لقتيبة: ائذن لي أدن من الشذ، فإني عبده، فأذن له، فدنا منه فقبل يده، ثم أذن قتيبة للسبل والشذ فانصرفا إلى بلادهما، وضم إلى الشذ الحجاج القيني، وكان من وجوه أهل خراسان وقتل قتيبة نيزك، فأخذ الزبير مولى عابس الباهلي خفاً لنيزك فيه جوهر، وكان أكثر من في بلاده مالاً وعقاراً؛ من ذلك الجوهر الذي أصابه في خفه. فسوغه إياه قتيبة، فلم يزل موسراً حتى هلك بكابل في ولاية أبي داود. قال: وأطلق قتيبة جبغوية ومن عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات الوليد. ورجع قتيبة إلى مرو، واستعمل أخاه عبد الرحمن على بلخ، فكان الناس يقولون: غدر قتيبة بنيزك، فقال ثابت قطنة: لا تحسبن الغدر حزماً فربما ... ترقت به الأقدام يوماً فزلت وقال: وكان الحجاج يقول: بعثت قتيبة فتى غراً فما زدته ذراعاً إلا زادني باعاً. قال علي: أخبرنا حمزة بن إبراهيم، عن أشياخ من أهل خراسان، وعلى بن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة بن مسلم لما رجع إلى مرو وقتل نيزك طلب ملك الجوزجان - وكان قد هرب عن بلاده - فأرسل يطلب الأمان، فآمنه على أن يأتيه فيصالحه، فطلب رهناً يكونون في يديه ويعطى رهائن، فأعطى قتيبة حبيب بن عبد الله بن عمرو بن حصين الباهلي، وأعطى ملك الجوزجان وهائن من أهل بيته، فخلف ملك الجوزجان حبيباً بالجوزجان في بعض حصونه، وقدم على قتيبة فصالحه، ثم رجع فمات بالطالقان. فقال أهل الجوزجان: سموه، فقتلوا حبيباً، وقتل قتيبة الرهن الذين كانوا عنده، فقال نهار بن توسعة لقتيبة: أراك الله في الأتراك حكماً ... كحكم في قريظة والنضير قضاء من قتيبة غير جور ... به يشفى الغليل من الصدور فإن بر نيزك خزياً وذلاً ... فكم في الحرب حمق من أمير! وقال المغيرة بن حبناء يمدح قتيبة ويذكر قتل نيزك ووصول ابن أخي نيزك وعثمان - أو شقران: لمن الديار عفت بسفح سنام ... إلا بقية أيصر وثمام عصف الرياح ذيولها فمحونها ... وجرين فوق عراصها بتمام دار لجارية كأن رضابها ... مسك يشاب مزاجه بمدام أبلغ أبا حفص قتيبة مدحتي ... واقرأ عليه تحيتي وسلامي يا سيف أبلغها فإن ثنائها ... حسن وإنك شاهد لمقامي يسمو فتتضع الرجال إذا سما ... لقتيبة الحامي حمى الإسلام لأغر منتجب لكل عظيمة ... نحر يباح به العدو لهام يمضي إذا هاب الجبان وأحمشت ... حرب تسعر نارها بضرام تروي القناة مع اللواء أمامه ... تحت اللوامع والنحور دوام والهام تفريه السيوف كأنه ... بالقاع حين تراه قيض نعام وترى الجياد مع الجياد ضوامراً ... بفنائه لحوادث الأيام وبهن أنزل نيزكا من شاهق ... والكرز حيث يروم كل مرام وأخاه شقراناً سقيت بكأسه ... وسقيت كأسهما أخا باذام وتركت صولا حين صال مجدلا ... يركبنه بدوابر وحوام خبر غزو قتيبة شومان وكس ونسفوفي هذه السنة - أعنى سنة إحدى وتسعين - غزا قتيبة شومان وكس ونسف غزوته الثانية وصالح طوخان. ذكر الخبر عنذلك: قال علي: أخبرنا بشر بن عيسى عن أبي صفوان، وأبو السري وجبلة بن فروخ عن سليمان بن مجالد، والحسن بن رشيد عن طفيل بن مرداس العمي، وأبو السرى المروزي عن عمه، وبشر بن عيسى وعلي ابن مجاهد، عن حنبل بن أبي حريدة عن مرزبان قهستان، وعياش ابن عبد الله الغنوي، عن أشياخ من أهل خراسان، قال: وحدثني ظئري - كل قد ذكر شيئاً، فألفته، وأدخلت من حديث بعضهم في حديث بعض - أن فيلسنشب باذق - وقال بعضهم: فيسبشتان ملك شومان - طرد عامل قتيبة ومنع الفدية التي صالح عليها قتيبة، فبعث إليه قتيبة عياشاً الغنوي ومعه رجل من نساك أهل خراسان يدعوان ملك شومان إلى أن يؤدي الفدية على ما صالح عليه قتيبة، فقدما البلد، فخرجوا إليهما فرموهما، فانصرف الرجل وأقام عياش الغنوي فقال: أما هاهنا مسلم! فخرج إليه رجل من المدينة فقال: أنا مسلم، فما تريد؟ قال: تعينني على جهادهم، قال: نعم، فقال له عياش: كن خلفي لتمنع لي ظهري، فقام خلفه - وكان اسم الرجل المهلب - فقاتلهم عياش، فحمل عليهم، فتفرقوا عنه، وحمل المهلب على عياش من خلفه فقتله، فوجدوا به ستين جراحةً، فغمهم قتله، وقالوا: قتلنا رجلاً شجاعاً وبلغ قتيبة، فسار إليهم بنفسه، وأخذ طريق بلخ، فلما أتاها قدم أخاه عبد الرحمن، واستعمل على بلخ عمرو بن مسلم، وكان ملك شومان صديقاً لصالح بن مسلم، فأرسل إليه رجلاً يأمره بالطاعة، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: ما تخوفني به من قتيبة، وأنا أمنع الملوك حصناً أرمي أعلاه، وأنا أشد الناس قوساً وأشد الناس رمياً، فلا تبلغ نشابي نصف حصني، فما أخاف من قتيبة! فمضى قتيبة من بلخ فعبر النهر، ثم أتى شومان و قد تحصن ملكها فوضع عليه المجانيق، ورمى حصنه فهشمه، فلما خاف أن يظهر عليه، ورأى ما نزل به جمع ما كان له من مال وجوهر فرمى به في عين في وسط القلعة لا يدرك قعرها. قال: ثم فتح القلعة وخرج إليهم فقاتلهم فقتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوة، فقتل المقاتلة وسبي الذرية، ثم رجع إلى باب الحديد فأجاز منه إلى كس ونسف، وكتب إليه الحجاج، أن كس بكس وانسف نسف، وإياك والتحويط. ففتح كس ونسف، وامتنع عليه فرياب فحرقها فسميت المحترقة. وسرح قتيبة من كس ونسف أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى السغد، إلى طرخون، فسار حتى نزل بمرج قريباً منهم، وذلك في وقت العصر، فانتبذ الناس وشربوا حتى عبثوا وعاثوا وأفسدوا، فأمر عبد الرحمن أبا مرضية - مولى لهم - أن يمنع الناس من شرب العصير، فكان يضربهم ويكسر آنيتهم ويصب نبيذهم، فسال في الوادي، فسمى مرج النبيذ، فقال بعض شعرائهم: أما النبيذ فلست أشربه ... أخشى أبا مرضية الكلب متعسفاً يسعى بشكته ... يتوثب الحيطان للشرب فقبض عبد الرحمن من طرخون شيئاً كان قد صالحه عليه قتيبة، ودفع إليه رهناً كانوا معه، وانصرف عبد الرحمن إلى قتيبة وهو ببخارى، فرجعوا إلى مرو، فقالت السغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية، وأنت شيخ كبير فلا حاجة لنا بك، قال: فولوا من أحببتم. قال: فولوا غوزك، وحبسوا طرخون؛ فقال طرخون: ليس بعد سلب الملك إلا القتل، فيكون ذلك بيدي أحب إلي من أن يليه مني غيري، فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره. قال: وإنما صنعوا بطرخون هذا حين خرج قتيبة إلى سجستان وولوا غوزك. وأما الباهليون فيقولون: حصر قتيبة ملك شومان، ووضع على قلعته المجانيق، ووضع منجنيقاً كان يسميها. الفحجاء، فرمى بأول حجر فأصاب الحائط ورمى بأخر فوقع في المدينة، ثم تتابعت الحجارة في المدينة فوقع حجر منها في مجلس الملك، فأصاب رجلاً فقتله، ففتح القلعة عنوةً، ثم رجع إلى كس ونسف، ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهه، وكان فيها طواويس، فسموه منزل الطواويس، ثم سار إلى طرخون بالسغد ليقبض منه ما كان صالحه عليه، فلما أشرف على وادي السغد فرأى حسنه تمثل: واد خصيب عشيب ظل يمنعه ... من الأنيس حذار اليوم ذا الرهج وردته بعنانيج مسومة ... يردين بالشعث سفاكين للمهج قال: فقبض من طرخون صلحه، ثم رجع إلى بخاري فملك بخاري خذاه غلاماً حدثاً، وقتل من خاف أن بضاده، ثم أخذ على آمل ثم أتى مرو. قال: وذكر الباهليون عن بشار بن عمرو، عن رجل من باهلة، قال: لم يفرغ الناس من ضرب أبنيتهم حتى افتتحت القلعة. ولاية خالد بن عبد الله القسري على مكة وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك مكة خالد بن عبد الله القسري فلم يزل والياً عليها إلى أن مات الوليد. فذكر محمد بن عمر الواقدي أن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة حدثه عن نافع مولى بني مخزوم، قال: سمعت خالد بن عبد الله يقول: يا أيها الناس إنكم بأعظم بلاد الله حرمه، وهي التي اختار الله من البلدان، فوضع بها بيته، ثم كتب على عباده حجه من استطاع إليه سبيلاً. أيها الناس، فعليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات، فإني والله ما أوتي بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم. إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها، فسلموا وأطيعوا، ولا تقولوا كيت وكيت. إنه لا أرى فيما كتب به الخليفة أو رأه إلا إمضاؤه، واعلموا أنه بلغني أن قوماً من أهل الخلاف يقدمون عليكم، ويقيمون في بلادكم، فإياكم أن تنزلوا أحداً ممن تعلمون أنه زائغ عن الجماعة، فإني لا أجد أحداً منهم في منزل أحد منكم إلا هدمت منزله، فانظروا من تنزلون في منازلكم، وعليكم بالجماعة الطاعة فإن الفرقة هي البلاء العظيم. قال محمد بن عمرو: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة، قال: اعتمرت فنزلت دور بني أسد في منازل الزبير، فلم أشعر به يدعوني، فدخلت عليه، فقالت: من أنت؟ قلت: من أهل المدينة؛ قال: ما أنزلك في منازل مخالف للطاعة! قلت: إنما مقامي إن أقمت يوماً أو بعضه، ثم ارجع منزلي وليس عندي خلاف، أنا ممن يعظم أمر الخلافة، وأزعم أن من جحدها فقد هلك. قال: فلا عليك ما أقمت، إنما يكره أن يقيم من كان زارياً على الخليفة. قلت: ما عاذ الله! وسمعته يوماً يقول: والله لو أعلم هذه الوحش التي تأمن في الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها من الحرم. إنه لا يسكن حرم الله وآمنه مخالف للجماعة، زار عليهم . قلت: وفق الله الأمير. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عبد الملك، حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: حج الوليد بن عبد الملك سنة إحدى وتسعين. وكذلك قال محمد بن عمر: حدثني موسى بن أبي بكر، قال: حدثنا صالح بن كيسان، قال: لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلاً من قريش يخرجون معه، فيتلقون الوليد بن عبد الملك. منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الحارث بن هشام، وأخوه محمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، فخرجوا حتى بلغوا السويداء، وهم مع عمر بن عبد العزيز - وفي الناس يومئذ دواب وخيل - فلقوا الوليد وهو على ظهر، فقال لهم الحاجب: انزلوا لأمير المؤمنين، فنزلوا، ثم أمرهم فركبوا، فدعا بعمر بن عبد العزيز فسايره حتى نزل بذى خشب، ثم أحضروا، فدعاهم رجلاً رجلا فسلموا عليه، ودعا بالغداء فتغدوا عنده، وراح من ذى خشب، فلما دخل المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بناءه فأخرج الناس منه، فما ترك فيه أحد، وبقي سعيد بن المسيب ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا ريطتان ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت! قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه. قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين! قال: والله لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيداً حتى يقوم، فحانت من الوليد نظرة إلى القبلة، فقال: من ذالك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فجعل عمر يقول: نعم يا أمير المؤمنين ومن حاله ومن حاله ولو علم بمكانك فسلم عليك، وهو ضعيف البصر. قال الوليد: قد علمت حاله، ونحن نأتيه فنسلم عليه، فدار في المسجد حتى وقف على القبر، ثم أقبل حتى وقف على سعيد فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد ولا قام، فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ قال الوليد: خير والحمد لله. فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فقلت أجل يا أمير المؤمنين. قال: وقسم الوليد بالمدينة رفيقاً كثيراً عجماً بين الناس، وآنية من ذهب وفضة، وأموالاً وخطب بالمدينة في الجمعة وصلى بهم قال محمد بن عمر: وحدثني إسحاق بن يحيى قال: رأيت الوليد يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة عام حج، قد صف له جنده صفين من المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، في أيديهم، الجرزة وعمد الحديد على العواتق، فرأيته طلع في دراعة وقلنسوة، ما عليه رداء، فصعد المنبر فلما صعد سلم ثم جلس فأذن المؤذن، ثم سكتوا، فخطب الخطبة الأولى وهو جالس، ثم قام فخطب الثانية قائماً، قال إسحاق: فلقيت رجاء بن حيوة وهو معه، فقلت: هكذا يصنعون! قال: نعم، وهكذا صنع معاوية فلهم جرا، قلت: أفلا تكلمه؟ قال: أخبرني قبيضة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك بن مروان فأبى أن يفعل؛ وقال: هكذا خطب عثمان، فقلت: والله ما خطب هكذا، ما خطب عثمان إلا قائماً. قال رجاء: روي لهم هذا فأخذوا به. قال إسحاق: لم نر منهم أحداً أشد تجبراً منه. قال محمد بن عمر: وقدم بطيب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمرة وبكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على حبال في المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط، فنشرها يوماً وطوى ورفع. قال: وأقام الحج الوليد بن عبد الملك. وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة تسعين، غير مكة فإن عاملها كان في هذه السنة خالد بن عبد الله القسري في قول الواقدي. وقال غيره : كانت ولاية مكة في هذه السنة أيضاً إلى عمر بن عبد العزيز. ثم دخلت سنة إثنتين وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك وعمر بن الوليد أرض الروم، ففتح على يد مسلمة حصون ثلاثة، وجلا أهل سوسنة إلى جوف أرض الروم. فتح الأندلس وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير الأندلس في اثنى عشر ألفاً، فلقى ملك الأندلس زعم الواقدي أنه يقال له أدرينوق، وكان رجلا من أهل أصبهان، قال: وهم ملوك عجم الأندلس - فزحف له طارق بجميع من معه، فزحف الأدرينوق في سرير الملك وعلى الأدرينوق تاجه وقفازه وجميع الحلية التي كان يلبسها الملوك، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى قتل الله الأدرينوق، وفتح الأندلس سنة اثنتين وتسعين. وفيها غزا - فيما زعم بعض أهل السير - قتيبة سجستان يريد رتبيل الأعظم والزابل، فلما نزل السجستان تلقته رسل رتبيل بالصلح، فقبل ذلك وانصرف واستعمل عليهم عبد ربه عبد الله بن عمير الليثي. وحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي وغيره. وكان عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها فمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن الوليد أرض الروم، ففتح الله على يديه سمسطية. وفيها كانت أيضاً غزوة مروان بن الوليد الروم. فبلغ خنجرة وفيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك أرض الروم، فافتتح ماسا وحصن الحديد وغزالة وبرجمة من ناحية ملطية. صلح قتيبة ملك خوارزم شاه وفتح خام جود وفيها قتل قتيبة ملك خام جرد، وصالح ملك خوارزم صلحاً مجدداً ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه: ذكر علي بن محمد أن أبا الذيال أخبره عن المهلب بن إياس والحسن بن رشيد، عن طفيل بن مرداس العمي وعلى بن مجاهد، عن حنبل ابن أبي حريدة، عن مرزبان قهستان وكليب بن خلف والباهليين وغيرهم - وقد ذكر بعضهم مالم يذكر بعض فألفته - أن ملك خوارزم كان ضعيفاً، فغلبه أخوه خرزاذ على أمره - وخرزاذ أصغر منه - فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جارية أو دابة أو متاعاً فاخراً أرسل فأخذه، أو بلغه أن لأحد منهم بنتاً أو أختاً أو امرأةً جميلة أرسل إليه فغصبه، وأخذ ما شاء، وحبس ما شاء، لا يمتنع عليه أحد، ولا يمنعه الملك، فإذا قيل له، قال: لا أقوى عليه، وقد ملأه مع هذا غيظاً، فلما طال ذلك منه عليه كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه يريد أن يسلمها إليه، وبعث إليه بمافتيح مدائن خوارزم، ثلاثة مفاتيح من ذهب، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من كان يضاده، يحكم فيه بما يرى، وبعث في ذلك رسلا، ولم يطلع أحداً من مرازبته ولا دهاقنه على ما كتب به إلى قتيبة، فقدمت رسله على قتيبة في آخر الشتاء ووقت الغزو، وقد تهيأ للغزو، فأظهر قتيبة أنه يريد السغد، ورجع رسل خوارزم شاه إليه بما يحب من قبل قتيبة، وسار واستخلف على مرو ثابتاً الأعور مولى مسلم قال: فجمع ملوكه أحباره ودهاقينه فقال: إن قتيبة يريد السغد، وليس بغازيكم، فهلم نتنعم في ربيعنا هذا فأقبلوا على الشرب والتنعم، وأمنوا عند أنفسهم الغزو، قال: فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزارسب دون النهر، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نقاتله، قال: لكني لا أرى ذلك، قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكة؛ ولكني أرى أن نصرفه بشيء نؤديه إليه، فنصرفه عامنا هذا، ونرى رأينا قالوا: ورأينا رأيك. فأقبل خوارزم شاه فنزل في مدينة الفيل من وراء النهر قال: ومدائن خوارزم شاه ثلاث مدائن يطيف بها فارقين واحد، فمدينة الفيل أحصنهن، فنزلها خوارزم شاه - وقتيبة في هرازسب دون النهر لم يعبره بينه وبين خوارزم شاه نهر بلخ - فصالحه على عشرة آلاف رأس، وعين ومتاع، وعلى أن يعينه على ملك خام جرد، وأن يفي له بما كتب إليه، فقبل ذلك منه قتيبة، ووفى له. وبعث قتيبة أخاه إلى ملك خام جرد، وكان يعادي خوارزم شاه، فقاتله، فقتله عبد الرحمن، وغلب على أرضه وقد منهم على قتيبة بأربعة آلاف أسير، فقتلهم، وأمر قتيبة لما جاءه بهم عبد الرحمن بسريره فأخرج وبرز للناس. قال: وأمر بقتل الأسرى فقتل بين يديه ألف وعن يمينه ألف وعن يساره ألف وخلف ظهره ألف. قال: قال المهلب بن إياس: أخذت يومئذ سيوف الأشراف فضرب بها الأعناق، فكان فيها ما لا يقطع ولا يجرح، فأخذوا سيفي فلم يضرب به شيء إلا أبانه، فحسدني بعض آل قتيبة، فغمز الذي يضرب أن أصفح به، فصفح به قليلا، فوقع في ضرس المقتول فثلمه قال أبو الذيال: والسيف عندي. قال: ودفع قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفه فقتلهم، واصطفى أموالهم فبعث بها إلى قتيبة، ودخل قتيبة مدينة فيل، فقبل من خورازم شاه ما صالحه عليه، ثم رجع إلى هزارسب، وقال كعب الأشقري: رمتك فيل بما فيها وما ظلمت ... ورامها قبلك الفجفاجة الصلف لا يجزئ الثغر خوار القناة ولا ... هش المكاسر والقلب الذي يجف هل تذكرون ليالي الترك تقتلهم ... ما دون كازه الفجفاج ملتحف لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف أنتم شباس ومرداذان محتقر ... وبسخراء قبور حشوها القلف إني رأيت أبا حفص تفضله ... أيامه ومساعي الناس تختلف قيس صريح وبعض الناس يجمعهم ... قرى وريف فمنسوب ومقترف لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفاً وعز السغد مؤتنف وفي سمرقند أخرى أتت قاسها ... لئن تأخر عن حوبائك التلف ما قدم الناس من خير سبقت به ... ولا يفوتك مما خلفوا شرف قال: أ نشدني على بن مجاهد: رمتك فيل بما دون كاز قال: وكذلك قال الحسن بن رشيد الجوز جاني؛ وأما غيرهما فقال: رمتك فيل بما فيها وقالوا: فيل مدينة سمرقند؛ قال: وأثبتها عندي قول على بن مجاهد. قال: وقال الباهليون: أصاب قتيبة من خوارزم مائة ألف رأس. قال: وكان خاصة قتيبة كلموه سنة ثلاث وتسعين وقالوا: الناس كانوا قدموا من سجستان فأجمه عامهم هذا، فأبى. قال: فلما صالح أهل خوارزم سار إلى السغد، فقال الأشقزي: لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفاً أعز السغد مؤتنف فتح سمرقند قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم منصرفه من خوارزم سمرقند، فافتتحها. ذكر الخبر عن ذلك: قد تقدم ذكرى الإسناد عن القوم الذين ذكر علي بن محمد أنه أخذ عنهم حين صالح قتيبة صاحب خوارزم، ثم ذكر مدرجاً في ذلك أن قتيبة لما قبض صلح خوارزم قام إليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال: إن لي حاجة، فأخلني، فأخلاه، فقال: إن أردت السغد يوماً من الدهر فالآن، فإنهم آمنون من أن تأتيهم من عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار بهذا عليك أحد؟ قال: لا، قال: فأعلمته أحداً؟ قال: لا، قال: والله لئن تكلم به أحد لأضربن عنقك. فأقام يومه ذلك، فلما أصبح من الغد دعا عبد الرحمن فقال: سر في الفرسان والمرامية، وقدم الأثقال إلى مرو، فوجهت الأثقال إلى مرو، ومضى عبد الرحمن يتبع الأثقال يريد مرو يومه كله، فلما أمسى كتب إليه: إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو وسر في الفرسان والمرامية نحو السغد، واكتم الأخبار، فإني بالأثر. قال: فلما أتى عبد الرحمن الخبر أمر أصحاب الأثقال أن يمضوا إلى مرو، وسار حيث أمرهم، وخطب قتيبة الناس فقال: إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقت الغزو فيه ممكن، وهذه السغد شاغرة برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، منعوناً ما كنا صالحنا عليه طرخون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه " ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير وقريظة، وقال الله: " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " . قال: فأتى السغد وقد سبقه إليها عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألفاً، وقدم عليه قتيبة في أهل خوارزم وبخارى بعد ثلاثة أو أربعة من نزول عبد الرحمن بهم، فقال: إنا إذا نزلنا بساحة قوم " فساء صباح المنذرين " . فحصرهم شهراً، فقاتلوا في حصارهم مراراً من وجه واحد. وكتب أهل السغد وخافوا طول الحصار إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة: إن العرب إن ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم. فأجمعوا على أن يأتوهم، وأرسلوا إليهم: أرسلوا من يشغلهم حتى نبيت عسكرهم. قال: وانتخبوا فرساناً من أبناء المرازبة والأساورة والأشداء الأبطال فوجهوهم وأمروهم أن يبيتوا عسكرهم، وجاءت عيون المسلمين فأخبروهم . فانتخب قتيبة ثلثمائة أو ستمائة من أهل النجدة، واستعمل عليهم صالح ابن مسلم، فصيره في الطريق الذي يخاف أن يؤتى منه. وبعث صالح عيوناً يأتونه بخبر القوم، ونزل على فرسخين من عسكر القوم، فرجعت إليه عيونه فأخبروه أنهم يصلون إليه من ليلتهم، ففرق صالح خيله ثلاث فرق؛ فجعل كميناً في موضعين، وأقام على قارعة الطريق، وطرقهم المشركون ليلاً، ولا يعلمون بمكان صالح، وهم آمنون في أنفسهم من أن يلقاهم أحد دون العسكر، فلم يعلموا بصالح حتى غشوه. قال: فشدوا عليه حتى إذا اختلفت الرماح بينهم خرج الكمينان فاقتتلوا. قال: وقال رجل من البراجم: حصرتهم فما رأيت قط قوماً كانوا أشد قتالاً من أبناء أولئك الملوك ولا أصبر، فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا نفر يسير، وحوينا سلاحهم، واحترزنا رءوسهم، وأسرنا منهم أسرى، فسألناهم عمن قتلنا، فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك، أو عظيماً من العظماء، أو بطلاً من الأبطال؛ ولقد قتلتم رجالاً إن كان الرجل ليعدل بمائة رجل، فكتبنا على آذانهم، ثم دخلنا العسكر حين أصبحنا وما منا رجل إلا معلق رأساً معروفاً بإسمه، وسلبنا من جيد السلاح وكريم المتاع ومناطق الذهب ودواب فرهة، فنفلنا قتيبة ذلك كله وكسر ذلك أهل السغد، ووضع قتيبة عليهم المجانيق، فرماهم بها، وهو في ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه من أهل بخارى وأهل خوارزم، فقاتلوا قتالاً شديداً، وبذلوا أنفسهم. فأرسل إليه غوزك: إنما تقاتلني بإخوتي وأهل بيتي من العجم، فأخرج إلي العرب، فغضب قتيبة ودعا الجدلي فقال: أعرض الناس، وميز، أهل البأس فجمعهم، ثم جلس قتيبة يعرضهم بنفسه، ودعا العرفاء وجعل يدعو برجل رجل. فيقول: ما عندك؟ فيقول العريف: شجاع، ويقول: ما هذا؟ فيقول: مختصر، ويقول: ماهذا؟ فيقول: جبان، فسمى قتيبة الجبناء الأنتان، وأخذ خيلهم وجيد سلاحهم فأعطاه الشجعان والمختصرين، وترك لهم رفث السلاح، ثم زحف بهم فقاتلهم بهم فرساناً ورجالاً، ورمى المدينة بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدوها بغرائر الدخن، وجاء رجل حتى قام على الثلمة فشتم قتيبة، وكان مع قتيبة قوم رماة، فقال لهم قتيبة: اختاروا منكم رجلين، فاختاروا، فقال: أيكمايرمي هذا الرجل، فإن أصابه فله عشرة آلاف، وإن أخطأه قطعت يده، فتلكأ أحدهما وتقدم الآخر، فرماه فلم يخطئ عينه، فأمر له بعشرة آلاف. قال: وأخبرنا الباهليون، عن يحيى بن خالد عن أبيه خالد بن باب مولى مسلم بن عمرو، قال: كنت في رماة قتيبة، فلما افتتحنا المدينة صعدت السور فأتيت مقام ذلك الرجل الذي كان فيه فوجدته ميتاً على الحائط، وما أخطأت النشابة عينه حتى خرجت من قفاه، ثم أصبحوا من غد فرموا المدينة، فثلموا فيها، وقال قتيبة: ألحوا حتى تعبروا الثلمة، فقاتلوهم حتى صاروا على ثلمة المدينة، ورماهم السغد بالنشاب، فوضعوا ترستهم فكان الرجل يضع ترسه على عينه، ثم يحمل حتى صاروا على الثلمة، فقالوا له: انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غداً. فأما باهل فيقولون: قال قتيبة: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة، ومجانيقنا تخطر على رؤوسهم ومدينتهم. قال: وأما غيرهم فيقولون: قال قتيبة: جزع العبيد، فانصرفوا على ظفركم، فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفي ألف ومائتي ألف في كل عام على أن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، ليس فيهم صبي ولا شيخ ولا عيب، على أن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون فهم فيها مقاتل، فيبني له فيه مسجد فيدخل ويصلي، ويوضع له فيها منبر فيخطب، ويتغدى ويخرج، قال: فلما تم الصلح بعث قتيبة عشرة، من كل خمس برجلين، فقبضوا ما صالحوهم عليه، فقال قتيبة: الآن ذلوا حين صار إخوانهم وأولادهم في أيديكم، ثم أخلوا المدينة وبنوا مسجداً ووضعوا منبراً، ودخلها في أربعة آلاف انتخبهم، فلما دخلها أتى المسجد فصلى وخطب ثم تغدى، وأرسل إلى أهل السغد: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذه؛ فإني لست خارجاً منها، وإنما صنعت هذا لكم، ولست أخذ منكم أكثر مما صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فيها، قال: أما الباهليون فيقولون: صالحهم قتيبة على مائة ألف رأس، وبيوت النيران وحلية الأصنام، فقبض ما صالحهم عليه، وأتى بالأصنام فسلبت؛ ثم وضعت بين يديه، فكانت كالقصر العظيم حين جمعت، فأمر بتحريقها، فقالت الأعاجم: إن فيها أصناماً من حرقها هلك. فقال قتيبة: أنا أحرقها بيدي، فجاء غوزك، فجثا بين يديه وقال: أيها الأمير. إن شكرك علي واجب، لا تعرض لهذه الأصنام؛ فدعا قتيبة بالنار وأخذ شعلة بيده، وخرج فكبر، ثم أشعلها، وأشعل الناس فاضطرمت، فوجدوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال، قال: وأخبرنا مخلد بن حمزة بن بيض، عن أبيه،قال: حدثني من شهد قتيبة وفتح سمرقند أو بعض كور خراسان فاستخرجوا منها قدوراً عظاماً من نحاس، فقال قتيبة لحضين: يا أبا ساسان، أترى رقاش كان لها مثل هذه القدور؟ قال: لا، لكن كان لعيلان قدر مثل هذه القدور، فضحك قتيبة وقال: أدركت بثأرك. قال: وقال محمد بن أبي عيينة لسلم بن قتيبة بين يدي سليمان بن على: إن العجم ليعيرون قتيبة الغدر إنه غدر بخوارزم وسمرقند، قال: فأخبرنا شيخ من بني سدوس عن حمزة بن بيض قال: أصاب قتيبة بخراسان بالسغد جارية من ولد يزد جرد، فقال: أترون ابن هذه يكون هجيناً؟ فقالوا: نعم، يكون هجيناً من قبل أبيه، فبعث بها إلى الحجاج، فبعث بها الحجاج إلى الوليد، فولدت له يزيد ابن الوليد. قال: وأخبرنا بعض الباهلين، عن نهشل بن يزيد، عن عمه - وكان قد أدرك ذلك كله - قال: لما رأى غوزك إلحاح قتيبة عليهم كتب إلى ملك الشاش وإخشاذ فرغانة وخاقان: إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وصل إلينا كنتم أضعف وأذل، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها؛ فنظروا في أمرهم فقالوا: إنما نؤتي من سفلتنا، وإنهم لا يجدون كوجدنا، ونحن معشر ا لملوك المعنيون بهذا ا لأمر، فانتخبوا أبناء الملوك وأهل النجدة من فتيان ملوكهم، فليخرجوا حتى يأتوا عسكر قتيبة فليبيت، فإنه مشغول بحصار السغد، ففعلوا، ولوا عليهم ابناً لخاقان، وساروا وقد أجمعوا أن يبيتوا العسكر، وبلغ قتيبة فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، فكان شعبة بن ظهير وزهير بن حيان فيمن انتخب، فكانوا أربعمائة، فقال لهم: إن عدوكم قد رأوا بلاء الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم، كل ذلك يفلجكم الله عليهم، فأجمعوا على أن يحتالوا غرتكم وبياتكم، واختاروا دهاقينهم وملوكهم، وأنتم دهاقين العرب وفرسانهم، وقد فضلكم الله بدينه، فأبلوا الله بلاء حسناً تستوجبون به الثواب، مع الذب عن أحسابكم. قال: ووضع قتيبة عيوناً على العدو حتى إذا قربوا منه ما يصلون إلى عسكره من الليل أدخل الذين انتخبهم، فكلمهم وحضهم، واستعمل عليهم صالح بن مسلم، فخرجوا من العسكر عند المغرب، فساروا فتزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم الذين وصفوا لهم، ففرق صالح خيله، وأكمن كميناً عن يمينه، وكميناً عن يساره، حتى إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه، جاء العدو باجتماع وإسراع وصمت، وصالح واقف في خيله، فلما رأوه شدوا عليه، حتى إذا اختلفت الرماح شد الكمينان عن يمين وعن شمال، فلم نسمع إلا الاعتزاء، فلم نر قوماً كانوا أشد منهم. قال: وقال رجل من البراجم: حدثني زهير أو شعبة قال: إنا لنختلف عليهم بالطعن والضرب إذ تبينت تحت الليل قتيبة، وقد ضربت ضربة أعجبتني وأنا أنظر إلى قتيبة، فقلت : كيف ترى بأبي أنت وأمي! قال: اسكت دق الله فاك! قال: فقتلناهم فلم يفلت منهم إلا الشريد، وأقمنا نحوي الأسلاب ونحتز الرءوس حتى أصبحنا، ثم أقبلنا إلى المعسكر، فلم أر جماعة قط جاءوا بمثل ما جئنا به، ما منا رجل إلا معلق رأساً معروفاً باسمه، وأسير في وثاقه. قال: وجئنا قتيبة بالرءوس، فقال: جزاكم الله عن الدين والأعراض خيراً وأكرمني قتيبة من غير أن يكون باح لي بشيء، وقرن بي في الصلة والإكرام حيان العدوي وحليساً الشيباني، فظنت أنه رأى منهما مثل الذي رأى مني، وكسر ذلك أهل السغد، فطلبوا الصلح، وعرضوا الفدية فأبى، وقال: أنا ثائر بدم طرخون، كان مولاي وكان من أهل ذمتي. قالوا: حدث عمرو بن مسلم، عن أبيه. قال: أطال قتيبة المقام، وثلمت الثلمة في سمرقند. قال: فنادى مناد فصيح بالعربية يشتم قتيبة؛ قال: فقال عمرو بن أبي زهدم: ونحن حول قتيبة، فحين سمعنا الشتم خرجنا مسرعين، فمكثنا طويلا وهو ملح بالشتم، فجئت إلى رواق قتيبة فاطلعت، فإذا قتيبة محتب بشملة يقول كالمناجي لنفسه: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان! أما والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية، فانصرفت إلى أصحابي، فقلت: كم من نفس أبيه ستموت غداً منا ومنهم! وأخبرتهم الخبر. قال: وأما باهلة فيقول: سار قتيبة فجعل النهر يمينه حتى ورد بخاري، فاستنهضهم معه، حتى إذا كان بمدينة أربنجن، وهي التي تجلب منها اللبود الأربنجنية، لقيهم غوزك صاحب السغد في جمع عظيم من الترك وأهل الشاش وفرغانة، فكانت بينهم وقائع من غير مزاحفة، كل ذلك يظهر المسلمون، ويتحاجزون حتى قربوا من مدينة سمرقند، فتزاحفوا يومئذ، فحمل السغد على المسلمين حملة حطموهم حتى جازوا عسكرهم، ثم كر المسلون عليهم حتى ردوهم إلى عسكرهم، وقتل الله من المشركين عدداً كثيراً، ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم. قال: وأخبرنا الباهليون عن حاتم بن أبي صغيرة؛ قال: رأيت خيلاً يومئذ تطاعن خيل المسلمين وقد أمر يومئذ قتيبة بسريره فأبرز، وقعد عليه، وطاعنوهم حتى جازوا قتيبة، وإنه لمحتب بسيفه ما حل حبوته، وانطوت مجتنبا المسلمين على الذين هزموا القلب، فهزموهم حتى ردوهم إلى سكرهم، وقتل من المشركين عدد كثير ودخلوا مدينة سمرقند فصالحوهم وصنع غوزك طعاماً ودعا قتيبة، فأتاه في عدد من أصحابه فلما تغدى استوهب منه سمرقند فقال للملك: انتقل عنها، فانتقل عنها، وتلى قتيبة: " وإنه أهلك عاد الأولى وثمود فما أبقى " قال: وأخبرنا أبو الذيال، عن عمر بن عبد الله التميمي، قال: حدثني الذي سرحه قتيبة إلى الحجاج بفتح سمرقند، قال: قدمت إلى الحجاج فوجهني إلى الشام فقدمتها فدخلت مسجدها، فجلست قبل طلوع الشمس وإلى جنبي رجل ضرير فسألته عن شيء من أمر الشام، فقال: إنك لغريب، قلت: أجل؛ قال: من أي بلد أنت؟ قلت: من خراسان قال: ما أقدمك؟ فأخبرته؛ فقال: والذي بعث محمداً بالحق ما افتتحتموها إلا غدراً، وإنكم يا أهل خراسان للذين تسلبون بني أمية ملكهم، وتنقضون دمشق حجراً حجراً. قال: وأخبرنا العلاء بن جرير، قال: بلغني أن قتيبة لما فتح سمرقند وقف على جبلها فنظر إلى الناس متفرقين في مروج السغد، فتمثل قول طرفة: وأرتع أقوام ولولا محلنا ... بمخشية ردوا الجمال فقوضوا قال: وأخبرنا خالد بن الأفصح، قال: قال الكميت: كانت سمرقند أحقاباً يمانيةً ... فاليوم تنسبها قيسية مضر قال: وقال أبو الحسن الجشمي: فدعا قتيبة نهار بن توسعة حين صالح أهل السغد، فقال: يا نهار، أين قولك: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب أقام بمرور الروذ رهن ضريحه ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب أفغزو هذا يا نهار؟ قال: لا، هذا أحسن، وأنا الذي أقول: وما كان مذكنا ولا كان قبلنا ... ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم أعم لأهل الترك قتلاً بسيفه ... وأكثر فينا مقسماً بعد مقسم قال: ثم ارتحل قتيبة راجعاً إلى مرو، واستخلف على سمرقند عبد الله ابن مسلم، وخلف عنده جنداً كثيفاً، وآلة من آلة الحرب كثيرة، وقال: لا تدعن مشركاً يدخل باب من أبواب سمرقند إلا مختوم اليد. وإن جفت الطينة قبل أن يخرج فقتله، وإن وجدت معه حديدة؛ سكيناً فما سواه فاقتله، وإن أغلقت الباب ليلاً فوجدت فيها أحداً منهم فاقتله، فقال كعب الأشقري - ويقال رجل من جعفى: كل يوم يحوي قتيبة نهباً ... ويزيد الأموال مالاً جديدا باهلي قد ألبس التاج حتى ... شاب منه مفارق كن سودا دوخ السغد بالكتائب حتى ... ترك السغد بالعراء قعودا فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا كلما حل بلدة أو آتاهها ... تركت خيله بها إخدودا قال: وقال قتيبة: هذا العداء لا عداء عيرين، لأنه فتح خوارزم وسمرقند في عام واحد؛ وذلك أن الفارس إذا صرع في طلق واحد عيرين قيل: عادي بين عيرين. ثم انصرف عن سمرقند فأقام بمرو. وكان عامله على خوارزم إياس بن عبد الله بن عمرو على حربها، وكان ضعيفاً. وكان على خراجها عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى بني مسلم. قال: فاستضعف أهل خوارزم إياساً، وجمعوا له، فكتب عبيد الله إلى قتيبة، فبعث قتيبة عبد الله بن مسلم في الشتاء عاملا، وقال: اضرب إياس بن عبد الله وحيان النبطي مائة مائة، واحلقهما، وضم إليك عبيد الله بن أبي عبيد الله، مولى بني مسلم واسمع منه فإنا له وفاء. فمضى حتى إذا كان من خورازم على سكة، فدس إلى إياس فأنذره فتنحى، وقدم فأخذ حيان فضربه مائة وحلقه. قال: ثم وجه قتيبة بعد عبد الله المغيرة بن عبد الله في الجنود إلى خوارزم، فبلغهم ذلك، فلما قدم المغيرة اعتزل أبناء الذين قتلهم خوارزم شاه. لا نعينك، فهرب إلى بلاد الترك. وقدم المغيرة فسبا وقتل. وصالحه الباقون، فأخذ الجزية. وقدم على قتيبة. فاستعمله على نيسابور. فتح طليطلة وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير طارق بن زياد عن الأندلس وجهه إلى مدينة طليطلة ذكر الخبر عن ذلك ذكر محمد بن عمر أن موسى بن نصير غضب على طارق في سنة ثلاث وتسعين، فشخص إليه في رجب منها، ومعه حبيب بن عقبة بن نافع الفهري، واستخلف حين شخص على إفريقيا ابنه عبد الله بن موسى بن نصير، وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف، فتلقاه، فترضاه فرضي عنه. وقبل منه عذره، ووجهه منها إلى مدينة طليطلة - وهي من عظام مدائن الأندلس، وهي من قرطبة على عشرين يوماً - فأصاب فيها مائدة سليمان بن داود، فيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به. قال: أجدب أهل إفريقيا جدباً شديداً، فخرج موسى بن نصير فاستصقى، ودعا يومئذ حتى انتصف النهار. وخطب الناس، فلما أراد أن ينزل قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين! قال: ليس هذا يوم ذاك. فسقوا سقياً كفاهم حيناً. خبر عزل عمر بن عبد العزيز عن الحجاز وفيها عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة. ذكر سبب عزل الوليد إياه عنها: وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج أهل عمله بالعراق، واعتدائه عليهم، وظلمه لهم بغير حق ولا جناية، وأن ذلك بلغ الحجاج، فاضطغنه على عمر، وكتب إلى الوليد: إن من قبلي من مراق أهل العراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق، ولجؤوا إلى المدينة ومكة وإن ذلك وهن فكتب الوليد إلى الحجاج: أن أشر علي برجلين، فكتب إليه يشير عليه بعثمان بن حيان وخالد بن عبد الله. فولى خالداً مكة وعثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز قال: محمد بن عمر: خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة فأقام بالسويداء وهو يقول لمزاحم: أتخاف أن تكون ممن نفته طيبة! وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير بأمر الوليد إياه، وصب على رأسه قربة من ماء بارد. ذكر محمد بن عمر، أن أبا المليح الزبير خمسين سوطاً، وصب على رأسه قربة من ماء في يوم شات. ووقفه على باب المسجد، فمكث يومه ثم مات. وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى. عن أبي معشر. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، إلا ما كان من المدينة، فإن العامل عليها كان عثمان بن حيان المري، وليها - فيما قيل - في شعبان سنة ثلاث وتسعين. وأما الواقدي فإنه قال: قدم عثمان المدينة لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين. وقال بعضهم: شخص عمر بن عبد العزيز عن المدينة معزولا في شعبان من سنة ثلاث وتسعين وغزا فيها، واستخلف عليها حين شخص عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري. وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من غزوة العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل: إنه فتح فيها أنطاكية. وفيها غزا - فيما قيل - عبد العزيز بن الوليد أرض الروم حتى بلغ غزالة. وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، ويزيد بن أبي كبشة أرض سورية. وفيها كانت الرجفة بالشام: وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند غزو الشاش وفرغانة ذكر علي بن محمد؛ أن أبا الفوارس التميمي، أخبره عن ماهان ويونس ابن أبي إسحاق، أن قتيبة غزا سنة أربع وتسعين. فلما قطع النهر فرض على أهل بخارى وكس ونسف وخوارزم عشرين ألف مقاتل. قال: فساروا معه إلى السند، فوجهوا إلى الشاش، وتوجه هو إلى فرغانة، وسار حتى أتى خجنده، فجمع له أهلها. فلقوه فاقتتلوه مراراً، كل ذلك يكون الظفر للمسلمين. ففرغ الناس يوماً فركبوا خيولهم، فأوفى رجل على نشز فقال: تالله ما رأيت كاليوم غزة، لو كان هيج اليوم ونحن على ما أرى من الانتشار لكانت الفضيحة، فقال له رجل إلى جنبه: كلا، نحن كما قال: عوف بن الخرع: نؤم البلاد لحب اللقا ... ولا نتقي طائراً حيث طارا سنيحاً ولا جارياً بارحاً ... على كل حال نلاقي اليسارا وقال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة: فسل الفوارس في خجن ... دة تحت مرهفة العوالي هل كنت أجمعهم إذا ... هزموا وأقدم في قتالي أم كنت أضرب هامة ال عاتي واصبر للعوالي هذا وأنت قريع قي س كلها ضخم النوال وفضلت قيساً في الندى ... وأبوك في الحجج الخوالي ولقد تبين عدل حك مك فيهم في كل مال تمت مروءتكم ونا غى عزكم غلب الجبال قال: ثم أتى قتيبة كاشان مدينة فرغانة، وآتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وحرقوا أكثرها، وانصرف قتيبة إلى مرو. وكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم ا لثقفي أن وجه من قبلك من أهل العراق إلى قتيبة، ووجه إليهم جهم بن زحر بن قيس، فإنه في أهل العراق خير منه في أهل الشام. وكان محمد وادن لجهم بن زحر، فبعث سليمان بن صعصعة وجهم بن زحر، فلما ودعه جهم بكى وقال: يا جهم، إنه للفراق؛ قال: لا بد منه. قال: وقدم على قتيبة سنة خمس وتسعين. ولاية عثمان بن حيان المري على المدينةوفي هذه السنة قدم عثمان بن حيان المري المدينة والياً عليها من قبل الوليد بن عبد الملك. ذكر الخبر عن ولايته: قد ذكرنا قبل سبب عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة ومكة وتأميره على المدينة عثمان بن حيان، فزعم محمد بن عمر أن عثمان قدم المدينة أميراً عليها لليلتين بقيتا من شوال سنة أربع وتسعين، فنزل بها دار مروان وهو يقول: محلة والله مظعان، المغرور من غر بك. فاستقضي أبا بكر بن حزم. قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن عبد الله بن أبي حرة، عن عمه قال: رأيت عثمان بن حيان أخذ رياح بن عبيد الله ومنقذاً العراقي فحبسهم وعاقبهم، ثم بعث بهم في جوامع إلى الحجاج بن يوسف، ولم يترك بالمدينة أحداً من أهل العراق تاجراً ولا غير تاجر، وأمر بهم أن يخرجوا من كل بلد، فرأيتهم في الجوامع، واتبع أهل الأهواء، وأخذ هيصما فقطعه، ومنحوراً - وكان من الخوارج - قال: وسمعته يخطب على المنبر يقول بعد حمد الله: أيها الناس، إن وجدناكم أهل غش لأمير المؤمنين في قديم الدهر وحديثه، وقد ضوى إليكم من يزيدكم خبالا. أهل العراق هم أهل الشقاق والنفاق. هم والله عش النفاق وبيضته التي تفلقت عنه. والله ما جربت عراقياً قط إلا وجدت أفضلهم عند نفسه الذي يقول في آل أبي طالب ما يقول، وما هم لهم بشيعة، وإنهم لأعداء لهم ولغيرهم، ولكن لما يريد الله من سفك دمائهم فإني والله لا أوتي بأحد أوى أحداً منهم، أو إكراه منزلا، ولا أنزله، إلا هدمت منزله، وأنزلت به ما هو أهله. ثم إن البلدان لما مصرها عمر بن الخطاب وهو مجتهد على ما يصلح رعيته جعل يمر عليه من يريد الجهاد فيستشيره: الشام أحب إليك أم العراق؟ فيقول: الشام أحب إلي. إني رأيت العراق داء عضالا، وبها فرخ الشيطان. والله لقد أعضلوا بي، وإني لأراني سأفرقهم في البلدان، ثم أقول: لو فرقتهم لأفسدوا من دخلوا عليه بجدل وحجاج، وكيف؟ ولما؟ وسرعة وجيف في الفتنة، فإن خبروا عند السيوف لم يخبر منهم طائل. لم يصلحوا على عثمان فلقى منهم الأمرين، وكان أول الناس فتق هذا الفتق العظيم، ونقدوا عرى الإسلام عروة عروة، وأنغلوا البلدان. والله إني لأتقرب إلى الله بكل ما أفعل بهم لما أعرف من رأيهم ومذاهبهم. ثم وليهم أمير المؤمنين معاوية فدامجهم فلم يصلحوا عليه، ووليهم رجل الناس جلداً فبسط عليهم السيف، وأخافهم، فاستقاموا له أحبوا أو كرهوا، وذلك أنه خبرهم وعرفهم. أيها الناس، إنا والله ما رأينا شعاراً قط مثل الأمن، ولا رأينا حلساً قط شراً من الخوف، فالزموا الطاعة، فإن عندي يا أهل المدينة خبرة من الخلاف. والله ما أنتم بأصحاب قتال، فكونوا من أحلاس بيوتكم، وعضوا على النواجذ، فإني قد بعثت في مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم. إنكم في فضول كلام غيره ألزم لكم، فدعوا عيب الولاة. فإن الأمر إنما ينقض شيئاً شيئاً حتى تكون الفتنة وإن الفتنة من البلاء. والفتن تذهب بالدين وبالمال والولد. قال: يقول القاسم بن محمد: صدق في كلامه هذا الأخير، إن الفتنة لهكذا. قال محمد بن عمرو: وحدثني خالد بن القاسم، عن سعيد بن عمرو الأنصاري قال: رأيت منادي عثمان بن حيان ينادي عندنا: يا بني أمية بن زيد، برئت ذمة ممن آوى عراقياً - وكان عندنا رجل من أهل البصرة له فضل يقال له أبو سوادة، من العباد - فقال: والله ما أحب أن أدخل عليكم مكروه، بلغوني مأمني؛ قلت: لا خير لك في الخروج، إن الله يدفع عنا وعنك. قال: فأدخلته بيتي، وبلغ عثمان بن حيان فبعث أحراساً فأخرجته إلى بيت أخي، فما قدروا على شيء، وكان الذي سعى بي عدواً، فقلت للأمير: أصلح الله الأمير! يؤتى بالباطل فلا تعاقب عليه. قال: فضرب الذي سعى بي عشرين سوطاً. وأخرجنا العراقي، فكان يصلي معنا ما يغيب يوماً واحداً وحدب عليه أهل دارنا، فقالوا: نموت دونك! فما برح حتى عزل الخبيث. قال محمد بن عمر: وحدثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، قال: غنما بعث الوليد عثمان بن حيان إلى المدينة لإخراج من بها من العراقيين وتفريق أهل الأهواء ومن ظهر عليهم أو علا بأمرهم، فلم يبعثه والياً، فكان لا يصعد المنبر ولا يخطب عليه فلما فعل في أهل العراق ما فعل. وفي منحور وغيره أثبته على المدينة، فكان يصعد على المنبر. ذكر الخبر عن مقتل سعيد بن جبير وفي هذه السنة قتل الحجاج سعيد بن جبير. ذكر الخبرعن مقتله: وكان سبب قتل الحجاج إياه خروجه عليه معمن خرج عليه. مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن إلى رتبيل لقتاله، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج كان سعيد فيمن خلعه معه، فلما هزم عبد الرحمن وهرب إلى بلاد رتبيل هرب سعيد. فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: كتب الحجاج إلى فلان وكان على أصبهان - وكان سعيد، قال الطبري: أظنه أنه لما هرب من الحجاج ذهب إلى أصبهان فكتب إليه - : إن سعيداً عندك فخذه. فجاء الأمر إلى رجل تحرج، فأرسل إلى سعيد: تحول عني، فتنحى عنه، فأتى أذربيجان، فلم يزل بأذربيجان فطال عليه السنون. واعتمر فخرج إلى مكة فأقام بها، فكان ناس من ضربه يستخفون فلا يخبرون بأسمائهم. قال: أبو حصين وهو يحدثنا هذا: الرجل لا يؤمن، وهو رجل سوء، وأنا أتقيه عليك، فاطعن واشخص، فقال: يا أبا حصين، قد والله فررت حتى استجيب من الله: سيجيئني ما كتب الله لي. قلت: أظنك والله سعيداً كما سمتك أمك قال: فقدم ذلك الرجل إلى مكة، فأرسل فأخذ فلان له وكلمه، فجعل يديره. وذكر أبو عاصم عن عمر بن قيس، قال: كتب الحجاج إلى الوليد: إن أهل النفاق والشقاق قد لجثوا إلى مكة. فإن رأى أمير المؤمنين يأذن في فيهم! فكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري؛ فأخذ عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد وطلق بن حبيب وعمرو بن دينار؛ فأما عمرو بن دينار وعطاء فأرسلا لأنهما مكيان، وأما الآخرون فبعث بهم إلى الحجاج، فمات طلق في الطريق، وحبس مجاهد حتى مات الحجاج، وقتل سعيد بن جبير، حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا الأشجعي، قال: لما أ قبل الحرسيان بسعيد بن جبير نزل منزلا قريباً من الربذة، فانطلق أحد الحرسيين في حاجته وبقي الآخر، فاستيقظ الذي عنده، وقد رأى رؤيا، فقال: يا سعيد، إني أبرأ إلى الله من دمك! إني رأيت في منامي؛ فقيل لي: ويلك! تبرأ من دم سعيد بن جبير. اذهب حيث شئت لا أطلبك أبداً؛ فقال سعيد: أرجو العافية وأرجو، وأبى حتى جاء ذاك؛ فنزلا من الغد، فأرى مثلها، فقيل: ابرأ من دم سعيد فقال: يا سعيد، اذهب حيث شئت، إني أبرأ إلى الله من دمك، حتى جاء به. فلما جاء به إلى داره التي كان فيها سعيد وهي دارهم هذه، حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم قال: دخلت عليه في دار سعيد هذه. جيء به مقيداً فدخل عليه قراء أهل الكوفة. قلت: يا أبا عبد الله، فحدثكم؟ قال: إي والله ويضحك، وهو يحدثنا، وبنية له في حجرة، فنظرت نظرة فأبصرت القيد فبكت، فسمعته يقول: أي بنية لا تطيري إياك - وشق والله عليه - فاتبعناه نشيعه، فانتهينا به إلى الجسر، فقال الحرسيان: لا نعبر به أبداً حتى يعطينا كفيلاً، نخاف أن يغرق نفسه. قال: قلنا: سعيد يغرق نفسه! فما عبروا حتى كفلنا به. قال وهب بن جرير: حدثنا أبي، قال: سمعت الفضل بن سويد قال: بعثني الحجاج في حاجة، فجيء بسعيد بن جبير، فرجعت فقلت: لأنظرن ما يصنع فقمت على رأس الحجاج، فقال له الحجاج: يا سعيد، ألم أشركك في أمانتي! ألم أستعملك! ألم أفعل! حتى ظننت أنه يخلى سبيله؛ قال: بلى، قال: فما حملك على خروجك على؟ قال: عزم على، قال: فطار غضباً وقال: هيه! رأيت لعزمة عدو الرحمن عليك حقاً، ولم تر لله ولا لأمير المؤمنين ولا لي عليك حقاً! اضربا عنقه، فضربت عنقه، فندر رأسه عليه كمة بيضاء لا طية صغيرة. وحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل قال: لما قتل سعيد بن جبير فندر رأسه لله، هلل ثلاثاً: مرة يفصح بها، وفي الثنتين يقول. مثل ذلك فلا يفصح بها. وذكر أبو بكر الباهلي، قال: سمعت أنس بن أبي شيخ، يقول: لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير، قال: لعن الله ابن النصرانية - قال: يعني خالداً القسري، وهو الذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه! بلى والله والبيت الذي هو فيه بمكة. ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد، ما أخرجك على؟ فقال: أصلح الله الأمير! إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب مرة، قال: فطابت نفس الحجاج، وتطلق وجهه، ورجا أن يتخلص من أمره، قال: فعاوده في شيء، فقال له: إنما كانت له بيعة في عنقي؛ قال: فغضب وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه، فقال: يا سعيد. ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير، ثم أخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك! قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة والياً على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة، فأخذت بيعتك له ثانية! قال: بلى؛ قال: فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين، وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك! اضربا عنقه؛ قال: فإياه عني جرير بقوله: يارب ناكث بيعتين تركته ... وخضاب لحيته دم الأوداج وذكر عتاب بن بشر، عن سالم الأفطس، قال: أتى الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب، وقد وضع إحدى رجليه في الغرز - أو الركاب - فقال: والله لا أركب حتى تبوء مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه، فالتبس مكانه، فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه قال: القيود التي على سعيد بن جبير: فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود. قال محمد بن حاتم: حدثنا عبد الملك بن عبد الله عن هلال بن خباب قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: أكتبت إلى مصعب ابن الزبير؟ قال: بل كتب إلى مصعب؛ قال: والله لأقتلنك؛ قال: إتي إذاً لسعيد كما سمتني أمي! قال: فقتله؛ فلم يلبث بعده إ لا نحواً من أربعين يوماً، فكان إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه فيقول: يا عدو الله، لم قتلتني؟ فيقول: مالي ولسعيد بن جبير! مالي ولسعيد ابن جبير! قال أبو جعفر: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، مات فيها عامة فقهاء أهل المدينة، مات في أولها على بن الحسين عليه السلام ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. واستقضى الوليد في هذه السنة بالشام سليمان بن حبيب واختلف فيمن أقام الحج للناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه - قال: حج بالناس مسلمة بن عبد الملك سنة أربع وتسعين وقال الواقدي: حج بالناس سنة أربع وتسعين عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك - قال: ويقال: مسلمة بن عبد الملك. وكان العامل فيها على مكة خالد بن عبد الله القسري، وعلى المدينة عثمان بن حيان المري، وعلى الكوفة زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر ابن أبي موسى، وعلى البصرة الجراح بن عبد الله. وعلى قضائها عبد الرحمن ابن أذينة وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى مصر قرة بن شريك، وكان العراق والمشرق كله إلى الحجاج. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها ففيها كانت غزوة العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الروم، ففتح الله على يديه ثلاثة حصون فيما قبل، وهي: طولس، والمرزبانين، وهرقلة. وفيها فتح آخر الهند إلا الكيرج والمندل. وفيها بنيت واسط القصب في شهر رمضان وفيها انصرف موسى بن نصير إلى إفريقية من الأندلس، وضحى بقصر الماء - فيما قيل - على ميل من القيروان. بقية الخبر عن غزو الشاش وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش ذكر الخبر عن غزوته هذه: رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد، قال: وبعث الحجاج جيشاً من العراق فقدموا على قتيبة سنة خمس وتسعين، فغزا فلما كان بالشاش - أو بكشماهن - أتاه موت الحجاج في شوال، فغمه ذلك، وقفل راجعاً إلى مرو، وتمثل: لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل قال: فرجع بالناس ففرقهم، فخلف في بخارى قوماً، ووجه قوماً إلى كس ونسف، ثم أتى مرو فأقام بها، وأتاه كتاب الوليد: قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك كالذي يجب لك، فالمم مغازيك، وانتظر ثواب ربك، ولا تغب عن أمير المؤمنين كتبك؛ حتى كأني أنظر إلى بلادك والثغر الذي أنت به وفيها مات الحجاج بن يوسف في شوال - وهو يومئذ ابن أربع وخمسين سنة وقيل: ابن ثلاث وخمسين سنة - وقيل: كانت وفاته في هذه السنة لخمس ليال بقين من شهر رمضان وفيها استخلف الحجاج لما حضرته الوفاة على الصلاة ابنه عبد الله بن الحجاج وكانت إمرة الحجاج على العراق فيما قال الواقدي عشرين سنة وفي هذه السنة افتتح العباس بن الوليد قنسرين. وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ونحو من ألف رجل معه. وفيها - فيما ذكر - ولد المنصور عبد الله بن محمد بن علي. وفيها ولي الوليد بن عبد الملك يزيد بن أبي كبشة على الحرب والصلاة بالمصرين: الكوفة والبصرة، وولى خراجهما يزيد بن أبي مسلم. وقيل: إن الحجاج كان استخلف حين حضرته الوفاة على حرب البلدين والصلاة بأهلهما يزيد بن أبي كبشة، وعلى خراجهما يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعد موت الحجاج على ما كان الحجاج استخلفهما عليه، وكذلك فعل بعمال الحجاج كلهم، أقرهم بعده على أعمالهم التي كانوا عليها في حياته. وحج بالناس في هذه السنة بثر بن الوليد بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، إلا ما كان من الكوفة والبصرة، فإنهما ضمتا إلى من ذكرت بعد موت الحجاج. ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها ففيها كانت - فيما قال الواقدي - غزوة بشر بن الوليد الشاتية، فقفل ومات الوليد، ذكر الخبر عن موت الوليد بن عبد الملك وفيها كانت وفاة الوليد بن عبد الملك، يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين في قول جميع أهل السير. واختلف في قدر مدة خلافته، فقال الزهري في ذلك - ما حدثت عن ابن وهب عن يونس عنه: ملك الوليد عشر سنين إلا شهراً. وقال أبو معشر فيه، ما حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت خلافة الوليد تسع سنين وسبعة أشهر، وقال هشام بن محمد: كانت ولاية الوليد ثمان سنين وتسعة أشهر. وقال الواقدي: كانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر وليلتين. واختلف أيضاً في مبلغ عمره، فقال محمد بن عمر: توفي بدمشق وهو ابن ست وأربعين سنة وأشهر. وقال هشام بن محمد: توفي وهو ابن خمس وأربعين سنة. وقال عليبن محمد: توفي وهو ابن اثنتين وأربعين سنة وأشهر. وقال علي: كانت وفاة الوليد بدير مران، ودفن خارج باب الصغير. ويقال: في مقابر الفراديس. ويقال: إنه توفي وهو ابن سبع وأربعين سنة. وقيل: صلى عليه عمر بن عبد العزيز. وكان له - فيما قال علي - تسعة عشر ابناً: عبد العزيز، ومحمد، والعباس، وإبراهيم، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عبيدة، وصدقة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمر، وروح، وبشر، ويزيد، ويحيى؛ أم عبد العزيز ومحمد وأم البنين بنت عبد العزيز ابن مروان، وأم أبي عبيدة فزارية، وسائرهم لأمهات شتى. ذكر الخبر عن بعض سيره: حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنار، وأعطى الناس، وأعطى المجذمين، وقال: لا تسألوا الناس. وأعطى كل مقعد خادماً، وكل ضرير قائداً، وفتح في ولايته فتوح عظام؛ فتح موسى بن نصير الأندلس، وفتح قتيبة كاشغر. وفتح محمد بن القاسم الهند. قال: وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عنده فيأخذ حزمة البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول بفلس فيقول زد فيها. قال: أتاه رجل من بني مخزوم يسأله عن دينه، فقال: نعم، إن كنت مستحقاً لذلك، قال:يا أمير المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقاً لذلك مع قرابي! لذلك، قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، قال: ادن مني، فدنا منه، فنزع عمامته بقضيب كان في يده، وقرعه قرعات بالقضيب، وقال لرجل ضم هذا إليك، فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن، فقام إليه عثمان ابن يزيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن على ديناً، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشر آيات من الأنفال، وعشر آيات من براءة، فقرأ، فقال: نعم، نقضي عنكم، قال: مرض الوليد فرهقته غشية، فمكث عامه يومه عندهم ميتاً، فبكى عليه، وخرجت البرد بموته، فقدم رسول على الحجاج، فاسترجع، ثم أمر بحبل فشد في يديه، ثم أوثق إلى اسطوانة، وقال: اللهم لا تسلط علي من لا رحمة له، فقد طالما سألتك أن تجعل منيتي قبل منيته! وجعل يدعو، فإنه لكذلك إذ قدم عليه بريد بإفاقته. قال علي: ولما أفاق الوليد قال: ما أحد أسر بعافية أمير المؤمنين من الحجاج؛ فقال عمر بن عبد العزيز: ما أعظم نعمة الله علينا بعافيتك، وكأني بكتاب الحجاج قد أتاك يذكر فيه أنه لما بلغه برؤك خر الله ساجداً، وأعتق كل مملوك له، وبعث بقوارير من أنبج الهند. فما لبث إلا أياماً حتى جاء الكتاب بما قال. قال: ثم لم يمت الحجاج حتى ثقل على الوليد، فقال خادم للوليد: إني لأوضئ الوليد يوماً للغداء، فمد يده، فجعلت أصب عليه الماء وهو ساه والماء يسيل ولا أستطيع أن أتكلم، ثم نضح الماء في وجهي، وقال: أناعس أنت! ورفع رأسه إلي وقال: ما تدري ما جاء الليلة؟ قلت: لا؛ قال: ويحك! مات الحجاج! فاسترجعت. فقال: أسكت ما يسر مولاك أن في يده تفاحة يشمها. قال علي: وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضاً عن البناء والمصانع. فولى سليمان، فكان صاحب نكاح وطعام، فكان يسأل الناس بعضهم بعضاً عن التزويج والجواري. فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر؟ ورثى جرير الوليد فقال: يا عين جودي بدمع هاجه الذكر ... فما لدمعك بعد اليوم مدخر إن الخليفة قد وارت شمائله ... غبراء ملحدة في جولها زور أضحى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر كانوا جميعاً فلم يدفع منيته ... عبد العزيز ولا روح ولا عمر حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: حج الوليد بن عبد الملك، وحج محمد بن يوسف من اليمن، وحمل هدايا للوليد، فقالت أم البنين للوليد: يا أمير المؤمنين، اجعل لي هدية محمد بن يوسف، فأمر بصرفها إليها، فجاءت رسل من أم البنين إلى محمد فيها، فأبى وقال: ينظر إليها أمير المؤمنين فيرى رأيه - وكانت هدايا كثيرة - فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت بهدايا محمد أن تصرف إلي، ولا حاجة لي بها، قال: ولم؟ قالت: بلغني أنه غصبها الناس، وكلفهم عملها، وظلمهم. وحمل محمد المتاع إلى الوليد، فقال: بلغني أنك أصبتها غصباً، قال: معاذ الله! فامر فاستخلف بين الركن والمقام خمسين يميناً بالله ما غصب شيئاً منها، ولا ظلم أحداً، ولا أصابها إلا من طيب؛ فحلف، فقبلها الوليد ودفعها إلى أم البنين، فمات محمد بن يوسف باليمين، أصابه داء تقطع منه. وفي هذه السنة كان الوليد أراد الشخوص إلى أخيه سليمان لخلعه، واراد البيعة لابنه من بعده، وذلك قبل مرضته التي مات فيها. حدثني عمر، قال: حدثنا علي، قال: كان الوليد وسليمان وليي عهد عبد الملك، فلما أفضى الأمر إلى الوليد، أراد أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان، فأبى سليمان، فأراده أن يجعله له من بعده، فأبى، فعرض عليه أموالاً كثيرة، فأبى، فكتب إلى عماله أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناس إلى ذلك؛ فلم يجبه أحد إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس. فقال عباد بن زياد: إن الناس لا يجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمنهم على الغدر بابنك، فاكتب إلى سليمان فليقدم عليك، فإن لك عليه طاعة، فأرده على البيعة لعبد العزيز من بعده، فإنه لا يقدر على الامتناع وهو عندك، فإن أبى كان الناس عليه. فكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم، فأبطأ، فاعتزم الوليد على المسير إليه وعلى أن يخلعه، فأمر الناس بالتأهب، وأمر بحجره فأخرجت، فمرض، ومات قبل أن يسير وهو يريد ذلك. قال عمر: قال علي: وأخبرنا أبو عاصم الزيادي عن الهلواث الكلبي، قال: كنا بالهند مع محمد بن القاسم، فقتل الله داهراً، وجاءنا كتاب من الحجاج أن اخلعوا سليمان، فلما ولى سليمان جاءنا كتاب سليمان، أن ازرعوا واحرثوا، فلا شام لكم، فلم نزل يتلك البلاد حتى قام عمر بن عبد العزيز فأقفلنا. قال عمر: قال علي: أراد الوليد أن يبني مسجد دمشق، وكانت فيه كنيسة، فقال الوليد لأصحابه: أقسمت عليكم لما أتاني كل رجل منكم بلبنة، فجعل كل رجل يأتيه بلبنة، ورجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق؛ قال: يا أهل العراق، تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة! وهدموا الكنيسة وبناها مسجداً، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكوا ذلك إليه، فقيل: أن كل ما كان خارجاً من المدينة افتتح عنوة، فقال لهم عمر: نرد عليكم كنيستكم ونهدم كنيسة توما، فإنها فتحت عنوة، نبنيها مسجداً، فلما قال لهم ذلك قالوا: بل ندع لكم هذا الذي هدم الوليد، ودعوا لنا كنيسة توما. ففعل ذلك عمر. فتح قتيبة كاشغر وغزو الصينوفي هذه السنة افتتح بن مسلم كاشغر، وغزا الصين. ذكر الخبر عن ذلك: رجع الحديث إلى حديث على بن محمد بالإسناد الذي ذكرت قبل. قال: ثم غزا قتيبة في سنة ست وتسعين، وحمل مع الناس عيالهم وهو يريد أن يحرز عياله في سمرقند خوفاً من سليمان. فلما عبر النهر استعمل رجلاً من مواليه يقال الخوارزمي على مقطع النهر، وقال: لا يجوزن أحد إلا بجواز؛ ومضى إلى فرغانة، وأرسل إلى شعب عصام من يسهل له الطريق إلى كاشغر، وهي أدنى مدائن الصين، فأتاه موت الوليد وهو بفرغانة. قال: فأخبرني أبو الذيال عن المهلب بن إياس، قال: قال إياس بن زهير: لما عبر قتيبة النهر أتيته فقلت له: إنك خرجت ولم أعلم رأيك في العيال فنأخذ أهبة ذلك، وبني الأكابر معي، ولي عيال قد خلفتهم وأم عجوز، وليس عندهم من يقوم بأمرهم، فإن رأيت أن تكتب لي كتاباً مع بعض بني أوجهه فيقدم علي بأهلي! فكتب، فأعطاني الكتاب فانتهيت إلى النهر وصاحب النهر من الجانب الآخر، فألويت بيدي، فجاء قوم في سفينة فقالوا: من أنت؟ أين جوازك؟ فأخبرتهم، فقعد معي قوم ورد قوم السفينة إلى العامل، فأخبروه. قال: ثم رجعوا إلي فحملوني، فانتهيت إليهم وهم يأكلون وأنا جائع، فرميت بنفسي، فسألني عن الأمر، وأنا آكل لا أجيبه، فقال: هذا أعرابي قد مات من الجوع، ثم ركبت فمضيت فأتيت مرو، فحملت أمي، ورجعت أريد العسكر، وجاءنا موت الوليد، فانصرفت إلى مرو. وقال: وأخبرنا أبو مخنف، عن أبيه، قال: بعث قتيبة كثير بن فلان إلى كاسغر، فسبى منها سبياً، فختم أعناقهم مما أفاء الله على قتيبة، ثم رحع قتيبة وجاءهم موت الوليد. قال: وأخبرنا يحيى بن زكريا الهمداني عن أشياخ من أهل خراسان والحكم بن عثمان، قال: حدثني شيخ من أهل خراسان. قال: وغل قتيبة حتى قرب من الصين. قال: فكتب إليه ملك الصين أن ابعث لنا رجلاً من أشراف من معكم يخبرنا عنكم، ونسائله عن دينكم. فانتخب قتيبة من عسكره اثنا عشر رجلاً - وقال بعضهم: عشرة - من أفناء القبائل، لهم جمال وأجسام وشعور وبأس، بعدما سأل عنهم فوجدهم من صالح من هم منه. فكلمهم قتيبة، وفاطنهم فرأى عقولاً جمالاً، فأمر لهم بعدة حسنة من السلاح والمتاع الجيد من الحز والوشى واللين من البياض والرقيق والنعال والعطر، وحملهم على خيول مطهمة تقاد معهم، ودواب يركبونها. قال: وكان هبيرة بن المشمرج الكلابي مفوهاً بسيط اللسان، فقال: يا هبيرة كيف أنت صانع؟ قال: أصلح الله الأمير! قد كفيت الأدب وقل ماشئت اقله. وآخذ به، قال: سيروا على بركة الله، وبالله التوفيق. لا تضعوا العمائم عنكم حتى تقدموا البلاد، فإذا دخلتم عليه فأعلموه أني قد حلفت ألا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبي خراجهم. قال: فساروا، عليهم هبيرة بن المشمرج، فلما قدموا أرسل إليهم ملك الصين يدعوهم، فدخلوا الحمام، ثم خرجوا فلبسوا ثياباً بيضاً تحتها الغلائل، ثم مسوا الغالية، وتدخنوا ولبسوا النعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء أهل مملكته، فجلسوا، فلم يكلمهم الملك ولا أحد من جلسائه فنهضوا، فقال الملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوماً ما هم إلا نساء، ما بقي منا أحد حين رآهم ووجد رائحتهم إلا انتشر ما عنده. قال: فلما كان الغد أرسل إليهم فلبسوا الوشي وعمائم الحز والمطارف، وغدوا عليه، فلما دخلوا عليه قيل لهم: ارجعوا، فقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة؟ قالوا: هذه الهيئة أشبه بهيئة الرجال من تلك الأولى،وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث أرسل إليهم فشدوا عليهم سلاحهم، ولبسوا البيض والمغافر. وتقلدوا السيوف، وأخذوا الرماح، وتنكبوا القسي، وركبوا خيولهم، وغدوا فنظر إليهم صاحب الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما دنوا ركزوا رماحهم، ثم أقبلوا نحو مشمرين، فقيل لهم قبل أن يدخلوا: ارجعوا، لما دخل قلوبهم من خوفهم. قال: فانصرفوا فركبوا خيولهم، واختلجوا رماحهم،ثم دفعوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء قط، فلما أمسى أرسل إليهم الملك، أن ابعثوا إلى زعيمكم وأفضلكم رجلاً، فبعثوا إلى هبيرة، فقال له حين دخل عليه: قد رأيتم عظيم ملكي، وليس أحد يمنعكم مني، وأنتم في بلادي، وإنما أنتم بمنزلة البيضة في كفي. وأنا سائلك عن أمر فإن لم تصدقني قتلتكم. قال: سل؛ قال: لم صنعتم ما صنعتم من الزي في اليوم الأول والثاني والثالث؟ قال: أما زينا الأول فلبسناه في أهالينا وريحنا عندهم، وأما اليوم الثاني فإذا أتينا أمراءنا، وأما اليوم الثالث فزينا لعدونا، فإذا هاجنا هيج وفزع كنا هكذا. قال: ما أحسن ما دبرتم دهركم! فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له ينصرف، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه، قال له: كيف يكون قليل الأصحاب من أول خليه في بلادك وآخرها في منابت الزيتون! وكيف يكون حريصاً من خلف الدنيا قادراً عليها وغزاك! وأما تخويفك إلينا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها بالقتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه؛ قال: فما الذي يرضي صاحبك؟ قال: إنه قد حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، ويعطى الجزية، قال: فإنا نخرجه من يمينه، نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطؤه، ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها، قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، ثم أجاز فأحسن جوائزهم، فساروا فقدموا بما بعث به، فقبل الجزية وختم الغلمة وردهم، ووطئ التراب، فقال سوادة بن عبد الله السلولي: لا عيب في الوفد الذين بعثتهم ... للصين إن سلكوا طريق المنهج كسروا الجفون على القذى خوف الردى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج لم يرض غير الختم في أعناقهم ... ورهائن دفعت بحمل سمرج أدى رسالتك التي استرعيته ... وأتاك من حنث اليمين بمخرج قال: فأوفد قتيبة هبيرة إلى الوليد، فمات بقرية من فارس، فرثاه سوادة، فقال: لله قبر هبيرة بن مشمرج ... ماذا تضمن من ندى وجمال! وبديهة يعيا بها أبناؤه ... عند احتفال مشاهد الأقوال كان الربيع إذا السنون تتابعت ... والليث عند تكعكع الأبطال فسقت بقرية حيث أمسى قبره ... غر يرحن بمسبل هطال بكت الجياد الصافنات لفقده ... وبكاه كل مثقف عسال وبكته شعث لم يجدن مواسياً ... في العام ذي السنوات والإمحال قال: وقال: الباهليون: كان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثنى عشر فرساً من جياد الخيل؛ واثنى عشر هجيناً، لا يجاوز بالفرس أربعة آلاف، فيقام عليها وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو وعسكر قيدت وأضمرت، فلا يقطع نهراً بخيل حتى تخف لحومها، فيحمل عليها من يحمله في الطلائع. وكان يبعث في الطلائع الفرسان من الأشراف، ويبعث معهم رجالاً من العجم ممن يستنصح على تلك الهجن، وكان إذا بعث بطليعة أمر بلوح فنقش، ثم يشقه شقين فأعطاه شقة، واحتبس شقة، لئلا يمثل مثلها، ويأمره أن يدفنها في موضع يصفه له من مخاضة معروفة، أو تحت شجرة معلومة، أو خربة، ثم يبعث بعده من يستبريها ليعلم أصادق في طليعته أم لا. وقال ثابت قطنة العتكي يذكر من قتل من ملوك الترك: أقر العين مقتل كارزنك ... وكشبيز وما لاقى بيار وقال كميت يذكر غزوة السغد وخوارزم: وبعد في غزوة كانت مباركة ... تردى زراعة أقوام وتحتصد نالت غمامتها فيلاً بوابلها ... والسغد حين دنا شؤبوبها البرد إذ لا يزال له نهب ينفله ... من المقاسم لا وخش ولا نكد تلك الفتوح التي تدلي بحجتها ... على الخليفة إنا معشر حشد لم تثن وجهك عب قوم غزوتهم ... حتى يقال لهم: بعداً وقد بعدوا لم ترض من حصنهم إن كان ممتنعاً ... حتى يكبر فيه الواحد الصمد خلافة سليمان بن عبد الملكقال أبو جعفر: وفي هذه السنة بويع سليمان بن عبد الملك بالخلافة، وذلك في اليوم الذي توفي فيه الوليد بن عبد الملك، وهو بالرملة. وفيها عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة، ذكر محمد بن عمر، أنه نزعه عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان سنة ست وتسعين. قال: وكان عمله على المدينة ثلاث سنين. وقيل: كانت امرأته عليها سنتين غير سبع ليال. قال الواقدي: وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قد استأذن عثمان أن ينام في غد، ولا يجلس للناس ليقوم ليلة إحدى وعشرين، فأذن له. وكان أيوب بن سلمة المخزومي عنده، وكان الذي بين أيوب بن سلمة وبين أبي بكر بن عمرو بن حزم سيئاً، فقال أيوب لعثمان: ألم تر إلى ما يقول هذا؟ إنما هذا منه رثاء؛ فقال عثمان: قد رأيت ذلك، ولست لأبى إن أرسلت إليه غدوة ولم أجده جالساً لأجلدنه مائة، ولأحلقن رأسه ولحيته. قال أيوب: فجاءني أمر أحبه، فعجلت من السحر، فإذا شمعة في الدار، فقلت: عجل المري، فإذا رسول سليمان قد قدم على أبي بكر بتأميره وعزل عثمان وحده. قال أيوب: فدخلت دار الإمارة، فإذا لبن حيان جالس، وإذا بأبي بكر على كرسي يقول للحداد: اضرب في رجل هذا الحديد، ونظر إلى عثمان فقال: آبوا على أدبارهم كشفاً ... والأمر يحدث بهده الأمر وفي هذه السنة عزل سليمان يزيد بن أبي مسلم عن العراق، وأمر عليه يزيد بن المهلب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره أن يقتل آل أبي عقيل وبسط عليهم العذاب. فحدثني عمر بن شبة، قال: حدثني علي بن محمد، قال: قدم صالح العراق على الخراج ويزيد على الحرب، فبعث يزيد زياد بن المهلب على عثمان، وقال له: كاتب صالحاً، وكان يلي عذابهم عبد الملك بن المهلب. خبر مقتل قتيبة بن مسلم وفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم بخراسان. ذكر الخبر عن سبب مقتله: وكان سبب ذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يجعل ابنه عبد العزيز ابن الوليد ولي عهده، ودس في ذلك إلى القواد والشعراء، فقال جرير في ذلك: إذا قيل أي الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع رأوه أحق الناس كلهم بها ... وما ظلموا، فبايعوه وسارعوا وقال أيضاً جرير يحضن الوليد على بيعة عبد العزيز: إلى عبد العزيز سمت عيون الر ... عية إذ تحيرت الرعاء إليه دعت دواعيه إذا ما ... عماد الملك خرت والسماء وقال أولو الحكومة من قريش ... علينا البيع إن بلغ الغلاء رأوا عبد العزيز ولي عهد ... وما ظلموا بذاك ولا أساؤوا فماذا تنظرون بها وفيكم ... جسور بالعظائم واعتلاء! فزحلفها بأزملها إليه ... أمير المؤمنين إذا تشاء فإن الناس قد مدوا إليه ... أكفهم وفي برح الخفاء ولو قد بايعوك ولي عهد ... لقام الوزن واعتدل البناء فبايعه على خلع سليمان الحجاج بن يوسف وقتيبة، ثم هلك الوليد وقام سليمان بن عبد الملك، فخافه قتيبة. قال علي بن محمد: أخبرنا بشر بن عيسى والحسن بن رشيد وكليب ابن خلف. عن طفيل بن مرداس، وجبلة بن فروخ، عن محمد بن عزيز الكندي، وجبلة بن أبي رواد ومسلمة بن محارب، عن السكن بن قتادة؛ أن قتيبة لما أتاه موت الوليد بن عبد الملك وقيام سليمان. أشفق من سليمان لأنه كان يسعى في بيعة عبد العزيز بن الوليد مع الحجاج. وخاف أن بولي سليمان يزيد بن المهلب خراسان. قال: فكتب إليه كتاباً يهنئه بالخلافة، ويعزيه على الوليد، ويعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان. وكتب إليه كتاباً آخر يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته في صدورهم، وعظم صوته فيهم، ويذم المهلب وآل المهلب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه. وكتب كتاباً ثالثاً في خلعه، وبعث بالكتب الثلاثة مع رجل من باهلة، وقال له: ادفع إليه هذا الكتاب. فإن كان يزيد بن المهلب حاضراً، فقرأه ثم ألقاه إليه، فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأه وألقاه إلى يزيد فادفع إليه هذا الكتاب، فإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحتبس الكتابين الآخرين. فقد قام رسول قتيبة فدخل على سليمان وعنده يزيد ين المهلب دفع إليه الكتاب، فقرأه، ثم ألقاه إلى يزيد، فدفع إليه كتاباً آخر فقرأه، ثم رمى به إلى يزيد، فأعطاه الكتاب الثالث، فقرأه فتمعر لونه، ثم دعا بطين فختمه ثم أمسكه بيده. وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى، فإنه قال - فيما حدثت عنه: كان في الكتاب الأول وقيعة في يزيد بن المهلب، وذكر غدره وكفره وقلة شكره، وكان في الثاني ثناء على يزيد، وفي الثالث: لئن لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمني لأخلعنك خلع النعل، ولأملأنها عليك خيلا ورجالا. وقال أيضاً: لما قرأ سليمان الكتاب الثالث وضعه بين مثالين من المشل التي تحته ولم يحر في ذلك مرجوعاً. رجع الحديث إلى حديث علي بن محمد. قال: ثم أمر - يعني سليمان برسول قتيبة أن ينزل، فحول إلى دار الضيافة، فلما أمسى دعا به سليمان فأعطاه صرة فيها دنانير، فقال: هذه جائزتك. وهذا عهد صاحبك على خراسان فسر، وهذا رسولي معك بعهده. قال: فخرج الباهلي، وبعث معه سليمان رجلاً من عبد القيس، ثم أحد بني ليث يقال له صعصعة - أو مصعب - فلما كان بحلوان تلقاهم الناس بخلع قتيبة، فرجع العبدي، ودفع العهد إلى رسول قتيبة، وقد خلع؛ واضطرب الأمر، فدفع إليه عهده، فاستشار إخوته، فقالوا: لا يثق بك سليمان بعد هذا. قال علي: وحدثني بعض العنبريين، عن أشياخ منهم، أن توبة ابن أبي أسيد العنبري، قال: قدم صالح العراق، فوجهني إلى قتيبة ليطلعني طلع ما في يده، فصحبني رجل من بني أسد، فسألني عما خرجت فيه، فكاتمته أمري، فإنا لنسير إذ سنح لنا سانح؛ فنظر إلى رفيقي فقال: أراك في أمر جسيم وأنت تكتمني! فمضيت، فلما كنت بحلوان تلقاني الناس بقتل قتيبة. قال علي: وذكر أبو الذيال وكليب بن خلف وأبو علي الجوزجاني عن طفيل بن مرداس، وأبو الحسن الجثمي ومصعب بن حيان عن أخيه مقاتل بن حيان، وأبو مخنف وغيرهم، أن قتيبة لما هم بالخلع استشار إخوته، فقال له عبد الرحمن: اقطع بعثاً فوجه فيه كل من تخافه، ووجه قوماً إلى مرو، وسر حتى تنزل سمرقند، ثم قل لمن معك: من أحب المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره ولا متبوع بسوء، فلا يقم معك إلا مناصح. وقال له عبد الله: اخلعه مكانك، وادع الناس إلى خلعه. فليس يختلف عليك رجلان. فأخذ برأي عبد الله، فخلع سليمان، ودعا الناس إلى خلعه، فقال للناس: إني قد جمعتكم من عين التمر وفيض البحر فضممت الأخ إلى أخيه، والولد إلى أبيه، وقسمت بينكم فيئكم، وأجريت عليكم أعطياتكم غير مكدرة ولا مؤخرة، وقد جربتم الولاة قبلي؛ أتاكم أمية فكتب إلى أمير المؤمنين إن خراج خراسان لا يقوم بمطبخي، ثم جاءكم أبو سعيد فدوم بكم ثلاث سنين لا تدرون أفي طاعة أنتم أم في معصية! لم يجب فيئاً، ولم ينكأ عدواً، ثم جاءكم بنوه بعده؛ يزيد، فحل تباري إلى النساء، وإنما خليفتكم يزيد بن ثروان هبنقة القيسي قال: فلم يجبه أحد، فغضب فقال: لا أعز الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، يا أهل السافلة - ولا أقول أهل العالية - يا أوباش الصدقة، جمعتكم كما تجمع إبل الصدقة من كل أوب يا معشر بكر بن وائل، يا أهل النفخ والكذب والبخل، بأي يوميكم تفخرون؟ بيوم حربكم، أن بيوم سلمكم! فوالله لأنا أعز منكم. يا أصحاب مسيلمة، يا بني ذميم - ولا أقول تميم - يا أهل الخور والقصف والغدر، كنتم تسمون الغدر في الجاهلية كيسان يا أصحاب سجاح، يا معشر عبد القيس القساة، تبدلتم بأبر النحل أعنة الخيل، يا معشر الأزد، تبدلتم بقلوس السفن أعنه الخيل الحصن؛ إن هذا لبدعة في الإسلام! والأعراب، وما الأعراب! لعنة الله على الأعراب! يا كناسة المصرين، جمعتكم من منابت الشيخ والفيصوم ومنابت القلقل، تركبون البقر والحمر في جزيرة ابن كاوان، حتى إذا جمعتكم كما تجمع قزع الخريف قلتم كيت وكيت! أما والله إني لابن أبيه! وأخو أخيه، أما والله لأعصبنكم عصب السلمة. إن حول الصليان الزمزمة يا أهل خراسان، هل تدرون من وليكم؟ وليكم يزيد بن ثروان. كأني بأمير مزجاء، وحكم قد جاءكم فغلبكم على فيئكم وأظلالكم. إن ها هنا ناراً ارموها أرم معكم، ارموا غرضكم الأقصى. قد استخلف عليكم أبو نافع ذو الودعات. إن الشام أب مبرور، وإن العراق أب مكفور. حتى متى يتبطح أهل الشام بأفنيتكم وظلال دياركم! يا أهل خراسان، انسبوني تجدوني عراقي الأم، عراقي الأب، عراقي المولد، عراقي الهوى والرأي والدين، وقد أصبحتم اليوم فيما ترون من الأمن والعافية قد فتح الله لكم البلاد، وآمن سبلكم، فالظعينة تخرج من مرو إلى بلخ بغير جواز، فاحمدوا الله على النعمة وسلوه الشكر والمزيد قال: ثم نزل فدخل منزله، فأتاه أهل بيته فقالوا: ما رأينا كاليوم قط، والله ما اقتصرت على أهل العالية وهم شعارك ودثارك، حتى تناولت بكراً وهم أنصارك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولت تميماً وهم إخوتك، ثم لم ترض بذلك حتى تناولت الأزد وهم يدك! فقال: لما تكلمت فلم يجيبني أحد غضبت، فلم أدر ما قلت؛ إن أهل العالية كإبل الصدقة قد جمعت من كل أوب، وأما بكر فإنها أمة لا تمنع يد لامس وأما تميم فجمل أجرب، وأما عبد القيس فما يضرب العير بذنبه، وأما الأزد فأعلاج، شرار من خلق الله ، لو ملكت أمرهم لو سمتهم قال: فغضب الناس وكرهوا خلع سليمان، وغضبت القبائل من شتم قتيبة، فأجمعوا على خلافه وخلعه، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حضين بن المنذر فقالوا: إن هذا قد دعا إلى ما دعا إليه من خلع الخليفة، وفيه فساد الدين والدنيا، ثم لم يرض بذلك حتى قصر بنا وشتمنا، فما ترى يا أبا حفص؟ وكان يكتني في الحرب بأبي ساسان، ويقال: كنيته أبو محمد - فقال لهم: حضين: مضر بخراسان تعدل هذه الثلاثة الأخماس؛ وتميم أكثر الخمسين، وهم فرسان خراسان، ولا يرضون أن يصير الأمر في غير مضر، فإن أخرجتموهم من الأمر أعانوا قتيبة؛ قالوا: إنه قد وتر بني تميم بقتل ابن الأهتم، قال: لا تنظروا إلي هذا فإنهم يتعصبون للمضربة، فانصرفوا رادين لرأي حضين، فأرادوا أن يولوا عبد الله بن حوذان الجهضمي، فأبى وتدافعوها، فرجعوا إلى حضين، فقالوا: قد تدافعنا الرياسة، فنحن نوليك أمرنا، وربيعة لا تخالفك، قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل؛ قالوا: ما ترى؟ قال: إن جعلتم هذه الرياسة في تميم تم أمركم؛ قالوا: فمن ترى من تميم؟ قال: ما أرى أحداً غير وكيع، فقال حيان مولى بني شيبان: إن أحداً لا يتقلد هذا الأمر فيصلي بحره، ويبذل دمه، ويتعرض للقتل، فإن قدم أمير أخذه بما جنى وكان المهنأ لغيره إلا هذا الأعرابي وكيع؛ فإنه مقدام لا يبالي ما ركب، ولا ينظر في عاقبة، وله عشيرة كثيرة تطيعه، وهو موتور يطلب قتيبة برياسته التي صرفها عنه وصيرها لضرار بن حصين بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي. فمشى الناس بعضهم إلى بعض سراً، وقيل لقتيبة: ليس يفسد أمر الناس إلا حيان، فأراد أن يغتاله - وكان حيان يلاطف حشم الولاة فلا يخفون عنه شيئاً - قال: فدعا قتيبة رجلا فأمره بقتل حيان، وسمعه بعض الخدم، فأتى حيان فأخبره، فأرسل إليه يدعوه، فحذر وتمارض، وأتى الناس وكيعاً فسألوه أن يقوم بأمرهم؛ فقال: نعم، وتمثل قول الأشهب بن رميلة: سأجني ما جنيت وإن ركني ... لمعتمد إلى نضد ركين قال: وبخراسان يومئذ من المقاتلة من أهل البصرة من أهل العالية تسعة آلاف، وبكر سبعة آلاف، رئيسهم الحضين بن المنذر، وتميم عشرة آلاف عليهم ضرار بن حصين الضبي، وعبد القيس أربعة آلاف عليهم عبد الله بن علوان عوذي، والأزد عشرة آلاف رأسهم عبد الله ابو حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف عليهم جهم بن زحر - أو عبيد الله بن علي - والموالي سبعة آلاف عليهم حيان - وحيان يقال إنه من الديلم، ويقال: إنه من خراسان، وإنما قيل له نبطي للكنته - فأرسل حيان إلى وكيع: أرأيت إن كففت عنك وأعنتك تجعل في جانب نهر بلخ وخراجه ما دمت حيا، وما دمت والياً؟ قال: نعم، فقال للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضاً؛ قالوا: نعم، فبايعوا وكيعاً سراً، فأتى ضرار بن حصين قتيبة، فقال: إن الناس يختلفون إلى وكيع، وهم يبايعونه - وكان وكيع يأتي منزل عبد الله بن مسلم الفقير فيشرب عنده - فقال عبد الله: هذا يحسد وكيعاً، وهذا الأمر باطل، هذا وكيع في بيتي يشرب ويسكر ويسلح في ثيابه؛ وهذا يزعم أنهم يبايعونه. قال: وجاء وكيع إلى قتيبة فقال: احذر ضراراً فإني لا آمنه عليك، فأنزل قتيبة ذلك منهما على التحاسد. وتمارض وكيع ثم إن قتيبة دس ضرار بن سنان الضبي إلى وكيع فبايعه سراً، فتبين لقتيبة أن الناس يبايعونه، فقال لضرار: قد كنت صدقتني، قال: إن لم أخبرك إلا يعلم، فأنزلت ذلك مني على الحسد، وقد قضيت الذي كان علي، قال: صدقت. وأرسل قتيبة إلى وكيع يدعوه فوجده رسول قتيبة قد طلى على رجله مغرةً، وعلى ساقه خرزاً وودعاً، وعنده رجلان من زهران يرقيان رجله، فقال له: أجب الأمير، قال: قد ترى ما برجلي. فرجع الرسول إلى قتيبة فأعاده إليه، قال: يقول لك: ائتني محمولاً على سرير، قال: لا أستطيع. قال قتيبة لشريك بن الصامت الباهلي أحد بني وائل - وكان على شرطته - ورجل من غني انطلقا إلى وكيع فأتياني به. فإن أبى فاضربا عنقه؛ ووجه معهما خيلا، ويقال: كان على شرطه بخراسان ورقاء بن نصر الباهلي. قال علي: قال أبو الذيال: قال ثمامة بن ناجذ العدوي: أرسل قتيبة إلى وكيع من يأتيه به، فقلت: أنا آتيك به أصلحك الله! فقال: ائتني به، فأتيت وكيعاً - وقد سبق إليه الخبر أن الخيل تأتيه - فلما رآني قال: يا ثمامة، ناد في الناس؛ فناديت: فكان أول من أتاه هريم بن أبي طحمة في ثمانية. قال: وقال الحسن بن رشيد الجوزجاني: أرسل قتيبة إلى وكيع. فقال هريم: أنا آتيك به، قال: فانطلق. قال هريم: فركبت برذوني مخافة أن يردني، فأتيت وكيعاً وقد خرج قال: وقال كليب بن خلف: أرسل قتيبة إلى وكيع شعبة بن ظهير أحد بني صخر بن نهشل، فأتاه، فقال: يا بن ظهير: لبث قليلاً تلحق الكتائب ثم دعا بسكين فقطع خرزاً كان على رجليه. ثم لبس سلاحه، وتمثل: شدوا على سرتي لا تنقلف ... يوم لهمدان ويوم للصدف وخرج وحده ونظر إليه نسوة فقلن: أبو مطرف وحده؛ فجاء هريم بن أبي طحمة في ثمانية، فيهم عميرة البريد بن ربيعة العجيفي. قال حمزة بن إبراهيم وغيره: إن وكيعاً خرج فتلقاه رجل، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني أسد؛ قال: ما اسمك؟ قال: ضرغامة؛ قال: ابن من؟ قال: ابن ليث، قال: دونك هذه الراية. قال المفضل بن محمد الضبي: ودفع وكيع رايته إلى عقبة بن شهاب المازني؛ قال: ثم رجع إلى حديثهم، قالوا: فخرج وكيع وأمر غلمانه، فقال: اذهبوا بثقلي إلى بني العم، فقالوا: لا نعرف موضعهم، قال: انظروا رمحين مجموعين أحدهما فوق الآخر، فوقهما مخلاة، فهم بنو العم، قال: وكان في العسكر منهم خمسمائة؛ قال: فنادى وكيع في الناس، فأقبلوا أرسالا من كل وجه، فأقبل في الناس يقول: قرم إذا حمل مكروهة ... شد الشراسيف لها الحزيم وقال قوم: تمثل وكيع حين خرج: أنخن بلقمان بن عاد فجسنه ... أريني سلاحي لن يطيروا بأعزل واجتمع إلى قتيبة أهل بيته، وخواص من أصحابه وثقاته، فيهم إياس ابن بيهس بن عمرو، ابن عم قتيبة دنيا، وعبد الله بن وألان العدوي، وناس من رهطه، بني وائل. وأتاه حيان بن إياس العدوي في عشرة، فيهم عبد العزيز بن الحارث، قال: وأتاه ميسرة الجدلي - وكان شجاعاً - فقال: إن شئت أتيتك برأس وكيع، فقال: قف مكانك. وأمر قتيبة رجلا، فقال: ناد في الناس، أين بنو عامر؟ فنادى: أين بنو عامر؟ فقال محفن بن جزء الكلابي - وقد كان جفاهم: حيث وضعتهم؛ قال: ناد أذكركم الله والرحم! فنادى محفن: أنت قطعتها، قال: ناد لكم العتبي، فناداه محفن أو غيره: لا أقالنا الله إذا، فقال قتيبة: يا نفس صبراً على ما كان من ألم ... إذ لم أجد لفضول القوم أقرانا ودعا بعمامة كانتأمه بعثت بها إليه، فاعتم بها، كان يعتم بها في الشدائد، ودعا بيرذون له مدرب، كان يتطير إليه في الزحوف، فقرب إليه ليركبه، فجعل يقمص حتى أعياه، فلما رأى ذلك عاد إلى سريره فقعد عليه وقال: دعوه؛ فإن هذا أمر يراد. وجاء حيان النبطي في العجم، فوقف وقتيبة واجد عليه، فوقف معه عبد الله بن مسلم، فقال عبد الله لحيان: احمل على هذين الطرفين، قال: لم يأن لذلك، فغضب عبد الله، وقال: ناولني قوسي، قال حيان: ليس هذا يوم قوس، فأرسل وكيع إلى حيان: أين ما وعدتني؟ فقال حيان لابنه: إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي، ومضيت نحو عسكر وكيع. فمل بمن معك في العجم إلى. فوقف ابن حيان مع العجم، فلما حول حيان قلنسوته مالت الأعجام إلى عسكر وكيع، فكبر أصحابه، وبعث قتيبة أخاه صالحاً إلى الناس فرماه رجل من بني ضبة يقال له سليمان الزنجيرج - وهو الخرنوب، ويقال: بل رماه رجل من بلعم فأصاب هامته - فحمل إلى قتيبة ورأسه مائل، فوضع في مصلاه، فتحول قتيبة فجلس عنده ساعة، ثم تحول إلى سريره. قال: وقال أبو السرى الأزدي: رمى صالحاً رجل من بني ضبة فأثقله، وطعنه زياد بن عبد الرحمن الأزدي، من بني شريك بن مالك قال: وقال أبو مخنف: حمل رجل من غنى علي الناس فرأى رجلا مجففاً فشبهه بجهم بن زحر بن قيس فطعنه، وقال: إن غنيا أهل عز ومصدق ... إذا حاربوا والناس مفتتنونا فإذا الذي طعن علج، وتهايج الناس، وأقبل عبد الرحمن بن مسلم نحوهم، فرماه أهل السوق والغوغاء، فقتلوه، وأحرق الناس موضعاً كانت فيه إبل لقتيبة ودوابه، ودنوا منه فقاتل عنه رجل من باهلة من بني وائل، فقال له قتيبة: انج بنفسك، فقال له: بئس ما جزيتك إذاً، وقد أطعمتني الجردق وألبستني النرمق قال: فدعا قتيبة بدابة، فأتى ببرذون فم يقر ليركبه، فقال: إن له لشأناً؛ فلم يركبه. وجلس وجاء الناس حتى بلغوا الفسطاط، فخرج إياس بن بيهس وعبد الله بن وألان حين بلغ الناس الفسطاط وتركا قتيبة. وخرج عبد العزيز بن الحارث يطلب ابنه عمراً - أو عمر - فلقيه الطائي فحذره، ووجد ابنه فأردفه. قال: وفطن قتيبة للهيثم بن المنخل وكان ممن يعين عليه، فقال: أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني قال: وقتل معه إخوته عبد الرحمن وعبد الله وصالح وحصين وعبد الكريم، بنو مسلم، وقتل ابنه كثير بن قتيبة وناس من أهل بيتهن ونجا أخوه ضرار، استنقذه أخواله، وأمه غراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال قوم: قتل عبد الكريم بن مسلم بقزوين. وقال أبو عبيدة: قال أبو مالك: قتلوا قتيبة سنة ست وتسعين، وقتل من بني مسلم أحد عشر رجلاً فصلبهم وكيع، سبعة منهم لصلب مسلم وأربعة من بني أبنائهم: قتيبة، وعبد الرحمن، وعبد الله الفقير، وعبيد الله، وصالح، وبشار، ومحمد بنو مسلم. وكثير بن قتيبة، ومغلس بن عبد الرحمن، لم ينج من صلب مسلم غير عمرو - وكان عامل الجوزجان - وضرار، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، فجاء أخواله فدفعوه حتى نحوه، ففي ذلك يقول الفرزدق: عشية ما ود ابن غرة أنه ... له من سوانا إذ دعا أبوان وضرب إياس بن عمرو - ابن أخي مسلم بن عمرو - على ترقوتة فعاش. قال: ولما غشى القوم الفسطاط قطعوا أطنابه. قال زهير: فقال جمهم ابن زحر لسعد: انزل، فحز رأسه، وقد أثخن جراحاً، فقال: أخاف أن تجول الخيل، قال: تخاف وأنا إلى جنبك! فنزل سعد فشق صوقعة الفسطاط؛ فاحتز رأسه، فقال حضين بن المنذر: وإن ابن سعد وابن زحر تعاورا ... بسيفهما رأس الهمام المتوج عشية جئنا بابن زحر وجئتم ... بأدغم مرقوم الذراعين ديزج أصم غداني كأن جبينه ... لطاخة نقس في أديم ممجمج قال: فلما قتل مسلمة يزيد بن المهلب استعمل على خراسان سعيد بن خذينبة بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، فحبس عمال يزيد، وحبس فيهم جهم بن زحر الجعنفي، وعلى عذابه رجل من باهلة، فقيل له: هذا قاتل قتيبة، فقتله في العذاب، فلامه سعيد، فقال: أمرتني أن أستخرج منه المال فعذبته فأتى على أجله. قال: وسقطت على قتيبة يوم قتل جارية له خوارزمية، فلما قتل خرجت، فأخذها بعد ذلك يزيد بن المهلب، فهي أم خليده. قال علي: قال حمزة بن إبراهيم وأبو اليقظان: لما قتل قتيبة صعد عمارة بن جنية الرياحي المنبر فتكلم فأكثر، فقال له وكيع: دعنا من قذرك هذرك، ثم تكلم وكيع فقال: مثلي ومثل قتيبة كما قال الأول: من ينك العير ينك نياكا أراد قتيبة أن يقتلني وأنا قتال. قد جربوني ثم جربوني ... من غلوتين ومن المئين حتى إذا شبت وشيبوني ... خلوا عناني وتنكبوني أنا أبو مطرف قال: وأخبرنا أبو معاوية، عن طلحة بن إياس، قال: قال وكيع يوم قتل قتيبة: أنا ابن خندف تنميني قبائلها ... للصالحات وعمي قيس عيلانا ثم أخذ بلحيته ثم قال: شيخ إذا حمل مكروهة ... شد الشراسف لها والحزيم والله لأقتلن، ثم لأقتلن، ولأصلبن، ثم لأصلبن؛ إني والغ دماً، إن مر زبانكم هذا ابن الزانية قد أغلى عليكم أسعاركم، والله ليصيرن القفيز في السوق غداً بأربعة أو لأصلبنه، صلوا على نبيكم. ثم نزل. قال علي: وأخبرنا المفضل بن محمد وشيخ من بني تميم، ومسلمة بن محارب، قالوا: طلب وكيع رأس قتيبة وخاتمه، فقيل له: إن الأزد أخذته فخرج وكيع وهو يقول: ده درين، سعد القين: في أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر لا خير في أحزم جياد القرع ... في أي يوم لم أرع ولم أرع والله الذي لا إله غيره لا أبرح حتى أوتي بالرأس، أو يذهب برأسي مع رأس قتيبة. وجاء بخشب فقال: إن هذه الخيل لا بد لها من فرسان - يتهدد بالصلب - فقال له حضين: يا أبا مطرف، تؤتي به فاسكن وأتى حضين الأزد فقال: أحمقى أنتم! بايعناه وأعطيناه المقادة، وعرض نفسه، ثم تأخذون الرأس! أخرجوه لعنه الله من رأس! فجاءوا بالرأس فقالوا: يا أبا مطرف، إن هذا هو احتزه، فاشكمه؛ قال: نعم، فأعطاه ثلاثة آلاف، وبعث بالرأس مع سليط بن عبد الكريم الحنفي ورجال من القبائل وعليهم سلط، ولم يبعث من بني تميم أحداً. قال: قال:أبو الذيال: كان فيمن ذهب بالرأس أنيف بن حسان أحد بني عدي. قال أبو مخنف: وفي وكيع لحيان النبطي بما كان أعطاه. قال: قال خريم بن أبي يحيى، عن أشياخ من قيس، قالوا: قال سليمان للهذيل ابن زفر حين وضع رأس قتيبة ورءوس أهل بيته بين يديه: هل ساءت هذا يا هذيل؟ قال: لو ساءني ساء قوماً كثيراً؛ فكلمه خريم بن عمرو والقعتاع ابن خليد، فقال: ائذن في دفن رءوسهم، قال: نعم، وما أردت هذا كله. قال علي: قال أبو عبد الله السلمي، عن يزيد ني سويد، قال: قال رجل من عجم أهل خراسان: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة والله لو كان قتيبة من فمات فينا جعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا، وما صنع أحد قط بخراسان ما صنع قتيبة، إلا أنه قد غدر، وذلك أن الحجاج كتب إليه أن اختلهم واقتلهم في الله. قال: وقال الحسن بن رشيد: قال الإصبهبذ لرجل: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة ويزيد وهما سيدا العرب! قال: فأيهما كان أعظم عندكم وأهيب؟ قال: لو كان قتيبة بالمغرب بأقصى جحر به في الأرض مكبلا بالحديد، ويزيد معنا في بلادنا وال علينا لكان قتيبة أهيب في صدورنا وأعظم من يزيد. قال علي: قال المفضل بن محمد الضبي جاء رجل إلى قتيبة يوم قتل وهو جالس، فقال: اليوم يقتل ملك العرب - وكان قتيبة عندهم ملك العرب - فقال له: اجلس. قال: وقال كليب بن خلف: حدثني رجل ممن كان مع وكيع حين قتل قتيبة، قال: أمر وكيع رجلا فنادى: لا يسلبن قتيل، فمر ابن عبيد الهجري على أبي الحجر الباهلي فسلبه، فبلغ وكيعاً فضرب عنقه. قال أبو عبيدة: قال عبد الله بن عمر، من تيم اللات: ركب وكيع ذات يوم، فأتوه بسكران، فأمر به فقتل، فقيل له: ليس عليه القتل، إنما عليه الحد، قال: لا أعاقب بالسياط، ولكني أعاقب بالسيف، فقال نهار بن توسعة: وكنا نبكي من الباهلي ... فهذا الغداني شر وشر وقال أيضاً: ولما رأينا الباهلي ابن مسلم ... تجبر عمناه عضباً مهندا وقال الفرزدق يذكر وقعة وكيع: ومنا الذي سل السيوف وشامها ... عشية باب القصر من فرغان عشية لم تمنع بنيها قبيلة ... بعز عراقي ولا بيمان عشية ما ود ابن غراء أنه ... له من سوانا إذ دعا أبوان عشية لم تستر هوازن عامر ... ولا غطفان عورة ابن دخان عشية ود الناس أنهم لنا ... عبيد إذ الجمعان يضطربان رأوا جبلا يعلو الجبال إذا التقت ... رءوس كبيريهن ينتطحان رجال على الإسلام إذ ما تجالدوا ... على الدين حتى شاع كل مكان وحتى دعا في سور كل مدينة ... مناد ينادي فوقها بأذان سيجزى وكيعاً بالجماعة إذ دعا ... إليها بسيف صارم وبنان جزاء بأعمال الرجال كما جرى ... ببدر وباليرموك فئ جنان وقال الفرزدق في ذلك أيضاً: أتاني ورحلي بالمدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كل قائم وقال علي: أخبرنا خريم بن أبي يحيى، عن بعض عمومته قال: أخبرني شيوخ من غسان قالوا: إنا لبثنية العقاب إذ نحن برجل يشبه الفيوج معه عصاً وجراب، قلنا: من أين أقبلت؟ قال: من خراسان؛ قلنا: فهل كان بها من خبر؟ قال: نعم، قتل قتيبة بن مسلم أمس، فتعجبنا لقوله، فلما رأى إنكارنا ذلك قال: أين ترونني الليلة من إفريقية؟ ومضى واتبعناه على خيولنا، فإذا شيء يسبق الطرف. وقال الطرماح: لولا فوارس مذحج ابنه مذحج ... والأزد زعزع واستبيح العسكر وتقطعت بهم البلاد ولم يوب ... منهم إلى أهل العراق مخبر واستضلعت عقد الجماعة وازدري ... أمر الخليفة واستحل المنكر قوم هم قتلوا قتيبة عنوة ... والخيل جانحة عليها العثير بالمرج مرج الصين حيث تبينت ... مضر العراق من الأعز الأكبر! إذ حالفت جزعاً ربيعة كلها ... وتفرقت مضر ومن يتمضر وتقدمت أزد العراق ومذحج ... للموت يجمعها أبوها الأكبر قحطان تضرب رأس كل مدحج ... تحمي بصائرهن إذ لا تبصر والأزد تعلم أن تحت لوائها ... ملكاً قراسية وموت أحمر فبعزنا نصر النبي محمد ... وبنا تثبت في دمشق المنبر وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي: كأن أبا حفص قتيبة لم يسر ... بجيش إلى جيش ولم يعل منبرا ولم تخفق الرايات والقوم حوله ... وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا دعته المنايا فاستجاب لربه ... وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ الإسلام بعد محمد ... بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا وقال الأصم بن الحجاج يرثي قتيبة: ألم يأن للأحياء أن يعرفوا لنا ... بلى نحن أولى الناس بالمجد والفخر نقود تميماً والموالي ومذحجا ... وأزد وعبد القيس والحي من بكر نقتل من شئنا بعزة ملكنا ... ونجبر من شئنا على الخسف والقسر سليمان كم من عسكر قد حوت لكم ... أسنتنا والمقربات بن تجري وكم من حصون قد أبحنا منيعة ... ومن بلد سهل ومن جبل وعر ومن بلدة لم يغزها الناس قبلنا ... غزونا نقود الخيل شهراً إلى شهر مرن على الغزو الجرور ووقرت ... على النفر حتى ما تهال من النفر وحتى لو أن النار شبت وأكرهت ... على النار خاضت في الوغى لهب الجمر تلاعب أطراف الأسنة والقنا ... بلباتها والموت في لجج خضر بهن أبحنا كل مدينة ... من الشرك حتى جاوزت مطلع الفجر ولو لم تعجلنا المنايا لجاوزت ... بنار دم ذي القرنين ذا الصخر والقطر ولكن آجالاً قضين ومدة ... تناهى إليها الطيبون بنو عمرو وفي هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك خالد بن عبد الله القسري عن مكة، وولاها طلحة بن داود الحضرمي. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم الصائفة، ففتح حصناً يقال له حصن عوف. وفي هذه السنة توفى قرة بن شريك العبسي وهو أمير مصر في صفر في قول بعض أهل السير. وقال بعضهم: كان هلاك قرة في حياة الوليد في سنة خمس وتسعين في الشهر الذي هلك فيه الحجاج. وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، كذلك حدثني أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي وغيره. وكان الأمير على المدينة في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد بن المهلب، وعلى قضاء البصرة عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود. ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية واستعماله ابنه داود بن سليمان على الصائفة، فافتتح حصن المرأة. وفيها غزا - فيما ذكر الواقدي - مسلمة بن عبد الملك أرض الروم. ففتح الحصن الذي كان فتحه الوضاح صاحب الوضاحية. وفيها غزا عمر بن هبيرة الفزاري في البحر أرض الروم، فشتا بها وفيها قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير بالأندلس، وقدم برأسه على سليمان حبيب بن أبي عبيد الفهري. ولاية يزيد بن المهلب على خراسان وفيها ولى سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب خراسان ذكر الخبر عن سبب ولايته خراسان: وكان السبب في ذلك أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه ولى يزيد بن المهلب حرب العراق والصلاة وخراجها. فذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن يزيد نظر لما ولاه سليمان ما ولاه من أمر العراق في أمر نفسه، فقال: إن العراق قد أخر بها الحجاج، وأنا اليوم رجاء أهل العراق، ومتى قدمتها وأخذت الناس بالخراج وعذبتهم عليه صرت مثل الحجاج أدخل على الناس الحرب، وأعيد عليهم تلك السجون التي قد عافاهم الله منها، ومتى لم آت سليمان بمثل ما جاء به الحجاج لم يقبل مني فأتى يزيد سليمان فقال: أدلك على رجل بصير بالخراج توليه إياه، فتكون أنت تأخذه به؟ صالح بن عبد الرحمن، مولى بني تميم فقال له: قد قبلنا رأيك، فأقبل يزيد إلى العراق. وحدثني عمر بن شيبة، قال: قال علي: كان صالح قدم العراق قبل قدوم يزيد، فنزل واسطاً. قال علي: فقال عباد بن أيوب: لما قدم يزيد خرج الناي يتلقونه، فقيل لصالح: هذا يزيد، وقد خرج الناس يتلقونه، فلم يخرج حتى قرب يزيد من المدينة، فخرج صالح، عليه دراعه ودبوسية صفراء صغيرة، بين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد فسايره فلما دخل المدينة قال له صالح: قد فرغت لك هذه الديار - فأشار له إلى دار - فنزل يزيد، ومضى صالح إلى منزله، قال: وضيق صالح على يزيد فلم يملكه شيئاً، واتخذ يزيد ألف خوان يطعم الناس عليها، فأخذها صالح، فقال له يزيد: اكتب ثمنها على، واشتري متاعاً كثيراً، وصك صكاكاً إلى صالح لباعتها منه، فلم ينفذه، فرجعوا إلى يزيد، فغضب وقال هذا عملي بنفسي، فلم يلبث أن جاء صالح، فأوسع له يزيد، فجلس وقال ليزيد: ما هذه الصكاك؟ الخراج لا يقوم لها، قد أنفذت لك منذ أيام صكاً بمائة ألف، وعجلت لك أرزاقك، وسألت مالاً للجند، فأعطيتك، فهذا لا يقوم له شيء، ولا يرضى أمير المؤمنين به، وتؤخذ به! فقال له يزيد: يا أبا الوليد، أجز هذه الصكاك هذه المرة، وضاحكه. قال: فإني أجيزها، فلا تكثرن على، قال: لا قال علي بن محمد: حدثنا مسلمة بن محارب وأبو العلاء التيمي والطفيل بن مرداس العمى وأبو حفص الأزدي عمن حدثه عن جهم ابن زحر بن قيس، والحسن بن رشيد عن سليمان بن كثير، وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني، وعامر بن حفص وأبو مخنف عن عثمان ابن عمرو بن محصن الأزددي وزهير بن هنيد وغيرهم - وفي خبر بعضهم ما ليس في خبر بعض، فألفت ذلك - أن سليمان بن عبد الملك ولى يزيد ابن المهلب العراق ولم يوله خراسان، فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الملك ابن المهلب وهو بالشام ويزيد بالعراق: كيف أنت يا عبد الملك إن وليتك خراسان؟ قال: يجدني أمير المؤمنين حيث يحب، ثم أعرض سليمان عن ذلك قال: وكتب عبد الملك بن المهلب إلى جرير بن يزيد الجهضمي وإلى رجال من خاصته: إن أمير المؤمنين عرض على ولاية خراسان فبلغ الخبر يزيد ين المهلب، وقد ضجر بالعراق، وقد ضيق عليه صالح ابن عبد الرحمن، فليس يصل معه إلى شيء، فدعا عبد الله بن الأهتم، فقال: إني أريدك لأمر قد أهمني، فأحب أن تكفينيه، قال: مرني بما أحببت، قال: أنا فيما ترى من الضيق، وقد أضجرني ذلك. وخراسان شاغرة برجلها، وقد بلغني أن أمير المؤمنين ذكرها لعبد الملك بن المهلب، فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرحني إلى أمير المؤمنين، فإني أرجو أن آتيك بعهدك عليها، قال: فاكتم ما أخبرتك به. وكتب إلى سليمان كتابين: أحدهما يذكر له فيه أمر العراق. وأثنى فيه علي ابن الأهتم وذكر له علمه بها، ووجه ابن الأهتم وحمله على البريد، وأعطاه ثلاثين ألفاً. فسار سبعاً، فقدم بكتاب يزيد على سليمان، فدخل عليه وهو يتغذى، فجلس ناحية، فأتى بدجاجتين فأكلهما قال: فدخل ابن الأهتم فقال له سليمان: لك مجلس غير هذا تعودا إليه. ثم دعا به بعد ثالثة، فقال له سليمان: إن يزيد بن المهلب كتب إلي يذكر علمك بالعراق وبخراسان، ويثني عليك، فكيف علمك بها؟ قال: أنا أعلم الناس بها؛ بها ولدت، وبها نشأت، فلي بها وبأصلها خبر وعلم. قال: ما أحوج أمير المؤمنين إلى مثلك يشاوره في أمرها! فأشر على برجل أوليه خراسان؛ قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد يولي، فإن ذكر منهم أحداً أخبرته برأيي فيه، هل يصلح لها أو لا؛ قال: فسمى سليمان رجلاً من قريش؛ قال: يا أمير المؤمنين، ليس من رجال خراسان، قال: فعبد الملك بن المهلب، قال: لا، حتى عدد رجالاً، فكان في آخر من ذكر وكيع بن أبي سود، فقال: يا أمير المؤمنين، وكيع رجل شجاع صارم بئيس مقدام، وليس بصاحبها مع هذا، إنه لم يقد ثلثمائة قط فرأى لأحد عليه طاعة. قال: صدقت ويحك، فمن لها! قال: رجل أعلمه لم تسمه، قال: فمن هو؟ قال لا أبوح باسمه إلا أن يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك، وأن يجيرني منه إن علم؛ قال: نعم، سمه من هو؟ قال: يزيد بن المهلب؛ قال: ذاك بالعراق، والمقام بها أحب إليه من المقام بخراسان، قال: قد علمت يا أمير المؤمنين، ولكن تكرهه على ذلك، فيستخلف على العراق رجلا ويسير؛ قال: أصبت الرأي فكتب عهد يزيد على خراسان، وكتب إليه كتاباً: إن ابن الأهتم كما ذكرت في عقله ودينه وفضله ورأيه. ودفع الكتاب وعهد يزيد إلى ابن الأهتم، فسار سبعاً، فقدم على يزيد فقال له: ما وراءك؟ قال: فأعطاه الكتاب، فقال: ويحك! أعندك خير؟ فأعطاه العهد، فأمر يزيد بالجهاز للمسير من ساعته، ودعا ابنه مخلداً فقدمه إلى خراسان، قال: فسار من يومه، ثم سار يزيد واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمي، واستعمل على البصرة عبد الله بن هلال الكلابي، وصير مروان ابن المهلب على أمواله وأموره بالبصرة، وكان أوثق إخوته عنده، ولمروان يقول أبو البهاء الإبادي: رأيت أبا قبيصة كل يوم ... على العلات أكرمهم طباعا إذا ما هم أبوا أن يستطيعوا ... جسيم الأمر يحمل ما استطاعا وإن ضاقت صدورهم بأمر ... فضلتهم بذاك ندى وباعا وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال في ذلك: حدثني أبو مالك أن وكيع بن أبي سود بعث بطاعته وبرأس قتيبة إلى سليمان، فوقع ذلك من سليمان كل موقع، فجعل يزيد بن المهلب لعبد الله بن الأهتم مائة ألف على أن ينقر وكيعاً عنده، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! والله ما أحد أوجب شكراً، ولا أعظم عندي يداً من وكيع، لقد أدرك بثأري، وشفاني من عدوى، ولكن أمير المؤمنين أعظم وأوجب على حقاً، وإن النصيحة تلزمني لأمير المؤمنين؛ إن وكيعاً لم يجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدرة؛ خامل في الجماعة، نابه في الفتنة، فقال: ما هو إذاً ممن نستعين به - وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع - فاستعمل سليمان يزيد ابن المهلب على حرب العراق، وأمره إن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فينزع يداً من طاعة، أن يقيد وكيعاً به. فغدر يزيد، فلم يعط عبد الله ابن الأهتم ما كان ضمن له، ووجه ابنه مخلد بن يزيد إلى وكيع، رجع الحديث إلى حديث علي. قال علي: أخبرنا أبو مخنف عن عثمان بن عمرو بن محصن، وأبو الحسن الخراساني عن الكرماني، قال: وجه يزيد ابنه مخلداً إلى خراسان فقدم مخلد عمرو بن عبد الله بن سنان العتكي، ثم الصنابحي حين دنا من مرو، فلما قدمها أرسل إلى وكيع أن القني، فأبى، فأرسل إليه عمرو، يا أعرابي أحمق جلفاً جافياً، وتثاقل وكيع عن الخروج، فأخرجه عمرو الأزدي، فلما بلغوا مخلداً نزل الناس كلهم غير وكيع ومحمد بن حمران السعدي وعباد بن لقيط أحد بني قيس بن ثعلبة، فأنزلوهم، فلما قدم مرو حبس وكيعاً فعذبه، وأخذ أصحابه فعذبهم قبل قدوم أبيه. قال علي عن كليب بن خلف، قال: أخبرنا إدريس بن حنظلة، قال: لما قدم مخلد خراسان حبسني، فجاءني ابن الأهتم فقال لي: أتريد أن تنجو؟ قلت: نعم، قال: أخرج الكتب التي كتبها القعقاع بن خليد العبسي وخريم بن عمرو المري إلى قتيبة في خلع سليمان، فقلت له: يا بن الأهتم، إياي تخدع عن ديني! قال: فدعا بطومار وقال: إنك أحمق، فكتب كتباً عن لسان القعقاع ورجال من قيس إلى قتيبة، أن الوليد بن عبد الملك قد مات، وسليمان باعث هذا المزوني على خراسان فاخلعه. فقلت: يا بن الأهتم تهلك والله نفسك! والله لئن دخلت عليه لأعلمنه أنك كتبتها. وفي هذه السنة شخص يزيد بن المهلب إلى خراسان أميراً عليها، فذكر علي بن محمد، عن أبي السري المروزي الأزدي، عن عمه، قال: ولى وكيع سنة سبع وتسعين. قال علي: فذكر المفضل بن محمد عن أبيه، قال: أدنى يزيد أهل الشام وقوماً من أهل خراسان، فقال نهار بن توسعة: وما كنا نؤمل من أمير ... كما كنا نؤمل من يزيد فأخطأ ظننا فيه وقدما ... زهدنا في معاشرة الزهيد إذا لم يعطنا نصفاً أمير ... مشينا نحوه مثل الأسود فمهلاً يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من معاشرة العبيد نجيئ فلا نرى إلا صدودا ... على أنا نسلم من بعيد ونرجع خائبين بلا نوال ... فما بال التجهم والصدود! قال علي: أخبرنا زياد بن الربيع، عن غالب القطان، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز واقفاً بعرفات من خلافة سليمان، وقد حج سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: العجب لأمير المؤمنين، استعمل رجلا على أفضل ثغر للمسلمين! فقد بلغني عمن يقدم من التجار من ذلك الوجه أنه يعطي الجارية من جواريه مثل سهم ألف رجل. أما والله ما الله أراد بولايته - فعرفت أنه يعني يزيد والجهنية - فقلت: يشكر بلاءهم أيام الأزارقة. قال: ووصل يزيد عبد الملك بن سلام السلولي فقال: ما زال سيبك يا يزيد بحوبتي ... حتى ارتويت وجودكم لا ينكر أنت الربيع إذا تكون خصاصة ... عاش السقيم به وعاش المقتر عمت سحابته جميع بلادكم ... فرووا وأغدقهم سحاب ممطر فسقاك ربك حيث كنت مخيلةً ... ريا سحائبها تروح وتبكر وفي هذه السنة حج بالناس سليمان بن عبد الملك، حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمن ذكرهم، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وفيها عزل سليمان طلحة بن داود الحضرمي عن مكة، قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي مليكة. قال: لما صدر سليمان ابن عبد الملك من الحج عزل طلحة بن داود الحضرمي عن مكة، وكان عمله عليها ستتة أشهر، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان فإن عاملها الحرب والخراج والصلاة يزيد بن المهلب. وكان خليفته على الكوفة - فيما قيل - حرملة بن عمير اللخمي أشهراً، ثم عزله وولاها بشير بن حسان النهدي. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين؟؟؟؟؟؟؟ ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر محاصرة مسلمة بن عبد الملك القسطنطينية فمن ذلك ما كان من توجيه سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة بن عبد الملك إلى القسطنطينية، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه، فشتا بها وصاف. فذكر محمد بن عمر أن ثور بن يزيد حدثه عن سليمان بن موسى، قال: لما دنا مسلمة من قسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل على عجز فرسه مديين من طعام حتى يأتي به القسطنطينية، فأمر بالطعام فألقى فيه ناحية مثل الجبال، ثم قال للمسلمين لا تأكلوا منه شيئاً، أغيروا في أرضهم، وازدرعوا وعمل بيوتاً من خشب، فشتا فيها، وزرع الناس، ومكث ذلك الطعام في الصحراء لا يكنه شيء، والناس يأكلون مما أصابوا من الغارات ثم أكلوا من الزرع، فأقلم مسلمة بالقسطنطينية قاهراً لأهلها، معه وجوه أهل الشام: خالد بن معدان وعبد الله بن أبي زكرياء الخزاعي، ومجاهد بن جبسر؛ حتى آتاه موت سليمان فقال القائل: تحمل مدييها ومديي مسلمة حدثني أحمد بن زهير، عن علي بن محمد، قال: فلما ولى سليمان غزا الروم فنزل دابق، وقدم مسلمة فهابه الروم، فشخص إليون من أرمينية، فقال لمسلمة: ابعث لي رجلا يكلمني، فبعث ابن هبيرة، فقال له ابن هبيرة: ما تعدون الأحمق فيكم؟ قال: الذي يملأ بطنه من كل شيء يجده، فقال له ابن هبيرة: إنا أصحاب دين، ومن ديننا طاعة أمرائنا تعجب؛ قال: صدقت كنا وأنتم نقاتل على الدين ونغضب له، فأما اليوم فإنا نقاتل على الغلبة والملك، نعطيك عن كل رأس ديناراً. فرجع ابن هبيرة إلى الروم من غده، وقال: أبا أن يرضى، أتيته وقد تغدى وملأ بطنه ونام، فانتبه وقد غلب عليه البلغم، فلم يدر ما قلت. وقالت البطارقة لإليون: إن صرفت عنا مسلمة ملكناك. فوثقوا له فأتى مسلمة فقال: قد علم القوم أنك لا تصدقهم القتال، وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، ولو أحرقت الطعام أعطوا بأيديهم فأحرقه، فقوى العدو وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون، فكانوا على ذلك حتى مات سليمان. قال: وكان سليمان بن عبد الملك لما نزل دابق أعطى الله عهداً ألا ينصرف حتى يدخل الجيش الذي وجهه إلى الروم القسطنطينية. قال: وهلك ملك الروم، فأتاه إليون فأخبره، وضمن له أن يدفع إليه أرض الروم، فوجه معه مسلمة حتى نزل بها، وجمع كل طعام حولها وحصر أهلها وأتاهم إليون فملكوه فكتب إلى مسلمة يخبره بالذي كان، ويسأله أن يدخل من الطعام ما يعيش به القوم، ويصدقونه بأن أمره وأمر مسلمة واحد، وأنهم في أمان من السباء والخروج من بلادهم وأن يأذن ليلة في حمل الطعام، وقد هيأ إليون السفن والرجال، فأذن له، فما بقى في تلك الحظائر إلا مالا يذكر؛ حمل في ليلة، وأصبح إليون محارباً، وقد خدعه خديعة لو كان امرأة لعيب بها، فلقى الجند ما لم يلق جيش؛ حتى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وسليمان مقيم بدابق، ونزل الشتاء فلم يقدر يمدهم حتى هلك سليمان. مبايعة سليمان لابنه أيوب وليا للعهد وفي هذه السنة بايع سليمان بن عبد الملك لابنه أيوب بن سليمان وجعله ولي عهده، فحدثني عمر بن شبة، عن علي بن محمد، قال: كان عبد الملك أخذ على الوليد وسليمان أن يبايعا لابن عاتكة ولمروان بن عبد الملك من بعده، قال: فحدثني طارق بن المبارك قال: مات مروان بن عبد الملك في خلافة سليمان منصرفة من مكة، فبايع سليمان حين مات مروان لأيوب، وأمسك عن يزيد وتربص به، ورجا أن يهلك، فهلك أيوب وهو ولي عهده. وفي هذه السنة فتحت مدينة الصقالبة، قال محمد بن عمر: أغارت برجان في سنة ثمان وتسعين على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة من الناس، فأمده سليمان بن عبد الملك بمسعدة - أو عمرو بن قيس - في جمع فمكرت بهم الصقالبة، ثم هزمهم الله بعد أن قتلوا شراحيل بن عبد ابن عبدة. وفي هذه السنة - فيما زعم الواقدي - غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس، فأصيب ناس من أهل إنطاكية، وأصاب الوليد ناساً من ضواحي الروم وأسر منهم بشراً كثيراً. غزو جرجان وطبرستان وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان، فذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن يزيد بن المهلب لما قدم خراسان أقام ثلاثة أشهر أو أربعة، ثم أقبل إلى دهستان وجرجان، وبعث ابنه مخلدا على خراسان، وجاء حتى نزل بدهستان، وكان أهلها طائفة من الترك، فأقام عليها، وحاصر أهلها معه أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ووجوه من أهل خراسان والري، وهو في مائة ألف مقاتل سوى الموالي و المماليك والمتطوعين، فكانوا يخرجون فيقاتلون الناس، فلا يلبثهم الناس أن يهزموهم فيدخلون حصنهم، ثم يخرجون أحياناُ فيقاتلون فيشتد قتالهم وكان جهم وجمال ابنا زحر من يزيد بمكان، وكان يكرمهما، وكان محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفى له لسان وبأس، غير أنه كان يفسد نفسه بالشراب،وكان لا يكثر غثيان يزيد وأهل بيته، وكأنه أيضاً حجزه عن ذلك ما رأى من حسن أثرهم على ابني زحر جهم وجمال. وكان إذا نادى المنادي: يا خيل الله اركبي وأبشري كان أول فارس من أهل العسكر يبدر إلى موقف البأس عند الروع محمد بن عبد الرحمن ب أبي سبرة، فنودي ذات يوم في الناس، فبدر الناس ابن أبي سبرة، فإنه لواقف على تل إذ مر به عثمان بن المفضل، فقال له: يا بن أبي سبرة، ما قدرت على أن أسبقك إلى الموقف قط، فقال: وما يغني ذلك عني، وأنتم ترشحون غلمان مذحج، وتجهلون حق ذوي الأسنان والتجارب والبلاء! فقال: أما إنك لو تريد ما قبلنا لم نعدل عنك ما أنت له أهل. قال: وخرج الناس فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل محمد بن أبي سبرة على تركي قد صد الناس عنه، فاختلفا ضربتين، فثبت سيف التركي في بيضة ابن أبي سبرة، وضربه ابن أبي سبرة فقتله، ثم أقبل وسيفه في يده يقطر دماً، وسيف التركي في بيضته، فنظر الناس إلى أحسن منظر رأوه من فارس، ونظر يزيد إلى ائتلاق السيفين والبيضة والسلاح فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أبي سبرة، فقال: لله أبوه! أي رجل هو لولا إسرافه على نفسه! وخرج يزيد بعد ذلك يوماً وهو يرتاد مكاناً يدخل منه على القوم، فلم يشعر بشيء حتى هجم عليه جماعة من الترك - وكان معه وجوه الناس وفرسانهم، وكان في نحو من أربعمائة، والعدو في نحو من أربعة آلاف فقاتلهم ساعة، ثم قالوا ليزيد: أيها الأمير، انصرف ونحن نقاتل عنك، فأبى أن يفعل، وعشي القتال يومئذ بنفسه، وكان كأحدهم، وقاتل ابن أبي سبرة وابنا زحر والحجاج بن جارية الخثعمي وجل أصحابه فأحسنوا القتال، حتى إذا أرادوا الانصراف جعل الحجاج بن جارية عن الساقة، فكان يقاتل من وراءه حتى انتهى إلى الماء، وقد كانوا عطشوا فشربوا، وانصرف عنهم العدو، ولم يظفروا منهم بشيء، فقال سفيان ابن صفوان الخثعمي: لولا ابن جارية الأغر جبينة ... لسقيت كأساً مرة المتجرع وحماك في فرسانه وخيوله ... حتى وردت الماء غير متعتع ثم إنه ألح عليها وأنزل الجنود من كل جانب حولها، وقطع عنهم المواد، فلما جهدوا، وعجزوا عن قتال المسلمين، واشتد عليهم الحصار والبلاء. وبعث صول دهقان إلى يزيد: أني أصالحك على أن تؤمنني على نفسي وأهل بيتي ومالي، وأدفع إليك المدينة وما فيها وأهلها. فصالحه، وقبل منه، ووفى له، ودخل المدينة فأخذ ما كان فيها من الموال والكنوز ومن السبي شيئاً لا يحصى، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبراً، وكتب بذلك إلى سليمان بن عبد الملك. ثم خرج حتى أتى جرجان، وقد كانوا يصالحون أهل الكوفة على مائة ألف، ومائتي ألف أحياناً، وثلثمائة ألف، وصالحوا عليها، فلما أتاهم يزيد استقبلوه بالصلح، وهابوه وزادوه. واستخلف عليهم رجالاً من الأزد يقال له: أسد بن عبد الله، ودخل يزيد إلى الإصبهبذ في طبرستان فكان معه الفعلة يقطعون الشجر، ويصلحون الطرق، حتى انتهوا إليه، فنزل به فحصره وغلب على أرضه، وأخذ الإصهبذ يعرض على يزيد الصلح ويريده على ما كان يؤخذ منه، فيأبى رجالاً افتتاحها. فبعث ذات يوم أخاه أبا عيينة في أهل المصرين، فأصعد في الجبل إليهم، وقذ بعث الإصبهبذ إلى الديلم، فاستجاش بهم، فاقتتلوا. فحازهم المسلمون ساعة وكشفوهم، وخرج رأس الديلم يسأل المبارزة، فخرج إليه ابن أبي سبرة فقتله، فكانت هزيمتهم حتى انتهى المسلمون إلى فم الشعب؛ فذهبوا ليصعدوا فيه، وأشرف عليهم العدو يرشقونه بالنشاب، يرمونه بالحجارة، فانهزم الناس من فم الشعب من غير كبير قتال ولا قوة من عدوهم على إتباعهم وطلبهم، وأقبلوا يركب بعضهم بعضاً، حتى أخذوا يتساقطون في اللهوب، ويتدهدى الرجل من رأس الجبل حتى نزلوا إلى عسكر يزيد لا يعبئون بالشر شيئاً. وأقام يزيد بمكانه على حاله، وأقبل الإصبهبذ يكاتب أهل جرجان ويسألهم أن يثبوا بأصحاب يزيد، وأن يقطعوا عليه مادته والطرق فيما بينه وبين العرب، ويعدهم أن يكافئهم على ذلك، فوثبوا بمن كان يزيد خلف من المسلمين، فقتلوا منهم من قدروا عليه، واجتمع بقيتهم فتحصنوا من جانب، فلم يزالوا فيه حتى خرج إليهم يزيد، وأقام يزيد على الإصبهبذ في أرضه حتى صالحه سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف نقداً ومائتي ألف وأربعمائة حمار موقرة زعفراناً، وأربعمائة رجل، على رأس كل رجل برنس، على البرنس طيلسان ولجام من فضة وسرقة من حرير، وقد كانوا صالحوا قبل ذلك على مائتي ألف درهم، ثم خرج منها يزيد وأصحابه كأنهم فل، ولولا ما صنع أهل جرجان لم يخرج من طبرستان حتى يفتحها. وزاما غير أبي مخنف، قال في أمر يزيد وأمر أهل جرجان ما حدثني أحمد بن زهير، علي بن محمد، عن كليب بن خلف وغيره؛ أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجران، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق، فلم يكن يسلك طريق خراسان من ناحيته أحد إلا وعلى وجل وخوف من أهل جرجان؛ كان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان، فأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. ثم غزا مصقلة خراسان أيام معاوية في عشرة آلاف، فأصيب وجنده بالرويان، وهي متاخمة طبرستان فهلكوا في واد من أوديتها، أخذ العدو عليهم بضايقه، فقتلوا جميعاً، فهو يسمي وادي مصقلة. قال: وكان يضرب به المثل؛ حتى يرجع مصقلة من طبرستان، قال علي، عن كليب بن خلف العمي، عن طفيل بن مرداس العمي وإدريس بن حنظلة: إن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، فكانوا يجيئون أحياناً مائة ألف، ويقولون: هذا صلحنا، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلثمائة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكفروا فلم يعطوا خراجاً، حتى أتاهم يزيد بن المهلب فلم يعازه أحد حين قدمها، فلما صالح صول وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص. حدثني أحمد، عن علي، عن كليب بن خلف العمي، عن طفيل بن مرداس، وبشر بن عيسى عن أبي صفوان، قال علي: وحدثني أبة حفص الأردي عن سليمان بن كثير، وغيرهم؛ أن صولاً التركي كان ينزل دهستان والبحيرة - جزيرة في البحر بينها وبين دهستان خمسة فراسخ، وهما من جرجان مما يلي خوارزم - فكان صول يغير على فيروز بن قول، مرزبان جرجان، وبينهم خمسة وعشرون فرسخاً، فيصيب من أطرافهم ثم يرجع إلى البحيرة ودهستان، فوقع بين فيروز وبين ابن عم له يقال له المرزبان منازعة، فاعتزله المرزبان، فنزل البياسان فخاف فيروز أن يغير عليه الترك، فخرج إلى يزيد بن المهلب بخراسان، وأخذ صول جرجان، فلما قدم على يزيد بن المهلب قال له: ما أقدمك؟ قال: خفت صولاً، فهربت منه، قال له يزيد: هل من حيلة لقتاله؟ قال: نعم، شيئ واحد، إن ظفرت به قتلته، او أعطي بيده، قال: ماهو؟ قال: إن خرج من جرجان حتى ينزل البحيرة، ثم أتيته ثم فحاصرته بها ظفرت به، فاكتب إلى الإصبهبذ كتاباً تسأله فيه أن يحتال لصول حتى يقيم بجرجان، واجعل له على ذلك جعلاً، ومنه، فإنه يبعث بكتابك إلى صول يتقرب به إليه لأنه يعظمه، فيتحول عن جرجان، فينزل البحيرة. فكتب يزيد بن المهلب إلى صاحب طبرستان: إني أريد أن أغزو صولا وهو بجرجان، فخفت أن بلغه أني أريد ذلك أن يتحول إلى البحيرة فينزلها، فإن تحول إليها لم أقدر عليه؛ وهو يسمع منك ويستنصحك، فإن حبسته العام بجرجان فلم يأت البحيرة حملت إليك خمسين ألف مثقال؛ فاحتل له حيلة؛ تحبسه بجرجان، فإنه إن أقام بها ظفرت به. فلما رأى الإصبهبذ الكتاب أراد أن يتقرب إلى صول، فبعث بالكتاب إليه، فلنا أتاه الكتاب أمر الناس بالرحيل إلى البحيرة وحمل الأطعمة ليتحصن فيها. وبلغ يزيد أنه قد سار من جرجان إلى البحيرة، فاعتزم على السير إلى الجرجان، فخرج في ثلاثين ألفاً، ومعه فيروز ابن قول، واستخلف على خراسان مخلد بن يزيد، واستخلف على سمرقند وكس ونسف وبخارى ابنه معاوية بن يزيد، وعلى طخارستان حاتم بن قبيصة بن المهلب، وأقبل حتى أتى جرجان - ولم تكن يومئذ مدينة غنما هي جبال محيطة بها، وأبواب ومخارم، يقوم الرجل على باب منها فلا يقدم عليه أحد - فدخلها يزيد لم يعازه أحد، وأصاب أموالاً، وهرب المرزبان، وخرج يزيد بالناس إلى البحيرة، فأناخ على الوصول، وتمثل حين نزل بهم: فخر السيف وارتعشت يداه ... وكان بنفسه وقيت نفوس قال: فحاصرهم، فكان يخرج إليه صول في الأيام فيقاله ثم يرجع إلى حصنه، ومع يزيد أهل الكوفة وأهل البصرة. صم ذكر من فصة جهم ابن زحر وأخيه محمد نحواً مما ذكره هشام، غير أنه قال في ضربة التركي ابن أبي سبرة: فنشب سيف التركي في درقة ابن أبي سبرة. قال علي بن محمد، عن علي بن مجاهد، عن عنبسة، قال: قاتل محمد بن أبي سبرة الترك بجرجان فأحاطوا به واعتوروه بأسيافهم، فانقطع في يده ثلاث أسياف. ثم رجع إلى حديثهم؛ قال: فمكثوا بذلك - يعني الترك - محصورين يخرجون فيقاتلون، ثم يرجعون إلى حصنهم ستة شهر، حتى شربوا ماء الأحساء، فأصابهم داء يسمى السؤاد، فوقع فيهم الموت، وأرسل صول في ذلك يطلب الصلح، فقال يزيد بن المهلب: لا، إلا أن ينزل على حكمي، فأبى فأرسل إليه: إني أصالحك على نفسي ومالي وثلثمائة من أهل بيتي وخاصتي، على أن تؤمنني فننزل البحيرة، فأجابه إلى ذاك يزيد، فخرج بماله وثلثمائة ممن أحب، وصار مع يزيد، فقتل يزيد من الأتراك أربعة عشر ألفاً صبراً، ومن على الآخرين فلم يقتل منهم أحداً. وقال الجند ليزيد: أعطنا أرزاقنا، فدعا إدريس بن حنظلة العمي، فقال: يل بن حنظلة، أحص لنا ما في البحيرة حتى نعطي الجند، فدخلها إدريس، فلم يقدر على إحصاء ما فيها، فقال ليزيد: فيها مالا أستطيع إحصاءه، وهو في ظروف، فنحصي الجواليق ونعلم ما فيها، ونقول للجند: ادخلوا فخذوا، فمن أخذ شيئاً عرفنا ما أخذ من الحنطة والشعير والأرز والسمسم والعسل. قال: نعم ما رأيت، فأحصوا الجواليق عدداً، وعلموا كل الجواليق ما فيه، وقالوا للجند: خذوا، فكان الرجل يخرج وقد أخذ ثياباً أو طعاماً أو ما حمل من شيء فيكتب على كل رجل ما أخذ، فأخذوا شيئاً كثيراً. قال علي: قال أبو بكر الهذلي: كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذ خريطة، فسأله يزيد عنها، فأتاه بها، فدعا يزيد الذي رفع عليه فشتمه؛ وقال لشهر: هي لك، قال: لا حاجة لي فيها، فقال الطامي الكلبي - ويقال: سنان بن مكمل النميري: لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهراً؟! أخذت به شيئاً طفيفاً وبعته ... من ابن جونبوذ إن هذا هو الغدر وقال مرة النخعي لشهر: يا بن المهلب ما أردت إلى امرئ ... لولاك كان كصالح القراء قال علي: قال أبو محمد الثقفي: أصاب يزيد بن المهلب تاجاً بجرجان فيه جوهر، فقال: أترون أحداً يزهد في هذا التاج؟ قالوا: لا، فدعا محمد بن واسع الأزدي، فقال: خذ هذا التاج فهو لك؛ فقال: لا حاجة لي فيه، قال: عزمت عليك، فأخذه، وخرج فأمر يزيد رجلاً ينظر ما يصنع به، فلقي سائلاً فدفعه إليه، فأخذ الرجل السائل، فاتى به يزيد وأخبره الخبر، فأخذ يزيد التاج، وعوض السائل مالاً كثيراً. قال علي: وكان سليمان بن عبد الملك كلما افتتح قتيبة فتحاً قال ليزيد بن المهلب: أما ترى ما يصنع الله على يدي قتيبة؟ فيقول ابن المهلب: ما فعلت جرجان التي حالت بين الناس وبين الطريق الأعظم، وأفسدت قومس وأبرشهر! ويقول: هذه الفتوح ليست بشيء، الشأن في جرجان. فلما ولي يزيد بن المهلب لم يكن له همة غير جرجان. قال: ويقال: كان يزيد بن المهلب في عشرين ومائة ألف، معه أهل الشام ستون ألفاً. قال علي في حديثه، عمن ذكر خبر جرجان عمنهم: وزاد فيه على ابن مجاهد، عن خالد بن صبيح أن يزيد بن المهلب لما صالح صولا طمع في طبرستان أن يفتحها، فاعتزم على أن يسير إليها، استعمل عبد الله بن المعمر اليشكري على البياسان ودهستان، واستعمل على أندرستان أسد ابن عمرو - او ابن عبد الله بن الربعة - وهي مما يلي طبرستان، وخلفه في أربعة آلاف، ودخل يزيد بلاد الإصبهبذ، فأرسل إليه يسأله الصالح، وأن يخرج من طبرستان، فأبى يزيد ورجا أن يفتحها، فوجهأخاه أبا عيينة من وجه، وخالد بن يزيد من وجه، وأبا الجهم الكلبي من وجه، وقال: إذا اجتمعتم فأبو عيينة على الناس. فسار أبو عيينة في أهل المصرين ومعه هريم بن أبي طحمة. وقال يزيد لأبي عيينة: شاور هريماً فإنه ناصح. وأقام يزيد معسكراً. قال: واستجاش الإصبهبذ بأهل جيلان وأهل الديل، فأتوه فالتقوا في سند جب، فانهزم المشركون، وأتبعهم المسلمون حتى انتهوا إلى فم الشعب فدخله المسلمون، فصعد المشركون في الجبل، وأتبعهم المسلمون، فرماهم العدو بالنشاب والحجارة، فانهزم أبو عيينة والمسلمون، فركب بعضهم بعضاً يتساقطون من الجبل، فلم يثبتوا حتى انتهوا إلى عسكر يزيد، وكف العدو عن اتباعهم، وخافهم الإصبهبذ، فكتب إلى المرزبان ابن عم فيروز بن قول وهو بأقصى جرجان مما يلي البياسان: إنا قد قتلنا يزيد وأصجابه فاقتل ممن في البياسان من العرب. فخرج على أهل البياسان والمسلمون غارون في منازلهم، قد أجمعوا على قتلهم، فقتلوا جميعاً في ليلة، فأصبح عبد الله بن المعمر مقتولاً وأربعة آلاف من المسلمين لم ينج منهم أحد، وقتل من بني العم خمسين رجلاً؛ قتل الحسين بن عبد الرحمن وإسماعيل ابن إبراهيم بن شماس. وكتب إلى الأصبهبذ يأخذ بالمضايق والطرق. وبلغ يزيد قتل عبد الله بن المعمر وأصحابه، فأعظموا ذلك، وهالهم، ففزع يزيد إلى حيان النبطي. وقال: ر يمنعك ما كان مني إليك من نصيحة المسلمين، قد جاءنا عن جرجان ما جاءنا، وقد أخذ هذا بالطريق، فأعمل في الصلح؛ قال: نعم، فأتى حيان الإصبهبذ فقال: أنا رجل منكم، وإن كان الدين قد فرق بيني وبينكم، فإني لكم ناصح، وأنت أحب إلي من يزيد، وقد بعث يستمد، وأمداده منه قريبة، وإنما أصابوا منه طرفاً، وليس آمن أن يأتيك ما لا تقوم له، فأرح نفسك منه، وصالحه فإنك إن صالحته صيره حده على أهل جرجان، بغدرهم وقتلهم من قتلوا، فصالحه على سبعمائة ألف - وقال علي بن مجاهد: على خمسمائة ألف - وأربعمائة وقر زعفران أو قيمته من العين، وأربعمائة رجل، على كل رجل برنس وطيلسان،ومع كل رجل جام فضة وسرقة خز وكسوة. ثم رجع إلى يزيد بن المهلب فقال: ابعث من يحمل صلحهم الذي صالحتهم عليه، قال: من عندهم أو من عندنا؟ قال: من عندهم. وكان يزيد قد طابت نفسه على أن يعطيهم ما سألوا، ويرجع إلى جرجان فأرسل يزيد من يحمل ما صالحهم عليه حيان، وانصرف إلى جرجان، وكان يزيد قد غرم حياناُ مائتي ألف، فخاف ألا يناصحه. والسبب الذي له أغرم حيان فيه ما حدثني علي بن مجاهد، عن خالد بن صبيح، قال: كنت مؤدباً لولد حيان، فدعاني فقال لي:اكتب كتاباً إلى مخلد بن يزيد - ومخلد يومئذ ببلخ، ويزيد بمرو - فتناولت القرطاس، فقال: اكتب: من حيان مولى مصقلة إلى مخلد بن يزيد، فغمرني مقاتل ابن حيان ألا تكتب، وأقبل على أبيه فقال: يا أبت تكتب إلى مخلد وتبدأ بنفسك! قال: نعم يا بني، فإن لم يرض لقي ما لقي قتيبة. ثم قال لي: اكتب، فكتبت، فبعث مخلد بكتابه إلى أبيه، فأغرم يزيد حيان مائتي ألف درهم. فتح جرجان وفي هذه السنة فتح يزيد جرجان الفتح الآخر بعد غدرهم بجنده ونقضهم العهد، قال علي، عن الرهط الذين ذكر أنهم حدثوه بخبر جرجان وطبرستان: ثم إن يزيد لما صالح أهل طبرستان قصد لجرجان، فأعطى الله عهداً؛ لئن ظفر بهم ألا يقلع عنهم، ولا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم، ويختبز من ذلك الطحين، ويأكل منه، فلما بلغ المزربان أنه قد صالح الإصبهبذ وتوجه إلى جرجان، جمع أصحابه وأتى وجاه، فتحصن فيها، وصاحبها لا يحتاج إلى عدة من طعام ولا شراب. وأقبل يزيد حتى نزل عليها وهم متحصنون فيها. وحولها غياض فليس يعرف لها إلا طريق واحد، فأقام بذلك سبعة أشهر لا يقدر منهم على شيء، ولا يعرف لهم مأتى إلا من وجه واحد، فكانوا يخرجون في الأيام فيقاتلونه ويرجعون إلى حصنهم، فبيناهم على ذلك إذ خرج رجل من عجم خراسان كان مع يزيد يتصيد ومعه شاكرية له. وقال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: فخرج رجل من عسكره من طيئ يتصيد، فأبصر وعلاً يرقى في الجبل، فأتبعه، وقال لمن معه: قفوا مكانكم، ووقل في الجبل يقتص الأثر، فما شعر بشيء حتى هجم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، فخاف ألا يهتدي، فجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علامات، حتى وصل إلى أصحابه، ثم رجع إلى العسكر. ويقال: إن الذي كان يتصيد الهياج بن عبد الرحمن الأزدي من أهل طوس، وكان منهوماً بالصيد، فلما رجع إلى العسكر أتى عامر بن أيم الواشجي صاحب شرطة يزيد، فمنعوه من الدخول، فصاح: إن عندي نصيحة. وقال هشام عن أبي مخنف: جاء حتى رفع ذلك إلى ابني زحر بن قيس، فانطلق به ابنا زحر حتى أدخلاه على يزيد، فأعلمه، فضمن له بضمان الجهنية - أم ولد كانت ليزيد - على شيء قد سماه. وقال علي بن محمد في حديثه عن أصحابه: فدعا به يزيد فقال: ما عندك؟ قال: أتريد أن تدخل وجاه بغير قتال؟ قال: نعم، قال: جعالتي؟ قال: احتكم، قال: أربعة آلاف؛ قال: لد دية، قال: عجلوا لي أربعة آلاف، ثم أنتم بعد من وراء الإحسان. فأمر له بأربعة آلاف، وندب الناس، فانتدب أف وأربعمائة، فقال: الطريق لا يحمل هذه الجماعة لالتفاف الغياض، فاختار منهم ثلثمائة، فوجههم، واستعمل عليهم جهم بن زحر. وقال بعضهم: استمل عليهم ابنه خالد بن يزيد، وقال له: أن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك عندي منهزماً، وضم إليه جهم بن زحر، وقال يزيد للرجل الذي ندب الناس معه: متى تصل إليهم؟ قال: غداً عند العصر فيما بين الصلاتين، قال: امضوا على بركة الله؛ فإني سأجهد على مناهضتهم غداً عند صلاة الظهر. فساروا، فلما قارب انتصاف النهار من غد أمر يزيد الناس أن يشعلوا النار في حطب كان جمعه في حصارهم إياهم، فصيره آكاماً، فأضرموه ناراً؛ فلم تزل الشمس حتى صار عسكره أمثال الجبال من النيران، ونظر العدو إلى النار، فهالهم ما رأوا من كثرتها، فخرجوا إليهم. وأمر يزيد الناس حين زالت الشمس فصلوا، فجمعوا بين الصلاتين، ثم زحفوا إليهم فاقتتلوا، وسار الآخرون بقية يومهم والغد، فهجموا على عسكر الترك قبيل العص ر، وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتل في هذا الوجه، فما شعروا إلا بالتكبير من ورائهم، فانقعوا جميعاً إلى حصنهم، وركبهم المسلمون، فأعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم، وقتل مقاتليهم، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفاً إلى الأندرهز - وادي جرجان - وقال: من طلبهم بثأر فليقتل، فكان الرجل من المسلمين يقتل الأربعة والخمسة في الوادي، وأجرى الماء في الوادي على الدم، وعليه أرحاء ليطحن بدمائهم، ولتبر يمينه، فطحن واختبز وأكل وبنى مدينة جرجان. وقال بعضهم: قتل يزيد من أهل جرجان أربعين ألفاً، ولم تكن من قبل ذلك مدينة ورجع إلى خراسان واستعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفي. واما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف أنه قال: دعا يزيد جهم ابن زحر فبعث معه أربعمائة رجل حتى أخذوا في المكان الذي دلوا عليه وقد أمرهم يزيد فقال: إذا وصلتم إلى المدينة فانتظروا، حتى إذا كان في السحر فكبروا، ثم انطلقوا نحو باب المدينة، فإنكم تجدوني وقد نهضت بجميع الناس إلى بابها؛ فلما دخل ابن زحر المدينة أمهل حتى إذا كانت الساعة التي أمره ينهض فيها مشى بأصحابه، فأخذ لا يستقبل من أحراسهم أحداً إلا قتله. وكبر، ففزع أهل المدينة فزعاً لم يدخلهم مثله قط فيما مضى، فلم يرعهم إلا والمسلمون معهم في مدينتهم يكبرون فدهشوا، فألقى الله في قلوبهم الرعب، وأقبلوا لا يدرون أين يتوجهون! غير أن عصابة منهم ليسوا بالكثير قد أقبلوا نحو جهم بن زحر، فقاتلوا ساعة، فدقت يد جهم، وصبر لهم هو وأصحابه، فلم يلبثوا أن قتلوهم إلا قليلاً. سمع يزيد بن المهلب التكبير، فوثب في الناس إلى الباب، فوجدوهم قد شغلهم جهم بن زحر عن الباب، فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع عنه كبير دفع، ففتح الباب، فلم يجد عليه من يمنعه ولا من يدفع كبير دفع ، ففتح الباب ودخلها من ساعته، فأخرج من كان فيها من المقاتلة، فنصب لهم الجذوع فرسخين عن يمين الطريق ويساره، فصلبهم أربعة فراسخ، وسبى أهلها، وأصاب ما كان فيها. قال علي في حديثه، عن شيخوخة، الذين قد ذكرت أسمائهم قبل. وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك: أما بعد، فإن الله قد فتح لأمير المؤمنين فتحاً عظيماً، وصنع للمسلمين أحسن الصنع، فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه، أظهر في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان، وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسى بن قباذ وكسرى بن هرمز، وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان ابن عفان ومن بعدهما من خلفاء الله، حتى فتح الله ذلك لأمير المؤمنين؛ كرامة من الله له، وزيادة في نعمه عليه. وقد صار عندي من خمس ما أفاء الله على المسلمين بعد أن صار إلى كل ذي حق حقه من الفئ والغنيمة ستة آلاف ألف، وأنا حامل ذلك إلى أمير المؤمنين إن شاء الله.فقال له كاتبة بن المغيرة بن أبي قرة مولى بني سدوس: لا تكتب بسمية مال، فأنك من ذلك بين أمرين: إما استكثره فأمرك بحمله، وأما سخت نفسه لك به فسوغكه فتكلفت الهدية فلا يأتيه من قبلك شيء إلا استقبله، فكان بك قد استغرقت ماسميت لم يقع منه موقعاً، ويبق المال الذي سميت مخلداً عندهم عليك في دواوينهم، فإن ولى وال بعده أخذك به، وإن ولى من يتحامل عليك لم يرض منك بأضعافه، فلا تمض كتابك، ولكن اكتب بالفتح، سله القدوم فتشافهه بما أحببت مشافهة، ولا تقصر، فإنك أن تقصر عما أحببت أحرى من أن تكثر. فأبى يزيد وأمضى. وقال: بعضهم كان في الكتاب أربعة آلاف ألف. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك، فحدثت عن علي بن محمد، قال: حدثنا علي بن مجاهد، عن شيخ من أهل الري أدرك يزيد، قال: أتى يزيد بن المهلب الري حين فرغ من جرجان، فبلغه وفاة أيوب بن سليمان وهو يسير في باغ أبي صالح على باب الري، فارتجز راجز بين يديه فقال: إن يك أيوب مضى لشأنه ... فإن داوود لفي مكانه يقيم ما قد زال من سلطانه وفي هذه السنة فتحت مدينة الصقالبة. وفيها غزا داوود بن سليمان بن عبد الملك أرض الروم، ففتح حصن المرأة مما يلي ملطية. وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو يومئذ أمير على مكة، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عليها سنة سبع، وقد ذكرناهم قبل، غير أن عامل يزيد بن المهلب على البصرة في هذه السنة كان - فيما قيل - سفيان بن عبد الله الكندي. ثم دخلت سنة تسع وتسعين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث وفاة سليمان بن عبد الملك فمن ذلك وفاة سليمان بن عبد الملك، توفي - فيما حدثت عن هشام. عن أبي مخنف - بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر، فكانت ولايته سنتين لعشر أشهر إلا خمسة أيام. وقد قيل: توفى لعشر ليال مضين من صفر. وقيل: كانت خلافته سنتين وسبعة أشهر وقيل: سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وقد حدث الحسن بن حماد، عن طلحة أبي محمد، عن أشياخه، أنهم قالوا: استخلف سليمان بن عبد الملك بعد الوليد ثلاث سنين. وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. وحدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: توفى سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين، فكانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر. ذكر الخبر عن بعض سيره: حدثت عن علي بن محمد، قال: كان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، ذهب عنهم الحجاج، فولى سليمان، فأطلق الأسارى، وخلى أهل السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز، فقال ابن بيض: حاز الخلافة والداك كلاهما ... من بين سخطة ساخط او طائع أبواك ثم أخوك أصبح ثالثاً ... وعلى جبينك نور ملك الرابع وقال علي: قا المضل بن المهلب: دخلت على سليمان بدابق يوم جمعة، فدعا بثياب فلبسها، فلم تعجبه، فدعا، بغيرها بثياب خضر سوسية بعث بها يزيد بن المهلب، فلبسها واعتم وقال: يا بن المهلب أعجبتك؟ قلت: نعم، فحسر عن ذراعيه ثم قال: أنا الملك الفتى، فصلى الجمعة، ثم لم يجمع بعدها، وكتب وصيته، ودعا ابن أبي نعيم صاحب الخاتم فختمه. قال علي: قال بعض أهل العلم: إن سليمان لبس يوماً حلة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرأة فقال: أنا الملك الفتي، فما عاش بعد ذلك إلا أسبوعاً قال علي: وحدثنا سحيم بن حفص، قال: نظرت إلى سليمان جارية له يوم، فقال: ما تنظرين؟ فقالت: أنت خير المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان فنفض عمامته. قال علي: كان قاضي سليمان سليمان بن حبيب المحاربي، وكان ابن أبي عيينة يقص عنده. وحدثت عن أبي عبيدة، رؤبة بن العجاج، قال: حج سليمان بن عبد الملك، وحج الشعراء معه، وحجت معهم، فلما كان بالمدينة راجعاً تلقوه بنحو من أربعمائة أسير من الروم، فقعد سليمان،وأقربهم منه مجلساً عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، فقدم بطريقهم فقال: يا عبد الله، اضرب عنقه، فقام فما أعطاه أحد سيفاً حتى دفع إليه حرسي سيفه فضربه فأبان الرأس، وأطن الساعد وبعض الغل فقال سليمان: أما والله ما من جودة السيف جادت الضربة، ولكن لحسبه، وجعل يدفع البقية إلى الوجوه وإلى الناس يقتلونهم حتى دفع إلى جرير رجلا منهم، فدست إليه بنو عبس سيفاً في قراب أبيض، فضربه فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسي فلم يجد سيفاً، فدسوا له سيفاً ددانا مثنياً لا يقطع، فضرب به الأسير ضربات، فلم يصنع شيئاً فضحك سليمان والقوم، وشمت بالفرزدق بنو عبس أخوال سليمان، فألقى السيف وأنشأ يقول، ويعتذر إلى سليمان، ويأتسى بنبو سيف ورقاء عن رأس خالد: إن يك سيف خان أو قدر أتى ... بتأخير نفس حتفها غير شاهد فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد وورقاء هو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، ضرب خالد بن جعفر بن كلاب، وخالد مكب على أبيه زهير، قد ضربه بالسيف وصرعه، فأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالداً، فلم يسمع شيئاً، فقال ورقاء ابن زهير: رأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر فشلت يميني يوم أضرب خالداً ... ويحصنه مني الحديد المظاهر وقال الفرزدق في مقامه ذلك: أيعجب الناي أن أضحكت خيرهم ... خليفة الله يستسقى به المطر فما نبا السيف عن جبن ولا دهش ... عند الإمام ولكن آخر القدر ولو ضربت على عمرو مقلده ... لخر جثمانه ما فوقه شعر وما يعجل نفساً قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر وقال جرير في ذلك: بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك، وقالوا محدث غير صارم حدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي خالد: حدثني سليمان قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عيينة، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد العزيز بن الضحاك بن قيس، قال: شهد سليمان بن عبد الملك جنازة بدابق، فدفنت فيه حقل، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة فيقول: ما أحسن هذه التربة! ما أطيبها! فما أتى عليه جمعة - أو كما قال - حتى دفن إلى جنب ذلك القبر. خلافة عمر بن عبد العزيزوفي هذه السنة استخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. ذكر الخبر عن سبب استخلاف سليمان إياه: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد ابن عمر، قال: حدثني الهيثم بن واقد، قال: استخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر مضين من صفر سنة تسع وتسعين. قال محمد بن عمر : حدثني داود بن خالد بن دينار، عن سهيل بن أبي سهيل قال: سمعت رجاء بن حيوة، يقول: لما كان يوم الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثياباً خضراً من خز، ونظر في المرأة فقال: أنا والله الملك الشاب. فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة. فلم يرجع حتى وعك. فلما ثقل عهد في كتاب كتبه لبعض بنيه وهو غلام ولم يبلغ فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين! إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على المسلمين الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظر فيه. ولم أعزم عليه؛ قال: فمكث يوماً أو يومين ثم خرقه، فدعاني، فقال: ما ترى في داود بن سليمان؟ فقلت: هو غائب عنك بقسطنطينية وأنت لا تدري أحي هو أو ميت! فقال لي: فمن ترى؟ قلت: رأيك يا أمير المؤمنين،وأنا أريد أنظر من يذكر، قال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله خيراً فاضل مسلماً؛ فقال: هو والله على ذلك ثم قال: والله لئن وليته ولم أول أحداً سواه لتكونن فتنة، ولا يتركونه أبداً يلي عليهم إلا أن يجعل أحدهم بعده، ويزيد بن عبد الملك غائب عن الموسم، قال: فيزيد ابن عبد الملك أجعله بعده. فإن ذلك مما يسكنهم ويرضون به؛ قلت: رأيك. قال: فكتب. بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليتك الخلافة من بعدي، ومن بعده يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوه، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم. وختم الكتاب، وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب شرطه فقال: مر أهل بيتي فليجتمعوا؛ فأرسل كعب إليهم أن يجتمعوا فاجتمعوا، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتمعاعهم: اذهب بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أن هذا كتابي، وأمرهم فليبايعوا من وليت فيه؛ ففعل رجاء، فلما قال رجاء ذلك لهم قالوا: ندخل فنسلم على أمير المؤمنين؟ قال: نعم؛ فدخلوا فقال لهم سليمان في هذا الكتاب - وهو يشير لهم إليه وهم ينظرون إليه في يد رجاء ابن حيوة - عهدى، فاسمعوا وأطيعوا وبايعوا لمن سميت في هذا الكتاب، فبايعوه رجلا رجلا، ثم خرج بالكتاب محتوماً في يد رجاء بن حيوة. قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي شيئاً من هذا الأمر، فأنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان ذلك حتى أستعفيه الأن قبل أن تأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة! قال رجاء لا والله ما أنا بمخبرك حرفاً؛ قال: فذهب عمر غضبان. قال رجاء: لقيني هشام بن عبد الملك، فقال: يا رجاء، إن لي بك حرمة ومودة قديمة، وعندي شكر فأعلمني هذا الأمر، فإن كان إلي علمت، وإن كان إلى غيري تكلمت، فليس مثلي قصر به، فأعلمني فلك الله على ألا أذكر من ذلك شيئاً أبدا قال رجاء: فأبيت فقلت: والله لا أخبرك حرفاً واحداً مما أسر إلي. قال: فانصرف هشام وهو قد يئس، ويضرب بإحدى يديه على الأخرة وهو يقول: فإلى من إذاً نحيت عني؟ أتخرج من بني عبد الملك؟ قال: رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت حرفته إلى القبلة، فجعل يقول حين يفيق: لم يأن لي ذلك بعد يا رجاء ففعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئاً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال: فحرفته ومات؛ فلما غمضته سجيته بقطيفة خضراء، وأغلقت الباب. وأرسلت إلى زوجته تقول: كيف أصبح؟ فقلت: نائم، وقد تغطى، فنظر الرسول إليه مغطى بالقطيفة فرجع فأخبرها فقبلت ذلك، وظنت أنه نائم، قال رجاء: وأجلست على الباب من أثق به، وأوصيته ألا يبرح حتى آتيه، ولا يدخل على الخليفة أحد. قال: فخرجت فأرسلت إلى كعب بن حامد العبسي فجمع أهل بيت أمير المؤمنين فاجتمعوا في مسجد دابق، فقلت: بايعوا، فقالوا: قد بايعنا مرة ونبايع أخرى! قلت: هذا عهد أمير المؤمنين، فبايعوا على ما أمر به ومن سمى في هذا الكتاب المختوم، فبايعوا الثانية؛ رجلا رجلا. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موت سليمان رأيت أني قد أحكمت الأمر، قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون قرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز نادى هشام بن عبد الملك: لا نبايعه أبداً، قلت: أضرب والله عنقك، قم فبايع، فقام يجر رجليه. قال رجاء: وأخذت بضبع عمر بن عبد العزيز فأجلسته لما وقع فيه وهشام يسترجع على المنبر وهو يسترجع لما أخطأه، فلما انتهى هشام إلى عمر قال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! حين صارت إلى لكراهته إياها و الآخر يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث نحيت عني. قال: وغسل سليمان وكفن وصلى عليه عمر بن عبد العزيز؛ قال رجاء: فلما فرغ من دفنه أتى بمراكب خلافة: البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس. فقال: ما هذا! قالوا: مركب الخلافة، قال: دابتي أوفق لي، وركب دابته. قال: فصرفت تلك الدواب، ثم أقبل سائراً، فقيل: منزل الخلافة، فقال: فيه عيال أبي أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا، فأقام في منزله حتى فرغوه بعد؛ قال:رجاء فلما كان المساء من ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادعو لي كاتباً، فدعوته وقد رأيت منه كل ما سرني، صنع في المراكب ما صنع، وفي منزل سليمان؛ فقلت: كيف يصنع الآن في الكتاب؟ أيصنع نسخاً أم ماذا؟ فلما جلس الكاتب أملى عليه كتاباً واحداً من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة، فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك الكتاب أن ينسخ إلى كل بلد. وبلغ عبد العزيز بن الوليد - وكان غائباً - موت سليمان بن عبد الملك، ولم يعلم ببيعة الناس عمر بن عبد العزيز، وعهد سليمان إلى عمر، فقعد لواء، ودعا إلى نفسه فبلغته بيعة الناس عمر بعهد سليمان، فأقبل حتى دخل على عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: قد بلغني أنك كنت بايعت من قبلك، وأردت دخول دمشق، فقال: قد كان ذاك، وذلك أنه بلغني أن الخليفة سليمان لم يكن عقد لأحد، فخفت على الأموال أن تنهك، فقال عمر: لو بويعت وقمت بالأمر ما نازعتك ذلك، ولقعدت في بيتي، فقال عبد العزيز: ما أحب أنه ولى هذا الأمر غيرك. وبايع عمر بن عبد العزيز. قال: فكان برجى لسليمان بتوليته عمر بن عبد العزيز وترك ولده. وفي هذه السنة وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم وأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا عتاقاً وطعاماً كثيراً، وحث الناس على معونتهم، وكان الذي وجه إليه الخيل العتاق - فيما قيل - خمسمائة فرس. وفي هذه السنة أغارت الترك على أذربيجان، فقتلوا من المسلمين جماعة، ونالوا منهم، فوجه إليهم عمر بن عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، فقتل أولئك الترك، فلم يفلت منهم إلا اليسير، فقدم منهم على عمر بخناصرة بخمسين أسيراً. وفيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن العراق، ووجه على البصرة وأرضها عدي بن أرطاة الفزازي، وبعث على الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن يزيد بن الخطاب الأعرج القرشي، من بني عدي بن كعب، وضم إليه أبا الزناد، فكان أبو الزناد كاتب عبد الحميد بن عبد الرحمن، وبعث عدي في أثر يزيد بن المهلب موسى بن الوجيه الحميري. وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن عمرو بن خزم، وكان عامل عمر على المدينة. وكان عامل عمر على مكة في هذه السنة عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعلى البصرة وأرضها عدي بن أرطاة وعلى خراسان الجراح بن عبد الله. وعلى قضاء البصرة إياس بن معاوية بن قرة المزني، وقد ولى فيما ذكر قبله الحسن بن أبي الحسن، فشكا، فاستقصى إياس بن معاوية. وكان على قضاء الكوفة - في هذه السنة فيما قيل - عامر الشعبي. وكان الواقدي يقول: كان الشعبي على قضاء الكوفة أيام عمر بن عبد العزيز من قبل عبد الحميد بن عبد الرحمن، والحسن بن أبي الحسن البصري على قضاء البصرة من قبل عدي بن أرطاة، ثم إن الحسن استعفى من القضاء عدياً، فأعفاه وولى إياساً. ثم دخلت سنة مائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك خروج الخارجة التي خرجت على عمر بن عبد العزيز بالعراق. ذكر محمد بن عمر أن ابن أبي الزناد حدثه، قال: خرجت حرورية بالعراق، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ابن الخطاب عامل العراق يأمره أن يدعوهم إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فلما أعذر في دعائهم بعث إليهم عبد الحميد جيشاً فهزمتهم الحرورية، فبلغ عمر فبعث إليهم مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام جهزهم من الرقة، وكتب إلى عبد الحميد: قد بلغني ما فعل جيشك جيش السوء، وقد بعثت مسلمة بن عبد الملك، فخل بينه وبينهم. فلقيهم مسلمة في أهل الشام، فلم ينشب أن أظهره الله عليهم. ==============================================ج22. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري خبر خروج شوذب الخارجي وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الذي خرج على عبد الحميد بن عبد الرحمن بالعراق في خلافة عمر بن عبد العزيز شوذب - واسمه بسطام من بني يشكر - فكان مخرجه بجوخي في ثمانين فارساً أكثرهم من ربيعة، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد؛ ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دماً، أو يفسدوا في الأرض فإن فعلوا فحل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلاً صليباً حازماً فوجهه إليهم، ووجه معه جنداً، وأوصه بما أمرتك به. فعقد عبد الحميد لمحمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين من أهل الكوفة، وأمره بما أمره به عمر، وكتب عمر إلى بسطام يدعوه ويسأله عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، وقد قدم عليه محمد بن جرير. فقام بإزائه لا يحركه ولا يهيجه، فكان في كتاب عمر إليه: إنه بلغني أنك خرجت غضبا لله ولنبيه، ولست بأولى بذلك مني، فهلم أناظرك فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا. فلم يحرك بسطام شيئاً، وكتب إلى عمر: قد أنصفت، وقد بعثت إليك رجلين يدارسانك ويناظرانك - قال أبو عبيدة: أحد الرجلين اللذين بعثهما شوثب إلى عمر ممزوج مولى بني شيبان، والآخر من صليبة بني يشكر - قال: فيقال: أرسل نفراً فيهم هذان، فأرسل إليهم عمر: أن اختاروا رجلين؛ فاختاروهما، فدخلا عليه فناظراه، فقالا له: أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ قال: صيره غيري؛ قالا: أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه، أتراك كنت أديت الأمانة إلى من اتمنك! قال: فقال: أنظراني ثلاثاً، فخرجا من عنده، وخاف بنو مروان أن يخرج ما عندهم وفي أيديهم من الأموال، وأن يخلع يزيد، فدسوا إليه من سقاه سماً، فلم يلبث بعد خروجهما من عنده إلا ثلاثاً حتى مات. وفي هذه السنة أغزا عمر بن عبد العزيز الوليد بن هاشم المعيطي وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة. وفيها شخص عمر بن هبيرة الفزاري إلى الجزيرة عاملا لعمر عليها. خبر القبض على يزيد بن المهلبوفي هذه ا لسنة حمل يزيد بن المهلب من العراق إلى عمر بن عبد العزيز. ذكر الخبر عن سبب ذلك، وكيف وصل إليه حتى استوثق منه: اختلف أهل ا لسير في ذلك فأما هشام بن محمد فإنه ذكر عن أبي مخنف أن عمر بن عبد العزيز لما جاء يزيد بن المهلب فنزل واسطاً، ثم ركب السفن يريد البصرة، بعث عدي بن أرطاة إلى البصرة أميراً، فبعث عدي موسى بن الوجيه الحميري، فلحقه في نهر معقل عند الجسر، جسر البصرة فأوثقه، ثم بعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فقدم به عليه موسى ابن الوجيه، فدعا به عمر بن عبد العزيز - وقد كان عمر يبغض يزيد وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة، ولا أحب مثلهم، وكان يزيد بن المهلب يبغض عمر ويقول: إني لأظنه مرائياً، فلما ولى عمر عرف يزيد أن عمر كان من ا لرياء بعيداً. ولما دعا عمر يزيد سأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك، فقال: كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت، وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس به، وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني بشيء سمعت، ولا بأمر أكرهه، فقال له: ما أجد في أمرك إلا حبسك، فاتق الله وأد ما قبلك، فإنها حقوق المسلمين، ولا يسعني تركها، فرده إلى محبسه، وبعث إلى الجراح بن عبد الله الحكمي فسرحه إلى خراسان، وأقبل مخلد بن يزيد من خراسان يعطي الناس، ولا يمر بكورة إلا أعطاهم فيها أموالا عظاماً. ثم خرج حتى قدم على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله يا أمير المؤمنين صنع لهذه الأمة بولايتك عليها، وقد ابتلينا بك، فلا نكن أشقى الناس بولايتك، علام تحبس هذا الشيخ! أنا أتحمل ما عليه، فصالحني على ما إياه تسأل، فقال عمر: لا. إلا أن تحمل جميع ما نسأله إياه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانت لك بينه فخذ بها، وإن لم تكن بينة فصدق مقالة يزيد، وإلا فاستحلفه، فإن لم يفعل فصالحه. فقال له عمر: ما أجد إلا أخذه بجميع المال. فلما خرج مخلد قال: هذا خير عندي من أبيه، فلم يلبث مخلد إلا قليلا حتى مات، فلما أبى يزيد أن يؤدي إلى عمر شيئاً ألبسه جبة من صوف، وحمله على جمل، ثم قال: سيروا به إلى دهلك، فلما أخرج فمر به على الناس أخذ يقول: مالي عشيرة، مالي يذهب بي إلى دهلك! إنما يذهب إلى دهلك بالفاسق المريب الخارب سبحان الله! أما لي عشيرة! فدخل على عمر سلامة بن نعيم الخولاني، فقال: يا أمير المؤمنين، أردد يزيد إلى محبسه؛ فإني أخاف إن أمضيته أن ينتزعه قومه؛ فإني قد رأيت قومه غضبوا له. فرده إلى محبسه فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر. وأما غير أبي مخنف فإنه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي ابن أرطاة يأمره بتوجيه يزيد بن المهلب، ودفعه إلى من بعين التمر من الجند، فوجهه عدي بن أرطاة مع وكيع بن حسان بن أبي سود التميمي مغلولا مقيداً في سفينة، فلما انتهى به إلى نهر أبان، عرض لوكيع ناس من الأزد لينتزعوه منه، فوثب وكيع فانتضى سيفه، وقطع قلس السفينة، وأخذ سيف يزيد ابن المهلب، وحلف بطلاق امرأته ليضرين عنقه إن لم يتفرقوا فناداهم يزيد بن المهلب، فأعلمهم يمين وكيع، فتفرقوا، ومضى به حتى سلمه إلى الجند الذين بعين التمر، ورجع وكيع إلى عدي بن أرطاة، ومضى الجند الذين بعين التمر بيزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز فحبسه في السجن، عزل جراح بن عبد الله عن خراسان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين وخرج منها لأيام لقيت من شهر رمضان من سنة مائة. ذكر سبب عزل عمر إياه: وكان سبب ذلك - فيما ذكر علي بن محمد عن كليب بن خلف، عن إدريس بن حنظلة، والمفضل عن جده، وعلي بن مجاهد عن خالد ابن عبد العزيز؛ أن يزيد بن المهلب ولى جهم بن زحر جرجان حين شخص عنها، فلما كان من أمر يزيد ما كان وجه عامل العراق من العراق والياً على جرجان، فقدم الوالي عليها من العراق، فأخذه جهم فقيده وقيد رهطاً قدموا معه، ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجراح بخراسان، فأطلق أهل جرجان عاملهم، فقال الجراح لجهم: لولا أنك ابن عمي لم أسوغك هذا، فقال له جهم: ولو لا أنك ابن عمي لم آتك - وكان جهم سلف الجراح من قبل ابنة حصين بن الحارث وابن عمه، لئن الحكم وجعفي ابن سعد - فقال له الجراح خالفة إمامك، وخرجت عاصياً، فاغزو لعلك أن تظفر، فيصلح أمرك عند خليفتك. فوجهه إلى الختل، فخرج، فلما قرب منهم سار متنكراً في ثلاثة، وخلف في عسكره ابن عمه القاسم بن حبيب - وهو ختنه على ابنته أم الأسود - حتى دخل على صاحب الختل فقال له: أخلني، فأخلاه، فاعتزا، فنزل صاحب الختل عن سريره وأعطاه حاجته - ويقولون: الختن موالي النعمان وأصاب مغنماً؛ فكتب الجراح إلى عمر: وأوفد وفداً؛ رجلين من العرب، ورجلا من الموالي من بني ضبة، ويكني أبا الصيداء واسمه صالح بن طريف، كان فاضلا في دينه. وقال بعضهم: المولى سعيد أخو خالد أو يزيد النحو. فتكلم العربيان والآخر جالس فقال له عمر: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، فما يمنعك من الكلام!قال: يا أمير المؤمنينعشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج منه، وأميرنا عصبي جاف يقوم على منبرنا، فيقول آتيتك حفياً، وأنا اليوم عصبي! والله لرجل من قومي أحب إلي من مائة من غيرهم. وبلغ من جفائه أن كم درعه يبلغ نصف درعه، وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد علم بالظلم والعدوان. فقال عمر: إذاً مثلك فيلوفد. وكتب عمر إلى الجراح: إنظر من صلى قبلك إلى القبلة، فضع عنه الجزية. فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح إ ن الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفوراً من الجزية؛ فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه داعياً ولم يبعثه خاتناً. وقال عمر: ابغوني رجلاً صدوقاً، أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدته، عليك بأبي مجلس. فكتب إلى الجراح: أن أقبل واحمل أبا مجلس وخلف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نعيم الغامدي وعلى جزيتها عبيد الله - أو عبد الله - بن حبيب. فخطب الجراح فقال: يا أهل خراسان، جئتكم في ثيابي هذه التي على وعلى فرسي لم أصب من مالكم إلا حلية سيفي - ولم يكن عنده إلا فرس قد شاب وجهه، وبغلة قد شاب وجهها؛ فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم، فلما قدم قال له عمر: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان، قال: قد صدق من وصفك بالجفاء هلا أقمت حتى تفطر ثم تخرج! وكان الجراح يقول: أنا والله عصبي عقبي - يريد من العصبية. وكان الجراح لما قد خراسان كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قوماً قد أبطرتهم الفتنة فهم ينزون فيها نزواً، أحب الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حق الله عليهم، فليس يكفهم إلا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلا بإذنك. فكتب إليه عمر: يا بن أم الجراح، أنت أحرص على الفتنة منهم؛ لا تضربن مؤمناً ولا معاهداً سوطاً إلا في حق، واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصدور، وتقرأ كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ولما أراد الجراح الشخوص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفاً. وقال بعضهم: عشرة آلاف من بيت المال. وقال: هي على سلفاً حتى أؤديها إلى الخليفة، فقدم على عمر، فقال له عمر: متى خرجت؟ قال: لأيام بقين من شهر رمضان وعلي دين فاقده؛ قال: لو أقمت حتى تفطر ثم خرجت قضيت عنك. فأدى عنه قومه في أعطياتهم. ذكر الخبر عن سبب تولية عمر بن عبد العزيز عبد الرحمن بن نعيم وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري خراسان وكان سبب ذلك - فيما ذكر لي - أن الجراح بن عبد الله لما شكى، واستقدمه عمر بن عبد العزيز، فقدم عليه عزله من خراسان لما قد ذكرت قبل. ثم إن عمر لما أراد استعمال عامل على خراسان، قال - فيما ذكر على ابن محمد عن خارجة بن مصعب الضبعي وعبد الله بن المبارك وغيرهما: ابغوني رجلا صدوقاً أسأله عن خراسان، فقيل له: أبو مجلس لاحق بن حميد. فكتب فيه، فقدم عليه - وكان رجلا لا تأخذه العين - فدخل أبو مجلس على عمر في جفة الناس، فلم يثبته عمر، وخرج مع الناس فسأل عنه فقيل: دخل مع الناس ثم خرج فدعا به عمر ثم قال: يا أبا مجلس، لم أعرفك، قال: فهلا أنكرتني إذ لم تعرفني! قال: أخبرني عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: يكافئ الأكفاء، ويعادي الأعداء وهو أمير يفعل ما يشاء ويقدم إن وجد من يساعده. قال: عبد الرحمن بن نعيم، قال: ضعيف لين يحب العافية، وتأتي له، قال: الذي يحب العافية وتأتي له أحب إ لي، فولاه الصلاة والحرب وولى عبد الرحمن القشيري، ثم أخذ بني الأعور بن قشير الخراج، وكتب إلى أهل خراسان: إني استعملت عبد الرحمن على حربكم وعبد الرحمن بن عبد الله على خراجكم عن غير معرفة مني بهما ولا اختيار، إلا ما أخبرت عنهما؛ فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله، وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال علي: وحدثنا أبو السرة الأزدي، عن إبراهيم الصائغ، أن عمر ابن عبد العزيز كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم: أما بعد، فكن عبداً ناصحاً لله في عباده، ولا يأخذك في الله لومة لائم؛ فإن الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، فلا تولين شيئاً من أمر المسلمين إلا بالمعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيما استرعى. وإياك أن يكون ميلك ميلاً إلى غير الحق، فإن والله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهباً؛ فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. قال علي، عن محمد الباهلي وأبي نهيك بن زياد وغيرهما: إن عمرو بن عبد العزيز بعث بعهد عبد الرحمن بن نعيم على حرب خراسان وسجستان مع عبد الله بن صخر القرشي، فلم يزل عبد الرحمن بن نعيم على خراسان وحتى مات عمر بن عبد العزيز، وبعد ذلك حتى قتل يزيد بن المهلب، ووجه مسلمة سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم، فكانت ولايته أكثر من سنة ونصف، وليها في شهر رمضان من سنة مائة، وعزل سنة اثنتين ومائة، بعد ما قتل يزيد بن المهلب. قال علي: كانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهراً. أول الدعوة قال أبو جعفر: وفي هذه السنة - أعني سنة مائة - وجه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من أرض الشراة ميسرة إلى العراق، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج - وهو أبو محمد الصادق - وحيان العطار خال إبراهيم ابن سلمة إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح بن عبد الله الحكمي من قبل عمر بن عبد العزيز، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا، ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي، فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها ميسرة إلى محمد بن علي، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي إثنى عشر رجلاً، نقباء، منهم سليمان ابن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود، من بني عمرو بن شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميمي وعمران بن إسماعيل أبو النجم، مولى لآل أبي معيط ومالك بن الهيثم الخزاعي وطلحة ابن زريق الخزاعي وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى الخزاعة. وشبل بن طهمان أبو علي الهروي؛ مولى لبني حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة؛ واختار. سبعين رجلاً، فكتب إليهم محمد بن علي كتاباً ليكون لهم مثالاً وسيرة يسيرون بها. وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن مروان بن حزم، حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان عمال الأمصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل ما خلا عامل خراسان؛ فإن عاملها كان في آخرها عبد الرحمن بن نعيم على الصلاة والحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج. ثم دخلت سنة إحدى ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر هرب يزيد بن المهلب من سجنه في ذلك ما كان من هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز. ذكر الخبر عن سبب هربه منه وكيف كان هربه منه: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن عمر بن عبد العزيز لما كلم في يزيد بن المهلب حين أراد نفيه إلى دهلك، وقيل له: إنا نخشى أن ينتزعه قومه، رده إلى محبسه، فلم يزل في محبسه ذلك حتى بلغه مرض عمر، فأخذ يعمل في الهرب من محبسه مخافة يزيد بن عبد الملك؛ لأنه كان قد عذب أصهاره آل أبي عقيل - كانت أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف عند يزيد بن عبد الملك، فولدت له الوليد بن يزيد المقتول - فكان يزيد بن عبد الملك قد عاهد الله لئن أمكنه الله من يزيد بن المهلب ليقطعن منه طابقاً فكان يخشى ذلك، فبعث يزيد بن المهلب إلى مواليه، فأعدوا له إبلاً؛ وكان مرض عمر في دير سمعان، فلما اشتد مرض عمر أمر بإبله فأتى بها، فلما تبين له أنه قد ثقل نزل من محبسه، فخرج حتى مضى إلى المكان الذي واعدهم فيه؛ فلم يجدهم جاؤوا، فجزع أصحابه وضجروا، فقال لأصحابه: أترونني أرجع إلى السجن! لا والله لا أرجع إليه أبداً. ثم إن الإبل جاءت، فاحتمل، فخرج ومعه عاتكة امرأته ابنة الفرات ابن معاوية العامرية من بني البكاء في دمشق المحمل، فمضى. فلما جاز كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني والله لو علمت أنك تبقى ما خرجت من محبسي؛ ولكني لم آمن يزيد بن عبد الملك. فقال عمر: اللهم إن كان يزيد يريد بهذه الأمة شراً فاكفهم شره، واردد كيده في نحره. ومضى يزيد بن المهلب حتى مر بحدث الزقاق، وفيه الهذيل بن زفر معه قيس، فاتبعوا يزيد بن المهلب حيث مر بهم، فأصابوه طرفاً من ثقله وغلمة من وصفائه، فأرسل الهذيل بن زفر في آثارهم، فردهم فقال: ما تطلبون؟ أخبروني، أتطلبون يزيد بن المهلب أو أحداً من قومه بتبل؟ فقالوا: لا، قال: فما تريدون؟ إنما هو رجل كان في إسار، فخاف على نفسه فهرب. وزعم الواقدي أن يزيد بن المهلب إنما هرب من سجن عمر بعد موت عمر. خبر وفاة عمر بن عبد العزيز وفي هذه السنة توفي عمر بن عبد العزيز، فحدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عبيى، عن أبي معشر، قال: توفي عمر بن عبد العزيز لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وكذلك قال محمد بن عمر، حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: اخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمرو بن عثمان، قال: مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وقال هشام عن أبي مخنف: مات عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لخمس بقين من رجب بدير سمعان في سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر. ومات بدير سمعان. حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عمي الهيثم بن واقد ، قال: ولدت سنة سبع وتسعين، واستخلف عمر بن عبد العزيز بدابق يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، فأصابني من قسمه ثلاثة دنانير، وتوفي بخناصرة يوم الأربعاء لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وكان شكوه عشرين يوماً، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، ومات وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، ودفن بدير سمعان. وقد قال بعضهم: كان له يوم توفي تسع وثلاثون سنة، وخمسة أشهر. وقال بعضهم: كان له أربعون سنة. وقال هشام: توفي عمر وهو ابن أربعين سنة وأشهر، وكان يكنى أبا حفص وله يقول عويف القوافي. وقد حضره في جنازة شهدها معه: أحبني أبا حفص لقيت محمدا ... على حوضه مستبشراً ورآكا فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدة ... شمالك خير من يمين سواكا وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان يقال له : أشج بني أمية، وذلك أن دابة من دواب أبيه كانت شجته فقيل له: أشج بني أمية. حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: كنت أسمع ابن عمر كثيراً يقول: ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر، في وجهه علامة، يملأ الأرض عدلا ! وحدثت عن منصور بن أبي مزاحم، قال: حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابة وهو غلام بدمشق، فأتيت به أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضمته إليها، وجعلت تمسح الدم عن وجهه. ودخل أبوه عليها على تلك الحال، فأقبلت عليه تعذله وتلومه، وتقول: ضيعت ابني، ولم تضم إليه خادماً ولا حاضناً يحفظه من مثل هذا! فقال لها: اسكتي يا أم عاصم، فطوباك إذ كان أشج بني أمية! ذكر بعض سيره ذكر علي بن محمد أن كليب بن خلف حدثهم عن إدريس بن حنظلة، والمفضل، عن جده، وعلي بن مجاهد عن خالد: أن عمر بن عبد العزيز كتب حين ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب: أما بعد، فإن سليمان كان عبداً من عبيد الله أنعم الله عليه، ثم قبضه واستخلفني، ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس على بهيم، ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقاد أموال، كان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً، ومسألة غليظة، إلا ما عافى الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك. فلما قدم الكتاب على يزيد بن المهلب، ألقاه إلى أبي عيينة، فلما قرأه قال: لست من عماله، قال: ولم؟ قال: ليس هذا كلام من مضى من أهل بيته، وليس يريد أن يسلك مسلكهم. فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه. قال: ثم كتب إلى عمر إلى يزيد استخلف على خراسان، وأقبل، فاستخلف ابنه مخلداً. قال علي: وحدثنا علي بن مجاهد، عن عبد الأعلى بن منصور، عن ميمون بن مهران، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم أن العمل والعلم قريبان، فكن عالماً بالله عاملا له، فإن أقواماً علموا ولم يعملوا، فكان علمهم عليهم وبالاً. قال وأخبرنا مصعب بن حيان، عن مقاتل بن حيان، قال: كتب عمر إلى عبد الرحمن: أما بعد، فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين. قال علي: أخبرنا كليب بن خلف، عن طفيل بن مرداس، قال: كتب عمر إلى سليمان بن أبي السرة، أن اعمل خانات في بلادك فمن مر بك من المسلمين فقروهم يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم، فمن كانت به علة فقروه يومين وليلتين، فإن كان منقطعاً به فقووه بما يصل به إلى بلده. فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند لسليمان: إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة. فأذن لهم، فوجهوا منهم قوماً، فقدموا على عمر، فكتب لهم عمر إلى سليمان ابن أبي السرة: إن أهل سمرقند قد شكوا إلى ظلماً أصابهم. وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي الناجي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحاً جديداً أو ظفراً عنوة، فقال أهل السغد: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حرباً. فتراضوا بذلك، فقال أهل الرأي: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وآمنونا وأمناهم، فإن حكم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن يكون الظفر. وإن لم يكن لنا كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازع. فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا. قال: وكتب عمر إلى عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم. قال: فأبوا وقالوا: لا يسعنا مرو. فكتب إلي عمر بذلك، فكتب إليه عمر: اللهم إني قد قضيت الذي علي، فلا تغز بالمسلمين. فحسبهم الذي قد فتح الله عليهم. قال: وكتب إلى عقبة بن زرعة الطائي - وكان قد ولاه الخراج بعد القشيري: إن للسلطان أركاناً لايثبت إلا بها، فا لوالي ركن، والقاضي ركن وصاحب بيت المال ركن والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغر أهم إلي، ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج وأحرز في غير ظلم، فإن يك كفافاً لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي حتى أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم. قال: فقدم عقبة فوجد خراجهم يفضل عن أعطياتهم، فكتب إلى عمر فأعلمه، فكتب إليه عمر: أن اقسم الفضل في أهل الحاجة. وحدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: سمعت عبد الله يقول عن محمد بن طلحة، عن داود ابن سليمان الجعفي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد، سلام عليك؛ أما بعد؛ فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة استنهى عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم. ولا تحمل خراباً على عامر. ولا عامراً على خراب، انظر الخراب فخذ منه ما أطاق. وأصلحه حتى يعمر. ولا يؤخذ من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض. ولا تأخذن في الخراج إلا وزن سبعة ليس لها آيين ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان. ولا ثمن الصحف. ولا أجور الفيوج، ولا أجور البيوت ولا دراهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض؛ فاتبع في ذلك أمري؛ فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب؛ حتى تراجعني فيه. وانظر من أراد من الذرية أن يحج، فعجل له مائتى يحج بها، والسلام. حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبوية، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني عبد الله، عن شهاب بن شريغة المجاشعي، قال: الحق عمر بن عبد العزيز ذراري الرجال الذين في العطايا أقرع بينهم، فمن أصابته القرعة جعله في المائة، ومن لم تصبه القرعة جعله في الأربعين، وقسم في فقراء أهل البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم ؛ فأعطى الزمني خمسين خمسين. قال: وأراه رزق الفطم. حدثني عبد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الفضيل، عن عبد الله قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشام: سلام عليكم ورحمة الله، أما بعد؛ فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامه، ومن علم أن الموت حق رضي باليسير، والسلام. قال علي بن محمد: وقال أبو مجلس لعمر: إنك وضعتنا بمنقطع التراب، فاحمل إلينا الأموال. قال: يا أبا مجلس: قلبت الأمر، قال: يا أمير المؤمنين أهو لنا أم لك؟ قال: بل هو لكم إذا قصر خراجكم عن أعطياتكم، قال: فلا أنت تحمله إلينا، ولا نحمله إليك، وقد وضعت بعضه على بعض قال: أحمله إليكم إن شاء الله. ومرض من ليلته فمات من مرضه. وكانت ولاية عبد الرحمن بن نعيم خراسان ستة عشر شهراً. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة توفي عمارة بن أكيمة الليثي، ويكني أبا الوليد، وهو ابن تسع وسبعين. زيادة في سيرة عمر بن عبد العزيز ليست من كتاب أبي جعفر إلى أول خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان روى عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، قال: حدثنا رجل في مسجد الجنابذ أن عمر بن عبد العزبز خطب الناس بخناصرة، فقال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سداً؛ وإن لكم عاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض ألا واعلموا أنما الأمان غداً لمن حذر الله وخافه، وباع نافداً بباق، وقليلة بكثير وخوفاً بأمان. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين! وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتغيبونه في صدع من الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحبة، وخلع الأسباب، فسكن التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، فقير إلى ما قدم، غنى عما ترك. فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه. ويم الله إني لا أقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما عندي؛ فاستغفر الله وأتوب إليه. وما منكم من أحد تبلغن عنه حاجة إلى أحببت أن أسد من حاجته ما قدرت عليه، وما منكم أحد يسعه ما عندنا إلا وددت أنه سداي ولاحمى، حتى يكون عيشنا وعيشه سواء. وايم الله أن لو أردت غير هذا من الغضارة والعيش؛ لكان اللسان مني به ذلولا عالماً بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة يدل فيها على طاعته، وينهى عن معصيته. ثم رفع طرف ردائه فبكى حتى شهق وأبكى الناس حوله، ثم نزل فكانت إياها لم يخطب بعدها حتى مات رحمه الله. روى خلف بن تميم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعد، قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز مات ابن له، فكتب عامل له يعزيه عن ابنه فقال لكاتبه: أجبه عني، قال: فأخذ الكاتب يبري القلم، قال: فقال للكاتب: أدق القلم، فإنه أبقى للقرطاس، وأوجز للحروف، واكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم " . أما بعد، فإن هذا الأمر أمر قد كنا وطنا أنفسنا عليه، فلما نزل لم ننكره، والسلام. روى منصور بن مزاحم، قال: حدثنا شعيب - يعني ابن صفوان عن ابن عبد الحميد، قال: قال عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه؛ فاتقوا الله، فإنها نصيحة لكم في دينكم، فاقبلوها، وموعظة منجية في العواقب فالزموها. الرزق مقسوم فلن يغدر المؤمن ما قسم له، فأجعل في الطلب، فإن في القنوع سعى وبلغى وكفافاً، إن أجل الدنيا في أعناقكم، وجهم أمامكم، وما ترون ذاهب، وما مضى فكأن لم يكن، وكل أموات عن قريب، وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق؛ وبعد فراغه وقد ذاق الموت، والقوم حوله يقولون: قد فرغ رحمه الله! وعاينتم تعجيل إخراجه، وقسمة تراثه ووجهه مفقود، وذكره منسى، وبابه مهجور، وكأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا هول يوم لا تحقر فيه مثقال ذرة في الموازين. روى سهل بن محمود؛ قال: حدثنا حرملة بن عبد العزيز، قال: حدثني أبي، عن ابن العمر بن عبد العزيز، قال: أمرنا عمر أن نشتري موضع قبره، فاشتريناه من الراهب، قال: فقال بعض الشعراء: أقول لما نعى الناعون لي عمرا ... لا يبعدن قوام العدل والدين قد غادر القوم بالحد الذي لحدوه ... بدير سمعان قسطاس الموازين روى عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، قال: قال عمر بن عبد العزيز: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه، والرضا قليل، ومعول المؤمن الصبر، وما أنعم الله عليه عبد نعمت ثم انتزها منه فأعاضه ممن انتزع منه الصبر إلا كان ما أعاضه خيراً ممن انتزع منه، ثم قرأ هذه الآية: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " وقدم كتابه على عبد الرحمن بن نعيم: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار صولحتم عليه، ولا تحدثن كنيسة ولا بيت نار، ولا تجر الشاة إلا مذبحها، ولا تحدوا الشفرة على رأس الذبيحة، ولا تجمعوا بين الصلاتين إلا من عذر. روى عفان بن مسلم، عن عثمان بن عبد الحميد، قال: حدثنا أبي، قال: بلغنا أن فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز قالت: اشتد علزه ليلة، فسهر وسهرنا معه، فلما أصبحنا أمرت وصيفاً له يقال له مرثد، فقلت له: يا مرثد، كن عند أمير المؤمنين، فإن كانت له حاجة كنت قريباً منه. ثم انطلقنا فضربنا برءوسنا لطول سهرنا، فلما انفتح النهار استيقظت فتوجهت إليه، فوجدت مرثداً خالجاً من البيت نائماً، فأيقظته فقلت: يا مرثد، ما أخرجك؟ قال: هو أخرجني، قال: يا مرثد؛ اخرج عني! فوالله إني لا أرى شيئاً ماهو بالإنس ولا جان، فخرجت وسمعته يتلو هذه الآية: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوة في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " ، قال: فدخلت عليه فوجدته قد وجه نفسه، وأغمض عينيه وإنه لميت رحمه الله. خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروانوفيها ولى يزيد بن عبد الملك بن مروان، وكنيته أبو خالد وهو ابن تسع وعشرين سنة في قول هشام بن محمد؛ ولما ولى الخلافة نزع عن المدينة أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، فقدمها - فيما زعم الواقدي - يوم الأربعاء لليال بقين من شهر رمضان فاستقضى عبد الرحمن سلمى بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي. وذكر محمد بن عمر أن عبد الجبار بن عمارة حدثه عن أبي بكر بن حزم، أنه قال: لما قدم عبد الرحمن بن الضحاك ا لمدينة وعزلني، دخلت عليه، فسلمت فلم يقبل على، فقلت: هذا شيء لا تملكه قريش للأمصار، فرجعت إلى منزلي وخفته - وكان شاباً مقداماً فإذا هو يبلغني عنه أنه يقول: ما يمنع ابن حزم أن يأتيني إلا الكبر، وإني لعالم بخيانته؛ فجاءني ماكنت أحذر وما استيقن من كلامه، فقلت للذي جاءني بهذا: قل له: ما الخيانة لي بعادة، وما أحب أهلها، والأمير يحدث نفسه بالخلود في سلطانه، كم نزل هذه الدار من أمير وخليفة قبل الأمير فخرجوا منها وبقيت أثارهم أحاديث إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً! فاتق الله ولا تسمع قول ظالم أو حاسد على نعمة. فلم يزل الأمر يترقى بينهما، حتى خاصم إليه رجل من بني فهرو أخر من بني النجار - وكان أبو بكر قضى للنجار على الفهر في أرض كانت بينهما نصفين، فدفع أبو بكر الأرض إلى النجار - فأرسل الفهري إلى النجار وإلى أبي بكر بن حزم، فأحضرهما ابن الضحاك، فتظلم الفهري من أبي بكر بن حزم، وقال: أخرج مالي من يدي، فدفعه إلى هذا النجاري، فقال أبو بكر: اللهم غفراً! أما رأيتني سألت أياماً في أمرك وأمر صاحبك، فاجتمع لي علي اخراجها من يدك، وأرسلتك إلى من أفتاني بذلك: سعيد بن المسيب وأبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألتهما؟ فقال الفهري: بلى، وليس يلزمني قولهما. فانكسر ابن الضحاك فقال: قوموا، فقاموا، فقال للفهري: تقر له أنك سألت من أفتاه بهذا، ثم تقول ردها علي! أنت أرعن، إذهب فلاحق لك؛ فكان أبو بكر يتقيه ويخافه، حتى كلم ابن حيان يزيد أن نقيده من أبي بكر؛ فإنه ضربه حدين، فقال يزيد: لا أفعل، رجل اصتنعه أهل بيتي؛ ولكني أوليك المدينة. قال: لا أريد ذلك، لو ضربته بسلطاني لم يكن لي قوداً. فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك كتاباً: أما بعد فانظر فيما ضرب ابن حزم بن حيان، فإن كان ضربه في أمر بين فلا تلتفت إليه، وإن كان ضربه في أمر يختلف فيه فلا تلتفت إليه، فإن كان ضربه في أمر غير ذلك فأقده منه. فقدم بالكتاب على عبد الرحمن بن الضحاك، فقال عبد الرحمن: ما جئت بشيء، أترى ابن حزم ضربك في أمر لا يختلف فيه ! فقال عثمان لعبد الرحمن: إن أردت أن تحسن أحسنت، قال: الآن أصبت المطلب، فأرسل عبد الرحمن إلى ابن حزم فضربه حدين في مقام واحد، ولم يسأله عن شيء. فرجع أبو المغراء بن حيان وهو يقول: أنا أبو المغراء بن الحيان، والله ما قربت النساء من يوم صنع بي ابن أبي حزم ما صنع حتى يومي هذا، واليوم أقرب النساء! مقتل شوذب الخارجي قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل شوذب الخارجي. ذكر الخبر عن مقتله: قد ذكرنا قبل الخبر عما كان من مراسلة شوذب عمر بن عبد العزيز لمناظرته في خلافه عليه، فلما مات عمر أحب - فيما ذكر معمر بن المثنى - عبد الحميد بن عبد الرحمن أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك، فكتب إلي محمد بن جيرير يأمره بمحاربة شوذب وأصحابه، ولم يرجع رسول شوذب، ولم يعلم بموت عمر،فلما رأوا أن محمد بن جرير يستعد للحرب،أرسل إليه شوذب: ما أعجلك قبل انقضاء المدة فيما بيننا وبينكم! أليس قد تواعدنا إلى أن يرجع رسول شوذب! فأرسل إليهم محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحالة - قال غير أبي عبيدة: فقالت الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح. قال معمر بن المثنى: فبرز لهم شوذب، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفر، وأكثروا في أهل القبلة القتل، وتولوا منهزمين، والخوارج في أعقابهم تقتل حتى بلغوا أخصاص الكوفة، ولجئوا إلى عبد الحميد، وجرح محمد بن جرير في أستة، ورجع شوذب إلى موضع فأقام ينتظر صاحبيه، فجاءاه فأخبراه بما صار عليه عمر، وأن قد مات. فأقر يزيد عبد الحميد على الكوفة، ووجه كم قبله تميم بن الحباب في ألفين، فراسلهم وأخبرهم أن يزيد لا يفارقهم على ما فارقهم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد، فحاربهم فقتلوه وهزموا أصحابه، فلجأ إلى الكوفة ورجع الآخرون إلى يزيد، فوجه إليهم نجدة بن الحكم الأزدي في جمع فقتلوه، وهزموا أصحابه، فوجه إليهم الشحاج بن وداع في ألفين، فراسلهم وراسلوه، فقتلوه، وقتل منهم نفراً فيهم هدبة اليشكري؛ ابن عم بسطام - وكان عابداً - وفيهم أبو شبيل مقاتل ابن شيبان - وكان فاضلاً عندهم - فقال أبو ثعلبة أيوب بن خولى يرثيهم: تركنا تميماً في الغبار ملحباً ... تبكى عليه عرسه وقراشبه وقد أسلمت قيس تميماً ومالكاً ... كما أسلم الشحاج أمس أقاربه وأقبل من حران يحمل راية ... يغالب أمر الله والله غالبه فيا هدب للهيجا، ويا هدب للندى ... ويا هدب للخصم الألد يحاربه! ويا هدب كم من ملحم قد أجبته ... وقد أسلمت للرياح جوالبه وكان أبو شيبان خير مقاتل ... يرجى ويخشى بأسه من يحاربه ففاز ولاقى الله بالخير كله ... وخذمه بالسيف في الله اربه تزود من دنياه درعاً ومغفراً ... وعصباً حساماً لم تخنه مضاربه واجرد محبوك السراة كأنه ... إذا انقضوا في الريش حجن مخالبه فلما دخل مسلمة الكوفة شكا إليه مكان شوذب، وخوفهم منه وما قد قتل منهم، فدعا مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي - وكان فارساً - فعقد لع على عشرة آلاف، ووجهه إليه وهو مقيم بموضعه، فأتاه ما لا طاقة له به. فقال شوذب لأصحابه: من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة، ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، وإنما البقاء في الدار الآخرة؛ فكسروا أغماد السيوف وحملوا. فكشفوا سعيداً وأصحابه مراراً؛ حتى خاف الفضيحة فذمر أصحابه، وقال لهم: أمن هذه الشرذمة لا أبالكم تفرون! يا أهل الشام يوماً كأيامكم! قال: فحملوا عليهم فطحنوهم طحناً لم يبقوا منهم أحداً، وقتلوا بسطاماً وهو شوذب وفرسانه، منهم الريان بن عبد الله اليشكري، وكان من المخبتين، فقال أخو شمر بن عبد الله يرثيه: ولقد فجعت بسادة وفوارس ... للحرب سعر من بني شيبان أعتاقهم ريب الزمان فغالهم ... وتركت فرداً غير ذي إخوان كمدا تجلجل في فؤادي حسره ... كالنار من وجد على الريان وفوارس باعوا الإله نفوسهم ... من يشكر عند الوغى فرسان وقال حسان بن جعدة يرثيهم: يا عين أذري دموعاً منك تسجاما ... وأبكي صحابة بسطام وبسطاما فلن ترى أبداً ماعشت مثلهم ... أتقي وأكمل في الأحلام أحلاما بسيهم قد تأسوا عند شدتهم ... ولم يريدوا من الأعداء إحجاما حتى مضوا للذي كانوا له خرجوا ... فأورثونا منارات وأعلاما إني لأعلم أن قد أنزلوا غرفاً ... من الحنان ونالوا ثم خداما أسقى الإله بلاداً كان مصرعهم ... فيها سحاباً من الوسمى سجاما خبر خلع يزيد بن المهلب يزيد بن عبد الملكقال أبو جعفر: وفي هذه السنة لحق يزيد بن المهلب بالبصرة، فغلب عليها، وأخذ عامل يزيد بن عبد الملك عليها عدي بن أرطاة الفزاري، فحبسه وخلع يزيد بن عبد الملك. ذكر الخبر عن سبب خلعه يزيد بن عبد الملك وما كان من أمره وأمر يزيد في هذه السنة قد مضى ذكرى خبر يزيد بن المهلب من محبسه الذي كان عمر بن عبد العزيز حبسه فيه، ونذكر الآن ما كان من صنيعه بعد هربه في هذه السنة - أعني سنة إحدى ومائة. ولما مات عمر بن عبد العزيز بويع يزيد بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه عمر، وبلغه هرب يزيد بن المهلب، فكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن يأمره أن يطلب ويستقبله، وكتب إلى عدي بن أرطاة يعلمه هربه، ويأمره أن يتهيأ لاستقباله، وأن يأخذ من كان بالبصرة من أهل بيته. فذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، أن عدي بن أرطاة أخذهم وحبسهم، وفيهم المفضل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب حتى مر بسعيد بن عبد الملك بن مروان، فقال يزيد لأصحابه: ألا نعرض لهذا فنأخذه فنذهب به معنا! فقال لأصحابه: لا بل امض بنا ودعه.وأقبل يسير حتى ارتفعفوق القطقطانة، وبعث عبد الحميد بن عبد الرحمن هشام ابن مساحق بن عبد الله بن محرمة بن عبد العزيز بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي، في ناس من أهل الكوفة من الشرط ووجوه الناس وأهل القوة، فقال له: انطلق حتى تستقبله فإنه اليوم يمر بجانب العذيب. فمشى هشام قليلاً، ثم رجع إلى عبد الحميد، فقال: أجيئك به أسيراً أم آتيك برأسه؟ فقال: أي ذلك ما شئت، فكان يعجب لقوله ذلك من سمعه، وجاء هشام حتى نزل العذيب، ومر يزيد منهم غير بعيد، فاتقوا الإقدام عليه، ومضى يزيد نحو البصرة، ففيه يقول الشاعر: وسار ابن المهلب لم يعرج ... وعرس ذو القطيفة من كنانه وياسر والتياسر كان حزماً ... ولم يقرب قصور القطقطانة ذو القطيفة هو محمد بن عمرو، وهو أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أبو قطيفة؛ وإنما سما ذا القطيفة، لنه كان كثير شعر اللحي والوجه والصدر. ومحمد يقال له ذو الشامة. فلما جاء يزيد بن المهلب انصرف هشام بن مساحق إلى عبد الحميد، ومضى يزيد إلى البصرة، وقد جمع عدي بن أرطاة إليه أهل البصرة وخندق عليها، وبعث على خيل البصرة المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي. وكان عدي بن أرطاة رجلاً من بني فزارة. وقال عبد الملك بن المهلب لعدي بن أرطاة: خذ ابني حميداً فاحبسه مكاني، وأنا أضمن لك أن أرد يزيد عن البصرة حتى يأتي فارس، ويطلب لنفسه الأمان ولا يقربك فأبى عليه، وجاء يزيد ومعه أصحابه الذين أقبل فيهم، والبصرة محفوفة بالرجال، وقد جمع محمد بن المهلب - ولم يكن ممن حبس - رجالاً وفتية من أهل بيته وناساً من مواليه، فخرج حتى استقبله، فأقبل في كتيبة تهول من رآها، وقد دعا عدي أهل البصرة، فبعث على كل خمس من أخماسها رجلاً، فبعث على خمس الأزد المغيرة بن زياد بن عمرو التكي، وبعث على خمس بني تميم محرز بن حمران السعدي من بني منقر، وعلى خمس بكر بن وائل عمران بن عامر ابن مسمع من بني قيس بن ثعلبة. فقال أبو منقر - رجل من قيس بن ثعلبة - : إن الراية لا تصلح إلا في بني مالك بن مسمع، فدعا عدي نوح بن شيبان ابن مالك بن مسمع، فعقد له على بكر بن وائل، فدعا مالك بن المنذر بن الجارود، فعقد له على عبد القيس، ودعا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، فعقد له على أهل العالية - والعالية قريش وكنانة والأزد وبجيلة وخثعم وقيس عيلان كلها ومزينة - وأهل العالية بالكوفة يقال لهم ربع أهل المدينة وبالبصرة خمس أهل العالية، وكانوا بالكوفة أخماساً، فجعلهم زياد بن عبيد أرباعاً. قال هشام عب أبي مخنف: وأقبل يزيد بن المهلب لا يمر بخيل من خيلهم ولا قبيلة من قبائلهم إلا تنحوا له عن السبيل حتى يمضي، واستقبله المغيرة ابن عبد الله الثقفي في الخيل، فحمل عليه محمد بن المهلب في الخيل، فأفرج له عن الطريق هو وأصحابه، وأقبل يزيد حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، واخذ يبعث إلى عدي بن أرطاة أن أدفع إلى إخوتي وأنا أصالحك على البصرة، وأخليك إياها حتى آخذ لنفسي ما أحب من يزيد بن عبد الملك، فلم يقبل منه، وخرج إلى يزيد بن عبد الملك حميد بن عبد الملك بن المهلب، فبعث معه يزيد بن عبد الملك خالد بم عبيد الله القسري وعمر بن يزيد الحكمي بأمان يزيد بن المهلب وأهل بيته، وأخذ يزيد بن المهلب يعطي من أتاه من الناس، فكان يقطع لهم الذهب وقطع الفضة، فمال الناس إليه، ولحق به عمران بن عامر بن مسمع ساخطاً على عدي بن أرطاة حين نزع منه رايته، راية بكر بن وائل، وأعطاها ابن عمه، ومالت إلى يزيد ربيعة وبقية تميم وقيس وناس بعد ناس؛ فيهم عبد الملك ومالك ابنا مسمع ومعه ناس من أهل الشام، وكان عدي لا يعطي إلا درهمين درهمين، ويقول: لا يحل لي أن أعطيكم من بيت المال درهماً إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذا حتى يأتي الأمر في ذلك، فقال الفرزدق في ذلك: أظن رجال الدرهمين يسوقهم ... إلى الموت آجال لهم ومصارع فأحزمهم من كان في قعر بيته ... وأيقن أن الأمر لا شك واقع وخرجت بنو عمرو بن تميم من أصحاب عدي، فنزلوا المربد، فبعث إليهم يزيد بن المهلب مولى له يقال له دارس؛ فحمل عليهم فهزمهم، فقال الفرزدق في ذلك: تفرقت الحمراء إذ صاح دارس ... ولم يصبروا تحت السيوف الصوارم جزى الله قيساً عن عدى ملامة ... ألا صبروا حتى تكون ملاحم وخرج بزبد بن المهلب حين أجمع الناس له الناس حتى نزل جبانة بني يشكر - وهو المنصف فيما بينه وبين القصر - وجاءته بنو تميم وقيس وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة، فحمل عليهم محمد بن المهلب، فضرب مسور بن عباد الحبطي بالسيف فقطع أنف البيضة، ثم أسرع السيف إلى أنفه، وحمل على هريم بن أبي طلحة من بني نهشل بن دارم، فأخذ بمنطقته، فحذفه عن فرسه فوقع؛ فيما بينه وبين الفرس، وقال: هيهات هيهات! عمك أثقل من ذلك. وانهزموا، وأقبل يزيد بن المهلب إثر القوم يتلوهم حتى دنا من القصر، فقاتلوهم وخرج إليه عدي بنفسه فقتل من أصحابه الحارث نب مصرف الأودي - وكان من أشراف أهل الشام وفرسان الحجاج - وقتل موسى بن الوجيه الحميري ثم الكلاعي، وقتل راشد المؤذن، وانهزم أصحاب عدي، وسمع إخوة يزيد وهم في محبس عدي الأصوات تدنو، والنشاب تقع في القصر، فقال لهم عبد الملك: إني أرى النشاب يقع في القصر، وأرى الأصوات تدنو، ولا أرى يزيد إلا قد ظهر، وإني لا آمن من مع عدي من مضر ومن أهل الشام أن يأتونا فيقتلونا قبل أن يصل إلينا يزيد إلى الدار، فأغلقوا الباب ثم أغلقوا عليه ثياباً. ففعلوا فلم يلبثوا إلا ساعة حتى جاءهم عبد الله بن دينار مولى ابن عمر، وكان على حرس عدي - فجاء يشتد إلى الباب هو واصحابه، وقد وضع بنو المهلب متاعاً على الباب، ثم اتكوا عليه، فأخذ الآخرون يعالجون الباب، فلم يستطيعوا الدخول، وأعجلهم الناس فخلوا عنهم.وجاء يزيد بن المهلب حتى نزل دار سلم بن زياد بن أبي سفيان إلى جانب القصر، وأتى بالسلاليم، فلم يلبث عثمان أن فتح القصر، وأتى بعدي ابن أرطاة، فهنئ وهو يبتسم، فقال له يزيد: لم تضحك؟ فوالله إنه لينبغي أن يمنعك من الضحك خصلتان: إحداهما الفرار من القتلة الكريمة حتى أعطيت بيدك إعطاء المرأة بيدها، فهذه واحدة، الأخرى أني أتيت بك تتل كما يتل العبد الآبق إلى أربابه، وليس معك مني عهد ولا عقد، فما يؤمنك أن أضرب عنقك! فقال عدي: أما أنت فقد قدرت علي، ولكني أعلم أن بقائي بقائك، وأن هلاكي مطلوب به من جرته يده؛ إنك قد رأيت جنود الله بالمغرب، وعلمت بلاء الله عندهم في كل موطن من مواطن الغدر والنكث، فتدارك فلتتك وزلتك بالتوبة واستقالة العثرة، قبل أن يرمي إليك البحر بأمواجه، فإن طلبت الاستقالة حينئذ لم تقل، وإن أردت الصلح وقد أشخصت القوم إليك وجدتهم لك مباعدين، وما لم يشخص القوم إليك فلم يمنعوك شيئاً طلبت الأمان على نفسك وأهلك ومالك. فقال له يزيد: أما قولك: إن بقاءك بقائي؛ فلا أبقاني الله حسوة طائر مذعور أن كنت لا يبقيني إلا بقاؤك؛ وأما قولك: إن هلاكي مطلوب به من جرته يده؛ فوالله لو كان في يدي من أهل الشام عشرة آلاف إنسان ليس فيهم رجل أعظم منزلة منك فيهم، ثم ضربت أعناقهم في صعيد واحد، لكان فراقي إياهم وخلافي عليهم أهول عندهم في صدورهم من قتل أولئك، ثم لو شئت أن تهدر لي دمائهم، وأن أحكم في بيوت أموالهم، ولن يجوزن لي عظيماً من سلطانهم، على أن أضع الحرب بيني وبينهم لفعلوا؛ فلا يخفين عليك أن القوم ناسوك لو قد وقعت أخبارنا إليهم. وأن أعمالهم وكيدهم لا يكون إلا لأنفسهم، لا يذكرونك ولا يحلفون بك. وأم قولك: تدارك أمرك واستقله وافعل وافعل؛ فوالله ما استشرتك، ولا أنت عندي بواد ولا نصيح؛ فما كان ذلك منك إلا عجزاً وفضلاً؛ فانطلقوا به، فلما ذهبوا به ساعة قال: ردوه، فلما رد قال: أما حبسي ليس إياك لحبسك بني المهلب ويضييقك عليهم فيما منا نسألك التسهيل فيع عليهم، فلم تكن تألوا ما عسرت وضيقت وخالفت؛ فكأنه لهذا القول حين سمعه امن على نفسه، واخذ عدي يحدث به كل من دخل عليه. وكان رجل يقال له السميدع الكندي من بني مالك بن ربيعة من ساكني عمان يرى رأي الخوارج، وكان خرج وأصحاب يزيد عدى مصطفون فاعتزل ومعه الناس من القراء، فقال طائفة من أصحاب يزيد وطائفة من أصحاب عدي: قد رضينا بحكم السميدع. ثم إن يزيد بعث إلى السميدع فدعاه إلى نفسه، فأجابه، فاستعملوا يزيد على الأبلة، فأقبل على الطيب والتخلق والنعيم، فلما ظهر يزيد بن المهلب هرب رؤوس أهل البصرة من قيس وتميم ومالك بن المنذر، فلحقوا بعبد الحميد بن عبد الرحمن بالكوفة، ولحق بعضهم بالشام، فقال الفرزدق: فداء لقوم من تميم تتابعوا ... إلى الشام لم يرضوا بحكم السميدع أحكم حرورى من الدين مارق ... أضل وأغوى من حمار مجدع فأجابه خليفة الأقطع. وما وجوهها نحوه عن وفادة ... ولا نهزة يرجى بها خير مطمع ولكنهم راحوا إليها وأدلجوا ... بأقرع أستاه ترى يوم مقرع وهم من حذار اقوم أن يلحقوا بهم ... لهم نزلة في كل خميس وأربع وخرج الحواري بن زياد بن عمرو العتكي يريد يزيد بن عبد الملك هارباً من يزيد بن المهلب، فلقي خالد عبد الله القسري وعمرو بن يزيد الحكمي ومعهما حميد بن عبد الملك بن المهلب قد أقبلوا من عند يزيد بن عبد الملك بأمان يزيد بن المهلب، وكل شيء أراده، فاستقبلهما، فسألاه عن الخبر فخلا بهما حين رأى معها حميد بن عبد الملك، فقال: أين تريدان؟ فقالا: يزيد بن المهلب، قد جئناه بكل شيء أراده، فقال: ما تصنعان بيزيد شيئاً، ولا يصنعه بكما؛ قد ظهر على عدوه عدي بن أرطاة، وقتل القتلى وحبس عدياً، فارجعا أيها الرجلان. ويمر رجل من باهلة يقال له مسلم بن عبد الملك، فلم يقف عليهما، فصايحاه وساءلاه، فلم يقف عليهما، فقال القسري: ألا ترده فتجلده مائة جلدة! فقال له صاحبه: غربه عنك، واملا لينصرف. ومضى الحواري إلى بزبد بن عبد الملك، وأقبلا بحميد بن عبد الملك معهما، فقال لهما حميد: أنشدكما الله أن تخالفا أمر يزيد ما بعثما به! فإن يزيد قابل منكما؛ وإن هذا واهل بيته لم يزالوا لنا أعداء، فأنشدكما الله أن تقبلا مقالته؛ فلم يقبلا قوله، وأقبلا به حتى دفعاه إلى عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وقد كان يزيد بن عبد الملك بعثه إلى خراسان عاملاً عليها. فلما بلغه خلع يزيد بن عبد الملك كتب إليه: إن جهاد من خالفك أحب إلي من عملي على خراسان، فلا حاجة لي فيها، فاجعلني ممن يوجهني إلى يزيد بن المهلب، وبعث بحميد بن عبد الملك إلى يزيد، ووثب عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب على خالد بن يزيد بن المهلب وهو بالكوفة وعلى حمال بن زحر الجعفي، وليسا ممن كان ينطق بشيء إلا أنهم عرفوا ما كان بينه وبين بني المهلب، فأوثقهما وسرحهما إلى يزيد بن عبد الملك، فحبسهما جميعاً، فلم يفارقوا السجن حتى هلكوا فيه. وبعث يزيد بن عبد الملك رجالاً من أهل الشام إلى الكوفة يسكنونهم، ويثنون عليهم بطاعتهم، ويمنونهم الزيادات منهم القطامي بن الحصين، وهو أبو الشرقي، واسم الشرقي الوليد، وقد قال القطامي حين بلغه ما كان من يزيد بن المهلب: لعل عيني أن ترى يزيدا ... يقود جيشاً حجفلا شديدا تسمع للأرض به وئيدا ... لا برماً هدا ولا حسودا ولا جباناً في الوغى رعديدا ... ترى ذوي التاج له سجودا مكفرين خاشعين قودا ... وآخرين رحبوا وفودا لا ينقض العهد ولا المعهودا ... من نفر كانوا هجاناً صيدا ترى لهم في كل يوم عيدا ... من الأعادي جزرا مقصودا ثم إن القطاني سار بعد ذلك إلى العقر حتى شهد قتال يزيد بن المهلب مع مسلمة بن عبد الملك، فقال يزيد بن المهلب: ما أبعد شعر القطامي من فعله! ثم إن يزيد بن عبد الملك بعث العباس بن الوليد في أربعة آلاف فارس؛ جريدة خيل، حتى وافوا الحيرة يبادر إليها يزيد بن المهلب، ثم أقبل بعد ذلك مسلمة بن عبد الملك وجنود أهل الشام، وأخذ على الجزيرة وعلى شاطئ الفرات فاستوثق أهل البصرة ليزيد بن المهلب، وبعث عماله على الأهواز وفارس وكرمان، عليها الجراح بن عد الله الحكمي حتى انصرف إلى عمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن نعيم الأزدي فكان على الصلاة. واستخلف يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن القشيري على الخراج، وجاء مدرك بن المهلب حتى انتهى إلى رأس المفازة فدس عبد الرحمن بن نعيم إلى بني تميم أن هذا مدرك بن المهلب يريد أن يلقي بينكم الحرب، وأنتم في بلاد عافية وطاعة وعلى جماعة، فخرجوا ليلاً يستقبلونه، وبلغ ذلك الأزد، فخرج منهم نحو من ألفي فارس حتى لحقوهم قبل أن ينتهوا إلى رأس المفازة، فقالوا لهم: ما جاء بكم؟ وما أخرجكم إلى هذا المكان؟ فاعتلوا عليهم بأشياء، ولم يقروا لهم أنهم خرجوا ليتلفوا مدرك بن المهلب، فقال لهم الآخرون، بل قد علمنا أن تخرجوا لتلقى صاحبنا، وهاهو ذا قريب؛ فما شئتم. ثم انطلقت الأزد حتى تلقوا مدرك بن المهلب على رأس المفازة، فقالوا له: إنك أحب الناس إلينا، وأعزهم علينا، وقد خرج أخوك ونابذه، فإن يظهره الله فإنما ذلك لنا، ونحن أسرع الناس إليكم أهل البيت وأحقه بذلك؛ وإن تكن الأخرى فوالله مالك في أن يغشانا ما يعيرنا من البلاء راحة. فعزم له رأيه على الانصراف، فقال ثابت قطنة، وهو ثابت بن كعب، من الأزد من العتيك: أم تر دوسراً منعت أخاها ... وقد حشدت لتقتله تميم رأوا من دونه الزرق العوالي ... وحياً ما يباح لهم حريم شنوعتها وعمران بن حزم ... هناك المجد والحسب الصميم فما حملوا ولكن نهنهتهم ... رماح الأزد والعز القديم رددنا مدركاً بمرد صدق ... وليس بوجهه منكم كلوم وخيل كالقداح مسومات ... لدى أرض مغانيها الجميم عليها كل أصيد دوسري ... عزيز لا يفر ولا يريم بهم تستعتب السفهاء حتى ... ترى السفهاء تردعها الحلوم قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني معاذ بن سعد أن يزيد لما استجمع له البصرة، قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم أخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويحث على الحهاد، ويزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثواباً من جهاد الترك والديلم. قال: فدخلت أنا والحسن البصري وهو واضع يده على عاتقي، وهو يقول: انظر هل ترى وجه رجل تعرفه؟ قلت: لا والله ما أرى وجه رجل أعرفه، قال: فهؤلاء والله الغثاء، قال: فمضينا حتى دنونا من المنبر. قال: فسمعته يذكر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم رفع صوته، فقال: والله لقد رأيناك والياً ومولى عليك، فما ينبغي لك ذلك. قال: فوثبنا عليه، فأخذنا بيده وفمه وأجلسناه؛ فوالله ما نشك أنه سمعه؛ ولكنه لم يلتفت أليه ومضى في خطبته. قال: ثم إنا خرجنا إلى باب المسجد، فإذا على باب المسجد النضر بن أنس ابن مالك يقول: يا عباد الله، ما تنقمون من أن تجيبوا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم! فوالله ما رأينا ذلك ولا رأيتموه منذ ولدتم إلا هذه الأيام من إمارة عمر بن عبد العزيز، فقال الحسن: سبحان الله! وهذا النضر بن أنس قد شهد أيضاً. قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني المثنى بن عبد الله أن الحسن البصري مر على الناس وقد اصطفوا صفين، وقد نصبوا الرايات والرماح، وهم ينتظرون خرو يزيد، وهم يقولون: يدعون يزيد إلى سنة العمرين، فقال الحسن: إنما كان يزيد بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون، ثم يسرح بها إلى بني مروان، يريد بهلاك هؤلاء رضاهم. فلما غضب غضبة نصب قصباً، ثم وضع عليها خرقاً، ثم قال: أني قد خالفتهم فخالفوهم. قال هؤلاء: نعم. وقال: إني أدعوكم إلى سنة العمرين، وإن من سنة العمرين أن يوضع قيد في رجله، ثم يرد إلى محبس عمر الذي فيه حبسه، فقال له ناس من أصحابه ممن سمع قوله: والله لكأنك يا أبا سعيد راض عن أهل الشام، فقال: أنا راض عن أهل الشام قبحم الله وبرحهم! أليس هم الذين أحلوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقتلون أهله ثلاثة أيام وثلاث ليال! قد أباحوهم لأنباطهم وأقباطهم، يحملون الحرائر ذوات الدين، لا يتناهون عن انتهاك حرمة ثم خرجوا إلى بيت الله الحرام، فهدموا الكعبة، وأوقدوا النيران بين أحجارها وأستارها، عليهم لعنة الله وسوء الدار! قال: ثم إن يزيد خرج من البصرة، واستعمل عليها مروان بن المهلب، وخرج معه بالسلاح وبيت المال، وأقبل حتى نزل واسطاً، وقد استشار أصحابه حين توجه نحو واسط، فقال: هاتوا الرأي، فإن أهل الشام قد نهضوا إليكم، فقال له حبيب، وقد أشار عليه غير حبيب أيضاً فقالوا: نرى أن تخرج وتنزل بفارس، فتأخذ بالشعاب وبالعقاب، وتدنوا من خراسان، وتطاول القوم، فإن أهل الجبال ينفضون إليك وفي يديك القلاع والحصون. فقال: ليس هذا برأيي، ليس يوافقني هذا؛ إنما تريدون أن تجعلوني طائراً على رأس جبل. فقال له حبيب: فإن الرأي الذي كان ينبغي أن يكون في أول الأمر قد فات، قد أمرتك حيث ظهرت على البصرة أن توجه خيلاً عليها أهل بيتك حتى ترد الكوفة، فإنما هو عبد الحميد بن عبد الرحمن، مررت به في سبعين رجلاً فعجز عنك؛ فهو عن خيلك أعجز في العدة، فنسبق إليها أهل الشام وعظماء أهلها يرون رأيك، وأن تلى عليهم أحب إلى جلهم من أن يلي عليهم أهل الشام، فلم تطعني، وأنا أشير الآن برأي؛ سرح مع أهل بيتك خيلاً من خيلك عظيمة فتأتي الجزيرة، وتبادر إليها حتى ينزلوا حصناً من حصونها، وتسير في أثرهم، فإذا أقبل أهل الشام يريدونك لم يدعوا جنداً من جنودك بالجزيزة؛ ويقبلون إليك فيقيمون عليهم، فكأنهم حابستهم عليك حتى تأتيهم فيأتيك من بالموصل من قومك، وينفض إليك أهل العراق وأهل الثغور، وتقاتلهم في أرض رفيغة السعر، وقد جعلت العراق كله وراء ظهرك، فقال: إني أكره أن أقطع جيشي وجندي، فلما نزل واسطاً أقام بها أياماً يسيرة. قال أبو جعفر: وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك ابن قيس الفهري، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال محمد بن عمر. وكان عبد الرحمن عامل يزيد بن عبد الملك على المدينة، وعلى مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان على الكوفة عبد الحميد ابن عبد الرحمن، وعلى قضائها الشعبي، وكانت البصرة قد غلب عليها يزيد ابن المهلب، وكان على خراسان عبد الرحمن بن نعيم. ثم دخلت سنة اثنتين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان فيها من مسير العباس بن الوليد بن عبد الملك ومسلمة ابن عبد الملك إلى يزيد بن المهلب بتوجيه يزيد بن عبد الملك إياهما لحربه. وفيها قتل يزيد بن المهلب، في صفر. ذكر الخبر عن مقتل يزيد بن ا لمهلب ذكر هشام، عن أبي مخنف: أن معاذ بن سعيد حدثه أن يزيد بن المهلب استخلف على واسط حين أراد الشخوص عنها للقاء مسلمة بن عبد الملك والعباس ابنه معاوية، وجعل عنده بيت المال والخزائن والأسراء، وقدم بين يديه أخاه عبد الملك، ثم سار حتى مر بفم النيل، ثم سار حتى نزل العقر. وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات حتى نزل الأنبار، ثم عقد عليها الجسر. فعبر من قبل قرية يقال لها فارط، ثم أقبل حتى نزل على يزيد بن المهلب، وقد قدم يزيد أخاه نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد بسورا، فاصطفوا، ثم اقتتل القوم، فشد عليهم أهل البصرة شدة كشوفهم فيها، وقد كان معهم ناس من بني تميم وقيس ممن انهزم من يزيد بالبصرة، فكانت لهم جماعة حسنة مع العباس، فيهم هريم بن أبي طحمة المجاشعي. فلما انكشف أهل الشام تلك الإنكشافة، ناداهم هريم بن أبي طحمة: يا أهل الشام، الله الله أن تسلمونا! وقد اضطرهم أصحاب عبد الملك إلى نهر فأخذوا ينادونه: لا بأس عليك؛ إن لأهل الشام جولة في أول القتال، أتاك الغوث. قال: ثم إن أهل الشام كروا عليهم، فكشف أصحاب عبد الملك وهزموا، وقتل المنتوف بن بكر بن وائل، مولى لهم، فقال الفرزدق يحرض بكر بن وائل: تبكي على المنتوف بكر بن وائل ... وتنهى عن ابن مسمع من بكاهما غلامين شبا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل وصل لحاهما ولو كان حياً مالك وابن مالك ... إذاً أوقدوا نارين يعلو سناهما وابنا مسمع: مالك وعبد الملك ابنا مسمع، قتلهم معاوية بن يزيد بن المهلب فأجابه الجعد بن درهم مولى من همدان: نبكي على المنتوف في نصر قومه ... ولسنا نبكي الشائدين أباهما أراد فناء الحي بكر بن وائل ... فعز تميم لو أصيب فناهما فلا لقيا روحاً من الله ساعة ... ولا رقأت عينا شجي بكاهما أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما ... وقد لقيا بالغش فينا رداهما وجاء عبد الملك بن المهلب حتى انتهى إلىأخيه بالعقر، وأمر عبد الله ابن حيان العبدي، فعبر إلى جانب الصراة الأقصى - وكان الجسر بينه وبينه - ونزل هو وعسكره وجمع من جموع يزيد، وخندق عليه، وقطع مسلمة إليهم الماء وسعيد بن عمرو الحرشي، ويقال: عبر إ ليهم الوضاح، فكانوا بإزائهم. وسقط إلى يزيد ناس من الكوفة كثير، ومن الجبال، وأقبل إليه ناس من الثغور، فبعث على أرباع أهل الكوفة الذين خرجوا إليه وربع أهل المدينة عبد الله بن سفيان بن يزيد بن المغفل الأزدي وبعث على ربع مذ حج وأسد النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، وبعث على ربع كندة وربيعة محمد ابن إسحاق بن محمد بن الأشعث، وبعث على ربع تميم وهمدان حنظلة بن عتاب بن ورقاء التميمي، وجمعهم جميعاً مع المفضل بن المهلب. قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف: حدثني العلاء بن زهير، قال: والله إنا لجلوس عند يزيد ذات يوم إذ قال: ترون أن في هذا العسكر ألف سيف يضرب به؟ قال حنظلة بن عتاب: إي والله وأربعة آلاف سيف، قال: إنهم والله ما ضربوا ألف سيف قط، والله لقد أحصى ديواني مائة وعشرين ألفاً. والله لوددت أن مكانهم ا لساعة معي من بخراسان من قومي قال هشام: قال أبو مخنف: ثم إنه قام ذات يوم فحرضنا ورغبنا في القتال ثم قال لنا فيما يقوله: إن هؤلاء القوم لن يردهم عن غيهم إلا الطعن في عيونهم، والضرب بالمشرفية على هامهم، ثم قال: إنه قد ذكر لي أن هذه الجراده الصفراء - يعني مسلمة بن عبد الملك - وعاقر ناقة ثمود؛ يعني العباس ابن الوليد، وكان العباس أزرق أحمر، كانت أمه رومية - والله لقد كان سليمان أراد أن ينفيه حتى كلمته فيه فأقره على نسبه؛ فبلغني أن ليس همهما إلا التماس في الأرض، والله لو جاء أهل الأرض جميعاً وليس إلا أنا، ما برحت العرصة حتى تكون لي أو لهم. قالوا: نخاف أن تعنينا كما عنانا عبد الرحمن ابن محمد، قال: إن عبد الرحمن فضح الذمار، وفضح حسبه، وهل كان يعدو أجله! ثم نزل. قال: ودخل علينا عامر بن العميشل - رجل من الأزد - قد جمع جموعاً فأتاه فبايعه؛ فكانت بيعة يزيد: تبايعون على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى ألا تطأ الجنود بلادنا ولا بيضتنا، ولا يعاد علينا سيرة الفاسق الحجاج، فمن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن أبي جاهدناه، وجعلنا الله بيننا وبينه، ثم يقول: تبايعونا؟ فإذا قالوا: نعم، بايعهم وكان عبد الحميد بن عبد الرحمن قد عسكر بالنخيلة، وبعث إلى المياه فبثقها فيما بين الكوفة وبين يزيد بن المهلب، لئلا يصل إلى الكوفة، ووضع على الكوفة مناظر وأرصاداً لتجس أهل الكوفة عن الخروج إلى يزيد، وبعث عبد الحميد بعثاً من الكوفة عليهم سيف بن هانئ الهمداني حتى قدموا على مسلمة، فألطفهم مسلمة، وأثنى عليهم بطاعتهم، ثم قال: والله لقل ما جاءنا من أهل الكوفة. فبلغ ذلك عبد الحميد، فبعث بعثاً هم أكثر من ذلك، وبعث عليهم سبرة بن عبد الرحمن بن مخنف الأرذي، فلما قدم أثنى عليه، وقال: هذا رجل لأهل بيته طاعة وبلاء، ضموا إليه من كان ها هنا من أهل الكوفة. وبعث مسلمة إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن فعزله، وبعث محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة - وهو ذو الشامة - مكانه. فدعا يزيد بن المهلب رءوس أصحابه فقال لهم: قد رأيت أن أجمع اثنى عشر ألف رجل، فأبعثم مع محمد ابن المهلب حتى يبيتوا مسلمة ويحملوا معهم البراذع والأكف والزبل لدفن خندقهم، فيقاتلهم على خندقهم وعسكرهم بقية ليلتهم، وأمده بالرجال حتى أصبح، فإذا أصبحت نهضت إليهم أنا بالناس. فنناجزهم. فإني أرجوعند ذلك أن ينصرنا الله عليهم. قال السميدع: إنا قد دعوناهم إلى كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وقد زعموا أنهم قايلوا هذا منا، فليس لنا أن نمكر ولا نغدر، ولا نريدهم بسوء حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. قال أبو رؤبة - وكان رأس طائفة من المرجئة. ومعه أصحاب له: صدق. هكذا ينبغي. قال يزيد: ويحكم ! أتصدقون بني أمية! أنهم يعملون بالكتاب والسنة، وقد ضيعوا ذلك منذ كانوا! إنهم يقولون لكم: إنا نقبل منكم، وهم يريدون ألا يعملوا بسلطانهم إلا ما تأمرونهم به، وتدعونهم إليه؛ لكنهم أرادوا أن يكفوكم عنهم؛ حتى يعملوا في المكر، فلا يسبقوكم إلى تلك، إبدءوهم بها، إني قد لقيت بني مروان فوالله ما لقيت رجلا هو أمكر ولا أبعد غوراً من هذه الجرادة الصفراء - يعني مسلمة - قالوا: لا نرى أن نفعل ذلك. حتى يردوا علينا ما زعموا أنهم قابلوه منا. وكان مروان بن المهلب وهو بالبصرة يحث الناس على حرب أهل الشام، ويسرح الناس إلى يزيد، وكان الحسن البصري يثبط الناس عن يزيد ابن المهلب. قال أبو مخنف: فحدثني عبد الحميد البصري، أن الحسن البصري كان يقول في تلك الأيام: أيها الناس، الزموا رحالكم، وكفوا أيديكم، واتقوا الله مولاكم، ولا يقتل بعضكم بعضاً على دنيا زائلة، وطمع فيها يسير ليس لأهلها بباق، وليس الله عنهم فيما اكتسبوا براض؛ إنه لم تكن فتنة إلا كان أكثر أهلها الخطباء والشعراء والسفهاء وأهل التيه والخيلاء، وليس يسلم منها إلا المجهول الخفي والمعروف التقى، فمن كان منكم خفياً فليلزم الحق، وليحبس نفسه عما يتنازع الناس فيه من الدنيا، فكفاه والله بمعرفة الله إياه بالخير شرفاً؛ وكفى له بها من الدنيا خلفاً؛ ومن كان منكم معروفاً شريفاً، فترك ما يتنافس فيه نظراؤه من الدنيا إرادة الله بذلك، فواهاً لهذا! ما أسعده وأرشده وأعظم أجره وأهدى سبيله! فهذا غداً - يعني يوم القيامة - القرير عيناً، الكريم عند الله مآباً. فلما بلغ ذلك مروان بن المهلب قام خطيباً كما يقوم، فأمر الناس بالجد والاحتشاد، ثم قال لهم: لقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي - ولم يسمه - يثبط الناس، والله لو أن جاره نزع من خص داره قصبة لظل يرعف أنفه؛ أينكر علينا وعلى أهل مصرنا أن نطلب حقنا، وأن ننكر مظلمتنا! أما والله ليكفن عن ذكرنا وعن جمعه إلينا سقاط الأبلى وعلوج فرات البصرة - قوماً ليسوا من أنفسنا، ولا ممن جرت عليه النعمة من أحد منا - أو لأنحين عليه مبرداً خشناً. فلما بلغ ذلك الحسن قال: والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه. فقال ناس من أصحابه: لو أرادك ثم شئت لمنعناك، فقال لهم: فقد خالفتكم إذاً إلى ما نهيتكم عنه! آمركم ألا يقتل بعضكم بعضاً مع غير، وأدعوكم إلى أن يقتل بعضكم بعضاً دوني! فبلغ ذلك مروان بن الهلب، فاشتد عليهم وأخافهم وطلبهم حتى تفرقوا. ولم يدع الحسن كلامه ذلك، وكف عنه مروان بن المهلب. وكانت إقامة يزيد بن المهلب منذ أجمع هو ومسلمة ثمانية أيام، حتى إذا كان يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من صفر، بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالوضاحية والسفن حتى يحرق الجسر، ففعل. وخرج مسلمة فعبى جنود أهل الشام، ثم ازدلف بهم نحو يزيد بن المهلب ، وجعل على ميمنته جبلة بن مخرمة الكندي، وجعل على ميسرته الهذيل بن زفر بن الحارث العامري، وجعل عباس على ميمنته سيف بن هاني الهمداني. وعلى ميسرته سويد بن القعقاع التميمي ومسلمة على الناس، وخرج يزيد بن المهلب، وقد جعل على ميمنته حبيب بن المهلب، وعلى ميسرته المفضل بن المهلب، وكان مع المفضل أهل الكوفة وهو عليهم، ومعه خيل لربيعة معها عدد حسن، وكان مما يلي العباس بن الوليد. قال أبو مخنف: فحدثني الغنوى - قال هشام: وأظن الغنوى العلاء ابن المنهال - أن رجلاً من الشام خرج فدعاه إلى المبارزة، فلم يخرج إليه أحد، فبرز له محمد بن المهلب، فحمل عليه، فاتقاه الرجل بيده، وعلى كفه كف من حديد، فضربه محمد فقطع كف الحديد وأسرع السيف في كفه، واعتنق فرسه، وأقبل محمد يضربه، ويقول: المنجل أعود عليك. قال: فذكر لأنه حيان النبطي. قال: فلما دنى الوضاح من الجسر ألهب فيه النار، فسطع دخانه؛ وقد اقتتل الناس ونشبت الحرب، ولم يشتد القتال، فلما رأى الناس الدخان، وقيل هم: أحرق الجسر انهزموا، فقالوا ليزيد: قد انهزم الناس قال: ومم انهزموا؟ هل كان قتال ينهزم من مثله! فقيل له: قالوا: أحرق الجسر فلم يثبت أحد، قال: قبحهم الله! بق دخن عليه فطار فخرج وخرج معه أصحابه ومواليه وناس من قومه، فقال: اضربوا وجوه من ينهزم، ففعلوا ذلك بهم، حتى كثروا عليه فاستقبلهم منهم مثل الجبال، فقال: دعوهم، فوالله إني لأرجو ألا يجمعني الله وإياهم في مكان واحد أبداً؛ دعوهم يرحمهم الله، غنم عبدا في نواحيها الذئب، وكان يزيد لايحدث نفسه بالفرار، وقد كان يزيد بن الحكم بنأبي العاص - وأمه ابنت الزبرقان السعدي - آتاه وهو بواسط قبل أن يصل إلى العقر، فقال: إن بني مروان قد باد مهلكهم ... فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر قال يزيد: ما شعرت. قال: فقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي: فعش ملكاً أو مت كريماً وإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر قال: أما هذا فعسى. ولما خرج يزيد إلى أصحابه واستقبلته الهزيمة، فقال: يا سميدع، أرأيي أم رأيك؟ ألم أعلمك ما يريد القوم! قال: بلى والله، والرأي كان رأيك، وأناذا معك لا أزايلك، فمرني بأمرك؛ قال: إما لا فانزل، فنزل في أصحابه، وجاء يزيد بن المهلب جاء فقال: إن حبيباً قد قتل قال هشام: قال أبو مخنف: فحدثني ثابت مولى زهير بن سلمى الأزدي، قال: أشهد أني أسمعه حين قال له ذلك: قال: لا خبر في العيش بعد حبيب! قد كنت والله أبغض الحياة بعد الهزيمة؛ فوالله ما ازددت له إلا بغضاً، امضوا قدماً. فعلمنا والله أن قد استقتل ؛ فأخذ من يكره القتال ينقص، وأخذوا يتسللون، وبقيت معه جماعة حسنة، وهو يزدلف، فكلما مر بخيل كشفها، أو جماعة من أهل الشام عدلوا عنه وعن سنن أصحابه، فجاء أبو رؤبة المرجئ، فقال: ذهب الناس - وهو يشير بذلك إليه وأنا أسمعه - فقال: هل لك أن تنصرف إلى واسط؛ فإنها حصن فتنزلها ويأتيك مدد أهل البصرة، ويأتيك أهل عمان والبحرين في السفن، وتضرب خندقاً؟ فقال له: قبح الله رأيك! ألي تقول هذا! الموت أيسر علي من ذلك، فقال له: فإني أتخوف عليك لما ترى، أما ترى ما حولك من جبال الحديد! وهو يشير إليه، فقال له: أما أنا فما أباليها؛ جبال حديد كانت أم جبال نار، اذهب عنا إن كنت لا تريد قتالاً معنا. قال: وتمثل قول حارثة بن بدر الغداني - قال أبو جعفر أخطأ هذا؛ هو للأعشى - : أبالموت خشتنى عباد وإنما ... رأيت منايا الناس يشقى ذليلها فما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها وكان يزيد بن المهلب على برذون له أشهب، فأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره؛ حتى إذا دنا منه أدنى مسلمة فرسه ليركب، فعطف عليه خيول أهل الشام، وعلى أصحابه، فقتل يزيد بن المهلب، وقتل معه السميدع، وقتل معه محمد بن المهلب. وكان رجل من كلب من بني جابر بن زهير بن جناب الكلبي يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال: يا أهل الشام، هذا والله يزيد، والله لأقتلنه أو ليقتلني، وإن دونه ناساً، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه؟ فقال له ناس من أصحابه: نحمل نحن معك، ففعلوا، فحملوا بأجمعهم، واضطربوا ساعة، وسطع الغبار، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا، وعن القحل بن عياش بآخر رمق. فأومى إلى أصحابه يريهم مكان يزيد؛ يقول لهم: أنا قتلته، ويومي إلى نفسه إنه هو قتلني. ومر مسلمة على القحل بن عياش صريعاً إلى جنب يزيد، فقال: أما إني أظن هذا هو الذي قتلني. وجاء برأس يزيد مولى لبني مرة، فقيل له: أنت قتلته؟ فقال: لا، فلما أتى به مسلمة لم يعرف ولم ينكر، فقال له الحواري بن زياد ابن عمرو العتكي: مر برأسه فليغسل ثم ليعمم، ففعل ذلك به، فعرفه، فبعث برأسه إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. قال أبو مخنف: فحدثني ثابت مولى زهير، قال: لقد قتل يزيد وهزم الناس، وإن المفضل بن المهلب ليقاتل أهل الشام ما يدري بقتل يزيد ولا بهزيمة الناس؛ وإنه لعلى برذون شديد قريب من الأرض، وإن معه لمجففة أمامه، فكلما حمل عليها نكصت وانكشفت وانكشف، فيحمل في ناس من أصحابه يخالط القوم ثم يرجع حتى يكون من وراء أصحابه، وكان لا يرى منا ملتفتاً إلا أشار إليه بيده ألا يلتفت ليقبل القوم بوجوههم على عدوهم، ولا يكون لهم هم غيرهم. قال: ثم اقتتلنا ساعة؛ فكأني أنظر إلى عامر بن العميشل الأرذي وهو يضرب بسيفه، ويقول: قد علمت أم الصبي المولود ... أني بنصل السيف غير رعديد قال: واضطربنا والله ساعة، فانكشفت خيل ربيعة؛ والله ما رأيت عند أهل الكوفة من كبير صبر ولا قتال، فاستقبل ربيعة بالسيف يناديهم: أي معشر ربيعة، الكرة الكرة! والله ما كنتم بكشف ولا لئام، ولا هذه لكم بعادة، فلا يأتين أهل العراق اليوم من قبلكم. أي ربيعة، فدتكم نفسي، اصبروا ساعة من النهار. قال: فاجتمعوا حوله، وثابوا إليه، وجاءت كويفتك. قال: فاجتمعنا ونحن نريد الكرة عليهم، حتى أتى، فقيل له: ما تصنع ها هنا وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل؟ وأخبر الناس بعضهم بعضاً، فتفرقوا ومضى المفضل، فأخذ الطريق إلى واسط، فما رأيت رجلاً من العرب مثل منزلته كان أغشى للناس بنفسه، ولا أضرب بسيفه، ولا أحسن تعبئة لأصحابه منه. قال أبو مخنف: فقال لي ثابت مولى زهير: مررت بالخندق، فإذا عليه حائط، عليه رجال معهم النبل، وأنل مجفف، وهم يقولون: يا صاحب التجفاف، أين تذهب؟ قال: فما كان شئ أثقل علي من تجفافي، قال: فما هو إلا أن جزتهم، فنزلت فألقيته لأخفف عن دابتي. وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد بن المهلب، فقاتلهم أبو رؤبة صاحب المرجئة ساعة من النهار حتى ذهب عظمهم، وأسر أهل الشام نحواً من ثلثمائة رجل، فسرحهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بن الوليد فحبسهم. وكان على شرطه العريان بن الهيثم. وجاء كتاب من يزيد بن عبد الملك إلى محمد بن عمرو: أن اضرب رقاب الأسراء، فقال للعريان بن الهيثم: أخرجهم عشرين عشرين، وثلاثين ثلاثين. قال: فقام نحو من ثلاثين رجلاً من بني تميم، فقالوا: نحن انهزمنا بالناس، فاتقوا الله وابدءوا بنا، أخرجونا قبل الناس، فقال لهم العريان: اخرجوا على اسم الله، فأخرجهم إلى المصطبة، وأرسل إلى محمد بن عمرو يخبره بإخراجهم ومقالتهم، فبعث إليه أن اضرب أعناقهم. قال أبو مخنف: فحدثني نجيج أبو عبد الله مولى زهير، قال: والله إني لأنظر إليهم يقولون: إنا لله! انهزمنا بالناس، وهذا جزاؤنا، فما هو إلا أن فرغ منهم، حتى جاء رسول من عند مسلمةفيه عافية الأسراء والنهي عن قتلهم. فقال حاجب بن ذبيان من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: لعمري لقد خاضت معيط دماءنا ... بأسيافها حتى انتهى بهم الوحل وما حمل الأقوام أعظم من دم ... حرام ولا ذحل إذا التمس الذحل حقنتم دماء المصلتين عليكم ... وجر على فرسان شيعتك القتل وقى بهم العريان فرسان قومه ... فيا عجباً أين الأمان والعدل! وكان العريان يقول: والله ما اعتمدتهم ولا أردتهم حتى قالوا: أبعد بنا، أخرجنا ، فما تركت حين أخرجتهم أن أعلمت المأمور بقتلهم، فما يقبل حجتهم، وأمر بقتلهم، والله على ذلك ما أحب أن قتل من قومي مكانهم رجل. ولئن لاموني ما أنا بالذي أحفل لا ئمتهم، ولا تكبر عليه. وأقبل مسلمة حتى نزل الحيرة، فأتى بنحو من خمسين أسيراً، ولم يكونوا فيمن بعث به إلى الكوفة، كان أ قبل بهم معه، فلما رأى الناس أنه يريد أن يضرب رقابهم، قام إليه الحصين بن حماد الكلبي فاستوهبه ثلاثة: زياد بن عبد الرحمن القشيري، وعتبة بن مسلم، وإسماعيل مولى آل بني عقيل بن مسعود، فوهبهم له، ثم استوهب بقيتهم أصحابه، فوهبهم لهم، فلما جاءت هزيمة يزيد إلى واسط، أخرج معاوية بن يزيد بن المهلب اثنين وثلاثين أسيراً كانوا في يده، فضرب أعناقهم: منهم عدي بن أرطاة، ومحمد بن عدي بن أرطاة ومالك وعبد الملك ابنا مسمع وعبد الله بن عذرة البصري، وعبد الله بن وائل وابن أبي حاضر التميمي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد قال له القوم: ويحك! إنا لا نراك إلا تقتلنا؛ إلا أن أباك قد قتل، وإن قتلنا ليس بنافع لك في الدنيا، وهو ضارك في الآخرة؛ فقتل الأسارى كلهم غير ربيع بن زياد بن الربيع ابن أنس بن الريان، تركه، فقال له ناس: نسيته؟ فقال: مانسيته؛ ولكن لم أكن لأقتله؛ وهو شيخ من قومي له شرف ومعروف وبيت عظيم، ولست أتهمه في ود، ولا أخاف بغيه. فقال ثابت قطنة في قتل عدي بن أرطاة: ماسرني قتل الفزاري وابنه ... عديً ولا أحببت قتل ابن مسمع ولكنها معاوي زلة ... وضعت بها أمري على غير موضع ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه المال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب، واجتمع جميع آل المهلب بالبصرة، وقد كانوا يتخوفون الذي كان من يزيد، وقد أعدوا السفن البحرية، وتجهزوا بكل الجهاز، وقد كان يزيد بن المهلب بعث وداع بن حميد الأسدي على قندابيل أميراً، وقال له: إني سائر إلى هذا العدو، ولوقد لقيتهم لم أبرح العرصة حتى تكون إلي أولهم، فإن ظفرت أكرمتك، وإن كانت الأخرى كنت بقندابيلحتى يقدم عليك أهل بيتي، فيتحصنوا بها حتى يأخذوا لأنفسهم أماناً، أما إني قد اخترتك لأهل بيتي من بين قومي؛ فكن عند حسن ظني، وأخذ عليه أيماناً غلاظاً ليناصحن أهل بيته، إن هم احتاجوا ولجئوا إليه، فلما اجتمع آل المهلب بالبصرة بعد الهزيمة حملوا عيالاتهم وأموالهم في السفن البحرية، ثم لججوا في البحر حتى مروا بهرم ابن القرار العبدي - وكان يزيد استعمله على البحرين - فقال لهم: أشير عليكم ألا تفارقوا سفنكم، فإن ذلك هو بقاؤكم، وإني أتخوف عليكم إن خرجتم من هذه السفن أن يتخطفكم الناس، وأن يتقربوا بكم إلى بني مروان. فمضوا حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم، وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب. وكان معاوية بن يزيد بن المهلب حين قدم البصرة قدمها ومعه الخزائن وبيت المال؛ فكأنه أراد أن يتأمر عليهم، فاجتمع أهل المهلب وقالوا للمفضل: أنت أكبرنا وسيدنا، وأنما أنت غلام حديث السن كبعض فتيلن أهلك، فلم يزل المفضل عليهم حتى خرجوا إلى كرمان، وبكرمان فلول كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمو بن عبد الملك مدرك بن ضب الكلبي في طلب آل المهلب وفي أثر الفل. فأدرك مدرك المفضل بن المهلب، وقد اجتمعت إليه الفلول بفارس فتبعهم، فأدركهم في عقبة، فعطفوا عليه، فقاتلوه واشتد قتالهم إياه، فقتل مع المفضل بن المهلب النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي ومحمد بن إسحاق ابن محمد بن الأشعث، وأخذ ابن صول ملك قهستان أسيراً، وأخذت سرية المفضل العلية، وجرح عثمان بن إسحاق بن محمد بن الاشعث جراحة شديدة وهرب حتى انتهى إلى حلوان، فدل عليه، فقتل وحمل رأسه إلى مسلمة بالحيرة، ورجع ناس من أصحاب يزيد بن المهلب، فطلبوا الأمان، فأومنوا؛ منهم مالك بن إبراهيم بن الاشتر، والورد بن عبد الله بن حبيب السعدي من تميم، وكان قد شهد مع عبد الرحمن بن محمد مواطنه وأيامه كلها، فطلب له الامان محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان إلى مسلمة بن عبد الملك عمه وابنة مسلمة تحته - فأمنه، فلما آتاه الورد وقفه مسلمة فشتمه قائماً، فقال: صاحب خلاف شقاق ونفاق ونفار في كل فتنة، مرة مع حائك كندة، ومرة مع ملاح الأزد؛ ما كنت بأهل أن تؤمن؛ قال: ثم انطلق. وطلب الأمان لمالك بن إبراهيم بن الأشتر الحسن بن عبد الرحمن بن شراحيل - وشراحيل يلقب رستم الحضرمي - فلما جاء ونظر إليه، قال له الحسن بن عبد الرحمن الحضرمي هذا مالك بن إبراهيم بن الأشتر، قال له: انطلق، قال له الحسن: أصلحك الله! لم لم تشتمه كما شتمت صاحبه ! قال: أجللتكم عن ذلك، وكنتم أكرم علي من أصحاب الآخر وأحسن طوعا. قال: فإنه أحب إلينا أن تشتمه، فهو والله أشف أباً وجداً، وأسوأ أثراً من أهل الشام من الورد بن عبد الله؛ فكان الحسن يقول بعد أشهر: ما تركه إلا حسداً من أن يعرف صاحبنا، فأراد أن يرينا أنه قد حقره. ومضى آل المهلب ومن سقط منهم من الفلول حتى انتهوا إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب الكلبي فرده، وسرح في أثرهم هلال بن أحوز التميمي، من بني مازن بن عمرو بن تميم فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخول قندابيل، فمنعهم وداع بن حميد وكاتبه هلال بن أحوز، ولم يباين آل المهلب فيفارقهم، فتبين لهم فراقه لما التقوا وصفوا، كان وداع بن حميد على الميمنة، وعبد الملك بن هلال على الميسرة وكلاهما أزدى، فرفع لهم راية الأمان، فمال إليهم وداع بن حميد وعبد الملك ابن هلال، وارفض عنهم الناس فخلوهم. فلما رأى ذلك مروان بن المهلب ذهب يريد أن ينصرف إلى النساء فقال له المفضل: أين تريد؟ قال: أدخل إلى نسائنا فأقتلهن، لئلا يصل إليهم هؤلاء الفساق، فقال: ويحك! أتقتل أخواتك ونساء أهل بيتك! إنا والله ما نخاف عليهم منهم. قال: فرده عن ذلك ثم مشوا بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، إلا أبا عيين ابن المهلب، وعثمان بن المفضل فإنهما نجوا، فلحقا بخاقان ورتبيل وبعث بنسائهم وأولادهم إلى مسلمة بالحيرة، وبعث برءوسهم إلى مسلمة، فبعث بهم مسلمة إلى يزيد بن عبد الملك، وهو على حلب، فلما نصبوا خرج لينظر إليهم، فقال لأصحابه: هذا رأس عبد الملك، هذا رأس المفضل، والله لكأنه جالس معي يحدثني. وقال مسلمة: لأبيعن ذريتهم وهو في دار الرزق، فقال الجراح بن عبد الله: فأنا أشتريهم منك لأبر يمينك، فاشتراهم منه بمائة ألف،قال: هاتها، قال: إذا شئت فخذها، فلم يأخذ منه شيئاً وخلا سبيلهم، إلا تسعة فتية منهم أحداث بعث بهم إلى يزيد بن عبد الملك، فقدم بهم عليه، فضرب رقابهم، فقال ثابت قطنة حين بلغه قتل يزيد بن المهلب يرثيه: ألا يا هند طال على ليلي ... وعاد قصيره ليلى تماما كأني حين حلقت الثريا ... سقيت لعاب أسود أو سماما أمر على حلو العيش يوم ... من الأيام شيبني غلاماً مصاب بني أبيك وغبت عنهم ... فلم أشهدهم ومضوا كراما فلا والله لا أنسى يزيداً ... ولا القتلى التي قتلت حراما فعلي أبو بأخيك يوماً ... يزيداً أو أبوء به هشاما وعلي أن أقود الخيل شعثاً ... جوازب ضمراً تقص الإكاما قأصبحهن حمير من قريب ... وعكا أو أرع بهما جذاما ونسقي مذحجاً والحي كلباً ... من الذيفان أنفاساً قواما عشائرنا التي تبغي علينا ... تجربنا زكا عاماً فعاما ولولاهم وما جلبوا علينا ... لأصبح وسطنا ملكا هماما وقال أيضاً يرثي يزيد بن المهلب: أبى طول هذا الليل أن يتصرما ... وهاج لك الهم الفؤاد المتيما أرقت ولم تأرق معي أم خالد ... وقد أرقت عيناي حولاً مجرما على هالك هد العشيرة فقده ... دعته المنايا فاستجاب وسلما على ملك يا صاح بالعقر جبنت ... كتائبه واستورد الموت معلما أصيب ولم أشهد ولو كنت شاهداً ... تسليت إن لم يجمع الحي مأتما وفي غير الأيام يا هند فاعلمي ... لطالب وتر نظرة إن تلوما فعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذبان أن يتندما أمسلم إن يقدر عليك رماحنا ... نذقك بها قئ الأساود مسلما وإن نلق للعباس في الدهر عثرة ... نكافئه باليوم الذي كان قدما قصاصاً ولا نعدو الذي كان قد أتى ... إلينا وإن كان ابن مروان أظلما ستعلم إن زلت بك النعل زلة ... وأظهر أقوام حياء مجمجا من الظالم الجاني على أهل بيته ... إذا أحصرت أسباب أمر وأبهما وإن لعطافون بالحلم بعد ما ... نرى الجهل من فرط اللئيم تكرما وإنا لحلالون بالثغر لا نرى ... به ساكناً إلا الخميس العرمرما نرى أن للجيران حاجاً وحرمة ... إذا الناس لم يرعوا لذى الجار محرما وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى ... إذا كان رفد الرافدين تجثما وراحت بصراد ملث جليده ... على الطلح أرماكاً من الشهب صيما أبونا أبو الأنصار عمرو بن عامر ... وهم ولدوا عوفاً وكعباً وأسلما وقد كان في غسان مجد يعده ... وعادية كانت من المجد معظما ولاية مسلمة بن عبد الملك على العراق وخراسان فلما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب يزيد بن المهلب، جمع له يزيد بن عبد الملك ولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة، فلما ولاه يزيد ذلك، ولى مسلمة الكوفة ذا الشامة محمد بم عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقام بأمر البصرة بعد أن خرج منها آل المهلب - فيما قيل - شبيب بن الحارث التميمي، فضبطها، فلما ضمت إلى مسلمة بعث عاملاه عليها عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى شرطتها وأحداثها عمر بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن بن سليم أن يستعرض أهل البصرة، وأفشى ذلك إلى عمر بن يزيد، فقال له عمر: أتريد أن تستعرض أهل البصرة ولم تمن حصناً بكويفة، وتدخل من تحتاج إليه! فوالله لو رماك أهل البصرة وأصحابك بالحجارة لتخوفت أن يقتلونا؛ ولكن أنظرنا عشرة أيام حتى نأخذ أهبة ذلك. ووجه رسولا إلى مسلمة يخبره بما هم به عبد الرجمن، فوجه مسلمة عبد الملك ابن بشر بن مروان على البصرة، وأقر عمر بن يزيد على الشرطة والأحداث. ذكر استعمال مسامة سعيد خذينة على خراسان. قال أبو حعفر: وفي هذه السنة وحه مسلمة بن عبد الملك سعيد بن عبد العزيز اب الحارث بن الحكم بن أبي العاص وهو الذي يقام له خذينة - وإنما لقب بذلك - فيما ذكر - أنه كان رجلاً ليناً يهلاً متنعماً، قدم خراسان على بختيه معلقاً سكيناً في منطقته، فدخل عليه ملك أبغل، وسعيد متفضل في ثياب مصبغة، حوله مرافق مصبغة فلما خر من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير؟ قال: خذينية، لمته سكينية؛ فلقب خذينة وخذينة هي الدهقانة ربة البيت، وإنما استعمل مسلمة سعيد خذينة على خراسان لأنه كان ختنه على ابنته، كان سعيد متزوجاً بابنة مسلمة. ولما ولى مسلمة سعيد خذينة خراسان، قدم إليها قبل شخوصه سورة ابن الحر من بني دار، فقدمها قبل سعيد - فيما ذكر - بشهر، فاستعمل شعبة بن ظهير النهشلي على سمرقند، فخرج إليها في وخمسة وعشرين رجلاً من أهل بيته، فأخذ على آمل، فأتى بخارى، فصحبه منها مائتا رجل، فقدم السغد، وقد كان أهلها كفروا في ولاية عبد الرحمن بن نعيم الغامدي، ووليها ثمانية عشر شهراً، ثم عادوا إلى الصلح، فخطب شعبة أهل السغد، ووبخ سكانها من العرب وعيرهم بالجبن، فقال: ما أرى فيكم جريحاً،ولا أسمع فيكم أنة. فاعتذروا إليه بأن جبنوا عاملهم علباء بن حبيب العبدي، وكانت على الحرب. ثم قدم سعيد، فأخذ عمال عبد الرحمن بن عبد الله القشيري الذين ولوا أيام عمر بن عبد العزيز فحبسهم، فكلمه فيهم عبد الرحمن بن عبد الله القشيري، فقال له سعيد: قد رفع علهم أن عندهم أموالاً من الخوارج. قال: فأنا أضمنه، فضمن عنهم سبعمائة ألف، ثم لم يأخذه بها. ثم إن سعيداً رفع إليه - فيما ذكر علي بن محمد - أن جهم بن زحر الجعفي وعبد العزيز بن عمرو بن الحجاج الزبيدي والمنتجع بن عبد الرحمن الأزدي والقعقاع الأزدي ولوا ليزيد بن المهلب وهم ثمانية، وعندهم أموال قد أختانوها من فئ المسلمين. فأرسل إليهم، فحبسهم في قهندز مرو، فقيل له: إن هؤلاء لا يؤدون إلا أن تبسط عليهم. فأرسل إلى جهم بن زحر، فحمل على حمار من قهندز مرو، فمرو به على الفيض بن عمران، فقام إليه فوجأ أنفه، فقال له جهم: يا فاسق، هلا فعلت هذا حين أتوني بك سكران قد شربت الخمر، فضربتك حداً! فغضب سعيد على جهم فضربه مائتى سوط، فكبر أهل السوق حين ضرب جهم بن زحر، وأمر سعيد بجهم والثمانية الذين كانواط في السجن فدفعوا إلى ورقاء بن نصر الباهلي، فاستعفاه فأعفاه. وقال عبد الحميد بن دثار - أو عبد الملك بن دثار - والزبير بن نشيط مولى باهلة، وهو زوج أم سعيد خذينة: ولنا محاسبتهم، فولاهم فقتلوا من العذاب جهماً، وعبد العزيز بن عمر والمنتجع، وعذبوا القعقاع وقوماً حتى أشرفوا على الموت قال: فلم يزالوا في السجن حتى غزتهم الترك وأهل السغد، فأمر سعيد بإخراج من بقي منهم، فكان سعيد يقول: قبح الله الزبير، فإنه قتل جهما! وفي هذه السنة غزا المسلمون السغد والترك، فكان فيها الوقعة بينهم بقصر الباهلي. وفيها عزل سعيد خذينة شعبة بن ظهير عن سمرقند. ذكر الخبر عن سبب عزل سعيد شعبى وسبب هذه الوقعة وكيف كانت: ذكر علي بن محمد عن الذي تقدم ذكرى خبره عنهم، أن سعيد خذينة لما قدم خراسان، دعا قوماً من الدهاقين، فاستشارهم فيمن يوجه إلى الكور، فأشاروا إليه بقوم من العرب، فولاهم، فشكوا إليه، فقال للناس يوماً وقد دخلوا عليه: إني قدمت البلد، وليس لي علم بأهله، فاستشرت فأشاروا علي بقوم، فسألت عنهم فحمدوا، فوليتهم، فأحرج عليكم لما أخبرتموني عن عمالي. فأثنى عليهم القوم خيراً، فقال عبد الرحمن بن عبد الله القشيري: لو لم تحرج علينا لكففت، فأما إذ حرجت علينا فإنك شاورت المشركين فأشاروا عليك بمن لا يخالفهم وبأشباههم، فهذا علمنا فيهم. قال: فاتكأ سعيد ثم جلس، فقال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " ، قوموا. قال: وعزل سعيد شعبة بن ظهير عن السغد، وولى حربها عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير، وولى الخراج سليمان بن أبي السري مولى بني عوافة، واستعمل على هراة معقل بن عروة القشيري، فسار إليها. وضعف الناس سعيداً وسموه خذينة، فطمع فيه الترك، فجمع له خاقان الترك، ووجههم إلى السغد، فكان على الترك كورصول، وأقبلوا حتى نزلوا قصر الباهلي. وقال بعضهم: أراد عظيم من عظماء الدهاقين أن يتزوج امرأة من باهلة، وكانت في ذلك القصر، فأرسل إليها يخطبها. فأبت، فاستجاش ورجا أن يسبوا من في القصر، فيأخذ المرأة، فأقبل كورصول حتى حصر أهل القصر، وفيه مائة أهل بيت بذراريهم، وعلى سمرقند عثمان بن عبد الله وخافوا أن يبطئ عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفاً، وأعطوهم سبعة عشر رجلاً رهينة، وندب عثمان بن عبد الله الناس، فانتدب المسيب بن بشر الرياحي وانتدب أربعة آلاف من جميع القبائل، فقال شعبة بن ظهير: لو كان ها هنا خيول خراسان ما وصلوا إلى غايتهم. قال: وكان فيمن انتدب من بني تميم شعبة بن ظهير النهشلي وبلعاء بن مجاهد العنزي، وعميرة بن ربيعة أحد بني العجيف - وهو عميرة الثريد - وغالب بن المهاجر الطائي - وهو أبي العباس الطوسي - وأبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائي، وثابت قطنة وأبو المهاجر بن دارة من غطفان، وحليس الشيباني، والحجاج بن عمرو الطائي، وحسان بن معدان الطائي، والأشعث أبو حطامة وعمرو بن حسان الطائيان. فقال المسيب بن بشر لما عسكروا: إنكم تقدمون على حلبة الترك، حلبة خاقان وغيرهم، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب النار إن فررتم، فمن أراد الغزو والصبر فليقدم. فانصرف عنه ألف وثلثمائة، وسار في الباقين، فلما سار فرسخاً قال للناس مثل مقالته الأولى، فاعتزل ألف، ثم سار فرسخاً آخر فقال لهم مثل ذلك، فاعتزل ألف. ثم سار - وكان دليلهم الأشهب بن عبيد الحنظلي - حتى إذا كان على فرسخين من القوم نزل فآتاهم ترك خاقان ملك قي فقال: إنه لم يبق هاهنا دهقان إلا وقد بايع الترك غيري، وأنا في ثلثمائة مقاتل فهم معك، وعندي الخبر، قد كانوا صالحوهم على أربعين ألفاً؛ فأعطوهم سبعة عشر رجلاً؛ ليكونوا رهناً في أيديهم حتى يأخذوا صلحهم؛ فلما بلغهم مسيركم إليهم قتل الترك من كان في أيديهم من الرهائن. قال: وكان فيهم نهشاً بن يزيد الباهلي فنجا لم يقتل، والأشهب بن عبيد الله الحنظلي وميعادهم أن يقاتلوهم غداً أو يفتحوا القصر، فبعث المسيب رجلين: رجلاً من العرب ورجلاً من العجم من ليلته على خيولهم، وقال لهم: إذا قربتم فشدوا دوابكم بالشجر، واعلموا علم القوم. فأقبلا في ليلة مظلمة؛ وقد أجرت الترك الماء في نواحي القصر؛ فليس يصل إليه أحد. ودنوا من القصر؛ فصاح بهما الربيئة، فقلا: لا تصح وادعوا لنا عبد الملك ابن دثار، فدعاه فقالا له: أرسلنا المسيب، وقد آتاكم الغياث، قال: أين هو؟ قال: على فرسخين؛ فهل عندكم امتناع ليلتك وغداً؟ فقال: قد أجمعنا على تسليم نسائنا وتقديمهم للموت أمامنا؛ حتى نموت جميعاً غداً فرجعا إلى المسيب، فأخبراه، فقال المسيب للذين معه: إني سائر إلى هذا العدو، فمن أحب أن يذهب فليذهب فلم يفارقه أحد؛ وبايعوه على الموت. فسار وقد زاد الماء الذي أجروه حول المدينة تحصيناً، فلما كان بينهم وبينهم نصف فرسخ نزل، فأجمع على بياتهم؛ فلما أمسى أمر الناس فشدوا على خيولهم، وركب فحثهم على الصبر، ورغبهم فيما يصير إليه أهل الأحتساب والصبر، وما لهم في الدنيا من الشرف والغنيمة إن ظفروا، وقال لهم: أكعموا دوابكم وقودوها، فإذا دنوتم من القوم فاركبوها وشدوا شدة صادقة وكبروا، وليكن شعاركم: يا محمد؛ ولا تتبعوا مولياً، وعيكم بالدواب فاعقروها، فإن الدواب إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم، القليل الصابر خير من الكثير الفشل؛ وليست بكم قلة، فإن سبعمائة سيف لا يضرب بها في عسكر إلا أوهنوه وأن كثر أهله. قال: وعبأهم وجعل على الميمنة كثير بن الدبوسي، وعلى الميسرة رجلاً من ربيعة يقال له ثابت قطنة وساروا حتى إذا كانوا منهم على غلوتين كبروا وذلك في السحر، وثار الترك، وخالط المسلمون العسكر فعقروا الدواب، وصابرهم الترك، فجال المسلمون وانهزموا حتى صاروا إلى المسيب، وتبعهم الترك وضربوا عجز دابة المسيب فترجل رجال من المسلمين، فيهم البختري أبو عبد الله المرائي، ومحمد بن قيس الغنوة - ويقال: محمد بن قيس العنبري - وزياد الأصبهاني، ومهاوية بن الحجاج، وثابت قطنة. فقات البختري فقطعت يمينه، فأخذ السيف بشماله فقطعت، فجعل يذب بيده حتى استشهد. واتشهد أيضاً محمد بن قيس العنبري أو الغنوة وشبيب بن الحجاج الطائي. قال: ثم انهزم المشركون، وضرب ثابت قطنة عظيماً من عظمائهم، فقتله، ونادى منادي المسيب: لا تتبعوهم؛ فأنهم لا يدرون من الرعب، اتبعتموهم أم لا! واقصدوا القصر، ولا تحملوا شيئاً من المتاع إلا المال، ولا تحملوا من يقدر على المشي. وقال المسيب: من حمل امرأة او صبية أو ضعيفأ حسبة فأجره على الله، ومن أبي فلة أربعون درهماً، وإن كان في القصر أحد من أهل عهدكم فاحملوه قال: فاقصدوا جميعاً القصر فحملوا من كان فيه، وانتهى رجل من بني فقيم إلى امرأة. فقالت: أغثني أغاثك الله! فوقف وقال: دونك وعجز الفرس، فوثبت فإذا هي على عجز الفرس؛ فإذا هي أفرس من رجل، فتناول فقيمي بيد أبنها، غلاماً صغيراً، فوضعه بين يديه، وآتوا ترك خاقان، فأنزلهم قصره وآتاهم بطعام، وقال: الحقوا بسمرقند، لا يرجعوا في آثاركم. فخرجوا نحو سمرقند، فقال لهم: هل بقي أحد؟ قالوا: هلال الحريري، قال: لا أسلمه فآتاه وبه بضع وثلاثون جراحة، فاحتمله، فبرأ، ثم أصيب يوم الشغب مع الجنيد. قال: فرجع الترك من الغد، فلم يروا في القصر أحداً، رأوا قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين جاؤوا من الإنس، فقال ثابت قطنة: فددت نفسي فوارس من تميم ... غداة الروع في ضنك المقام فددت نفسي فوارس أكنفوني ... على الأعداء في رهج القتام بقصر الباهلي وقد رأوني ... أحامي حيث ضمن به المحام بسيفي بعد حطم الرمح قدماً ... أذودهم بذي شطب جسام أكر عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام أكر به لدى الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق بها مقامي فلولا الله ليس له شريك ... وضربى قونس الملك الهمام إذاً لسعت النساء بني دثار ... أما الترك بادية الخدام! فمن مثل المسيب في تميم ... أبى بشر كقدامة الحمام وقال جرير يذكر المسيب: لولا حماية يربوع نساءكم ... كانت لغيركم منهن أطهار حامى المسيب والخيلان في رهج ... إذ مازن ثم لا يحمى لها جار إذ لا عقال يحامى عن ذماركم ... ولا زرارة يحميها ووزار قال: وعور تلك الليلة أبو سعيد معاوية بن الحجاج الطائي، وشلت يده، وقد كان ولي ولاية قبل سعيد، فخرج عليه شيء مما كان بقي عليه فأخذ به، فدفعه سعيد إلى شداد بن خليد الباهلي ليحاسبه ويستأديه فضيق عليه شداد، فقال: يا معشر قيس، سرت إلى قصر الباهلي وأنا شديد البطش، حديد البصر؛ فعورت وشلت يدي، وقاتلت مع من قاتل حتى استنقذناهم بعد أن أشرفوا على القتل والأسر والسبي، وهذا صاحبكم يصنع بي ما يصنع، فكفوه عني، فخلاه. قال: وقال عبد الله بن محمد عن الرجل شهد ليلة قصر الباهلي قال: كنا في القصر، فلما التقوا ظننا أن القيامة قد قامت لما سمعنا من هماهم القوم ووقع الحديد وصهيل الخيل. ذكر الخبرعن غزو سعيد خذينة السغد وفي هذه السنة قطع سعيد خذينة نهر بلخ وعزا السغد، وكانوا نقضوا العهد وأعانوا الترك على المسلمين. ذكر الخبر عما كان من أمر سعيد والمسلمين في هذه الغزوة: وكان سبب غزو سعيد هذه الغزوة - فيما ذكر - إن الترك عادوا إلى السغد، فكلم الناس سعيداً وقالوا: تركت الغزو فقد أغار الترك، وكفر أهل السغد فقطع النهر، وقصد للسغد، فلقي الترك وطائفة من أهل السغد فهزمهم المسلمون، فقال سعيد: لا تتبعوهم؛ فإن السغد بستان أمير المؤمنين وقد هزمتموهم؛ أفتريدون بوارهم! وقد قاتلتم يا أهل العراق الخلفاء غير مرة فهل أباروكم! وسار المسلمون، فانتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقال عبد الرحمن ابن صبح: لا يقطعن هذا الوادي مجفف ولا راجل، وليعبر من سواهم. فعبروا، ورأيهم الترك فأكمنوا كميناً، وظهرت لهم خيل المسلمين فقاتلوهم، فانحاز الترك فاتبعوهم حتى جازوا الكمين، فخرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادي فقال لهم عبد الرحمن بن صبح: سابقوهم، ولا تقطعوا فإن أن قطعتم أبادوكم. فاصبروا لهم حتى انكشفوا عنهم فلم يتبعوهم، فقال قوم: قتل يومئذ شعبة بن زهير وأصحابه، وقال قوم: بل انكشف الترك منهم يومئذ منهزمين، ومعهم من أهل السغد. فلما كان الغد، خرجت مسلحة للمسلمين - والمسلحة يومئذ من بني تميم فما شعروا إلا بالترك معهم خرجوا عليهم من غيضة وعلى خيل بني تميم شعبة بن زهير، فقاتلهم شعبة فقتل؛ أعجلوه عن الركوب. وقتل رجل من العرب، فأخرجت جاريته حناء، وهو تقول: حتى متى أعد لك مثل هذا الخطاب، وأنت مختضب بالدم! مع كلام كثير فأبكت أهل العسكر. وقتل نحو من خمسين رجلاً وانهزم أهل المسلحة، وأتى الناس الصريخ، فقال عبد الرحمن بن المهلب العدوي: كنت أنا أول من آتاهم لما آتانا الخبر، وتحتي فرس جواد، فإذا عبد الله بن زهير إلى جنب شجرة كأنه قنفذ من النشاب؛ وقد قتل وركب الخليل بن أوس العبشري أحد بني ظالم وهو شاب - ونادى: يا بني تميم أنا الخليل؛ إلي! فانضمت إليه جماعة - فحمل بهم على العدو، فكفوهم ووزعوهم عن الناس حتى جاء الأمير والجماعة فانهزم العدو، فصار الخليل على خيل بني تميم يومئذ حتى ولى نصر بن سيار؛ ثم صارت رياسة بني تميم لأخيه الحكم بن أوس. وذكر علي بن محمد، عن شيوخه؛ أنسورة بن الحر قال لحيان: انصرف يا حيان، قال: عقيرة الله أدعها وأنصرف قال: يا نبطي قال: أمبط الله وجهك! قال: وكان حيان النبطي يكنف الحرب أبا الهياج، وله يقول الشاعر: أن أبا الهياج أريحى ... للريح في أثوابه دوي قال: وعبر سعيد النهر مرتين، فلم يجاوز سمرقند، نزل في الأولى بإيزاء العدو، فقال له حيان مولى مصقلة بن هبيرة الشيباني: أيها الأمير ناجذ أهل السغد فقال: لا، هذه بلاد أمير المؤمنين، فرأى دخاناً ساطعاً، فسأل عنه فقيل له: السغد قد كفروا ومعهم بعض الترك. قال: فناوشهم، فانهزموا فألحوا في طلبهم، فنادى منادي سعيد: لا تطلبوهم؛ إنما السغد بستان أمير المؤمنين، وقد هزمتموهم، أفتريدون بوارهم! وأنتم يا أهل العراق قد قاتلتم أمير المؤمنين غير مرة فعفا عنكم ولم يستأصلكم ورجع، فلما كان العام المقبل بعث رجالاً من بني تميم إلى ورغسر، فقال: ليتنا نلقى العدو فنطاردهم - وكان سعيد إذا بعث سرية فأصابوا وغنموا وسبوا ردذراري السبي وعاقب السرية، فقال الهجري وكان شاعراً: سريت إلى الأعداء تلهو بلعبة ... وأيرك مسلول وسيفك مغمد وأنت لمن عاديت عرس خفية ... وأنت علينا كالحسام المهند فلله در السغد لما تحزبوا ... ويا عجباً من كيدك المتردد! قال: فقال سورة بن الحر لعيد - وقد كان حفظ عليه، وحقد عليه قوله: أنبط الله وجهك - : إن هذا العبد أعد الناس للعرب والعمال، وهو أفسد خراسان على قتيبة بن مسلم وهو واثب بك، مفسد عليك خراسان؛ ثم يتحصن في بعض هذه القلاع. فقال: يا سورة لا تسمعن هذا أحداً. قم مكث أياماً ثم دعا في مجلسه بلبن، وقد أمر بذهب فسحق، والقى في إناء حيان فشربه، وقد خلط بالذهب، ثم ركب، فركب الناس أربعة فراسخ إلى باركث؛ كأنه يطلب عدواً، ثم رجع فعاش حيان أربعة أيام ومات في اليوم الرابع، فثقل سعيد على الناس وضعفوه، وكان رجل من بني أسد يقال له إسماعيل منقطعاً إلى مروان بن محمد، فذكر إسماعيل عند خذينة ومودته لمروان، فقال سعيد: وما ذاك الملط! فهجاه إسماعيل، فقال: زعمت خزيمة أنني ملط ... لخذينة المرآة والمشط ومجامر ومكاحل جعلت ... ومعازف وبخدها نقط أفذاك أم زغف مضاعفة ... ومهند من شانه القط لمقرس ذكر أخي ثقة ... لم يغذه التأنيث واللقط أغبضت أن بات ابن أمكم ... بهم وأن أباكم سقط إني رأيت نبالهم كسيت ... ريش اللؤام ونبلكم مرط ورأيتهم جعلوا مكاسرهم ... عند الندى وأنتم خلط عزل مسلم عن العراق وخراسان وفي هذه السنة عزل مسلم بن عبد الملك عن العراق وخراسان وانصرف إلى الشام. ذكر الخبر عن سبب عزله وكيف كان ذلكوكان شبب ذلك - فيما ذكر على بني محمد - أن مسلماً لما ولى ما ولى من أرض العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئاً، وأن يزيد بن عاتكة أرداد عزظله فاستحيا منه، وكتب إليه أن استخلف على عملك وأقبل. وقد قيل أن مسلم عبد العزيز بن حاتم بن النعمان في الشخوص إلى ابن عاتكة ليزوره، فقال له : أمن شوق بك إليه! أنك لطروب، وإن عهدك به لقريب، قال: لا بد من ذلك، قال: إذاً لا تخرج من عملك حتى تلقى الوالي عليه، فشخص؛ فلما بلغ دورين لقيه عمر بن هبيرة على خمس من دواب البريد، فدخل عليه ابن هبيرة، فقال: إلى أين يا ابن هبيرة؟ فقال: وجهني أمير المؤمنين غي حيازة أموال بني المهلب. فلما خرج من عنده أرسل إلى عبد العزيز فجاءه، فقال: هذا ابن هبيرة قد لقيناه كما ترى، قال: قد أنبأتك، قال: فإنه إنما وجهه لحيازة أموال بني المهلب، قال: هذا أعجب من الأول؛ يصرف عن الجزيرة ويوجه في حيازة أموال بني المهلب، قال: فلم يلبث أن جاءه عزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم فقال الفرزدق: راحت بمسلمة الركاب مودعا ... فارعى فزارة لا هناك المرتع عزل ابن بشر وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع ولق دعلمت لئن فزارة أمرت ... أن سوف تطمع في الإمارة أشجع من خلق ربك ما هم ولمثلهم ... في مثل ما نالت فزارة يطمع يعني بابن بشر عبد الملك بن بشر بن مراون، وبابن عمرو محمداً ذا الشامة بن عمرو بن الوليد، وبأخي هارة سعيد خذينة بن عبد العزيز، كان عامل لمسلمة على خراسان. وفي هذه السنة غزا عمر بن هبيرة الرزم بأرمينية، فهزمهم وأسر منهم بشراً كثيراً قيل سبعمائة أسير. بدء ظهور الدعوة وفيها وجه - فيما ذكر ميسرة - رسله من العراق إلى خراسان وظهر أمر الدعوة بها، فجاء رجل من بني تميم يقال له عمرو بن بحير بن ورقاء السعدي إلى سعيد خذينة، فقال له : إن هاهنا قوماً قد ظهر منهم كلام قبيح، فبعث إليهم سعيد فأتى بهم، فقال: من أنتم؟ قالوا: أناس من التجار؟ قال: فما هذا الذي يحكى عنكم؟ قالوا: لا ندري، قال: جئتم دعاة؟ فقالوا: إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلا عن هذا، فقال: من يعرف هؤلاء؟ فجاء أناس من أهل خراسان جلهم ربيعة واليمن، قالوا: نحن نعرفهم، وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه، فاخلي سبيلهم. ذكر خبر قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقيةوفيها - أعني سنة اثنتين ومائة - قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية وهو وال عليها. ذكر الخبر عن سبب قتله: وكان سبب ذلك أنه كان - فيما ذكر - عزم أن يسير بهم بسيرة الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق ممن ردهم إلى قراهم ورساتيقهم، ووضع الجزية على رقابهم على نحو ماكانت تؤخذ منهم مهم على كفرهم، فلما عزم على ذلك تآمروا في أمره، فأجمع رأيهم - فيما ذكر - على قتله فقتلوه، وولوا على أنفسهم الذي كان عليهم قبل يزيد بن أبي مسلم؛ وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار وكان في جيش يزيد بن أبي مسلم، وكتبوا إلى يزيد بن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة؛ ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضى الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا عاملك. فكتب ألهم يزيد بن عبد الملك إني لم أرض ما صنع يزيد بن أبي مسلم، وأقر محمد بن زيد على إفريقية. وفي هذه السنة استعمل عمر بن هبيرة بن معية بن سكين بن خديج بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة على العراق وخراسان. وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك؛ كذلك قال أبو معشر والواقدي. وكان العامل على المدينة عبد الرحمن بن الضحاك وعلى مكة عبد العزيز ابن عبد الله بن خالد بن أسيد. وعلى الكوفة محمد بن عمرو ذو الشامة، وعلى قضائها القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وعلى البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، وعلى خراسان سعيد خذينة، وعلة مصر أسامة بن زيد. ثم دخلت سنة ثلاث ومائة ذكر الخبر عما كان فيا من الأحداث عزل سعيد خذينة عن خراسان فمما كان فيها من ذلك عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان، وكان سبب عزله عنها - فيما ذكر علي بن محمد عن أشياخه أن المجشر بن مزاحم السلمى وعبد الله بن عمير الليثي قدما على عمر بن هبيرة، فشكواه فعزله، واستعمل سعيد بن عمرو بن الأسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وخذينة غاز بباب سمرقند، فبلغ الناس عزله، فقفل خذينة، وخلف بسمرقند ألف فارس، فقال نهار بن توسعة: فمن ذاك مبلغ فتيان قومي ... بأن النبل ريشت كل ريش بأن الله أبدل من سعيد ... سعيداص لا المخنث من قريش قال: ولم يعرض سعيد الحرشي لأحد من عمال خذينة، فقرأ رجل عهده فلحن فيه، فقال سعيد: صه مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه بريء، فقال الشاعر يضعف الحرشي في هذا الكلام: تبدلنا سعيداً من سعيد ... لجد السوء والقدر المتاح قال الطبري: وفي هذه السنة غزا العباس بن الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسلة. وفيها أغارت الترك عن اللان. وفيها ضمت مكة إلى عبد الرحمن بن الضحاك الفهري، فجمعت له مع المدينة. وفيها ولى عبد الواحد بن عبد الله النضري، الطائف وعزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد عن مكة وفيها أمر عبد الرحمن بن الضحاك أن يجمع بين أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعثمان بن حيان النوري، وكان من أمره وأمرهما ما قد مضى ذكره. وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري كذلك قال أبو معشر والواقدي. وكان عمل يزيد بن عاتكة في هده السنة على مكة والمدينة عبد الرحمن بن الضحاك، وعلى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النضري. وعلى العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وعلى خراسان سعيد بن عمرو الحرشي من قبل عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى. استعمال ابن هبيرة سعيداً الحرشي على خراسان وفيها استعمل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي على خراسان. ذكر الخبر عن سبب استعماله الحرشي على خراسانذكر علي بن محمد عن أصحابه عن ابن هبيرة لما ولى العراق، كتب إلى يزيد بن عبد الملك بأسماء من أبلى يوم العقر، ولم يذكر الحرشي، فقال يزيد بن عبد الملك: لما لم يذكر الحرشي؟ فكتب إلى ابن هبيرة: ول الحرشي خراسان. فولاه، فقدم الحرشي على مقدمته المجشر بن مزاحم السلمى سنة ثلاث ومائة، ثم قدم الحرشي خراسان، والناس بإيزاء العدو، وقد كانوا نكبوا، فخطبهم وحثهم على الجهاد، فقال: أنكم لا تقاتلون عدو الإسلام بكثرة ولا بعدة، ولكن بنصر الله وعز الإسلام فقولوا لاحول ولا قوة إلا بالله. وقال: فلست لعامر إن لم تروني ... أما الخيل أطعن بالعوالي فأضرب هامة الجبار منهم ... بغضب الحد حودث بالصقال فما أنا في الحروب بمستكين ... وأخشى مصاولة الرجال أبى لي والدي من كل ذنب ... وخالي في الحوادث خير خال إذا خطرت أماي حي كعب ... وزافت الجبال بنو هلال ارتحال أهل السغد عن بلادهم إلى فرغانة وفي هذه السنة ارتحل أهل السغد عن بلادهم عند مقدم سعيد بن عمرو الحرشي فلحقوا بفرغانة فسألوا ملكها معونتهم على المسلمين. ذكر الخبر عما كان منهم ومن صاحب فرغانةذكر علي بن محمد عن أصحابه أن السغد كانوا قد أعانوا الترك أيام خذينة، فلما وليهم الحرشي خافوا على أنفسهم، فأجمع عظمائهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم لا تفعلوا أقيموا واحملوا إليه خراج مامضى، واضمنوا له خراج ما تستقبلون، واضمنوا له عمارة أرضيكم والغزو معه إن أراد ذلك . واعتذروا مما كان منكم، وأعطوه رهائن يكونون في يديه. قالوا: نخاف ألا يرضى ولا يقبل منا، ولكنا نأتي خجنده، فنستجير ملكها، ونرسل إلى الأمير فنسأله الصفح كما كان منا ونوثق له ألا يرى أمراً يكرهه، فقال: أنا رجل منكم، وما أشرت به عليكم كان خيراً لكم، فأبوا فخرجوا إلى خجندة، وخرج كارزنج وكشين وبياركث وثابت بأهل إشتيخاً، فأرسلوا إلى ملك فرغانة الطار يسألونه أن يمنعهم وينزلهم مدينته. فهم أن يفعل، فقالت له أمه: لا تدخل هؤلاء الشياطين مدينتك، ولكن فرغ لهم رستاقاً يكونون فبه، فأرسل إليهم: سموا لي رستاقاً أفرغه لكم، وأجلوني أربعين يوماً - ويقال: عشرين يوماً - وإن شئتم فرغت لكم شعب عصام بن عبد الله الباهلي - وكان قتيبة خلفه فيهم - فقبلوا شعب عصام. فأرسلوا إليه : فرغه لنا، قال: نعم، وليس لكم علي عقد ولا جوار حتى تدخلوه؛ وإن أتتكم العرب قبل أن تدخلوه لم أمنعكم، فرضوا؛ ففرغ لهم الشعب. وقد قيل: إن ابن هبيرة بعث إليهم قبل أن يخرجوا من بلادهم يسألهم أن يقيموا، ويستعمل عليهم من أحبوا، فأبوا وخرجوا إلى خجندة وشعب عصام بن رستاق أسفرة - وأسفرة يومئذ ولي عهد ملك فرغانا بلاذا، وبيلاذا أنوجور ملكها. وقيل: قال لهم كارزنج: أخيركم ثلاث خصال، إن تركتموها هلكتم: إن سعيداً فارس العرب، وقد توجه على مقدمته عبد الرحمن بن عبد الله القشيري في حماة أصحابه، فبيتوه فاقتلوه؛ فإن الحرشي إذا أتاه خبره لم يغزكم، فأبوا عليه، قال: فاقطعوا نهر الشاش، فسلوهم ماذا تريدون؟ فإن أجابوكم وإلا مضيتم إلى سوياب، قالوا: لا قال: فأعطوهم. قال: فارتحل كارزنج وجلنج بأهل قي، وأباربن ماخنون وثابت بأهل إشتيخن، وارتحل أهل بياكرث وأهل سسكث بألف رجل عليهم مناطق الذهب مع دهاقين بزماجن، فارتحل الديواشني بأهل بنجيكث إلى حصن أبغر، ولحق كارزنج وأهل السغد بخجندة. الجزء السابع بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة أربع ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الوقعة بين الحرشيّ والسُّغد ففي هذه السنة كانت وقعة الحرشي بأهل السغد وقتله من قتل من دهاقينها ذكر الخبر عن أمره وأمرهم في هذه الوقعة ذكر عليّ عن أصحابه أن الحرشيّ غزا في سنة أربع ومائة فقطع النهر، وعرض الناس، ثم سار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسية، ولم يجتمع إليه جنده. قال: فأمر الناس بالرحيل، فقال له هلال بن عليم الحنظليّ: يا هناه، إنك وزيراً خير منك أميراً الأرض حرب شاغرة برجلها، ولم يجتمع لك جندك، وقد أمرت بالرحيل! قال: فكيف لي؟ قال: تأمر بالنزول، ففعل. وخرج النّيلان ابن عمّ ملك فرغانة إلى الحرشيّ، وهو نازل على مغون فقال له: إن أهل السغد بخجندة؛ وأخبره خبرهم وقال: عاجلهم قبل أن يصيروا إلى الشِّعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل. فوجّه الحرشيّ مع النيلان عبد الرحمن القشيريّ وزياد بن عبد الرحمن القشيريّ في جماعة، ثم ندم على ما فعل فقال: جاءني علج لا أدري صدق أم كذب، فغرّرت بجند من المسلمين. وارتحل في أثرهم حتى نزل في أشروسنة، فصالحهم بشيء يسير فبينا هو يتعشىّ إذ قيل له: هذا عطاء الدبوسيّ وكان فيمن وجهه مع القشيريّ ففزع وسقطت اللُّقمة من يده، ودعا بعطاء، فدخل عليه، فقال: ويلك! قاتلتم أحداً؟ فقال: لا، قال: الحمد للّه، وتعشّى، وأخبره بما قدم له عليه. فسار جواداً مغذّاً، حتى لحق القشيريّ بعد ثالثة، وسار فلما انتهى إلى خجندة، قال للفضل بن بسام: ما ترى؟ قال: أرى المعالجة، قال: لا أرى ذلك، إن جرح رجلٌ فإلى أين يرجع! أو قتل قتيل فإلى من يحمل! ولكني أرى النزول والتأني والاستعداد للحرب، فنزل فرفع الأبنية وأخذ في التأهب، فلم يخرج أحد من العدوّ، فجبَّن الناس الحرشيّ، وقالوا كان هذا يذكر بأسه بالعراق ورأيه، فلما صار بخرسان ماق. قال: فحمل رجلٌ من العرب، فضرب باب خجندة بعمود ففتح الباب، وقد كانوا حفروا في ربضهم وراء الباب الخارج خندقاً، وغطوه بقصب، وعلّوه بالتراب مكيدة، وأرادوا إذا التقوا إن انهزموا أن يكونوا قد عرفوا الطريق، ويشكل على المسلمين فيسقطوا في الخندق. قال: فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا، وأخطئوهم الطريق، فسقطوا في الخندق فأخرجوا من الخندق أربعين رجلاً، على الرّجل درعان درعان، وحصرهم الحرشيّ، ونصب عليهم المجانيق، فأرسلوا إلى ملك فراغانة: غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال لهم: لم أغير ولا أنصركم؛ فانظروا لأنفسكم؛ فقد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري. فلما أيسوا من نصره طلبوا الصلح، وسألوا الأمان وأن يردّهم إلى السُّغد، فاشترط عليهم أن يردّوا من في أيديهم من نساء العرب وذراريّهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الحراج، ولا يغتالوا أحداً، ولا يتخلف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثاً حلت دماؤهم. قال: وكان السَّفير فيما بينهم موسى بن مشكان مولى آل بسام، فخرج إليه كارزنج، فقال له: إنّ لي حاجةً أحب أن تشفِّعني فيها، قال: وما هي؟ قال: أحب إن جنى منهم رجل جناية بعد الصلح ألاّ تأخذني بما جنى، فقال الحرشيّ: ولي حاجة فاقضها، قال: وما هي؟ قال: لا يلحقني في شرطي ما أكره. قال: فأخرج الملوك والتجار من الجانب الشرقيّ، وترك أهل خجندة الذين هم أهلها على حالهم، فقال كارزنج للحرشيّ: ما تصنع؟ قال: أخاف عليكم معرّة الجند، قال: وعظماؤهم مع الحرشيّ في العسكر نزلوا على معارفهم من الجند، ونزل كارزنج على أيوب بن أبي حسان، فبلغ الحرشيّ أنهم قتلوا امرأة من نساء كنَّ في أيديهم، فقال لهم: بلغني أن ثابتأَ الأشتيخنيّ قتل امرأة ودفنها تحت حائط، فجحدوا فأرسل الحرشيّ إلى قاضي خجندة، فنظروا فإذا المرأة المقتولة. قال فدعا الحرشيّ بثابت، فأرسل كارزنج غلامه إلى باب السرادق ليأتيه بالحبر، وسأل الحرشيّ ثابتاً وغيره عن المرأة، فجحد ثابت وتيقن الحرشيّ أنه قتلها فقتله، فرجع غلام كارزنج إليه بقتل ثابت، فجعل يقبض على لحيته ويقرضها بأسنانه، وخاف كارزنج أن يستعرضهم الحرشيّ، فقال لأيوب بن أبي حسان: إني ضيفك وصديقك، فلا يجمل بك أن يقتل صديقك في سراويل خلق، قال: فخذ سروالي. قال: وهذا لا يجمل، أقتل في سرويلاتكم! فسرّح غلامك إلى جلنج ابن أخي يجيئوني بسراويل جديد وكان قد قال لابن أخيه: إذا أرسلت إليك أطلب سراويل فاعلم أنه القتل فلما بعث بسراويل أخرج فرندة خضراء فقطّعها عصائب، وعصبها برءوس شاكريّته، ثم خرج هو وشاكرّيته، فاعترض الناس فقتل ناساً، ومرّ بيحي بن حضين فنفحه نفحه على رجله، فلم يزل يخمع منها وتضعضع أهل العسكر، ولقي الناس منه شراً؛ حتى انتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود في طريق ضيق، فقتله ثابت بسيف عثمان بن مسعود. وكان في أيدي السُّغد أسراء من المسلمين فقتلوا منهم خمسين ومائة، ويقال: قتلوا منهم أربعين؛ قال: فألفت منهم غلام فأخبرالحرشيّ ويقال: بل أتاه رجل فأخبره - فسألهم فجحدوا، فأرسل إليهم من علم علمهم، فوجد الخبر حقاً، فأمر بقتلهم، وعزل التجار عنهم - وكان التجار أربعمائة، كان معهم مال عظيم قدموا به من الصين - قال: فامتنع أهل السُّغد، ولم يكن لهم سلاح، فقاتلوا بالخشب، فقتلوا عن آخرهم. فلما كان الغد دعا الحراثين - ولم يعلموا ما صنع أصحابهم - فكان يختم في عنق الرجل ويخرج من حائط إلى حائط فيقتل، وكانوا ثلاثة آلاف - ويقال سبعة آلاف - فأرسل جرير بن هميان والحسين بن أبي العمرطة ويزيد بن أبي زينب فأحصوا أموال التجار - وكانوا اعتزلوا وقالوا: لا نقاتل - فاصطفى أموال السغد وذراريّهم، فأخذ منها ما أعجبه، ثم دعا مسلم بن بديل العدويّ؛ عديّ الرباب، فقال: قد وليتك المقسم، قال: بعد ما عمل فيه عمالك ليلة! ولِّه غيري؛ فولاه عبيد الله بن زهير بن حيان العدوي، فأخرج الخمس، وقسّم الأموال؛ وكتب الحرشيّ إلى يزيد بن عبد الملك، ولم يكتب إلى عمر بن هبيرة، فكان هذا مما وجد فيه عليه عمر بن هبيرة، فقال ثابت قطنة يذكر ما أصابوا من عظمائهم: أقرَّ العين مصرع كارزنج ... وكشَّينٍ وما لاقى بيار وديواشنى وما لاقى جلنجٌ ... بحصن خجند إذ دمروا فباروا ويروى: " أقر العين مصرع كارزنج، وكشكيش " ؛ ويقال: إن ديواشني دهقان أهل سمرقند، واسمه ديواشنج فأعربوه ديواشني. ويقال: كان على أقباض خجندة علباء بن أحمر اليشكريّ، فاشترى رجل منه جونة بدرهمين، فوجد فيها سبائك ذهب، فرجع وهو واضعٌ يده على عينه كأنه رمد، فردَّ الجونة، وأخذ الدرهمين، فطلب فلم يوجد. قال: وسرّح الحرشيّ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوافة إلى قلعة لا يطيف بها وادي السُّغد إلاّ من وجه واحد. ومعه شوكر بن حميك وخوارزم شاه وعورم صاحب أخرون وشومان؛ فوجّه سليمان بن أبي السريّ على مقدّمته المسيّب بن بشر الرياحيّ، فتلقوه من القلعة على فرسخ في قرية يقال لها كوم، فهزمهم المسيّب حتى ردهم إلى القلعة فحصرهم سليمان، ودهقانها يقال له ديواشني. قال: فكتب إليه الحرشيّ فعرض عليه أن يمدّه، فأرسل إليه: ملتقانا ضيق فسر إلى كسّ؛ فإنا في كفاية الله إن شاء الله فطلب الديواشني أن ينزل على حكم الحرشيّ، وأن يوجّهه مع المسيّب بن بشر إلى الحرشيّ، فوفى له سليمان ووجّهه إلى سعيد الحرشيّ، فألطفه وأكرمه مكيدةً، فطلب أهل القلعة الصُّلح بعد مسيره على ألا يعرض لمائة أهل بيت منهم ونسائهم وأبنائهم ويسلمون القلعة. فكتب سليمان إلى الحرشيّ أن يبعث الأمناء في قبض ما في القلعة. قال: فبعث محمد بن عزيز الكنديّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ، فباعوا ما في القلعة مزايدةً، فأخذ الخمس، وقسم الباقي بينهم. وخرج الحرشيّ إلى كسّ فصالحوه على عشرة آلاف رأس. ويقال: صال دهقان كسّ، واسمه ويك - على ستة آلاف رأس، يوفيه في أربعين يوماً على ألا يأتيه فلما فرغ من كسّ خرج إلى ربنجن، فقتل الديواشنيّ، وصلبه على ناووس وكتب على أهل ربنجن كتاباً بمائة إن فقد من موضعه؛ وولّى نصر بن يسار قبض صلح كسّ، ثم عزل سورة بن الحرّ وولّى نصر بن يسار، واستعمل سليمان بن أبي السري على كسّ، ونسف حربها وخراجها، وبعث برأس الديواشنيّ إلى العراق، ويده اليسرى إلى سليمان بن أبي السريّ إلى طخارستان. قال: وكانت خزار منيعة، فقال المجشّر بن مزاحم لسعيد بن عمر الحرشيّ: ألا أدلك على من يفتحها لك بغير قتال؟ قال: بلى قال: المسربل بن الخرّيت بن راشد الناجيّ، فوجهه إليها - وكان المسربل صديقاً لملكها، واسم الملك سبقري. وكانوا يحبّون المسربل - فأخبر الملك ما صنع الحرشيّ بأهل خجندة وخوّفه، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تنزل بأمان، قال: فما أصنع بمن لحق بي من عوامّ الناس؟ قال: نصيّرهم معك في أمانك ، فصالحهم فأمنوه وبلاده. قال: ورجع الحرشيّ إلى مرو ومعه سبقري، فلما نزل أسنان وقدم مهاجر بن زيد الحرشيّ، وأمره أن يوافيه ببرذون بن كشانيشاه قتل سبقري وصلبه ومعه أمانه - ويقال: كان هذا دهقان ابن ماجر قدم على ابن هبيرة فأخذ أماناً لأهل السُّغد، فحبسه الحرشيّ في قهندر مرو، فلما قدم مرو دعا به، وقتله وصلبه في الميدان، فقال الراجز: إذا سعيدٌ سار في الأخماس ... في رهج يأخذ بالأنفاس دارت على الترك أمرُّ الكاس ... وطارت الترك على الأحلاس ولو فراراً عطل القياس وفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضّحاك بن قيس الفهريّ عن المدينة ومكة، وذلك للنصف من شهر ربيع الأول، وكان عامله على المدينة ثلاث سنين. وفيها ولّي يزيد بن عبد الملك المدينه عبد الواحد النضريّ. ذكر الخبر عن سبب عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن ابن الضاحك عن المدينة وما كان ولاه من الأعمال وكان سبب ذلك - فيما ذكر محمد بمن عمر، عن عبد الله بن محمد بن أبي يحي - قال: خطب عبد الرحمن بن الضحّاك بن قيس الفهريّ فاطمة ابنة الحسين، فقالت: والله ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بنيّ هؤلاء؛ وجعلت تحاجزه وتكره أن تنابذه لما تخاف منه. قال: وألح عليها وقال: والله لئن لم تفعلي لأجلدنّ أكبر بنيك في الخمر - يعني عبد الله بن الحسن - فبينا هو كذلك؛ وكان على ديوان المدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام، فكتب إليه يزيد أن يرفع حسابه، ويدفع الديوان، فدخل على فاطمة بنت الحسين يودّعها، فقال: هل من حاجة؟ فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من ابن الضحّاك، وما يتعرّض منّي. قال: وبعثت رسولاً بكتاب إلى يزيد تخبره وتذكر قرابتها ورحمها، وتذكر ما ينال ابن الضحاك منه، وما يتوعدها به. فقال: فقدم ابن هرمز والرّسول معاً. قال: فدخل ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل كان من مغرّبة خبر؟ فلم يذكر ابن هرمز من شأن ابنة الحسين، فقال الحاجب: أصلح الله الأمير؟؟؟؟؟! بالباب رسول فاطمة بنت الحسين، فقال ابن هرمز: أصلح الله الأمير! إن فاطمة بنت الحسين يوم خرجت حمَّلتني رسالة إليك فأخبره الخبر. قال: فنزل من أعلى فراشه، وقال: لا أم لك! ألم أسألك هل من مغرّبة خبر، وهذا عندك لا تخبرينه! قال: فاعتذر بالنسيان. قال: فأذن للرسول فأدخله، فأخذ الكتاب، فاقترأه. قال: وجعل يضرب بخيزران في يديه وهو يقول: لقد اجترأ ابن الضّحاك! هل من رجل يسمعني صوته في العذاب وأنا على فراشي؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضريّ. قال: فدعا بقرطاس، فكتب بيده: إلى عبد الواحد بن عبد الله بن بشر النَّضريّ وهو بالطائف: سلام عليك؛ أما بعد فإني قد وليّتك المدينة، فإذا جاءك كتابي هذا فاهبط واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذّبه حتى أسمع صوته وأنا على فراشي. قال: وأخذ البريد الكتاب، وقدم به المدينة، ولم يدخل على ابن الضّحاك وقد أوجست نفس ابن الضحاك، فأرسل إلى البريد، فكشف له عن طرف المفرش، فإذا ألف دينار، فقال: هذه ألف دبنار لك ولك العهد والميثاق؛ لئن أنت أخبرتني خبر وجهك هذا دفعتها إليك، فأخبره، فاستنظر البريد ثلاثاً حتى يسير، ففعل. ثم خرج ابن الضحاك، فأغذّ السُّير حتى نزل على مسلمة بن عبد الملك، فقال: أنا في جوارك، فغدا مسلمة على يزيد فرققه وذكر حاجة جاء لها، فقال: كل حاجة تكلمت فيها فهي يدك مالم يكن ابن الضحاك، فقال هو والله ابن الضحاك! فقال: والله لا أعفيه أبداً وقد فعل ما فعل، قال: فردّه إلى المدينة إلى النَّضريّ. قال عبد الله بن محمد: فرأيته في المدينة عليه جبة من صوف يسأل الناس، وقد عذِّب ولقي شراًّ، وقدم النَّضريّ يوم السبت للنصف من شوال سنة أربع ومائة. قال محمد بن عمر: حدثّني إبراهيم بن عبد الله بن أبي فروة، عن الزّهريّ، قال: قلت لعبد الرحمن بن الضحاك: إنك تقدم على قومك وهم ينكرون كل شيء خالف فعلهم، فلزم ما أجمعوا عليه، وشاور القاسم ابن محمد وسالم بن عبد الله؛ فإنهما لا يألوانك رشداً. قال الزهريّ: فلم يأخذ بشيء من ذلك، وعادى الأنصار طراً، وضرب أبا بكر بن حزم ظلماً وعدواناً في باطل، فما بقي منهم شاعر إلا هجاه، ولا صالح إلا عابه وأتاه بالقبيح، فلما ولي هشام رأيته ذليلاً. وولي المدينه عبد الواحد بن عبد الله بن بشر فأقام بالمدينة لم يقدم عليهم والٍ أحب عليهم منه، وكان يذهب مذاهب الخير، لا يقطع أمراً إلا استشار فيه القاسم وسالماً. وفي هذه السنة غزا الجرّاح بن عبد الله الحكميّ - وهو أمير على أرمينية وأذربيجان - أرض الترك ففتح على يديه بلنجر، وهزم الترك وغرقهم وعامة ذراريهم في الماء، وسبوا ما شاءوا، وفتح الحصون التي تلي بلنجر وجلا عامة أهلها. وفيها ولد - فيما - ذكر أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ في شهر ربيع الآخر. وفيها دخل أبو محمد الصادق وعدة من أصحابه من خرسان إلى محمد ابن عليّ، وقد ولد أبو العباس قبل ذلك بخمس عشرة ليلة، فأخرجه إليهم في خرقة، وقال لهم: والله ليتمنّ هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدّوكم. وفي هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ عن خراسان، وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي. ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ عن خراسان ذكر أنّ سبب ذلك كان من موجدة وجدها عمر على الحرشي في أمر الديواشنيّ، وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وكان البريد والرسول إذا ورد من العراق قال له: كيف أبو المثنى؟ ويقول لكاتبه: اكتب إلى أبي المثنّى ولا يقول: " الأمير " ، ويكثر أن يقول: قال أبو المثنى وفعل أبو المثنى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعا جميل بن عمران، فقال له: بلغني أشياء عن الحرشي، فأخرج إلى خراسان، وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين، واعلم لي علمه. فقدم جميل، فقال له الحرشيّ: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين. فقيل للحرشيّ ما قدم جميل لينظر في الدواوين، وما قدم إلا ليعلم علمك، فسم بطيخة، وبعث بها إلى جميل، فأكلها فمرض، وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فعولج واستبلّ وصحّ، فقال لابن هبيرة: الأمر أعظم مما بلغك؛ ما يرى سعيد إلا أنك عامل من عماله. فغضب عليه وعزله وعذبه، ونفخ في بطنه النمل، وكان يقول حين عزله: لو سألني عمر درهماً يضعه في عينه ما أعطيته؛ فلما عذب أدّى، فقال له رجل: ألم تزعم أنك لا تعطيه درهماً! قال: لا تعنّفني؛ إنه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أذينة بن كليب - أو كليب بن أذينة: تصبر أبا يحيى فقد كنت علمنا ... صبوراً ونهاضاً بثقل المغارم وق عليّ بن محمد: إنّما غضب عليه ابن هبيرة أنه وجه معقل بن عروة إلى هراة؛ إما عاملاً وإما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل أن يمرّ علي الحرشيّ، وأتى هراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، وكتب إلى الحرشي، فكتب الحرشي إلى عامله: أن احمل إليّ معقلاً، فحمله، فقال له الحرشي: ما منعك من إتياني قبل أن تأتي هراة؟ قال: أنا عامل لابن هبيرة ولاني كما ولاك، فضربه مائتين وحلّقه. فعزله ابن هبيرة، واستعمل على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة، فكتب إلى الحرشي يلخنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللّخناء. وكتب إلى مسلم أن احمل إليّ الحرشي مع معقل بن عروة، فدفعه إليه، فأساء به وضيّق عليه، ثم أمره يوماً فعذبه، وقال: اقتله بالعذاب. فلما أمسى ابن هبيرة سمر فقال: من سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قال: دعوا هذا، سيد قيس الكوثر بن زفر، لو بوّق بليل لوافاه عشرون ألفاً، لا يقولون: لم دعوتنا ولا يسألونه، وهذا الحمار الذي في الحبس - قد أمرت بقتله - فارسها؛ وأما خير قيس لها فعسى أن أكونه؛ إنه لم يعرض إليّ أمرٌ أرى أني أقدر فيه على منفعة وخير إلا جررته إليهم، فقال له أعرابيّ من بني فزارة: ما أنت كما تقول، لو كنت كذلك ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل أن كف عما كنت أمرتك به. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: لمّا هرب ابنُ هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بن عمرو الحرشيّ، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة، وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قبيض، فعرفه الحرشي فقال له: قبيض؟ قال: نعم، قال: أفي السفينة أبو المثنى؟ قال: نعم. قال: فخرج إليه ابنُ هبيرة، فقال له الحرشي: أبا المثنى، ما ظنك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلاً من قومك إلى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنّجاء. قال عليّ: قال أبو إسحاق بن ربيعة: لما حبس ابن هبيرة الحرشيّ دخل عليه معقل بن عروة القشيري، فقال: أصلح الله الأمير! قيّدت فارس قيس وفضحته، وما أنا براض عنه؛ غير أني لم أحبّ أن تبلغ منه ما بلغت، قال: أنت بيني وبينه، قدمت العراق فوليته البصرة، ثم وليته خراسان، فبعث إليّ ببرذون حطم واستخف بأمري، وخان فعزلته، وقلت له: يا بن نَسْعة، فقال لي: يا بن بُسرة. فقال معقل: وفعل ابن الفاعلة! ودخل على الحرشي السجن، فقال: يا بن نسعة أمك دخلت واشتريت بثمانين عنزاً جرباً، كانت مع الرّعاء ترادفها الرجال مطية الصادر والوارد، تجعلها نداً لبنت الحارث بن عمرو بن حرجدة! وافترى عليه، فلما عزل ابن هبيرة، وقدم خالد العراق استعدى الحرشي على معقل ابن عروة، وأقام البينة أنه قذفه، فقال للحرشي: اجلده، فحده، وقال: لولا أنّ ابن هبيرة وهّن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: أسأت إلى ابن عمك وقذفته، فأداله الله منك، فصرت لا شهادة لك في المسلمين، وكان معقل حين ضرب الحدّ قذف الحرشي أيضاً، فأمر خالد بإعادة الحدّ، فقال القاضي: لا يُحدّ. قال: وأم عمر ابن هبيرة بُسرة بنت حسان، عدويّة من عديّ الرباب. ولاية مسلم بن سعيد على خراسان وفي هذه السنة ولّى عمرُ بن هبيرة مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة بن عمرو بن خويلد الصعق خراسان بعد ما عزل سعيد بن عمرو الحرشي عنها. ذكر الخبر عن سبب توليته إياها: ذكر عليّ بن محمد أنّ أبا الذيّال وعليّ بن مجاهد وغيرهما حدّثوه، قالوا: لما قتل سعيد بن أسلم ضمّ الحجاج ابنه مسلم بن سعيد مع ولده، فتأدّب ونبل، فلما قدم عديّ بن أرطاة أراد أن يوليه، فشاور كاتبه، فقال: وله ولايةً خفيفة ثم ترفعه، فولاه ولاية، فقام بها وضبطها وأحسن؛ فلما وقعت فتنة يزيد بن المهلب حمل تلك الأموال إلى الشام، فلما قدم عمر بن هبيرة أجمع على أن يولّيَه ولاية، فدعاه ولم يكن شاب بعد، فنظر فرأى شيبةً في لحيته، فكبّر. قال: ثم سمر ليلة ومسلم في سَمَرِه، فتخلف مسلم بعد السمار، وفي يد ابن هبيرة سفرجلة، فرمى بها، وقال: أيسرك أن أوليك خراسان؟ قال: نعم، قال: غدوة إن شاء الله. قال: فلما أصبح جلس، ودخل الناس؛ فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده، وأمره بالسير، وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد، ودعا بجبلة بن عبد الرحمن مولى باهلة فولاّه كرمان، فقال جبلة: ما صنعت بي المولوية! كان مسلم يطمع أن ألي ولاية عظيمة فأوليه كورة، فعقد له على خراسان وعقد لي على كرمان! قال: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة أربع ومائة - أو ثلاث ومائة - نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقاً، فأتى دار الدوابّ فوجد الباب مغلقاً فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلقاً، فصلى. وخرج وصيفٌ من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلم الحرشي، وقيل له: قدم مسلم بن سعيد بن أسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميراً أو وزيراً أو زائراً؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خراسان زائراً ولا وزيراً، فأتاه الحرشي فشتمه وأمر بحبسه، فقيل له: إن أخرجته نهاراً قتل، فأمر بحبسه عنده حتى أمسى، ثم حبسه ليلاً وقيّده، ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قيداً. فأتاه حزيناً، فقال: مالك؟ فقال: أمرت أن أزيدك قيداً، فقال لكاتبه: اكتب إليه: إن صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيداً، فإن كان أمراً ممنّ فوقك فسمعاً وطاعةً، وإن كان رأياً رأيته فسيرك الحقحقة، وتمثل: هم إن يثقفوني يقتلوني ... ومن أثقف فليس إلى خلود ويروى: فإما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود هم الأعداء إن شهدوا وغابوا ... أولوا الأحقاد والأكباد سود أريغوني إراغتكم فإني وحذقة كالشجا تحت الوريد ويروى: " أريدوني إرادتكم " . قال: وبعث مسلم على كوره رجلاً من قبله على حربها. قال: وكان ابن هبيرة حريصاً، أخذ قهرماناً ليزيد بن المهلب، له علم بخراسان وبأشرافهم، فحبسه فلم يدع منهم شريفاً إلا قرفه، فبعث أبا عبيدة العنبريّ ورجلاً يقال له خالد، وكتب إلى الحرشيّ وأمره أن يدفع الذين سمّاهم إليه يستأديهم فلم يفعل، فردّ رسول ابن هبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد أمره بجباية تلك الأموال، فلمّا قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الأموال التي قرفت عليهم، فقيل له: إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى توضع عنهم فسدت عليك وعليهم خراسان؛ لأنّ هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الأموال أعيان البلد قرفوا بالباطل؛ إنما كان على مهزم بن جابر ثلثمائة ألف فزادوا مائة ألف فصارت أربعمائة ألف، وعامة من سموا لك ممن كثر عليه بمنزله. فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفداً فيهم مهزم بن جابر، فقال له مهزم بن جابر: أيها الأمير؛ إن الذي رفع إليك الظلم والباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق إلا القليل الذي لو أخذنا به أديناه، فقال ابن هبيرة: " إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " ، فقال: اقرأ ما بعدها: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " . فقال ابن هبيرة لا بد من هذا المال، قال: أما والله لئن أخذته لتأخذنه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوّك، وليضرّنّ ذلك بأهل خراسان في عدّتهم وكراعهم وحلقتهم؛ ونحن في ثغر نكابد فيه عدواً لا ينقضي حربهم؛ إنّ أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه إلى جلده، حتى إن الخادم التي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذي تخدمه لريح الحديد؛ وأنتم في بلادكم متفضلون في الرقاق وفي المعصفرة؛ والذين قرفوا بهذا المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي: وقبلنا قوم قدموا علينا من كلّ فجّ عميق، فجاءوا على الحرمات، فولوا الولايات، فاقتطعوا الأموال؛ فهي عندهم موقرة جمة. فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بن سعيد بما قال الوفد، وكتب إليه أن استخرج هذه الأموالممن ذكر الوفد أنها عندهم. فلما أتى مسلماً كتابُ ابن هبيرة أخذ أهل العهد بتلك الأموال، وأمر حاجب بن عمروا الحارثيّ أن يعذّبهم، ففعل وأخذ منهم ما فرّق عليهم. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقدي. وكان العامل على مكة والمدينة والطائف في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري، وعلى العراق والمشرق عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة حسين بن الحسن الكندي، وعلى قضاء البصرة عبد الملك بن يعلى. ثم دخلت سنة خمس ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة الجرّاح بن عبد الله الحكميّ اللاّن؛ حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بلَنجر، ففتح بعض ذلك، وجلى عنه بعض أهله، وأصاب غنائم كثيرة. وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرض الروم، فبعث سرية في نحو من ألف مقاتل، فأصيبوا - فيما ذكر - جميعاً. وفيها غزا مسلم بن سعيد الترك، فلم يفتح شيئاً، فقفل ثم غزا أفشينة مدينة من مدائن السغد بعد في هذه السنة، فصالح ملكها وأهلها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنّ مسلم بن سعيد مرزب بهرام سيس فجعله المرزبان. وأنّ مسلماً غزا في آخر الصيف من سنة خمس ومائة، فلم يفتح شيئاً وقفل، فاتّبعه الترك فلحقوه، والنّاس يعبرون نهر بلْخ وتميم على الساقة، وعبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا. ومات يزيد بن عبد الملك، وقام هشام، وغزا مسلم أفشين فصالح ملكهاعلى ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام سنة خمس ومائة. ذكر موت يزيد بن عبد الملكوفي هذه السنة مات الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، لخمس ليال بقين من شعبان منها؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي. وقال الواقديّ: كانت وفاته ببلقاء من أرض دمشق، وهو يوم مات ابن ثمان وثلاثين سنة. وقال بعضهم: كان ابن أربعين سنة. وقال بعضهم: ابن ست وثلاثين سنة؛ فكانت خلافته في قول أبي معشر وهشام بن محمد وعليّ بن محمد أربعَ سنين وشهراً، وفي قول الواقديّ أربع سنين. وكان يزيد بن عبد الملك يكنى أبا خالد؛ كذلك قال أبو معشر وهشام بن محمد والواقديّ وغيرهم. وقال عليّ بن محمد: توفّي يزيد بن عبد الملك وهو ابن خمس وثلاثين سنة أو أربع وثلاثين سنة في شعبان يوم الجمعة لخمس بقين منه سنة خمس ومائة. وقال: ومات بأربد من أرض البلقاء، وصلّى عليه ابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة سنة، وهشام بن عبد الملك يومئذ بحمص؛ حدثني بذلك عمر ابن شبّة، عن عليّ. وقال هشام بن محمد: توفّي يزيد بن عبد الملك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. قال عليّ: قال أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك: إنك تملك أربعين سنة، فقال رجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه يملك أربعين قصبة، والقصبة شهر، فجعل الشهر سنة. ذكر بعض سيره وأموره حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: كان يزيد بن عاتكة من فتيانهم، فقال يوماً وقد طرب، وعنده حبابة وسلاّمة: دعوني أطير، فقالت حبابة: إلى من تدع الأمّة! فلما مات قالت سلاّمة القس: لا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بالخشوعِ قد لعمري بت ليلى ... كأخي الداء الوجيع ثم بات الهم مني ... دون من لي من ضجيع للذي حل بنا اليو ... م من الأمر الفظيع كلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي قد خلا من سيد كا ... ن لنا غير مضيع ثم نادت: وا أمير المؤمنيناه! والشعر لبعض الأنصار. قال عليّ: حجّ يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان بن عبد الملك فاشترى حبابة - وكان اسمها العالية - بأربعة آلاف دينار من عثمان بن سهل بن حنيف، فقال سليمان: هممت أن أحجر على يزيد؛ فردّ يزيد حبابة فاشتراها رجل من أهل مصر، فقالت سعدة ليزيد: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه بعد؟ قال: نعم حبابة، فأرسلت سعدة رجلاً فاشتراها بأربعة آلاف دينار، وصنّعتها حتى ذهب عنها كلال السفر، فأتت بها يزيد، فأجلستها من وراء الستر، فقالت: يا أمير المؤمنين، أبقي شيء من الدنيا تتمناه؟ قال: ألم تسأليني عن هذا مرّة فأعلمتُك! فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وخلتها عنده، فحظيت سعدة عند يزيد وأكرمها وحباها. وسعدة امرأة يزيد، وهي من آل عثمان بن عفان. قال عليّ عن يونس بن حبيب: إن حبابة جارية يزيد بن عبد الملك غنت يوماً: بين التراقي واللهاة حرارة ... ما تطمئنّ وما تسوغ فتبرد فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة، فمرضت وثقلت، فقال: كيف أنت يا حبابة؟ فلم تجبه، فبكى وقال: لئن تسل عنك النفس أو تذهل الهوى ... فباليأس يسلو القلب لا بالتجلد وسمع جارية لها تتمثل: كفى حزناً بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوي معطلة قفرا فكان يتمثل بهذا. قال عمر: قال عليّ: مكث يزيد بن عبد الملك بعد موت حبابة سبعة أيام لا يخرج إلى الناس؛ أشار عليه بذلك مسلمة، وخاف أن يظهر منه شيء يسفهه عند الناسِ. خلافة هشام بن عبد الملكوفي هذه السنة استخلف هشام بن عبد الملك لليالٍ بقين من شعبان منها، وهو يوم استخلف ابن أربع وثلاثين سنة وأشهر. حدثني عمر بن شبة، قال: حدثني عليّ، قال: حدثنا أبو محمد القرشيّ وأبو محمد الزياديّ والمنهال بن عبد الملك وسحيم بن حفص العجيفي، قالوا: ولد هشام بن عبد الملك عام قتل مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين. وأمّه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت حمقاء، أمرها أهلها ألاّ تكلم عبد الملك حتى تلد، وكانت تثني الوسائد وتركب الوسادة وتزجرها كأنها دابّة، وتشتري الكندر فتمضغه وتعمل منه تماثيل، وتضع التماثيل على الوسائد، وقد سمت كل تمثال باسم جارية، وتنادي: يا فلانة ويا فلانة؛ فطلقها عبد الملك لحمقها. وسار عبد الملك إلى مصعب فقتله، فلما قتله بلغه مولد هشام، فسمّاه منصوراً، يتفاءل بذلك، وسمّته أمه باسم أبيها هشام، فلم ينكر ذلك عبد الملك، وكان هشام يكنى أبا الوليد. وذكر محمد بن عمر عمّن حدّثه أنّ الخلافة أتت هشاماً وهو بالزيّتونة في منزله في دُويرة له هناك. قال محمد بن عمر: وقد رأيتها صغيرة، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، وسلّم عليه بالخلافة، فركب هشام من الرصافة حتى أتى دمشق. وفي هذه السنة قدم بكير بن ماهان من السند - وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن ترجماناً له - فلما عزل الجنيد بن عبد الرحمن، قدم الكوفة ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق وميسرة ومحمد بن خنيس وسالماً الأعين وأبا يحيى مولى بني سلمة؛ فذكروا له أمر دعوة بني هاشم، فقبل ذلك ورضيه، وأنفق ما معه عليهم، ودخل إلى محمد بن عليّ. ومات ميسرة فوجه محمد بن عليّ بكير بن ماهان إلى العراق مكان ميسرة، فأقامه مقامه. وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، والنضريّ على المدينة. قال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل، عن أبيه، قال: كان إبراهيم بن هشام بن إسماعيل حجّ، فأرسل إلى عطاء بن أبي رباح: متى أخطب بمكة؟ قال: بعد الظهر، قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر، وقال: أمرني رسولي بهذا عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرته إلاّ بعد الظهر، قال: فاستحيا إبراهيم بن هشام يومئذ، وعدّوه منه جهلاً. ذكر ولاية خالد القسريّ على العراق وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عمر بن هبيرة عن العراق وما كان إليه من عمل المشرق، وولّى ذلك كلّه خالد بن عبد الله القسريّ في شوال. ذكر محمد بن سلام الجمحيّ، عن عبد القاهر بن السريّ، عن عمر بن يزيد بن عمير الأسيدي قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، وعنده خالد بن عبد الله القمريّ، وهو يذكر طاعة أهل اليمن، قال: فصفّقت تصفيقةً بيدي دقّ الهواء منها، فقلت: تالله ما رأيتُ هكذا خطأ ولا مثله خطلاً! والله ما فتحت فتنة في الإسلام إلا بأهل اليمن، هم قتلوا أمير المؤمنين عثمان، وهم خلعوا أمير المؤمنين عبد الملك، وإنّ سيوفنا لتقطر من دماء آل المهلب، قال: فلما قمت تبعني رجلٌ من آل مروان كان حاضراً، فقال: يا أخا بني تميم، ورتْ بك زنادي، قد سمعت مقالتك، وأمير المؤمنين مولٍّ خالداً العراق، وليست لك بدار. ذكر عبد الرزاق أنّ حماد بن سعيد الصنعانيّ أخبره قال: أخبرني زياد بن عبيد الله، قال: أتيت الشأم، فاقترضت؛ فبينا أنا يوماً على الباب باب هشام، إذ خرج عليّ رجل من عند هشام، فقال لي: ممن أنت يا فتى؟ قلت: يمان، قال: فمن أنت؟ قلت: زياد بن عبيد الله بن عبد المدان، قال: فتبسم، وقال: قم إلى ناحية العسكر فقل لأصحابي: ارتحلوا فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عني، وأمرني بالمسير، ووكّل بي من يخرجني قال: قلت: مَنْ أنت يرحمك الله؟ قال: خالد بن عبد الله القسريّ، قال: ومرهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابي وبرذوني الأصفر. فلما جزت قليلاً ناداني، فقال: يا فتى، وإن سمعت بي قد وليت العراق يوماً فالحق بي. قال: فذهبت إليهم، فقلت: إنّ الأمير قد أرسلني إليكم بأنّ أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ وأمره بالمسير. فجعل هذا يحتضنني وهذا يقبل رأسي، فلما رأيت ذلك منهم، قلت: وقد أمرني أن تعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، قالوا: إي والله وكرامة، قال: فأعطوني منديل ثيابه وبرذونه الأصفر، فما أمسى بالعسكر أحد أجود ثياباً منّي، ولا أجود مركباً منّي، فلم ألبث إلا يسيراً حتى قيل: قد وليَ خالد العراق، فركبني من ذلك همّ، فقال لي عريف لنا: ما لي أراك مهموماً! قلت: أجل قد وليّ خالد كذا وكذا، وقد أصبت ها هنا رزيقا عشت به، وأخشى أن أذهب إليه فيتغير عليّ فيفوتني ها هنا وها هنا، فلست أدري كيف أصنع! فقال لي: هل لك في خصلة؟ قلت: وما هي؟ قال: توكلني بأرزاقك وتخرج، فإن أصبت ما تحبّ فلي أرزاقك، وإلاّ رجعت فدفعتها إليك، فقلت نعم. وخرجت، فلما قدمت الكوفة ليست من صالح ثيابي. وأذن للناس، فتركتهم حتى أخذوا مجالسهم، ثم دخلت فقمت بالباب، فسلمت ودعوت وأثنيت، فرفع رأسه، فقال: أحسنت بالرّحب والسعة، فما رجعت إلى منزلي حتى أصبت ستمائة دينار بين نقد وعرض. ثم كنت أختلف إليه، فقال لي يوماً: هل تكتب يا زياد؟ فقلت: أقرأ ولا أكتب، أصلح الله الأمير! فضرب بيده على جبينه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده منك، وبقي لك واحدة فيها غنى الدّهر قال: قلت: أيها الأمير، هل في تلك الواحدة ثمن غلام؟ قال: وماذا حينئذ! قلت: تشتري غلاماً كاتباً تبعث به إليّ فيعلّمني، قال: هيهات! كبرت عن ذلك، قال: قلت: كلاّ، فاشترى غلاماً كاتباً حاسباً بستين ديناراً، فبعث به إليّ، فأكببتُ على الكتاب، وجعلت لا آتيه إلا ليلاً، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة حتى كتبت ما شئت وقرأت ما شئت. قال: فإني عنده ليلة، إذ قال: ما أدري هل أنجحت من ذلك الأمر شيئاً؟ قلت: نعم، أكتب ما شئت، وأقرأ ما شئت، قال: إني أراك ظفرت منه بشيء يسير فأعجبك، قلت: كلا، فرفع شاذكونه، فإذا طومار، فقال: اقرأ هذا الطومار، فقرأت ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الريّ، فقال: اخرج فقد ولّيتك عمله، فخرجت حتى قدمت الريّ، فأخذت عامل الخراج، فأرسل إليّ: إن هذا أعرابيّ مجنون، فإنّ الأمير لم يولّ على الخراج عربياً قطّ، وإنما هو عامل المعونة، فقل له: فليرّني على عملي وله ثلثمائة ألف، قال: فنظرتُ في عهدي، فإذا أنا على المعونة، فقلت: والله لا انكسرت، ثم كتبت إلى خالد: إنك بعثتني على الرّيّ، فظننت أنك جمعتها لي. فأرسل إليّ صاحب الخراج أن أقرّه على عمله ويعطيني ثلثمائة ألف درهم. فكتب إليّ أن اقبل ما أعطاك، واعلم أنّك مغبون. فأقمت بها ما أقمت، ثم كتبت: إني قد اشتقت إليك فارفعني إليك، ففعل، فلما قدمت عليه ولاّني الشرطة. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف عبد الواحد بن عبد الله النضْريّ وعلى قضاء الكوفة حسين بن حسن الكنديّ، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس. وقد قيل إن هشاماً إنما استعمل خالد بن عبد الله القسري على العراق وخراسان في سنة ست ومائة، وإن عامله على العراق وخراسان في سنة خمس ومائة كان عمر بن هبيرة. ثم دخلت سنة ست ومائةذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ففي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عن المدينة عبد الواحد بن عبد الله النضريّ وعن مكة والطائف، وولّى ذلك كله خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فقدم المدينة يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من جمادى الآخرة سنة ست ومائة، فكانت ولاية النضريّ على المدينة سنة وثمانية أشهر. وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة. وفيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللاّن، فصالح أهلها، وأدوا الجزية. وفيها ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب. وفيها مات الإمام طاوس مولى بخير بن ريسان الحميريّ بمكة وسالم بن عبد الله بن عمر، فصلى عليهما هشام. وكان موت طاوس بمكة وموت سالم بالمدينة. حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، قال: مات سالم بن عبد الله سنة خمس ومائة في عقب ذي الحجة، فصلى عليه هشام بن عبد الملك بالبقيع، فرأيت القاسم بن محمد بن أبي بكر جالساً عند القبر وقد أقبل هشام ما عليه إلا درّاعة، فوقف على القاسم فسلم عليه، فقام إليه القاسم فسأله هشام: كيف أنت يا أبا محمد؟ كيف حالك؟ قال: بخير، قال: إني أحب والله أن يجعلكم بخير. ورأى في الناس كثرة، فضرب عليهم بعث أربعة آلاف؛ فسمّي عام الأربعة الآلاف. وفيها استقضى إبراهيم بن هشام محمد بن صفوان الجمحيّ ثم عزله، واستقضى الصّلت الكنديّ. ذكر الخبر عن الحرب بين اليمانية والمضرية وربيعةوفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بين المضرية واليمانية وربيعة بالبروقان من أرض بلخ. ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وكان سبب ذلك - فيما قيل - أنّ مسلم بن سعيد غزا، فقطع النّهر، وتباطأ الناس عنه؛ وكان ممن تباطأ عنه البختري بن درهم، فلما أتى النهر رد نصر بن سيار وسليم بن سليمان بن عبد الله بن خازم وبلعاء بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ وأبا حفص بن وائل الحنظليّ وعقبة بن شهاب المازني وسالم بن ذرابة إلى بلخ، وعليهم جميعاً نصر بن سيار، وأمرهم أن يخرجوا النّاس إليه. فأحرق نصر باب البختري وزياد بن طريف الباهلي، فمنعهم عمرو بن مسلم من دخول بلخ - وكان عليها - وقطع مسلم بن سعيد النهر فنزل نصر البروقان، فأتاه أهل صغانيان، وأتاه مسلمة العقفانيّ من بني تميم، وحسان بن خالد الأسديّ؛ كلّ واحد منهما في خمسمائة، وأتاه سنان الأعرابيّ وزرعة بن علقمة وسلمة بن أوس والحجاج بن هارون النميريّ في أهل بيته، وتجمّعت بكر والأزد بالبروقان، رأسهم البختري، وعسكر بالروقان على نصف فرسخ منهم، فأرسل نصر إلى أهل بلخ: قد أخذتم أعطياتكم فألحقوا بأميركم، فقد قطع النهر. فخرجت مضر إلى نصر، وخرجت ربيعة والأزد إلى عمرو بن مسلم، وقال قوم من ربيعة: إن مسلم بن سعيد يريد أن يخلع؛ فهو يكرهنا على الخروج. فأرسلت تغلب إلى عمرو بن مسلم: إنك منا، وأنشدوه شعراً قاله رجل عزا باهلة إلى تغلب - وكان بنو قتيبة من باهلة - فقالوا: إنّا من تغلب، فكرهت بكر أن يكونوا في تغلب فتكثر تغلب، فقال رجل منهم: زعمت قتيبة أنها من وائل ... نسب بعيد يا قتيبة فاصعدي وذكر أن بني معن من الأزد يدعون باهلة، وذكر عن شريك بن أبي قيلة المعنيّ أن عمرو بن مسلم كان يقف على مجالس بني معن، فيقول: لئن لمم نكن منكم ما نحن بعرب؛ وقال عمرو بن مسلم حين عزاه التغلبي إلى بني تغلب: أما القرابة فلا أعرفها، وأما المنع فإني سأمنعكم؛ فسفر الضّحاك بن مزاحم ويزيد بن المفضل الحداني، وكلما نصراً وناشداه فانصرف. فحمل أصحاب عمرو بن مسلم والبختري على نصر، ونادوا: يا لَ بكر! وجالوا، وكر نصر عليهم؛ عليهم؛ فكان أوّل قتيل رجلٌ من باهلة، ومع عمرو بن مسلم البحتري وزياد بن طريف الباهليّ، فقتل من أصحاب عمرو بن مسلم في المعركة ثمانية عشر رجلاً، وقتل كردان أخو الفرافصة ومسعدة ورجل من بكر بن وائل يقال له إسحاق، سوى من قتل في السكك، وانهزم عمرو بن مسلم إلى القصر وأرسل إلى نصر: ابعث إلى بلعاء بن مجاهد، فأتاه بلعاء، فقال: خذْ لي أماناً منه، فآمنه نصر، وقال: لولا أني أشمت بك بكر بن وائل لقتلتك. وقيل: أصابوا عمرو بن مسلم في طاحونة، فأتوا به نصراً في عنقه حبل، فآمنه نصر، وقال له ولزياد بن طريف والبختري بن درهم: الحقوا بأميركم. وقيل: بل التقى نصر وعمرو بالبروقان، فقتل من بكر بن وائل واليمن ثلاثون، فقالت بكر: علام نقاتل إخواننا وأميرنا، وقد تقرّبنا إلى هذا الرجل فأنكر قرابتنا! فاعتزلوا. وقاتلت الأزد، ثم انهموا ودخلوا حصناً فحصرهم نصر، ثم أخذ عمرو بن مسلم والبختريّ أحد بني عباد وزياد بن طريف الباهلي، فضربهم نصر مائة مائة، وحلق رءوسهم ولحاهم، وألبسهم المسوح. وقيل: أخذ البختريّ في غيضة كان دخلها، فقال نصر في يوم البروقان: أرى العين لجت في ابتدارٍ وما الذي ... يرد عليها بالدموع ابتدارها! فما أنا بالواني إذا الحرب شمرت ... تحرق في شطر الخميسين نارها ولكنّني أدعو لها خندف التي ... تطلع بالعبء الثقيل فقارها وما حفظت بكر هنالك حلفها ... فصار عليها عار قيس وعارها فإن تك بكر بالعراق تنزرت ... ففي أرض مرو علها وازورارها وقد جربت يوم البروقان وقعة ... لخندف إذ حانت وآن بوارها أتتني لقيس في بجيلة وقعة ... وقد كان قبل اليوم طال انتظارها يعني حين أخذ يوسف بن عمر خالداً وعياله. وذكر عليّ بن محمد أن الوليد بن مسلم قال: قاتل عمرو بن مسلم نصر بن سيار فهزمه عمرو، فقال لرجل من بني تميم كان معه: كيف ترى أستاه قومك يا أخا بني تميم؟ يعيره بهزيمتهم، ثم كرت تميم فهموا أصحاب عمرو، فانجلى الرهج وبلعاء بن مجاهد في جمع من بني تميم يشلهم، فقال التميمي لعمرو: هذه أستاه قومي. قال: وانهزم عمرو، فقال بلعاء لأصحابه: لا تقتلوا الأسرى ولكن جردوهم، وجوبوا سراويلاتهم عن أدبارهم، ففعلوا، فقال بيان العنبريّ يذكر حربهم بالبروقان: أتاني ورحلي بالمدينة وقعة ... لآل تميم أرجفت كل مرجف تظل عيون البرش بكر بن وائل ... إذا ذكرت قتلى البروقان تذرف هم أسلموا للموت عمرو بن مسلم ... وولوا شلالاً والأسنة ترعف وكانت من الفتيان في الحرب عادة ... ولم يصبروا عند القنا المتقصف خبر غزو مسلم بن سعيد التركوفي هذه السنة غزا مسلم بن سعيد الترك؛ فورد عليه عزله من خراسان من خالد بن عبد الله، وقد قطع النهر لحربهم وولاية أسد بن عبد الله عليها. ذكر الخبر عن غزوة مسلم بن سعيد هذه الغزوة: ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أنّ مسلماً غزا في هذه السنة، فخطب الناس في ميدان يزيد، وقال: ما أخلف بعدي شيئاً أهمّ عندي من قوم يتخلفون بعدي مخلّقي الرقاب، يتواثبون الجدران على نساء المجاهدين؛ اللهم افعل بهم وافعل! وقد أمرت نصراً ألاّ يجد متخلّفاً إلا قتله، وما أرثى لهم من عذاب ينزله الله بهم - يعني عمر بن مسلم وأصحابه - فلما صار ببخارى أتاه كتاب من خالد بن عبد الله القسريّ بولايته على العراق، وكتب إليه: أتمم غزاتك. فسار إلى فرغانة، فقال أبو الضحاك الرَّواحيّ - أحد بني رواحة من بني عبس، وعداده في الأزد، وكان ينظر في الحساب: ليس على متخلف العم معصية، فتخلف أربعة آلاف. وسار مسلم بن سعيد، فلما صار بفرغانة بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، وأتاه شميل - أو شبيل - بن عبد الرحمن المازنيّ، فقال: عاينت عسكر خاقان في موضع كذا وكذا، فأرسل إلى عبد الله بن أبي عبد الله الكرمانيّ مولى بني سليم، فأمره بالاستعداد للمسير، فلما أصبح ارتحل بالعسكر، فسار ثلاث مراحل في اليوم؛ ثم سار من غد حتى قطع وادي السبّوح، فأقبل إليهم خاقان، وتوافت إليه الخيل؛ فأنزل عبد الله بن أبي عبد الله قوماً من العفراء والموالي، فأغار الترك على الذين أنزلهم عبد الله ذلك الموضع فقتلوهم، وأصابوا دوابّ لمسلم وقتل المسّيب بن بسر الريّاحيّ، وقتل البراء - وكان من فرسان المهلّب - وقتل أخو غوزك، وثار الناس في وجوههم، فاخرجوهم من العسكر، ودفع مسلم لواءه إلى عامر بن مالك الحمَّانيّ، ورحل بالناس فساروا ثمانية أيام، وهم مطيفون بهم؛ فلما كانت الليلة التاسعة أراد النزول، فشاور الناس فأشاروا عليه بالنزول، وقالوا: إذا أصبحنا وردنا الماء، والماء منا غير بعيد؛ وإنك إن نزلت المرج تفرّق الناس في الثمار، وانتهب عسكرك، فقال لسورة بن الحرّ: يا أبا العلاء، ما ترى؟ قال: أرى ما رأى الناس ونزلوا. قال: ولم يرفع بناء في العسكر، وأحرق الناس ما ثقل من الآنية والأمتعة، فحّرقوا قيمة ألف ألف، وأصبح الناس فساروا، فوردوا الماء فإذا دون النّهر أهل فرغانة والشاش، فقال مسلم بن سعيد: أعزم على كلّ رجل إلا اخترط سيفه؛ ففعلوا فصارت الدنيا كلها سيوفاً، فتركوا الماء وعبروا، فأقام يوماً، ثم قطع من غدٍ، وأتبعهم ابن الخاقان. قال: فأرسل حميد بن عبد الله وهو على الساقة إلى مسلم: قف ساعةً فإن خلفي مائتي رجل من الترك حتى أقاتلهم - وهو مثقلٌ جراحةً - فوقف الناس، فعطف على الترك، فأرسل أهل السُّغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة، وانصرف البقيّة، ومضى حميد ورمى بنشّابه في ركبته، فمات. وعطش الناس، وقد كان عبد الرحمن بن نعيم العامري حمل عشرين قربة على إبله، فلما رأى جهد الناس أخرجها، فشربوا جرعاً، واستسقى يوم العطش مسلم بن سعيد فأتوه بإناء، فأخذ جابر - أو حارثة - بن كثير أخو سليمان بن كثير من فيه، فقال مسلم: دعوه، فما نازعني شربتي إلا من حرّ دخله، فأتوا خجندة، وقد أصابتهم مجاعة وجهد، فانتشر الناس فإذا فارسان يسألان عن عبد الرحمن بن نعيم، فأتياه بعهد على خراسان من أسد بن عبد الله، فأقرأه عبد الرحمن مسلماً، فقال: سمعاً وطاعة، قال: وكان عبد الرحمن أول من اتخذ الخيام في مفازة آمل. قال: وكان أعظم الناس غنى يوم العطش إسحاق بن محمد الغدانيّ، فقال حاجب الفيل لثابت قطنة، وهو ثابت بن كعب: نقضي الأمور وبكر غير شاهدها ... بين المجاذيف والسُّكان مشغول ما يعرف الناس منه غير قطنته ... وما سواها من الآباء مجهول وكان لعبد الرحمن بن نعيم من الولد نعيم وشديد وعبد السلام وإبراهيم والمقداد، وكان أشدهم نعيم وشديد، فما عزل مسلم بن سعيد، قال الخرزج التغلبيّ: قاتلنا الترك، فأحاطوا بالمسلمين حتى أيقنوا بالهلاك؛ فنظرت إليهم وقد اصفرت وجوههم، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحرّ بن الحنيف بن نصر بن يزيد بن جعونة على الترك في أربعة آلاف، فقاتلهم ساعة ثم رجع، وأقبل نصر بن يسار في ثلاثين فارساً، فقاتلهم حتى أزالهم عن مواضعهم، وحمل الناس عليهم؛ فانهزم الترك. قال: وحوثرة هذا هو ابن أخي رقبة بن الحرّ. قال: وكان عمر بن هبيرة قال لمسلم بن سعيد حين ولاّه خراسان: ليكن حاجبك من صالح مواليك، فإنه لسانك والمعبر عنك، وحثّ صاحب شرطتك على الأمانة، وعليك بعمال العذر. قال: وما عمال العذر؟ قال مر أهل كل بلد أن يختاروا لأنفسهم، فإذا اختاروا رجلً فولّه، فإن كان خيراً لك، وإن كان شراً كان لهم دونك؛ وكنت معذوراً. قال: كان مسلم بن سعيد كتب إلى عامله بالبصرة: احمل إلى توبة بن أبي أسيد، مولى بني العنبير فكتب ابن هبيرة إلى عامله في البصرة: احمل إلى توبة بن أسيد، فحمله فقدم - وكان رجلاً جميلاً جهيراً له سمتٌ - فلما دخل على ابن هبيرة، قال ابن هبيرة: مثل هذا فليولّ، ووجه به إلى مسلم، فقال له مسلم: هذا خاتمي فاعمل برأيك؛ فلم يزل معه حتى قدم أسد بن عبد الله،فأراد توبه أن يشخص مع مسلم، فقال له أسد: أقم معي فأنا أحوج إليك من مسلم. فأقام معه، فأحسن الناس وألان جانبه، وأحسن إلى الجند وأعطاهم أرزاقهم، فقال له أسد: حلفّهم بالطلاق فلا يختلف أحد عن مغزاه، ولا يدخل بديلاً، فأبى ذلك توبة فلم يحلفهم بالطلاق. قال: وكان الناس بعد توبة يحلفون الجند بتلك الأيمان، فلما قدم عاصم ابن عبد الله أراد أن يحلّف الناس بالطلاق فأبوا، وقالوا: نحلف بأيمان توبة. قال: فهم يعرفون ذلك، يقولون: أيمان توبة. حجّ هشام بن عبد الملك وحجّ بالناس في هذه السنه هشام بن عبد الملك؛ حدثني بذلك أحمد ابن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيرة، لا خلاف بينهم في ذلك. قال الواقديّ: حدثني ابن أبي الزنّاد، عن أبيه، قال: كتب إليّ هشام بن عبد الملك قبل أن يدخل المدينة أن اكتب لي سنن الحج، فكتبتها له، وتلقاه أبو الزنّاد. قال أبو الزنّاد: فإني يومئذ في الموكب خلفه، وقد لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، وهشام يسير، فنزل له، فسلم عليه، ثم سار إلى جنبه، فصاح هشام: أبو الزناد! فتقدّمت، فسرت إلى جنبه الآخر، فأسمع سعيداً يقول: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب، فأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه في هذه المواطن الصالحة؛ قال: فشق على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قال: ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجاً. ثم قطع كلامه وأقبل علي فقال: يا عبد الله بن ذكوان، فرغت مما كتبت إليك؟ فقلت: نعم، فقال أبو الزنّاد: وثقل على سعيد ما حضرته يتكلم به عند هشام، فرأيته منكسراً كلما رآني. وفي هذه السنة كلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشام بن عبد الملك - وهشام واقف قد صلى في الحجر - فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت والبلد الذي خرجت معظماً لحقه، إلا رددت على ظلامتي! قال: أي ظلامة؟ قال: داري، قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمني والله، قال: فعن الوليد بن عبد الملك؟ قال: ظلمني والله قال: فعن سليمان؟ قال: فعن عمر بن عبد العزيز؟ قال يرحمه الله، ردّها والله عليّ، قال: فعن يزيد بن عبد الملك؟ قال ظلمني والله، هو قبضها مني بعد قبضي له، وهي في يديك. قال هشام: أما والله لو كان فيك ضربٌ لضربتك، فقال إبراهيم: فيّ والله ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام والأبرش خلفه فقال: أبا مجاشع، كيف سمعت هذا اللسان؟ قال: ما أجود هذا اللسان! قال: هذه قريش وألسنتها، ولايزال في الناس بقايا ما رأيت مثل هذا. وفي هذه السنة قدم خالد بن عبد الله القسريّ أميراً على العراق. ولاية أسد بن عبد الله القسريّ على خراسان وفيها استعمل خالد أخاه أسد بن عبد الله أميراً على خراسان، فقدمها ومسلم بن سعيد غازٍ بفرغانة، فذكر عن أسد أنه لما أتى النهر ليقطع، منعه الأشهب بن عبيد التميميّ أحد بني غالب، وكان على السفن بآمل، فقال له أسد: أقطعني، فقال: لا سبيل إلى إقطاعك؛ لأني نهيت عن ذلك، قال: لاطفوه وأطمعوه فأبى؛ قال فإني الأمير، ففعل، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا، فقطع النهر، فأتى السُّغد، فنزل مرجها، وعلى خراج سمرقند هانئ بن هانئ، فخرج في الناس يتلقى أسداً، فأتوه بالمرج، وهو جالس على حجر، فتفائل الناس، فقالوا أسد على حجر!ما عند هذا خير. فقال له هانئ: أقدمت أميراً فنفعل بك ما نفعل بالأمراء؟ قال: نعم ثم دعا بالغداء فتغدى بالمرج، وقال: من ينشط بالمسير وله أربعة عشر درهماً - ويقال: قال ثلاثة عشر درهماً - وها هي ذي في كميّ؟ وإنه لبيكي ويقول: إنما أنا رجل مثلكم وركب فدخل سمرقند وبعث رجلين معهما عهد عبد الرحمن بن نعيم على الجند، فقدم الرّجلان على عبد الرحمن بن نعيم، وهو في وادي أفشين على السّاقة - وكانت الساقة على أهل سمرقند الموالى وأهل الكوفة - فسألا عن عبد الرحمن فقالوا: هو في الساقة، فأتياة بعهد وكتاب بالقفل والإذن لهم فيه، فقرأ الكتاب. ثم أتى به مسلماً وبعهده، فقال مسلم: سمعاً وطاعة، فقام عمر بن هلال السدوسيّ - ويقال التميميّ - فقنّعه سوطين لما كان منه بالروقان إلى بكر بن وائل، وشتمه حسين بن عثمان بن بشر بن المحتفز، فغضب عبد الرحمن بن نعيم، فزجوهما ثم أغلظ لهما، وأمر بهما فدفعا، وقفل بالناس وشخص معه مسلم. فذكر علي بن محمد على أصحابه،أنهم قدموا على أسد، وهو بسمرقند، فشخص أسد إلى مرو، وعزل هانئاً، واستعمل على سمرقند الحسن بن أبي العمرّطة الكنديّ من ولد آكل المرار. قال: فقدمت على الحسن امرأته الجنوب ابنة القعقاع بن الأعلم رأس الأزد، ويعقوب بن القعقاع قاضي خراسان؛ فخرج يتلقاها، وغزاهم الترك، فقيل له: هؤلاء الترك قد أتوك - وكانوا سبعة آلاف - فقال: ما أتونا بل أتيناهم وغلبناهم على بلادهم واستعبدناهم، وايم الله مع هذا لأدنينّكم منهم، ولأقرننّ نواصي خيلكم بنواصي خيلهم. قال ثم خرج فتباطأ حتى أغاروا وانصرفوا، فقال الناس: خرج إلى امرأته يتلقاها مسرعاً وخرج إلى العدّو متباطئاً. فبلغه خطبهم، فقال: تقولون وتعيبون! اللهمَّ اقطع آثارهم وعجّل أقدارهم، وأنزل بهم الضّراء وارفع عنهم السراء! فشتمه الناس في أنفسهم. وكان خليفته حين خرج إلى الترك ثابت قطنة، فخطب الناس فحصر فقال: من يطع الله ورسوله فقد ضلّ، وأرتج عليه، فلم ينطق بكلمة، فلما نزل عن المنبر قال: إن لم أكن فيكم خطبياً فإنني ... بسيفي إذا جدَّ الوغى لخطيب فقيل له: لو قلت هذا على المنبر، لكنت خطبياً، فقال حاجب الفيل اليشكريّ يعيره حصره: أبا العلاء للقد لاقيت معضلةً ... يوم العروبة من كرب وتخنيق تلوى اللسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من شاهق النِّيق لما رمتك عيون الناس ضاحيةً ... أنشأت تجرض لما قمت بالرِّيق أمَّا القران فلا تهدى لمحكمةٍ ... من القران ولا تهدى لتوفيق وفي هذه السنة ولد عبد الصمد بن عليّ في رجب. وكان العمل على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ. وعلى العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسريّ، وعامل خالد على صلاة البصرة عقبة بن عبد الأعلى، وعلى شرطتها مالك بن المنذربن الجارود، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله بن أنس، وعلى خراسان أسد بن عبد الله . ثم دخلت سنة سبع ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من عباد الرُّعينيّ باليمن محكِّماً، فقتله يوسف ابن عمر، وقتل معه أصحابه كلهم وكانوا ثلثمائة. وفيها غزا الصّائفة معاوية بن هشام، وعلى جيش الشام ميمون بن مهران، فقطع البحر حتى عبر إلى قبرس، وخرج معهم البعث الذي هشام كان أمر به في حجته سنة سبع على الجعائل، غزا منهم نصفهم وقام النصف. وغزا البر مسلمة بن عبد الملك. وفيها وقع بالشأم طاعون شديد. وفيها وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة وأبا محمد الصّادق ومحمد بن خنيس وعمار العباديّ في عدة من شيعتهم، معهم زياد خال الوليد الأزرق دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله ، فوشى بهم إليه، فأتى بأبي عكرمة ومحمد بن خنيس وعامت أصحابه، ونجا عمار، فقطع أسد أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم، وصلبهم. فأقبل عمار إلى بكير بن ماهان، فأخبره الخبر، فكتب به إلى محمد بن عليّ، فأجابه: الحمد لله الذي صدق مقالتكم ودعوتكم، وقد بقيت منكم قتلى ستقتل. وفي هذه السنة حمل مسلم بن سعيد إلى خالد بن عبد الله، وكان أسد ابن عبد الله له مكرماً بخراسان لم يعرض له ولم يحبسه، فقدم مسلم وابن هبيرة مجمع على الهرب، فنهاه عن ذلك مسلم، وقال له: إن القوم فينا أحسن رأياً منكم فيهم. وفي هذه السنة غزا أسد جبال نمرون ملك الغرشستان ممايلي جبال الطالقان، فصالحه نمرون وأسلم على يديه، فهم اليوم يتولون اليمن. غزوة الغوروفيها غزا أسد الغور وهي جبال هراة. ذكر الخبر عن غزوة أسد هذه الغزوة ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه، أن أسداً غزا الغور، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق، فأمر أسد باتّخاذ توابيت ووضع فيها الرجال، ودلاّها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه، فقال ثابت قطنة: أرى أسداً تضمن مفظعاتٍ ... تهيبها الملوك ذوو الحجاب سما بالخيل في أكناف مرو ... وتوفزهن بين هلا وهاب إلى غورين حيث حوى أزبٌّ ... وصكٌّ بالسيوف وبالحراب هدانا الله بالقتلى تراها ... مصلبةًبأفواه الِّشعاب ملاحم لم تدع لسراة كلبٍ ... مهترةً ولا لبنى كلاب فأوردها النِّهاب وآب منها ... بأفضل ما يصاب من النهاب وكان إذا أناخ بدارقوم ... أراها المخزيات من العذاب ألم يزر الجبال جبال ملغ ... ترىمن دونها قطع السَّحاب بأرعن لم يدع لهم شريداً ... وعاقبها الممض من العقاب وملع من جبال خوط فيها تعمل الحزم الملعيّة. وفي هذه اللسنة نقل أسد من كان بالبروقان من الجند إلى بلخ، فأقطع كل من كان له بالبروقان مسكنٌ مسكناً بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكناً، وأراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له: إنهم يتعصبون، فخلط بينهم، وكان قسم لعمارة مدينة بلخ الفعله على كل كورة على قدر خراجها، وولِّى بناء مدينة بلخ برمك أبا خالد بن برمك، - وكان البروقان منزل الأمراء ويبن البروقان ويبن بلخ فرسخان وبين المدينة والنوبهار قدر غلوتين - فقال أبو البريد في بنيان أسد مدينة بلخ: شفعت فؤادك فالهوى لك شاعف ... رئم على طفل بحوامل عاطف ترعى البرير بجانبي متهدِّلٍ ... ريَّن لا يعشو إليه آلف بمحاضرٍ من منحني عطفت له ... بقرٌ ترجح زانهنَّ روادف إن المباركة التي أحصنتها ... عصم الذلِّيل بها وقرَّ الخائف فأراك فيها ما أرى من صالح ... فتحاً وأبواب السماء رواعف فمضى لك الإسم الذي يرضى به ... عنك البصير بما نويت اللاَّطف يا خير ملك ساس أمر رعيَّة ... إني على صدق اليمين لحالف الله آمنها بصنعك بعدما ... كانت قلوب خوفهنّ رواجف وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وهشام وغيرهما. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها الذين ذكرناهم قبل في سنة ست ومائة. ثم دخلت سنة ثمان ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث ففيها كانت غزوة مسلمة بن عبد الملك حتى بلغ قيساريّة، مدينة الرّوم ممايلي الجزيرة، ففتحها الله على يديه. وفيها أيضاً غزا إبراهيم بن هشام ففتح أيضاً حصناً من حصون الروم. وفيها وجّه بكير بن ماهان إلى خراسان عدّة؛ فيهم عمّار العباديّ؛ فوشى بهم رجل إلى أسد بن عبد الله، فأخذ عماراً فقطع يديه ورجليه ونجا أصحابه، فقدموا على بكير بن ماهان فأخبروه الخبر، فكتب بذلك إلى محمد بن عليّ، فكتب إليه في جواب الكتاب: الحمد لله الذي صدّق دعوتكم ونجّى شيعتكم. وفيها كان الحريق بدابق؛ فذكر محمد بن عمر أنّ عبد الله بن نافع حدّثه عن أبيه، قال: احترق المرعى حتى احترق الدواب والرجال. غزو الختلوفيها غزا أسد بن عبد الله الختل؛ فذكر عن عليّ بن محمد أن خاقان أتى أسداً وقد انصرف إلى القواديان، وقطع النهر، ولم يكن بينهم قتال في تلك الغزاة. وذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: بل هزموا أسداً وفضحوه؛ فتغنى عليه الصبيان: أز ختلان آمذي ... برو تباه آمذي قال: وكان السبل محارباً له، فاستجلب خاقان، وكان أسد قد أظهر أنه يشتو بسرخ دره، فأمر أسد الناس فارتحلوا، ووجه راياته، وسار في ليلة مظلمة إلى سرخ دره، فكبر الناس، فقال أسد: ما للناس؟ قالوا: هذه علامتهم إذا قفلوا، فقال لعروة المنادي: ناد إن الأمير يريد غورين؛ ومضى وأقبل خاقان حين انصرفوا إلى غورين النهر فقطع النهر، فلم يلتق هو ولا هم، ورجع إلى بلخ، فقال الشاعر في ذلك يمدح أسد بن عبد الله: ندبت لي من كل خمس ألفين ... من كل لحاف عريض الدفين قال: ومضى المسلمون إلى الغوريان فقاتلوهم يوماً، وصبروا لهم، وبرز رجل من المشركين، فوقف أمام أصحابه وركز رمحه، وقد أعلم بعصابة خضراء - وسلم بن أحوز واقف مع نصر بن سيّار - فقال سلم لنصر: قد عرفت رأى أسد، وأنا حامل على هذا العلج؛ فلعلي أن أقتله فيرضى. فقال: شأنك، فحمل عليه، فما اختلج رمحه حتى غشيه سلم فطعنه، فإذا هو بين يدي فرسه، ففحص برجله، فرجع سلم فوقف، فقال لنصر: أنا حامل حملة أخرى؛ فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، فرجع سلم جريحاً، فقال نصر لسلم: قف لي حتى أحمل عليهم، فحمل حتى إذا دنا منهم اعترضه رجل من العدوّ، فاختلفا ضربتين، فقتله سلم، فرجع سلم جريحاً، فقال نصر لسلم: قف لي حتى أحمل عليهم، فحمل حتى خالط العدو، فصرع رجلين ورجع جريحاً، فوقف فقال: أترى ما صنعنا يرضيه؟ لا أرضاه الله! فقال: لا والله فيما أظنّ. وأتاهما رسول أسد فقال: يقول لكما الأمير: قد رأيت موقفكما منذ اليوم وقلة غنائكما عن المسلمين لعنكما الله! فقالا: آمين إن عدنا لمثل هذا. وتحاجزوا يومئذ، ثم عادوا من الغد فلم يلبث المشركون أن انهزموا، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد فأسروا وسبوا وغنموا، وقال بعضهم رجع أسد في سنة ثمان ومائة مفلولا من الختل، فقال أهل خراسان: أز ختّلان آمذي برو تباه آمذي ... بيدل فراز آمذي قال: وكان أصاب الجند في غزاة الختل جوع شديد، فبعث أسد بكبشين مع غلام له، وقال: لا تبعهما بأقل من خمسمائة، فلما مضى الغلام، قال أسد: لا يشتريهما إلا ابن الشخير، وكان في المسلحة، فدخل ابن الشخير حين أمسى، فوجد الشاتين في السوق، فاشتراهما بخمسمائة، فذبح إحداهما وبعث بالأخرى إلى بعض إخوانه، فلما رجع الغلام إلى أسد أخبره بالقصة، فبعث إليه أسد بألف درهم. قال: وابن الشخير هو عثمان بن عبد الله بن الشخير، أخو مطرّف بن عبد الله بن الشخير الحرشي. وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال محمد بن عمر الواقدي. وكان العمال في هذه السنة على الأمصار في اللاة والحروب والقضاء هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل. ثم دخلت سنة تسع ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها فممّا كان فيها من ذلك غزوة عبد الله بن عقبة بن نافع الفهريّ على جيش في البحر وغزوة معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح حصناً بها يقال له طيبة، وأصيب معه قوم من أهل أنطاكية. خبر مقتل عمر بن يزيد الأسيديّ وفيها قتل عمر بن يزيد الأسيدي؛ قتله مالك بن المنذر بن الجارود. ذكر الخبر عن ذلك وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن خالد بن عبد الله شهد عمر بن يزيد أيام حرب يزيد بن المهلب، فأعجب به يزيد بن عبد الملك، وقال: هذا رجل العراق، فغاظ ذلك خالداً، فأمر مالك بن المنذر وهو على شرطة البصرة أن يعظّم عمر بن يزيد، ولا يعصى له أمراً حتى يعرّفه الناس، ثم أقبل يعتلّ عليه حتى يقتله، ففعل ذلك، فذكر يوماً عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، فافترى عليه مالك، فقال له عمر بن يزيد: تفتري على مثل عبد الأعلى! فأغلظ له مالك، فضربه بالسياط حتى قتله. غزو غورينوفيها غزا أسد بن عبد الله غورين، وقال ثابت قطنة: أرى أسداً في الحرب إذ نزلت به ... وقارع أهل الحرب فاز وأوجبا تناول أرض السبل، خاقان ردؤه ... فحرق ما استعصى عليه وخربا أتتك وفود الترك ما بين كابل ... وغورين إذ لم يهربوا منك مهربا فما يغمر الأعداء من ليث غابة ... أبي ضاريات حرشوه فعقبا أزبّ كأنّ الورس فوق ذراعه ... كريه المحيا قد أسن وجربا ألم يك في الحصن المبارك عصمة ... لجندك إذ هاب الجبان وأرهبا! بنى لك عبد الله حسناً ورثته ... قديماً إذا عد القديم وأنجبا وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن خراسان وصرف أخاه أسداً عنها. ذكر الخبر عن عزل هشام خالداً وأخاه عن خراسان: وكان سبب ذلك أن أسداً أخا خالد تعصب حتى أفسد الناس، فقال أبو البريد - فيما ذكر عليّ بن محمد لبعض الأزد: أدخلني علي ابن عمك عبد الرحمن ابن صبح، وأوصه بي، وأخبره عني، فأدخله عليه - وهو عامل لأسد على بلخ - فقال: أصلح الله الأمير! هذا أبو البريد البكري أخونا وناصرنا، وهو شاعر أهل المشرق، وهو الذي يقول: إن تنقض الأزد حلفاً كان أكده ... في سالف الدهر عباد ومسعود ومالك وسويد أكداه معاً ... لما تجرد فيها أي تجريد حتى تنادوا أتاك الله ضاحية ... وفي الجلود من الإيقاع نقصيد قال: فجذب أبو البريد يده، وقال: لعنك الله من شفيع كذب! أصلحك الله! ولكني الذي أقول: الأزد إخوتنا وهم حلفاؤنا ... ما بيننا نكث ولا تبديل قال: صدقت، وضحك. وأبو البريد من بني علباء بن شيبان بن ذهل ابن ثعلبة. قال: وتعصب على نصر بن سيار ونفر معه من مضر، فضربهم بالسياط، وخطب في يوم جمعة فقال في خطبته: قبح الله هذه الوجوه! وجوه أهل الشقاق والنفاق، والغب والفساد. اللهم فرّق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني، وقلّ من يروم ما قبلي أو يترمرم، وأمير المؤمنين خالي، وخالد بن عبد الله أخي، ومعي اثنا عشر ألف سيف يمان. ثم نزل عن منبره، فلما صلى ودخل عليه الناس، وأخذوا مجالسهم، أخرج كتاباً من تحت فراشه، فقرأه على الناس، فيه ذكر نصر بن سيار وعبد الرحمن بن نعيم الغامديّ وسورة بن الحرّ الأبانيّ - أبان بن دارم - والبختري بن أبي درهم من بني الحارث بن عبّاد، فدعاهم فأنّبهم، فأزم القوم، فلم يتكلم منهم أحد، فتكلم سورة، فذكر حاله وطاعته ومناصحته، وأنه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل، وأن يجمع بينهم وبين من قرفهم بالباطل. فلم يقبل قوله، وأمر بهم فجردوا، فضرب عبد الرحمن بن نعيم، فإذا رجل عظيم البطن، أرسح؛ فلما ضرب التوى، وجعل سراويله يزلّ عن موضعه، فقام رجل من أهل بيته، فأخذ رداءاً له فيؤززره. فأومى إليه أن افعل، فدنا منه فأزّره - ويقال بل أزّره أبو نميلة - وقال له: اتزر أبا زهير، فإن الأمير والٍ مؤدب. ويقال: بل ضربهم في نواحي مجلسه. فلما فرغ قال: أين تيس بني حمان؟ - وهو يريد ضربه؛ وقد كان ضربه قبل - فقال: هذا تيس بني حمان؛ وهو قريب العهد بعقوبة الأمير، وهو عامر بن مالك بن مسلمة بن يزيد بن حجر بن خيسق بن حمسان بن كعب بن سعد. وقيل إنه خلفهم بعد الضّرب، ودفعهم إلى عبد ربه بن أبي صالح مولى بني سليم - وكان من الحرس - وعيسى بن أبي يريق، ووجههم إلى خالد، وكتب إليه: إنهم أرادوا الوثوب عليه؛ فكان ابن أبي بريق كلما نبت شعر أحدههم حلقه، وكان البختريّ بن أبي درهم، يقول: لوددت أنه ضربني وهذا شهراً - يعني نصر بن سيار لما كان بينهما بالبروقان - فأرسل بنو تميم إلى نصر: إن شئتم انتزعناكم من أيديهم، فكفهم نصر، فلما قدم بهم على خالد لام أسداً وعنفه، وقال: ألا بعثت برءوسهم! فقال عرفجة التميمي: فكيف وأنصار الخليفة كلهم ... عناة وأعداء الخليفة تطلق! بكيت ولم أملك دموعي وحق لي ... ونصر شهاب الحرب في الغل موثق وقال نصر: بعثت بالعتاب في غير ذنب ... في كتاب تلوم أم تميم إن أكن موثقاً أسيراً لديهم ... في هموم وكربة وسهوم رهن قسر فما وجدت بلاء ... كإسار الكرام عند اللئيم أبلغ المدعين قسراً وقسر ... أهل عود القناة ذات الوصوم هل فطمتم عن الخيانة والغد ... ر أم أنتم كالحاكر المستديم؟ وقال الفرزدق: أخالد لولا الله لم تعط طاعة ... ولولا بنو مروان لم توثقوا نصرا إذاً للقيتم دون شد وثاقه ... بني الحرب لا كشف اللقاء ولا ضجرا وخطب أسد بن عبد الله على منبر بلخ، فقال في خطبته: يا أهل بلخ، لقيتموني الزاغ والله لأزيغن قلوبكم. فلما تعصب أسد وأفسد الناس بالعصبية، كتب هشام إلى خالد بن عبد الله: اعزل أخاك، فعزله فاستأذن له في الحجّ، فقفل أسد إلى العراق ومعه دهاقين خراسان، في شهر رمضان سنة تسع ومائة، واستخلف أسد على خراسان الحكم بن عوانة الكلبيّ، فأقام الحكم صيفية، فلم يغز. ذكر الخبر عن دعاة بني العباسوذكر عليّ بن محمد أنّ أوّل من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان في ولاية أسد بن عبد الله الأولى، بعثه محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وقال له: ادع الناس إلينا وانزل في اليمن، والطف بمضر. ونهاه عن رجل من أبرشهر، يقال له غالب؛ لأنه كان مفرطاً في حب بني فاطمة. ويقال: أوّل من جاء أهل خراسان بكتاب محمد بن عليّ حرب بن عثمان، مولى بني قيس بن ثعلبة من أهل بلخ. قال: فلما قدم زياد أبو محمد، ودعا إلى بني العباس، ذكر سيرة بني مروان وظلمهم، وجعل يطعم الناس الطعام، فقدم عليه غالب من أبرشهر؛ فكانت بينهم منازعة؛ غالب يفضّل آل أبي طالب وزياد يفضّل بني العباس. ففارقه غالب، وأقام زياد بمرو شتوة، وكان يختلف إليه من أهل مرو يحيى بن عقيل الخزاعي وإبراهيم بن الخطاب العدويّ. قال: وكان ينزل برزن سويد الكاتب في دور آل الرقاد، وكان على خراج مرو الحسن بن شيخ، فبلغه أمره، فأخبر به أسد بن عبد الله، فدعا به - وكان معه رجل يكنى أبا موسى - فلما نظر إليه أسد، قال له: أعرّفك؟ قال: نعم، قال له أسد: رأيتك في حانوت بدمشق، قال: نعم، قال لزياد: فما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: رفع إليك الباطل، إنما قدمت خراسان في تجارة، وقد فرّقت مالي على الناس، فإذا صار إليّ خرجت. قال له أسد: اخرج عن بلادي، فانصرف، فعاد إلى أمره، فعاود الحسن أسداً، وعظم عليه أمره، فأرسل إليه، فلما نظر إليه، قال: ألم أنهك عن المقام بخراسان! قال: ليس عليك أيها الأمير مني بأس، فأحفظه وأمر بقتلهم، فقال له أبو موسى: فاقض ما أنت قاض. فازداد غضباً، وقال له: أنزلتني منزلة فرعون! فقال له: ما أنزلتك ولكن الله أنزلك. فقتلوا، وكانوا عشرة من أهل بيت الكوفة، فلم ينجُ منهم يومئذ إلا غلامان استصغرهما، وأمر بالباقين فقتلوا بكشانشاه. وقال قوم: أمر أسد بزياد أن يحط وسطه، فمد بين اثنين، فضرب فنبا السيف عنه، فكبّر أهل السوق، فقال أسد: ما هذا؟ فقيل له، لم يحك السيف فيه، فأعطى أبا يعقوب سيفاً، فخرج في سراويل، والناس قد اجتمعوا عليه، فضربه، فنبا السيف، فضربه ضربة أخرى، فقطعه باثنتين. وقال آخرون: عرض عليهم البراءة، فمن تبرّأ منهم مما رفع عليه خلى سبيله، فأبى البراءة ثمانية منهم، وتبرأ اثنان. فلما كان الغد أقبل أحدههما وأسد في مجلسه المشرف على السوق بالمدينة العتيقة، فقال: أليس هذا أسيرنا بالأمس! فأتاه، فقال له: أسألك أن تلحقني بأصحابي، فأشرفوا به على السوق، وهو يقول: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً؛ فدعا أسد بسيف بخاراخداه، فضرب عنقه بيده قبل الأضحى بأربعة أيام، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيراً، فنزل على أبي النجم، فكان يأتيه الذين لقوا زياداً فيحدّثهم ويدعوهم، فكان على ذلك سنة أو سنتين، وكان كثير أمياً، فقدم عليه خدّاش، وهو في قرية تدعى مرعم، فغلب كثيراً على أمره. ويقال: كان اسمه عمار فسمّى خدّاشاً، لأنه خَدش الدين. وكان أسد استعمل عيسى بن شداد البرجمي إمرته الأولى في وجه وجّهه على ثابت قطنة، فغضب، فهجا أسداً، فقال: أرى كل قوم يعرفون أباهم ... وأبو بجيلة بينهم يتذبذب إني وجدت أبي أباك فلا تكن ... إلباً عليّ مع العدوّ تجلب أرمي بسهمي من رماك بسهمه ... وعدو من عاديت غير مكذب أسد بن عبد الله جلل عفوه ... أهل الذنوب فكيف من لم يذنب! أجعلتني للبرجمي حقيبة ... والبرجمي هو اللئيم المحقب عبد إذا استبق الكرام رأيته ... يأتي سكيناً حاملاً في الموكب إني أعوذ بقبر كرز أن أرى ... تبعاً لعبد من تميم محقب ولاية أشرس بن عبد الله على خراسانوفي هذه السنة استعمل هشام بن عبد الملك على خراسان أشرس ابن عبد الله السلميّ، فذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذيّال العدويّ ومحمد بن حمزة، عن طرخان ومحمد بن الصلت الثقفيّ أن هشام بن عبد الملك عزل أسد بن عبد الله عن خراسان، واستعمل اشرس بن عبد الله السلميّ عليها، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القسريّ - وكان أشرس فاضلاً خيّراً، وكانوا يسمونه الكامل لفضله عندهم - فسار إلى خراسان، فلما قدمها فرحوا بقدومه، فاستعمل على شرطته عميرة أبا أمية اليشكريّ ثم عزله وولّى السمط، واستقضى على مرو أبا المبارك الكنديّ، فلم يكن له علم بالقضاء، فاستشار مقاتل بن حيان، فأشار عليه مقاتل بمحمد بن زيد فاستقضاه، فلم يزل قاضياً حتى عزل أشرس. وكان أول من اتخذ الرابطة بخراسان واستعمل على الرابطة عبد الملك بن دثار الباهليّ، وتولى أشرس صغير الأمور وكبيرها بنفسه. قال: وكان أشرس لما قدم خراسان كبّر الناس فرحاً به، فقال رجل: لقد سمع الرحمن تكبير أمة ... غداة أتاها من سليم إمامها إمام هدى وقوى لهم أمرهم به ... وكانت عجافاً ما تمخ عظامها وركب حين قدم حماراً، فقال له حيان النبيطّ: أيها الأمير، إن كنت تريد أن تكون والي خراسان فاركب الخيل، وشدّ حزام فرسك، وألزم السوط خاصرته حتى تقدم النار، وإلاّ فارجع. قال: أرجع إذن، ولا أقتحم النار يا حيّان. ثم أقام وركب الخيل. قال عليّ: وقال يحيى بن حضين: رأيت في المنام قبل قدوم أشرس قائلاً يقول: أتاكم الوعر الصدر، العضيف الناهضة، المشئوم الطائر، فانتبهت فزعاً ورأيت في الليلة الثانية: أتاكم الوعر الصدر، الضعيف الناهضة، المشئوم الطائر، الخائن قومه؛ غر، ثم قال: لقد ضاع جيش كان جغر أميرهم ... فهل من تلاف قبل دوس القبائل! فإن صرفت عنهم به فلعله ... وإلا يكونوا من أحاديث قائل وكان أشرس يلقب جغراً بخراسان. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره. وقال الواقديّ: خطب الناس إبراهيم بن هشام بمنىً في هذه السنة الغد من يوم النحر بعد الظهر. فقال سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألون أحداً أعلم مني. فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية؛ أواجبة هي أم لا؟ فما درى أيّ شيء يقول له! فنزل. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هسام، وعلى البصرة والكوفة خالد بن عبد الله، وعلى الصلاة بالبصرة أبان بن ضبارة اليزني، وعلى شرطتها بلال بن أبي بردة، وعلى قضائها ثمامة بن عبد الله الأنصاريّ؛ من قبل خالد بن عبد الله، وعلى خراسان أشرس بن عبد الله. ثم دخلت سنة عشر ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك التّرك؛ سار إليهم نحو باب اللاّن حتى لقي خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريباً من شهر، وأصابهم مطر شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مسلمة فسلك على مسجد ذي القرنين. وفيها غزا - فيما ذكر - معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح صماله وفيها غزا الصائفة عبدالله بن عقبة الفهريّ. وكان على جيش البحر - فيما ذكر الواقديّ - عبد الرحمن بن معاوية بن حديج.وفي هذه السنة دعا الأشرس أهل الذّمة من أهل سمرقند ومن وراء النهر إلى الإسلام، على أن موضع عنهم الجزية، فأجابوا إلى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، وطالبهم بها، فنصبوا له الحرب. ذكر الخبر عمّا كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلكذكر أن الأشرس قال في عمله بخرسان: ابغوني رجلاً له ورع وفضل أوجهّه إلى من وراء النهر، فيدعوهم إلى الإسلام. فأشاروا عليه بأبي الصّيداء صالح بن طريف، مولى بني ضبّة، فقال: لست بالماهر بالفارسية، فضموا معه الربيع بن عمران التميميّ، فقال أبو الصيداء: أخرج على شريطة أن من أسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خراج خراسان على رؤوس الرجال، فقال أشرس: نعم قال أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم. فشخص إلى سمرقند، وعليها الحسن بن أبي العمرّطة الكنديّ على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس: إن الخراج قد انكسر؛ فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة: إن في الخراج قوة للمسلمين؛ وقد بلغني أن أهل السُّغد وأشباههم لم يسلموا رغبة، وإنما دخلوا في الإسلام بعوّذاً من الجزية؛ فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسن إسلامه، وقرأ سورة من القرآن، فارفع عنه خراجه. ثم عزل أشرس ابن أبي العمرّطة عن الخراج، وصيره إلى هانئ بن هانئ، وضم إليه الأشحيذ، فقال ابن أبي العمرطة لأبي الصيداء: لست من الخراج الآن في شيء، فدونك هانئاً ولأشحيذ؛ فقام أبوا الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ: إن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد. فجاء دهاقين بخارى إلى أشرس فقالوا: ممن تأخذ الخراج، وقد صار الناس كلهم عرباً؟ فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا؛ واعتزل من أهل السُّغد سبعة آلاف، فنزلوا على سبعة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميميّ والقاسم الشيبانيّ وأبو فاطمة الأزديّ وبشر بن جرموز الضِّبيّ وخالد بن عبد الله النحويّ وبشر بن زنبور الأزديّ وعامر بن قشير - أو بشير الخجنديّ وبيان العنبريّ وإسماعيل بن عقبة، لينصروهم. قال: فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشرّ بن مزاحم السلميّ، وضم إليه عميرة بن سعد الشيبانيّ. قال: فلما قدم المجشَّر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليس بغدر ما كان فبه حقن الدماء. وحمل أبا الصيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده؛ فلما أبو الصيداء اجتمع أصحابه وولوا أمرهم أبا فاطمة، ليقتاوا هانئاً، فقال لهم: كفوا حتى أكتب إلى أشرس فيأتينا رأيه فنعمل بأمره. فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصيداء، فضعف أمرهم، فتتبِّع الرّؤساء منهم فأخذوا، وحملوا إلى مرو، وبقي ثابت محبوساً، وأشرك أشرس مع هانئ بن هانئ سليمان بن أبي السريّ مولى بني عوافة في الخراج، فألحّ هانئ والعمال في جباية الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم، وسلّط المجشر عميررة بن سعد على الدّهاقين، فأقيموا وخرقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجزية ممن أسلم من الضعفاء، فكفرت السُّغد وبخارى، واستجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنة فيحبس المجشر، حتى قدم نصر بن سيّار والياً على المجسر، فحمل ثابتاً إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثيّ فحبسه. وكان نصر بن سيّار ألطفه، وأحسن إليه، فمدحه ثابت قطنة، وهو محبوس عند أشرس فقال: ما هاج شوقك من نؤي وأحجار ... ومن رسوم عفاها صوب أمطار! لم يبق منها ألام عرصتها ... ألا شجيج وإلا موقد النار ومائل في ديار الحيّ بعدهم ... مثل الربيئة في أهدامه العارى ديار ليلى قفار لا أنيس بها ... دون الحجون وأين الحجن من دارى! بدلت منها وقد شطّ المزار بها ... وادى المخافة لا يسرى بها السارى بين السماوة في حزم مشرقة ... ومعنق دوننا آذيه جار نقارع الترك ما تنفك نائحةٌ ... منا ومنهم على ذي نجدة شار إن كان ظني بنصر صادقاً أبداً ... فيما أدبّر من نقضي وإمراري يصرف الجند حتى يستفئ بهم ... نبهاً عظيماً ويحوي ملك جبّار وتعثر الخيل في الأقياد آونةً ... تحوي النّهاب إلى طلاّب أوتار حتى يروها دوين السرح بارقة ... فيها لواء كظل الأجدل الضاري لا يمنع الثغر إلا ذو محافظة ... من الخضارم سبّاق بأوتار إني وإن كنت من جذم الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الوارى لذاكر منك أمراً قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بن سيّار ناضلت عني نضال الحرِّ إذ قصرت ... دوني العشيرة واستبطأت أنصاري وصار كل صديق كنت آمله ... ألباً على ورثَّ الحبل من جاري وما تلَّبست بالأمر الذي وقعوا ... به علىّ ولا دنست أطماري ولاعصيت إماماً كان طاعته ... حقّاً عليَّ ولا قارفت من عار قال عليّ: وخرج أشرس غازياً فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر، وقّدم قطن بن قتيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل السُّغد وأهل بخارى؛ معهم خاقان والترك، فحصروا قطن بن قتيبة في خندقه، وجعل خاقان ينتخب كل يوم فارساً، فيعبر في قطعة من الترك النهر. وقال قوم: أقحموا دوابّهم عرياً، فعبروا وأغاروا على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمر فوجّهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بآمل حتى استنفذوا ما بأيديهم؛ ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين، ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلاً يقال له مسعود - أحد بني حيّان - في سريّة، فلقيهم العدو، فقاتلوهم، فأصيب رجال من المسلمين وهزم مسعود؛ حتى رجع إلى أشرس، فقال بعض شعرائهم: خابت سريّة مسعود وما غنمت ... إلا أفانين من شدٍّ وتقريب حلُّوا بأرض قفار لا أنيس بها ... وهن بالسًّفح أمثال اليعاسيب وأقبل العدو، فلما كانوا بالقرب لقيهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جولة، فقتل في تلك الجولة رجال من المسلمين، ثم كرّ المسلمون وصبروا لهم، فانهزم المشركون. ومضى أشرس بالناس؛ حتى نزل بيكند، فقطع العدوّ عنهم الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم، فأصبحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم ينبطوا، وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التي قطعواعنهم المياه منها، وعلى مقدمة المسلمين قطن بن قتيبة، فلقيهم العدو فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال، ولم يبق في صف الرّباب إلا سبعة فكاد ضرار بن حصين يؤسر من الجهد الذي كان به، فحضّ الحارث بن سريج الناس فقال: أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجراً عند الله من الموت عطشاً. فتقدّم الحارث بن سريج وقطن بن قتيبة وإسحاق بن محمد، ابن أخي وكيع، في فوارس من بني تميم وقيس، فقالوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا وارتووا. قال: فمر ثابت قطنة بعبد الملك بن دثار الباهليّ، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في أثار الجهاد؟ فقال: أنظرني ريثما أغتسل وأتحنّط، فوقف له حتى خرج ومضيا، فقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقتل ثابت في عدّة من المسلمين؛ منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبديّ وعبد الملك بن دثار الباهليّ والوجيه الخراسانيّ والعقار بن عقبة العوديّ. فضم قطن بن قتيبه وإسحاق بن محمد بن حسان خيلاً من بني تميم وقيس؛ تبايعوا على الموت، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم فكشفوهم؛ وركبهم المسلمون يقاتلونهم؛ حتى حجزهم الليل، وتفرق العدوّ. فأتى أشرس بخارى فحصر أهلها. قال عليّ بن محمد، عن عبد الله بن المبارك: حدّثني هشام بن عمارة ابن القعقاع الضبيّ عن فضيل بن غزوان، قال: حدثّني وجيه البنانيّ ونحن نطوف بالبيت، قال: لقينا الترك، فقتلوا منّا قوماً، وصرعت وأنا أنظر إليهم، يجلسون فيستقون حتى انتهوا إلىّ، فقال رجل منهم: دعوه فإن له أثراً هو واطئه، وأجلاً هو بالغه؛ فهذا أثر قد وطئته، وأنا أرجو الشهادة. فرجع إلى خرسان؛ فاستشهد مع ثابت. قال: فقال الوزاع بن مائق: مرّ بي الوجيه في بلغين يوم أشرس، فقلت: كيف أصبحت يا أبا أسماء؟ قال: أصبحت بين حائر وحائز؛ اللهم لف بين الصفين؛ فخالطا القوم وهو منتكب قوسه وسيفه، مشتمل في طيلسان واستشهد واستشهد الهيثم بن المنخل العبديّ. قال عليّ عن عبد الله بن المبارك، قال: لما التقى أشرس والترك، قال ثابت قطنة: اللهم إنّي كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفك الليلة؛ والله لا ينظر إلى بنو أمية مشدوداً في الحديد؛ فحمل وحمل أصحابه؛ فكذب أصحابه ثبت؛ فرمى برذونه فشبّ، وضربه فأقدم، وضرب فارتثّ؛ فقال وهو صريع: اللهم إني أصبحتُ ضيفاً لابن بسطام؛ وأمسيت ضيفك؛ فاجعل قراي من ثوابك الجنة. قال عليّ: ويقال إن أشرس قطع النهر، ونزل بيكند؛ فلم يجد بها ماء؛ فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوا من قصر بخاراخداه - وكان منزله منهم على ميل - تلقّاهم ألف فارس، فأحاطوا بالعسكر وسطع رهج الغبار، فلم يكن الرّجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه. قال فانقطع منهم ستة آلاف، فيهم قطن بن قتيبة وغوزك من الدهاقين، فانتهوا إلى قصر من قصور بخارى، وهم يرون أن أشرس قد هلك، وأشرس في قصور بخارى؛ فلم يلتقواإلا بعد يومين، ولحق غزوك في تلك الواقعة بالترك، وكان قد دخل القصر مع قطن، فأرسل إليه قطن رجلاً،فصاحوا برسول قطن؛ ولحق بالترك. قال: ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بداً من اللحاق بهم. ويقال إن أشرس أرسل إلى غوزك يطلب منه طاساً، فقال لرسول أشرس: إنه لم يبق معي شيء أتدهن به غير الطاس، فاصفح عنه. فأرسل إليه: اشرب في قرعة، وابعث إلى بالطاس، ففارقه. قال: وكان على سمرقند نصر بن سيار، وعلى خراجها عميرة بن سعيد الشيبانيّ، وهم محصورون وكان عميرة ممن قدم مع أشرس وأقبل قريش لبن أبي كهمس على فرس، فقال لقطن: قد نزل الأمير والناس؛ فام يفقد أحد من الجند غيرك، فمضى قطن والناس إلى العسكر؛ وكان بينهم ميل. ذكر وقعة كمرجةقال: ويقال إن أشرس نزل قريباً من مدينة بخارى على قدر فرسخ؛ وذلك المنزل يقال له المسجد؛ ثم تحول منه إلى مرج يقال له بوادرة، فأتاهم سبابة - أو شبابة - مولى قيس بن عبد الله الباهلي، وهم نزول بكمرجة - وكانت كمرجة من أشرف مدن خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته - فقال لهم: إن خاقان مار بكم غداً، فأرى لكم أن تظهروا عدتكم، فيرى جداً واحتشاداً، فينقطع طعمه منكم. فقال له رجل منهم: استوثقوا من هذا فإنه جاء ليفتّ في أعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا وقد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه وفعلوا ما أمرهم به المولى، وصبّحهم خاقان، فلما حاذى بهم ارتفع إلى طريق بخارى كأنه يريدها، فتحدر بجنوده من وراء تل بينهم وبينه، فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهم، فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التلّ، فإذا جبل حديد: أهل فرغانة والطار بند وأفشينة ونسف وطوائف من أهل بخارى. قال فأسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بن قنان الذهلي: هم يريدون مزاحفتكم فسربوا دوابكم المجففة في طريق النهر، كأنكم تريدون أن تسقوها، فإذا جردتموها فخذوا طريق الباب، وتسربوا الأول فالأول؛ فلما رآهم الترك يتسربون شدٌّوا عليهم في مضايق؛ وكانوا هم أعلم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلاً كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، وهو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم عل الباب الخارج من الخندق فدخلوه، فاقتتلوا، وجاء رجلٌ من العرب بحزمة قصب قد أشعلها فرمى بها وجوههم قال: فتنحوا، وأخلوا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوا انصرف الترك وأحرق العرب القنطرة، فأتاهم خسرو بن يزد جرد في ثلاثين رجلاً، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد على مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف. قال: وجاءهم بازغرى في مائتين - وكان داهية - من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمنونا حتى ندنو منكم، وأشرفوا عليه ومعه أسراء من العرب، فقال بازغرى: يا معشر العرب، أحدروا إليّ رجلاً منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيباً مولى مهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم فقال: أحدروا إليّ رجلاً يعقل عني، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهليّ، وكان يشدو شدواً من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء. وقال: إن خاقان أرسلني إليكم؛ وهو يقول لكم: إني أجعل من كان عطاؤه منكم ستمائة ألفاً، ومَن كان عطاؤه ثلثمائة ستمائة؛ وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم؛ كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاء! لا يكون بيننا وبينكم صلح. فغضب بازغرى، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان. وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغرى إلاّ أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النصف معه؛ فإن ظفر خاقان فنحن معه؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السغد، فرضي بازغري والتركيان بما قال، فقال له: أعرض على القوم ما تراضينا به، وأقبل فأخذ بطرف الحبل فجذبوه حتى صار على سور المدينة، فنادى: يا أهل كمرجة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين، قالوا: نموت جميعاً قبل ذلك. قال: فأعلموهم. قال: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادي بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أ،تم عندنا إلاّ بمنزلة مَن في أيدينا منكم - وكان في أيديهم الحجاج بن حميد النضريّ - فقالوا له: يا حجاج، ألا تكلَّم؟ قال: عليّ رقباء، وأمر خاقان بقطع الشجر، فجعلوا يلقون الحطب الرطب، ويلقى أهل كمرجة الحطب اليابس، حتى سوّى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريح شديدة - صنعاً من الله عزّ وجلّ - قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فأوجعناهم وشغلناهم بالجراحات. قال: وأصابت بازغرى نشابة في سرّته، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانهم، وأصبحوا بشرّ، منكّسين رءوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم. فلما امتدّ النهار جاءوا بالأسرى وهم مائة؛ فيهم أبو العوجاء العتكيّ وأصحابه، فقتلوهم، ورموا إليهم برأس الحجاج ابن حميد النضريّ. وكان مع المسلمين مائتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتدّ القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: من لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاويّ: أنا لك بهم؛ فذهب يسعى. وقال لفتيان: امشوا خلفي، وهو جريح، قال: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة. قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجب أنه لم يبق ملك فيما وراء النهر إلاّ قاتل بكمرجة غيري، وعزّ عليّ ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني. فلم يزل أهل كمرجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فرغانة. فعير خاقان أهل السغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حماراً، وأنّا نفتحها في خمسة أيام؛ فصارت الخمسة الأيام شهرين. وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جهداً، ولكن أحضرنا غداً فانظر؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطاربند؛ فاستأذنه في القتال والدّحول عليهم، قال: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع - وكان خاقان يعظّمه - فقال: اجعل لي جاريتين من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم؛ فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثلمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خرق يفضي إلى الثلمة، وفي البيت رجل من بني تميم مريض، فرماه بكلوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته؛ ورماه رجل يحجر؛ فأصاب أصل أذنه فصرع، وطعنه رجل فقتله. وجاء شاب أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده - قال: ويقال: إنّ الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش - فكانوا قد اتخذوا صناعاً، وألصقوها بحائط الخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبواباً له؛ فأقعدوا الرماة وراءها؛ وفيهم غالب بن المهاجر الطائيّ عمّ أبي العباس الطوسيّ ورجلان، أحدهما شيبانيّ والآخر ناجيّ، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجيّ فلم يخطىء قصبة أنفه، وعليه كاشخودة تبتية، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانيّ وليس يرى منه غير عينيه؛ فرماه غالب ابن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقان شيء أشد منه. قال: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس من رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو ترحلهم عنها. فقال له كليب بن قنان: وليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نقتل، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سمرقند أو الدبوسية، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خروجكم من هذه المدينة. قال: ورأى أهل كمرجة ما هم فيه من الحصار والشدّة، فقالوا: نشاور أهل سمرقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطائيّ، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدّهقان الذي بها صديق له، فقال له: إنّي بعثت إلى سمرقند؛ فاحملني، فقال: ما أجد دابة إلا بعض دواب خاقان، فإن له في روضة خمسين دابة؛ فخرجا جميعاً إلى تلك الروضة، فأخذ برذوناً فركبه، وكان إلفه برذون آخر، فتبعه فأتى سمرقند من ليلته، فأخبرهم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدبوسية، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألاّ يعرضوا لهم، وسألوهم رجلاً من الترك يتقوّون به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا من شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حيث أرادوا. ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابه، وأمرهم بالارتحال عنهم؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السغد وقالوا: لا تفعل أيها الملك؛ ولكن أعطهم أماناً يخرجون عنها، ويرون أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه؛ فأجابهم إلى ذلك، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم. قال: فصار الرهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سمرقند - وكان الرهن الذي في أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل خاقان - قال كورصول للعرب: ارتحلوا، قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب. قال: فكفّ عنهم؛ حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة، وقال: إنما الشدة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة؛ فارتحلوا وفي يد الترك من الرّهن من العرب نفر، منهم شعيب البكريّ أو النصريّ، وسباع بن النعمان وسعيد بن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خلف كل رجل من الترك رجلاً من العرب معه خنجر، وليس على التركيّ غير قباء، فساروا بهم. ثم قال العجم لكورصول: إنّ الدبوسية فيها عشرة آلاف مقاتل؛ فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين الدبوّسية قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى فرسان وبياذقة وجمع. فظنوا أن كمرجة قد فتحت. وأن خاقان قصد لهم. قال: وقرينا منهم وقد تأهبوا للحرب؛ فوجه كليب بن قنان رجلاً من بني ناجية يقال له الضّحاك على برذون يركض، وعلى الدبوسية عقيل بن ورّاد السغذي، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف؛ فرسان ورجّالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبوسية يركضون، فحمل من كان يضعف عن المشي ومن كان مجروحاً. ثم إن كليباً أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن درهم ليعلما سباع ابن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلّوا عن الرهن؛ فجعلت العرب ترسل رجلاً من الرهن الذين في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلاً من الرهن الذين في أيديهم من العرب؛ حتى بقي سباع بن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغدر، فقال سباع: خلوا رهينة الترك، فخلّوه وبقي سباع في أيديهم، فقال له كورصول: لمَ فعلت هذا؟ قال: وثقت برأيك فيّ، وقلت: ترفع نفسك عن الغدر في مثل هذا؛ فوصله وسلّحه وحمله على برذون، وردوه إلى أصحابه. قال: وكان حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوماً، فيقال إنهم لم يسقوا إبلهم خمسة وثلاثين يوماً. قال: وكان خاقان قسم في أصحابه الغنم، فقال: كلوا لحومها واملئوا جلودها تراباً، واكبسوا خندقكم؛ ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم. وكان مع أهل كمرجة قوم من الخوارج، فيهم ابن شنجٍ مولى بني ناجية. ذكر ردّة أهل كردر وفي هذه السنة ارتدّ أهل كردر، فقاتلهم المسلمون وظفروا بهم؛ وقد كان الترك أعانوا أهل كردر؛ فوجّه أشرس إلى من قرب من كردر من المسلمين ألف رجل ردءاً لهم؛ فصاروا إليهم، وقد هزم المسلمون الترك، فظفروا بأهل كردر. وقال عرفجة الدارميّ: نحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر فإن تجعلوا ما قد غنمنا لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر وفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصلاة بالبصرة مع الشرطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بردة؛ فجمع ذلك كله له، وعزل به ثمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء. وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خراسان أشرس بن عبد الله. ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وغزوة سعيد بن هشام الصائفة اليمنى حتى أتى قيساريّة. قال الواقديّ: غزا سنة إحدى عشرة ومائة على جيش البحر عبد الله بن أبي مريم، وأمّر هشام على عامّة الناس من أهل الشام ومصر الحكم بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. وفيها سارت الترك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم. وفيها ولّى هشام الجرّاح بن عبد الله الحكميّ على أرمينية. وفيها عزل هشام أشرس بن عبد الله السلمي عن خراسان، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن المرّيّ. ذكر السبب الذي من أجله عزل هشام أشرس عن خراسان واستعماله الجنيد ذكر عليّ بن محمد، عن أبي الذّيال، قال: كان سبب عزل أشرس أنّ شدّاد بن خالد الباهليّ شخص إلى هشام فشكاه، فعزله واستعمل الجنيد بن عبد الرحمن على خراسان سنة إحدى عشرة ومائة. قال: وكان سبب استعماله إيّاه أنه أهدى لأمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم امرأة هشام قلادة فيها جوهر، فأعجبت هشاماً، فأهدى لهشام قلادة أخرى، فاستعمله على خراسان، وحمله على ثمانية من البريد؛ فسأله أكثر من تلك الدوابّ فلم يفعل؛ فقدم خراسان في خمسمائة - وأشرس بن عبد الله يقاتل أهل بخارى والسغد - فسأل عن رجل يسير معه إلى ما وراء النهر، فدل على الخطاب بن محرز السلميّ خليفة أشرس، فلما قدم آمل أشار عليه الخطاب أن يقيم ويكتب إلى من يزم ومن حوله؛ فيقدموا عليه، فأبى وقطع النهر، وأرسل إلى أشرس أن أمدني بخيل، وخاف أن يقتطع قبل أن يصل إليه، فوجّه إليه أشرس عامر بن مالك الحمّانيّ، فلما كان في بعض الطريق عرض له الترك والسغد ليقطعوه قبل أن يصل إلى الجنيد، فدخل عامر حائطاً حصيناً، فقاتلهم على ثلمة الحائط، ومعه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم؛ ابن أخي الأسود بن كلثوم؛ فرماه رجل من العدوّ بنشابة، فأصاب عرض منخره، فأنفذ المنخرين، فقال له عامر بن مالك: يا أبا الزاهرية؛ كأنك دجاجة مقرّق. وقتل عظيم من عظماء الترك عند الثلمة، وخاقان على تلّ خلفه أجمةٌ، فخرج عاصم بن عمير السمرقندي وواصل بن عمرو القيسيّ في شاكريّة، فاستدارا حتى صارا من وراء ذلك الماء، فضمّوا خشباً وقصباً وما قدروا عليه، حتى اتخذوا رصفاً، فعبروا عليه فلم يشعر خاقان إلا بالتكبير، وحمل واصل والشاكرية على العدو فقاتلوهم؛ فقتل تحت واصل برذون، وهزم خاقان وأصحابه. وخرج عامر بن مالك من الحائط، ومضى إلى الجنيد وهو في سبعة آلاف؛ فتلقى الجنيد وأقبل معه، وعليّ مقدّمة الجنيد عمارة بن حريم. فلما انتهى إلى فرسخين من بيكند، تلقته خيل الترك فقاتلهم؛ فكاد الجنيد أن يهلك ومن معه، ثم أظهره الله؛ فسار حتى قدم العسكر. وظفر الجنيد، وقتل الترك، وزحف إليه خاقان فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند؛ وقطن ابن قتيبة على ساقة الجنيد، وواصل في أهل بخارى - وكان ينزلها - فأسر ملك الشاش، وأسر الجنيد من الترك ابن أخي خاقان في هذه الغزاة؛ فبعث به إلى الخليفة، وكان الجنيد استخلف في غزاته هذه مجشّر بن مزاحم على مرو، وولّى سورة بن الحر من بني أبان بن دارم بلخ، وأوفد لما أصاب في وجهه ذلك عمارة بن معاوية العدويّ ومحمد بن الجرّاح العبديّ وعبد ربه بن أبي صالح السلميّ إلى هشام بن عبد الملك ثم انصرفوا؛ فتواقفوا بالترمذ، فأقاموا بها شهرين. ثم أتى الجنيد مرو وقد ظفر، فقال خاقان: هذا غلام مترف، هزمني العام وأنا مهلكه في قابل؛ فاستعمل الجنيد عمّاله، ولم يستعمل إلا مضرياً؛ استعمل قطن بن قتيبة على بُخارى، والوليد بن القعقاع العبسيّ على هراة، وحبيب بن مرّة العبسيّ على شرطه، وعلى بلخ مسلم بن عبد الرحمن الباهليّ. وكان نصر بن سيار على بلخ؛ والذي بينه وبين الباهليين متباعد لما كان بينهم بالبروقان، فأرسل مسلم إلى نصر فصادفوه نائماً، فجاءوا به في قميص ليس عليه سراويل، ملبياً، فجعل يضمّ عليه قميصيه، فاستحيا مسلم، وقال: شيخ من مضر جئتم به على هذه الحال! ثم عزل الجنيد مسلماً عن بلخ، وولاها يحيى بن ضبيعة، واستعمل على خراج سمرقند شداد بن خالد الباهليّ، وكان مع الجنيد السمهريّ بن قعنب. وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ؛ وكان إليه من العمل في هذه السنة التي قبلها؛ وقد ذكرت ذلك قبل. وكان العامل على العراق خالد بن عبد الله، وعلى خراسان الجنيد بن عبد الرحمن. ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة فافتتح خرشنة، وحرق فرنديّة من ناحية ملطية. ذكر خبر قتل الجراح الحكميوفيها سار الترك من الّلاّن فلقيهم الجرّاح بن عبد الله الحكميّ فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان، فلم يتتامّ إليه جيشه؛ فاستشهد الجرّاح ومن كان معه بمرج أردبيل؛ وافتتحت الترك أردبيل؛ وقد كان استخلف أخاه الحجاج بن عبد الله على أرمينية. ذكر محمد بن عمر أنّ الترك قتلت الجراح بن عبد الله ببلنجر، وأن هشاماً لما بلغه خبره دعا سعيد بن عمرو الحرشيّ، فقال له: إنه بلغني أن الجرّاح قد انحاز عن المشركين، قال: كلاّ يا أمير المؤمنين، الجرّاح أعرف بالله من أن ينحاز عن العدوّ، ولكنه قتل، قال: فما الرأي؟ قال: تبعثني على أربعين دابة من دوابّ البريد؛ ثم تبعث إليّ كلّ يوم أربعين دابّة عليها أربعون رجلاً، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد يوافونني. ففعل ذلك هشام. فذُكر أن سعيد بن عمرو أصاب للترك ثلاثة جموع وفوداً إلى خاقان بمن أسروا من المسلمين وأهل الذمّة، فاستنقذ الحرشي ما أصابوا وأكثروا القتل فيهم. وذكر عليّ بن محمد أنّ الجنيد بن عبد الرحمن قال في بعض ليالي حربه الترك بالشعب: ليلة كليلة الجراح ويوم كيومه؛ فقيل له: أصلحك الله! إن الجرّاح سير إليه فقتل أهل الحجى والحفاظ، فجنّ عليه الليل، فانسل الناس من تحت الليل إلى مدائن لهم بأذربيجان، وأصبح الجرّاح في قلة فقتل. وفي هذه السنة وجه هشام أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار في شتاء شديد البرد والمطر والثلوج فطلبهم - فيما ذكر - حتى جاز الباب في آثارهم، وخلّف الحارث بن عمرو الطائيّ بالباب. ذكر وقعة الجنيد مع التركوفي هذه السنة كانت وقعة الجنيد مع الترك ورئيسهم خاقان بالشعب. وفيها قتل سورة بن الحر؛ وقد قيل إن هذه الوقعة كانت في سنة ثلاث عشرة ومائة. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كانت ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه أن الجنيد بن عبد الرحمن خرج غازياً في سنة اثنتي عشرة ومائة يريد طخارستان، فنزل على نهر بلخ، ووجّه عمارة ابن حريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفاً وإبراهيم بن بسام الليثيّ في عشرة آلاف في وجه آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ أحد بني أبان بن دارم، فكتب سورة إلى الجنيد: إن خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم فما قدرتُ أن أمنع حائط سمرقند؛ فالغوث! فأمر الجنيد الناس بالعبور، فقام إليه المجشر بن مزاحم السلميّ وابن بسطام الأزديّ وابن صبح الخرقيّ، فقالوا: إن الترك ليسوا كغيرهم، لا يلقونك صفاً ولا زحفاً، وقد فرقت جندك، فمسلم بن عبد الرحمن بالنيروذ والبختريّ بهراة، ولم يحضرك أهل الطالقان، وعمارة بن حريم غائب. وقال له المجشّر: إن صاحب خراسان لا يعبر النهر في أقلّ من خمسين ألفاً؛ فاكتب إلى عمارة فليأتك، وأمهل ولا تعجل، قال: فكيف بسورة ومن معه من المسلمين! لو لم أكن إلاّ في بني مرة، أو من طلع معي من أهل الشام لعبرت. وقال: أليس أحقّ الناس أن يشهد الوغى ... وأن يقتل الأبطال ضخم على ضخم. وقال: ما علّتي ما علّتي ما علّتي! ... إنْ لم أقاتلهم فجزوا لمتي قال: وعبر فنزل كسّ؛ وقد بعث الأشهب بن عبيد الحنظلي ليعلم علم القوم، فرجع إليه وقال: قد أتوك فتأهب للمسير. وبلغ الترك فعوروا الآبار التي في طريق كسّ وما فيه من الركايا فقال الجنيد: أيّ الطريقين إلى سمرقند أمثل؟ قالوا: طريق المحترقة. قال المجشر بن مزاحم السلميّ: القتل بالسيف أمثل من القتل بالنار؛ إن طريق المحترقة فيه الشجر والحشيش ولم يزرع منذ سنين، فقد تراكم بعضه على بعض، فإن لقيت خاقان أحرق ذلك كله، فقتلنا بالنار والدخان؛ ولكن خذ طريق العقبة، فهو بيننا وبينهم سواء. فأخذ الجنيد طريق العقبة، فارتقى في الجبل، فأخذ المجشر بعنان دابته، وقال: إنه كان يقال: إنّ رجلاً من قيس مترفاً يهلك على يديه جند من جنود خراسان؛ وقد خفنا أن تكونه. قال: أفرخ روعك، فقال المجشر: أمّا إذا كان بيننا مثلك فلا يفرخ. فبات في أصل العقبة، ثم ارتحل حين أصبح؛ فصار الجنيد بين مرتحل ومقيم؛ فتلقى فارساً ، فقال: ما اسمك؟ فقال: حرب؛ قال: ابن من؟ قال: ابن محربة، قال: من بني من؟ قال: من بني حنظلة، قال: سلط الله عليك الحرب والحرَب والكلَب. ومضى بالناس حتى دخل الشعب وبينه وبين مدينة سمرقند أربعة فراسخ، فصبّحه خاقان في جمع عظيم، وزحف إليه أهل السغد والشاش وفرغانة وطائفة من الترك. قال: فحمل خاقان على المقدّمة وعليها عثمان ابن عبد الله بن الشخير، فرجعوا إلى العسكر والترك تتبعهم؛ وجاءوهم من كلّ وجه؛ وقد كان الإخريد قال للجنيد: ردّ الناس إلى العسكر؛ فقد جاءك جمع كثير؛ فطلع أوائل العدوّ والناس يتغدون، فرآهم عبيد الله بن زهير بن حيان، فكره أن يعلم الناس حتى يفرغوا من غدائهم؛ والتفت أبو الذيّال، فرآهم، فقال: العدوّ! فركب النّاس إلى الجنيد، فصبّر تميماً والأزد في الميمنة وربيعة في الميسرة ممايلي الجبل؛ وعلى مجففة خيل بني تميم عبيد الله بن زهير بن حبان، وعلى المجرّدة عمر - أو عمرو - بن جرفاس بن عبد الرحمن بن شقران المنقري، وعلى جماعة بني تميم عامر بن مالك الحماني، وعلى الأزد عبد الله بن بسطام بن مسعود بن عمرو المعنيّ؛ وعلى خيلهم: المجففة والمجردة فضيل بن هناد وعبد الله بن حوذان؛ أحدهما على المجفّفة، والآخر على المجرّدة - ويقال: بل كان بشر بن حوذان أخو عبد الله بن حوذان الجهضميّ - فالتقوا وربيعة ممّايلي الجبل في مكان ضيق؛ فلم يقدم عليهم أحد؛ وقصد العدوّ للميمنة وفيها تتميم والأزد في موضع واسع فيه مجال للخيل. فترجّل حيان بن عبيد الله بن زهير بين يدي أبيه، ودفع برذونه إلى أخيه عبد الملك، فقال له أبوه: يا حيان، انطلق إلى أخيك فإنه حدث وأخاف عليه. فأبى، فقال: يا بني، إنك إن قتلت على حالك هذه قتلت عاصياً. فرجع إلى الموضع الذي خلّف فيه أخاه والبرذون؛ فإذا أخوه قد لحق بالعسكر، وقد شدّ البرذون، فقطع حيان مقوده وركبه؛ فأتى العدوّ؛ فإذا العدوّ قد أحاط بالموضع الذي خلف فيه أباه وأصحابه، فأمدّهم الجنيد بنصر بن سيار في سبعة معه؛ فيهم جميل بن غزوان العدويّ، فدخل عبيد الله بن زهير معهم، وشدّوا على العدوّ فكشفوهم ثم كرّوا عليهم؛ فقتلوا جميعاً، فلم يفلت منهم أحد ممن كان في ذلك الموضع، وقتل عبيد الله بن زهير وابن حوذان وابن جرفاس والفضيل بن هناد. وجالت الميمنة والجنيد واقف في القلب، فأقبل إلى الميمنة، فوقف تحت راية الأزد - وقد كان جفاهم - فقال له صاحب راية الأزد: ما جئتنا لتحبونا ولا لتكرمنا؛ ولكنك قد علمت أنه لا يوصل إليك ومنّا رجل حيّ؛ فإن ظفرنا كان لك؛ وإن هلكنا لم تبك علينا. ولعمري لئن ظفرنا وبقيت لا أكلمك كلمة أبداً. وتقدّم فقتل. وأخذ الراية ابن مجاعة فقتل، فتداول الراية ثمانية عشر رجلاً منهم فقتلوا، فقتل يومئذ ثمانون رجلاً من الأزد. قال: وصبر الناس يقاتلون حتى أعيوا؛ فكانت السيوف لا تحيك ولا تقطع شيئاً، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، حتى مل الفريقان فكانت المعانقة، فتحاجزوا، فقتل من الأزد حمزة بن مجاعة العتكيّ ومحمد بن عبد الله بن حوذان الجهضميّ، وعبد الله بن بسطام المعنيّ وأخوه زنيم والحسن بن شيخ والفضيل الحارثيّ - وهو صاحب الخيل - ويزيد بن المفضّل الحدانيّ؛ وكان حجّ فأنفق في حجه ثمانين ومائة ألف؛ فقال لأمه وحشيّة: ادعى الله أن يرزقني الشهادة، فدعت له، وغشي عليه؛ فاستشهد بعد مقدمه من الحج بثلاثة عشر يوماً، وقاتل معه عبدان له؛ وقد كان أمرهما بالانصراف فقتلا؛ فاستشهدا. قال: وكان يزيد بن المفضل حمل يوم الشعب على مائة بعير سويقاً للمسلمين؛ فجعل يسأل عن الناس، ولا يسأل عن أحد إلا قيل له: قد قتل؛ فاستقدم وهو يقول: لا إله إلا الله؛ فقاتل حتى قتل. وقاتل يومئذ محمد بن عبد الله بن حوذان وهو على فرس أشقر، عليه تجفاف مذهب، فحمل سبع مرات يقتل في كلّ حملة رجلاً، ثم رجع إلى موقفه، فهابه من كان في ناحيته، فناداه ترجمان للعدوّ: يقول لك الملك: لا تقبل وتحوّل إلينا؛ فنرفض صنمنا الذي نعبده ونعبدك؛ فقال محمد: أنا أقاتلكم لتتركوا عبادة الأصنام وتعبدوا الله وحده. فقاتل واستشهد. وقتل جشم بن قرط الهلاليّ من بني الحارث، وقتل النضر بن راشد العبديّ؛ وكان دخل على امرأته والناس يقتتلون، فقال لها: كيف أنت إذا أتيت بأبي ضمرة في لبد مضرّجاً بالدماء؟ فشقّت جيبها ودعت بالويل؛ فقال: حسبك، لو أعولت عليّ كلّ أنثى لعصيتها شوقاً إلى الحور العين؛ ورجع فقاتل حتى استشهد رحمه الله. قال: فبينا النّاس كذلك إذ أقبل رهج، فطلعت فرسان؛ فنادى منادي الجنيد: الأرض، الأرض! فترجّل وترجّل الناس، ثم نادى منادي الجنيد: ليخندق كلّ قائد على حياله؛ فخندق الناس. قال: ونظر الجنيد إلى عبد الرحمن بن مكية يحمل على العدوّ، فقال: ما هذا الخرطوم السائل؟ قيل له: هذا ابن مكية، قال: ألسان البقرة! لله درّه أيّ رجل هو! وتحاجزوا، وأصيب من الأزد مائة وتسعون. وكانوا لقوا خاقان يوم الجمعة، فأرسل الجنيد إلى عبد الله بن معمر بن سمير اليشكريّ أن يقف في الناحية التي تلي كس ويحبس من مرّ به، ويحوز الأثقال والرّجالة؛ وجاءت الموالي رجّالة، ليس فيهم غير فارس واحد والعدوّ يتبعونهم؛ فثبت عبد الله بن معمر للعدوّ، فاستشهد في رجال من بكر، وأصبحوا يوم السبت، فأقبل خاقان نصف النهار؛ فلم ير موضعاً للقتال فيه أيسر من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد بن الحارث، فقصد لهم، فقالت بكر لزياد: القوم قد كثرونا، فخلّ عنا نحمل عليهم قبل أن يحملوا علينا، فقال لهم: قد مارست سبعين سنة، إنكم إن حملتم عليهم فصعدتم انهزمتم؛ ولكن دعوهم حتى يقبوا. ففعلوا، فلما قربوا منهم حملوا عليهم فأفرجوا لهم، فسجد الجنيد، وقال خاقان يومئذ: إنّ العرب إذا أحرجوا استقتلوا؛ فخلوهم حتى يخرجوا؛ ولا تعرضوا لهم؛ فإنكم لا تقومون لهم. وخرج جوار للجنيد يولولن؛ فانتدب رجال من أهل الشام، فقالوا: الله الله يأهل خراسان! إلى أين؟ وقال الجنيد: ليلة كليلة الجراح، ويوم كيومه. ذكر الخبر عن مقتل سورة بن الحرّ وفي هذه السنة قتل سورة بن الحر التميمي. ذكر الخبر عن مقتله ذكر عليّ عن شيوخه، أن عبيد الله بن حبيب قال للجنيد: اختر بين أن تهلك أنت أو سورة، فقال: هلاك سورة أهون عليّ، قال: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند؛ فإن الترك إن بلغهم أن سورة قد توجه إليك انصفروا إليه فقاتلوه. فكتب إلى سورة يأمره بالقدوم - وقيل: كتب أغثني - فقال عبادة بن السليل المحاربيّ أبو الحكم بن عبادة لسورة: انظر أبرد بيت بسمرقند فنم فيه، فإنك إن خرجت لا تبالي أسخط عليك الأمير أم رضي. وقال له حليس بن غالب الشيبانيّ: إن الترك بينك وبين الجنيد؛ فإن خرجت كروا عليك فاختطفوك. فكتب إلى الجنيد: إني لا أقدر على الخروج؛ فكتب إليه الجنيد: يا بن اللخناء، تخرج وإلا وجهت إليك شدّاد بن خالد الباهليّ - وكان له عدواً - فاقدم وضع فلاناً بفرخشاذ في خمسمائة ناشب، والزم الماء فلا تفارقه. فأجمع على المسير، فقال الوجف بن خالد العبديّ: إنك لمهلك نفسك والعرب بمسيرك؛ ومهلك من معك، قال: لا يخرج حملي من التنور حتى أسير؛ فقال له عبادة وحليس: أما إذ أبيت إلا المسير فخذ على النهر، فقال: أنا لا أصل إليه على النهر في يومين، وبيني وبينه من هذا الوجه ليلة فأصبّحه؛ فإذا سكنت الزّجل سرت فأعبره. فجاءت عيون الأتراك فأخبروهم، وأمر سورة بالرحيل؛ واستخلف على سمرقند موسى بن أسود؛ أحد بني ربيعة بن حنظلة، وخرج في اثني عشر ألفاً، فأصبح على رأس جبل؛ وإنما دلّه على ذلك الطريق علج يسمى كارتقبد؛ فتلقّاه خاقان حين أصبح وقد سار ثلاثة فراسخ، وبينه وبين الجنيد فرسخ: فقال أبو الذيّال: قاتلهم في أرض خوارة، فصبر وصبروا حتى اشتدّ الحرّ. وقال بعضهم: قال له غوزك: يومك يوم حار فلا تقاتلهم حتى تحمى عليهم الشمس وعليهم السلاح تثقلهم. فلم يقاتلهم خاقان؛ وأخذ برأي غوزك، وأشعل النار في الحشيش، وواقفهم وحال بينهم وبين الماء، فقال سورة لعبادة: ما ترى يا أبا السليل؟ قال: أرى والله أنه ليس من الترك أحد إلا وهو يريد الغنيمة؛ فاعقر هذه الدوابّ وأحرق هذا المتاع، وجرّد السيف؛ فإنهم يخلّون لنا الطريق. قال أبو الذيّال: فقال سورة لعبادة: ما الرأي؟ قال: تركت الرأي، قال: فما ترى الآن؟ قال: أن ننزل فنشرع الرماح، ونزحف زحفاً، فإنما هو فرسخ حتى نصل إلى العسكر، قال: لا أقوى على هذا؛ ولا يقوى فلان وفلان... وعدّد رجالاً؛ ولكن أرى أن أجمع الخيل ومن أرى أنه يقاتل فأصكّهم؛ سلمت أم عطيت؛ فجمع الناس وحملوا فانكشفت الترك، وثار الغبار فلم يبصروا، ومن وراء الترك اللهب؛ فسقطوا فيه، وسقط فيه العدوّ والمسلمون، وسقط سورة فاندقت فخذه، وتفرّق الناس، وانكشفت الغمة والناس متفرقون، فقطعتهم الترك، فقتلوهم فلم ينج منهم غير ألفين - ويقال: ألف - وكان ممن نجا عاصم بن عمير السمرقندي، عرفه رجل من الترك فأجاره؛ واستشهد حليس بن غالب الشيبانيّ، فقال رجل من العرب: الحمد لله؛ استشهد حليس، ولقد رأيته يرمي البيت أيام الحجاج ويقول: درّي عقاب، بلبن وأخشاب؛ وامرأة قائمة، فكلما رمى بحجر قالت المرأة: يا رب بي ولا ببيتك! ثم رزق الشهادة. وانحاز المهلب بن زياد العجليّ في سبعمائة ومعه قريش بن عبد الله العبديّ إلى رستاق يسمى المرغاب؛ فقاتلوا أهل قصر من قصورهم؛ فأصيب المهلّب بن زياد، وولّوْا أمرهم الوجف بن خالد، ثم أتاهم الأشكند صاحب نسف في خيل ومعه غوزك، فقال غوزك: يا وجف، لكم الأمان، فقال قريش: لا تثقوا بهم؛ ولكن إذا جنّنا الليل خرجنا عليهم حتى نأتي سمرقند؛ فإنا إن أصبحنا معهم قتلونا. قال: فعصوه وأقاموا، فساقوهم إلى خاقان؛ فقال: لا أجيز أمان غوزك، فقال غوزك للوجف: أنا عبد لخاقان من شاكريته، قالوا: فلم غرزتنا؟ فقاتلهم الوجف وأصحابه، فقتلوا غير سبعة عشر رجلاً دخلوا الحائط. وأمسوا، فقطع المشركون شجرة فألقوها على ثلمة الحائط؛ فجاء قريش بن عبد الله العبديّ إلى الشجرة فرمى بها؛ وخرج في ثلاثة فباتوا في ناووس فكمنوا فيه وجبن الآخرون فلم يخرجوا، فقتلوا حين أصبحوا. وقتل سورة، فلما قتل خرج الجنيد من الشعب يريد سمرقند مبادراً، فقال له خالد بن عبيد الله بن حبيب: سر سر، ومجشر بن مزاحم السلميّ يقول: أذكرك الله أقم؛ والجنيد يتقدّم، فلما رأى المجشر ذلك نزل فأخذ بلجام الجنيد، فقال: والله لا تسير ولتنزلن طائعاً أو كارهاً، ولا ندعك تهلكنا بقول هذا الهجريّ، انزل، فنزل ونزل الناس فلم يتتامّ نزولهم حتى طلع الترك، فقال المجشّر: لو لقونا ونحن نسير، ألم يستأصلونا! فلما أصبحوا تناهضوا، فانكشفت طائفة، وجال الناس، فقال الجنيد: أيّها الناس؛ إنها النار؛ فتراجعوا. وأمر الجنيد رجلاً فنادى: أيّ عبد قاتل فهو حر؛ فقاتل العبيد قتالاً شديداً عجب الناس منه؛ جعل أحدهم يأخذ اللبد فيجوبه ويجعله عفي عنقه، يتوقى به. فسر الناس بما رأوا من صبرهم، فكرّ العدوّ، وصبر الناس حتى انهزم العدوّ. فمضوا، فقال موسى بن النعر للناس: أتفرحون بما رأيتم من العبيد! والله إنّ لكم منهم ليوماً أرونان. ومضى الجنيد فأخذ العدوّ رجلاً من عبد لاقيس فكتفوه، وعلقوا في عنقه رأس بلعاء العنبريّ بن مجاهد بن بلعاء؛ فلقيه الناس فأخذ بنو تميم الرأس فدفنوه، ومضى الجنيد إلى سمرقند؛ فحمل عيال من كان مع سورة إلى مرو، وأقام بالسغد أربعة أشهر؛ وكان صاحب رأي خراسان في الحرب المجشر بن مزاحم السلمي وعبد الرحمن بن صبح الخرقيّ وعبيد الله بن حبيب الهجريّ، وكان المجشر ينزل الناس على راياتهم، ويضع المسالح ليس لأحد مثل رأيه في ذلك، وكان عبد الرحمن ابن صبح إذا نزل الأمر العظيم في الحرب لم يكن لأحد مثل رأيه؛ وكان عبيد الله بن حبيب على تعبئة القتال، وكان رجال من الموالي مثل هؤلاء في الرّأي والمشورة والعلم بالحرب؛ فمنهم الفضل بن بسام مولى بني ليث وعبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم والبختريّ بن مجاهد مولى بني شيبان. قال: فلما انصرف الترك إلى بلادهم بعث الجنيد سيف بن وصّاف العجليّ من سمرقند إلى هشام، فجبن عن السير وخاف الطريق، فاستعفاه فأعفاه؛ وبعث نهار بن توسعة أحد بني تيم اللات وزميل بن سويد المريّ؛ مرة غطفان، وكتب إلى هشام: إن سورة عصاني، أمرته بلزوم الماء فلم يفعل، فتفرّق عنه أصحابه، فأتتني طائفة إلى كسّ، وطائفة إلى نسف، وطائفة إلى سمرقند، وأصيب سورة في بقية أصحابه. قال: فدعا هشام نهار بن توسعة، فسأله عن الخبر فأخبره بما شهد، فقال نهار بن توسعة: لعمرك ما حاببتني إذ بعثتني ... ولكنما عرضتني للمتالف دعوت لها قوماً فهابوا ركوبها ... وكنت امرأ ركابة للمخاوف فأيقنت إن لم يدفع الله أنني ... طعام سباع أو لطير عوائف قرين عراك وهو أيسر هالك ... عليك وقد زملته بصحائف فإني وإن آثرت منه قرابة ... لأعظم حظاً في حباء الخلائف على عهد عثمان وفدنا وقبله ... وكنا أولي مجد تليد وطارف قال: وكان عراك معهم في الوفد، وهو ابن عمّ الجنيد، فكتب إلى الجنيد: قد وجهت إليك عشرين ألفاً مدداً؛ عشرة آلاف من أهل البصرة عليهم عمرو بن مسلم، ومن أهل الكوفة عشرة آلاف عليهم عبد الرحمن بن نعيم، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ومثلها ترسة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفاً. قال: ويقال إن الجنيد أوفد الوفد إلى خالد بن عبد الله، فأوفد خالد إلى هشام: إنّ سورة بن الحرّ خرج يتصيد مع أصحاب له فهجم عليهم التّرك، فأصيبوا. فقال هشام حين أتاه مصاب سورة: إنا لله وإنا إليه راجعون! مصاب سورة بن الحرّ بخراسان والجرّاح بالباب! وأبلى نصر بن سيّار يومئذ بلاء حسناً، فانقطع سيفه، وانقطع سيور ركابه؛ فأخذ سيور ركابه؛ فضرب بها رجلاً حتى أثخنه، وسقط في اللهب مع سورة يومئذ عبد الكريم بن عبد الرحمن الحنفيّ وأحد عشر رجلاً معه. وكان ممن سلم من أصحاب سورة ألف رجل، فقال عبد الله بن حاتم بن النعمان: رأيت فساطيط مبنية بين السماء والأرض؛ فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لعبد الله بن بسطام وأصحابه، فقتلوا من غدٍ؛ فقال رجل: مررت في ذلك الموضع بعد ذلك بحين فوجدت رائحة المسك ساطعة. قال: ولم يشكر الجنيد لنصر ما كان من بلائه، فقال نصر: إن تحسدوني على حسن البلاء لكم ... يوماً، فمثل بلائي جر لي الحسدا يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عضدا وضربي الترك عنكم يوم فرقكم ... بالسيف في الشعب حتى جاوز السندا قال: وكان الجنيد يوم الشعب أخذ في الشعب، وهو لا يرى أن أحداً يأتيه من الجبال، وبعث ابن الشخير في مقدمته، واتخذ ساقةً؛ ولم يتخذ مجنبتين. وأقبل خاقان فهزم المقدّمة، وقتل من قتل منهم، وجاءه خاقان من قبل ميسرته وجبغويه من قبل الميمنة، فأصيب رجال من الأزد وتميم، وأصابوا له سرادقات وأبنية، فأمر الجنيد حين أمسى رجلاً من أهل بيته، فقال له: امش في الصفوف والدرّاجة، وتسمّع ما يقول الناس؛ وكيف حالهم؛ ففعل ثم رجع إليه، فقال: رأيتهم طيبة أنفسهم، يتناشدون الأشعار، ويقرءون القرآن؛ فسرّه ذلك، وحمد الله. قال: ويقال نهضت العبيد يوم الشعب من جانب العسكر وقد أقبلت الترك والسغد ينحدرون؛ فاستقبلهم العبيد وشدّوا عليهم بالعمد، فقتلوا منهم تسعة، فأعطاهم الجنيد أسلابهم. وقال ابن السجف في يوم الشعب، ويعني هشاماً: اذكر يتامى بأرض الترك ضائعة ... هزلى كأنهم في الحائط الحجل وارحم، وإلا فهبها أمة دمرت ... لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل ولا تأملن بقاء الدهر بعدهم ... والمرء ما عاش ممدود له الأمل لاقوا كتائب من خاقان معلمة ... عنهم يضيق فضاء السهل والجبل لما رأوهم قليلاً لا صريخ لهم ... مدوا بأيديهم لله وابتهلوا وبايعوا رب موسى بيعة صدقت ... ما في قلوبهم شك ولا دغل قال: فأقام الجنيد بسمرقند ذلك العام، وانصرف خاقان إلى بخارى وعليها قطن بن قتيبة، فخاف الناس الترك على قطن، فشاورهم الجنيد، فقال قوم: الزم سمرقند، واكتب إلى أمير المؤمنين يمدّك بالجنود. وقال قوم: تسير فتأتي ربنجن، ثم تسير منها إلى كس، ثم تسير منها إلى نسف، فتصل منها إلى أرض زم؛ وتقطع النهر وتنزل آمُل، فتأخذ عليها بالطريق. فبعث إلى عبد الله بن أبي عبد الله، فقال: قد اختلف الناس عليّ - وأخبره بما قالوا - فما الرأي؟ فاشترط عليه ألاّ يخالفه فيما يشير به عليه من ارتحال أو نزول أو قتال، قال: نعم؛ قال: فإني أطلب إليك خصالاً، قال: وما هي؟ قال: تخندق حيثما نزلت؛ ولا يفوتنك حمل الماء ولو كنت على شاطىء نهر، وأن تطيعني في نزولك وارتحالك. فأعطاه ما أراد. قال: أما ما أشار به عليه في مقامك بسمرقند حتى يأتيك الغياث، فالغياث يبطىء عنك، وإن سرت فأخذت بالناس غير الطريق فتتّ في أعضادهم؛ فانكسروا عن عدوّهم، فاجترأ عليك خاقان؛ وهو اليوم قد استفتح بخارى فلم يفتحوا له، فإن أخذت بهم غير الطريق تفرّق الناس عنك مبادرين إلى منازلهم، ويبلغ أهل بخارى فيستسلموا لعدوّهم؛ وإن أخذت الطريق الأعظم هابك العدوّ؛ والرأي لك أن تعمد إلى عيالات من شهد الشعب من أصحاب سورة فتقسمهم على عشائرهم وتحملهم معك؛ فإني أرجو بذلك أن ينصرك الله على عدوّك، وتعطي كل رجل تخلف بسمرقند ألف درهم وفرساً. قال: فأخذ برأيه فخلّف في سمرقند عثمان بن عبد الله بن الشخير في ثمانمائة: أربعمائة فارس وأربعمائة راجل، وأعطاهم سلاحاً. فشتم الناس عبد الله بن أبي عبد الله مولى بني سليم، وقالوا: عرّضنا لخاقان والترك، ما أراد إلا هلاكنا! فقال عبيد الله بن حبيب لحرب بن صبح: كم كانت لكم الساقة اليوم؟ قال: ألف وستمائة، قال: لقد عرضنا للهلاك. قال: فأمر الجنيد بحمل العيال. قال: وخرج والناس معه، وعلى طلائعه الوليد بن القعقاع العبسيّ وزياد ابن خبران الطائيّ، فسرح الجنيد الأشهب بن عبيد الحنظليّ، ومعه عشرة من طلائع الجند، وقال له: كلما مضيت مرحلة فسرح إلى رجلاً يعلمني الخبر. قال: وسار الجنيد؛ فلما صار بقصر الريح أخذ عطاء الدبوسي بلجام الجنيد وكبحه، فقرع رأسه هارون الشاشيّ مولى بني حازم بالرمح حتى كسره على رأسه، فقال الجنيد لهارون: خلّ عن الدبوسيّ، وقال له: مالك يا دبوسيّ؟ فقال: انظر أضعف شيخ في عسكرك فسلحه سلاحاً تاماً، وقلده سيفاً وجعبة وترساً، وأعطه رمحاً، ثم سر بنا على قدر مشيه؛ فإنا لا نقدر على السوق والقتال وسرعة السير ونحن رجّالة. ففعل ذلك الجنيد؛ فلم يعرض للناس عارض حتى خرجوا من الأماكن المخوفة، ودنا من الطواويس، فجاءتنا الطلائع بإقبال خاقان، فعرضوا له بكرمينية، أوّل يوم من رمضان. فلما ارتحل الجنيد من كرمينية قدم محمد بن الرنديّ في الأساورة آخر الليل؛ فلما كان في طرف مفازة كرمينية رأى ضعف العدوّ؛ فرجع إلى الجنيد فأخبره؛ فنادى منادي الجنيد: ألا يخرج المكتبون إلى عدوّهم؟ فخرج الناس، ونشبت الحرب، فنادى رجل: أيها الناس، صرتم حرورية فاستقتلتم. وجاء عبد الله بن أبي عبد الله إلى الجنيد يضحك، فقال له الجنيد: ما هذا بيوم ضحك! فقيل له: إنه ضحك تعجباً، فالحمد لله الذي لم يلقك هؤلاء إلا في جبال معطّشة؛ فهم على ظهر وأنت مخندق آخر النهار، كالتين وأنت معك الزّاد؛ فقاتلوا قليلاً ثم رجعوا. وكان عبد الله بن أبي عبد الله قال للجنيد وهم يقاتلون: ارتحل، فقال الجنيد: وهل من حيلة؟ قال: نعم، تمضي برايتك قدر ثلاث غلاء، فإنّ خاقان ودّ أنك أقمت فينطوي عليك إذا شاء. فأمر بالرحيل وعبد الله بن أبي عبد الله على الساقة. فأرسل إليه: انزل، قال: أنزل على غير ماء! فأرسل إليه: إن لم تنزل ذهبت خراسان من يدك؛ فنزل وأمر الناس أن يسقوا، فذهب الناس الرجّالة والناشبة؛ وهم صفّان؛ فاستقوا وباتوا، فلما أصبحوا ارتحلوا، فقال عبد الله بن أبي عبد الله: إنكم معشر العرب أربعة جوانب؛ فليس يعيب بعضهم بعضاً؛ كلّ ربع لا يقدر أن يزول عن مكانه: مقدّمة - وهم القلب - ومجنبتان وساقة؛ فإن جمع خاقان خيله ورجاله ثم صدم جانباً منكم - وهم الساقة - كان بواركم، وبالحري أن يفعل؛ وأنا أتوقع ذلك في يومي، فشدوا الساقة بخيل. فوجه الجنيد خيل بني تميم والمجفّفة، وجاءت الترك فمالت على الساقة؛ وقد دنا المسلمون من الطواويس فاقتتلوا، فاشتدّ الأمر بينهم، فحمل سلم بن أحوز على رجل من عظماء الترك فقتله. قال: فتطيّر الترك، وانصرفوا من الطواويس؛ ومضى المسلمون؛ فأتوا بخارى يوم المهرجان. قال: فتلقونا بدراهم بخارية، فأعطاهم عشرة عشرة، فقال عبد المؤمن بن خالد: رأيت عبد الله بن أبي عبد الله بعد وفاته في المنام، فقال: حدّث الناس عني برأيي يوم الشعب. قال: وكان الجنيد يذكر خالد بن عبد الله، ويقول: ربذة من الربذ، صنبور ابن صنبور، قل ابن قلّ، هيفة من الهيف - وزعم أن الهيفة الضبع، والعجرة الخنزيرة، والقلّ: الفرد - قال: وقدمت الجنود مع عمرو بن مسلم الباهليّ في أهل البصرة وعبد الرحمن بن نعيم الغامديّ في أهل الكوفة وهو بالصغانيان، فسرح معهم الحوثرة بن يزيد العنبريّ فيمن انتدب معه من التجار وغيرهم، وأمرهم أن يحملوا ذراريّ أهل سمرقند، ويدعوا فيها المقاتلة. ففعلوا. قال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ وقعة الشعب بين الجنيد وخاقان كانت في سنة ثلاث عشرة ومائة. وقال نصر بن سيّار يذكر يوم الشعب وقتال العبيد: إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا إن تحسدوني على مثل البلاء لكم ... يوماً فمثل بلائي جرّ لي الحسدا يأبى الإله الذي أعلى بقدرته ... كعبي عليكم وأعطى فوقكم عددا أرمي العدو بأفراس مكلمة ... حتى اتخذن على حسادهن يدا من ذا الذي منكم في الشعب إذ وردوا ... لم يتخذ حومة الأثقال معتمدا! فما حفظتم من الله الوصاة ولا ... أنتم بصبر طلبتم حسن ما وعدا ولا نهاكم عن التوثاب في عتب ... إلا العبيد بضرب يكسر العمدا هلا شكرتم دفاعي عن جنيدكم ... وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا! وقال ابن عرس العبديّ، يمدح نصراً يوم الشعب ويذم الجنيد؛ لأن نصراً أبلى يومئذ: يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر والفعال الأرفع فرجت عن كل القبائل كربة ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دام والخوافق تلمع ما زلت ترميهم بنفس حرة ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك المكارم والمعالي أجمع وقال الشرعبيّ الطائيّ: تذكرت هنداً في بلاد غريبة ... فيا لك شوقاً، هل لشملك مجمع! تذكرتها والشاش بيني وبينها ... وشعب عصام والمنايا تطلع بلاد بها خاقان جم زحوفه ... ونيلان في سبعين ألفاً مقنع إذا دب خاقان وسارت جنوده ... أتتنا المنايا عند ذلك شرع هنالك هند مالنا النصف منهموما إن لنا يا هند في القوم مطمع ألا رب خود خدلة قد رأيتها ... يسوق بها جهم من السغد أصمع أحامي عليها حين ولى خليلها ... تنادي إليها المسلمين فتسمع تنادي بأعلى صوتها صف قومها ... ألا رجل منكم يغار فيرجع! ألا رجل منكم كريم يردني ... يرى الموت في بعض المواطن ينفع! فما جاوبوها غير أن نصيفها ... بكف الفتى بين البرازيق أشنع إلى الله أشكو نبوة في قلوبها ... ورعباً ملا أجوافها يتوسع فمن مبلغ عني ألوكاً صحيفة ... إلى خالد من قبل أن نتوزع بأن بقايانا وأن أميرنا ... إذا ما عددناه الذليل الموقع هم أطمعوا خاقان فينا وجنده ... ألا ليتنا كنا هشيماً يزعزع وقال ابن عرس - واسمه خالد بن المعارك من بني غنم بن وديعة بن لكيز بن أفصى. وذكر عليّ بن محمد عن شيخ من عبد القيس أنّ أمه كانت أمة، فباعه أخوه تميم بن معارك من عمرو بن لقيط أحد بني عامر بن الحارث؛ فأعتقه عمرو لما حضرته الوفاة، فقال: يا أبا يعقوب؛ كم لي عندك من المال؟ قال: ثمانون ألفاً، قال: أنت حر وما في يديك لك. قال: فكان عمرو ينزل مرو الروذ؛ وقد اقتتلت عبد القيس في ابن عرس؛ فردوّه إلى قومه، فقال ابن عرس للجنيد: أين حماة الحرب من معشر ... كانوا جمال المنسر الحارد! بادوا بآجال توافوا لها ... والعائر الممهل كالبائد فالعين تجري دمعها مسبلاً ... ما لدموع العين من ذائد انظر ترى للميت من رجعة ... أم هل ترى في الدهر من خالد! كنا قديماً يتقى بأسنا ... وندرأ الصادر بالوارد حتى منينا بالذي شامنا ... من بعد عز ناصر آئد كعاقر الناقة لا ينثني ... مبتدئاً ذي حنق جاهد فتقت ما لم يلتئم صدعه ... بالجحفل المحتشد الزائد تبكي لها إن كشفت ساقها ... جدعاً وعقراً لك من قائد! تركتنا أجزاء معبوطة ... يقسمها الجازر للناهد ترقت الأسياف مسلولة ... تزيل بين العضد والساعد تساقط الهامات من وقعها ... بين جناحي مبرق راعد إذ أنت كالطفلة في خدرها ... لم تدر يوماً كيدة الكائد إنا أناس حربنا صعبة ... تعصف بالقائم والقاعد أصحت سمرقند وأشياعها ... أحدوثة الغائب والشاهد وكم ثوى في الشعب من حازم ... جلد القوى ذي مرة ماجد يستنجد الخطب ويغشى الوغى ... لا هائب غس ولا ناكد ليتك يوم الشعب في حفرة ... مرموسة بالمدر الجامد تلعب بك الحرب وأبناؤها ... لعب صقور بقطاً وارد طار لها قلبك من خيفة ... ما قلبك الطائر بالعائد لا تحسبن الحرب يوم الضحى ... كشربك المزاء بالبارد أبغضت من عينك تبريجها ... وصورة في جسد فاسد جنيد ما عيصك منسوبة ... نبعاً ولا جدك بالصاعد خمسون ألفاً قتلوا ضيعة ... وأنت منهم دعوة الناشد لا تمرين الحرب من قابل ... ما أنت في العدوة بالحامد قلدته طوقاً على نحره ... طوق الحمام الفرد الفارد قصيدة حيزها شاعر ... تسعى بها البرد إلى خالد وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وقد قيل: إن الذي حجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن هشام. وكانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمّالها الذين كانوا في سنة إحدى عشرة ومائة، وقد ذكرناهم قبل. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث قتل عبد الوهاب بن بخت فمما كان فيها من ذلك هلاك عبد الوهاب بن بخت، وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم؛ فذكر محمد بن عمر، عن عبد العزيز بن عمر؛ أن عبد الوهاب بن بخت غزا مع البطّال سنة ثلاث عشرة ومائة، فانهزم الناس عن البطّال وانكشفوا، فجعل عبد الوهاب يكرّ فرسه وهو يقول: ما رأيت فرساً أجبن منه، وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك. ثم ألقى بيضته عن رأسه وصاح: أنا عبد الوهاب بن بخت؛ أمن الجنة تفرّون! ثم تقدّم في نحور العدوّ؛ فمرّ برجل وهو يقول: واعطشاه! فقال: تقدّم؛ الريّ أمامك؛ فخالط القوم فقتل وقتل فرسه. ومن ذلك ما كان من تفريق مسلمة بن عبد الملك الجيوش في بلاد خاقان ففتحت مدائن وحصون على يديه، وقتل منهم، وأسر وسبى، وحرّق خلق كثير من الترك أنفسهم بالنار؛ ودان لمسلمة من كان وراء جبال بلنجر وقتل ابن خاقان. ومن ذلك غزوة معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع. وفي هذه السنة صار من دعاة بني العباس جماعة إلى خراسان، فأخذ الجنيد بن عبد الرحمن رجلاً منهم فقتله، وقال: من أصيب منهم فدمه هدر. وحجّ بالناس في هذه السنة - في قول أبي معشر - سليمان بن هشام بن عبد الملك؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ. وقال بعضهم: الذي حجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزوميّ. وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم الذيّن كانوا عمّالها في سنة إحدى عشرة واثنتي عشرة؛ وقد مضى ذكرنا لهم. ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك غزوة معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وسليمان بن هشام على الصائفة اليمنى؛ فذكر أنّ معاوية بن هشام أصاب ربض أقرن، وأن عبد الله البطال التبقى وقسطنطين في جمع فهزمهم؛ وأسر قسطنطين؛ وبلغ سليمان ابن هشام قيساريّة. وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن المدينة ، وأمّر عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم. قال الواقديّ: قدم خالد بن عبد الملك المدينة للنصف من شهر ربيع الأول؛ وكان إمرة إبراهيم ابن هشام على المدينة ثماني سنين. وقال الواقدي: في هذه السنة ولي محمد بن هشام المخزوميّ مكة. وقال بعضهم: بل وليَ محمد بن هشام مكة سنة ثلاث عشرة ومائة، فما عزل إبراهيم أقرّ محمد بن هشام على مكة. وفي هذه السنة وقع الطاعون - فيما قيل - بواسط. وفيها قفل مسلمة بن عبد الملك عن الباب بعد ما هزم خاقان وبني الباب فأحكم ما هنالك. وفي هذه السنة ولي هشام مروان بن محمد أرمينية وأذربيجان. واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال أبو معشر - فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمن حدثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه: حج بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم؛ وهو على المدينة. وقال بعضهم: حج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام؛ وهو أمير مكة، فأقام خالد بن عبد الملك تلك السنة، لم يشهد الحجّ. قال الواقديّ: حدثني بهذا الحديث عبد الله بن جعفر، عن صالح بن كيسان. قال الواقديّ: وقال لي أبو معشر: حجّ بالناس سنة أربع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك، ومحمد بن هشام على مكة. قال الواقديّ: وهو الثبت عندنا. وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمّال الذين كانوا في السنة التي قبلها؛ غير أنّ عامل المدينة في هذه السنة كان خالد بن عبد الملك، وعامل مكة والطائف محمد بن هشام، وعامل أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد. ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة ذكر الإخبار عما كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها من ذلك غزوة معاوية بن هشام أرضَ الروم. وفيها وقع الطاعون بالشام. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل؛ وهو أمير مكة والطائف، كذلك قال أبو معشر، فيما حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكان عمّال الأمصار في هذه السنة، فقال المدائنيّ: كان عاملها الجنيد بن عبد الرحمن، وقال بعضهم. كان عاملها عمارة بن حريم المريّ. وزعم الذي قال ذلك أنّ الجنيد مات في هذه السنة، واستخلف عمارة بن حريم. وأما المدائنيّ فإنه ذكر أنه وفاة الجنيد كانت في سنة ست عشرة ومائة. وفي هذه السنة أصاب الناس بخراسان قحط شديد ومجاعة، فكتب الجنيد إلى الكور: إنّ مرو كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كلّ مكان، فكفرت بأنعم الله، فاحملوا إليها الطعام. قال عليّ بن محمد: أعطى الجنيد في هذه السنة رجلاً درهماً، فاشترى به رغيفاً، فقال لهم: تشكون الجوع ورغيف بدرهم! لقد رأيتُني بالهند وإن الحبة من الحبوب لتباع عدداً بالدرهم؛ وقال: إنّ مرو كما قال الله عز وجل: " وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة " . ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من غزوة معاوية بن هشام أرض الروّم الصائفة. وفيها كان طاعون شديد بالعراق والشام؛ وكان أشدّ ذلك - فيما ذكر - بواسط. وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله خراسان وفيها كانت وفاة الجنيد بن عبد الرحمن وولاية عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلاليّ خراسان. ذكر الخبر عن أمرهما: ذكر عليّ بن محمد، عن أشياخه، أنّ الجنيد بن عبد الرحمن تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام على الجنيد، وولّى عاصم بن عبد الله خراسان؛ وكان الجنيد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه، فقدم عاصم وقد مات الجنيد. قال: وذكروا أن جبلة بن أبي روّاد دخل على الجنيد عائداً، فقال: يا جبلة، ما يقول الناس؟ قال: قلت يتوجّعون للأمير؛ قال: ليس عن هذا سألتك، ما يقولون؟ وأشار نحو الشام بيده. قال: قلت: يقدم على خراسان يزيد بن شجرة الرهاويّ، قال: ذلك سيّد أهل الشام، قال: ومن؟ قلت: عصمة أو عصام، وكنّيت عن عاصم، فقال: إن قدم عاصم فعدوّ جاهد؛ لا مرحباً به ولا أهلاً. قال: فمات في مرضه ذلك في المحرّم سنة ست عشرة ومائة، واستخلف عمارة بن حريم. وقدم عاصم بن عبد الله، فحبس عمارة بن حريم وعمال الجنيد وعذّبهم. وكانت وفاته بمرو، فقال أبو الجويرية عيسى ابن عصمة يرثيه: هلك الجود والجنيد جميعاً ... فعلى الجود والجنيد السلام أصبحا ثاويين في أرض مرو ... ما تغنت على الغصون الحمام كنتما نزهة الكرام فلما ... متّ مات الندى ومات الكرام ثم إن أبا الجويرية أتى خالد بن عبد الله القسريّ وامتدحه، فقال له خالد: ألست القائل: هلط الجود والجنيد جميعاً مالك عندنا شيء، فخرج فقال: تظل لامعة الآفاق تحملنا ... إلى عمارة والقود السراهيد قصيدة امتدح بها عمارة بن حريم، ابن عم الجنيد؛ وعمارة هو جدّ أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام. قال: وقدم عاصم بن عبد الله فحبس عمارة بن حريم وعمال الجنيد وعذّبهم. ذكر خلع الحارث بن سريجوفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج، وكانت الحرب بينه وبين عاصم بن عبد الله. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ عن أشياخه، قال: لما قدم عاصم خراسان والياً، أقبل الحارث ابن سريج من النخذ حتى وصل إلى الفارياب، وقدم أمامه بشر بن جرموز. قال: فوجه عاصم الخطّاب بن محرز السلمي ومنصور بن عمر بن أبي الخرفاء السلميّ وهلال بن عليم التميميّ والأشهب الحنظلي وجرير بن هميان السدوسيّ ومقاتل بن حيّان النبطيّ مولى مصقلة إلى الحارث؛ وكان خطّاب ومقاتل بن حيّان قالا: لا تلقوه إلا بأمان، فأبى عليهما القوم؛ فلما انتهوا إليه بالفارياب قيّدهم وحبسهم، ووكل بهم رجلاً يحفظهم. قال: فأوثقوه وخرجوا من السّجن، فركبوا دوابّهم، وساقوا دواب البريد، فمروا بالطالقان فهمّ سهرب صاحب الطالقان بهم، ثم أمسك وتركهم. فلما قدموا مرو أمرهم عاصم فخطبوا وتناولوا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدوه. ثم مضى الحارث إلى بلخ وعليها نصر، فقاتلوه؛ فهزم أهل بلخ ومضى نصر إلى مرو. وذكر بعضهم: لما أقبل الحارث إلى بلخ وكان عليها التجينيّ بن ضبيعة المرّي ونصر بن سيار، وولاّهما الجنيد. قال: فانتهى إلى قنطرة عطاء وهي على نهر بلخ على فرسخين من المدينة، فتلقّى نصر بن سيار في عشرة آلاف والحارث بن سريج في أربعة آلاف، فدعاهم الحارث إلى الكتاب والسنّة والبيعة للرضا؛ فقال قطن بن عبد الرحمن بن جزيّ الباهليّ: يا حارث؛ أنت تدعو إلى كتاب الله والسنّة؛ والله لو أنّ جبريل عن يمينك وميكائيل عن يسارك ما أجبتك؛ فقاتلهم فأصابته رمية في عينه؛ فكان أوّل قتيل. فانهزم أهل بلخ إلى المدينة، وأتبعهم الحارث حتى دخلها؛ وخرج نصر من باب آخر، فأمر الحارث بالكفّ عنهم، فقال رجل من أصحاب الحارث: إني لأمشي في بعض طرق بلخ إذ مررت بنساء يبكين وامرأة تقول: يا أبتاه! ليت شعري من دهاك! وأعرابيّ إلى جنبي يسير؛ فقال: من هذه الباكية؟ فقيل له: ابنة قطن بن عبد الرحمن بن جزيّ، فقال الأعرابيّ: أنا وأبيك دهيتك، فقلت: أنت قتلته؟ قال: نعم. قال: ويقال: قدم نصر والتجيبيّ على بلخ، فحبسه نصر، فلم يزل محبوساً حتى هزم الحارث نصراً؛ وكان التجيبي ضرب الحارث أربعين سوطاً في إمْرة الجنيد، فحوّله الحارث إلى قلعة باذكر بزم، فجاء رجل من بني حنيفة فادّعى عليه أنه قتل أخاه أيام كان على هراة، فدفعه الحارث إلى الحنفيّ، فقال له التجيبيّ: أفتدي منك بمائة ألف، فلم يقبل منه وقتله. وقوم يقولون: قتل التجيبي في ولاية نصر قبل أن يأتيه الحارث. قال: ولما غلب الحارث على بلخ استعمل عليها رجلاً من ولد عبد الله ابن خازم، وسار، فلما كان بالجوزجان دعا وابصة بن زرارة العبديّ، ودعا دجاجة ووحشاً العجليين وبشر بن جرموز وأبا فاطمة، فقال: ما ترون؟ فقال أبو فاطمة: مرو بيضة خراسان؛ وفرسانهم كثير؛ لو لم يلقوك إلاّ بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم فإنْ أتوْك قاتلتهم وإن أقاموا قطعت المادة عنهم، قال: لا أرى ذلك، ولكن أسير إليهم. فأقبل الحارث إلى مرو، وقد غلب على بلخ والجوزجان والفارياب والطالقان ومرو الروذ، فقال أهل الدين من أهل مرو: إن مضى إلى أبرشهر ولم يأتنا فرق جماعتنا، وإن أتانا نكب. قال: وبلغ عاصماً أن أهل مرو يكاتبون الحارث، قال: فأجمع على الخروج وقال: يا أهل خراسان، قد بايعتم الحارث بن سريج، لا يقصد مدينة إلا خليتموها له، إني لاحق بأرض قومي أبرشهر، وكاتب منها إلى أمير المؤمنين حتى يمدّني بعشرة آلاف من أهل الشام. فقال له الكجشّر بن مزاحم: إن أعطوك بيعتهم بالطلاق والعتاق فأقم، وإن أبوا فسرحتي تنزل أبرشهر، وتكتب إلى أمير المؤمنين فيمدّك بأهل الشام. فقال خالد بن هريم أحد بني ثعلبة بن يربوع وأبو محارب هلال بن عليم: والله لا نخليك والذهاب، فيلزمنا دينك عند أمير المؤمنين، ونحن معك حتى نموت إن بذلت الأموال. قال: أفعل، قال يزيد بن قرّان الريّاحيّ: إن لم أقاتل معك ما قاتلت فابنة الأبرد بن قرة الرياحيّ طالق ثلاثاً - وكانت عنده - فقال عاصم: أكلّكم على هذا؟ قالوا: نعم. وكان سلمة بن أبي عبد الله صاحب حرّسه يحلفهم بالطلاق. قال: وأقبل الحارث بن سريج إلى مرو في جمع كثير - يقال في ستين ألفاً - ومعه فرسان الأزد وتميم؛ منهم محمد بن المثنّى وحمّاد بن عامر بن مالك الحمانيّ وداود الأعسر وبشر بن أنيف الرياحيّ وعطاء الدبوسي. ومن الدهاقين الجوزجان وترسل دهقان الفارياب وسهرب ملك الطالقان، وقرياقس دهقان مرو، في أشباههم. قال: وخرج عاصم في أهل مرو وفي غيرهم؛ فعسكر بجياسر عند البيعة، وأعطى الجند ديناراً ديناراً، فخفّ عنه الناس، فأعطاهم ثلاثة دنانير ثلاثة دنانير، وأعطى الجند وغيرهم؛ فلما قرب بعضهم من بعض أمر بالقناطر فكسرت، وجاء أصحاب الحارث فقالوا: تحصروننا في البرّيّة! دعونا نقطع إليكم فنناظركم فيما خرجنا له، فأبوا وذهب رجّالتهم يصلحون القناطر، فأتاهم رجّالة أهل مرو فقاتلوهم؛ فمال محمد بن المثنّى الفراهيديّ برايته إلى عاصم فأمالها في ألفين فأتى الأزْد؛ ومال حماد بن عامر بن مالك الحمّانيّ إلى عاصم، وأتى بني تميم. قال سلمة الأزديّ: كان الحارث بعث إلى عاصم رسلاً - منهم محمد ابن مسلم العنبريّ - يسألونه العمل بكتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم. قال: والحارث بن سريج يومئذ على السواد. قال: فلمّا مال محمد بن المثنى بدأ أصحاب الحارث بالحملة، والتقى الناس؛ فكان أوّل قتيل غياث بن كلثوم من أهل الجارود، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق بشر كثير من أصحاب الحارث في أنهار مرو والنهر الأعظم، ومضت الدّهاقين إلى بلادهم؛ فضرب يومئذ خالد بن علباء بن حبيب بن الجارود على وجهه، وأرسل عاصم بن عبد الله المؤمن بن خالد الحنفيّ وعلباء بن أحمر اليشكريّ ويحيى بن عقيل الخزاعيّ ومقاتل بن حيّان النّبطي إلى الحارث يسأله ما يريد؟ فبعث الحارث محمد بن مسلم العنبريّ وحده، فقال لهم: إنّ الحارث وإخوانكم يقرءونكم السلام، ويقولون لكم: قد عطشنا وعطشت دوابّنا، فدعونا ننزل الليلة، وتختلف الرّسل فيما بيننا ونتناظر؛ فإن وافقناكم على الذي تريدون وإلاّ كنتم من وراء أمركم؛ فأبوا عليه وقالوا مقالاً غليظاً؛ فقال مقاتل ابن حيّان النبطيّ: يا أهل خراسان؛ إنا كنا بمنزلة بيت واحد وثغرنا واحد؛ ويدنا على عدوّنا واحدة؛ وقد أنكرنا ما صنع صاحبكم؛ وجّه إليه أميرنا بالفقهاء والقرّاء من أصحابه، فوجّه رجلاً واحداً. قال محمد: إنما أتيتكم مبلغاً، نطلب كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيأتيكم الذي تطلبون من غد إن شاء الله تعالى. وانصرف محمّد بن مسلم إلى الحارث، فلما انتصف الليل سار الحارث فبلغ عاصماً، فلما أصبح سار إليه فالتقوا، وعلى ميمنة الحارث رابض بن عبد الله بن زرارة التغلبيّ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل يحيى بن حضين - وهو رأس بكر بن وائل، وعلى بكر بن وائل زياد بن الحارث بن سريج - فقتلوا قتلاً ذريعاً، فقطع الحارث وادي مرو؛ فضرب رواقاً عند منازل الرهبان، وكفّ عنه عاصم. قال: وكانت القتلى مائة، وقتل سعيد بن سعد بن جزء الأزديّ، وغرق خازم بن موسى بن عبد الله بن خازم - وكان مع الحارث بن سريج - واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، فقال القاسم بن مسلم: لما هزم الحارث كفّ عنه عاصم، ولو ألحّ عليه لأهلكه. وأرسل إلى الحارث: إني رادّ عليك ما ضمنت لك ولأصحابك؛ على أن ترتحل؛ ففعل. قال: وكان خالد بن عبيد الله بن حبيب أتى الحارث ليلة هزم، وكان أصحابه أجمعوا على مفارقة الحارث، وقالوا: ألم تزعم أنه لا يردّ لك راية! فأتاهم فسكّنهم. وكان عطاء الدّبوسيّ من الفرسان، فقال لغلامه يوم زرق: أسرج لي برذوني لعلي ألاعب هذه الحمارة، فركب ودعا إلى البراز، فبرز له رجل من أهل الطالقان، فقال بلغته: إي كيرخر. قال أبو جعفر الطبريّ رحمه الله: وحجّ بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو وليّ العهد؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة عمالها في التي قبلها إلاّ ما كان من خراسان فإن عاملها في هذه السنة عاصم بن عبد الله الهلاليّ. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائةذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فممّا كان فيها غزوة معاوية بن هشام الصّائفة اليسرى وغزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصّائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرّق سراياه في أرض الروم. وفيها بعث مروان بن محمد - وهو على أرمينية - بعثين، فافتتح أحدهما حصوناً ثلاثة من اللاّن ونزل الآخر على تومانشاه، فنزل أهلها على الصلح. وفيها عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بن عبد الله، فولاها خالد أخاه أسد بن عبد الله. وقال المدائنيّ: كان عزل هشام عاصماً عن خراسان وضمّ خراسان إلى خالد بن عبد الله في سنة ستّ عشرة ومائة. ذكر الخبر عن سببعزل هشام عاصماً وتوليته خالداً خراسان وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ عن أشياخه - أنّ عاصم بن عبد الله كتب إلى هشام بن عبد الملك: أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فإنّ الرائد لا يكذب أهله؛ وقد كان من أمر أمير المؤمنين إليّ ما يحقّ به عليّ نصيحته؛ وإنّ خراسان لا تصلح إلاّ أن تضمّ إلى صاحب العراق؛ فتكون موادها ومنافعها ومعونتها في الأحداث والنوائب من قريب؛ لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطؤ غياثه عنها. فلما مضى كتابه خرج إلى أصحابه يحيى بن حضين والمجشّر بن مزاحم وأصحابهم، فأخبرهم، فقال له المجشّر بعد ما مضى الكتاب: كأنك بأسد قد طلع عليك. فقدم أشد بن عبد الله؛ بعث به هشام بعد كتاب عاصم بشهر، فبعث الكميت بن زيد الأسديّ إلى أهل مرو بهذا الشعر: ألا أبلغ جماعة أهل مرو ... على ما كان من نأى وبعد رسالة ناصح يهدى سلاماً ... ويأمر في الذي ركبوا بجد وأبلغ حارثاً عنا اعتذاراً ... إليه بأن من قبلي بجهد ولولا ذاك قد زارتك خيل ... من المصرين بالفرسان تردي فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف ... ولا يغرركم أسد بعهد وكونوا كالبغايا إن خدعتم ... وإن أقررتم ضيماً لوغد وإلا فارفعوا الرايات سوداً ... على أهل الضلالة والتعدي فكيف وأنتم سبعون ألفاً ... رماكم خالد بشبيه قرد ومن ولى بذمته رزيناً ... وشيعته ولم يوف بعهد ومن غشي قضاعة ثوب خزيٍ ... بقتل أبي سلامان بن سعد فمهلاً يا قضاع فلا تكوني ... توابع لا أصول لها بنجد وكنت إذا دعوت بني نزار ... أتاك الدهم من سبط وجعد فجدع من قضاعة كل أنف ... ولا فازت على يوم بمجد قال: ورزين الذي ذكر كان خرج على خالد بن عبد الله بالكوفة، فأعطاه الأمان ثم لم يف به. وقال فيه نصر بن سيّار حين أقبل الحارث إلى مرو وسوّد راياته - وكان الحارث يرى رأي المرجئة: دع عنك دنيا وأهلاً أنت تاركهم ... ما خير دنيا وأهل لا يدومونا! إلا بقية أيام إلى أجل ... فاطلب من الله أهلاً لا يموتونا أكثر تقى الله في الإسرار مجتهداً ... إن التقى خيره ما كان مكنونا واعلم بأنك بالأعمال مرتهن ... فكن لذاك كثير الهم محزونا إني أرى الغبن المردي بصاحبه ... من كان في هذه الأيام مغبونا تكون للمرء أطواراً فتمنحه ... يوماً عثاراً وطوراً تمنح اللينا بينا الفتى في نعيم العيش حوله ... دهر فأمسى به عن ذاك مزبونا تحلو له مرة حتى يسر بها ... حيناً وتمقره طعماً أحايينا هل غابر من بقايا الدهر تنظره ... إلا كما قد مضى فيما تقضونا فامنح جهادك من لم يرج آخرةً ... وكن عدواً لقوم لا يصلونا واقتل مواليهم منا وناصرهم ... حيناً تكفرهم والعنهم حينا والعائبين علينا ديننا وهم ... شر العباد إذا خابرتهم دينا والقائلين سبيل الله بغيتنا ... لبعد ما نكبوا عما يقولونا فاقتلهم غضباً لله منتصراً ... منهم به ودع المرتاب مفتونا إرجاؤكم لزكم والشرك في قرن ... فأنتم أهل إشراك ومرجونا لا يبعد الله في الأجداث غيركم ... إذ كان دينكم بالشرك مقرونا ألقى به الله رعباً في نحوركم ... والله يقضي لنا الحسنى ويعلينا كيما نكون الموالي عند خائفة ... عما تروم به الإسلام والدينا وهل تعيبون منا كاذبين به ... غال ومهتضم، حسبي الذي فينا يأبى الذي كان يبلي الله أولكم ... على النفاق وما قد كان يبلينا قال: ثم عاد الحارث لمحاربة عاصم، فلمّا بلغ عاصماً أن أسد بن عبد الله قد أقبل، وأنّه قد سيّر على مقدمته محمد بن مالك الهمدانيّ، وأنه قد نزل الدندانقان، صالح الحارث، وكتب بينه وبينه كتاباً على أن ينزل الحارث أيّ كورخراسان شاء، وعلى أن يكتبا جميعاً إلى هشام؛ يسألانه كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن أبى اجتمعا جميعاً عليه. فختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى ابن حضين أن يختم، وقال: هذا خلع لأمير المؤمنين؛ فقال خلف بن خليفة ليحيى: أبى هم قلبك إلا اجتماعا ... ويأبى رقادك إلا امتناعاً بغير سماع ولم تلقني ... أحاول من ذات لهو سماعا حفظنا أمية في ملكها ... ونخطر من دونها أن تراعى ندافع عنها وعن ملكها ... إذا لم نجد بيديها امتناعا أبى شعب ما بيننا في القديم ... وبين أمية إلا انصداعا ألم نختطف هامة ابن الزبير ... وننتزع الملك منه انتزاعا جعلنا الخلافة في أهلها ... إذا اصطرع الناس فيها اصطراعا نصرنا أمية بالمشرفيّ ... إذا انخلع الملك عنها انخلاعا ومنا الذي شد أهل العراق ... ولو غاب يحيى عن الثغر ضاعا على ابن سريج نقضنا الأمور ... وقد كان أحكمها ما استطاعا حكيم مقالته حكمة ... إذا شتت القوم كانت جماعا عشية زرق وقد أزمعوا ... قمعنا من الناكثين الزماعا ولولا فتى وائل لم يكن ... لينضج فيها رئيس كراعا فقل لأمية ترعى لنا ... أيادي لم نجزها واصطناعا أتلهين عن قتل ساداتنا ... ونأبى لحقك إلا اتباعا أمن لم يبعك من المشترين ... كآخر صادف سوقاً فباعا! أبى ابنُ حضين لما تصنع ... ين إلا اضطلاعا وإلاّ اتّباعا ولو يأمن الحارث الوائلين ... لراعك في بعض من كان راعا وقد كان أصعر ذا نيرب ... أشاع الضلالة فيما أشاعا كفينا أمية مختومة ... أطاع بها عاصم من أطاعا فلولا مراكز راياتنا ... من الجند خاف الجنود الضياعا وصلنا القديم لها بالحديث ... وتأبى أمية إلا انقطاعا ذخائر في غيرنا نفعها ... وما إن عرفنا لهن انتفاعا ولو قدمتها وبان الحجا ... ب لارتعت بين حشاك ارتياعا فأين الوفاء لأهل الوفاء ... والشكر أحسن من أن يضاعا! وأين ادخار بني وائل ... إذا الذخر في الناس كان ارتجاعا! ألم تعلمي أن أسيافنا ... تداوي العليل وتشفي الصداعا! إذا ابن حضين غدا باللواء ... أسلم أهل القلاع القلاعا إذا ابن حضين غدا باللواء ... أشار النسور به والضباعا إذا ابن حضين غدا باللواء ذكى وكانت معد جداعا قال: وكان عاصم بن سليمان بن عبد الله بن شراحيل اليشكريّ من أهل الرأي، فأشار على يحيى بنقض الصحيفة؛ وقال له: " غمراتٌ ثم ينجلين " ، وهي المغمضات، فغمّض. قال: وكان عاصم بن عبد الله في قرية بأعلى مرو لكندة، ونزل الحارث قرية لبني العنبر؛ فالتقوا بالخيل والرّجال، ومع عاصم رجل من بني عبس في خمسمائة من أهل الشام وإبراهيم بن عاصم العقيليّ في مثل ذلك؛ فنادى منادي عاصم: من جاء برأس فله ثلمائة درهم؛ فجاء رجل من عماله برأس وهو عاض على أنفه، ثم جاءه رجل من بني ليث - يقال له ليث بن عبد الله - برأس، ثم جاء آخر برأس، فقيل لعاصم: إن طمع الناس في هذا لم يدعوا ملاّحاً ولا علجاً إلا أتوك برأسه؛ فنادى مناديه: لا يأتنا أحد برأس؛ فمن أتانا به فليس له عندنا شيء؛ وانهزم أصحاب الحارث فأسروا منهم أسارى، وأسروا عبد الله بن عمرو المازنيّ رأس أهل مرو الروذ، وكان الأسراء ثمانين؛ أكثرهم من بني تميم، فقتلهم عاصم بن عبد الله على نهر الداندانقان. وكانت اليمانية بعثت من الشام رجلاً يعدل بألف يكنى أبا داود، أيّام العصبية في خمسمائة؛ فكان لا يمرّ بقرية من قرى خراسان إلا قال: كأنكم بي قد مررت راجعاً حاملاً رأس الحارث بن سريج؛ فلما التقوا دعا إلى البراز، فبرز له الحارث بن سريج؛ فضربه فوق منكبه الأيسر فصرعه، وحامى عليه أصحابه فحملوه فخولط؛ فكان يقول: يا أبرشهر الحارث بن سريجاه! يا أصحاب المعموراه! ورمي فرس الحارس بن سريج في لبانه، فنزع النشابة؛ واستحضره وألحّ عليه بالضّرب حتى نزّقه وعرّقه، وشغله عن ألم الجراحة. قال: وحمل عليه رجل من أهل الشام؛ فلما ظنّ أن الرمح مخالطه؛ مال عن فرسه واتّبع الشأميّ، فقال له: أسألك بحرمة الإسلام في دمي! قال: انزل عن فرسك؛ فنزل وركبه الحارث، فقال الشأميّ: خذ السرج؛ فوالله إنه خير من الفرس، فقال رجل من عبد القيس: تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا فليت قريشاً أصبحوا ذات ليلة ... يعومون في لج من البحر أخضرا قال: وعظم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع في أمر الكتاب الذي كتبه عاصم، وكتبوا كتاباً، وبعثوا مع محمد بن مسلم العنبريّ ورجل من أهل الشام، فلقوا أسد بن عبد الله بالرّيّ - ويقال: لقوه بيهق - فقال: ارجعوا فإني أصلح هذا الأمر، فقال له محمد بن مسلم: هدمت داري، فقال: أبنيها لك، وأردّ عليكم كل مظلمة. قال: وكتب أسد إلى خالد ينتحل أنه هزم الحارث، ويخبره بأمر يحيى. قال: فأجاز خالد يحيى بن حضين بعشرة آلاف دينار وكساه مائة حلة. قال: وكانت ولاية عاصم أقل من سنة - قيل كانت سبعة أشهر - وقدم أسد بن عبد الله وقد انصرف الحارث، فحبس عاصماً وسأله عمّا أنفق، وحاسبه فأخذه بمائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز ولم تخرج من مرو، ووافق عمارة بن حريم وعمّال الجنيد محبوسين عنده؛ فقال لهم: أسير فيكم بسيرتنا أم بسيرة قومكم؟ قالوا: بسيرتك، فخلى سبيلهم. قال عليّ عن شيوخه: قالوا: لما بلغ هشام بن عبد الملك أمر الحارث ابن سريج، كتب إلى خالد بن عبد الله: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية فلتكن به. قال: فوجّه أخاه أسداً إلى خراسان، فقدم أسد وما يملك عاصم من خراسان إلا مرو وناحية أبرشهر، والحارث بن سريح بمرو الروذ وخالد بن عبيد الله الهجري بآمل، ويخاف إن قصد للحارث بمرو الروذ دخل خالد بن عبيد الله مرو من قبل آمل، وإن قصد لخالد دخلها الحارث من قبل مرو الروذ، فأجمع على أن يوجه عبد الرحمن بن نعيم الغامديّ في أهل الكوفة وأهل الشام في طلب الحارث إلى ناحية مرو الروذ. وسار أسد بالناس إلى آمل، عليهم زياد القرشيّ مولى حيان النبطي عند ركايا عثمان، فهزمهم حتى انتهوا إلى باب المدينة، ثم كروا على الناس، فقتل غلام لأسد بن عبد الله يقال له جبلة؛ وهو صاحب علمه، وتحصنوا في ثلاث مدائن لهم. قال: فنزل عليهم أسد وحصرهم، ونصب عليهم المجانيق، وعليهم خالد ابن عبيد الله الهجريّ من أصحاب الحارث، فطلبوا الأمان، فخرج إليهم رويد ابن طارق القطعيّ ومولى لهم، فقال: ما تطلبون؟ قالوا: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: فلكم ذلك، قالوا: على ألاّ تأخذ أهل هذه المدن بجنايتنا. فأعطاهم ذلك، واستعمل عليهم يحيى ين نعيم الشيبانيّ أحد بني ثعلبة بن شيبان، ابن أخي مصقلة بن هبيرة. ثم أقبل أسد في طريق زمّ يريد مدينة بلخ؛ فتلقاه مولى لمسلم بن عبد الرحمن، فأخبره أنّ أهل بلخ قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم. فقدم بلخ، واتّخذ سفناً وسار منها إلى التّرمذ، فوجد الحارث محاصراً سناناً الأعرابيّ السُّلميّ، ومعه بنو الحجّاج بن هارون النميريّ، وبنو زرعة وآل عطية الأعور النضري في أهل التّرمذ، والسل مع الحارث، فنزل أسد دون النّهر، ولم يطق القطوع إليهم ولا أن يمدّهم، وخرج أهل الترمذ من المدينة، فقاتلوا الحارث قتالاً شديداً، وكان الحارث استطرد لهم، ثم كرّ عليهم، فانهزموا فقتل يزيد بن الهيثم بن المنخّل وعاصم بن معوّل النّجليّ في خمسين ومائة من أهل الشام وغيرهم؛ وكان بشر بن جرموز وأبو فاطمة الأياديّ ومن كان مع الحارث من القرى يأتون أبواب التّرمذ، فيبكون ويشكون بني مروان وجورهم؛ ويسألونهم النزول إليهم على أن يمالئوهم على حرب بني مروان فيأبون عليهم؛ فقال السبل وأتى بلاده. قال: وكان أسد حين مرّ بأرض زمّ تعرض للقاسم الشيبانيّ وهو في حصن بزم يقال له باذكر؛ ومضى حتى أتى الترمذ، فنزل دون النهر، ووضع سريره على شاطىء النهر؛ وجعل الناس يعبرون؛ فمن سفلت سفينته عن سفن المدينة قاتلهم الحارث في سفينة؛ فالتقوا في سفينة فيها أصحاب أسد، فيهم أصغر بن عيناء الحميريّ، وسفينة أصحاب الحارث فيها داود الأعسر، فرمى أصغر فصكّ السفينة، وقال: أنا الغلام الأحمريّ، فقال داود الأعسر: لأمرٍ ما انتميت إليه، لا أرض لك! وألزق سفينته بسفينة أصغر فاقتتلوا؛ وأقبل الأشكند - وقد أراد الحارث الانصراف - فقال له: إنما جئتك ناصراً لك؛ وكمن الأشكند وراء دير؛ وأقبل الحارث بأصحابه؛ وخرج إليه أهل الترمذ، فاستطرد لهم فاتّبعوه، ونصر مع أسد جالس ينظر؛ فأظهر الكراهية، وعرف أنّ الحارث قد كادهم، فظنّ أسد أنه إنما فعل ذلك شفقة على الحارث حين ولّى؛ وفأراد أسد معاتبة نصر؛ فإذا الأشكند قد خرج عليهم؛ فحمل على أهل الترمذ فهربوا. وقتل في المعركة يزيد بن الهيثم بن المنخّل الجرموزي من الأزد وعاصم بن معوّل - وكان من فرسان أهل الشأم - ثم ارتحل أسد إلى بلخ، وخرج أهل الترمذ إلى الحارث فهزموه؛ وقتلوا أبا فاطمة وعكرمة وقوماً من أهل البصائر، ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم؛ فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيبانيّ - وهو في باذكر؛ وهو من أصحاب الحارث - فقال: إنكم إنما أنكرتم على قومكم ما كان من سوء سيرتهم؛ ولم يبلغ ذلك النّساء ولا استحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند؛ وأنا أريد سمرقند، وعليّ عهد الله وذمته ألاّ يبدأك مني شر؛ ولك المؤاساة واللطف والكرامة والأمان ولمن معك؛ وأنت إن غمصت ما دعوتك إليه فعليّ عهد الله وذمة أمير المؤمنين وذمّة الأمير خالد إن أنت رميت بسهم ألاّ أؤمنك بعده؛ وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به. فخرج إليه على ما أعطاه من الأمان فآمنه، وسار معه إلى سمرقند فأعطاهم عطاءين، وحملهم على ما كان من دواب ساقها معه، وحمل معه طعاماً من بخارى، وساق معه شاء كثيرة من شاء الأكراد قسمها فيهم؛ ثم ارتفع إلى ورغسر وماء سمرقند منها، فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند؛ وكان يحمل الحجارة بيديه حتى يطرحها في السكر، ثم قفل من سمرقند حتى نزل بلخ. وقد زعم بعضهم أن الذي ذكرت من أمر أسد وأمر أصحاب الحارث كان في سنة ثمان عشرة. وحجّ بالناس في هذه السنة خالد بن عبد الملك. وكان العامل فيها على المدينة، وعلى مكة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد. وفيها توفّيت فاطمة بنت عليّ وسكينة ابنة الحسين بن عليّ. أمر أسد بن عبد الله مع دعاة بني العباس وفي هذه السنة أخذ أسد بن عبد الله جماعة من دعاة بني العباس بخراسان، فقتل بعضهم، ومثّل ببعضهم، وحبس بعضهم؛ وكان فيمن أخذ سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وموسى بن كعب ولاهز بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة بن رزيق؛ فأتى بهم، فقال لهم: يا فسقة، ألم يقل الله تعالى: " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام " ! فذكر أن سليمان بن كثير قال: أتكلم أم أسكت؟ قال: بل تكلم، قال: نحن والله كما قال الشاعر: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان؛ بالماء اعتصاري تدري ما قصتنا؟ صيدت والله العقارب بيدك أيّها الأمير؛ إنا أناس من قومك، وإن هذه المضرية إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشدّ الناس على قتيبة بن مسلم؛ وإنما طلبوا بثأرهم. فتكلم ابن شريك بن الصامت الباهلي، وقال: إنّ هؤلاء القوم قد أخذوا مرة بعد مرة، فقال مالك بن الهيثم: أصلح الله الأمير! ينبغي لك أن تعتبر كلام هذا بغيره؛ فقالوا: كأنك يا أخا باهلة تطلبنا بثأر قتيبة! نحن والله كنا أشدّ الناس عليه؛ فبعث بهم أسد إلى الحبس، ثم دعا عبد الرحمن بن نعيم فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تمنّ بهم على عشائرهم؛ قال: فالتميميان اللذان معهم؟ قال: تخلّي سبيلهما، قال: أنا إذاً من عبد الله بن يزيد نفي، قال: فكيف تصنع بالرّبعيّ؟ قال: أخلّي والله سبيله. ثم دعا بموسى بن كعب وأمر به فألجم بلجام حمار، وأمر باللجام أن يجذب فجذب حتى تحطمت أسنانه، ثم قال: اكسروا وجهه، فدق أنفه، ووجأ لحيته، فندر ضرس له. ثم دعا بلاهز بن قريط، فقال لاهز: والله ما في هذا الحق أن تصنع بنا هذا، وتترك اليمانيين والربعيين، فضربه ثلثمائة سوط، ثم قال: اصلبوه، فقال الحسن بن زيد الأزديّ: هو لي جار وهو برىء مما قذف به؛ قال: فالآخرون؟ قال: أعرفهم بالبراءة، فخلى سبيلهم. ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك غزوة معاوية وسليمان ابني هشام بن عبد الملك أرض الروم. ولاية عمار بن يزيد على شيعة بني العباس بخراسانوفيها وجّه بكير بن ماهان عمار بن يزيد إلى خراسان والياً على شيعة بني العباس؛ فنزل - فيما ذكر - مرو، وغيّر اسمه وتسمى بخداش ودعا إلى محمد بن عليّ؛ فسارع إليه الناس، وقبلوا ما جاءهم به؛ وسمعوا إليه وأطاعوا، ثم غيّر ما دعاهم إليه، وتكذّب وأظهر دين الخرمية؛ ودعا إليه ورخّص لبعضهم في نساء بعض؛ وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن عليّ؛ فبلغ أسد بن عبد الله خبره، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتى به؛ وقد تجهز لغزو بلخ؛ فسأله عن حاله، فأغلظ خداش له القول، فأمر به فقطعت يده، وقلع لسانه وسملت عينه. ذكر ما كان من الحارث بن سريج مع أصحابه فذكر عليّ بن محمد عن أشياخه، قال: لما قدم أسد آمل في مبدئه، أتوه بخداش صاحب الهاشمية، فأمر به قرعة الطبيب، فقطع لسانه، وسمل عينه، فقال: الحمد لله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك! ثم دفعه إلى يحيى بن نعيم الشيبانيّ عامل آمل. فلما قفل من سمرقند كتب إلى يحيى فقتله وصلبه بآمل، وأتى أسد بحزور ملوى المهاجر بن دارة الضبيّ، فضرب عنقه بشاطىء النهر. ثم نزل أسد منصرفه من سمرقند بلخ، فسرح جديعاً الكرماني إلى القلعة التي فيها ثقل الحارث وثقل أصحابه - واسم القلعة التبوشكان من طخارستان العليا، وفيها بنو برزى التغلبيون، وهم أصهار الحارث - فحصرهم الكرمانيّ حتى فتحها، فقتل مقاتلتهم وقتل بني برزى، وسبى عامّة أهلها من العرب والموالي والذراريّ، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ، فقال عليّ بن يعلى - وكان شهد ذلك: نقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلاً من أصحابه؛ وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضي؛ وفيهم بشر بن أنيف الحنظليّ وداود الأعسر الخوارزميّ. فقال الحارث: إن كنتم لابد مفارقيّ وطلبتم الأمان، فاطلبوه وأنا شاهد؛ فإنه أجدر أن يجيبوكم، وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان، فقالوا: ارتحل أنت وخلّنا. ثم بعثوا بشر بن أنيف ورجلاً آخر، فطلبوا الأمان فأمّنهما أسد ووصلهما، فغدروا بأهل القلعة، وأخبراه أنّ القوم ليس لهم طعامٌ ولا ماءٌ، فسرح أسد الكرمانيّ في ستة آلاف؛ منهم سالم بن منصور البجليّ، على ألفين، والأزهر بن جرموز النميريّ في أصحابه، وجند بلخ وهم ألفان وخمسمائة من أهل الشأم؛ وعليهم صالح بن القعقاع الأزديّ؛ فوجّه الكرمانيّ منصور بن سالم في أصحابه، فقطع نهر ضرغام؛ وبات ليله وأصبح، فأقام حتى متع النهار؛ ثم سار يومه قريباً من سبعة عشر فرسخاً، فأتعب خيله، ثم انتهى إلى كشتم من أرض جبغويه؛ فانتهى إلى حائط فيه زرع قد قصّب، فأرسل أهل العسكر دوابهم فيه، وبينهم وبين القلعة أربعة فراسخ. ثم ارتحل فلما صار إلى الوادي جاءته الطلائع فأخبرته بمجىء القوم ورأسهم المهاجر بن ميمون؛ فلما صاروا إلى الكرمانيّ كابدهم فانصرفوا، وسار حتى نزل جانباً من القلعة؛ وكان أول ما نزل في زهاء خمسمائة في مسجد كان الحارث بناه؛ فلما أصبح تتامت إليه الخيل، وتلاحقت من أصحاب الأزهر وأهل بلخ. فلما اجتمعوا خطبهم الكرمانيّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأهل بلخ؛ لا أجد لكم مثلاً غير الزانية؛ من أتاها أمكنته من رجلها؛ أتاكم الحارث في ألف رجل من العجم فأمكنتموه من مدينتكم، فقتل أشرافكم، وطرد أميركم. ثم سرتم معه من مكانفيه إلى مرو فخذلتموه، ثم انصرف إليكم منهزماً فأمكنتموه من المدينة؛ والذي نفسي بيده لا يبلغني عن رجل منكم كتب كتاباً إليهم في سهم إلا قطعت يده ورجله وصلبته؛ فأما من كان معي من أهل مرو فهم خاصتي، ولست أخاف غدرهم، ثم نهد إلى القلعة فأقام بها يوماً وليلة من غير قتال؛ فلما كان من الغد نادى مناد: إنا قد نبذنا إليكم بالعهد؛ فقاتلوهم؛ وقد عطش القوم وجاعوا؛ فسألوا أن ينزلوا على الحكم ويترك لهم نساؤهم وأولادهم، فنزلوا على حكم أسد، فأقام أياماً. وقدم المهلب بن عبد العزيز العتكيّ بكتاب أسد، أن احملوا إليّ خمسين رجلاً منهم؛ فيهم المهاجر بن ميمون ونظراؤه من وجوههم؛ فحملوا إليهم فقتلهم؛ وكتب إلى الكرمانيّ أن يصيّر الذين بقوا عنده أثلاثاً، فثلث يصلبهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم؛ ففعل ذلك الكرمانيّ، وأخرج أثقالهم فباعها فيمن يزيد، وكان الذين قتلهم وصلبهم أربعمائة. واتّخذ أسد مدينة بلخ داراً في سنة ثمان عشرة ومائة، ونقل إليها الدواوين واتخذ المصانع، ثم غزا طخارستان ثم أرض جبغويه، ففتح وأصاب سبياً. وفي هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها محمد بن هشام بن إسماعيل. ذكر الواقديّ أن أبا بكر بن عمرو بن حزم يوم عزل خالد عن المدينة جاءه كتاب بإمرته على المدينة؛ فصعد المنبر، وصلى بالنّاس ستة أيام، ثم قدم محمد بن هشام من مكة عاملاً على المدينة. وفي هذه السنة مات عليّ بن عبد الله بن العباس؛ وكان يكنى أبا محمد، وكانت وفاته بالحميمة من أرض الشأم؛ وهو ابن ثمان - أو سبع - وسبعين سنة. وقيل إنه ولد في اللية التي ضرب فيها عليّ بن أبي طالب وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان من سنة أربعين، فسمّاه أبوه علياً، وقال: سميته باسم أحب الخلق إليّ، وكناه أبا الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد؛ وسأله: هل وليد له من ولد؟ وكان قد ولد له يومئذ محمد بن عليّ، فأخبره بذلك، فكناه أبا محمد. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام وهو أمير مكة والمدينة والطائف. وقد قيل إنما كان عامل المدينة في هذه السنة خالد بن عبد الملك، وكان إلى محمد بن هشام فيها مكة والطائف؛ والقول الأول قول الواقديّ. وكان على العراق خالد بن عبد الله، وإليه المشرق كله، وعامله على خراسان أخوه أسد بن عبد الله، وعامله على البصرة وأحداثها وقضائها والصّلاة بأهلها بلال بن أبي بردة، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد بن مروان. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة الوليد بن القعقاع العبسيّ أرض الروم. وفيها غزا أسد بن عبد الله الختل. فافتتح قلعة زغرزك؛ وسار منها إلى خداش، وملأ يديه من السبتي والشاء؛ وكان الجيش قد هرب إلى الصين. ذكر غزو الترك ومقتل خاقانوفيها لقي أسد خاقان صاحب الترك فقتله، وقتل بشراً كثيراً من أصحابه، وسلم أسد والمسلمون، وانصرفوا بغنائم كثيرة وسبي. ذكر الخبر عن هذه الغزوة: ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أنهم قالوا: كتب ابن السائجيّ إلى خاقان أبي مزاحم - وإنما كنى أبا مزاحم لأنه كان يزاحم العرب - وهو موالث، يعلمه دخول أسد الختل وتفرق جنوده فيها؛ وأنه بحال مضيعة. فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز - وكان الخاقان مرج وجبل حمىً لا يقربهما أحد، ولا يتصيد فيهما، يتركان للجهاد فضاء، ما كان في المرج ثلاثة أيام، وما في الجبل ثلاثة أيام - فتجهزوا وارتعوا ودبغوا مسوك الصيد؛ واتخذوا منها أوعية؛ واتخذوا القسيّ والنشاب، ودعا خاقان ببرذون مسرج ملجم، وأمر بشاة فقطعت ثم علقت في المعاليق، ثم أخذ شيئاً من ملح فصيره في كيس، وجعله في منطقته؛ وأمر كلّ تركيّ أن يفعل مثل ذلك، وقال: هذا زادكم حتى تلقوا العرب بالختل. وأخذ طريق خشوراغ؛ فلما أحسّ ابن السائجيّ أنّ خاقان قد أقبل بعث إلى أسد: اخرج عن الختل فإن خاقان قد أظلتك. فشتم رسوله، ولم يصدّقه؛ فبعث صاحب الختل: إنيّ لم أكذبك؛ وأنا الذي أعلمته دخولك؛ وتفرّق جندك، وأعلمته أنها فرصة له، وسألته المدد، غير أنك أمعرت البلاد، وأصبت الغنائم؛ فإن لقيك على هذه الحال ظفر بك؛ وعادتني العرب أبداً ما بقيت. واستطال عليّ خاقان واشتدّت مؤونته؛ وامتنّ عليّ بقوله: أخرجتُ العرب من بلادك، ورددت عليك ملكك؛ فعرف أسد أنه قد صدقه، فأمر بالأثقال أن تقدّم، وولّى عليها إبراهيم بن عاصم العقيلي الجزري، الذي كان ولي سجستان بعد، وأخرج معه المشيخة، فيهم كثير ابن أمية وأبو سليمان بن كثير الخزاعيّ وفضيل بن حيّان المهريّ وسنان بن داود القطعي، وكان على أهل العالية سنان الأعرابي السلمي، وعلى الأقباض عثمان بن شباب الهمذانيّ، جدّ قاضي مرو، فسارت الأثقال؛ فكتب أسد إلى داود بن شعيب والأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ - وقد كان وجّههما في وجه: إنّ خاقان قد أقبل، فانضمّا إلى الأثقال؛ إلى إبراهيم بن عاصم. قال: ووقع إلى داود والأصبغ رجل دبوسيّ، فأشاع أنّ خاقان قد كسر المسلمين، وقتل أسداً. ================================================ج23. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري وقال الأصبغ: إن كان أسد ومن معه أصيبوا فإنّ فينا هشاماً ننحاز إليه؛ فقال داود بن شعيب: قبح الله الحياة بعد أهل خراسان! فقال الأصبغ: حبذا الحياة بعد أهل خراسان! قتل الجرّاح ومن معه فما ضرّ المسلمين كثير ضرّ، فإن هلك أسد وأهل خراسان فلن يخذل الله دينه، وإن الله حيّ قيوم؛ وأمير المؤمنين حيّ وجنود المسلمين كثير. فقال داود: أفلا ننظر ما فعل أسد فنخرج على علم! فسارا حتى شارفا عسكر إبراهيم فإذا هما بالنيران، فقال داود: هذه نيران المسلمين أراها متقاربة ونيران الأتراك متفرّقة؛ فقال الأصبغ: هم في مضيق. ودنوا فسمعوا نهيق الحمير، فقال داود: أما علمت أنّ الترك ليس لهم حمير! فقال الأصبغ: أصابوها بالأمس؛ ولم يستطيعوا أكلها في يوم ولا اثنين؛ فقال داود: نسرّح فارسين فيكبّران؛ فبعثا فارسين؛ فلما دنوا من العسكر كبّرا، فأجابهما العسكر بالتكبير، فأقبلوا إلى العسكر الذي فيه الأثقال؛ ومع إبراهيم أهل الصغانيان وصغان خذاه؛ فقام إبراهيم بن عاصم مبادراً. قال: وأقبل أسد من الختّل نحو جبل الملح يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد قطع إبراهيم بن عاصم بالسبي وما أصاب. فأشرف أسد على النهر وقد أتاه أن خاقان قد سار من سوياب سبع عشرة ليلة، فقام إليه أبو تمام بن زحر وعبد الرحمن بن خنفر الأزديّان، فقالا: أصلح الله الأمير! إن الله قد أحسن بلاءك في هذه الغزوة فغنمت وسلمت فاقطع هذه النّطفة، واجعلها وراء ظهرك. فأمر بهما فوجئت رقابهما، وأخرجا من العسكر وأقام يومه. فلما كان من الغد ارتحل وفي النهر ثلاثة وعشرون موضعاً يخوضه النّاس، وفي موضع مجتمع ماء يبلغ دفتي السرج، فخاضه الناس، وأمر أن يحمل كلّ رجل شاة، وحمل هو بنفسه شاة؛ فقال له عثمان بن عبد الله بن مطرف ابن الشخير: إن الذي أنت فيه من حمل الشاة ليس بأخرط مما تخاف؛ وقد فرّقت الناس وشغلتهم، وقد أظلك عدوّك، فدع هذا الشاء لعنة الله عليه، وأمر الناس بالاستعداد. فقال أسد: والله لا يعبر رجل ليست معه شاة حتى تفنى هذه الغنم إلا قطعت يده، فجعل الناس يحملون الشاء؛ الفارس يحملها بين يديه والراجل على عنقه؛ وخاض الناس. ويقال: لما حفرت سنابك الخيل النهر صار بعض المواضع سباخة فكان بعضهم يميل فيقع عن دابته، فأمر أسد بالشاء أن تقذف، وخاض الناس، فما استكملوا العبور حتى طلعت عليهم الترك بالدّهم، فقتلوا من لم يقطع، وجعل الناس يقتحمون النهر - ويقال كانت المسلحة على الأزد وبني تميم فانكشفوا، وكض أشد حتى انصرف إلى معسكره، وبعث إلى أصحاب الأثقال الذين كان سرح أمامه. أن انزلوا وخندقوا مكانكم في بطن الوادي. قال: وأقبل خاقان، فظنّ المسلمون أنه لا يقطع إليهم وبينهم وبينه النهر؛ فلما نظر خاقان إلى النهر أمر الأشكند - وهو يومئذ أصبهبذ نسف - أن يسير في الصفّ حتى يبلغ أقصاه، ويسأل الفرسان وأهل البصر بالحرب والماء: هل يطاق قطوع النهر والحمل على أسد؟ فكلهم يقول: لا يطاق؛ حتى انتهى إلى الأشتيخن، فقال: بلى يطاق، لأنّا خمسون ألف فارس؛ فإذا نحن اقتحمنا دفعة واحدة ردّ بعضنا عن بعض الماء فذهب جريته. قال: فضربوا بكوساتهم فظنّ أسد ومن معه أنه منهم وعيد، فأقحموا دوابّهم، فجعلت تنخر أشدّ النخير؛ فلما رأى المسلمون اقتحام الترك ولّوا إلى العسكر، وعبرت الترك فسطع رهج عظيم لا يبصر الرّجل دابّته، ولا يعرف بعضهم بعضاً؛ فدخل المسلمون عسكرهم وحووا ما كان خارجاً، وخرج الغلمان بالبراذع والعمد، فضربوا وجوه الترك؛ فأدبروا، وبات أسد؛ فلما أصبح - وقد كان عبّأ أصحابه من الليل تخوّفاً من غدر خاقان وغدوّه عليه، ولم ير شيئاً - دعا وجوه الناس فاستشارهم، فقالوا له: اقبل العافية، قال: ما هذه عافية، بل هي بليّة، لقينا خاقان أمس فظفر بنا وأصاب من الجند والسلاح؛ فما منعه منّا اليوم إلا أنه قد وقع في يديه أسراء فأخبروه بموضع الأثقال أمامنا، فترك لقاءنا طمعاً فيها. فارتحل فبعث أمامه الطلائع، فرجع بعضهم فأخبره أنه عاين طوقات الترك وأعلاماً من أعلام الإشكند، في بشر قليل. فسار والدوابّ مثقلة، فقيل له: انزل أيها الأمير واقبل العافية، قال: وأين العافية فأقبلها! إنما هي بليّة وذهاب الأنفس والأموال. فلما أمسى أسد صار إلى منزل، فاستشار الناس: أينزلون أم يسيرون؟ فقال الناس: اقبل العافية؛ وما عسى أن يكون ذهاب المال بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بن سيار مطرق، فقال أسد: مالك يا بن سيار مطرقاً لا تتكلم! قال: أصلح الله الأمير! خلتان كلتاهما لك، إن تسر تغث من مع الأثقال وتخلصهم، وإن أنت انتهيت إليهم وقد هلكوا فقد قطعت قحمة لا بدّ من قطوعها. فقبل رأيه وسار يومه كلّه. قال: ودعا أسد سعيداً الصغير - وكان فارساً مولى باهلة. وكان عالماً بأرض الختل - فكتب كتاباً إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد؛ فإنّ خاقان قد توجّه إلى ما قبلك، وقال: سر بالكتاب إلى إبراهيم حيث كان قبل الليل؛ فإن لم تفعل فأسد بريء من الإسلام إن لم يقتلك؛ وإن أنت لحقت بالحارث فعلى أسد مثل الذي حلف، إن لم يبع امرأتك الدلاّل في سوق بلخ وجميع أهل بيتك. قال سعيد: فادفع إليّ فرسك الكميت الذنوب قال: لعمري لئن جدت بدمك، وبخلت عليك بالفرس إني للئيم. فدفعه إليه. فسار على دابة من جنائبه، وغلامه على فرس له، ومعه فرس أسد يجنبه فلما حاذى الترك وقد قصدوا الأثقال طلبته طلائعهم؛ فتحوّل على فرس أسد، فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب، وتبعه بعض الطلائع - يقال عشرون رجلاً - حتى رأوا عسكر إبراهيم، فرجعوا إلى خاقان فأخبروه. فغدا خاقان على الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقاً؛ فأتاهم وهم قيام عليه؛ فأمر أهل السغد بقتالهم؛ فلما دنوا من مسلحة المسلمين ثاروا في وجوههم فهزموهم، وقتلوا منهم رجلاً، فقال خاقان: اركبوا، وصعد خاقان تلاً فجعل ينظر العورة، ووجّه القتال، قال: وهكذا كان يفعل؛ ينفرد في رجلين أو ثلاثة، فإذا رأى عورة أمر جنوده فحملت من ناحية العورة. فلما صعد التلّ رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة. فدعا بعض قوّاد الترك، فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر في مقطع وصفه حتى يصيروا إلى الجزيرة، ثم ينحدروا في الجزيرة حتى يأتوا عسكر المسلمين من دبر، وأمرهم أن يبدءوا بالأعاجم وأهل الصغانيان، وأن يدعوا غيرهم؛ فإنهم من العرب، وقد عرفهم بأبنيتهم وأعلامهم، وقال لهم: إن أقام القوم في خندقهم فأقبلوا إليكم دخلنا نحن خندقهم؛ وإن ثبتوا على خندقهم فادخلوا من دبره عليهم. ففعلوا ودخلوا عليهم من ناحية الأعاجم، فقتلوا صغان خذاه وعامّة أصحابه، واحتووا على أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا عامة ما فيه، وترك المسلمون التعبئة واجتمعوا في موضع، وأحسوا بالهلاك، فإذا رهج قد ارتفع وتربة سوداء؛ فإذا أسد في جنده قد أتاهم، فجعلت الترك ترتفع عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يتعجّب من كفتهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وأصابوا ما أصابوا، وهو لا يطمع في أسد. قال: وكان أسد قد أغذّ السير، فأقبل حتى وقف على التّلّ الذي كان عليه خاقان، وتنحى خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إليه من بقي ممن كان مع الأثقال، وقد قتل منهم بشر كثير؛ قتل يومئذ بركة بن خوليّ الراسبي وكثير بن أمية ومشيخة من خزاعة. وخرجت امرأة صغان خذاه إلى أسد، فبكت زوجها، فبكى اسد معها حتى علا صوتهن ومضى خاقان يقود الأسراء من الجند في الأوهاق ويسوق الإبل موقرة والجواري. قال: وكان مصعب بن عمرو الخزاعيّ ونفر من أهل خراسان قد أجمعوا على مواقفتهم، فكفهم أسد، وقال: هؤلاء قوم قد طابت لهم الريح واستكلبوا، فلا تعرّضوا لهم. وكان مع خاقان رجل من أصحاب الحارث بن سريج فأمره فنادى: يا أسد؛ أما كان لك فيما وراء النهر مغزى! إنك لشديد الحرص، قد كان لك عن الختل مندوحة؛ وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال أسد: كان ما رأيت؛ ولعلّ الله أن ينتقم منك. قال كورمغانون - وكان من عظماء الترك: لم أر يوماً كان أحسن من يوم الأثقال، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: أصبت أموالاً عظيمة، ولم أر عدواً أسمج من أسراء العرب؛ يعدو أحدهم فلا يكاد يبرح مكانه. وقال بعضهم: سار خاقان إلى الأثقال، فارتحل أسد؛ فلما أشرف على الظهر، ورأى المسلمين الترك امتنعوا، وقد كانوا قاتلوا المسلمين فامتنعوا، فأتوا الأعاجم الذين كانوا مع المسلمين فقاتلوهم، فأسروا أولادهم. قال: فأردف كلّ رجل منهم وصيفاً أو وصيفة، ثم اقبلوا إلى عسكر أسد عند مغيب الشمس. قال: وسار أسد بالنّاس، حتى نزل مع الثقل. وصبحوا أسداً من الغد؛ وذلك يوم الفطر، فكادوا يمنعونهم من الصلاة. ثم انصرفوا ومضى أسد إلى بلخ؛ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء، ثم تفرّق الناس في الدور، ودخل المدينة، ففي هذه الغزاة قيل له بالفارسية: أز ختلان آمديه ... بروتباه آمديه آبار باز آمديه ... خشك نزار آمديه قال: وكان الحارث بن سريج بناحية طخارستان؛ فانضمّ إلى خاقان؛ فلمّا كان ليلة الأضحى قيل لأسد: غنّ خاقان نزل جزّة، فأمر بالنيران فرفعت على المدينة، فجاء الناس من الرساتيق إلى مدينة بلخ، فأصبح أسد فصلى وخطب الناس، وقال: إن عدوّ الله الحارث بن سريج استجلب طاغيته ليطفىء نور الله، ويبدّل دينه، والله مذلّه إن شاء الله. وإن عدوّكم الكلب أصاب من إخوانكم من أصاب، وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله. وقال: إنه بلغني أن العبد أقرب ما يكون إلى الله إذا وضع جبهته لله؛ وإني نازل وواضع جبهتي، فادعوا الله واسجدوا لربّكم، وأخلصوا له الدعاء. ففعلوا ثم رفعوا رءوسهم، وهم لا يشكّون في الفتح، ثم نزل عن المنبر. وضحّى وشاور الناس في المسير إلى خاقان، فقال قوم: أنت شاب، ولست ممن تخوف من غارة، على شاة ودابة تخاطر بخروجك. قال: والله لأخرجنّ؛ فإما ظفر وإما شهادة. ويقال: أقبل خاقان، وقد استمدّ من وراء النهر وأهل طخارستان وجيغويه الطخاريّ بملوكهم وشاكريتهم بثلاثين ألفاً، فنزلوا خلم، وفيها مسلحة؛ عليها أبو العوجاء بن سعيد العبديّ، فناوشهم فلم يظفروا منه بشيء، فساروا على حاميتهم في طريق فيروز بخشين من طخارستان. فكتب أبو العوجاء إلى أسد بمسيرهم. قال: فجمع الناس، فأقرأهم كتاب أبي العوجاء وكتاب الفرافصة صاحب مسلحة جزة بعد مرور خاقان به، فشاور أسد الناس، فقال قوم: تأخذ بأبواب مدينة بلخ، وتكتب إلى خالد والخليفة تستمده. وقال آخرون: تأخذ في طريق زمّ، وتسبق خاقان إلى مرو. وقال قوم: بل تخرج إليهم وتستنصر الله عليهم؛ فوافق قولهم رأي أسد وما كان عزم عليه من لقائهم. ويقال: إن خاقان حين فارق أسداً، ارتفع حتى صار بأرص طخارستان عند جبغويه، فلمّا كان وسط الشتاء أقبل فمر بجزة، وصار إلى الجوزجان وبثّ الغارات؛ وذلك أن الحارث بن سريج أخبره أنه لا نهوض بأسد، وأنه لم يبق معه كبير جند؛ فقال البختريّ ابن مجاهد مولى بني شيبان: بل بثّ الخيول حتى تنزل الجوزجان. فلما بثّ الخيل، قال له البحتريّ: كيف رأيت رأيي؟ قال: وكيف رأيت صنع الله عز وجل حين أخذ برأيك! فأخذ أسد من جبلة بن أبي روّاد عشرين ومائة ألف درهم، وأمر للناس بعشرين عشرين، ومعه من الجنود من أهل خراسان وأهل الشأم سبعة آلاف رجل، واستخلف على بلخ الكرماني بن عليّ، وأمره ألاّ يدع أحداً يخرج من مدينتها، وإن ضرب الترك باب المدينة. فقال له نصر بن سيار الليثيّ والقاسم بن بخيت المراغيّ من الأزد وسليم بن سليمان السلميّ وعمرو بن مسلم بن عمرو ومحمد بن عبد العزيز العتكيّ وعيسى الأعرج الحنظلي والبختريّ بن أبي درهم البكريّ وسعيد الأحمر وسعيد الصغير مولى باهلة: أصلح الله الأمير؛ ائذن لنا في الخروج، ولا تهجّن طاعتنا. فأذن لهم ثم خرج فنزل باباً من أبواب بلخ وضربت له قبة؛ فازتان، وألصق إحداهما بالأخرى، وصلى بالناس ركعتين طوّلهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: ادعوا الله؛ وأطال في الدعاء، ودعا بالنصر، وأمّن الناس على دعائه؛ فقال: نصرتم ورب الكعبة! ثم انفتل من دعائه فقال: نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله، ثلاث مرات. ثم نادى مناديه: برئت ذمّة الله من رجل حمل امرأة ممّن كان من الجند، قالوا: إنّ أسداً إنما خرج هارباً، فخلف أم بكر أم ولده وولده؛ فنظر فإذا جارية على بعير، فقال: سلوا لمن هذه الجارية؟ فذهب بعض الأساورة فسأل ثم رجع، فقال: لزياد بن الحارث البكريّ - وزياد جالس - فقطّب أسد، وقال: لا تنتهون حتى أسطو بالرجل منكم يكرم عليّ. فأضرب ظهره وبطنه. فقال زياد: إن كانت لي فهي حرة، لا والله أيّها الأمير ما معي امرأة، فإنّ هذا عدوّ حاسد. وسار أسد، فلما كان عند قنطرة عطاء، قال لمسعود بن عمرو الكرمانيّ، وهو يومئذ خليفة الكرمانيّ على الأزد: ابغني خمسين رجلاً ودابّة أخلفهم على هذه القنطرة، فلا تدع أحداً ممن جازها أن يرجع إليها، فقال مسعود: ومن أين أقدر على خمسين رجلاً! فأمر به فصرع عن دابته، وأمر بضرب عنقه، فقام إليه قوم فكلموه فكفّ عنه؛ فلما جاز القنطرة نزل منزلاً، فأقام فيه حتى أصبح؛ وأراد المقام يومه، فقال له العذافر بن زيد: ليأتمر الأمير على المقام يومه حتى يتلاحق الناس. قال: فأمر بالرحيل وقال: لا حاجة لنا إلى المتخلّفين، ثم ارتحل، وعلى مقدّمته سالم بن منصور البجليّ في ثلثمائة، فلقي ثلثمائة من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة منهم معه، وهرب بقيّتهم، فأتى به أسد. قال: فبكى التركيّ، قال: ما يبكيك؟ قال: لست أبكي لنفسي، ولكني أبكي لهلاك خاقان، قال: كيف؟ قال: لأنه قد فرّق جنوده فيما بينه وبين مرو. قال: وسار أسد؛ حتى نزل السدة - قرية ببلخ - وعلى خيل أهل العالية ريحان بن زياد العامريّ العبدليّ من بني عبد الله بن كعب. قال: فعزله، وصيّر على أهل العالية منصور بن سالم، ثم ارتحل من السدة، فنزل خريستان، فسمع أسد صهيل فرس، فقال: لمن هذا؟ فقيل: للعقّار بن ذعير، فتطيّر من اسمه واسم أبيه، فقال: ردّوه، قال: إني مقتول بجرأتي على الترك، قال: أسد: قتلك الله! ثم سار حتى إذا شارف العين الحارّة استقبله بشر بن رزين - أو رزين بن بشر - فقال بشارة ورزانة؛ ما وراءك يا رزين؟ قال: إن لم تغثنا غلبنا على مدينتنا، قال: قل للمقدام بن عبد الرحمن يطاول رمحي، فسار فنزل من مدينة الجوزجان بفرسخين، ثم أصبحنا وقد تراءت الخيلان، فقال خاقان للحارث: من هذا؟ فقال: هذا محمد ابن المثنى واريته؛ ويقال: إن طلائع لخاقان انصرفت إليه فأخبرته. أنّ رهجاً ساطعاً طلع من قبل بلخ، فدعا خاقان الحارث، فقال: ألم تزعم أن أسداً ليس به نهوض! وهذا رهج قد أقبل من ناحية بلخ، قال الحارث: هذا اللصّ الذي كنت قد أخبرتك أنه من أصحابي. فبعث خاقان طلائع، فقال: انظروا هل ترون على الإبل سريراً وكراسيّ؟ فجاءته الطلائع، فأخبروه أنّهم عاينوها، فقال خاقان: اللصوص لا يحملون الأسرّة والكراسيّ، وهذا أسد قد أتاك. فسار أسد غلوة فلقيه سالم بن جناح، فقال: أبشر أيها الأمير، قد حزرتهم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجو أن يكون عقيرة الله. فقال المجشّر بن مزاحم، وهو يسايره: أنزل أيها الأمير رجالك؛ فضرب وجه دابته، وقال: لو أطعت يا مجشر ما كنا قدمنا هاهنا، وسار غير بعيد، وقال: يأهل الصباح، انزلوا، فنزلوا وقرّبوا دوابّهم، وأخذوا النبل والقسيّ. قال: وخاقان في مرج قد بات فيه تلك الليلة. قال: وقال عمرو بن أبي موسى: ارتحل أسد حين صلّى الغداة، فمرّ بالجوزجان وقد استباحها خاقان حتى بلغت خيله الشبورقان. قال: وقصور الجوزجان إذ ذاك ذليلة. قال: وأتاه المقدام بن عبد الرحمن بن نعيم الغامديّ في مقاتلته وأهل الجوزجان - وكان عاملها - فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: أقيموا في مدينتكم، وقال للجوزجان بن الجوزجان: سر معي؛ وكان على التعبئة القاسم بن بخيت المراغيّ؛ فجعل الأزد وبني تميم والجوجان بن الجوزجان وشاكريته ميمنته، وأضاف إليهم أهل فلسطين، عليهم مصعب بن عمرو الخزاعيّ، وأهل قنسرين عليهم صغراء بن أحمر، وجعل ربيعة ميسرة، عليهم يحيى بن حضين، وضم إليهم أهل حمص عليهم جعفر بن حنظلة البهرانيّ، وأهل الأزد وعليهم سليمان بن عمرو المقرىء من حمير؛ وعلى المقدّمة منصور بن مسلم البجليّ، وأضاف إليهم أهل دمشق عليهم حملة بن نعيم الكلبي، وأضاف إليهم الحرس والشرطة وغلمان أسد. قال: وعبّى خاقان الحارث بن سريج وأصحابه وملك السغد وصاحب الشاش وخرا بغرة أبا خانا خرّة، جد كاوس وصاحب الختل وجبغويه، والترك كلهم ميمنة. فلمّا التقوا حمل الحارث ومن معه من أهل السغد والبابية وغيرهم على الميسرة، وفيها ربيعة وجندان من أهل الشأم؛ فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق أسد؛ فشدت عليهم الميمنة - وهم الأزد وبنو تميم والجوزجان - فما وصلوا إليهم حتى انهزم الحارث والأتراك، وحمل الناس جمعياً، فقال أسد: اللهمّ إنهم عصوني فانصرهم؛ وذهب الترك في الأرض عباديد لا يلوون على أحد، فتبعهم النّاس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه، حتى انتهوا إلى أغنامهم؛ فاستاقوا أكثر من خمس وخمسين ومائة ألف شاة ودواب كثيرة. وأخذ خاقان طريقاً غير الجادّة في الجبل، والحارث بن سريج يحميه، ولحقهم أسد عند الظهر. ويقال: لما واقف أسد خاقان يوم خريستان كان بينهم نهر عميق، فأمر أسد برواقه فرفع، فقال رجل من بني قيس بن ثعلبة: يأهل الشأم؛ أهكذا رأيكم، إذا حضر الناس رفعتم الأبنية! فأمر به فحط، وهاجت ريح الحرب التي تسمى الهفافة، فهزمهم الله، واستقبلوا القبلة يدعون الله ويكبرون. وأقبل خاقان في قريب من أربعمائة فارس عليهم الحمرة، وقال لرجل يقال له سوى: إنما أنت ملك الجوزجان إن أسلمت العرب، فمن رأيت من أهل الجوزجان مولياً فاقتله. وقال الجوزجان لعثمان بن عبد الله الشخير: إني لأعلم ببلادي وطرقها؛ فهل لك في أمر فيه هلاك خاقان ولك فيه ذكر ما بقيت؟ قال: ما هو؟ قال: تتبعني؛ قال: نعم؛ فأخذ طريقاً يسمّى ورادك، فأشرفوا على طوقات خاقان وهم آمنون، فأمر خاقان بالكوسات فضربت ضربة الانصراف. وقد شبت الحرب، فلم يقدر الترك على الانصارف، ثم ضربت الثانية فلم يقدروا، ثم ضربت الثالثة فلم يقدروا لاشتغالهم، فحمل ابن الشخير والجوزجان على الطوقات، وولّى خاقان مدبراً منهزماً، فحوى المسلمون عسكرهم وتركوا قدورهم تغلي ونساء من نساء العرب والمواليات ومن نساء الترك، ووحل بخاقان برذونه فحماه الحارث بن سريج. قال: ولم يعلم الناس أنه خاقان، ووجد عسكر الترك مشحوناً من كلّ شيء من آنية الفضة وصنّاجات الترك. وأراد الخصيّ أن يحمل امرأة خاقان، فأعجلوه عن ذلك، فطعنها بخنجر فوجدوها تتحرّك، فأخذوا خفّها وهو من لبود مضرب. قال: فبعث أسد بجواري الترك إلى دهاقين خراسان، واستنقذ من كان في أيديهم من المسلمين. قال: وأقام أسد خمسة أيام. قال: فكانت الخيول التي فرّق تقبل فيصيبهم أسد، فاغتنم الظفر وانصرف إلى بلخ يوم التاسع من خروجه، فقال ابن السجف المجاشعي: لو سرت في الأرض تقيس الأرضا ... تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيراً مرة ونقضا ... من الأمير أسد وأمضى أفضى إلينا، الخير حين أفضى ... وجمع الشمل وكان رفضا ما فاته خاقان إلا ركضا ... قد فض من جموعه ما فضا يا بن سريج قد لقيت حمضاً ... حمضاً به يشفى صداع المرضى قال: وارتحل أسد، فنزل جزّة الجوجان من غد، وخاقان بها، فارتحل هارباً منه. وندب أسد الناس، فانتدب ناس كثير من أهل الشأم وأهل العراق، فاستعمل عليهم جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فساروا ونزلوا مدينة تسمّى ورد من أرض جزّة، فباتوا بها فأصابهم ريح ومطر - ويقال: أصابهم الثلج - فرجعوا. ومضى خاقان فنزل على جبغويه الطخاريّ، وانصرف البهرانيّ إلى أسد، ورجع أسد إلى بلخ، فلقوا خيل الترك التي كانت بمرو الروذ منصرفة لتغير على بلخ، فقتلوا من قدروا عليه منهم؛ وكان الترك قد بلغوا بيعة مرو الروذ، وأصاب أسد يومئذ أربعة آلاف درع؛ فلما صار ببلخ أمر الناس بالصّوم لافتتاح الله عليهم. قال: وكان أسد يوجّه الكرمانيّ في السرايا، فكانوا لا يزالون يصيبون الرّجل والرجلين والثلاثة وأكثر من الترك؛ ومضى خاقان إلى طخارستان العليا، فأقام عند جبغويه الخزلخيّ تعززاً به، وأمر بصنيعة الكوسات، فلما جفّت وصلحت أصواتها ارتحل إلى بلاده؛ فلما ورد شروسنة، تلقّاه خرابغره أبو خاناخره، جدّ كاوس أبي أفشين باللعانين، وأعدّ له هدايا ودوابّ له ولجنده - وكان الذي بينهما متباعداً - فلما رجع منهزماً أحب أن يتخذ عنده يداً، فأتاه بكلّ ما قدر عليه. ثم أتى خاقان بلاده، وأخذ في الاستعداد للحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث بن سريج وأصحابه على خمسة آلاف برذون، وفرّق براذين في قوّاد الترك، فلاعب خاقان يوماً كورصول بالنّرد على خطر تدرجة، فقمر كورصول الترقشيّ، فطلب منه التدرجة، فقال: أنثى، فقال: الآخر ذكر؛ فتنازعا، فكسر كورصول يد خاقان، فحلف خاقان ليكسرنّ يد كورصول؛ وبلغ كورصول، فتنحّى وجمع جمعاً من أصحابه، فبيت خاقان فقتله؛ فأصبحت الترك فتفرقوا عنه وتركوه مجرّداً، فأتاه زريق بن طفيل الكشانيّ وأهل بيت الحموكيين - وهم من عظماء الترك - فحمله ودفنه، وصنع به ما يصنع بمثله إذا قتل. فتفرّقت الترك في الغارات بعضها على بعض، وانحاز بعضهم إلى الشّاش؛ فعند ذلك طمع أهل السغد في الرجعة إليها. قال: فلم يسلم من خيل الترك التي تفرّقت في الغارات إلا زرّ بن الكسيّ، فإنه سلم حتى صار إلى طخارستان، وكان أسد بعث من مدينة بلخ سيف بن وصّاف العجليّ على فرس، فسار حتى نزل الشبورقان. قال: وفيها إبراهيم بن هشام مسلحة، فحمله منها على البريد حتى قدم على خالد بن عبد الله، فأخبره، ففظع به هشام فلم يصدّقه، وقال للربيع حاجبه: ويحك! إن هذا الشيخ قد أتانا بالطامّة الكبرى إذا كان صادقاً؛ ولا أراه صادقاً، اذهب فعده ثم سله عمّا يقوله وأتني بما يقول. فانطلق إليه ففعل الذي أمره به، فأخبره بالذي أخبر به هشاماً. قال: فدخل عليه أمر عظيم؛ فدعا به بعد، فقال: من القاسم بن بخيت منكم؟ قال: ذلك صاحب العسكر، قال: فإنه قد أقبل، قال: فإن كان قد أقبل فقد فتح الله على أمير المؤمنين - وكان أسد وجّهه حين فتح الله عليه - فأقبل القاسم بن بخيت، فكبّر على الباب، ثم دخل يكبر وهشام يكبّر لتكبيره، حتى انتهى إليه، فقال: الفتح يا أمير المؤمنين؛ وأخبره الخبر، فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر؛ وهي واحدة عندهم. قال: فحسدت القيسيّة أسداً وخالداً؛ وأشاروا على هشام أن يكتب إلى خالد بن عبد الله، فيأمر أخاه أن يوجه مقاتل بن حيّان، فكتب إليه، فدعا أسد مقاتل بن حيّان على رءوس الناس، فقال: سر إلى أمير المؤمنين فأخبره بالذي عاينت وقل الحق؛ فإنك لا تقول غير الحقّ إن شاء الله، وخذ من بيت المال حاجتك. قالوا: إذاً لا يأخذ شيئاً، قال: أعطه من المال كذا وكذا، ومن الكسوة كذا وكذا، وجهزه. فسار فقدم على هشام بن عبد الملك وهو والأبرش جالسان، فسأله فقال: غزونا الختل، فأصبنا أمراً عظيماً، وأنذر أسد بالترك فلم نحفل بهم حتى لحقوا واستنقذوا من غنائمنا، واستباحوا بعض عسكرنا، ثم دفعونا دفعة قريباً من خلم، فانتهى الناس إلى مشاتيهم، ثم جاءنا مسير خاقان إلى الجوزجان، ونحن قريبو العهد بالعدوّ؛ فسار بنا حتى التقينا برستاق بيننا وبين أرض الجوزجان، فقاتلناهم وقد حازوا ذراريّ من ذراريّ المسلمين، فحملوا على ميسرتنا فكشفوهم. ثم حملت ميمنتنا عليهم، فأعطانا الله عليهم الظّفر، وتبعناهم فراسخ حتى استبحنا عسكر خاقان؛ فأجلي عنه - وهشام متكىء فاستوى جالساً عند ذكره عسرك خاقان - فقال ثلاثاً: أنتم استبحتم عسكر خاقان! قال: نعم، قال: ثمّ ماذا؟ قال: دخلوا الختل وانصرفوا. قال هشام: إن أسداً لعضيف، قال: مهلاً يا أمير المؤمنين؛ ما أسدٌ بضعيف وما أطاق فوق ما صنع، فقال له هشام: حاجتك؟ قال: إن يزيد بن المهلب أخذ من أبي حيّان مائة ألف درهم بغير حقّ؛ فقال له هشام: لا أكلفك شاهداً، احلف بالله إنه كما قلت، فحلف، فردّها عليه من بيت مال خراسان؛ وكتب إلى خالد أن يكتب إلى أسد فيها؛ فكتب إليه، فأعطاه أسد مائة ألف درهم، فقسمها بين ورثة حيّان على كتاب الله وفرائضه. ويقال: بل كتب إلى أسد أن يستخبر عن ذلك، فإن كان ما ذكر حقاً أعطى مائة ألف درهم. وكان الذي جاء بفتح خراسان إلى مرو عبد السلام بن الأشهب بن عتبة الحنظليّ. قال: فأوفد أسد إلى خالد بن عبد الله وفداً في هزيمته يوم سان، ومعهم طوقات خاقان ورءوس من قتلوا منهم، فأوفدهم خالد إلى هشام، فأحلفهم أنهم صدقوا، فحلفوا، فوصلهم، فقال أبو الهنديّ الأسديّ لأسد يذكر وقعة سان: أبا منذر رمت الأمور فقستها ... وساءلت عنها كالحريص المساوم فما كان ذو رأي من الناس قسته ... برأيك إلا مثل رأي البهائم أبا منذر لولا مسيرك لم يكن ... عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم ولا حج بيت الله مذ حج راكبولا عمر البطحاء بعد المواسم فكم من قتيل بين سان وجزة ... كثير الأيادي من ملوك قماقم تركت بأرض الجوزجان تزوره ... سباع وعقبان لحز الغلاصم وذي سوقة فيه من السيف خطة ... به رمق حامت عليه الحوائم فمن هارب منا ومن دائن لنا ... أسير يقاسي مبهمات الأداهم فدتك نفوس من تميم وعامر ... ومن مضر الحمراء عند المآزم هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت ... جلائبه ترجو احتواء المغانم قال: وكان السبل أوصى عند موته ابنّ السائجيّ حين استخلفه بثلاث خصال، فقال: لا تستطل على أهل الختل استطالتي التي كانت عليهم؛ فإني ملك ولست بملك؛ إنما أنت رجل منهم، فلا يحتملون لك ما يحتلمون للملوك، ولا تدع أن تطلب الجيش حتى تردّه إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي والملوك هم النظام، والناس ما لم يكن لهم نظام طغام، ولا تحاربوا العرب واحتالوا لهم كلّ حيلة تدفعونهم بها عن أنفسكم ما قدرتم. فقال له ابن السائجيّ: أما ما ذكرت من تركي الاستطالة على أهل الختل فإني قد عرفت ذلك، وأما ما أوصيت من ردّ الجيش فقد صدق الملك، وأما قولك: لا تحاربوا العرب، فكيف تنهى عن حربهم، وقد كنت أكثر الملوك لهم محاربة! قال: قد أحسنت إذ سألت عما لا تعلم؛ إني قد جرّبت قوّتكم بقوّتي، فلم أجدكم تقعون مني موقعاً، فكنت إذا حاربتهم لم أفلت منهم إلا جريضاً، وإنكم إن حاربتموهم هلكتم في أول محاربتكم إياهم. قال وكان الجيش، قد هرب إلى الصين، وابن السائجي الذي أخبر أسد بن عبد الله بمسير خاقان إليه، فكره محاربة أسد. ذكر الخبر عن مقتل المغيرة بن سعيد ونفر معهوفي هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في نفر، فأخذهم خالد فقتلهم. ذكر الخبر عن مقتلهم: أما المغيرة بن سعيد، فإنه كان - فيما ذكر - ساحراً. حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا جرير، عن الأعمش، قال: سمعت المغيرة بن سعيد، يقول: لو أردت أن أحيي عاداً أو ثموداً وقروناً بين ذلك كثيراً لأحييتهم. قال الأعمش: وكان المغيرة يخرج إلى المقبرة فيتكلم، فيرى مثل الجراد على القبور؛ أو نحو هذا من الكلام. وذكر أبو نعيم، عن النّضر بن محمد، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قدم علينا رجل من أهل البصرة يطلب العلم؛ فكان عندنا، فأمرتُ جاريتي يوماً أن تشتري لي سمكاً بدرههمين، ثم انطلقت أنا والبصريّ إلى المغيرة بن سعيد، فقال لي: يا محمد، أتحب أن أخبرك، لم افترق حاجباك؟ قلت: لا، قال أفتحبّ أن أخبرك لم سماك أهلك محمداً؟ قلت: لا، قال: أما إنك قد بعثت خادمك يشتري لك سمكاً بدرهمين. قال: فنهضنا عنه. قال أبو نعيم: وكان المغيرة قد نظر في السحر، فأخذه خالد القسريّ فقتله وصلبه. وذكر أبو زيد أن أبا بكر بن حفص الزهريّ، قال: أخبرني محمد بن عقيل، عن سعيد بن مرادابند، مولى عمرو بن حريث، قال: رأيت خالداً حين أتى بالمغيرة وبيان في ستة رهط أو سبعة، أمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأمر بأطنان قصب ونفط فأحضرا، ثم أمر المغيرة أن يتناول طناً فكع عنه وتأنّى، فصبت السياط على رأسه، فتناول طناً فاحتضنه، فشد عليه، ثم صب عليه وعلى الطن نفط، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا، ثم أمر الرهط ففعلوا، ثم أمر بياناً آخرهم فقدم إلى الطنّ مبادراً فاحتضنه، فقال خالد: ويلكم! في كل أمر تحمقون، هلا رأيتم هذا المغيرة! ثم أحرقه. قال أبو زيد: لما قتل خالد المغيرة وبياناً أرسل إلى مالك بن أعين الجهنيّ فسأله فصدّقه عن نفسه، فأطلقه، فلما خلا مالك بمن يثق به - وكان فيهم أبو مسلم صاحب خراسان - قال: ضربت له بين الطريقين لا حباً ... وطنت عليه الشمس فيمن يطينها وألقيته في شبهة حين سالني ... كما اشتبها في الخط سين وشينها فقال أبو مسلم حين ظهر أمره: لو وجدته لقتلته بإقراره على نفسه. قال أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: خرج المغبرة بن سعيد في سبعة نفر، وكانوا يدعون الوصفاء، وكان خروجهم بظهر الكوفة، فأخبر خالد القسريّ بخروجهم وهو على المنبر، فقال: أطعموني ماء، فنعى ذلك عليه ابن نوفل، فقال: أخالد لا جزاك الله خيراً ... وأير في حرامك من أمير تمنى الفخر في قيس وقسر ... كأنك من سراة بني جرير وأمك علجة وأبوك وغد ... وما الأذناب عدلاً للصدور جرير من ذوي يمن أصيل ... كريم الأصل ذو خطر كبير وأنت زعمت أنك من يزيد ... وقد أدحقتم دحق العبور وكنت لدى المغيرة عبد سوء ... تبول من المخافة للزئير وقلت لما أصابك: أطعموني ... شراباً ثم بلت على السرير لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ليس بذي نصير خبر مقتل بهلول بن بشروفي هذه السنة حكّم بهلول بن بشر الملقب كثارة فقتل ذكر الخبر عن مخرجه ومقتله ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن بهلولاً كان يتألّه، وكان له قوت دانق، وكان مشهوراً بالبأس عند هشام بن عبد الملك، فخرج يريد الحج، فأمر غلامه أن يبتاع له خلاً بدرهم، فجاءه غلامه بخمر، فأمر بردّها وأخذ الدراهم، فلم يجب إلى ذلك، فجاءه غلامه بخمر، فأمر بردّها وأخذ الدراهم، فلم يجب إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية - وهي من السواد - فكلّمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قومك؛ فمضى بهلول في حجّه حتى فرغ منه، وعزم على الخروج على السلطان، فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، فاتعدعوا قرية من قرى الموصل، فاجتمع بها أربعون رجلاً، وأمّروا عليهم البهلول، وأجمعوا على ألاّ يمرّوا بأحد إلا أخبروه أنّهم أقبلوا من عند هشام على بعض الأعمال، ووجّههم إلى خالد لينفذهم في أعمالهم، فجعلوا لا يمرّون بعامل إلا أخبروه بذلك. وأخذوا دوابّ من دوابّ البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي كان ابتاع فيها الغلام الخلّ فأعطى خمراً، قال بهلول: نبدأ بهذا العامل الذي قال ما قال؛ فقال له أصحابه: نحن نريد قتل خالد؛ فإن بدأنا بهذا شهرنا وحذرنا خالد وغيره؛ فننشدك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالد الذي يهدم المساجد؛ ويبني البيع والكنائس، ويولى المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات؛ لعلنا نقتله فيريح الله منه. قال: والله لا أدع ما يلزمني لما بعده؛ وأرجو أن أقتل هذا الذي قال لي ما قال وأدرك خالداً فأقتله؛ وإن تركت هذا وأتيت خالداً شهر أمرنا فأفلت هذا، وقد قال الله عز وجل: " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة " ، قالوا: أنت ورأيك. فأتاه فقتله، فنذر بهم الناس وعلموا أنهم خوارج، وابتدروا إلى الطريق هراباً، وخرجت البرد إلى خالد فأخبروه أن خارجة قد خرجت؛ وهم لا يدرون حينئذ من رئيسهم. فخرج خالد من واسط حتى أتى الحيرة وهو حينئذ في الحلق، وقد قدم في تلك الأيام قائد من أهل الشأم من بني القين في جيش قد وجهوا مدداً لعامل خالد على الهند، فنزلوا الحيرة، فلذلك قصدها خالد، فدعا رئيسهم فقال: قاتل هؤلاء المارقة؛ فإنّ من قتل منهم رجلاً أعطيته عطاء سوى ما قبض بالشأم، وأعفيته من الخروج إلى أرض الهند - وكان الخروج إلى أرض الهند شاقاً عليهم - فسارعوا إلى ذلك، فقالوا: نقتل هؤلاء النفر ونرجع إلى بلادنا. فتوجه القيني إليهم في ستمائة، وضمّ إليهم خالد مائتين من شرط الكوفة، فالتقوا على الفرات، فعبّأ القيني أصحابه، وعزل شرط الكوفة، فقال: لا تكونوا معنا - وإنما يريد في نفسه أن يخلو هو وأصحابه بالقوم فيكون الظفر لهم دون غيرهم لما وعدهم خالد - وخرج إليهم بهلول، فسأل عن رئيسهم حتى عرف مكانه، ثم تنكر له، ومعه لواء أسود، فحمل عليه فطعنه في فرج درعه؛ فأنفذه. فقال: قتلتني قتلك الله! فقال بهلول: إلى النار أبعدك الله. وولّى أهل الشأم مع شرط أهل الكوفة منهزمين حتى بلغوا باب الكوفة، وبهلول وأصحابه يقتلونهم. فأما الشاميون فإنهم كانوا على خيل جياد ففاتوه؛ وأما شرط الكوفة فإنه لحقهم، فقالوا: اتق الله فينا فإنا مكرهون مقهورون؛ فجعل يقرع رءوسهم بالرمح، ويقول: الحقوا! النّجاء النّجاء! ووجد البهلول مع القينيّ بدرة فأخذها. وكان بالكوفة ستة نفر يرون رأي البهلول، فخرجوا إليه يريدون اللحاق به فقتلوا، وخرج إليهم البهلول وحمل البدرة بين يديه، فقال: من قتل هؤلاء النفر حتى أعطيه هذه الدراهم؟ فجعل هذا يقول: أنا، وهذا يقول: أنا؛ حتى عرفهم؛ وهم يرون أنه من قبل خالد جاء ليعطيهم مالاً لقتلهم من قتلوا. فقال بهلول لأهل القرية: أصدق هؤلاء، هم قتلوا النفر؟ قالوا: نعم؛ وخشي بهلول أنهم ادّعوا ذلك طمعاً في المال، فقال لأهل القرية: انصرفوا أنتم؛ وأمر بأولئك فقتلوا، وعاب عليه أصحابه فحاجّهم، فأقرّوا له بالحجّة. وبلغت هزيمة القوم خالداً وخبر من قتل من أهل صريفين، فوجّه قائداً من بني شيبان أحد بني حوشب بن يزيد بن رويم؛ فلقيهم فيما بين الموصل والكوفة، فشدّ عليهم البهلول، فقال: نشدتك بالرحم! فإني جانح مستجير! فكفّ عنه؛ وانهزم أصحابه، فأتوا خالداً وهو مقيم بالحيرة ينتظر، فلم يرعه إلا الفلّ قد هجم عليه؛ فارتحل البهلول من يومه يريد الموصل؛ فخافه عامل الموصل، فكتب إلى هشام: إنّ خارجة خرجت فعاثت وأفسدت؛ وأنه لا يأمن على ناحيته، ويسأله جنداً يقاتلهم به؛ فكتب إليه هشام: وجّه إليهم كثارة بن بشر - وكان هشام لا يعرف البهلول إلا بلقبه - فكتب إليه العامل: إن الخارج هو كثارة. قال: ثم قال البهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئاً - يعني خالداً - وما خرجت إلا لله، فلم لا نطلب الرأس الذي يسلط خالداً وذوي خالد! فتوجّه يريد هشاماً بالشام، فخاف عمال هشام موجدته إن تركوه يجوز بلادهم حتى ينتهي إلى الشأم، فجند له خالد جنداً من أهل العراق، وجنّد له عامل الجزيرة جنداً من أهل الجزيرة، ووجه إليه هشام جنداً من أهل الشأم؛ فاجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول حتى انتهى إليهم - ويقال: التقوا بالكحيل دون الموصل - فأقبل بهلول، فنزل على باب الدير، فقالوا له: تزحزح عن باب الدير حتى نخرج إليك، فتنحّى وخرجوا؛ فلما رأى كثرتهم وهو في سبعين جعل من أصحابه ميمنة وميسرة، ثم أقبل عليهم فقال: أكلّكم يرجو أن يقتلنا ثم يأتي بلده وأهله سالماً؟ قالوا: إنا نرجو ذلك إن شاء الله، فشدّ على رجل منهم فقتله، فقال: أما هذا فلا يأتي أهله أبداً؛ فلم يزل ذلك ديدنه حتى قتل منهم ستة نفر؛ فانهزموا، فدخلوا الديّر فحاصرهم، وجاءتهم الأمداد فكانوا عشرين ألفاً، فقال له أصحابه: ألا نعقر دوابّنا، ثم نشدّ عليهم شدة واحدة؟ فقال: لا تفعلوا حتى نبلي الله عذراً ما استمسكنا على دوابّنا، فقاتلوهم يومهم ذلك كله إلى جنح العصر حتى أكثروا فيهم القتل والجراح. ثم إن بهلولا وأصحابه عقروا دوابّهم وترجّلوا، وأصلتوا لهم السيوف، فأوجعوا فيهم؛ فقتل عامة أصحاب بُهلول وهو يقاتل ويذود عن أصحابه، وحمل عليه رجل من جديلة قيس يكنى أبا الموت، فطعنه فصرعه، فوافاه من بقي من أصحابه، فقالوا له: ولّ أمرنا من بعدك من يقوم به، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيبانيّ، فإن هلك دعامة فأمير المؤمنين عمرو اليشكري، وكان أبو الموت إنما ختل البهلول. ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاّهم، فقال رجل من شعرائهم: لبئس أمير المؤمنين دعامة ... دعامة في الهيجاء شر الدعائم وقال الضحاك بن قيس يرثي بهلولاً، ويذكر أصحابه: بدلت بعد أبي بشر وصحبته ... قوماً عليّ مع الأحزاب أعواناً كأنهم لم يكونوا من صحابتنا ... ولم يكونوا لنا بالأمس خلاناً يا عين أذري دموعاً منك تهتانا ... وابكى لنا صحبةً بانوا وإخوانا خلّوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا قال أبو عبيدة: لما قتل بهلول خرج عمرو اليشكريّ فلم يلبث أن قتل. ثم خرج العنزي صاحب الأشهب - وبهذا كان يعرف - على خالد في ستّين، فوجّه إليه خالد السمط بن مسلم البجليّ في أربعة آلاف، فالتقوا بناحية الفرات. فشدّ العنزيّ على السّمط، فضربه بين أصابعه فألقى سيفه، وشلّت يده. وحمل عليهم فانهزمت الحروريّة فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم، فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم. قال أبو عبيدة: ثم خرج وزير السختيانيّ على خالد في نفر؛ وكان مخرجه بالحيرة، فجعل لا يمرّ بقرية إلا أحرقها، ولا أحد إلا قتله؛ وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجّه إليه خالد قائداً من أصحابه وشرطاً من شرط الكوفة، فقاتلوه وهو في نفير؛ فقاتل حتى قتل عامة أصحابه، وأثخن بالجراح؛ فأخذ مؤتثاً، فأتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، وتلا عليه آيات من القرآن. فأعجب خالداً ما سمع منه، فأمسك عن قتله وحبسه عنده، وكان لا يزال يبعث إليه في الليالي فيؤتى به فيحادثه ويسائله، فبلغ ذلك هشاماً وسعي به إليه، وقيل: أخذ حرورياً قد قتل وحرق وأباح الأموال، فاستبقاه فاتّخذه سميراً. فغضب هشام، وكتب إلى خالد يشتمه، ويقول: لا تستبق فاسقاً قتل وحرق، وأباح الأموال؛ فكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت لما كان يسمع من بيانه وفصاحته. فكتب فيه إلى هشام يرقق من أمره - ويقال: بل لم يكتب ولكنه كان يؤخّر أمره ويدفع عنه - حتى كتب إليه هشام يؤنبه ويأمره بقتله وإحراقه؛ فلما جاءه أمر عزيمة لا يستطيع دفعه بعث إليه وإلى نفر من أصحابه كانوا أخذوا معه؛ فأمر بهم فأدخلوا المسجد، وأدخلت أطنان القصب فشدّوا فيها، ثم صبّ عليهم النفط، ثم أخرجوا فنصبوا في الرّحبة. ورموا بالنّيران؛ فما منهم أحد إلا من اضطرب وأظهر جزعاً، إلا وزيراً فإنه لم يتحرك، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات. وفي هذه السنة غزا أسد بن عبد الله الختل. وفيها قتل أسد بدرطرخان ملك الختل. ذكر الخبر عن غزوة أسدالختل هذه الغزوة وسبب قتله بدرطرخان ذكر عليّ بن محمد عن أشياخه الذين ذكرناهم قبل أنهم قالوا: غزا أسد ابن عبد الله الختل وهي غزوة بدرطرخان، فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها، فلم يزل مصعب يسير حتى نزل بقرب بدرطرخان؛ فطلب الأمان على أن يخرج إلى أسد. فأجابه مصعب، فخرج إلى أسد فطلب منه أشياء فامتنع، ثم سأله بدرطرخان أن يقبل منه ألف ألف درهم، فقال له أسد: إنك رجل غريب من أهل الباميان، اخرج من الختل كما دخلتها. فقال له بدرطرخان: دخلت أنت خراسان على عشرة من المحذفة، ولو خرجت منها اليوم لم تستقلّ على خمسمائة بعير؛ وغير ذلك أني دخلت الختل بشيء فاردده عليّ حتى أخرج منها كما دخلتها. قال: وما ذاك؟ قال: دخلتها شاباً فكسبت المال بالسيف، ورزق الله أهلاً وولداً، فاردد عليّ شبابي حتى أخرج منها؛ هل ترى أن أخرج من أهلي وولدي! فما بقائي بعد أهلي وولدي! فغضب أسد. قال: وكان بدرطرخان يثق بالأمان، فقال له أسد: أختم في عنقك؛ فإني أخاف عليك معرّة الجند، قال: لست أريد ذلك؛ وأنا أكتفي من قبلك برجل يبلغ بي مصعباً. فأبى أسد إلاّ أن يختم في عنقه، فختم في رقبته ودفعه إلى أبي الأسد مولاه، فسار به أبو الأسد، فانتهى إلى عسكر المصعب عند المساء. وكان سلمة بن أبي عبد الله في الموالي مع مصعب، فوافى أبو الأسد سلمة، وهو يضع الدرّاجة في موضعها، فقال سلمة لأبي الأسد: ما صنع الأمير في أمر بدرطرخان؟ فقصّ الذي عرض عليه بدرطرخان وإباء أسد ذلك، وسرحه معه إلى المصعب ليدخله الحصن. فقال سلمة: إن الأمير لم يصب فيما صنع، وسينظر في ذلك ويندم؛ إنما كان ينبغي له أن يقبض ما عرض عليه أو يحبسه فلا يدخله حصنه؛ فإنا إنما دخلناه بقناطر اتّخذناها، ومضايق أصلحناها؛ وكان يمنعه أن يغير علينا رجاء الصلح؛ فأما إذ يئس من الصلح فإنه لا يدع الجهد. فدعه الليلة في قبّتي؛ ولا تنطلق به إلى مصعب؛ فإنه ساعة ينظر إليه يدخله حصنه. قال: فأقام أبو الأسد وبدرطرخان معه في قبّة سلمة، وأقبل أسد بالناس في طريق ضيّق، فتقطّع الجند، ومضى أسد حتى انتهى إلى نهر وقد عطش - ولم يكن أحد من خدمه - فاستسقى؛ وكان السغديّ بن عبد الرحمن أبو طعمة الجرميّ معه شاكريّ له، ومع الشاكريّ قرن تبتي؛ فأخذ السغديّ القرن؛ فجعل فيه سويقاً، وصبّ عليه ماء من النهر، وحركه وسقى أسداً وقوماً من رؤساء الجند، فنزل أسد في ظلّ شجرة، ودعا برجل من الحرس، فوضع رأسه في فخذه، وجاء المجشّر بن مزاحم السلميّ يقود فرسه حتى قعد تجاهه حيث ينظر أسداً، فقال أسد: كيف أنت يا أبا العدبسّ؟ قال: كنت أمس أحسن حالاً منّي اليوم، قال: وكيف ذاك؟ قال: كان بدرطرخان في أيدينا وعرض ما عرض؛ فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شدّ يده عليه؛ لكنه خلّى سبيله؛ وأمر بإدخاله حصنه لما عنده - زعم - من الوفاء. فندم أسد عند ذلك، ودعا بدليل من أهل الختّل ورجل من أهل الشأم نافذ، فاره الفرس فأتى بهما، فقال للشاميّ: إن أنت أدركت بدرطرخان قبل أن يدخل حصنه فلك ألف درهم، فتوجّها حتى انتهيا إلى عسكر مصعب؛ فنادى الشأميّ: ما فعل العلج؟ قيل: عند سلمة، وانصرف الدّليل إلى أسد بالخبر، وأقام الشاميّ مع بدرطرخان في قبة سلمة، وبعث أسد إلى بدرطرخان فحوّله إليه فشتمه، فعرف بدرطرخان أنه قد نقض عهده، فرفع حصاة فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد الله؛ وأخذ أخرى فرمى بها إلى السماء، وقال: هذا عهد محمد صلى الله عليه، وأخذ يصنع كذلك بعهد أمير المؤمنين وعهد المسلمين؛ فأمر أسد بقطع يده، وقال أسد: من هاهنا من أولياء أبي فديك؟ رجل من الأزد قتله بدرطرخان ، فقام رجل من الأزد فقال: أنا، قال: اضرب عنقه؛ ففعل. وغلب أسد على القلعة العظمى، وبقيت قلعة فوقها صغيرة فيها ولده وأمواله، فلم يوصل إليهم، وفرق أسد الخيل في أودية الختل. قال: وقدم أسد مرو، وعليها أيوب بن أبي حسان التميمي. فعزله واستعمل خالد بن شديد، ابن عمه. فلما شخص إلى بلخ بلغه أنّ عمارة بن حريم تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فكتب إلى خالد بن شديد احمل عمارة على طلاق ابنة يزيد؛ فإن أبي فاضربه مائة سوط؛ فبعث إليه فأتاه وعنده العذافر بن زيد التميميّ، فأمره بطلاقها، ففعل بعد إباء منه؛ وقال عذافر: عمارةوالله فتى قيس وسيّدها، وما بهاعليه أبّهة؛ أي ليست بأشراف منه. فتوفّي خالد بن شديد، واستخلف الأشعث بن جعفر البجلي. ظهور الصحارى بن شبيب الخارجيّ وفيها شرى الصحارىّ بن شبيب، وحكم بجبل. ذكر خبره ذكر عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن الصحاريّ بن شبيب أتى خالداً يسأله الفريضة، فقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة! فودّعه ابن شبيب، ومضى، وندم خالد وخالف أن يفتق عليه فتقاً، فأرسل إليه يدعوه، فقال: أنا كنت عنده آنفاً؛ فأبوا أن يدعوه، فشدّ عليهم بسيفه، فتركوه فركب وسار حتى جاوز واسطاً، ثم عقر فرسه وركب زورقاً ليخفي مكانه، ثم قصد إلى نفر من بني تيم اللات بن ثعلبة، كانوا بجبل، فأتاهم متقلداً سيفاً فأخبرهم خبره وخبر خالد، فقالوا له: وما كنت ترجو بالفريضة! كنت لأن تخرج إلى ابن النصرانية فتضربه بسيفك أحرى. فقال: إني والله ما أردت الفريضة، وما أردت إلا التوصّل إليه لئلا ينكرني، ثم أقتل ابن النصرانيّة غيلة بقتله فلاناً - وكان خالد قبل ذلك قد قتل رجلاً من قعدة الصفرية صبراً - ثم دعاهم الصحاريّ إلى الوثوب معه فأجابه بعضهم، وقال بعضهم: ننتظر؛ وأبى بعضهم وقالوا: نحن في عافية، فلما رأى ذلك قال: لم أرد منه الفريضة إلا ... طمعاً في قتله أن أنالا فأريح الأرض منه وممن ... عاث فيها وعن الحق مالا كل جبار عنيد أراه ... ترك الحق وسن الضلالا إنني شارٍ بنفسي لربيّ ... تارك قيلا لديهم وقالا بائع أهلي ومالي أرجو في جنان الخلد أهلاً ومالا قال: فبايعه نحو من ثلاثين، فشرى بجبل، ثم سار حتى أتى المبارك. فبلغ ذلك خالداً، فقال. قد كنت خفتها منه. ثم وجه إليه خالد جنداً، فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالاً شديداً، ثم انطووا عليه فقتلوه وقتلوا جميع أصحابه. قال أبو جعفر: وحجّ بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحجّ معه ابن شهاب الزهريّ في هذه السنة. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام، وعلى العراق والمشرق خالد بن عبد الله القسريّ، وعامل خالد علىخراسان أخوه أسد بن عبد الله. وقد قيل: إن أخا خالد أسداً هلك في هذه السنة، واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهرانيّ. وقيل: إن أسداً أخا خالد بن عبد الله إنّما هلك في سنة عشرين ومائة. وكان على أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد. ثم دخلت سنة عشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة وافتتاحه - فيما ذكر - سندرة، وغزوة إسحاق بن مسلم العقيليّ وافتتاحه قلاع تومانشاه وتخريبه أرضه، وغزوة مروان بن محمد أرض الترك. خبر وفاة أسد بن عبد الله القسريّ وفيها كانت وفاة أسد بن عبد الله في قول المدائنيّ. ذكرالخبر عن سبب وفاته وكان سبب ذلك أنه كانت به - فيما ذكر - دبيلة في جوفه؛ فحضر المهرجان وهو ببلخ، فقدم عليه الأمراء والدهاقين؛ فكان ممن قدم عليه إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفيّ عامله على هراة وخراسان، ودهقان هراة؛ فقدما بهدية قومت بألف ألف؛ فكان فيما قدما به قصران: قصر منفضة وقصرمن ذهب، وأباريق من ذهب وأباريق من فضة وصحاف من ذهب وفضة، فأقبلا وأسد جالس على السرير، وأشاراف خراسان على الكراسيّ،فوضعا القصرين؛ ثم وضعا خلفهما الأباريق والصحاف والديباج المرويّ والقوهيّ والهرويّ وغير ذلك؛ حتى امتلأ السماط؛ وكان فيما جاء به الدّهقان أسداً كرة من ذهب؛ ثم قام الدهقان خطيباً، فقال: أصلح الله الأمير! إنا معشر العجم؛ أكلنا الدنيا أربعمائة سنة؛ أكلناها بالحلم والعقل والوقار؛ ليس فينا كتاب ناطق، ولا نبيّ مرسل؛ وكانت الرجال عندنا ثلاثة: ميمون النقيبة أينما توجه فتح الله على يده، والذي يليه رجل تمت مروته في بيته فإن كان كذلك رجيَ وعظم، وقود وقدم؛ ورجل رحب صدره، وبسط يده فرجي؛ فإذا كان كذلك قود وقدم؛ وإن الله جعل صفات هؤلاء الثلاثة الذين أكلنا الدنيا بهم أربعمائة سنة فيك أيها الأمير؛ وما نعلم أحداً هو أتم كتخدانية منك؛ إنك ضبطت أهل بيتك وحشمك ومواليك؛ فليس منهم أحد يستطيع أن يتعدّى على صغير ولا كبير، ولا غني ولا فقير، فهذا تمام الكتخدانية، ثم بنيت الإيوانات في المفاوز؛ فيجيء الجائي من المشرق والآخر من المغرب؛ فلا يجدان عيباً إلا أن يقولا: سبحان الله ما أحسن ما بني! ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مائة ألف، معه الحارث ابن سريج فهزمته وفللته، وقتلت أصحابه، وأبحت عسكره. وأما رحب صدرك وبسط يدك، فإنّا ما ندري أيّ المالين أقرّ لعينك؟ أمالٌ قدم عليك، أم مال خرج من عندك! بل أنت بما خرج أقرّ عيناً. فضحك أسد، وقال: أنت خير دهاقين خراسان وأحسنهم هديّة. وناوله تفاحة كانت في يده؛ وسجد له دهقات هراة، وأطرق أسد ينظر إلى تلك الهدايا؛ فنظر عن يمينه، فقال: يا عذافر بن يزيد، مر من يحمل هذا القصر الذهب، ثم قال: يا معن بن أحمر رأس قيس - أو قال قنسرين - مر بهذا القصر يحمل، ثم قال: يا فلان خذ إبريقاً، ويا فلان خذ إبريقاً، وأعطى الصحاف حتى بقيت صحفتان، فقال: قم يا بن الصيداء، فخذ صحيفة، قال: فأخذ واحدة فرزنها فوضعها، ثم أخذ الأخرى فرزنها، فقال له أسد: مالك؟ قال: آخذ أرزنهما، قال: خذهما جميعاً؛ وأعطى العرفاء وأصحاب البلاء؛ فقام أبو اليعفور - وكان يسير أمام صاحب خراسان في المغازي - فنادى: هلم إلى الطريق، فقال أسد: ما أحسن ما ذكرت بنفسك! خذ ديباجتين، وقام ميمون العذاب فقال: إليّ، إلى يساركم، إلى الجادة؛ فقال: ما أحسن ما ذكرت نفسك! خذ ديباجة، قال: فأعطى ما كان في السمّاط كلّه، فقال نهر بن توسعة: تقلون إن نادي لروعٍ مثوب ... وأنتم غداة المهرجان كثير ثم مرض أسد، فأفاق إفاقة فخرج يوماً، فأتى بكمثرى أول ما جاء، فأطعم الناس منه واحدة واحدة؛ وأخذ كمثراة فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدبيلة، فهلك. واستخلف جعفراً البهرانيّ، وهو جعفر بن حنظلة سنة عشرين ومائة فعمل أربعة أشهر، وجاء عهد نصر بن سيّار في رجب سنة إحدى وعشرين ومائة، فقال ابن عرس العبديّ: نعى أسد بن عبد الله ناع ... فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسرى ... وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحاً ... ألم يحزنك تفريق الجماع! أتاه حمامه في جوف صيغ ... وكم بالصيغ من بطل شجاع! كتائب قد يجيبون المنادي ... على جرد مسومة سراع سقيت الغيث إنك كنت غيثاً ... مريعاً عند مرتاد النجاع وقال سليمان بن قتة مولى بني تيم بن مرة - وكان صديقاً لأسد: سقى الله بلخاً، سهل بلخ وحزنها ... ومروى خراسان السحاب المجمعا وما بي لتسقاه ولكن حرفة ... بها غيبوا شلواً كريماً وأعظما مراجم أقوام ومردى عظيمة ... وطلاب أوتار عفرناً عثمثما لقد كان يعطى السيف في الروع حقه ... ويروى السنان الزاغبي المقوما أمر شيعة بنى العباس بخراسان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة وجّهت شيعة بني العباس بخراسان إلى محمد بن عليّ بن العباس سليمان بن كثير ليعلمه أمرهم وما هم عليه. ذكر الخبر عن سبب توجيههم سليمان إلى محمد: وكان السبب في ذلك موجدة كانت من محمد بن عليّ على من كان بخراسان من شيعته من أجل طاعتهم، كانت لخداش الذي ذكرنا خبره قبل وقبولهم منه ما روى عليه من الكذب؛ فترك مكاتبتهم؛ فلما أبطأ عليهم كتابه، اجتمعوا فذكروا ذلك بينهم؛ فأجمعوا على الرِّضا بسليمان بن كثير ليلقاه بأمرهم، ويخبره عنهم، ويرجع إليهم بما يردّ عليه؛ فقدم - فيما ذكر - سليمان بن كثير على محمد بن عليّ وهو متنكر لمن بخرسان من شيعته، فأخبره عنهم، فعنفهم في إتّباعهم خداشاً وما كان دعا إليه، وقال: لعن الله خداشاً ومن كان على دينه! ثم صرف سليمان إلى خراسان، وكتب إليهم معه كتاباً، فقدم عليهم، ومعه الكتاب مختوماً، ففضوا خاتمه فلم يجدوا فيه شيئاً، إلا: بسم الله الرحمن الرحيم ، فلفظ ذلك عليهم وعلموا أن ما كان خداش أتاهم به لأمره مخالف. وفي هذه السنة وجّه محمد بن عليّ بكير بن ماهان إلى شيعته بخراسان بعد منصرف سليمان بن كثير من عنده إليهم، وكتب معه إليهم كتاباً يعلمهم أن خداشاً حمل شيعته على غير منهاجه. فقدم عليهم بكير بكتابه فلم يصدقوه واستخفوا به؛ فانصرف بكير إلى محمد بن عليّ ؛ فبعث معه بعصى مضببة بعضها بالحديد وبعضها بالشّبه؛ فقدم بها بكير وجمع النقباء والشيّعة، ودفع إلى كلّ رجل منهم عصاً، فعلموا أنهم مخالفون لسيرته، فرجعوا وتابوا. وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله عن أعماله التي كان ولاه إياها كلَّها. ذكر سبب عزل هشام خالداً: قد قيل في ذلك أقوال، نذكر ما حضرنا من ذلك ذكره؛ فمما قيل في ذلك: إن فروخ أبا المثنى كان قد تقبّل من ضياع هشام بن عبد الملك بموضوع يقال له رستاق الرّمان أو نهر الرّمان - وكان يدعي بذلك فروخ الرّمانيّ - فثقل مكانه على خالد، فقال خالد لحسان النبطيّ: ويحك! اخرج إلى أمير المؤمنين فزد على فرّوخ، فخرج فزاد عليه ألف ألف درهم؛ فبعث هشام رجلين من صلحاء أهل الشأم، فحازا الضياع، فصار حسان أثقل على خالد من فرّوخ؛ فجعل يضربه، فيقول له حسان: لا تفسدني وأنا صنيعتك! فأبى إلاّ الإضرار به، فلما قدم عليه بثق البثوق على الضّياع. ثم خرج إلى هشام، فقال: إن خالداً بثق البثوق على ضياعك. فوجّه هشام رجلاً، فنظر إليها ثم رجع إلى هشام فأخبره، فقال حسان لخادم من خدم هشام: إن تكلمت بكلمة أقولها لك حيث يسمع هشام، فلك عندي ألف دينار، قال: فجعّل لي الألف وأقول ما شئت، قال: فعجّلها له وقال له: بك صيبًّا من صبيان هشام؛ فإذا بكى فقل له: اسكت؛ والله لكأنك ابن خالد القسريّ الذي غلّته ثلاثة عشر ألف ألف. فسمعها هشام فأغضى عليها. ثم دخل عليه حسان بعد ذلك، فقال له هشام إدن مني فدنا منه، فقال: كم غلة خالد؟ ثلاثة عشر ألف ألف، قال: فكيف لم تخبرني بهذا! قال: وهل سألتني؟ فوقرت في نفس هشام، فأزمع على عزله. وقيل: كان خالد يقول لابنه يزيد: ما أنت بدون مسلمة بن هشام؛ فإنّك لتفخر على النناس بثلاث لا يفخر بمثلها أحدٌ: سكرت دجلة ولم يتكلف ذلك أحد، ولى سقايةٌ بمكة، ولي ولاية العراق. وقيل: إنما أغضب هشاماً على خالد أن رجلاً من قريش دخل على خالد فاستخف به وعضه بلسانه، فكتب إلى هشام يشكوه، فكتب هشام إلى خالد: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين - وإن كان أطلق لك يدك ورأيك فيمن استرعاك أمره، واستحفظك عليه، للّذي رجا من كفايتك، ووثق به من حسن تدبيرك - لم يفرشك غرة أهل بيته لتطأه بقدمك، ولا تحد إليه بصرك؛ فكيف بك وقد بسطت على غرتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ؛ تريد بذلك تصغير خطره، واحتقار قدره؛ زعمت بالنصفة منه حتى أخرجك ذلك إلى الإغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامة، غير متحلحل له حين رأيته مقبلاً من صدر مهادك الذي مهد له الله، وفي قومك من يعلوك بحسبه، ويغمرك بأوليته، فنلت مهادك بما رفع به آل عمرو من ضعتك خاصةً، مساوين بك فروع غرر القبائل وقرومها قبل أمير المؤمنين؛ حتى حللت هضبةً أصبحت تنحو بها عليهم متفخراً. هذا إن لم يدهده بك قلة شكرك متحطّماً وقيذاً. فهلاّ - يابن مجرشة قومك - أعظمت رجلهم عليك داخلاً، ووسعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلاً، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرماً، ثم فاوضته مقبلاً ببشرك، إكراماً لأمير المؤمنين، فإذا اطمأن به مجلسه نازعته بحييّ السرار، معظماً لقرابته، عارفاً لحقّه؛ فهو سن البيتين ونابهم، وابن شيخ آل أبي العاص وحرب وغرتهم. وبالله يقسم أمير المؤمنين لك لولا ما تقدم من حرمتك وما يكره من شماتة عدوك بك لوضع منك ما رفع؛ حتى يردّك إلى حال تفقد بها أهل الحوائج بعراقك، وتزاحم المواكب ببابك. وما أقربني من أن أجعلك تابعاً لمن كان لك تبعاً؛ فانهض على أيّ حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه، من ليل أو نهار، ماشياً على قدمك بمن معك من خولك حتى تقف على باب ابن عمرو صاغراً، مستأذناً عليه، متنصّلا إليه؛ أذن لك أو منعك؛ فإن حركته عواطف رحمة احتملك، وإن احتملته أنفة وحمية من دخولك عليك فقف ببابه حولا غير متحلحل ولا زائل؛ ثم أمرك بعد إليه؛ عزل أو ولىّ، انتصر أو عفا؛ فلعنك الله من متكل عليه بالثقة؛ ما أكثر هفواتك، وأقذع لأهل الشرف ألفاظك؛ التي لا تزال تبلغ أمير المؤمنين من إقدامك بها على من هو أولى بما أنت فيه من ولاية مصري العراق، وأقدم وأقوم. وقد كتب أمير المؤمنين إلى ابن عمّه بما كتب به إليك من إنكاره عليك، ليرى في العفو عنك والسخط عليك رأيه، مفوضاً ذلك إليه مبسوطة فيه يده، محموداً عند أمير المؤمنين على أيّهما آتى إليك موفقاً إن شاء الله تعالى. وكتب إلى ابن عمرو: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك ، وفيهم ما ذكرت من بسط خالد عليك لسانه في مجلس العامة محتقراً لقدرك، مستصغراً لقرابتك من أمير المؤمنين، وعواطف رحمه عليك وإمساكك عنه، تعظيماً لأمير المؤمنين وسلطانه، وتمسكاً بوثائق عصم طاعته، مع مؤلم ما تداخلك من قبائح ألفاظه وشرارة منطقه، وإكثابه عليك عند إطراقك عنه، مرويّاً فيما أطلق أمير المؤمنين من لسانه وأطال من عنانه، ورفع من ضعته، ونوّه من خموله؛ وكذلك أنتم آل سعيد في مثلها عند هذر الذنّابي وطائشة أحلامها، صمت من غير إفحام، بل بأحلام تخف بالجبال وزناً. وقد حمد أمير المؤمنين تعظيمك إياه، وتوقيرك سلطانه وشكره؛ وقد جعل أمر خالد إليك في عزلك إياه أو إقراره؛ فإن عزلته أمضى علك إياه. وإن أقررته فتلك منَّه لك عليه لا يشكرك أمير المؤمنين فيها. وقد كتب إليه أمير المؤمنين بما يطرد عنه سنة الهاجع عند وصوله إليه، يأمره بإتيانك راجلاً على أيّة حال صادفه كتاب أمير المؤمنين فيها، وألفاه رسوله الموجّه إليه من ليله أو نهاره حتى يقف ببابك؛ أذنت له أو حجته، أقررته أو عزلته، وتقدم أمير المؤمنين إلى رسوله في ضربه بين يديك على رأسه عشرين سوطاً إلا أن تكره أن يناله ذلك بسببك لحرمة خدمته؛ فأيّهما رأيت إمضاءه كان لأمير المؤمنين في برّك وعظم حرمتك وقرابتك وصلة رحمك موافقاً، وإليه حبيباً، فيما ينوي من قضاء حق آل أبي العاص وسعيد. فكاتب أمير المؤمنين فيما بدا لك مبتدئاً ومجيباً ومحادثاً وطالباً؛ ما عسى أن ينزل بك أهلك من أهل بيت أمير المؤمنين، من حوائجهم التي تعقد بهم الحشمة عن تناولها من قبله لبعد دارهم عنه، وقلة إمكان الخروج لإنزالها به؛ غير متحشم من أمير المؤمنين، ولا مستوحش من تكرارها عليه، على قدر قرابتهم وأديانهم وأنسابهم، مستمنحاً ومسترفداً، وطالباً مستزيداً تجد أمير المؤمنين إليك سريعاً بالبرّ لما يحاول من صلة قرابتهم، وقضاء حقوقهم، وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوي، وإليه يرغب في العون على قضاء حقّ قرابته، وعليه يتوكل، وبه بثق. والله وليّه ومولاه. والسلام. وقيل: إنّ خالداً كان كثيراً ما يذكرهشاماً، فيقول: ابن الحمقاء. وكانت أم هشام تستحمق، وقد ذكرنا خبرها قبل. وذكرنا أنه كتب إلى هشام كاتباً غاظه، فكتب إليه هشام: يابن أمّ خالد؛ قد بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف؛ فيابن اللخناء، كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفاً، وأنت من بجلية القليلة الذليلة! أما والله إني لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش؛ يشد يديك إلى عنقك. وذكر أن هشاماً كتب إليه: قد بلغني قولك: أنا خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز؛ ما أنا بأشرف الخمسة. أما والله لأردّنك إلى بغلتك وطيلسانك الفيروزيّ. وذكر أن هشاماً بلغه أنه يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين! فظهر الغضب في وجهه. وقيل: إن هشاماً قدم عليه رجل من أهل الشأم، فقال: إني سمعت خالداً ذكر أمير المؤمنين بما لا نتطلق به الشفتان؛ قال: قال: الأحول؟ قال: لا، بل قال أشدّ من ذلك، قال: فما هو؟ قال: لا أقوله أبداً، فلم يزل يبلغه عنه ما يكره حتى تغير له. وذكر أن دهقاناً دخل على خالد، فقال: أيّها الأمير، إن غلة ابنك قد زادت على عشرة آلاف ألف؛ ولا آمن أن بيلغ هذا أمير المؤمنين فيستكثره. وإن الناس يحبون جسدك، وأنا أحب جسدك وروحك؛ قال: إن أسد بن عبد الله قد كلمني بمثل هذا، فأنت أمرته؟ قال: نعم، قال: ويحك! دع ابني، فلربما طلب الدرهم فلم يقدر عليه. ثم عزل هشام - لما كثر عليه ما يتصل به عن خالد من الأمور التي كان يكرهها - على عزله؛ فلما عزم على ذلك أخفى ما قد عزم له عليه من أمره. ذكر الخبر عن عمل هشام في عزل خالدحين صحّ عزمه على عزله ذكر عمر أن عبيد بن جنّاد حدثّه أنه سمع أباه وبعض الكتبة يذكر أن هشاماً أخفى عزل خالد، وكتب إلى يوسف بخطّه - وهو على اليمن - أن يقبل في ثلاثين من أصحابه. فخرج يوسف حتى صار إلى الكوفة، فعرّس قريباً منها، وقد ختن طارق - خليفة خالد على الخراج - ولده؛ فأهدى له ألف عتيق وألف وصيف وألف وصيفة؛ سوى الأموال والثياب وغير ذلك؛ فمرّ العاس بيوسف وأصحابه، ويوسف يصلي ورائحة الطيب تنفح من ثيابه، فقال: ماأنتم؟ قالوا: سفار؛ قال فأين تريدون؟ قالوا بعض المواضع، فأتوا طارق وأصحابه، فقالوا: إنا رأينا قوماً أنكرناهم، والرأي أن نقتلهمم، فإن كانوا خوارج استرحنا منهم؛ وإن كانوا يريدونكم عرفتم ذلك فاستعددتم على أمرهم. فنهوهم عن قتلهم؛ فطافوا؛ فلما كان في السَّحر وقد انتقل يوسف وصار إلى دور ثقيف، فمرّ بهم العاسّ، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: سفّار قال فأين تريدون؟ قالوا بعض المواضع، فأتوا طارقاً وأصحابه، فقالوا: قد صاروا إلى دور ثقيف والرأي أن نقتلهم، فمنعوهم وأمر يوسف بعض الثقفييّن، فقال: اجمع لي من بها من مضر ففعل، فدخل المسجدمع الفجر، فأمر المؤذّن بالإقامة، فقال: حتى يأتي الإمام؛ فانتهره فأقام، وتقدّم يوسف فقرأ: " إذا وقعت الواقعة " ، و " سأل سائل " ، ثم أرسل إلى خالد وطارق وأصحابهما، فأخذوا وإنّ القدور لتغلي. قال عمر: قال عليّ بن محمد، قال: قال الربيع بن سابور مولى بني الحريش - وكان هشام جعل إليه الخاتم مع الحرس: أتى هشاماً كتاب خالد فغاظه، وقدم عليه في ذلك اليوم جندب مولى يوسف بن عمر بكتاب يوسف، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة بن عبد الملك: أجبه عن لسانك، وكتب هو بخطّه كتاباً صغيراً، ثم قال لي: ائتني بكتاب سالم - وكان سالم على الديوان - فأتيته به، فأدرج فيه الكتاب الصغّير، ثم قال لي: اختمه ففعلت، ثم دعا برسول يوسف، فقال: إن صاحبك لمتعدٍّ طوره، ويسأل فوق قدره؛ ثم قال لي مزق ثيابه. ثم أمر به فضرب أسواطاً، فقال: أخرجه عني وادفع إليه كتابه. فدفعت إليه الكتاب، وقلت له: ويلك! النجاء! فارتاب بشير بن أبي ثلجة من أهل الأردنّ، وكان خليفة سالم وقال: هذه حيلة؛ وقد ولّى يوسف العراق؛ فكتب إلى عامل لسالم على أجمة سالم، يقال له عياض: إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوّب اليمانيّ؛ فإذا أتاك فالبسه واحمد الله، وأعلم ذلك طارقاً. فبعث عياض إلى طارق بن أبي زياد بالكتاب، وندم بشير على كتابه، وكتب إلى عياض: إن أهلك قد بادا لهم في إمساك الثوب فلا تتكل عليه؛ فجاء عياض بالكتاب الآخر إلى طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول؛ ولكن صاحبك ندم وخاف أن يظهر الخبر فكتب بهذا. وركب طارق من الكوفة إلى خالد وهو بواسط؛ فسار يوماً وليلة، فصبحهم، فرآه داود البربري - وكان على حاجة خالد وحرسه وعلى ديوان الرسائل - فأعلم خالداً، فغضب، وقال: قدم بغغير إذن؛ فأذن له، فلمّا رآه قال: ما أقدمك؟ قال: أمرٌ كنت أخطأت فيه؛ قال: وما هو؟ قال: وفاة أسد رحمه الله، كتبت إلى الأمير أعزّيه عنه، وإنما كان ينبغي لي أن آتيه ماشياً. فرق خالد ودمعت عيناه، وقال: ارجع إلى عملك، قال: أردت أن أذكر للأميرأمراً أسرُّه، قال: ما دون داود سرّ قال: أمر من أمري، فغضب داود وخرج، وأخبر طارق خالداً، قال: فما الرأي؟ قال تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه من شيء إن كان بلغه عنك. قال: فبئس الرجل أنا إذاً إن ركبت إليه بغير إذنه، قال: فشيء آخر، قال: وما هو؟ قال: تسير في عملك، وأتقدمك إلى الشأم، فأستأذنه لك؛ فإنك لا تبلغ أقصى عملك حتى يأتيك إذنه، قال: ولا هذا، قال: فأذهب فأضمن لأمير المؤمنين جميع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهدك مستقبلا، قال: وما يبلغ ذاك؟ قال: مائة ألف ألف، قال: ومن أين آخذ هذا! والله ما أجد عشرة آلاف درهم، قال:أتحمل أنا وسعيد بن راشد أربعين ألف ألف درهم، والزينيّ وأبان بن الوليدعشرين ألف ألف؛ وتفّرق الباقي على العمال، قال: إني إذاً للئيم، أن كنت سوغت قوماً شيئاً ثم أرجع فيه، فقال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ونستأنف الدنيا، وتبقى النعمة عليك وعلينا خير من أن يجيء من يطالبنا بالأموال؛ وهي عند تجار أهل الكوفة، فيتقاعسون ويتربصون بنا فنقتل، ويأكلون تلك الأموال. فأبى خالد فودعه طارق وبكى، وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا؛ ومضى. ودخل داود، فأخبه خالد بقول طارق، فقال: قد علم أنك لا تخرج بغير إذن؛ فأراد أن يختلك ويأتي الشأم، فيتقبل بالعراق هو وابن أخيه سعيد بن راشد. فرجع طارق إلى الكوفة، وخرج خالد إلى الحمة. قال: وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال له: ما وراءك؟ قال:الشرّ، أمير المؤمنين ساخط، وقد ضربني ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان. ففضّ الكتاب فقرأه، فلما اتنهى إلىآخره قرأ كتاب هشام بخطه: أن سر إلى العراق فقد وليتك إياه، وإياك أن يعلم بذاك أحد؛ وخذ ابن النصرانيّة وعمّاله فافشنى منهم؛ فقال يوسف: انظروا دليلاً عالماً بالطريق، فأتى بعدةّ، فاختار منهم رجلاً وسار من يومه، واستخلف على اليمن ابنه الصّلت فشيَّعه؛ فلما أراد أن ينصرف سأله: أين تريد؟ فضربه مائة سوط، وقال: يابن اللخناء، أيخفى عليك إذا استقرّ بي منزل، فسار، فكان إذا أتى إلى طريقين سأل، فإذا قيل: هذا إلى العراق، قال: أعرق، حتى أتي الكوفة. قال عمر: قال عليّ عن بشر بن عيسى، عن أبيه، قال: قال حسان النبطيّ: هيأت لهشام طيباً، فإني لبين يديه وهو ينظر إلى ذلك الطِّيب إذ قال لي: يا حسان، في كم يقدم القادم من العراق إلى اليمن؟ قال: قلت: لا أدري، فقال: أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادماً قال: فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء كتاب يوسف من العراق قد قدمها؛ وذلك في جمادى الآخرة سنة عشرين ومائة. قال عمر: قال عليّ: قال سالم زنبيل: لما صرنا إلى النجَّف قال لي يوسف: انطلق فأتني بطارق؛ فلم أستطيع أن آبى عليه، وقلت في نفسي: من لي بطارق في سلطانه! ثم أتيت الكوفة، فقلت لغلمان طارق: استأذنوا لي على طارق، فضربوني فصحت له: ويلك يا طارق! أنا سالم رسول يوسف، وقد قدم على العراق. فخرج فصاح بالغلمان، وقال: أنا آتيه. قال: وروى أن يوسف قال لكيسان: انطلق فأتني بطارق؛ فإن كان قد أقبل فاحمله على إكاف، وإن لم يكن أقبل فأت به سحباً. قال: فأتيته بالحيرة دار عبد المسيح - وهو سيد أهل الحيرة - فقلت له: إن يوسف قد قدم على العراق؛ وهو يأمرك أن تشد طارقاً وتأتيه به؛ فخرج هو وولده غلمانه حتى أتوا منزل طارق - وكان لطارق غلام شجاع معه غلمان شجعاء لهم سلاح وعدة - فقال لطارق: إن أذنت لي خرجت إلى هؤلاء فيمن معي فقتلتهم، ثم طرت على وجهك. فذهب حيث شئت. قال: فأذن لكسان، فقال أخبرني عن الأمير، يريد المال؟ قال: نعم قال: فأنا أعطيه ما سأل؛ وأقبلوا إلى يوسف فتوافوا بالحيرة، فلما عاينه ضربه ضرباً مبرحاً - يقال خمسمائة سوط - ودخل الكوفة، وأرسل عطاء بن مقدّم إلى خالد بالحمّة. قال عطاء: فأتيت الحاجب فقلت: استأذن لي على أبي الهيثم، فدخل وهو متغير الوجه فقال له خالد: مالك؟ قال: خير قال: ما عندك خير، قال: عطاء بن مقدّم، استأذن لي على أبي الهيثم، فقال: ائذن له فدخلت: فقال: ويل أمها سخطة؟ قال: فلم أستقرّ حتى دخل الحكم بن الصلت، فقعد معه، فقال له خالد: ما كان ليلى على أحد هو أحب إليّ منكم. وخطب يوسف بالكوفة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني بأخذ عمال ابن النصرانّية وأن أشفيه منهم وسأفعل وأزيد والله يا أهل العراق؛ ولأقتلن منافقيكم بالسيف وجناتكم بالعذاب وفسّاقكم. ثم نزل ومضى إلى واسط وأتى بخالد وهو بواسط. قال عمر: حدثني الحكم بن النضّر: قال سمعت أبا عبيدة يقول: لما حبس يوسف خالداً صالحه عنه أبان بن الوليد وأصحابه على تسعة آلف ألف درهم، ثم ندم يوسف، وقيل له: لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف درهم قال: ما كنت لأرجع وقد رهنت لساني بشيء. وأخبر أصحاب خالد خالداً، فقال: قد أسأتم حين أعطيتموه عند أول وهلة تسعة آلاف ألف، ما آمن أن يأخذها ثم يعود عليكم، فارجعوا. فجاءوا فقالوا: إنا أخبرنا خالداً فلم يرض بما ضمنا، وأخبرنا أن المال لا يمكنه، فقال: أنتم أعلموصاحبكم؛ فأما أنا فلا أرجع عليكم؛ فإن رجعتم لم أمنعكم، قالوا: قإنا قد رجعنا، قال: وقد فعلتم؟ قالوا: نعم، قال: فمنكم أتى النقض؛ فوالله لا أرضى بتسعة آلاف ألف ولامثليها ولا مثلها، فأخذ أكثر من ذلك. وقد قيل: إنه أخذ مائة ألف ألف. وذكر الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، أن هشاماً أزمع على عزل خالد، وكان سبس ذلك أنه اعتقد بالعراق أموالاً وحفر أنهاراً؛ حتى بلغت غلته عشرين ألف ألف؛ منها نهر خالد، وكان يغلّ خمسة آلاف ألف وباجوّى وبارمان والمبارك والجامع وكورة سابور والصّلح، وكان كثيراً ما يقول: إنني والله مظلوم؛ ما تحت قدميّ من شيء إلا وهو لي - يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع السواد. قال الهيثم بن عديّ: أخبرني الحسن بن عمارة، عن العريان بن الهيثم، قال: كنت كثيراً ما أقول لأصحابي: إنّي أحسب هذا الرجل قد تخلّى منه؛ إن قريشاً لا تحتمل هذا ونحوه؛ وهم أهل حسد، وهذا يظهر ما يظهر، فقلت له يوماً: أيها الأمير؛ إنّ الناس قد رموك بأبصارهم، وهي قريش وليس بينك وبينها إلّ، وهم يجدون منك بداً؛ وأنت لا تجد منهم بداً؛ فأنشدك الله إلا ما كتبت إلى هشام تخبره عن أموالك، وتعرض عليه منها ما أحبّ؛ فما أقدرك على أن تتخذ مثلها؛ وهو لا يستفسدك؛ وإن كان حريصاً على ذلك فلعمري لأن يذهب بعض ويبقى بعض خير من أن تذهب كلها؛ وما كان يستحسن فيما بينك وبينه أن يأخذها كلها، ولا آمن أن يأتيه باغ أو حاسد فيقبل منه؛ فلأن تعطيه طائعاً خير من أن تعطيه كارهاً. فقال: ما أنت بمتهم؛ ولا يكون ذلك أبداً. قال: فقلت أطعني واجعلني رسولك، فوالله لا يحلّ عقدة إلا شددتها، ولا يشدّ عقدة إلا حللتها. قال: إنّا والله لا نعطي على الذلّ، قال: قلتُ: هل كانت لك هذه الضياع إلا في سلطانه؟ وهل تستطيع الامتناع منه إن أخذها؟؟! قال: لا، قلت: فبادره، فإنه يحفظها لك ويشكرك عليها؛ ولو لم تكن له عندك يد إلاّ ما ابتدأك به كنت جديراً أن تحفظه، قال: لا والله لا يكون ذلك أبداً، قال: قلت فما كنت صانعاً إذا عزلك وأخذ ضياعك فاصنعه، فإنّ إخوته وولده وأهل بيته قد سبقوا لك، وأكثروا عليه فيك، ولك صنائع تعود عليهم بما بدا لك، ثم استدرك استتمام ما كان منك إلى صنائعك من هشام. قال: قد أبصرت ما تقول وليس إلى ذلك سبيل. وكان العريان يقول: كأنكم به قد عزل، وأخذ ما له وتجنى عليه ثم لا ينتفع بشيء. قال: فكان كذلك. قال الهيثم: وحدّثني ابن عيّاش، أنّ بلال بن أبي بردة كتب إلى خالد وهو عامله على البصرة حين بلغه تعتّب هشام عليه: إنّه حدث أمر لا أجد بداً من مشافهتك فيه؛ فإن رأيت أن تأذن لي؛ فإنما هي ليلة ويومها إليك، ويوم عندك، وليلة ويومها منصرفاً. فكتب إليه: أن أقبل إذا شئت. فركب هو وموليان له الجمّازات؛ فسار يوماً وليلة، ثم صلى المغرب بالكوفة؛ وهي ثمانون فرسخاً، فأخبر خالد بمكانه، فأتاه وقد تعصّب، فقال: أبا عمرو، أتعبت نفسك، قال: أجل، قال: متى عهدك بالبصرة؟ قال: أمس، قال: أحق ما تقول! قال: هو والله ما قلت، قال: فما أنصبك؟ قال: ما بلغني من تعتّب أمير المؤمنين وقوله، وما بغاك به ولده وأهل بيته؛ فإن رأيت أن أتعرّض له وأعرض عليه بعض أموالنا، ثم ندعوه منها إلى ما أحبّ وأنفسنا به طيّبة، ثم أعرض عليه مالك، فما أخذ منه فعلينا العوض منه بعد. قال: ما أتّهمك وحتى أنظر؛ قال: إني أخاف أن تعاجل، قال: كلا، قال: إن قريشاً من قد عرفت، ولا سيما سرعتهم إليك قال: يا بلال؛ إني والله ما أعطي شيئاً قسراً أبداً. قال أيها الأمير، أتكلم؟ قال: نعم، قال: إن هشاماً أعذر منك، يقول: استعملتك. وليس لك شيء، فلم تر من الحق عليك أن تعرض عليّ بعض ما صار إليك؛ وأخاف أن يزيّن له حسان النّبطيّ ما لا تستطيع إدراكه، فاغتنم هذه الفترة. قال: أنا ناظر في ذلك فانصرف راشداً. فانصرف بلال وهو يقول: كأنكم بهذا الرجل قد بعث إليه رجل بعيد أتيّ، به حمز، بغيض النفس سخيف الدين، قليل الحياء، يأخذه بالإحن والترات. فكان كما قال. قال ابن عياش: وكان بلال قد اتخذ داراً بالكوفة، وإنما استأذن خالداً لينظر إلى داره، فما نزلها إلاّ مقيّداً، ثم جعلت سجناً إلى اليوم. قال ابن عيّاش: كان خالد يخطب فيقول: إنكم زعمتم أنّي أغلي أسعاركم؛ فعلى من يغليها لعنة الله! وكان هشام كتب إلى خالد لا تبيعنّ من الغلاّت شيئاً حتى تباع غلاّت أمير المؤمنين حتى بلغت كيلجة درهماً. قال الهيثم، عن ابن عياش: كانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومائة ثم عزل في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة. وفي هذه السنة قدم يوسف بن عمر العراق والياً عليها، وقد ذكرت قبل سبب ولايته عليها. وفي هذه السنة ولّى خراسان يوسف بن عمر جديع بن عليّ الكرمانيّ وعزل جعفر بن حنظلة. وقيل: إنّ يوسف لما قدم العراق أراد أن يولّي خراسان سلم بن قتيبة، فكتب بذلك إلى هشام، ويستأذنه فيه، فكتب إليه هشام: إنّ سلم بن قتيبة رجل ليس له بخراسان عشيرة؛ ولو كان له بها عشيرة لم يقتل بها أبوه. وقيل إن يوسف كتب إلى الكرمانيّ بولاية خراسان مع رجل من بني سليم وهو بمرو؛ فخرج إلى الناس يخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر أسداً وقدومه خراسان، وما كانوا فيه من الجهد والفتنة، وما صنع لهم على يديه. ثم ذكر أخاه خالداً بالجميل، وأثنى عليه؛ وذكر قدوم يوسف العراق، وحثّ الناس على الطاعة ولزوم الجماعة، ثم قال: غفر الله للميت - يعني أسداً - وعافى الله المعزول، وبارك للقادم. ثم نزل. وفي هذه السنة عزل الكرمانيّ عن خراسان، ووليها نصر بن سيار بن ليث بن رافع بن ربيعة بن جريّ بن عوف بن عامر بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وأمّه زينب بنت حسان من بني تغلب. ذكر الخبر عن سبب ولاية نصر بن سيّار خراسان ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه أن وفاة أسد بن عبد الله لما انتهت إلى هشام بن عبد الملك استشار أصحابه في رجل يصلح لخراسان؛ فأشاروا عليه بأقوام، وكتبوا له أسماءهم؛ فكان ممن كتب له عثمان بن عبد الله بن الشخير ويحيى بن حضين بن المنذر الرقاشيّ ونصر بن سيار الليثيّ وقطن بن قتيبة بن مسلم والمجشّر بن مزاحم السلميّ أحد بني حرام؛ فأما عثمان بن عبد الله ابن الشخير، فقيل له: إنه صاحب شراب، وقيل له: المجشّر شيخ هم، وقيل له: ابن حضين رجل فيه تيه وعظمة، وقيل له: قطن بن قتيبة موتور؛ فاختار نصر بن سيّار؛ فقيل له: ليست له بها عشيرة، فقال هشام: أنا عشيرته. فولاّه وبعث بعهده مع عبد الكريم بن سليط بن عقبة الهفانيّ؛ هفان بن عديّ بن حنيفة. فأقبل عبد الكريم بعهده، ومعه أبو المهند كاتبه مولى بنى حنيفة، فلما قدم سرخس ولا يعلم به أحد، وعلى سرخس حفص بن عمر بن عباد التيميّ أخو تميم بن عمر، فأخبره أبو المهند، فوجه حفص رسولاً، فحمله إلى نصر، ونفذ ابن سليط إلى مرو، فأخبر أبو المهند الكرمانيّ، فوجّه الكرمانيّ نصر بن حبيب بن بحر بن ماسك بن عمر الكرمانيّ إلى نصر بن سيار، فسبق رسول حفص إلى نصر بن سيار؛ فكان أوّل من سلم عليه بالإمرة، فقال له نصر: لعلك شاعر مكار! فدفع إليه الكتاب. وكان جعفر بن حنظلة ولّى عمرو بن مسلم مرو، وعزل الكرماني وولّى منصور بن عمر أبرشهر، وولّى نصر بن سيار بخاري، فقال جعفر ابن حنظلة: دعوت نصراً قبل أن يأتيه عهده بأيام؛ فعرضت عليه أن أولّية بخارى، فشاور البختريّ بن مجاهد، فقال له البختريّ، وهو مولى بني شيبان: لا تقبلها، قال: ولمَ؟ قال: لأنك شيخ مضر بخراسان؛ فكأنك بعهدك قد جاء على خراسان كلها؛ فلما أتاه عهده بعث إلى البختري فقال البختري لأصحابه: قد ولى نصر بن سيار خراسان؛ فلما أتاه سلم عليه بالإمرة، فقال له: أنّى علمت؟ قال: لما بعثت إليّ، وكنت قبل ذلك تأتيني، علمت أنك قد وليت. قال: وقد قيل إنّ هشاماً قال لعبد الكريم حين أتاه خبر أسد بن عبد الله بموته. من ترى أن نولّي خراسان، فقد بلغني أنّ لك بها وبأهلها علماً؟ قال عبد الكريم: قلت: يا أمير المؤمنين؛ أما رجل خراسان حزماً ونجدة فالكرمانيّ؛ فأعرض بوجهه، وقال: ما اسمه؟ قلت: جديع بن عليّ، قال: لا حاجة لي فيه؛ وتطيّر، وقال: سم لي غيره، قلت: اللسن المجرّب يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ أبو الميلاء، قال: ربيعة لا تسد بها الثغور - قال عبد الكريم: فقلت في نفسي: كره ربيعة واليمن، فأرميه بمضر - فقلت: عقيل بن معقل الليثيّ، إن اغتفرت هنةً، قال: ما هي؟ قلت: ليس بالعفيف، قال: لا حاجة لي به، قلت: منصور بن أبي الخرقاء السلميّ، إن اغتفرت نكره فإنه مشئوم، قال: غيره، قلت: المحشّر بن مزاحم السلميّ، عاقل شجاع، له رأي مع كذب فيه، قال: لا خير في الكذب، قلت: يحيى بن حضين، قال: ألم أخبرك أنّ ربيعة لا تسدّ بها الثغور! قال: فكان إذا ذكرت له ربيعة، واليمن أعرض. قال عبد الكريم: وأخرّت نصراً وهو أرجل القوم وأ؛زمهم وأعلمهم بالسياسة، فقلت: نصر بن سيار الليثيّ، قال: هو لها، قلت: إن اغتفرت واحدة؛ فإنه عفيف مجرّب عاقل، قال: ما هي؟ قلت: عشيرته بها قليلة، قال: لا أبا لك، أتريد عشيرة أكثر مني! أنا عشيرته. وقال آخرون: لما قدم يوسف بن عمر العراق قال: أشيروا عليّ برجل أولّه خراسان، فأشاروا عليه بمسلمة بن سليمان بن عبد الله ابن خازم وقديد بن منيع المنقريّ ونصر بن سيّار وعمرو بن مسلم ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم ومنصور بن أبي الخرقاء وسلم بن قتيبة ويونس بن عبد ربّه وزياد بن عبد الرحمن القشيريّ؛ فكتب يوسف بأسمائهم إلى هشام، وأطرى القيسية، وجعل آخر من كتب اسمه نصر بن سيار الكنانيّ، فقال هشام: ما بال الكنانيّ آخرهم! وكان في كتاب يوسف إليه: يا أمير المؤمنين، نصر بخراسان قليل العشيرة. فكتب إليه هشام: قد فهمت كتابك وإطراءك القيسيّة. وذكرت نصراً وقلة عشيرته، فكيف يقلّ من أنا عشيرته! ولكنك تقيّست عليّ، وأنا متخندف عليك؛ ابعث بعهد نصر؛ فلم يقلّ من عشيرته أمير المؤمنين؛ بله ما إن تميماً أكثر أهل خراسان. فكتب إلى نصر أن يكاتب يوسف بن عمر، وبعث يوسف سلماً وافداً إلى هشام؛ وأثنى عليه فلم يوله، ثم أوفد شريك بن عبد ربه النميريّ، وأثنى عليه ليولّيه خراسان، فأبى هشام. قال: وأوفد نصر من خراسان الحكم بن يزيد بن عمير الأسديّ إلى هشام، وأثنى عليه نصر، فضربه يوسف ومنعه من الخروج إلى خراسان؛ فلما قدم يزيد بن عمر بن هبيرة استعمل الحكم بن يزيد على كرمان، وبعث بعهد نصر مع عبد الكريم الحنفيّ - ومعه كاتبه أبو المهند مولى بني حنيفة - فلما أتى سرخس وقع الثلج، فأقام ونزل على حفص بن عمر بن عباد التيميّ، فقال له: قدمت بعهد نصر على خراسان؛ قال: وهو عامل يومئذ على سرخس - فدعا حفص غلامه، فحمله على فرس وأعطاه مالاً، وقال له: طر واقتل الفرس؛ فإن قام عليك فاشتر غيره حتى تأتي نصراً. قال: فخرج الغلام حتى قدم على نصر ببلخ، فيجده في السوق، فدفع إليه الكتاب، فقال: أتدري ما في هذا الكتاب؟ قال: لا، فأمسكه بيده، وأتى منزله، فقال الناس: أتى نصراً عهده على خراسان، فأتاه قوم من خاصته، فسألوه فقال: ما جاءني شيء، فمكث يومه، فدخل عليه من الغد أبو حفص بن عليّ، أحد بني حنظلة - وهو صهره؛ وكانت ابنته تحت نصر، وكان أهوج كثير المال؛ فقال له: إنّ الناس قد خاصوا وأكثروا في ولايتك؛ وأقرأه الكتاب، فقال: ما كان حفص ليكتب إليك إلا بحق، قال: فبينا هو يكلمه إذ استأذن عليه عبد الكريم، فدفع غليه عهده، فوصله بعشرة آلاف درهم. ثم استعمل نصر على بلخ مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم، واستعمل وشاح ابن بكير بن وشاح على مرو الروذ، والحارث بن عبد الله بن الحشرج لعى هراة، وزياد بن عبد الرحمن القشيري على أبرشهر، وأبا حفص بن عليّ ختنه على خوارزم، وقطن بن قتيبة على السغد. فقال رجل من أهل الشأم من اليمانية: ما رأيت عصبية مثل هذه! قال: بلى، التي كانت قبل هذه. فلم يستعمل أربع سنين إلا مضرياً، وعمرت خراسان عمارة لم تعمر قبل ذلك مثلها، ووضع الخراج، وأحسن الولاية والجباية. فقال سوار بن الأشعر: أضحت خراسان بعد الخوف آمنة ... من ظلم كل غشوم الحكم جبار لما أتى يوسفاً أخبار ما لقيت ... اختار نصراً لها؛ نصر بن سيار وقال نصر بن سيار فمن كره ولايته: تعز عن الصبابة لا تلام ... كذلك لا يلم بك احتمام أأن سخطت كبيرة بعد قرب ... كلفت بها واشرك السقام! ترجّى اليوم ما وعدت حديثاً ... وقد كذبت مواعدها الكرام ألم تر أن ما صنع الغواني ... عسير لا يريع به الكلام أبت لي طاعتي وأبى بلائي ... وفوزي حين يعترك الخصام وإنا لا نضيع لنا ملماً ... ولا حسباً إذا ضاع الذمام ولا نغضي على غدر وإنا ... نقيم على الوفاء فلا نلام خليفتنا الذي فازت يداه ... بقدح الحمد والملك الهمام نسوسهم به ولنا عليهم ... إذا قلنا مكارمه جسام أبو العاصي أبوه وعبد شمس ... وحرب والقماقمة الكرام ومروان أبو الخلفاء عال ... عليه المجد فهو لهم نظام وبيت خليفة الرحمن فينا ... وبيتاه المقدس والحرام ونحن الأكرمون إذا نسبنا ... وعرنين البرية والسنام فأمسينا لنا من كل حي ... خراطيم البرية والزمام لنا أيد نريش بها ونبري ... وأيد في بوادرها السمام وبأس في الكريهة حين نلقى ... إذا كان النذير بها الحسام قال: وأتى نصراً عهده في رجب من سنة عشرين ومائة، وقال له البختريّ: اقرأ عهدك واخطب الناس؛ فخطب الناس فقال في خطبته: استمسكوا أصحابنا بجدتكم، فقد عرفنا خيركم وشركم. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وقد قيل: إن الذي حجّ بهم فيها سليمان بن هشام. وقيل: حج بهم يزيد بن هشام. وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف محمد بن هشام، وعلى العراق والمشرق كله يوسف بن عمر، وعلى خراسان نصر بن سيار - وقيل جعفر بن حنظلة - وعلى البصرة كثير بن عبد الله السلميّ من قبل يوسف بن عمر، وعلى قضائها عامر بن عبيدة الباهليّ، وعلى أرمينية وأذربيجان مروان بن محمد، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائةذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة مسلمة بن هشام بن عبد الملك الرّوم، فافتتح بها مطامير. وغزوة مروان بن محمد بلاد صاحب سرير الذهب، فافتتح قلاعه وخرّب أرضه، وأذعن له بالجزية، في كلّ سنة ألف رأس يؤدّيه إليه، وأخذ منه بذلك الرّهن، وملّكه مروان على أرضه. وفيها ولد العباس بن محمد. ذكر الخبر عن ظهور زيد بن عليّ وفيها قتل زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب في قول الواقديّ في صفر؛ وأما هشام بن محمد فإنه زعم أنه قتل في سنة اثنتين وعشرين ومائة، في صفر منها. ذكر الخبر عن سبب مقتله وأموره وسبب مخرجه: اختلف في سبب خروجه؛ فأما الهيثم بن عديّ فإنه قال - فيما ذكر عنه، عن عبد الله بن عياش - قال: قدم زيد بن عليّ ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب وداود بن عليّ بن عبد الله بن عباس على خالد بن عبد الله وهو على العراق، فأجازهم ورجعوا إلى المدينة؛ فلما ولّى ابن يوسف بن عمر كتب إلى هشام بأسمائهم وبما أجازهم به، وكتب يذكر أن خالداً ابتاع من زيد بن عليّ أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار، ثم ردّ الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسرّحهم إليه ففعل، فسألهم هشام فأقرّوا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك، فسأل زيداً عن الأرض فأنكرها، وحلفوا لهشام فصدّقهم. وأما هشام بن محمد الكلبيّ، فإنه ذكر أن أبا مخنف حدّثه أن أوّل أمر زيد بن عليّ كان أنّ يزيد بن خالد القسريّ ادّعى مالاً قبل زيد بن عليّ ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب وداود بن عليّ بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، فكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك - وزيد بن عليّ يومئذ بالرصافة يخاصم بني الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن عمر بن عليّ يومئذ مع زيد بن عليّ - فلما قدمت كتب يوسف ابن عمر على هشام بن عبد الملك بعث إليهم فذكر لهم ما كتب به يوسف ابن عمر إليه مما ادّعى قبلهم يزيد بن خالد، فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه، فقال له زيد بن عليّ: أنشدك الله والرّحم أن تبعث بي إلى يوسف بن عمر! قال: وما الذي تخاف من يوسف بن عمر؟ قال: أخاف أن يعتدى عليّ، قال له هشام: ليس ذلك له، ودعا هشام كاتبه فكتب إلى يوسف بن عمر: أما بعد، فإذا قدم عليك فلان وفلان، فاجمع بينهم وبين يزيد بن خالد القسريّ، فإن هم أقروا بما ادّعى عليهم فسرح بهم إليّ، وإن هم أنكروا فسله بيّنة، فإن هو لم يقم البيّنة فاستحلفهم بعد العصر بالله الذي لا إله إلا هو؛ ما استودعهم يزيد بن خالد القسريّ وديعة، ولا له قبلهم، شيء! ثم خلّ سبيلهم. فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدّى كتابك، ويطول علينا، قال: كلا، أنا باعث معكم رجلاً من الحرس يأخذه بذلك؛ حتى يعجّل الفراغ، فقالوا: جزاك الله والرحم خيراً؛ لقد حكمت بالعدل. فسرح بهم إلى سوسف، واحتبس أيوب بن سلمة؛ لأن أمّ هشام بن عبد الملك ابنة هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ. وهو في أخواله، فلم يؤخذ بشيءٍ من ذلك القرف. فلما قدموا على يوسف، أدخلوا عليه، فأجلس زيد بن عليّ قريباً منه، وألطفه في المسأة، ثم سألهم عن المال، فأنكروا جميعاً، وقالوا: لم يستودعنا مالاً، ولا له قبلنا حق، فأخرج يوسف يزيد بن خالد إليهم، فجمع بينه وبينهم، وقال له: هذا زيد بن عليّ، وهذا محمد بن عمر بن عليّ وهذا فلان وفلان الذين كنت ادّعيت عليهم ما ادّعيت، فقال: مالي قبلهم قليل ولا كثير، فقال يوسف: أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين! فعذّبه يومئذ عذاباً ظنّ أنه قد قتله، ثم أخرجهم إلى المسجد بعد صلاة العصر، فاستحلفهم فحلفوا له، وأمر بالقوم فبسط عليهم؛ ما عدا زيد بن عليّ فإنه كف عنه فلم يقتدر عند القوم على شيء. فكتب إلى هشام يعلمه اعلحال. فكتب إليه هشام: أن استحلفهم، وخلّ سبيلهم. فخلّى عنهم فخرجوا فلحقوا بالمدينة، وأقام زيد بن عليّ بالكوفة. وذكر عبيد بن جنّاد، عن عطاء بن مسلم الخفّاف أنّ زيد بن عليّ رأى في منامه أنه أضرم في العراق ناراً، ثم أطفأها ثم مات. فهالته، فقال لابنه يحيى: يا بنيّ، إني رأيت رؤيا قد راعتني، فقصّها عليه. وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك بأمره بالقدوم عليه، فقدم، فقال له: الحق بأميرك يوسف، فقال له: نشدتك بالله يا أمير المؤمنين، فوالله ما آمن إن بعثتني إليه ألاّ أجتمع أنا وأنت حيّين على ظهر الأرض بعدها، فقال: الحق بيوسف كما تؤمر؛ فقدم عليه. وقد قيل: إن هشام بن عبد الملك إنما استقدم زيداً من المدينة عن كتاب يوسف بن عمر؛ وكان السبب في ذلك - فيما زعم أبو عبيدة - أن يوسف بن عمر عذّب خالد بن عبد الله، فادّعى خالد أنه استودع زيد بن عليّ وداود بن عليّ ابن عبد الله بن عباس ورجلين من قريش: أحدهما مخزومي والآخر جمحي مالاً عظيماً، فكتب بذلك يوسف إلى هشام، فكتب هشام إلى خاله إبراهيم بن هشام - وهو عامله على المدينة - يأمره بحملهم إليه. فدعا إبراهيم بن هشام زيداً وداود، فسألهما عما ذكر خالد، فحلفا ما أودعهما خالد شيئاً، فقال: إنكما عندي لصادقان؛ ولكن كتاب أمير المؤمنين قد جاء بما تريان، فلا بدّ من إنفاذه. فحملهما إلى الشأم، فحلفا بالأيمان الغلاظ ما أودعهما خالد شيئاً قط. وقال داود: كنت قدمت عليه العراق، فأمر لي بمائة ألف درهم، فقال هشام: أنتما عندي أصدق من ابن النصرانية، فاقدما على يوسف، حتى يجمع بينكما وبينه فتكذّباه في وجهه. وقيل: إن زيداً إنما قدم على هشام مخاصماً ابن عمّه عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ، ذكر ذلك عن جويرية بن أسماء، قال: شهدت زيد بن عليّ وجعفر بن حسن بن حسن يختصمان في ولاية وقوف عليّ، وكان زيد يخاصم عن بني حسين، وجعفر يخاصم عن بني حسن؛ فكان جعفر وزيد يتبالغان بين يدي الوالي إلى كلّ غاية، ثم يقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفاً. فلما مات جعفر قال عبد الله: من يكفينا زيداً؟ قال حسن بن حسن بن حسن: أنا أكفيكه، قال: كلا، إنا نخاف لسانك ويدك؛ ولكنى أنا، قال: إذن لا تبلغ حاجتك وحجتك، قال: أما حجتي فسأبلغها؛ فتنازعا إلى الوالي - والوالي يومئذ عندهم فيما قيل إبراهيم بن هشام - قال: فقال عبد الله لزيد: أتطمع أن تنالها وأنت لأمة سندية! قال: قد كان إسماعيل لأمة؛ فنال أكثر منها؛ فسكت عبد الله، وتبالغا يومئذ كل غاية؛ فلما كان الغد أحضرهم الوالي، وأحضر قريشاً والأنصار، فتنازعا، فاعترض رجل من الأنصار، فدخل بينهما، فقال له زيد: وما أنت والدخول بيننا، وأنت رجل من قحطان! قال: أنا والله خير منك نفساً وأباً وأماً. قال: فسكت زيد، وانبرى له رجل من قريش فقال: كذبت، لعمر الله لهو خير منك نفساً وأباً وأماً وأولاً وآخراً، وفوق الأرض وتحتها، فقال الوالي: وما أنت وهذا! فأخذ القرشيّ كفاً من الحصى، فضرب به الأرض وقال: والله ما على هذا من صبر، وفطن عبد الله وزيد لشماتة الوالي بهما، فذهب عبد الله ليتكلم فطلب إليه زيد فسكت، وقال زيد للوالي: أما والله لقد جمعتنا لأمر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعانا على مثله؛ وإني أشده الله ألاّ أنازعه إليك محقاً ولا مبطلاً ما كنت حياً. ثم قال لعبد الله: انهض يا بن عمّ؛ فنهضا وتفرّق الناس. وقال بعضهم: لم يزل زيد ينازع جعفر بن حسن ثم عبد الله بعده؛ حتى ولّى هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم المدينة، فتنازعا، فأغلظ عبد الله لزيد، وقال: يا بن الهندكيّة! فتضاحك زيد، وقال: قد فعلتها يا أبا محمد! ثم ذكر أمّه بشيء. وذكر المدائنيّ أن عبد الله لما قال ذلك لزيد قال زيد: أجل والله، لقد صبرت بعد وفاة سيّدها فما تعتّبت بابها إذ لم يصبر غيرها. قال: ثم ندم زيد واستحيا من عمته؛ فلم يدخل عليها زماناً، فأرسلت إليه: يا بن أخي، إني لأعلم أن أمّك عندك كأمّ عبد الله عنده. وقيل: إن فاطمة أرسلتْ إلى زيد: إن سبّ عبد الله أمك فاسبب أمه؛ وأنها قالت لعبد الله: أقلت لأم زيد كذا وكذا؟ قال: نعم، قالت: فبئس والله ما صنعت! أما والله لنعم دخيلة القوم كانت! فذكر أن خالد بن عبد الملك، قال لهما: اغدوا علينا غداً، فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمرجل، يقول قائل: كذا وقائل كذا؛ قائل يقول قال زيد كذا، وقائل يقول: قال عبد الله كذا. فلما كان الغدُ جلس خالد في المجلس في المسجد، واجتمع الناس، فمن شامت ومن مهموم، فدعا بهما خالد، وهو يحبّ أن يتشاتما، فذهب عبد الله يتكلم، فقال زيد: لا تجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً؛ ثم أقبل على خالد فقال له: يا خالد؛ لقد جمعت ذرّية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر؛ قال خالد: أما لهذا السفيه أحد! فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم، فقال: يا بن أبي تراب وابن حسين السفيه، ما ترى لوالٍ عليك حقاً ولا طاعة! فقال زيد: اسكت أيها القحطانيّ، فإنا لا نجيب مثلك، قال: ولم ترغب عني! فوالله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمّي خير من أمك! فتضاحك زيد، وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب، أفذهبت الأحساب! فوالله إنه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال: كذبت والله أيها القحطانيّ؛ فوالله لهو خير منك نفساً وأباً وأماً ومحتداً، وتناوله بكلام كثير؛ قال القحطانيّ: دعنا منك يا بن واقد؛ فأخذ ابن واقد كفاً من حصىً؛ فضرب بها الأرض، ثم قال له: والله ما لنا على هذا صبر، وقام. وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك، فجعل هشام لا يأذن له، فيرفع إليه القصص؛ فكلّما رفع إليه قصّة كتب هشام في أسفلها: ارجع إلى أميرك؛ فيقول زيد: والله لا أرجع إلى خالد أبداً، وما أسأل مالاً؛ إنما أنا رجل مخاصم؛ ثم أذن له يوماً بعد طول حبس. فذكر عمر بن شبّة، عن أيوب بن عمر بن أبي عمرو، قال: حدّثني محمد بن عبد العزيز الزهريّ قال: لما قدم زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك أعلمه حاجبه بمكانه، فرقي هشام إلى علية له طويلة، ثم أذن له، وأمر خادماً أن يتبعه، وقال: لا يرينك، واسمعما يقول. قال: فأتعبته الدرجة - وكان بادناً - فوقف في بعضها، فقال: والله لا يحب الدنيا أحد إلا ذلّ، فلما صار إلى هشام قضى حوائجه، ثم مضى نحو الكوفة، ونسي هشام أن يسأل الخادم حتى مضى لذلك أيام، ثم سأله فأخبره، فالتفت إلى الأبرش. فقال: والله ليأتينّك خلعه أول شيء، وكان كما قال. وذكر عن زيد أنه حلف لهشام على أمر؛ فقال له: لا أصدقك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله لم يرفع قدر أحد عن أن يرضى بالله، ولم يضع قدر أحد عن ألا يرضى بذلك منه، فقال له هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها، ولست هناك وأ،ت ابن أمة! فقال زيد: إن لك يا أمير المؤمنين جواباً، قال: تكلم، قال: ليس أحد أولى بالله، ولا أرفع عنده منزلة من نبيّ ابتعثه؛ وقد كان إسماعيل من خير الأنبياء، وولد خيرهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وكان إسماعيل ابن أمة وأخوه ابن صريحة مثلك؛ فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر؛ وما على أحد من ذلك جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت أمه أمة. فقال له هشام: اخرج، قال: أخرج ثم لا تراني إلاّ حيث تكره، فقال له سالم: يا أبا الحسين؛ لا يظهرنّ هذا منك. رجع الحديث إلى حديث هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف. قال: فجعلت الشيعة تختلف إلى زيد بن عليّ، وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون المنصور. وأن يكون هذا الزمان الذي يهلك فيه بنو أمية. فأقام بالكوفة، فجعل يوسف بن عمر يسأل عنه، فقال: هو هاهنا، فيبعث إليه أن اشخص، فيقول: نعم؛ ويعتل له بالوجع. فمكث ما شاء الله، ثم سأل أيضاً عنه فقيل له: هو مقيم بالكوفة بعد لم يبرح، فبعث إليه، فاستحثه بالشخوص، فاعتل عليه بأشياء يبتاعها، وأخبره أنه في جهازه، ورأى جد يوسف في أمره فتهيأ ، ثم شخص حتى أتى القادسيّة. وقال بعض الناس: أرسل معه رسولاً حتى بلّغه العذيب، فلحقته الشيعة، فقالوا له: أين تذهب عنا ومعك مائة ألف رجل من أهل الكوفة، يضربون دونك بأسيافهم غداً وليس قبلك من أهل الشأم إلا عدّة قليلة، لو أن قبيلة من قبائلنا نحو مذحج أو همدان أو تميم أو بكر نصبت لهم لكفتكهم بإذن الله تعالى! فننشدك الله لما رجعت؛ فلم يزالوا به حتى ردّوه إلى الكوفة. وأما غير أبي مخنف؛ فإنه قال ما ذكر عبيد بن جناد، عن عطاء بن مسلم، أن زيد بن عليّ لما قدم على يوسف، قال له يوسف: زعم خالد أنه قد أودعك مالاً، قال: أنّى يودعني مالاً وهو يشم آبائي على منبره! فأرسل إلى خالد، فأحضره في عباءة، فقال له: هذا زيد، زعمت أنك قد أودعته مالاً، وقد أنكر؛ فنظر خالد في وجههما، ثم قال: أتريد أن تجمع مع إثمك فيّ إثماً في هذا! وكيف أودعه مالاً وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر! قال: فشتمه يوسف، ثم ردّه. وأما أبو عبيدة، فذكر عنه، أنه قال: صدّق هشام زيداً ومن كان يوسف قرفه بما قرفه به، ووجههم إلى يوسف، وقال: إنهم قد حلفوا لي، وقبلت أيمانهم وأبرأتهم من المال، وإنما وجهت بهم إليك لتجمع بينهم وبين خالد فيكذبوه. قال: ووصلهم هشام؛ فلما قدموا على يوسف أنزلهم وأكرمهم، وبعث إلى خالد فأتى به، فقال: قد حلف القوم، وهذا كتاب أمير المؤمنين ببراءتهم، فهل عندك بيّنة بما ادعيت؟ فلم تكن له بينة، فقال القوم لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: غلّظ عليّ العذاب فادّعيت ما ادعيت، وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومكم. فأطلقهم يوسف، فمضى القرشيان: الجمحي والمخزومي إلى المدينة؛ وتخلّف الهاشميّان: داود بن عليّ وزيد ابن عليّ بالكوفة. وذكر أن زيداً أقام بالكوفة أربعة أشهر أو خمسة ويوسف يأمره بالخروج، ويكتب إلى عامله على الكوفة وهو يومئذ بالحيرة يأمره بإزعاج زيد، وزيد يذكر أنه ينازع بعض آل طلحة بن عبيد الله في مال بينه وبينهم بالمدينة، فيكتب العامل بذلك إلى يوسف، فيقرّه أيماً، ثم يبلغه أنّ الشيعة تختلف إليه؛ فيكتب إليه أن أخرجه ولا تؤخّره؛ وإن ادّعى أنه ينازع فليجر جراً، وليوكل من يقوم مقامه فيما يطالب به؛ وقد بايعه جماعة منهم سلمة بن كهيل ونصر بن خزيمة العبسيّ ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ وحجيّة بن الأجلح الكنديّ وناس من وجوه أهل الكوفة؛ فلما رأى ذلك داود ابن عليّ قال له: يا بن عمّ، لا يغرنّك هؤلاء من نفسك؛ ففي أهل بيتك لك عبرة، وفي خذلان هؤلاء إياهم. فقال: يا داود، إنّ بني أمية قد عتوا وقست قلوبهم؛ فلم يزل به داود حتى عزم على الشخوص، فشخصا حتى بلغا القادسية. وذكر عن أبي عبيدة، أنه قال: اتّبعوه إلى الثعلبيّة وقالوا له: نحن أربعون ألفاً، إن رجعت إلى الكوفة لم يتخلّف معنك أحد، وأعطوه المواثيق والأيمان المغلّظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي. فيحلفون له، فيقول داود بن عليّ: يا بن عمّ، إن هؤلاء يغرّونك من نفسك! أليس قد خذلوا من كان أعزّ عليهم منك؛ جدّك عليّ بن أبي طالب حتى قتل! والحسن م بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فسطاطه، وجرّحوه! أو ليس قد أخرجوا جدّك الحسين، وحلّفوا له بأوكد الأيمان ثم خذلوه وأسلموه، ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه! فلا تفعل ولا ترجع معهم. فقالوا: إن هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنه وأهل بيته أحق بهذا الأمر منكم، فقال: زيد لداود: إن علياً كان يقاتله معاوية بدهائه ونكرانه بأهل الشأم، وإن الحسين قاتله يزيد بن معاوية والأمر عليهم مقبل؛ فقال له داود: إني لخائف إن رجعت معهم ألاّ يكون أحد أشد عليك منهم، وانت أعلم. ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة. وقال عبيد بن جنّاد. عن عطاء بن مسلم الخفاف، قال: كتب هشام إلى يوسف أن أشخص زيداً إلى بلده، فإنه لا يقيم ببلد غيره فيدعو أهله إلا أجابوه، فأشخصه، فلما كان بالثعلبية - أو القادسية - لحقه المشائيم - يعني أهل الكوفة - فردوه وبايعوه، فأتاه سلمة بن كهيل، فأستاذن عليه، فأذن له، فذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقه فأحسن. ثم تكلم زيد فأحسن، فقال له سلمة: اجعل لي الأمان، فقال: سبحان الله! مثلك يسأل مثلي الأمان! وإنما أراد سلمة أن يسمع ذلك أصحابه، ثم قال: لك الأمان، فقال: نشدتك بالله، كم بايعك؟ قال: أربعون ألفاً، قال: فكم بايع جدّك؟ قال: ثمانون ألفاً، قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلثمائة، قال: نشدتك الله أنت خير أم جدّك؟ قال: بل جدي، قال: أفقرنك الذي خرجت فيهم خير أم القرن الذي خرج فيهم جدك؟ قال: بل القرن الذي خرج فيهم جدّي، قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء، وقد غدر أولئك بجدّك! قال: قد بايعوني، ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم، قال: أفتأذن لي أن أخرج من البلد؟ قال: لمَ؟ قال: لا آمن أن يحدث في أمرك حدث فلا أملك نفسي، قال: قد أذنت لك، فخرج إلى اليمامة، وخرج زيد فقتل وصلب. فكتب هشام إلى يوسف يلومه على تركه سلمة ابن كهيل يخرج من الكوفة، ويقول: مقامه كان خيراً من كذا وكذا من الخيل تكون معك. وذكر عمر عن أبي إسحاق - شيخ من أهل أصبهان حدّثه - أن عبد الله ابن حسن كتب إلى زيد بن عليّ: يا بن عمّ؛ إن أهلّ الكوفة نفخ العلانية، خور السريرة، هوج في الرخاء، جزع في اللقاء؛ تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم، لا يبيتون بعدة في الأحداث، ولا ينوءون بدولة مرجوّة؛ ولقد تواترت إليّ كتبهم بدعوتهم، فصمّمت عن ندائهم؛ وألبست قلبي غشاءً عن ذكرهم؛ يأساً منهم واطراحاً لهم؛ وما لهم مثل إلا ما قال عليّ بن أبي طالب: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم. وذكر عن هشام بن عبد الملك، أنه كتب إلى يوسف بن عمر في أمر زيد بن عليّ: أما بعد فقد علمت بحال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا لابيت، ووضعهم إياهم في غير مواضعهم؛ لأنهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم، ووظفوا عليهم شرائع دينهم، ونحلوهم علم ما هو كائن؛ حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفوهم فيها إلى الخروج، وقد قدم زين بن عليّ على أمير المؤمنين في خصومة عمر بن الوليد، ففصل أمير المؤمنين بينهما، ورأى رجلاً جدلاً لسناً خليقاً بتمويه الكلام وصوغه، واجترار الرجال بحلاوة لسانه، وبكثرة مخارجه في حججه، وما يدلى به عند لدد الخصام من السطوة على الخصم بالقوّة الحادّة لنيل الفّلج؛ فعجل إشخاصه إلى الحجاز، ولا تخلّه والمقام قبلك؛ فإنه إن أعاره القوم أسماعهم فحشاها من لين لفظه، وحلاوة منطقه، مع ما يدلي به من القرابة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدهم ميلاً إليه؛ غير متئدة قلوبهم ولا ساكنة أحلامهم، ولا مصونة عندهم أديانهم؛ وبعض التحامل عليه فيه أذى له، وإخراجه وتركه مع السلامة للجميع والحقن للدماء والأمن للفرقة أحب إليّ من أمر فيه سفك دمائهم، وانتشار كلمتهم وقطع نسلهم؛ والجماعة حبل الله المتين، ودين الله القويم وعروته الوثقى؛ فادع إليك أشارف أهل المصر، وأوعدهم العقوبة في الأبشار، واستصفاء الأموال؛ فإن من له عقد أو عهد منهم سيبطىء عنه، ولا يخفّ معه إلاّ الرعاع وأهل السواد ومن تنهضه الحاجة؛ استلذاذاً للفتنة؛ وأولئك ممن يستعبد إبليس؛ وهو يستعبدهم. فبادهم بالوعيد. وأعضضهم بسوطك، وجرّد فيهم سيفك، وأخف الأشراف قبل الأوساط، والأوساط قبل السفلة. والعم أنك قائم على باب ألفة، وداع إلى طاعة، وحاض على جماعة، ومشمر لدين الله؛ فلا تستوحش لكثرتهم، واجعل معقلك الذي تأوي غليه، وضغوك الذي تخرج منه الثقة بربك، والغضب لدينك، والمحاماة عن الجماعة، ومناصبة من أراد كسر هذا الباب الذي أمرهم الله بالدخول فيه، والتشاح عليه؛ فإن أمير المؤمنين قد أعذر إليه وقضى من ذمامه، فليس له منزىً إلى ادعاء حقّ هو له ظلمة من نصيب نفسه، أو فيء، أو صلة لذي قربى، إلا الذي خاف أمير المؤمنين من حمل بادرة السفلة على الذي عسى أن يكونوا به أشقى وأضل ؛ ولهم أمر، ولأمير المؤمنين أعز وأسهل إلى حياطة الدين والذب عنه، فإنه لا يحب أن يرى في أمته حالاً متفاوتاً نكالاً لهم مفنياً؛ فهو يستديم النظرة، ويتأتى للرشاد، ويجتنبهم على المخاوف، ويستجرّهم إلى المراشد، ويعدل بهم عن المهالك، فعل الوالد الشفيق على ولده، والرّاعي الحدب على رعيته. واعلم أنّ من حجّتك عليهم في استحقاق نصر الله لك عند معاندتهم توفيتك أطماعهم، وأعطية ذرّيتهم، ونهيك جندك أن ينزلوا حريمهم ودورهم؛ فانتهز رضا الله فيما أنت بسبيله؛ فإنه ليس ذنب أسرع تعجيل عقوبة من بغى؛ وقد أوقعهم الشيطان، ودلاّهم فيه، ودلّهم عليه؛ والعصمة بتارك البغي أوْلى؛ فأمير المؤمنين يستعين الله عليهم وعلى غيرهم من رعيته، ويسأل إلهه ومولاه ووليّه أن يصلح منهم ما كان فاسداً، وأن يسرع بهم إلى النجاة والفوز؛ إنه سميع قريب. رجع الحديث إلى حديث هشام. قال: فرجع زيد إلى الكوفة، فاستخفى، قال: فقال له محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب حيث أراد الرجوع إلى الكوفة: أذكّرك الله يا زيد لمّا لحقت بأهلك؛ ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك إلى ما يدعونك إليه؛ فإنهم لا يفون لك؛ فلم يقبل منه ذلك، ورجع. قال هشام: قال أبو مخنف: فأقبلت الشيعة لما رجع إلى الكوفة يختلفون إليه، ويبايعون له، حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل، فأقام بالكوفة بضعة عشر شهراً؛ إلاّ أنه قد كان منها بالبصرة نحو شهرين، ثم أقبل إلى الكوفة، فأقام بها، وأرسل إلى أهل السواد وأهل الموصل رجالاً يدعون إليه. قال: وتزوج حيث قدم الكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلميّ، أحد بني فرقد، وتزوج ابنة عبد الله بن أبي العنبس الأزديّ. قال: وكان سبب تزوّجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت ترى رأي الشيعة، فبلغها مكان زيد، فأتته لتسلّم عليه - وكانت امرأة جسيمة جميلة لحيمة، قد دخلت في السنّ، إلا أن الكبر لا يستبين عليها - فلمّا دخلت على زيد بن عليّ فسلمت عليه ظنّ أنها شابة، فكلمته فإذا أفصح الناس لساناً، وأجمله منظراً، فسألها عن نسبها فأنتسبت له، وأخبرته ممن هي، فقال لها: هل لك رحمك الله أن تتزوجيني؟ قالت: أنت والله - رحمك الله - رغبة لو كان من أمري التزويج، قال لها: وما الذي يمنعك؟ قالت: يمنعني من ذلك أني قد أسننت، فقال لها: كلاّ قد رضيت، ما أبعدك من أن تكوني قد أسننت! قالت: رحمك الله، أنا أعلم بنفسي منك؛ وبما أتى عليّ من الدهر؛ ولو كنت متزوجة يوماً من الدهر لما عدلت بك؛ ولكن لي ابنة أبوها ابن عمي؛ وهي أجمل مني، وأنا أزوّجكها إن أحببت، قال: رضيت أن تكون مثلك، قالت له: لكن خالقها ومصورها لم يرض أن يجعلها مثلي، حتى جعلها أبيض وأوسم وأجسم، وأحسن مني دلاً وشكلاً. فضحك زيد، وقال لها: قد رزقت فصاحة ومنطقاً حسناً، فأين فصاحتها من فصاحتك؟ قالت: أما هذا فلا علم لي به؛ لأني نشأت بالحجاز، ونشأت ابنتي بالكوفة، فلا أدري علّ ابنتي قد أخذت لغة أهلها. فقال زيد: ليس ذلك بأكره إليّ، ثم واعدها موعداً فأتاها فتزوّجها، ثم بنى بها فولدت له جاريةً. ثم إنها ماتت بعد؛ وكان بها معجباً. قال: وكان زيد بن عليّ ينزل بالكوفة منازل شتى، في دار امرأته في الأزد مرة، ومرة في أصهاره السلميين، ومرة عند نصر بن خزيمة في بني عبس، ومرة في بني غبر. ثم إنه تحوّل من بني غبر إلى دار معاوية ابن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ في أقصى جباّانة سالم السلوليّ، وفي بني نهد وبني تغلب عند مسجد بني هلال بن عامر، فأقام يبايع أصحابه؛ وكانت بيعته التي يبايع عليها الناس: " إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدّفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، وردّ الظالمين، وإقفال المجمر ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا " ، أتبايعون على ذلك فإذا قالوا: نعم، وضع يده على يده، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله، لتفينّ بيعتي ولتقاتلنّ عدوّي ولتنصحنّ في السرّ والعلانية؟ فإذا قال: نعم مسح يده على يده، ثم قال: اللهمّ اشهده. فمكث بذلك بضعة عشر شهراً؛ فلما دنا خروجه أمر أصحابه بالاستعداد والتهيّؤ، فجعل من يريد أن يفي ويخرج معه يستعدّ لو يتهيّأ، فشاع أمره في الناس. ذكر الخبر عن غزوة نصر بن سيّار ما وراء النهر وفي هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرّتين، ثم غزا الثالثة، فقتل كور صول. ذكر الخبر عن غزواته هذه: ذكر عليّ عن شيوخه، أن نصراً غزا من بلخ ما وراء النهر من ناحية باب الحديد؛ ثم قفل إلى مرو، فخطب الناس، فقال: ألا إن بهرامسيس كان مانحج المجوس، يمنحهم ويدفع عنهم، ويحمل أثقالهم على المسلمين؛ ألا إنّ اشبداد بن جريجور كان مانح النصارى؛ ألا إن عقيبة اليهوديّ كان مانح اليهود يفعل ذلك. ألا إني مانح المسلمين، أمنحهم وأدفع عنهم، وأحمل أثقالهم على المشركين؛ ألا إنه لا يقبل مني إلا توفّى الخراج على ما كتب ورفع. وقد استعملت عليكم منصور بن عمر بن أبي الخرقاء، وأمرته بالعدل عليكم. فأيما رجل منكم من المسلمين كان يؤخذ منه جزية من رأسه، أو ثقل عليه في خراجه، وخفّف مثل ذلك عن المشركين، فليرفع ذلك إلى المنصور بن عمر، يحوّله عن المسلم إلى المشرك. قال: فما كانت الجمعة الثانية؛ حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم، كانوا يؤدون الجزية عن رءوسهم وثمانون ألف رجل من المشركين قد ألقيت عنهم جزيتهم، فحوّل ذلك عليهم، وألقاه من المسلمين. ثم صنّف الخراج حتى وضعه مواضعه، ثم وظّف الوظيفة التي جرى عليها الصلح. قال: فكاانت مرو يؤخذ منها مائة ألف سوى الخراج أيام بني أميّة. ثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند ثم قفل، ثم غزا الثانية إلى الشاش من مرو، فحال بينه وبين قطوع النهر نهر الشاش كورصول في خمسة عشر ألفاً، استأجر كلّ رجل منهم في كلّ شهر بشقّة حرير؛ الشقة يومئذ بخمسة وعشرين درهماً، فكانت بينهم مراماة، فمنع نصراً من القطوع إلى الشاش. وكان الحارث بن سريج يومئذ بأرض الترك، فأقبل معهم؛ فكان بإزاء نصر، فرمى نصراً؛ وهو على سريره على شاطىء النهر بحسبان، فوقع السهم في شدق وصيف لنصر يوضّئه. فتحوّل نصر عن سريره، ورمى فرساً لرجل من أهل الشأم فنفق. وعبر كورصول في أربعين رجلاً، فبيّت أهل العسكر، وساق شاء لأهل بُخارى، وكانوا في الساقة، وأطاف بالعسكر في ليلة مظلمة؛ ومع نصر أهل بخارى وسمرقند وكسّ وأشروسنة، وهم عشرون ألفاً، فنادى نصر في الأخماس: ألا لا يخرجنّ أحد من بنائه، وأثبتوا على مواضعكم. فخرج عاصم بن عمير وهو على جند أهل سمرقند. حتى مرّت خيل كورصول، وقد كانت الترك صاحت صيحة. فظن أهل العسكر أن الترك قد قطعوا كلّهم. فلما مرّت خيل كورصول على ذلك حمل على آخرهم، فأسر رجلاً؛ فإذا هو ملك من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبّة، فجاءوا به إلى نصر، فإذا هو شيخ يسحب درعه شبراً، وعليه رانا ديباج فيهما حلق، وقباء فرند مكفف بالديباج، فقال له نصر: من أنت؟ قال: كورصول، فقال نصر: وأنا أعطيك ألف بعير من إبل الترك، وألف برذون تقوّى بها جندك، وخلّ سبيلي! فقال نصر لمن حوله من أهل الشأم وأهل خراسان: ما تقولون؟ فقالوا: خلّ سبيله، فسأله عن سنّه، قال: لا أدري، قال: كم غزوت؟ قال: اثنتين وسبعين غزوة، قال: أشهدت يوم العطش؟ قال: نعم، قال: لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك. وقال لعاصم بن عمير السغديّ: قم إلى سلبه فخذه؛ فلما أيقن بالقتل، قال: من أسرني؟ قال نصر وهو يضحك: يزيد بن قرّان الحنظليّ - وأشار إليه - قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه - أو قال: لا يستطيع أن يتمّ بوله - فكيف يأسرني! فأخبرني من أسرني؛ فإني أهلٌ أن أقتل سبع قتلات، قيل له: عاصم بن عمير، قال: لست أجد مسّ القتل إذ كان الذي أسرني فارساً من فرسان العرب. فقتله وصلبه على شاطىء النهر. قال: وعاصم بن عمير هو الهزارمرد، قتل بنهاود أيام قحطبة. قال: فلما قتل كورصول تخدّرت الترك وجاءوا بأبنيته فحرقوها، وقطعوا آذانهم، وجردّوا وجوههم. وطفقوا يبكون عليه؛ فلما أمسى نصر وأراد الرحلة، بعث إلى كورصول بقارورة نفط، فصبّها عليه، وأشعل فيه النار لئلا يحملوا عظامه. قال: وكان ذلك أشدّ عليهم من قتله. وارتفع نصر إلى فرغانة، فسبى منها ثلاثين ألف رأس، قال: فقال عنبر بن برعمة الأزدي: كتب يوسف بن عمر إلى نصر: سر إلى هذا الغارز ذنبه بالشاش - يعني الحارث بن سريج - فإن أظفرك الله به وبأهل الشاش، فخرّب بلادهم، واسب ذراريّهم؛ وإياك وورطة المسلمين. قال: فدعا نصر الناس، فقرأ عليهم الكتاب، وقال: ما ترون؟ فقال يحيى بن حضين: امض لأمر أمير المؤمنين وأمر الأمير، فقال نصر: يا يحيى، تكلمت ليالي عاصم بكلمة؛ فبلغت الخليفة فحظيت بها، وزيد في عطائك، وفرض لأهل بيتك، وبلغت الدرجة الرفيعة، فقلت: أقول مثلها. سر يا يحيى، فقد وليتك مقدّمتي؛ فأقبل الناس على يحيى يلومونه، فقال نصر يومئذ: وأيّ ورطة أشدّ من أن تكون في السفر وهم في القرار! قال: فسار إلى الشاش، فأتاه الحارث بن سريج فنصب عرّادتين تلقاء بني تميم؛ فقيل له: هؤلاء بنو تميم، فنقلهما فنصبهما على الأزد - ويقال: علي بكر بن وائل - وأغار عليهم الأخرم، وهو فارس الترك، فقتله المسلمون، وأسروا سبعة من أصحابه، فأمر نصر بن سيار برأس الأخرم، فرمى به في عسكرهم بمنجنيق، فلما رأوه ضجوا ضجة عظيمة، ثم ارتحلوا منهزمين، ورجع نصر، وأراد أن يعبر، فحيل بينه وبين ذلك، فقال أبو نميلة صالح بن الأبّار: كنا وأوبة نصر عند غيبته ... كراقب النوء حتى جاده المطر أودى بأخرم منه عارض برد ... مسترجف بمنايا القوم منهمر وأقبل نصر فنزل سمرقند في السنة التي لقي فيها الحارث بن سريج، فأتاه بخارا خذاه منصرفاً؛ وكانت المسلحة عليهم، ومعهم دهقانان من دهاقين بخارى، وكانا أسلما على يدي نصر، وقد أجمعا على الفتك بواصل بن عمرو القيسي عامل بخارى وببخاراخذاه يتظلّمان من بخاراخذاه، - واسمه طوق شياده - فقال بخاراخذاه لنصر: أصلح الله الأمير! قد علمت أنهما قد أسلما على يديك، فما بالهما معلّقي الخناجر عليهما! فقال لهما نصر: ما بالكما معلقي الخناجر وقد أسلمتما! قال: بيننا وبين بخاراخذاه عداوة فلا نأمنه على أنفسنا. فأمر نصر هارون بن السياوش مولى بني سليم - وكان يكون على الرابطة - فاجتذبهما فقطعهما، ونهض بخارخذاه إلى نصر يسارّه في أمرهما، فقالا: نموت كريمين؛ فشدّ أحدهما على واصل ابن عمرو فطعنه في بطنه بسكين، وضربه واصل بسيفه على رأسه؛ فأطار قحف رأسه فقتله، ومضى الآخر إلى بخارخذاه - وأقيمت الصّلاة، وبخارخذاه جالس على كرسيّ - فوثب نصر، فدخل السرادق، وأحضر بخارخذاه، فعثر عند باب السرادق فطعنه، وشدّ عليه الجوزجان بن الجوزجان، فضربه بجرز كان معه فقتله، وحُمل بخاراخذاه فأدخل سرادق نصر، ودعا له نصر بوسادة فاتّكأ عليها، وأتاه قرعة الطبيب، فجعل يعالجه وأوصى إلى نصر، ومات من ساعته، ودفن واصل في السرادق، وصلى عليه نصر. وأما طوق شياده فكشطوا عنه لحمه، وحملوا عظامه إلى بخارى. قال: وسار نصر إلى الشاش، فلما قدم أشروسنة عرض دهقانها أباراخرّه مالاً، ثم نفذ إلى الشاش، واستعمل على فرغانة محمد بن خالد الأزدي، وجهه إليها في عشرة نفر، وردّ من فرغانة أخاجيش فيمن كان معه من دهاقين الختل وغيرهم، وانصرف منها بتماثيل كثيرة، فنصبها في أشروسنة. وقال بعضهم: لما أتى نصر الشاش تلقّاه قدر ملكها بالصلح والهدية والرهن، واشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلده، فأخرجه إلى فاراب؛ واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة، وقد كانوا أحسوا بمجيئه، فأحرقوا الحشيش وحبسوا الميرة. ووجّه نصر إلى وليّ عهد صاحب فرغانة في بقية سنة إحدى وعشرين ومائة، فحاصروه في قعلة من قلاعها، فغفل عنهم المسلمون، فخرجوا على دوابّهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدّهقان، وأسروا منهم أسراء، وحمل ابن الدهقان المقتول على ابن المثنى، فختله محمد بن المثنىّ، فأسره، وهو غلام أمرد، فأتى به نصراً، فضرب عنقه. وكان نصر بعث سليمان بن صول إلى صاحب فرغانة بكتاب الصلح بينهما. قال سليمان: فقدمت عليه فقال لي: من أنت؟ قلت: شاكريّ خليفة كاتب الأمير، قال: فقال: أدخلوه الخزائن ليرى ما أعددنا، فقيل له: قم، قال: قلت ليس بي مشي، قال: قدّموا له دابة يركبها، قال: فدخلت خزائنه، فقلت في نفسي: يا سليمان، شمت بك إسرايل وبشر بن عبيد؛ ليس هذا إلاّ لكراهة الصحل، وسأنصرف بخفّي حنين. قال: فرجعت إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم؟ قلت: سهلاً كثير الماء والمرعى؛ فكره ما قلت له، فقال: ما علمك؟ فقلت: قد غزوت غرشستان وغور والختّل وطبرستان، فكيف لا أعلم! قال: فكيف رأيت ما أعددنا؟ قلت: رأيت عدة حسنة؛ ولكن أما علمت أن صاحب الحصار لا يسلم من خصال! قال: وما هن؟ قلت: لا يأمن أقرب الناس إليه وأحبهم إليه وأوثقهم في نفسه أن يثب به يطلب مرتبته، ويتقرّب بذلك، أو يفنى ما قد جمع، فيسلم برمته، أو يصيبه داء فيموت. فقطّب وكره ما قلت له وقال: انصرف إلى منزلك، فانصرفت فأقمت يومين، وأنا لا أشكّ في تركه الصلح، فدعاني فحملتُ كتاب الصّلح مع غلامي، وقلت له: إن أتاك رسولي يطلب الكتاب فانصرف إلى المنزل، ولا تظهر الكتاب، وقل لي: إني خلفت الكتاب في المنزل. فدخلت عليه، فسألني عن الكتاب، فقلت: خلّفته في المنزل. فقال: ابعث من يجيئك به، فقبل الصلح، وأحسن جائزتي، وسرّح معي أمّه، وكانت صاحبة أمره. قال: فقدمت على نصر؛ فلما نظر إليّ قال: ما مثلك إلا كما قال الأوّل: فأرسل حكيماً ولا توصه فأخبرته، فقال: وفقت، وأذن لمه عليه، وجعل يكلمها والترجمان يعبّر عنها، فدخل تميم بن نصر، فقال للترجمان: قل لها: تعرفين هذا؟ فقالت: لا، فقال: هذا تميم بن نصر، فقالت: والله ما أرى له حلاوة الصغير، ولا نبل الكبير. قال أبو إسحاق بن ربيعة: قالت لنصر: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزيرٌ يباثّه بكتاب نفسه وما شجر في صدره من الكلام، ويشاوره ويثق بنصيحته، وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهي، وزوجة إذا دخل عليها مغتماً فنظر إلى وجهها زال غمه، وحصن إذا فزع أو جهد فزع إليه فأنجاه - تعني البرذون - وسيف إذا قارع الأقران لم يخش خيانته، وذخيرة إذا حملها فأين وقع بها من الأرض عاش بها. ثم دخل تميم بن نصر في الأزفلة وجماعة، فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا فتى خراسان، هذا تميم بن نصر، قالت: ما له نبل الكبار ولا حلاوة الصغار. ثم دخل الحجاج بن قتيبة فقالت: من هذا؟ فقالوا: الحجاج بن قتيبة، قال: فحيّته، وسألت عنه؛ وقالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاء؛ لا يصلح بعضكم لبعض. قتيبة الذي وطّن لكم ما أرى، وهذا ابنه تقعده دونك! فحقك أن تجلسه هذا المجلس، وتجلس أنت مجلسه. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ - كذلك قال أبو معشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت. عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال الواقديّ وغيره. وكان عامل هشام بن عبد الملك على المدينة ومكة والطائف في هذه السنة محمد بن هشام، وعامله على العراق كلّه يوسف بن عمر، وعامله على أذربيجان وأرمينية مروان بن محمد، وعلى خراسان نصر بن سيّار، وعلى قضاء البصرة عامر بن عبيدة، وعلى قضاء الكوفة ابن شبرمة. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث خبر مقتل زيد بن عليّ فمن ذلك مقتل زيد بن عليّ. ذكر الخبر عن ذلك ذكر هشام عن أبي مخنف، أنّ زيد بن عليّ لما أمر أصحابه بالتأهب للخروج والاستعداد، أخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعة فيما أمرهم به من ذلك، فانطلق سليمان بن سراقة البارقيّ إلى يوسف بن عمر، فأخبره خبره، وأعلمه أنه يختلف إلى رجل منهم يقال له عامر. وإلى رجل من بني تميم يقال له طعمة؛ ابن أخت لبارق؛ وهو نازل فيهم. فبعث يوسف يطلب زيد بن عليّ في منزلهما فلم يوجد عندهما، وأخذ الرجلان، فأتيَ بهما، فلما كلمهما استبان له أمر زيد وأصحابه. وتخوّف زيد بن عليّ أن يؤخذ، فتعجّل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة. قال: وعلى أهل الكوفة يومئذ الحكم بن الصلت، وعلى شرطه عمرو بن عبد الرحمن، رجل من القارة؛ وكانت ثقيف أخواله؛ وكان فيهم ومعه عبيد الله بن العباس الكنديّ، في أناس من أهل الشأم، ويوسف بن عمر بالحيرة. قال: فلما رأى أصحاب زيد بن عليّ الذين بايعوه أنّ يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد، وأنه يدسّ إليه، ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رءوسهم، فقالوا: رحمك الله! ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً، قالوا: فلم تطلب إذاً بدم أهل هذا البيت؛ إلاّ أن وثبا على سلطانكم فنزعاه من أيديكم! فقال لهم زيد: إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم أنّا كنا أحقّ بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا، ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولّوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة. قالوا: فلم يظلمك هؤلاء! وإن كان أولئك لم يظلموك، فلم تدعو إلى قتال قوم ليسوا لك بظالمين! فقال: وإنّ هؤلاء ليسوا كأولئك؛ إنّ هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم؛ وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ؛ فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل. ففارقوه ونكثوا بيعته، وقالوا: سبق الإمام - وكانوا يزعمون أنّ أبا جعفر محمد بن عليّ أخا زيد بن عليّ هو الإمام، وكان قد هلك يومئذ - وكان ابنه جعفر بن محمد حيّاً، فقالوا: جعفر إمامنا اليوم بعد أبيه؛ وهو أحقّ بالأمر بعد أبيه؛ ولا نتبع زيد بن عليّ فليس بإمام. فسمّاهم زيد الرّافضة، فهم اليوم يزعمون أن الذي سماهم الرافضة المغيرة حيث فارقوه. وكانت منهم طائفة قبل خروج زيد مرّوا إلى جعفر بن محمد بن عليّ، فقالوا له: إن زيد بن عليّ فينا يبايع؛ أفترى لنا أن نبايعه؟ فقال لهم: نعم بايعوه؛ فهو والله أفضلنا وسيدنا وخيرنا فجاءوا، فكتموا ما أمرهم به. قال: واتستتبّ لزيد بن عليّ خروجه، فواعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة. وبلغ يوسف بن عمر أنّ زيداً قد أزمع على الخروج، فبعث إلى الحكم ابن الصلت، فأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب والمقاتلة؛ فأدخلهم المسجد، ثم نادى مناديه: ألا إنّ الأمير يقول: من أدركناه في رحلة فقد برئت منه الذمّة؛ ادخلوا المسجد الأعظم. فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد بيوم، وطلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ، فخرج ليلاً؛ وذلك ليلة الأربعاء، في ليلة شديدة البرد، من دار معاوية بن إسحاق، فرفعوا الهراديّ فيها النيران، ونادوا: يا منصور أمت، أمت يا منصور. فكلما أكلت النار هردياً رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتى طلع الفجر؛ فلما أصبحوا بعث زيد بن عليّ القاسم التنعيّ ثم الحضرميّ ورجلاً آخر من أصحابه، يناديان بشعارهما، فلما كانوا في صحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكنديّ، فشدوا عليه وعلى أصحابه، فقتل الرجل الذي كان مع القاسم التنعيّ، وارتُثّ القاسم، فأتى به الحكم فكلمه فلم يردّ عليه شيئاّ، فأمر به فضربت عنقه على باب القصر؛ فكان أول من قتل من أصحاب زيد ابن عليّ هو وصاحبه. وأمر الحكم بن الصلت بدروب السوق فغلقت، وغلقت أبواب المسجد على أهل الكوفة. وعلى أرباع الكوفة يومئذ؛ على ربع أهل المدينة إبراهيم بن عبد الله بن جرير البجليّ، وعلى مذحج وأسد عمرو ابن أبي بذل العبديّ، وعلى كندة وربيعة المنذر بن محمد بن أشعث بن قيس الكنديّ، وعلى تميم وهمدان محمد بن مالك الهمدانيّ ثم الخيوانيّ. قال: وبعث الحكم بن الصلت إلى يوسف بن عمر، فأخبره الخبر، فأمر يوسف مناديه فنادى في أهل الشأم: من يأتي الكوفة فيقترب من هؤلاء القوم فيأتيني بخبرهم؟ فقال جعفر بن العباس الكنديّ: أنا، فركب في خمسين فارساً، ثم أقبل حتى انتهى إلى جبّانة سالم السَّلوليّ، فاستخبرهم، ثم رجع إلى يوسف بن عمر فأخبره، فلما أصبح إلى تلّ قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه قريش وأشراف الناس؛ وعلى شرطته يومئذ العباس بن سعيد المزنيّ، فبعث الرّيان بن سلمة الإراشيّ في ألفين ومعه ثلثمائه من القيقاينّة رجلاً معهم النُّشاب. وأصبح زيد بن عليّ، فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلاً، فقال زيد: سبحان الله! اين الناس! فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر. وسمع نصر ابن خزيمة النداء، فأقبل إليه، فلقي عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيله من جهينة عند دار الزبير بن أبي حكمة في الطريق الذي يخرج إلى مسجد بني عديّ، فقال نصر بن خزيمة: يا منصور أمت؛ فلم يردّ عليه شيئاً، فشدّ عليه نصر وأصحابه، فقتل عمر بن عبد الرحمن، وانهزم من كان معه، وأقبل زيد بن علىّ من جبّانة سالم حتى انتهى إلى جبّانه الصائديّين، وبها خمسمائة من أهل الشأم، فحمل عليهم زيد بن عليّ فيمن معه فهزمهم. وكان تحت زيد بن عليّ يومئذ برذون أدهم بهيم؛ اشتراه رجل من بني نهد بن كهمس بن مروان النجّاري بخمسة وعشرين ديناراً، فلما قتل زيد بعد ذلك أخذه الحكم بن الصّلت. قال: وانتهى زيد بن عليّ إلى باب دار رجل من الأزد، يقال له أنس ابن عمرو - وكان فيمن بايعه - فنودي وهو في الدار فجعل بجيب، فناداه زيد يا أنس: اخرج إلىّ رحمك الله، فقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. فلم يخرج إليه، فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها، الله حسيبكم! قال: ثم إن زيداً مضى حتى انتهى إلى الكناسة، فحمل على جماعة بها من أهل الشأم فهزمهم؛ ثم خرج حتى ظهر إلى الجبّانة ويوسف بن عمر على التلّ ينظر إليه هو وأصحابه، وبين يديه حزام بن مرة المزنيّ وزمزم بن سليم الثعلبيّ؛ وهما على المجفّفة، ومعه نحو من مائتي رجل؛ والله لو أقبل على يوسف لقتله، والرّيان بن سلمة يتبع أثر زيد بن عليّ بالكوفة في أهل الشأم. ثم إن زيداً أخذ ذات اليمين على مصلّى خالد بن عبد الله حتى دخل الكوفة، وكانت فرقة من أصحاب زيد بن عليّ حيث وجّه إلى الكناسة قد انشعبت نحو جبّانة مخنف بن سليم. ثم قال بعضهم لبعض: ألا ننطلق نحو جبّانة كندة! قال: فما زاد الرّجل على أن تكلم بهذا الكلام. وطلع أهل الشأم؛ فلما رأوهم دخلوا زقاقاً فمضوا فيه، وتخلف رجل منهم، فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين، ثم خرج إليهم فقاتلهم ساعة. ثم إنهم صروعه، فجعلوا يضربونه بأسيافهم؛ فنادى رجل منهم مقنع بالحديد: أن اكشفوا المغفر ثم اضربوا رأسه بعمود حديد؛ ففعلوا، وقتل وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه وقد قتل، وانصرف أهل الشأم؛ وقد اقتطعوا رجلاً، ونجا سائرهم. فذهب ذلك الرجل حتى دار عبد الله بن عوف فدخل أهل الشأم عليه فأسروه، فذهب به إلى يوسف بن عمر فقتله. قال: وأقبل زيد بن عليّ، وقد رأى خذلان الناس إيّاه، فقال: يا نصر بن خزيمة، أتخاف أ، يكون قد جعلوهها حسينيّة! فقال له: جعلني الله لك الفداء! أما أنا فوالله لأضربنّ معك بسيفي هذا حتى أموت؛ فكان قتاله يومئذ بالكوفة. ثم إن نصر بن خزيمة قال لزيد بن عليّ: جعلني الله لك الفداء! إن الناس في المسجد الأعظم محصورون، فامض بنا نحوهم، فخرج بهم زيد نحو المسجد، فمرّ على دار خالد بن عرفطة. وبلغ عبيد الله ابن العباس الكنديّ إقباله، فخرج في أهل الشأم، وأقبل زيد فالتقوا على باب عمر بن سعد أبي وقّاص، فكعّ صاحب لواء عبيد الله - وكان لواؤه مع سلمان مولاه - فلما أراد عبيد الله الحملة ورآه قد كعّ عنه، قال: احمل يابن الخبيثة! فحمل عليهم، فلم ينصرف حتى خضِّب لواؤه بالدم. ثم إن عبيد الله برز فخرج إليه واصل الحنّاط، فاضطربا بسيفهما، فقال للأحوال: خذها منّي وأنا الغلام الحنّاط! وقال الآخر: قطع الله يدي إن كلت بقفيز أبداً. ثم ضربه فلم يصنع شيئاً. وانهزم عبيد الله بن العباس وأصحابه، حتى انتهوا إلى دار عمرو بن حريث. وجاء زيد وأصحابه حتى انتهوا إلى باب الفيل؛ فجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب، ويقولون: يا أهل المسجد، اخرجوا. وجعل نصر بن خزيمة يناديهم، ويقول: يا أهل الكوفة، اخرجوا من الذل اخرجوا إلى الدين والدنيا؛ فإنكم لستم في دين ولا دنيا. فأشرف عليهم أهل الشأم، فجعلوا يرمونهم بالحجارة من فوق المسجد - وكان يومئذ جمع كبير بالكوفة في نواحيها، وقيل في جبّانة سالم - وانصرف الرّيان بن سلمة إلى الحيرة عند المساء، وانصرف زيد بن عليّ فيمن معه، وخرج إليه ناس من أهل الكوفة، فنزل دار الرزق، فأتاه الرّيان بن سلمة، فقاتله عند دار الرزق قتالاً شديداً، فجرح من أهل الشأم وقتل منهم ناس كثير، وتبعهم أصحاب زيد من دار الرزّق؛ حتى انتهوا إلى المسجد؛ فرجع أهل الشأم مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظناً؛ فلما كان من الغد غداة يوم الخميس، دعا يوسف بن عمر الرّيان بن سلمة، فلم يوجد حاضراً تلك الساعة. وقال بعضهم: بل أتاه وليس عليه سلاحه فأفّف به، وقال له : أفٍّ لك من صاحب الخيل! اجلس. فدعا العباس بن سعيد المزنيّ صاحب شرطته، فبعثه في أهل الشأم، فسار حتى انتهى إلى زيد بن علىّ في دار الرزق، وثمّ خشب للتجار كثير، فالطريق متضايق. وخرج زيد في أصحابه، وعى مجنّبتيه نصر بن خزيمه العبسيّ ومعاوية بن إسحاق الأنصاريّ، فلما رآهم العباس - ولم يكن معه رجال - نادى: يا أهل الشأم، الأرض والأرض! فنزل ناس كثير ممن معه، فاقتتلوا قتالاً شديداً في المعركة. وقد كان رجل من أهل الشأم من بني عبس يقال له نائل بن فروة قال ليوسف بن عمر: والله لئن أنا ملأت عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنه أو ليقتلنيّ، فقال له يوسف: خذ هذا السيف؛ فدفع إليه بسيف لا يمرّ بشيء ألا قطعه. فلما التقى أصحاب العباس بن سعيد وأصحاب زيد واقتتلوا، بصر نائل بن فروة بنصر بن خزيمة، فأقبل نحوه، فضرب نصراً فقطع فخذه، وضربه نصر ضربةً فقتله؛ فلم يلبث نصر أن مات، واقتتلوا قتالاً شديداً. ثم إن زيد بن عليّ هزمهم وقتل من أهل الشأم نحواً من سبعين رجلاً، فانصرفوا وهم بشرّ حال. وقد كان العباس بن سعيد نادى في أصحابه أن اركبوا؛ فإن الخيل لاتطيق الرجال في المضيق فركبوا، فلما كان العشيّ عبأهم يوسف بن عمر ثم سرحهم، فأقبلوا حتى التقواهم وأصحاب زيد، فحمل عليهم زيد في أصحابه فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبَّخة، ثم شدّ عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بني سليم، ثم تبعهم في خيله ورجاله؛ حتى أخذوا على المسناة. ثم إن زيداً ظهر لهم فيما بين بارق ورؤاس، فقاتلهم هنالك قتالاً شديداً. وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبي مالك بن مسروح، من بني العباس بن زيد، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان مسروح السعديّ تزوج صفية بنت العباس بن عبد المطلب، فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله ورجله، فبعث العباس إلى يوسف بن عمر ييعلمه ذلك، فقال له: ابعث إليّ الناشبة، فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبيّ في القيقانيّة والبخاريّة؛ وهم ناشبة، فجعلوا يرمون زيداً وأصحابه، وكان زيد حريصاً على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السّبخة، فأبوا عليه، فقاتل معاويه بن إسحاق الأنصاريّ بين يدي زيد بن عليّ قتالاً شديداً، فقتل بين يديه، وثبت زيد بن عليّ ومن معه حتى إذا جنح الليل رمى بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فتشبث في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه؛ ولا يظن أهل الشأم أنهم رجعوا إلا للمساء والليل. قال: فحدثني سلمة بن ثابت الليثيّ - وكان مع زيد بن عليّ، وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ، هو وغلام لمعاوية بن إسحاق - قال: أقبلت أنا وصاحبي نقصُّ أثر زيد بن عليّ، فنجده قد أنزل؛ وأدخل بيت حرّان ابن كريمة مولى لبعض العرب في سكة البريد في دور أرحب وشاكر.قال سلمة بن ثابت: فدخلت عليه، فقلت له: جعلني الله فداك أبا الحسين! وانطلق أصحابه فجاءوا بطبيب يقال له شقير مولى بني رؤاس فانتزع النصل من جبهته، وأنا أنظر إليه، فوالله ما عدا أن انتزعه جعل يصيح، ثم لم يلبث أن قضى؛ فقال القوم: أين ندفنه، وأين نواريه؟ فقال بعض أصحابه: نلبسه درعه ونطرحه في الماء، وقال بعضهم: بل نحتز رأسه ونضعه بين القتلى، فقال ابنه يحيى: لا والله لا تأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: لا بل نحمله إلى العباسيّة فندفنه. قال سلمة: فأشرت عليهم أن ننطلق به إلى الحفرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها، فقبلوا رأيي وانطلقنا، وحفرنا له بين حفرتين، وفيه حينئذ ماء كثير؛ حتى إذا نحن أمكنّا له دفناه، وأجرينا عليه الماء، وكان معنا عبد له سندي قال: ثم انصرفنا حتى نأتي جبّانة السيبع، ومعنا ابنه، فلمم نزل بها، وتصدّع الناس عنا، وبقيت في رهط معه لا يكونون عشرة، فقلت له: أين تريد؟ هذا الصبح قد غشيك - ومعه أبو الصّبَّار العبديّ - قال: فقال: النهرين، فظننت أنه يريد أن يتشطّط الفرات ويقاتلهم - فقلت له : لاتبرح مكانك، تقاتلهم حتى تقتل، أو يقضي الله ما هو قاض. فقال لي: أنا أريد نهري كربلاء. فقلت له: فالنجاء قبل الصبح، فخرج من الكوفة، وأنا معه وأبوا الصبّار ورهط معنا، فلما خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذّنين، فصلينا الغداة بالنُّخيلة سراعاً قبل نينوى، فقال لي: إني أريد سباقاً مولى بشر بن عبد الملك بن بشر فأرسع السير، وكنت إذا لقيت القوم أستطعمهم فأطعم الأغرفة فأطعمها إياه، فيأكل ونأكل معه؛ فانتهينا إلى نينوى وقد أظلمنا، فأتينا منزل سابق، فدعوت على الباب، فخرج إلينا فقلت له: أما أنا فآتي الفيّوم، فأكون به؛ فإذا بدا لك أن ترسل إليّ فأرسل. قال: ثم إني مضيت وخلّفته عند سابق؛ فذلك آخر عهدي به. قال: ثم إنّ يوسف بن عمر بعث أهل الشأم يطلبون الجرحى في دور أهل الكوفة، فكانوا يخرجون النساء إلى صحن الدار، ويطوفون البيت يتلمسون الجرحى. قال: ثم دلّ غلام زيد بن عليّ السنديّ يوم الجمعة على زيد، فبعث الحكم بن الصّلت العباس بن سعيد المزنيّ وابن الحكم بن الصّلت، فانطلقا فاستخرجاه، فكره العباس أن يغلب عليه ابن الحكم بن الصّلت، فتركه وسرح بشيراً إلى يوسف بن عمر غداة يوم الجمعة برأس زيد بن علي ّمع الحجاج بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل، فقال أبوا الجورية مولى جهينة: قل للذين انتهكوا المحارم ... ورفعوا الشّمع بصحرا مالم كيف وجدتم وقعة الأكارم ... يا يوسف بن الحكم بن القاسم قال: ولما أتى يوسف بن عمر البشير، أمر بزيد فصلب بالكناسة، هو ونصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاريّ وزياد النهديّ؛ وكان يوسف قد نادى: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء محمد بن عباد برأس نصر بن خزيمة، فأمر له يوسف بن عمر بألف درهم، وجاء الأحول مولى الأشعرييّن برأس معاوية بن إسحاق؛ فقال: أنت قتلته؟ فقال أصلح الله الأمير! ليس أنا قتلته؛ ولكني رأيته فعرفته، فقال: أعطوه سبعمائة درهم، ولم يمنعه أن يتم له ألفاً، إلا أنه زعم أنه لم يقتله. وقد قيل: إن يوسف بن عمر لم يعلم بأمر زيد ورجوعه من الطريق إلى الكوفة بعد ما شخص إلا بإعلام هشام بن عبد الملك إياه، وذلك أن رجلاً من بني أمية كتب - فيما ذكر - إلى هشام، إلى يوسف يشتمه ويجهّله، ويقول: إنك لغافل، وزيد غارز ذنبه بالكوفة يبايع له فألحح في طلبه، فأعطه الأمان فإن نلم يقبل فقاتله. فكتب يوسف إلى الحكم بن الصّلت من آل أبي عقيلل وهو خليفته على الكوفة بطلبه، فطلبه فخفي عليه موضعه، فدس يوسف مملوكاً خرسانياً ألكن، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وأمره أن يلطف لبعض الشّيعة فيخبره أنه قد قدم من خراسان حباً لأهل البيت؛ وأن معه مالاً يريد أن يقويهم به؛ فلم يزل المملوك يلقى الشيعة، ويخبرهم عن المال الذي معه حتى أدخلوه على زيد، فخرج فدل يوسف على موضعه، فوجّه يوسف إليه الخيل، فنادى أصحابه بشعارهم، فلم يجتمع إليه منهم إلا ثلثمائة أو أقل، فجعل يقول: كان داود ابن عليّ أعلم بكم؛ قد حذرنيّ خذلانكم فلم أحذر! وقيل إن الذي دل على موضع زيد الذي كان دفن فيه - وكان دفن في نهر يعقوب فيما قيل، وكان أصحابه قد سكروا النهر ثم حفروا له في بطنه، فدفنوه في ثيابه ثم أجروا عليه الماء - عبد قصار كان به، فاستعجل جعلا على أن يدلهم على موضعه، ثم دلهم فاستخرجوه، فقطعوا رأسه، وصلبوا جسده؛ ثم أمروا بحراسته لئلا ينزل، فمكث يحرس زماناً. وقيل إنه كان فيمن يحرسه زهير بن معاوية أبو خيثمة، وبعث برأسه إلى هشام فأمر به فنصب على باب مدينة دمشق، ثم أرسل به إلى المدينة، ومكث البدن مصلوباً حتى مات هشام، ثم أمر به الوليد فأنزل وأحرق. وقيل: إن حكيم ابن شريك كان هو الذي سعى بزيد إلى يوسف. فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه قال في أمر يحيى بن زيد: لما قتل زيد عمد رجل من بنى أسد إلى يحيى بن زيد، فقال له: قد قتل أبو، وأهل خراسان لكم شيعة، فالرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف لي بذلك؟ قال: تتوارى حتى يكفّ عنك الطلب ثم تخرج، فواراه عنده ليلة، ثم خاف فأتى عبد الملك بن بشر بن مروان، فقال له: إن قرابة زيد بك قريبة، وحقّه عليك واجب، قال له: أجل؛ ولقد كان العفو عنه أقرب إلى التقوى، قال: فقد قتل وهذا ابنه غلاماً حدثاً لا ذنب له؛ وإن علم يوسف بن عمر بمكانه قتله، فتجيره وتواريه عندك، قال: نعم وكرامة. فأتاه به فواراه عنده. فبلغ الخبر يوسف، فأرسل إلى عبد الملك: قد بلغني مكان هذا الغلام عندك، وأعطى الله عهداً؛ لئن لم تأتني به لأكتبنّ فيك إلى أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: أتاك الباطل والزور؛ أنا أواري من ينازعني سلطاني ويدّعي فيه أكثر من حقي! ما كنت أخشاك على قبول مثل هذا عليّ ولا الاستماع من صاحبه، فقال: صدق والله ابن بشر؛ ما كان ليواري مثل هذا، ولا يستر عليه؛ فكفّ عن طلبه؛ فلما سكن الطلبُ خرج يحيى في نفر من الزيديّة إلى خراسان. وخطب يوسف بعد قتل زيد بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة، إن يحيى بن زيد يتنقّل في حجال نسائكم كما كان يفعل أبوه؛ والله لو أبدى لي صفحته لعقت خصييه كما عرقت خصيَي أبيه. وذكر عن رجل من الأنصار قال: لما جىء برأس زيد فصلب بالمدينة في سنة ثلاث وعشرين ومائة، أقبل شاعر من شعراء الأنصار فقام بحياله، فقال: ألا يا ناقض الميثا ... ق أبشر بالذي ساكا نقضت العهد والميثا ... ق قدماً كان قدماكا لقد أخلف إبليس ال ... ذي قد كان منّاكا قال: فقيل له: ويلك! أتقول هذا لمثل زيد! فقال: إن الأمير غضبان فأردت أن أرضيه، فرد عليه بعض شعرائهم: ألا يا شاعر السوء ... لقد أصبحت أفاكا أشتم ابن رسول الل ... ه يرضي من تولاكا ألا صبحك الله ... بخزي ثم مساكا ويوم الحشر لا شك ... بأن النار مثواكا وقيل: كان خراش بن حوشب بن يزيد الشيبانيّ على شرط يوسف ابن عمر؛ فهو الذي نبش زيداً، وصلبه، فقال السيد: بتّ ليلى مسهدا ... ساهر الطرف مقصدا ولقد قلت قولة ... وأطلت التبلدا لعن الله حوشباً وخراشاً ومزيدا ويزيداً فإنه ... كان أعتى وأعندا ألف ألف وألف أل ... ف من اللعن سرمدا إنهم حاربوا الإل ... ه وآذوا محمدا شركوا في دم المطه ... ر زيد تعندا ثم عالوه فوق جذ ... ع صريعاً مجردا يا خراش بن حوشب ... أنت أشقى الورى غدا قال أبو مخنف: ولما قتل يوسف زيد بن علي أقبل حتى دخل الكوفة فصعد المنبر، فقال: يا أهل المدرة الخبيثة، إني والله ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشّنان، ولا أخوف بالذنب. هيهات؟ حبيت بالساعد الأشدّ، أبشروا يا أهل الكوفة بالصغار والهوان، لا عطاء لكم عندنا ولا رزق؛ ولقد هممت أن أخرب بلادكم ودوركم، وأحرمكم أموالكم. أما والله ما علوت منبري إلا أسمعتكم ما تكرهون عليه، فإنكم أهل بغي وخلاف، ما منكم إلا من حارب الله ورسوله؛ إلا حكيم بن شريك المحاربيّ؛ ولقد سألت أمير المؤمنين أن يأذن لي فيكم؛ ولو أذن لقتلت مقاتلتكم، وسبيت ذراريكم. وفي هذه السنة قتل كلثوم بن عياض القشيريّ الذي كان هشام بن عبد الملك بعثه في خيول أهل الشأم إلى إفريقيّة؛ حيث وقعت الفتنة بالبربر. وفيها قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم. وفيها ولد الفضل بن صالح ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ. وفيها وجّه يوسف بن عمر بن شبرمة على سجستان، فاستقضى ابن أبي ليلى. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام المخزوميّ، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحق بن عيسى، عن أبي معشر؛ وكلذلك قال الواقديّ وغيره. وكانت عمال المصار في هذه السنة العمال في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل؛ إلا أنّ قاضي الكوفة كان - فيما ذكر - في هذه السنة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر صلح نصر بن سيار مع السغد فمن ذلك ما جرى بين أهل السغد ونصر بن سيار من الصّلح. ذكر الخبر عن ذلك وسببهذكر عليّ بن محمد، عن شيوخه، أن خاقان لما قتل في ولاية أسد، تفرّقت الترك في غارة بعضها على بعض؛ فطمع أهل السغد في الرجعة إليها، وانحاز قوم منهم إلى الشاش، فلما ولى نصر بن سيار أرسل إليهم يدعوهم إلى الفيئة والمراجعة إلى بلادهم، وأعطاهم كلّ ما أرادوا. قال: وكانوا سألوا شروطاً أنكرها أمراء خراسان؛ منها ألاّ يعاقب من كان مسلماً وارتدّ عن الإسلام، ولا يعدّى عليهم في دين لأحد من الناس، ولا يؤخذون بقبالة عليهم في بيت المال، ولا يؤخذ أسراء المسلمين من أيديهم إلا بقضيّة قاض وشهادة العدول؛ فعاب الناس ذلك على نصر، وكلّموه فقال: أما والله لو عاينتم شوكتهم في المسلمين ونكايتهم مثل الذي عاينت ما أنكرتم ذلك؟ فأرسل رسولاً إلى هشام في ذلك؛ فلما قدم الرّسول أبى أن ينفذ ذلك لنصر، فقال الرسول: جُرّبت يا أمير المؤمنين حربنا وصلحنا، فاختر لنفسك. فغضب هشام، فقال الأبرش الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، تألّف القوم واحمل لهم؛ فقد عرفت نكايتهم كانت في المسلمين، فأنفذ هشام ما سأل. وفي هذه السنة أوفد يوسف بن عمر الحكم بن الصلت إلى هشام بن عبد الملك، يسأله ضم خراسان إليه وعزل نصر بن سيّار. ذكر الخبر عن سبب ذلك وما كان من الأمر فيه: ذكر عليّ عن شيوخه، قال: لما طالت ولاية نصر بن سيار، ودانت له خراسان، كتب يوسف بن عمر إلى هشام حسداً له: إن خراسان دبرة دبرة فإن رأى أمير المؤمنين أن يضمها إلى العراق فأسرّح إليها الحكم بن الصلت؛ فإنه كان مع الجنيد، وولي جسيم أعمالها، فأعمر بلاد أمير المؤمنين بالحكم. وأنا باعث بالحكم بن الصلت إلى أمير المؤمنين، فإنه أديب أريب، ونصيحته لأمير المؤمنين مثل نصيحتنا ومودّتنا أهلَ البيت. فلما أتى هشاماً كتابه بعث إلى دار الضيافة، فوجد فيها مقاتل بن عليّ السغديّ، فأتوه به، فقال: أمن خراسان أنت؟ قال: نعم، وأنا صاحب الترك - قال: وكان قدم على هشام بخمسين ومائة من الترك - فقال: أتعرف الحكم بن الصلت؟ قال: نعم، قال: فما وليَ بخراسان؟ قال: وليَ قرية يقال لها الفارياب، خراجها سبعون ألفاً، فأسره الحارث بن سريج، قال: ويحك؟ وكيف أفلت منه؟ قال: عرك أذنه، وقفده وخلّى سبيله. قال: فقدم عليه الحكم بعد بخراج العراق، فرأى له جمالاً وبياناً، فكتب إلى يوسف: إنّ الحكم قدم وهو على ما وصفت، وفيما قبلك له سعة، وخلّ الكنانيّ وعمله. وفي هذه السنة غزا نصر فرغانة غزوته الثانية، وأوفد مغراء بن أحمر إلى العراق، فوقع فيه عند هشام. ذكر الخبر عن ذلك وما كان من هشام ويوسف بن عمر فيه: ذكر أن نصراً وجّه مغراء بن أحمر إلى العراق وافداً، منصرفه من غزوته الثانية فرغانة، فقال له يوسف بن عمر: يا بن أحمر؛ يغلبكم ابن الأقطع يا معشر قيس على سلطانكم؟ فقال: قد كان ذلك أصلح الله الأمير؟ قال: فإذا قدمت على أمير المؤمنين فابقر بطنه. فقدموا على هشام، فسألهم عن أمر خراسان، فتكلّم مغراء، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر يوسف بن عمر بخير، فقال: ويحك؟ أخبرني عن خراسان، قال: ليس لك جند يا أمير المؤمنين أحدّ ولا أنجد منهم، من سواذق في السماء وفرسان مثل الفيلة؛ وعدّة وعدد من قوم ليس لهم قائد، قال: ويحك؟ فما فعل الكنانيّ؟ قال: لا يعرف ولده من الكبر. فردّ عليه مقالته، وبعث إلى دار الضيافة، فأتيَ بشبيل بن عبد الرحمن المازنيّ، فقال له هشام: أخبرني عن نصر، قال: ليس بالشيخ يخشى خرفه، ولا الشابّ يخشى سفهه، المجرِّب المجرَّب، قد ولي عامّة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته. فكتب إلى يوسف بذلك، فوضع يوسف الأرصاد، فلما انتهوا إلى الموصل تركوا طريق البريد، وتكأّدوا حتى قدموا بيهق - وقد كتب إلى نصر بقول شبيل - وكان إبراهيم بن بسام في الوفد، فمكر به يوسف، ونعى له نصراً، وأخبره أنه قد وليَ الحكم بن الصّلت بن أبي عقيل خراسان. فقسم له إبراهيم أمر خراسان كله؛ حتى قدم عليه إبراهيم بن زياد رسول نصر؛ فعرف أنّ يوسف قد مكرَ به وقال: أهلكني يوسف. وقيل: إن نصراً أوفد مغراء، وأوفد معه حملة بن نعيم الكلبيّ، فلما قدموا على يوسف، أطمع يوسف مغراء، إن هو تنقّص نصراً عند هشام أن يوليه السند. فلما قدما عليه ذكر مغراء بأس نصر ونجدته ورأيه، وأطنب في ذلك، ثم قال: لو كان الله متعنا منه ببقيّة؟ فاستوى هشام جالساً، ثم قال: ببقيّة ماذا؟ قال: لا يعرف الرّجل إلا بجرمه، ولا يفهم عنه حتى يدنى منه، وما يكاد يفهم صوته من الضّعف لأجل كبره. فقام حملة الكلبيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، كذب والله، ما هو كما قال؛ هو هو. فقال هشام: إن نصراً ليس كما وصف، وهذا أمر يوسف بن عمر حسد لنصر؛ وقد كان يوسف كتب إلى هشام يذكر كبر نصر وضعفه، ويذكر له سلم بن قتيبة. فكتب إليه هشام: اله عن ذكر الكنانيّ، فلما قدم مغراء على يوسف، قال له: قد علمت بلاء نصر عندي، وقد صنعت به ما قد علمت، فليس لي في صحبته خير، ولا لي بخراسان مقام؛ فأمره بالمقام. وكتب إلى نصر: إني قد حوّلت اسمه، فأشخص إليّ من قبلك من أهله. وقيل: إنّ يوسف لما أمر مغراء بعيب نصر، قال: كيف أعيبه مع بلائه وآثاره الجميلة عندي وعند قومي! فلم يزل به، فقال: فبم أعيبه؟ أعيب تجربته أم طاعته؟ أم يمن نقيبته أم سياسته؟ قال: عبه بالكبر. فلما دخل على هشام تكلم مغراء، فذكر نصراً بأحسن ما يكون، ثم قال في آخر كلامه: لولا...، فاستوى هشام جالساً، فقال: ما لولا! قال: لولا أنّ الدهر قد غلب عليه، قال: ما بلغ به ويحك الدهرّ قال: ما يعرف الرجل إلا من قريب، ولا يعرفه إلا بصوته، وقد ضعف عن الغزو والركوب. فشقّ ذلك على هشام. فتكلّم حملة بن نعيم. فلما بلغ نصراً قول مغراء بعث هارون بن السياوش إلى الحكم بن نميلة، وهو في السرّاجين يعرض الجند، فأخذ برجله فسحبه عن طنفسة له، وكسر لواءه على رأسه، وضرب بطنفسته وجهه، وقال: كذلك يفعل الله بأصحاب الغدر! وذكر عليّ بن محمد، عن الحارث بن أفلح بن مالك بن أسماء بن خارجة: لما وليَ نصر خراسان أدنى مغراء بن أحمر بن مالك بن سارية النميريّ والحكم ابن نميلة بن مالك والحجاج بن هارون بن مالك؛ وكان مغراء بن أحمر النميريّ رأس أهل قنسرين، فآثر نصر مغراء وسنى منزلته، وشفعه في حوائجه، واستعمل ابن عمه الحكم بن نميلة على الجوزجان، ثم عقد للحكم على أهل العالية، وكان أبوه بالبصرة عليهم؛ وكان بعده عكابة بن نميلة، ثم أوفد نصر وفداً من أهل الشأم وأهل خراسان، وصيّر عليهم مغراء؛ وكان في الوفد حملة بن نعيم الكلبيّ، فقال عثمان بن صدقة بن وثاب لمسلم بن عبد الرحمن ابن مسلم عامل طخارستان: خيرني مسلم مراكبه ... فقلت حسبي من مسلم حكما هذا فتى عامر وسيدها ... كفى بمن ساد عامراً كرما يعني الحكم بن نميلة. قال: فتغيّر نصر لقيس وأوحشه ما صنع مغراء. قال: وكان أبو نميلة صالح الأبّار مولى بني عبس، خرج مع يحيى بن زيد بن عليّ بن حسين، فلم يزل معه حتى قتل بالجوزجان. وكان نصر قد وجد عليه لذلك، فأتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر، فقال: قد كنت في همة حيران مكتئباً ... حتى كفاني عبيد الله تهمامي ناديته فسما للمجد مبتهجاً ... كغرة البدر جلّى وجه إظلام فاسم برأى أبي ليث وصولته ... إن كنت يوم حفاظ بامرىء سام تظفر يداك بمن تمت مروته ... واختصه ربه منه بإكرام ماضي العزائم ليثي مضاربه ... على الكريهة يوم الروع مقدام لا هذر ساحة النادي ولا مذل ... فيه ولا مسكت إسكات إفحام له من الحلم ثوباه ومجلسه ... إذا المجالس شانت أهل أحلام قال: فأدخله عبيد الله على نصر، فقال أبو نميلة: أصلحك الله! إني ضعيف؛ فإن رأيت أن تأذن لراويتي! فأذن له، فأنشده: فاز قدح الكلبيّ فاعتقدت مغ ... راء في سعيه عروق لئيم فأبيني نمير ثم أبيني ... ألعبد مغراء أم لصميم فلئن كان منكم ما يكون ال ... غدر والكفر من خصال الكريم ولئن كان أصله كان عبداً ما عليكم من غدره من شتيم وليته ليث وأي ولاة ... بأياد بيض وأمر عظيم! أسمنته حتى إذا راح مغبو ... طاً بخير من سيبها المقسوم كاد ساداته بأهون من نه ... قة عير بقفرة مرقوم فضربنا لغيرنا مثل الكل ... ب ذميماً والذمّ للمذموم وحمدنا ليثاً ويأخذ بالفض ... ل ذوو الجود والندى والحلوم فاعلمن يا بني القساورة الغل ... ب وأهل الصفا وأهل الحطيم أن في شكر صالحينا لما يد ... حض قول المرهق الموصوم قد رأى الله ما أتيت ولن ين ... قص نبح الكلاب زهر النجوم فلما فرغ قال نصر: صدقت، وتكلمت القيسية واعتذروا. قال: وأهان نصر قيساً وباعدهم حين فعل مغراء ما فعل، فقال في ذلك بعض الشعراء: لقد بغض الله الكرام إليكم ... كما بغض الرحمن قيساً إلى نصر رأيت أبا ليث يهين سراتهم ... ويدنى إليه كل ذي والث غمر وحجّ بالناس في هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر؛ وكذلك قال الواقديّ أيضاً. وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها، وقد ذكرتهم قبل. ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة ذكر الإخبار عما كان فيها من الأحداث ابتداء أمر أبي مسلم الخراسانيّ فممّا كان فيها من ذلك مقدم جماعة من شيعة بني العباس الكوفّة يريدون مكّة، وشرّي بكير بن ماهان - في قول بعض أهل السير - أبا مسلم صاحب دعوة بني العباس من عيسى بن معقل العجليّ. ذكر الخبر عن سبب ذلك وقد اختلف في ذلك؛ فأمّا عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن حمزة بن طلحة السّلميّ حدثه عن أبيه، قال: كان بكير بن ماهان كاتباً لبعض عمّال السند، فقدمها، فاجتمعوا بالكوفة في دار، فغمز بهم فأخذوا، فحبس بكير وخليَ عن الباقين، وفي الحبس يونس أبو عاصم وعيسى بن معقل العجليّ، ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير فأجابوه إلى رأيه، فقال لعيسى بن معقل: ما هذا الغلام؟ قال: مملوك، قال: تبيعه؟ قال: هو لك، قال: أحبّ أن تأخذ ثمنه، قال: هو لك بما شئت؛ فأعطاه أربعمائة درهم، ثم أخرجوا من السجن، فبعث به إلى إبراهيم فدفعه إبراهيم إلى أبي موسى السراج، فسمع منه وحفظ، ثم صار إلى أن اختلف إلى خراسان. وقال غيره: توجّه سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ، وقحطبة بن شبيب من خراسان، وهم يريدون مكة في سنة أربع وعشرين ومائة، فلما دخلوا الكوفة أتوا عاصم بن يونس العجليّ؛ وهو في الحبس، قد اتهم بالدّعاء إلى ولد العباس، ومعه عيسى وإدريس ابنا معقل؛ حبسهما يوسف بن عمر فيمن حبس من عمّال خالد بن عبد الله، ومعهما أبو مسلم يخدمهما؛ فرأوا فيه العلامات، فقالوا: من هذا؟ قالوا: غلام معنا من السراجين - وقد كان أبو مسلم يسمع عيسى وإدريس يتكلمان في هذا الرأي فإذا سمعهما بكى - فلما رأوا ذلك منه دعوه إلى ما هم عليه، فأجاب وقبل. وفي هذه السنة غزا سليمان بن هشام الصائفة، فلقي أليون ملك الروم فسلم وغنم. وفيها مات - في قول الواقديّ - محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ. وحجّ في هذه السنة عبد العزيز بن الحجاع بن عبد الملك معه امرأته أمّ سلمة بنت هشام بن عبد الملك. وذكر محمد بن عمر أن يزيد مولى أبي الزّناد حدّثه، قال: رأيت محمد ابن هشام على بابها يرسل بالسلام وألطافه على بابها كثيرة، ويعتذر فتأبى؛ حتى كان يأيس من قبول هديّته، ثم أمرت بقبضها. وكان عمّال الأمصار في هذه السنة هم العمال الذين كانوا عمالها في سنة اثنتين وعشرين ومائة وفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد ذكرناهم قبل. ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة. خبر وفاة هشام بن عبد الملك ومن ذلك وفاة هشام بن عبد الملك بن مروان فيها، وكانت وفاته - فيما ذكر أبو معشر - لستّ ليال خلون من شهر ربيع الآخر؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى؛ عنه. وكذلك قال الواقديّ والمدائنيّ وغيرهما؛ غير أنهم قالوا: كانت وفاته يوم الأربعاء لستّ ليال خلون من شهر ربيع الآخر، فكانت خلافته في قول جميعهم تسع عشرة سنة، وسبعة أشهر وأحداً وعشرين يوماً في قول المدائنيّ وابن الكلبيّ، وفي قول أبي معشر: وثمانية أشهر ونصفاً، وفي قول الواقديّ: وسبعة أشهر وعشر ليالٍ. واختلف في مبلغ سنه، فقال هشام بن محمد الكلبيّ: توفي وهو ابن خمس وخمسين سنة. وقال بعضهم: توفّي وله اثنتان وخمسون سنة. وقال محمد بن عمر: كان هشام يوم توفّي ابن أربع وخمسين سنة. وكانت وفاته بالرصافة وبها قبره، وكان يكنى أبا الوليد. ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاتهحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدثني شيبة بن عثمان، قال: حدّثني عمرو بن كليع؛ قال: حدّثني سالم أبو العلاء، قال: خرج علينا هشام بن عبد الملك يوماً وهو كئيب، يعرف ذلك فيه، مسترخ عليه ثيابه، وقد أرخى عنان دابته، فسار ساعة ثم انتبه، فجمع ثيابه وأخذ بعنان دابته، وقال للربيع: ادع الأبرش، فدعي فسار بيني وبين الأبرش، فقال له الأبرش: يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيت منك شيئاً غمّني، قال: وما هو؟ قال: رأيتك قد خرجت على حال غمّني. قال: ويحك يا أبرش! وكيف لا أغتّمّ وقد زعم أهل العلم أني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يوماً! قال سالم: فرجعت إلى منزلي، فكتبت في قرطاس: " زعم أمير المؤمنين يوم كذا وكذا أنه يسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوماً " . فلمّا كان في الليلة التي استكمل فيها ثلاثة وثلاثين يوماً إذا خادم يدقّ الباب يقول: أجب أمير المؤمنين، واحمل معك دواء الذبحة - وقد كان أخذه مرّة فتعالج فأفاق - فخرجت ومعي الدواء فتغرغر به، فازداد الوجع شدة، ثم سكن فقال لي: يا سالم، قد سكن بعض ما كنت أجد؛ فانصرف إلى أهلك، وخلف الدوائ عندي. فانصرفت، فما كان إلا ساعة حتى سمعت الصراخ عليه، فقالوا: مات أمير المؤمنين! فلما مات أغلق الخزّان الأبواب، فطلبوا قمقماً يسخن فيه الماء لغسله، فما وجدوه حتى استعاروا قمقماً من بعض الجيران، فقال بعض من حضر ذلك: إن في هذا لمعتبراً لمن اعتبر. وكان وفاته بالذبحة فلما مات صلى عليه ابنه مسلمة بن هشام. ذكر بعض سير هشام حدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن وسنان الأعرجيّ، قال: حدّثني ابن أبي نحيلة، عن عقّال بن شيبه، قال: دخلت على هشام، وعليه قباء فنك أخضر، فوجهني إلى خراسان، وجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: ما لك؟ قلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنك أخضر، فجعلت أتأمّل هذا، أهو ذاك أم غيره؟ فقال: هو والله الذي لا إله إلا، هو ذاك، ما لي قباء غيره. وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم. قال: وكان عقّال مع هشام. فأما شبّة أبو عقّال؛ فكان مع عبد الملك بن مروان، وكان عقّال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشوّ عقلاً. حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ؛ قال: قال مروان بن شجاع؛ مولى لمروان بن الحكم: كنت مع محمد بن هشام بن عبد الملك، فأرسل إليّ يوماً، فدخلتُ عليه، وقد غضب وهو يتلهف، فقلت: مالك؟ فقال: رجل نصرانيّ شجّ غلامي - وجعل يشتمه - فقلت له: على رسلك! قال: فما أصنع؟ قلت: ترفعه إلى القاضي، قال: وما غير هذا! قلت: لا، قال خصيّ له: أنا أكفيك، فذهب فضربه. وبلغ هشاماً فطلب الخصيّ، فعاذ بمحمد، فقال محمد بن هشام: لم آمرك، وقال الخصيّ: بلى والله لقد أمرتني، فضرب هشام الخصيّ وشتم ابنَه. وحدثني أحمد، قال عليّ: لم يكن أحد يسير في أيام هشام في موكب إلاّ مسلمة بن عبد الملك. قال: ورأى هشام يوماً سالماً في موكب، فزجره وقال: لأعلمنّ متى سرت في موكب. وكان يقدم الرجل الغريب فيسير معه، فيقف سالم، ويقول: حاجتك، ويمنعه أن يسير معه، وكان سالم كأنه هو أمّر هشاماً. قال: ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ العطاء إلا عليه الغزو؛ فمنهم من يغزو، ومنهم من يخرج بدلاً. قال: وكان لهشام بن عبد الملك مولىً يقال له يعقوب، فكان يأخذ عطاء هشام مائتي دينار وديناراً، يفضّل بدينار، فيأخذها يعقوب ويغزو. وكانوا يصيّرون أنفسَهم في أعوان الديّوان، وفي بعض ما يجوّز لهم المقام به، ويوضع به الغزو عنهم. وكان داود وعيسى ابنا عليّ بن عبد الله بن عباس - وهما لأمّ - في أعوان السّوق بالعراق لخالد بن عبد الله، فأقاما عنده، فوصلهما، ولولا ذلك لم يستطع أن يحبسهما، فصيّرهما في الأعوان، فسمرا، وكانا يسامرانه ويحدّثانه. قال: فولى هشام بعض مواليه ضيعةً له، فعمرها فجاءت بلغة عظيمة كبيرة ثم عمّرها أيضاً، فأضعفت الغلّة، وبعث بها مع ابنه، فقدم بها على هشام، فأخبره خبر الضّيعة فجزاه خيراً، فرأى منه انبساطاً، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: زيادة عشرة دنانير في العطاء، فقال: ما يخيّل إلى أحدكم أن عشرة دنانير في العطاء إلا بقدر الجوز! لا لعمري لا أفعل. حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، قال: قال جعفر بن سليمان: قال لي عبد الله بن عليّ: جمعت دواوين بني مروان، فلم أر ديواناً أصحّ ولا أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. حدثنا أحمد، قال: قال عليّ: قال غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بني مروان أشد نظراً في أمر أصحابي ودواوينه، ولا أشدّ مبالغة في الفحص عنهم من هشام. حدّثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال حماد الأبحّ: قال هشام لغيلان: ويحك يا غيلان! قد أكثر الناس فيك، فنازعنا بأمرك، فإن كان حقاً اتّبعناك، وإن كان باطلاً نزعت عنه، قال: نعم، فدعا هشام ميمون بن مهران ليكلمه، فقال له ميمون: سل؛ فإن أقوى ما تكونون إذا سألتم، قال له: أشاء الله أن يعصى؟ فقال له ميمون: أفعصي كارهاً! فسكت، فقال هشام: أجبه فلم يجبه، فقال له هشام: لا أقالني الله إن أقلتُه؛ وأمر بقطع يديه ورجليه. حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ عن رجل من غنيّ، عن بشر مولى هشام، قال: أتى هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه وضربه، فبكى الشيخ. قال بشر: فقلت له - وأنا أعزّيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضّرب! إنما أبكي لاحتقاره للبربط إذ سماه طنبوراً! قال: وأغلظ رجل لهشام، فقال له هشام: ليس لك أن تغلظ لإمامك! قال: وتفقّد هشام بعض ولده - ولم يحضر الجمعة - فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي، قال: أفعجزت عن المشي فتركت الجمعة! فمنعه الدّابّة سنة. قال: وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إنّ بغلتي قد عجزت عني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بدابّة فعل. فكتب إليه: قد فهم أمير المؤمنين كتابك، وما ذكرت من ضعف دابتك، وقد ظنّ أمير المؤمنين أن ذلك من قلة تعهّدك لعلفها، وأنّ علفها يضيع، فتعهد دابتك في القيام عليها بنفسك، ويرى أمير المؤمنين رأيه في حملانك. قال: وكتب إليه بعض عمّاله: إني قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن؛ فليكتب إليّ أمير المؤمنين بوصولها. فكتب إليه: قد وصل إلى أمير المؤمنين الدرّاقن الذي بعثتَ به فأعجبه، فزد أمير المؤمنين منه، واستوثق من الوعاء. قال: وكتب إلى بعض عمّاله: قد وصلت الكمأة التي بعثت بها إلى أمير المؤمنين؛ وهي أربعون، وقد تغيّر بعضها، ولم تؤت في ذلك إلا من حشوها، فإذا بعثت إلى أمير المؤمنين منها شيئاً فأجد حشوها في الظرف الذي تجعلها فيه بالرمل؛ حتى لا تضطرب ولا يصيب بعضها بعضاً. حدّثني أحمد، قال: حدثني عليّ، قال: حدّثنا الحارث بن يزيد، قال: حدّثني مولى لهشام، قال: بعث معي مولى لهشام كان على بعض ضياعه بطيرين ظريفين، فدخلت إليه وهو جالس على سرير في عرصة الدار، فاقل: أرسلهما في الدار، قال: فأرسلتهما فنظر إليهما، فقلت: يا أمير المؤمنين، جائزتي، قال: ويلك! وما جائزة طيرين؟ قلت: ما كان، قال: خذ أحدهما، فعدوت في الدار عليهما، فقال: ما لك؟ قلت: أختار خيرهما، قال: أتختار أيضاً خيرهما وتدع شرهما لي! دعهما ونحن نعطيك أربعين درهماً أو خمسين درهماً. قال: وأقطع هشام أرضاً يقال لها دورين، فأرسل في قبضها؛ فإذا هي خراب، فقال لذويد كاتب كان بالشأم: ويحك! كيف الحيلة؟ قال: ما تجعل لي؟ قال: أربعمائة دينار، فكتب دورين وقراها، ثم أمضاها في الدواوين، فأخذ شيئاً كثيراً، فلما ولى هشام دخل عليه ذويد، فقال له هشام: دورين وقراها! لا والله لا تلي لي ولاية أبداً، وأخرجه من الشأم. حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن عمير بن يزيد، عن أبي خالد، قال: حدّثني الوليد بن خليد، قال: رآني هشام بن عبد الملك، وأنا على برذون طخارى، فقال: يا وليد بن خليد، ما هذا البرذون؟ قلت: حملني عليه الجنيد، فحسدني وقال: والله لقد كثرت الطخارية، لقد مات عبد الملك فما وجدنا في دوابه برذوناً طخارياً غير واحد، فتنافسه بنو عبد الملك أيهم يأخذه؛ وما منهم أحد إلا يرى أنه إن لم يأخذه لم يرث من عبد الملك شيئاً. قال: وقال بعض آل مروان لهشام: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان؟ قال: ولم لا أطمع فيها وأنا حليم عفيف! قال: وقال هشام يوماً للأبرش: أوضعت أعنزك؟ قال: إي والله، قال: لكن أعنزي تأخّر ولادها، فاخرج بنا إلى أعنزك نصب من ألبانها، قال: نعم، أفأقدّم قوماً؟ قال: لا، قال: أفأقدّم خباءً حتى يضرب لنا؟ قال: نعم، فبعث برجلين بخباء فضرب، وغدا هشام والأبرش وغدا الناس، فقعد هشام والأبرش؛ كلّ واحد منهما على كرسيّ، وقدّم إلى كلّ واحد منهما شاة، فحلب هشام الشاة بيده، وقال: تعلم يا أبرش أني لم أبسّ الحلب! ثم أمر بملة فعجنت وأوقد النار بيده، ثم فحصها وألقى الملة، وجعل يقلبها بالمحراث، ويقول: يا أبرش، كيف ترى رفقي! حتى نضجت ثم أخرجها، وجعل يقلّبها بالمحراث، ويقول: جبينك جبينك. والأبرش يقول: لبّيك لبيك - وهذا شيء تقوله الصبيان إذا خبزت لهم الملة - ثم تغدّى وتغدّى الناس ورجع. قال: وقدم علباء بن منظور الليثيّ على هشام، فأنشده: قالت علية واعتزمت لرحلة ... زوراء بالأذنين ذات تسدر أين الرحيل وأهل بيتك كلهم ... كل عليك كبيرهم كالأصغر! فأصاغر أمثال سلكان القطا ... لا في ثرى مال ولا في معشر إني إلى ملك الشآم لراحل ... وإليه يرحل كل عبد موقر فلأتركنك إن حييت غنية ... بندى الخليفة ذي الفعال الأزهر إنا أناس ميت ديواننا ... ومتى يصبه ندى الخليفة ينشر فقال له هشام: هذا الذي كنت تحاول، وقد أحسنت المسألة. فأمر له بخمسمائة درهم، وألحق له عيلاً في العطاء. قال: وأتى هشاماً محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. فقال: ما لك عندي شيء. ثم قال: إيّاك أن يغرّك أحد فيقول: لم يعرفك أمير المؤمنين؛ إني قد عرفتك؛ أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلا تقيمنّ وتنفق ما معك، فليس لك عندي صلة، فالحق بأهلك. قال: ووقف هشام يوماً قريباً من حائط فيه زيتون، ومعه عثمان بن حيان المري، وعثمان قائم يكاد رأسه يوازي رأس أمير المؤمنين وهو يكلمه إذ سمع نفض الزيتون، فقال لرجل: انطلق إليهم فقل لهم: القطوه لقطاً، ولا تنفضوه نفضاً، فتتفقّأ عيونه، وتتكسر غصونه. قال: وحجّ هشام، فأخذ الأبرش مخنثين ومعهم البرابط، فقال هشام: احبسوهم وبيعوا متاعهم - وما درى ما هو - وصيروا ثمنه في بيت المال، فإذا صلحوا فردّوا عليهم الثمن. وكان هشام بن عبد الملك ينزل الرصافة - وهي فيما ذكر - من أرض قنسرين. وكان سبب نزوله إياها - فيما حدّثني أحمد بن زهير بن حرب، عن عليّ بن محمد - قال: كان الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدّون ويهربون من الطاعون، فينزلون البريّة خارجاً عن الناس، فلما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له: لا تخرج؛ فإنّ الخلفاء لا يطعنون؛ ولم نر خليفة طعن، قال: أتريدون أن تجربوا بي! فنزل الرصافة وهي برية، ابتنى بها قصرين، والرصافة مدينة رومية بنتها الروم. وكان هشام أحول، فحدثني أحمد، عن عليّ، قال: بعث خالد بن عبد الله إلى هشام بن عبد الملك بحادٍ فحدا بين يديه بأرجوزة أبي النجم: والشمس في الأفق كعين الأحول ... صغواء قد همت ولما تفعل فغضب هشام وطرده. وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: حدثنا أبو عاصم الضبيّ، قال: مرّ بي معاوية بن هشام، وأنا أنظر إليه في رحبة أبي شريك - وأبو شريك رجل من العجم كانت تنسب إليه وهي مزرعة - وقد اختبز خبزة، فوقف عليّ، فقلت: الغداء! فنزل وأخرجتها، فوضعتها في لبن، فأكل ثم جاء الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: معاوية بن هشام، فأمر لي بصلة. وركب وثار بين يديه ثعلب، فركض خلفه، فما تبعه غلوة؛ حتى عثر به فرسه فسقط فاحتملوه ميتاً، فقال هشام: تالله لقد أجمعت أن أرشحه للخلافة، ويتبع ثعلباً! قال: وكانت عند معاوية بن هشام ابنة إسماعيل بن جرير وامرأة أخرى، فأخرج هشام كلّ واحدة منهما من نصف الثمن بأربعين ألفاً. حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا، عليّ، قال: قال قحذم كاتب يوسف: بعثني يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفي، وحبّة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحبّ، فدخلت عليه فدنوت منه، فلم أر وجهه من طول السرير وكثرة الفرش، فتناول الحجر والحبّة، فقال: أكتب معك بوزنهما؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ هما أجلّ عن أن يكتب بوزنهما، ومن أين يوجد مثلهما! قال: صدقت، وكانت الياقوتة للرائقة جارية خالد بن عبد الله، اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار. حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، قال: حدّثنا حسين بن يزيد، عن شهاب بن عبد ربّه، عن عمرو بن عليّ، قال: مشيت مع محمد بن عليّ إلى داره عند الحمّام، فقلت له: إنه قد طال ملك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين. وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدري ما أحاديث الناس! ولكن أبي حدّثني عن أبيه، عن عليّ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لن يعمّر الله ملكاً في أمة نبيّ مضى قبله ما بلغ بذلك النبيّ من العمر " . وفي هذه السنة ولي الخلافة بعد موت هشام بن عبد الملك الوليد بن يزيد ابن عبد الملك بن مروان، وليها يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة في قول هشام بن محمد الكلبيّ. وأما محمد بن عمر فإنه قال: استُخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين ومائة. وقال في ذلك عليّ بن محمد مثل قول محمد بن عمر. خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروانذكر الخبر عن بعض أسباب ولايته الخلافة قد مضى ذكرى سبب عقد أبيه يزيد بن عبد الملك بن مروان له الخلافة بعد أخيه هشام بن عبد الملك؛ وكان الوليد بن يزيد يوم عقد له أبوه يزيد ذلك ابن إحدى عشرة سنة، فلم يمت يزيد حتى بلغ ابنُه الوليد خمس عشرة سنة، فندم يزيد على استخلافه هشاماً أخاه بعده؛ وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد، قال: الله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك! فتوفيَ يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد ابن خمسة عشرة سنة.وولى هشام وهو للوليد مكرّم معظم مقرّب؛ فلم يزل ذلك من أمرهما حتى ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب؛ حمله على ذلك - فيما حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ ابن محمد، عن جويرية بن أسماء وإسحاق بن أيوب وعامر بن الأسود وغيرهم - عبد الصمد بن عبد الأعلى الشبّانيّ أخو عبد الله بن عبد الأعلى - وكان مؤدّب الوليد - واتّخذ الوليد ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحجّ سنة تسع عشرة ومائة، فحمل معه كلاباً في صناديق، فسقط منها صندوق - فيما ذكر عليّ بن محمد عمّن سميت من شيوخه - عن البعير وفيه كلب، فأجالوا على لاكريّ السياط، فأوجعوه ضرباً. وحمل معه قبّة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمراً، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة؛ ويجلس فيها؛ فخوّفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك؛ فلم يحرّكها. وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف به، وبلغ ذلك هشاماً فطمع في خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأراده على أن يخلعها ويبايع لمسلمة؛ فأبى، فقال له: اجعلها له من بعدك؛ فأبى، فتنكر له هشام وأضرّ به، وعمل سرّاً في البيعة لابنه؛ فأجابه قوم. قال: فكان ممن أجابه خالاه: محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميّ، وبنو القعقاع بن خليد العبسيّ وغيرهم من خاصّته. قال: وتمادى الوليد في الشراب وطلب اللذات فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا! ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر به! فكتب إليه الوليد: يأيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفاً وممزوجة ... بالسخن أحياناً وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة - وكان يكنى أبا شاكر - وقال له: يعيّرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة! فالزم الأدب واحضر الجماعة. وولاّه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك والوقار واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالاً، فقال مولى لأهل المدينة: يأيها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها ... ليس بزنديق ولا كافر يعرّض بالوليد. وأمّ مسلمة بن هشام أمّ حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص. فقال الكميت: إن الخلافة كائن أوتادها ... بعد الوليد إلى ابن أم حكيم فقال خالد بن عبد الله القسريّ: أنا برىء من خليفة يكنى أبا شاكر؛ فغضب مسلمة بن هشام على خالد، فلما مات أسد بن عبد الله أخو خالد ابن عبد الله، كتب أبو شاكر إلى خالد بن عبد الله بعشر هجا به يحيى بن نوفل خالداً وأخاه أسداً حين مات: أراح من خالد وأهلكه ... رب أراح العباد من أسد أما أبوه فكان مؤتشباً ... عبداً لئيماً لأعبد قفد وبعث بالطومار مع رسول على البرييد إلى خالد؛ فظنّ أنه عزاه عن أخيه، ففضّ الخاتم، فلم ير في الطومار غير الهجاء، فقال: ما رأيت كاليوم تعزية! وكان هشام يعيب الوليد ويتنقصه، وكشر عبثه به وبأصحابه وتقصيره به، فلمّا رأى ذلك الوليد خرج وخرج معه ناس من خاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق؛ بين أرض بلقين وفزارة، على ماء يقال له الأغدف، وخلف كاتبه عياض ابن مسلم مولى عبد الملك بن مروان بالرصافة، فقال له: اكتب إليّ بما يحدث قبلكم. وأخرج معهه عبد الصمد بن عبد الأعلى، فشربوا يوماً فلما أخذ فيهم الشراب، قال الوليد لعبد الصمد: يا أبا وهب، قل أبياتاً، فقال: ألم تر للنجم إذ شيعا ... يبادر في برجه المرجعا تحير عن قصد مجراته ... أتى الغور والتمس المطلعا فقلت وأعجبني شأنه ... وقد لاح إذ لاح لي مطمعا: لعل الوليد دنا ملكه ... فأمسى إليه قد استجمعا وكنا نؤمل في ملكه ... كتأميل ذي الجدب أن يمرعا عقدنا له محكمات الأمو ... ر طوعاً فكان لها موضعا وروى الشعر؛ فبلغ هشاماً، فقطع عن الوليد ما كان يجرى عليه، وكتب إلى الوليد: بلغني عنك أنك اتخذت عبد الصمد خدناً ومحدثاً ونديماً؛ وقد حقق ذلك عندي ما بلغني عنك، ولم أبرئك من سوء، فأخرج عبد الصمد مذموماً مدحوراً. فأخرجه، وقال فيه: لقد قذفوا أبا وهب بأمر ... كبير بل يزيد على الكبير فأشهد أنهم كذبوا عليه ... شهادة عالم بهم خبير وكتب الوليد إلى هشام يعلمه إخراج عبد الصمد، واعتذر إليه مما بلغه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه - وكان ابن سهيل من أهل اليمن وقد ولي دمشق غير مرّة، وكان ابن سهيل من خاصّة الوليد - فضرب هشام ابن سهيل وسيّره، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد، وبلغه أنه يكتب بالأخبار إلى الوليد، فضربه ضرباً مبرحاً، وألبسه المسوح. فبلغ الوليد، فقال: من يثق بالناس، ومن يصطنع المعروف! هذا الأحول المشئوم قدّمه أبي على أهل بيته فصيّره وليّ عهده، ثم يصنع بي ما ترون؛ لا يعلم أنّ لي في أحد هوىً إلا عبث به، كتب إليّ أن أخرج عبد الصمد فأخرجته إليه، وكتبت إليه أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليّ، فضربه وسيّره، وقد علم رأي فيه، وقد علم انقطاع عياض بن مسلم إليّ، وتحرّمه بي ومكانه مني وأنه كاتبي، فضربه وحبسه، يضارّني بذلك؛ اللهم أجرني منه! وقال: أنا النذير لمسدي نعمة أبداً ... إلى المقاريف ما لم يخبر الدخلا إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطراً ... وإن أهنتهم ألفيتهم ذللا أتشمخون ومنّا رأس نعمتكم ... ستعلمون إذا كانت لنا دولا انظر فإن كنت لم تقدر على مثل ... له سوى الكلب فاضربه له مثلا بينا يسمنه للصيد صاحبه ... حتى إذ ما قوى من بعد ما هزلا عدا عليه فلم تضرره عدوته ... ولو أطاق له أكلا لقد أ:لا وكتب إلى هشام: لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عنّي، ومحو ما محا من أصحابي وحرمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتليَ الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه؛ فإن يكن ابن سهيل كان منه ما كان فبحسب العير أن يكون قدر الذئب؛ ولم يبلغ من صنيعي في ابن سهيل واستصلاحه، وكتابي إلى أمير المؤمنين فيه كنه ما بلغ أمير المؤمنين من قطيعتي؛ فإن يكن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين عليّ، فقد سبّب الله لي من العهد، وكتب لي من العمر، وقسم لي من الرزق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء منه دون مدتّه، ولا صرف شيء عن مواقعه؛ فقدر الله يجري بمقاديره فيما أحبّ الناس أو كرهوا، ولا تأخير لعاجله ولا تعجيل لآجله؛ فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، ولا يستوجبون العقوبة عليه؛ وأمير المؤمنين أحقّ أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفّق لأمير المؤمنين بحسن القضاء له في الأمور. فقال هشام لأبي الزبير: يا نسطاس، أترى الناس يرضون بالوليد إن حدث بي حدث؟ قال: بل يطيل الله عمرك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! لا بدّ من الموت؛ أفترى الناس يرضون بالوليد؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ له في أعناق الناس بيعة، فقال هشام: لئن رضي الناس بالوليد ما أظن الحديث الذي رواه الناس: " إن من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار " ، إلا باطلاً. وكتب هشام إلى الوليد: قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع عنك وغير ذلك؛ وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك؛ ولا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع، ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدهما فإيثار أمير المؤمنين إياك بما كان يجري عليك؛ وهو يعلم وضعك له وإنفاقكه في غير سبيله، وأما الآخر فإثبات صحابتك، وإدرار أرزاقهم عليهم؛ لا ينالهم ما ينال المسلمين في كلّ عام من مكروه عند قطع البعوث، وهم معك تجول بهم في سفهك؛ ولأمير المؤمنين أحرى في نفسه للتقصير في القتر عليك منه للاعتداء عليك فيها؛ مع أن الله قد نصر أمير المؤمنين في قطع ما قطع عنك من ذلك ما يرجو به تكفير ما يتخوّف مما سلف فيه منه. وأما ابن سهيل فلعمري لئن كان نزل منك بما نزل، وكان أهلاً أن تسر فيه أو تساء؛ ما جعله الله كذلك؛ وهل زاد ابن سهيل - لله أبوك - على أن كان مغنياً زفاناً، قد بلغ في السفه غايته! وليس ابن سهيل مع ذلك بشر ممن تستصحبه في الأمور التي يكرم أمير المؤمنين نفسه عن ذكرها، مما كنت لعمر الله أهلاً للتوبيخ به؛ ولئن كان أمير المؤمنين على ظنك به في الحرص على فسادك؛ إنك إذاً لغير آلٍ عن هوى أمير المؤمنين من ذلك. وأما ما ذكرت مما سبب الله لك؛ فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك، واصطفاه له؛ والله بالغ أمره. لقد أصبح أمير المؤمنين وهو على اليقين من رّبه؛ أنه لا يملك لنفسه فيما أعطاه من كرامته ضراً ولا نفعاً؛ وإن الله ولي ذلك منه؛ وإنه لا بدّ له من مزايلته؛ والله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير الرضيّ له منهم. وإنّ أمير المؤمنين من حسن ظنه بربّه لعلي أحسن الرجاء أن يوليه تسبيب ذلك لمن هو أهله في الرضا له به ولهم؛ فإنّ بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره، أو يؤديه شكره؛ إلا بعون منه؛ ولئن كان قدر لأمير المؤمنين تعجيل وفاة، إنّ في الذ يهو مفض إليه إن شاء الله من كرامة الله لخلفاً من الدنيا. ولعمري إن كتابك إلى أمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك، فاربع على نفسك من غلواتها، وارقأ على ظلعك؛ فإن لله سطوات وعيناً؛ يصيب بذلك من يشاء، ويأذن فيه لمن يشاء ممن شاء الله؛ وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه وأرضاها له. فكتب الوليد إلى هشام: رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي ... لو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني تثير على الباقين مجنى ضغينة ... فويل لهم إن مت من شر ما تجني! كأني بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغني كفرت يداً من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنِّ قال: فلم يزل الوليد مقيماً في تلك البرية حتى مات هشام؛ فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة، أرسل إلى أبي الزبير المنذر بن أبي عمرو، فأتاه فقال له: يا أبا الزبير؛ ما أتت عليّ ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة؛ عرضت لي هموم، وحدّثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل؛ الذي قد أولع بي - يعني هشاماً - فاركب بنا نتنفس؛ فركبا، فسارا ميلين؛ ووقف على كثيب، وجعل يشكو هشاماً إذ نظر إلى رهج، فقال: هؤلاء رسل هشام؛ نسأل الله من خيرهم، إذ بدا رجلان على البريد مقبلان؛ أحدهما مولىً لأبي محمد السفيانيّ، والآخر جردبة. فلما قربا أتيا الوليد، فنزلا يعدوان حتى دنوا منه؛ فسلما عليه بالخلافة، فوجم، وجعل جردبة يكرّر عليه السلام بالخلافة، فقال: ويحك! أمات هشام! قال: نعم؛ قال فممّن كتابك؟ قال: من مولاك سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأ الكتاب وانصرفا، فدعا مولى أبي محمد السفيانيّ، فسأله عن كاتبه عياض بن مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين؛ لم يزل محبوساً حتى نزل بهشام أمر الله. فلما صار في حدّ لا ترجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان؛ أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلنّ أحد منه إلى شيء. وأفاق هشام غفاقةً، فطلب شيئاً فمنعوه فقال: أرانا كنا خزاناً للوليد! ومات من ساعته. وخرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه؛ فما وجدوا له قمقماً يسخّن له فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا كفناً من الخزائن؛ فكفنّه غالب مولى هشام؛ فكتب الوليد إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة، فيحصيَ ما فيها من أموال هشام وولده، ويأخذ عمّاله وحشمه؛ إلا مسلمة بن هشام؛ فإنه كتب إليه ألاّ يعرض له، ولا يدخل منزله؛ فإنه كان يكثر أن يكلم أبه في الرّفق به، ويكفه عنه. فقدم العباس الرصافة فأحكم ما كتب به إليه الوليد؛ وكتب إلى الوليد بأخذ بني هشام وحشمه وإحصاء أموال هشام، فقال الوليد: ليت هشاماً كان حياً يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا ويروى: ليت هشاماً عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبّعا كلناه بالصاع الذي كاله ... وما ظلمناه به إصبعا وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحله الفرقان لي أجمعا فاستعمل الوليد العمّال، وجاءته بيعته من الآفاق؛ وكتب إليه العمّال، وجاءته الوفود؛ وكتب إليه مروان بن محمد: بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده؛ وكان من تغشى غمرة سكرة الولاية ما حمل هشاماً على ما حاول من تصغير ما عظّم الله من حقّ أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعب عليه؛ الذي أجابه إليه المدخولون في آرائهم وأديانهم؛ فوجد ما طمع فيه مستصعباً، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها. وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزّره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلاً، ونهض متسقلاً بما حمل منها، مثبتة ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى، وخصّه الله بها على خلقه وهو يرى حالاتهم، فقلّده طوقها، ورمى إليه بأزمّة الخلافة، وعصم الأمور. فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عرى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم؛ فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمور أوبق نفسه، وأسخط ربه، ومن عدلت به التوبة نازعاً من الباطل إلى حقّ وجد الله تواباً رحيماً. أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أني عندما انتهى إليّ من قيامه بولاية خلافة الله، نهضت إلى منبري؛ عليّ سيفان مستعداً بهما لأهل الغشّ، حتى أعلمت من قبلي ما امتنّ الله به عليهم من ولاية أمير المؤمنين، فاستبشروا بذلك، وقالوا: لم تأتنا ولاية خليفة كانت آمالنا فيها أعظم ولا هي لنا أسرّ من ولاية أمير المؤمنين؛ وقد بسطت يدي لبيعتك فجدّدتها ووكدّتها بوثائق العهود وترداد المواثيق وتغليظ الأيمان، فكلهم حسنت إجابتهم وطاعتهم، فأثبهم يا أمير المؤمنين بطاعتهم من مال الله الذي آتاك؛ فإنك أجودهم جوداً وأبسطهم يداً؛ وقد انتظروك راجين فضلك قبلهم بالرّحم الذي استرحموك، وزدهم زيادة يفضل بها من كان قبلك؛ حتى يظهر بذلك فضلك عليهم وعلى رعيّتك؛ ولولا ما أحاول من سدّ الثغر الذي أنا به، لخفت أن يحملني الشوق إلى أمير المؤمنين أن أستخلف رجلاً على غير أمره، وأقدم لمعاينة أمير المؤمنين؛ فإنها لا يعدلها عندي عادل نعمة وإن عظمت؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في المسير إليه لأشافهه بأمور كرهت الكتاب بها فعل. فلما وليَ الوليد أجرى على زمني أهل الشأم وعميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادم؛ وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة؛ وزادهم على ما كان يخرج لهم هشام، وزاد الناس جميعاً في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشأم بعد زيادة العشرات عشرة عشرة؛ لأهل الشأم خاصّة، وزاد من وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضعف، وكان وهو ليّ عهد يطعم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلاً، ويطعم من صدر عن الحجّ بمنزل يقال له زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم، ولم يقل في شي يسأله: لا، فقيل له: إن في قولك: أنظر، عدّة ما يقيم عليها الطالب؛ فقال: لا أعوّد لساني شيئاً لم أعتده، وقال: ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع سيوشك إلحاق معاً وزيادة ... وأعطية منّي عليكم تبرع محرمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتّاب شهراً وتطبع وفي هذه السنة عقد الوليد بن يزيد لابنيه الحكم وعثمان البيعة من بعده، وجعلهما وليّي عهده؛ أحدهما بعد الآخر، وجعل الحكم مقدّماً على عثمان، وكتب بذلك إلى الأمصار؛ وكان ممن كتب إليه بذلك يوسف بن عمر، وهو عامل الوليد يومئذ على العراق، وكتب بذلك يوسف إلى نصر بن سيار؛ وكانت نسخة الكتاب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. من يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار؛ أما بعد فإني بعثت إليك نسخة كتاب أمير المؤمنين الذي كتب به إلى من قبلي في الذي ولّى الحكم ابن أمير المؤمنين وعثمان ابن أمير المؤمنين من العهد بعده مع عقّال بن شبّة التميميّ وعبد الملك القينيّ، وأمرتهما بالكلام في ذلك؛ فإذا قدما عليك فاجمع لقراءة كتاب أمير المؤمنين الناس، ومرهم فليحشدوا له، وقم فيهم بالذي كتب أمير المؤمنين؛ فإذا فرغت فقمم بقراءة الكتاب، وأذن لمن أراد أن يقوم بخطبة، ثم بايع الناس لهما على اسم الله وبركته، وخذ عليهم العهد والميثاق على الذي نسخت لك في آخر كتابي هذا الذي نسخ لنا أمير المؤمنين في كتابه، فافهمه وبايع عليه، نسأل الله أن يبارك لأمير المؤمنين ورعيّته في الذي قضى لهم على لسان أمير المؤمنين، وأن يصلح الحكم وعثمان، ويبارك لنا فيهما؛ والسلام عليك. وكتب النضر يوم الخميس للنصف من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة. بسم الله الرحمن الرحيم. تبايع لعبد الله الوليد أمير المؤمنين والحكم ابن أمير المؤمنين إن كان من بعده وعثمان ابن أمير المؤمنين إن كان بعد الحكم على السمع والطاعة؛ وإن حدث بواحد منهما حدث فأمير المؤمنين أملك في ولده ورعيته، يقدّم من أحبّ، ويؤخر من أحب. عليك بذلك عهد الله وميثاقه؛ فقال الشاعر في ذلك: نبايع عثمان بعد الولي ... د للعهد فينا ونرجو يزيدا كما كان إذ ذاك في ملكه ... يزيد يرجى لذاك الوليدا على أنها شسعت شسعةً ... فنحن نومّلها أن تعودا فإن هي عادت فأرض القري ... ب عنها ليؤيس منها البعيدا قال أحمد: قال عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: فقدم عقّال بن شبّة وعبد الملك بن نعيم على نصر، وقدما بالكتاب وهو: أما بعد؛ فإنّ الله تباركت أسماؤه، وجلّ ثناؤه، وتعالى ذكره، اختار الإسلام ديناً لنفسه، وجعله دين خيرته من خلقه، ثم اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس؛ فبعثهم به، وأمرهم به؛ وكان بينهم وبين من مضى من الأمم، وخلا من القرون قرناً فقرناً؛ يدعون إلى التي هي أحسن، ويهدون إلى صراط مستقيم؛ حتى انتهت كرامة الله في نبوّته إلى محمد صلوات الله عليه؛ على حين دروس من العلم، وعميً من الناس، وتشتيت من الهوى، وتفرّقٍ من السبل، وطموس من أعلام الحقّ؛ فأبان الله به الهدى، وكشف به العمى، واستنقذ به من الضلالة والردى، وأبهج به الدين، وجعله رحمةً للعالمين، وختم به وحيه، وجمع له ما أكرم به الأنبياء قبله؛ وقفّى به على آثارهم؛ مصدّقاً لما نزل معهم، ومهيمناً عليه، وداعياً إليه، وآمراً به؛ حتى كان من أجابه من أمته، ودخل في الدين الذي أكرمهم الله به، مصدّقين لما سلف من أنبياء الله فيما يكذّبهم فيه قومهم، منتصحين لهم فيما ينهونه، ذابّين لحرمهم عما كانوا منتهكين؛ معظمين منها لما كانوامصغّرين؛ فليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد كان يسمع لأحد من أنبياء الله فيما بعثه الله به مكذباً، ولا عليه في ذلك طاعناً، ولا له مؤذياً، بتسفيه له، أو ردٍّ عليه؛ أو جحد ما أنزل الله عليه ومعه، فلم يبق كافر إلا استحلّ بذلك دمه، وقطع الأسباب التي كانت بينه وبينه؛ وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم. ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوّته؛ حين قبض نبيّه صلى الله عليه وسلم، وختم به وحيه لإنفاذ حكمه، وإقامة سنّته وحدوده، والأخذ بفرائضه وحقوقه، تأييداً بهم للإسلام، وتشييداً بهم لعراه؛ وتقويةً بهم لقوى حبله، ودفعاً بهم عن حريمه، وعدلاً بهم بين عباده، وإصلاحاً بهم لبلاده؛ فإنه تبارك وتعالى يقول: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين " ، فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه، واستخلفهم عليه منه؛ لا يتعرّض لحقهم أحد إلا صرعه الله، ولا يفارق جماعتهم أحد إلاّ أهلكه الله؛ ولا يستخف بولايتهم، ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم الله منه، وسلطهم عليه، وجعله نكالاً وموعظة لغيره؛ وكذلك صنع الله بمن فارق الطاعة التي أمر بلزومها والأخذ بها، والأثرة لها؛ والتي قامت السموات والأرض بها؛ قال الله تبارك وتعالى: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين " ، وقال عزّ ذكره: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " . فبالخلافة أبقى الله من أبقى في الأرض من عباده، وإليها صيّره، وبطاعة من ولاّه إياها سعد من ألهمها ونصرها؛ فإن الله عزّ وجلّ علم أن لا قوام لشيء، ولا صلاح له إلا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه، ويمضي بها أمره، وينكل بها عن معاصيه، ويوقف عن محارمه، ويذبّ عن حرماته؛ فمن أخذ بحظه منها كان لله ولياً ولأمره مطيعاً، ولرشده مصيباً، ولعاجل الخير وآجله مخصوصاً؛ ومن تركها ورغب عنها وحاد الله فيها أضاع نصيبه، وعصى ربّه، وخسر دنياه وآخرته؛ وكان ممن غلبت عليه الشقوة، واستحوذت عليه الأمور الغاوية، التي تورد أهلها أفظع المشارع، وتقودهم إلى شرّ المصارع، فيما يحلّ الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمة، ويصيّرهم فيما عندهم من العذاب والحسرة. والطاعة رأس هذا الأمر وذروته وسنامه وملاكه وزمامه، وعصمته وقوامه، بعد كلمة الإخلاص التي ميّز الله بها بين العباد. وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم، واستوجبوا عليه ثوابهم، وفي المعصية مما يحلّ بغيرهم من نقماته، ويصيبهم عليه، ويحق من سخطه وعذابه، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والإدبار عنها والتبذّل للمعصية بها، أهلك الله من ضلّ وعتا، وعمى وغلا، وفارق مناهج البرّ والتقوى. فالزموا طاعة الله فيما عراكم ونالكم؛ وألمّ بكم من الأمور، وناصحوها واستوثقوا عليها، وسارعوا غليها وخالصوها، وابتغوا القربة إلى الله بها؛ فإنكم قد رأيتم مواقع الله لأهلها في إعلائه إياهم، وإفلاجه حجّتهم، ودفعه باطل من حادهم وناورأهم وساماهم، وأراد إطفاء نور الله الذي معهم. وخبرتم مع ذلك ما يصير إليه أهل المعصية من التوبيخ لهم والتقصير بهم؛ حتى يؤول أمرهم إلى تبار وصغار، وذلة وبوار؛ وفي ذلك لمن كان له رأي وموعظة عبرة ينتفع بواضحها، ويتمسّك بحظوتها؛ ويعرف خيرة قضاء الله لأهلها. ثم إن الله - وله الحمد والمنّ والفضل - هدى الأمة لأفضضل الأمور عاقبةً لها في حقن دمائها، والتئام ألفتها، واجتماع كلمتها، واعتدال عمودها، وإصلاح دهمائها؛ وذخر النعمة عليها في دنياها، بعد خلافته التي جعلها لهم نظاماً، ولأمرهم قواماً؛ وهو العهد الذي ألهم الله خلفاءه توكيده والنظر للمسلمين في جسيم أمرهم فيه؛ ليكون لهم عندما يحدث بخلفائهم ثقةً في المفزع وملتجأ في الأمر، ولما للشعث، وصلاحاً لذات البين، وتثبيتاً لأرجاء الإسلام، وقطعاً لنزغات الشيطان؛ يما يتطلع إليه أولياؤه، ويوثبهم عليه من تلف هذا الدين وانصداع شعب أهله، واختلافهم فيما جمعهم الله عليه منه؛ فلا يريهم الله في ذلك إلاّ ما ساءهم، وأكذب أمانيهم، ويجدون الله قد أحكم بما قضى لأوليائه من ذلك عقد أمورهم، ونفى عنهم من أراد فيها إدغالاً أو بها إغلالا، أو لما شدّد الله منها توهيناً، أو فيما تولّى الله منها اعتماداً، فأكمل الله بها لخلفائه وحزبه البر الذين أودعهم طاعته أحسن الذي عوّدهم، وسبّب لهم من إعزازه وأكرامه وإعلائه وتمكينه؛ فأمر هذا العهد من تمام الإسلام، وكمال ما استوجب الله على أهله من المنن العظام؛ ومما جعل الله فيه لمن أجراه على يديه، وقضى به على لسانه، ووفقه لمن ولاه هذا الأمر عنده أفضل الذخر؛ وعند المسلمين أحسن الأثر فيما يؤثر بهم من منفعته، ويتّسع لهم من نعمته، ويستندون إليه من عزّه، ويدخلون فيه من وزره الذي يجعل الله لهم به منعة، ويحرزهم به من كلّ مهلكة، ويجمعهم به من كلّ فرقة، ويقمع به أهل النّفاق، ويعصمهم به من كلّ اختلاف وشقاق. فاحمدوا الله ربكم الرءوف بكم، الصانع لكم في أموركم على الذي دلّكم عليه من هذا العهد؛ الذي جعله لكم سكناً ومعوّلاً تطمئنون إليه، وتستظلون في أفنانه؛ ويستنهج لكم به مثنى أعناقكم، وسمات وجوهكم، وملتقى نواصيكم في أمر دينكم ودنياكم؛ فإنّ لذلك خطراً عظيماً من النعمة؛ وإنّ فيه من الله بلاء حسناً في سعة العافية؛ يعرفه ذوو الألباب والنيات المريئون من أعمالهم في العواقب، والعارفون منار مناهج الرشد؛ فأنتم حقيقون بشكر الله فيما حفظ به دينكم وأمر جماعتكم من ذلك، جديرون بمعرفة كنه واجب حقه فيه، وحمده على الذي عزم لكم منه؛ فلتكن منزلة ذلك منكم، وفضيلته في أنفسكم على قدر حسن بلاء الله عندكم فيه إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله. ثم إنّ أمير المؤمنين لم يكن منذ استخلفه الله بشيء من الأمور أشد اهتماماً وعناية منه بهذا العهد؛ لعلمه بمنزلتهمن أمر المسلمين، وما أراهم الله فيه من الأمور التي يغتبطون بها، ويكرمهم بما يقضي لهم ويختار له ولهم فيه جهده؛ ويستقضي له ولهم فيه إلهه ووليّه؛ الذي بيده الحكم وعند الغيب، وهو على كل شيء قدير. ويسأله أن يعينه من ذلك على الذي هو أرشد له خاصة وللمسلمين عامة. فرأى أمير المؤمنين أن يعهد لكم عهداً بعد عهد، تكونون فيه على مثل الذي كان عليه من كان قبلكم، في مهلة من انفساح الأمل وطمأنينة النفس، وصلاح ذات البين؛ وعلم موضع الأمر الذي جعله الله لأهله عصمةً ونجاةً وصلاحاً وحياة، ولكل منافق وفاسق يحبّ تلف هذا الدّين وفساد أهله وقماً وخساراً وقدعاً. فولّى أمير المؤمنين ذلك الحكم ابن أمير المؤمنين، وعثمان ابن أمير المؤمنين من بعده، وهما ممّن يرجو أمير المؤمنين أن يكون الله خلقه لذلك وصاغه، وأكمل فيه أحسن مناقب من كان يوليه إياه، في وفاء الرّأي وصحة الدين، وجزالة المروءة والمعرفة بصالح الأمور، ولم يألكم أمير المؤمنين ولا نفسه في ذلك اجتهاداً وخيراً. فبايعوا للحكم ابن أمير المؤمنين باسم الله وبركته ولأخيه من بعده؛ على السمع والطاعة، واحتسبوا في ذلك أحسن ما كان الله يريكم ويبليكم ويعوّدكم ويعرّفكم في أشباهه فيما مضى، من اليسر الواسع والخير العام، والفضل العظيم الذي أصبحتم في رجائه وخفضه وأمنه ونعمته، وسلامته وعصمته. فهو الأمر الذي استبطأتموه واستسرعتم إليه، وحمدتم الله على إمضائه إياه، وقضائه لكم، وأحدثتم فيه شكراً، ورأيتموه لكم حظاً، تستبقونه وتجهدون أنفسكم في أداء حقّ الله عليكم، فإنه قد سبق لكم في ذلك من نعم الله وكرامته وحسن قسمه ما أنتم حقيقون أن تكون رغبتكم فيه، وحدبكم عليه، على قدر الذي أبلاكم الله، وصنع لكم منه. وأمير المؤمنين مع ذلك إن حدث بواحد من وليّيْ عهده حدث، أولى بأن يجعل مكانه وبالمنزل الذي كان به من أحبّ أن يجعل من أمته أو ولده، ويقدّمه بين يدي الباقي منهما إن شاء، أو أن يؤخره بعده. فاعلموا ذلك وافهموه. نسأل الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم أن يبارك لأمير المؤمنين ولكم في الذي قضى به على لسانه من ذلك وقدّر منه؛ وأن يجعل عاقتبه عافيةً وسروراً وغبطة؛ فإن ذلك بيده ولا يملكه إلا هو، ولا يرغب فيه إلا إليه، والسلام عليكم ورحمة الله. وكتب سمال يوم الثلاثاء لثمان بقين من رجب سنة خمس وعشرين ومائة. تولية الوليد نصر بن سيار على خراسان وأمره مع يوسف بن عمر وفي هذه السنة ولّى الوليد نصر بن سيار خراسان كلها، وأفرده بها. وفيها وفد يوسف بن عمر على الوليد، فاشترى نصراً وعماله منه، فردّ إليه الوليد ولاية خراسان. وفي هذه السنة كتب يوسف بن عمر إلى نصر بن سيّار يأمره بالقدوم عليه. ويحمل معه ما قدر عليه من الهدايا والأموال. ذكر الخبر عما كان من أمر يوسف ونصر في ذلك: ذكر عليّ عن شيوخه؛ أن يوسف كتب إلى نصر بذلك، وأمره أن يقدم معه بعياله أجمعين، فلما أتى نصراً كتابه، قسّم على أهل خراسان الهدايا وعلى عمّاله، فلم يدع بخراسان جارية ولا عبداً ولا برذونا فارهاً إلا أعده، واشترى ألف مملوك، وأعطاهم السلاح، وحملهم على الخيل. قال: وقال بعضهم: كان قد أعد خمسمائة وصيفة، وأمر بصنعة أباريق الذّهب والفضة وتماثيل الظباء ورءوس السّباع والأيايل وغير ذلك؛ فلما فرغ من ذلك كله كتب إليه الوليد يستحثّه، فسرّح الهدايا حتى بلغ أوائلها بيهق؛ فكتب إليه الوليد يأمره أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، فقال بعض شعرائهم: فأبشر يا أمين الل ... ه أبشر بتباشير بإبل يحمل المال ... عليها كالأنابير بغال تحمل الخمر ... حقائبها طنابير ودل البربريات ... بصوت البم والزير وقرع الدف أحياناً ... ونفخ بالمزامير فهذا لك في الدنيا ... وفي الجنة تحبير قال: وقدم الأزرق بن قرّة المسمعي من الترمذ أيام هشام على نصر، فقال لنصر: إني أريت الوليد بن يزيد في المنام؛ وهو وليّ عهد، شبه الهارب من هشام، ورأيته على سرير، فشرب عسلاً وسقاني بعضه. فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار وكسوة، وبعثه إلى الوليد، وكتب إليه نصر. فأتى الأزرق الوليد، فدفع إليه المال والكسوة، فسر بذلك الوليد، وأطلف الأزرق، وجزى نصراً خيراً، وانصرف الأزرق، فبلغه قبل أن يصل إلى نصر موت هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره؛ فلمّا ولى الوليد كتب إلى الأزرق وإلى نصر، وأمر رسوله أن يبتدىء بالأزرق فيدفع إليه كتابه، فأتاه ليلاً، فدفع إليه كتابه وكتاب نصر، فلم يقرأ الأزرق كتابه، وأتى نصراً بالكتابين؛ فكان في كتاب الوليد إلى نصر يأمره أن يتّخذ له برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة، وأن يجمع له كل صناجة بخراسان يقدر عليها، وكل بازي وبرذون فاره، ثم يسير بذلك كله بنفسه في وجوه أهل خراسان. فقال رجل من باهلة: كان قوم من المنجّمين يخبرون نصراً بفتنة تكون؛ فبعث نصر إلى صدقة بن وثاب وهو ببلخ - وكان منجماً - وكان عنده. وألحّ عليه يوسف بالقدوم؛ فلم يزل يتباطأ، فوجّه يوسف رسولاً وأمره بلزومه يستحثه بالقدوم، أو ينادي في الناس أنه قد خلع؛ فلما جاءه الرسول أجازه وأرضاه، وتحوّل إلى قصره الذي هو دار الإمارة اليوم؛ فلم يأت لذلك إلا يسير حتى وقعت الفتنة، فتحوّل نصر إلى قصره بماجان، واستخلف عصمة بن عبد الله الأسديّ على خراسان، وولىّالمهلب بن إياس العدويّ الخراج، وولىّ موسى بن ورقاء الناجيّ الشاش، وحسان من أهل صغانيان الأسديّ سمرقند، ومقاتل بن علىّ السغُّديّ آمل، وأمرهم إذا بلغهم خروجه من مرو أن يستحلبوا الترك، وأن يغيروا على ما وراء النهر؛ لينصرف إليهم بعد خروجه، يعتلّ بذلك، فبينا هو يسير يوماً إلى العراق طرقه ليلاً مولى لبني ليث؛ فلمّا أصبح أذن للناس، وبعث إلى رسول الوليد؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قد كان في مسيري ما قد علمتم، وبعثي بالهدايا ما رأيتم؛ فطرقني فلان ليلاً، فأخبرني أن الوليد قد قتل، وأن الفتنة قد وقعت بالشأم؛ وقدم منصور بن جمهور العراق، وقد هرب يوسف ابن عمر، ونحن في بلاد قد علمتم حالتها وكثرة عدونا. ثم دعا بالقادم فأحلفه إنّ ما جاء به لحقّ! فحلف؛ فقال سلم بن أحوز: أصلح الله الأمير، لو حلفت لكنت صادقاً؛ إنه بعض مكايد قريش، أرادوا تهجين طاعتم، فسر ولا تهجِّنا. قال: يا سلم أنت رجل لك علم بالحروب ولك مع ذلك حسن طاعة لبني أمية؛ فأما مثل هذا من الأمور فرأيك فيه رأي أمة هتماء. ثم قال نصر: لم أشهد بعد ابن خازم أمراً مفظعاً إلاّ كنت المفزع في الرأي فقال الناس: قد علمنا ذلك، فالرأي رأيك. تولية الوليد بن زيد خاله يوسف الثقفيّ على المدينة ومكة. وفي هذه السنة وجه الوليد بن يزيد خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ والياً على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه إبراهيم ومحمد ابني هشام بن إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، فقدم بهما المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة خمس وعشرين ومائة، فأقامهما للناس بالمدينة. ثم كتب الوليد إليه يأمره أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو يومئذ عامله علىالعراق؛ فلما قدما عليه عذبهما حتى قتلهما؛ وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالاً كثيراً. وفي هذه السنة عزل يوسف بن محمد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة وولاهما يحيى بن سعيد الأنصاريّ. غزو قبرس وفيها غزى الوليد بن يزيد أخاه الغمر بن زيد بن عبد الملك، وأمر عليّ على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربيّ، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيرهم بين المسير إلى الشأم إن شاءوا، وإن شاءوا إلى الروم، فاختارت طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشأم؛ واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها. وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب مكة، فلقوا - في قول بعض أهل السير - محمد بن عليّ فأخبروه بقصة أبي مسلم وما رأوا منه؛ فقال لهم: أحرّ هو أم عبد؟ قالوا: أما عيسى فيزعم أنّه عبد، وأما هو فيزعم أنه حر، قال: فاشتروه وأعتقوه؛ واعطوا محمد بن عليّ مائتي ألف ألف درهم وكسوة بثلاثين ألف درهم، فقال لهم: ما أظنكم تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد، فإني أثق به وأوصيكم به خيراً، فقد أوصيته بكم. فصدروا من عنده. وتوفي محمد بن عليّ في مستهلّ ذي القعدة وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وكان بين وفاته وبين وفاة أبيه عليّ سبع سنين.وحج بالناس في هذه السنة بن محمد بن يوسف الثقفيّ، حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. ذكر الخبر عن مقتل يحيى بن زيد بن عليّ وفي هذه السنة قتل يحيى بن زيد بن عليّ بخراسان ذكر الخبر عن مقتله قد مضى ذكرنا قبل أمر مصير يحيى بن زيد بن عليّ إلى خراسان وسبب ذلك؛ ونذكر الآن سبب مقتله؛ إذا كان ذلك في هذه السنة. ذكر هشام بن محمد الكلبيّ عن أبي مخنف، قال: أقام يحيى بن زيد بن عليّ عند الحريش بن عمرو بن داود ببلخ حتى هلك هشام بن عبد الملك، وولى الوليد بن يزيد بن عبد الملك.فكتب يوسف بن عمر إلى نصر بن يسار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله الذي كان ينزل؛ حتى أخبره أنه عند الحريش، وقال له: ابعث إليه وخذه أشد الأخذ. فبعث نصر بن سيّار إلى عقيل بن معقل العجليّ، يأمره أن يأخذ الحريش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد بن عليّ. فبعث إليه عقيل، فسأله عنه، فقال: لا علم لي به، فجلده ستمائة سوط، فقال له الحريش: والله لو أنه كان تحت قدميّ ما رفعتهما لك عنه؛ فلما رأى ذلك قريش بن الحريش أتى عقيلا، فقال: لا تقتل أبي وأنا أدلك عليه، فأرسل معه فدلّه عليه، وهو في بيت في جوف بيت، فأخذه ومعه يزيد بن عمر والفضل مولى عبد القيس - كان أقبل معه من الكوفة - فأتى به نصر بن سيّار فسحبه، وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك؛ فكتب بذلك يوسف إلى الوليد بن يزيد، فكتب الوليد إلى نصر بن سيّار، يأمره أن يؤمنه ويخليّ سبيله وسبيل أصحابه، فدعاه نصر ابن سيّار، فأمره بتقوى الله وحذره الفتنة، وأمره أن يلحق بالوليد بن يزيد، وأمر له بأفلي درهم وبغلين، فخرج هو وأصحابه حتى انتهى إلى سرخس، فأقام بها وعليها عبد الله بن قيس بن عباد، فكتب إليه نصر بن سيّارأن يشخصه عنها، وكتب إلى الحسن بن زيد التميميّ - وكان رأس بني تميم، وكان على طوس - أن انظر يحيى بن زيد، فإذا مرّ بكم فلا تدعه يقيم بطوس حتى يخرج منها، وأمرهما إذا هو مرّ بهما ألاّ يفارقاه حتى يدفعاه إلى عمرو بن زرارة بأبر شهر. فأشخصه عبد الله بن قيس من سرخس، ومرّ بالحسن بن زيد فأمره أن يمضي، ووكل به سرحان بن فروّخ بن مجاهد بن بلعاء العنبريّ أبا الفضل، وكان على مسلحة. قال: فدخلت عليه، فذكر نصر بن سيّار وما أعطاه؛ فإذا هو كالمستقلّ له؛ فذكر أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فأثنى عليه، وذكر مجيئه بأصحابه معه، وأنه لم يأت بهم إلا مخافة أن يسمّ أو يغمّ، وعرض بيوسف؛ وذكر أنه إياه يتخوّف، وقد كان أراد أن يقع فيه ثم كفّ، فقلت له: قل ما أحببت رحمك الله؛ فليس عليك منى عين؛ فقد أتى إليك ما تستحقّ أن تقول فيه. ثم قال: العجب من هذا الذي يقيم الأحراس أو أمر الأحراس، قال - وهو حينئذ يتفصّح: والله لو شئت أن أبعث إليه؛ فأوتي به مربوطاً. قال: فقلت له: لا والله ما بك صنع هذا؛ ولكن هذا شيء يصنع في هذا المكان أبداّ، لمكان بيت المال. قال: واعتذرت إليه من مسيري معه، وكنت أسير معه على رأس فرسخ، فأقبلنا معه حتى وقعنا إلى عمرو بن زرارة، فأمر بألف درهم، ثم أشخصه حتى انتهى إلى بيهق، وخاف اغتيال يوسف إياه، فأقبل من بيهق - وهي أقصى أرض خراسان، وأدناه من قومس - فأقبل في سبعين رجلاً إلى عمرو بن زرارة، ومرّ به تجار، فأخذ دوابهم، وقال: علينا أثمانها. فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر بن سيّار، فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس وإلى الحسن بن زيد أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة، فهو عليهم، ثم ينصبوا ليحيى بن زيد فيقاتلوه. فجاءوا حتى انتهوا إلى عمرو بن زرارة، واجتمعوا فكانوا عشرة آلف، وأتاهم يحيى بن زيد، وليس هو إلا في سبعين رجلاً، فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة، وأصاب دوابّ كثيرة. وجاء يحيى بن زيد حتى مرّ بهراة، وعليها مغلسّ بن زياد العامريّ، فلم يعرض واحد منها لصاحبه، فقطعها يحيى بن زيد، وسرح نصر بن سيّار سلم بن أحوز في طلب يحيى بن زيد فأتى هراة حين خرج منه يحيى بن زيد فأتبعه فلحقه بالجوزجان بقرية منها، وعليها حماد بن عمرو السّغديّ. قال: ولحق بيحيى بن زيد رجل من بني حنيفة يقال له أبو العجلان فقتل يومئذ معه، ولحق به الحسحاس الأزدي فقطع نصر بعد ذلك يده ورجاه. قال: فبعث سلم بن أحوز سورة بن محمد بن عزيز الكنديّ على ميمنته، وحمّاد بن عمرو السغديّ على ميسرته، فقاتله قتالاً شديداً، فذكروا أن رجلاً من عنزة يقال له عيسى، مولى عيسى بن سليمان العنزيّ رماه بنشّابة، فأصاب جبهته. قال: وقد كان محمد شهد ذلك اليوم، فأمره سلم بتعبئة الناس، فتمارض عليه، فعبّى الناس سورة بن محمد بن عزيز الكنديّ، فاقتتلوا فقتلوا من عند آخرهم. ومرّ سورة بيحيى بن زيد فأخذ رأسه، وأخذ العنزيّ سلبه وقميصه، وغلبه سورة على رأسه. فلما قتل يحيى بن زيد وبلغ خبره الوليد بن زيد، وكتب - فيما ذكر هشام عن موسى بن حبيب؛ أنه حدثه - إلى يوسف بن عمر: إذا أتاك كتابي هذا، فانظر عجل العراق فأحرقه ثم انسفه في اليمّ نسفاً. قال: فأمر يوسف خراش بن حوشب، فأنزله من جذعه وأحرقه بالنار، ثم رضّه فجعله في قوصرة، ثم جعله في سفينة، ثم ذرّاه في الفرات. كانت عمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم قبل. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة ذكر بقية أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص الوليد ابن يزيد. ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قتل: قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما ولي الخلافة وأفضت إليه، لم يزدد في الدي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفساّق إلاتمادياً وحداً تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها - فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده، فكرهوا أمره. وكان من أعظم ما جنىعلى نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه إفساده على نفسه بني عمّيه بني هشام وولد الوليد، ابني عبد الملك بن مروان، مع إفساده على نفسه اليمانية، وهم عظم جند أهل الشأم. ذكر بعض الخبر عن إفساده بني عمّيه هشام والوليد: حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عليّ عن المنهال بن عبد الملك، قال: كان الوليد صاحب لهو وصيد ولذّات؛ فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي فيها الناس حتى قتل، ولم يزل ينتقل ويتصيد، حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتدّ على بني هشام؛ فضرب سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته، وغربه إلى عمان فحبسه بها؛ فلم يزل بها محبوساًحتى قتل الوليد. قال: وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلمه عمر بن الوليد، فيها فقال: لا أردّها، فقال: إذن تكثير الصّواهل حول عسكر. قال: وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وأراد البيعة لابنيه الحكم وعثمان فشاور سعيد بن بيهس بن صهيب، فقال: لا تفعل؛ فإنهما غلامان لم يحتلما؛ ولكن بايع لعتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فغضب وحبسه حتى مات في الحبس. وأراد خالد بن عبد الله على البيعة لابنيه فأبى، فقال له قوم من أهله: أرادك أمير المؤمنين على البيعة لابنيه فأبيت، فقال: ويحكم! كيف أبايع من لا أصلّي خلفه، ولا أقبل شهادته! قالوا: فالوليد تقبل شهادته مع مجونه وفسقه! قال: أمر الوليد أمر غائب عني ولا أعلمه يقيناً؛ إنما هي أخبار الناس؛ فغضب الوليد على خالد. قال: وقال عمرو بن سعيد الثققفيّ: أوفدني يوسف بن عمر إلى الوليد فلما قدمت قال لي: كيف رأيت الفاسق؟ يعني بالفاسق الوليد - ثم قال: إياك أن نسمع هذا منك أحد، فقلت: حبيبة بنت عبد الرحمن بن جبير طلق إن سمعته إذنى ما دمت حياً؛ فضحك. فقال: فثقل الوليد على الناس، ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، وقالوا: ققد أتخذ مائة جامعة؛ زكتب على كل جامعة اسم رجل من بني أمية ليقتله بها. ورموه بالزندقة، وكان أشدهم فيه قولاً يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النسك ويتواضع، ويقول: ما يسمعنا الرضا بالوليد؛ حتى حمل الناس على الفتك به. حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثّنا عليّ، عن يزيد بن مصاد الكلبيّ، عن عمرو بن شراحيل، قال: سيرنا هشام بن عبد الملك إلى دهلك، فلم نزل بها حتى مات هشام، واستخلف الوليد، فكلم فينا فأبى، وقال: والله ما عمل هشام عملاً أرجى له عندي أن تناله المغفرة به من قتله القدرية وتسييرة إياهم. وكان الوالي علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلميّ، وكان يقول: لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهراً حتى يقتل؛ ويكون قتله سبب هلاك أهل بيته. قال: فأجمع على قتل الوليد جماعة من قضاعة واليمانية من أهل دمشق خاصة، فأتى حريث وشبيب بن أبي مالك الغسانيّ ومنصور بن جمهور ويعقوب بن عبد الرحمن وحبال بن عمرو؛ ابن عمّ منصور، وحميد بن نصر اللخميّ والأصبغ بن ذؤالة وطفيل بن حارثة والسّريّ بن زياد بن علاقة، خالد بن عبد الله، فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم، فسألوه أن يكتم عليهم، فقال: لا أسمّي أحداً منكم. وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يفتكوا به في الطريق، فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخّر الحجّ العام، فقال: ولم؟ فلم يخبره، فأمر بحبسه وأن يستأدى ما عليه من أموال العراق. وقال عليّ عن الحكم بن النعمان، قال: أجمع الوليد على عزل يوسف واستعمال عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فكتب إلى يوسف: إنك كتبت إلى أمير المؤمنين تذكر تخريب ابن النصرانيّة البلاد، وقد كنت على ما ذكرت من ذلك تحمل إلى هشام ما تحمل، وقد ينبغي أن تكون قد عمرت البلاد حتى رددتها إلى ما كانت عليه؛ فاشخص إلى أمير المؤمنين، فصدق ظنّه بك فيما تحمل إليه لعمارتك البلاد، وليعرف أمير المؤمنين فضلك على غيرك؛ لما جعل الله بينك وبين أمير المؤمنين من قرابة؛ فإنك خاله، وأحق الناس بالتوفير عليه، ولما قد علمت مما أمر به أمير المؤمنين لأهل الشأم وغيرهم من الزّيادة في أعطياتهم، وما وصل به أهل بيته لطول جفوة هشام إياهم، حتى أضرّ ذلك ببيوت الأموال. قال: فخرج يوسف واستخلف ابن عمه يوسف بن محمد، وحمل من الأموال والأمتعة والآنية مالم يحمل من العراق مثله. فقدم - وخالد بن عبد الله محبوس - فلقيه حسان النبطيّ ليلاً، فأخبره أن الوليد عازم على تولية عبد الملك بن محمد ابن الحجاج، وأنه لا بدّ ليوسف فيها من إصلاح أمر وزرائه، فقال: ليس عندي فضل درهم، قال: فعندي خمسمائة ألف درهم، فإن شئت فهي لك، وإن شئت فارددها إذا تيسرت. قال: فأنت أعرف بالقوم ومنازلهم من الخليفة منى، ففرقها على قدر علمك فيهم؛ ففعل. وقدم يوسف والقوم يعظمونه، فقال له: حسان:لا تغد على الوليد؛ ولكن رح إليه رواحاً؛ واكتب على لسان خليفتك كتاباً إليك: إني كتبت إليك ولا أملك إلا القصر. وادخل على الوليد والكتاب معك متحازناً، فأقرئه الكتاب، ومر أبان ابن عبد الرحمن النميريّ يشتري خالداً منه بأربعين ألف ألف. ففعل يوسف، فقال له الوليد: ارجع إلى عملك، فقال له أبان: ادفع إلى خالداً وأدفع إليك أربعين ألف ألف درهم،قال: ومن يضمن عنك؟ قال: يوسف، قال: أتضمن عنه؟ ذقال: بل ادفعه إليّ، فأنا أستأديه خمسين ألف ألف، فدفعه إليه، فحمله في محمل بغير وطاء. قال محمد بن محمد بن القاسم: فرحمته، فجمعت ألطافاً كانت معنا من أخبصة يابسة وغيرها في منديل، وأنا على ناقة فارهة، فتغفّلت يوسف، فأسرعت ودنوت من خالد، ورميت بالمنديل في محمله، فقال لي: هذا من متاع عمان - يعني أن أخي الفيض ان على عمان، فبعث إليّ بمال جسيم - فقلت في نفسي: هذا على هذه الحالة وهو لا يدع هذا! ففطن يوسف بي فقال لي: ما قلت لابن النصرانية؟ فقلت: عرضت عليه الحاجة، قال: أحسنت، هو أسير؛ ولو فطن بما ألقيت إليه للقيني منه أذىً. وقدم الكوفة فقتله في العذاب؛ فقال الوليد بن يزيد - فيما زعم الهيثم بن عديّ - شعراً يوبّخ به أهل اليمن في تركهم نصرة خالد بن عبد الله. وأما أحمد بن زهير، فإنه حدّثه عن عليّ بن محمد؛ عن محمد بن سعيد العامريّ، عامر كلب، أنّ هذا الشعر قاله بعض شعراء اليمن على لسان الوليد يحرّض عليه اليمانية: ألم تهتج فتذّكر الوصالا ... وحبلاً كان متصلاً فزالا بلى فالدمع منك له سجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا فدع عنك ادّكارك آل سعدى ... فنحن الأكثرون حصىً ومالا ونحن المالكون الناس قسراً ... نسومهم المذلّة والنكالا وطئنا الأشعرين بعزّ قيس ... فيا لك وطأة لن تستقالا! وهذا خالد فينا أسيراً ... ألا منعوه إن كانوا رجالا! عظيمهم وسيدهم قديماً ... جعلنا المخزيات له ظلالا فلو كانت قبائل ذات عز ... لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوباً أسيراً ... يسامر من سلاسلنا الثقالا ورواه المدائنيّ: " يعالج من سلاسلنا " وكندة والسكون فما استقالوا ... ولا برحت خيولهم الرحالا بها سمنا البريّة كل خسف ... وهدمنا السهولة والجبالا ولكن الوقائع ضعضعتهم ... وجذتهم وردتهم شلالا فما زالوا لنا أبداً عبيداً ... نسومهم المذلة والسفالا فأصبحت الغداة عليّ تاج ... لملك الناس ما يبغي انتقالا فقال عمران بن هلباء الكلبيّ يجيبه: قفي صدر المطية يا حلالا ... وجذي حبل من قطع الوصالا ألم يحزنك أن ذوي يمان ... يرى من حاذ قيلهم جلالا جعلنا للقبائل من نزار ... غداة المرج أياماً طوالا بنا ملك المملك من قريش ... وأودى جدّ من أودى فزالا متى تلق السكون وتلق كلباً ... بعبس تخش من ملك زوالا كذاك المرء ما لم يلف عدلاً يكون عليه منطقه وبالا أعدوا آل حمير إذ دعيتم ... سيوف الهند والأسل النهالا وكل مقلص نهد القصيري ... وذا فودين والقب الجبالا يذرن بكلّ معترك قتيلا ... عليه الطير قد مذل السؤالا لئن عيرتمونا ما فعلنا ... لقد قلتم وجدّكم مقالا لإخوان الأشاعث قتلوهم ... فما وطئوا ولا لاقوا نكالا وأبناء المهلب نحن صلنا ... وقائعهم وما صلتم مصالا وقد كانت جذام على أخيهم ... ولخم يقتلونهم شلالا هربنا أن تساعدكم عليهم ... وقد أخطا مساعدكم وفالا فإن عدتم فإنّ لنا سيوفاً ... صوارم نستجد لها الصقالا سنبكي خالداً بمهندات ... ولا تذهب صنائعه ضلالا ألم يك خالد غيث اليتامى ... إذا حضروا وكنت لهم هزالا! يكفن خالد موتى نزار ... ويثرى حيّهم نشباً ومالا لو أنّ الجائرين عليه كانوا ... بساحة قومه كانوا نكالا ستلقى إن بقيت مسومات ... عوابس لا يزايلن الحلالا فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: فازداد الناس على الوليد حنقاً لما روى هذا الشعر، فقال ابن بيض: وصلت سماء الضر بالضر بعد ما ... زعمت سماء الضر عنا ستقلع فليت هشاماً كان حياً يسوسنا ... وكنا كما كنا نرجى ونطمع وكان هشام استعمل الوليد بن القعقاع على قنسرين وعبد الملك بن القعقاع على حمص، فضرب الوليد بن القعقاع ابن هبيرة مائة سوط؛ فلما قام الوليد هرب بنو القعقاع منه، فعاذوا بقبر يزيد بن عبد الملك؛ فبعث إليهم، فدفعهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان على قنسرين - فعذّبهم، فمات في العذاب الوليد بن القعقاع وعبد الملك بن القعقاع ورجلان معهما من آل القعقاع، واضطغن على الوليد آل الوليد وآل هشام وآل القعقاع واليمانية بما صنع بخالد بن عبد الله. فأتت اليمانية يزيد بن الوليد، فأرادوه على البيعة، فشاور عمرو بن يزيد الحكميّ، فقال: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس بن الوليد؛ فإنه سيّد بني مروان؛ فإن بايعك لم يخالفك أحد، وإن أبى كان الناس له أطوع، فإن أبيت إلا المضيّ على رأيك فأظهر أن العباس قد بايعك. وكانت الشأم تلك الأيام وبيّة، فخرجوا إلى البوادي؛ وكان يزيد بن الوليد متبدّياً، وكان العباس بالقسطل بينهما أميال يسيرة. فحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عليّ، قال: أتى يزيد أخاه العباس، فأخبره وشاوره، وعاب الوليد، فقال له العبّاس: مهلاً يا يزيد؛ فإنّ في نقض عهد الله فساد الدين والدنيا. فرجع يزيد إلى منزله، ودبّ في الناس فبايعوه سراً، ودسّ الأحنف الكلبيّ ويزيد بن عنبسة السكسكي وقوماً من ثقاته من وجوه الناس وأشرافهم؛ فدعوا الناس سراً، ثم عاود أخاه العباس ومعه قطن مولاهم، فشاوره في ذلك، وأخبره أن قوماً يأتونه يريدونه على البيعة، فزبره العباس، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدنّك وثاقاً، ولأحملنّك إلى أمير المؤمنين! فخرج يزيد وقطن، فأرسل العباس إلى قطن، فقال: ويحك يا قطن! أترى يزيد جاداً! قال: جعلت فداك! ما أظن ذاك؛ ولكنه قد دخله مما صنع الوليد ببني هشام وبني الوليد وما يسمع مع الناس من الاستخفاف بالدين وتهاونه ما قد ضاق به ذرعاً. قال: أما والله إني لأظنّه أشأم سخلة في بني مروان؛ ولولا ما أخاف من عجلة الوليد مع تحامله علينا لشددت يزيد وثاقاً، وحملته إليه؛ فازجره عن أمره؛ فإنه يسمع إليك. فقال يزيد لقطن: ما قال لك العباس حين رآك؟ فأخبره، فقال له: والله لا أكفّ. وبلغ معاوية بن عمرو بن عتبة خوض الناس؛ فأتى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين، إنك تبسط لساني بالأنس بك، وأكفه بالهيبة لك، وأنا أسمع ما لا تسمع وأخاف عليك ما أراك تأمن، أفأتكلم ناصحاً، أو أسكت مطيعاً؟ قال: كل مقبول منك؛ ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه؛ ولو علم بنو مروان أنهم إنما يوقدون على رضف يلقونه في أجوافهم ما فعلوا، ونعود ونسمع منك. وبلغ مروان بن محمد بأمرينية أنّ يزيد يؤلّب الناس، ويدعو إلى خلع الوليد؛ فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهى الناس ويكفهم - وكان سعيد يتألّه: إنّ الله جعل لكل أهل بيت أركاناً يعتمدون عليها، ويتقون بها المخاوف، وأنت بحمد ربّك ركنٌ من أركان أهل بيتك؛ وقد بلغني أن قوماً من سفهاء أهل بيتك قد استنّوا أمراً - إن تمت لهم رويتهم فيه على ما أجمعوا عليه من نقض بيعتهم - استفتحوا باباً لن يغلقه الله عنهم حتى تسفك دماء كثيرة منهم؛ وأنا مشتغل بأعظم ثغور المسلمين فرجاً، ولو جمعتني وإياهم لرممت فساد أمرهم بيدي ولساني، ولخفت الله في ترك ذلك؛ لعلمي ما في عواقب الفرقة من فساد الدين والدنيا؛ وأنه لن ينتقل سلطان قوم قط إلا بتشتيت كلمتهم؛ وإنّ كلمتهم إذا تشتّتت طمع فيهم عدوهم. وأنت أقرب إليهم مني، فاحتل لعلم ذلك وإظهار المتابعة لهم؛ فإذا صرت إلى علم ذلك فتهددهم بإظهار أسرارهم، وخذهم بلسانك، وخوفهم العواقب؛ لعلّ الله أن يرد إليهم ما قد عزب عنهم من دينهم وعقولهم؛ فإنّ فيما سعوا فيه تغير النعم وذهاب الدولة، فعاجل الأمر وحبل الألفة مشدود، والناس سكون، والثّغور محفوظة؛ فإنّ للجماعة دولة من الفرقة وللسعة دافعاً من الفقر، وللعدد منتقصاً، ودول الليالي مختلفة على أهل الدنيا، والتقلّب مع الزيادة والنقصان؛ وقد امتدّت بنا - أهل البيت - متتابعات من النعم، قد يعيبها جميع الأمم وأعداء النعم وأهل الحسد لأهلها؛ وبحسد إبليس خرج آدم من الجنة. وقد أمّل القوم في الفتنة أملاً؛ لعل أنفسهم تهلك دون ما أمّلوا، ولكلّ أهل بيت مشائيم يغير الله النعمة بهم - فأعاذك الله من ذلك - فاجعلني من أمرهم على علم. حفظ الله لك دينك، وأخرجك مما أدخلك فيه، وغلب لك نفسك على رشدك. فأعظم سعيد ذلك، وبعث بكتابه إلى العباس، فدعا العباس يزيد فعذله وتهدّده، فحذّره يزيد، وقال: يا أخي، أخاف أن يكون بعض من حسدنا هذه النعمة من عدوّنا أراد أن يغري بيننا؛ وحلف له أنه لم يفعل. فصدّقه. حدّثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: دخل أبي بشر بن الوليد على عمّي العباس، فكلّمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرادّه، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترىء أن يكلم عمي ويردّ عليه قوله! وكنت أرى أنّ الصواب فيما يقول أبي، وكان الصّواب فيما يقول عمّي، فقال العباس: يا بني مروان؛ إني أظنّ الله قد أذن في هلاككم؛ وتمثّل قائلاً: إني أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع إن البرية قد ملت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا لا تبقرن بأيديكم بطونكم ... فثم لا حسرة تغنى ولا جزع قال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو مبتدّ، أقبل إلى دمشق وبينه وبين دمشق أربع ليال، متنكراً في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود على مرلحة من دمشق، فرمى يزيد بنفسه فنام. وقال القوم لمولّى لعباد بن زياد: أما عندك طعام فنشتريه؟ قال: أما لبيع فلا، ولكن عندي قراكم وما يسعكم. فأتاهم بدجاج وفراخ وعسل وسمن وشوانيز، فطعموا. ثم سار فدخل دمشق ليلاً، وقد بايع ليزيد أكثر أهل دمشق سراً، وبايع أهل المزة غير معاوية بن مصاد الكلبيّ - وهو سيد أهل المزّة - فمضى يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مصاد ماشياً في نفير من أصحابه - وبين دمشق وبين المزّة ميل أو أكثر - فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية بن مصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا، فقال ليزيد: الفراش أصلحك الله! قال: إن في رجلي طيناً، وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسد. فكلمه يزيد فبايعه معاوية - ويقال هشام بن مصاد - ورجع يزيد إلى دمشق؛ فأخذ طريق القناة، وهو على حمار أسود؛ فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخشنيّ، وخرج الوليد بن روح، وحلف لا يدخل دمشق إلاّ في السلاح، فلبس سلاحه، وكفر عليه الثياب، وأخذ طريق النيرب - وهو على فرس أبلق - حتى وافى يزيد، وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف فخاف الوباء، فخرج فنزل قطناً، واستخلف ابنه على دمشق، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي، فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إنّ يزيد خارج، فلم يصدّق. وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء ليلة الجمعة سنة ست وعشرين ومائة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذّنوا العتمة، فدخلوا المسجد، فصلوا - وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل - فلمّا صلّى الناس صاح بهم الحرس، وتباطأ أصحاب يزيد، فجعلوا يخرجون من باب المقصورة ويدخلون من باب آخر حتى لم يبق في المسجد غير الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد بن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه وأخذ بيده، وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بنصر الله وعونه، فقام وقال: اللهمّ إن كان هذا لك رضاً فأعنّي عليه وسددني له؛ وإن كان غير ذلك فاصرفه عنّي بموت. وأقبل في اثني عشر رجلاً، فلمّا كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلاً من أصحابهم، فلمّا كانوا عند سوق القمح لقيهم زهاء مائتي رجل من أصحابهم؛ فمضوا إلى المسجد فدخلوه، فأخذوا باب المقصورة فضربوه وقالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادم فأخذوه ودخلوا، وأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزّان بيت المال وصاحب البريد، وأرسل إلى كلّ من كان يحذره فأخذ. وأرسل يزيد من ليلته إلى محمد بن عبيدة - مولى سعيد ابن العاص وهو على بعلبك - فأخذه، وأرسل يزيد من ليلته إلى عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف، فأخذه ووجّه إلى الثنيّة إلى أصحابه ليأتوه. وقال للبوّابين: لا تفتحوا الباب غدوة إلا لمن أخبركم بشعارنا. فتركوا الأبواب بالسلاسل. وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، ولم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحاً كثيراً، فلما أصبحوا جاء أهل المزّة وابن عصام، فما انتصف النهار حتى تبايع الناس، ويزيد يتمثل قول النّابغة: إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال اعلجمال المصاعب فجعل أصحاب يزيد يتعجبون، ويقولون: انظروا إلى هذا؛ هو قبيل الصبح يسبح، وهو الآن ينشد الشعر! حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني رزين بن ماجد، قال: غدونا مع عبد الرحمن ابن مصاد، ونحن زهاء ألف وخمسمائة؛ فلما انتهينا إلى باب الجابية ووجدناه مغلقاً، ووجدنا عليه رسولاً للوليد، قال: ما هذه الهيئة وهذه العدّة! أما والله لأعلمنّ أمير المؤمنين. فقتله رجل من أهل المزّة، فدخلنا من باب الجابية، ثم أخذنا في زقاق اعلكلبيّين، فضاق عنا، فأخذ ناس منا سوق القمح؛ ثم اجتمعنا على باب المسجد، فدخلنا على يزيد، فما فرغ آخرنا من التسليم عليه؛ حتى جاءت السكاسك في نحو ثلثمائة، فدخلوا من باب الشرقيّ حتى أتوا المسجد، فدخلوا من باب الدرج، ثم أقبل يعقوب ابن عمير بن هانىء العبسيّ في أهل داريّا، فدخلوا من باب دمشق الصغير، وأقبل عيسى بن شبيب التغلبيّ في أهل دومة وحرستا، فدخلوا من باب توما، وأقبل حميد بن حبيب اللخميّ في أهل دبر المران والأرزة وسطرا، فدخلوا من باب الفراديس، وأقبل النضر بن الجرشيّ في أهل جرش وأهل الحديثة ودير زكا، فدخلوا من باب الشرقي، وأقبل ربعيّ بن هاشم الحارثي في الجماعة من بني عذرة وسلامان، فدخلوا من باب توما، ودخلت جهينة ومن والاهم مع طلحة بن سعيد، فقال بعض شعرائهم: فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا ... سكاسكها أهل البيوت الصنادد وكلب فجاءوهم بخيل وعدة ... من البيض والأبدان ثم السواعد فأكرم بها أحياء أنصار سنة ... هم منعوا حرماتها كل جاحد وجاءتهم شعبان والأزد شرعاً ... وعبس ولخم بين حام وذائد وغسان والحيان قيس وتغلب ... وأحجم عنها كل وان وزاهد فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها ... قد استوثقوا من كل عات ومارد حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني قسيم بن يعقوب ورزين بن ماجد وغيرهما، قالوا: وجّه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس أو نحوهم إلى قطن؛ ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، وقد تحصّن في قصره، فأعطاه الأمان فخرج إليه، فدخلنا القصر، فأصبنا فيه خرجين، في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار. قال: فلما انتهينا إلى المزّة قلت لعبد الرحمن بن مصاد: اصرف أحد هذين الحرجين إلى منزلك أو كليهما، فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما أبداً، فقال: لقد عجلت إذاً بالخيانة، لا والله لا يتحدّث العرب أنى أوّل من خان في هذا الأمر، فمضى به إلى يزيد بن الوليد. وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فأمره فوقف بباب الجابية، وقال: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة. وقال لبني الوليد بن عبد الملك ومعه منهم ثلاثة عشر: تفرّقوا في الناس يرونكم وحضورهم، وقال للوليد بن روح بن الوليد: أنزل الرّاهب، ففعل. وحدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني دكين بن الشّماخ الكلبيّ وأبو علاقة بن صالح السلامانيّ أن يزيد بن الوليد نادى بأمره مناد: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقلّ من ألف رجل، فأمر رجلاً فنادى: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمائة؟ فانتدب إليه يومئذ ألف وخمسمائة، فعقد لمنصور بن جمهور على طائفة، وعقد ليعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبي على طائفة أخرى، وعقد لهرم ابن عبد الله بن دحية على طائفة أخرى، وعقد لحميد بن حبيب اللخميّ على طائفة أخرى، وعليهم جميعاً عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فخرج عبد العزيز فعسكر بالحيرة. وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم بن الوليد أنّ مولىً للوليد لما خرج يزيد بن الوليد، خرج على فرس له، فأتى الوليد من يومه، فنفق فرسه حين بلغه، فأخبر الوليد الخبر، فضربه مائة سوط وحبسه، ثم دعا أبا محمد ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية فأجازه، ووجّهه إلى دمشق، فخرج أبو محمد، فلما انتهى إلى ذنبة أقام، فوجّه يزيد بن الوليد إليه عبد الرحمن بن مصاد، فسالمه أبو محمد، وبايع ليزيد بن الوليد وأتى الوليد الخبر، وهو بالأغدف - والأغدف من عمّان - فقال بيهس بن زميل الكلابيّ - ويقال قاله يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، سر حتى تنزل حمص فإنها حصينة، ووجّه الجنود إلى يزيد فيقتل أو يؤسر. فقال عبد الله بن عنبسة ابن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل ويعذر، والله مؤيد أمير المؤمنين وناصره. فقال يزيد بن خالد: وماذا يخاف على حرمه! وإنما أتاه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وهو ابن عمهنّ، فأخذ بقول ابن عنبسة، فقال له الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: يا أمير المؤمنين، تدمر حصينة، وبها قومي يمنعونك، فقال: ما أرى أن نأتي تدمر وأهلها بنو عامر؛ وهم الذين خرجوا عليّ؛ ولكن دلني على منزل حصين، فقال: أرى أن تنزل القرية، قال: أكرهها، قال: فهذا الهزيم، قال: أكره اسمه، قال: فهذا البخراء، قصر النعمان بن بشير، قال: ويحك! ما أقبح أسماء مياهكم! فأقبل في طريق السماوة، وترك الرّيف، وهو في مائتين، فقال: إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد ... نصيحاً ولا ذا حاجة حين تفزع إذا ما هم هموا بإحدى هناتهم ... حسرت لهم رأسي فلا أتقنع فمر بشبكة الضحاك بن قيس الفهريّ؛ وفيها من ولده وولد ولده أربعون رجلاً، فساروا معه وقالوا: إنا عزل؛ فلو أمرت لنا بسلاح! فما أعطاهم سيفاً ولا رمحاً، فقال له بيهس بن زميل: أما إذ أبيت أن تمضي إلى حمص وتدمر فهذا الحصن البخراء فإنه حصين، وهو من بناء العجم فانزله، قال: إني أخاف الطاعون، قال: الذي يراد بك أشدّ من الطاعون؛ فنزل حصن البخراء. قال: فندب يزيد بن الوليد الناس إلى الوليد مع عبد العزيز، ونادى مناديه: من سار معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل، فأعطاهم ألفين ألفين، وقال: موعدكم بذنبة، فوافى بذنبة ألف ومائتان، وقال: موعدكم مصنعة بني عبد العزيز بن الوليد بالبرّيّة، فواافاه ثمانمائة، فسار، فتلقاهم ثقل الوليد فأخذوه، ونزلوا قريباً من الوليد، فأتاه رسول العباس بن الوليد: إني آتيك، فقال الوليد: أخرجوا سريراً، فأخرجوا سريراً فجلس عليه وقال: أعليّ توثّب الرجال، وأنا أثبُ على الأسد وأتخصّر الأفاعي! وهم ينتظرون العباس، فقاتلهم عبد العزيز، وعلى الميمنة عمرو بن حويّ السكسكي وعلى المقدّمة منصور بن جمهور وعلى الرّجالة عمارة بن أبي كلثم الأزديّ، ودعا عبد العزيز ببغل له أدهم فركبه، وبعث إليهم زياد بن حصين الكلبيّ يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فقتله قطريّ مولى الوليد، فانكشف أصحاب يزيد، فترجّل عبد العزيز، فكرّ أصحابه، وقد قتل من أصحابه عدّة، وحملت رءوسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البخراء قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالجابية، وقتل من أصحاب الوليد بن يزيد عثمان الخشبيّ، قتله جناح بن نعيم الكلبيّ، وكان من أولاد الخشبيّة الذين كانوا مع المختار. وبلغ عبد العزيز مسير العباس بن الوليد، فأرسل منصور بن جمهور في خيل، وقال: إنكم تلقون العباس في الشعب، ومعه بنوه في الشعب فخذوهم. فخرج منصور في الخيل فلما صاروا بالشعب إذا هم بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقالوا له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدّمت لأنفذن حصينك - يعني درعك - وقال نوح بن عمرو بن حويّ السكسكي: الذي لقي العباس بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم الكلبي - فعدل به إلى عبد العزيز، فأبى عليه فقال: يا بن قسطنطين؛ لئن أبيت لأضربنّ الذي فيه عيناك، فنظر العباس إلى هرم بن عبد الله بن دحية، فقال: من هذا؟ قال: يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم، قال: أما والله إن كان لبغيضاً إلى أبيه أن يقف ابنه هذا الموقف؛ وعدل به إلى عسكر عبد العزيز، ولم يكن مع العباس أصحابه، كان تقدّمهم مع بنيه، فقال: إنا لله! فأتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بن الوليد، فبايع ووقف ونصبوا راية. وقالوا: هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فقال العباس: إنا لله! خدعة من خدع الاشيطان! هلك بنو مروان. فتفرق النّاس عن الوليد، فأتوا العباس وعبد العزيز وظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسيْه: السنديّ والزّائد، فقاتلهم قتالاً شديداً، فناداهم رجل: اقتلوا عدوّ الله قتلة قوم لوط، ارموه بالحجارة. فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب، وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال. أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلّمه! فقال له يزيد بن عنبسة السكسكيّ: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسكك؛ ألم أزد في أعطياتكم! ألم أرفع المؤمن عنكم! ألم أعط فقراءكم! ألم أخدم زمناكم! فقال: إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرّم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله؛ قال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت؛ وإن فيما أحلّ لي لسعة عمّا ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفاً، وقال: يوم كيوم عثمان؛ ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أوّل من علا الحائط يزيد بن عنبسة السكسكي، فنزل إليه وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال له الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حالة فيهم غير هذه، فأخذ بيد الوليد؛ وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه. فنزل من الحائط عشرة: منصور بن جمهور وحبال بن عمرو الكلبيّ وعبد الرحمن بن عجلان مولى يزيد بن عبد الملك وحميد بن نصر اللخميّ والسريّ بن زياد بن أبي كبشة وعبد السلام اللخميّ، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السريّ على وجهه، وجرّوه بين خمسة ليخرجوه. فصاحت امرأة كانت معه في الدار، فكفّوا عنه ولم يخرجوه، واحتزّ أبو علاقة القضاعيّ رأسه، فأخذ عقباً فخاط الضّربة التي في وجهه، وقدم بالرأس على يزيد روح بن مقبل، وقال أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسر من كان معه، والعباس - ويزيد يتغدّى - فسجد ومن كان معه، وقام يزيد بن عنبسة السّكسكيّ، وأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله، فاختلج يزيد يده من كفّه، وقال: اللهمّ إن كان هذا لك رضاً فسدّدني، وقال ليزيد بن عنبسة: هل كلّمكم الوليد؟ قال: نعم. كلّمني من وراء الباب، وقال: أما فيكم ذو حسب فأكلّمه! فكلمته ووبّخته، فقال: حسبك، فقد لعمري أغرقت وأكثرت، أما والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم. حدّثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: قال نوح ابن عمرو بن حويّ السكسكيّ: خرجنا إلى قتال الوليد في ليالٍ ليس فيها قمر؛ فإن كنت لأرى الحصى فأعرف أسوده من أبيضه. قال: وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليد بن خالد، ابن أخي الأبرش الكلبيّ في بني عامر - وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز - فلم تقاتل ميسرة الوليد ميمنة عبد العزيز، ومالوا جميعاُ إلى عبد العزيز بن الحجاج. قال: وقال نوح بن عمرو: رأيت خدم الوليد بن يزيد وحشمه يوم قتل يأخذون بأيدي الرجال، فيدخاونهم عليه. وحدّثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني المثنّى بن معاوية، قال: أقبل الوليد فنزل اللؤلؤة، وأمر ابنه الحكم والمؤمّل ابن العباس أن يفرضا لمن أتاهما ستين ديناراً في العطاء، فأقبلتُ أنا وابن عمتي سليمان بن محمد بن عبد الله إلى عسكر الوليد، فقرّبني المؤمّل وأدناني. وقال: أدخلك على أمير المؤمنين، وأكلّمه حتى يفرض لك في مائة دينار. قال المثنىّ: فخرج الوليد من اللؤلؤة فنزل المليكة، فأتاه رسول عمرو بن قيس من حمص يخبره أن عمراً قد وجّه إليه خمسمائة فارس، عليهم عبد الرحمن بن أبي الجنوب البهرانيّ، فدعا الوليد الضحّاك بن أيمن من بني عوف بن كلب، فأمره أن يأتي ابن أبي الجنوب - وهو بالغوير - فيستعجله، ثم يأتي الوليد بالمليكة. فلما أصبح أمر الناس بالرّحيل، وخرج على برذون كميت، عليه قباء خز وعمامة خزّ، محتزماً بريطة رقيقة قد طواها، وعلى كتفيه ريطة صفراء فوق السيف، فلقيه بنو سليم بن كيسان في ستة عشر فارساً، ثم سار قليلاً، فتلقّاه بنو النعمان بن بشير في فوارس، ثم أتاه الوليد ابن أخي الأبرش في بني عامر من كلب، فحمله الوليد وكساه، وسار الوليد على الطريق ثم عدل في تلعة يقال لها المشبهة، فلقيه ابن أبي الجنوب في أهل حمص. ثم أتى البخراء، فضجّ أهل العسكر، وقالوا: ليس معنا علف لدوابنا، فأمر رجلاً فنادى: إن أمير المؤمنين قد اشترى زروع القرية، فقالوا: ما نصنع بالقصيل! تضعف عليه دوابنا؛ وإنما أرادوا الدراهم. قال المثنّى: أتيت الوليد، فدخلت من مؤخّر الفسسطاط، فدعا بالغداء، فلما وضع بين يديه أتاه رسول أمّ كلثوم بنت عبد الله بن يزيد بن عبد الملك يقال له عمرو بن مرة، فأخبره أنّ عبد العزيز بن الحجاج؛ قد نزل اللؤلؤة، فلم يلتفت إليه، وأتاه خالد بن عثمان المخراش - وان على شرطه - برجل من بني حارثة بن جناب، فقال له: إنّي كنت بدمشق مع عبد العزيز، وقد أتيتك بالخبر؛ وهذه ألف وخمسمائة قد أخذتها - وحل همياناً من وسطه، وأراه - وقد نزل اللؤلؤة؛ وهو غاد منها إليك، فلم يجبه والتفت إلى رجل إلى جنبه، وكلمه بكلام لم أسمعه، فسألت بعض من كان بيني وبينه عما قال، فقال: سأله عن النهر الذي حفره بالأردن: كم بقي منه؟ وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة، فأتى المليكة فحازها، ووجّه منصور بن جمهور، فأخذ شرقيّ القرى - وهو تل مشرف في أرض ملساء على طريق نهيا إلى البخراء - وكان العباس بن الوليد تهيأ في نحو من خمسين ومائة من مواليه وولده، فبعث العباس رجلاً من بني ناجية يقال له حبيش إلى الوليد يخيّره بين أن يأتيه فيكون معه؛ أو يسير إلى يزيد بن الوليد. فاتّهم الوليد العباس، فأرسل إليه يأمره أن يأتيه فيكون معه، فلقي منصور بن جمهور الرّسول، فسأله عن الأمر فأخبره، فقال له منصور: قل له: والله لئن رحلت من موضعك قبل طلوع الفجر لأقتلنّك ومن معك؛ فإذا أصبح فليأخذ حيث أحبّ. فأقام العباس يتهيّأ؛ فلما كان في السّحر سمعنا تكبير أصحاب عبد العزيز قد أقبلوا إلى البخراء، فخرج خالد بن عثمان المخراش، فعبّأ الناس؛ فلم يكن بينهم قتال حتى طلعت الشمس؛ وكان مع أصحاب يزيد بن الوليد كتاب معلّق في رمح، فيه: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يصير الأمر شورى. فاقتتلوا فتقل عثمان الخشبيّ، وقتل من أصحاب الوليد زهاء ستين رجلاً، وأقبل منصور بن جمهور على طريق نهيا، فأتى عسكر الوليد من خلفهم، فأقبل إلى الوليد وهو في فسطاطه؛ ليس بينه وبين منصور أحد. فلما رأيته خرجت أنا وعاصم بن هبيرة المعافريّ خليفة المخراش، فانكشف أصحاب عبد العزيز، ونكص أصحاب منصور، وصرع سميّ بن المغيرة وقتل، وعدل منصور إلى عبد العزيز. وكان الأبرش على فرس له يدعى الأديم، عليه قلنسوة ذات أذنين؛ قد شدّها تحت لحيته؛ فجعل يصيح بابن أخيه: يا بن اللخناء، قدّم رايتك، فقال له: لا أجد متقدّماً، إنها بنو عامر. وأقبل العباس بن الوليد فمنعه أصحاب عبد العزيز، وشدّ مولى لسليمان بن عبد الله بن دحية - يقال له التركيّ - على الحارث بن العباس بن الوليد، فطعنه طعنة أذراه عن فرسه؛ فعدل العباس إلى عبد العزيز، فأسقط في أيدي أصحاب الوليد وانكسروا. فبعث الوليد بن يزيد الوليد بن خالد إلى عبد العزيز بن الحجاج بأن يعطيه خمسين ألف دينار، ويجعل له ولاية حمص ما بقي، ويؤمنه على كل حدث، على أن ينصرف ويكف؛ فأبى ولم يجبه، فقال له الوليد: ارجع إليه فعاوده أيضاً، فأتاه الوليد فلم يجبه إلى شيء، فانصرف الوليد؛ حتى إذا كان غير بعيد عطف دابته، فدنا من عبد العزيز، فقال له: أتجعل لي خمسة ألاف دينار وللأبرش مثلها، وأن أكون كأخصّ رجل من قومي منزلة وآتيك، فأدخل معك فيما دخلت فيه؟ فقال له عبد العزيز: على أن تحمل الساعة على أصحاب الوليد؛ ففعل. وكان على ميمنة الوليد معاوية بن أبي سفيان بن يزيد بن خالد، فقال لعبد العزيز: أتجعل لي عشرين ألف دينار وولاية الأردنّ والشركة في الأمر على أن أصير معكم؟ قال: على أن تحمل على أصحاب الوليد من ساعتك، ففعل، فانهزم أصحاب الوليد. وقام الوليد فدخل البخراء، وأقبل عبد العزيز فوقف على الباب وعليه سلسلة، فجعل الرّجل بعد الرّجل يدخل من تحت السلسلة. وأتى عبد العزيز عبد السلام بن بكير بن شمّاخ اللخميّ، فقال له: إنه يقول: أخرج على حكمك، قال: فليخرج؛ فلما ولّى قيل له: ما تصنع بخروجه! دعه يكفيكه الناس. فدعا عبد السلام فقال: لا حاجة لي فيما عرض عليّ، فنظرت إلى شاب طويل على فرس، فدنا من حائط القصر فعلاه، ثم صار إلى داخل القصر. قال: فدخلت القصر، فإذا الوليد قائم في قميص قصب وسراويل وشى، ومعه سيف في غمد والناس يشتمونه، فأقبل إليه بشر بن شيبان مولى كنانة بن عمير؛ وهو الذي دخل من الحائط، فمضى الوليد يريد الباب - أظنه أراد أن يأتي عبد العزيز - وعبد السلام عن يمينه ورسول عمرو بن قيس عن يساره، فضربه على رأسه؛ وتعاوره الناس بأسيافهم فقتل، فطرح عبد السلام نفسه عليه يحتز رأسه - وكان يزيد بن الوليد قد جعل في رأس الوليد مائة ألف - وأقبل أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسريّ فسلخ من جلد الوليد قدر الكفّ، فأتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله، وكان محبوساً في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد وحزائنه، وأتاني يزيد العليميّ أبو البطريق بن يزيد؛ وكانت ابتنه عند الحكم بن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتيّ، فما وصل أحد إلى شيء زعم أنه له.يمينه ورسول عمرو بن قيس عن يساره، فضربه على رأسه؛ وتعاوره الناس بأسيافهم فقتل، فطرح عبد السلام نفسه عليه يحتز رأسه - وكان يزيد بن الوليد قد جعل في رأس الوليد مائة ألف - وأقبل أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسريّ فسلخ من جلد الوليد قدر الكفّ، فأتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله، وكان محبوساً في عسكر الوليد، فانتهب الناس عسكر الوليد وحزائنه، وأتاني يزيد العليميّ أبو البطريق بن يزيد؛ وكانت ابتنه عند الحكم بن الوليد، فقال: امنع لي متاع ابنتيّ، فما وصل أحد إلى شيء زعم أنه له. قال أحمد: قال عليّ: قال عمرو بن مروان الكلبيّ: لما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى، فبعث بها إلى يزيد بن الوليد، فسبقت الرأس؛ قدم بها ليلة الجمعة، وأتى برأسه من الغد، فنصبه للناس بعد الصلاة. وكان أهل دمشق قد أجفوا بعبد العزيز، فلما أتاهم رأس الوليد سكتوا وكفّوا. قال: وأمر يزيد بنصب الرأس ، فقال له يزيد بن فروة مولى بني مروان: إنما تنصب رءوس الخوارج، وهذا ابن عمك؛ وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترقّ له قلوب الناس؛ ويغضب له أهل بيته؛ فقال: والله لأنصبنّه، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطف به في مدينة دمشق؛ وأدخله دار أبيه. ففعل، فصاح الناس وأهل الدار ثم رده إلى يزيد، فقال: انطلق به إلى منزلك؛ فمكث عنده قريباً من شهر، ثم قال له: ادفعه إلى أخيه سليمان - وكان سليمان أخو الوليد ممن سعى على أخيه - فغسل ابن فروة الرّأس، ووضعه في سفط، وأتى به سليمان، فنظر إليه سليمان، فقال: بعداً له! أشهد أنه كان شروباً للخمر، ماجناً فاسقاً؛ ولقد أرادني على نفسي الفاسق. فخرج ابن فروة من الدار، فتلقته مولاة للوليد، فقال لها: ويحك! ما أشد ما شتمه! زعم أنه أراده على نفسه! فقالت: كذب والله الخبيث، ما فعل، ولئن كان أراده على نفسه لقد فعل؛ وما كان ليقدر على الامتناع منه. وحدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكابيّ، قال: حدثني يزيد بن مصاد عن عبد الرحمن بن مصاد، قال: بعثني يزيد بن الوليد إلى أبي محمد السيفانيّ - وكان الوليد وجهه حين بلغه خبر يزيد والياً على دمشق وأتى ذنبة؛ وبلغ يزيد خبره، فوجّهني إليه - فاتيته، فسالم وبايع ليزيد. قال: فلم نرم حتى رفع لنا شحص مقبل من ناحية البريّة ، فبعث إليه، فأتيت به فإذا هو الغزيّل أبو كمال المغنّي، على بلغة للوليد تدعى مريم، فأخبر أن الوليد قد قتل، فانصرفت إلى يزيد، فوجدت الخبر قد أتاه قبل أن آتيه. حدثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدثني دكين بن شماخ الكلبي ثم العامريّ، قال: رأيت بشر بن هلباء العامريّ يوم قتل الوليد ضرب باب البخراء بالسيف، وهو يقول: سنبكي حالداً بمهنّداتٍ ... ولا تذهب صنائعه ضلالا وحدثني أحمد عن عليّ، عن أبي عاصم الزيّاديّ، قال: ادّعى قتل الوليد عشرة، وقال: إني رأيت جلدة رأس الوليد في يد وجه الفلس، فقال: أنا قتلته؛ وأخذت هذه الجلدة، وجاء رجل فاحتزّ رأسه، وبقيت هذه الجلدة في يدي. واسم وجه الفلس عبد الرحمن، قال: وقال الحكم بن النعمان مولى الوليد بن عبد الملك: قدم برأس الوليد على يزيد منصور بن جمهور في عشرة؛ فيهم روح بن مقبل، فقال روح: يا أمير المؤمنين؛ أبشر بقتل الفاسق وأسر العباس؛ وكان فيمن قدم برأس عبد الرحمن وجه الفلس، وبشر مولى كنانة من كلب؛ فأعطى يزيد كل رجل منهم عشرة آلاف. قال: وقال الوليد يوم قتل وهو يقاتلهم: من جاء برأس فله خمسمائة؛ فجاء قوم بأرؤس، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم، فقال رجل من مواليه ممن جاء برأس: يا أمير المؤمنين؛ ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئة! قال: وكان مع الوليد مالك بن أبي السمح المغنيّ وعمرو الوادي؛ فلما تفرق عن الوليد أصحابه، وحصر، قال مالك لعمرو: اذهب بنا، فقال عمرو: ليس هذا من الوفاء؛ ونحن لا يعرض لنا لأنا لسنا ممن يقاتل، فقال مالك: ويلك! والله لئن ظفروا بنا يقتل أحد قبلي وقبلك؛ فيوضع رأسه بين رأسينا؛ ويقال للناس: انظروا من كان معه في هذه الحال؛ فلا يعيبونه بشيء أشدّ من هذا فهربا. وقتل الوليد بن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، كذلك قال أبو معشر؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال هشام بن محمد ومحمد ابن عمر الواقديّ وعليّ بن محمد المدائنيّ. واختلفوا في قدر المده التي كان فيها خليفةً؛ فقال أبو معشر: كانت خلافته سنه وثلاثة أشهر، كذلك حدثني بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وقال هشام بن محمد: كانت خلافته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً. واختلفوا أيضاً في مبلغ سنه يوم قتل، فقال هشام بن محمد الكلبيّ: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقال محمد بن عمر: قتل وهو ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم: قتل وهو ابن اثنتي وأربعين سنة. وقال آخرون: وهو ابن إحدى وأربعين سنة، وقال آخرون: ابن خمس وأربعين سنة، وقال بعضهم: وهو ابن ست وأربعين سنة. وكان يكنى أبا العباس، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفيّ؛وكان شديد البطش، طويل أصابع الرجالين، كان يوتد له سكة حديد فيها خيط ويشد الخيط في رجله، ثم يثب على الدابة، فينتزع السكة ويركب، ما يمسّ الدابة بيده. وكان شاعراً مشروباً للخمر؛ حدثني أحمد؛ قال: حدثنا عليّ، عن ابن أبي الزناد، قال: قال أبي: كنت عند هشام وعنده الزهريّ، فذكر الوليد، فتنقّصاه وعاباه عيباً شديداً، ولم أعرض في شيء مما كنا فيه؛ فاستأذن الوليد، فأذن له، وأنا أعرف الغضب في وجهه، فجلس قليلاً، ثم قام. فلما مات هشام كتب فيّ فحملت إليه فرحب بي، وقال: كيف حالك يابن ذكوان؟ وألطف المسألة بي، ثم قال: أتذكر يوم الأحول وعنده الفاسق الزهريّ، وهما يعيبانني؟ قلت أذكر ذلك؛ فلم أعرض في شيء مما كانا فيه، قال: صدقت، أرأيت الغلام الذي كان قائماً على رأس هشام؟ قلت: نعم، قال: فإنه نمّ إليّ بما قالا؛ وايم الله لو بقي الفاسق - يعني الزهّريّ - لقتلته، قلت: قد عرفت الغضب في وجهك حين دخلت. ثم قال يابن ذكوان، ذهب الأحول بعمري، بل يطيل الله لك عمرك يا أمير المؤمنين، ويمتع الأمة ببقائك؛ فدعا بالعشاء فتعشينا، وجاءت المغرب فصلينا، وتحدثنا حتى جاءت العشاء الآخرة فصلينا وجلس، وقال: اسقني؛ فجاءوا بلإناء مغطّى، وجاء ثلاث جوار فصففن بين يديه، بيني وبينه، ثم شرب وذهبنا فتحدثنا، واستسقى فصنعن مثل ما صنعن أولا؛ قال: فما زال علىذلك يتحدّث ويستسقى وصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحاً. خبر قتل خالد بن عبد الله القسريّ وفي هذه السنة قتل خالد بن عبد الله القسريّ. ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك قد تقدم ذكرنا اللخبر عن عزل هشام إياه عن عماه ووليته العراق وخراسان واستعماله على العراق يوسف بن عمر؛ وكان - فيما ذكر - عمل لهشام على ذلك خمس عسرة سنة غير أشهر؛ وذلك أنه - فيما قيل - ولى العراق لهشام سنة خمس ومائة، وعزل عنها في جمادى الأولى سنة عشرين ومائة. ولما عزله هشام وقدم عليه يوسف واسطاً أخذه وحبسه بها، ثم شخص يوسف بن عمر إلى الحيرة؛ فلم يزل محبوساً بالحيرة تمام. ثمانية عشر شهراً مع أخيه إسماعيل بن عبد الله وابنيه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد بن عبد الله. واستأذن يوسف هشاماً في إطلاق يده عليه وتعذيبه، فلم يأذنن له حتى أكثر عليه واعتلّ عليه بانكسار الخراج وذهاب الأموال، فأذن له مرّة واحدة، وبعث حرسيّاً يشهد ذلك؛ وحلف: لئن أتى على خالد أجله وهو في يده ليقتلنّه؛ فدعا به يوسف؛ فجلس على دكان بالحيرة وحضرالناس، وبسط عليه؛ فلم يكلمه واحدة حتى شتمه يوسف فقال: يابن الكاهن - يعني شقّ بن صعب الكاهن - فقال خالد: إنك لأحمق، تعيرني بشرفي! ولكنك يابن السبّاء، إنما كان أبوك سبّاء خمر - يعني يبيع الخمر - ثم ردّه إلى حبسه، ثم كتب إليه هشام يأمره بتخلية سبيله في شوال إحدى وعشرين ومائة، فنزل خالد في قصر إسماعيل بن عبد الله بدوران، خلف جسر الكوفة، وخرج يزيد بن خالد وحده؛ فأخذ على بلاد طيء؛ حتى ورد دمشق، وخرج خالد ومعه إسماعيل والوليد؛ قد جهزهم عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ابن العاص، وبعث بالأثقال إلى قصر بني مقاتل، وكان يوسف قد بعث خيلا، فأخذت الزاد والأثقال والإبل وموالي خالد كانوا فيها، فضرب وباع ما أخذ لهم، ورد بعض الموالي إلى الرقّ، فقدم خالد قصر بني مقاتل؛ وقد أخذ كل شيء لهم، فسار إلى هيت، ثم تحمّلوا إلىالقرية - وهي بإزاء باب الرُّصافة - فأقام بها بقيّة شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرّم وصفر؛ لا يأذن لهم هشام في القدوم عليه؛ والأبرش يكاتب خالداً. وخرج زيد بن عليّ فقتل. قال الهيثم بن عديّ - فيما ذكر عنه - : وكتب يوسف إلى هشام: إن أهل هذا البيت من بني هاشم قد كانوا هلكوا جوعاً؛ حتى كانت همَّة أحدهم قوت عاليه؛ فلما ولى خالد العراق أعطاهم الأموال فقووا بها حتى تاقت أنفسهم إلى طلب الخلافة، وما خرج زيد إلا عن رأي خالد؛ والدليل على ذلك نزول خالد بالقرية على مدرجة العراق يستنشي أخبارها. فسكت هشام حتى فرغ من قراءة الكتاب، ثم قال للحكم بن حزن القينيّ - وكان على الوفد، وقد أمره يوسف بتصديق ما كتب به ففعل - فقال له هشام: كذبت وكذب من أرسلك؛ ومهما اتّهمنا خالداً فلسنا نتّهمه في طاعة؛ وأمر به فوجئت عنقه. وبلغ الخبر خالداً فسار حتى نزل دمشق فأقام حتى حضرت الصائفة، فخرج فيها ومعه يزيد وهشام ابنا خالد بن عبد الله؛ وعلى دمشق يومئذ كلثوم بن عياض القسريّ، وكان متحملا على خالد؛ فلما أدربوا ظهر في دور دمشق حريق؛ كل ليلة يلقيه رجل من أهل العراق يقال له أبو العمرّس وأصحاب له؛ فإذا وقع الحريق أغاروا يسرقون. وكان إسماعيل بن عبد الله والمنذر بن أسد بن عبد الله وسعيد ومحمد ابنا خالد بالساحل لحدث كان من الروم؛ فكتب كلثوم إلى هشام يذكر الحريق، ويخبره أنه لم يكن قطّ؛ وأنه عمل مولى خالد؛ يريدون الوثوب على بيت المال. فكتب إليه هشام يأمره أن يحبس آل خالد؛ الصغير منهم والكبير ومواليهم والنساء؛ فأخذ إسماعيل والمنذر ومحمد وسعيد من الساحل فقدم بهم في الجوامع ومن كان معهم من مواليهم؛ وحبس أمّ جرير بنت خالد والرّائقة وجميع النساء والصبيان؛ ثم ظهر على أبي العمّرس؛ فأخذو من كان معه. فكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل خراج دمشق إلى هشام يخبره بأخذ ابن العمّرس ومن كان معه؛ سماهم رجلا رجلا، ونسبهم إلى قبائلهم وأمصارهم، ولم يذكر فيهم أحد من موالي خالد، فكتب هشام إلى كلثوم يشتمه ويعنفه، ويأمره بتخلية سبيل جميع من حبس منهم، فأرسلهم جميعاً واحتبس الموالي رجاء أن يكلمه فيهم خالد إذا قدم من الصائفة. فلما أقبل الناس وخرجوا عن الدّرب بلغ خالداً حبس أهله، ولم يبلغه تخليتهم؛ فدخل يزيد بن خالد في غمار الناس حتى أتى حمص، وأقبل خالد حتى نزل منزله من دمشق، فلما أصبح أتاه الناس، فبعث إلى ابنتيه: زينب وعاتكة؛ فقال: إني قد كبرت وأحببت أن تليا خدمتي؛ فسرّتا بذلك - ودخل عليه إسماعيل أخوه ويزيد وسعيد ابناه، وأمر بالإذن، فقامت ابنتاه لتتنحّيا، فقال: وما لهما تتنحيّان، وهشام في كلّ يوم يسوقهنّ إلى الحبس! فدخل الناس، فقام إسماعيل وابناه دون ابنتيه يسترونهما، فقال خالد: خرجت غازياً في سبيل الله؛ سامعاً مطيعاً، فخلفت في عقبي، وأخذ حرمى وحرم أهل بيتي؛ فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بأهل الشرك! فما منع عصابةً منكم أن تقوم فتقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع! أخفتم أن تقتلوا جميعاً! أخافكم الله! ثم قال: مالي ولهشام! ليكفنّ عني هشام أو لأدعونّ إلى عراقيّ الهوى شأميّ الدار حجازيّ الأصل - يعني محمد بن عليّ بن عبد الله ابن عباس - وقد أذنت لكم أن تبلّغوا هشاماً. فلما بلغه ما قال، قال: خرف أبو الهيثم. وذكر أبو زيد أن أحمد بن معاوية حدثه عن أبي الخطاب، قال: قال خالد: لئن ساء صحاب الرُّصافة - يعني هشاماً - لننصبنّ لنا الشأمّى الحجازيّ العراقيّ، ولو نخر نخرةً تداعت من أقطارها. فبلغت هشاماً، فكتب إليه: إنك هذّاءة هذرة، أببجيلة القليلة الذليلة تتهددّني! قال: فوالله ما نصره أحد بيد ولا بلسان إلا رجل من عبس فإنه قال: ألا إنّ بحر الجود أصبح ساجياً ... أسير ثقيف موثقاً في السلاسل فأن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل فأقام خالد ويزيد وجماعة أهل بيته بدمشق، ويوسف ملح على هشام يسأله أن يوجّه إليه يزيد. وكتب هشام إلى كلثوم بن عياض يأمره بأخذ يزيد والبعثة به إلى يوسف، فوجه كلثوم إلى يزيد خيلاً وهو في منزله، فشدّ عليهم يزيد، فأفرجوا له، ثم مضى على فرسه، وجاءت الخيل إلى كلثوم فأخبروه، فأرسل إلى خالد الغد من يوم تنحّى يزيد خيلا، فدعا خالد بثيابه فلبسها. وتصارخ النساء، فقال رجل منهم: لو أمرت هؤلاء النسوة فسكتن! فقال: ولم؟ أما والله لولا الطاعة لعلم عبد بني قسر أنه لا ينال هذه منى، فأعلموه مقالتي؛ فإن كان عربياً كما يزعم، فليطلب جده مني، ثم مضى معهم فحبس في حبس دمشق. وسار إسماعيل من يومه حتى قدم الرُّصافة على هشام، فدخل على أبي الزبير حاجبه فأخبره بحبس خالد، فدخل أبو الزبير على هاشم فأعلمه، فكتب إلى كاثوم يعنّفه، ويقول: خليت عمن أمرتك بحبسه، وحبست من لم آمرك بحبسه. ويأمره بتخلية سبيل خالد، فخلاه. وكان هشام إذا أراد أمراً أمر الأبرش فكتب به إلى خالد، فكتب الأبرش: إنه بلغ أمير المؤمنين أن عبد الرحمن بن ثويب الضّني - ضنة سعد إخوة عذرة ابن سعد - قام إليك، فقال: يا خالد إني لأحبك لعشر خصال: إن الله كريم وأنت كريم، والله جواد وأنت جواد، والله رحيم وأنت رحيم، والله حليم وأنت حليم ... حتى عد عشراً؛ وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن تحقق عنده ذلك ليستحلنّ دمك؛ فاكتب إليّ بالأمر على وجهه لأخبر به أمير المؤمنين.فكتب إليه خالد: إن ذلك المجلس كان أكثر أهلاً من أن يجوز لأحد من أهل البغي والفجور أن يحرِّف ما كان فيه إلى غيره؛ قام إلى عبد الرحمن ابن ثويب، فقال: يا خال أني لأحبّك لعشر خصال: إن الله كريم يحب كل كريم، والله يحبك وأنا أحبك لحبّ الله إياك؛ حتى عدّد عشر خصال؛ ولكن أعظم من ذلك قيام أبن شقي الحميريّ إلى أمير المؤمنين، وقوله: يا أمير المؤمنين، خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك؟ فقال أمير المؤمنين: بل خليفتي في أهلي، فقال ابن شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله؛ ولعمري لضلالة رجل من بجيلة إن ضلّ أهون على العامة والخاصّة من ضلال أمير المؤمنين. فأقرأ الأبرش هشاماً كتابه، فقال خرف أبو الهيثم. فأقام خالد بدمشق خلافة هشام حتى هلك، فلما هلك هشام، وقام الوليد، قدم عليه أشراف الأجناد؛ فيهم خالد؛ فلم يأذن لأحد منهم. واشتكى خالد، فاستاذن له، فرجع إلى دمشق، فأقام أشهراً، ثم كتب إليه الوليد: إنّ أمير المؤمنين قد علم حال الخمسين الألف ألف؛ التي تعلم، فاقدم على أمير المؤمنين مع رسوله؛ فقدم أمره ألاّ يجعلك عن جهاز. فبعث خالد إلى عدّة من ثقاته؛ منهم عمارة بن أبي كلثم الأزديّ، فأقرأهم الكتاب، وقال: أشيروا عليّ؛ فقالوا: إنّ الوليد ليس بمأمون عليك؛ فالرأي أن تدخل دمشق، فتأخذ بيوت الأموال وتدعو إلى من أحببت؛ فأكثر الناس قومك؛ ولن يختلف عليك رجلان، قال: أو ماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتقيم حتى تتوثّق لنفسك، ققال: أو ماذا؟ قالوا: أو تتوارى. قال: أما قولكم: تدعو إلى من أحببت؛ فإني أكره أن تكون الفرقة والاختلاف على يدي، وأما قولكم: تتوثّق لنفسك، فأنتم لا تأمنون عليّ الوليد؛ ولا ذنب لي، فكيف ترجون وفاءه لي وقد أخذت بيوت الأموال! وأما التوارى؛ فوالله ما قنّعت رأسي خوفاً من أحد قطّ؛ فالآن وقد بلغت من السنّ ما بلغت! لا، ولكن أمضى وأستعين الله. فخرج حتى قدم على الوليد فلم يدع به، ولم يكلّمه وهو في بيته؛ معه مواليه وخدمه، حتى قدم برأس يحيى بن زيد من خراسان، فجمع الناس في رواق، وجلس الوليد، وجاء الحاجب فوقف، فقال له خالد: إن حالي ما ترى؛ لا أقدر على المشي؛ وإنما أحمل في كرسيّ، فقال الحاجب: لا يدخل عليه أحد يحمل، ثم أذن لثلاثة نفر، ثم قال: قم يا خالد، فقال: حالى ماذكرت لك، ثم أذن لرجل أو رجلين؛ فقال: قم يا خالد، إن حالى ما ذكرت لك؛ حتى أذن لعشرة، ثم قال: قم يا خالد، وأذن للناس كلهم، وأمر بخالد فحمل على كرسيّه؛ فدخل به والوليد جالس على سريره.والموائد موضوعة،والناس بين يديه سماطان،وشبّة بن عقّال - أو عقال بن شبّة - يخطب، ورأس يحيى بن زيد منصوب، فميل بخالد إلى أحد السماطين، فلما فرغ الخطيب قام الوليد وصرف الناس، وحمل خالد إلى أهله؛ فلما نزع ثيابه جاءه رسول الوليد فردّه، فلما صار إلى باب السرادق وقف فخرج إليه رسول الوليد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: أين يزيد بن خالد؟ فقال: كان أصابه من هشام ظفر، ثم طلبه فهرب منه، وكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه الله؛ فلما لم يظهر ظننّاه ببلاد قومه من السّراة، وما أوشكه. فرجع إليه الرسول، فقال: لا ولكنك خلفته طلباً للفتنة. فقال خالد للرسول: قد علم أمير المؤمنين أنّا أهل بيت طاعة، أنا وأبي وجدي - قال خالد: وقد كنت أعلم بسرعة رجعة الرسول؛ أنّ الوليد قريب حيث يسمع كلامي - فرجع الرّسول، فقال: يقول لك أمير المؤمنين؛ لتأتينّ به أو لأزهقنّ نفسك. فرفع خالد صوته، وقال: قل له: هذا أردت، وعليه درت؛ والله لو كان تحت قدميّ ما رفعتهما لك عنه؛ فاصنع ما بدا لك! فأمر الوليد غيلان صاحب حرسه بالبسط عليه، وقال له: أسمعني صوته، فذهب به غيلان إلى رحله، فعذّبه بالسلاسل، فلم يتكلم، فرجع غيلان إلى الوليد، فقال: والله ما أعذّب إنساناً؛ والله ما يتكلم ولا يتأوّه، فقال: اكفف عنه واحبسه عندك. فحبسه حتى قدم يوسف بن عمر بمال من العراق، ثم أداروا الأمر بينهم، وجلس الوليد للناس ويوسف عنده؛ فتكلّم أبان بن عبد الرحمن النميريّ في خالد، فقال يوسف: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد: إنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف؛ فإن كنت تضمنها وإلاّ دفعتك إليه، فقال خالد: ما عهدت العرب تباع؛ والله لو سألني أن أضمن هذا - ورفع عوداً من الأرض - ما ضمنته، فرَ رأيك. فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه بأخرى، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المريّ ابن أخي الوليد بن تليد - وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحدثة، على مرحلة من عسكر الوليد. ثم دعا به فذكر أمّه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبداً. فبسط عليه، وعذّبه عذاباً شديداً وهو لا يكلّمه كلمة. ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينيّ بشربة سويق حبّ رمّان مع مولى له يقال له سالم النفّاط، فبلغ يوسف فضرب زيداً خمسمائة سوط، وضرب سالماً ألف صوط. ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلمه، وصبر إبراهيم ابن هشام وخرع محمد بن هشام. فمكث خالد يوماً في العذاب، ثم وضع على صدره المضرّسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرّم سنة ست وعشرين ومائة في قول الهيثم بن عديّ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعريّ فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمائة سوط. قال أبو زيد: حدّثني أبو نعيم قال: حدّثني رجل، قال: شهدت خالداً حين أتيَ به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرّجال حتى كسرت قدماه؛ فوالله ما تكلّم ولا عبس، ثم على ساقيه حتى كسرتا، ثم على فخذيه ثم على حقويه ثم على صدره حتى مات، فوالله ما تكلم ولا عبس، فقال خلف بن خليفة لما قتل الوليد بن يزيد: لقد سكنت كلب وأسباق مذحج ... صدى كان يزقو ليله غير راقد تركن أمير المؤمنين بخالد ... مكباً على خيشومه غير ساجد فإن تقطعوا منّا مناط قلادة ... قطعنا به منكم مناط قلائد وإن تشغلونا عن ندانا فإننا ... شغلنا الوليد عن غناء الولائد وإن سافر القسريّ سفرة هالك ... فإن أبا العباس ليس بشاهد وقال حسان بن جعدة الجعفريّ يكذّب خلف بن خليفة في قوله هذا: إن امرأً يدعي قتل الوليد سوى ... أعمامه لملىء النفس بالكذب ما كان إلا امرأ حانت منيته ... سارت إليه بنو مروان بالعرب وقال أبو محجن مولى خالد: سائل وليداً وسائل أهل عسكره ... غداة صبّحه شؤبوبنا البرد هل جاء من مضر نفس فتمنعه ... والخيل تحت عجاج الموت تطرد من يهجنا جاهلاً بالشعر ننقضه ... بالبيض إنا بها نهجو ونفتئد وقال نصر بن سعيد الأنصاريّ: أبلغ يزيد بني كرز مغلفغلة ... أني شفيت بغيب غير موتور قطعت أوصال قنور على حنق ... بصارم من سيوف الهند مأثور أمست حلائل قنور مجدعة ... لمصرع العبد قنور بن قنور ظلّت كلاب دمشق وهي تنهشه ... كأن أعضاءه أعضاء خنزير غادرن منه بقايا عند مصرعه ... أنقاض شلو على الأطناب مجرور حكّمت سيفك إذ لم ترض حكمهم ... والسيف يحكم حكماً غير تعذير لا ترض من خالد إن كنت متئراً ... إلا بكل عظيم الملك مشهور أسعرت ملك نزال ثم رعتهم ... بالخيل تركض بالشم المغاوير ما كان في آل قنور ولا ولدوا ... عدلاً لبدر سماء ساطع النّور ذكر بيعة يزيد بن الوليد الناقص وفي هذه السنة بويع ليزيد بن الوليد بن عبد الملك؛ الذي يقال له يزيد الناقص؛ وإنما قيل: يزيد الناقص لنقصه الناس الزيادة التي زادهموها الوليد ابن يزيد في أعطياتهم؛ وذلك عشرة عشرة، فلما قتل الوليد نقصهم تلك الزيادة؛ وردّ أعطياتهم إلى ما كانت عليه أيام هشام بن عبد الملك. وقيل: أوّل من سماه بهذا الاسم مروان بن محمد، حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: شتم مروان بن محمد يزيد بن الوليد فقال: الناقص بن الوليد؛ فسمّاه الناس الناقص لذلك. ذكر اضطراب أمر بني مروان وفي هذه السنة اضطرب حبل بني مروان وهاجت الفتنة. ذكر الخبر عما حدث فيها من الفتن: فكان في ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد ما قتل الوليد بن يزيد بعمّان. فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد قال: لما قتل الوليد خرج سليمان بن هشام من السجن، وكان محبوساً بعمّان، فأخذ ما كان بعمّان من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر. ذكر خلاف أهل حمص وفيها كان وثوب أهل حمص بأسباب العباس بن الوليد وهدمهم داره وإظهارهم الطلب بدم الوليد بن يزيد. ذكر الخبر عن ذلكحدّثني أحمد عن عليّ، قال: كان مروان بن عبد الله بن عبد الملك عاملاً للوليد على حمص، وكان من سادة بني مروان نبلاً وكرماً وعقلاً وجمالاً، فلما قتل الوليد بلغ أهل حمص قتله، فأغلقوا أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وسألوا عن قتله، فقال بعض من حضرهم: مازلنا منتصفين من القوم قاهرين لهم؛ حتى جاء العباس بن الوليد، فمال إلى عبد العزيز بن الحجاج. فوثب أهل حمص فهدموا دار العباس وانتهبوها وسلبوا حرمه، وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه. فخرج إلى يزيد بن الوليد، وكاتبوا الأجناد، ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد؛ فأجابوهم. وكتب أهل حمص بينهم كتاباً؛ ألاّ يدخلوا في طاعة يزيد؛ وإن كان ولياً عهد الوليد حيّين قاموا بالبيعة لهما وإلا جعلوها لخير من يعلمون؛ على أن يعطيهم العطاء من المحرّم إلى المحرّم، ويعطيهم للذرّية. وأمّروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين، فكتب إلى مروان بن عبد الله بن عبد الملك وهو بحمص في دار الإمارة، فلما قرأه قال: هذا كتاب حضره من الله حاضر. وتابعهم على ما أرادوا. فلما بلغ يزيد بن الوليد خبرهم، وجّه إليهم رسلاً فيهم يعقوب بن هانىء، وكتب إليهم: إنه ليس يدعو إلى نفسه، ولكنه يدعوهم إلى الشورى. فقال عمرو بن قيس السكونيّ: رضينا بوليّ عهدنا - يعني ابن الوليد بن يزيد - فأخذ يعقوب بن عمير بلحيته، فقال: أيها العشمة، إنك قد فيّلت وذهب عقلك؛ إن الذي تعني لو كان يتيماً في حجرك لم يحلّ لك أن تدفع إليه ماله، فكيف أمر الأمّة! فوثب أهل حمص على رسل يزيد بن الوليد فطردوهم. وكان أمر حمص لمعاوية بن يزيد بن حصين، وليس إلى مروان بن عبد الله من أمرهم شيء، وكان معهم السّمط بن ثابت، وكان الذي بينه وبين معاوية بن يزيد متباعداً. وكان معهم أبو محمد السفيانيّ فقال لهم: لوقد أتيت دمشق، ونظر إليّ أهلها لم يخالفوني. فوجّه يزيد بن الوليد مسرور ابن الوليد والوليد بن روح في جمع كبير، فنزلوا حوّارين، أكثرهم بنو عامر من كلب. ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام فأكرمه يزيد، وتزوّج أخته أم هشام بنت هشام بن عبد الملك، وردّ عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، ووجّهه إلى مسرور بن الوليد والوليد بن روح، وأمرهما بالسمع والطاعة له. وأقبل أهل حمص فنزلوا قرية لخالد بن يزيد بن معاوية. حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني عمرو بن محمد ويحيى بن عبد الرحمن البهرانيّ، قالا: قام مروان بن عبد الله، فقال: يا هؤلاء؛ إنكم خرجتم لجهاد عدوّكم والطلب بدم خليفتكم، وخرجتم مخرجاً أرجو أن يعظم الله به أجركم، ويحسن عليه ثوابكم، وقد نجم لكم منهم قرن، وشال إليكم منهم عنق، إن أنتم قطعتموه اتبعه ما بعده، وكنتم عليه أحرى، وكانوا عليكم أهون، ولست أرى المضيّ إلى دمشق وتخليف هذا الجيش خلفكم. فقال السمط: هذا والله العدوّ القريب الدار؛ يريد أن ينقض جماعتكم؛ وهو ممايل للقدرية. قال: فوثب الناس على مروان بن عبد الله فقتلوه وقتلوا ابنه، ورفعوا رأسيهما للناس؛ وإنّما أراد السّمط بهذا الكلام خلاف معاوية بن يزيد، فلما قتل مروان بن عبد الله ولّوا عليهم أبا محمد السفيانيّ، وأرسلوا إلى سليمان بن هشام: إنا آتوك فأقم بمكانك؛ فأقام. قال: فتركوا عسكر سليمان ذات اليسار، ومضوا إلى دمشق، وبلغ سليمان مضيّهم، فخرج مغداً، فلقيهم بالسليمانية - مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء من دمشق على أربعة عشر ميلاً. قال عليّ: فحدثني عمرو بن مروان بن بشّار والوليد بن عليّ، قالا: لما بلغ يزيد أمر أهل حمص دعا عبد العزيز بن الحجاج، فوجّهه في ثلاثة آلاف، وأمره أن يثبت على ثنيّة العقاب، ودعا هشام بن مصاد، فوجّهه في ألف وخمسمائة، وأمره أن يثبت على عقبة السلامة، وأمرهم أن يمدّ بعضهم بعضاً. قال عمرو بن مروان: فحدّثني يزيد بن مصاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حمص، وقد نزلوا السلمانيّة، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبل على شمائلهم، والجباب خلفهم؛ وليس عليهم مأتىً إلا من وجه واحد، وقد نزلوا أوّل الليل، فأراحوا دوابّهم، وخرجنا نسري ليتنا كلّها، حتى دفعنا إليهم؛ فلما متع النهار واشتدّ الحرّ، ودوابنا قد كلّت وثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بن الوليد، فقلت له - وسليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد أن يقدم الأمير جنده إلى القتال في هذه الحال! فأقبل سليمان فقال: يا غلام، اصبر نفسك، فوالله لا أنزل حتى يقضيَ الله بيني وبينهم ما هو قاض. فتقدّم وعلى ميمنته الطفيل بن حارثة الكلبيّ، وعلى ميسرته الطفيل بن زرارة الحبشيّن فحملوا علينا حملةً، فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غلوتين، وسليمان في القلب لم يزل من مكانه؛ ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردّوهم إلى موضعهم؛ فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مراراً، فقتل منهم زهاء مائتي رجل، فيهم حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وأصيب من أصحاب سليمان نحو من خمسين رجلاً، وخرج أبو الهلباء البهراني - وكان فارس أهل حمص - فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه حيّة بن سلامة الكلبيّ فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، وشدّ عليه أبو جعدة مولىً لقريش من أهل دمشق فقتله، وخرج ثبيت ابن يزيد البهرانيّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه إيراك السغديّ؛ من أبناء ملوك السغد كان منقطعاً إلى سليمان بن هشام - وكان ثبيت قصيراً، وكان إيراك جسيماً - فلما رآه ثبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف إيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبده. قال: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنية العقاب، فشد عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتل ونفذ إلينا. قال أحمد: قال عليّ: قال عمرو بن مروان: فحدّثني سليمان بن زياد الغسانيّ قال: كنت مع عبد العزيز بن الحجاج؛ فلما عاين عسكر أهل حمص، قال لأصحابه: موعدكم التلّ الذي في وسط عسكرهم؛ والله لا يتخلّف منكم أحد إلاّ ضربت عنقه. ثم قال لصاحب لوائه: تقدّم، ثم حمل وحملنا معه؛ فما عرض لنا أحد إلا قتل حتى صرنا على التلّ، فتصدّع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسريّ: الله الله في قومك! فكفّ الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز؛ وكاد يقع الشرّ بين الذكوانيّة وسليمان وبين بني عامر من كلب، فكفوا عنهم؛ على أن يبايعوا ليزيد ابن الوليد. وبعث سليمان بن هشام إلى أبي محمد السفيانيّ ويزيد خالد بن يزيد بن معاوية فأخذا، فمرّ بهما على الطفيل بن حارثة، فصاحا به: يا خالاه! ننشك الله والرحم! فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما، فخاف بنو عامر أن يقتلهما، فجاءت جماعة منهم؛ فكانت معهما في الفسطاط، ثم وجّههما إلى يزيد بن الوليد معهم. ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق؛ ونزلا بعذراء. واجتمع أمر أهل دمشق، وبايعوا يزيد بن الوليد، وخرجوا إلى دمشق وحمص وأعطاهم يزيد العطاء، وأجاز الأشراف منهم معاوية بن يزيد بن الحصين والسمط بن ثابت وعمرو بن قيس وابن حُوَيّ والصقرين صفوان؛ واستعمل معاوية بن يزيد بن حصين من أهل حمص، وأقام الباقون بدمشق، ثم ساروا إلى أهل الأردن وفلسطين وقد قتل من أهل حمص يومئذ ثلثمائة رجل. ذكر خلاف أهل الأردن وفلسطين وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين والأردنّ على عاملهم فقتلوه. ذكر الخبر عن أمرهم وأمر يزيد بن الوليد معهم حدّثني أحمد، عن عليّ بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني رجاء بن روح بن سلامة بن روح بن زنباع، قال: كان سعيد بن عبد الملك عاملاً للوليد على فلسطين، وكان حسن السيرة، وكان يزيد بن سليمان سيّد ولد أبيه، وكان ولد سليمان بن عبد الملك ينزلون فلسطين، فكان أهل فلسطين يحبّونهم لجوارهم؛ فلما أتى قتل الوليد - ورأس أهل فلسطين يومئذ سعيد بن روح بن زنباع - كتب إلى يزيد بن سليمان: إن الخليفة قد قثتل فاقدم علينا نولّك أمرنا. فجمع له سعيد قومه، وكتب إلى سعيد بن عبد الملك - وهو يومئذ نازل بالسبع: ارتحل عنّا، فإن الأمر قد اضطرب؛ وقد ولينا أرمنا رجلاً قد رضينا أمره. فخرج إلى يزيد بن الوليد، فدعا يزيد ابن سليمان أهل فلسطين إلى قتال يزيد بن الوليد، وبلغ أهل الأردنّ أمرهم، فولّوا عليهم محمد بن عبد الملك - وأمر أهل فلسطين إلى سعيد بن روح وضبعان بن روح - وبلغ يزيد أمرهم، فوجّه إليهم سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفيانيّ. قال عليّ: قال عمرو بن مروان: حدّثني محمد بن راشد الخزاعيّ أنّ أهل دمشق كانوا أربعة وثمانين ألفاً، وسار إليهم سليمان بن هشام. قال محمد بن راشد: وكان سليمان بن هشام يرسلني إلى ضبعان وسعيد ابني روح وإلى الحكم وراشد ابني جرو من بلقين، فأعدهم وأمنّيهم على الدخول في طاعة يزيد بن الوليد، فأجابوا. قال: وحدّثني عثمان بن داود الخولانيّ، قال: وجهني يزيد بن الوليد ومعي حذيفة بن سعيد إلى محمد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان، يدعوهما إلى طاعته، ويعدهما ويمنّيهما، فبدأنا بأهل الأردن ومحمد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة منهم؛ فكلّمته فقال بعضهم: أصلح الله الأمير! اقتل هذا القدريّ الخبيث، فكفهم عني الحكم بن جرو القيني. فأقيمت الصلاة فخلوت به، فقلت: إني رسول يزيد إليك، والله ما تركت ورائي راية تعقد إلاّ على رأس رجل من قومك، ولا درهم يخرج من بيت المال إلاّ في يد رجل منهم؛ وهو يحمل لك كذا وكذا. قال: أنت بذاك؟ قلت: نعم: ثم خرجت فأتيت ضبعان بن روح، فقلت له مثل ذلك، وقلت له: إنه يوليك فلسطين ما بقيَ، فأجابني فانصرفت، فما أصبحت حتى رحل بأهل فلسطين. حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: سمعت محمد بن سعيد بن حسان الأردنيّ، قال: كنت عيناً ليزيد بن الوليد بالأردنّ، فلما اجتمع له ما يريد ولاّني خراج الأردنّ، فلما خالفوا يزيد بن الوليد أتيت سليمان بن هشام، فسألته أن يوجّه معي خيلاً، فأشنّ الغارة على طبريّة، فأبى سليمان أن يوجّه معي أحداً، فخرجت إلى يزيد بن الوليد، فأخبرته الخبر، فكتب إلى سليمان كتاباً بخطه، يأمره أن يوجه معي ما أردت؛ فأتيت به سليمان، فوجه معي مسلم بن ذكوان في خمسة آلاف، فخرجت بهم ليلاً حتى أنزلتهم البطيحة، فتفرّقوا في القرى، وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبريّة، وكتبوا إلى عسكرهم، فقال أهل طبريّة: علام نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا! ومضوا إلى حجرة يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، فانتهبوهما وأخذوا دوابّهما وسلاحهما، ولحقوا بقراهم ومنازلهم؛ فلما تفرّق أهل فلسطين والأردنّ، خرج سليمان حتى أتى الصنبرة، وأتاه أهل الأردنّ، فبايعوا ليزيد بن الوليد؛ فلما كان يوم الجمعة وجّه سليمان إلى طبرية، وركب مركباً في البحيرة، فجعل يسايرهم حتى أتى طبريّة، فصلى بهم الجمعة، وبايع من حضر ثم انصرف إلى عسكره. حدّثني أحمد، قال: حدّثنا عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني عثمان بن داود، قال: لما نزل سليمان الصنبرة، أرسلني إلى يزيد بن الوليد، وقال لي: أعلمه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين والأسود بن بلال المحاربيّ الأردنّ. فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال: أخبرني كيف قلت لضبعان بن روح؟ فأخبرته، قال: فما صنع؟ قلت: ارتحل بأهل فلسطين، وارتحل ابن جرو بأهل الأردنّ قبل أن يصبحا. قال: فليسا بأحقّ بالوفاء منا، ارجع فمرْه ألاّ ينصرف حتى ينزل الرملة، فيبايع أهلها، وقد استعملت إبراهيم بن الوليد على الأردنّ وضبعان بن روح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنسرين وابن الحصين على حمص. ثم خطب يزيد بن الوليد بعد قتل الوليد، فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. أيها الناس؛ إني والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا حرصاً على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي؛ إني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي؛ ولكني خرجت غضباً لله ورسوله ودينه، داعياً إلى الله وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لمّا هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور أهل التقوى، وظهر الجبّار العنيد، المستحلّ لكل حرمة، والرّاكب لكلّ بدعة؛ مع أنه والله ما كان يصدّق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب؛ وإنه لابنُ عمّي في الحسب، وكفيّي في النسب؛ فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته ألاّ يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوّته، لا بحولي وقوتي. أيّها الناس، إنّ لكم عليّ ألا أضع حجراً على حجر، ولا لبنة على لبنة؛ ولا أكري نهراً، ولا أكثر مالاً، ولا أعطيه زوجة ولا ولداً، ولا أنقل مالاً من بلدة إلى بلدة حتى أسدّ ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يعينهم؛ فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه؛ ممن هو أحوج إليه؛ ولا أجمّركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم؛ ولا أغلق بابي دونكم؛ فيأكل قويّكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع نسلهم؛ وإنّ لكم أعطياتكم عندي في كلّ سنة وأرزاقكم في كلّ شهر؛ حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيتُ لكم بما قلت؛ فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف فلكم أن تخلعوني؛ إلا أن تستتيبوني؛ فإن تبت قبلتم مني، فإن علمتم أحداً ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه؛ فأنا أوّل من يبايعه، ويدخل في طاعته. أيّها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد؛ إنما الطاعة طاعة الله؛ فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى المعصية؛ فهو أهل أن يعصى ويقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، فكان أول من بايعه الأفقم يزيد بن هشام. وبايعه قيس بن هانىء العبسيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله، ودم على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحد من أهل بيتك؛ وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، وإن عمر أخذها بحبل سوء. فبلغ مروان بن محمد قوله، فقال: ما له قاتله الله ذمّنا جميعاً وذمّ عمر! فلما وليَ موران بعث رجلاً، فقال: إذا دخلتَ مسجد دمشق فانظر قيس ابن هانىء، فإنه طالما صلّى فيه، فاقتله؛ فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فرأى قيساً يصلي فقتله. وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصور بن جمهور. ذكر الخبر عن عزل يوسف بن عمر وولاية منصور بن جمهور: ولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشأم، ندب - فيما قيل - لولاية العراق عبد العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبيّ، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولاّها منصور بن جمهور. وأما أبو مخنف، فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه: قتل الوليد ابن يزيد بن عبد الملك بوم الأربعاء، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق، وسار منصور بن جمهور من البخراء في اليوم الذي قتل فيه الوليد بن يزيد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبره يوسف بن عمر فهرب. وقدم منصور بن جمهور الحيرة في أيام خلون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لأهل العطاء والأرزاق، واستعمل حريث بن أبي الجهم على واسط، وكان عليها محمد بن نباتة، فطرقه ليلاً فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولّى العمال، وبايع ليزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولّى العمال، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق؛ وفي كورها، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بقين منه. وأما غير أبي مخنف فإنه قال: كان منصور بن جمهور أعرابياً جافياً غيلانياً، ولم يكن من أهل الدّين؛ وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغيلانية، وحميّة لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق: قد وليتك العراق فسر إليه، واتّق الله، واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولما أظهر من الجور؛ فلا ينبغي لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه. فدخل على يزيد بن الوليد يزيد بن حجرة الغسانيّ - وكان دَيّناً فاضلاً ذا قدر في أهل الشأم، قد قاتل الوليد ديانةً - فقال: يا أمير المؤمنين، أولّيت منصوراً العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحسن معونته، قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه ليس هناك في أعرابيّته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أولّ منصوراً في حسن معاونته فمن أولّي! قال: تولّى رجلاً من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود؛ ومالي لا أرى أحداً من قيس يغشاك، ولا يقف ببابك! قال: لولا أنه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلتُ قيساً؛ فوالله ما عزّت إلا ذلّ الإسلام. ولما بلغ يوسف بن عمر قتل الوليد، جعل يعمد إلى من بحضرته من اليمانيّة فيلقيهم في السجون، ثم جعل يخلو بالرجل بعد الرّجل من المضريّة، فيقول له: ما عندك إن اضطرب حبل أو انفتق فتق؟ فيقول: أنا رجل من أهل الشأم، أبايع من بايعوا، وأفعل ما فعلوا. فلم ير عندهم ما يحبّ، فأطلق من في السجون من اليمانية، وأرسل إلى الحجاج بن عبد الله البصريّ ومنصور ابن نصير - وكانا على خبر ما بينه وبين أهل الشأم - فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر، وجعل على طريق الشأم أرصاداً، وأقام بالحيرة وجلاً. وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع؛ كتب إلى سليمان بن سليم بن كيسان كتاباً: أما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له؛ وإنّ الوليد بن يزيد بدّل نعمة الله كفراً، فسفك الدماء، فسفك الله دمه، وعجّله إلى النار! وولي خلافته من هو خير منه، وأحسن هدياً؛ يزيد بن الوليد، وقد بايعه الناس، وولّى على العراق الحارث بن العباس بن الوليد، ووجّهني العباس لآخذ يوسف وعماله، وقد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين؛ فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنّك منهم أحد، فاحبسهم قبلك. وإياك أن تخالف، فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قبل لك به؛ فاختر لنفسك أو دع. وقيل إنه لما كان بعين التّمر كتب إلى من بالحيرة من قوّاد أهل الشأم يخبرهم بقتل الوليد، ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله. وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سليم بن كيسان، وأمره أن يفرّقها على القوّاد، فأمسكها سليمان، ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، فبعل به. قال حريث بن أبي الجهم: كان مكثي بواسط؛ فما شعرت إلا بكتاب منصور بن جمهور قد جاءني أن خذ عمال يوسف، فكنت أتولّى أمره بواسط، فجمعت مواليّ وأصحابي، فركبنا نحواً من ثلاثين رجلاً في السلاح؛ فأتينا المدينة، فقال البوابون: من أنت؟ قلت: حريث بن أبي الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاء بحريث إلا أمر مهم؛ ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، وأصبحنا فأخذنا البيعة من الناس ليزيد بن الوليد. ==========================================ج24. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال: وذكرعمر بن شجرة أنّ عمرو بن محمد بن القاسم كان على السند، فأخذ محمد بن غزّان - أو عزّان - الكلبيّ، فضربه وبعث به إلى يوسف، فضربه وألزمه مالاً عظيماً يؤدّي منه في كل جمعة نجماً، وإن لم يفعل ضرب خمسة وعشرين سوطاً، فجفّت يده وبعض أصابعه، فلما ولي منصور ابن جمهور العراق ولاّه السند وسجستان، فأتى سجستان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بن محمد، فأوثقه وأمر به حرساً يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفاً مع الحرس، فاتّكأ عليه مسلولاً حتى خالط جوفه، وتصايح الناس؛ فخرج ابن غزّان فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: خفت العذاب، قال: ما كنت أبلغ منك ما بلغته من نفسك. فلبث ثلاثاً ثم مات، وبايع ابن غزّان ليزيد؛ فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبيّ حين أقرأه كتاب منصور بن جمهور: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشأم الحارث بن العباس معك، ولا آمن عليك منصور بن جمهور إن قدم عليك، وما الرّأي إلا أن تلحق بشأمك؛ قال: هو رأيي، فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد، وتدعو له في خطبتك؛ فإذا قرب منصور وجّهتُ معك من أثق به. فلما نزل منصور بحيث يصبّح الناس البلد، خرج يوسف إلى منزل سليمان بن سليم، فأقام به ثلاثاً، ثم وجّه معه من أخذ به طريق السماوة حتى صار إلى البلقاء. وقد قيل إنّ سليمان قال له: تستخفي وتدع منصوراً والعمل، قال: فعند من؟ قال: عندي، وأضعك في ثقة؛ ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد ابن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤوي يوسف، وقال: أنت امرؤٌ من قريش، وأخوالك بكر بن وائل؛ فآواه. قال عمرو: فلم أر رجلاً كان مثل عتوه رعب رعبه؛ أتيته بجارية نفيسة، وقلت: تدفئه وتطيب نفسه، فوالله ما قربها ولا نظر إليها، ثم أرسل إليّ يوماً فأتيته، فقال: قد أحسنت وأجملت؛ وقد بقيت لي حاجة، قلت: هاتها، قال: تخرجني من الكوفة إلى الشأم، قلت: نعم. وصبّحنا منصور بن جمهور، فذكر الوليد فعابه، وذكر يزيد بن الوليد. فقرظه، وذكر يوسف وجوره، وقامت الخطباء فشعّثوا من الوليد ويوسف، فأتيته فأقصصت قصّتهم، فجعلت لا أذكر رجلاً ممّن ذكره بسوء إلا قال: لله عليّ أن أضربه مائة سوط، مائتي سوط؛ ثلثمائة سوط؛ فجعلت أتعجّب من طمعه في الولاية بعد؛ وتهدده الناس، فتركه سليمان بن سليم، ثم أرسله إلى الشأم فاختفى بها، ثم تحوّل إلى البلقاء. ذكر عليّ بن محمد أن يوسف بن عمر وجّه رجلاً من بني كلاب في خمسمائة، وقال لهم: إن مرّ بكم يزيد بن الوليد فلا تدعنّه يجوز. فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، وأدخلهم الكوفة. قال: ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلاّ سفيان بن سلامة بن سليم بن كيسان وغسّان بن قعاس العذريّ، ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى. ودخل منصور الكوفة لأيام خلون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج. قال: فلما بلغ يوسف البلقاء حينئذ بلغ خبره إلى يزيد بن الوليد؛ فحدّثني أحمد بن زهير؛ قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت محمد بن سعيد الكلبيّ - وكان من قوّاد يزيد بن الوليد - يقول: إنّ يزيد وجّهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء، قال: فخرجت في خمسين فارساً أو أكثر، حتى أحطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتّش، فلم نر شيئاً، وكان يوسف قد لبس لبسة النساء، وجلس مع نسائه وبناته، ففتشهنّ فظفر به مع النساء، فجاء به في وثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد، فكان في الحبس ولاية يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم؛ فلما قدم مروان الشأم وقرب من دمشق وليَ قتلهم يزيد ابن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد - يكنى أبا الأسد - في عدّة من أصحابه؛ فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه. وقيل: إن يزيد بن الوليد لما بلغه مصير يوسف إلى البلقاء وجّه إليه خمسين فارساً، فعرض له رجل من بني نمير، فقال: يا بن عمّ، أنت والله مقتول فأطعني وامتنع، وائذن لي حتى أنتزعك من أيادي هؤلاىء، قال: لا، قال: فدعني أقتلك أنا، ولا يقتلك هذه اليمانية؛ فتغيّظنا بقتلك، قال: مالي في واحدة مما عرضت عليّ خيار، قال: فأنت أعلم. ومضوا به إلى يزيد، فقال: ما أقدمك؟ قال: قدم منصور بن جمهور والياً فتركته والعمل، قال: لا، ولكنك كرهت أن تليَ لي. فأمر بحبسه. وقيل: إن يزيد دعا مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد بن مطرّف الكلبيّ، فقال لهما؛ إنه بلغني أنّ الفاسق يوسف بن عمر قد صار إلى البلقاء، فانطلِقا فأتياني به، فطلباه فلم يجداه: فرهبا ابناً له، فقال: أنا أدلّكما عليه، فقال: غنه انطلق إلى مزرعة له على ثلاثين ميلاً، فأخذا معهما خمسين رجلاً من جند البلقاء، فوجدوا أثره - وكان جالساً - فلما أحسّ بهم هرب وترك نعله، ففتشا فوجداه بين نسوة قد ألقين عليه قطيفة خزّ، وجلسن على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، فجعل يطلب إلى محمد بن سعيد أن يرضي عنه كلباً، ويدفع عشرة آلاف دينار ودية كلثوم بن عمير وهانىء بن بشر، فأقبلا إلى يزيد، فلقيه عامل لسليمان على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته فهزّها، ونتف بعضها - وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة - فأدخلاه على يزيد، فقبض على لحية نفسه - وإنها حينئذ لتجوز سرّته - وجعل يقول: نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعرة. فأمر به يزيد فحبس في الخضراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من قد وترت، فيلقى عليك حجراً! فقال: لا والله ما فطنت إلى هذا، فنشدتك الله إلاّ كلمت أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا؛ وإن كان أضيق منه! قال: فأخبرت يزيد، فقال: ما غاب عنك من حمقه أكثر، وما حبسته إلا لأوجّهه إلى العراق، فيقام للناس، وتؤخذ المظالم من ماله ودمه. ولما قتل يزيد بن الوليد الوليد بن يزيد، ووجّه منصور بن جمهور إلى العراق كتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق كتاباً يذكر فيه مساوىء الوليد، فكان مما كتب به - فيما حدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد: إنّ الله اختار الإسلام ديناً وارتضاه وطهّره، وافترض فيه حقوقاً أمر بها، ونهى عن أمور حرمها؛ ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم، فأ:مل فيه كلّ منقبة خير وجسيم فضل؛ ثم تولاّه، فكان له حافظاً ولأهله المقيمين حدوده ولياً، يحوطهم ويعرفّهم بفضل الإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحداً يأخذ بأمر الله وينتهي إليه فيناوئه أحد بميثاق أو يحاول صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث، إلاّ كان كيده الأوهن، ومكره الأبور؛ حتى يتمّ الله ما أعطاه، ويدّخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوّه الأضلّ سبيلا، الأخسر عملاً. فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحكمه، متبعين فيه لكتابه؛ فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام. ثم أفضى الأمر إلى عدوّ الله الوليد، المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مسلم، ولا يقدم عليها كافر؛ تكرماً عن غشيان مثلها. فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتدّ فيه البلاء، وسفكت فيه الدماء، وأخذت الأموال بغير هحقها؛ مع أمور فاحشة، لم يكن الله ليمليَ للعاملين بها إلا قليلا، سرت إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكراً لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّياً من الله إتمام الذي نويت؛ من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو رضاً، حتى أتيت جنداً، وقد وغرت صدورهم على عدوّ الله، لما رأوا من عمله؛ فإنّ عدوّ الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئاً إلا أراد تبديله، والعمل فيه بغير ما أنزل الله؛ وكان ذلك منه شائعاً شاملاً، عريان لم يجعل الله فيه تسراً، ولا لأحد فيه شكاً، فذكرت لهم الذي نقمت وخفت من فساد الدين والدنيا، وحضضتهم على تلافي دينهم، والمحاماة عنه؛ وهم في ذلك مستريبون، قد خافوا أن يكونوا قد أبقوا لأنفسهم بما قاموا عليه، إلى أن دعوتهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة. فابتعث الله منهم بعثاً يخبرهم، من أولى الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقي عدوّ الله إلى جانب قرية يقال لها البخراء، فدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، ينظر المسلمون لأنفسهم ممن يقلدونه ممّن اتفقوا عليه، فلم يجب عدوّ الله إلى ذلك؛ وأبى إلا تتايعاً في ضلالته؛ فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزاً حكيماً، وأخذه أليماً شديداً، فقتله الله على سوء عمله وعصبته؛ ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة، لا يبلغون عشرة؛ ودخل من كان معه سواهم في الحقّ الذي دعوا إليه، فأطفأ الله جمرته وأراح العباد منه، فبعداً له ولمن كان على طريقته! أحببت أن أعلمكم ذلك، وأعجّل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليوم على أمثل حالكم؛ إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يسار فيكم بخلافه؛ فأكثروا على ذلك حمد ربكم، وتابعوا منصور بن جمهور؛ فقد ارتضيته لكم؛ على أنّ عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهد وعقد على أحد من خلقه؛ لتسمعن وتطيعن لي، ولمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الأمة؛ ولكم عليّ مثل ذلك؛ لأعملنّ فيكم بأمر الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واتبع سبيل من سلف من خياركم؛ نسأل الله ربنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه. ذكر امتناع نصر بن سيار على منصور بن جمهور وفي هذه السنة امتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور ابن جمهور، وقد كان يزيد بن الوليد ولاّها منصوراً مع العراق. قال أبو جعر: قد ذكرت قبل من خبر نصر؛ وما كان من كتاب يوسف ابن عمر إليه بالمصير إليه مع هدايا الوليد بن يزيد، وشخوص نصر من خراسان متوجهاً إلى العراق، وتباطئه في سفره، حتى قدم عليه الخبر بقتل الوليد؛ فذكر عليّ بن محمد أنذ الباهليّ أخبره، قال: قدم على نصر بشر بن نافع مولى سالم الليثيّ - وكان على سكك العراق - فقال: أقبل منصور بن جمهور أميراً على العراق؛ وهرب يوسف بن عمر؛ فوجّه منصور أخاه منظور بن جمهور على الرّيّ، فأقبلتُ مع منظور إلى الري، وقلت: أقدم على نصر فأخبره، فلما صرت بنيسابور حبسني حميد مولى نصر، وقال: لن تجاوزني أو تخبرني؛ فأخبرته، وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ألاّ يخبر أحداً حتى أقدم على نصر فأخبره. ففعل؛ فأقبلنا جميعاً حتى قدمنا على نصر، وهو بقصره بماجان، فاستأذنّا، فقال خصيّ له: هو نائم، فألححنا عليه، فانطلق فأعلمه، فخرج نصر حتى قبض على يدي وأدخلني؛ فلم يكلمني حتى صرت في البيت، فساءلني فأخبرته، فقال لحميد مولاه: انطلق به؛ فأته بجائزة؛ ثم أتاني يونس بن عبد ربّه وعبيد الله بن بسام فأخبرتهما، وأتاني سلم بن أحوز فأخبرته. قال: وكان خبر يوسف عند نصر، فأتوه حين بلغهم الخبر، فأرسل إليّ فلما أخبرتهم كذبوني، فقلت: استوثق من هؤلاء؛ فلما مضت ثلاث على ذلك؛ جعل عليّ ثمانين رجلاً حرساً، فأبطأ الخبر على ما كنت قدّرت، فلما كانت الليلة التاسعة - وكانت ليلة نوروز - جاءهم الخبر على ما وصفت، فصرف إليّ عامة تلك الهدايا، وأمر لي ببرذون بسرجه ولجامه، وأعطاني سرجاً صينياً، وقال لي: أقم حتى أعطيك تمام مائة ألف. قال: فلما تيقّن نصر قتل الوليد ردّ تلك الهدايا، وأعتق الرقيق، وقسم روفقة الجواري في ولده وخاصّته، وقسم تلك الآنية في عوّام الناس، ووجّه العمال، وأمرهم بحسن السيرة. قال: وأرجفت الأزد في خراسان أن منظور بن جمهور قادم خراسان؛ فخطب نصر، فقال في خطبته: إن جاءنا أمير ظنين قطعنا يديه ورجليه. ثم باح به بعد؛ فكان يقول: عبد الله المخذول المثبور. قال: وولّى نصر بن سيار ربيعة واليمن، وولّى يعقوب بن يحيى بن حضين على أعلى طخارستان، ومسعدة بن عبد الله اليشكريّ على خوارزم؛ وهو الذي يقول فيه خلف: أقول لأصحابي معاً دون كردر ... لمسعدة البكريّ غيث الأرامل ثم أتبعه بأبان بن الحكم الزهرانيّ؛ واستعمل المغيرة بن شعبة الجهضميّ على قهستان وأمرهم بحسن السيرة، فدعا الناس إلى البيعة فبايعوه، فقال في ذلك: أقول لنصر وبايعته ... على جل بكر وأحلافها يدي لك رهن ببكر العرا ... ق سيدها وابن وصافها أخذت الوثيقة للمسلمين ... لأهل البلاد وألافها إذا آل يحيى إلى ما تريد ... أتتك الدماك بأخفافها دعوت الجنود إلى بيعة ... فأنصفتها كل إنصافها وطدت خراسان للمسلمين ... إن الأرض همت بإرجافها وإن جمعت ألفة المسلمين ... صرفت الضراب لألافها أجار وسلم أهل البلا ... د والنازلين بأطرافها فصرت على الجند بالمشرقين ... لقوحاً لهم در أخلافها فنحن على ذاك حتى تبين ... مناهج سبل لعرافها وحتى تبوح قريش بما ... تجنّ ضمائر أجوافها فأقسمت للمعبرات الرتا ... ع للعرو أوفى لأصوافها إلى ما تؤدّي قريش البطا ... ح أخلافها بعد أشرافها فإن كان من عز بز الضعيف ... ضربنا الخيول بأعرافها وجدنا العلائف أنّى يكو ... ن يحمى أواريّ أعلافها إذا ما تشارك فيه كبت ... خواصرها بعد إخطافها فنحن على عهدنا نستديم ... قريشاً ونرضى بأحلافها سنرضى بظلك كنا لها ... وظلك من ظل أكنافها لعل قريشاً إذا ناضلت ... تقرطس في بعض أهدافها وتلبس أغشية بالعراق ... رمت دلو شرق بخطافها وبالأسد منا وإن الأسود لها لبد فوق أكتافها فإن حاذرت تلفاً في النفا ... ر فالدهر أدنى لإتلافها فقد ثبتت بك أقدامنا ... إذا انهار منهار أجرافها وجدناك براً رءوفاً بنا كرأمة أم وإلطافها ولم تك بيعتنا خلسة ... لأسرع نسفة خطافها نكاح التي أسرعت بالحلي ... ل قبل تخضب أطرافها فكشفها البعل قبل الصدا ... ق فاستقبلته بمعتافها قال: وكان نصر ولّى عبد الملك بن عبد الله السلميّ خوارزم؛ فكان يخطبهم ويقول في خطبته: ما أنا بالأعرابيّ الجلف، ولا الفزاريّ المستنبط؛ ولقد كرّمتني الأمور وكرّمتها، أما والله لأضعنّ السيف موضعه، والسوط موضعه، والسجن مدخله، ولتجدُنّي غشمشماً، أغشى الشجر، ولتستقيمن لي على الطريقة ورفض البكّارة في السنن الأعظم، أو لأصكّنكم صكّ القطاميّ القطا القارب يصكهنّ جانباً فجانباً. قال: فقدم رجل من بلقين خراسان، وجّهه منصور بن جمهور، فأخذه مولىً لنصر، يقال له حميد، كان على سكّة بنيسابور؛ فضربه وكسر أنفه، فشكاه إلى نصر، فأمر له نصر بعشرين ألفاً وكساه، وقال: إنّ الذي كسر أنفك مولىً لي وليس بكفء فأقصّك منه، فلا تقلْ إلاّ خيراً. قال: ما قبلت جائزتك، وأنا أريد ألا أذكر إلا خيراً. قال عصمة بن عبد الله الأسديّ: يا أخا بلقين، أخبر من تأتي أنا قد أعددنا قيساً لربيعة وتميماً للأزد، وبقيت كنانة، ليس لها من يكافئها. فقال نصر: كلما أصلحت أمراً أفسدتموه! قال أبو زيد عمر بن شبّة: حدّثني أحمد بن معاوية عن أبي الخطاب، قال: قدم قدامة بن مصعب العبديّ ورجل من كندة على نصر بن سيّار من قبل منصور بن جمهور، فقال: أمات أمير المؤمنين؟ قالا: نعم، قال: ووليَ منصور بن جمهور وهرب يوسف بن عمر عن سرير العراق؟ قالا: نعم، قال: أنا بجمهوركم من الكافرين، ثم حبسهما ووسّع عليهما، ووجّه رجلاً حتى أتى فرأى منصوراً يخطب بالكوفة، فأخرجهما، وقال لقدامة: أوليكم رجل من كلب؟ قال: نعم؛ إنما نحن بين قيس واليمن، قال: فكيف لا يولاها رجل منكم! قال: لأنا كما قال الشاعر: إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا غسان يوماً فعسكرا فضحك نصر، وضمّه إليه. قال: ولما قدم منصور بن جمهور العراق وليّ عبيد الله بن العباس الكوفة - أو وجده والياً عليها فأقرّه - وولّى شرطته ثمامة بن حوشب ثم عزله وولّى الحجاج بن أرطاة النخعيّ. ذكر مخالفة مروان بن محمد وفي هذه السنة كتب مروان بن محمد إلى الغمر بن يزيد، أخي الوليد بن يزيد يأمره بدم أخيه الوليد. ذكر نسخة ذلك الكتاب الذي كتب إليهحدّثني أحمد عن عليّ، قال: كتب مروان إلى الغمر بن يزيد بعد قتل الوليد: أما بعد، فإن هذه الخلافة من الله على مناهج نبوّة رسله، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم الله بما قلّدهم، يعزّهم ويعزّ من يعزّهم، والحين عليى من ناوأهم فابتغى غير سبيلهم، فلم يزالوا أهل رعاية لما استودعهم الله منها، يقوم بحقها ناهض بعد ناهض، بأنصار لها من المسلمين. وكان أهل الشأم أحسن خلقه فيه طاعة، وأذّه عن حرمه وأوفاه بعهده، وأشدّه نكاية في مارق مخالف ناكث ناكب عن الحق، فاستدرّت نعمة الله عليهم. قد عمر بهم الإسلام، وكبت بهم الشرك وأهله، وقد نكثوا أمر الله، وحاولوا نكث العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامها، وإن كانت القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ولاية من بني أمية؛ فإن دمه غير ضائع؛ وإن سكنت بهم الفتنة، والتأمت الأمور؛ فأمر أراده الله لا مردّ له. فاكتب بحالك فيما أبرموا وما ترى؛ فإني مطرق إلى أن أرى غيراً فأسطو بانتقام، وأنتقم لدين الله المنبوذة فرائضه، المتروكة مجانة، ومعي قوم أسكن الله طاعتي قلوبهم؛ أهل إقدام إلى ما قدمت بهم عليه، ولهم نظراء صدورهم مترعة ممتلئة لو يجدون منزعاً، والنقمة دولة تأتي من الله؛ ووقت مؤجل؛ ولم أشبه محمداً ولا مروان - غير أن رأيت غيراً - إن لم أشمّر للقدريّة إزاري، وأضربهم بسيفي جارحاً وطاعناً، يرمي قضاء الله بي في ذلك حيث أخذ، أو يرمي بهم في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه؛ وما إطراقي إلاّ لما أنتظر مما يأتيني عنك، فلا تهن عن ثأرك بأخيك، فإنّ الله جارك وكافيك، وكفى بالله طالباً ونصيراً. حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، عن مسلم بن ذكوان، قال: كلّمَ يزيد بن الوليد العباس بن الوليد في طفيل بن حارثة الكلبيّ، وقال: إنه حمل حمالة، فإن رأيت أن تكتب إلى مروان بن محمد في الوصاة به، وأن يأذن له أن يسأل عشيرته فيها - وكان مروان يمنع الناس أن يسألوا شيئاً من ذلك عند العطاء - فأجابه وحمله على البريد. وكان كتاب العباس ينفذ في الآفاق بكلّ ما يكتب به. وكتب يزيد إلى مروان أنه اشترى من أبي عبيدة بن الوليد ضيعة بثمانية عشر ألف دينار، وقد احتاج إلى أربعة آلاف دينار. قال مسلم بن ذكوان: فدعاني يزيد، وقال: انطلق مع طفيل بهذا الكتاب، وكلّمه في هذا الأمر. قال: فخرجنا ولم يعلم العباس بخروجي، فلما قدمنا خلاط، لقينا عمرو بن حارثة الكلبي، فسألنا عن حالنا فأخبرناه، فقال: كذبتما؛ إن لكما ولمروان لقصّةً، قلنا: وما ذاك؟ قال: أخلاني حين أردت الخروج، وقال لي: جماعة أهل المزّة يكونون ألفاً؟ قلت: وأكثر، قال: وكم بينها وبين دمشق؟ قلت: يسمعهم المنادي، قال: كم ترى عدّة بني عامر؟ يعني بني عامر من كلب، قلت: عشرون ألف رجل، فحرّك أصبعه، ولوى وجهه. قال مسلم: فلما سمعت ذلك طمعت في مروان، وكتبت إليه على لسان يزيد: أما بعد، فإنني وجهت إليك ابن ذكوان مولاي بما سيذكره لك، وينهيه إليك، فألق إليه ما أحببت، فإنه من خيار أهلي وثقات مواليّ؛ وهو شعب حصين، ووعاء أمين؛ إن شاشء الله. فقدمنا على مروان، فدفع طفيل كتاب العباس إلى الحاجب، وأخبره أنّ معه كتاب يزيد بن الوليد، فقرأه، فخرج الحاجب، وقال: أما معك كتاب غير هذا، ولا أوصاك شيء! قلت: لا، ولكني معي مسلم بن ذكوان، فدخل فأخبره، فخرج الحاجب، فقال: مر مولاه بالرواح. قال مسلم: فانصرفت، فلما حضرت المغرب أتيت المقصورة؛ فلما صلّى مروان انصرفت لأعيد الصلاة، ولم أكن أعتدّ بصلاته، فلما استويت قائماً جاءني خصيّ، فلما نظر إليّ انصرفت وأوجزت الصلاة، فلحقته، فأدخلني على مروان؛ وهو في بيت من بيوت النساء، فسلمت وجلست، فقال: من أنت؟ فقلت: مسلم بن ذكوان مولى يزيد، قال: مولى عتقاة أو مولى تباعة؟ قلت: مولى عتاقة، قال: ذاك أفضل؛ وفي كلّ ذلك فضل؛ فاذكر ما بدا لك. قلت: إن رأى الأمير أن يجعل لي الأمان على ما قلته، أوافقه في ذلك أو أخالفه؛ فأعطاني ما أردت، فحمدت الله وصلّيت على نبيّه، ووصفت ما أكرم الله به بني مروان من الخلافة ورضا العامة بهم، وكيف نقض الوليد العرى، وأفسد قلوب الناس، وذمته العامّة؛ وذكرت حاله كلها. فلما فرغت تكلم؛ فوالله ما حمد الله ولا تشهد، وقال: قد سمعت ما قلت، قد أحسنت وأصبت، ولنعم الرأي رأي يزيد؛ فأشهد الله أني قد بايعته، أبذل في هذا الأمر نفسي ومالي؛ لا أريد بذلك إلا ما عند الله؛ والله ما أصبحت أستزيد الوليد، لقد وصل وفرض وأشرك في ملكه؛ ولكني أشهد أنه لا يؤمن بيوم الحساب. وسألني عن أمر يزيد، فكبّرت الأمر وعظمته، فقال: اكتم أمرك؛ وقد قضيت حاجة صاحبك، وكفيته أمر حمالته، وأمرت له بألف درهم. فأقمت أياماً، ثم دعاني ذات يوم نصف النهار، ثم قال: الحق بصاحبك، وقل له: سدّدك الله، امض على أمر الله؛ فإنك بعين الله وكتب جواب كتابي، وقال لي: إن قدرت أن تطوي أو تطير فطر، فإنه يخرج بالجزيرة إلى ستّ ليال أو سبع خارجة؛ وقد خفت أن يطول أمرهم فلا تقدر أن تجوز. قلت: وما علم الأمير بذلك؟ فضحك، وقال: ليس من أهل هوى إلاّ وقد أعطيتهم الرّضا حتى أخبروني بذات أنفسهم. فقلت في نفسي: أنا واحد من أولئك، ثم قلت: لئن فعلت ذلك أصلحك الله؛ إنه قيل لخالد بن يزيد بن معاوية: أنّي أصبت هذا العلم؟ قال: وافقت الرجال على أهوائهم، ودخلت معهم في آرائهم؛ حتى بذلوا لي ما عندهم، وأفضوا لي بذات أنفسهم. فوّدعته وخرجت. فلما كنت بآمد لقيت البرد تتبع بعضها بعضاً بقتل الوليد؛ وإذا عبد الملك بن مروان بن محمد قد وثب على عامل الوليد بالجزيرة، فأخرجه منها، ووضع الأرصاد على الطريق، فتركت البرد، واستأجرت دابّة ودليلاً، فقدمت على يزيد بن الوليد. ذكر الخبر عن عزل منصور بن جمهور عن العراق وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق، وولاّها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن مروان. ذكر الخبر عن ذلكذكر عن يزيد بن الوليد أنه قال لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز: إن أهل العراق يميلون إلى أبيك فسر إليها فقد ولّيتكها؛ فذكر عن أبي عبيدة، قال: كان عبد الله بن عمر متألّهاً متألماً، فقدّم حين شخص إلى العراق بين يديه رسلاً وكتباً إلى قوّاد الشأم الذين بالعراق، وخاف ألاّ يسلّم له منصور بن جمهور العمل، فانقاد له كلهم، وسلّم له منصور بن جمهور، وانصرف إلى الشأم، ففرق عبد الله بن عمر عماله في الأعمال، وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم؛ فنازعه قوّاد أهل الشأم وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا وهم عدوّنا! فقال عبد الله لأهل العراق: إني قد أردتُ أن أردّ فيئكم عليكم، وعلمت أنكم أحقّ به؛ فنازعني هؤلاء فأنكروا عليبّ. فخرج أهل الكوفة إلى الجبّانة، وتجمّعوا، فأرسل إليهم قوّاد أهل الشأم يعتذرون وينكرون، ويحلفون أنهم لم يقولوا شيئاً مما بلغهم، وثار غوغاء الناس من الفريقين، فتناوشوا، وأصيب منهم رهط لم يعرفوا، وعبد الله بن عمر بالحيرة، وعبيد الله بن العباس الكنديّ بالكوفة؛ قد كان منصور بن جمهور استخلفه عليها فأراد أهل الكوفة إخراجه من القصر، فأرسل إلى عمر بن الغضبان بن القبعثريّ، فأتاه فنحّى الناس عنه، وسكّنهم وزجر سفهاءهم حتى تحاجزوا، وأمن بعضهم بعضاً وبلغ ذلك عبد الله بن عمر، فأرسل إلى ابن الغضبان، فكساه وحمله، وأحسن جائزته، وولاّه شرطه وخراج السواد والمحاسبات، وأمره أن يفرض لقومه، ففرض في ستين وفي سبعين. ذكر وقوع الخلاف بين اليمانية والنزارية في خراسان وفي هذه السنة وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية والنزارّية، وأظهر الكرمانيّ فيها الخلاف لنصر بن سيار، واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته. ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذي أحدث ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن عبد الله بن عمر لمّا قدم العراق والياً عليها من قبل يزيد بن الوليد، كتب إلى نصر بعهده على خراسان؛ قال: ويقال: بل أتاه كتابه بعد خروج الكرمانيّ من حبس نصر، فقال المنجّمون لنصر: إنّ خراسان سيكون بها فتنة؛ فأمر نصر برفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقاً وذهباً من الآنية التي كان اتخذها للوليد ابن يزيد؛ وكان أوّل من تكلم رجل من كندة، أفوه طوال، فقال: العطاء العطاء! فلما كانت الجمعة الثانية، أمر نضر رجالاً من الحرس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم في المسجد مخافة أن يتكلم متكلم، فقام الكنديّ فقال: العطاء العطاء! فقام رجل مولى للأدزد - وكان يلقب أبا الشياطين - فتكلم، وقام حمّاد الصائغ وأبو السليل البكريّ، فقالا: العطاء العطاء! فقال نصر: إياي والمعصية؛ عليكم بالطاعة والجماعة؛ فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به. فصعد سلم بن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلّمه، فقال: ما يغني عنّا كلامك هذا شيئاً. ووثب أهل السوق إلى أسواقهم؛ فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا، ثم قال: كأني بالرّجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه، فلطم وجهه في جمل يهدى له وثوب يكساه، ويقول: مولاي وظئري؛ وكأني بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شرّ لا يطاق، وكأني بكم مطرّحين في الأسواق كالجزر المنحورة؛ إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملّوها؛ وأنتم يا أهل خراسان؛ مسلحة في نحور العدوّ، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان. قال عليّ: قال عبد الله بن المبارك، قال نصر في خطبته: إني لمكفر ومع ذاك لمظلّم؛ وعسى أن يكون ذلك خيراً لي. إنكم تغشون أمراً تريدون فيه الفتنة، فلا أبقى الله عليكم؛ والله لقد نشرتكم وطويتكم، وطويتكم ونشرتكم، فما عندي منكم عشرة، وإني وإياكم كما قال من كان قبلكم: استمسكوا أصحابنا نحدو بكم ... فقد عرفنا خيركم وشركم فاتقوا الله؛ فوالله لئن اختلف فيكم ليتمنين الرجل منكم أنه يخلع من ماله وولده ولم يكن رآه. يا أهل خراسان، إنكم غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة. أسلطان المجهول تريدون وتنتظرون! إن فيه لهلاككم معشر العرب، وتمثل لقول النابغة الذبيانيّ: فإن يغلب شقاؤكم عليكم ... فإني في صلاحكم سعيت وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعديّ: أبيت أرعى النجوم مرتفقاً ... إذا استقلت تجري أوائلها من فتنة أصبحت مجللة ... قد عمّ أهل الصلاة شاملها من بخراسان والعراق ومن ... بالشأم كل شجاه شاغلها فالناس منها في لون مظلمة ... دهماء ملتجة غياظلها يمسي السفيه الذي يعنف بال ... جهل سواء فيها وعاقلها والناس في كربة يكاد لها تنبذ أولادها حواملها يغدون منها في ظل مبهمة ... عمياء تغتالهم غوائلها لا ينظر الناس في عواقها ... إلا التي لا يبين قائلها كرغوة البكر أو كصيحة حب ... لى طرقت حولها قوابلها فجاء فينا أزرى بوجهته ... فيها خطوب حمر زلازلها قال: فلما أتى نصراً عهده من قبل عبد الله بن عمر قال الكرمانيّ لأصحابه: الناس في فتنة؛ فانظروا لأموركم رجلاً - وإنما سمّي الكرمانيّ لأنه ولد بكرمان، واسمه جديع بن عليّ بن شبيب بن براري بن صنيم المعنيّ - فقالوا: أنت لنا، فقالت المضريّة لنصر: الكرمانيّ يفسد عليك؛ فأرسل إليه فاقتله، أو فاحبسه، قال: لا، ولكن لي أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بنيّ من بناته وبنيه من بناتي؛ قالوا: لا، قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم، فإنه بخيل ولا يعطي أصحابه شيئاً، ويعلمون بها فيتفرّقون عنه، قالوا: لا، هذه قوة له، قال: فدعوه على حاله يتقينا ونتّقيه، قالوا لا، قال: فأرسل إليه فحبسه. قال: وبلغ نصراً أن الكرمانيّ يقول: كانت غايتي في طاعة بني مروان أن يقلّد ولدي السيوف فأطلب بثأر بني المهلب، مع ما لقينا من نصر وجفائه وطول حرمانه ومكافأته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه. فقال له عصمة ابن عبد الله الأسديّ: إنها بدء فتنة، فتجنّ عليه فاحشة، وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سباع بن النعمان الأزديّ والفرافصة بن ظهير البكريّ، فإنه لم يزل متغضّباً على الله بتفضيله مضر على ربيعة. وكان بخراسان. وقال جميل بن النعمان: إنك قد شرّفته وإن كرهت قتله فادفعه إليّ أقتله. وقيل: إنما غضب عليه في مكاتبته بكر بن فراس البهرانيّ عامل جرجان، يعلمه حال منصور بن جمهور حين بعث عهد الكرمانيّ مع أبي الزّعفران مولى أسد بن عبد الله ، فطلبه نصر فلم يقدر عليه. والذي كتب إلى الكرمانيّ بقتل الوليد وقدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار. وقيل: إن قوماً أتوا نصراً، فقالوا: الكرمانيّ يدعو إلى الفتنة. وقال أصرم ابن قبيصة لنصر: لو أن جديعاً لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهوّد. وكان نصر والكرمانيّ متصافيينن، وقد كان الكرمانيّ أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما وليَ نصر خراسان عزل الكرمانيّ عن الرئاسة وصيرها لحرب بن عامر بن أيثم الواشجيّ، فمات حرب فأعاد الكرمانيّ عليها، فلم يلبث إلا يسيراً حتى عزله، وصيّرها لجميل بن النعمان. قال: فتباعد ما بين نصر والكرمانيّ فحبس الكرمانيّ في القهندز وكان على القهندز مقاتل بن عليّ المرئيّ - ويقال المريّ. قال: ولما أراد نصر حبس الكرمانيّ أمر عبيد الله بن بسّام صاحب حرسه؛ فأتاه به، فقال له نصر: يا كرمانيّ، ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر يأمرني بقتلك، فراجعته وقلت له: شيخ خراسان وفارسها، وحقنت دمك! قال: بلى، قال ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمته في أعطيات الناس! قال بلى، ألم أرش عليّاً ابنك على كره من قومك! قال: بلى، قال: فبدّلت ذلك إجماعاً على الفتنة! قال الكرمانيّ: لم يقل الأمير شيئاً إلا وقد كان أكثر منه، فأنا لذلك شاكر، فإن كان الأمير حقن دمي فقد كان مني أيام أسد بن عبد الله ما قد علم، فليستأن الأمير ويثبّت فلست أحب الفتنة. فقال عصمة بن عبد الله الأسديّ: كذبت؛ وأنت تريد الشغب، ومالا تناله. وقال سلم بن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نعيم الغامديّ: لجلساء فرعون خير منكم، إذ قالوا: أرجه وأخاه، والله لا يقتلنّ الكرمانيّ بقولك يابن أحوز وعلت الأصوات، فأمر نصر سليمان بحبس الكرمانيّ، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومائة، فكلمت الأزد، فقال نصر: إنيّ حلفت أن أحبسه ولا يبدؤه مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلاً يكون معه. قال: فاختاروا يزيد النحويّ؛ فكان معه في القهندز، وصيّر حرسه بني ناجية أصحاب عثمان وهجم ابني مسعود. قال: وبعث الأزد إلى نصر المغيرة بن شعبة الجهضميّ وخالد بن شعيب بن أبي صالح الحمدانيّ، فكلماه فيه. قال: فلبث في الحبس تسعة وعشرين يوماً، فقال عليّ بن وائل أحد بني ربيعة بن حنظلة: دخلت على نصر والكرمانيّ جالس ناحية، وهو يقول: ما ذنبي إن كان أبو الزعفران جاء! فوالله ما ورايته ولا أعلم مكانه. وقد كانت الأزد يوم حبس الكرمانيّ أرادت أن تنزعه من رسله، فناشدهم الله الكرمانيّ ألا يفعلوا، ومضى مع رسل سلم بن أحوز، وهو يضحك، فلما حبس تكلم عبد الملك بن حرملة اليحمديّ والمغيرة بن شعبة وعبد الجبار بن شعيب بن عباد وجماعة من الأزد، فنزلوا نوش، وقالوا: لا نرضى أن يحبس الكرمانيّ يغير جناية ولا حدث، فقال لهم شيوخ من اليحمد: لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم، فقالوا: لا نرضى؛ ليكفنّ عنا نصر أو لنبدأنّ بكم. وأتاهم عبد العزيز بن عباد بن جابر بن همام بن حنظلة اليحمديّ في مائة، ومحمد بن المثنى وداود بن شعيب، فباتوا بنوش مع عبد الملك بن حرملة ومن كان معه، فلما أصبحوا أتوا حوزان، وأحرقوا منزل عزّة أم ولد نصر - وأقاموا ثلاثة أيام، وقالوا: لا نرضى؛ فعند ذلك صيّروا عليه الأمناء، فجعلوا معه يزيد النحويّ وغيره، فجاء رجل من أهل نسف، فقال لجعفر غلام الكرمانيّ: ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا لك ما سألت، فأتى مجرى الماء من القهندز فوسّعه، وأتى ولد الكرمانيّ، وقال لهم: اكتبوا إلى أبيكم يستعد الليلة للخروج، فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب في الطعام، فدعا الكرمانيّ يزيد النحويّ وحصين بن حكم فتعشيّا معه وخرجا، ودخل الكرمانيّ السرب، فأخذوا بعضده، فانطوت على بطنه حية فلم تضره، فقال بعض الأزد: كانت الحية أزدية فلم تضره. قال فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسحج منكبه وجنبه، فلما خرج ركب بغلته دوّامه - ويقال: بل ركب فرسه البشير - والقيد في رجله، فأتوابه قرية تسمى غلطان، وفيها عبد الملك بن حرملة، فأطلق عنه. قال عليّ: وقال أبو الوليد زهير بن هنيد العدويّ: كان مع الكرمانيّ غلامه بسام، فرأى خرقاً على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه. قال: فأرسل الكرمانيّ إلى محمد بن المثنى وعبد الملك بن حرملة: إني خارج الليلة، فاجتمعوا، فأتاهم فرقد مولاه، فأخبرهم، فلقوه في قرية حرب ابن عامر، وعليه ملحفة متقلداً سيفاً، ومعه عبد الجبار بن شعيب وابنا الكرمانيّ: عليّ وعثمان وجعفر غلامه، فأمر عمرو بن بكر أن يأتي غلطان وأندغ وأشترج معاً، وأمرهم أن يوافوه على باب الريّان بن سنان اليحمديّ بنوش في المرج - وكان مصلاّهم في العيد - فأتاهم فأخبرهم، فخرج القوم من قراهم في السلاح، فصلّى بهم الغداة، وهم زهاء ألف، فما ترجلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، وأتاهم أهل السقادم، فسار على مرج نيران حتى أتى حوزان، فقال خلف بن خليفة: أصحروا للمرج أجلي للعمى ... فلقد أصحر أصحاب السرب إن مرج الأزد مرج واسع ... تستوي الأقدام فيه والرّكب وقيل إن الأزد بايعت لعبد الملك بن حرملة على كتاب الله عزّ وجلّ ليلة خرج الكرمانيّ، فلما اجتمعوا في مرج نوش أقيمت الصلاة، فاختلف عبد الملك والكرمانيّ ساعة، ثم قدمه عبد الملك، وصيّرا الأمر له، فصلى الكرمانيّ. ولما هرب الكرمانيّ أصبح نصر معسكراً بباب مرو الرّوذ بناحية إبردانة، فأقام يوماً أو يومين. وقيل: لما هرب الكرمانيّ استخلف نصر عصمة بن عبد الله الأسديّ وخرج إلى القناطر الخمس بباب مرو الروذ، وخطب الناس، فنال من الكرمانيّ، فقال: ولد بكرمان وكان كرمانياً، ثم سقط إلى هراة فكان هروياً، والساقط بين الفراشين لا أصل ثابت؛ ولا فرع نابت، ثم ذكر الأزد، فقال: إن يستوثقوا فأذلّ قوم، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل: ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر ثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله، فإنّ ذكر الله شفاء، ذكر الله خير لا شر فيه، يذهب الذنب، وذكر الله براءة من النفاق. ثم اجتمع إلى نصر بشر كثير، فوجه سلم بن أحوز إلى الكرمانيّ في بشر كثير. فسفر الناس بين نصر والكرمانيّ، وسألوا نصراً أن يؤمنه ولا يحبسه، ويضمن عنه قومه ألا يخالفه. فوضع يده في يد نصر فأمره بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شيء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بالقناطر فأتاه القاسم بن نجيب، فكلمه فيه فآمنه، وقال له: إن شئت خرج لك عن خراسان، وإن شئت أقام في داره - وكان رأي نصر إخراجه - فقال له سلم: إن أخرجته نوهت باسمه وذكره، وقال الناس: أخرجه لأنه هابه، فقال نصر: إن الذي أتخوفّه منه إذا خرج أيسر مما أتخوفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نفى عن بلده صغر أمره. فأبوا عليه، فكفّ عنه، وأعطى من كان معه عشرة عشرة. وأتى الكرمانيّ نصراً، فدخل سرادقه فآمنه. ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سريج. وأتى نصراً عزل منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوّال سنة ست وعشرين ومائة؛ فخطب الناس، وذكرا ابن جمهور، وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيب ابن الطيب؛ فغضب الكرمانيّ لابن جمهور، فعاد في جميع الرجال واتخاذ السلاح. وكان يحضر الجمعه في ألف وخمسمائة وأكثر وأقل، فيصلي خارجاً من المقصروة ثم يدخل على نصر، فيسلم ولا يجلس. ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف، فأرسل إليه نصر مع سلم بن أحوز: إني والله ما أردت بك في حبسك سوءاً، ولكن خفت أن تفسد أمر الناس، فأتني. فقال الكرمانيّ: لولا أنك في منزلي لقتلتك، ولولا ما أعرف من حمقك أحسنت أدبك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خير وشر. فرجع إلى نصر فأخبره، فقال: عد إليه، فقال: لا والله، وما بي هيبة له ولكني أكره أن يسمعني فيك ما أكره. فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسديّ، فقال: يا أبا عليّ، إني أخاف عليك عاقبة ما بدأت به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خصالاً؛ فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد بذلك إلا الإنذار إليك. فقال الكرمانيّ: إنيّ أعلم أن نصراً بدلم يقل هذا لك ولكنك أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلمي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل من أحب غيرك. فرجع عصمة، وقال: ما رأيت علجاً أعدى لطوره من الكرمانيّ، وما أعجب منه؛ ولكن من يحي بن حصين لعنهم الله! والله لهم أشد تعظيماً له من أصحابه. قال سلم ابن أحوز: إني أخاف فساد هذا الثغر والناس، فأرسل إليه قديداً. وقال نصر لقديد بن منيع: انطلق إلليه، فأتاه فقال له: يا أبا عليّ، لقد لحجت وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعاً، وتشمت بنا هذه الأعاجم، فقال: يا قديد؛ إني لا أتهمك؛ وقد جاء ما لا أثق بنصر معه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " البكريّ أخوك ولا تثق به " ؛ قال: أما إذ وقع هذا في نفسك فأعطه رهناً، قال: من؟ قال: أعطه عليًّا وعثمان، قال: قمن يعطني؟ ولا خير فيه، قال يا أبا عليّ، أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك. ورجع إلى نصر، فقال لعقيل بن معقل الليثيّ: ما أخوفني أن يقع ييهذا الثغر بلاء، فكلم أبن عمك، فقال عقيل لنصر: أيها الأميرح أنشدك الله أن تشأم عشيرتك؛ إن مروان بالشأم تقاتله الخوارج، والناس في فتنة والأزد سفهاء وهم جيرانك. قال: فما أصنع؟ إن علمت أمراً يصلح الناس فدونك، فقدم عزم أنه لا يثق بي. قال: فأتى عقيل الكرمانيّ، فقال: أبا عليّ، قد سننت سنة تطلببعدك من الأمراء، إني أرى أمراً أخاف أن تذهب فيه العقول، قال الكرمانيّ: إن نصراً يريد أن آتيه ولا آمنه، ونريد أن يعتزل ونعتززل، ونختار رجلاً من بكر بن وائل، نرضاه جميعاً فيلي أمرنا جميعاً حتى يأتي أمر من الخليفة؛ وهو يابى هذا. قال: يا أبا عليّ، إني أخاف أن يهلك أهل هذا الثغر، فأت أميرك وقل ما سئت تجب إليه، ولا تطمع سفهاء قومك فيما دخلوافيه، فقال الكرمانيّ: إني لاأتهمك في نصيحة ولا عقل، ولكني لا أثقبنص ؛ فليحمل من مال خراسان ما شاء ويشخص. قال: فهل لك في أمريجمع الأمر بينكما؟ تتزوج إليه ويتزوج إليك، قال: لا آمنه على حال، قال: ما بعد هذا خير، وإني خائف أن تهلك غداً بمضيعة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له عقيل: أعود إليك؟ قال: لا؛ ولكن أبلغه عني وقل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتتركب منا مالا بقيّة بعده؛ فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدماء فيها. وتهيأ ليخرج إلى جرجان.كره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدماء فيها. وتهيأ ليخرج إلى جرجان. خبر الحارث بن سريج مع يزيد وفي هذه السنة آمن يزيد بن الوليد الحاررث بن سريج، وكتب له بذلك، فكتب إلى عبد الله بن عمر يأمره بردّ ما كان أخذ منه ماله وولده ذكر الخبر عن سبب ذلكذكر أن الفتنة لما وقعت بخرسان بين نصر والكرمانيّ، خاف نصر قدوم الحارث بن سريج عليه بأصحابه والترك، فيكون أمره أشد عليه من الكرمانيّوغيره، وطمع أن يناصحه، فأرسل إلليه مقاتل بن حيان النبطيّ وثعلبة بن صفوان البنانيّ وأنس بن بجالة الأعرجيّ هدبة الشعراويّ وربيعة القرشيّ ليردّوه عن بلاد الترك. فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه أن خالد بن زياد البدّيّ من أهل التّرمذ وخالد بن عمر مولى بني عامر، خارجا إلى يزيد بن الوليد يطلبان الأمان للحارث بن سريج، فقما الكوفة، فلقيا سعيد خدينة، فقال لخالد ابن زياد: أتدري لم سمّوني خدينة؟ قال: لا، قال: أرادوني على قتل أهل اليمن فأبيت، وسألا أبا حنيفة أن يكتب لهما إلى الأجلح - وكان من خاصةيزيد بن الوليد - فكتب لهما إليه، فأدخلمها عليه، فقال له خالد بن زياد: يا أمير المؤمنين، قتلت ابن عمك لإقامة كتاب الله ، وعمالك يغشمون ويظلمون! قال : لا أجد أعواناً غيرهم، وإني لأغضهم، قال: يا أمير المؤمنين، ولّ أهل البيوتات، وضمّ إلى كل عامل رجلاً من أهل الخير والفقه يأخذونهم بما في عهدك، قال: أفعل، وسألاه أماناً للحارث بن سريج، فكتب له: أما بعد، فإنا غضبنا الله، إذ عطلت حدود، وبلغ بعباده كل مبلغ، وسفكت الدماء بغير حلها، وأخذت الأموال بغير حقها، فأردنا أن نعمل في هذه الأمة بكتاب الله عز وجلّ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا قوّة إلا بالله؛ فقد أوضحنا لك عن ذات أنفسنا؛ فأقبل آمناً أنت ومن معك؛ فإنكم إخواننا وأعواننا. وقد كتبت إلى عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بردّ ما كان اصطفى من أموالكم وذراريكم. فقدما الكوفة فدخلا على ابن عمر، فقال خالد بن زياد: أصلح الله الأمير؟ ألا تأمر عمالك بسيرة أبيك؟ قال: أوليس سيرة عمر ظاهرة معروفة؟ قال: فما ينفع النّاس منها ولا يعمل بها؟ ثم قدما مرو فدفعا كتاب يزيد إلى نصر، فردّ ما كان أخذ لهم مما قدر عليه. ثم نفذا إلى الحارث، فلقيا مقاتل بن حيّان وأصحابه الذين وجهّهم نصر إلى الحارث. وكان ابن عمر كتب إلى نصر: إنك آمنت الحارث بغير إذني ولا إذن الخليفة. فأسقط في يديه، فبعث يزيد بن الأحمر وأمره أن يفتك بالحارث إذا صار معه في السفينة. فلما لقيا مقاتلاً بآمل قطع إليه مقاتل بنفسه، فكفّ عنه يزيد. قال: فأقبل الحارث يريد مرو - وكان مقامه بأرض الشرّك اثنتي عشرة سنة - وقدم معه القاسم الشيبانيّ ومضرس بن عمران قاضيه وعبد الله بن سنان. فقدم سمرقند وعليها منصور بن عمر فلم يتلقّه، وقال: ألحسن بلائه وكتب إلى نصر يستأذنه في الحارث أن يثب به، فأيهما قتل صاحبه فإلى الجنة أو إلى النار. وكتب إليه: لئن قدم الحارث علىالأمير وقد ضرّ ببني أمية في سلطانهم؛ وهو والغ في دم بعد دم، قد طوى كشحاً عن الدنيا بعد أن كان في سلطانهم أقراهم لضيف، وأشدهم بأساً، وأنفذهم غارة في الترك؛ ليفّرقن عليك بني تميم. وكان سردرخداه محبوساً عند منصور بن عمر؛ لأنه قتل بياسان، فاستعدى ابنه جنده منصوراً، فحبسه، فكلم الحارث منصوراً فيه، فخلى سبيله، فلزم الحارث ووفّى له. كتاب إبراهيم الإمام إلى شيعة بني العباس وفي هذه السنة - فيما زعم بعضهم - وجه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة والوصيّه. فقدم مرو، وجمع النقباء ومن بها من الدّعاة، فنعى لهم الإمام محمد بن عليّ، ودعاهم إلى إبراهيم، ودفع إليهم كتاب إبراهيم، فقبلوه ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم بن محمد. ذكر بيعة إبرهيم بن الوليد بالعهد وفي هذه السنة أخذ يزيد بن الوليد لأخيه إبراهيم بن الوليد على الناس البيعة، وجعله وليّ عهده، ولعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بعد إبراهيم ابن الوليد؛ وكان السبب في ذلك - فيما حدثني أحمد بن زهير، عن عليّ ابن محمد - أن يزيد بن الوليد مرض في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فقيل له: بايع لأخيك إبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده. قال: فلم تزل القدرية يحثونه عل البيعة، ويقولون له: إنه لا يحلّ لك أن تهمل أمر الأمة فبايع لأخيك؛ حتى بايع لإبراهيم ولعبد العزيز بن الحجاج من بعده. وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، وولاها عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن عثمان. قال محمد بن عمر: يقال إن يزيد بن الوليد لم يوله، ولكنه افتعل كتاباً بولايته المدينة، فعزله يزيد عنها، وولاها عبد العزيز بن عمر، فقدمها لليلتين بقيتا من ذي القعدة. ذكر خلاف مروان بن محمد على يزيد وفي هذه السنة أظهر مروان بن محمد الخلاف على يزيد بن الوليد؛ وانصرف من أرمينية إلى الجزيرة، مظهراً أنه طالب بدم الوليد بن يزيد. فلما صار بحرّان بايع يزيد. ذكر الخبر عما كان منه في ذلك وعن السبب الذي حمله على الخلاف ثم البيعة حدثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد ابن يزيد بن هريم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلد بن صالح مولى عثمان بن عفان - وسألته عما شهد ما حدثنا به فقال: لم أزل في عسكر مروان بن محمد - قال: كان عبد الملك بن مروان بن محمد بن مروان حين انصرف عن غزاته الصائفة مع الغمر بن يزيد بحران، فأتاه قتل الوليد وهو بها، وعلى الجزيرة عبدة بن رباح الغسانيّ عاملا للوليد عليها، فشخص منها - حيث بلغه قتل الوليد - إلى الشأم، ووثب عبد الملك بن مروان بن محمد على حران ومدائن الجزيرة فضبطها، وولاها سليمان بن عبد الله بن علاثة، وكتب إلى أبيه بأرمينية يعلمه بذلك، ويشير عليه بتعجيل السير والقدوم. فتهيأ مروان للمسير، وأظهر أنه يطلب بدم الوليد، وكره أن يدع الثغر معطّلا حتى يحكم أمره؛ فوجّه إلى أهل الباب إسحاق بن مسلم العقيليّ - وهو رأس قيس - وثابت بن نعيم الجذاميّ من أهل فلسطين - وهو رأس اليمن - وكان سبب صحبة ثابت إياه أن مروان كان خلصه من حبس هشام بالرّصافة. وكان مروان يقدم على هشام المرة في السنتين، فيرفع إليه أمر الثغر وحاله ومصلحة من به من جنوده، وما ينبغي أن يعمل به في عدوه. وكان سبب حبس هشام ثابتاً ما قد ذكرنا قبل من أمره مع حنظلة بن صفوان وإفساده عليه الجند الذين كان هشام وجههم معه لحرب البربر وأهل إفريقية؛ إذ قتلوا عامل هشام عليهم، كلثوم بن عياض القسريّ، فشكا ذلك من أمره حنظلة إلى هشام في كتاب كتبه إليه، فأمر هشام حنظلة بتوجيهه إليه في الحديد، فوجّهه حنظلة إليه، فحبسه هشام، فلم يزل في حبسه حتى قدم مروان بن محمد على هشام في بعض وفاداته - وقد ذكرنا بعض أمر كلثوم ابن عياض وأمر إفريقية معه في موضعه فيما مضى من كتابنا هذا - فلما قدم مروان على هشام أتاه رءوس أهل اليمانية؛ ممن كان مع هشام، فطلبوا إليه فيه؛ وكان ممن كلمه فيه كعب بن حامد العبسيّ صاحب شرط هشام وعبد الرحمن بن الضخم وسلمان بن حبيب قاضيه، فاستوهب مروان منه فوهبه له، فشخص إلى أرمينية، فولاه وحباه، فلما وجّه مروان ثابتاً مع إسحاق إلىأهل الباب، كتب إليهم كتاباً يعلمهم فيه حال ثغرهم وما لهم من الأجر في لزوم أمرهم ومراكزهم، وما في ثبوتهم فيه من دفع مكروه العدو عن ذراريّ المسلمين. قال: وحمل إليهم معهما أعطياتهم، وولى عليهم رجلاً من أهل فلسطين يقال له حميد بن عبد الله اللخميّ - وكان راضياً فيهم وكان وليهم قبل ذلك - فحمدوا ولايته. فقاما فيهم بأمره، وأبلغهم رسالته، وقرآ عليهم كتابه، فأجابوا إلى الثبوت في ثغرهم وازوم مراكزهم ثم بلغه أن ثابتاً قد كان يدس إلى قوادهم بالانصراف من ثغرهم وللحاق بأجنادهم، فلما انصرفا إليه تهيأ للمسير وعرض جنده، ودس ثابت بن نعيم إلى من معه من أهل الشأم بالانخزال عن مروان والانضمام إليه ليسير بهم إلى أجنادهم، ويتولى أمرهم؛ فانخزلوا عن عسكرهم مع من فرّ ليلا وعسكروا على حدة. وبلغ مروان أمرهم فبات ليلته ومن معه في السلاح يتحارسون حتى أصبح؛ ثم خرج إليهم بمن معه ومن مع ثابت يضعفون على من مع مروان، فصافوهم ليقاتلوهم، فأمر مروان منادين فنادوا بين الصّفين من الميمنة والميسرة والقلب، فنادوهم: يا أهل الشأم؛ ما دعاكم إلى الانعزال! وما الذي نقمتم عليّ فيه من سيرى! ألم ألكم بما تحبّون، وأحسن السيرة فيكم والولاية عليكم! ما الذي دعاكم إلى سفك دمائكم! فأجابوه بأنا كنا نطيعك بطاعة خليفتنا وقد قتل خليفتنا وبايع أهل الشأم يزيد بن الوليد، فرضينا بولاية ثابت، ورأسناه ليسير بنا على ألويتنا حتى نردّ إلى أجنادنا. فأمر مناديه فنادى: أن قد كذبتم، وليس تريدون الذي قلتم؛ وإنما أردتم أن تركبوا رءوسكم، فتغصبوا من مررتم به من أهل الذمّة أموالهم وأطعمتهم وأعلافهم؛ وما بيني وبينكم إلا السيف حتى تنقادوا إليّ، فأسير بكم حتى أوردكم الفرات، ثم أخلي عن كل قائد وجنده، فتلحقون بأجنادكم. فلما رأوا الجدّ منه انقادوا إليه ومالوا له، وأمكنوه من ثابت بن نعيم وأولاده؛ وهم أربعة رجال: رفاعة، ونعيم، وبكر، وعمران. قال: فأمر بهم فأنزلوا عن خيولهم، وسلبوا سلاحهم، ووضع في أرجلهم السلاسل. ووكل بهم عدّة من حرسه يحتفظون بهم، وشخص بجماعة من الجند من أهل الشأم والجزيرة، وضمهم إلى عسكره، وضبطهم في مسيره، فلم يقدر أحد منهم على أن يفسد ولا يظلم أحداً من أهل القرى، ولا يرزأه شيئاً إلا بثمن، حتى ورد حرّان. ثم أمرهم باللحاق بأجنادهم، وحبس ثابتاً معه، ودعا أهل الجزيرة إلى الفرض، ففرض لنيّف وعشرين ألفاً من أهل الجلد منهم، وتهيأ للمسير إلى يزيد، وكاتبه يزيد على أن يبايعه ويوليه ما كان عبد الملك بن مروان ولّى أباه محمد بن مروان من الجزرة وأرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان، ووجّه إليه محمد بن عبد الله بن علاثة ونفراً من وجوه الجزيرة. ذكر خبر وفاة يزيد بن الوليد وفي هذه السنة مات يزيد بن الوليد، وكانت وفاته سلخ ذي الحجة من سنة ست وعشرين ومائة، قال أبو معشر ما حدثني به أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: توفي يزيد بن الوليد في ذي الحجة بعد الأضحى سنة ست وعشرين ومائة، وكانت خلافته في قول جميع من ذكرنا ستة أشهر، وقيل كانت خلافته خمسة أشهر وليلتين. وقال هشام بن محمد: ولي ستة أشهر وأياماً. وقال عليّ بن محمد: كانت ولايته خمسة أشهر واثني عشر يوماً. وقال عليّ بن محمد: مات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة. وكانت ولايته فيما زعم ستة أشهر وليلتين، وتوفي بدمشق. واختلف في مبلغ سنه يوم توفّى فقال هشام توفي وهو ابن ثلاثين سنة. وقال بعضهم: توفيَ وهو ابن سبع وثلاثين سنة. وكان يكنى أبا خالد وأمه أم ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار ابن كسرى. وهو القائل: أنا بان كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدّي وجدّ خاقان وقيل: إنه كان قدرياً. وكان - فيما حدثني أحمد، عن عليّ بن محمد في صفته - أسمر طويلاً، صغير الرأس، بوجهه خال. وكان جميلاً من رجل، في فمه بعض السعة، وليس بالمفرط. وقيل له يزيد الناقص لنقصه الناس العشرات التي كان الوليد زادها الناس في قول الواقديّ؛ وأما عليّ بن محمد فإنه قال: سبّه مروان بن محمد، فقال: الناقص ابن الوليد، فسمّاه الناس الناقص. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان في قول الواقدّي. وقال بعضهم: حجّ بالناس في هذه السنة عمر بن عبد الله ابن عبد الملك، بعثه يزيد بن الوليد، وخرج معه عبد العزيز وهو على المدينة ومكة والطائف. وكان عامله على العراق في هذه السنة عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى أحداث البصرة المسوّر بن عمر بن عبّاد. وعلى قضائها عامر بن عبيدة، وعلى خراسان نصر بن سيار الكنانيّ. خلافة أبي إسحاق إبراهيم بن الوليد ثم كان إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان غير أنه لم يتمّ له أمر. فحدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: لم يتمّ لإبراهيم أمره، وكان يسلّم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة بالإمرة؛ وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمرة؛ فكان على ذلك أمره حتى قدم مروان بن محمد فخلعه وقتل عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. وقال هشام بن محمد: استخلف يزيد بن الوليد أبا إسحاق إبراهيم بن الوليد؛ فمكث أربعة أشهر ثم خلع في شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومائة، ثم لم يزل حيّاً حتى أصيب في سنة اثنتين وثلاثين ومائة أمه أمّ ولد. حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال: كانت ولاية إبراهيم بن الوليد سبعين ليلة. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث ذكر مسير مروان إلى الشام وخلع إبراهيم بن الوليد فمما كان فيها من ذلك مسير مروان بن محمد إلى الشأم والحرب التي جرت بينه وبين سليمان بن هشام بعين الجرّ. ذكر ذلك والسبب الذي كانت عنه هذه الوقعة: قال أبو جعفر: وكان السبب ما ذكرتُ بعضه؛ من أمر مسير مروان بعد مقتل الوليد بن يزيد إلى الجزيرة من أرمينية، وغلبته عليها، مظهراً أنه ثائر بالوليد، منكر قتله، ثم إظهاره البيعة ليزيد بن الوليد بعد ما ولاّه عمل أبيه محمد بن مروان، وإظهاره ما أظهر من ذلك، وتوجيهه وهو بحرّان محمد بن عبد الله بن علاثة وجماعة من وجوه أهل الجزيرة. فحدثني أحمد، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال: لما أتى مروان موت يزيد أرسل إلى ابن علاثة وأصحابه فردّهم من منبج، وشخص إلى إبراهيم بن الوليد، فسار مروان في جند الجزيرة، وخلف ابنه عبد الملك في أربعين ألف من الرّابطة بالرقة. فلما انتهى إلى قنسرين، وبها أخ ليزيد بن الوليد يقال له بشر، كان ولاه قنسرين فخرج إليه فصافّه، فنادى الناس، ودعاهم مروان إلى مبايعته، فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسيّة، وأسلموا بشراً وأخاً له يقال له مسرور بن الوليد، - وكان أخا بشر لأمه وأبيه - فأخذه مروان وأخاه مسرور بن الوليد؛ فحبسهما وسار فيمن معه من أهل الجزيرة وأهل قنسرين، متوجّهاً إلى أهل حمص؛ وكان أهل حمص امتنعوا حين مات يزيد بن الوليد أن يبايعوا إبراهيم وعبد العزيز ابن الحجاج، فوجّه إليه إبراهيم عبد العزيز بن الحجاج وجند أهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، وأغذّ مروان السير، فلما دنا من مدينة حمص، رحل عبد العزيز عنهم، وخرجوا إلى مروان فبايعوه، وساروا بأجمعهم معه، ووجّه إبراهيم بن الوليد الجنود مع سليمان بن هشام، فسار بهم حتى نزل عين الجرّ، وأتاه مروان وسليمان في عشرين ومائة ألف فارس ومروان في نحو من ثمانين ألفاً فالتقيا، فدعاهم مروان إلى الكفّ عن قتاله، والتخلية عن ابني الوليد: الحكم وعثمان، وهما في سجن دمشق محبوسان، وضمن عنهما ألاّ يؤاخذاهم بقتلهم أباهما، وألاّ يطلبا أحداً ممن ولي قتله؛ فأبوا عليه، وجدّوا في قتاله؛ فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، واستحرّ القتل بينهم؛ وكثر في الفريقين. وكان مروان مجرّباً مكايداً، فدعا ثلاثة نفر من قوّاده - أحدهم أخ لإسحاق بن مسلم يقال له عيسى - فأمرهم بالمسير خلف صفّه في خيله وهم ثلاثة آلاف، ووجّه معهم فعلة بالفؤوس، وقد ملأ الصّفان من أصحابه وأصحاب سليمان بن هشام ما بين الجبلين المحيطين بالمرج، وبين العسكرين نهر جرّار، وأمرهم إذا انتهوا إلى الجبل أن يقطعوا الشجر، فيعقدوا جسوراً، ويجوزوا إلى عسكر سليمان، ويغيروا فيه. قال: فلم تشعر خيول سليمان وهم مشغولون بالقتال إلاّ بالخيل والبارقة والتكبير في عسكرهم من خلفهم، فلما رأوا ذلك انكسروا؛ وكانت هزيمتهم، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحردهم عليهم، فقتلوا منهم نحواً من سبعة عشر ألفاً، وكفّ أهل الجزيرة وأهل قنسرين عن قتلهم، فلم يقتلوا منهم أحداً، وأتوا مروان من أسرائهم بمثل عدّة القتلى وأكثر، واستبيح عسكرهم. فأخذ مروان عليهم البيعة للغلامين: الحكم وعثمان، وخلّى عنهم بعد أن قوّاهم. بدينار دينار، وألحقهم بأهاليهم، ولم يقتل منهم إلاّ رجلين يقال لأحدهما يزيد بن العقّار وللآخر الوليد بن مصاد الكلبيّان؛ وكانا فيمن سار إلى الوليد ووليَ قتله. وكان يزيد بن خالد بن عبد الله القسريّ معهم، فسار حتى هرب فيمن هرب مع سليمان بن هشام إلى دمشق؛ وكان أحدهما - يعني الكلبيّين - على حرس يزيد والآخر على شرطه؛ فإنه ضربهما في موقفه ذلك بالسياط، ثم أمر بهما فحبسا فهلكا في حبسه. قال: ومضى سليمان ومن معه من الفلّ حتى صبّحوا دمشق، واجتمع إليه وإلى إبراهيم وعبد العزيز بن الحجاج رءوس من معهم، وهم يزيد بن خالد القسريّ وأبو علاقة السكسكيّ والأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ ونظراؤهم؛ فقال بعضهم لبعض: إن بقي الغلامان ابنا الوليد حتى يقدم مروان ويخرجهما من الحبس ويصير الأمر إليهما لم يستبقيا أحداً من قتلة أبيهما؛ والرأي أن نقتلهما. فولّوا ذلك يزيد بن خالد - ومعهما في الحبس أبو محمد السفيانيّ ويوسف بن عمر - فأرسل يزيد مولىً لخالد يقال له أبا الأسد، في عدّة من أصحابه، فدخل السجن، فشدخ الغلامين بالعمد؛ وأخرج يوسف بن عمر ليقتلوه، وضربت عنقه. وأرادوا قتل أبي محمد السفيانيّ، فدخل بيتاً من بيوت السجن فأغلقه، وألقى خلفه الفرش والوسائد، واعتمد على الباب فلم يقدروا على فتحه، فدعوا بنار ليحرقوه فلم يؤتوا بها، حتى قيل: قد دخلت خيل مروان المدينة وهرب إبراهيم بن الوليد، وتغيّب، وأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجنود وخرج من المدينة. ذكر ظهور عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قال أبو جعفر: وفي هذه السنة دعا إلى نفسه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة، وحارب بها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان، فهزمه عبد الله بن عمر، فلحق بالجبال فغلب عليها. ذكر الخبر عن سبب خروج عبد الله ودعائه الناس إلى نفسه: وكان إظهار عبد الله بن معاوية الخلاف على عبد الله بن عمر ونصبه الحرب له - فيما ذكر هشام عن أبي مخنف - في المحرّم سنة سبع وعشرين ومائة. وكان سبب خروجه عليه - فيما حدّثني أحمد، عن عليّ بن محمد، عن عاصم ابن حفص التميميّ وغيره من أهل العلم - أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر قدم الكوفة زائراً لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، يلتمس صلته، لا يريد خروجاً، فتزوج ابنة حاتم بن الشرقيّ بن عبد المؤمن بن شبث بن ربعيّ، فلما وقعت العصبيّة قال له أهل الكوفة: ادعُ إلى نفسك، فبنو هاشم أولى بالأمر من بني مروان، فدعا سراً بالكوفة وابن عمر بالحيرة، وبايعه ابن ضمرة الخزاعيّ، فدسّ إليه ابن عمر فأرضاه، فأرسل إليه: إذا نحن التقينا بالناس انهزمت بهم. وبلغ ابن معاوية، فلما التقى الناس قال ابن معاوية: إنّ ابن ضمرة قد غدر، ووعد ابن عمر أن ينهزم بالناس؛ فلا يهولنّكم انهزامه، فإنه عن غدر يفعل. فلما التقوا انهزم ابن ضمرة، وانهزم الناس، فلم يبق معه أحد، فقال: تفرقت الظباء على خداش ... فما يدري خداش ما يصيد فرجع ابن معاوية إلى الكوفة؛ وكانوا التقوا ما بين الحيرة والكوفة، ثم خرج إلى المدائن فبايعوه، وأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج فغلب على حلوان والجبال. قال: ويقال قدم عبد الله بن معاوية الكوفة وجمع جمعاً، فلم يعلم عبد الله بن عمر حتى خرج في الجبّانة مجمعاً على الحرب، فالتقوا، وخالد بن قطن الحارثيّ على أهل اليمن، فشدّ عليه الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ في أهل الشأم، فانهزم خالد وأهل الكوفة وأمسكت نزار عن نزار ورجعوا، وأقبل خمسون رجلاً من الزّيديّة إلى دار ابن محرز القرشيّ يريدون القتال، فقتلوا، ولم يقتل من أهل الكوفة غيرهم. قال: وخرج ابن معاوية من الكوفة مع عبد الله بن عباس التميميّ إلى المدائن، ثم خرج منها فغلب على الماهين وهمذان وقومس وأصبهان والرّيّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، وقال: فلا تركبنّ الصنيع الذي ... تلوم أخاك على مثله ولا يعجبنك قول امرىء ... يخالف ما قال في فعله وأما أبو عبيدة معمر بن المثنّى؛ فإنه زعم أن سبب ذلك أن عبد الله والحسن ويزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر قدموا على عبد الله بن عمر؛ فنزلوا في النّخع، في دار مولى لهم، يقال له الوليد بن سعيد، فأكرمهم ابن عمر وأجازهم، وأجرى عليهم كلّ يوم ثلثمائة درهم، فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد، وبايع الناس أخاه إبراهيم بن الوليد ومن بعده عبد العزيز ابن الحجاج بن عبد الملك، فقدمت بيعتهما على عبد الله بن عمر بالكوفة، فبايع الناس لهما، وزادهم في العطاء مائة مائة؛ وكتب بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة، فبينا هو كذلك؛ إذ أتاه الخبر بأنّ مروان بن محمد قد سار في أهل الجزيرة إلى إبراهيم بن الوليد، وأنه امتنع من البيعة له، فاحتبس عبد الله بن عمر عبد الله بن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجري عليه، وأعدّه لمروان ابن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد ليبايع له؛ ويقاتل به مروان؛ فماج الناس في أمرهم، وقرب مروان من الشأم، وخرج إليه إبراهيم فقاتله مروان، فهزمه وظفر بعسكره وخرج هارباً، وثبت عبد العزيز بن الحجاج يقاتل حتى قتل. وأقبل إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بن عبد الله القسريّ هارباً حتى أتى الكوفة؛ وكان في عسكر إبراهيم، فافتعل كتاباً على لسان إبراهيم بولاية الكوفة، فأرسل إلى اليمانية، فأخبرهم سراً أنّ إبراهيم بن الوليد ولاّه العراق، فقبلوا ذلك منه، وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فباكره صلاة الغداة، فقاتله من ساعته، ومعه عمر بن الغضبان؛ فلما رأى إسماعيل ذلك - ولا عهد معه وصاحبه الذي افتعل العهد على لسانه هارب منهزم - خاف أن يظهر أمره فيفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: إني كاره لسفك الدماء؛ ولم أحس أن يبلغ الأمر ما بلغ، فكفوا أيديكم. فتفرق القوم عنه، فقال لأهل بيته: إنّ إبراهيم قد هرب، ودخل مروان دمشق، فحّكي ذلك عن أهل بيته، فانتشر الخبر، واشرأبّت الفتنة، ووقعت العصبية بين الناس. وكان سبب ذلك أن عبد الله بن عمر كان أعطى مضر وربيعة عطايا عظاماً، ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهليّ وعثمان بن الخيبريّ أخا بني تيم اللات بن ثعلبة شيئاً، ولم يسوّهما بنظرائهما؛ فدخلا عليه؛ فكلّماه كلاماً غليظاً، فغضب ابن عمر، وأمر بهما، فقام إليهما عبد الملك الطائيّ - وكان على شرطه يقوم على رأسه - فدفعهما، فدفعاه وخرجا مغضبين. وكان ثمامة بن حوشب بن رويم الشيباني حاضراً، فخرج مغاضباً لصاحبيه، فخرجوا جميعاً إلى الكوفة، وكان هذا وابن عمر بالحيرة، فلما دخلوا الكوفة نادوا: يا آل ربيعة، فثارت إليهم ربيعة، فاجتمعوا وتنمّروا، وبلغ الخبر ابن عمر، فأرسل إليهم أخاه عاصماً، فأتاهم وهم بدير هند قد اجتمعوا وحشدوا، فألقى نفسه بينهم، وقال: هذه يدي لكم فاحكموا؛ فاستحيوا وعظّموا عاصماً، وتشكّروا له، وأقبل على صاحبيهم فسكتا وكفّا، فلمّا أمسى ابنُ عمر أرسل من تحت ليلته إلى عمر بن الغضبان بمائة ألف، فقسمها في قومه بني همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وأرسل إلى ثمامة بن حوشب بن رويم بمائة ألف، فقسمّها في قومه، وأرسل إلى جعفر بن نافع بن القعقاع بعشرة آلاف، وإلى عثمان بن الخيبريّ بعشرة آلاف. قال أبو جعفر: فلما رأت الشيعة ضعفه اغتمزوا فيه، واجترءوا عليه وطمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. وكان الذي ولي ذلك هلال ابن أبي الورد مولى بني عجل، فثاروا في غوغاء الناس حتى أتوا المسجد، فاجتمعوا فيه وهلال القائم بالأمر، فبايعه ناس من الشيعة لعبد الله بن معاوية، ثم مضوا من فورهم إلى عبد الله، فأخرجوه من دار الوليد بن سعيد؛ حتى أدخلوه القصر، وحالوا بين عاصم بن عمر وبين القصر، فلحق بأخيه عبد الله بالحيرة، وجاء ابن معاوية الكوفيون فبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان بن القبعثريّ ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسريّ ومن كان من أهل الشأم بالكوفة له أهل وأصل، فأقام بالكوفة أياماً يبايعه الناس، وأتته البيعة من المدائن وفم النيل، واجتمع إليه الناس، فخرج يريد عبد الله بن عمر بالحيرة، وبرز له عبد الله بن عمر فيمن كان معه من أهل الشأم، فخرج رجل من أهل الشأم يسأله البراز، فبرز له القاسم بن عبد الغفار، فقال له الشاميّ: لقد دعوت حين دعوت، وما أظنّ أن يخرج إليّ رجل من بكر بن وائل، والله ما أريد قتالك، ولكن أحببت أن ألقي إليك ما انتهى إلينا؛ أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن؛ لا منصور ولا إسماعيل ولا غيرهما إلا وقد كاتب عبد الله بن عمر، وجاءته كتب مضر، وما أرى لكم أيها الحيّ من ربيعة كتاباً ولا رسولاً، وليسوا مواقعيكم يومكم حتى تصبحوا فيواقعوكم، فإن استطعتم ألاّ تكون بكم الحزّة فافعلوا، فإني رجل من قيس، وسنكون غداً بإزائكم؛ فإن أردتم الكتاب إلى صاحبنا أبغته، وإن أردتم الوفاء لمن خرجتم معه فقد أبلغتكم حالَ الناس. فدعا القاسم رجالاً من قومه، فأعلمهم ما قال له الرجل؛ وأنّ ميمنة ابن عمر من ربيعة، ومضر ستقف بإزاء ميسرته وفيها ربيعة، فقال عبد الله بن معاوية: إنّ هذه علامة ستظهر لنا إن أصبحنا؛ فإن أحبّ عمر بن الغضبان فليلقني الليلة؛ وإن منعه شغل ما هو فيه فهو عذر؛ وقل له: إني لأظن القيسيّ قد كذب، فأتى الرّسول عمر بذلك، فردّه إليه بكتاب يعلمه أن رسولي هذا بمنزلتي عندي، ويأمره أن يتوثّق من منصور وإسماعيل، وإنما أراد أن يعلمهما بذلك. قال: فأبى ابنُ معاوية أن يفعل، فأصبح الناس غادين على القتال، وقد جعل اليمن في الميمنة ومضر وربيعة في الميسرة، ونادى منادٍ: من أتى برأس فله كذا وكذا، أو بأسير فله كذا وكذا، والمال عند عمر بن الغضبان. والتقى الناس واقتتلوا، وحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر فانكشفوا، ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة، ورجمت غوغاء الناس أهل اليمن من أهل الكوفة، فقتلوا فيهم أكثر من ثلاثين رجلاً، وقتل الهاشميّ العباس بن عبد الله زوج ابنة الملاة. ذكر عمر أن محمد بن يحيى حدّثه عن أبيه، عن عاتكة بنت الملاة، تزوجت أزواجاً، منهم العباس بن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قتل مع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في العصبيّة بالعراق. وقتل مبكر ابن الحواريّ بن زياد في غيرهم؛ ثم انكشفوا وفيهم عبد الله بن معاوية حتى دخل نصر الكوفة، وبقيت الميسرة من مضر وربيعة ومن بإزائهم من أهل الشأم، وحمل أهل القلب من أهل الشأم على الزيديّة فانكشفوا، حتى دخلوا الكوفة، وبقيت الميسرة وهم نحو خمسمائة رجل، وأقبل عامر بن ضبارة ونباتة ابن حنظلة بن قبيصة وعتبة بن عبد الرحمن الثعلبيّ والنضر بن سعيد بن عمرو الحرشيّ، حتى وقفوا على ربيعة، فقالوا لعمر بن الغضبان: أمّا نحن يا معشر ربيعة، فما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بأهل اليمن، ونتخوّف عليكم مثلها؛ فانصرفوا. فقال عمر: ما كنت ببارح أبداً حتى أموت؛ فقالوا: إن هذا ليس بمغنٍ عنك ولا عن أصحابك شيئاً، فأخذوا بعنان دابته فأدخلوه الكوفة. قال عمر: حدّثني عليّ بن محمد، عن سليمان بن عبد الله النوفلّي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا خراش بن المغيرة بن عطية مولى لبني ليث، عن أبيه، قال: كنت كاتب عبد الله بن عمر؛ فوالله إني لعنده يوماً وهو بالحيرة إذ أتاه آت فقال: هذا عبد الله بن معاوية قد أقبل في الخلق، فأطرق ملياً وجاءه رئيس خبّازيه، فقام بين يديه كأنه يؤذنه بإدراك طعامه، فأومأ إليه عبد الله: أن هاته. فجاء بالطعام، وقد شخصت قلوبنا، ونحن نتوقع أن يهجم علينا ابن معاوية ونحن معه، قال: فجعلت أتفقّده: هل أراه تغير في شيءمن أمره من مطعم أو مشرب أو منظر أو أمر أو نهي؟ فلا والله، ما أنكرت من هيئته قليلاً ولا كثيراً؛ وكان طعامه إذا أتيَ به وضع بين كل اثنين منا صحفة. قال: فوضعت بيني وبين فلان صحفة، وبين فلان وفلان صحفة أخرى؛ حتى عدّ من كان على خوانه، فلما فرغ من غدائه ووضوئه، أمر بالمال فأخرج؛ حتى أخرجت آنية من ذهب وفضة وكساً، ففرّق أكثر ذلك في قواده، ثم دعا مولى له أو مملوكاً كان يتبرّك به ويتفاءل باسمه - إمّا يدعى ميموناً أو فتحاً أو اسماً من الأسماء المتبرّك بها - فقال له: خذ لواءك، وامض إلى تلّ كذا وكذا فاركزه عليه؛ وادع أصحابك، وأقم حتى آتيك. ففعل وخرج عبد الله وخرجنا معه؛ حتى صار إلى التلّ فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية، فأمر عبد الله منادياً، فنادى: من جاء برأس فله خمسمائة؛ فوالله ما كان بأسرع من أن أتيَ برأس، فوضع بين يديه؛ فأمر له بخمسمائة، فدفعت إلى الذي جاء به، فلما رأى أصحابه وفاءه لصاحب الرأس، ثاروا بالقوم؛ فوالله ما كان إلا هنيهة حتى نظرت إلى نحو من خمسمائة رأس قد ألقيت بين يديه؛ وانكشف ابن معاوية ومن معه منهزمين، فكان أوّل من دخل الكوفة من أصحابه منهزماً أبو البلاد مولى بني عبس وابنه سليمان بين يديه - وكان أبو البلاد متشيعاً - فجعل أهل الكوفة ينادونهم كل يوم؛ وكأنهم يعيرونهم بانهزامه؛ فجعل يصيح بابنه سليمان: امض ودع النواضح ينفقن. قال: ومرّ عبد الله بن معاوية فطوى الكوفة، ولم يعرّج بها حتى أتى الجبل. وأما أبو عبيدة: فإنه ذكر أن عبد الله بن معاوية وإخوته دخلوا القصر فلما أمسوا قالوا لعمر بن الغضبان وأصحابه: يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا؛ وقد أعلقنا دماءنا في أعناقكم؛ فإن كنتم مقاتلين معنا قاتلنا معكم؛ وإن كنتم ترون الناس خاذلينا وإيّاكم؛ فخذوا لنا ولكم أماناً؛ فما أخذتم لأنفسكم فقد رضينا لأنفسنا، فقال لهم عمر بن الغضبان: ما نحن بتاركيكم من إحدى خلّتين: إما أن نقاتل معكم، وإما أن نأخذ لكم أماناً كما نأخذ لأنفسنا، فطيبوا نفساً، فأقاموا في القصر، والزيدية على أفواه السكك يغدو عليهم أهل الشأم ويروحون، يقاتلونهم أياماً. ثم إن ربيعة أخذت لأنفسها وللزيدّية ولعبد الله بن معاوية أماناً؛ ألاّ يتبعوهم ويذهبوا حيث شاءوا. وأرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان يأمره بنزول القصر وإخراج عبد الله بن معاوية، فأرسل إليه ابن الغضبان فرحّله ومن معه من شيعته ومن تبعه من أهل المدائن وأهل السواد وأهل الكوفة، فسار بهم رسل عمر حتى أخرجوهم من الجسر فنزل عمر من القصر. ذكر خبر رجوع الحارث بن سريج إلى مرو وفي هذه السنة وافى الحارث بن سريج مرو، خارجاً إليها من بلاد الترك بالأمان الذي كتب له يزيد بن الوليد، فصار إلى نصر بن سيار، ثم خالفه وأظهر الخلاف له، وبايعه على ذلك جمع كبير. ذكر الخبر عن أمره وأمر نصر بعد قدومه عليه: ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أنّ الحارث سار إلى مرو، مخرجه من بلاد الترك، فقدمها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فتلقاه سلم بن أحوز، والناس بكشماهن، فقال محمد بن الفضل ابن عطية العبسيّ: الحمد لله الذي أقر أعيننا بقدومك، وردّك إلى فئة الإسلام وإلى الجماعة. قال: يا بنيّ؛ أما علمت أنّ الكثير إذا كانوا على معصية الله كانوا قليلاً، وأنّ القليل إذا كانوا على طاعة الله كانوا كثيراً! وما قرّت عيني منذ خرجت إلى يومي هذا، وما قرة عيني إلا أن يطاع الله. فلما دخل مرو قال: اللهمّ إني لم أنوِ قطّ فى شىء مما بينى وبينهم إلاّ الوفاء، فإن أرادوا الغدر فانصرني عليهمم. ولقاه نصر فأنزله قصر بخاراخذاه، وأجرى عليه نزلاً خمسين درهماً في كلّ يوم، وكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر من كان عنده من أهله؛ أطلق محمد بن الحارث والألوف بنت الحارث وأمّ بكر؛ فلما أتاه ابنه محمد، قال: اللهمّ اجعله باراً تقيّاً. قال: وقدم الوضاح بن حبيب بن بديل على نصر بن سيّار من عند عبد الله بن عمر، وقد أصابه برد شديد، فكساه أثواباً، وأمر له بقرى وجاريتين؛ ثم أتى الحارث بن سريج، وعنده جماعة من أصحابه قيام على رأسه، فقال له: إنّا بالعراق، نشهر عظم عمودك وثقله؛ وإني أحبّ أن أراه، فقال: ما هو إلا كبعض ما ترى مع هؤلاء - وأشار إلى أصحابه - ولكني إذا ضربت به شهرت ضربتني، قال: وكان في عموده بالشأمي ثمانية عشر رطلاً. قال: ودخل الحارث بن سريج على نصر، وعليه الجوشن الذي أصابه من خاقان، وكان خيّره بين مائة ألف دينار دنبكانيّة وبين الجوشن؛ فاختار الجوشن. فنظرت إليه المرزبانة بنت قديد؛ امرأة نصر بن سيار، فأرسلت إليه بجرز لها سمّور، مع جارية لها فقالت، أقرئي ابن عمي السلام، وقولي له: اليوم بارد فاستدفىء بهذا الجرز السمّور، فالحمد لله الذي أقدمك صالحاً. فقال للجارية: أقرئي بنت عمّي السلام، وقولي لها: أعارّية أم هدية؟ فقالت: بل هديّة؛ فباعه بأربعة آلاف دينار وقسمها في أصحابه. وبعث إليه نصر بفرش كثيرة وفرس، فباع ذلك كلّه وقسّمه في أصحابه بالسّويّة. وكان يجلس على برذعة، وتثنى له وسادة غليظة. وعرض نصر على الحارث أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل، وأرسل إلى نصر: إني لست من هذه اعلدنيا ولا من هذه الدنيا ولا من هذه اللذات، ولا من تزويج عقائل العرب في شيء؛ وإنما أسأل كتاب الله عزّ وجلّ والعمل بالسنّة واستعمال أهل الخير والفضل، فإن فعلت ساعدتك على عدوّك. وأرسل الحارث إلى الكرمانيّ: إني أعطاني نصر العمل بكتاب الله وما سألته من استعمال أهل الخير والفضل عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل استعنت بالله عليه، وأعنتك إن ضمنت لي ما أريد من القيام بالعدل والسنة. وكان كلما دخل عليه بنو تميم دعاهم إلى نفسه، فبايعه محمد بن حمران ومحمد ابن حرب بن جرفاس المنقريّان والخليل بن غزوان العدويّ، وعبد الله ابن مجاعة وهبيرة بن شراحيل السعديّان، وعبد العزيز بن عبد ربّه الليثيّ، وبشر ابن جرموز الضبيّ، ونهار بن عبد الله بن الحتات المجاشعيّ، وعبد الله النباتي. وقال الحارث لنصر: خرجت من هذه المدينة منذ ثلاث عشرة سنة إنكاراً للجور، وأنت تريدني عليه! فانضمّ إلى الحارث ثلاثة آلاف. خلافة مروان بن محمد وفي هذه السنة بويع بدمشق لمروان بن محمد بالخلافة: ذكر الخبر عن سبب البيعة لهحدّثني أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد مولى عثمان بن عفان، قال: لما قيل: قد دخلت خيل مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد وتغيّب، فانتهب سليمان ما كان في بيت المال وقسّمه فيمن معه من الجند، وخرج من المدينة، وثار من فيها من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مروان دمشق فنزل عالية، وأتيَ بالغلامين مقتولين وبيوسف بن عمر فأمر بهم فدفنوا، وأُتي بأبي محمد السفيانيّ محمولاً في كُبُوله، فسلم عليه بالخلافة، ومروان يومئذ يسلّم عليه بالإمرة، فقال له: مه، فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشده شعراً قاله الحكم في السجن. قال: وكانا قد بلغا، وولد لأحدهما وهو الحكم والآخر قد احتلم قبل ذلك بسنتين، قال: فقال الحكم: ألا من مبلغٌ مروان عنّى ... وعمى الغمر طال بذا حنينا بأني قد ظلمت وصار قومي ... على قتل الوليد متابعينا أيذهب كلبهم بدمي ومالي ... فلا غثاً أصبت ولا سمينا ومروان بأرض بني نزار ... كليث الغاب مفترس عرينا ألم يحزنك قتل فتى قريش ... وشقهم عصي المسلمينا ألا فاقر السلام على قريش ... وقيس بالجزيرة أجمعينا وساد الناقص القدريّ فينا ... وألقى الحرب بين بني أبينا فلو شهد الفوارس من سليم ... وكعب لم أكن لهم رهينا ولو شهدت ليوث بني تميم ... لما بعنا تراث بني أبينا أتنكث بيعتي من أجل أمي ... فقد بايعتم قبلي هجينا فليت خئولتي من غير كلب ... وكانت في ولادة آخرينا فإن أهلك أنا ووليّ عهدي ... فمروان أمير المؤمنينا ثم قال: ابسط يدك أبايعك، وسمعه من مع مروان من أهل الشأم؛ فكان أوّل من نهض معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير ورءوس أهل حمص، فبايعوه، فأمرهم أن يختاروا لولاية أجنادهم، فاختار أهل دمشق زامل بن عمرو الجبرانيّ، وأهل حمص عبد الله بن شجرة الكنديّ، وأهل الأردنّ الوليد بن معاوية بن مروان، وأهل فلسطين ثابت بن نعيم الجذاميّ الذي كان استخرجه من سجن هشام وغدر به بأرمينية، فأخذ عليهم العهود المؤكّدة والأيمان المغلظلة على بيعته، وانصرف إلى منزله من حرّان. قال أبو جعفر: فلما استوت لمروان بن محمد الشأم وانصرف إلى منزله بحرّان طلب الأمان منه إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فآمنهم، فقدم عليه سليمان - وكان سليمان بن هشام يومئذ بتدمر بمن معه من إخوته وأهل بيته ومواليه الذكوانيّة - فبايعوا مروان بن محمد. ذكر الخبر عن انتقاض أهل حمص على مروان وفي هذه السنة انتقض على مروان أهل حمص وسائر أهل الشأم فحاربهم. ذكر الخبر عن أمرهم وأمره وعن سبب ذلك: حدّثني أحمد، قال حدّثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: لما انصرف مروان إلى منزله من حران بعد فراغه من أهل الشأم لم يلبث إلا ثلاثة أشهر؛ حتى خالفه أهل الشأم وانتقضوا عليه؛ وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم، وراسلَهم وكاتبهم، وبلغ مروان خبرهم، فسار إليهم بنفسه، وأرسل أهل حمص إلى من بتدمر من كلب؛ فشخص إليهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ ومعه بنون له ثلاثة رجال: حمزة وذؤالة وفرافصة ومعاوية السكسكيّ - وكان فارس أهل الشأم - وعصمة بن المقشعرّ وهشام بن مصاد وطفيل بن حارثة ونحو ألف من فرسانهم، فدخلوا مدينة حمص ليلة الفطر من سنة سبع وعشرين ومائة. قال: ومروان بحماة ليس بينه وبين مدينة حمص إلا ثلاثون ميلاً، فأتاه خبرهم صبيحة الفطر، فجدّ في السير، ومعه يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع وسليمان بن هشام؛ وقد كانا راسلاه وطلبا إليه الأمان، فصارا معه في عسكره يكرمهما ويدنيهما ويجلسان معه على غدائه وعشائه، ويسيران معه في موكبه. فانتهى إلى مدينة حمص بعد الفطر بيومين، والكلبيّة فيها قد ردموا أبوابها من داخل، وهو على عدّة معه روابطه، فأحدقت خيله بالمدينة، ووقف حذاء باب من أبوابها، وأشرف على جماعة من الحائط، فناداهم مناديه: ما دعاكم إلى النّكث؟ قالوا: فإنا على طاعتك لم ننكث، فقال لهم: فإن كنتم على ما تذكرون فافتحوا، ففتحوا الباب، فاقتحم منه عمرو بن الوضاح في الوضّاحية وهم نحو من ثلاثة آلاف فقاتلوهم في داخل المدينة؛ فلما كثرتهم خيل مروان، انتهوا إلى باب من أبواب المدينة يقال له باب تدمر، فخرجوا منه والروابط عليه فقاتلوهم، فقتل عامتهم، وأفلت الأصبغ بن ذؤالة والسكسكيّ وأسر ابنا الأصبغ: ذؤالة وفرافصة في نيّف وثلاثين رجلاً منهم، فأتيَ بهم مروان فقتلهم وهو واقف، وأمر بجمع قتلاهم وهم خمسمائة أو ستمائة، فصلبوا حول المدينة، وهدم من حائط مدينتها نحواً من غلوة. وثار أهل الغوطة إلى مدينة دمشق، فحاصروا أميرهم زامل بن عمرو، وولّوا عليهم يزيد بن خالد القسريّ، وثبت مع زامل المدينة وأهلها وقائد في نحو أربعمائة، يقال له أبو هبّار القرشي فوجّه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث - واسمه مجزأة - وعمرو بن الوضّاح في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، وخرج أبو هبّار وخيله من المدينة، فهزموهم واستباحوا عسكرهم وحرقوا المزّة من قرى اليمانية، ولجأ يزيد بن خالد وأبو علاقة إلى رجل من لخم من أهل المزّة، فدلّ عليهما زامل، فأرسل إليهما، فقتلا قبل أن يوصل بهما إليه، فبعث برأسيهما إلى مروان بحمص، وخرج ثابت ابن نعيم من أهل فلسطين؛ حتى أتى مدينة طبريّة، فحاصر أهلها وعليها الوليد بن معاوية بن مروان؛ ابن أخي عبد الملك بن مروان، فقاتلوه أياماً، فكتب مروان إلى أبي الورد أن يشخص إليهم فيمدّهم. قال: فرحل من دمشق بعد أيام، فلما بلغهم دنوّه خرجوا من المدينة على ثابت ومن معه، فاستباحوا عسكرهم، فانصرف إلى فلسطين منهزماً، فجمع قومه وجنده؛ ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية، وتفرّق من معه، وأسر ثلاثة رجال من ولده؛ وهم نعيم وبكر وعمران، فبعث بهم إلى مروان فقدم بهم عليه؛ - وهو بدير أيوب - جرحى، فأمر بمداواة جراحاتهم، وتغيّب ثابت بن نعيم، فولّى الرّماحس بن عبد العزيز الكنانيّ فلسطين، وأفلت مع ثابت من ولده رفاعة ابن ثابت - وكان أخبثهم - فلحق بمنصور بن جمهور، فأكرمه وولاّه وخلّفه مع أخ له يقال له منظور بن جمهور؛ فوثب عليه فقتله، فبلغ منصوراً وهو متوجّه إلى الملتان، وكان أخوه بالمنصورة، فرجع إليه فأخذه، فبنى له أسطوانة من آجرّ مجوّفة، وأدخله فيها، ثم سمّره إليها، وبنى عليه. قال: وكتب مروان إلى الرماحس في طلب ثابت والتلطف له، فدلّ عليه رجل من قومه فأخذ ومعه نفر، فأتي به مروان موثقاً بعد شهرين، فأمر به وببنيه الذين كانوا في يديه، فقطعت أيديهم وأرجلهم؛ ثم حملوا إلى دمشق. فرأيتهم مقطّعين، فأقيموا على باب مسجدها؛ لأنه كان يبلغه أنهم يرجفون بثابت، ويقولن: إنه أتى مصر؛ فغلب عليها، وقتل عامل مروان بها. وأقبل مروان من دير أيوب حتى بايع لابنيه عبيد الله وعبد الله، وزوّجهما ابنتي هشام بن عبد الملك؛ أمّ هشام وعائشة، وجمع لذلك أهل بيته جميعاً؛ من ولد عبد الملك محمد وسعيد وبكار وولد الوليد وسليمان ويزيد وهشام وغيرهم من قريش ورءوس العرب، وقطع على أهل الشأم بعثاً وقوّاهم، وولّى على كل جند منهم قائداً منهم، وأمرهم باللّحاق بيزيد بن عمر بن هبيرة. وكان قبل مسيره إلى الشأم وجهه في عشرين ألفاً من أهل قنّسرين والجزيرة، وأمره أن ينزل دورين إلى أن يقدم، وصيّره مقدّمة له، وانصرف من دير أيوب إلى دمشق؛ وقد استقامت له الشأم كلها ما خلا تدمر، وأمر بثابت بن نعيم وبنيه والنّفر الذين قطعهم فقتلوا وصلبوا على أبواب دمشق، قال: فرأيتهم حين قتلوا وصلبوا. قال: واستبقى رجلاً منهم يقال له عمرو بن الحارث الكلبيّ، وكان - فيما زعموا - عنده علم من أموال كان ثابت وضعها عند قوم، ومضى بمن معه، فنزل القسطل من أرض حمص ممايلي تدمر؛ بينهما مسيرة ثلاثة أيام؛ وبلغه أنهم قد عوّروا ما بينه وبينها من الآبار، وطمّوها بالصخر؛ فهيّأ المزاد والقرب والأعلاف والإبل، فحمل ذلك له ولمن معه، فكلمه الأبرش بن الوليد وسليمان ابن هشام وغيرهما. وسألوه أن يعذر إليهم، ويحتجّ عليهم. فأجابهم إلى ذلك، فوجّه الأبرش إليهم أخاه عمرو بن الوليد، وكتب إليهم يحذّرهم ويعلمهم أنه يتخوّف أن يكون هلاكه وهلاك قومه، فطردوه ولم يجيبوه، فسأله الأبرش أن يأذن له في التوجّه إليهم، ويؤجله أياماً، ففعل، فأتاهم فكلمهم وخوّفهم وأعلمهم أنهم حمقى، وأنه لا طاقة لهم به وبمن معه، فأجابه عامّتهم، وهرب من لم يثق به منهم إلى برّية كلب وباديتهم، وهم السكسكيّ وعضمة بن المقشعرّ وطفيل بن حارثة ومعاوية بن أبي سفيان بن يزيد بن معاوية، وكان صهر الأبرش على ابنته. وكتب الأبرش إلى مروان يعلمه ذلك، فكتب إليه مروان: أن اهدم حائط مدينتهم، وانصرف إليّ بمن بايعك منهم. فانصرف إليه ومعه من رءوسهم الأصبغ بن ذؤالة وابنه حمزة وجماعة من رءوسهم، وانصرف مروان بهم على طريق البريّة على سورية ودير اللثق، حتى قدم الرصافة ومعه سليمان بن هشام وعمه سعيد بن عبد الملك وإخوته جميعاً وإبراهيم المخلوع وجماعة من ولد الوليد وسليمان ويزيد، فأقاموا بها يوماً، ثم شخص إلى الرقة فاستأذنه سليمان، وسأله أن يأذن له أن يقيم أياماً ليقوى من معه من مواليه، ويجمّ ظهره ثم يتبعه، فأذن له ومضى مروان، فنزل عند واسط على شاطىء الفرات في عسكر كان ينزله، فأقام به ثلاثة أيام، ثم مضى إلى قرقيسيا وابن هبيرة بها، ليقدمه إلى العراق لمحاربة الضحاك ابن قيس الشيبانيّ الحروريّ، فأقبل في نحو عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليهم البعث بدير أيّوب لغزو العراق مع قوّادهم حتى حلّوا بالرصافة، فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته. وفي هذه السنة دخل الضّحاك بن قيس الشيبانيّ الكوفة. ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكماً ودخوله الكوفة، ومن أين كان إقباله إليها اختلف في ذلك من أمره، فأما أحمد، فإنه حدّثني عن عبد الوهاب ابن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال: كان سبب خروج الضحاك أنّ الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حروريّ يقال له سعيد ابن بهدل الشيبانيّ في مائتين من أهل الجزيرة؛ فيهم الضحّاك، فاغتنم قتل الوليد واشتغال مروان بالشأم، فخرج بأرض كفر توثا، وخرج بسطام البيهسيّ وهو مفارق لرأيه في مثل عدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه؛ فلما تقارب العسكران وجّه سعيد بن بهدل الخيبريّ - وهو أحد قواده، وهو الذي هزم مروان - في نحو من مائة وخمسين فارساً ليبيّته، فانتهى إلى عسكره وهم غارون، وقد أمر كلّ واحد منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به رأسه، ليعرف بعضهم بعضاً، فبكّروا في عسكرهم فأصابوهم في غرّة، فقال الخيبريّ: إن يك بسطام فإني الخيبري ... أضرب بالسيف وأحمي عسكري فقتلوا بسطاماً وجميع من معه إلاّ أربعة عشر، فلحقوا بمروان، فكانوا معه فأثبتهم في روابطه، وولّى عليهم رجلاً منهم يقال له مقاتل، ويكنى أبا النعثل. ثمّ مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تشتيت الأمر بها واختلاف أهل الشأم، وقتال بعضهم بعضاً مع عبد الله بن عمر، والنضر بن سعيد الحرشي - وكانت اليمانية من أهل الشأم مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضرّية، مع ابن الحرشيّ بالكوفة؛ فهم يقتتلون فيما بينهم غدوة وعشيّة. قال: فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه؛ واستخلف الضحاك بن قيس من بعده؛ وكانت له امرأة تسمى حوماء، فقال الخيبريّ في ذلك: سقى الله يا حوماء قبر ابن بهدل ... إذا رحل السارون لم يترحّل قال: واجتمع مع الضّحاك نحوٌ من ألف ثم توّنجه إلى الكوفة، ومرّ بأرض الموصل، فاتّبعه منها ومن أهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النضر بن سعيد الحرشيّ ومعه المضرّية، وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة، فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحرشيّ، فصار أمرهم واحداً، وبداً على قتال الضحاك، وخندقاً على الكوفة، ومعهما يومئذ من أهل الشأم نحو من ثلاثين ألفاً، لهم قوّة وعدّة، ومعهم قائد من أهل قنّسرين، يقال له عبّاد بن الغزيّل في ألف فارس، قد كان مروان أمدّ به ابن الحرشيّ، فبرزوا لهم، فقاتلوهم، فقتل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن عباس الكنديّ، وهزموهم أقبح هزيمة، ولحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسط، وتوجّه ابن الحرشيّ - وهو النّضر - وجماعة المضرّية وإسماعيل ابن عبد الله القسريّ إلى مروان، فاستولى الضحاك والجزريّة على الكوفة وأرضها، وجبوا السواد. ثم استخلف الضّحاك رجلاً من اصحابه - يقال له ملحان - على الكوفة في مائتي فارس، ومضى في عظم أصحابه إلى عبد الله بان عمر بواسط، فحاصره بها؛ وكان معه قائد من قوّاد أهل قنّسرين يقال له عطية الثعلبيّ - وكان من الأشدّاء - فلما تخوّف محاصرة الضّحاك خرج في سبعين أو ثمانين من قومه متوجهاً إلى مروان، فخرج على القادسيّة، فبلغ ملحان ممره، فخرج في أصحابه مبادراً يريده. فلقيه على قنطرة السَيلحين - وملحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارساً - فقاتله فقتله عطية وناساً من أصحابه، وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة، ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان. وأما أبو عبيدة معمر بن المثنّى، فإنه قال: حدثني أبو سعيد، قال: لما مات سعيد بن بهدل المرّيّ، وبايعت الشراة للضّحاك، أقام بشهرزور وثابت إليه الصفرية من كلّ وجه حتى صار في أربعة آلاف، فلم يجتمع مثلهم لخارجيّ قطّ قبله. قال: وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر، فانحطّ مروان من أرمينية حتى نزل الجزيرة، وولّى العراق النضر بن سعيد - وكان من قوّاد ابن عمر - فشخص إلى الكوفة، ونزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضرّية إلى النّضر واليمانية إلى ابن عمر، فحاربه أربعة أشهر، ثم آمدّ مروان النّضر بابن الغزيل، فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك في سنة سبع وعشرين ومائة، فأرسل ابن عمر إلى النضر: هذا لا يريد غيري وغيرك، فهلمّ نجتمع عليه فتعاقدا عليه، وأقبل ابن عمر، فنزل تلّ الفتح وأقبل الضّحاك ليعبر الفرات، فأرسل إليه ابن عمر حمزة بن الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ ليمنعه من العبور، فقال عبيد الله بن العباس الكنديّ: دعه يعبر إلينا، فهو أهون علينا من طلبه. فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفّه عن ذلك، فنزل ابن عمر الكوفة، وكان يصلي في مسجد الأمير بأصحابه، والنضر بن سعيد في ناحية الكوفة يصلّي بأصحابه، لا يجامع ابن عمر ولا يصلي معه؛ غير أنهما قد تكافآ واجتمعا على قتال الضّحاك، وأقبل الضّحاك حين رجع حمزة حتى عبر الفرات، ونزل النّخيلة يوم الأربعاء في رجب سنة سبع وعشرين ومائة، فخفّ إليهم أهل الشأم من أصحاب ابن عمر والنضر، قبل أن ينزلوا، فأصابوا منهم أربعة عشر فارساً وثلاث عشرة امرأة. ثم نزل الضّحاك وضرب عسكره، وعبّى أصحابه، وأراح، ثم تغادوا يوم الخميس، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فكشفوا ابن عمر وأصحابه، وقتلوا أخاه عاصماً؛ قتله البرذون بن مرزوق الشيبانيّ، فدفنه بنو الأشعث بن قيس في دارهم، وقتلوا جعفر بن العباس الكنديّ أخا عبيد الله، وكان جعفر على شرطة عبد الله بن عمر، وكان الذي قتل جعفراً عبد الملك بن علقمة بن عبد القيس، وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابن عمّ له يقال له شاشلة، فكرّ عليه شاشلة، وضربه رجل من الصفرّية، ففلق وجهه. قال أبو سعيد: فرأيته بعد ذلك كأنّ له وجهين، وأكبّ عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحاً، فقالت أم البرذون الصفرية: نحن قتلنا عاصماً وجعفرا ... والفارس الضبّيّ حين أصحرا ونحن جئنا لخندق المقعرا فانهزم أصحاب ابن عمر، وأقبل الخوارج، فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعة؛ فوالله ما تتاممنا حتى هزمونا، فدخلنا خنادقنا، وأصبحنا يوم السبت؛ فإذا الناس يتسلللون ويهربون إلى واسط، ورأبوا قوماً لم يروا مثلهم قطّ أشدّ بأساً؛ كأنهم الأسد عند أشبالها، فذهب ابن عمر ينظر أصحابه، فإذا عامّتهم قد هربوا حتحت الليل، ولحق عظمهم بواسط؛ فكان ممّن لحق بواسط النّضر بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور ابن جمهور والأصبغ بن ذؤالة وابناه: حمزة وذؤالة، والوليد بن حسان الغسانيّ وجميع الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن بقي من أصحابه مقيماً لم يبرح. ويقال: إنّ عبد الله بن عمر لمّا وليَ العراق ولّى الكوفة عبيد الله بن العباس الكنديّ وعلى شرطه عمر بن الغضبان بن القبعثري، فلم يزالا على ذلك حتى مات يزيد بن الوليد، وقام إبراهيم بن الوليد، فأقرّ ابن عمر على العراق، فولّى ابن عمر أخاه عاصماً على الكوفة، وأقرّ ابن الغضبان على شرطه، فلم يزالوا على ذلك حتى خرج عبد الله بن معاوية فاتّهم عمر بن الغضبان، فلما انقضى أمر عبد الله بن معاوية ولّى عبد الله بن عمر عمرَ بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الكوفة، وعلى شرطه الحكم بن عتيبة الأسديّ من أهل الشأم، ثم عزل عمر بن عبد الحميد عن الكوفة، ثم عزل عمر بن الغضبان عن شرطه وولى الوليد بن حسان الغسانيّ، ثم ولّى إسماعيل بن عبد الله القسريّ وعلى شرطه أبان بن الوليد، ثم عزل إسماعيل وولّى عبد الصمد بن أبان بن النعمان بن بشير الأنصاريّ، ثم عزل فولّى عاصم بن عمر، فقدم عليه الضّحاك بن قيس الشيبانيّ. ويقال: إنما قدم الضحاك وإسماعيل بن عبد الله القسريّ في القصر وعبد الله بن عمر بالحيرة وابن الحرشيّ بدير هند، فغلب الضحاك على الكوفة، وولّى ملحان بن معروف الشيبانيّ عليها، وعلى شرطه الصفر من بني حنظلة - حروريّ - فخرج ابن الحرشيّ يريد الشأم، فعارضه ملحان، فقتله ابن الحرشي فولى الضّحاك على الكوفة حسان فولّى حسان ابنه الحارث على شرطه. وقال عبد الله بن عمر يرثي أخاه عاصماً لما قتله الخوارج: رمى غرضي ريب الزمان فلم يدع ... غداة رمى للقوس في الكف منزعا رمى غرضي الأقصى فأقصد عاصماً ... أخاً كان لي حرزاً ومأوًى ومفزعا فإن تلك أحزان وفائض عبرة ... أذابت عبيطاً من دم الجوف منقعاً تجرعتها في عاصم واحتسيتها ... فأعظم منها ما احتسى وتجرّعا فليت المنايا كن خلفن عاصماً ... فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا وذكر أن عبد الله بن عمر يقول: بلغني أنّ عين بن عين بن عين بن عين يقتل ميم بن ميم بن ميم بن ميم، وكان يأمل أن يقتله؛ فقتله عبد الله بن عليّ ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، فذكر أن أصحاب ابن عمر لما انهزموا فلحقوا بواسط، قال لابن عمر أصحابه: علام تقيم وقد هرب الناس! قال: أتلوّم وأنظر، فأقام يوماً أو يومين لا يرى إلا هارباً، وقد امتلأت قلوبهم رعباً من الخوارج، فأمر عند ذلك بالرّحيل إلى واسط، وجمع خالد بن الغزيّل أصحابه، فلحق بمروان وهو مقيم بالجزيرة، ونظر عبيد الله بن العباس الكنديّ إلى ما لقيَ الناس، فلم يأمن على نفسه، فجنح إلى الضّحاك فبايعه؛ وكان معه في عسكره، فقال أبو عطاء السنديّ يعيّره باعتباعه الضحاك، وقد قتل أخاه: قل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحيّ لم يجنح وأنت قتيل ولم يتبع المرّاق والثّأر فيهم ... وفي كفه عضب الذباب صقيل إلى معشر أردوا أخاك وأكفروا ... أباك، فماذا بعد ذاك تقول! فلما بلغ عبيد الله بن العباس هذا البيت من قول أبي عطاء، قال أقول: أعضّك الله ببظر أمّك. فلا وصلتك الرحم من ذي قرابة ... وطالب وتر، والذليل ذليل تركت أخا شيبان يسلب بزّه ... ونجّاك خوّار العنان مطول قال: فنزل ابن عمر منزل الحجاج بن يوسف بواسط - فيما قيل - في اليمانية ونزل النّضر وأخوه سليمان ابنا سعيد وحنظلة بن نباتة وابناه محمد ونباتة في المضرّية ذات اليمين إذا صعدت من البصرة، وخلوا الكوفة والحيرة للضّحاك والشّراة، وصارت في أيديهم، وعادت الحرب بين عبد الله بن عمر والنّضر ابن سعيد الحرشيّ إلى ما كانت عليه قبل قدوم الضّحاك يطلب النضر أن يسلم إليه عبد الله بن عمر ولاية العراق بكتاب مروان، ويأتي عبد الله بن عمر واليمانية مع ابن عمر والنزارية مع النّضر؛ وذلك أن جند أهل اليمن كانوا مع يزيد الناقص تعصّباً على الوليد حيث أسلم خالد بن عبد الله القسريّ إلى يوسف بن عمر حتى قتله؛ وكانت القيسية مع مروان، لأنه طلب بدم الوليد - وأخوال الوليد من قيس، ثم من ثقيف، أمّه زينب بنت محمد بن يوسف ابنة أخي الحجاج - فعادت الحرب بين ابن عمر والنّضر، ودخل الضحاك الكوفة فأقام بها، واستعمل عليها ملحان الشيبانيّ في شعبان سنة سبع وعشرين ومائة، فأقبل منقضّاً في الثّراة إلى واسط، متبعاً لابن عمر والنضر، فنزل باب المضمار. فلما رأى ذلك ابن عمر والنضر نلا عن الحرب فيما بينهما، وصارت لمتهما عليه واحدة؛ ما انت بالوفة؛ فجعل النضر وقوّاده يعبرون الجسر، فيقاتلون الضّحا وأصحابه مع ابن عمر ثم يعودون إلى مواضعهم، ولا يقيمون مع ابن عمر؛ فلم يزالوا على ذلك شعبان وشهر رمضان وشوال، فاقتتلوا يوماً من تل الأيام، فاشتدّ قتالهم، فشدّ منصور بن جمهور على قائد من قواد الضحا، ان عظيم القدر في الشّراة، يقال له عرمة بن شيبان، فضربه على باب القورج، فقطعه باثنين فقتله. وبعث الضحاك قائداً من قواده يدعى شوالاً من بني شيبان إلى باب الزّاب، فقال اضرمه عليهم ناراً، فقد طال الحصار علينا، فانطلق شوّال ومعه الخيبريّ؛ أحد بني شيبان في خيلهم، فلقيهم عبد الملك بن علقمة، فقال لهم أين تريدون؟ فقال له شوّال نريد باب الزّاب، أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فقال: أنا معك؛ فرجع معه وهو حاسر، لا درع عليه، وكان من قوّاد الضحاك أيضاً وكان أشد الناس، فانتهوا إلى الباب فأضروه، فأخرج لهم عبد الله بن عمر منصور بن جمهور فى ستمائة فارس من كلب، فقاتلوهم أشد القتال، وجعل عبد الملك بن علقمة يشد عليهم وهو حاسر؛ فقتل منهم عدّة، فنظر إليه منصور بن جمهور، فغاظه صنيعه، فشد عليه فضربه على حبل عاتقه فقطعه حتى بلغ حرفقته؛ فخرّ ميّتاً، وأقبلت امرأة من الخوارج شادّة؛ حتى أخذت بلجام منصور بن جمهور، فقالت: يا فاسق، أجب أمير المؤمنين، فضرب يدها - ويقال: ضرب عنان دابته فقطعه في يدها - ونجا. فدخل المدينة الخيبريّ يريد منصوراً، فاعترض عليه ابن عمّ له من كلب، فضربه الخيبريّ فقتله؛ فقال حبيب بن خدرة مولى بني هلال - وكان يزعم أنه من أبناء ملوك فارس - يرثي عبد الملك بن علقمة: وقائلة ودمع العين يجري ... على روح ابن علقمة السلام أأدركك الحمام وأ،ت سار ... وكل فتى لمصرعه حمام فلا رعش اليدين ولا هدان ... ولا وكل اللقاء ولا كهام وما قتل على شار بعار ... ولكن يقتلون وهم كرام طغام الناس ليس لهم سبيل ... شجاني يا بن علقمة الطغام ثم إن منصوراً قال لابن عمر: ما رأيت في الناس مثل هؤلاء قطّ - يعني الشراة - فلم تحاربهم وتشغلهم عن مروان؟ أعطهم الرّضا، واجعلنم بينك وبين مروان، فإنك إن أعطيتهم الرضا خلّوا عنا ومضوا إلى مروان، فكان حدهم وبأسهم عليه، وأقمت أنت مستريحاً يموضعك هذا؛ فإن ظفروا بها كان ما أردت وكنت عندهم آمناً، وإن ظفر بهم وأردت خلافه وقتاله قاتلته جاماً مستريحاً؛ مع أن أمره وأمرهم سيطول، ويوسعونه شرّاً. فقال ابن عمر: لا تعجل حتى نتلوّم وننظر، فقال: أيّ شيء ننتظر؟ فما تستطيع أن تطلع معهم ولا تستقرّ، وإن خرجنا لم نقم لهم، فما انتظارنا بهم ومروان في راحة، وقد كفيناه حدّهم وشغلناهم عنه؟ أما أنا فخارج لاحقٌ بهم. فخرج فوقف حيال صفهم وناداهم: إني جانح أريد أن أسلم وأسمع كلام الله - قال: وهي محنتهم - فلحق بهم فبايعهم، وقال: قد أسلمتُ، فدعوا له بغداء فتغدّى، ثم قال لهم: من الفارس الذي أخذ بعناني يوم الزّاب؟ يعني يوم ابن علقمة - فنادوا يا أمّ العنبر، فخرجت إليهم؛ فإذا أجمل الناس، فقالت له: أنت منصور؟ قال: نعم، قالت: قبح الله سيفك، أين ما تذكر منه؟ فوالله ما صنع شيئاً، ولا ترك - تعني ألاّ يكون قتلها حين أخذت بعنانه فدخلت الجنة - وكان منصور لا يعلم يومئذ أنها امرأة، فقال: يا أمير المؤمنين، زوجنيها، قال: إن لها زوجاً - وكانت تحت عبيدة بن سوّار التغلبيّ - قال: ثم إنّ عبد الله بن عمر خرج إليهم في آخر شوّال فبايعه. ؟خبر خروج سليمان بن هشام على مروان بن محمد وفي هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومائة - خلع سليمان بن هشام ابن عبد الملك بن مروان مروان بن محمد ونصب الحرب. ذكر الخبر عن سبب ذلك وما جرى بينهما: حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: لما شخص مروان من الرصافة إلى الرقة لتوجيه ابن هبيرة إلى العراق لمحاربة الضّحاك بن قيس الشيبانيّ استأذنه سليمان بن هشام في مقام أيام، لإجمام ظهره وإصلاح أمره؛ فأذن له، ومضى مروان، فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوّادهم؛ حتى جاءوا الرصافة، فدعوا سليمان إلى خلع مروان ومحاربته، وقالوا: أنت أرضى منه عند أهل الشأم وأولى بالخلافة، فاستزلّه الشيطان، فأجابهم، وخرج إليهم بإخوته وولده ومواليه، فعسكر بهم وسار بجمعهم إلى قنسرين، فكاتب أهل الشأم فانقضوا إليه من كلّ وجه وجند؛ وأقبل مروان بعد أن شارف قرقيسيا منصرفاً إليه، وكتب إلى ابن ههبيرة يأمره بالثبوت في عسكره من دورين حتى نزل معسكره بواسط، واجتمع من كان بالهنيّ من موالى سليمان وولد هشام، فدخلوا حصن الكامل بذراريّهم فتحصّنوا فيه، وأغلقوا الأبواب دونه، فأرسل إليهم: ماذا صنعتم؟ خلعتم طاعتي ونقضتم بيعتي بعد ما أعطيتموني من العهود والمواثيق! فردّوا على رسله: إنا مع سليمان على من خالفه. فردّ إليهم: إنّي أحذرّكم وأنذركم أن تعرضوا لأحد ممّن تبعني من جندي أو يناله منكم أذى، فتحلّوا بأنفسكم؛ ولا أمان لكم عندي. فأرسلوا إليه: إنا سنكفّ. ومضى مروان، فجعلوا يخرجون من حصنهم، فيغيرون على من اتّبعه من أخريات الناس وشذّان الجند؛ فيسلونهم خيولهم وسلاحهم. وبلغه ذلك، فتحرّق عليهم غيظاً. واجتمع إلى سليمان نحوٌ من سبعين ألفاً من أهل الشأم والذّكوانية وغيرهم، وعسكر في قرية لبنى زفر يقال لها خساف من قنسرين من أرضها. فلما دنا منه مروان قدّم السكسكيّ في نحو سبعة آلاف، ووجّه مروان عيسى بن مسلم في نحو من عدّتهم، فالتقوا فيما بين العسكرين، فاقتتلوا قتالا شديداً، والتقى السكسكيّ وعيسى، وكلّ واحد منهما فارس بطل، فطّعنا حتى تقصّفت رماحهما، ثم صارا إلى السيوف، فضرب السكسكيّ مقدّم فرس صاحبه، فسقط لجامه في صدره، وجال به فرسه، فاعترضه السكسكيّ، فضربه بالعمود فصرعه، ثم نزل إليه فأسره، وبارز فارساً من فرسان أنطاكية، يقال له سلساق قائد الصقالبة. فأسره، وانهزمت مقدّمة مروان وبلغه الخبر وهو في مسيره، فمضى وطوى على تعبية، ولم ينزل حتى انتهى إلى سليمان، وقد تعبّأ له، وتهيّأ لقتاله، فلم يناظره حتى واقعه، فانهزم سليمان ومن معه، وأتبعتهم خيوله تقتلهم وتأسرهم؛ وانتهوا إلى عسكرهم فاستباحوه، ووقف مروان موقفاً، وأمر ابنيه فوقفا موقفين، ووقف كوثر صاحب شرطته في موضع، ثم أمرهم ألاّ يأتوا بأسير إلاّ قتلوه إلاّ عبداً مملوكاً، فأحصيَ من قتلاهم يومئذ نيّف على ثلاثين ألفاً. قال: وقتل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده، وأتى بخال لهشام بن عبد الملك يقال له خالد بن هشام المخزوميّ - وكان بادناً كثير اللحم - فأدنيَ إليه وهو يلهث، فقال له: يا فاسق؛ أما كان لك في خمر المدينة وقيانها ما يكفك عن الخروج مع الخرّاء تقاتلني! قال: يا أمير المؤمنين، أكرهني، فأنشدك الله والرّحم! قال: وتكذب أيضاً! كيف أكرهك وقد خرجت بالقيان والزقاق والبرابط معك في عسكره! فقتله. فف وادّعى كثير من الأسراء من الجند أنهم رقيق، فكفّ عن قتلهم، وأمر ببيعهم فيمن يزيد مع ما بيع مما أصيب في عسكرهم. قال: ومضى سليمان مفلولاً حتى انتهى إلى حمص؛ فانضمّ إليه من أفلت ممّن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان أمر بهدمه من حيطانها، ووجّه مروان يوم هزمه قوّاداً وروابط في جريدة خيل، وتقدّم إليهم أن يسبقوا كلّ خبر؛ حتى يأتوا الكامل، فيحدقوا بها إلى أن يأتيهم، حنقاً عليهم، فأتوهم فنزلوا عليهم، وأقبل مروان نحوهم حتى نزل معسكره من واسط، فأرسل إليهم أن انزلوا على حكمي، فقالوا: لا حتى ترمّننا بأجمعنا، فدلف إليهم، ونصب عليهم المجانيق، فلما تتابعت الحجارة عليهم نزلوا على حكمه، فمثّل بهم واحتملهم أهل الرقة فآووهم، وداووا جراحاتهم، وهلك بعضهم وبقي أكثرهم، وكانت عدّتهم جميعاً نحواً من ثلثمائة. ثم شخص إلى سليمان ومن تجمّع معه بحمص، فلما دنا منهم اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان! هلمّوا فلنتبايع على الموت ولا نفترق بعد معاينته حتى نموت جميعاً. فمضى على ذلك من فرسانهم من قد وطّن نفسه على الموت نحو من تسعمائة، وولّى سليمان على شطرهم معاوية السكسكيّ، وعلى الشّطر الثاني ثبيتاً البهرانيّ. فتوجهوا إليه مجتمعين، على أن يبيّتوه إن أصابوا منه غرّة، وبلغه خبرهم وما كان منهم، فتحرّز وزحف إليهم في الخنادق على احتراس وتعبية، فراموا تبييته فلم يقدروا، فتهيئوا له وكمنوا في زيتون ظهر على طريقه، في قرية تسمى تل منّس من جبل السمّاق، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبية، فوضعوا السلاح فيمن معه، وانتبذ لهم، ونادى خيوله فثابت إليه من المقدمة والمجنّبتين والساقة، فقاتلوهم من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، والتقى السكسكيّ وفارس من فرسان بني سليم، فاضطربا، فصرعه السلميّ عن فرسه، ونزل إليه، وأعانه رجل من بني تميم، فأتياه به أسيراً وهو واقف؛ فقال: الحمد لله الذي أمكن منك فطالما بلغت منّا! فقال: استبقني فإني فارس العرب، قال: كذبت؛ الذي جاء بك أفرس منك، فأمر به فأوثق، وقتل ممّن صبر معه نحو من ستة آلاف. قال: وأفلت ثبيت ومن انهزم معه، فلما أتوا سليمان خلف أخاه سعيد ابن هشام في مدينة حمص، وعرف أنه لا طاقة له به، ومضى هو إلى تدمر، فأقام بها، ونزل مروان على حمص، فحاصرهم بها عشرة أشهر، ونصب عليها نيفاً وثمانين منجنيقاً، فطرح عليهم حجارتها بالليل والنهار وهم في ذلك يخرجون إليه كلّ يوم فيقاتلونه، وربما بيّتوا نواحي عسكره، وأغاروا على الموضع الذي يطمعون في إصابة العورة والفرضة منه. فلما تتابع عليهم البلاء، ولزمهم الذل سألوه أن يؤمّنهم على أن يمكنوه من سعيد بن هشام وابنيه عثمان ومروان ومن رجل كان يسمى السكسكيّ، كان يغير على عسكرهم، ومن حبشيّ كان يشتمه ويفتري عليه؛ فأجابهم إلى ذلك وقبله. وكانت قصّة الحبشي أنه كان يشرف من الحائط ويربط في ذكره ذكر حمار، ثم يقول: يا بني سليم، يا أولاد كذا وكذا، هذا لواؤكم! وكان يشتم مروان، فلما ظفر به دفعه إلى بني سليم، فقطعوا مذاكيره وأنفه، ومثّلوا به، وأمر بقتل المتسمّي السكسكيّ والاستيثاق من سعيد وابنيه، وأقبل متوجّهاً إلى الضحاك. وأما غير أبي هاشم مخلّد بن محمد، فإنه ذكر من أمر سليمان بن هشام بعد انهزامه من وقعة خساف غير ما ذكره مخلّد؛ والذي ذكره من ذلك أنّ سليمان بن هشام بن عبد الملك حين هزمه مروان يوم خساف أقبل هارباً؛ حتى صار إلى عبد الله بن عمر، فخرج مع عبد الله بن عمر إلى الضّحاك، فبايعه، وأخبر عن مروان بفسق وجور وحضّض عليه، وقال: أنا سائر معكم في مواليّ ومن اتبعني، فسار مع الضحاك حين سار إلى مروان، فقال شبيل ابن عزرة الضبعيّ في بيعتهم الضحاك: ألم تر أن الله أظهر دينه ... فصلّت قريش خلف بكر بن وائل فصارت كلمة ابن عمر وأصحابه واحدة على النضر بن سعيد، فعلم أنه لا طاقة له بهم؛ فارتحل من ساعته يريد مروان بالشأم. وذكر أبو عبيدة أن بيهساً أخبره: لما دخل ذو القعدة سنة سبع وعشرين ومائة، استقام لمروان الشأم ونفى عنها من كان يخالفه، فدعا يزيد بن عمر ابن هبيرة، فوجّهه عاملاً على العراق، وضمّ إليه أجناد الجزيرة، فأقبل حتى نزل سعيد بن عبد الملك، وأرسل ابن عمر إلى الضحاك يعلمه ذلك. قال: فجعل الضّحاك لنا ميسان وف إنها تكفيكم حتى ننظر عما تنجلي. واستعمل ابن عمر عليها مولاه الحكم بن النعمان. فأما أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر عنه هشام: إن عبد الله بن عمر صالح الضّحاك على أنّ بيد الضحاك ما كان غلب عليه من الكوفة وسوادها، وبيد ابن عمر ما كان بيده من كسكر وميسان ودستميسان وكور دجلة والأهواز وفارس، فارتحل الضّحاك حتى لقي مروان بكفر توثا من أرض الجزيرة. وقال أبو عبيدة: تهيأ الضّحاك ليسير إلى مروان، ومضى النّضر يريد الشأم، فنزل القادسيّة، وبلغ ذلك ملحان الشيبانيّ عامل الضّحاك على الكوفة، فخرج إليه فقاتله وهو في قلّة من الشراة، فقاتله فصبر حتى قتله النّضر. وقال ابن خدرة يرثيه وعبد الملك بن علقمة: كائن كملحان من شار أخي ثقة ... وابن علقمة المستشهد الشاري من صادق كنت أصفيه مخالصتي ... فباع داري بأعلى صفقة الدار إخوان صدق أرجيهم وأخذلهم ... أشكو إلى الله خذلاني وإخفاري وبلغ الضّحاك قتل ملحان، فاستعمل على الكوفة المثنّى بن عمران من بني عائدة، ثم سار الضّحاك في ذي القعدة، فأخذ الموصل، وانحطّ ابن هبيرة من نهر سعيد حتى نزل غزّة من عين التّمر، وبلغ ذلك المثنّى بن عمران العائذيّ، عامل الضحاك على الكوفة، فسار إليه فيمن معه من الشراة، ومعه منصوور بن جمهور، وكان صار إليه حين بايع الضّحاك خلافاً على مروان، فالتقوا بغزّة، فاقتتلوا قتالاً شديداً أياماً متوالية؛ فقتل المثنى وعزيز وعمرو - وكانوا من رؤساء أصحاب الضحاك - وهرب منصور، وانهزمت الخوارج، فقال مسلم حاجب يزيد: أرت للمثنّى يوم غزّة حتفه ... وأذرت عزيراً بين تلك الجنادل وعمراً أزارته المنية بعد ما ... أطافت بمنصور كفات الحبائل وقال غيلان بن حريث في مدحه ابن هبيرة: نصرت يوم العين إذ لقيتا ... كنصر داود على جالوتا فلما قتل منهم من قتل في يوم العين، وهرب منصور بن جمهور، أقبل لا يلوي حتى دخل الكوفة، فجمع بها جمعاً من اليمانية والصفرية ومن كان تفرّق منهم يوم قتل ملحان ومن تخلف منهم عن الضحاك، فجمعهم منصور جميعاً، ثم سار بهم حتى نزل الروحاء، وأقبل ابن هبيرة في أجناده حتى لقيهم، فقاتلهم أياماً ثم هزمهم، وقتل البرذون بن مرزوق الشيبانيّ، وهرب منصور ففي ذلك يقول غيلان بن حريث: ويوم روحاء العذيب دففوا ... على ابن مرزوق سمام مزعف قال: وأقبل ابن هبيرة حتى نزل الكوفة ونفى عنها الخوارج، وبلغ الضّحاك ما لقي أصحابه، فدعا عبيدة بن سوّار التغلبيّ، فوجّهه إليهم، وانحطّ ابن هبيرة يريد واسطاً وعبد الله بن عمر بها، وولى على الكوفة عبد الرحمن بن بشير العجليّ، وأقبل عبيدة بن سوّار مغذاً في فرسان أصحابه، حتى نزل الصّراة، ولحق به منصور بن جمهور؛ وبلغ ذلك ابن هبيرة فسار إليهم فالتقوا بالصّراة في سنة سبع وعشرين ومائة. وفي هذه السنة توجّه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظة وقحطبة بن شبيب - فيما ذكر - إلى مكة، فلقوا إبراهيم بن محمد الإمام بها، وأعلموه أن معهم عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكاً ومتاعاً كثيراً، فأمرهم بدفع ذلك إلى ابن عروة مولى محمد بن عليّ، وكانوا قدموا معهم بأبي مسلم ذلك العام، فقال ابن كثير لإبراهيم بن محمد: إنّ هذا مولاك. وفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد يخبره أنه في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنه قد استخلف حفص بن سليمان، وهو رضاً للأمر. وكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه؛ وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إلى خراسان فصدّقوه، وقبلوا أمره، ودفعوا إليه ما اجتمع قبلهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مروان على المدينة ومكة والطائف؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره. وكان العامل على العراق النّضر بن الحرشيّ، وكان من أمره وأمر عبد الله ابن عمر والضحاك الحروريّ ما قد ذكرت قبل. وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرمانيّ والحارث بن سريج. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان. ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك قد مضى ذكر كتاب يزيد بن الوليد للحارث بأمانه، وخروج الحارث من بلاد الترك إلى خراسان ومصيره إلى نصر بن سيار، وما كان من نصر إليه، واجتماع من اجتمع إلى الحارث مستجيبين له. فذكر عليّ بن محمد عن شيوخه، أنّ ابن هبيرة لما وليَ العراق كتب إلى نصر بعهده، فبايع لمروان، فقال الحارث: إنما آمنني يزيد بن الوليد، ومروان لا يجيز أمان يزيد، فلا آمنه. فدعا إلى البيعة، فشتم أبو السليل مروان، فلما دعا الحارث إلى البيعة أتاه سلم بن أحوز وخالد بن هريم وقطن بن محمد وعبّاد بن الأبرد بن قرّة وحمّاد بن عامر، وكلموه وقالوا له: لم يصيّر نصر سلطانه وولايته في أيدي قومك؟ ألم يخرجك من أرض الترك ومن حكم خاقان! وإنما أتى بك لئلا يجترىء عليك عدوّك فخالفته، وفارقت أمر عشيرتك، وأطمعت فيهم عدوّهم، فنذكّرك الله أن تفرّق جماعتنا! فقال الحارث: إنّي لأرى في يدي الكرمانيّ ولاية، والأمر في يد نصر، فلم يجبهم بما أرادوا، وخرج إلى حائط لحمزة بن أبي صالح السلميّ بإزاء قصر بخاراخذاه، فعسكر وأرسل إلى نصر، فقال له: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر. فخرج الحارث فأتى منازل يعقوب بن داود، وأمر جهم بن صفوان، مولى بني راسب، فقرأ كتاباً سيّر فيه الحارث على الناس، فانصرفوا يكبّرون، وأرسل الحارث إلى نصر: اعزل سلم بن أحوز عن شرطك، واستعمل بشر بن بسطام البرجميّ، فوقع بينه وبين مغلّس بن زياد كلام، فتفرقت قيس وتميم، فعزله. واستعمل إبراهيم بن عبد الرحمن، واختاروا رجالاً يسمون لهم قوماً يعملون بكتاب الله. فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان، واختار الحارث المغيرة بن شعبة الجهضميّ ومعاذ بن جبلة، وأمر نصر كاتبه أن يكتب ما يرضون من السنن، وما يختارونه من العمال، فيولّيهم الثغرين؛ ثغر سمرقند وطخارستان، ويكتب إلى من عليهما ما يرضونه من السير والسنن. فاستأذن سلم بن أحوز نصراً في الفتك بالحارث، فأبى وولّى إبراهيم الصائغ، وكان يوجّه ابنه إسحاق بالفيروزج إلى مرو، وكان الحارث يظهر أ،ه صاحب الرّايات السود؛ فأرسل إليه نصر: إن كنت كما تزعم، وأنكم تهدمون سور دمشق، وتزيلون أمر بني أميّة، فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي بعير، واحمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب وسر؛ فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي يدك؛ وإن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك. فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق، ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. فقال نصر: فقد استبان أنهم ليسوا على رأيك، ولا لهم مثل بصيرتك، وأنهم هم فساق ورعاع، فأذكرك الله في عشرين ألفاً من ربيعة واليمن سيهلكون فيما بينكم. وعرض نصر على الحارث أن يولّيه ما وراء النهر، ويعطيه ثلثمائة ألف؛ فلم يقبل؛ فقال له نصر: فإن شئت فابدأ بالكرمانيّ فإن قتلته فأنا في طاعتك، وإن شئت فخلّ بيني وبينه؛ فإن ظفرت به رأيت رأيك، وإن شئت فسر بأصحابك؛ فإذا جزت الرّيّ فأنا في طاعتك. قال: ثم تناظر الحارث ونصر، فتراضيا أن يحكم بينهم مقاتل بن حيان وجهم بن صفوان، فحكما بأن يعتزل نصر، ويكون الأمر شورى. فلم يقبل نصر. وكان جهم يقصّ في بيته في عسكر الحارث، وخالف الحارث نصراً، ففرض نصر لقومه من بني سلمة وغيرهم، وصيّر سلماً في المدينة في منزل ابن سوّار، وضمّ إليه الرّابطة وإلى هدبة بن عامر الشعراويّ فرساً، وصيّره في المدينة، واستعمل على المدينة عبد السلام بن يزيد بن حيّان السلميّ، وحوّل السلاح والدّواوين إلى القهندز، واتّهم قوماً من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث، فأجلس عن يساره من اتّهم ممن لا بلاء له عنده، وأجلس الذين ولاّهم واصطنعهم عن يمينه؛ ثم تكلم وذكر بني مروان ومن خرج عليهم؛ كيف أظفر الله به؛ ثم قال: أحمد الله وأذم من على يساري؛ وليت خراسان فكنت يا يونس بن عبد ربّه ممن أراد الهرب من كلف مئونات مرو، وأنت وأهل بيتك ممن أراد أسد بن عبد الله أن يختم أعناقهم، ويجعلهم في الرّجالة، فوليتكم إذ ووليتكم واصطنعتكم وأمرتكم أن ترفعوا ما أصبتم إذا أردت المسير إلى الوليد، فمنكم من رفع ألف ألف وأكثر وأقلّ، ثم ملأتم الحارث عليّ، فهلاّ نظرتم إلى هؤلاء الأحرار الذين لزموني مؤاسين على غير بلاء! وأشار إلى هؤلاء الذين عن يمينه. فاعتذر القوم إليه، فقبل عذرهم. وقدم على نصر من كورخراسان حين بلغهم ما صار إليه من الفتنة جماعة؛ منهم عاصم بن عمير الصريميّ وأبو الذّيال الناجيّ وعمرو الفادوسبان السغديّ البخاريّ وحسان بن خالد الأسديّ من طخارستان في فوارس، وعقيل ابن معقل الليثيّ ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسعد الصّغير في فرسان. وكتب الحارث بن سريج سيرته، فكانت تقرأ في طريق مرو والمساجد فأجابه قوم كثير؛ فقرأ رجل كتابه على باب نصر بماجان، فضربه غلمان نصر، فنابذه الحارث، فأتى نصراً هبيرة بن شراحيل ويزيد أبو خالد، فأعلماه، فدعا الحسن بن سعد مولى قريش، فأمره فنادى: إن الحارث بن سريج عدوّ الله قد نابذ وحارب، فاستعينوا الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وأرسل من ليلته عاصم بن عمير إلى الحارث، وقال لخالد بن عبد الرحمن: ما نفعل شعارَنا غدا؟ فقال مقاتل بن سليمان: إن الله بعث نبياً فقاتل عدواً له، فكان شعاره " حم لا ينصرون " ، فكان شعارهم " حم لا ينصرون " ، وعلامتهم عليّ الرّماح الصوف. وكان سلم بن أحوز وعاصم بن عمير وقطن وعقيل بن معقل ومسلم ابن عبد الرحمن وسعيد الصغير وعامر بن مالك والجماعة في طرف الطخارّية ويحيى بن حضين وربيعة في البخاريّين. ودلّ رجل من أهل مدينة مرو الحارث على نقب في الحائط، فمضى الحارث فنقب الحائط، فدخلوا المدينة من ناحية باب بالين وهم خمسون، ونادوا: يا منصور - بشعار الحارث - وأتوا باب نيق، فقاتلهم جهم بن مسعود الناجيّ، فحمل رجل على جهم فطعنه في فيه فقتله، ثم خرجوا من باب نيق حتى أتوا قبة سلم بن أحوز فقاتلهم عصمة بن عبد الله الأسديّ وخضر بن خالد والأبرد بن داود من آل الأبرد بن قرّة، وعلى باب بالين حازم بن حاتم، فقتلوا كلّ من كان يحرسه، وانتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قديد بن منيع؛ ونهاهم الحارث أن ينتهبوا منزل ابن أحوز ومنزل قديد بن منيع ومنزل إبراهيم وعيسى ابني عبد الله السلميّ إلاّ الدوابّ والسلاح؛ وذلك ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. قال: وأتى نصراً رسول سلم يخبره دنوّ الحارث منه، وأرسل إليه: أخّره حتى نصبح، ثم بعث إليه أيضاً محمد بنم قطن بن عمران الأسديّ، أنه قد خرج عليه عامّة أصحابه، فأرسل إليه: لا تبدأهم. وكان الذي أهاج القتال، أنّ غلاماً للنضر بن محمد الفقيه يقال له عطية، صار إلى أصحاب سلم، فقال أصحاب اعلحارث: ردوه إلينا، فأبوا، فاقتتلوا، فرمى غلاماً لعاصم في عينه فمات؛ فقاتلهم ومعه عقيل بن معقل فهزمهم، فانتهوا إلى الحارث وهو يصلّي الغداة في مسجد أبي بكرة، مولى بني تميم؛ فلما قضى الصلاة دنا منهم، فرجعوا حتى صاروا إلى طرف الطخاريّة، فدنا منه رجلان، فناداهما عاصم: عرقبا برذونه؛ فضرب الحارث أحدهما بعموده فقتله، ورجع الحارث إلى سكة السغد، فرأى أعين مولى حيّان، فنهاه عن القتال، فقاتل فقتل، وعدل في سكة بني عصمة، فأتبعه حماد بن عامر الحمانيّ ومحمد بن زرعة، فكسر رمحيهما، وحمل على مرزوق مولى سلم؛ فلما دنا منه رمى به فرسه؛ فدخل حانوتاً، وضرب برذونه على مؤخره فنفق. قال: وركب سلم حين أصبح إلى باب نيق، فأمرهم بالخندق، فخندقوا وأمر منادياً، فنادى: من جاء برأس فله ثلثمائة، فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث، وقاتلهم الليل كله، فلما أصبحنا أخذ أصحاب نصر على الرزيق، فأدركوا عبد الله بن مجّاعة بن سعد، فقتلوه. وانتهى سلم إلى عسكر الحارث؛ وانصرف إلى نصر فنهاه نصر، فقال: لست منتهياً حتى أدخل المدينة على هذا الدبّوسيّ؛ فمضى معه محمد ابن قطن وعبيد الله بن بسام إلى باب درسنكان - وهو القهندز - فوجده مردوماً، فصعد عبد الله بن مزيد الأسديّ السور ومعه ثلاثة، ففتحوا الباب، ودخل بن أحوز، ووكّل بالباب أبا مطهّر حرب بن سليمان، فقتل سلم يومئذ كاتب الحارث بن سريج، واسمه يزيد بن داود، وأتى عبد ربه ابن سيسن فقتله، ومضى سلم إلى باب نيق ففتحه، وقتل رجلاً من الجزّارين كان دلّ الحارث على النقب؛ فقال المنذر الرقاشيّ ابن عمّ يحيى بن حضين، يذكر صبر القاسم الشيبانيّ: ما قاتل القوم منكم غير صاحبنا ... في عصبة قاتلوا صبراً فما ذعروا هم قاتلوا عند باب الحصن ما وهنوا ... حتى أتاهم غياث الله فانتصروا فقاسم بعد أمر الله أحرزها ... وأنت في معزل عن ذاك مقتصر ويقال: لما غلظ أمر الكرمانيّ والحارث أرسل نصر إلى الكرمانيّ، فأتاه على عهد، وحضرهم محمد بن ثابت القاضي ومقدام بن نعيم أخو عبد الرحمن ابن نعيم الغامديّ وسلم بن أحوز، فدعا نصر إلى الجماعة، فقال للكرمانيّ أن أسعد الناس بذلك؛ فوقع بين سلم بن أحوز والمقدام كلام؛ فأغلظ له سلم، فأعانه عليه أخوه، وغضب لهما السغديّ بن عبد الرحمن الحزميّ، فقال سلم: لقد هممت أن أضرب أنفك بالسيف، فقال السغدي: لو مست السيف لم ترجع إليك يدك، فخاف الكرمانيّ أن يكون مكراً من نصر، فقام وتعلقوا به، فلم يجلس، وعاد إلى باب المقصورة. قال فتلقوه بفرسه، فركب في المسجد، وقال نصر: أراد الغدر بي، وأرسل الحارث إلى نصر: إنا لا نرضى بك إماماً، فأرسل إليه نصر: كيف يكون لك عقل، وقد أفنيت عمرك في أرض الشرك وغزوت المسلمين بالمشركين! أتراني أتضرّع إليك أكثر مما تضرّعت!. قال فأسر يومئذ جهم بن صفوان صاحب الجهميّة، فقال لسلم: إن لي ولثاً من ابنك حارث؛ قال: ما كان ينبغي له أن يفعل؛ ولو فعل ما آمنتك، ولو ملأت هذه الملاءة كواكب، وأبرأك إليّ عيسى بن مريم ما نجوت؛ والله لو كنت في بطني لشققت بطني حتى أقتلك؛ والله لا يقوم علينا مع اليمانية أكثر مما قمت؛ وأمر عبد ربّه بن سيسن فقتله، فقال الناس: قتل أبو محرز - وكان جهم يكنى أبا محرز. وأسر يومئذ هبيرة بن شراحيل وعبد الله بن مجّاعة فقال: لا أبقى الله من استبقاكما، وإن كنتما من تميم. ويقال: بل قتل هبيرة، لحقته الخيل عند دار قديد بن منيع فقتل. قال: ولما هزم نصر الحارث، بعث الحارث ابنه حاتماً إلى الكرمانيّ، فقال له محمد بن المثنّى: هما عدوّاك، دعهما يضطربان؛ فبعث الكرمانيّ السغديّ بن عبد الرحمن الحزميّ معه، فدخل السغديّ المدينة من ناحية باب ميخان، فأتاه الحارث، فدخل فازة الكرمانيّ، ومع الكرمانيّ داود ابن شعيب الجدّانيّ ومحمد بن المثنى، فأقيمت الصلاة، فصلى بهم الكرمانيّ، ثم ركب الحارث، فسار معه جماعة بن محمد بن عزيز أبو خلف، فلمّا كان الغد سار الكرمانيّ إلى باب ميدان يزيد، فقاتل أصحاب نصر، فقتل سعد بن سلم المراغيّ، وأخذوا علم عثمان بن الكرمانيّ؛ فأوّل من أتى الكرمانيّ بهزيمة الحارث وهو معسكر بباب ماسرجسان على فرسخ من المدينة النضر ابن غلاّق السغديّ وعبد الواحد بن المنخّل. ثم أتاه سوادة بن سريج وحاتم بن الحارث والخليل بن غزوان العذريّ، أتوه ببيعة الحارث بن سريج. وأول من بايع الكرمانيّ يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيبانيّ، فوجه الكرمانيّ إلى الحارث بن سريج سورة بن محمد الكنديّ إلى أسمانير والسغديّ بن عبد الرحمن أبا طعمة وصعباً أو صعيباً، وصبّاحاً، فدخلوا المدينة من باب ميخان، حتى أتوا باب ركك، وأقبل الكرمانيّ إلى باب حرب بن عامر، ووجّه أصحابه إلى نصر يوم الأربعاء، فتراموا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال. قال: والتقوا يوم الجمعة، فانهزمت الأزد؛ حتى وصلوا إلى الكرمانيّ، فأخذ اللواء بيده فقاتل به، وحمل الخضر بن تميم وعليه تهجفاف، فرموه بالنّشاب، وحمل عليه حبيش مولى نصر فطعنه في حلقه، فأخذ الخضر السنان بشماله من خلفه؛ فشبّ به فرسه، وحمل فطعن حبيشاً فأذراه عن برذونه، فقتله رجّالة الكرمانيّ بالعصيّ. قال: وانهزم أصحاب نصر، وأخذوا لهم ثمانين فرساً، وصرع تميم ابن نصر، فأخذوا له برذونين؛ أخذ أحدهما السغديّ بن عبد الرحمن، وأخذ الآخر الخضر، ولحق الخضر بسلم بن أحوز، فتناول من ابن أخيه عموداً فضربه فصرعه، فحمل عليه رجلان من بني تميم فهرب، فرمى سلم بنفسه تحت القناطر وبه بضع عشرة ضربة على بيضته فسقط، فحمله محمد بن الحدّاد إلى عسكر نصر، وانصرفوا، فلما كان في بعض الليالي خرج نصر من مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسديّ، وكان يحمى أصحاب نصر؛ فأدركه صالح بن القعقاع الأزديّ، فقال له عصمة: تقدّم يا مزنيّ، فقال صالح: أثبت يا حصي - وكان عقيماً - فعطف فرسه فشبّ فسقط، فطعنه صالح فقتله. وقاتل ابن الديليمريّ، وهو يرتجز؛ فقتل إلى جنب عصمة. وقتل عبيد الله بن حوتمة السلميّ، رمى مروان البهرانيّ بجرزة؛ فقتل؛ فأتى الكرمانيّ برأسه فاسترجع - وكان له صديقاً - وأخذ رجل يماني بعنان فرس مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم فعرفه فتركه. واقتتلوا ثلاثة أيام، فهزمت آخر يوم المضرّية اليمن، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن؛ قد دخل الحارث السوق، وقتل ابن الأقطع؛ ففتّ في أعضاد المضرّية. وكان أوّل من انهزم إبراهيم بن بسام الليثيّ، وترجّل تميم بن نصر، فأخذ برذونه عبد الرحمن بن جامع الكنديّ، وقتلوا هيّاجاً الكلبيّ ولقيط بن أخضر؛ قتله غلام لهانىء البزّار. قال: ويقال: لما كان يوم الجمعة تأهّبوا للقتال، وهدموا الحيطان ليتّسع لهم الموضع، فبعث نصر محمد بن قطن إلى الكرمانيّ: إنك لست مثل هذا الدبّوسيّ، فاتّق الله، لا تشرع في الفتنة. قال: وبعث تميم بن نصر شاكريّته، وهم في دار الجنوب بنت القعقاع؛ فرماهم أصحاب الكرمانيّ من السطوح ونذروا بهم، فقال عقيل بن معقل لمحمد بن المثنّى: علام نقتل أنفسنا لنصر والكرمانيّ! هلّم نرجع إلى بلدنا بطخارستان، فقال محمد: إنّ نصراً لم يفِ لنا، فلسنا ندع حربه. وكان أصحاب الحراث والكرمانيّ يرمون نصراً وأصحابه بعرّادة، فضرب سرادقه وهو فيه فلم يحوّله، فوجه إليهم سلم ابن أحوز فاقتلهم؛ فكان أوّل الظفر لنصر، فلما رأى الكرمانيّ ذلك أخذ لواءه من محمد بن محمد بن عميرة، فقاتل به حتى كسره. وأخذ محمد بن المثنى والزّاغ وحطّان في كارابكل، حتى خرجوا على الرّزيق، وتميم بن نصر على قنطرة النهر، فقال محمد بن المثنى لتميم حين انتهى إليه: تنحّ يا صبيّ. وحمل محمد والزاغ معه راية صفراء، فصرعوا أعين مولى نصرن وقتلوه؛ وكان صاحب دواة نصر، وقتلوا نفراً من شاكريّته. وحمل الخضر بن تميم على سلم بن أحوز فطعنه، فمال السنان، فضربه بجرز على صدره وأخرى على منكبه؛ وضربه على رأسه فسقط، وحمى نصر أصحابه في ثمانية، فمنعهم من دخول السوق. قال: ولما هزمت اليمانية مضر، أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيّرونني بانهزامكم؛ وأنا كافّ؛ فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرمانيّ، فبعث إليه نصر يزيد النحويّ أو خالداً يتوثّق منه؛ أن يفي له بما أعطاه من الكفّ. ويقال: إنما كفّ الحارث عن قتال نصر أن عمران بن الفضل الأزديّ وأهل بيته وعبد الجبار العدويّ وخالد بن عبيد الله بن حبيب العدويّ وعامة أصحابه نقموا على الكرمانيّ فعله بأهل التبوشكان؛ وذلك أن أسداً وجهّه إليهم، فنزلوا على حكم أسد، فبقر بطون خمسين رجلاً وألقاهم في نهر بلخ، وقطع أيدي ثلثمائة منهم وأرجلهم، وصلب ثلاثة، وباع أثقالهم فيمن يزيد، فنقموا على الحارث عونه الكرمانيّ، وقتاله نصراً. فقال نصر لأصحابه حين تغير الأمر بينه وبين الحارث: إن مضر، لا تجتمع لي ما كان الحارث مع الكرمانيّ؛ لا يتفقان على أمر، فالرأي تركهما؛ فإنهما يختلفان. وخرج إلى جلفر فيجد عبد الجبار الأحول العدويّ وعمر بن أبي الهيثم الصغديّ، فقال لهما: أيسعكما المقام مع الكرمانيّ؟ فقال عبد الجبار: وأنت فلا عدمت آسياً؛ ما أحلك هذا المحلّ! فلما رجع نصر إلى مرو أمر به فضرب أربعمائة سوط، ومضى نصر إلى خرق، فأقام أربعة أيام بها، ومعه مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم وسلم بن أحوز وسنان الأعرابيّ، فقال نصر لنسائه: إنّ الحارث سيخلفني فيكنّ ويحميكنّ. فلما قرب من نيسابور أرسلوا إليه: ما أقدمك، وقد أظهرت من العصبية أمراً قد كان الله أطفأه؟ وكان عامل نصر على نيسابور ضرار ابن عيسى العامريّ، فأرسل إليه نصر بن سيار سناناً الأعرابيّ ومسلم بن عبد الرحمن وسلم بن أحوز، فكلموهم فخرجوا، فتلقوا نصراً بالمواكب والجواري والهدايا، فقال سلم: جعلني الله فداك! هذا الحيّ من قيس؛ فإنما كانت عاتبة، فقال نصر: أنا ابن خندف تنميني قبائلها ... للصالحات وعمّي قيس عيلانا وأقام عند نصر حين خرج من مرو يونس بن عبد ربّه ومحمد بن قطن وخالد بن عبد الرحمن في نظرائهم. قال: وتقدّم عبّاد بن عمر الأزديّ وعبد الحكيم بن سعيد العوذيّ وأبو جعفر عيسى بن جرز على نصر من مكة بأبرشهر، فقال نصر لعبد الحكيم: أما ترى ما صنع سفهاء قومك؟ فقال عبد الحكيم: بل سفهاء قومك؛ طالت ولايتها في ولايتك، وصيّرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن حلماء وسفهاء فغلب السفهاء الحكماء. فقال عبّاد: أتستقبل الأمير بنهذا الكلام! قال: دعه فقد صدق، فقال أبو جعفر عيسى بن جرز - وهو من أهل قرية على نهر مرو: أيها الأمير، حسبك من هذه الأمور والولاية، فإنه قد أطلّ أمرٌ عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد، ويدعو إلى دولة تكون، فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون وتضطربون. فقال نصر: ما أشبه أن يكون لقلة الوفاء، واستجراح الناس، وسوء ذات البين. وجّهت إلى الحارث وهو بأرض الترك، فعرضت عليه الولاية والأموال فأبى وشغب، وظاهر عليّ. فقال أبو جعفر عيسى: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرمانيّ من ذلك ببعيد. فوصله نصر. قال: وكان سلم بن أحوز يقول: ما رأيت قوماً أكرم إجابةً، ولا أبذل لدمائهم من قيس. قال: فلما خرج نصر من مرو غلب عليها الكرمانىّ، وقال للحارث: إنما أريد كتاب الله، فقال قحطبة: لو كان صادقاً لأمددته ألف عنان، فقال مقاتل بن حيّان: أفي كتاب الله هدم الدور وانتهاب الأموال! فحبسه الكرمانيّ في خيمة في العسكر، فكلّمه معمّر بن مقاتل بن حيّان - أو معمر بن حيان - فخلاه، فأتى الكرمانيّ المسجد، ووقف الحارث، فخطب الكرمانيّ الناس، وآمنهم غير محمد بن الزبير ورجل آخر، فاستأمن لابن الزبير داود بن أبي داود بن يعقوب، ودخل الكاتب فآمنه؛ ومضى الحارث إلى باب دوران وسرخس، وعسكر الكرمانيّ في مصلّى أسد، وبعث إلى الحارث فأتاه، فأنكر الحارث هدم الدور وانتهاب الأموال، فهمّ الكرمانيّ به، ثم كفّ عنه، فأقام أياماً. وخرج بشر بن جرموز الضبيّ بخرقان، فدعا إلى الكتاب والسنّة، وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلب العدل، فأمّا إذْ كنت مع الكرمانيّ، فقد علمت أنك إنما تقاتل ليقال: غلب الحارث! وهؤلاء يقاتلون عصبيّة، فلست مقاتلاً معك. واعتزل في خمسة آلاف وخمسمائة - ويقال في أربعة آلاف - وقال: نحن الفئة العادلة، ندعو إلى الحقّ ولا نقاتل إلاّ من يقاتلنا. وأتى الحارث مسجد عياض، فأرسل إلى الكرمانيّ يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرمانيّ، وبعث الحارث ابنه محمداً فحمل ثقله من دار تميم بن نصر، فكتب نصر إلى عشيرته ومضر؛ أن الزموا الحارث مناصحةً فأتوه؛ فقال الحارث: إنكم أصل العرب وفرعها، وأنتم قريب عهد بالهزيمة، فاخرجوا إليّ بالأثقال، فقالوا: لم نكن نرضى بشيء دون لقائه. وكان من مدبّري عسكر الكرمانيّ مقاتل بن سليمان، فأتاه رجل من البخاريّين، فقال: أعطني أجر المنجنيق التي نصبتها، فقال: أقم البيّنة أنك نصبتها من منفعة المسلمين، فشهد له شيبة بن شيخ الأزديّ، فأمر مقاتل فصكّ له إلى بيت المال. قال: فكتب أصحاب الحارث إلى الكرمانيّ: نوصيكم بتقوى الله وطاعته وإيثار أئمة الهدى وتحريم ما حرّم الله من دمائكم؛ فإن الله جعل اجتماعنا كان إلى الحراث ابتغاء الوسيلة إلى الله، ونصيحةً في عباده، فعرّضنا أنفسنا للحرب ودماءنا للسفك وأموالنا للتلف، فصغر ذلك كله عندنا في جنب ما نرجو من ثواب الله؛ ونحن وأنتم إخوان في الدين وأنصار على العدوّ، فاتقوا الله وراجعوا الحقّ، فإنا لا نريد سفك الدماء بغير حلها. فأقاموا أياماً، فأتى الحارث بن سريج الحائط فثلم فيه ثلمة ناحية نوبان عند دار هشام بن أبي الهيثم، فتفرّق عن الحارث أهل البصائر وقالوا: غدرت. فأقام القاسم الشيبانيّ وربيع التيميّ في جماعة، ودخل الكرمانيّ من باب سرخس، فحاذى الحارث؛ ومرّ المنخّل بن عمرو الأزديّ فقتله السميدع؛ أحد بني العدويّة، ونادى: يا لثارات لقيط! واقتتلوا، وجعل الكرمانيّ على ميمنته داود بن شعيب وإخوته: خالداً ومزيداً والمهلب، وعلى ميسرته سورة بن محمد بن عزيز الكنديّ، في كندة وربيعة. فاشتدّ الأمر بينهم، فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكر الحارث، والحارث على بغل فنزل عنه، وركب فرساً فضربه، فجرى وانهزم أصحابه، فبقي في أصحابه، فقتل عند شجرة، وقتل أخوه سوادة وبشر بن جرموز وقطن بن المغيرة بن عجرد، وكفّ الكرمانيّ، وقتل مع الحارث مائة، وقتل من أصحاب الكرمانيّ مائة، وصلب الحارث عند مدينة مرو بغير رأس. وكان قتل بعد خروج نصر من مرو بثلاثين يوماً، قتل يوم الأحد لستّ بقين من رجب. وكان يقال: إن الحارث يقتل تحت زيتونة أو شجرة غبيراء. فقتل كذك سنة ثمان وعشرين ومائة. وأصاب الكرمانيّ صفائح ذهب للحارث فأخذها وحبس أمّ ولده ثم خلّى عنها، وكانت عند حاجب بن عمرو بن سلمة بن سكن بن جون بن دبيب. قال: وأخذ أموال من خرج مع نصر، واصطفى متاع عاصم بن عمير، فقال إبراهيم: بم تستحل ماله؟ فقال صالح من آل الوضاح: اسقني دمه، فحال بينه وبينه مقاتل بن سليمان، فأتى به منزله. قال عليّ:، قال زهير بن الهنيد: خرج الكرمانيّ إلى بشر بن جرموز، وعسكر خارجاً من المدينة؛ مدينة مرو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أياماً بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث: تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال: لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بشر في قرية الدرزيجان، فأقام معهم وقال: ما كنت لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضريّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكرمانيّ مضريّ غير سلمة بن أبي عبد الله، مولى بني سليم؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبداً فإني لم أره إلا غادراً والمهلّب بن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلا في خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانيّ مراراً يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء، فالتقوا يوماً من أيامهم، وقد شرب مرثد بن عبد الله المجاشعيّ، فخرج سكران على برذون للحارث، فطعن فصرع، وحماه فوارس من بني تميم؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، وقال: كدت تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برذونك، امرأتي طالق إن لم آتك ببرذون أفره من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ قالوا: برذون عبد الله ابن ديسم العنزيّ - وأشاروا إلى موقفه - حتى وصل إليه، فلما غشيه رمى ابن ديسم نفسه عن برذونه، وعلّق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان برذونك، فلقي مخلد بن الحسن مرثداً، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتك! فنزل عنه، وقال: خذه، قال: أردت أن تفضحني! أخذته منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك أياماً، ثم ارتحل الحارث ليلاً، فأتى حائط مرو فنقب باباً، ودخل الحائط، فدخل الكرماني، وارتحل، فقالت المضريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مرّة، فترجّل. فقال: أنا لكم فارساً خير مني لكم راجلاً، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل وهو بين حائط مرو والمدينة، فقتل اعلحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصلب الحارث وصفت مرو لليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل: يا مدخل الذلّ على قومه ... بعداً وسحقاً لك من هالك! شؤمك أردى مضراً كلّها ... وغض من قومك بالحارك ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك ولا بني سعد إذا ألجموا ... كل طمر لونه حالك ويقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازّنيّ. وقالت أم كثير الضبيّة: لا بارك الله في أنثى وعذّبها ... تزوجت مضرباً آخر الدهر أبلغ رجال تميم قول موجعة ... أحللتموها بدار الذلّ والفقر إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ... حتى تعيدوا رجال الأزد في الظهر إني استحيت لكم من بذل طاعتكم ... هذا المزونيّ يجبيكم على قهر وقال عبّاد بن الحارث: ألا يا نصر قد برح الخفاء ... وقد طال التمنّي والرجاء وأصبحت المزون بأرض مرو ... تقضّى في الحكومة ما تشاء يجوز قضاؤها في كل حكم ... على مضر وإن جار القضاء وحمير في مجالسها قعود ... ترقرق في رقابهم الدماء فإن مضر بذا رضيت وذلت ... فطال لها المذلّة والشقاء وإن هي أعتبت فيها وإلا ... فحل على عساكرها العفاء وقال: ألا يا أيها المرء ال ... ذي قد شفّه الطرب أفق ودع الذي قد كن ... ت تطلبه ونطّلب فقد حدثت بحضرتنا ... أمور شأنها عجب الأزد رأيتها عزّت ... بمرو وذلت العرب فجاز الصفر لمّا كا ... ن ذاك وبهرج الذهب وقال أبو بكر بن إبراهيم لعليّ وعثمان ابني الكرمانيّ: إني لمرتحل أريد بمدحتي ... أخوين فوق ذرى الأنام ذراهما سبقا الجياد فلم يزالا نجعةً ... لا يعدم الضيف الغريب قراهما يستعليان ويجريان إلى العلا ... ويعيش في كنفيهما حيّاهما أعنى عليّاً إنّه ووزيره ... عثمان ليس يذلّ من والاهما جرياً لكيما يلحقا بأبيهما ... جري الجياد من البعيد مداهما فلئن هما لحقا به لمنصب ... يستعليان ويلحقان أباهما ولئن أبرّ عليهما فلطالما ... جريا فبذّهما وبذّ سواهما فلأمدحنّهما بما قد عاينت ... عني وإن لم أحص كلّ نداهما فهما التّقيّان المشار إليهما ... الحاملان الكاملان كلاهما وهما أزالا عن عريكة ملكه ... نصراً ولا في الذلّ إذ عاداهما نفيا ابن أقطع بعد قتل حماته ... وتقسّمت أسلابه خيلاهما والحارث بن سريج إذا قصدوا له ... حتى تعاور رأسه سيفاهما أخذا بعفو أبيهما في قدره ... إذ عزّ قومهما ومن والاهما وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن محمد أبا مسلم إلى خراسان، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا منه واقبلوا قوله؛ فإني قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك؛ فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: إني قد عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه عليّ، وذلك أنه كان عرض ذلك قبل أن يوجّه أبا مسلم على سليمان بن كثير، فقال: لا ألي اثنين أبداً، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة، ثم قال: يا عبد الرحمن، إنك رجل منّا أهل البيت؛ فاحتفظ وصيّتي، وانظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمهم، وحلّ بين أظهرهم؛ فإن الله لا يسمّ هذا الأمر إلا بهم؛ وانظر هذا الحيّ من ربيعة فاتّهمهم في أمرهم، وانظر هذا الحيّ من مضر؛ فإنهم العدوّ القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومن وقع في نفسك منه شيء؛ وإن استطعت ألاّ تدع بخراسان لساناً عربياً فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله، ولا تخالف هبذا الشيخ - يعني سليمان بن كثير - ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني. ذكر الخبر عن مقتل الضحاك الخارجيّ وفي هذه السنة قتل الضحاك بن قيس الخارجيّ، فيما قال أبو مخنف، ذكر ذلك هشام بن محمد عنه. ذكر الخبر عن مقتله وسبب ذلك ذكر أنّ الضحاك لما حاصر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، وبايعه منصور بن جمهور، ورأى عبد الله بن عمر أنه لا طاقة له به، أرسل إليه؛ إن مقامكم عليّ ليس بشيء؛ هذا مروان فسر إليه؛ فإن قاتلته فأنا معك، فصالحه على ما قد ذكرت من اختلاف المختلفين فيه. فذكر هشام، عن أبي مخنف؛ أن الضحاك ارتحل عن ابن عمر حتى لقيَ مروان بكفرتوثا من أرض الجزيرة، فقتل الضحاك يوم التقوا. وأما أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، فقال فيما حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم عنه أن الضّحاك لما قتل عطية الثعلبيّ صاحبَه وعامله على الكوفة ملحان بقنطرة السيلحين، وبلغه خبر قتل ملحان وهو محاصر عبد الله بن عمر بواسط، وجّه مكانه من أصحابه رجلاً يقال له مطاعن؛ واصطلح عبد الله بن عمر والضحاك عن أن يدخل في طاعته؛ فدخل وصلى خلفه، وانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر فيمن معه بواسط، ودخل الضّحاك الكوفة، وكاتبه أهل الموصل ودعوه إلى أن يقدم عليهم فيمكّنوه منها؛ فسار في جماعة جنوده بعد عشرين شهراً، حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ عامل لمروان؛ وهو رجل من بني شيبان من أهل الجزيرة يقال له القطران بن أكمه، ففتح أهل الموصل المدينة للضحاك وقاتلهم القطران في عدّة يسيرة من قومه وأهل بيته حتى قتلوا، واستولى الضّحاك على الموصل وكورها. وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص، مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير فيمن معه من روابطه إلى مدينة نصيبين ليشغل الضحاك عن توسط الجزيرة، فشخص عبد الله إلى نصيبين في جماعة روابطه؛ وهو في نحو من سبعة آلاف أو ثمانية، وخلّف بحرّان قائداً في ألف أو نحو ذلك؛ وسار الضحاك من الموصل إلى عبد الله بنصيبين، فقاتله فلم يكن له قوّة لكثرة من مع الضحاك؛ فهم فيما بلغنا عشرون ومائة ألف، يرزق الفارس عشرين ومائة والراجل والبغال المائة والثمانين في كلّ شهر؛ وأقام الضحاك على نصيبين محاصراً لها، ووجّه قائدين من قوّاده يقال لهما عبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبدر الذّكوانيّ مولى سليمان بن هشام، في أربعة آلاف أو خمسة آلاف حتى وردا الرّقة، فقاتلهم من بها من خيل مروان؛ وهم نحو من خمسمائة فارس، ووجّه مروان حين بلغه نزولهم الرّقة خيلاً من روابطه؛ فلما دنوا منها انقشع أصحاب الضّحاك منصرفين إليه، فاتبعتهم خيله، فاستسقطوا من ساقتهم نيّفاً وثلاثين رجلاً، فقطعهم مروان حين قدم الرّقة، ومضى صامداً إلى الضّحاك وجموعه حتى التقيا بموضع يقال له الغزّ من أرض كفرتوثا، فقاتله يومه ذلك؛ فلما كان عند المساء ترجّل الضحاك وترجّل معه من ذوي الثبات من أصحابه نحو من ستة آلاف وأهل عسكره أكثرهم لا يعلمون بما كان منه، وأحدقت بهم خيول مروان فألحّوا عليهم حتى قتلوهم عند العتمة، وانصرف من بقي من أصحاب الضحاك إلى عسكرهم؛ ولم يعلم مروان ولا أصحاب الضحاك أن الضّحاك قد قتل فيمن قتل حتى فقدوه في وسط الليل. وجاءهم بعض من عاينه حين ترجّل، فأخبرهم بخبره ومقتله، فبكوه وناحوا عليه، وخرج عبد الملك بن بشر التغلبيّ القائد الذي كان وجّهه في عسكرهم إلى الرّقة حتى دخل عسكر مروان، ودخل عليه فأعلمه أنّ الضحاك قتل، فأرسل معه رسلاً من حرسه، معهم النيران والشمع إلى موضع المعركة، فقلّبا القتلى حتى استخرجوه، فاحتملوه حتى أتوا به مروان، وفي وجهه أكثر من عشرين ضربة، فكبّر أهل عسكر مروان، فعرف أهل عسكر الضّحاك أنهم قد علموا بذلك، وبعث مروان برأسه من ليلته إلى مدائن الجزيرة، فطيف به فيها. وقيل: إن الخيبريّ والضحاك إنما قتلا في سنة تسع وعشرين ومائة. ذكر الخبر عن مقتل الخيبريّ وولاية شيبان وفي هذه السنة كان أيضاً - في قول أبي مخنف - قتل الخيبريّ الخارجيّ، كذلك ذكر هشام عنه. ذكر الخبر عن مقتله حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: لما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره بايعوا الخيبريّ، وأقاموا يومئذ وغادوه من بعد الغد، وصافّوه وصافّهم، وسليمان بن هشام يومئذ في مواليه وأهل بيته مع الخيبريّ؛ وقد كان قدم على الضحاك وهو بنصيبين؛ وهم في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوّج فيهم أخت شيبان الحروريّ الذي بايعوه بعد قتل الخيبريّ، فحمل الخيبريّ على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشّراة، فهزم مروان وهو في القلب، وخرج مروان من المعسكر هارباً، ودخل الخيبريّ فيمن معه عسكره، فجعلوا ينادون بشعارهم: يا خيبريّ يا خيبريّ، ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى حجرة مروان، فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبريّ على فرشه. وميمنة مروان عليها ابنه عبد الله ثابتة على حالهاا، وميسرته ثابتة عليها إسحاق بن مسلم العقيليّ، فلما رأى أهل عسكر مروان قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيد من أهل العسكر بعمد الخيام، فقتلوا الخيبريّ وأصحابه جميعاً في حجرة مروان وحولها، وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزماً، فانصرف إلى عسكره وردّ خيوله عن مواضعها ومواقفها، وبات ليلته تلك في عسكره. فانصرف أهل عسكر الخيبريّ فولّوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ. وكان مروان يوم الخيبريّ بعث محمد بن سعيد، وكان من ثقاته وكتابه إلى الخيبريّ، فبلغه أنه ما لأهم وانحاز إليهم يومئذ، فأتيَ به مروان أسيراً فقطع يده ورجله ولسانه. وفي هذه السنة وجّه مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لحرب من بها من الخوارج. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز؛ كذلك قال أبو معشر - فيما حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه. وكذلك قال الواقديّ وغيره. وقال الواقديّ: وافتتح مروان حمص وهدم سورها، وآخذ نعيم بن ثابت الجزاميّ فقتله في شوال سنة ثمان، وقد ذكرنا من خالفه في ذلك قبل. وكان العامل على المدينة ومكة والطائف - فيما ذكر - في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وبالعراق عمّال الضحاك وعبد الله بن عمر، وعلى قضاء البصرة ثُمامة بن عبد الله، وبخراسان نصر بن سيّار وخراسان مفتونة. خبر أبي حمزة الخارجيّ مع عبد الله بن يحيى وفي هذه السنة لقي أبو حمزة الخارجيّ عبد الله بن يحيى طالب الحق فدعاه إلى مذهبه. ذكر الخبر عن ذلك: حدّثني العباس بن عيسى العقيليّ، قال: حدّثنا هارون بن موسى الفرويّ، قال: حدّثني موسى بن كثير مولى الساعديّين، قال: كان أوّل أمر أبي حمزة - وهو المختار بن عوف الأزديّ السبّليميّ من البصرة - قال موسى: كان أول أمر أبي حمزة أنه كان يوافي كلّ سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد وإلى خلاف آل مروان. قال: فلم يزل يختلف في كلّ سنة حتى وافى عبد الله بن يحيى في آخر سنة ثمان وعشرين ومائة، فقال له: يا رجل، أسمع كلاماً حسناً، وأراك تدعو إلى حقّ، فانطلق معي، فإني رجل مطاع في قومي، فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان. وقد حدّثني محمد بن حسن أن أبا حمزة مرّ بمعدن بني سليم وكثير بن عبد الله عامل على المعدن، فسمع بعض كلامه، فأمر به فجلد سبعين سوطاً، ثم مضى إلى مكّة، فلما قدم أبو حمزة المدينة حين افتتحها تغيّب كثير حتى كان من أمرهم ما كان. ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر هلاك شيبان بن عبد العزيز الحروريّ فمن ذلك ما كان من هلاك شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ ابي الدّلفاء. ذكر الخبر عن سبب مهلكه: وكان سبب ذلك أنّ الخوارج الذين كانوا بإزاء مروان بن محمد يحاربونه لمّا قتل الضحاك بن قيس الشيبانيّ رئيس الخوارج والخيبريّ بعده، ولّوا عليهم شيبان وبايعوه؛ فقاتلهم مروان، فذكر هشام بن محمد والهيثم بن عديّ أنّ الخيبريّ لما قتل قال سليمان بن هشام بن عبد الملك للخوارج - وكان معهم في عسكرهم: إنّ الذي تفعلون ليس برأي؛ فإن أخذتم برأيي، وإلا انصرفت عنكم. قالوا: فما الرأي؟ قال: إنّ أحدكم يظفر ثم يستقتل فيقتل، فإني أرى أن ننصرف على حاميتنا حتى ننزل الموصل، فنخندق. ففعل وأتبعه مروان والخوارج في شرقيّ دجلة ومروان بإزائهم؛ فاقتتلوا تسعة أشهر، ويزيد بن عمر بن هبيرة بقرقيسيا في جند كثيف من أهل الشأم وأهل الجزيرة، فأمره مروان أن يسير إلى الكوفة، وعليها يومئذ المثنّى بن عمران؛ من عائذة قريش من الخوارج. وحدثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلّد بن محمد، قال: كان مروان بن محمد يقاتل الخوارج بالصّف، فلما قتل الخيبريّ وبويع شيبان، قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس، وأبطل الصفّ منذ يومئذ، وجعل الآخرون يكردسون بكراديس مروان كراديس تكافئهم وتقاتلهم، وتفرّق كثير من أصحاب الطمع عنهم وخذلوهم، وحصلوا في نحو من أربعين ألفاً، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى مدينة الموصل، فيصيّروها ظهراً وملجأً وميرةً لهم، فقبلوا رأيه، وارتحلوا ليلاً، وأصبح مروان فأتبعهم؛ ليس يرحلون عن منزل إلا نزله؛ حتى انتهوا إلى مدينة الموصل، فعسكروا على شاطىء دجلة من عسكرهم إلى المدينة؛ فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، فأقام ستة أشهر يقاتلهم بكرة وعشيّةً. قال: وأتيَ مروان بابن أخ لسليمان بن هشام، يقال له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان بن هشام في عسكر شيبان بالموصل؛ فهو مبارز رجلاً من فرسان مروان، فأسره الرجل فأتيَ به أسيراً، فقال له: أنشدك الله والرحِم يا عمّ! فقال: ما بيني وبينك اليوم من رحم، فأمر به - وعمه سليمان وإخوته ينظرون - فقطعت يداه وضربت عنقه. قال: وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى عبيدة بن سوّار خليفة الضّحاك بالعراق، فلقي خيوله بعين التّمر، فقاتلهم فهزمهم؛ وعليهم يومئذ المثنّى بن عمران من عائذة قريش والحسن بن يزيد؛ ثم تجمّعوا له بالكوفة بالنّخيلة، فهزمهم، ثم اجتمعوا بالصّراة ومعهم عبيدة؛ فقاتلهم فقتل عبيدة، وهزم أصحابه، واستباح ابن هبيرة عسكرهم، فلم يكن لهم بقيّة بالعراق، واستولى ابن هبيرة عليها، وكتب إليه مروان بن محمد من الخنادق يأمره أن يمدّه بعامر بن ضبارة المرّيّ، فوجّهه في نحو من ستة آلاف أو ثمانية؛ وبلغ شيبان خبرهم ومن معه من الحرورية، فوجّهوا غليه قائدين في أربعة آلاف، يقال لهما ابن غوث والجون، فلقوا ابن ضبارة بالسنّ دون الموصل، فقاتلوه قتالاَ شديداً، فهزمهم ابن ضبارة، فلما قدم فلهم أشار عليهم سليمان بالارتحال عن الموصل، وأعلمهم أنه لا مقام لهم إذ جاءهم ابن ضبارة من خلفهم، وركبهم مروان من بين أيديهم؛ فارتحلوا فأخذوا على حلوان إلى الأهواز وفارس، ووجّه مروان إلى ابن ضبارة ثلاثة نفر من قوّاده في ثلاثين ألفاً من روابطه؛ أحدهم مصعب بن الصّحصح الأسديّ وشقيق وعطيف السليماني، وشقيق الذي يقول فيه الخوارج: قد علمت أختاك يا شقيق ... أنك من سكرك ما تفيق وكتب إليه يأمره أن يتبعهم، ولا يقلع عنهم حتى يبيرهم ويستأصلهم، فلم يزل يتبعهم حتى وردوا فارس، وخرجوا منها وهو في ذلك يستسقط من لحق من أخرياتهم، فتفرّقوا، وأخذ شيبان في فرقته إلى ناحية البحرين، فقتل بها، وركب سليمان فيمن معه من مواليه وأهل بيته السفن إلى السند، وانصرف مروان إلى منزله من حرّان، فأقام بها حتى شخص إلى الزّاب. وأمّا أبو مخنف فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه - قال: أمر مروان يزيد بن عمر بن هبيرة - وكان في جنود كثيرة من الشأم وأهل الجزيرة بقرقيسيا - أن يسير إلى الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ رجل من الخوارج يقال له المثنّى بن عمران العائذيّ؛ عائذة قريش، فسار إليه ابن هبيرة على الفرات حتى انتهى إلى عين التّمر، ثم سار فلقي المثنى بالروحاء، فوافى الكوفى في شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، فهزم الخوارج، ودخل ابن هبيرة الكوفة ثم سار إلى الصّراة، وبعث شيبان عبيدة بن سوّار في خيل كثيرة، فعسكر في شرقيّ الصّراة، وابن هبيرة في غربيّها، فالتقوا، فقتل عبيدة وعدّة من أصحابه؛ وكان منصور بن جمهور معهم في دور الصراة، فمضى حتى غلب على الماهين وعلى الجبل أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط؛ فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجّه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كور الأهواز، وبعث إليه سليمان داود بن حاتم، فالتقوا بالمريان على شاطىء دجيل، فانهزم الناس، وقتل داود بن حاتم. وفي ذلك يقول خلف بن خليفة: نفسي لداود الفدا والحمى ... إذ أسلم الجيش أبا حاتم مهلّبيّ مشرق وجهه ... ليس على المعروف بالنادم سألت من يعلم لي علمه ... حقاً وما الجاهل كالعالم قالوا عهدناه على مرقب ... يحمل كالضرغامة الصارم ثم انثنى منجدلاً في دم ... يسفح فوق البدن الناعم وأقبل القبط على رأسه ... واختصموا في السيف والخاتم وسار سليمان حتى لحق بابن معاوية الجعفريّ بفارس. وأقام ابن هبيرة شهراً. ثم وجّه عامر بن ضبارة في أهل الشأم إلى الموصل؛ فسار حتى انتهى إلى السنّ فلقيه بها الجون بن كلاب الخارجيّ، فهزم عامر بن ضبارة حتى أدخله السنّ فتحصّن فيها، وجعل مروان يمدّه بالجنود يأخذون طريق البرّ؛ حتى انتهوا إلى دجلة، فقطعوها إلى ابن ضبارة حتى كثروا. وكان منصور بن جمهور يمدّ شيبان بالأموال من كور الجبل؛ فلما كثر من يتبع ابن ضبارة من الجنود؛ نهض إلى الجون بن كلاب فقتل الجون، ومضى ابن ضبارة مصعداً إلى الموصل.؛ فلما انتهى خبر الجون وقتله إلى شيبان ومسير عامر بن ضبارة نحوه، كره أن يقيم بين العسكرين؛ فارتحل بمن معه وفرسان الشأم من اليمانية. وقدم عامر بن ضبارة بمن معه على مروان بالموصل، فضمّ إليه جنوداً من جنوده كثيرة، وأمره أن يسير إلى شيبان؛ فإن أقام أقام؛ وإن سار سار؛ وألاّ يبدأه بقتال؛ فإن قاتله شيبان قاتله؛ وإن امسك أمسك عنه، وإن ارتحل اتّبعه؛ فكان على ذلك حتى مرّ على الجبل، وخرج على بيضاء إصطخر، وبها عبد الله بن معاوية أياماً، ثم ناهضه القتال، فانهزم ابن معاوية، فلحق بهراة وسار ابن ضبارة بمن معه، فلقي شيبان بجيرفت من كرمان، فاقتتلوا قتالاً شديداً وانهزمت الخوارج، واستبيح عسكرهم؛ ومضى شيبان إلى سجستان، فهلك هبا؛ وذلك في سنة ثلاثين ومائة. وأما أبو عبيدة فإنه قال: لما قتل الخيبريّ قام بأمر الخوارج شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فحارب مروان، وطالت الحرب بينهما؛ وابن هبيرة بواسط قد قتل عبيدة بن سوار ونفى الخوارج ومعه رءوس قوّاد أهل الشأم وأهل الجزيرة. فوجّه عامر بن ضبارة في أربعة آلاف مدداً لمروان، فأخذ على باب المدائن، وبلغ مسيره شيبان، فخاف أن يأتيهم مروان، فوجّه إليه الجون بن كلاب الشيبانيّ ليشغله، فالتقيا بالسنّ، فحصر الجون عامراً أياماً. قال أبو عبيدة: قال أبو سعيد: فأحرجناهم والله، واضطررناهم إلى قتالنا؛ وقد كانوا خافونا وأرادوا الهرب منا؛ فلم ندع لهم مسلكاً. فقال لهم عامر: أنتم ميّتون لا محالة؛ فموتوا كراماً، فصدمونا صدمة لم يقم لها شيء، وقتلوا رئيسنا الجون بن كلاب، وانكشفنا حتى لحقنا بشيبان، وابن ضبارة في آثارنا؛ حتى نزل منّا قريباً؛ وكنا نقاتل من وجهين؛ نزل ابن ضبارة من ورائنا ممّا يلي العراق، ومروان أمامنا مما يلي الشأم؛ فقطع عنا المادّة والميرة، فغلت أسعارنا؛ حتى بلغ الرغيف درهماً؛ ثم ذهب الرغيف فلا شيء يشترى بغالٍ ولا رخيص. فقال حبيب بن خدرة لشيبان: يا أمير المؤمنين؛ إنك في ضيق من المعاش؛ فلو انتقلت إلى غير هذا الموضع! ففعل ومضى شهرزور من أرض الموصل، فعاب ذلك عليه أصحابه؛ فاختلفت كلمتهم. وقال بعضهم: لما ولي شيبان أمر الخوارج رجع بأصحابه إلى الموصل فاتّبعه مروان ينزل معه حيث نزل فقاتله شهراً ثم انهزم شيبان حتى لحق بأرض فارس، فوجه مروان في أثره عامر بن ضبارة فقطع إلى جزيرة ابن كاوان، ومضى شيبان بمن معه حتى صار إلى عمان، فقتله جلندي بن مسعود ابن جيفر بن جلندي الأزديّ. ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان وفي هذه السنة أمر إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس أبا مسلم، وقد شخص من خراسان يريده حتى بلغ قومس، بالانصراف إلى شيعته بخراسان، وأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد. ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان الأمر فيهقال عليّ بن محمد عن شيوخه: لم يزل أبو مسلم يختلف إلى خُراسان، حتى وقعت العصبيّة بها؛ فلما اضطرب الحبل، كتب سليمان بن كثير إلى أبي سلمة الخلاّل يسأله أن يكتب إلى إبراهيم، يسأله أن يوجّه رجلاً من أهل بيته. فكتب أبو سلمة إلى إبراهيم، فبعث أبا مسلم. فلما كان في سنة تسع وعشرين ومائة، كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يأمره بالقدوم عليه ليسأله عن أخبار الناس، فخرج في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين نفساً من النقباء، فلما صار بالدّندانقان من أرض خراسان عرض له كامل - أو أبو كامل - قال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، ثم خلا به أبو مسلم، فدعاه فأجابهم، وكفّ عنهم، ومضى أبو مسلم إلى بيورد، فأقام بها أياماً، ثم سار إلى نسا؛ وكان بها عاصم بن قيس السلميّ عاملاً لنصر بن سيار الليثيّ؛ فلما قرب منها أرسل الفضل بن سليمان الطوسيّ إلى أسيد بن عبد الله الخزاعيّ ليعلمه قدومه، فمضى الفضل فدخل قريةً من قرى نسا، فلقي رجلاً من الشيعة يعرفه، فسأله عن أسيد، فانتهره، فقال: يا عبد الله، ما أنكرت من مسأتلي عن منزل رجل؟ قال: إنه كان في هذه القرية شرّ، سعيَ برجلين قدما إلى العامل، وقيل إنهما داعيان، فأخذهما، وأخذ الأحجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد والمهاجر بن عثمان؛ فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكّب الطريق، وأخذ في أسفل القرى، وأرسل طرخان الجمّال إلى أسيد، فقال: ادعه لي ومن قدرت عليه من الشيعة، وإياك أن تكلم أحداً لم تعرفه، فأتى طرخان أسيداً فدعاه، وأعلمه بمكان أبي مسلم، فأتاه فسأله عن الأخبار، قال: نعم، قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب من الإمام إليك، فخلّفا الكتب عندي وخرجا، فأخذا فلا أدري من سعى بهما! فبعث بهما العامل إلى عاصم بن قيس، فضرب المهاجرين عثمان وناساً من الشيعة. قال: فأين الكتب؟ قال: عندي، قال: فأتني بها فأتاه بالكتب فقرأها. قال: ثم سار حتى أتى قومس، وعليها بيهس بن بديل العجليّ، فأتاهم بيهس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: الحجّ، قال: أفمعكم فضل برذون تبيعونه؟ قال أبو مسلم: أما بيعاً فلا؛ ولكن خذ أيّ دوابّنا ششئت؛ قال: اعرضوها عليّ، فعرضوها، فأعجبه برذون منها سمند، فقال أبو مسلم: هو لك، قال: لا أقبله إلاّ بثمن، قال: احتكم، قال: سبعمائة، قال: هو لك. وأتاه وهو بقومس كتاب من الإمام إليه وكتاب إلى سليمان بن كثير؛ وكان في كتاب أبي مسلم: إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألفاك كتابي، ووجّه إليّ قحطبة بما معك يوافني به في الموسم. فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجّه قحطبة إلى الإمام، فلما كانوا بنسا عرض لهم صاحب مسلحه في قرية من قرى نسا، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أردنا الحجّ، فبلغنا عن الطريق شيء خفناه، فأوصلهم إلى عاصم بن قيس السلميّ، فسألهم فأخبروه، فقال: ارتحلوا وأمر المفضل بن الشرقيّ السلميّ - وكان على شُرطته - أن يزعجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم، فأجابه، وقال: ارتحلوا على مهل، ولا تعجلوا. وأقام عندهم حتى ارتحلوا. فقدم أبو مسلم مرو في أول يوم من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، وكان فيه أن أظهر دعوتك ولا تربّص، فقد آن ذلك. فنصبوا أبا مسلم، وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم. ونزل أبو مسلم قريةً من قرى خزاعة يقال لها سفيذنج، وشيبان والكرمانيّ يقاتلان نصر بن سيار، فبثّ أبو مسلم دعاته في الناس، وظهر أمره، وقال الناس: قدم رجل من بني هاشم، فأتوه من كلّ وجه، فظهر يوم الفطر في قرية خالد بن إبراهيم. فصلى بالناس يوم الفطر القاسم بن مجاشع المرائيّ، ثم ارتحل فنزل بالين - ويقال قرية اللين - لخزاعة، فوافاه في يوم واحد أهل ستين قرية، فأقام اثنين وأربعين يوماً؛ فكان أوّل فتح أبي مسلم من قبل موسى بن كعب في بيودر، وتشاغل بقتل عاصم بن قيس، ثم جاء فتح من قبل مروروذ. قال أبو جعفر: وأما أبو الخطاب فإنه قال: كان مقدم أبي مسلم أرض مرو منصرفاً من قومس، وقد أنفذ من قومس قحطبة بن شبيب بالأموال التي كانت معه والعروض إلى الإمام إبراهيم بن محمد، وانصرف إلى مرو، فقدمها في شعبان سنة تسع وعشرين ومائة لتسع خلون منه يوم الثلاثاء، فنزل قرية تدعى فنين على أبي الحكم عيسى بن أعين النّقيب، وهي قرية أبي داود النقيب، فوجّه منها أبا داود ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان من عامهم، ووجّه النّضر بن صبيح التميميّ ومعه شريك بن غضيّ التميميّ إلى مرو الرّوذ بإظهار الدّعوة في شهر رمضان، ووجّه أبا عاصم عبد الرحمن بن سليم إلى الطالقان، ووجه أبا الجهم بن عطيّة إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدّعوة في شهر رمضان لخمس بقين من الشهر، فإن أعجلهم عدوّهم دون الوقت، فعرض لهم بالأذى والمكروه فقد حلّ لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، وأن يظهروا السيوف ويجرّدوها من أغمادها، ويجاهدوا أعداء الله ومن شغلهم عدوّهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت. ثم تحوّل أبو مسلم عن منزل أبي الحكم عيسى بن أعين، فنزل على سليمان ابن كثير الخزاعيّ في قريته التي تدعى سفيذنج من ربع خرقان لليلتين خلتا من شهر رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، فلما كانت ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة اعتقدوا اللواء الذي بعث به الإمام إليه الذي يُدعى الظلّ، على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد الرّاية التي بعث بها الإمام التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً، وهو يتلو: " أُذنَ للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير " ، ولبس السوّاد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، منهم غيلان بن عبد الله الخزاعيّ - وكان صهر سليمان على أخته أم عمرو بنت كثير - ومنهم حميد بن رزين وأخوه عثمان بن رزين، فأقوقدوا النيران ليلتهم أجمع للشيعة من سكان ربع خرقان - وكانت العلامة بين الشيعة - فتجمعوا له حين أصبحوا مغذّين، وتأويل هذين الاسمين: الظلّ والسحاب، أن السحاب يطبّق الأرض؛ وكذلك دعوة بني العباس، وتأويل الظلّ أن الأرض لا تخلو من الظلّ أبداً، وكذلك لا تخلو من خليفة عباسيّ أبد الدهر. وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مرو بمن أجاب الدعوة؛ وكان أوّل من قدم عليه أهل السقادم مع أبي الوضاح الهرمزفرّيّ عيسى بن شبيل في تسعمائة رجل وأربعة فرسان، وم أهل هرمزفرة سليمان بن حشان وأخوه يزدان بن حسان والهيثم بن يزيد بن كيسان؛ وبويع مولى نصر بن معاوية وأبو خالد الحسن وجردى ومحمد بن علوان، وقدم أهل السقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوبانيّ في ألف وثلثمائة راجل وستة عشر فارساً. ومنهم من الدّعاة أبو العباس المرّوزيّ وخذام بن عمّار وحمزة بن زنيم، فجعل أهل السقادم يكبّرون من ناحيتهم وأهل السقادم مع محرز بن إبراهيم يجيبونهم بالتكبير؛ فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج؛ وذلك يوم السبت من بعد ظهور أبي مسلم بيومين. وأمر أبو مسلم أن يرمّ حصن سفيذنج ويحصّن ويدرّب؛ فلما حضر العيد يوم الفطر بسفيذنج أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبراً في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة - وكانت بنو أميّة تبدأ بالخطبة والأذان، ثم الصلاة بالإقامة على صلاة يوم الجمعة، فيخطبون على المنابر جلوساً في الجمعة والأعياد - وأمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يكبّر الركعة الأولى ست تكبيرات تباعاً، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعاً. ثم يقرأ ويركع بالسادسة. ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكانت بنو أمية تكبر في الرّكعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد، وفي الثانية ثلاث تكبيرات. فلما ضقى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه لهم أبو مسلم الخراسانيّ، فطعموا مستبشرين. وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب إلى نصر بن سيار يكتب: للأمير نصر؛ فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه في خندقه من الشيعة بدأ بنفسه، فكتب إلى نصر: أما بعد، فإن الله تبارك أسماؤه وتعالى ذكره عيّر أقواماً في القرآن فقال: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلاّ نفوراً. استكباراً في الأرض ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله فهل ينظرون إل سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنه الله تحويلاً. فتعاظم نصرٌ الكتاب وأنه بدأ بنفسه، وكسر له إحدى عينيه وأطال الفكرة وقال: هذا كتاب له جواب. فلما استقرّ بأبي مسلم معسكره بالماخوان أمر محرز ابن إبراهيم أن يخندق خندقاً بجيرنج، ويجتمع إليه أصحابه ومن نزع إليه من الشيعة، فيقطع مادّة نصر بن سيار من مرور وذوبلخ وكورطخارستان. ففعل ذلك محرز بن إبراهيم، واجتمع له في خندق نحو من ألف رجل، فأمر أبو مسلم أبا صالح كامل بن مظفر أن يوجه رجلاً إلى خندق محرز بن إبراهيم لعرض من فيه وإحصائهم في دفتر بأسمائهم وأسماء آبائهم وقراهم، فوجّه أبو صالح حميداً الأزرق لذلك، وكان كاتباً، فأحصى في خندق محرز ثمانمائة رجل وأربعة رجال من أهل الكفّ؛ وكان فيهم من القوّاد المعروفين زياد بن سيّار الأزديّ من قرية تدعى أسبوادق من ربع خرقان، وخذام بن عمار الكنديّ من ربع السقادم ومن قرية تدعى بالأوايق، وحنيفة بن قيس من ربع السقادم، ومن قرية تدعى الشنج، وعبدويه الجردامذ بن عبد الكريم من أهل هراة، وكان يجلب الغنم إلى مرو، وحمزة بن زنيم الباهليّ من ربع خرقان من قرية تدعى ميلاذجرد، وأبو هاشم خليفة بن مهران من ربع السقادم من قرية تدعى جوبان وأبو خديجة جيلان بن السغديّ وأبو نعيم موسى بن صبيح. فلم يزل محرز بن إبراهيم مقيماً في خندقه حتى دخل أبو مسلم حائط مرو، وعطل الخندق بماخوان وإلى أن عسكر بمارسرجس يريد نيسابور؛ فضمّ إليه محرز بن إبراهيم أصحابه؛ وكان من الأحداث، وأبو مسلم بسفيذنج، وكان نصر بن سيار وجّه مولى له يقال له يزيد في خيل عظيمة لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهراً من ظهوره، فوجّه إليه أبو مسلم مالك ابن الهيثم الخزاعيّ ومعه مصعب بن قيس، فالتقوا بقرية تدعى آلين، فدعاهم مالك إلى الرّضا من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستكبروا عن ذلك، فصافّهم مالك وهو في نحو من مائتين من أوّل النهار إلى وقت العصر. وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضّبيّ وإبراهيم بن يزيد وزياد بن عيسى فوجّههم إلى مالك بن الهيثم، فقدموا عليه مع العصر، فقوى بهم أبو نصر، فقال يزيد مولى نصر بن سيار لأصحابه: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم الأمداد، فاحملوا على القوم؛ ففعلوا، وترجّل أبو نصر وحضّ أصحابه، وقال: إني لأرجو أن يقطع الله من الكافرين طرفاً، فاجتلدوا جلاداً صادقاً، وصبر الفريقان، فقتل من شيعة بني مروان أربعة وثلاثون رجلاً، وأسر منهم ثمانية نفر، وحمل عبد الله الطائيّ على يزيد مولى نصر عميد القوم فأسره، وانهزم أصحابه، فوجّه أبو نصر عبد الله الطائيّ بأسيره في رجال من الشيعة، ومعهم الأسرى والرءوس، وأقام أبو نصر في معسكره بسفيذنج، وفي الوفد أبو حماد المروزيّ وأبو عمرو الأعجميّ، فأمر أبو مسلم بالرءوس فنصبت على باب الحائط الذي في معسكره، ودفع يزيد الأسلميّ إلى أبي إسحاق خالد بن عثمان، وأمره أن يعالج يزيد مولى نصر من جراحات كانت به، ويحسن تعاهده، وكتب إلى أبي نصر بالقدوم عليه، فلما اندمل يزيد مولى نصر من جراحاته دعاه أبو مسلم، فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالماً، وأعطنا عهد الله ألاّ تحاربنا وألاّ تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت؛ فاختار الرجوع إلى مولاه، فخلى له الطريق. وقال أبو مسلم: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح. فإنّا عندهم على غير الإسلام. وقدم يزيد على نصر بن سيار؛ فقال: لا مرحباً بك؛ والله ما ظننت استبقاك القوم إلاّ ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: فهو والله ما ظننت، وقد استحلفوني ألاّ أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون الكتاب، ويذكرون الله كثيراً، ويدعون إلى ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما أحسب أمرهم إلا سيعلو؛ ولولا أنك مولاي أعتقتني من الرقّ ما رجعتُ إليك، ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بين الشيعة وشيعة بني مروان. وفي هذه السنة غلب خازم بن خزيمة على مروروذ، وقتل عامل نصر بن سيّار الذي كان عليها؛ وكتب بالفتح إلى أبي مسلم مع خزيمة بن خازم. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ بن محمد أن أبا الحسن الجشميّ وزهير بن هنيد والحسن ابن رشيد أخبروه أن خازم بن خزيمة لما أراد الخروج بمروروذ أراد ناس من تميم أن يمنعوه، فقال: إنما أنا رجل منكم، أريد مرو لعلي أن أغلب عليها، فإن ظفرت فهي لكم، وإن قتلت فقد كفيتكم أمري. فكفّوا عنه، فخرج فعسكر في قرية يقال لها كنج رستاه، وقدم عليهم من قبل أبي مسلم النضر بن صبيح وبسام بن إبراهيم. فلما أمسى خازم بيّت أهل مروروذ، فقتل بشر بن جعفر السعديّ - وكان عاملاً لنصر بن سيار على مروروذ - في أول ذي القعدة، وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع خزيمة بن خازم عبد الله بن سعيد وشبيب بن واج. قال أبو جعفر: وقال غير الذين ذكرنا قولهم في أمر أبي مسلم وإظهاره الدّعوة ومصيره إلى خراسان وشخوصه عنها وعوده إليها بعد الشخوص قولاً خلاف قولهم؛ والذي قال في ذلك: أنذ إبراهيم الإمام زوّج أبا مسلم لما توجّه إلى خراسان ابنة أبي النجم، وساق عنه صداقها، وكتب بذلك إلى الننقباء، وأمرهم بالسمع والطاعة لأبي مسلم، وكان أبو مسلم - فيما زعم - من أهل خطرنية، من سواد الكوفة، وكان قهرماناً لإدريس بن معقل العجليّ، فآل أمره ومنتهى ولائه لمحمد بن عليّ، ثم لإبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من أولاد محمد ابن عليّ فقدم خراسان وهو حديث السنّ، فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوّف ألاّ يقوى على أمرهم، وخاف على نفسه وأصحابه، فردّوه - وأبو داود خالد بن إبراهيم غائب خلف نهر بلخ - فلما انصرف أبو داود، وقدم مرو أقرأه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن الرجل الذي وجّهه، فأخبروه أنّ سليمان بن كثير ردّه، فأرسل إلى جميع النقباء، فاجتمعوا في منزل عمران بن إسماعيل، فقال لهم أبو داود: أتاكم كتاب الإمام فيمن وجّهه إليكم وأنا غائب فرددتموه، فما حجّتكم في ردّه؟ فقال سليمان بن كثير: لحداثة سنه، وتخوّفاً ألاّ يقدر على القيام بهذا الأمر؛ فأشفقنا على من دعونا إليه وعلى أنفسنا وعلى المجيبين لنا، فقال: هل فيكم أحد ينكر أن الله تبارك وتعالى اختار محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وانتخبه واصطفاه، وبعثه برسالته إلى جميع خلقه؟ فهل فيكم أحد ينكر ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: أفتشكون أنّ الله تعالى نزّل عليه كتابه فأتاه به جبريل الرّوح الأمين، أحلّ فيه حلاله، وحرّم فيه حرامه، وشرّع فيه شرائعه، وسنّ فيه سننه، وأنبأه فيه بما كان قبله، وما هو كائن بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا: لا، قال: أفتشكون أن الله عزّ وجلّ قبضه إليه بعد ما أدّى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا: لا، قال: أفتظنّون أن ذلك العلم الذي أنزل عليه رفع معه أو خلّفه؟ قالوا: بل خلّفه، قال: أفتظنونه خلّفه عند غير عترته وأهل بيته، الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا، قال: فهل أحد منكم إذا رأى من هذا الأمر إقبالاً، ورأى الناس له مجيبين بدا له أن يصرف ذلك إلى نفسه؟ قالوا: اللهم لا، وكيف يكون ذلك! قال: لست أقول لكم فعلتم؛ ولكن الشيطان ربما نزع النزعة فيما يكون وفيما لا يكون. قال: فهل فيكم أحد بدا له أن يصرف هذا الأمر عن أهل البيت إلى غيرهم من عترة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لا، قال: أفتشكون أنهم معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لا، قال: فأراكم شككتم في أمرهم ورددتم عليهم علمهم؛ ولو لم يعلموا أن هذا الرجل هو الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم، لما بعثوه إليكم، وهو لا يتهم في موالاتهم ونصرتهم والقيام بحقهم. فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي داود؛ وولّوه أمرهم وسمعوا له وأطاعوا. ولم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود. وسمعت الشيعة من النقباء وغيرهم لأبي مسلم، وأطاعوه وتنازعوا، وقبلوا ما جاء به، وبثّ الدعاة في أقطار خراسان؛ فدخل الناس أفواجاً، وكثروا، وفشت الدّعاة بخراسان كلها. وكتب إليه إبراهيم الإمام يأمره أن يوافيه بالموسم في هذه السنة - وهي سنة تسع وعشرين ومائة - ، ليأمره بأمره في إظهار دعوته، وأن يقدم معه بقحطبة بن شبيب، ويحمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال؛ وقد كان اجتمع عنده ثلثمائة ألف وستون ألف درهم، فاشترى بعامّتها عروضاً من متاع التجار؛ من القوهيّ والمرويّ والحرير والفرند، وصيّر بقيته سبائك ذهب وفضة وصيّرها في الأقبية المحشوّة، واشترى البغال وخرج في النصف من جمادى الآخرة، ومعه من النقباء قحطبة بن شبيب والقاسم بن مجاشع وطلحة بن رزيق؛ ومن الشيعة واحد وأربعون رجلاً، وتحمل من قرى خزاعة، وحمل أثقاله على واحد وعشرين بغلاً، وحمل على كلّ بغل رجلاً من الشيعة بسلاحه، وأخذ المفازة وعدا عن مسلحة نصر بن سيار حتى انتهوا إلى أبيورد. فكتب أبو مسلم إلى عثمان بن نهيك وأصحابه يأمرهم بالقدوم عليه، وبينه وبينهم خمسة فراسخ، فقدم عليه منهم خمسون رجلاً، ثم ارتحلوا من أبيورد؛ حتى انتهوا إلى قرية يقال لها قافس؛ من قرى نسا، فبعث الفضل ابن سليمان إلى أندومان - قرية أسيد - فلقي بها رجلاً من الشيعة، فسأله عن أسيد، فقال له الرّجل: وما سؤالك عنه! فقد كان اليوم شرّ طويل من العامل أخذ، فأخذ معه الأحجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب ابن سعيد والمهاجر بن عثمان، فحملوا إلى العامل عاصم بن قيس بن الحروريّ، فحبسهم. وارتحل أبو مسلم وأصحابه حتى انتهوا إلى أندومان، فأتاه أبو مالك والشيعة من أهل نسا؛ فأخبره أبو مالك أنّ الكتاب الذي كان مع رسول الإمام عنده، فأمره أن يأتيه به، فأتاه بالكتاب وبلواء وراية؛ فإذا في الكتاب إليه يأمره بالانصراف حيثما يلقاه كتابه؛ وأن يظره الدّعوة. فعقد اللواء الذي أتاه من الإمام على رمح، وعقد الراية، واجتمع إليه شيعة أهل نسا والدعاة والرءوس، ومعه أهل أبيورد الذين قدموا معه. وبلغ ذلك عاصم بن قيس الحروريّ، فبعث إلى أبي مسلم يسأله عن حاله، فأخبره أنه من الحاجّ الذين يريدون بيت الله، ومعه عدّة من أصحابه من التجار، وسأله أن يخلّي سبيل من احتبس من أصحابه حتى يخرج من بلاده، فسألوا أبا مسلم أن يكتب لهم شرطاً على نفسه؛ أن يصرف من معه من العبيد وما معه من الدوابّ والسلاح، على أن يخلّوا سبيل أصحابه الذين قدموا من بلاد الإمام وغيرهم. فأجابهم أبو مسلم إلى ذلك، وخلى سبيل أصحابه؛ فأمر أبو مسلم الشيعة من أصحابه أن ينصرفوا، وقرأ عليهم كتاب الإمام؛ وأمرهم بإظهار الدعوة؛ فانصرف منهم طائفة وسار معه أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعيّ وزريق بن شوذب ومن قدم عليه من أبيورد، وأمر من انصرف بالاستعداد. ثم سار فيمن بقي من أصحابه ومعه قحطبة ابن شبيب؛ حتى نزلوا تخوم جرجان؛ وبعث إلى خالد بن برمك وأبي عون يأمرهما بالقدوم عليه بما قبلهما من مال الشّيعة، فقدما عليه؛ فأقام أياماً حتى اجتمعت القوافل. وجهّز قحطبة بن شبيب، ودفع إليه المال الذي كان معه، والأحمال بما فيها؛ ثم وجّهه إلى إبراهيم بن محمد، وسار أبو مسلم بمن معه حتى انتهى إلى نسا، ثم ارتحل منها إلى أبيورد حتى قدمها؛ ثم سار حتى أتى مرو ممتنكراً، فنزل قرية تدعى فنزل قرية تدعى فنين من قرى خزاعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان؛ وقد كان واعد أصحابه أن يوافوه بمرو يوم الفطر. ووجّه أبا داود وعمرو بن أعين إلى طخارستان، والنضر بن صبيح إلى آمل وبخارى ومعه شريك بن عيسى، وموسى بن كعب إلى أبيورد ونسا، وخازم بن خزيمة إلى مروروذ، وقدموا عليه، فصلّى بهم القاسم بن مجاشع التميميّ يوم العيد؛ في مصلّى آل قنبر؛ في قرية أبي داود خالد بن إبراهيم. ذكر تعاقد أهل خراسان على قتال أبي مسلم وفي هذه السنة تحالفت وتعاقدت عامة من كان بخراسان من قبائل العرب على قتال أبي مسلم؛ وذلك حين كثر تبّاع أبي مسلم وقويَ أمره. وفيها تحوّل أبو مسلم من معسكره بإسفيذنج إلى الماخوان. ذكر الخبر عن ذلك والسبب فيهقال عليّ: أخبرنا الصبّاح مولى جبريل، عن مسلمة بن يحيى، قال: لما ظهر أبو مسلم، تسارع إليه الناس، وجعل أهل مرو يأتونه؛ لا يعرض لهم نصر ولا يمنعهم؛ وكان الكرمانيّ وشيبان لا يكرهان أمر أبي مسلم؛ لأنه دعا إلى خلع مروان بن محمد، وأبو مسلم في قرية يقال لها بالين في خباء ليس له حرس ولا حجاب، وعظم أمره عند الناس، وقالوا: ظهر رجل من بني هاشم، له حلم ووقار وسكينة؛ فانطلق فتية من أهل مرو، نساك كانوا يطلبون الفقه، فأتوا أبا مسلم في معسكره، فسألوه عن نسبه، فقال: خبري خير لكم من نسبي، وسألوه عن أشياء من الفقه، فقال: أمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر خير لكم من هذا؛ ونحن في شغل، ونحن إلى عونكم أحوج منا إلى مسألتكم، فأعفونا. قالوا: والله ما نعرف لك نسباً، ولا نظنك تبقى إلا قليلا حتى تقتل؛ وما بينك وبين ذلك إلا أن يتفرّغ أحد هذين؛ قال أبو مسلم: بل أنا أقتلهما إن شاء الله. فرجع الفتية فأتوا نصر بن سيار فحدّثوه، فقال: جزاكم الله خيراً، مثلكم تفقّد هذا وعرفه، وأتوا شيبان فأعلموه، فأرسل: إنا قد أشجى بعضنا بعضاً؛ فأرسل إليه نصر: إن شئت فكفّ عني حتى أقاتله، وإن شئت فجامعني على حربه حتى أقتله أو أنفيه؛ ثم نعود إلى أمرنا الذي نحن عليه. فهمّ شيبان أن يفعل، فظهر ذلك في العسكر، فأتت عيون أبي مسلم فأخبروه، فقال سليمان: ما هذا الأمر الذي بلغهم؟ تكلّمت عند أحد بشيء؟ فأخبره خبر الفتية الذين أتوه؛ فقال: هذا لذاك إذاً. فكتبوا إلى عليّ بن الكرمانيّ: إنك موتور؛ قتل أبوك ونحن نعلم أنك لست على رأي شيبان؛ وإنما تقاتل لثأرك؛ فامنع شيبان من صلح نصر؛ فدخل على شيبان، فكلمه فثناه عن رأيه، فأرسل نصر إلى شيبان: إنك لمغرور؛ وأيم الله ليتفاقمنّ هذا الأمر حتى تستصغرني في جنبه. فبينا هم في أمرهم إذ بعث أبو مسلم النضر بن نعيم الضّبي إلى هراة وعليها عيسى بن عقيل الليثيّ، فطرده عن هراة، فقدم عيسى على نصر منهزماً، وغلب النضر على هراة. قال: فقال يحيى بن نعيم بن هبيرة: اختاروا إما أن تهلكوا أنتم قبل مضر أو مضر قبلكم، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: إنّ هذا الرجل إنما ظهر أمره منذ شهر، وقد صار في عسكره مثل عسكركم؛ قالوا: فما الرأي؟ قال: صالحوا نصراً، فإنكم إن صالحتموه قاتلوا نصراً وتركوكم؛ لأنّ الأمر في مضر، وإن لم تصالحوا نصراً صالحوه وقاتلوكم، ثم عادوا عليكم. قالوا: فما الرأي؟ قال: قدّموهم قبلكم ولو ساعة؛ فتقرّ أعينكم بقتلهم. فأرسل شيبان إلى نصر يدعوه إلى الموادعة فأجابه، فأرسل إلى سلم بن أحوز، فكتب بينهم كتاباً، فأتى شيبان وعن يمينه ابن الكرمانيّ، وعن يساره يحيى ابن نعيم، فقال سلم لابن الكرمانيّ: يا أعور، ما أخلقك أن تكون الأعور الذي بلغنا أن يكون هلاك مضر على يديه! ثم توادعوا سنة؛ وكتبوا بينهم كتاباً؛ فبلغ أبا مسلم، فأرسل إلى شيبان: إنا نوادعك أشهراً، فتوادعنا ثلاثة أشهر؛ فقال ابن الكرمانيّ: فإني ما صالحت نصراً؛ وإنما صالحه شيبان؛ وأنا لذلك كاره، وأنا موتور، ولا أدع قتاله. فعاوده القتال؛ وأبي شيبان أن يعينه، وقال: لا يحلّ الغدر. فأرسل ابن الكرمانيّ إلى أبي مسلم يستنصره على نصر بن سيار، فأقبل أبو مسلم حتى أتى الماخوان، وأرسل إلى ابن الكرمانيّ شبل بن طهمان: إني معك على نصر، فقال ابن الكرمانيّ: إني أحبّ أن يلقاني أبو مسلم، فأبلغه ذلك شبل، فأقام أبو مسلم أربعة عشر يوماً، ثم سار إلى ابن الكرمانيّ، وخلف عسكره بالماخوان، فتلقاه عثمان بن الكرمانيّ في خيل، وسار معه حتى دخل العسكر؛ وأتى لحجرة عليّ فوقف، فأذن له فدخل، فسلّم على عليّ بالإمرة، وقد اتخذ له عليّ منزلاً في قصر لمخلّد بن الحسن الأزديّ، فأقام يومين، ثم انصرف إلى عسكره بالماخوان؛ وذلك لخمس خلون من المحرّم من سنة ثلاثين ومائة. وأما أبو الخطاب، فإنه قال: لما كثرت الشيعة في عسكر أبي مسلم، ضاقت به سفيذنج، فارتاد معسكراً فسيحاً، فأصاب حاجته بالماخوان؛ - وهي قرية العلاء بن حريث وأبي إسحاق خالد بن عثمان، وفيها أبو الجهم ابن عطية وإخوته - وكان مقامه بسفيذنج اثنين وأربعين يوماً، وارتحل من سفيذنج إلى الماخوان، فنزل منزل أبي إسحاق خالد بن عثمان يوم الأربعاء، لتسع ليال خلون من ذي القعدة من سنة تسع وعشرين ومائة، فاحتفر بها خندقاً، وجعل للخندق بابين، فعغسكر فيه والشيعة، ووكّل بأحد بابي الخندق مصعب بن قيس الحنفيّ وبهدل بن إياس الضبّيّ، ووكل بالباب الآخر أبا شراحيل وأبا عمرو الأعجميّ، واستعمل على الشرط أبا نصر مالك ابن الهيثم، وعلى الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وعلى ديوان الجند كامل ابن مظفر أبا صالح، وعلى الرسائل أسلم بن صبيح؛ والقاسم بن مجاشع النقيب التميميّ على القضاء، وضمّ أبا الوضاح وعدّة من أهل السقادم إلى مالك بن الهيثم، وجعل أهل نوشان - وهم ثلاثة وثمانون رجلاً - إلى أبي إسحاق في الحرس. وكان القاسم بن مجاشع يصلي بأبي مسلم الصّلوات في الخندق، ويقصّ القصص بعد العصر، فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أميّة، فنزل أبو مسلم خندق الماخوان، وهو كرجل من الشيعة في هيئته؛ حتى أتاه عبد الله بن بسطام؛ فأتاه بالأروقة والفساطيط والمطابخ والمعالف للدوابّ وحياض الأدم للماء؛ فأوّل عامل استعمله أبو مسلم على شيء من العمل داود بن كرّاز؛ فردّ أبو مسلم العبيد عن أن يضاموا في خندقه، واحتفر لهم خندقاً في قرية شوّال، وولى الخندق داود بن كرّاز. فلما اجتمعت للعبيد جماعة، وجّههم إلى موسى بن كعب بأبيورد، وأمر أبو مسلم كامل بن مظفر أن يعرض أهل الخندق بأسمائهم وأسماء آبائهم فينسبهم إلى القوى، ويجعل ذلك في دفتر، ففعل ذلك كامل أبو صالح، فبلغت عدّتهم سبعة آلاف رجل، فأعطاهم ثلاثة دراهم لكلّ رجل، ثم أعطاهم أربعة أربعة على يدي أبي صالح كامل. ثم إنّ أهل القبائل من مضر وربيعة وقحطان توادعوا على وضع الحرب، وعلى أن تجتمع كلمتهم على محاربة أبي مسلم، فإذا نفوه عن مرو نظروا في أمر أنفسهم وعلى ما يجتمعون عليه. فكتبوا على أنفسهم بذلك كتاباً وثيقاً. وبلغ أبا مسلم الخبر، فأفظعه ذلك وأعظمه، فنظر أبو مسلم في أمره، فإذا ماخوان سافلة الماء؛ فتخوّف أن يقطع عنه نصر بن سيار الماء، فتحوّل إلى آلين - قرية أبي منصور طلحة بن رزيق النقيب - وذلك بعد مقامه أربعة أشهر بخندق الماخوان، فنزل آلين في ذي الحجة من سنة تسع وعشرين ومائة، يوم الخميس لست خلون من ذي الحجة. فخندق بآلين خندقاً أمام القرية؛ فيما بينها وبين بلاش جرد، فصارت القرية من خلف الخندق، وجعل وجه دار المحتفز بن عثمان ابن بشر المزنيّ في الخندق، وشرب أهل آلين من نهر يدعى الخرقان، لا يمكّن نصر ابن سيار قطع الشرب عن آلين. وحضر العيد يوم النحر، وأمر القاسم بن مجاشع التميميّ فصلى بأبي مسلم والشيعة في مصلى آلين، وعسكر نصر بن سيّار على نهر عياض، ووضع عاصم بن عمرو ببلاش جرد، ووضع أبا الذيّال بطوسان، ووضع بشر بن أنيف اليربوعيّ بجلفر، ووضع حاتم بن الحارث ابن سريج بخرق؛ وهو يلتمس مواقعة أبي مسلم. فأمّا أبو الذيال فأنزل جنده على أهلها مع أبي مسلم في الخندق، فآذوا أهل طوسان وعسفوهم وذبحوا الدجاج والبقر والحمام، وكلفوهم الطعام والعلف، فشكت الشيعة ذلك إلى أبي مسلم، فوجّه معهم خيلاً، فلقوا أبا الذيّال فهزموه، وأسروا من أصحابه ميموناً الأعسر الخوارزميّ في نحو من ثلاثين رجلاً، فكساهم أبو مسلم، وداوى جراحاتهم وخلّى لهم الطريق. ذكر خبر مقتل الكرمانيّ قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل جديع بن عليّ الكرمانيّ وصلب. ذكر الخبر عن مقتلهقد مضى قبل ذكرنا مقتل الحارث بن سريج، وأنّ الكرمانيّ هو الذي قتله.ولما قتل اعلكرمانيّ الحارث، خلصت له مرو بقتله إياه، وتنحّى نصر ابن سيّار عنها إلى أبرشهر، وقوى أمر الكرمانيّ، فوجّه نصر إليه - فيما قيل - سلم بن أحوز، فسار في رابطة نصر وفرسانه؛ حتى لقي أصحاب الكرمانيّ، فوجد يحيى بن نعيم أبا الميلاء واقفاً في ألف رجل من ربيعة، ومحمد بن المثنّى في سبعمائة من فرسان الأزد، وابن الحسن بن الشيخ الأزديّ في ألف من فتيانهم، والحزميّ السغديّ في ألف رجل من أبناء اليمن، فلما تواقفوا قال سلم بن أحوز لمحمد بن المثنّى: يا محمّد بن المثنى، مر هذا الملاّح بالخروج إلينا، فقال محمد لسلم: يا بن الفاعلة؛ لأبي عليّ تقول هذا! ودلف القوم بعضهم إلى بعض، فاجتلدوا بالسيوف، فانهزم سلم بن أحوز، وقتل من أصحابه زيادة على مائة، وقتل من اصحاب محمد زيادة على عشرين، وقدم أصحاب نصر عليه فلولاً، فقال له عقيل بن معقل: يا نصر شأمت العرب؛ فأما إذ صنعت ما صنعت فجدّ وشمر عن ساق، فوجّه عصمة بن عبد الله الأسديّ فوقف موقف سلم بن أحوز، فنادى: يا محمد، لتعلمنّ أن السمك لا يغلب اللخم؛ فقال له محمد: يا بن الفاعلة، قف لنا إذاً. وأمر محمد السغديّ فخرج إليه في أهل اليمن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عصمة حتى أتى نصر بن سيار، وقد قتل من أصحابه أربعمائة. ثم أرسل نصر بن سيّار مالك بن عمرو التميميّ فأقبل في أصحابه، ثم نادى: يا بن المثنى، ابرز لي إن كنت رجلاً! فبرز له، فضربه التميميّ على حبل العاتق فلم يصنع شيئاً؛ وضربه محمد بن المثنّى بعمود فشدخ رأسه؛ فالتحم القتال؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً كأعظم ما يكون من القتال، فانهزم أصحاب نصر، وقد قتل منهم سبعمائة رجل، وقتل من أصحاب الكرمانيّ ثلثمائة رجل؛ ولم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا جميعاً إلى الخندقين، فاقتتلوا قتالاَ شديداً، فلما استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه؛ وأنه لا مدد لهم، جعل يكتب الكتب إلى شيبان، ثم يقول للرسول: اجعل طريقك على المضريّة، فإنهم سيعرضون لك، ويأخذون كتبك، فكانوا يأخذونها فيقرءون فيها: إني رأيت أهل اليمن لا وفاء لهم ولا خير فيهم، فلا تثقنّ بهم ولا تطمئنّ إليهم؛ فإني أرجو أن يريك الله ما تحب، ولئن بقيت لا أدع لهم شعرا ولا ظفراً. ويرسل رسولاً آخر في طريق آخر بكتاب فيه ذكر المضرّية وإطراء اليمن بمثل ذلك؛ حتى صار هوى الفريقين جميعاً معه؛ وجعل يكتب إلى نصر بن سيّار وإلى الكرمانيّ: إنّ الإمام قد أوصاني بكم، ولست أعدو رأيه فيكم. وكتب إلى الكور بإظهار الأمر؛ فكان أول من سوّد - فيما ذكر - أسيد ابن عبد الله بنسا، ونادى: يا محمد، يا منصور. وسوّد معه مقاتل بن حكيم وابن غزوان، وسوّد أهل أبيورد وأهل مرو الرّوذ، وقرى مرو. وأقبل أبو مسلم حتى نزل بين خندق نصر بن سيار وخندق جديع الكرمانيّ، وهابه الفريقان، وكثر أصحابه، فكتب نصر بن سيار إلى مروان ابن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه ومن تبعه، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، وكتب بأبيات شعر: أرى بين الرّماد وميض جمر ... فأحج بأن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدؤها الكلام فقلت من التعجب: ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام! فكتب إليه: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم ألاّ نصر عنده. فكتب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يستمدّه، وكتب إليه بأبيات شعر: أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد تبينت ألاّ خير في الكذب أنّ خراسان أرض قد رأيت بها ... بيضاً لوافرخ قد حدثت بالعجب فراخ عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزغب فإن يطرن ولم يحتل لهن بها ... يلهبن نيران حرب أيّما لهب فقال يزيد: لا غلبة إلا بكثرة؛ وليس عندي رجل. وكتب نصر إلى مروان يخبره خبر أبي مسلم وظهوره وقوّته؛ وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فألفى الكتاب مروان وقد أتاه رسول لأبي مسلم إلى إبراهيم؛ كان قد عاد من عند إبراهيم، ومعه كتاب إبراهيم إلى أبي مسلم جواب كتابه، يلعن فيه أبا مسلم ويسبّه؛ حيث لم ينتهز الفرصة من نصر والكرمانيّ إذ أمكناه، ويأمره ألاّ يدع بخراسان عربياً إلا قتله. فدفع الرسول الكتاب إلى مروان، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك وهو على دمشق، يأمره أن يكتب إلى عامل البلقاء، فيسير إلى كرار الحميمة، فليأخذ إبراهيم بن محمد ويشدّه وثاقاً، وليبعث به إليه في خيل؛ فوجه الوليد إلى عامل البقاء فأتى إبراهيم وهو في مسجد القرية، فأخذه وكتفه وحمله إلى الوليد، فحمله إلى مروان فحبسه مروان في السجن. رجع الحديث إلى حديث نصر والكرمانيّ. وبعث أبو مسلم حين عظم الأمر بين الكرمانيّ ونصر إلى الكرمانيّ: إني معك، فقبل ذلك الكرمانيّ وانضمّ إليه أبو مسلم، فاشتدّ ذلك على نصر، فأرسل إلى الكرمانيّ: ويلك لا تغترر! فوالله إني لخائف عليك وعلى أصحابك منه؛ ولكن هلمّ إلى الموادعة، فتدخل مرو، فنكتب بيننا كتاباً بصلح - وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبي مسلم - فدخل الكرمانيّ منزله، وأقام أبو مسلم في المعسكر، وخرج الكرمانيّ حتى وقف في الرحبة في مائة فارس، وعليه قرطق خشكشونة. ثم أرسل إلى نصر: اخرج لنكتب بيننا ذلك الكتاب، فأبصر نصر منه غرّة، فوجه إليه ابن الحارث بن سريج في نحو من ثلثمائة فارس، فالتقوا في الرّحبة، فاقتتلوا بها طويلاً. ثم إنّ اعلكرمانيّ طعن في خاصرته فخرّ عن دابّته، وحماه أصحابه حتى جاءهم ما لا قبل لهم به، فقتل نصر الكرمانيّ وصلبه، ومعه سمكة، فأقبل ابنه عليّ - وقد كان صار إلى أبي مسلم، وقد جمع جمعاً كثيراً - فسار بهم إلى نصر بن سيار فقاتله حتى أخرجه من دار الإمارة، فمال إلى بعض دور مرو، وأقبل أبو مسلم حتى دخل مرو، فأتاه عليّ بن جديع الكرمانيّ فسلّم عليه بالإمرة، وأعلمه أنه معه على مساعدته، وقال: مرني بأمرك، فقال: أقم على ما أنت عليه حتى آمرك بأمري. غلبة عبد الله بن معاوية على فارس وفي هذه السنة غلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على فارس. ذكر الخبر عن ذلك وعن السبب الذي وصل به إلى الغلبة عليها: ذكر عليّ بن محمد أنّ عاصم بن حفص التميميّ وغيره حدّثوه أنّ عبد الله ابن معاوية لما هزم بالكوفة، شخص إلى المدائن، فبايعه أهل المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة، فخرج إلى الجبال فغلب عليها، وعلى حلوان وقومس وأصبهان والريّ، وخرج إليه عبيد أهل الكوفة، فلمّا غلب على ذلك أقام بأصبهان؛ وقد كان محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس، فجاء يمشي في نعلين إلى دار الإمارة بإصطخر، فطرد العامل؛ عامل ابن عمر عنها، وقال لرجل يقال له عمارة: بايع الناس، فقال له أهل إصطخر: علام نبايع؟ قال: على ما أحببتم وكرهتم. فبايعون لابن معاوية، وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليهم، وأصاب في غارته إبلاً لثعلبة بن حسان المازنيّ فاستاقها ورجع. فخرج ثعلبة يطلب إبله في قرية له تدعى أشهر - قال: ومع ثعلبة مولىً له - فقال له مولاه: هل لك أن نفتك بمحارب؛ فإن شئت ضربته وكفيتني الناس؛ وإن ششئت ضربته وكفيتك الناس؟ قال: ويحك! أردت أن تفتك وتذهب الإبل ولم نلق الرجل! ثم دخل على محارب فرحّب به. ثم قال: حاجتك! قال: إبلي، قال: نعم، لقد أخذت، وما أعرفها، وقد عرفتها، فدونك إبلك فأخذها، وقال لمولاه: هذا خير، وما أردت؟ قال: ذلك لو أخذناها كان أشفى. وانضمّ إلى محارب القواد والأمراء من أهل الشأم: فسار إلى مسلم بن المسيّب وهو بشيراز، عامل لابن عمر؛ فقتله في سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم خرج محارب إلى أصبهان، فحوّل عبد الله بن معاوية إلى إصطخر؛ واستعمل أخاه عبد الله أخاه الحسن على الجبال، فأقبل فنزل في دير على ميل من إصطخر، واستعمل أخاه يزيد على فارس فأقام، فأتاه الناس؛ بنو هاشم وغيرهم؛ وجبى المال، وبعث العمال؛ وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك وشيبان بن الحلس بن عبد العزيز الشيبانيّ الخارجيّ، وأتاه أبو جعفر عبد الله، وعبد الله وعيسى ابنا عليّ. وقدم يزيد بن عمر بن هبيرة على العراق، فأرسل نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى عبد الله بن معاوية؛ وبلغ سليمان بن حبيب أنّ ابن هبيرة ولي نباتة الأهواز، فسرّح داود بن حاتم، فأقام بكربج دينار ليمنع نباتة من الأهواز، فقدم نباتة، فقاتله، فقتل داود، وهرب سليمان إلى سابور؛ وفيها الأكراد قد غلبوا عليها، وأخرجوا المسيح بن الحماريّ، فقاتلهم سليمان، فطرد الأكراد عن سابور، وكتب إلى عبد الله بن معاوية بالبيعة، فقال: عبد الرحمن ابن يزيد بن المهلب: لا يفي لك، وإنما أراد أن يدفعك عنه؛ ويأكل سابور؛ فاكتب إليه فليقدم عليك إن كان صادقاً. فكتب إليه فقدم، وقال لأصحابه: ادخلوا معي؛ فإن منعكم أ؛د فقاتلوه، فدخلوا فقال لابن معاوية: أنا أطوع الناس لك، قال: ارجع إلى عملك، فرجع. ثم إن محارب بن موسى نافر ابن معاوية، وجمع جمعاً، فأتى سابور - وكان ابنه مخلد بن محارب محبوساً بسابور، أخذه يزيد بن معاوية فحبسه - فقال لمحارب: ابنك في يديه وتحاربه! أما تخاف أن يقتل ابنك! قال: أبعده الله! فقاتله يزيد، فانهزم محارب، فأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث، فصار معه، ثم نافر ابن الأشعث فقتله وأربعة وعشرين ابناً له. ولم يزل عبد الله بن معاوية بإصطخر حتى أتاه ابن ضبارة مع داود ابن يزيد بن عمر بن هبيرة، فأمر ابن معاوية فكسروا قنطرة الكوفة، فوجّه ابن هبيرة معن بن زائدة من وجه آخر، فقال سليمان لأبان بن معاوية بن هشام: قد أتاك القوم، قال: لم أومر بقتالهم؛ قال: ولا تؤمر والله بهم أبداً، وأتاهم فقاتلهم عند مرو الشاذان، ومعن يرتجز: ليس أمير القوم بالخب الخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع قال ابن المقفع أو غيره: فرّ من الموت وفيه قد وقع. قال: عمداً، قلت: قد عملت، فانهزم ابن معاوية، وكفّ معن عنهم، فقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقال: يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان. وأسروا أسراء كثيرة، فقتل ابن ضبارة عدّة كثيرة؛ فيقال: كان فيمن قتل يومئذ حكيم الفرد أبو المجد، ويقال: قتل بالأهواز، قتله نباتة. ولما انهزم ابن معاوية هرب شيبان إلى جزيرة ابن كاوان ومنصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهل بن عبد العزيز إلى مصر؛ وبعث ببقيّة الأسراء إلى ابن هبيرة. قال حميد الطويل: أطلق أولئك الأسراء فلم يقتل منهم غير حصين بن وعلة السدوسيّ، ولما أمر بقتله قال: أقتل من بين الأسراء! قال: نعم، أنت مشرك، أنت الذي تقول: ولو آمر الشمس لم تشرق ومضى ابن معاوية من وجهه إلى سجستان. ثم أتى خراسان ومنصور بن جمهور إلى السند، فسار في طلبه معن بن زائدة وعطيّة الثعلبيّ وغيره من بني ثعلبة، فلم يدركوه، فرجعوا. وكان حصين بن وعلة السدوسي مع يزيد بن معاوية، فتركه ولحق بعبد الله بن معاوية فأسره مورع السلميّ، رآه دخل غيضة فآخذه فأتى به معن بن زائدة فبعث به معن إلى ابن ضبارة، فبعث به ابن ضبارة إلى واسط؛ وسار ابن ضبارة إلى عبد الله بن معاوية بإصطخر، فنزل بإزائه على نهر إصطخر، فعبر ابن الصحصح في ألف، فلقيه من أصحاب عبد الله بن معاوية أبان بن معاوية بن هشام فيمن كان معه من أهل الشأم، ممن كان مع سليمان بن هشام فاقتتلوا، فمال ابن نباتة إلى القنطرة، فلقيهم من كان مع ابن معاوية من الخوارج، فانهزم أبان والخوارج، فأسر منهم ألفاً، فأتوا بهم ابن ضبارة، فخلى عنهم، وأخذ يومئذ عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس في الأسراء، فنسبه ابن ضبارة، فقال: ما جاء بك إلى ابن معاوي، وقد عرفت خلافة أمير المؤمنين! قال: كان عليّ دين فأدّيته. فقام إليه حرب بن قطن الكنانيّ. فقال: ابن اختنا، فوهبه له، وقال: ما كنت لأقدم على رجل من قريش. وقال له ابن ضبارة: إن الذي قد كنت معه قد عيب بأشياء، فعندك منها علم؟ قال: نعم، وعابه ورمى أصحابه باللواط، فأتوا ابن ضبارةة بغلمان عليهم أقبية قوهيّة مصبّغة ألواناً، فأقامهم للناس وهم أكثر من مائة غلام، لينظروا إليهم. وحمل ابن ضبارة عبد الله بن عليّ على البريد إلى ابن هبيرة ليخبره أخباره، فحمله ابن هبيرة إلى مروان في أجناد أهل الشأم، وكان يعيبه، وابن ضبارة يومئذ في مفازة كرمان في طلب عبد الله ابن معاوية، وقد أتى ابن هبيرة مقتل نباتة، فوجّه ابن هبيرة كرب بن مصقلة والحكم بن أبي الأبيض العبسيّ وابن محمد السكرنيّ؛ كلهم خطيب، فتكلموا في تقريظ ابن ضبارة، فكتب إليه أن سر بالناس إلى فارس، ثم جاءه كتاب ابن هبيرة: سر إلى أصبهان. مجىء أبي حمزة الخارجيّ الموسم وفي هذه السنة وافى الموسم أبو حمزة الخارجيّ، من قبل عبد الله ابن يحيى طالب الحق، محكّماً مظهراً للخلاف على مروان بن محمد. ذكر الخبر عن ذلك من أمره: حدّثني العباس بن عيسى العقيليّ، قال: حدّثنا هارون بن موسى الفرويّ قال: حدّثنا موسى بن كثير مولى الساعديّين، قال: لما كان تمام سنة تسع وعشرين ومائة، لم يدر الناس بعرفة إلاّ وقد طلعت أعلام عمائم سود حرقانيّة في رءوس الرماح وهم في سبعمائة، ففزع الناس حين رأوهم، وقالوا: ما لكم! وما حالكم؟ فأخبروهم بخلافهم مروان وآل مروان والتبرؤ منه. فراسلهم عبد الواحد بن سليمان - وهو يومئذ على المدينة ومكة - فراسلهم في الهندنة، فقالوا: نحن بحجّنا أضنّ، ونحن عليه أشحّ. وصالحهم على أنهم جميعاً آمنون؛ بعضهم من بعض، حتى ينفر الناس النّفر الأخير، وأصبحوا من الغد. فوقفوا على حدة بعرفة، ودفع بالناس عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، فلما كانوا بمنى ندموا عبد الواحد، وقالوا: قد أخطأت فيهم، ولو حملت الحاجّ عليهم ما كانوا إلاذ أكلة رأس. فنزل أبو حمزة بقرين الثعالب، ونزل عبد الواحد منزل السلطان، فبعث عبد الواحد إلى أبي حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، في رجال أمثالهم، فدخلوا على أبي حمزة وعليه إزار قطن غليظ، فتقدّمهم إليه عبد الله بن الحسن ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبس في وجوههما، وأظهر الكراهة لهما، ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبيد الله بن عمر فانتسبا له، فهشّ إليهما، وتبسّم في وجوههما، وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما، فقال له عبد الله بن حسن: والله ما جئنا لتفضّل بين آبائنا، ولكنا بعثنا إليك الأمير برسالة - وهذا ربيعة يخبركها - فلما ذكر ربيعة نقض العهد؛ قال بلج وأبرهة - وكانا قائدين له: الساعة الساعة! فأقبل عليهم أبو حمزة، فقال: معاذ الله أن ننقض العهد أو نحبس، والله لا أفعل ولو قطعت رقتي هذه؛ ولكن تنقضي الهدنة بيننا وبينكم. فلما أبى عليهم خرجوا، فأبلغوا عبد الواحد، فلما كان النّفر نفر عبد الواحد في النفر الأول، وخلى مكة لأبي حمزة، فدخلها بغير قتال. قال العباس: قال هارون: فأنشدني يعقوب بن طلحة الليثي أبياتاً هجيَ بها عبد الواحد - قال: وهي لبعض الشعراء لم أحفظ اسمه: زار الحجيج عصابة قد خالفوا ... دين الإله ففر عبد الواحد ترك الحلائل والإمارة هارباً ... ومضى يخبط كالبعير الشارد لو كان والده تنصّل عرقه ... لصفت مضاربه بعرق الوالد ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فدعا بالدّيوان، فضرب على الناس البعث، وزادهم في العطاء عشرة عشرة. قال العباس: قال هارون: أخبرني بذلك أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: كنت فيمن اكتتب، ثم محوت اسمي. قال العباس: قال هارون: وحدّثني غير واحد من أصحابنا أنذ عبد الواحد استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس فخرجوا؛ فلما كانوا بالحرة لقيتهم جزر منحورة فمضوا. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال محمد بن عمر وغيره. وكان العامل على مكة والمدينة عبد الواحد بن سليمان، وعلى العراق يزيد ابن عمر بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربيّ - فيما ذكر - وعلى قضاء البصرة عباد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار، والفتنة بها. ثم دخلت سنة ثلاثين ومائة ذكر خبر الأحداث التي كانت فيها ذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها فممّا كان فيها من ذلك دخول أبي مسلم حائط مرو ونزوله دار الإمارة بها، ومطابقة عليّ بن جديع الكرمانيّ إيّاه على حرب نصر بن سيّار. ذكر الخبر عن ذلك وسببه: ذكر أبو الخطاب أن دخول أبي مسلم حائط مرو ونزوله دار الإمارة التي ينزلها عمّال خراسان كان في سنة ثلاثين ومائة لتسع خلون من جمادى الآخرة يوم الخميس، وأن السبب في مسير عليّ بن جديع مع أبي مسلم كان أن سليمان ابن كثير كان بإزاء عليّ بن الكرماني حين تعاقد هو ونصر على حرب أبي مسلم؛ فقال سليمان بن كثير لعليّ بن الكرماني: يقول لك أبو مسلم: أما تأنف من مصالحة نصر بن سيار، وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! ما كنت أحسبك تجامع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه! فأدرك عليّ بن الكرمانيذ الحفيظة، فرجع عن رأيه وانتقض صلح العرب. قال: ولما انتقض صلحهم بعث نصر ابن سيار إلى أبي مسلم يتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعثت ربيعة وقحطان إلى أبي مسلم بمثل ذلك، فتراسلوا بذلك أياماً، فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتى يختار أحدهما، ففعلوا. وأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا ربيعة وقحطان؛ فإنّ السلطان في مضر، وهم عمال مروان الجعديّ، وهم قتلة يحيى بن زيد. فقدم الوفدان؛ فكان في وفد مضر عقيل بن معقل بن حسان الليثيّ وعبيد الله بن عبد ربه الليثيّ والخطاب بن محرز السلميّ، في رجال منهم. وكان في وفد قحطان عثمان بن الكرمانيّ ومحمد بن المثنى وسورة بن محمد ابن عزيز الكنديّ، في رجال منهم؛ فأمر أبو مسلم عثمان بن الكرمانيّ وأصحابه فدخلوا بستان المحتفز، وقد بشط لهم فيه؛ فقعدوا وجلس أبو مسلم في بيت في دار المحتفز، وأذن لعقيل بن معقل وأصحابه من وفد مضر، فدخلوا إليه، ومع أبي مسلم في البيت سبعون رجلاً من الشيعة، قرأ على الشيعة كتاباً كتبه أبو مسلم ليختاروا أحد الفريقين؛ فلما فرغ من قراءة الكتاب، قام سليمان ابن كثير، فتكلم - وكان خطيباً مفوّهاً - فاختار عليّ بن الكرمانيّ وأصحابه، وقام أبو منصور طلحة بن رزيق النقيب فيهم - وكان فصيحاً متكلماً - فقال كمقالة سليمان بن كثير، ثم قام مزيد بن شقيق السلميّ، فقال: مضر قتله آل النبي صلى الله عليه وسلم وأعوان بني أمية وشيعة مروان الجعديّ، ودماؤنا في أعناقهم، وأموالنا في أيديهم، والتّباعات قبلهم، ونصر بن سيار عامل مروان على خراسان ينفذ أموره، ويدعو له على منبره، ويسميّه أمير المؤمنين؛ ونحن من ذلك إلى الله برآء وأن يكون مروان أمير المؤمنين، وأن يكون نصر على هدىً وصواب، وقد اخترنا عليّ بن الكرمانيّ وأصحابه من قحطان وربيعة. فقال السبعون الذين جمعوا في البيت بقول مزيد بن شقيق. فنهض وفد مضر عليهم الذّلة والكآبة؛ ووجّه معهم أبو مسلم القاسم بن مجاشع في خيل حتى بلغوا مأمنهم، ورجع وفد عليّ بن الكرمانيّ مسرورين منصورين. وكان مقام أبي مسلم بآلين تسعة وعشرين يوماً، فرحل عن آلين راجعاً إلى خندقه بالماخوان، وأمر أبو مسلم الشيعة أن يبتنوا المساكن، ويستعدّوا للشتاء فقد أعفاهم الله من اجتماع كلمة العرب، وصيرهم بنا إلى افتراق الكلمة؛ وكان ذلك قدراً من الله مقدوراً. وكان دخول أبي مسلم الماخوان منصرفاً عن آلين سنة ثلاثين ومائة، للنصف من صفر يوم الخميس، فأقام أبو مسلم في خندقه بالماخوان ثلاثة أشهر؛ تسعين يوماً، ثم دخل حائط مرو يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة. قال: وكان حائط مرو إذ ذاك في يد نصر بن سيّار لأنّه عامل خراسان، فأرسل عليّ بن الكرمانيّ إلى أبي مسلم أن أدخل الحائط من قبلك، وأدخل أنا وعشيرتي من قبلي، فنغلب على الحائط. فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمن أن يجتمع يدك ويد نصر على محاربتي؛ ولكن ادخل أنت فانشب الحرب بينك وبينه وبين أصحابه؛ فدخل لعيّ بن الكرمانيّ فأنشب الحرب، وبعث أبو مسلم أبا عليّ شبل بن طهمان النقيب في جند، فدخلوا الحائط، فنزل في قصر بخاراخذاه؛ فبعثوا إلى أبي مسلم أن ادخل، فدخل أبو مسلم من خندق الماخوان، وعلى مقدّمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ، وعلى ميمنته مالك بن الهيثم الخزاعيّ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع التميميّ؛ حتى دخل الحائط؛ والفريقان يقتتلان. فأمرهما بالكفّ وهو يتلو من كتاب الله: " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه " . ومضى أبو مسلم حتى نزل قصر الإمارة بمرو الذي كان ينزله عمال خراسان؛ وكان ذلك لتسع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، يوم الخميس. وهرب نصر بن سيّار عن مرو الغد من يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الأولى من سنة ثلاثين ومائة، وصفت مرو لأبي مسلم. فلما دخل أبو مسلم حائط مرو أمر أبا منصور طلحة بن رزيق بأخذ البيعة على الجند من الهاشميّة خاصّة - وكان أبو منصور جلاً فصيحاً نبيلاً مفوّهاً عالماً بحجج الهاشمية وغوامض أمورهم؛ وهو أحد النقباء الاثني عشر؛ والنقباء الاثنا عشر هم الذين اختارهم محمد بن عليّ من السبعين الذين كانوا استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة - وأمره أن يدعو إلى الرّضا، ولا يسمى أحداً، ومثّل له مثالاً ووصف من العدل صفة، فقدمها فدعا سراً، فأجابه ناس، فلما صاروا سبعين أخذ منهم اثني عشر نقيباً. منهم من خزاعة سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم وزياد بن صالح وطلحة ابن رزيق وعمرو بن أعين، ومن طيّىء قحطبة - واسمه زياد بن شبيب بن خالد بن معدان - ومن تميم موسى بن كعب أبو عيينة ولاهز بن قريظ والقاسم بن مجاشع، كلهم من بني امرىء القيس، وأسلم بن سلام أبو سلام؛ ومن بكر بن وائل أبو داود خالد بن إبراهيم من بني عمرو بن شيبان أخي سدوس وأبو عليّ الهرويّ. ويقال: شبل بن طهمان مكان عمرو بن أعين. وعيسى بن كعب وأبو النجم عمران بن إسماعيل مكان أبي عليّ الهرويّ، وهو ختن أبي مسلم. ولم يكن في النقباء أحد والده حيّ غير أبي منصور طلحة بن رزيق بن أسعد؛ وهو أبو زينب الخزاعيّ، وقد كان شهد حرب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وصحب المهلب بن أبس صفرة وغزا معه؛ فكان أبو مسلم يشاوره في الأمور، ويسأله عما شهد من الحروب والمغازي، ويسأله عن الكنية بأبي منصور: يا أبا منصور، ما تقول؟ وما رأيك؟ قال أبو الخطاب: فأخبرنا من شهد أبا منصور بأخذ البيعة على الهاشميّة: أبايعكم على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والطاعة للرضا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، والطلاق والعتاق، والمشي إلى بيت الله، وعلى ألاّ تسألوا رزقاً ولا طمعاً حتى يبدأكم به ولاتك؛ وإن كان عدوّ أحدكم تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم. فلما حبس أبو مسلم سلم بن أحوز ويونس بن عبد ربه، وعقيل ابن معقل ومنصور بن أبي الخرقاء وأصحابه، شاور أبا منصور، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر؛ فأقدمهم أبو مسلم فقتلهم، وكانت عدّتهم أربعة وعشرين رجلاً. وأما عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن الصباح مولى جبريل، أخبره عن مسلمة ابن يحيى، أن أبا مسلم جعل على حرسه خالد بن عثمان، وعلى شرطه مالك ابن الهيثم، وعلى القضاء القاسم بن مجاشع، وعلى الديوان كامل بن مظفر، فرزق كلّ رجل أربعة آلاف، وأنه أقام في عسكره بالماخوان ثلاثة أشهر، ثم سار من الماخوان ليلاً في جمع كبير يريد عسكر ابن الكرمانيّ؛ وعلى ميمنته لاهز بن قريظ، وعلى ميسرته القاسم بن مجاشع، وعلى مقدّمته أبو نصر مالك بن الهيثم. وخلّف على خندقه أبا عبد الرحمن الماخوانيّ، فأصبح في عسكر شيبان؛ فخاف نصر أن يجتمع أبو مسلم وابن الكرمانيّ على قتاله؛ فأرسل إلى أبي مسلم يعرض عليه أن يدخل مدينة مرو ويوادعه، فأجابه، فوادع أبا مسلم نصر، فراسل نصر بن أحوز يومه ذلك كله، وأبو مسلم في عسكر شيبان، فأصبح نصر وابن الكرمانيّ، فغدوا إلى القتال، وأقبل أبو مسلم ليدخل مدينة مرو، فردّ خيل نصر وخيل ابن الكرمانيّ، ودخل المدينة لسبع - أو لتسع - خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائة، وهو يتلو: " ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته.... " إلى آخر الآية. قال عليّ: وأخبرنا أبو الذّيال والمفضل الضبيّ، قالا: لما دخل أبو مسلم مدينة مرو، قال نصر لأصحابه: أرى هذا الرجل قد قوي أمره، وقد سارع إليه الناس، وقد وادعته وسيتمّ له ما يريد؛ فاخرجوا بنا عن هذه البلدة وخلّوه، فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: لا، فقال: أما إنكم ستذكرون قولي. وقال لخاصته من مضر: انطلقوا إلى أبي مسلم فالقوه، وخذوا بحظّكم منه، وأرسل أبو مسلم إلى نصر لاهز بن قريظ يدعوه فقال لاهز: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " ، وقرأ قبلها آيات، ففطن نصر، فقال لغلامه: ضع لي وضوءاً؛ فقام كأنه يريد الوضوء، فدخل بستاناً وخرج منه، فركب وهرب. قال عليّ: وأخبرنا أبو الذّيال، قال: أخبرني إياس بن طلحة بن طلحة قال: كنت مع أبي وقد ذهب عمّي إلى أبي مسلم يبايعه؛ فأبطأ حتى صلّيت العصر والنهار قصير؛ فنحن ننتظره؛ وقد هيّأنا له الغداء؛ فإني لقاعد مع أبي إذ مرّ نصر على برذون؛ لا أعلم في داره برذوناً اسرى منه، ومعه حاجبه والحكم بن نميلة النميريّ. قال أبي: إنه لهارب ليس معه أحد، وليس بين يديه حربة ولا راية، فمرّ بنا، فسلم تسليماً خفياً، فلما جازنا ضرب برذونه، ونادى الحكم بن نميلة غلمانه، فركبوا واتبعوه. قال عليّ: قال أبو الّيال: قال إياس: كان بين منزلنا وبين مرو أربعة فراسخ، فمرّ بنا نصر بعد العتمة، فضجّ أهل القرية وهربوا، فقال لي أهلي وأخواني: اخرج لا تقتل؛ وبكوا؛ فخرجت أنا وعمّي المهلب بن إياس فلحقنا نصراً بعد هدء الليل؛ وهو في أربعين، قد قام برذونه، فنزل عنه، فحمله بشر بن بسطام بن عمران بن الفضل البرجميّ على برذونه، فقال نصر: إني لا آمن الطلب، فمن يسوق بنا؟ قال عبد الله بن عرعرة الضبّيّ: أنا أسوق بكم، قال: أنت لها، فطرد بنا ليلته حتى أصبحنا في بئر في المفازة على عشرين فرسخاً أو أقل، ونحن ستمائة؛ فسرنا يومنا فنزلنا العصر، ونحن ننظر إلى أبيات سرخس وقصورها ونحن ألف وخمسمائة، فانطلقت أنا وعمي إلى صديق لنا من بني حنيفة يقال له مسكين، فبيتنا نحن عنده لم نطعم شيئاً، فأصبحنا، فجاءنا بثريدة فأكلنا منها ونحن جياع لم نأكل يومنا وليلتنا؛ واجتمع الناس فصاروا ثلاثة آلاف، وأقمنا بسرخس يومين؛ فلمّا لم يأتنا أحد صار نصر إلى طوس، فأخبرهم خبر أبي مسلم، وأقام خمسة عشر يوماً، ثم سار وسرنا إلى نيسابور فأقام بها، ونزل أبو مسلم؛ين هرب نصر دار الإمارة، وأقبل ابن الكرمانيّ، فدخل مسرو مع أبي مسلم، فقال أبو مسلم حين هرب نصر: يزعم نصر أني ساحر؛ هو والله ساحر! وقال غير من ذكرت قوله في أمر نصر وابن الكمانيّ وشيبان الحروريّ: انتهى أبو مسلم في سنة ثلاثين ومائة من معسكره بقرية سليمان بن كثير إلى قرية تدعى الماخوان فنزلها، وأجمع على الاستظهار بعليّ بن جديع ومن معه من اليمن، وعلى دعاء نصر بن سيار ومن معه إلى معاونته، فأرسل إلى الفريقين جميعاً، وعرض على كلّ فريق منهم المسالمة واجتماع الكلمة والدخول في الطاعة، فقبل ذلك عليّ بن جديع، وتابعه على رأيه، فعاقده عليه، فلما وثق أبو مسلم بمبايعة عليّ بن جديع إياه، كتب إلى نصر بن سيّار أن يبعث إليه وفداً يحضرون مقالته ومقالة أصحابه فيما كان وعده أن يميل معه، وأرسل إلى عليّ بمثل ما أرسل به إلى نصر. ثم وصف من خبر اختيار قوّاد الشيعة اليمانية على المضرّية نحواً مما وصف من قد ذكرنا الرواية عنه قبل في كتابنا هذا، وذكر أنّ أبا مسلم إذ وجّه شبل ابن طهمان فيمن وجّهه إلى مدينة مرو وأنزله قصر بخاراخذاه؛ إنما وجهه مدداً لعليّ بن الكرمانيّ. قال: وسار أبو مسلم من خندقة بالماخوان بجميع من معه إلى عليّ ابن جديع، ومع عليّ عثمان وأخوه وأشراف اليمن معهم وحلفاؤهم من ربيعة، فلما حاذى أبو مسلم مدينة مرو استقبله عثمان بن جديع في خيل عظيمة، ومعه أشراف اليمن ومن معه من ربيعة؛ حتى دخل عسكر عليّ بن الكرمانيّ وشيبان بن سلمة الحروريّ ومن معه من النقباء، ووقف على حجرة عليّ بن جديع، فدخل عليه وأعطاه الرضا، وآمنه على نفسه وأصحابه، وخرجا إلى حجرة شيبان، وهو يسلّم عليه يومئذ بالخلافة، فأمر أبو مسلم علياً بالجلوس إلى جنب شيبان، وأعلمه أنه لا يحلّ له التسليم عليه. وأراد أبو مسلم أن يسلم على عليّ بالإمرة، فيظنّ شيبان أنه يسلم عليه. ففعل ذلك عليّ، ودخل عليه أبو مسلم، فسلّم عليه بالإمارة، وألطف لشيبان وعظمه، ثم خرج من عنده فنزل قصر محمد بن الحسن الأزديّ، فأقام به ليلتين، ثم انصرف إلى خندقه بالماخوان، فأقام به ثلاثة أشهر، ثم ارتحل من خندقه بالماخوان إلى مرو لسبع خلون من ربيع الآخر؛ وخلّف على جنده أبا عبد الرحمن الماخوانيّ، وجعل أبو مسلم على ميمته لاهز بن قريظ، وعلى ميسرته القاسم ابن مجاشع، وعلى مقدّمته مالك بن الهيثم، وكان مسيره ليلاً، فأصبح على باب مدينة مرو، وبعث إلى عليّ بن جديع أن يبعث خيله حتى وقف على باب قصر الإمارة، فوجد الفريقين يقتتلان أشدّ القتال في حائط مرو، فأرسل إلى الفريقين أن كفّوا، وليتفرق كلّ قوم إلى معسكرهم، ففعلوا. وأرسل أبو مسلم لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البختريّ، وداود بن كرّاز إلى نصر يدعوه إلى كتاب الله والطاعة للرّضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم. فلما رأى نصر ما جاءه من اليمانية والربعية والعجم، وأنه لا طاقة له بهم؛ ولا بد إن أظهر قبول ما بعث به إليه أن يأتيه فيبايعه، وجعل يرثيهم لما همّ به من الغدر والهرب إلى أن أمسى، فأمر أصحابه أن يخرجوا من ليلتهم إلى ما يأمنون فيه؛ فما تيسّر لأصحاب نصر الخروج في تلك الليلة. وقال له سلم بن أحوز: إنه لا يتيسّر لنا الخروج الليلة؛ ولكنا نخرج القابلة، فلما كان صبح تلك الليلة عبأ أبو مسلم كتائبه، فلم يزل في تعبيتها إلى بعد الظهر، وأرسل إلى نصر لاهز بن قريظ وقريش بن شقيق وعبد الله بن البختريّ وداود بن كرّاز وعدّة من أعاجم الشيعة، فدخلوا على نصر، فقال لهم: لشرّ ما عدتم، فقال له لاهز: لا بدّ لك من ذلك؛ فقال نصر: أما إذ كان لا بدّ منه؛ فإني أتوضأ وأخرج إليه، وأرسل إلى أبي مسلم؛ فإن كان هذا رأيه وأمره أتيته ونعمى لعينه، وأتهيأ إلى أن يجىء رسولي، وقام نصر، فلما قام قرأ لاهز هذه الآية: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من النّاصحين " ، فدخل نصر منزله، وأعلمهم أنه ينتظر انصراف رسوله من عند أبي مسلم، فلما جنّه الليل، خرج من خلف حجرته، ومعه تميم ابنه والحكم بن نميلة النميريّ وحاجبه وامرأته؛ فانطلقوا هراباً، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله، فوجدوه قد هرب؛ فلما بلغ ذلك أبا مسلم سار إلى معسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم؛ وكان فيهم سلم بن أحوز صاحب شرطة نصر والبختريّ كاتبه، وابنان له ويونس بن عبد ربّه ومحمد بن قطن ومجاهد بن يحيى بن حضين والنضر بن إدريس ومنصور بن عمر بن أبي الحرقاء وعقيل بن معقل الليثيّ، وسيار بن عمر السلميّ، مع رجال من رؤساء مضر فاستوثق منهم بالحديد، ووكل بهم عيسى بن أعين، وكانوا في الحبس عنده حتى أمر بقتلهم جميعاً، ونزل نصر سرخس فيمن اتّبعه من المضرّية، وكانوا ثلاثة آلاف، ومضى أبو مسلم وعليّ بن جديع في طلبه، فطلباه ليلتهما حتى أصبحا في قرية تدعى نصرانيّة؛ فوجدا نصراً قد خلف امرأته المرزبانة فيها، ونجا بنفسه. ورجع أبو مسلم وعليّ بن جديع إلى مرو، فقال أبو مسلم لمن كان وجّه إلى نصر: ما الذي ارتاب به منكم؟ قالوا: لا ندري، قال: فهل تكلم أحد منكم؟ قالوا: لاهز تلا هذه الآية: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " قال: هذا الذي دعاه إلى الهرب، ثم قال: يا لاهز؛ أتدغل في الدين! فضرب عنقه. خبر مقتل شيبان بن سلمة الخارجيّ وفي هذه السنة قتل شيبان بن سلمة الحروريّ. ذكر الخبر عن مقتله وسببه وكان سبب مقتله - فيما ذكر - أنّ عليّ بن جديع وشيبان كانا مجتمعين على قتال نصر بن سيار لمخالفة شيبان نصراً؛ لأنه من عمال مروان بن محمد وأنّ شيبانيرى رأي الخوارج ومخالفة عليّ بن جديع نصراً، لأنه يمان ونصر مضريّ، وأن نصراً قتل أباه وصلبه، ولما بين الفريقين من العصبية التي كانت بين اليمانية والمضرّية؛ فلما صالح عليّ بن الكرمانيّ أبا مسلم، وفارق شيبان، تنحّى شيبان عن مرو، إذ علم أنه لا طاقة له بحرب أبي مسلم وعليّ ابن جديع مع اجتماعهما على خلافه، وقد هرب نصر من مرو وسار إلى سرخس. فذكر عليّ بن محمد أن أبا حفص أخبره والحسن بن رشيد وأبا الذيال أن المدة التي كانت بين أبي مسلم وبين شيبان لما انقضت، أرسل أبو مسلم إلى شيبان يدعوه إلى البيعة، فقال شيبان: أنا أدعوك إلى بيعتي؛ فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحل عن منزلك الذي أنت فيه، فأرسل شيبان إلى ابن الكرمانيّ يستنصره، فأبى. فسار شيبان إلى سرخس، واجتمع إليه جمع كثير من بكر بن وائل. فبعث إليه أبو مسلم تسعةً من الأزد، فيهم المنتجع بن الزبير؛ يدعوه ويسأله أن يكفّ، فأرسل شيبان، فأخذ رسل أبي مسلم فسجنهم، فكتب أبو مسلم إلى بسام بن إبراهيم مولى بني ليث ببيورد، يأمره أن يسير إلى شيبان فيقاتله. ففعل، فهزمه بسّام، واتبعه حتى دخل المدينة، فقتل شيبان وعدّة من بكر بن وائل، فقيل لأبي مسلم: إنّ بساماً ثائر بأبيه؛ وهو يقتل البرىء والسقيم، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، فقدم، واستخلف على عسكره رجلاً. قال عليّ: أخبرنا المفضل، قال: لما قتل شيبان مرّ رجل من بكر بن وائل - يقا له خفاف - برسل أبي مسلم الذين كان أرسلهم إلى شيبان، وهم في بيت، فأخرجهم وقتلهم. وقيل: إن أبا مسلم وجّه إلى شيبان عسكراً من قبله، عليهم خزيمة ابن خازم وبسام بن إبراهيم. ذكر خبر قتل عليذ وعثمان ابني جديع وفي هذه السنة قتل أبو مسلم علياً وعثمان ابني جديع الكرمانيّ. ذكر سبب قتل أبي مسلم إياهما وكان السبب في ذلك - فيما قيل - أن أبا مسلم كان وجّه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها. وكتب إلى أبي مسلم بذلك، ووجّه أبا داود إلى بلخ وبها زياد بن عبد الرحمن القشيريّ، فلما بلغه قصد أبي داود بلخ خرج في أهل بلخ والترمذ وغيرهما من كورطخارستان إلى الجوزجان، فلما دنا أبو داود منهم، انصرفوا منهزمين إلى الترمذ، ودخل أبو داود مدينة بلخ، فكتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه مكانه يحيى بن نعيم أبا الميلاء على بلخ. فخرج أبو داود، فلقيه كتاب من أبي مسلم يأمره بالانصراف، فانصرف، وقدم عليه أبو الميلاء؛ فكاتب زياد بن عبد الرحمن يحيى بن نعيم أبو الميلاء أن يصير أيديهم واحدة، فأجابه، فرجع زياد بن عبد الرحمن القشيريّ ومسلم ابن عبد الرحمن بن مسلم الباهليّ وعيسى بن زرعة السلميّ وأهل بلخ والترمذ وملوك طخارستان، وما خلف النهر وما دونه، فنزل زياد وأصحابه على فرسخ من مدينة بلخ، وخرج إليه يحيى بن نعيم بمن معه حتى اجتمعوا، فصارت كلمتهم واحدة، مضريّهم ويمانيهم وربعيهم ومن معهم من الأعاجم على قتال المسوّدة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيّان النبطيّ؛ كراهة أن يكون من الفرق الثلاثة، وأمر أبو مسلم أبا داود بالعود، فأقبل أبو داود بمن معه حتى اجتمعوا على نهر السرجنان. وكان زياد بن عبد الرحمن وأصحابه قد وجّهوا أبا سعيد القرشيّ مسلحة فيما بين العود وبين قرية يقال لها أمديان؛ لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم. وكانت أعلام أبي سعيد وراياته سوداً، فلما اجتمع أبو داود وزياد وأصحابهما، واصطفوا للقتال، أمر أبو سعيد القرشيّ أصحابه أن يأتوا زياداً وأصحابه من خلفهم، فرجع وخرج عليهم من سكة العود وراياته سود، فظنّ أصحاب زياد أنهم كمين لأبي داود، وقد نشب القتال بين الفريقين، فانهزم زياد ومن معه، وتبعهم أبو داود، فوقع عامة أصحاب زياد في نهر السرجنان، وقتل عامة رجالهم المتخلفين، ونزل أبو داود عسكرهم، وحوى ما فيه، ولم يتبع زياداً ولا أصحابه وأكثر من تبعهم سرعان من سرعان خيل أبي داود إلى مدينة بلخ لم يجاوزها ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى الترمذ، وأقام أبو داود يومه ذلك ومن الغد، ولم يدخل مدينة بلخ واستصفى أموال من قتل بالسرجنان ومن هرب من العرب وغيرهم، واستقامت بلخ لأبي داود. ثم كتب إليه أبو مسلم يأمره بالقدوم عليه، ووجّه النضر بن صبيح المريّ على بلخ. وقدم أبو داود، واجتمع رأى أبي داود وأبي مسلم على أن يفرّقا بين عليّ وعثمان ابني الكرمانيّ، فبعث أبو مسلم عثمان عاملاً على بلخ، فلما قدمها استخلف الفرافصة بن ظهير العيسي على مدينة بلخ، وأقبلت المضرية من ترمذ، عليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي، فالتقوا وأصحاب عثمان بن جديع بقرية بين البروقان وبين الدستجرد؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب عثمان بن جديع، وغلب المضرّية ومسلم بن عبد الرحمن على مدينة بلخ، وأخرجوا الفرافصة منها. وبلغ عثمان بن جديع الخبر والنضر ابن صبيح، وهما بمرو الرّوذ، فأقبلا نحوهم، وبلغ أصحاب زياد بن عبد الرحمن فهربوا من تحت ليلتهم، وعتّب النضر في طلبهم، رجاء أن يفوتوا، ولقيهم أصحاب عثمان بن جديع، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب عثمان بن جديع، وأكثروا فيهم القتل، ومضت المضريّة إلى أصحابها، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم ومعه عليّ بن جديع إلى نيسابور. واتّفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتل أبو مسلم علياً، ويقتل أبو داود عثمان في يوم واحد. فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملاً على الختل فيمن معه من يماني أهل مرو وأهل بلخ وربعيّهم. فلما خرج من بلخ خرج أبو داود فاتبع الأثر فلحق عثمان على شاطىء نهر بوخش من أرض الختل، فوثب أبو داود على عثمان وأصحابه، فحبسهم جميعاً ثم ضرب أعناقهم صبراً. وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم عليّ بن الكرمانيّ، وقد كان أبو مسلم أمره أن يسمّى له خاصته ليوليهم، ويأمر لهم بجوائز وكساً، فسماهم له فقتلهم جميعاً. قدوم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم وفي هذه السنة قدم قحطبة بن شبيب على أبي مسلم خراسان منصرفاً من عند إبراهيم بن محمد بن عليّ، ومعه لواؤه الذي عقد له إبراهيم، فوجّهه أبو مسلم حين قدم عليه على مقدّمته، وضمّ إليه الجيوش، وجعل له العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسّمع والطاعة. وفيها وجّه قحطبة إلى نيسابور للقاء نضر؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا الذّيال والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشميّ أخبروه أن شيبان بن سلمة الحروريّ لما قتل لحق أصحابه بنصر وهو بنيسابور، وكتب إليه النابي بن سويد العجليّ يستغيث، فوجّه إليه نصر ابنه تميم بن نصر في ألفين، وتهيأ نصر على أن يسير إلى طوس، ووجّه أبو مسلم قحطبة بن شبيب في قواد، منهم القاسم ابن مجاشع وجهور بن مرّار، فأخذ القاسم من قبل سرخس، وأخذ جهور من قبل أبيورد، فوجّه تميم عاصم بن عمير السغديّ إلى جهور؛ وكان أدناهم منه، فهزمه عاصم بن عمير، فتحصّن في كبادقان، وأطلّ قحطبة والقاسم على النابي، فأرسل تميم إلى عاصم أن ارحل عن جهور وأقبل؛ فتركه، وأقبل فقاتلهم قحطبة. قال أبو جعفر: فأما غير الذين روى عنهم عليّ بن محمد ما ذكرنا في أمر قحطبة وتوجيه أبي مسلم إياه إلى نصر وأصحابه، فإنه ذكر أن أبا مسلم لما قتل شيبان الخارجيّ وابني الكرمانيّ، ونفى نصراً عن مرو. وغلب على خراسان، وجّه عماله على بلادها. فاستعمل سباع بن النعمان الأزديّ على سمرقند وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ووجّه محمد بن الأشعث إلى الطبسين وفارس، وجعل مالك بن الهيثم على شرطته، ووجّه قحطبة إلى طوس، ومعه عدّة من القوّاد؛ منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد ومقاتل بن حكيم العكيّ وخالد بن برمك وخازم بن خزيمة والمنذر بن عبد الرحمن وعثمان ابن نهيك وجهور بن مرار العجليّ وأبو العباس الطوسي وعبد الله بن عثمان الطائيّ وسلمة بن محمد وأبو غانم عبد الحميد بن ربعيّ وأبو حميد وأبو الجهم - وجعله أبو مسلم كاتباً لقحطبة على الجند - وعامر بن إسماعيل ومحرز بن إبراهيم، في عدّة من القوّاد، فلقي من بطوس فانهزموا، وكان من مات منهم في الزحام أكثر ممن قتل؛ فبلغ عدّة القتلى يومئذ بضعة عشر ألفاً. ووجه أبو مسلم القاسم بن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة؛ وكتب إلى قحطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيّار والنابي بن سويد، ومن لجأ إليهما من أهل خراسان، وأن يصرف إليه موسى بن كعب من أبيورد. فلما قدم قحطبة أبيورد صرف موسى بن كعب إلى أبي مسلم، وكتب إلى مقاتل بن حكيم يأمره أن يوجّه رجلاً إلى نيسابور، ويصرف منها القاسم بن مجاشع؛ فوجّه أبو مسلم عليّ بن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، وأمره إذا دخل قحطبة طوس أن يستقبله بمن معه وينضمّ إليه؛ فسار عليّ بن معقل حتى نزل قرية يقال لها حلوان، وبلغ قحطبة مسير عليّ ونزوله حيث نزل، فعجل السير إلى السوذقان، وهو معسكر تميم بن نصر والنابي بن سويد، ووجّه على مقدمته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ في ثلاثة آلاف رجل من شيعة أهل نسا وأبيورد، فسار حتى نزل قرية يقال لها حبوسان، فتعبّأ تميم والنابي لقتاله، فكتب أسيد إلى قحطبة يعلمه ما أجمعوا عليه من قتاله، وأنه إن لم يعجل القدوم عليه حاكمهم إلى الله عز وجل، وأخبره أنهما في ثلاثين ألفاً من صناديد أهل خراسان وفرسانهم. فوجّه قحطبة مقاتل بن حكيم العكيّ في ألف وخالد بن برمك في ألف، فقدما على أسيد؛ وبلغ ذلك تميماً والنابي فكسرهما. ثم قدم عليهم قحطبة بمن معه، وتعبّأ لقتال تميم، وجعل على ميمنته مقاتل بن حكيم وأبا عون عبد الملك بن يزيد وخالد بن برمك، وعلى ميسرته أسيد بن عبد الله الخزاعيّ والحسن بن قحطبة والمسيّب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار هو في القلب، ثم زحف إليهم، فدعاهم إلى كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم فلم يجيبوه، فأمر الميمنة والميسرة أن يحملوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً أشدّ ما يكون من القتال، فقتل تميم بن نصر في المعركة، وقتل معه منهم مقتلة عظيمة، واستبيح عسكرهم، وأفلت النابي في عدّة، فتحصّنوا في المدينة، وأحاطت بهم الجنود، فنقبوا الحائط ودخلوا إلى المدينة، فقتلوا النابي ومن كان معه، وهرب عاصم بن عمير السمرقنديّ وسالم بن راوية السعيديّ إلى نصر بن سيّار بنيسابور، فأخبراه بمقتل تميم والنابي ومن كان معهما؛ فلما غلب قحطبة على عسكرهم بما فيه صيّر إلى خالد بن برمك قبض ذلك، ووجّه مقاتل بن حكيم العكيّ على مقدمته إلى نيسابور؛ فبلغ ذلك نصر بن سيار؛ فارتحل هارباً في أثر أهل إبرشهر حتى نزل قومس وتفرّق عنه أصحابه، فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور بجنوده. ذكر خبر قتل نباتة بن حنظلة وفي هذه السنة قتل نباتة بن حنظلة عامل يزيد بن عمر بن هبيرة على جرجان. ذكر الخبر عن مقتلهذكر عليّ بن محمد أنّ زهير بن هنيد وأبا الحسن الجشميّ وجبلة بن فرّوخ وأبا عبد الرحمن الأصبهانيّ أخبروه أن يزيد بن عمر بن هبيرة بعث نباتة بن حنظلة الكلابيّ إلى نصر، فأتى فارس وأصبهان، ثم سار إلى الريّ، ومضى إلى جرجان، ولم ينضمّ إلى نصر بن سيار، فقالت القيسيّة لنصر: لا تحملنا قومس، فتحوّلوا إلى جرجان. وخندق نباتة؛ فكان إذا وقع الخندق في دار قوم رشّوه فأخّره، فكان خندقه نحواً من فرسخ. وأقبل قحطبة إلى جرجان في ذي القعدة من سنة ثلاثين ومائة، ومعه أسيد ابن عبد الله الخزاعيّ وخالد بن برمك وأبو عون عبد الملك بن يزيد وموسى بن كعب المرائيّ والمسيّب بن زهير وعبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ، وعلى ميمنته موسى بن كعب، وعلى مسيرته أسيد بن عبد الله، وعلى مقدّمته الحسن بن قحطبة، فقال قحطبة: يا أهل خراسان، أتدرون إلى من تسيرون، ومن تقاتلون؟ إنما تقاتلون بقيّة قوم أحرقوا بيت الله عزّ وجلّ. وأقبل الحسن حتى نزل تخوم خراسان، ووجّه الحسن عثمان بن رفيع ونافعاً المروزيّ وأبا خالد المروروزيّ ومسعدة الطائيّ إلى مسلحة نباتة، وعليها رجل يقال له ذؤيب، فبيّتوه، فقتلوا ذؤيباً وسبعين رجلاً من أصحابه، ثم رجعوا إلى عسكر الحسن، وقدم قحطبة فنزلا بإزاء نباة وأهل الشأم في عدّة لم ير الناس مثلها. فلما رآهم أهل خراسان هابوهم حتى تكلّموا بذلك وأظهروه. وبلغ قحطبة. فقام فيهم خطيباً فقال: يا أهل خراسان؛ هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا ينصرون على عدوّهم بعدلهم وحسن سيرتهم؛ حتى بدّلوا وظلموا، فسخط الله عزّ وجلّ عليهم، فانتزع سلطانهم، وسلط عليهم أذلّ أمة كانت في الأرض عندهم، فغلبوهم على بلادهم، واستنكحوا نساءهم، واسترقّوا أولادهم؛ فكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد. وينصرون المظلوم، ثم بدّلوا وغيّروا وجاروا في الحكم، وأخافوا أهل البرّ والتقوى من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلّطكم عليهم لينتقم منهم بكم لتكونوا أشدّ عقوبة؛ لأنكم طلبتموهم بالثأر. وقد عهد إليّ الإمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدّة فينصركم الله عزّ وجلّ عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم. وقد قرىء على قحطبة كتاب أبي مسلم. من أبي مسلم إلى قحطبة: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد. فناهض عدوّك؛ فإنّ الله عزّ وجلّ ناصرك؛ فإذا ظهرت عليهم فأثخن في القتل. فالتقوا في مستهلّ ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة في يوم الجمعة. فقال قحطبة: يا أهل خراسان. إن هذا اليوم قد فضّله الله تبارك وتعالىة على سائر الأيام والعمل فيه مضاعف؛ وهذا شهر عظيم فيه عيد من أعظم أعيادكم عند الله عزّ وجلّ، وقد أخبرنا الإمام أنكم تنصرون في هذا اليوم من هذا الشهر على عدوكم، فالقوه بجدّ وصبر واحتساب؛ فإنّ الله مع الصابرين. ثم ناهضهم وعلى ميمنته الحسن بن قحطبة، وعلى ميسرته خالد بن برمك ومقاتل بن حكيم العكّيّ، فاقتتلوا وصبر بعضهم لبعض، فقتل نباتة، وانهزم أهل الشأم فقتل منهم عشرة آلاف، وبعث قحطبة إلى أبي مسلم برأس نباتة وابنه حيّة. قال: وأخبرنا شيخ من بني عديّ، عن أبيه، قال: كان سالم بن راوية التميمي ممن هرب من أبي مسلم، وخرج مع نصر، ثم صار مع نباتة، فقاتل قحطبة بجرجان، فانهزم الناس، وبقي يقاتل وحده، فحمل عليه عبد الله الطائيّ - وكان من فرسان قحطبة - فضربه سالم بن راوية على وجهه، فأندر عينه. وقاتلهم حتى اضطر إلى المسجد، فدخله ودخلوا عليه، فكان لا يشدّ من ناحية إلا كشفهم، فجعل ينادي: شربة! فوالله لأنقعنّ لهم شراً يومي هذا. وحرّقوا عليه سقف المسجد، فرموه بالحجارة حتى قتلوه وجاءوا برأسه إلى قحطبة، وليس في رأسه ولا وجهه مصح؛ فقال قحطبة: ما رأيت مثل هذا قط! ذكر وقعة أبي حمزة الخارجيّ بقديد قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كانت الوقعة التي كانت بقديد بين أبي حمزة الخارجيّ وأهل المدينة. ذكر الخبر عن ذلكحدّثني العباس بن عيسى العقيليّ، قال: حدّثنا هارون بن موسى الفرويّ، قال حدّثني غير واحد من أصحابنا، أنّ عبد الواحد بن سليمان استعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على الناس، فخرجوا، فلما كان بالحرّة لقيتهم جزر منحورة، فمضوا، فلما كان بالعقيق تعلّق لواؤهم بسمرة، فانكسر الرمح، فتشاءم الناس بالخروج؛ ثم ساروا حتى نزلوا قديد، فنزلوها ليلاً - وكانت قرية قديد من ناحية القصر المبنيّ اليوم، وكانت الحياض هنالك، فنزل قوم مغتترّون ليسوا بأصحاب حرب، فلم يرعهم إلا القوم قد خرجوا عليهم من القصر. وقد زعم بعض الناس أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم، وأدخلوهم عليهم فقتلوهم؛ وكانت المقتلة على قريش، هم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة، وأصيب منهم عدد كثير. قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أن رجلاً من قريش نظر إلى رجل من أهل اليمن وهو يقول: اعلحمد لله الذي أقر عيني بمقتل قريش، فقال لابنه: يا بنيّ ابدأ به - وقد كان من أهل المدينة - قال: فدنا منه ابنه فضرب عنقه، ثم قال لابنه: أي بنيّ، تقدم؛ فقاتلا حتى قتلا. ثم ورد فلاّل الناس المدينة، وبكى الناس قتلاهم؛ فكانت المرأة تقيم على حميمها النّواح؛ فما تبرح النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رجالهنّ فتخرج النساء امرأة امرأة؛ كل امرأة تذهب إلى حميمها فتنصرف حتى ما تبقى عندها امرأة. قال: وأنشدني أبو ضمرة هذه الأبيات في قتلي قديد الذين أصيبوا من قومه، رثاهم بعض أصحابهم فقال: يا لهف نفسي ولهفي غير كاذبة ... على فوارس بالبطحاء أنجاد عمرو وعمرو وعبد الله بينههما ... وابناهما خامس والحارث السادي ذكر خبر دخول أبي حمزة المدينة وفي هذه السنة دخل أبو حمزة الخارجيّ من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشأم. ذكر الخبر عن دخول أبي حمزة المدينة وما كان منه فيها: حدّثني العباس بن عيسى، قال: حدثنا هارون بن موسى الفرويّ، قال: حدّثني موسى بن كثير، قال: دخل أبو حمزة المدينة سنة ثلاثين ومائة، ومضى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشأم، فرقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أهل المدينة؛ سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم لعمر الله فيهم القول، وسألناكم: هل يقتلون بالظنّ؟ فقلتم لنا: نعم، وسألناكم: هل يستحلون المال اعلحرام والفرج الحرام؟ فقلتم لنا: نعم، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأ،تم نناشدهم الله إلاّ تنحّوا عنا وعنكم، فقلتم: لا يفعلون، فقلنا لكم تعالوا نحن وأ،تم نقاتلهم؛ فإن نظهر نحن وأ،تم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فقلتم: لا نقوى، فقلنا لكم: فخلّوا بيننا وبينهم؛ فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ونقسم فيئكم بينكم، فأبيتم، وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم فأبعدكم الله وأسحقكم. قال محمد بن عمر: حدّثني حزام بن هشام، قال: كانت الحرورية أربعمائة، وعلى طائفة من الحروريّة الحارث، وعلى طائفة بكار بن محمد العدويّ؛ عديّ قريش، وعلى طائفة أبو حمزة، فالتقوا وقد تهيّأ الناس بعد الإعذار من الخوارج إليهم، وقالوا لهم: إنا والله ما لنا حاجة بقتالكم، دعونا نمض إلى عدّونا. فأبى أهل المدينة، فالتقوا لسبع ليال خلون من صفر يوم الخميس سنة ثلاثين ومائة، فقتل أهل المدينة، لم يقلت منهم إلا الشريد، وقتل أميرهم عبد العزيز بن عبد الله، واتهمت قريش خزاعة أن يكونوا داهنوا الحروريّة. فقال لي حزام: والله لقد آويت رجالاً من قريش منهم حتى آمن الناس؛ فكان بلج على مقدّمتهم. وقدمت الحروريّة المدينة لتسع عشرة ليلة خلت من صفر. حدّثني العباس بن عيسى، قال: قال هارون بن موسى: أخبرني بعض أشياخنا، أن أبا حمزة لما دخل المدينة قام فخطب فقال في خطبته: يا أهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة في ثماركم وكتبتم إليه تسألونه أن يضع أخراصكم عنكم، فكتب إليكم يضعها عنكم، فزاد الغنيّ غنىً، وزاد الفقير فقراً، فقلتم: جزاك الله خيراً؛ فلا جزاكم الله خيراً ولا جزاه. قال العباس: قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكرياء أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة، قال: رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشراً ولا بطراً ولا عبثاً، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنّف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط: ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله " ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض " ، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافاً واحداً، قليلون مشتضعفون في الأرض؛ فآوانا وأيّدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعاً بنعمته إخواناً، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم آل مروان؛ فشتّان لعمر الله ما بين الرّشد والغيّ. ثم أقبلوا يهرعون يزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدّق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عزّ وجلّ عصائب وكتائب، بكل مهنّد ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهل المدينة، إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله عزّ وجلّ بعذاب من عنده أو بأيدينا. ويشف صدور قوم مؤمنين. يا أهل المدينة، أوّلكم خير أول وآخركم شرّ آخر. يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركاً عابد وثن، أو مشرك أهل الكتاب؛ أو إماماً جائراً. يا أهل المدينة من زعم أنّ الله عز وجلّ كلف نفساً فوق طاقتها، أو سألها ما لم يؤتها، فهو لله عزّ وجلّ عدوّ، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله عزّ وجل في كتابه على القوييّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له منها ولا سهم واحد، فأخذها جميعيها لنفسه، مكابراً محارباً لربه. يا أهل المدينة؛ بلغني أنكم تنتقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحداث، وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً أحداثاً! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضبة عن الشر أعينيهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله عز وجل أنفساً تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآييةي خوف شهقوا خوفاً من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقاً إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت والرماح قد شرعت، وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفّوا وعيد الكتيبة لوعيد الله عزّ وجل، ولم يستخفّوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله عز وجل! وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها فيي سجوده لله، وكم من خدّ عتيق وجبين رقيق فلق بعمد الحديد. رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان. أقول قولي هذا واستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. حدّثني العباس، قال قال هارون: حدّثني جدّي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ييقول: من زنى فهو كافر، ومن شكّ فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شكّ أنه كافر فهو كافر. قال العباس: قال هارون: وسمعت جدّيي يقول: كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: " من زنى فهو كافر " . قال العباس: قال هارون: وحدّثني بعض أصحابنا: لما رقي المنبر قال: برح الخفاء، أين ما بك يذهب! من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، قال العباس: قال هارون: وأنشدني بعضهم في قديد: ما للزمان وماليه ... أفنت قديد رجاليه فلأبكين سريرة ... ولأبكينّ علانيه ولأبكين إذا شج ... ييت مع الكلاب العاويه فكان دخول أبي حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيت من صفر. واختلفوا في قدر مدتهم في مقامهم بها، فقال الواقديّ: كان مقامهم بها ثلاثة أشهر. وقال غيره: أقاموا بها بقيّة صفر وشهري ربيع وطائفة من جمادى الأولى. وكانت عدّة من قتل من أهل المدينة بقديد - فيما ذكر الواقديّ - سبعمائة. قال أبو جعفر: وكان أبو حمزة - فيما ذكر - قد قدّم طائفة من أصحابه، عليهم أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيّ، ثم أحد بني عديّ بن كعب، وبلج بن عيينة بن الهيصم الأسديّ من أهل البصرة، فبعث مروان بن محمد من الشأم عبد الملك بن محمد بن عطيّة أحد بني سعد في خيول الشأم. فحدّثني العباس بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن موسى، عن موسى بن كثير، قال: خرج أبو حمزة من المدينة، وخلّف بعض أصحابه، فسار حتى نزل الوادي. قال العباس: قال هارون: حدّثني بعض أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهريّ، أن مروان انتخب من عسكره أربعة آلاف، واستعمل عليهم ابن عطيّة، وأمره بالجدّ في السير، وأعطى كلّ رجل منهم مائة دينار؛ وفرساً عربيّة وبغلاً لثقله، وأمره أن يمضى فيقاتلهم؛ فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى ومن معه؛ فخرج حتى نزل بالعلا - وكان رجل من أهل المدينة يقال له العلاء بن أفلح مولى أبي الغيث، يقول: لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجل من أصحاب ابن عطية؛ فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قال: فقلت: العلاء، قال: ابن من؟ قلت: ابن أفلح، قال: مولى من؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت بالعلا، قال: فأين نحن غداً؟ قلت: بغالب، قال: فما كلّمنيي حتى أردفني وراءه، ومضى بي حتى أدخلني على ابن عطية، فقال: سل هذا الغلام: ما اسمه،؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، قال: فسرّ بذلك، ووهب لي دراهم. قال العبّاس: قال هارون: وأخبرني عبد الملك بن الماجشون، قال: لما لقي أبو حمزة وابن عطيّة، قال أبو حمزة: لا تقاتلوهم حتى تخبروهم، قال: فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به؟ قال: فصاح ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق، قال: فما تقولون في مال اليتيم؟ قال: نأكل ماله ونفجر بأمّه... في أشياء بلغني أنهم سألوهم عنها. قال: فلما سمعوا كلامهم، قاتلوهم حتى أمسوا، فصاحوا: ويحك يا بن عطية! إنّ الله عزّ وجلّ قد جعل الليل سكناً، فاسكن نسكن. قال: فأبى فقاتلهم حتى قتلهم. قال العبّاس: قال هارون: وكان أبو حمزة حين خرج ودّع أهل المدينة للخروج إلى مروان يقاتله، قال: يا أهل المدينة، إنا خارجون إلى مروان؛ فإن نظفر نعدل في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، ونقسم فيئكم بينكم؛ وإن يكن ما تمنّون؛ فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعض أصحابنا أنّ الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتلُه فقتلوهم. قال محمد بن عمر: سار أبو حمزة وأصحابه إلى مروان، فلقيهم خيل مروان بوادي القرى؛ عليها ابن عطيّة السعديّ، من قيس، فأوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة، فلقيهم أهل المديينية فقتلوهم. قال: وكان الذي قاد جيش مروان عبد الملك بن محمد بن عطية السعديّ سعد هوازن، قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربيّ؛ مع كلّ واحد منهم بغل، ومنهم من عليه درعان أو درع وسنّور وتجافيف؛ وعدّة لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوا إلى مكة. وقال بعضهم: أقام ابن عطية بالمدينة حين دخلها شهراً، ثم مضى إلى مكة، واستخلف على المدينة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية، ثم مضى إلى مكة وإلى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز؛ رجلاً من أهل الشأم. ولما مضى ابن عطيّة بلغ عبد الله بن يحيى - وهو بصنعاء - مسيره إليه، فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بن يحييى، وبعث ابنه بشير إلى مروان، ومضى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى إلى مروان، ثم كتب مروان إلى ابن عطيّة يأمره أن يغذ السير، وييحج بالناس، فخرج في نفر من أصحابه - فيما حدثني العباس بن عيسى، عن هارون - حتى نزل الجرف - هكذا قال العباس - ففطن له بعض أهل القرية، فقالوا: منهزميني والله، فشدّوا عليه، فقال: ويحكم! عامل الحجّ؛ والله كتب إليّ أمير المؤمنين. قال أبو جعفر: وأما ابن عمر، فإنه ذكر أنّ أبا الزبير بن عبد الرحمن حدّثه، قال: خرجت مع ابن عطية السعديّ؛ ونحن اثنا عشر رجلاً، بعهد مروان على الحجّ، ومعه أربعون ألف دينار في خرجه، حتى نزل الجرف يريد الحجّ وقد خلف عسكره وخيله وراءه بصنعاء؛ فوالله إنا آمنون مطمئنون؛ إذ سمعت كلمة من امرأة: قاتل الله ابني جمانة ما أشأمهما! فقمت كأني أهريق الماء، وأشرفت على نشز من الأرض؛ فإذا الدهم من الرجال والسلاح والخيل والقذّافات؛ فإذا ابنا جمانة المراديّان واقفان علينا، قد أحدقوا بنا من كلّ ناحية، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص؛ فأخرج ابن عطية كتابه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده على الحجّ وأنا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، ولكنكم لصوص؛ فرأينا الشرّ. فركب الصفر بن حبيب فرسه، فقاتل وأحسن حتى قتل؛ ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قتل، ثم قتل من معنا وبقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل من همدان، قالوا: من أيّ همدان أنت؟ فاعتزيت إلى بطن منهم - وكنت عالماً ببطون همدان - فتركوني، وقالوا: أنت آمن؛ وكلّ ما كان لك في هذا الرحل فخذه، فلو ادّعيت المال كله لأعطوني. ثم بعثوا معي فرساناً حتى بلغوا بي صعدة، وأمنت ومضيت حتى قدمت مكة. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غزا الصائفة - فيما ذكر - الوليد بن هشام، فنزل العمق وبنى حصن مرعش. وفيها وقع الطاعون بالبصرة. وفي هذه السنة قتل قحطبة بن شبيب من أهل جرجان من قتل من أهلها؛ قيل إنه قتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً؛ وذلك أنه بلغه - فيما ذكر - عن أهل جرجان أنه أجمع رأيهم بعد مقتل نباتة بن حنظلة على الخروج على قحطبة، فدخل قحطبة لما بلغه ذلك من أمرهم؛ واستعرضهم، فقتل منهم من ذكرت. ولما بلغ نصر بن سيار قتل قحطبة نباتة ومن قتل من أهل جرجان وهو بقومس، ارتحل حتى نزل خوار الرّيّ. وكان سبب نزول نصر قومس - فما ذكر عليّ بن محمد - أن أبا الذيّال حدّثه والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشميّ؛ أن أبا مسلم كتب مع المنهال ابن فتّان إلى زياد بن زرارة القشيريّ بعهده على نيسابور بعدما قتل تميمي بن نصر والنابي بن سويد العجليّ، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتيبع نصراً؛ فوجه قحطبة العكّيّ على مقدّمته. وسار قحطبة حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين؛ شهري رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومائة، ونصر نازل في يقريية من قى قومس يقال لها بذش، ونزل من كان معه من قيس في قرية يقال لها الممد؛ وكتب نصر إلى ابن هبيرة يستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان؛ يعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسله، وكتب نصر إلى مروان: إني وجّهت إلى ابن هبيرة قوماً من وجوه أهل خراسان ليعلموه أمر الناس من قبلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّني بأحد؛ وإنما أنا بمنزلة من أخر من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره؛ فإن أدركه من يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له؛ وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فناء. فكتب مروان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصراً، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني لييث يسأله أن يعجّل إليه الجند، فإنّ أهل خراسان قد كذبتهم حتى ما رجل منهم يصدّق لي قولاً؛ فأمدّني بعشرة آلاف قبل أن تمدّني بمائة ألف، ثم لا تغني شيئاً. وحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره؛ عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكانت إليه مكة والمدينة والطائف. وكان فيها العراق إلى يزد بن عمر بن هبيرة. وكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربيّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور، وعلى خراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث ذكر خبر موت نصر بن سيار فممّا كان فيها من ذلك توجيه قحطبة ابنه اعلحسن إلى نصر وهو بقومس. فذكر عليّ بن محمد؛ أن زهير بن هنيد والحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ التاجيّ، قالوا: لما قتل نباتة ارتحل نصر بن سيّار من بذش، ودخل خوار وأميرها أبو بكر العقيليّ، ووجّه قحطبة ابنه الحسن إلى قومس قال: يالمحرّم سنة إحدى وثلاثيين ومائة، ثم وجّه قحطبة أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم وأبا العباس المروزيّ إلى الحسن في سبعمائة، فلما كانوا قريباً منه، انحاز أبو كامل وترك عسكره، وأتى نصراً فصار معه، وأعلمه مكان القائد الذي خلّف، فوجّه إليهم نصر جنداً فأتوهم وهم في حائط فحصروهم، فنقب جميل بن مهران الحائط، وهرب هو وأصحابه، وخلّفوا شيئاً من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له عطيف بالريّ، فأخذ الكتاب من رسول نصر والمتاع، وبعث به إلى ابن هبيرة، فغضب نصر، وقال: أبي يتلعّب ابن هبيرة! أيشغب عليّ بضغابس قيس! أما والله لأدعنّه فليعرفنّ أنه ليس بشيء ولا ابنه الذي تربّص له الأشياء. وسار حتى نزل الريّ - وعلى الريّ حبيب بن بديل النهشليّ - فخرج عطيف من الرّيّ حين قدمها نصر إلى همذان، وفيها مالك بن أدهم بن محرز الباهليّ على الصحصحية، فلما رأى مالكاً في همذان عدل منها إلى أصبهان إلى عامر بن ضبارة - وكان عطيف في ثلاثة آلاف - وجّهه ابن هبيرة إلى نصر، فنزل الريّ، ولم يأت نصراً. وأقام نصر بالريّ يومين ثم مرض، فكان يحمل حملاً؛ حتى إذا كان بساوة قريباً من همذان مات بها؛ فلما مات دخل أصحابه همذان وكانت وفاة نصر - فيما قيل - لمضيّ اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول، وهو ابن خمس وثمانين سنة. وقيل إن نصراً لما شخص من خوار متوجّهاً نحو الريّ لم يدخل الريّ ولكنه أخذ المفازة التي بين الريّ وهمذان فمات بها. رجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه. قالوا: ولما مات نصر بن سيّار بعث الحسن خازم بن خزيمة إلى قرية ييقال لها سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان، وقدّم أمامه زياد بن زرارة القشيريّ؛ وكان زياد قد ندم على اتباع أبي مسلم، فانخزل عن قحطبة، وأخذ طريق أصبهان يريد أن يأتي عامر بن ضبارة، فوجّه قحطبة المسيّب بن زهير الضبيّ، فلحقه من غد بعد العصر فقاتله، فانهزم زياد، وقتل عامة من معه، ورجع المسيّب بن زهير إلى قحطبة، ثم سار قحطبة إلى قومس وبها ابنه الحسن، فقدم خازم من الوجه الذي كان وجّهه فيهي الحسن، فقدّم قحطبة ابنه الحسن إلى الريّ. وبلغ حبيب ابن بديل النهشليّ ومن معه من أهل الشأم مسير الحسن، فخرجوا من الريّ ودخلها الحسن، فأقام حتى قدم أبوه. وكتب قحطبة حين قدم الريّ إلى أبي مسلم يعلمه بنزوله الرّيّ. أمر أبي مسلم مع قحطبة عند نزوله الريّ قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تحوّل أبو مسلم من مرو إلى نييسابور فنزلها. ذكر الخبر عما كان من أمر أبي مسلم هنالكومن قحطبة بعد نزوله الريّ: ولما كتب قحطبة إلى أبي مسلم بنزوله الرّيّ ارتحل أبو مسلم - فيما ذكر - من مرو، فنزل نيسابور وخندق بها، ووجّه قحطبة ابنه الحسن بعد نزوله الرّيّ بثلاث إلى همذان؛ فذكر عليّ عن شيوخه وغيرهم أنّ الحسن بن قحطبة لما توجّه إلى همذان؛ خرج منها مالك بن أدهم ومن كان بها من أهل الشأم وأهل خراسان إلى نهاوند، فدعاهم مالك إلى أرزاقهم، وقال: من كان له ديوان فليأخذ رزقه، فترك قوم كثير دواوينهم ومضوا، فأقام مالك ومن بقي معه من أهل الشأم وأهل خراسان ممّن كان مع نصر، فسار الحسن من همذان إلى نهاوند، فنزل على أربعة فراسخ من المدينة، وأمدّه قحطبة بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة، حتى أطاف بالمدينة وحصرها. ذكر خبر قتل عامر بن ضبارة ودخول قحطبة أصبهان قال أبو جعفر: وفي هذه السنة قتل عامر بن ضبارة. ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك: وكان سبب مقتله أنّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر لما هزمه ابن ضبارة مضى هارباً نحو خراسان، وسلك إليها طريق كرمان، ومضى عامر بن ضبارة فيي أثره لطلبه، وورد على يزيد بن عمر مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان؛ فذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وأبا الحسن الجشمّ والحسن ابن رشيد وجبلة بن فرّوج وحفص بن شبيب أخبروه، قالوا: لما قتل نباتة كتب ابن هبيرة إلى عامر بن ضبارة وإلى ابنه داود بن يزيد بن عمر أن يسيرا إلى قحطبة - وكانا بكرمان - فسارا في خمسين ألفاً حتى نزلوا أصبهان بمدينة جيّ - وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر - فبعث قحطبة إليهم مقاتلاً وأبا حفص المهلبيّ وأبا حماد المروزيّ مولى بني سليم وموسى بن عقيل وأسلم بن حسان وذؤيب بن الأشعث وكلثوم بن شبيب ومالك بن طريف والمخارق بن غفار والهيثم بن زياد؛ وعليهم جميعاً العكيّ، فسار حتى نزل قمّ. وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بأهل نهاوند، فأراد أن يأتيهم معيناً لهم، وبلغ الخبر العَكيّ من قمّ وخلف بها طريف بن غيلان، فكتب إليه قحطبة يأمره أن يقيم حتى يقدم عليه، وأن يرجع إلى قمّ، وأقبل قحطبة من الرّيّ، وبلغه طلائع العسكرين؛ فلما لحق قحطبة بمقاتل بن حكيم العكيّ ضمّ عسكر العكيّ إلى عسكره، وسار عامر بن ضبارة إليهم وبينه وبين عسكر قحطبة فرسخ، فأقام أياماً، ثم سار قحطبة إليهم، فالتقوا وعلى ميمنة قحطبة العكيّ ومعه خالد بن برمك، وعلى ميسرته عبد الحميد بن ربعيّ ومعه مالك بن طريف - وقحطبة في عشرين ألفاً وابن ضبارة في مائة ألف، وقيل في خمسين ومائة ألف - فأمر قحطبة بمصحف فنصب على رمح ثم نادى: يا أهل الشأم، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه وأفحشوا في القول، فأرسل إليهم قحطبة: احملوا عليهم، فحمل عليهم العكيّ، وتهايج الناس، فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم أهل الشأم، وقتلوا قتلاً ذريعاً، وحووا عسكرهم، فأصابوا شيئاً لا يدرى عدده من السلاح والمتاع والرقيق، وبعث بالفتح إلى ابنه الحسن مع شريح بن عبد الله. قال عليّ: وأخبرنا أبو الذّيال، قال: لقي قحطبة عامر بن ضبارة؛ ومع ابن ضبارة ناس من أهل خراسان؛ منهم صالح بن الحجاج النميريّ وبشر ابن بسطام بن عمران بن الفضل البرجميّ وعبد العزيز بن شماس المازنيّ وابن ضبارة في خيل ليست معه رجّالة، وحقحطبة معه خيل ورجّالة. فرموا الخيل بالنّشاب، فانهزم ابن ضبارة حتى دخل عسكره، واتّبعه قحطبة، فترك ابن ضبارة العسكر، ونادى: إليّ، فانهزم الناس وقتل. قال عليّ: وأخبرنا المفضّل بن محمد الضبيّ، قال: لما لقي قحطبة ابن ضبارة انهزم داود بن يزيد بن عمر، فسأل عنه عامر، فقيل: انهزم، فقال: لعن الله شرّنا منقلباً! وقاتل حتى قتل. قال عليّ: وأخبرنا حفص بن شبيب، قال: حدّثني من شهد قحطبة وكان معه، قال: ما رأيت عسكراً قطّ جمع ما جمع أهل الشأم بإصبهان من الخيل والسلاك والرقيق، كأنا افتتحنا مدينة؛ وأصبنا معهم ما لا يحصى من البرابط والطنابير والمزامير؛ ولقلّ بيت أو خباء ندخله إلا أصبنا فيه زكرة أو زقاً من الخمر، فقال بعض الشعراء: لما رمينا مضراً بالقبّ ... قرضبهم قحطبة القرضب يدعون مروان كدعوى الربِّ ذكر خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند ونهاوند وفي هذه السنة كانت وقعة قحطبة بنهاوند بمن كان لجأ إليها من جنود مروان بن محمد. وقيل: كانت الوقعة بجايلق من أرض أصبهان يوم السبت لسبع بقين من رجب. ذكر الخبر عن هذه الوقعة ذكر عليّ بن محمد أن الحسن بن رشيد وزهير بن الهنيد أخبراه أن ابن ضبارة لما قتل كتب بذلك قحطبة إلى ابنه الحسن، فلما أتاه الكتاب كبّر وكبّر جنده، ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السغديّ: ما صاح هؤلاء بقتل ابن ضبارة إلا وهو حقّ، فاخرجوا إلى الحسن بن قحطبة وأصحابه؛ فإنكم لا تقومون لهم، فتذهبون حيث شئتم قبل أن يأتيه أبوه أو مدده. فقالت الرّجالة: تخرجون وأنتم فرسان على خيول فتذهبون وتتركوننا! فقال لهم مالك ابن أدهم الباهليّ: كتب إليّ ابن هبيرة ولا أبرح حتى يقدم عليّ. فأقاموا وأقام قحطبة بأصبهان عشرين يوماً، ثم سار حتى قدم على الحسن نهاوند فحصرهم أشهراً، ثم دعاهم إلى الأمان فأبوا، فوضع عليهم المجانيق، فلما رأى ذلك مالك طلب الأمان لنفسه ولأهل الشأم - وأهل خراسان لا يعلمون - فأعطاه الأمان فوفى له قحطبة، ولم يقتل منهم أحداً، وقتل من كان بنهاوند من أهل خراسان، إلا الحكم بن ثابت بن أبي مسعر الحنفيّ، وقتل من أهل خراسان أبا كامل وحاتم بن الحارث بن شريح وابن نصر بن سيّار وعاصم بن عمير وعليّ بن عقيل وبيهس بن بديل من بني سليم؛ من أهل الجزيرة، ورجلاً من قريش يقال له البختريّ، من أولاد عمر بن الخطاب - وزعموا أن آل الخطاب لا يعرفونه - وقطن بن حرب الهلاليّ. قال عليّ: وحدّثنا يحيى بن اعلحكم الهمدانيّ، قال: حدّثني مولى لنا قال: لمّا صالح مالك بن أدهم قحطبة قال بيهس بن بديل: إنّ ابن أدهم لمصالح علينا؛ والله لأفتكنّ به؛ فوجد أهل خراسان أن قد فتح لهم الأبواب، ودخلوا وأدخل قحطبة من كان معه من أهل خراسان حائطاً. وقال غير عليّ: أرسل قحطبة إلى أهل خراسان الذين في مدينة نهاوند يدعوهم إلى الخروج إليه، وأعطاهم الأمان، فأبوا ذلك. ثم أرسل إلى أهل الشأم بمثل ذلك فقبلوا، ودخلوا في الأمان بعد أن حوصروا ثلاثة أشهر: شعبان ورمضان وشوّال، وبعث أهل الشأم إلى قحطبة يسألونه أن يشغل أهل المدينية حتى يفتحوا الباب وهم لا يشعرون، ففعل ذلك قحطبة، وشغل أهل المدينة بالقتال، ففتح أهل الشأم الباب الذي كانوا عليه؛ فلما رأى أهل خراسان الذين في المدينة خروج أهل الشأم، سألوهم عن خروجهم، فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم، فخرج رؤساء أهل خراسان، فدفع قحطبة كلّ رجل منهم إلى رجل من قوّاد أهل خراسان، ثم أمر مناديه فنادى: من كان فيي يده أسير ممّن خرج إلينا من أهل المدينية فلييضرب عنقه، وليأتنا برأسه. ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبي مسلم وصاروا إلى الحصن إلاّ قتل، ما خلا أهل الشأم فإنه خلّى سبيلهم، وأخذ عليهم ألا يمالئوا عليه عدواً. رجع الحديث إلى حديث عليّ عن شيوخه الذين ذكرت: ولما أدخل قحطبة الذين كانوا بنهاوند من أهل خراسان ومن أهل الشأم الحائط، قال لهم عاصم بن عمير: ويلكمّ ألا تدخلون الحائط! وخرج عاصم فلبس درعه، ولبس سواداً كان معه، فلقيه شاكريّ كان له بخراسان فعرفه، فقال: أبو الأسود؟ قال: نعم، فأدخله في سرب، وقال لغلام له: احتفظ به ولا تطلعنّ على مكانه أحداً، وأمر قحطبة: من كان عنده أسيراً فليأتنا به. فقال الغلام الذي كان وكل بعاصم: إن عندي أسيراً أخاف أن أغلب عليه، فسمعه رجل من أهل اليمن، فقال: أرنيه، فأراه إياه فعرفه، فأتى قحطبة فأخبره، وقال: رأس من رءوس الجبابرة، فأرسل إليه فقتله، ووفّى لأهل الشأم فلم يقتل منهم أحداً. قال عليّ: وأخبرنا أبو الحسن الخراساني وجبلة بن فروخ؛ قالا: لما قدم قحطبة نهاوند والحسن محاصرهم، أقام قحطبة عليهم، ووجّه الحسن إلى مرج القلعة، فقدّم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان، وعليها عبد الله ابن العلاء الكنديّ، فهرب من حلوان وخلاّها. قال عليّ: وأخبرنا محرز بن إبراهيم، قال: لما فتح قحطبة نهاوند، أرادوا أن يكتبوا إلى مروان باسم قحطبة، فقالوا: هذا اسم شنيع، اقلبوه فجاء " هبط حقّ " ، فقالوا: الأول مع شنعته أيسر من هذا. فردّوه. ذكر وقعة شهر زور وفتحها وفي هذه السنة كانت وقعة أبي عون بشهرزور. ذكر الخبر عنها وعمّا كان فيها ذكر عليّ أن أبا الحسن وجبلة بن فروخ، حدّثاه قالا: وجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراسانيّ ومالك بن طريف الخراساني في أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بن سفياين على مقدّمة عبد الله بن مروان، فقدم أبو عون ومالك، فنزلا على فرسخين من شهرزور، فأقاما به يوماً وليلة، ثم ناهضا عثمان بن سفيان في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة فقتل عثمان بن سفيان، وبعث أبو عون بالبشارة مع إسماعيل بن المتوكّل، وأقام أبو عون في بلاد الموصل. وقال بعضهم: لم يقتل عثمان بن سفيان، ولكنّه هرب إلى عبد الله بن مروان، واستباح أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة بعد قتال شديد. وقال: كان قحطبة وجه أبا عون إلى شهرزور في ثلاثين ألفاً بأمر أبي مسلم إياه بذلك. قال: ولما بلغ خبر أبي عون مروان وهو بحرّان، ارتحل منها ومعه جنود الشأم والجزيرة والموصل، وحشرت بنو أمية معه أبناءهم مقبلاً إلى أبي عون؛ حتى انتهى إلى الموصل، ثم أخذ في حفر الخنادق من خندق إلى خندق؛ حتى نزل الزّاب الأكبر، وأقام أبو عون بشهرزور بقيّة ذي الحجة والمحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض فيها لخمسة آلاف رجل. ذكر خبر مسير قحطبة إلى ابن هبيرة بالعراق وفي هذه السنة سار قحطبة نحو ابن هبيرة؛ ذكر عليّ بن محمد أن أبا الحسن أخبره وزهير بن هنيد وإسماعيل بن أبي إسماعيل وجبلة بن فرّوخ، قالوا: لما قدم على ابن هبيرة ابنه منهزماً من حلوان، خرج يزيد بن عمر بن هبيرة، فقاتل قحطبة في عدد كثير لا يحصى مع حوثرة بن سهيل الباهليّ، وكان مروان أمدّ ابن هبيرة به، وجعل على الساقة زياد بن سهل الغطفانيّ، فسار يزيد بن عمر بن هبيرة، حتى نزل جلولاء الوقيعة وخندق، فاحتفر الخندق الذي كانت العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء؛ وأقيل قحطبة حتى نزل قرماسين، ثم سار إلى حلوان، فنزل خانقين، فارتحل قحطبة من خانقين، وارتحل ابن هبيرة راجعاً إلى الدّسكرة. وقال هشام عن أبي مخنف، قال: أقبل قحطبة، وابن هبيرة مخندق بجلولاء، فارتفع إلى عكبراء، وجاز قحطبة دجلة، ومضى حتى نزل دمماً دون الأنبار، وارتحل ابن هبيرة بمن معه منصرفاً مبادراً إلى الكوفة لقحطبة، حتى نزل في الفرات في شرقيّه، وقدم حوثرة في خمسة عشر ألفاً إلى الكوفة، وقطع قحطبة الفرات من دمماً، حتى صار من غربيّه، ثم سار يريد الكوفة حتى انتهى إلى الموضع الذيي فيه ابن هبيرة. وفي هذه السنة حجّ بالناس الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعديّ؛ سعد هوازن، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد بن عطية الذي قتل أبا حمزة الخارجيّز وكان والي المدينة من قبل عمه، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال الواقديّ وغيره. وقد ذكر أن الوليد بن عروة إنما كان خرج خارجاً من المدينة، وكان مروان قد كتب إلى عمه عبد الملك بن محمد بن عطية يأمره أن يحجّ بالناس وهو باليمين؛ فكان من أمره ما قد ذكرت قبل، فلمّا أبطأ عليه عمه عبد الملك افتعل كتاباً من عمه يأمره بالحجّ بالناس، فحجّ بهم. وذكر أن الوليد بن عروة بلغه قتل عمه عبد الملك فمضى إلى الذين قتلوه، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وبقر بطون نسائهم، وقتل الصبيان، وحرّق بالنيران من قدر عليه منهم. وكان عامل مكة والمدينة والطائف في يهذه السنة الوليد بن عروة السعديّ من قبل عمه عبد الملك بن محمد، وعامل العراق يزيد بن عمر بن هبيرة. وعلى قضاء الكوفة الحجاج بن عاصم المحاربيّ، وعلى قضاء البصرة عبّاد ابن منصور الناجيّ. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن هلاك قحطبة بن شبيب فممّا كان فيها هلاك قحطبة بن شبيب. ذكر الخبر عن مهلكه وسبب ذلك فكان السبب في ذلك أنّ قحطبة لما نزل خانقين مقبلاً إلى ابن هبيرة، وابن هبيرة بجلولاء، ارتحل ابن هبيرة من جلولاء إلى الدسكرة، فبعث - فيما ذكر - قحطبة ابنه الحسن طليعةً ليعلم له خبر ابن هبيرة، وكان ابن هبيرة راجعاً إلى خندقه بجلولاء، فوجد الحسن بن هبيرة في خندقه، فرجع إلى أبيه فأخبره بمكان ابن هبيرة؛ فذكر علّ بن محمد، عن زهير بن هنيد وجبلة ابن فرّوخ وإسماعيل بن أبي إسماعيل والحسن بن رشيد، أنّ قحطبة، قال لأصحابه لما رجع ابنه الحسن إليه وأخبره بما أخبره به من أمر ابن هبيرة: هل تعلمون طريقاً يخرجنا إلى الكوفة، لا نمرّ بابن هبيرة؟ فقال خلف بن المورّع الهمذانيّ، أحد بني تميم: نعم، أنا أدلّك، فعبر به تامراً من روستقباذ، ولزم الجادّة حتى نزل بزرج سابور، وأتى عكبراء، فعبر دجلة إلى أوانا. قال عليّ: وحدّثنا إبراهيم بن يزيد الخراسانيّ، قال: نزل قحطبة بخانقين وابن هبيرة بجلولاء؛ بينهما خمسة فراسخ، وأرسل طلائعه إلى ابن هبيرة ليعلم علمه، فرجعوا إليه، فأعلموه أنه مقيم، فبعث قحطبة خازم بن خزيمة، وأمره أن يعبر دجلة، فعبر وسار بين دجلة ودجيل؛ حتى نزل كوثبا؛ ثم كتب إليه قحطبة يأمره بالمسير إلى الأنبار، وأن يحدر إليه ما فيها من السفن وما قدر عليه يعبرها، ويوافيه بها بد ممّا، ففعل ذلك خازم، ووافاه قحطبة بد ممّا، ثم عبر قحطبة الفرات في المحرّم من سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ووجّه الأثقال في البرّيّة، وصارت الفرسان معه على شاطىء الفرات، وابن هبيرة معسكر على فم الفرات من أرض الفوجة العليا، على رأس ثلاثة وعشرين فرسخاً من الكوفة، وقد اجتمع إليه فل ابن ضبارة، وأمدّه مروان بحوثرة بن سهيل الباهليّ في عشرين ألفاً من أهل الشأم. وذكر عليّ أن الحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ أخبراه أنّ قحطبة لما ترك ابنّ هبيرة ومضى يريد الكوفة، قال حوثرة بن سهيل الباهليّ وناس من وجوه أهل الشأم لابن هبيرة: قد مضى قحطبة إلى الكوفة، فاقصد أنت خراسان، ودعه ومروان فإنك تكسره، فبالحري أن يتبعك، فقال: ما هذا برأي، ما كان ليتبعني ويدع الكوفة؛ ولكنّ الرأي أن أبادره إلى الكوفة. ولما عبر قحطبة الفرات، وسار على شاطىء الفرات ارتحل ابن هبيرة من معسكره بأرض الفلّوجة، فاستعمل على مقدّمته حوثرة بن سهيل، وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على شاطىء الفرات؛ ابن هبيرة بن الفرات وسورا، وقحطبة في غربيه مما يلي البرّ. ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابيّ في زورق، فسلّم على قحطبة، فقال: ممن أنت؟ قال: من طيّىء، فقال الأعرابيّ لقحطبة: اشرب من هذا واسقني سؤرك، فغرف قحطبة في قصعة فشرب وسقاه، فقال الحمد لله الذي نسأ أجلي حتى رأيتي هذا الجيش يشرب من هذا الماء. قال قحطبة: أتتك الرواية؟ قال: نعم؛ قال: ممن أنت؟ قال: من طيىء، ثم أحد بني نبهان، فقال قحطبة: صدقني إمامي، أخبرني أن لي وقعة على هذا النهر لي فيها النصر، يا أخا بني نبهان، هل ها هنا مخاضة؟ قال: نعم ولا أعرفها، وأدلك على من يعرفها؛ السندييّ بن عصم. فأرسل إليه قحطبة، فجاء وأبو السنديّ وعون، فدلّوه على المخاضة وأمسى ووافته مقدّمة ابن هبيرة في عشرين ألفاً، عليهم حوثرة. فذكر عليّ، عن ابن شهاب العبدّي، قال: نزل قحطبة الجبارية فقال: صدقني الأمام أخبرني أن النصر بهذا المكان، وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم، فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل، فقال: لا تزالون بخير ما كنتم على هذا. ووافته خيول الشأم، وقد دلّوه على مخاضة فقال: إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنف أنّ قحطبة انتهى إلى موضع مخاضة ذكرت له، وذلك عند غروب الشمس ليلة الأربعاء؛ لثمان خلون من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فلما انتهى قحطبة إلى المخاضة اقتحم في عدة من أصحابه، حتى حمل على ابن هبيرة، ووليي أصحابه منهزمين؛ ثم نزلوا فم النيل، ومضى حوثرة حتى نزل قصر ابن هبيرة، وأصبح أهل خراسان وقد فقدوا أميرهم، فألقوا بأيدهم، وعلى الناس الحسن بن قحطبة. رجع الحديث إلى حديث عليّ عن ابن شهاب العبديّ: فأما صاحب علم قحطبة خيران أو يسار مولاه، فقال له: اعبر، وقال لصاحب رايته مسعود بن علاج رجل من بكر بن وائل: اعبر، وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بن ربعيّ أبي غانم أحد بني نبهان من طيىء: اعبر يا أبا غانم، وأبشر بالغنيمة. وعبر جماعة حتى عبر أربعمائة، فقاتلوا أصحاب حوثرة حتى نحوهم عن الشريعة، ولقوا محمد بن نباة فقاتلوه، ورفعوا النيران، وانهزم أهل الشأم، وفقدوا قحطبة فبايعوا حميد بن قحطبة على كره منه، وجعلوا على الأثقال رجلاً يقال له أبو نصر في مائتين، وسار حميد حتى نزل كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسيّة. قال عليّ: أخبرنا خالد بن الأصفح وأبو الذيّال، قالوا: وجد قحطبة فدفنه أبو الجهم، فقال رجل من عرض الناس: من كان عنده عهد من قحطبة فلييخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العكيّ: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن أمير الناس، فبايع الناس حميداً للحسن، وأرسلوا إلى الحسن، فلحقه الرسول دون قرية شاهي، فرجع الحسن فأعطاه أبو الجهم خاتم قحطبة، وبايعوه، فقال الحسن: إن كان قحطبة مات فأنا ابن قحطبة. وقتل في هذه الليلة ابن نبهان السدوسيّ وحرب بن سلم بن أحوز وعيسى بن إياس العدوييّ ورجل من الأساورة، يقال له مصعب، وادّعى قتل قحطبة معن بن زائدة ويحييى بن حضين. قال عليّ: قال أبو الذيّال: وجدوا قحطبة قتيلا في جدول وحرب بن سلم بن أحوز قتيل إلى جنبه، فظنوا أن كلّ واحد منهما قتل صاحبه. قال عليّ: وذكر عبد الله بن بدر قال: كنت مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا إلينا، فقاتلونا على مسنّاة عليها خمسة فوارس؛ فبعث ابن هبيرة محمد بن نباتة، فتلقاهم فدفعناهم دفعاً، وضرب معن بن زائدة قحطبة على حبل عاتقه، فأسرع فيه السيف، فسقط قحطبة في الماء فأخرجوه، فقال: شدّوا يديّ، فشدّوها بعمامة، فقال: إن متّ فألقونيي في الماء لا يعلم أحد بقتلي. وكرّ عليهم أهل خراسان، فانكشف ابن نباتة وأهل الشأم، فاتبعونا وقد أخذ طائفة في وجه، ولحقنا قوم من أهل خراسان، فقاتلناهم طويلاً، فما نجونا إلاّ برجلين من أهل الشأم قاتلوا عنا قتالاً شديداً، فقال بعض الخراسانيّة: دعوا هؤلاء الكلاب بالفارسية فانصرفوا عنا. ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة؛ فسلموا هذا الأمر إليه. ورجع ابن هبيرة إلى واسط. وقد قيل في هلاك قحطبة قول غير الذي قاله من ذكرنا قوله من شيوخ عليّ بن محمد؛ والذي قيل من ذلك أنّ قحطبة لما صار بحذاء ابن هبيرة من الجانب الغربيّ من الفرات، وبينهما الفرات، قدّم الحسن ابنه على مقدّمته، ثم أمر عبد الله الطائيّ ومسعود بن علاج وأسد بن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم في الفرات، فعبروا بعد العصر، فطعن أوّل فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة، فولّوا منهزمين حتى بلغت هزيمتهم جسر سورا حتى اعترضهم سويد صاحب شرطة ابن هبيرة، فضرب وجوههم ووجوه دوابّهم حتى ردّهم إلى موضعهم؛ وذلك عند المغرب؛ حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه؛ فكثروهم، فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد الله بسّام وسلمة ابن محمد - وهم في جريدة خيل - أن يعيبروا، فيكيونوا ردءاً لمسعود بن علاج، فعبروا ولقيهم محمد بن نباتة، فحصر سلمة ومن معه بقرية على شاطىء الفرات، وترجّل سلمة ومن معه، وحميَ القتال، فجعل محمد بن نباتة يحمل على سلمة وأصحابه، فيقتل العشرة والعشرين، ويحمل سلمة وأصحابه على محمد بن نباتة وأصحابه، فيقتل منهم المائة والمائتين، وبعث سلمة إلى قحطبة يستمدّه، فأمدّه بقواده جميعاً، ثم عبر قحطبة بفرسانه، وأمر كل فارس أن يردف رجلاً؛ وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرّم، ثم واقع قحطبة محمد بن نباتة ومن معه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمهم قحطبة حتى ألحقهم بابن هبيرة، وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة، وخلّوا عسكرهم وما فييه من الأموال والسلاح والرّثّة والآنية وغر ذلك؛ ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصّراة، وساروا لييلتهم حتى أصبحوا بفم النيل، وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه؛ فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار، ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه، فأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولّوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما في عسكر ابن هبيرة، ووكّل بذلك رجلاً من أهل خراسان يكنى أبا النضر في مائتي فارس، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء، ثم ارتحل فنزل سورا، ثم نزل بعدها دير الأعور، ثم سار منه فنزل العباسيّة. وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بابن هبيرة بواسط. وكان سبب قتل قحطبة - فيما قال هؤلاء - أنّ أحلم بن إبراهيم بن بسام مولى بني ليث قال: لما رأيت قحطبة في يالفرات، وقد سبحت به دابته حتى كادت تعبر به من الجانب الذي كنت فيه أنا وبسام بن إبراهيم أخي - وكان بسام على مقدّمة قحطبة - فذكرت من قتل من ولد نصر بن سيار وأشياء ذكرتها منه؛ وقد أشفقت على أخي بسام بن إبراهيم لشيء بلغه عنه، فقلت: لا طلبت بثأر أبداً إن نجوت الليلة. قال: فأتلقاه وقد صعدت به دابّته لتخرج من الفرات وأنا على الشطّ، فضربته بالسيف على جبينه، فوثب فرسه، وأعجله الموت؛ فذهب في الفرات بسلاحه. ثم أخبر ابن حصين السعديّ بعد موت أحلم بن إبراهيم بمثل ذلك، وقال: لولا أنه أقرّ بذلك عند موته ما أخبرتُ عنه بشيء. ذكر خبر خروج محمد بن خالد بالكوفة مسوّداً قال أبو جعفر: وفي هذه السنة خرج محمد بن خالد بالكوفة، وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، وخرج عنها عامل ابن هبيرة، ثم دخلها الحسن. ذكر الخبر عمّا كان من أمر من ذكرت ذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: خرج محمّد بن خالد بالكوفة في ليلة عاشوراء، وعلى الكوفة زياد بن صالح الحارثيّ، وعلى شرطه عبد الرحمن ابن بشير العجليّ؛ وسوّد محمد وسار إلى القصر، فارتحل زياد بن صالح وعبد الرحمن بن بشير العجليّ ومن معهم من أهل الشأم، وخلّوا القصر، فدخله محمد بن خالد، فلما أصبنح يوم الجمعة - وذلك صبيحة اليوم الثاني من مهلك قحطبة - بلغه نزول حوثرة ومن معه مدينة ابن هبيرة، وأنه تهيّأ للمسير إلى محمد، فتفرّق عن محمد عامة من معه حيث بلغهم نزول حوثرة مدينة ابن هبيرة، ومسيره إلى محمد لقتاله؛ إلاّ فرساناً من فرسان أهل اليمن، ممن كان هرب من مروان ومواليه. وأرسل إليه أبو سلمة الخلال - ولم يظهر بعد - يأمره بالخروج من القصر واللحاق بأسفل الفرات؛ فإنه يخاف عليه لقلة من معه وكثرة من مع حوثرة - ولم يبلغ أحداً من الفريقين هلاك قحطبة - فأبىة محمد بن خالد أن يفعل حتى تعالى النهار، فتهيّأ حوثرة للمسير إلى محمد بن خالد؛ حييث بلغه قلّة من معه وخذلان العامة له، فبينا محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه، فقال له: خيل قد جاءت من أهل الشأم، فوجّه إليهم عدّة من مواليه، فأقاموا بباب دار عمر بن سعد؛ إذ طلعت الرّايات لأهل الشأم، فتهيئوا لقتالهم، فنادى الشأميون: نحن بجيلة، وفينا مليح بن خالد البجليّ، جئنا لندخل في طاعة الأمير. فدخلوا، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل، فلما رأى ذلك حوثرة من صنيع أصحابه، ارتحل نحو واسط بمن معه، وكتب محمد بن خالد من ليلته إلى قحطبة؛ وهو لا يعلم بهلكه؛ يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة، وعجل به مع فارس؛ فقدم على الحسن بن قحطبة، فلما دفع إليه كتاب محمد بن خالد قرأه على الناس، ثم ارتحل نحو الكوفة، فأقام محمد بالكوفة يوم الجمعة والسبت والأحد وصبّحه الحسن يوم الاثنين، فأتوا أبا سلمة وهو في بني سلمة فاستخرجوه، فعسكر بالنخيلة يومين، ثم ارتحل إلى حمّام أعين، ووجّه الحسن ابن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة. وأما عليّ بن محمد، فإنه ذكر أن عمارة مولى جبرائيل بن يحيى أخبره، قال: بايع أهل خراسان الحسن بعد قحطبة، فأقبل إلى الكوفة، وعليها يومئذ عبد الرحمن بن بشير العجليّ، فأتاه رجل من بني ضبّة، فقال: إن الحسن داخل اليوم أو غداً؛ قال: كأنك جئت ترهبني! وضربه ثلثمائة سوط. ثم هرب فسوّد محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، فخرج في أحد عشر رجلاً، ودعا الناس إلى البيعة، وضبط الكوفة، فدخل الحسن من الغد، فكانوا يسألون في الطريق: أين منزل أبي سلمة، وزير آل محمد؟ فدلّوهم عليه، فجاءوا حتى وقفوا على بابه، فخرج إليهم، فقدّموا له دابة من دواب قحطبة فركبها، وجاء حتى وقف في جبّانة السبيع، وبايع أهل خراسان، فمكث أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع - يقال له وزير آل محمد - واستعمل محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ على الكوفة - وكان يقال له الأمير - حتى ظهر أبو العباس. وقال عليّ: أخبرنا جبلة بن فرّوخ وأبو صالح المروزيّ وعمارة مولى جبرائيل وأبو السريّ وغيرهم ممّن قد أدرك أوّل دعوة بن يالعباس، قالوا: ثم وجّه الحسن ابن قحطبة إلى ابن هبيرة بواسط، وضمّ إليه قوّاداً، منهم خازم بن خزيمة ومقاتل بن حكيم العكيّ وخفّاف بن منصور وسعيد بن عمرو وزياد بن مشكان والفضل بن سليمان وعبد الكريم بن مسلم وعثمان بن نهيك وزهير بن محمد والهيثم بن زياد وأبو خالد المروزيّ وغيرهم، ستة عشر قائداً وعلى جميعهم الحسن بن قحطبة. ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن في قوّاد؛ منهم عبد الرحمن بن نعيم ومسعود بن علاج؛ كلّ قائد في أصحابه. وبعث المسيّب بن زهير وخالد بن برمك إلى ديرقني، وبعث المهلبيّ وشراحيل في أربعمائة إلى عين التمر، وبسّام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز، وبها عبد الواحد ابن عمر بن هبيرة. فلما أتى بسام الأهواز خرج عبد الواحد إلى البصرة، وكتب مع حفص بن السبيع إلى سفيان بن معاوية بعهده على البصرة، فقال له الحارث أبو غسان الحارثيّ - وكان يتكهّن وهو أحد بني الديّان: لا ينفذ هذا العهد. فقدم الكتاب على سفيان، فقاتله سلم بن قتيبة، وبطل عهد سفيان. وخرج أبو سلمة فعسكر عند حمّام أعين، على نحو من ثلاثة فراسخ من الكوفة، فأقام محمد بن خالد بن عبد الله بالكوفة. وكان سبب قتال سلم بن قتيبة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب - فيما ذكر - أن أبا سلمة الخلال وجّه إذ فرّق العمال في البلدان بسام بن إبراهيم مولى بني ليث إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضّه، فلحق سلم بن قتيبة الباهليّ بالبصرة؛ وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة. وكتب أبو سلمة إلى الحسن بن قحطبة أن يوجّه إلى سلم من أحبّ من قوّاده، وكتب إلى سفياين بن معاوية بعهده على البصرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس، ويدعو إلى القائم منهم؛ وينفي سلم ابن قتيبة. فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة، ويخبره بما أتاه من رأى أبي سلمة؛ فأبى سلم ذلك، وامتنع منه، وحشد مع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة غيرهم، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة؛ وكان بعثه مدداً لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة، فاستعدّ له سلم، وحشد معه من قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبصرة من بني أمية ومواليهم، وسارعت بنو أمية إلى نصره. فقدم سفيان يوم الخميس وذلك في صفر؛ فأتى المربد سلم، فوقف منه عند سوق الإبل، ووجّه الخيول في سكة المربد وسائر سكك البصرة للقاء من وجه إليه سفيان، ونادى: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، ومن جاء بأسير فله ألف درهم. ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة خاصةً، فلقيه خيل من تميم في السكة التي تأخذ إلى بني عامر في سكّة المربد عند الدار التي صارت لعمر بن حبيب، فطعن رجل منهم فرس معاوية، فشبّ به فصرعه؛ فنزل إليه رجل من بني ضبّة يقال له عياض، فقتله، وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة، فأعطاه ألف درهم، فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه، وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر. وقدم على سلم بعد غلبته على البصرة جابر بن توبة الكلابيّ والوليد بن عتبة الفراسيّ، من ولد عبد الرحمن بن سمرة في أربعة آلاف رجل، كتب إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مدداً لسلم وهو بالأهواز، فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الأزد، فأغاروا عليهم، فقاتلهم من بقي من رجال الأزد قتالاً شديداً حتى كثرت القتلى فيهم؛ فانهزموا، فسبى جابر ومن معه من أصحابه النساء، وهدموا الدور وانتهبوا؛ فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام؛ فلم يزل سلم مقيماً بالبصرة حتى بلغه قتل ابن هبيرة، فشخص عنها فاجتمع من البصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أياماً يسيرة، حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعيّ من قبل أبي مسلم، فوليها خمسة أيام، فلما قام أبو عباس ولاّها سفيان بن معاوية. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة بويع لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ليلة الجمعة لثلاث عشرة مضت من شهر ربيع الآخر؛ كذلك حدّثني أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر. وكذلك قال هشام بن محمد. وأما الواقديّ فإنه قال: بويع لأبي العباس بالمدينة بالخلافة في جمادى الأولى في سنة ثنتين وثلاثين ومائة. قال الواقديّ: وقال لي أبو معشر: في شهر ربيع الأول سنة ثنتين وثلاثين ومائة؛ وهو الثّبت. خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ابن عبد الله بن عباس ذكر الخبر عن سبب خلافتهوكان بدء ذلك - فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه أعلم العباس ابن عبد المطلب أنه تؤول الخلافة إلأى ولده، فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك، ويتحدّثون به بينهم. وذكر عليّ بن محمد أن إسماعيل بن الحسن حدّثه عن رشيد بن كريب، أنّ أبا هاشم خرج إلى الشأم، فلقي محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، فقال: يا بن عمّ، إن عندي علماً أنبذه إليك فلا تطلعنّ عليه أحداً؛ إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس، فيكم. قال: قد علمت فلا يسمعنّه منك أحد. قال عليّ: وأخبرنا سليمان بن داود، عن خالد بن عجلان، قال: لما خالف ابن الأشعث، وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك، أرسل عبد الملك إلى خالد بن يزيد فأخبره، فقال: أما إذا كان الفتق من سجستان فليس عليك بأس؛ إنما كنا نتخوّف لو كان من خراسان. وقال عليّ: أخبرنا الحسن بن رشيد وجبلة بن فرّوخ التاجيّ ويحيى بن طفيل والنعمان بن سريّ وأبو حفص الأزدي وغيرهم أن الإمام محمد بن عليّ ابن عبد الله بن عباس، قال: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة، ثم يقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب، ويستخرجوا ما كنز الجبّارون فيها. فلمّا قتل يزيد بن أب يمسلم بإفريقية، ونقضت البربر، بعث محمد بن عليّ رجلاً إلى خراسان، وأمره أن يدعو إلى الرضا، ولا يسمّي أحداً. وقد ذكرنا قبل خبر محمد بن عليّ، وخبر الدّعاة الذي وجههم إلى خراسان. ثم مات محمد بن عليّ وجعل وصيّه من بعده ابنه إبراهيم؛ فبعث إبراهيم بن محمد إلى خراسان أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، وكتب معه إلى النقباء بخراسان، فقبلوا كتبه وقام فيهم، ثم رجع إليه فردّه ومعه أبو مسلم. وقد ذكرنا أمر أبي مسلم قبل وخبره. ثم وقع في يد مروان بن محمد كتاب لإبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم، جواب كتاب لأبي مسلم يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربيّة بخراسان. فكتب مروان إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبلقاء أن يسير إلى الحميمة، ويأخذ إبراهيم بن محمد ويوجّه به إليه. فذكر أبو زيد عمر بن شبّة أن عيسى ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، حدّثه عن عثمان بن عروة ابن محمد بن عمار بن ياسر، قال: إني مع أبي جعفر بالحميمة ومعه ابناه محمد وجعفر، وأنا أرقّصهما، إذ قال لي: ماذا تصنع؟ أما ترى إلى ما نحن فيه! قال: فنظرت فإذا رسل مروان تطلب إبراهيم بن محمد، قال: فقلت: دعني أخرج إليهم، قال: تخرج من بيتي وأنت ابن عمار بن ياسر! قال: فأخذوا أبواب المسجد حين صلوا الصبحح، ثم قالوا للشاميّين الذين معهم: أين إبراهيم بن محمد؟ فقالوا: هو ذا، فأخذوه؛ وقد كان مروان أمرهم بأخذ إبراهيم، ووصف لهم صفة أبي العباس التي كان يجدها في الكتب أنه يقتلهم؛ فلما أتوه بإبراهيم، قال: ليس هذه الصّفة التي وصفت لكم، فقالوا: قد رأينا الصفة التي وصفت، فردّهم في طلبه، ونذروا، فخرجوا إلى العراق هرّاباً. قال عمر: وحدّثني عبد الله بن كثير بن الحسن العبديّ، قال: أخبرني عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: بعث مروان بن محمد رسولاً إلى الحميمة يأتيه بإبراهيم بن محمد، ووصف له صفته، فقدم الرسول فوجد الصفة صفة أبي العباس عبد الله بن محمد، فلما ظهر إبراهيم بن محمد وأمن قيل للرسول: إنما أمرت بإبراهيم؛ وهذا عبد الله! فلما تظاهر ذلك عنده ترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به. قال: فشخصت معه أنا وأناس من بني العباس ومواليهم، فانطلق بإبراهيم، ومعه أمّ ولد له كان بها معجباً، فقلنا له: إنما أتاك رجل، فهلمّ فلنقتله ثم ننكفىء إلى الكوفة، فهم لنا شيعة، فقال: ذلك لكم، قلنا: فأمهل حتى نصير إلى الطريق التي تخرجنا إلى العراق. قال: فسرنا حتى صرنا إلى طريق تتشعّب إلى العراق، وأخرى إلى الجزيرة، فنزلنا منزلاً؛ وكان إذا أراد التعريس اعتزل لمكان أمّ ولده، فأتينا للأمر الذي اجتمعنا عليه، فصرخنا به، فقام ليخرج فتعلقت به أم ولده، وقالت: هذا وقت لم تكن تخرج فيه؛ فما هاجك! فالتوى عليها، فأبت حتى أخبرها، فقالت: أنشدك الله أن تقتله فتشأم أهلك! والله لئن قتلته لا يبقي مروان من آل العباس أحداً بالحميمة إلاّ قتله؛ ولم تفارقه حتى حلف لها ألا يفعل، ثم خرج إلينا وأخبرنا، فقلنا: أنت أعلم. قال عبد الله: فحدثني ابن لعبد الحميدي بن يحيى كاتب مروان، عن أبيه، قال: قلت لمروان بن محمد: أتتّهمني؟ قال: لا، قلت: أفيحطك صهره؟ قال: لا، قلت: فإني أرى أمره ينبغ عليك فأنكحه وأنكح إليه، فإن ظهر كنت قد أعلقت بينك وبينه سبباً لا يريبك معه، وإن كفيته لم يشنك صهره. قال: ويحك! والله لو علمته صاحب ذاك لسبقت إليه؛ ولكن ليس بصاحب ذلك. ==================================================ج25. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري وذكر أن إبراهيم بن محمد حين أخذ للمضيّ به إلى مروان نعى إلى أهل بيته حين شيّعوه نفسه، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله ابن محمد، وبالسمع له وبالطاعة، وأوصى إلى أبي العباس، وجعله الخليفة بعده؛ فشخص أبو العباس عند ذلك ومن معه من أهل بيته؛ منهم عبد الله ابن محمد وداود بن عيسى، وصالح وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد بنو عليّ ويحيى ابن محمد وعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وعبد الوهاب ومحمد ابنا إبراهيم وموسى بن داود ويحيى بن جعفر بن تمام؛ حتى قدموا الكوفة، في صفر، فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم نحواً من أربعين ليلة من جميع القوّاد والشيعة. وأراد - فيما ذكر - أبو سلمة تحويل الأمر إلى آل أبي طالب لما بلغه الخبر عن موت إبراهيم بن محمد؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ جبلة بن فرّوخ وأبا السريّ وغيرهما قالا: قدم الإمام الكوفة في ناس من أهل بيته، فاختفوا، فقال أبو الجهم لأبي سلمة: ما فعل الإمام؟ قال: لم يقدم بعد، فألحّ عليه يسأله، قال: قد أكثرت السؤال، وليس هذا وقت خروجه فكانوا بذلك، حتى لقي أبو حميد خادماً لأبي العباس، ييقال له سابق الخوارزميّ، فسأله عن أصحابه، فأخبره أنهم بالكوفة، وأنّ أبا سلمة يأمرهم أن يختفوا، فجاء به إلى أبي الجهم، فأخبره خبرهم، فسرّح أبو الجهم أبا حميد مع سابق حتى عرف منزلهم بالكوفة، ثم رجع وجاء معه إبراهيم بن سلمة رجل كان معهم، فأخبر أبا الجهم عن منزلهم ونزول الإمام في بني أود، وأنه أرسل حين قدموا إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار، فلم يفعل، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم إلى موسى بن كعب، وقصّوا عليه القصّة، وبعثوا إلى الإمام بمائتي دينار، ومضى أبو الجهم إلى أبي سلمة، فسأله عن الإمام، فقال: ليس هذا وقت خروجه؛ لأن واسطاً لم تفتح بعد، فرجع أبو الجهم إلى موسى بن كعب فأخبره، فأجمعوا على أن يلقوا الإمام، فمضى موشى بن كعب وأبو الجهم وعبد الحميد بن ربعيّ وسلمة ابن محمد وإبراهيم بن سلمة وعبد الله الطائيّ وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وأبو حمييد محمد بن إبراهيم وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين إلى الإمام، فبلغ أبا سلمة، فسأل عنهم فقيل: ركبوا إلى الكوفة في حاجة لهم. وأتى القوم أبا العباس، فدخلوا عليه فقالوا: أيّكم عبد الله بن محمد ابن الحارثية؟ فقالوا: هذا، فسلموا عليه بالخلافة؛ فرجع موسى بن كعب وأبو الجهم الآخرين؛ فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبت إلى إمامي. فركب أبو سلمة إليهم، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد أنّ أبا سلمة قد أتاكم؛ فلا يدخلنّ على الإمام إلاّ وحده؛ فلما انتهى إليهم أبو سلمة منعوه أن يدخل معه أحد، فدخل وحده، فسلم بالخلافة على أبي العباس. وخرج أبو العباس على برذون أبلق يوم الجمعة، فصلّى بالناس؛ فأخبرنا عمارة مولى جبرئيل وأبو عبد الله السلميّ أن أبا سلمة لما سلم على أبي العباس بالخلافة، قال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماصّ بظر أمّه! فقال له أبو العباس: مّهْ! وذكر أنّ أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة، قام في أعلاه، وصعد داود بن عليّ فقام دونه، فتكلم أبو العباس، فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا وأيّده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوّام به، والذّابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها، وخصّنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقّنا من نبعته؛ جعله من أنفسنا عزيزاً عليه ما عنتنا، حريصاً علينا بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتاباً يتلى عليهم، فقال عزّ من قائل فيما أنزل من محكم القرآن: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " ، وقال: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى " وقال: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، وقال: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى " فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودّتنا، وأجزل من الفىء والغنيمة نصيبنا تكرمةً لنا، وفضلاً علينا، والله ذو الفضل العظيم. وزعمت السبيّئة الضلاّل، أن غيرنا أحقّ بالراسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم! بم ولم أيّها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحقّ، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وتمّ بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرّ ومواساة في دينهم ودنياهم، وإخواناً على سرر متقابلين في آخرتهم؛ فتح الله ذلك منّةً ومنحةً لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم، فعدّلوا فيها ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصاً منها. ثم وثب بنو حرب ومروان، فابتزّوها وتدالولوها بينهم، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه، فلما آسفون انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنا، وتدارك بنا أمّتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمنّ بنا على الذين استُضعفوا في الأرض؛ وختم بنا كما افتتح بنا. وإني لأرجو ألاّ يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح؛ وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا ومنزل مودّتنا. أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم؛ حتى أدركتم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا؛ فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا؛ وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا، فأنا السفاح المبيح، والثائر المبير. وكان موعوكاً فاشتدّ به الوعك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن عليّ فقام دونه على مراقي المنبر، فقال: الحمد للله شكراً شكراً شكراً؛ الذي أهلك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أيّها الناس، الآن أقشعت حنادس الدّنيا، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه؛ وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه؛ في أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرّحمة بكم والعطف علكيم. أهييا الناس، إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجيناً ولا عقياناً، ولا نحفر نهراً، ولا نبني قصراً؛ وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، والغضب لبني عمنا، وما كرثنا من أموركم، وبهظنا من شؤونكم؛ ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخرقهم بكم، واستذلالهم لكم؛ واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم. لكم ذمة الله تبارك وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وذمة العبّاس رحمه الله؛ أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامّة منكم والخاصّة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تبّاً تبّاً لبني حرب بن أمية وبني مروان! آثروا في مدّتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم فيي العباد؛ وسنّتهم في البلاد التي بها استلذّوا تسربل الأوزار، وتجليبب الآصار، ومرحوا في أعنّة المعاصي، وركضوا في ميادين الغيّ؛ جهلاً باستدراج الله، وأمناً لمكر الله؛ فأتاهم بأس الله بياتاً وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث، ومُزّقوا كلّ ممزّق، فبعداً للقوم الظالمين! وأدالنا الله من مروان، وقد غرّه بالله الغرور، أرسل لعدوّ الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه، فظنّ عدوّ الله أن لن نقدر علييه، فنادى حزبه، وجمع مكايده، ورمى بكتائبه؛ فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وشماله، من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وجعل دائرة السوء به، وأحيا شرفنا وعزّنا، وردّ إلينا حقنا وإرثنا. أيّها الناس؛ إن أمير المؤمنين نصره الله نصراً عزييزاً، إنما عاد إلى المنبر بعد الصّلاة؛ أنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام بعد أن اسحنفر فييه شدّة الوعك؛ وادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدوّ الرحمن وخليفة الشيطان المتبع للسفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها بإبدال الدين وانتهاك حريم المسلمين، الشاب المتكهّل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار؛ الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها، بمعالم الهدى، ومناهج التقوى. فعجّ الناس له بالدعاء. ثم قال: يا أهل الكوفة؛ إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقّنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقّنا، وأفلج بهم حجّتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأراكم الله ما كنتم تنتظرون، وإليه تتشوّفون، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيّض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشأم، ونقل إليكم السلطان، وعزّ الإسلام، ومنّ عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة. فخذوا ما آتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم فإن الأمر أمركم، وإنّ لكل أهل بيت مصراً؛ وإنكم مصرنا. ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - فاعلموا أنّ هذا الأمر فينا ليس بخارج منّا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو العباس وداود بن عليّ أمامه؛ حتى دخل القصر، وأجلس أبا جعفر ليأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم؛ حتى صلى بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب، وجنّهم الليل، فدخل. وذكر أن داود بن عليّ وابنه موسى كانا بالعراق أو بغيرها، فخرجا يريدان الشراة فلقيهما أبو العباس يريد الكوفة، معه أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعبد الله بن عليّ وعيسى بن موسى ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، ونفر من مواليهم بدومة الجندل، فقال لهم داود: أين تريدون؟ وما قصّتكم؟ فقصّ عليه أبو العباس قصّتهم، وأنهم يريدون الكوفة ليظهروا بها، ويظهروا أمرهم، فقال له داود: يا أبا العباس، تأتي الكوفة وشيخ بني مروان؛ مروان ابن محمد بحرّان مطلٌ على العراق في أهل الشأم والجزيرة، وشيخ العرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق في حلبة العرب! فقال أبو الغنائم: من أحبّ الحياة ذلّ، ثم تمثل بقول الأعشى: فما ميتة إن متها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، فارجع بنا معه نعش أعزّاء أو نمت كراماً، فرجعوا جميعاً، فكان عيسى بن موسى يقول إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة: إن نفراً أربعة عشر رجلاً خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون مطالبنا، لعظيم همّهم كبيرة أنفسهم، شديدة قلوبهم. ذكر بقية الخبر عما كان من الأحداث في سنة اثنتين وثلاثين ومائة تمام الخبر عن سبب البيعة لأبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ وما كان من أمره: قال أبو جعفر: قد ذكرنا من أمر أبي العباس عبد الله بن محمد بن عليّ ما حضرنا ذكره قبل، عمّن ذكرنا ذلك عنه؛ وقد ذكرنا من أمره وأمر أبي سلمة وسبب عقد الخلافة لأبي العباس أيضاً ما أنا ذاكره؛ وهو أنه لما بلغ أبا سلمة قتل مروان بن محمد إبراهيم الذي كان يقال له الإمام، بدا له في الدعاء إلى ولد العباس وأضمر الدّعاء لغيرهم؛ وكان أبو سلمة قد أنزل أبا العباس حين قدم الكوفة مع من قدم معه من أهل بيته في دار الوليد بن سعد في بني أود، فكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل ذلك من أمره وهو في معسكره بحمّام أعين حتى خرج أبو حميد، وهو يريد الكناسة، فلقي خادماً لإبراهيم يقال له سابق الخوارزميّ، فعرفه، وكان يأتيهم بالشأم فقال له: ما فعل الإمام إبراهيم؟ فأخبره أنّ مروان قتله غيلة، وأن إبراهيم أوصى إلى أخيه أبي العباس، واستخلفه من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامّة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم، فقال له سابق: الموعد بيني وبينك غداً في هذا الموضع، وكره سابق أن يدلّه عليهم إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد من الغد إلى الموضع الذي وعد فيه سابقاً، فلقيه، فانطلق به إلى أبي العباس وأهل بيته، فلما دخل عليهم سأل أبو حميد: من الخليفة منهم؟ فقال داود بن عليّ: هذا إمامكم وخليفتكم - وأشار إلى أبي العباس - فسلم عليه بالخلافة، وقبّل يديه ورجليه، وقال: مرنا بأمرك، وعزّاه بالإمام إبراهيم. وقد كان إبراهيم بن سلمة دخل عسكر أبي سلمة متنكراً، فأتى أبا الجهم فاستأمنه، فأخبره أنه رسول أبي العباس وأهل بيته، وأخبره بمن معه وبموضعهم، وأنّ أبا العباس كان سرّحه إلى أبي سلمة يسأله مائة دينار، يعطيها للجمّال كراء الجمال التي قدم بهم عليها، فلم يبعث بها إليه، ورجع أبو حميد إلى أبي الجهم، فأخبره بحالهم، فمشى أبو الجهم وأبو حميد ومعهما إبراهيم بن سلمة، حتى دخلوا على موسى بن كعب، فقصّ عليه أبو الجهم الخبر، وما أخبره إبراهيم بن سلمة، فقال موسى بن كعب: عجل البعثة إليه بالدّنانير وسرّحه. فانصرف أبو الجهم ودفع الدنانير إلى إبراهيم بن سلمة، وحمله على بغل وسرّح معه رجلين، حتى أدخلاه الكوفة، ثم قال أبو الجهم لأبي سلمة، وقد شاع في العسكر أن مروان بن محمد قد قتل الإمام: فإن كان قد قتل كان أخوه أبو العباس الخليفة والإمام من بعده؛ فردّ عليه أبو سلمة: يا أبا الجهم، اكفف أبا حميد عن دخول الكوفة، فإنهم أصحاب إرجاف وفساد. فلما كانت الليلة الثانية أتى إبراهيم بن سلمة أبا الجهم وموسى بن كعب، فبلّغهما رسالة من أبي العباس وأهل بيته، ومشى في القوّاد والشيعة تلك الليلة، فاجتمعوا في منزل موسى بن كعب؛ منهم عبد الحميد بن ربعيّ وسلمة بن محمد وعبد الله الطائيّ وإسحق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله بن بسام وغيرهم من القوّاد. فأتمروا في الدخول إلى أبي العباس وأهل بيته، ثم تسللوا من الغد حتى دخلوا الكوفة وزعيمهم موسى بن كعب وأبو الجهم وأبو حميد الحميريّ - وهو محمد بن إبراهيم - فانتهوا إلى دار الوليد بن سعد، فدخلوا عليهم، فقال موسى ابن كعب وأبو الجهم: أيّكم أبو العباس؟ فأشاروا إليه، فسلموا عليه وعزّوه بالإمام إبراهيم، وانصرفوا إلى العسكر، وخلّفوا عنده أبا حميد وأبا مقاتل وسليمان بن الأسود ومحمد بن الحصين ومحمد بن الحارث ونهار بن حصين ويوسف بن محمد وأبا هريرة محمد بن فروخ. فبعث أبو سلمة إلى أبي الجهم فدعاه، وكان أخبره بدخوله الكوفة، فقال: أين كنت يا أبا الجهم؟ قال: كنت عند إمامي، وخرج أبو الجهم فدعا حاجب بن صدّان، فبعثه إلى الكوفة، وقال له: ادخل، فسلّم على أبي العباس بالخلافة، وبعث إلى أبي حميد وأصحابه: إن أتاكم أبو سلمة فلا يدخل إلا وحده؛ فإن دخل وبايع فسبيله ذلك؛ وإلا فاضربوا عنقه؛ فلم يلبثوا أن أتاهم أبو سلمة فدخل وحده، فسلم على أبي العباس بالخلافة، فأمره أبو العباس بالانصراف إلى عسكره، فانصرف من ليلته، فأصبح الناس قد لبسوا سلاحهم، واصطفّوا لخروج أبي العباس، وأتوه بالدوابّ، فركب ومن معه من أهل بيته حتى دخلوا قصر الإمارة بالكوفة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر بيع الآخر. ثم دخل المسجد من دار الإمارة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عظمة الربّ تبارك وتعالى وفضل النبي صلى الله عليه وسلم، وقاد الولاية والوراثة حتى انتهيا إليه، ووعد الناس خيراً ثم سكت. وتكلّم داود بن عليّ وهو على المنبر أسفل من أبي العباس بثلاث درجات، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أيّها الناس، إنه والله ما كان بينكم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خليفة إلا عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا الذي لخفي. ثم نزلا وخرج أبو العباس، فعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة، ونزل معه في حجرته، بينهما ستر، وحاجب أبي العباس يومئذ عبد الله بن بسام. واستخلف على الكوفة وأرضها عمّه داود بن عليّ، وبعث عمه عبد الله بن عليّ إلى أبي عون ابن يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ بواسط محاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام ابن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن طريف، وأقام أبو العباس في العسكر أشهراً ثم ارتحل، فنزل المدينة الهاشميّة في قصر الكوفة، وقد كان تنكّر لأبي سلمة قبل تحوّله حتى عرف ذلك. ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزّاب وفي هذه السنة هزم مروان بن محمد بالزّاب. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك ذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وجبلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزيّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي وجّهه قحطبة إلى شهرزور من نهاوند، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموصل، وبلغ مروان أن عثمان قد قتل، فأقبل من حرّان، فنزل منزلاً في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: بلوى، قال: بل علوى وبشرى. ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دجلة، وحفر خندقاً فسار إليه أبو عون، فنزل الزّاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة؛ كلّ واحد في ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائيّ في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسمائة إلى أبي عون. ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن عليّ: أنا، فقال: سر على بركة الله، فسار عبد الله بن عليّ، فقدم على أبي عون، فتحوّل له أبو عون عن سرادقه وخلاّه وما فيه، وصيّر عبد الله بن عليّ على شرطته حيّاش بن حبيب الطائييّ، وعلى حرسه نصير بن المحتفز، ووجّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبد الله بن عليّ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، سأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة، فدلّ عليها بالزّاب، فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله ابن عليّ؛ فأصبح مروان فعقد الجسر، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقاً أسفل من عسكر عبد الله بن عليّ، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن عليّ، فسرّح عبد الله بن مروان إليه الوليد بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابه، وأسروا، وقتل منهم يومئذ عدّة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مروان مع الرءوس، فقال مروان: أدخلوا عليّ رجلاً من الأسارى، فأتوه بالمخارق - وكان نحيفاً - فقال: أنت المخارق؟ فقال: لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرءوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم! قال عليّ: حدثنا شيخ من أهل خراسان قال: قال مروان للمخارق: تعرف المخارق إن رأيته؟ فإنهم زعموا أنه في هذه الرءوس التي أتينا بها، قال: نعم، قال: اعرضوا عليه تلك الرءوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرءوس، ولا أراه إلاّ وقد ذهب، فخلّى سبيله. وبلغ عبد الله بن علّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مروان قبل أن يصل الفلّ إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق. فدعا عبد الله بن عليّ محمد بن صول، فاستخلفه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مروان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانية والصحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم؛ وإن قاتلونا قبل الزوال؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأرسل مروان إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشأم: قفوا لا تبدءوهم بقتال؛ فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الويد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه. وقاتل ابن معاوية أهل الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن عليّ، فقال موسى. ابن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس، وأشرعوا الرماح، وجثوا على الكرب، فقاتلوهم، فجعل أهل الشأم يتأخّرون كأنهم يدفعون؛ ومشى عبد الله قدماً وهو يقول: يا ربّ، حتى متى نقتل فيك! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم! يا محمد، يا منصور! واشتدّ بينهم القتال. وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا، فأرسل إلى السّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شرطه: انزل، فقال: لا والله ما كنت لأجعل نفسي غرضاً. قال: أما والله لأسوءنّك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك. ثم انهزم أهل الشأم، وانهزم مروان، وقطع الجسر؛ فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وأمر عبد الله بن عليّ فعقد الجسر على الزّاب، واستخرجوا الغرقى فأخرجوا ثلثمائة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن عليّ: " وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون " . وأقام عبد الله بن عليّ في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد ابن العاص يعيّر مروان: لج الفرار بمروان فقلت له ... عاد الظلوم ظلماً همّه الهرب أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت ... عنك الهوينى فلا دين ولا حسب فراشة الحلم فرعون العقاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب وكتب عبد الله بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحاً كثيراً وأموالاً؛ ولم يجدوا فيه امرأةً إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلمّا أتى العباس كتاب عبد الله ابن عليّ صلى ركعتين، ثم قال: " فلمّا فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر " إلى قوله: " وعلّمه مما يشاء " . وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين. حدثنا أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: قال عبد الرحمن بن أميّة: كان مروان لما لقيه أهل خراسان لا يدبّر شيئاً إلا كان فيه الخلل والفساد. قال: بلغني أنّه كان يوم انهزم واقفاً، والناس يقتتلون؛ إذ أمر بأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنّ الناس قد مالوا على هذا المالل، ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سر في أصحابك إلى مؤخّر عسكرك، فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة؛ فانهموا. حدّثنا أحمد بن عليّ، عن أبي الجارود السلميّ، قال: حدّثني رجل من أهل خراسان، قال: لقينا مروان على الزّاب، فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد، فجثونا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا كأنهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا، فبقي عليه رجل من أهل الشأم، فخرج عليه رجل منا، فقتله الشأميّ، ثم خرج آخر فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي سيفاً قاطعاً، وترساً صلباً، فأعطيناه، فمشى إليه فضربه الشأميّ فاتّقاه بالترس، وضرب رجله فقطعها، وقتله ورجع؛ وحملناه وكبّرنا فإذا هو عبيد الله الكابليّ. وكانت هزيمة مروان بالزّاب - فيما ذكر - صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة. ذكر خبر قتل إبراهيم بن محمد بن عليّ الإمام وفي هذه السنة قتل إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس. ذكر الخبر عن سبب مقتله اختلف أهل السير في أمر إبراهيم بن محمد، فقال بعضهم: لم يقتل ولكنه مات في سجن مروان بن محمد بالطاعون. ذكر من قال ذلكحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد ابن يزيد بن هريم. قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: قدم مروان بن محمد الرّقة حين قدمها متوجهاً إلى الضّحاك بسعيد بن هشام ابن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان؛ وهم في وثاقهم معه؛ فسرّح بهم إلى خليفته بحرّان، فحبسهم في حبسها، ومعهم إبراهيم بن عليّ بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد وأبو محمد السفيانيّ - وكان يقال له البيطار - ، فهلك في سجن حرّان منهم في وباء وقع بحرّان العباس ابن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر. قال: فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب يوم هزمه عبد الله بن عليّ بجمعة، خرج سعيد بن هشام ومن معه من المحبسين، فقتلوا صاحب السجن، وخرج فيمن معه، وتخلف أبو محمد السفيانيّ في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبس، فقتل أهل حرّان ومن كان فيها من الغوغاء سعيد ابن هشام وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبطريق أرمينية الرابعة - وكان اسمه كوشان - بالحجارة، ولم يلبث مروان بعد قتلهم إلا نحواً من خمس عشرة ليلة؛ حتى قدم حرّان منهزماً من الزّاب، فخلّى عن أبي محمد ومن كان في حبسه من المحبّسين. وذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبديّ حدّثه عن عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتاً فقتله. قال عمرو: وحدثني محمد بن معروف بن سويد، قال: حدّثني أبي عن المهلهل بن صفوان - قال عمر: ثم حدّثني المفضّل بن جعفر بن سليمان بعده؛ قال: حدّثني المهلهل بن صفوان - قال: كنت أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس؛ وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك فكانوا يتزاورون، وخصّ الذي بين إبراهيم وشراحيل فأتاه رسوله يوماً بلبن، فقال: يقول لك أخوك: إنّي شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه، فتناوله فشرب فتوصّب من ساعته وتكسر جسده، وكان يوماً يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه، فأرسل إليه: جعلت فداك! قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلته إليّ أخلفني، فأتاه شراحيل مذعوراً وقال: لا والله الذي لا إله إلا هو؛ ما شربت اليوم لبناً، ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل لك والله. قال: فوالله ما بات إلاّ ليلته وأصح من غد ميتاً؛ فقال إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر ابن هرمة بن هذيل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عديّ بن قيس - وقيس هو ابن الحارث بن فهر - يرثيه: قد كنت أحسبني جلداً فضعضعني ... قبر بحرّان فيه عصمة الدين فيه الإمام وخير الناس كلهم ... بين الصفائح والأحجار والطين فيه الإمام الذي عمّت مصيبته ... وعيّلت كل ذي مال ومسكين فلا عفا الله عن مروان مظلمة ... لكن عفا الله عمّن قال آمين ذكر الخبر عن قتل مروان بن محمدوفي هذه السنة قتل مروان بن محمد بن مروان بن الحكم. ذكر الخبر عن مقتله وقتاله من قاتله من أهل الشأم في طريقه وهو هارب من الطلب حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: لما انهزم مروان من الزّاب كنت في عسكره. قال: كان لمروان في عسكره بالزّاب عشرون ومائة ألف؛ كان في عسكره ستون ألفاً، وكان في عسكر ابنه عبد الله مثل ذلك، والزّاب بينهم، فلقيه عبد الله بن عليّ فيمن معه وأبي عون وجماعة قوّاد، منهم حميد بن قحطبة؛ فلما هزموا سار إلى حرّان وبها أبان بن يزيد بن محمد بن مروان، ابن أخيه عامله عليها، فأقام بها نيّفاً وعشرين يوماً. فلما دنا منه عبد الله بن عليّ حمل أهله وولده وعياله، ومضى منهزماً، وخلّف بمدينة حرّان أبان ابن يزيد؛ وتحته ابنة لمروان يقال لها أمّ عثمان، وقدم عبد الله بن عليّ، فتلقاه أبان مسوّداً مبايعاً له، فبايعه ودخل في طاعته، فآمنه ومن كان بحرّان والجزيرة. ومضى مروان حتى مرّ بقنّسرين وعبد الله بن عليّ متبع له. ثم مضى من قنّسرين إلى حمص، فتلقاه أهلها بالأسواق وبالسمع والطاعة فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم شخص منها؛ فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم، فاتّبعوه بعد ما رحل عنهم؛ فلحقوه على أميال، فلما رأى غبرة خيلهم أكمن لهم في واديين قائدين من مواليه، يقال لأحدهما يزيد والآخر مخلّد؛ فلما دنوا منه وجازوا الكمينين ومضى الذراريّ صافّهم فيمن معه وناشدهم، فأبوا إلا مكاثرته وقتاله، فنشب القتال بينهم؛ وثار الكمينان من خلفهم؛ فهزمهم وقتلتهم خيله حتى انتهوا إلى قريب من المدينة. قال: ومضى مروان حتى مر بدمشق، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان؛ وهو ختن لمروان، متزوج بابنة له يقال لها أمّ الوليد، فمضى وخلفه بها حتى قدم عبد الله بن عليّ عليه، فحاصره أياماً، ثم فتحت المدينة، ودخلها عنوة معترضاً أهلها. وقتل الوليد بن معاوية فيمن قتل، وهدم عبد الله بن عليّ حائط مدينتها. ومرّ مروان بالأردنّ، فشخص معه ثعلبة ابن سلامة العامليّ، وكان عامله عليها، وتركها ليس عليها وال، حتى قدم عبد الله بن عليّ فولى عليها، ثم قدم فلسطين وعليها من قبله الرّماحس بن عبد العزيز. فشخص به معه؛ ومضى حتى قدم مصر، ثم خرج منها حتى نزل منزلاً منها يقال له بوصير؛ فبيّته عامر بن إسماعيل وشعبة ومعهما خيل أهل الموصل فقتلوه بها، وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان ليلة بيّت مروان إلى أرض الحبشة، فلقوا من الحبشة بلاء وقاتلتهم الحبشة، فقتلوا عبيد الله، وأفلت عبد الله في عدّة ممن معه؛ وكان فيهم بكر بن معاوية الباهليّ، فسلم حتى كان في خلافة المهديّ، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين، فبعث به إلى المهديّ. وأما عليّ بن محمد؛ فإنه ذكر أن بشر بن عيسى والنعمان أبا السريّ ومحرز بن إبراهيم وأبا صالح المروزيّ وعمارة مولى جبريل أخبروه أنّ مروان لقي عبد الله بن عليّ في عشرين ومائة ألف وعبد الله في عشرين ألفاً. وقد خولف هؤلاء في عدد من كان مع عبد الله بن عليّ يومئذ. فذكر مسلم بن المغيرة، عن مصعب بن الربيع الخثعميّ وهو أبو موسى ابن مصعب - وكان كاتباً لمروان - قال: لما انهزم مروان، وظهر عبد الله بن عليّ على الشأم، طلبت الأمان فآمنني، فإني يوماً جالس عنده؛ وهو متّكىء إذ ذكر مروان وانهزامه، قال: أشهدت القتال؟ قلت: نعم أصلح الله الأمير! فقال: حدّثني عنه؛ قال: قلت: لما كان ذلك اليوم قال لي: احزر القوم، فقلت: إنما أنا صاحب قلم؛ ولست صاحب حرب؛ فأخذ يمنة ويسرة ونظر فقال: هم اثنا عشر ألفاً، فجلس عبد الله، ثم قال: ما له قاتله الله! ما أحصى الديوان يومئذ فضلاً على اثني عشر ألف رجل!. رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد عن أشياخه: فانهزم مروان حتى أتى مدينة الموصل؛ وعليها هشام بن عمرو التغلبيّ وبشر بن خزيمة الأسديّ، وقطعوا الجسر، فناداهم أهل الشأم: هذا مروان، قالوا: كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ، فسار إلى بلد، فعبر دجلة، فأتى حرّان ثم أتى دمشق، وخلّف بها الوليد بن معاوية، وقال: قاتلهم حتى يجتمع أهل الشأم. ومضى مروان حتى أتى فلسطين، فنزل نهر أبي فطرس، وقد غلب على فلسطين الحكم بن ضبعان الجذاميّ، فأرسل مروان إلى عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع، فأجازه، وكان بيت المال في يد الحكم. وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ يأمره باتباع مروان، فسار عبد الله إلى الموصل، فتلقاه هشام بن عمرو التغلبيّ وبشر بن خزيمة. وقد سوّدا في أهل الموصل، ففتحوا له المدينة، ثم سار إلى حرّأن، وولّى الموصل محمد بن صول؛ فهدم الدّار التي حبس فيها إبراهيم ابن محمد، ثم سار من حرّان إلى منبج وقد سوّدوا، فنزل منبج وولاها أبا حميد المروروذيّ، وبعث إليه أهل قنّسرين ببيعتهم إياه بما أتاه به عنهم أبو أمية التغلبيّ. وقدم عليه عبد الصمد بن عليّ، أمده به أبو العباس في أربعة آلاف، فأقام يومين بعد قدوم عبد الصّمد، ثم سار إلى قنسرين، فأتاها وقد سوّد أهلها، فأقام يومين، ثم سار حتى نزل حمص، فأقام بها أيّاماً وبايع أهلها، ثم سار إلى بعلبكّ فأقام يومين ثم ارتحل؛ فنزل بعين الحرّ، فأقام يومين ثم ارتحل، فنزل مزّة قرية من قرى دمشق فأقام. وقدم علييه صالح بن عليّ مدداً، فنزل مرج عذراء في ثمانية آلاف، معه بسام بن إبراهيم وخفّاف وشعبة والهيثم بن بسام. ثم سار عبد الله بن عليّ، فنزل علي الباب الشرقي، ونزل صالح بن علي علي باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسام على باب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس - وفي دمشق الوليد بن معاوية - فحصروا أهل دمشق والبلقاء، وتعصّب الناس بالمدينة، فقتل بعضهم بعضاً، وقتلوا الوليد، ففتحوا الأبواب يوم الأربعاء لعشر مضين من رمضان سنة ثنتين وثلاثين ومائة، فكان أوّل من صعد سور المدينة من الباب الشرقيّ عبد الله الطائيّ، ومن قبل باب الصغير بسّام بن إبراهيم، فقاتلوا بها ثلاث ساعات، وأقام عبد الله بن عليّ بدمشق خمسة عشر يوماً، ثم سار ييريد فلسطين، فنزل نهر الكسوة، فوجّه منها يحيى بن جعفر الهاشميّ إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردنّ، فأتوه وقد سوّدوا، ثم نزل بيسان، ثم سار إلى مرج الرّوم، ثم أتى نهر أبي فطرس، وقد هرب مروان، فأقام بفلسطين، وجاءه كتاب أبي العباس؛ أنْ وجه صالح بن عليّ في طلب مروان، فسار صالح بن عليّ من نهر أبي فطرس في ذلك القعدة سنة اثنتين وثلاثين ومائة؛ ومعه ابن فتان وعامر بن إسماعيل وأبو عون، فقدّم صالح ابن عليّ أبا عون على مقدّمته وعامر بن إسماعيل الحارثيّ، وسار فنزل الرّملة، ثم سار فنزلوا ساحل البحر، وجمع صالح بن عليّ السفن وتجهز يريد مروان، وهو بالفرماء، فسار على الساحل والسفن حذاءه في البحر؛ حتى نزل العريش. وبلغ مروان فأحرق ما كان حوله من علف وطعام وهرب، ومضى صالح ابن عليّ فنزل الليل، ثم سار حتى نزل الصعيد. وبلغه أن خيلاً لمروان بالساحل يحرقون الأعلاف، فوجّه إليهم قوّاداً، فأخذوا رجالاً، فقدموا بهم على صالح وهو بالفسطاط، فعبر مروان النيل، وقطع الجسر، وحرق ما حوله، ومضى صالح يتبعه، فالتقى هو وخيل لمروان على النيل فاقتتلوا، فهزمهم صالح، ثم مضى إلى خليج، فصادف عليه خيلاً لموان، فأصاب منهم طرفاً وهزمهم، ثم سار إلى خليج آخر فعبروا، ورأوا رهجاً فظنوه مروان، فبعث طليعة عليها الفضل بن دينار ومالك ابن قادم، فلم يلقوا أحداً ينكرونه، فرجعوا إلى صالح فارتحل، فنزل موضعاً يقال له ذات الساحل؛ ونزل فقدم أبو عون عامر بن إسماعيل الحارثيّ، ومعه شعبة بن كثير المازنيّ، فلقوا خيلاً لمروان وافوهم، فهزموهم وأسروا منهم رجالاً، فقتلوا بعضهم، واستحيوا بعضاً، فسألوا عن مروان فأخبروهم بمكانه، على أن يؤمنوهم، وساروا فوجدوه نازلاً في كنيسة في بوصير، ووافوهم في آخر الليل، فهرب الجند وخرج إليهم مروان في نفرٍ يسير، فأحاطوا به فقتلوه. قال عليّ: وأخبرني إسماعيل بن الحسن، عن عامر بن إسماعيل قال: لقينا مروان ببوصير ونحن في جماعة يسيرة فشدوا علينا، فانضوينا إلى نخل ولو يعلمون بقلّتنا لأهلوكنا، فقلت لمن معي من أصحابي: فإن أصبحنا فرأوا قلّتنا وعددنا لم ينج منا أحد؛ وذكرت قول بكير بن ماهان: أنت والله تقتل مروان؛ كأني أسمعك، تقول " دهيد ياجونكثان " ؛ فكسرت جفن سيفي، وكسر أصحابي جفون سيوفهم، وقلت: " دهيد ياجونكثان " ؛ فكأنها نار صبّت عليهم، فانهزموا وحمل رجل على مروان فضربه بسيفه فقتله. وركب عامر بن إسماعيل إلى صالح بن عليّ، فكتب صالح بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس: إنّا اتّبعنا عدوّ الله الجعديّ حتى ألجأناه إلى أرض عدوّ الله شبيهه فرعون، فقتلته بأرضه. قال عليّ: حدثنا أبو طالب الأنصاريّ، قال: طعن مروان رجلٌ من أهل البصرة - يقال له المغود، وهو لا يعرفه - فصرعه، فصاح صائح: صرع أمير المؤمنين، وابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان، فاحتزّ رأسه، فبعث عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى أبي عون، فبعث بها أبو عون إلى صالح بن عليّ، وبعث صالح برأسه مع يزيد بن هانىء - وكان على شرطه - إلى أبي العباس يوم الأحد، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ورجع صالح إلى الفسطاط، ثم انصرف إلى الشأم، فدفع الغنائم إلى أبي عون، والسلاح والأموال والرّقيق إلى الفضل بن دينار، وخلّف أبا عون على مصر. قال عليّ: وأخبرنا أبو الحسن الخراسانيّ، قال: حدّثنا شيخ من بكر ابن وائل، قال: إني لبدير قنّي مع بكير بن ماهان ونحن نتحدّث؛ إذ مرّ فتىً معه قربتان؛ حتى انتهى إلى دجلة، فاستقى ماء، ثم رجع فدعاه بكير، فقال: ما اسمك يا فتى؟ قال: عامر، قال: ابن من؟ قال: ابن إسماعيل، من بلحارث، قال: وأنا من بلحارث، قال: فكن من بني مسلية، قال: فأنا منهم، قال: فأنت والله تقتل مروان، لكأني والله أسمعك تقول: " يا جوانكثان دهيد " . قال عليّ: حدثنا الكنانيّ، قال: سمعت أشياخنا بالكوفة يقولون: بنو مسلية قتلة مروان. وقتل مروان يوم قتل وهو ابن اثنتين وستين سنة في قول بعضهم، وفي قول آخرين: وهو ابن تسع وستين، وفي قول آخرين: وهو ابن ثمان وخمسين. وقتل يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وكانت ولايته من حين بويع إلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر وستة عشر يوماً، وكان يكنى أبا عبد الملك. وزعم هشام بن محمد أن أمه كانت أم ولد كرديّة. وقد حدّثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عليّ بن مجاهد وأبي سنان الجهنيّ، قالا: كان يقال: إنّ أم مروان بن محمد كانت لإبراهيم بن الأشتر؛ أصابها محمد بن مروان بن الحكم يوم قتل ابن الأشتر، فأخذها من ثقله وهي تتنيّق، فولدت مروان على فراشه، فلما قام أبو العباس دخل عليه عبد الله بن عيّاش المنتوف، فقال: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة وابن أمة النّخع ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عبد المطلب. وفي هذه السنة قتل عبد الله بن عليّ من قتل بنهر أبي فطرس من بني أمية، وكانوا اثنين وسبعين رجلاً. وفيها خلع أبو الورد أبا العباس بقنّسرين؛ فبيّض وبيّضوا معه. ذكر الخبر عن تبيض أبي الوردوما آل إليه أمره وأمر من بيّض معه وكان سبب ذلك - فيما حدّثني أحمد بن زهير - قال: حدّثني عبد الوهاب ابن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلد بن محمد بن صالح، قال: كان أبو الورد - واسمه مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابيّ، من أصحاب مروان وقوّاده وفرسانه - فلما هزم مروان، وأبو الورد بقنّسرين، قدمها عبد الله بن عليّ فبايعه ودخل فيما دخل فيه جنده من الطاعة. وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم بالس قائد من قوّاد عبد الله ابن عليّ من الأزار مردين في مائة وخمسين فارساً، فبعث بولد مسلمة بن عبد الملك ونسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد، فخرج من مزرعة يقال لها زرّاعة بني زفر - ويقال لها خساف - في عدّة من أهل بيته؛ حتى هجم على ذلك القائد وهو نازل في حصن مسلمة؛ فقاتله حتى قتله ومن معه، وأظهر التبييض والخلع لعبد الله بن عليّ، ودعا أهل قنّسرين إلى ذلك، فبيّضوا بأجمعهم، وأبو العباس يومئذ بالحيرة وعبد الله بن عليّ يومئذ مشتغل بحرب حبيب بن مرّة المرّيّ، فقاتله بأرض البلقاء والبثنيّة وحوران. وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتلهم وكان بينه وبينهم وقعات؛ وكان من قوّاد مروان وفرسانه. وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وعلى قومه، فبايعته قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور؛ البثنية وحوران. فلما بلغ عبد الله بن علي تبييضهم، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه وآمنه ومن معه، وخرج متوجّهاً نحو قنّسرين للقاء أبي الورد، فمرّ بدمشق، فخلف فيها أبا غانم عبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في أربعة آلاف رجل من جنده؛ وكان بدمشق يومئذ امرأة عبد الله بن عليّ أمّ البنين بنت محمد بن عبد المطلب النوفليّة أخت عمرو بن محمد، وأمهات أولاد لعبد الله وثقل له. فلما قدم حمص في وجهه ذلك انتقض عليه بعده أهل دمشق فبيّضوا، ونهضوا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزديّ. قال: فلقوا أبا غانم ومن معه، فهزموه وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ما كان عبد الله بن عليّ خلّف من ثقله ومتاعه؛ ولم يعرضوا لأهله، وبيّض أهل دمشق واستجمعوا على الخلاف، ومضى عبد الله بن عليّ - وقد كان تجمّع مع أبي الورد جماعة أهل قنّسرين، وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، وقدمهم ألوف، عليهم أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فرأسوا عليهم أبا محمد، ودعوا إليه وقالوا: هو السفيانيّ الذي كان يذكر وهم في نحو من أربعين ألفاً - فلما دنا منهم عبد الله بن عليّ وأبو محمد معسكر في جماعته بمرج يقال له مرج الأخرم - وأبو الورد المتولي لأمر العسكر والمدبّر له وصاحب القتال والوقائع - وجّه عبد الله أخاه عبد الصمد بن عليّ في عشرة آلاف من فرسان من معه؛ فناهضهم أبو الورد، ولقيهم فيما بين العسكرين، واشتجر القتل فيما بين الفريقين وثبت القوم، وانكشف عبد الصمد ومن معه، وقتل منهم يومئذ ألوف، وأقبل عبد الله حيث أتاه عبد الصمد ومعه حميد بن قحطبة وجماعة من معه من القوّاد، فالتقوا ثانية بمرج الأخرم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانكشف جماعة ممّن كان مع عبد الله، ثم ثابوا، وثبت لهم عبد الله وحميد بن قحطبة فهزموهم، وثبت أبو الورد في ينحو من خمسمائة من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعاً، وهرب أبو محمد ومن معه من الكلبيّة حتى لحقوا بتدمر، وآمن عبد الله أهل قنّسرين، وسوّدوا وبايعوه، ودخلوا في طاعته؛ ثم انصرف راجعاً إلى أهل دمشق، لما كان من تبييضهم عليه، وهزيمتهم أبا غانم. فما دنا من دمشق هرب الناس وتفرقوا، ولم يكن بينهم وقعة، وآمن عبد الله أهلها، وبايعوه ولم يأخذهم بما كان منهم. قال: ولم يزل أبو محمد متغيباً هارباً؛ ولحق بأرض الحجاز. وبلغ زياد بن عبيد الله الحارثيّ عامل أبي جعفر مكانه الذي تغيّب فيه، فوجّه إليه خيلاً، فقاتلوه حتى قتل، وأخذ ابنين له أسيرين، فبعث زياد برأس أبي محمد وابنيه إلى أبي جعفر أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيلهما وآمنهما. وأما عليّ بن محمد فإنه ذكر أنّ النعمان أبا السريّ حدّثه وجبلة بن فرّوخ وسليمان بن داود وأبو صالح المروزيّ. قالوا: خلع أبو الورد بقنّسرين، فكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ وهو بفطرس أن يقاتل أبا الورد، ثم وجّه عبد الصمد إلى قنّسرين في سبعة آلاف، وعلى حرسه مخارق بن غفار، وعلى شرطه كلثوم بن شبيب؛ ثم وجّه بعده ذؤيب بن الأشعث في خمسة آلاف، ثم جعل يوجه الجنود، فلقي عبد الصمد أبا الورد في جمع كثير، فانهزم الناس عن عبد الصمد حتى أتوا حمص؛ فبعث عبد الله بن عليّ العباس بن يزيد بن زياد ومروان الجرجانيّ وأبا المتوكل الجرجانيّ؛ كلّ رجل في أصحابه إلى حمص؛ وأقبل عبد الله بن عليّ بنفسه، فنزل على أربعة أميال من حمص - وعبد الصمد بن عليّ بحمص - وكتب عبد الله إلى حميد ابن قحطبة، فقدم عليه من الأردنّ، وبايع أهل قنسرين لأبي محمد السفيانيّ زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية وأبو الورد بن...، وبايعه الناس، وأقام أربعين يوماً، وأتاهم عبد الله بن عليّ ومعه عبد الصّمد وحميد بن قحطبة، فالتقوا فاقتتلوا أشدّ القتال بينهم، واضطرهم أبو محمد إلى شعب ضيّق، فجعل الناس يتفرّقون، فقال حميد بن قحطبة لعبد الله بن عليّ: علام نقيم؟ هم يزيدون وأصحابنا ينقصون! ناجزهم؛ فاقتتلوا يوم الثلاثاء في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وعلى ميمنة أبي محمد أبو الورد وعلى مييسرته الأصبغ بن ذؤالة، فجرح أبو الورد، فحمل إلى أهله فمات. ولجأ قوم من أصحاب أبي الورد إلى أجمة فأحرقوها عليهم؛ وقد كان أهل حمص نقضوا، وأرادوا إيثار أبي محمد؛ فلما بلغهم هزيمته أقاموا. ذكر خبر خلع حبيب بن مرّة المرّيّ وفي هذه السّنة خلع حبيب بن مرة المرّي وبيّض هو ومن معه من أهل الشأم. ذكر الخبر عن ذلك ذكر عليّ عن شيوخه، قال: بيّض حبيب بن مرّة المريّ وأهل البثنيّة وحوران، وعبد الله بن عليّ في عسكر أبي الورد الذي قتل فيه. وقد حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: كان تبييض حبيب بن مرة وقتاله عبد الله بن عليّ قبل تبييض أبي الورد، وإنما بيّض أبو الورد وعبد الله مشتغل بحرب حبيب بن مرة المريّ بأرض البلقاء أو البثنية وحوران، وكان قد لقيه عبد الله بن عليّ في جموعه فقاتله، وكان بينه وبينه وقعات، وكان من قوّاد مروان وفرسانه؛ وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعه قيس وغيرهم ممّن يليهم من أهل تلك الكور؛ البثنية وحوران، فلما بغل عبد الله ابن عليّ تبييض أهل قنّسرين، دعا حبيب بن مرّة إلى الصلح فصالحه، وآمنه ومن معه، وخرج متوجهاً إلى قنّسرين للقاء أبي الورد. ذكر خبر تبييض أهل الجزيرة وخلعهم أبا العباسوفي هذه السنة بيّض أيضاً أهل الجزيرة وخلعوا أبا العباس. ذكر الخبر عن أمرهم وما آل إليه حالهم فيه حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلد بن محمد، قال: كان أهل الجزيرة بيّضوا ونقضوا؛ حيث بلغهم خروج أبي الورد وانتقاض أهل قنّسرين، وساروا إلى حرّان، وبحرّان يومئذ موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من الجند، فتشبّث بمدينتها، وساروا إليه مبيّضين من كلّ وجه، وحاصروه ومن معه؛ وأمرهم مشتت؛ ليس عليهم رأس يجمعهم. وقدم على تفيئة ذلك إسحاق بن مسلم من أرمينية - وكان شخص عنها حين بلغه هزيمة مروان - فرأسه أهل الجزيرة عليهم. وحاصر موسى بن كعب نحواً من شهرين، ووجّه أبو العباس أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود التي كانت بواسط محاصرة ابن هبيرة، فمضى حتى مرّ بفرقيسيا وأهلها مبيّضون، وقد غلّقوا أبوابها دونه. ثم قدم مدينة الرّقة وهم على ذلك، وبها بكار بن مسلم، فمضى نحو حرّان، ورحل إسحاق بن مسلم إلى الرهاء - وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من مدينة حرّان، فلقوا أبا جعفر. وقدم بكار على أخيه إسحاق بن مسلم، فوجّهه إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين - ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحروريّة يقال له بريكة - فصمد إليه أبو جعفر، فلقيهم فقاتلوه بها قتالاً شديداً، وقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار إلى أخيه إسحاق بالرهاء فخلفه إسحاق بها، ومضى في عظم العسكر إلى سميساط، فخندق على عسكره. وأقبل أبو جعفر في جموعه حتى قابله بكار بالرّهاء؛ وكانت بينهما وقعات. وكتب أبو العباس إلى عبد الله بن عليّ في المسير بجنوده إلى إسحاق بسميساط، فأقبل من الشأم حتى نزل بإزاء إسحاق بسميساط؛ وهم في ستين ألفاً أهل الجزيرة جميعها، وبينهما الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرهاء فكاتبهم إسحاق وطلب إليهم الأمان، فأجابوا إلى ذلك وكتبوا إلى أبي العباس، فأمرهم أن يؤمنوه ومن معه، ففعلوا وكتبوا بينهم كتاباً، ووثقوا له فيه، فخرج إسحاق إلى أبي جعفر، وتمّ الصلح بينهما؛ وكان عنده من آثر أصحابه. فاستقام أهل الجزيرة وأهل الشأم، وولّى أبو العباس أبا جعفر الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل على ذلك حتى استخلف. وقد ذكر أن إسحاق بن مسلم العقيليّ هذا أقام بسمييساط سبعة أشهر، وأبو جعفر محاصره، وكان يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أنّ صاحبها قد مات أو قتل. فأرسل إليه أبو جعفر: إنّ مروان قد قتل، فقال: حتى أتيقن، ثم طلب الصلح، وقال: قد علمت أن مروان قد قتل، فآمنه أبو جعفر وقد قيل: إن عبد الله بن عليّ هو الذي آمنه. ذكر خبر شخوص أبي جعفر إلى خراسانوفي هذه السنة شخص أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان لاستطلاع رأيه في قتل أبي سلمة حفص بن سليمان. ذكر الخبر عن سبب مسير أبي جعفر في ذلك وما كان من أمره وأمر أبي مسلم في ذلك قد مضى ذكري قبل أمر أبي سلمة، وما كان من فعله فيي أمر أبي العباس ومن كان معه من بني هاشم عند قدومهم الكوفة، الذي صار به عندهم متّهماً؛ فذكر عليّ بن محمد أنّ جبلة بن فرّوخ قال: قال يزيد بن أسيد: قال أبو جعفر: لما ظهر أبو العباس أمير المؤمنين سمرنا ذات ليلة، فذكرنا ما صنع أبو سلمة، فقال رجل منا: ما يدريكم، لعلّ ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم! فلم ينطق منّا أحد، فقال: أمير المؤمنين أبو العباس: لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم إنا لبعرض بلاء؛ إلاّ أن يدفعه الله عنّا. وتفرّقنا. فأرسل إليّ أبو العباس، فقال: ما ترى؟ فقلت: الرأي رأيك، فقال: ليس منا أحد أخص بأبي مسلم منك، فاخرج إليه حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفى عليك؛ فلو قد لقيته، فإن كان عن رأيه أخذنا لأنفسنا، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا. فخرجت على وجل؛ فلما انتهيت إلى الريّ، إذا صاحب الريّ قد أتاه كتاب أبي مسلم: إنه بلغني أن عبد الله بن محمد توجّه إليك، فإذا قدم فأشخصه ساعة قدومه عليك. فلما قدمت أتاني عامل الريّ فأخبرني بكتاب أبي مسلم، وأمرني بالرّحيل، فازددت وجلاً، وخرجت من الريّ وأنا حذرٌ خائف فسرت؛ فلما كنت بنيسابور إذا عاملها قد أتاني بكتاب أبي مسلم: إذا قدم عليك عبد الله بن محمد فأشخصه ولا تدعه يقيم، فإن أرضك أرض خوارج ولا آمن عليه. فطابت نفسي وقلت: أراه يعنى بأمري. فسرت، فلما كنت من مرو على فرسخين، تلقاني أبو مسلم في الناس، فلما دنا منّي أقبل يمشيإليّ؛ حتى قبّل يدي، فقلت: اركب، فركب فدخل مرو، فنزلت داراً فمكثت ثلاثة أيام، لا يسألني عن شيء، ثم قال لي في اليوم الرابع: ما أقدمك؟ فأخبرته، فقال: فعلها أبو سلمة! أكفيكموه! فدعا مرّارا ابن أنس الضبيّ، فقال: انطلق إلى الكوفة، فاقتل أبا سلمة حيث لقيته؛ وانته في ذلك إلى رأي الإمام. فقدم مرار الكوفة؛ فكان أبو سلمة يسمر عند أبي العباس، فقعد في يطريقه، فلما خرج قتله فقالوا: قتله الخوارج. قال عليّ: فحدثني شيخ من بني سليم، عن سالم، قال: صحبت أبا جعفر من الرّيّ إلى خراسان، وكنت حاجبه، فكان أبو مسلم يأتيه فينزل على باب الدّار ويجلس في اعلدهليز، ويقول: استأذن لي، فغضب أبو جعفر عليّ، وقال: ويلك! إذا رأيته فافتح له الباب، وقل له يدخل على دابته. ففعلت وقلت لأبي مسلم: إنه قال كذا وكذا، قال: نعم، أعلم، واستأذن لي عليه. وقد قيل: إنّ أبا العباس قد كان تنكّر لأبي سلمة قبل ارتحاله من عسكره بالنخيلة، ثم تحوّل عنه إلى المدينة الهاشميّة، فنزل قصر الإمارة بها، وهو متنكر له، قد عرف ذلك منه، وكتب إلى أبي مسلم يعلمه رأيه، وما كان همّ به من الغشّ، وما يتخوّف منه، فكتب أبو مسلم إلى أمير المؤمنين: إن كان اطلع على ذلك منه فليقتله؛ فقال داود بن عليّ لأبي العبااس: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فيحتجّ عليك بها أبو مسلم وأهل خراسان الذين معك، وحاله فيهم حاله؛ ولكن اكتب إلى أبي مسلم فليبعث إليه من يقتله، فكتب إلى أبي مسلم بذلك، فبعث بذلك أبو مسلم مرّار بن أنس الضبيّ، فقدم على أبي أبي العباس في المدينة الهاشميّة، وأعلمه سبب قدومه، فأمر أبو العباس منادياً فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي عن أبي سلمة ودعاه وكساه، ثم دخل عليه بعد ذلك ليلةً، فلم يزل عنده حتى ذهب عامّة الليل، ثم خرج منصرفاً إلى منزله يمشي وحده؛ حتى دخل الطاقات، فعرض له مرّار بن أنس ومن كان معه من أعوانه فقتلوه، وأغلقت أبواب المدينة، وقالوا: قتل الخوارج أبا سلمة. ثم أخرج من الغد؛ فصلى عليه يحيى بن محمد بن عليّ، ودفن في المدينة الهاشميّة، فقا سليمان بن المهاجر البجليّ: إن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك كان وزيرا وكان يقال لأبي سلمة: وزير آل محمد، ولأبس مسلم: أمين آل محمد. فلما قتل أبو سلمة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر في ثلاثين رجلاً إلى أبي مسلم؛ فيهم الحجاج بن أرطاة وإسحاق بن الفضل الهاشميّ. ولما قدم أبو جعفر على أبي مسلم سايره عبيد الله بن الحسين الأعرج وسليمان بن كثير معه، فقال سليمان بن كثير للأعرج: يا هذا؛ إنا كنّا نرجو أن يتمّ أمركم؛ فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظنّ عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك. وبلغ أبا مسلم مسايرة سليمان بن كثير إياه، وأتى عبيد الله أبا مسلم، فذكر له ما قال سليمان، وظنّ أنه إن لم يفعل ذلك اغتاله فقتله، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام لي: من اتهمته فاقتله؟ قال: نعم، قال: فإني قد اتّهمتك، فقال: أنشدك الله! قال: لا تناشدني الله وأ،ت منطوٍ على غشّ الإمام؛ فأمر بضرب عنقه. ولم ير أحداً ممن كان يضرب عنقه أبو مسلم غيره، فانصرف أبو جعفر من عند أبي مسلم، فقال لأبي العباس: لست خليفة ولا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله، قال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال أبو العباس: اسكت فاكتمها. ذكر الخبر عن حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بواسط وفي هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر إلى واسط لحرب يزيد بن عمر بن هبيرة؛ وقد ذكرنا ما ككان من أمر الجيش الذين لقوه من أهل خراسان مع قحطبة، ثم مع ابنه الحسن بن قحطبة وانهزامه ولحاقه بمن معه من جنود الشأم بواسط متحصّناً بها؛ فذكر عليّ بن محمد عن أبي عبد الله السلميّ عن عبد الله بن بدر وزهير بن هنيد وبشر بن عيسى وأبي السريّ أنّ ابن هبيرة لما انهزم تفرّق الناس عنه، وخلّف على الأثقال قوماً، فذهبوا بتلك الأموال فقال له حوثرة: أين تذهب وقد قتل صاحبهم! امض إلى الكوفة ومعك جند كثير، فقاتلهم حتى تقتل أو تظفر، قال: بل نأتي واسطاً فننظر، قال: ما تزيد على أن تمكّنه من نفسك وتقتل، فقال له يحيى بن حضين: إنك لا تأتي مروان بشيء أحبّ إليه من هذه الجنود، فالزم الفرات حتى تقدم عليه؛ وإياك وواسطاً؛ فتصير في حصار، وليس بعد الحصار إلا القتل. فأبى. وكان يخاف مروان لأنه كان يكتب إليه في الأمر فيخالفه؛ فخافه إن قدم عليه أن يقتله، فأتى واسطاً فدخلها، وتحصّن بها. وسرّح أبو سلمة الحسن بن قحطبة، فخندق الحسن وأصحابه، فنزلوا فيما بين الزّاب ودجلة؛ وضرب الحسن سرادقه حيال باب المضمار، فأوّل وقعة كانت بينهم يوم الأربعاء، فقال أهل الشأم لابن هبيرة: ائذن لنا فيي قتالهم، فأذن لهم، فخرجوا وخرج ابن هبيرة، وعلى ميمنته ابنه داود، ومعه محمد بن نباتة في ناس من أهل خراسان، فيهم أبو العود الخراسانيّ، فالتقوا وعلى ميمنته الحسن خازم بن خزيمة، وابن هبيرة قبالة باب المضمار، فحمل خازم على ابن هبيرة، فهزموا أهل الشأم حتى ألجئوهم إلى الخنادق، وبادر الناس باب المدينة حتى غصّ باب المضمار، ورمى أصحاب العرّادات بالعرّادات والحسن واقف. وأقبل يسير في الخيل فيما بين النهر والخندق، ورجع أهل الشأم، فكرّ عليهم الحسن، فحالوا بينه وبين المدينة، فاضطروهم إلى دجلة، فغرق منهم ناس كثير، فتلقّوه هم بالسفن، فحملوهم، وألقى ابن نابة يومئذ سلاحه واقتحم، فتبعوه بسفينة فركب وتحاجزوا، فمكثوا سبعة أيام، ثم خرجوا إليهم يوم الثلاثاء فاقتتلوا، فحمل رجل من أهل الشام على أبي حفص هزار مرد، فضربه وانتمى: أنا الغلام السلميّ، وضربه أبو حفص وانتمى: أنا الغلام العتكيّ، فصرعه، وانهزم أهل الشأم هزيمة قبيحة، فدخلوا المديينة؛ فمكثوا ما شاء الله لا يقتتلون إلا رمياً من وراء الفصيل. وبلغ ابن هبيرة وهو في الحصار أن أبا أميّة التغلبيّ قد سوّد، فأرسل أبا عثمان إلى منزله، فدخل على أبي أمية في قبّته، فقال: إنّ الأمير أرسلني إليك لأفتّش قبتك، فإن كان فيها سواد علقته في عنقك وحبلاً، ومضيت بك إليه؛ وإن لم يكن في بيتك سواد فهذه خمسون ألفاً صلة لك. فأبى أن يدعه أن يفتش قبّته، فذهب به إلى ابن هبيرة فحبسه، فتكلّم في ذلك معن ابن زائدة وناس من ربيعة، وأخذوا ثلاثة من بني فزارة؛ فحبسوهم وشتموا ابن هبيرة، فجاءهم يحيى بن حضين، فكلّمهم فقالوا: لا نخلي عنهم حتى يخلى عن صاحبنا؛ فأبى ابن هبيرة، فقال له: ما تفسد إلاّ على نفسك وأنت محصور؛ خلّ سبيل هذا الرجل، قال: لا ولا كرامة؛ فرجع ابن حضين إليهم فأخبرهم، فاعتزل معن وعبد الرحمن بن بشير العجليّ، فقال ابن حضين لابن هبيرة: هؤلاء فرسانك قد أفسدتهم؛ وإن تماديت في ذلك كانوا أشدّ عليك ممّن حصرك؛ فدعا أبا أميّة فكساه، وخلى سبيله، فاصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه. وقدم أبو نصر مالك بن الهيثم من ناتحية سجستان، فأوفد الحسن بن قحطبة وفداً إلى أبي العباس بقدوم أبي نصر عليه، وجعل على الوفد غيرلان ابن عبد الله الخزاعيّ - وكان غيلان واجداً على الحسن لأنه سرّحه إلى روح ابن حاتم مدداً له - فلما قدم على أبي العباس قال: أشهد أنك أمير المؤمنين، وأنك حبل الله المتين، وأنك إمام المتقين؛ فقال: حاجتك يا غيلان؟ قال: أستغفرك، قال: غفر الله لك، فقال داود بن عليّ: وفّقك الله يا أبا فضالة، فقال له غيلان: يا أميير المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك، قال: أوليس عليكم رجل من أهل بيتي! الحسن بن قحطبة؛ قال: يا أمير المؤمنين، مُنّ علينا برجل من أهل بيتك ننظر إلى وجهه، وتقرّ أعيننا به، قال: نعم يا غيلان؛ فبعث أبا جعفر، فجعل غيلان على شرطه فقدم واسطاً، فقال أبو نصر لغيلان: ما أردت لا ما صنعت؟ قال: " به بود " ، فمكث أياماً على الشرط، ثم قال لأبي جعفر: لا أقوى على الشّرط؛ ولكني أدلك على مَن هو أجلد مني، قال: من هو؟ قال: جهور بن مرار، قال: لا أقدر على عزلك؛ لأن أمير المؤمنين استعملك، قال: اكتب إليه فأعلمه، فكتب إليه، فكتب إليه أبو العباس: أن اعمل برأي غيلان، فولّى شرطه جهوراً. وقال أبو جعفر للحسن: ابغني رجلاً أجعله على حرسي، قال: من قد رضيته لنفسي؛ عثمان بن نهيك، فولّى الحرس. قال بشر بن عيسى: ولما قدم أبو جعفر واسطاً، تحوّل له الحسن عن حجرته، فقاتلهم وقاتلوه، فقاتلهم أبو نصر يوماً، فانهزم أهل الشأم إلى خنادقهم؛ وقد كمن لهم معن وأبو يحيى الجذاميّ، فلما جاوزهم أهل خراسان، خرجوا عليهم؛ فقاتلوهم حتى أمسوا، وترجّل لهم أبو نصر؛ فاقتتلوا عند الخنادق، ورفعت لهم النيران وابن هبيرة على برج باب الخلاّلين، فاقتتلوا ما شاء الله من الليل. وسرّح ابن هبيرة إلى معن أن ينصرف. فانصرف ومكثوا أياماً. وخرج أهل الشأم أيضاً مع محمد بن نباتة ومعن بن زائدة وزياد بن صالح وفرسان من فرسان أهل الشأم، فقاتلهم أهل خراسان، فهموهم إلى دجلة، فجعلوا يتساقطون في دجلة، فقال أبو نصر: يا أهل خراسان مردمان خائنه بيابان هستيدوبرخزيد، فرجعوا وقد صرع ابنه، فحماه روح بن حاتم، فمرّ به أبوه، فقال له بالفارسية: قد قتلوك يا بنيّ؛ لعن الله الدنيا بعدك! وحملوا على أهل الشأم فهزموهم حتى أدخلوهم مدينة واسط، فقال بعضهم لبعض: لا والله لا تفلح بعد عيشتنا أبداً؛ خرجنا عليهم ونحن فرسان أهل الشأم، فهزمونا حتى دخلنا المدينة. وقتل تلك العشيّة من أهل خراسان بكار الأنصاريّ ورجل من أهل خراسان؛ كانا من فرسان أهل خراسان؛ وكان أبو نصر في حصار ابن هبيرة يملأ السفن حطباً، ثم يضرمها بالنار لتحرق ما مرّت به؛ فكان ابن هبيرة يهيّىء حرّاقات كان فيها كلاليب تجرّ تلك السفن؛ فمكثوا بذلك أحد عشر شهراً، فلما طال ذلك عليهم طلبوا الصلح؛ ولم يطلبوه حتى جاءهم خبر قتل مروان، أتاهم به إسماعيل بن عبد الله القسريّ، وقال لهم: علام تقتلون أنفسكم، وقد قتل مروان! وقد قيل: إنّ أبا العباس وجّه أبا جعفر عند مقدمه من خراسان منصرفاً من عند أبي مسلم إلى ابن هبيرة لحربه، فشخص أبو جعفر حتى قدم على الحسن ابن قحطبة؛ وهو محاصر ابن هبيرة بواسط، فتحوّل له الحسن عن منزله، فنزله أبو جعفر، فلما طال الحصار على ابن هبيرة وأصحابه تحنّى عليه أصحابه فقالت اليمانية: لا نعين مروان وآثاره فينا آثاره. وقالت النزاريّة: لا نقاتل حتى تقاتل معنا اليمانية؛ وكان إنما يقاتل معه الصعاليك والفتيان؛ وهمّ ابن هبيرة أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن؛ فكتب إليه فأبطأ جوابه؛ وكاتب أبو العباس اليمانية من أصحاب ابن هبيرة؛ وأطمعهم. فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان؛ ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية أبي العباس فلم يفعلا؛ وجرت السفراء بين أبي جعفر وبين ابن هبيرة حتى جعل له أماناً، وكتب به كتاباً، مكث يشاور فيه العلماء أربعين يوماً حتى رضيه ابن هبيرة، ثم أنفذه إلى أبي جعفر، فأنفذه أبو جعفر إلى أبي العباس، فأمره بإمضائه؛ وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان أبو العباس لا يقطع أمراً دون أبي مسلم، وكان أبو الجهم عيناً لأبي مسلم على أبي العباس، فكتب غليه بأخباره كلها، فكتب أبو مسلم إلى أبي العباس: إنّ الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد؛ لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة. ولما تمّ الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلثمائة من البخاريّة؛ فأراد أن يدخل الحجرة على دابته، فقام إليه الحاجب سلاّم بن سليم، فقال: مرحباً بك أبا خالد! انزل راشداً؛ وقد أطاف بالحجرة نحو من عشرة آلاف من أهل خراسان، فنزل، ودعا له بوسادة ليجلس عليها، ثم دعا بالقوّاد فدخلوا، ثم قال سلاّم: ادخل أبا خالد؛ فقال له: أنا ومن معي؟ فقال: إنما استأذنت لك وحدك، فقام فدخل، ووضعت له وسادة، فجلس عليها، فحادثه ساعة، ثم قام وأتبعه أبو جعفر بصره حتى غاب عنه؛ ثم مكث يقيم عنه يوماً، ويأتيه يوماً في خمسمائة فارس وثلثمائة راجل؛ فقال يزيد بن حاتم لأبي جعفر: أيّها الأمير؛ إنّ ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر؛ وما نقص من سلطانه شيء، فإذا كان يسير في هذه الفرسان والرّجالة، فما يقول عبد الجبار وجهور! فقال أبو جعفر لسلام: قل لابن هبيرة يدع الجماعة ويأتينا في يحاشيته نحواً من ثلاثين. فقال له سلاّم: كأنك تأتي مباهياً! فقال: إن أمرتم أن نمشي إليكم مشينا، فقال: ما أردنا بك استخفافاً، ولا أمر الأمير بما أمر به إلا نظراً لك؛ فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة. وذكر أبو زيد أنّ محمد بن كثير حدّثه، قال: كلّم ابن هبيرة يوماً أبا جعفر، فقال: يا هناه - أو يأيّها المرء - ثم رجع، فقال: أيها الأمير؛ إنّ عندي بكلام الناس بمثل ما خاطبتك به حديث، فسبقني لساني إلى ما لم أرده. وألحّ أبو العباس على أبي جعفر يأمره بقتله وهو يراجعه؛ حتى كتب إليه: والله لتقتلنّه أو لأرسلنّ إليه من يخرجه من حجرتك، ثم يتولى قتله. فأزمع على قتله، فبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة بن ظهير؛ وأمرهما بختم بيوت الأموال. ثم بعث إلى وجوه من معه من القيسيّة والمضرّية، فأقبل محمد ابن نباة وحوثرة بن سهيل وطارق بن قدامة وزياد بن سويد وأبو بكر بن كعب العقيليّ وأبان وبشر ابنا عبد الملك بن بشر؛ في اثنين وعشرين رجلاً من قيس، وجعفر بن حنظلة وهزّان بن سعد. قال: فخرج سلاّم بن سليم، فقال: أين حوثرة ومحمد بن نباتة؟ فقاما، فدخلا، وقد أجلس عثمان بن نهيك والفضل بن سليمان وموسى بن عقيل في مائة في حجرة دون حجرته، فنزعت سيوفهما وكتّفا، ثم دخل بشر وأبان ابنا عبد الملك بن بشر، ففعل بهما ذلك؛ ثمّ دخل أبو بكر بن كعب وطارق ابن قدامة، فقام جعفر بن حنظلة، فقال: نحن رؤساء الأجناد، ولم يكون هؤلاء يقدّمون علينا؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من بهراء، فقال: وراءك أوسع لك، ثم قام هزّان، فتكلم فأخّر، فقال روح بن حاتم: يا أبا يعقوب، نزعت سيوف القوم، فخرج عليهم موسى بن عقيل، فقالوا له: أعطيتمونا عهد الله ثم خستم به! إنا لنرجو أن يدرككم الله؛ وجعل ابن نباتة يضرط في لحية نفسه، فقال له حوثرة: إنّ هذا لا يغني عنك شيئاً؛ فقال: كأني كنت أنظر إلى هذا، فقتلوا. وأخذت خواتيمهم. وانطلق خازم والهيثم بن شعبة والأغلب بن سالم في نحو من مائة، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل المال، فقال ابن هبيرة: إنا نريد حمل المال، فقال ابن هبيرة لحاجبه: يا أبا عثمان، انطلق فدلّهم عليه، فأقاموا عند كلّ بيت نفراً، ثم جعلوا ينظرون في نواحي الدّار، ومع ابن هبيرة ابنه داود وكاتبه عمرو بن أيّوب وحاجبه وعدّة من مواليه، وبنيٌّ له صغير في حجره؛ فجعل ينكر نظرهم فقال: أقسم بالله إنّ في وجوه القوم لشراً، فأقبلوا نحوه، فقام حاجبه في وجوههم، فقال: ما وراءكم؟ فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل وقتل مواليه، ونحّى الصبيّ من حجره، وقال: دونكم هذا الصبيّ، وخرّ ساجداً فقتل وهو ساجد، ومضوا برءوسهم إلى أبي جعفر، فنادى بالأمان للناس إلاّ للحكم بن عبد الملك بن بشر وخالد بن سلمة المخزوميّ وعمر بن ذرّ، فاستأمن زياد بن عبيد الله لابن ذرّ فآمنه أبو العباس، وهرب الحكم، وآمن أبو جعفر خالداً، فقتله أبو العباس، ولم يجز أمان أبي جعفر، وهرب أبو علاقة وهشام ابن هشيم بن صفوان بن مزيد الفزاريّان، فلحقهما حجر بن سعيد الطائيّ فقتلهما على الزّاب، فقال أبو عطاء السّنديّ يرثيه: ألا إنّ عيناً لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود عشيّة قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتمٍ وخدود فإن تمس مهجور الفناء فربّما ... أقام به بعد الوفود وفود فإنك لم تبعد على متعهّد ... بلى كل من تحت التراب بعيد وقال منقذ بن عبد الرحمن الهلالي يرثيه: منع العزاء حرارة الصدر ... والحزن عقد عزيمة الصبر لما سمعت بوقعة شملت ... بالشييب لون مفارق الشعر أفنى الحماة الغرّ أن عرضت ... دون الوفاء حبائل الغدر مالت حبائل أمرهم بفتىً ... مثل النجوم حففن بالبدر عالى نعيهم فقلت له ... هلاّ أتيت بصيحة الحشر! لله درّك من زعمت لنا ... أن قد حوته حوادث الدهر من للمنابر بعد مهلكهم ... أو من يسد مكارم الفخر! فإذا ذكرتهم شكا ألماً ... قلبي لفقد فوارس زهر قتلى بدجلة ما يغمّهم ... إلا عباب زواخر البحر فلتبك نسوتنا فوارسها ... خير الحماة ليالي الذّعر وذكر أبو زيد أن أبا بكر الباهلي حدثه، قال: حدّثني شيخ من أهل خراسان، قال: كان هشام بن عبد الملك خطب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة ابنته على ابنه معاوية، فأبى أن يزوجّه، فجرى بعد ذلك بين يزيد بن عمر وبين الوليد بن القعقاع كلام؛ فبعث به هشام إلى الوليد بن القعقاع، فضربه وحبسه، فقال ابن طيسلة: يا قل خير رجال لا عقول لهم ... من يعدلون إلى المحبوس في حلب إلى امرىء لم تصبه الدّهر معضلة ... إلا استقلّ بها مسترخي اللبب وقيل: إن أبا العباس لما وجّه أبا جعفر إلى واسط لقتال ابن هبيرة، كتب إلى الحسن بن قحطبة: إن العسكر عسكرك، والقوّاد قوّادك؛ ولكن أحببت أن يكون أخي حاضراً، فاسمع له وأطع، وأحسن مؤازرته. وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك؛ فكان الحسن المدبر لذلك العسكر بأمر المنصور. وفي هذه السنة وجّه أبو مسلم محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم. ففعل ذلك. وفي هذه السنة وجّه أبو العباس عمّه عيسى بن عليّ على فارس، وعليها محمد بن الأشعث، فهمّ به، فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرني أبو مسلم ألا يقدم عليّ أحد يدّعي الولاية من غيره إلا ضربت عنقه. ثم ارتدع عن ذلك لما تخوّف من عاقبته، فاستحلف عيسى بالأيمان المحرجة ألاّ يعلو منبراً، ولا يتقلد سيفاً إلاّ في جهاد؛ فلم يل عيسى بعد ذلك عملاً، ولا تقلد سيفاً إلاّ في غزو. ثم وجه أبو العباس بعد ذلك إسماعيل بن عليّ والياً على فارس. وفي هذه السنة وجّه أبو العباس أخاه أبا جعفر والياً على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، ووجه أخاه يحيى بن محمد بن عليّ والياً على الموصل. وفيها عزل عمّه داود بن عليّ عن الكوفة وسوادها، وولاّه المدينة ومكة واليمن واليمامة، وولّى موضعه وما كان إليه من عمل الكوفة وسوادها عيسى بن موسى. وفيها عزل مروان - وهو بالجزيرة عن المدينة - الوليد بن عروة، وولاها أخاه يوسف بن عروة؛ فذكر الواقديّ أنه قدم المدينة لأربع خلون من شهر ربيع الأول. وفيها استقضى عيسى بن موسى على الكوفة ابن أبي ليلى. وكان العامل على البصرة في هذه السنة سفيان بن معاوية المهلبيّ. وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان عبد الله بن محمد، وعلى الموصل يحيى بن محمد، وعلى كور الشأم عبد الله بن عليّ، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحجّ بالناس في هذه السنة داود بن عليّ بن عبد الله بن العباس. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة ذكر ما كان في هذه السنة من الأحداث فمن ذلك ما كان من توجيه أبي العباس عمّه سليمان بن عليّ والياً على البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين وعمان ومهرجانقذق، وتوجيهه أيضاً عمه إسماعيل بن عليّ على كور الأهواز. وفيها قتل داود بن عليّ من كان أخذ من بني أميّة بمكة والمدينة. وفيها مات داود بن عليّ بالمدينة في شهر ربيع الأول؛ وكانت ولايته - فيما ذكر محمد بن عمر - ثلاثة أشهر. واستخلف داود بن علي حين حضرته الوفاة على عمله ابنه موسى؛ ولما بلغت أبا العباس وفاته وجّه على المدينة ومكة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ، ووجّه محمد بن يزيد بن عبد الله ابن عبد المدان على اليمن، فقدم اليمن في جمادى الأولى، فأقام زياد بالمدينة ومضى محمد إلى اليمن. ثم وجّه زياد بن عبيد الله من المدينة إبراهيم بن حسان السلميّ؛ وهو أبو حماد الأبرص - إلى المثنّى بن يزيد بن عمر بن هبيرة وهو باليمامة، فقتله وقتل أصحابه. وفيها كتب أبو العباس إلى أبي عون بإقراره على مصر والياً عليها، وإلى عبد الله وصالح ابني عليّ على أجناد الشأم. وفيها توجّه محمد بن الأشعث إلى إفريقيّة فقاتلهم قتالاً شديداً حتى فتحها. وفيها خرج شريك بن شيخ المهريّ بخراسان على أبي مسلم ببخارى ونقم عليه، وقال: ما على هذا اتّبعنا آل محمد، على أن نسفك الدماء، ونعمل بغير الحقّ. وتبعه على رأيه أكثر من ثلاثين ألفاً، فوجّه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعيّ فقاتله فقتله. وفيها توجّه أبو داود خالد بن إبراهيم من الوخش إلى الختّل، فدخلها ولم يمتنع عليه حنش بن السبل ملكها، وأتاه ناس من دهاقين الختل، فتحصّنوا معه؛ وامتنع بعضهم في الدروب والشعاب والقلاع. فلما ألحّ أبو داود على حنش، خرج من الحصن لييلاً ومعه دهاقينه وشاكريّته حتى انتهوا إلى أرض فرغانة؛ ثم خرج منها في أرض الترك، حتى وقع إلى ملك الصين؛ وأخذ أبو داود من ظفر به منهم، فجاوز بهم إلى بلخ، ثم بعث بهم إلى أبي مسمل. وفيها قتل عبد الرحمن بن يزييد بن المهلب؛ قتله سليمان الذي يقال له الأسود، بأمان كتبه له. وفيها وجّه صالح بن عليّ سعيد بن عبد الله لغزو الصائفة؛ وراء الدروب. وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل، واستعمل مكانه إسماعيل بن عليّ. وحجّ بالناس في هذه السنة زياد بن عبيد الله الحارثيّ؛ كذلك حدّثني أحمد ابن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وكذلك قال الواقديّ وغيره. وكان علي الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرة وأعمالها وكوردجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجانقذق سليمان ابن عليّ، وعلى قضائها عبّاد بن منصور، وعلى الأهواز إسماعييل بن عليّ وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى السّند منصور بن جمهور، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى قنّسرين وحمص وكور دمشق والأردّن عبد الله بن عليّ، وعلى فلسطين صالح بن عليّ. وعلى مصر عبد الملك بن يزيد أبو عون، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد المنصور، وعلى الموصل إسماعيل بن عليّ، وعلى أرمينية صالح بن صبيح، وعلى أذربيجان مجاشع بن يزيد. وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة ذكر ما كان فييها من الأحداث ذكر خبر خلع بسام بن إبراهيم ففيها خالف بسام بن إبراهيم بن بسام، وخلع، وكان من فرسان أهل خراسان. وشخص - فيما ذكر - من عسكر أبي العباس أمير المؤمنين مع جماعة ممّن شاييعه على ذلك من رأيه؛ مستسرّين بخروجهم، ففحص عن أمرهم وإلى أين صاروا، حتى وقف على مكانهم بالمدائن، فوجّه إليهم أبو العباس خازم بن خزيمة، فلما لقي بساماً ناجزه القتال، فانهزم بسام وأصحابه وقتل أكثرهم، واستبيح عسكره، ومضى خازم وأصحابه في طلبهم، في أرض جوخي إلى أن بلغ ماه، وقتل كلّ من لحقه منهزماً، أو ناصبه القتال؛ ثم انصرف من وجهه ذلك؛ فمرّ بذات المطامير - أو بقرية شبيهة بها - وبها من بني الحارث بن كعب من بني عبد المدان؛ وهم أخوال أبي العباس ذنبة فمرّ بهم وهم في مجلس لهم - وكانوا خمسة وثلاثين رجلاً منهم ومن غيرهم ثمانية عشر رجلاً، ومن مواليهم سبعة عشر رجلاً - فلم يسلّم عليهم، فلما جاز شتموه؛ وكان في قلبه عليهم ما كان لما بلغه عنهم من حال المغرة بن الفزع، وأنه لجأ إليهم، وكان من أصحاب بسام بن إبراهيم فكرّ راجعاً، فسألهم عما بلغه من نزول المغيرة بهم؛ فقالوا: مرّ بنا رجل مجتاز لا نعرفه؛ فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج عنها، فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين ويأتيكم عدوّه، فيأمن في قريتكم! فهلا اجتمعتم فأخذتموه! فأغلظوا له الجواب، فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعاً، وهدمت دورهم، وانتهبت أموالهم، ثم انصرف إلى أبي العباس؛ وبلغ ما كان من فعل خازم اليمانية، فأعظموا ذلك؛ واجتمعت كلمتهم، فدخل زياد بن عبيد الله الحارثيّ على أبي العباس مع عبد الله بن الربيع الحارثيّ وعثمان بن نهيك، وعبد الجبار بن عبد الرحمن؛ وهو يومئذ على شرطة أبي العباس؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ إن خادماً اجترأ عليك بأمر لم يكن أحد من أقرب ولد أبيك ليجترىء عليك به؛ من استخفافه بحقّك؛ وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد، وأتوك معتزّين بك، طالبين معروفك؛ حتى إذا صاروا إلى دارك وجوارك، وثب عليهم خازم فضرب أعناقهم، وهدم دورهم، وأنهب أموالهم، وأخرب ضياعهم؛ بلا حدث أحدثوه. فهمّ بقتل خازم؛ فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطيّة، فدخلا على أبي العباس، فقالا: بلغنا يا أمير المؤمنين ما كان من تحميل هؤلاء القوم إياك على خازم؛ وإشارتهم عليك بقتله؛ وما هممت به من ذلك؛ وإنا نعيذك بالله من ذلك؛ فإنّ له طاعة وسابقة؛ وهو يحتمل له ما صنع؛ فإنّ شيعتكم من أهل خراسان قد آثروكم على الأقارب من الأولاد والآباء والإخوان؛ وقتلوا من خالفكم، وأنت أحقّ من تعمد إساءة مسيئهم؛ فإن كنت لا بد مجمعاً على قتله فلا تتولّ ذلك بنفسك، وعرّضه من المباعث لما إن قتل فيه كنت قد بلغت الذي أردت، وإن ظفر كان ظفره لك. وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج إلى الجلندي وأصحابه، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكريّ، فأمر أبو العباس بتوجيهه مع سبعمائة رجل؛ وكتب إلى سليمان بن عليّ وهو على البصرة بحملهم في السفن إلى جزيرة ابن كاوان وعمان فشخص. أمر الخوارج مع خزيمة بن خازم وقتل شيبان بن عبد العزيز وفي هذه السنة شخص خازم بن خزيمة إلى عمان، فأوقع بمن فيها من الخوارج، وغلب عليها وعلى ما قرب منها من البلدان وقتل شيبان الخارجيّ. ذكر الخبر عما كان منه هنالك: ذكر أن خازم بن خزيمة شخص في السبعمائة الذين ضمّهم إليه أبو العباس، وانتخبمن أهل بيته وبني عمه ومواليه ورجال من أهل مرو الرّوذ، قد عرفهم ووثق بهم؛ فسار إلى البصرة، فحملهم سليمان بن عليّ، وانضمّ إلى خازم بالبصرة عدّة من بني تميم، فساروا حتى أرسوا بجزيرة ابن كاوان، فوجّه خازم نضلة بن نعيم النهشليّ في خمسمائة رجل من أصحابه إلى شيبان، فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فركب شيبان وأصحابه السفن، فقطعوا إلى عمّان - وهم صفرّية - فلما صاروا إلى عمان نصب لهم الجلندي وأصحابه - وهم إباضية - فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل شيبان ومن معه، ثم سار خازم في البحر بمن معه؛ حتى أرسوا إلى ساحل عمان، فخرجوا إلى صحراء، فلقيهم الجلندي وأصحابه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكثر القتل يومئذ في أصحاب خازم؛ وهم يومئذ على ضفة البحر، وقتل فيمن قتل أخ لخازم لأمه يقال له إسماعيل، في تسعين رجلاً من أهل مرو الروذ، ثم تلاقوا في اليوم الثاني؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً، وعلى ميمنته رجل من أهل مرو الروذ، يقال له حميد الورتكانيّ، وعلى ميسرته رجل من أهل مرو الرّوذ يقال له مسلم الأرغديّ، وعلى طلائعه نضلة بن نعيم النهشليّ، فقتل يومئذ من الخوارج تسعمائة رجل، وأحرقوا منهم نحواً من تسعين رجلاً. ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم على رأي أشار به عليه رجل من أهل الصغد، وقع بتلك البلاد، فأشار عليه أن يأمر أصحابه فيجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويرووها بالنفط، ويشعلوا فيها النيران؛ ثم يمشوا بها حتى يضرموها في بيوت أصحاب الجلندي. وكانت من خشب وخلاف؛ فلما فعل ذلك وأضرمت بيوتهم بالنيران وشغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأهاليهم شدّ عليهم خازم وأصحابه؛ فوضعوا فيهم السيوف وهم غير ممتنعين منهم، وقتل الجلندي فيمن قتل، وبلغ عدّة من قتل عشرة آلاف؛ وبعث خازم برءوسهم إلى البصرة، فمكثت بالبصرة أياماً، ثم بعث بها إلى أبي العباس، وأقام خازم بعد ذلك أشهراً؛ حتى أتاه كتاب أبي العباس بإقفاله فقفلوا. ذكر غزوة كسّ وفي هذه السنة غزا أبو داود خالد بن إبراهيم أهل كسّ فقتل الأخريد ملكها؛ وهو سامع مطيع قدم عليه قبل ذلك بلخ، ثم تلقاه بكندك ممايلي كسّ؛ وأخذ أبو داود من الأخريد وأصحابه حين قتلهم من الأواني الصيينيّة المنقوشة المذهبة التي لم ير مثلها، ومن السروج الصينيّة ومتاع الصين كله من الديباج وغيره، ومن طرف الصين شيئاً كثيراً، فحمله أبو داود أجمع إلى أب مسلم وهو بسمرقند، وقتل أبو داود دههقان كسّ في عدّة من دهاقينها واستحيا طاران أخا الأخريد وملكه على كسّ، وأخذ ابن النجاح وردّه إلى أرضه، وانصرف أبو مسلم إلى مرو بعد أن قتل في أهل الصّغد وأهل بخارى، وأمر ببناء حائط سمرقند، واستخلف زياد بن صالح على الصّغد وأهل بخارى، ثم رجع أبو داود إلى بلخ. ذكر قتال منصور بن جمهور وفي هذه السنة وجه أبو العباس موسى بن كعب إلى الهند لقتال منصور ابن جمهور، وفرض لثلاثة آلاف رجل من العرب والموالي بالبصرة ولألف من بني تميم خاصّة، فشخص واستخلف مكانه على شرطة أبي العباس المسيّب ابن زهير حتى ورد السِّند، ولقي منصور بن جمهور في اثني عشر ألفاً، فهزمه ومن معه، ومضى فمات عطشاً في الرمال. وقد قيل: أصابه بطن، وبلغ خليفة منصور وثقله، وخرج بيهم في عدّة من ثقاته، فدخل بهم بلاد الخزر. وفيها توفّي محمد بن يزيد بن عبد الله وهو على اليمن ، فكتب أبو العباس إلى عليّ بن الربيع بن عبيد الله الحارثيّ، وهو عامل لزياد بن عبيد الله على مكة بولايته على اليمن فسار إليها. وفي هذه السنة تحوّل أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار - وذلك فيما قال الواقديّ وغيره - في ذي الحجة. وفيها عزل صالح بن صبيح عن أرمينية، وجعل مكانه يزيد بن أسيد. وفيها عزل مجاشع بن يزيد عن أذربيجان، واستعمل عليها محمد بن صول. وفيها ضرب المنار من الكوفة إلى مكة والأميال. وحجّ بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى، وهو على الكوفة وأرضها. وكان على قضاء الكوفة ابن أبي ليلى، وعلى المدينة ومكة والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن عليّ بن الربيع الحارثيّ، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والعرض ومهرجانقذق سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى السند موسى بن كعب، وعلى خراسان والجبال أبو مسلم، وعلى فلسطين صالح ابن عليّ، وعلى مصر أبو عوان، وعلى موصل إسماعيل بن علي، وعلى أرمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول. وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك، وعلى الجزيرة عبد الله بن محمد أبو جعفر وعلى قنّسرين وحمص وكور دمشق والأردنّ عبد الله بن عليّ. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث ذكر خبر خروج زياد بن صالح فمما كان فيها من ذلك خروج زياد بن صالح وراء نهر بلخ، فشخص أبو مسلم من مرو مستعداً للقائه، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم نصر بن راشد إلى الترمذ، وأمره أن ينزل مدينتها، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها؛ ففعل ذلك نصر، وأقام بها أياماً، فخرج عليه ناس من الراونديّة من أهل الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق، فقتلوا نصراً، فلما بلغ ذلك أبا داود بعث عيسى بن ماهان في تتبّع قتلة نصر، فتتبعهم فقتلهم، فمضى أبو مسلم مسرعاً؛ حتى انتهى إلى آمل، ومعه سباع بن أبي النعمان الأزديّ، وهو الذي كان قدم بعهد زياد بن صالح من قبل أبي العباس، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبي مسلم فيقتله. فأخبر أبو مسلم بذلك، فدفع سباع بن النعمان إلى الحسن بن الجنيد عامله على آمل، وأمره بحبسه عنده، وعبر أبو مسلم إلى بخارى، فلما نزلها أتاه أبو شاكر وأبو سعد الشرويّ في قوّاد قد خلعوا زياداً، فسألهم أبو مسلم عن أمر زياد ومن أفسده، قالوا: سباع بن النعمان، فكتب إلى عامله على آمل أن يضرب سباعاً مائة سوط، ثم يضرب عنقه، ففعل. ولما أسلم زياداً قوّاده ولحقوا بأبي مسلم لجأ إلى دهقان باركث، فوثب عليه الدهقان، فضرب عنقه، وجاء برأسه إلى أبي مسلم، فأبطأ أبو داود على أبي مسلم لحال الراونديّة الذين كانوا خرجوا، فكتب إليه أبو مسلم: أما بعد فليفرخ روعك، ويأمن سربك، فقد قتل الله زياداً، فاقدم، فقدم أبو داود، كسّ، وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام، وبعث ابن النجاح إلى الإصبهبذ إلى شاوغر، فحاصر الحصن فأما أهل شاوغر فسألوا الصلح، فأجيبوا إلى ذلك. وأما بسام فلم يصل عيسى بن ماهان إلى شيء منه؛ حتى ظهر أبو مسلم بستة عشر كتاباً وجدها من عيسى بن ماهان إلى كامل بن مظفّر صاحب أبي مسلم، يعيب فيها أبا داود، وينسبه فيها إلى العصبيّة وإيثاره العرب وقومه على غيرهم من أهل هذه الدعوة، وأن في عسكره ستة وثلاثين سرادقاً للمستأمنة، فبعث بها أبو مسلم إلى أبي داود، وكتب إليه: إنّ هذه كتب العلج الذي صيّرته عدل نفسك، فشأنك به. فكتب أبو داود إلى عيسى ابن ماهان يأمره بالانصراف إليه عن بسّام، فلما قدم عليه حبسه ودفعه إلى عمر النغم؛ وكان في يده محبوساً، ثم دعا به بعد يومين أو ثلاثة فذكّره صنيعته به وإيثاره إياه على ولده، فأقرّ بذلك، فقال أبو داود: فكان جزاء ما صنعت بك أن سعيت بي وأردت قتلي، فأنكر ذلك، فأخرج كتبه فعرفها، فضربه أبو داود يومئذ حدّين: أحدهما للحسن بن حمدان. ثم قال أبو داود: أمّا إني قد تركت ذنبك لك؛ ولكن الجند أعلم. فأخرج في القيود، فلما أخرج من السرّادق وثب عليه حرب بن زياد وحفص بن دينار مولى يحيى بن حضين، فضرباه بعمود وطبرزين، فوقع إلى الأرض، وعدا عليه أهل الطالقان وغيرهم، فأدخلوه في جوالق، وضربوه بالأعمدة، حتى مات ورجع أبو مسلم إلى مرو. وحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عليّ، وهو على البصرة وأعمالها. وعلى فضائها عباد بن منصور. وكان على مكة العباس بن عبد الله بن معبد بن عباس، وعلى المدينة رياد بن عبيد الله الحارثيّ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى الجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى مصر أبو عون، وعلى حمص وقنّسرين وبعلبك والغوطة وحوران والجولان والأردنّ عبد الله ابن عليّ، وعلى البلقاء وفلسطين صالح بن عليّ، وعلى الموصل إسماعيل بن عليّ، وعلى أرمينية يزيد بن أسيد، وعلى أذربيجان محمد بن صول، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر قدوم أبي مسلم على أبي العباس ففي هذه السنة قدم أبو مسلم العراق من خراسان على أبي العباس أمير المؤمنين. ذكر الخبر عن قدومه عليه وما كان من أمره في ذلكذكر عليّ بن محمد أن الهيثم بن عدّي أخبره والوليد بن هشام، عن أبيه، قالا: لم يزل أبو مسلم مقيماً بخراسان، حتى كتب إلى أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه، فأجابه إلى ذلك، فقدم على أبي العباس في جماعة من أهل خراسان عظيمة ومن تبعه من غيرهم من الأنبار؛ فأمر أبو العباس النّاس يتلقونه، فتلقاه الناس، وأقبل إلى أبي العباس، فدخل عليه فأعظمه وأكرمه؛ ثم استأذن أبا العباس في الحجّ فقال: لولا أن أبا جعفر يحجّ لاستعملتك على الموسم. وأنزله قريباً منه، فكان يأتيه في كلّ يوم يسلم عليه، وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعداً؛ لأن أبا العباس كان بعث أبا جعفر إلى أبي مسلم وهو بنيسابور. بعد ما صفت له الأمور بعهده على خراسان وبالبيعة لأبي العباس ولأبي جعفر من بعده؛ فبايع له أبو مسلم وأهل خراسان. وأقام أبو جعفر أياماً حتى فرغ من البيعة، ثم انصرف. وكان أبو مسلم قد استخفّ بأبي جعفر في مقدمه ذلك، فلما قدم على أبي العباس أخبره بما كان من استخفافه به. قال عليّ: قال الوليد عن أبيه: لما قدم أبو مسلم على أبي العباس، قال أبو جعفر لأبي العباس: يا أمير المؤمنين، أطعني واقتل أبا مسلم؛ فوالله إنّ في رأسه لغدرة، فقال: يا أخي، قد عرفت بلاءه وما كان منه، فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما كان بدولتنا؛ والله لو بعثت سنّوراً لقام مقامه. وبلغ ما بلغ في هذه الدولة. فقال له أبو العباس: فكيف نقتله؟ قال: إذا دخل عليك وحادثته وأقبل عليكي دخلت فتغفلته فضربته من خلفه ضربة أتيت بها على نفسه، فقال أبو العباس: فكيف بأصحابه الذين يؤثرونه على دينهم ودنياهم؟ قال: يئول ذلك كله إلى ما تريد، ولو علموا أنه قد قتل تفرّقوا وذلّوا، قال: عزمت عليك إلاّ كففت عن هذا، قال: أخاف والله إن لم تتغدّه اليوم أن يتعشاك غداً، قال: فدونكه، أنت أعلم. قال: فخرج أبو جعفر من عنده عازماً على ذلك، فندم أبو العباس وأرسل إلى أبي جعفر: لا تفعل ذلك الأمر. وقيل: إن أبا العباس لما أذن لأبي جعفر في قتل أبي مسلم، دخل أبو مسلم على أبي العباس، فبعث أبو العباس خصيّاً له، فقال: اذهب فانظر ما يصنع أبو جعفر؛ فأتاه فوجده محتبياً بسيفه، فقال للخصيّ: أجالسٌ أمير المؤمنين؟ فقال له: قد تهيّأ للجلوس، ثم رجع الخصيّ إلى أبي العباس فأخبره بما رأى منه، فردّه إلى أبي جعفر وقال له: قل له الأمر الذي عزمتَ عليه لا تنفذه فكفّ أبو جعفر. حج أبي جعفر المنصور وأبي مسلم وفي هذه السنة حجّ أبو جعفر المنصور وحجّ معه أبو مسلم. ذكر الخبر عن مسيرهما وعن وصفة مقدمهما على أبي العباس: أما أبو مسلم فإنه - فيما ذكر عنه - لما أراد القدوم على أبي العباس، كتب يستأذنه في القدوم للحجّ، فأذن له، وكتب إليه أن اقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه أبو مسلم: إنّي قد وترتُ الناس ولست آمن على نفسي. فكتب إليه أن أقبل في ألف؛ فإنما أنت في سلطان أهلك ودولتك، وطريق مكة لا تحتمل العسكر؛ فشخص في ثمانية آلاف فرّقهم فيما بين نيسابور والريّ، وقدم بالأموال والخزائن فخلّفها بالريّ، وجمع أيضاً أموال الجبل، وشخص منها في ألف وأقبل؛ فلما أرد الدّخول تلقاه القوّاد وسائر الناس، ثم استأذن أبا العباس في الحجّ فأذن له، وقال: لولا أنّ أبا جعفر حاجّ لوليتك الموسم. وأما أبو جعفر فإنه كان أميراً على الجزيرة، وكان الواقديّ يقول: كان إليه مع الجزيرة أرمينية وأذربيجان، فاستخلف على عمله مقاتل بن حكيم العكّي، وقدم على أبي العباس فاستأذنه في الحج؛ فذكر عليّ بن محمد عن الوليد بن هشام عن أبيه أن أبا جعفر سار إلى مكة حاجاً، وحجّ معه أبو مسلم، سنة ست وثلاثين ومائة، فلما انقضى الموسم أقبل أبو جعفر وأبو مسلم، فلما كان بين البستان وذات عرق أتى أبا جعفر كتاب بموت أبي العباس؛ وكان أبو جعفر قد تقدّم أبا مسلم بمرحلة، فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث أمر فالعجل العجل، فأتاه الرسول فأخبره، فأقبل حتى لحق أبا جعفر، وأقبلا إلى الكوفة. وفي هذه السنة عقد أبو العباس عبد الله بن محمد بن عليّ لأخيه أبي جعفر الخلافة من بعده، وجعله وليّ عهد المسلمين، ومن بعد أبي جعفر عيسى ابن موسى بن محمد بن عليّ. وكتب العهد بذلك، وصيّره في ثوب، وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى. ذكر الخبر عن موت أبي العباس السفاح وفيها توفّي أبو العباس أمير المؤمنين بالنبار يوم الأحد، لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة. وكانت وفاته فيميا قيل بالجدَريّ. وقال هشام بن محمد: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ذي الحجة. واختلف في مبلغ سنه يوم وفاته، فقال بعضهم: كان له يوم توفّي ثلاث وثلاثون سنة. وقال هشام بن محمد: كان يوم توفيّ ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم: كان له ثمان وعشرون سنة. وكانت ولايته من لدن قتل مروان بن محمد إلى أن توفيَ أربع سنين، ومن لدن بويع له بالخلافة إلى أن مات أربع سنين وثمانية أشهر. وقال بعضهم: وتسعة أشهر. وقال الواقديّ: أربع سنين وثمانية أشهر منها ثمانية أشهر وأربعة أيام يقاتل مروان. وملك بعد مروان أربع سنين. وكان - فيما ذكر - ذا شعرة جعدة، وكان طويلاً أبيض أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية. وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان الحارثيّ وكان وزيره أبو الجهم بن عطيّة. وصلى عليه عمه عيسى بن عليّ، ودفنه بالأنبار العتيقة في قصره. وكان - فيما ذكر - خلّف تسع جباب، وأربعة أقمصة، وخمسة سراويلات، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خزّ. خلافة أبي جعفر المنصور وهو عبد الله بن محمد وفي هذه السنة بويع لأبي جعفر المنصور بالخلافة؛ وذلك في اليوم الذي توفي فيه أخوه أبو العباس، وأبو جعفر يومئذ بمكة؛ وكان الذي أخذ البيعة بالعراق لأبي جعفر بعد موت أبي العباس عيسى بن موسى، وكتب إليه عيسى يعلمه بموت أخيه أبي العباس وبالبيعة له. وذكر عليّ بن محمد، عن الهيثم، عن عبد الله بن عيّاش، قال: لما حضرت أبا العباس الوفاة، أمر الناس بالبيعة لعبد الله بن محمد أبي جعفر، فبايع الناس له بالأنبار في اليوم الذي مات فيه أبو العباس. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى، وأرسل عيسى بن موسى إلى أبي جعفر وهو بمكة محمد بن الحصين العبديّ بموت أبي العباس، وبالبيعة له، فلقيه بمكان من الطريق يقال له زكيّة، فلما جاءه الكتاب دعا الناس فبايعوه، وبايعه أبو مسلم، فقال أبو جعفر: أين موضعنا هذا؟ قالوا: زكيّة، فقال: أمر يزكي لنا إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: ورد على أبي جعفر البيعة له بعد ما صدر من الحجّ، في منزل من منازل طريق مكة؛ يقال له صفيّة، فتفاءل باسمه، وقال: صفت لنا إن شاء الله تعالى. رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد: فقال عليّ: حدّثني الوليد، عن أبيه، قال: لما أتى الخبر أبا جعفر كتب إلى أبي مسلم وهو نازل بالماء، قد تقدّمه أبو جعفر، فأقبل أبو مسلم حتى قدم عليه. وقيل إن أبا مسلم كان هو الذي تقدّم أبا جعفر، فعرف الخبر قبله، فكتب إلى أبي جعفر: بسم الله الرحمن الرحيم. عافاك الله وأمتع بك؛ إنه أتاني أمر أفظعني وبلغ مني مبلغاً لم يبلغه شيء قطّ، لقيني محمد بن الحصين بكتاب من عيسى بن موسى إليك بوفاة أبي العباس أمير المؤمنين رحمه الله، فنسأل الله أن يعظم أجرك، ويحسن الخلافة عليك؛ ويبارك لك فيما أنت فيه؛ إنه ليس من أهلك أحد أشد تعظيماً لحقك وأصفى نصيحة لك، وحرصاً على ما يسرّك مني. وأنفذ الكتاب إليه، ثم مكث أبو مسلم يومه ومن الغد، ثم بعث إلى أبي جعفر بالبيعة؛ وإنما أراد ترهيب أبي جعفر بتأخيرها. رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد: فلما جلس أبو مسلم، ألقى إليه الكتاب، فقرأه وبكى واسترجع. قال: ونظر أبو مسلم إلى أبي جعفر، وقد جزع جزعاً شديداً فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال: أتخوّف شرّ عبد الله بن عليّ وشيعة عليّ، فقال: لا تخفه؛ فأنا أكفيك أمره إن شاء الله؛ إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان؛ وهم لا يعصونيي. فسرّي عن أبي جعفر ما كان فيه. وبايع له أبو مسلم وبايع الناس، وأقبلا حتى قدما الكوفة، وردّ أبو جعفر زياد بن عبيد الله إلى مكة، وكان قبل ذلك والياً عليها وعلى المدينة لأبي العباس. وقيل: إن أبا العباس كان قد عزل قبل موته زياد بن عبيد الله الحارثيّ عن مكة، وولاها العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس. وفي هذه السنة قدم عبد الله بن عليّ على أبي العباس الأنبار، فعقد له أبو العباس على الصّائفة في أهل خراسان وأهل الشأم والجزيرة والموصل، فسار فبلغ دلوك، ولم يدرب حتى أتته وفاة أبي العباس. وفي بهبذه السنة بعث عيسى بن موسى وأبو الجهم يزيد بن زياد أبا غسان إلى عبد الله بن عليّ ببيعة المنصور، فانصرف عبد الله بن عليّ بمن معه من الجيوش، قد بايع لنفسه حتى قدم حرّان. وأقام الحجّ للناس في هذه السنة أبو جعفر المنصور؛ وقد ذكرنا ما كان إليه من العمل في هذه السنة؛ ومن استخلف عليه حين شخص حاجاً. وكان على الكوفة عيسى بن موسى، وعلى قضائها ابن أبي ليلى، وعلى البصرى وعملها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عبّاد بن المنصور، وعلى المدينة زياد بن عبيد الله الحارثي، وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، وعلى مصر صالح ابن عليّ. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث ذكر خبر خروج عبد الله بن عليّ وهزيمته فمما كان فيها من ذلك قدوم المنصور أبي جعفر من مكة ونزوله الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار، واستخلف على الكوفة طلحة ابن إسحاق بن محمد بن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكوفة فصلّى بأهلها الجمعة يوم الجمعة، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم؛ ووافاه أبو مسلم بالحيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها، وجمع إليه أطرافه. وذكر عليّ بن محمد عن الوليد، عن أبيه، أنّ عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدّواوين؛ حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده؛ فسلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمر؛ وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غسّان - واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبي العباس - إلى عبد الله بن عليّ ببيعة أبي جعفر؛ وذلك بأمر أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبي جعفر من بعده، فقدم أبو غسان على عبد الله بن عليّ بأفواه الدروب، متوجّهاً يريد الروم؛ فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبي العباس وهو نازل بموضع يقال له دلوك، أمر منادياً فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع إليه القوّاد والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العباس، ودعا الناس إلى نفسه؛ وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يوجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا بني أبيه؛ فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد، وقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو وليّ عهدي، فلم ينتدب له غيري؛ فعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت. فقام أبو غانم الطائيّ وخفاف المروروذيّ في عدّة من قوّاد أهل خراسان، فشهدوا له بذلك؛ فبايعه أبو غانم وخفاف وأبو الأصبغ وجميع من كان معه من أولئك القوّاد، فيهم حميد بن قحطبة وخفاف الجرجانيّ وحيّاش بن حبيب ومخارق بن غفار وترارخدا وغيرهم من أهل خراسان والشام والجزيرة، وقد نزل تلّ محمد، فلما فرغ من البيعة ارتحل فنزل حرّان، وبها مقاتل العكيّ - وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس - فأراد مقاتلاً على البعية فلم يجبه، وتحصّن منه، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حصنه فقتله. وسرّح أبو جعفر لقتال عبد الله بن عليّ أبا مسلم؛ فلما بلغ عبد الله إقبال أبي مسلم أقام بحرّان، وقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنما هو أنا أو أنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بحرّان، وقد جمع إليه الجنود والسلاح، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه، ومضى أبو مسلم سائراً من الأنبار؛ ولم يتخلّف عنه من القوّاد أحد، وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعيّ؛ وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد قد فارق عبد الله بن عليّ، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان؛ وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن إبراهيم أبا داود. قال الهيثم: كان حصار عبد الله بن عليّ مقاتلاً العكيّ أربعين ليلة، فلما بلغه مسير أبي مسلم إليه، وأنه لم يظفر بمقاتل، وخشي أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكيّ أماناً، فخرج إليه فيمن كان معه، وأقام معه أياماً يسيرة، ثم وجّهه إلى عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزديّ إلى الرّقة ومعه ابناه، وكتب إليه كتاباً دفعه إلى العكيّ، فلما قدموا على عثمان قتل العكيّ وحبس ابنيه، فلما بلغه هزيمة عبد الله بن عليّ وأهل الشأم بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما. وكان عبد الله بن عليّ خشي ألا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحواً من سبعة عشر ألفاً؛ أمر صاحب شرطه فقتلهم؛ وكتب لحميد بن قحطبة كتاباً ووجّهه إلى حلب، وعليها زفر بن عاصم وفي الكتاب: إذا قدم عليك حميد بن قحطبة فاضرب عنقه، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكّر في كتابه، وقال: إنّ ذهابي بكتاب ولا أعلم ما فيه لغرر، ففكّ الطومار فقرأه، فلما رأى ما فيه دعا أناساً من خاصته فأخبرهم الخبر، وأفشى إليهم أمره، وشاورهم، وقال: من أراد منكم أن ينجو ويهرب فليسر معي؛ فإني أريد أن آخذ طريق العراق، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن عليّ في أمره، وقال لهم: من لم يرد منكم أن يحمل نفسه على الير فلا يفشينّ سرّي، وليذهب حيث أحبّ. قال: فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه، فأمر حميد بدوابّه فأنعلت، وأنعل أصحابه دوابّهم، وتأهبوا للمسير معه، ثم فوّز بهم وبهرج الطريق فأخذ على ناحية من الرّصافة؛ رصافة هشام بالشأم، وبالرّصافة يومئذ مولى لعبد الله بن عليّ يقال له سعيد البربريّ، فبلغه أنّ حميد بن قحطبة قد خالف عبد الله بن عليّ، وأخذ في المافزة، فسار في طلبه فيمن معه من فرسانه؛ فلحقه ببعض الطريق، فلما بصر به حميد ثنى فرسه نحوه حتى لقيه، فقال له: ويحك! أما تعرفني! والله ما لك في قتالي من خير فارجع؛ فلا تقتل أصحابي وأصحابك، فهو خير لك. فلما سمع كلامه عرف ما قال له، فرجع إلى موضعه بالرصافة، ومضى حميد ومن كان معه، فقال له صاحب حرسه موسى بن ميمون: إن لي بالرصافة جارية، فإن رأيت أن تأذن لي فآتيها فأوصيها ببعض ما أريد، ثم ألحقك! فأذن له فأتاها، فأقام عندها، ثم خرج من الرصافة يريد حميداً، فلقيه سعيد البربريّ مولى عبد الله بن عليّ، فأخذه فقتله؛ وأقبل عبد الله بن عليّ حتى نزل نصيبين، وخندق عليه. وأقبل أبو مسلم. وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبة - وكان خليفته بأرمينية - أن يوافي أبا مسلم، فقدم الحسن بن قحطبة على أبي مسلم وهو بالموصل، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية لم يعرض له، وأخذ طريق الشأم، وكتب إلى عبد الله: إني لم أومر بقتالك، ولم أوجّه له، ولكن أمير المؤمنين ولاّني الشأم؛ وإنما أريدها؛ فقال من كان مع عبد الله من أهل الشأم لعبد الله: كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا، وفيها حرمنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبي ذراريّنا! ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حرمنا وذراريّنا ونقاتله إن قاتلنا، فقال لهم عبد الله بن عليّ: إنه والله ما يريد الشأم، وما وجّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينّكم. قال: فلم تطب أنفسهم، وأبوا إلا المسير إلى الشأم. قال: وأقبل أبو مسلم فعسكر قريباً منهم، وارتحل عبد الله بن عليّ من عسكره متوجّهاً نحو الشأم، وتحوّل أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله ابن عليّ في موضعه، وعوّر ما كان حوله من المياه، وألقى فيها الجيف. وبلغ عبد الله بن عليّ نزول أبي مسلم معسكره، فقال لأصحابه من أهل الشأم: ألم أقل لكم! وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره، فنزل في موضع عسكر أبي مسلم الذي كان فيه، فاقتتلوا أشهراً خمسة أو ستة، وأهل الشأم أكثر فرساناً وأكمل عدّة، وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيليّ، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسديّ، وعلى الخيل عبد الصمد بن عليّ، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى الميسرة أبو نصر خازم بن خزيمة، فقاتلوه أشهراً. قال عليّ: قال هشام بن عمرو التّغلبيّ: كنت في عسكر أبي مسلم، فتحدّث الناس يوماً، فقيل: أييّ الناس أشدّ؟ فقال: قولوا حتى أسمع، فقال رجل: أهل خراسان. وقال آخر: أهل الشأم، فقال أبو مسلم: كلّ قوم في دولتهم أشدّ الناس. قال: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بن عليّ فصدمونا صدمةً أزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا. وشدّ علينا عبد الصمد في خيل مجرّدة، فقتل منا ثمانية عشر رجلاً، ثم رجع في أصحابه، ثم تجمعوا فرموا بأنفسهم: فأزالوا صفّنا وجلنا جولة، فقلت لأبي مسلم: لو حرّكت دابتي حتى أشرف على هذا التلّ فأصبح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قال: قلت: وأنت أيضاً فتحرّك دابتك، فقال: إن أهل الحجى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، ناد: يا أهل خراسان ارجعوا؛ فإن العاقبة لمن اتقى. قال: ففعلت، فتراجع الناس، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال: من كان ينوي أهله فلا رجع ... فرّ من الموت وفي الموت وقع قال: وكان قد عمل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللاً في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها: إنّ في ناحيتك انتشاراً، فاتّق ألاّ نؤتى من قبلك؛ فافعل كذا، قدّم خيلك كذا، أو تأخّر كذا إلى موضع كذا، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض. قال: فلما كان يوم الثلاثاء - أو الأربعاء - لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومائة - أو سبع وثلاثين ومائة - التقوا فاقتتقوا قتالاً شديداً. فلما رأى ذلك أبو مسلم مكر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة - وكان على ميمنته - أن أعر الميمنة، وضمّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم. فلما رأى ذلك أهل الشأم أعروا ميسرتهم، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبي مسلم. ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مر أهل القلب فليحملوا مع من بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشأم، فحملوا عليهم فحطموهم، وجال أهل القلب والميمنة. قال: وركبهم أهل خراسان، فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن عليّ لابن سراقة الأزديّ - وكان معه: يا بن سراقة، ما ترى؟ قال: أرى والله أن تصبر وتقاتل حتى تموت؛ فإنّ الفرار قبيح بمثلك، وقبل عبته على مروان، فقلت: قبح الله مروان! جزع من الموت ففرّ! قال: فإني آتي العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى أبي جعفر. فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يحصى ما أصابوا في عسكر عبد الله بن عليّ، فغضب من ذلك أبو مسلم. ومضى عبد الله بن عليّ وعبد لصمد بن علي؛ فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر، وأما عبد الله بن عليّ فأتى سليمان بن عليّ بالبصرة، فأقام عنده. وآمن أبو مسلم الناس فلم يقتل أحداً، وأمر بالكفّ عنهم. ويقال: بل استأمن لعبد الصمد بن عليّ إسماعيل بن عليّ. وقد قيل: إن عبد الله بن عليّ لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رصافة هشام، فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور، وعليها جهور بن مرّار العجليّ، فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبي الخصيب مولاه موثقاً، فلما قدم عليه أمر بصرفه إلى عيسى بن موسى، فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه، وحباه وكساه. وأما عبد الله بن عليّ فلم يلبث بالرّصافة إلا ليلة، ثم أدلج في قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بن عليّ وهو عاملها يومئذ، فآواهم سليمان وأكرمهم وأقاموا عنده زماناً متوارين. ذكر خبر قتل أبي مسلم الخراسانيّ وفي هذه السنة قتل أبو مسلم. ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك: حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا سلمة بن محارب ومسلم بن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الأزديّ والنعمان أبو السريّ ومحرز بن إبراهيم وغيرهم، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحجّ - وذلك في سنة ست وثلاثين ومائة - وإنما أراد أن يصلي بالناس. فأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبي جعفر وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان: إن أبا مسلم كتب إليّ يستأذن في الحجّ وقد أذنت له؛ وقد ظننت أنه إذا قدم يريد أن يسألني أن أولّيه إقامة الحجّ للناس، فاكتب إليّ تستأذنني في الحج؛ فإنك إذا كنت بمكة لم يطمع أن يتقدّمك. فكتب أبو جعفر إلى أبي العباس يستأذنه في اعلحجّ فأذن له، فوافى الأنبار، فقال أبو مسلم: أما وجد أبو جعفر عاماً يحجّ فيه غير هذا! واضطغنها عليه. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينية في تلك السنة الحسن بن قحطبة. وقال غيره: استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عروة - وكان أسود مولىً لهم - فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العقاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، ويصل من سأله، وكسا الأعراب البتوت والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق؛ فكان الصوت له؛ وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه؛ حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك - وضرب جنبه - : يا نيزك، أيّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة!. ثم رجع الحديث إلى حديث الأولين. قالوا: لما صدر الناس عن الموسم، نفر أبو مسلم قبل أبي جعفر، فكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يعزّيه بأمير المؤمنين؛ ولم يهنّئه بالخلافة، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع؛ فغضب أبو جعفر فقال لأبي أيوب: اكتب إليه كتاباً غليظاً؛ فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة، فقال يزيد بن أسيد السلميّ لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق والناس جنده؛ وهم له أطوع، وله أهيب، وليس معك أحد. فأخذ برأيه، فكان يتأخّر ويتقدّم أبو مسلم، وأمر أبو جعفر أصحابه فقدموا، فاجتمعوا جميعاً وجمع سلاحهم؛ فما كان في عسكره إلاّ ستة أذرع، فمضى أبو مسلم إلى الأنبار، ودعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له؛ فأتى عيسى، فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة؛ وأتاه أن عبد الله بن عليّ، فقال له أبو مسلم: إن عبد الجبار بن عبد الرحمن وصالح بن الهيثم يعيبانني فاحبسهما، فقال أبو جعفر: عبد الجبار على شرطي - وكان قبل على شرط أبي العباس - وصالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرّضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما؛ قال: أراهما آثر عندك مني! فغضب أبو جعفر، فقال أبو مسلم: لم أرد كلّ هذا. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينية فلما وجّه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيه ويسير معه فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل فأقام أياماً، فلما أراد أن يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون إلى القتال وليس بك إليّ حاجة، فلو أذنت لي فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء الله! قال: نعم؛ لكن أعلمني إذا أردت الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت وتهيأت أعلمته، وقلت: أتيتك أودّعك، قال: قف لي بالباب حتى أخرج إليك، فخرجت فوقفت وخرج، فقال: إنّي أريد أن ألقي إليك شيئاً لتبلغه أبا أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرك، ولولا مكانك من أبي أيوب لم أخبرك؛ فأبلغ أبا أيوب أني قد ارتبت بأبي مسلم منذ قدمت عليه، إنّه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤه، ثم يلوي شدقه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، فيقرؤه ويضحكان استهزاء؛ قلت: نعم قد فهمت؛ فلقيت أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشيء، فضحك، وقال: نحن لأبي مسلم أشدّ تهمةً منّا لعبد الله بن عليّ إلاّ أنا نرجو واحدةً؛ نعلم أنّ أهل خراسان لا يحبون عبد الله بن عليّ، وقد قتل منهم من قتل؛ وكان عبد الله بن عليّ حين خلع خاف أهل خراسان، فقتل منهم سبعة عشر ألفاً؛ أمر صاحب شرطته حيّاش بن حبيب فقتلهم. قال عليّ: فذكر أبو حفص الأزديّ أن أبا مسلم قاتل عبد الله بن عليّ فهزمه، وجمع ما كان في عسكره من الأموال فصيّره في حظيرة، وأصاب عيناً ومتاعاً وجوهراً كثيراً؛ فكان منثوراً في تلك الحظيرة؛ ووكّل بها وبحفظها قائداً من قوّاده، فكنت في أصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتّشه، فخرج أصحابي يوماً من الحظيرة وتخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل أبو حفص؟ فقالوا: هو في الحظيرة، قال: فجاء فاطلع من الباب، وفطنت له فنزعت خفّيّ وهو ينظر، فنفضتهما وهو ينظر، ونفضت سراويلي وكمّي، ثم لبست خفي وهو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلاّني، فقال: قد رأيت ما صنعت فلم صنعت هذا؟ قلت: إنّ في الحظيرة لؤلؤاً منثوراً ودراهم منثورة؛ ونحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خفيّ منها شيء، فزعت خخفيّ وجوربيّ؛ فأعجبه ذلك وقال: انطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها في خفيّ وأشدّ بعضها على بطني، ويخرج أصحابي فيفتشّون ولا أفتش، حتى جمعت مالاً، قال: وأما اللؤلؤ فإنّي لم أكن أمسّه. ثم رجع الحديث إلى حديث الذين ذكر عليّ عنهم قصة أبي مسلم في أول الخبر. قالوا: ولما انهزم عبد الله بن عليّ بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى أبو مسلم على أبي الخصيب وهمّ بقتله، فكلّم فيه؛ وقيل: إنما هو رسول، فخلّ سبيله. فرجع إلى أبي جعفر، وجاء القوّاد إلى أبي مسلم، فقالوا: نحن ولينا أمر هذا الرجل، وغنمنا عسكره، فلم يسأل عما في أيدينا؛ إنما لأمير المؤمنين من هذا الخمس. فلما قدم أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره أنّ أبا مسلم همّ بقتله. فخاف أن يمضى أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه كتاباً مع يقطين؛ أن قد وليتك مصر والشأم؛ فهي خير لك من خراسان، فوجّه إلى مصر من أحببت، وأقم بالشأم فتكون بقرب أمير المؤمنين؛ فإن أحبّ لقاءك أتيته من قريب. فلما أتاه الكتاب غضب، وقال: هو يوليني الشأم ومصر، وخراسان لي! واعتزم بالمضيّ إلى خراسان، فكتب يقطين إلى أبي جعفر بذلك. وقال غير من ذكرت خبره: لما ظفر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن عليّ بعث المنصور يقطين بن موسى، وأمره أن يحصيَ ما في العسكر، وكان أبو مسلم يسميه يك دين، فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك. وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمعاً على الخلاف؛ وخرج من وجهه معارضاً يريد خراسان؛ وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن؛ وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه. فكتب أبو مسلم، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق حلوان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدوّ إلا أمكنه الله منه؛ وقد كنّا نروي عن ملوك آل ساسان: أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة؛ غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك؛ فإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك، ضناً بنفسي. فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمت كتابك؛ وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم؛ فإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة؛ فلم سوّيت نفسك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمع ولا طاعة. وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد باباً يفسد به نيتك أوكد عنده، وأقرب من طبّه من الباب الذي فتحه عليك. ووجه إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ؛ وكان واحد أهل زمانه، فخدعه وردّه، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلنّ بالروم؛ وكان المنجمون يقولون ذلك؛ فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب، وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أياماً. وأما عليّ فإنه ذكر عن شيوخه الذين تقدّم ذكرنا لهم أنهم قالوا: كتب أبو مسلم إلى أبي جعفر: أما بعد؛ فإني اتخذت رجلاً إماماً ودليلاً على ما افترضه الله على خلقه؛ وكان في محلّة العلم نازلاً، وفي يقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً؛ فاستجهلني بالقرآن فحرّفه عن مواضعه، طمعاً في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه؛ فكان كالذي دلّيَ بغرور؛ وأمرني أن أجرّد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيداً لسلطانكم حتى عرّفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتوبة؛ فإن يعف عني فقدماً عرف به ونسب إليه؛ وإن يعاقبني فبما قدمّت يداي وما الله بظلام للعبيد. وخرج أبو مسلم يريد خراسان مراغما مشاقّاً، فلما دخل أرض العراق. ارتحل المنصور من الأنبار، فأقبل حتى نزل المدائن، وأخذ أبو مسلم طرييق حلوان؛ فقال: رب أمر لله دون حلوان. وقال أبو جعفر لعيسى بن عليّ وعيسى بن موسى ومن حضره من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم؛ فكتبوا إليه يعظمون أمره، ويشكرون له ما كان منه، ويسألونه أن يتمّ على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة الغدر، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين؛ وأن يلتمس رضاه. وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبي حميد المروروذيّ. وقال له: كلم أبا مسلم بألين ما تكلّم به أحداً، ومنّه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم يصنعه أحد، إن هو صلح وراجع ما أحبّ؛ فإن أبى أن يرجع فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لست للعباس وأنا برىء من محمد، إن مضيت مشاقاً ولم تأتني، إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي؛ ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك. ولا تقولنّ له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه. ولا تطمع منه في خير. فسار أبو حميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم؛ حتى قدموا على أبي مسلم بحلوان. فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما، فدفع إليه الكتاب، وقال له: إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك؛ حسداً وبغياً؛ يريدون إزالة النعمة وتغييرها؛ فلا تفسد ما كان منك؛ وكلّمه. وقال: يا أبا مسلم، إنك لم تزل أمين آل محمد؛ يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك، ولا يستهوينّك الشيطان، فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلّمني بهذا الكلام! قال: إنك دعوتنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم بني العباس، وأمرتنا بقتال من خالف ذلك؛ فدعوتنا من أرضين متفرّقة وأسباب مختلفة، فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا بمحبّتهم، وأعزّنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلاً إلا بما قذف الله في قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة؛ أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتتهى أملنا أن تفسد أمرنا، وتفرّق كلمتنا؛ وقد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه. وإن خالفتكم فاقتلوني! فأقبل على أبي نصر، فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا! ما هذا بكلامه يا مالك! قال: لا تسمع كلامه، ولا يهولنك هذا منه؛ فلعمري لقد صدقت ما هذا كلامه؛ ولما بعد هذا أشدّ منه؛ فامض لأمرك ولا ترجع؛ فوالله لئن أتيته ليقتلنك؛ ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبداً. فقال: قوموا، فنهضوا، فأرسل أبو مسلم إلى نيزك، وقال: يا نيزك، إني والله ما رأيت طويلاً أعقل منك، فما ترى، فقد جاءت هذه الكتب، وقد قال القوم ما قالوا؟ قال: لا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتي الرّيّ فنقيم بها، فيصير ما بين خراسان والرّي لك؛ وهم جندك ما يخالفك أحد؛ فإن استقام لك استقمت له، وإن أبى كنت في جندك، وكانت خراسان من ورائك، ورأيت رأيك. فدعا أبا حميد، فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأيي أن آتيه. قال: قد عزمت على خلافه؟ قال: نعم، قال: لا تفعل، قال: ما أريد أن ألقاه؛ فلما آيسه من الرجوع، قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجم طويلاً، ثم قال: قم. فكسره ذلك القول ورعبّه. وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود - وهو خليفة أبي مسلم بخراسان - حين اتّهم أبا مسلم إنّ لك إمرة خراسان ما بقيت. فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّه صلى الله عليه وسلم، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلا بإذنه. فوافاه كتابه على تلك الحال؛ فزاده رعباً وهماً، فأرسل إلى أبي حميد وأبي مالك فقال لهما: إني قد كنت معتزماً على المضيّ إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه؛ فإنه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكلّ ما يحبّ، وقال له أبو جعفر: اصرفه عن وجهه؛ ولك ولاية خراسان؛ وأجازه. فرجع أبو إسحاق إلى أبي مسلم، فقال له: ما أنكرت شيئاً، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم. وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد أجمعت على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثّل: ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام فقال: أمّا إذ اعتزمت على هذا فخار الله لك؛ واحفظ عني واحدة؛ إذا دخلت عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت؛ فإنّ الناس لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه. قالوا: قال أبو أيوب: فدخلت يوماً على أبي جعفر وهو في خباء شعر الروميّة جالساً على مصلّىً بعد العصر، وبين يديه كتاب أبي مسلم، فرمى به إليّ فقرأته، ثم قال: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنّه، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون! طلبت الكتابة حتى إذا بلغت غايتها فصرت كاتباً للخليفة، وقع هذا بين الناس! والله ما أرى أنا إن قتل يرض أصحابه بقتله ولا يدعون هذا حياً؛ ولا أحداً ممن هو بسبيل منه؛ وامتنع مني النوم، ثم قلت: لعلّ الرّجل يقدم وهو آمن؛ فإن كان آمناً فعسى أن ينال ما يريد وإن قدم وهو حذر لم يقدر عليه إلا في شر، فلو التمست حيلة! فأرسلت إلى سلمة بن سعيد بن جابر، فقلت له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم، فقلت: إن وليتك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق، تدخل معك حاتم بن أبي سلمان أخي؟ قال: نعم، فقلت - وأردت أن يطلع ولا ينكر: وتجعل له النصف؟ قال: نعم، قلت: إنّ كسكر كالت عام أوّل كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان عام أوّل؛ فإن دفعتها إليك بقبالتها عاماً أوّل أو بالأمانة أصبت ما تضيق به ذرعاً، قال: فكيف لي بهذا المال؟ قلت: تأتي أبا مسلم، فتلقاه وتكلمه غداً، وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن تتولاّها أنت بما كانت في العام الأوّل؛ فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يولّيه إذا قدم ما وراء بابه، ويستريح ويريح نفسه، قال: فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟ قلت: أنا أستأذن لك؛ ودخلت إلى أبي جعفر؛ فحدثته الحديث كله، قال: فادع سلمة، فدعوته، فقال: إن أبا أيوب استأذن لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟ قال: نعم، قال: فقد أذنت لك، فأقرئه السلام، وأعلمه بشوقنا إليه. فخرج سلمة فلقيه، فقال: أمير المؤمنين أحسن الناس فيك رأياً، فطابت نفسه؛ وكان قبل ذلك كئيباً. فلما قدم عليه سلمة سرّه ما أخبره به وصدّقه، ولم يزل مسروراً حتى قدم. قال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمر أمير المؤمنين الناس فتلقوه؛ فلما كان عشية قدم، دخلت على أمير المؤمنين وهو في خباء على مصلّىً، فقلت: هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقتله حين أنظر إليه، قلت: أنشدك الله؛ إنه يدخل معه الناس؛ وقد علموا ما صنع؛ فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء؛ ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف؛ فإذا غدا عليك رأيت رأيك. وما أردت بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلاّ من خوفي عليه وعلينا جميعاً من أصحاب أبي مسلم. فدخل عليه من عشيته وسلم، وقام قائماً بين يديه، فقال: انصرف يا عبد الرحمن فأرح نفسك، وادخل الحمام؛ فإن للسفر قشفاً، ثم اغد عليّ، فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس. قال: فافترى عليّ أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم؛ وقال: متى أقدر على مثل هذه الحال منه التي رأيته قائماً على رجليه، ولا أدري ما يحدث في ليلتي! فانصرفت وأصبحت غادياً عليه؛ فلما رآني قال: يا بن اللخناء؛ لا مرحباً بك! أنت منعتني منه أمس؛ والله ما غمضت الليلة، ثم شتمني حتى خفت أن يأمر بقتلي، ثم قال: ادع لي عثمان بن نهيك، فدعوته، فقال: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما أنا عبدك؛ والله لو امرتني أن اتّكىء على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قال: كيف أنت إن أمرتك بقتل أبي مسلم؟ فوجم ساعة لا يتكلم، فقلت: مالك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله؛ قال: انطلق فجىء بأربعة من وجوه الحرس جلد، فمضى؛ فلما كان عند الرّواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان؛ ارجع؛ فرجع، قال: اجلس؛ وأرسل إلى من تثق به من الحرس؛ فأحضر منهم أربعة، فقال لوصييف له انطلق: فادع شبيب بن واج، وادع أبا حنيفة ورجلين آخرين؛ فدخلوا، فقال لهم أمير المؤمنين نحواً مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خلف الرواق؛ فإذاع صفّقت فاخرجوا فاقتلوه. وأرسل إلى أبي مسلم رسلاً بعضهم على إثر بعض، فقالوا: قد ركب، وأتاه وصيف، فقال: أتى عيسى بن موسى، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أخرج فأطوف في العسكر، فأنظر ما يقول الناس؟ هل ظن أحد ظناً، أو تكلم أحد بشيء؟ قال: بلى، فخرجت، وتلقاني أبو مسلم داخلاً، فتبسّم وسلمت عليه ودخل، فرجعت؛ فإذا هو منبطح لم ينتظر به رجوعي. وجاء أبو الجهم، فلما رآه مقتولاً قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبلت على أبي الجهم، فقلت له: أمرته بقتله حين خالف، حتى إذا قتل قلت هذه المقالة! فنبّهت به رجلاً غافلاً، فتكلم بكلام أصلح ما جاء منه، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ ألا أردّ الناس؟ قال: بلى، قال: فمر بمتاع يحوّل إلى رواق آخر من أرواقك هذه، فأمر بفرش فأخرجت؛ كأنه يريد أن يهيّىء له رواقاً آخر. وخرج أبو الجهم، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقل، فظنوه صادقاً، فانصرفوا ثم راحوا، فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم، وأعطى أبا إسحاق مائة ألف. قال أبو أيوب: قال لي أمير المؤمنين: دخل عليّ أبو مسلم فعاتبته ثم شتمته، فضربه عثمان فلم يصنع شيئاً، وخرج شبيب بن واج وأصحابه فضربوه فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا بن اللخناء، العفو والسيوف قد اعتورتك! وقلت: اذبحوه، فذبحوه. قال عليّ عن أبي حفص الأزديّ، قال: كنت مع أبي مسلم، فقدم عليه أبو إسحاق من عند أبي جعفر بكتب من بني هاشم، وقال: رأيت القوم على غير ما ترى؛ كلّ القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك. فسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر في ثقله، وقال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك، قال: إن أتاك كتابي مختوماً بنصف خاتم فأنا كتبته، وإن أتاك بالخاتم كلّه؛ فلم أكتبه ولم أختمه. فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قوّااده، فسلّم عليه، فقال له أطعني وارجع؛ فإنه إن عاينك قتلك، قال: قد قربت من القوم فأكره أن أرجع. فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخلّف الناس بحلوان، فدخل على أبي جعفر، فأمره بالانصراف في يومه؛ وأصبح يريده، فتلقاه أبو الخصيب فقال: أمير المؤمنين مشغول، فاصبر ساعة حتى تدخل خالياً، فأتى منزل عيسى بن موسى - وكان يحبّ عيسى - فدعا له بالغداء. وقال أمير المؤمنين للربيع - وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلق إلى أبي مسلم؛ ولا يعلم أحد، فقل له: قال لك مرزوق: إن أردت أمير المؤمنين خالياً فالعجل، فقام فركب؛ وقال له عيسى: لا تعجل بالدّخول حتى أدخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجىء عيسى، وجاء عيسى وهو مدرج في عباءة، فقال: أين أبو مسلم؟ قال: مدرج في الكساء؛ قال: إنا لله! قال: اسكت، فما تمّ سلطانك وأمرك إلاّ اليوم، ثم رمى به في دجلة. قال عليّ: قال أبو حفص: دعا أمير المؤمنين عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس، فقال لهم: إذا ضربت بيديّ إحداهما على الآخرى؛ فاضربوا عدوّ الله، فدخل عليه أبو مسلم، فقال له: أخبرني عن نصلين أصبتهما في متاع عبد الله بن عليّ، قال: هذا أحدهما الذي عليّ، قال: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردت أن تعلّمنا الدّين! قال: ظننت أخذه لا يحلّ، فكتب إليّ، فلما أتاني كتابه علمت أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم، قال: فأخبرني عن تقدّمك إياي في الطريق؟ قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضرّ ذلك بالناس؛ فتقدّمتك التماس الرّفق، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس لمن أشار عليك أن تنصرف إليّ: نقدم فنرى من رأينا؛ ومضيت فلا أنت أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إليّ! قال: منعني من ذلك ما أخبرتك من طلب الرفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف، قال: فجارية عبد الله بن عليّ أردت أن تتخذها؟ قال: لا؛ ولكني خفت أن تضيع، فحملتها في قبّة، ووكلتُ بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفت أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان ، فأكتب إليك بعذري؛ وإلى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك عليّ، قال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، والله ما زدتني إلا غضباً؛ وضرب بيده، فخرجوا عليه؛ فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه. قال عليّ: قال يزيد بن أسيد: قال أمير المؤمنين: عاتبت عبد الرحمن، فقلت: المال الذي جمعته بحرّان؟ قال: أنفقته وأعطيته الجند تقويةً لهم واستصلاحاً، قلت: فرجوعك إلى خراسان مراغماً؟ قال: دع هذا فما أصبحت أخاف أحداً إلا الله؛ فغضبت فشتمته، فخرجوا فقتلوه. وقال غير من ذكرت في أمر أبي مسلم: إنه لما أرسل إليه يوم قتل، أتى عيسى بن موسى، فسأله أن يركب معه، فقال له: تقدّم وأنت في ذمتي؛ فدخل مضرب أبي جعفر؛ وقد أمر عثمان بن نهيك صاحب الحرس، فأعدّ له شبيب بن واج المروروذيّ رجلاً من الحرس وأبا حنيفة حرب بن قيس، وقال لهم: إذا صفقت بيديّ فشأنكم؛ وأذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجّاريّ: ما الخبر؟ قال: خير؛ يعطينني الأمير سيفه، فقال: ما كان يصنع بي هذا! قال: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبي جعفر، قال: ومن فعل بك هذا قبحه الله! ثم أقبل يعاتبه: ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليّ تخطب أمينة بنت عليّ، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس! ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا؛ وهو أحد نقبائنا قبل أن ندخلك في شيء من هذا الأمر؟ قال: أراد الخلاف وعصاني فقتلته، فقال المنصور: وحاله عندنا حاله فقتلته، وتعصيني وأنت مخالف عليّ! قتلني إلله إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيب وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومائة. فقال المنصور: زعمت أنّ الدّين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كأساً كنت تسقي بها ... أمرّ في الحلق من العلقم قال: وكان أبو مسلم قد قتل في دولته وحروبه ستمائة ألف صبراً. وقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلت وفعلت، قال له أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان منّي؛ فقال: يا بن الخبيثة؛ والله لو كانت أمةٌ مكانك لأجزت ناحيتها؛ إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا؛ ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلاً، ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليّ تخطب أمينة بنت عليّ، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أمّ لك مرتقىً صعباً! فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبّلها ويعتذر إليه. وقيل: إن عثمان بن نهيك ضرب أبا مسلم أوّل ما ضرب ضربة خفيفة بالسيف؛ فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه؛ فاعتقل بها أبو مسلم. وضرب شبيب بن واج رجله، واعتوره بقية أصحابه حتى قتلوه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم! وقد كان أبو مسلم قال - فيما قيل - عند أول ضربة أصابته: يا أمير المؤمنين، استبقني لعدوّك قال: لا أبقاني الله إذاً! وأيّ عدوٍّ لي أعدى منك! وقيل: إن عيسى بن موسى دخل بعد ما قتل أبو مسلم، فقال: يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان ها هنا آنفاً، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته ونصيحته ورأى الإمام إبراهيم كان فيه؛ فقال: يا أنوك؛ والله ما أعلم في الأرض عدواً أعى لك منه؛ ها هو ذاك في البساط، فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون! وكان لعيسى رأى في أبي مسلم، فقال له المنصور: خلع الله قلبك؛ وهل كان لكم ملك أو سلطان أو أمر أو نهيي مع أبي مسلم! قال: ثم دعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة، فدخل عليه، فقال: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت شعرة من رأسه فاقتل ثم اقتل ثم اقتل؛ فقال المنصور: وفّقك الله! ثم أمره بالقيام والنظر إلى أبي مسلم مقتولاً، فقال: يا أمير المؤمنين، عد من هذا اليوم لخلافتك. ثم استؤذن لإسماعيل بن عليّ، فدخل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي رأيت في ليلتي هذه كأنك ذبحت كبشاً وأني توّطأته برجلي، فقال: نامت عينك يا أبا الحسن؛ قم فصدّق رؤياك؛ قد قتل الله الفاسق، فقام إسماعيل إلى الموضع الذي فيه أبو مسلم، فتوطّأه. ثم إنّ المنصور همّ بقتل أبي إسحاق صاحب حرس أبي مسلم وقتل أبي نصر مالك - وكان على شرط أبي مسلم - فكلّمه أبو الجهم، فقال: يا أمير المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه. ودعا المنصور بأبي إسحاق، فلما دخل عليه ولم ير أبا مسلم، قال له أبو جعفر: أنت المتابع لعدوّ الله أبي مسلم على ما كان أجمع؛ فكفّ وجعل يلتفت يميناً وشمالاً تخوّفاً من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل الله الفاسق؛ وأمر بإخراجه إليه مقطعاً؛ فلما رآه أبو إسحاق خرّ ساجداً، فأطال السجود، فقال له المنصور: ارفع رأسك وتكلم؛ فرفع رأسه وهو يقول: الحمد لله الذي آمنني بك اليوم، والله ما أمنته يوماً واحداً منذ صحبته، وما ئجته يوماً قط إلا وقد أوصيت وتكفنت وتحنطت؛ ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثياب كتان جدد. وقد تحنّط. فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه. ثم قال: استقبل طاعة خليفتك. واحمد الله اليذ أراحك من الفاسق، ثم قال له أبو جعفر: فرّق عني هذه الجماعة. ثم دعا بمالك من الهيثم فحدّثه بمثل ذلك، فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته؛ وإنما خدمه وخفّ له الناس بمرضاته. وأنه قد كان في طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم، فقبل منه وأمره بمثل ما أمر به أبا إسحاق من تفريق جند أبي مسلم. وبعث أبو جعفر إلى عدّة من قوّاد أبي مسلم بجوائز سنيّة. وأعطى جميع جنده حتى رضوا، روجع أصحابه وهم يقولون: بعنا مولانا بالدراههم. ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: أقسم بالله لئن قطعوا طنباً من أطنابي لأضربنّ عنقك ثم لأجاهدنّهم. فخرج إليهم أبو إسحاق فقال: يا كلاب انصفرفوا. قال عليّ: قال أبو حفص الأزديّ: لما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتاباً عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تاماً، علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب، فقال: أفعلتموها! وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر لأبي نصر عهده على شهرزور، ووجّه رسولاً إليه بالعهد؛ فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجّه إلى خراسان، فكتب إلى زهير بن التركيّ - وهو على همذان: إن مر بك أبو نصر فاحبسه، فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهمذان، فأخذه فحبسه في القصر، وكان زهير مولىً لخزاعة، فأشرف أبو نصر على إبراهيم بن عريف - وهو ابن أخي أبي نصر لأمه - فقال: يا إبراهيم، تقتل عمّك! قال: لا والله أبداً، فأشرف زهير فقال لإبراهيم: إني مأمور والله، إنه لمن أعزّ الخلق عليّ؛ ولكني لا أستطيع ردّ أمر أمير المؤمنين. ووالله لئن رمى أحدكم بسهم لأرمينّ إليكم برأسه. ثم كتب أبو جعفر كتاباً آخر إلى زهير: إن كنت أخذت أبا نصر فاقتله. وقدم صاحب العهد على أبي نصر بعهده فخلّى زهير سبيله لهواه فيه؛ فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتاب إلى زهير بقتله، فقال: جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله. وقدم أبو نصر على أبي جعفر، فقال: أشرت على أبي مسلم بالمضيّ إلى خراسان؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ كانت له عندي أيادٍ وصنائع فاستشارني فنصحت له، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك وشكرت. فعفا عنه؛ فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا اليوم البوّاب، لا يدخل أحد القصر وأنا حيّ. فقال أبو جعفر: أين مالك بن الهيثم؟ فأخبروه عنه، فرأى أنه قد نصح له. وقيل: إن أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر إلى زهير بن التركيّ: إنّ لله دمك إن فاتك مالك؛ فأتى زهير مالكاً، فقال له: إني قد صنعت لك طعاماً، فلو أكرمتني بدخول منزلي! فقال: نعم، وهيّأ زهير أربعين رجلاً تخيّرهم، فجعلهم في بيتين يفضيان إلى المجلس الذي هيأه، فلما دخل مالك قال: يا أدهم، عجّل طعامك؛ فخرج أولئك الأربعون إلى مالك، فشدّوه وثاقاً، ووضع في رجليه القيود. وبعث به إلى المنصور فمنّ عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل. وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان وكتب إليه بعهده. ذكر خروج سنباذ للطلب بدم أبي مسلم ثم قتله وفيها خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبي مسلم. ذكر الخبر عن سنباذ ذكر أن سنباذ هذا كان مجوسياً، من أهل قرية من قرى نيسابور يقال لها أهن، وأنه كثر أتباعه لما ظهر، وكان خروجه غضباً لقتل أبي مسلم - فيما قيل - وطلباً بثأره، وذلك أنه كان من صنائعه، وغلب حين خرج على نيسابور وقومس والرّيّ، وتسمّى فيروز أصبههبذ. فلما صار بالرّيّ قبض خزائن أبي مسلم؛ وكان أبو مسلم خلف بها خزائنه حين شخص متوجهاً إلى أبي العباس؛ وكان عامّة أصحاب سنباذ أهل الجبال. فوجّه إليهم أبو جعفر جهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف، فالتقوا بين همذان والرّي على طرف المفازة؛ فاقتتلوا، فهزم سنباذ، وقتل من أصحابه في الهزيمة نحو من ستين ألفاً، وسبى ذراريّهم ونساءهم. ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس؛ قتله لونان الطبريّ، فصير المنصور أصبهبذة طبرستان إلى ونداهرمز بن الفرخان، وتوجّه. وكان بين مخرج سنباذ إلى قتله سبعون ليلة. خروج ملبّد بن حرملة الشيبانيّ وفي هذه السنة خرج ملبّد بن حرملة الشيباني، فحّكم بناحية الجزيرة، فسارت إليه روابط اجزيرة؛ وهم يومئذ فيما قيل ألف، فقاتلهم ملبّد فهزمهم، وقتل من قتل منهم. ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبيّ، فهزمه ملبد بعد قتال شديد كان بينهما؛ وأخذ ملبّد جارية ليزيد كان يطؤها، وقتل قائد من قواده، ثم وجّه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند، فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم ثم وجّه إليه نزاراً قائداً من قوّاد أهل خراسان. فقتله ملبّد، وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير، فلقيهم ملبّد فهزمهم. ثم وجّه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدّة، فهزمهم. ثم سار إليه حميد بن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة، فلقيه الملبّد فهزمه، وتحصّن منه حميد، وأعطاه مائة ألف درهم على أن يكفّ عنه. وأما الواقديّ فإنه زعم أن ظهور ملبّد وتحكيمه كان في سنة ثمان وثلاثين ومائة، ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لتشغل السلطان بحرب سنباذ. وحجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقديّ وغيره؛ وهو على الموصل. وكان على المدينة زياد بن عبيد الله، والعباس بن عبد الله بن معبد على مكة. ومات العباس عند انقضاء الموسم؛ فضمّ إيماعيل عمله إلى زياد بن عبيد الله؛ فأقرّه عليها أبو جعفر. وكان على الكوفة في هذه السنة عيسى بن موسى. وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها عمر بن عامر السلمّي. وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم. وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة. وعلى مصر صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك دخول قسطنطين طاغية الروم ملطية عنوة وقهراً لأهلها وهدمه سورها، وعفوه عمّن فيها من المقاتلة والذّريّة. ومنها غزو العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس - في قول الواقديّ - الصائفة، مع صالح بن عليّ بن عبد الله، فوصله صالح بأربعين ألف دينار، وخرج معهم عيسى بن عليّ بن عبد الله، فوصله أيضاً بأربعين ألف دينار، فبنى صالح بن عليّ ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية. وقد قيل: إن خروج صالح والعباس إلى ملطية للغزو كان في سنة تسع وثلاثين ومائة. وفي هذه السنة بايع عبد الله بن عليّ لأبي جعفر وهو مقيم بالبصرة مع أخيه سليمان بن عليّ. ذكر خلع جهور بن مرّار المنصور وفيها خلع جهور بن مرّار العجليّ المنصور. ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه: وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن جهور لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم التي كان خلفها بالرّيّ، فلم يوجّهها إلى أبي جعفر، وخاف فخلع، فوجّه إليه أبو جعفر محمد بن الأشعث الخزاعيّ في جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالا شديداً، ومع جهور نخب فرسان العجم؛ زياد والأشتاخنج، فهزم جهور وأصحابه، وقتل من أصحابه خلق كثير، وأسر زياد والأشتاخنج، وهرب جهور فلحق بأذربيجان فأخذ بعد ذلك باسباذر وفقتل. ذكر خبر قتل ملبّد الخارجيّ وفي هذه السنة قتل الملبّد الخارجيّ. ذكر الخبر عن مقتله ذكر أن أبا جعفر لما هزم الملبّد حميد بن قحطبة، وتحصّن منه حميد، وجّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بن عبد الرحمن، وضمّ إليه زياد بن مشكان، فأكمن له الملبّد مائة فارس، فلما لقيه عبد العزيز خرج عليه الكمين؛ فهزموه، وقتلوا عامّة أصحابه. فوجّه أبو جعفر إليه خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذيّة. فسار خازم حتى نزل الموصل وبعث إلى الملبّد بعض أصحابه وبعث معهم الفعلة، فسار إلى بلد فخندقوا، وأقاموا له الأسواق؛ وبلغ ذلك الملبد، وخرج حتى نزل ببلدٍ في خندق خازم؛ فلما بلغ ذلك خازم خرج إلى مكان من أطراف الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبّد عبر دجلة من بلد، وتوجه إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل فلما بلغ خازماً ذلك، وبلغ إسماعيل ابن علي - وهو على الموصل - أمر إسماعيل خازماً أن يرجع من معسكره حتى يعبر من جسر الموصل؛ فلم يفعل، وعقد جسراً من موضع معسكره، وعبر إلىالملبد، وعلى مقدمته وطلائعقه نضلة بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشليّ، وعلى ميمنته زهير بن محمد العامريّ، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص مولى بني سليم. وسار خازم في القلب، فلم يزل يساير الملبّد وأصحابه حتى غشيهم الليل ثم تواقفوا ليلتهم، وأصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبّد وأصحابه متوجّهين إلى كورة حزّة، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا يوم الخميس، وسار الملبّد وأصحابه، كأنه يريد الهرب من خازم، فخرج خازم وأصحابه في أثرهم، وتركوا خندقهم، وكان خازم تخندق عليه وعلى أصحابه بالحسك، فلما خرجوا من خندقهم كرّ عليهم الملبّد وأصحابه؛ فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسك بين يديه وبين يدي أصحابه، فحملوا على ميمنة خازم وطووها، ثم حملوا على الميسرة وطووها، ثم انتهوا إلى القلب، وفيه خازم، فلما رأى ذلك خازم نادى في أصحابه: الأرض، فنزلوا ونزل الملبد وأصحابه، وعقروا عامة دوابّهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، وأمر خازم نضلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بغضنا بعضاً فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها، ثم ارموا بالنشاب. ففعل ذلك، وتراجع أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقوا الملبّد وأصحابه بالنشاب، فقتل الملبّد في ثمانمائة رجل ممن ترجّل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلثمائة، وهرب الباقون، وتبعهم نضلة فقتل منهم مائة وخمسين رجلاً. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال الواقدي وغيره. وذكر أنه كان خرج من عند أبيه من الشأم حاجاً، فأدركته ولايته على الموسم والحجّ بالناس في الطريق، فمرّ بالمدينة فأحرم منها. وزياد بن عبيد الله على المدينة ومكة والطائف، وعلى الكوفة وسوادها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سليمان بن عليّ، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وأبو داود خالد بن إبراهيم على خراسان، وعلى مصر صالح بن عليّ. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من إقامة صالح بن عليّ والعباس بن محمد بملطية؛ حتى استتما بناء ملطية، ثم غزوا الصائفة من درب الحديث، فوغلا في أرض الروم - وغزا مع صالح أختاه: أم عيسى ولبابة ابنتا عليّ؛ وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أميّة أن تجاهدا في سبيل الله. وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهرانيّ. وفي هذه السنة كان الفداء الذي جرى بين المنصور وصاحب الرّوم؛ فاستنقذ المنصور منهم أسراء المسلمين، ولم يكن بعد ذلك - فيما قيل - للمسلمين صائفة إلى سنة ست وأربعين ومائة، لاشتغال أبي جعفر بأمر ابني عبد الله بن الحسن؛ إلاّ أن بعضهم ذكر أن الحسن بن قحطبة غزا الصّائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام في سنة أربعيين. وأقبل قسطنطين صاحب الرّوم في مائة ألف، فنزل جيحان، فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم؛ ثم لم يكن بعدها صائفة إلى سنة ست وأربعين ومائة. وفي هذه السنة سار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى الأندلس، فلمّكه أهلها أمرهم، فولده ولاتها إلى اليوم. وفيها وسّع أبو جعفر المسجد الحرام، وقيل إنها كانت سنة خصبة فسميت سنة الخصب. وفيها عزل سليمان بن عليّ عن ولاية البصرة، وعمّا كان إليه من أعمالها. وقد قيل إنه عزل عن ذلك في سنة أربعين ومائة. وفيها ولّى المنصور ما كان إلى سليمان بن عليّ من عمل البصرة سفيان بن معاوية، وذلك - فيما قيل - يوم الأربعاء للنصف من شهر رمضان، فلما عزل سليمان وولّى سفيان توارى عبد الله بن عليّ وأصحابه خوفاً على أنفسهم؛ فبلغ ذلك أبا جعفر، فبعث إلى سليمان وعيسى ابني عليّ، وكتب إليهما في إشخاص عبد الله بن عليّ، وعزم عليهما أن يفعلا ذلك ولا يؤخّراه، وأعطاهما من الأمان لعبد الله بن عليّ ما رضياه له ووثقا به، وكتب إلى سفيان بن معاوية يعلمه ذلك، ويأمره بإزعاجهما واستحثاثهما بالخروج بعبد الله ومن معه من خاصّته، فخرج سليمان وعيسى بعبد الله وبعامّة قوّاده وخواصّ أصحابه ومواليه، حتى قدموا على أبي جعفر؛ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة. ذكر خبر حبس عبد الله بن عليّ وفيها أمر أبو جعفر بحبس عبد الله بن عليّ وبحبس من كان معه من أصحابه وبقتل بعضهم. ذكر الخبر عن ذلك ولما قدم سليمان وعيسى ابنا عليّ على أبي جعفر أذن لهما، فدخلا عليه، فأعلماه حضور عبد الله بن عليّ، وسألاه الإذن له. فأنعم لهما بذلك، وشغلهما بالحديث، وقد كان هيّأ لعبد الله بن عليّ محبساً في قصره، وأمر به أن ينصرف إليه بعد دخول عيسى وسليمان عليه، ففعل ذلك به؛ ونهض أبو جعفر من مجلسه، فقال لسليمان وعيسى: سارعا بعبد الله، فلما خرجا افتقدا عبد الله من المجلس الذي كان فيه، فعلما أنه قد حبس، فانصرفا راجعلين إلى أبي جعفر، فحيل بينهما وبين الوصول إليه، وأخذت عند ذلك سيوف من حضر من أصحاب عبد الله بن عليّ من عواتقهم وحبسوا. وقد كان خفاف بن منصور حذّرهم ذلك وندم على مجيئه، وقال لهم: إن أنتم أطعتموني شددنا شدّة واحدة على أبي جعفر؛ فوالله لا يحول بيننا وبينه حائل حتى نأتي على نفسه، ونشدّ على هذه الأبوب مصلتين سيوفنا، ولا يعرض لنا عارض إلاّ أفاتنا نفسه حتى نخرج وننجو بأنفسنا، فعصوه. فلما أخذت السيوف وأمر بحبسهم جعل خفاف يضرط في لحيته، ويتفل في وجوه أصحابه. ثم أمر أبو جعفر بقتل بعضهم بحضرته؛ وبعث بالبقيّة إلى أبي داود خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهم بها. وقد قيل إن حبس أبي جعفر عبد الله بن عليّ كان في سنة أربعين ومائة. وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس. وكان على مكة والمدينة والطائف زياد بن عبيد الله الحارثيّ، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم. ثم دخلت سنة أربعين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث ذكر هلاك أبي داود عامل خراسان وولاية عبد الجبار فمن ذلك ما كان فيها من مهلك عامل خراسان. ذكر الخبر عن ذلك وسبب هلاكه: ذكر أن ناساً من الجند ثاروا بأبي داود خالد بن إبراهيم بخراسان وهو عامل أبي جعفر المنصور عليها في هذه السنة ليلاً، وهو نازل بباب كشماهن من مدينة مرو، حتى وصلوا إلى المنزل الذي هو فيه، فأشرف أبو داود من الحائط على حرف آجرّة خارجة، وجعل نادي أصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرّة عند الصبح، فوقع على سترة صفة كانت قدّام السطح فانكسر ظهره، فمات عند صلاة العصر، فقام عصام صاحب شرطة أبي داود بخلافة أبي داود، حتى قدم عليه عبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزديّ. وفيها ولّى أبو جعفر عبد الجبار بن عبد الرحمن خراسان فقدمها، فأخذ بها ناساً من القوّاد ذكر أنه اتهمهم بالدعاء إلى ولد عليّ بن أبي طالب؛ منهم مجاشع بن حريث الأنصاريّ صاحب بخارى وأبو المغيرة، مولى بني تميم واسمه خالد بن كثير وهو صاحب قوهستان، والحريش بن محمد الذّهليّ، ابن عمّ داود، فقتلهم، وحبس الجنيد بن خالد بن هريم التغلبيّ ومعبد بن الخليل المزنيّ بعد ما ضربهما ضرباً مبرّحاً، وحبس عدّة من وجوه قوّاد أهل خراسان، وألحّ على استخراج ما على عمال أبي داود من بقايا الأموال. وفيها خرج أبو جعفر المنصور حاجاً، فأحرم من الحيرة، ثم رجع بعد ما قضى حجه إلى المدينة، فتوجّه منها إلى بيت المقدس. وكان عمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها، إلاّ خراسان فإن عاملها كان عبد الجبار. ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلى في مسجدها، ثم سلك الشأم فإن عاملها كان عبد الجبار. ولما قدم أبو جعفر بيت المقدس صلّى في مسجدها؛ ثم سلك الشأم منصرفاً حتى انتهى إلى الرقة، فنزلها، فأتى بمنصور بن جعونة بن الحارث العامريّن من بني عامر بن صعصعة، فقتله، ثم شخص منها، فسلك الفرات حتى أتى الهاشميّة، هاشميّة الكوفة. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائةذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن خروج الرّاوندية فمن ذلك خروج الراونديّة، وقد قال بعضهم: كان أمر الراونديّة وأمر أبي جعفر الذي أنا ذاكره، في سنة سبع وثلاثين ومائة أو ستّ وثلاثين ومائة. ذكر الخبر عن أمرهم وأمر أبي جعفر المنصور معهم: والرّاوندية قوم - فيما ذكر عن عليّ بن محمد - كانوا من أهل خراسان على رأي أبي مسلم صاحب دعوة بني هاشم، يقولون - فيما زعم - بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك، وأن ربّهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور، وأن الهيثم بن معاوية جبرئيل. قال: وأتوا قصر المنصور، فجعلوا يطوفون به، ويقولون: هذا قصر ربّنا؛ فأرسل المنصور إلى رؤسائهم، فحبس منهم مائتين، فغضب أصحابهم وقالوا: علام حبسوا! وأمر المنصور ألاّ يجتمعوا، فأعدّوا نعشاً وحملوا السرير - وليس في النعش أحد - ثم مروا في المدينة، حتى صاروا على باب السجن، فرموا بالنعش، وشدوا على الناس - ودخلوا السجن، فأخرجوا أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور وهم يومئذ ستمائة رجل، فتنادى الناس، وغلقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد، فخرج المنصور من القصر ماشياً، ولم يكن في القصر دابة، فجعل بعد ذلك اليوم يرتبط فرساً يكون فيي دار الخلافة معه في قصره. قال: ولما خرج المنصور أتيَ بدابّة فركبها وهو يريدهم؛ وجاء معن ابن زائدة، فانتهى إلى أبي جعغفر، فرمى بنفسه وترجّل، وأدخل بركة قبائه في منطقته، وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين إلاّ رجعت؛ فإنك تكفى. وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب القصر، وقال: أنا اليوم بوّاب، ونودي في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم حتى أثخنوهم، وفتح باب المدينة، فدخل الناس. وجاء خازم بن خزيمة على فرس محذوف؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أقتلهم؟ قال: نعم، فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى ظهر حائط، ثم كرّوا على خازم فكشفوه وأصحابه، ثم كرّ خازم عليهم فاضطرهم إلى حائط المدينة. وقال للهيثم بن شعبة: إذا كروا علينا فاسبقهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فاقتلهم. فحملوا على خازم، فاطّرد لهم، وصار الهيثم بن شعبة من وورائهم. فقتلوا جميعاً. وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك؛ فكلمهم، فرجع فوموه بنشابة فوقعت بين كتفيه؛ فمرض أياماً ومات منها، فصلى عليه أبو جعفر، وقام على قبره حتى دفن، وقال: رحمك الله أبا يزيد! وصيّر مكانه على حرسه عيسى بن نهيك، فكان على الحرس حتى مات؛ فجعل على الحرس أبا العباس الطوسيّ. وجاء يومئذ إسماعيل بن عليّ، وقد أغلقت الأبواب، فقال للبواب: افتح ولك ألف درهم؛ فأبى. وكان القعقاع بن ضرار يومئذ بالمدينة؛ وهو على شرط عيسى بن مسوى، فأبلى يومئذ؛ وكان ذلك كله في المدينة الهاشميّة بالكوفة. قال: وجاء يومئذ الرّبيع ليأخذ بلجام المنصور، فقال له معن: ليس هذا من أيامك، فأبلى أبرويز بن المصمغان ملك دنباوند - وكان خالف أخاه، فقدم على أبي جعفر فأكرمه، وأجرى علهي رزقاً؛ فلما كان يومئذ أتى المنصور فكفّر له، وقال: أقاتل هؤلاء؟ قال له: نعم، فقاتلهم؛ فكان إذا ضرب رجلاً فصرفعه تأخّر عنه - فلما قتلوا وصلى المنصور الظهر دعا بالعشاء، وقال: أطلعوا معن بن زائدة، وأمسك عن الطعام حتى جاءه معن؛ فقال لقثم: تحوّل إلى هذا الموضع، وأجلس معناً مكان قثم، فلما فرغوا من العشاء قال لعيسى بن عليّ: يا أبا العباس، أسمعت بأشدّ الرجال؟ قال: نعم، قال: لو رأيت اليوم معناً علمت أنه من تلك الآساد، قال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد أتيتك وإني لوجل القلب، فلما رأييت ما عندك من الاستهانة بهم وشدّة الإقدام عليهم، رأيت أمراً لم أره من خلق في حرب؛ فشدّ ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني. وقال أبو خزيمة: يا أمير المؤمنين، إنّ لهم بقيّة، قال: فقد ولّيتك أمرهم فاقتلهم، قال: فأقتل زراماً فإنه منهم، فعاذ رزام بجعفر بن أبي جعفر، فطلب فيه فآمنه. وقال عليّ عن أبيي بكر الهذليّ، قال: إني لواقف بباب أمير المؤمنين إذ طلع فقال رجل إلى جانبي: هذا رب العزّة! هذا الذي يطعمنا ويسقينا؛ فلما رجع أمير المؤمنين ودخل عليه الناس دخلت وخلا وجهه، فقلتُ له: سمعت اليوم عجباً، وحدّثته؛ فنكت في الأرض، وقال: يا هذليّ، يدخلهم الله النار في طاعتنا ويعتلهم، أحب إليّ من أن يدخلهم الجنة بمعصيتنا. وذكر عن جعفر بن عبد الله، قال: حدّثني الفضل بين الربيع، قال: حدّثني أبي، قال: سمعت المنصور يقول: أخطأت ثلاث خطيّات وقاني الله شرّها: قتلت أبا مسلم وأنا في خرق ومن حولي يقدّم طاعته ويؤثرها ولو هتكت الخرق لذهبت ضياعاً، وخرجت إلى الشأم ولو اختلف سيفان بالعراق ذهبت الخلافة ضياعاً. وذكر أنّ معن بن زائدة كان مختفياً من أبي جعفر، لما كان منه من قتاله المسوّدة مع ابن هبيرة مرّة بعد مرّة؛ وكان اختفاؤه عند مرزوق أبي الخصيب، وكان على أن يطلب له الأمان، فلما خرج الراونديّة أتى الباب فقام عليه، فسأل المنصور أبا الخصيب - وكان يلي حجابة المنصور يومئذ: من بالباب؟ فقال: معن بن زائدة، فقال المنصور: رجل من العرب، شديد النفس، عالم بالحرب كريم الحسب؛ أدخله، فلما دخل قال: إيه يا معن! ما الرأي؟ قال: الرأي أن تنادي في الناس وتأمر لهم بالأموال، قال: وأين الناس والأموال؟ ومن يقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج! لم تصنع شيئاً يا معن؛ الرأي أن أخرج فأقف؛ فإنّ الناس إذا رأوني قاتلوا وأبلوا وثابوا إليّ، وتراجعوا، وإن أقمت تخاذلوا وتهاونوا. فأخذ معن بيده وقال: يا أمير المؤمنين، إذاً والله تقتل الساعة، فأنشدك الله في نفسك! فأتاه أبو الخصيب فقال مثلها، فاجتذب ثوبه منهما، ثم دعا بدابته، فركب ووثب عليها من غير ركاب ثم سوّى ثيابه، وخرج ومعن آخذ بلجامه وأبو الخصيب مع ركابه فوقف. وتوجّه إليه رجل فقال: يا معن دونك العلج؛ فشدّ عليه معن فقتله، ثم والى بين أربعة، وثاب إليه الناس وتراجعوا؛ ولم يكن إلاّ ساعة حتى أفنوهم، وتغيّب معن بعد ذلك، فقال أبو جعفر لأبي الخصيب: ويلك! أين معن؟ قال: والله ما أدري أين هو من الأرض! فقال: أيظن أنّ أمير المؤمنين لا يغفر ذنبه بعد ما كان من بلائه! أعطه الأمان وأدخله عليّ، فأدخله، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وولاّه اليمن، فقال له أبو الخصيب: قد فرّق صلته وما يقدر على شيء، قال: له لو أراد مثل ثمنك ألف مرّة لقدر عليه. وفي هذه السنة وجه أبو جعفر المنصور ولده محمداً - وهو يومئذ وليّ عهد - إلى خراسان في الجنود، وأمره بنزول الرّيّ، ففعل ذلك محمد. ذكر خلع عبد الجبار بخراسان ومسير المهدي إليه وفيها خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن عامل أبي جعفر على خراسان؛ ذكر عليّ بن محمد، عمن حدّثه، عن أبي أيوب الخوزيّ، أن المنصور لما بلغه أن عبد الجبار يقتل رؤساء أهل خراسان، وأتاه من بعضهم كتاب فيه: قد نغل الأديم، قال لأبي أيوب الخزاعيّ: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل هذا إلاّ وهو يريد أن يخلع، فقال له: ما أيسر حيلته! اكتب إليه: إنك تريد غزو الرّوم؛ فيوجّه إلك الجنود من خراسان، وعليهم فرسانهم ووجوههم، فإذا خرجوا منها فابعث إليهم من شئت؛ فليس به امتناع. فكتب بذلك إليه، فأجابه: إنّ الترك قد جاشت؛ وإن فرّقت الجنود ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبي أيّوب، وقال له: ما ترى؟ قال: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهمّ إليّ من غيرها، وأنا موجّه إليك الجنود من قبلي. ثم وجّه إليه الجنود ليكونوا بخراسان؛ فإن هم بخلع أخذوا بعنقه. فلما ورد على عبد الجبار الكتاب كتب إليه: إنّ خراسان لم تكن قط أسوأ حالاً منها في هذا العام؛ وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من غلاء السعر. فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب، فقال له: قد أبدى صفحته، وقد خلع فلا تناظره. فوجّه إليه محمد بن المنصور، وأمره بنزول الرّيّ؛ فسار إليها المهديّ، ووجّه لحربه خازم بن خزيمة مقدمةً له، ثم شخص المهدي فنزل نيسابور. ولما توجّه خازم بن خزيمة إلى عبد الجبار، وبلغ ذلك أهل مرو الرّوذ؛ ساروا إلى عبد الجبار من ناحيتهم فناصبوه الحرب، وقاتلوه قتالاً شديداً حتى هزم، فانطلق هارباً حتى لجأ إلى مقطنة، فتوارى فيها، فعبر إليه المجشر بن مزاحم من أهل مرو الرّوذ؛ فأخذه أسيراً؛ فلما قدم خازم أتاه به، فألبسه خازم مدرّعة صوف، وحمله على بعير، وجعل وجهه من قبل عجز البعير؛ حتى انتهى به إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه؛ فبسط عليهم العذاب، وضربوا بالسياط حتى استخرج منهم ما قدر عليه من الأموال. ثم أمر المسيب بن زهير بقطع يديّ عبد الجبار ورجليه وضرب عنقه؛ ففعل ذلك المسيّب، وأمر المنصور بتسيير ولده إلى دهلك - وهي جزيرة على ضفّة البحر بناحية اليمن - فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند، فسبوهم فيمن سبوا حتى فودوا بعد، ونجا منهم من نجا، فكان ممن نجا منهم واكتتب في الديوان وصحب الخلفاء عبد الرحمن بن عبد الجبار، وبقي إلى أن توفّيَ بمصر في خلافة هارون، في سنة سبعين ومائة. وفي هذه السنة فرغ من بناء المصّيصة على يدي جبرئيل بن يحيى الخراسانيّ، ورابط محمد بن إبراهيم الإمام بملطية. واختلفوا في أمر عبد الجبار وخبره، فقال الواقديّ: كان ذلك في سنة ثنتين وأربعين ومائة، وقال غيره: كان ذلك في سنة إحدى وأربعين ومائة. وذكر عن عليّ بن محمد أنه قال: كان قدوم عبد الجبار خراسان لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة، ويقال لأربع عشرة ليلة، وكانت هزيمته يوم السبت لست خلون من ربيع الأول سنة ثنتين وأربعين ومائة. وذكر عن أحمد بن الحارث، أن خليفة بن خياط حدّثه، قال: لما وجّه المنصور المهديّ إلى الريّ - وذلك قبل بناء بغداد؛ وكان توجيهه إياه لقتال عبد الجبار بن عبد الرحمن، فكفى المهديّ أمر عبد الجبار بمن حاربه وظفر به - كره أبو جعفر أن تبطل تلك النفقات التي أنفقت على المهديّ؛ فكتب إليه أن يغزو طبرستان، وينزل الريّ، ويوجّه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الأصبهبذ؛ وكان الأصبهبذ يومئذ محارباً للمصمغان ملك دنباوند معسكراً بإزائه؛ فبلغه أن الجنود دخلت بلاده، وأن أبا الخصيب دخل سارية، فساء المصمغان ذلك؛ وقال له: متى صاروا إليك صاروا إليّ؛ فاجتمعا على محاربة المسلمين؛ فانصرف الأصبهبذ إلى بلاده، فحارب المسلمين، وطالت تلك الحروب، فوجّه أبو جعفر عمر بن العلاء الذي يقول فيه بشار: فقل للخليفة إن جئته ... نصيحاً ولا خير في يالمتهم إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبّه لها عمراً ثم نم فتىً لا ينام على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم وكان توجيهه إياه بمشورة أبرويز أخي المصمغان، فإنه قال له: يا أمير المؤمنين؛ إن عمر أعلم الناس ببلاد طبرستان، فوجّهه؛ وكان أبرويز قد عرف عمر أيام سنباذ وأيام الروانديّة، فضمّ إليه أبو جعفر خازم بن خزيمة، فدخل الرويان ففتحها، وأخذ قلعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب، فألحّ خازم على القتال، ففتح طبّرستان، وقتل منهم فأكثر، وصار الأصبهبذ إلى قلعته، وطلب الأمان على أن يسلم القلعة بما فيها من ذخائره، فكتب المهديّ بذلك إلى أبي جعفر، فوجّه أبو جعفر بصالح صاحب المصلى وعدّة معه، فأحصوا ما في الحصن، وانصرفوا. وبدا للأصبهبذ، فدخل بلاد جيلان من الدّيلم، فمات بها؛ وأخذت ابنته - وهي أمّ إبراهيم بن العباس بن محمد - وصمدت الجنود للمصمغان؛ فظفروا به وبالبحترية أم منصور بن المهديّ، وبصيمر أم ولد عليّ بن ريطة بنت المصمغان. فهذا فتح طبرستان الأول. قال: ولما مات المصمغان تحوّز أهل ذلك الجبل فصارواا حوزيّة لأنهم توحّشوا كما توحّش حمر الوحش. وفي هذه السنة عزل زياد بن عبيد الله الحارثيّ عن المدينة ومكة والطائف، واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، فقدمها في رجب. وعلى الطائف ومكة الهيثم بن معاوية العتكيّ من أهل خراسان. وفيها توفّيَ موسى بن كعب؛ وهو على شرط المنصور، وعلى مصر والهند وخليفته على الهند عيينة ابنه. وفيها عزل موسى بن كعب عن مصر، ووليها محمد بن الأشعث ثم عزل عنها، ووليها نوفل بن الفرات. وحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن عليّ بن عبد الله بن عباس وهو على قنّسرين وحمص ودمشق. وعلى المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية. وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى خراسان المهديّ وخليفته عليها السريّ بن عبد الله، وعلى مصر نوفل بن الفرات. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند فمما كان فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسّند. ذكر الخبر عن سبب خلعه: ذكر أن سبب خلعه، كان أن المسيّب بن زهير كان خليفة موسى بن كعب على الشرط، فلما مات موسى أقام المسيّب على ما كان يلي من الشرط، وخاف المسيب أن بكتب المنصور إلى عيينة في القدوم عليه فيوليه مكانه؛ وكتب إليه ببيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه: فأرضك أرضك إن تأتنا ... فنم نومةً ليس فيها حلم وخرج أبو جعفر لما أتاه الخبر عن عيينة بخلعه حتى نزل بعسكره من البصرة عند جسرها الأكبر، ووجّه عمر بن حفص بن أبي صفرة العتكيّ عاملاً على السند والهند، محارباً لعيينة بن موسى؛ فسار حتى ورد السند والهند، وغلب عليها. ذكر خبر نكث إصبهبذ طبرستان العهد وفي هذه السنة نقض إصبهبذ طبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده من المسلمين. ذكر الخبر عن أمره وأمر المسلمينذكر أن أبا جعفر لما انتهى إليه خبر الإصبهبذ وما فعل بالمسلمين، وجّه إليه خازم بن خزيمة وروح بن حاتم ومعهم مرزوق أبو الخصيب مولى أبي جعفر، فأقاموا على حصنه محاصرين له ولمن معه في حصنه، وهم يقاتلونهم حتى طال عليهم المقام، فاحتال أبو الخصيب في ذلك فقال لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي؛ ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ صاحب الحصن فقال له: إني ركب مني أمر عظيم؛ ضربت وحلق رأسي ولحيتي. وقال له: إنما فعلوا ذلك بي تهمةً منهم لي أن يكون هواي معك، وأخبره أنه معه، وأنه دليل له على عورة عسكرهم. فقبل منه ذلك الإصبهبذ، وجعله في خاصّته وألطفه؛ وكان باب مدينتهم من حجر يلقى إلقاء يرفعه الرجال، وتضعه عند فتحه وإغلاقه؛ وكان قد وكّل به الإصبهبذ ثقات أصحابه، وجعل ذلك نوباً بينهم، فقال له أبو الخصيب: ما أراك وثقت بي، ولا قبلت نصيحتي! قال: وكيف ظننت ذلك؟ قال: لتركك الاستعانة بي فيما يعنيك، وتوكيلي فيما لا تثق به إلاّ بثقاتك؛ فجعل يستعين به بعد ذلك، فيرى منه ما يحبّ إلى أن وثق به، فجعله فيمن ينوب في فتح باب مدينته وإغلاقه؛ فتولّى له ذلك حتى أنس به ثم كتب أبو الخصيب إلى روح بن حاتم وخازم بن خزيمة، وصيّر الكتاب في نشّابة، ورماها إليهم، وأعلمهم أن قد ظفر بالحيلة، ووعدهم ليلة، سمّاها لهم في فتح الباب. فلما كان في تلك الليلة فتح لهم، فقتلوا من فيها من المقاتلة، وسبوا الذراريّ، وظفر بالبحترّية. وهي أم منصور بن المهدي، وأمّها باكند بنت الإصبهبذ الأصمّ - وليس بالإصبهبذ الملك؛ ذاك أخو باكند - وظفر بشكلة أم إبراهيم بن المهديّ، وهي بنت خونادان قهرمان المصمغان، فمصّ الإصبهبذ خاتماً له فيه سمّ فقتل نفسه. وقد قيل: إن دخول روح بن حاتم وخازم بن خزيمة طبرستان كان في سنة ثلاث وأربعين ومائة. وفي هذه السنة بنى المنصور لأهل البصرة قبلتهم التي يصلون إليها في عيدهم بالحمّان، وولي بناءه سلمة بن سعيد بن جابر؛ وهو يومئذ على الفرات والأبلة من قبل أبي جعفر، وصام أبو جعفر، وصام أبو جعفر شهر رمضان وصلى بها يوم الفطر. وفيها توفّي سليمان بن عليّ بن عبد الله بالبصرة ليلة السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة، وصلّى عليه عبد الصمد ابن عليّ. وفيها عزل عن مصر نوفل بن الفرات، ووليها محمد بن الأشعث، ثم عزل عنها محمد ووليها نوفل بن الفرات، ثم عزل نوفل ووليها حميد ابن قحطبة. وحجّ بالناس في هذه السنة إسماعيل بن عليّ بن عبد الله بن العباس. وكان العامل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية، وعلى الكوفة وأرضها عيسى بن موسى، وعلى البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر حميد بن قحطبة. وفيها - في قول الواقدي - ولّى أبو جعفر أخاه العباس بن محمد الجزيرة والثغور وضمّ إليه عدّة من القوّاد، فلم يزل بها حيناً. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث غزو الدّيلم ففي هذه السنة ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم. ذكر الخبر عن ذلكذكر أن أبا جعفر اتصل به عن الديّلم إيقاعهم بالمسلمين وقتلهم منهم مقتلة عظيمة، فوجّه إلى البصرة حبيب بن عبد الله بن رغبان، وعليها يومئذ إسماعيل ابن عليّ، وأمره بإحصاء كل من له فيها عشرة آلاف درهم فصاعداً، وأن يأخذ كلّ من كان ذلك له بالشخوص بنفسه لجهاد الدّيلم، ووجّه آخر لمثل ذلك إلى الكوفة. عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، ووللّى ما كان إليه من ذلك السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب، وأتى السريّ عهده على ذلك وهو باليمامة، فسار إلى مكة، ووجّه أبو جعفر إلى اليمامة قشم ابن العباس بن عبد الله بن عباس. عزل حميد بن قحطبة عن مصر وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر، ووليها نوفل بن الفرات، ثم عزل نوفل ووليها يزيد بن حاتم. وحجّ بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبيد الله ابن عباس، وكان يومئذ إليه ولاية الكوفة وسوادها. وكان والي مكة فيها السري بن عبد الله بن الحارث، ووالي البصرة وأعمالها سفيان بن معاوية، وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزو محمد بن أبي العباس بن عبد الله بن محمد ابن عليّ الدّيلم في أهل الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة. وفيها انصرف محمد بن أبي جعفر المهديّ عن خراسان إلى العراق، وشخص أبو جعفر إلى قرماسين، فلقيه بها ابنه محمد منصرفاً من خراسان، فانصرفا جميعاً إلى الجزيرة. وفيها بنى محمد بن أبي جعفر عند مقدمه من خراسان بابنة عمه ريطة بنت أب يالعباس. وفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور، وخلف على عسكره والميرة خازم ابن خزيمة. ولاية رباح بن عثمان على المدينة وأمر ابني عبد الله بن حسن وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر رياح بن عثمان المرّيّ المدينة، وعزل محمد ابن خالد بن عبد الله القسريّ عنها. ذكر الخبر عن سبب عزله محمد بن خالد واستعماله رياح بن عثمان وعزله زياد بن عبيد الله الحازرثيّ من قيبل محمد خالد: وكان سبب عزل زياد عن المدينة، أنّ أبا جعفر همّه أمر محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب وتخلّفهما عن حضوره، مع من شهده من سائر بني هاشم عام حجّ في حياة أخيه أبي العباس، ومعه أبو مسلم. وقد ذكر أن محمداً كان يذكر أنّ ابا جعفر ممّن بايع له ليلة تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة حين اضطرب أمر بني مروان مع سائر المعتزلة الذيين كانوا معهم هنالك. فسأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله: ما يهمّك من أمرهما! أنا آتيك بهما؛ وكان زياد يومئذ مع أبي جعفر عند مقدمه مكة سنة ست وثلاثين ومائة، فردّ أبو جعفر زياداً إلى عمله، وضمنه محمداً وإبراهيم. فذكر أبو زيد عمر بن شبة أن محمد بن إسماعيل حدّثه، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران، قال: حدّثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد ابن عمار بن ياسر، قال: لما استُخلف أبو جعفر لم تكن له همة إلا طلب محمد والمسألة عنه وما يريد؛ فدعا بني هاشم رجلاً رجلاً؛ كلهم يخليه فيسألهم عنه، فييقولون: يا أمير المؤمنين؛ قد علم أنك قد عرفته يطلب هذا الشأن قبل اليوم؛ فهو يخافك على نفسه؛ وهو لا يريد لك خلافاً، ولا يحبّ لك معصية؛ وما أشبه هذه المقالة إلا حسن بن زيد، فإنه أخبره خبره، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك؛ فإنه للذي لا ينام عنك، فر رأيك. قال ابن أبي عبيدة: فأيقظ من لا ينام. وقال محمد: سمعت جدي موسى بن عبد الله، يقول: اللهمّ اطلب حسن ابن زيد بدمائنا. قال موسى: وسمعت والله أبي يقول: أشهد لعرّفني أبو جعفر حديثاً ما سمعه مني إلا حسن بن زيد. وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعت القاسم بن محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، قال: أخبرني محمد بن وهب السّلميّ، عن أبي، قال: عرّفني أبو جعفر حديثاً ما سمعه مني إلا أخي عبد الله بن حسن وحسن بن زيد؛ فأشهد ما أخبره به عبد الله؛ ولا كان يعلم الغيب. قال محمد: وسأل عنه عبد الله بن حسن عام حجّ، فقال له مقالة الهاشميّين، فأخبره أنه غير راضٍ أو يأتيه به. قال محمد: وحدثتني أمي عن أبيها، قال: قال أبي: قلت لسليمان بن عليّ: يا أخي صهري بك صهري، ورحمي بك رحمي، فما ترى؟ قال: والله لكأنيّ أنظر إلى عبد الله بن عليّ حين حال الستر بيننا وبينه؛ وهو يشير إلينا أنّ هذا الذي فعلتم بي، فلو كان عافياً عفا عن عمّه. قال: فقيل رأيه، قال: فكان آل عبد الله يرونها صلة من سليمان لهم. قال أبو زيد: وحدّثني سعيد بن هريم، قال: أخبرني كلثوم المرائيّ، قال: سمعت يحيى بن خالد بن برمك يقول: اشترى أبو جعفر رقيقاً من رقيق الأعراب، ثم أعطى الرجل منهم البعير، والرجل البعيرين، والرجل الذوذ، وفرّقهم في طلب محمد في ظهر المدينة؛ فكان الرجل منهم يرد الماء كالمارّ وكالضالّ، فيفرّون عنه ويتجسسون. قال: وحدّثني محمد بن عباد بن حبيب المهلبيّ، قال: قال لي السنديّ مولى أمير المؤمنين: أتدري ما رفع عقبة بن سلم عند أمير المؤمنين؟ قلت: لا، قال: أوفد عمّي عمر بن حفص وفداً من السند فيهم عقبة، فدخلوا على أبي جعفر، فلما قضوا حوائجهم نهضوا، فاستردّ عقبة، فأجلسه، ثم قال له: من أنت؟ قال: رجل من جند أمير المؤمنين وخدمه، صحبت عمر ابن حفص، قال: وما اسمك؟ قال: عقبة بن سلم بن نافع، قال: ممّن أنت؟ قال: من الأزد ثم من بني هناءة، قال: إني لأرى لك هيئة وموضعاً، وإني لأريدك لأمر أنا به معنىّ، لم أزل أرتاد له رجلاً، عسى أن تكونه إن كفيتنيه رفعتك، فقال: أرجو أن أصدّق ظنّ أمير المؤمنين فيّ، قال: فأخف شخصك، واستر أمرك، وأتني في يوم كذا وكذا في وقت كذا وكذا؛ فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إن بني عمّنا هؤلاء قد أبوا إلاّ كيداً لملكنا واغتيالاً له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكساً وألطاف وعين حتى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تسير ناحيتهم؛ فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك، وكنت على حذر واحتراس منهم؛ فاشخص حتى تلقى عبد الله ابن حسن متقشّفاً متخشعاً؛ فإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر وعاوده؛ فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته؛ فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل عليّ. قال: فشخص حتى قدم على عبد الله، فلقيه بالكتاب، فأنكره ونهره، وقال: ما أعرف هؤلاء القوم؛ فلم يزل ينصرف ويعود إليه حتى قبل كتابه وألطافه، وأنس به؛ فسأله عقبة الجواب، فقال: أمذا الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام وأخبرهم أن ابنيّ خارجان لوقت كذا وكذا. قال: فشخص عقبة حتى قدم على أن جعفر، فأخبره الخبر. قال أبو زيد: حدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ولّى أبو جعفر الفضل ابن صالح بن عليّ الموسم في سنة ثمان وثلاثين ومائة، فقال له: إن وقعت عيناك على محمد وإبراهيم، ابني عبد الله بن حسن، فلا يفارقانك؛ وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما. فقدم المدينة، فتلقاه أهلها جميعاً؛ فيهم عبد الله بن حسن وسائر بني حسن إلاّ محمداً وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن. فسكت حتى صدر عن الحجّ، وصار إلى السيّالة، فقال لعبد الله بن حسن: ما منع ابنيك أن يلقياني بالصّيد واتّباعه، لا يشهدان مع أهليهما خيراً ولا شراً. فسكت الفضل عنه، وجلس على دكان قد بنى له بالسيالة. فأمر عبد الله رعاته فسرّحوا عليه ظهره، فأمر أحدهم فحلب لبناً على عسل في عسّ عظيم، ثم رقي به الدكان، فأومأ إليه عبد الله أن اسق الفضل بن صالح، فقصد قصده؛ فلما دنا منه صاح به الفضل صيحةً مغضباً: إليك يا ماصّ بظر أمّه! فأدبر الرّاعي، فوثب عبد الله - وكان من أرفق الناس - فتناول القعب، ثم أقبل يمشي به إلى الفضل، فلما رآه يمشي إليه استحيا منه، فتناوله فشرب. قال أبو زيد: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، قال: كان لزياد بن عبيد الله كاتب يقال له حفص بن عمر من أهل الكوفة يتشيّع، وكان يثبّط زياداً عن طلب محمد، فكتب فيه عبد العزيز بن سعد إلى أبي جعفر فحدره إليه، فكتب فيه زياد إلى عيسى بن عليّ وعبد الله بن الربيع الحارثيّ فخلّصاه حتى رجع إلى زياد. قال عليّ بن محمد: قدم محمد البصرة مختفياً في أربعين، فأتوا عبد الرحمن ابن عثمان بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال له عبد الرحمن: أهلكتني وشهرتني؛ فانزل عندي وفرّق أصحابك، فأبى، فقال: ليس لك عندي منزل؛ فانزل في بني راسب، فنزل في بني راسب. وقال عمر: حدّثني سليمان بن محمد الساريّ، قال: سمعت أبا هبّار المزنيّ يقول: أقمنا مع محمد بن عبد الله بالبصرة يدعو الناس إلى نفسه. قال: وحدثني عيسى بن عبد الله، قال: قال أبو جعفر: ما طمعت في بغيه لي قطّ إذا ذكرت مكان بني راسب بالبصرة. قال: وحدّثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدّثني ابن جشيب اللهبيّ، قال: نزلت في بني راسب في أيام ابن معاوية، فسألني فتىً منهم يوماً عن اسمي، فلطمه شيخ منهم، فقال: وما أنت وذاك! ثم نظر إلى شيخ جالس بين يديه، فقال: أترى هذا الشيخ نزل فينا أبوه أيام الحجاج، فأقام حتى ولد له هذا الولد، وبلغ هذا المبلغ، وهذه السنّ! لا والله ما ندري ما اسمه ولا اسم أبيه، ولا ممن هو! قال: وحدّثني محمد بن الهذيل، قال: سمعت الزّعفرانيّ يقول: قدم محمد، فنزل على عبد الله بن شيبان أحد بني مرّة بن عبيد، فأقام ستة أيام، ثم خرج فبلغ أبا جعفر مقدمه البصرة، فأقبل مغذاً حتى نزل الجسر الأكبر، فأردنا عمراً على لقائه، فأبى حتى غلبناه، فلقيه فقال: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟ قال: لا قال: فأقتصر على قولك وأنصرف؟ قال: نعم؛ فانصرف، وكان محمد قد خرج قبل مقدم أبي جعفر. قال عليّ بن محمد: حدّثني عامر بن أبي محمد، قال: قال أبو جعفر لعمرو بن عبيد: أبايعت محمداً؟ قال: أنا والله لو قلدتني الأمّة أمورها ما عرفت لهما موضعاً. قال عليّ: وحدثني أيوب القزّاز، قال: قلت لعمرو: ما تقول في رجل رضي بالصبر على ذهاب دينه؟ قال: أنا ذاك، قلت: وكيف؛ ولو دعوت أجابك ثلاثون ألفاً! قال: والله ما أعرف موضع ثلاثة إذا قالوا وفّوا، ولو عرفتهم لكنت لهم رابعاً. قال أبو زيد: حدّثني عبيد الله بن محمد بن حفص، قال: حدّثني أبي، قال: وجل محمد وإبراهيم بن أبي جعفر، فأتيا عدن، ثم سارا إلى السند ثم إلى الكوفة، ثم إلى المدينة. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: تكفّل زياد لأمير المؤمنين بابني عبد الله أن يخرجهما له، فأقرّه على المدينة، فكان حسن بن زيد إذا علم من أمرهما علماً كفّ حتى يفارقا مكانهما ذلك؛ ثم يخبر أبا جعفر، فيجد الرسم الذي ذكر، فيصدقه بما رفع إليه؛ حتى كانت سنة أربعين ومائة، فحجّ فقسّم قسوماً خصّ فيها آل أبي طالب فلم يظهر له ابنا عبد الله؛ فبعث إلى عبد الله فسأله عنهما، فقالل: لا علم لي بهما؛ حتى تغالظا، فأمصّه أبو جعفر، فقال: يا أبا جعفر، بأيّ أمهاتي تُمصّني! أبفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم بفاطمة بنت أسد، أم بفاطمة بنت حسين، أم أمّ إسحاق بنت طلحة، أم خديجة بنت خويلد؟ قال: لا بواحدة منهنّ؛ ولكن بالجرباء بنت قسامة بن زهير - وهي امرأة من طيّىء - قال: فوثب المسيّب بن زهير، فقال: دعني يا أمير المؤمنين أضرب عنق ابن الفاعلة. قال: فقام زياد بن عبيد الله، فألقى عليه رداءه، وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين؛ فأنا أستخرج لك ابنيه فتخلّصه منه. قال عمر: وحدثني الوليد بن هشام بن قحذم، قال: قال الحزين الدّيليّ لعبد الله بن الحسن ينعي عليه ولادة الجرباء: لعلّك بالجرباء أو بحكاكة ... تفاخر أم الفضل وابنة مشرح وما منهما إلا حصان نجيبة ... لها حسب في قومها مترجّح قال عمر: وحدثني محمد بن عبّاد، قال: قال لي السنديّ مولى أمير المؤمنين: لما أخبر عقبة بن سلم أبا جعفر، أنشأ الحجّ وقال لعقبة: إذا صرت بمكان كذا وكذا لقيني بنو حسن، فيهم عبد الله، فأنا مبجّله ورافعٌ مجلسه وداع بالغداء؛ فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائماً، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينه منك ثم حسبك؛ وإياك أن يراك ما دام يأكل. فخرج حتى إذا تدفّع في البلاد لقيه بنو حسن، فأجلس عبد الله إلى جانبه، ثم دعا بالطعام فأصابوا منه؛ ثم أمر به فرفع، فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، قد علمت ما أعطيتني من العهود والمواثيق ألاّ تبغيني سوءاً، ولا تكيد لي سلطاناً، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين؛ قال: فلحظ أبو جعفر عقبة، فاستدار حتى قام بين يديه، فأعرض عنه، فرفع رأسه حتى قام من وراء ظهره؛ فغمزه بأصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله! قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه. قال عمر: وحدثني بكر بن عبد الله بن عاصم مولى قريبة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، قال: حدّثني عليّ بن رباح بن شبيب، أخو إبراهيم، عن صالح صاحب المصلّى، قال: إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغدّى بأوْطاس؛ وهو متوجّه إلى مكة، ومعه على مائدته عبد الله بن حسن وأبو الكرام الجعفريّ وجماعة من بني العباس؛ فأقبل على عبد الله، فقال: يا أبا محمد، محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي؛ وإني لأحبّ أن يأنسا بي، وأن يأتياني فأصليهما وأخلطهما بنفسي - قال وعبد الله مطرق طويلاً ثم رفع رأسه - فقال: وحقّك يا أمير المؤمنين، فما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم؛ ولقد خرجا من يدي؛ فيقول أبو جعفر: لا تفعل يا أبا محمد، اكتب إليهما وإلى من يوصّل كتابك إليهما. قال: فامتنع أبو جعفر ذلك اليوم من عامة غدائه إقبالاً على عبد الله، وعبد الله يحلف ما يعرف موضعهما وأبو جعفر يكرّر عليه: لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد، لا تفعل يا أبا محمد. قال: فكان شدّة هرب محمد من أبي جعفر أنّ أبا جعفر كان عقد له بمكة في أناس من المعتزلة. قال عمر: حدّثني أيوب بن عمر - يعني ابن أبي عمرو - قال: حدّثني محمد بن خالد بن إسماعيل بن أيوب بن سلمة المخزوميّ، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: لما حجّ أبو جعفر في سنة أربعين ومائة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن؛ فإنهما وإياي لعنده؛ وهو مشغول بكتاب ينظر فيه؛ إذ تكلم المهديّ فلحن، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، ألا تأمر بهذا من يعدّل لسانه؛ فإنه يغفل غفل الأمة! فلم يفهم؛ وغمزت عبد الله فلم ينتبه لها، وعاد لأبي جعفر فاحتفظ من ذلك، وقال: أين ابنك؟ فقال: لا أدري، قال: لتأتينّي به؛ قال: لو كان تحت قدميّ ما رفعتهما عنه، قال: يا ربيع قم به إلى الحبس. قال عمر: حدّثني موسى بن سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ، قال: لما تمثّل عبد الله بن حسن لأبي العباس: ألم تر حوشباً أمسى يبنّي ... بيوتاً نفعها لبنى بقيله لم تزل في نفس أبي جعفر عليه؛ فلما أمر بحبسه، قال: ألست القائل لأبي العباس: ألم تر حوشباً أمسى يبنِّى ... بيوتاً نفعها لبنى بقيله وهو آمن الناس عليك، وأحسنهم إليك صنيعاً! قال عمر: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق عن أبي حنين، قال: دخلت على عبد الله بن حسن وهو محبوس؛ فقال: هل حدث اليوم من خير؟ قلت: نعم، قد أمر ببيع متاعك ورقيقك، ولا أرى أحداً يقدم على شرائه، فقال: ويحك يا أبا حنين! والله لو خرج بي وببناتي مسترقّين لاشترينا! قال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق قال: شخص أبو جعفر، وعبد الله بن حسن محبوس، فأقام في الحبس ثلاث سنين. قال عمر: وحدثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، قال: حدّثني أبو حرملة محمد بن عثمان، مولى آل عمرو بن عثمان، قال: حدّثني أبو هبّار المزنيّ، قال: لما حجّ أبو جعفر سنة أربعين ومائة، حجّ تلك السنة محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، وهما متغيبان، فاجتمعوا بمكة، فأرادوا اغتيال أبي جعفر، فقال لهم الأشتر: عبد الله بن محمد بن عبد الله، أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا والله لا أقتله أبداً غيلةً حتى أدعوه؛ قال: فنقض أمرهم ذلك وما كانوا أجمعوا عليه؛ وقد كان دخل معهم في أمرهم قائد من قوّاد أبي جعفر من أهل خراسان. قال: فاعترض لأبي جعفر إسماعيل بن جعفر بن محمد الأعرض، فنمّى إليه أمرهم، فأرسل في طلب القائد فلم يظفر به، وظفر بجماعة من أصحابه، وأفلت الرّجل وغلام له بمال زهاء ألفي دينار كانت مع الغلام، فأتاه بها وهو مع محمد، فقسمها بين أصحابه. قال أبو هبّار: فأمرني محمد، فاشتريت للرّجل أباعر وجهّزته وحملته في قبّة وقطرته، وخرجت أريد به المدينة حتى أوردته إياها. وقدم محمد فضمّه إلى أبيه عبد الله، ووجّههما إلى ناحية من خراسان. قال: وجعل أبو جعفر يقتل أصحاب ذلك القائد الذي كان من أمره ما ذكرت. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى بن محمد، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: غدوت على زياد بن عبيد الله وأبو جعفر بالمدينة، قال: فقال: أخبركم عجباً مما لقيته اللّيلة؛ طرقني رسل أمير المؤمنين نصف الليل - وكان زياد قد تحوّل لقدوم أمير المؤمنين إلى داره بالبلاط - قال: فدّقت عليّ رسله، فخرجت ملتحفاً بإزاري، ليس عليّ ثوب غيره، فنبهت غلماناً لي وخصياناً في سقيفة الدا، فقلت لهم: إن هدموا الدار فلا يكلمهم منكم أحد؛ قال: فدقوا طويلاً ثن انصرفوا، فأقاموا ساعة، ثم طلعوا بجرز شبيه أن يكون معهم مثله؛ مرّة أو مرّتين، فدقوا الباب بجرزة الحديد، وصيّحوا فلم يكلمهم أحد، فرجعوا فأقاموا ساعة، ثم جاءوا بأمر ليس عليه صبر؛ فظننت والله أن قد هدموا الدار عليّ، فأمرت بفتحها، وخرجت إليهم فاستحثوني وهمّوا أن يحملوني، وجعلت أسمع العزاء من بعضهم حتى أسلموني إلى دار مروان، فأخذ رجلان بعضدي، فخرّجاني على حال الدفيف على الأرض أو نحوه؛ حتى أتيا بي حجرة القبّة العظمى؛ فإذا الربيع واقف، فقال: ويحك يا زياد! ماذا فعلت بنا وبنفسك منذ الليلة! ومضى بي حتى كشف ستر باب القبّة، فأدخلني ووقف خلفي بين البابين؛ فإذا الشمع في نواحي القبّة، فهي تزهر، ووصيف قائم في ناحيتها، وأبو جعفر محتب بحمائل سيفه على بساط ليس تحته وسادة ولا مصلّى، وإذا هو منكس رأسه ينقر بجرز في يده. قال: فأخبرني الربيع أنها حاله من حين صلى العتمة إلى تلك الساعة. قال: فما زلت واقفاً حتى إني لأنتظر نداء الصبح، وأجد لذلك فرجاً؛ فما يكلمني بكلمة، ثم رفع رأسه إليّ، فقال: يا بن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قال: نم نكس رأسه، ونكت أطول مما مضى له، ثم رفع رأسه الثانية، فقال: يا بن الفاعلة، أين محمد وإبراهيم؟ قتلني الله إن لم أقتلك! قال: قلت له: اسمع مني ودعني أكلّمك، قال: قل لي: أنت نفّرتهما عنك؛ بعثت رسولاً بالمال الذي أمرت بقسمه على بني هاشم، فنزل القادسيّة، ثم أخرج سكيناً يحدّه، وقال: بعثني أمير المؤمنين لأذبح محمداً وإبراهيم، فجاءتهما بذلك الأخبار، فهربا. قال: فصرفني فانصرفت. قال عمر: وحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد - وكان يلقب الأكّار، من أهل فيد - قال: سمعت نصر بن قادم مولى بني محول الحنّاطين: قال: كان عبدويه وأصحاب له بمكة في سنة حجّها أبو جعفر. قال: فقال لأصحابه: إني أريد أن أوجر أبا جعفر هذه الحربة بين الصّفا والمروة. قال: فبلغ ذلك عبد الله بن حسن فنهاه، وقال: أنت في موضع عظيم؛ فما أرى أن تفعل. وكان قائد لأبي جعفر يدعى خالد بن حسان، كان يدعى أبا العساكر على ألف رجل، وكان قد مالأ عبدويه وأصحابه؛ فقال له أبو جعفر: أخبرني عنك وعن عبدويه والعطارديّ، ما أردتم أن تصنعوا بمكة؟ قال: أردنا كذا وكذا، قال: فما منعكم؟ قال: عبد الله بن حسن، قال: فطمره فلم ير حتى الساعة. قال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جدّ أبو جعفر حين حبس عبد الله في طلب ابنيه، فبعث عيناً له، وكتب معه كتاباً على ألأسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم ومسارعتهم؛ وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرّجل المدينة، فدخل على عبد الله بن حسن، فسأله عن محمد، فذكر له أنه في جبل جهينة، وقال: امرر بعليّ بن حسن، الرّجل الصالح الذي يدعى الأغر؛ وهو بذي الأبر؛ فهو يرشدك. فأتاه فأرشده. وكان لأبي جعفر كاتب على سرّه، كان متشيعاً، فكتب إلى عبد الله ابن حسن يأمر ذلك العين، وما بعث له، فقدم الكتاب على عبد الله فارتاعوا، وبعثوا أبا هبّار إلى عليّ بن الحسن وإلى محمد، فيحذرّهم الرجل؛ فخرج أبو هبّار حتى نزل بعليّ بن حسن، فسأله فأخبره أن قد أرشده إليه. قال أبو هبّار: فجئت محمداً في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كهف، معه عبد الله بن عامر الأسلميّ وابنا شجاع وغيرهم، والرجل معهم أعلاهم صوتاً، وأشدّهم انبساطاً؛ فلما رآني ظهر عليه بعض النّكرة، وجلست مع القوم؛ فتحدّثت ملياً، ثم أصغيت إلى محمد، فقلت: إنّ لي حاجةً، فنهض ونهضت معه، فأخبرته بخبر الرجل، فاسترجع، وقال: فما الرأي؟ فقلت: إحدى ثلاث أيها شئت فافعل؛ قال: وما هي؟ قلت: تدعني فأقتل الرجل، قال: ما أنا بمقارف دماً إلاّ مكرهاً، أو ماذا؟ قلت: توقره حديداً وتنقله معك حيث انتقلت، قال: وهل بنا فراغ له مع الخوف والإعجال! أو ماذا؟ قلت: تشدّه وتوثقه وتودعه بعض أهل ثقتك من جهينة؛ قال: هذه إذاً؛ فرجعنا وقد نذر الرجل فهرب، فقلت: أين الرجل؟ قالوا: قام بركوة فاصطبّ ماء؛ ثم توارى بهذا الظرب يتوضّأ، قال: فجلنا في الجبل وما حوله؛ فكأن الأرض التأمت عليه. قال: وسعى على قدميه حتى شرع على الطريق، فمرّ به أعراب معهم حمولة إلى المدينة، فقال لبعضهم: فرّغ هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلاً لصاحبتها ولك كذا وكذا، قال: نعم؛ ففرّغها وحمله حتى أقدمه بالمدينة. ثم قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر كلّه، وعمى عن اسم أبي هبار وكنيته، وعلّق وبراً. فكتب أبو جعفر في طلب وبر المزنيّ، فحمل إليه رجل منهم يدعى وبراً، فسأله عن قصّة محمد وما حكى له العين؛ فحلف أنه ما يعرف من ذلك شيئاً؛ فأمر به فضرب سبعمائة سوط، وحبس حتى مات أبو جعفر. قال عمر: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ألحّ أبو جعفر في طلب محمد، وكتب إلى زياد بن عبيد الله الحارثيّ يتنجزّه ما كان ضمن له، فقدم محمد المدينة قدمةً، فبلغ ذلك زياداً، فتلطّف له وأعطاه الأمان على أن يظهر وجهه للناس معه، فوعده ذلك محمد، فركب زياد مغلّساً، ووعد محمداً سوق الظهر، فالتقيا بها، ومحمد معلن غير مختفٍ، ووقف زياد إلى جنبه، وقال: يأيها الناس؛ هذا محمد بن عبد الله ابن حسن، ثم أقبل عليه، فقال: الحق بأن بلاد الله شئت، وتوارى محمد، وتواترت الأخبار بذلك على أبي جعفر. قال عمر: حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني من أصدّق، قال: دخل إبراهيم بن عبد الله على زياد، وعليه درع حديد تحت ثويه، فلمسها زياد. ثم قال: يا أبا إسحاق؛ كأنك اتّهمتني! ذلك والله ما ينالك مني أبداً. قال عمر: حدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: ركب زياد بمحمد؛ فأتى به السوق فتصايح أهل المدينة: المهديّ المهديّ! فتوارى فلم يظهر؛ حتى خرج. قال عمر: حدّثني محمد بن يحيى. قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لمّا أن تتابعت الأخبار على أبي جعفر بما فعل زياد بن عبيد الله، وجّه أبا الأزهر رجلاً من أهل خراسان إلى المدينة، وكتب معه كتاباً، ودفع إليه كتباً، وأمره ألاّ يقرأ كتابه إليه حتى ينزل الأعوص، على بريد من المدينة، فلما أن نزله قرأه؛ فإذا فيه تولية عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المدينة - وكان قاضياً لزياد بن عبيد الله - وشد زياد في الحدي، واصطفاء ماله، وقبض جميع ما وجد له، وأخذ عمّاله وإشخاصه وإياهم إلى أبي جعفر. فقدم أبو الأزهر المدينة لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين ومائة، فوجد زياداً في موكب له، فقال: أين الأمير؟ فقيل: ركب، وخرجت الرّسل إلى زياد بقدومه، فأقبل مسرعاً حتى دخل دار مروان، فدخل عليه أبو الأزهر، فدفع إليه كتاباً من أبي جعفر في ثلث يأمره أن يسمع ويطيع؛ فلما قرأه قال: سمعاً وطاعة، فمر يا أبا الأزهر بما أحببت؛ قال: ابعث إلى عبد العزيز بن المطلب. فبعث إليه، فدفع إليه كتاباً أن يسمع لأبي الأزهر؛ فلما قرأه قال: سمعاً وطاعة؛ ثم دفع إلى زياد كتاباً يأمره بتسليم العمل إلى ابن المطلب، ودفع إلى ابن المطلب كتاباً بتوليته، ثم قال لابن المطلب: ابعث إليّ اربعة كبول وحدّاداً، فأتيَ بهما فقال: اشدد أبا يحيى، فشدّ فيها وقبض ماله - ووجد في بيت المال خمسة وثمانين ألف دينار - وأخذ عماله، فلم يغادر منهم أحداً؛ فشخص بهم وبزياد، فلما كانوا في طرف المدينة وقف له عماله يسلّمون عليه، فقال: بأبي أنتم! والله ما أبالي إذا رآكم أبو جعفر ما صنع بي! أي من هيئتهم ومروّتهم. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، عن خاله عليّ بن عبد الحميد، قال: شيّعنا زياداً، فسرت تحت محمله ليلة، فأقبل عليّ فقال: والله ما أعرف لي عند أمير المؤمنين ذنباً؛ غير أني أحسبه وجد عليّ في ابني عبد الله، ووجد دماء بني فاطمة عليّ عزيزة. ثم مضوا حتى كانوا بالشقراء؛ فأفلت منهم محمد بن عبد العزيز، فرجع إلى المدينة، وحبس أبو جعفر الآخرين، ثم خلّى عنهم. قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني من أصدّق، قال: لما أن وجّه أبو جعفر مبهوتاً وابن أبي عاصية في طلب محمد، كان مبهوت الذي أخذ زياداً، فقال زياد: أكلّف ذنب قوم لست منهم ... وما جنت الشمال على اليمين قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال، حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: كنت أنا والشعبانيّ - قائد كان لأبي جعفر - مع زياد بن عبيد الله نختلف إلى أبي الأزهر أيام بعثه أبو جعفر في طلب بني حسن، فإني لأسير مع أبي الأزهر يوماً إذ أتاه آتٍ فلصق به، فقال: إنّ عندي نصيحة في محمد وإبراهيم، قال: اذهب عنا، قال: إنها نصيحة لأمير المؤمنين، قال: اذهب عنا، ويلك قد قتل الخلق! قال: فأبى أن ينصرف، فتركه أبو الأزهر حتى خلا الطريق، ثم بعج بسيفه بطنه بعجةً ألقاه ناحية. ثمّ استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد؛ فذكر عمر أن محمد بن يحيى حدّثه، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: استعمل أبو جعفر على المدينة محمد بن خالد بعد زياد، وأمره بالجدّ في طلب محمد، وبسط يده في النفقة في طلبه. فأغذ السير حتّى قدم المدينة هلال رجب سنة إحدى وأربعين ومائة، ولم يعلم به أهل المدينة حتى جاء رسوله من الشقرة - وهى بين الأعوص والطرّف على ليلتين من المدينة - فوجد فى بيت المال سبعين ألف دينار وألف ألف درهم، فاستغرق ذلك المال؛ ورفع فى محاسبته أموالاً كثيرة أنفقها فى طلب محمد، فاستبطأه أبو جعفر واتّهمه، فكتب إليه أبو جعفر يأمره بكشف المدينة وأعراضها، فأمر محمد بن خالد أهل الديوان أن يتجاعلوا لمن يخرج، فتجاعلوا رباع الغاضرىّ المضحك - وكان يداين الناس بألف دينار - فهلكت وتويت، وحرجوا إلى الأعراض لكشفها عن محمد، وأمر القسرىّ أهل المدينة؛ فلزموا بيوتهم سبعة أيام، وطافت رسله والجند ببيوت الناس يكشفونها؛ لا يحسون شيئاً، وكتب القسرىّ لأعوانه صكاكاً يتعزّزون بها، لئلا يعرض لهم أحد؛ فلمّا استبطأه أبو جعفر ورأى ما استغرق من الأموال عزله. قال: وحدّثنى عيسى بن عبد اللّه، قال: أخبرنى حسين بن يزيد، عن ابن ضبّة، قال: اشتد أمر محمد وإبراهيم على أبى جعفر؛ فبعث فدعا أبا السعلاء من قيس بن عيلان، فقال: ويلك! أشر علىّ فى أمر هذين الرجلين؛ فقد غمنّى أمرهما، قال: أرى لك أن تستعمل رجلاً من ولد الزّبير أو طلحة، فإنهم يطلبونهما بذحل؛ فأشهد لا يلبثونهما إليك قال: قاتلك اللّه؛ ماأجود رأيّاً جئت به! واللّه ما غبى هذا علىّ؛ ولكنى أعاهد الله ألاّ أثّئر من أهل بيتى بعدوى وعدوّهم؛ ولكنى أبعث عليهم صعيليكاً من العرب، فيفعل ما قلت، فبعث رياح بن عثمان بن حيّان. قال: وحدثنى محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد الله بن يحيى، عن موسى بن عبد العزيز؛ قال: لما أراد أبو جعفر عزل محمد بن خالد عن المدينة ركب ذات يوم؛ فلما خرج من بيته استقبله يزيد بن أسيد السلمى، فدعاه فسايره. ثم قال: أما تدلنّى على فتى من قيس مقلّ أغنيه وأشرّفه وأمكّنه من سيد اليمن يلعب به؟ يعني ابن القسرىّ؛ قال: بلى، قد وجدته يا أمير المؤمنين، قال: من هو؟ قال: رياح بن عثمان بن حيّان المريّ، قال: فلا تذكرنّ هذا لأحد، ثم انصرف فأمر بنجائب وكسوة ورحال؛ فهيئت للمسير؛ فلما انصرف من صلاة العتمة دعا برياح، فذكر له ما بلا من غشّ زياد وابن القسريّ في ابني عبد الله، وولاه المدينة؛ وأمر بالمسير من ساعته قبل أن يصل إلى منزله، وأمره بالجدّ في طلبهما؛ فخرج مسرعاً، حتى قدمها يوم الجمعة لسبع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومائة. قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: أخبرني الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: لما بلغ أمر محمد وإبراهيم من أبي جعفر ما بلغ خرجت يوماً من عنده - أو من بيتي - أريده؛ فإذا أنا برجل قد دنا مني، فقال: أنا رسول رياح بن عثمان إليك، يقول لك: قد بلغني أمر محمد وإبراهيم وإدْهان الولاة في أمرهما؛ وإنْ ولاّني أمير المؤمنين المدينة ضمنت له أحدهما، وألاّ أظهرهما. قال: فأبلغت ذلك أمير المؤمنين. فكتب إليه بولايته. وليس بشاهد. ذكر عمر بن شبّة، عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن يحيى، عن موسى ابن عبد العزيز، قال: لما دخل رباح دار مروان، فصار في سقيفتها، أقبل على بعض من معه، فقال: هذه دار مروان؟ قالوا: نعم، قال: هذه المحلال المظعان، ونحن أوّل من يظعن منها. قال عمر: حدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني الزبير بن المنذر مولى عبد الرحمن بن العوّام، قال: قدم رياح بن عثمان، فقدم معه حاجب له يكنى أبا البختريّ - وكان لأبي صديقاً زمان الوليد بن يزيد. قال: فكنت آتيه لصداقته لأبي - فقال لي يوماً: يا زبير، إن رياحاً لما دخل دار مروان قال لي: هذه دار مروان؟ أما والله إنها لمحلال مظعان؛ فلما تكشف الناس عنه - وعبد الله محبوس في قبة الدار التي على الطريق إلى المقصورة، حبسه فيها زياد بن عبيد الله - قال لي: يا أبا البختريّ، خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ، فأقبل متّكئاً عليّ حتى وقف على عبد الله بن حسن، فقال: أيّها الشيخ؛ إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة، ولا يد سلفت إليه؛ والله لا لعبت بي كما لعبت بزياد وابن القسريّ، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم! قال: فرفع رأسه إليه وقال: نعم، أما والله إنك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة. قال أبو البختريّ: فانصرف رياح والله آخذاً بيدي، أجد برد يده، وإنّ رجليه لتخطّان مما كلّمه، قال: قلت: والله إنّ هذا ما اطّلع على الغيب قال: إيهاً ويلك! فوالله ما قال إلا ما سمع؛ قال: فذبح والله فيها ذبح الشاة. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: قدم رياح المدينة، فدعا بالقسريّ، فسأله عن الأموال، فقال: هذا كاتبي هو أعلم بذلك مني، قال: أسألك وتحيلني على كاتبك! فأمر به فوجئت عنقه، وقنّع أسواطاً، ثم أخذ رزاماً كاتب محمد بن خالد القسريّ ومولاه فبسط عليه العذاب، وكان يضربه في كل غبّ خمسة عشر سوطاً، مغلولة يده إلى عنقه من بكرة إلى الليل؛ يتبع به أفناء المسجد والرّحبة، ودسّ إليه في الرفع على ابن خالد فلم يجد عنده في ذلك مساغاً، فأخرجه عمر بن عبد الله الجذاميّ - وكان خليفة صاحب الشرط يوماً من الأيام - وهو يريد ضربه، وما بين قدميه إلى قرنه قرحة، فقال له: هذا يوم غبّك، فأين تحبّ أن نجلدك؟ قال: والله ما في بدني موضع لضرب؛ فإن شئت فبطون كفي، فأخرج كفّيه فضرب في بطونهما خمسة عشر سوطاً. قال: فجعلت رسل رياح تختلف إليه، تأمره أن يرفع على ابن خالد ويخلّى سبيله، فأرسل إليه: مر بالكفّ عني حتى أكتب كتاباً، فأمر بالكفّ عنه، ثم ألحّ عليه وبعث إليه: أن رح بالكتاب العشيّة على رءوس الناس، فادفعه إليّ. فلما كان العشيّ أرسل إليه فأتاه وعنده جماعة فقال: أيّها الناس؛ إن الأمير أمرني أن أكتب كتاباً، وأرفع على ابن خالد؛ وقد كتبت كتاباً أتنجّي به، وأنا أشهدكم أن كلّ ما فيه باطل. فأمر به رياح فضرب مائة سوط، وردّ إلى السجن. قال عمر: حدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمي عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: لما أهبط الله آدم من الجنّة رفعه على أبي قبيس، فرفع له الأرض جميعاً حتى رآها وقال: هذه كلها لك، قال: أي ربّ، كيف أعلم ما فيها؟ فجعل له النجوم، فقال: إذا رأيت نجم كذا وكذا كان كذا وكذا، وإذا رأيت نجم كاذ وكذا كان كذا وكذا؛ فكان يعلم ذلك بالنجوم. ثم إن ذلك اشتدّ عليه، فأنزل الله عزّ وجلّ مرآة من السماء يرى بها ما في الأرض حتى إذا ما مات آدم عمد إليها شيطان يقال له فقطس فكسرها، وبنى عليها مدينة بالمشرق يقال لها جابرت؛ فلما كان سليمان بن داود سأل عنها، فقيل له: أخذها فقطس. فدعاه فسأله عنها، فقال: هي تحت أواسي جابرت، قال: فأتني بها، قال ومن يهدمها؟ فقالوا لسليمان: قل له: أنت، فقال سليمان: أنت، فأتى بها سليمان، فكان يجبر بعضها إلى بعض ثم يشدّها في أقطارها بسير، ثم ينظر فيها؛ حتى هلك سليمان؛ فوثبت عليها الشياطين؛ فذهبت بها وبقيت منها بقية، فتوارثتها بنو إسرائيل حتى صارت إلى رأس الجالوت؛ فأتيَ بها مروان بن محمد؛ فكان يحكّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها ما يكره، فرمى بها وضرب عنق رأس الجالوت، ودفعها إلى جارية له، فجعلتها في كرسفة، ثم جعلتها في حجر؛ فلما استخلف أبو جعفر سأل عنها فقيل له: هي عند فلانة؛ فطلبها حتى وجدها، فكانت عنده؛ فكان يحكّها ويجعلها على مرآة أخرى فيرى فيها؛ وكان يرى محمد ابن عبد الله؛ فكتب إلى رياح بن عثمان: إنّ محمداً ببلاد فيها الأترجّ والأعناب فاطلبه بها. وقد كتب إلى محمد بعض أصحاب أبي جعفر: لا تقيمنّ في موضع إلاّ بقدر مسير البريد من العراق إلى المدينة ؛ فكان يتنقّل فيراه بالبيضاء، وهي من وراء الغابة على نحو من عشرين ميلاً؛ وهي لأشجع. فكتب إليه: إنه ببلاد بها الجبال والقلاّت؛ فيطلبه فلا يجده. قال: فكتب إليه إنه بجبل به الحبّ الأخضر والقطران، قال: هذه رضوى؛ فطلبه فلم يجده. قال أبو زيد: حدّثني أبو صفوان نصر بن قديد بن نصر بن سيار، أنه بغله أنه كان عند أبي جعفر مرآة يرى فيها عدوّه من صديقه. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: جدّ رياح في طلب محمد، فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى - جبل جهينة، وهي من عمل ينبع - فاستعمل عليها عمرو بن عثمان بن مالك الجهنيّ أحد بني جشم، وأمره بطلب محمد، فطلبه فذكر له أنه بشعب من رضوى، فخرج إليه بالخيل والرّجال، ففزع منه محمد، فأحضر شداً، فأقلت وله ابن صغير، ولد في خوفه ذلك؛ وكان مع جارية له؛ فهوى من الجبل فتقطّع، وانصرف عمرو بن عثمان. قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن حكيم الطائيّ، قال: لما سقط ابن محمد فمات ولقي محمد ما لقي، قال: منخرق السّربال يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عمتي عبيد الله بن محمد، قال: قال محمد بن عبد الله: بينا أنا في رضوى مع أمة لي أمّ ولد، معها بنّى لي ترضعه؛ إذا ابن سنوطي مولى لأهل المدينة، قد هجم عليّ في الجبل يطلبني؛ فخرجت هارباً، وهربت الجارية. فسقط الصبيّ منها فتقطّع، فقال عبيد الله: فأتيَ بابن سنوطي إلى محمد بعد حين ظهر، فقال: يا بن سنوطي، أتعرف حديث الصبيّ؟ قال: إي والله؛ إني لأعرفه، فأمر به فحبس؛ فلم يزل محبوساً حتى قتل محمد. قال: وحدّثني عبد العزيز بن زياد، قال: حدّثني أبي قال: قال محمد: إني بالحرّة مصعد ومنحدر، إذا أنا برياح والخيل، فعدلت إلى بئر فوقفت بين قرنيها، فجعلت أستقي، فلقيني رياح صفحاً، فقال: قاتله الله أعرابياً ما أحسن ذراعه! قال: وحدّثني ابن زبالة، قال: حدّثني عثمان بن عبد الرحمن الجهنيّ عن عثمان بن مالك، قال: أذلق رياح محمداً بالطلب؛ فقال لي: اغد بنا إلى مسجد الفتح ندع الله فيه. قال: فصليت الصبح، ثم انصرفت إليه، فغدونا وعلى محمد قميص غليظ ورداء قرقبيّ مفتول؛ فخرجنا من موضع كان فيه؛ حتى إذا كان قريباً التفت، فإذا رياح في جماعة من أصحابه ركبان، فقلت له: هذا رياح؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! فقال غير مكترث به: امض؛ فمضيت وما تنقلني رجلاي، وتنحّى هو عن الطريق؛ فجلس وجعل ظهره مما يلي الطريق، وسدل هدب ردائه على وجهه - وكان جسيماً - فلما حاذاه رياح التفت إلى أصحابه، فقال: امرأة رأتنا فاستحيت. قال: ومضيت حتى طلعت الشمس، وجاء رياح فصعد وصلى ركعتين، ثم انصرف من ناحية بطحان، فأقبل محمد حتى دخل المسجد، فصلى ودعا، ولم يزل محمد بن عبد الله ينتقل من موضع إلى موضع إلى حين ظهوره. ولما طال على المنصور أمره؛ ولم يقدر عليه وعبد الله بن حسن محبوس، قال عبد العزيز بن سعيد - فيما ذكر عن عيسى بن عبد الله، عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة - قال لأبي جعفر: يا أمير المؤمنين، أتطمع أن يخرج لك محمد وإبراهيم وبنو حسن مخلّون! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد. قال: فكان ذلك الذي هاجه على حبسهم. قال؛ ثم دعاه فقال: من أشار عليك بهذا الرأي؟ قال: فليح بن سليمان، فلما مات عبد العزيز ابن سعد - وكان عيناً لأبي جعفر ووالياً على الصدقات - وضع فليح بن سليمان في موضعه، وأمر أبو جعفر بأخذ بني حسن. قال عيسى: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر رياحاً يأخذ بني حسن، ووجّه في ذلك أبا الأزهر المهريّ - قال: وقد كان حبس عبد الله بن حسن فلم يزل محبوساً ثلاث سنين؛ فكان حسن بن حسن قد نصل خضابه تسلّياً على عبد الله؛ فكان أبو جعفر يقول: ما فعلت الحادّة؟ قال: فأخذ رياح حسناً وإبراهيم ابني حسن بن حسن، وحسن بن جعفر بن حسن بن حسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن، ومحمداً وإسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس بن حسن بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، أخذوه على بابه؛ فقالت أمه عائشة ابنة طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر: دعوني أشمّه، قالوا: لا والله؛ ما كنت حيةً في الدنيا؛ وعليّ بن حسن بن حسن بن حسن العابد. قال: وحدّثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حبس معهم أبو جعفر عبد الله بن حسن بن حسن أخا عليّ. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحارث بن إسحاق، قال: جهر رياح بشتم محمد وإبراهيم ابني عبد الله، وشتم أهل المدينة. قال: ثم قال يوماً وهو على المنبر يذكرهما: الفاسقين الخالعين الحاربين. قال: ثم ذكر ابنة أبي عبيدة أمهما، فأفحش لها، فسبّح الناس وأعظموا ما قال، فأقبل عليهم، فقال: إنكم لا كلنا عن شتمهما، ألصق الله بوجوهكم الذلّ والهوان! أما والله لأكتبنّ إلى خليفتكم فلأعلمنّه غشكم وقلة نصحكم. فقال الناس: لا نسمع منك يا بن المحدود؛ وبادروه بالحصى، فبادر واقتحم دار مروان وأغلق عليه الباب، وخرج الناس حتى صفّوا وجاهه، فرموه وشتموه ثم تناهوا وكفّوا. قال: وحدّثني محمد بن يحيى؛ قال: حدّثني الثقة عندي، قال: حبس معهم موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ وعليّ بن محمد ابن عبد الله بن حسن بن حسن عند مقدمه من مصر. قال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: وجّه محمد بن عبد الله ابنه عليّاً إلى مصر، فدلّ عليه عاملها، وقد همّ بالوثوب، فشدّه وأرسل به إلى أبي جعفر؛ فاعترف له، وسمّى أصحاب أبيه، فكان فيمن سمّى عبد الرحمن ابن أبي الموالي وأبو حنين؛ فأمر بهما أبو جعفر فحبسا، وضرب أبو حنين مائة سوط. قال: وحدّثني عيسى، قال: مرّ حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم ابن حسن وهو يعلف إبلاً له؛ فقال: أتعلف إبلك وعبد الله محبوس! أطلق عقلها يا غلام، فأطلقها، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها واحدة. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عليّ بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ، قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: من كان هاهنا من بني حسين فليدخل؛ فقال لي عمتي عمر بن محمد: انظر ما يصنع القوم، قال: فدخلوا من باب المقصورة ودخل الحدّادون من باب مروان، فدعيَ بالقيود. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: كان رياح إذا صلى الصبح أرسل إلى وإلى قدامة بن موسى فيحدّثنا ساعة؛ فإنا لعنده يوماً؛ فلما أسفرنا إذا برجل متلفّف في ساجٍ له؛ فقال له رياح: مرحباً بك وأهلا، ما حاجتك؟ قال: جئت لتحبسني مع قومي؛ فإذا هو عليّ بن حسن بن حسن بن حسن، فقال: أما والله ليعرفنّها لك أمير المؤمنين، ثم حبسه معهم. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني سعيد بن ناشرة مولى جعفر بن سليمان، قال: بعث محمد ابنه عليّاً، فأخذ بمصر، فمات في سجن أبي جعفر. قال: وحدثني موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن، قال: حدّثني أبي، عن أبيه موسى بن عبد الله، قال: لما حبسنا ضاق الحبس بنا، فسأل أبي رياحاً أن يأذن له فيشتري داراً، فيجعل حبسنا فيها، ففعل، فاشترى أبي داراً فنقلنا إليها، فلما امتدّ بنا الحبس أتى محمد أمه هنداً فقال: إني قد حمّلت أبي وعمومتي ما لا طاقة لهم به؛ ولقد هممت أن أضع يدي في أيديهم؛ فعسى أن يخلّى عنهم. قال: فتنكرت ولبست أطماراً، ثم جاءت السجن كهيئة الرسول، فأذن لها، فلما رآها أبي أثبتها، فنهض إليها فأخبرته عن محمد، فقال: كلاّ بل نصبر؛ فوالله إني لأرجو أن يفتح الله به خيراً، قولي له: فليدع إلى أمره، وليجدّ فيه، فإن فرجنا بيد الله. قال: فانصرفت وتمّ محمد على بغيته. ذكر حمل ولد حسن بن حسن إلى العراق وفي هذه السنة حمل ولد حسن بن حسن بن عليّ من المدينة إلى العراق. ذكر الخبر عن سبب حملهم إلى العراق وما كان من أمرهم إذ حملوا ذكر عمر، قال: حدّثني موسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما حجّ أبو جعفر أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة ومالك بن أنس إلى أصحابنا، فسألهم أن يدفعوا محمداً وإبراهيم ابني عبد الله، قال: فدخل علينا الرجلان وأبي قائم يصلّي، فأبلغاهم رسالته، فقال حسن بن حسن: هذا عمل ابني المشئومة، أما والله ما هذا برأينا، ولا عن ملأ منا؛ ولا لنا فيه حيلة. قال: فأقبل عليه إبراهيم، فقال: علام تؤذي أخاك في ابنيه وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ قال: وانصرف أبي من صلاته؛ فأبلغاه، فقال: لا والله لا أردّ عليكما حرفاً؛ إن أحب أن يأذن لي فألقاه فليفعل؛ فانصرف الرجلان فأبلغه، فقال: أراد أن يسخّرني؛ لا والله لا ترى عينه عيني حتى يأتيني بابنيه. قال: وحدّثني ابن زبالة، قال: سمعت بعض علمائنا يقول: ما سارّ عبد الله بن حسن أحداً قطّ إلا فتله عن رأيه. قال: وحدثني موسى بن عبد الله، عن أبيه عن جده، قال: ثم سار أمير المؤمنين أبو جعفر لوجهه حاجاً، ثم رجع فلم يدخل المدينة؛ ومضى إلى الرّبذة حتى أتى ثنى رهوتها. قال عمر: وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح حتى حجّ أبو جعفر سنة أربع وأربعين ومائة، فتلقّاه رياح بالرّبذة، فردّه إلى المدينة، وأمره بإشخاص بني حسن إليه، وبإشخاص محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو أخو بني حسن لأمهم. أمهم جميعاً فاطمة بنت حسين بن عليّ بن أبي طالب - فأرسل إليه رياح - وكان بماله ببدر - فحدرهم إلى المدينة، ثم خرج رياح ببني حسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو إلى الرّبذة، فلما صار بقصر نفيس على ثلاثة أميال من المدينة، دعا بالحدّادين والقيود والأغلال، فألقى كلّ رجل منهم في كبل وغلّ، فضاقت حلقتا قيد عبد الله بن حسن بن حسن، فعضّتاه فتأوّه؛ فأقسم عليه أخوه عليّ بن حسن ليحوّلنّ حلقتيه عليه إن كانتا أوسع، فحوّلنا عليه، فمضى بهم رياح إلى الرّبذة. قال: وحدّثني إبراهيم بن خالد، ابن أخت سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء - وهو خال أمه - قال: لما حمل بنو حسن إلى أبي جعفر أتى بأقياد يقيدون بها، وعليّ بن حسن بن حسن قائم يصلي. قال: وكان في الأقياد قيد ثقيل، فكلّما قرب إلى رجل منهم تفادى منه واستعفى. قال: فانقتل عليّ من صلاته، فقال: لشدّ ما جزعتم، شرعه هذا، ثم مدّ رجليه فقيّد به. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران، قال: الذي حدّرهم إلى الربّذة أبو الأزهر. قال عمر: حدّثني ابن زبالة، قال: حدّثني حسين بن زيد بن عليّ ابن حسين، قال: غدوت إلى المسجد، فرأيت بني حسن يخرج بهم من دار مروان مع أبي الأزهر يراد بهم الرّبذة، فانصرفت، فأرسل إليّ جعفر ابن محمد فجئته، فقال: ما وراءك؟ فقلت: رأيت بني حسن يخرج بهم في محامل، قال: اجلس، فجلست، فدعا غلاماً له، ثم دعا ربه دعاء كثيراً، ثم قال لغلامه: اذهب؛ فإذا حملوا فأت فأخبرني، فأتاه الرّسول، فقال: قد أقبل بهم. قال: فقام جعفر بن محمد، فوقف من وراء ستر شعر يبصر من وراءه ولا يبصره أحد؛ فطلع بعبد الله بن حسن في محمل معادله مسود، وجميع أهل بيته كذلك. قال: فلما نظر إليهم جعفر هملت عيناه حتى جرت دموعه على لحيته، ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا عبد الله؛ والله لا يحفظ لله حرمة بعد هؤلاء. قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني مصعب بن عثمان، قال: لما ذهب ببني حسن لقيهم الحارث بن عامر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بالرّبذة، فقال: الحمد لله الذي أخرجكم من بلادنا، قال: فاشرأبّ له حسن بن حسن، فقال له عبد الله: عزمت عليك إلا سكتّ! قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني ابن أبرود حاجب محمد بن عبد الله قال: لما حمل بنو حسن، كان محمد وإبراهيم يأتيان معتمّين كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويسائلانه ويستأذنانه في الخروج؛ فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك؛ ويقول: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين؛ فلا يمنعكما أن تموتا كريمين. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار بنو حسن إلى الربّذة دخل محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان على أبي جعفر، وعليه قميص وساج وإزار رقيق تحت قميصه؛ فلما وقف بين يديه، قال: إيهاً يا ديّوث! قال محمد: سبحان الله! والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً، قال: فممّ حملت ابنتك؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسن - وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعتاق ألا تغشني ولا تمالىء عليّ عدواً، ثم أنت تدخل على ابنتك متخضبّة متعطّرة، ثم تراها حاملاً فلا يروعك حملها! فأنت بين أن تكون حانثاً أو ديوثاً؛ وأيم الله إني لأهمّ برجمها، فقال محمد: أما أيماني فهي عليّ إن كنت دخلت لك في أمر غشّ علمته، وأما ما رميت به هذه الجارية، فإن الله قد أكرمها عليه السلام ذلك بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها؛ ولكني قد ظننت حين ظهر حملها أنّ زوجها ألمّ بها على حين غفلة منا، فاحتفظ أبو جعفر من كلامه، وأمر بشق ثيابه، فشق قميصه عن إزاره، فأشفّ عن عورته، ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط؛ فبلغت منه كلّ مبلغ، وأبو جعفر يفتري عليه ولا يكنى؛ فأصاب سوط منها وجهه. فقال له: ويحك! اكفف عن وجهي فإنّ له حرمةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: فأغرى أبو جعفر، فقال للجلاد: الرأس الرأس. قال: فضرب على رأسه نحواً من ثلاثين سوطاً، ثم دعا بساجور من خشب شبيه به في طوله - وكان طويلاً - فشدّ في عنقه، وشدّت به يده؛ ثم أخرج به ملبّباً، فلما طلع به من حجرة أبي جعفر؛ وثب إليه مولى له، فقال: بأبي أنت وأمي ألا ألوثك بردائي! قال: بلى جزيت خيراً؛ فوالله لشفوف إزاري أشدّ عليّ من الضرب الذي نالني؛ فألقى عليه المولى الثوب، ومضى به إلى أصحابه المحبّسين. قال: وحدّثني الوليد بن هشام، قال: حدّثني عبد الله بن عثمان، عن محمد بن هاشم بن البريد، مولى معاوية، قال: كنت بالرّبذة، فأتيَ ببني حسن مغلولين، معهم العثمانيّ كأنه خلق من فضّة، فأقعدوا، فلم يلبثوا حتى خرج رجل من عند أبي جعفر، فقال: أين محمد بن عبد الله العثماني؟ فقام فدخل، فلم يلبث أن سمعنا وقع السياط، فقال أيوب بن سلمة المخزومىّ لبنيه: يا بنىّ؛ إني لأرى رجلاً ليس لأحد عنده هوادة، فانظروا لأنفسكم؛ لا تسقطوا بشىء. قال: فأخرج كأنه زنجى قد غيّرت السياط لونه، وأسالت دمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت، فأقعد إلى جنب أخيه عبد الله بن حسن بن حسن، فعطش فاستسقّى ماء، فقال عبد الله بن حسن: يا معشر الناس، من يسقي ابن رسول الله شربة ماء؟ فتحاماه الناس فما سقوه حتى جاء خراسانيّ بماء، فسلّه إليه فشرب، ثم لبثنا هنيهةً، فخرج أبو جعفر في يشقّ محمل، معادله الربيع في شقّه الأيمن، على بغلة شقراء، فناداه عبد الله: يا أبا جعفر؛ والله ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر! قال: فأخسأه أبو جعفر؛ وتفل عليه، ومضى ولم يعرّج. وذكر أن أبا جعفر لما دخل عليه محمد بن عبد الله العثمانيّ سأله عن إبراهيم، فقال: ما لي به علم، فدقّ أبو جعفر وجهه بالجرز. وذكر عمر عن محمد بن أبي حرب، قال: لم يزل أبو جعفر جميل الرأي في محمد حتى قال له رياح: يا أمير المؤمنين؛ أمّا أهل خراسان فشيعتك وأنصارك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، وأما أهل الشأم فوالله ما عليّ عندهم إلا كافر، وما يعتدّون بأحد من ولده؛ ولكنّ أخاهم محمد بن عبد الله ابن عمرو، ولو دعا أهل الشأم ما تخلف عنه منهم رجل. قال: فوقعت في نفس أبي جعفر، فلما حجّ دخل عليه محمد، فقال: يا محمد، أليس ابنتك تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ قال: بلى؛ ولا عهد لي به إلا بمنىً في سنة كذا وكذا، قال: فهل رأيت ابنتك تختضب وتمتشط؟ قال: نعم، قال: فهي إذاً زانية، قال: مَهْ يا أمير المؤمنين! أتقول هذا لابنة عمّك! قال: يا بن اللخناء، قال: أيّ أمهاتي تلخّن! قال: يا بن الفاعلة، ثم ضرب وجهه بالجرز وحدده؛ وكانت رقية ابنة محمد تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، ولها يقول: خليليّ من قيس دعا اللوم واقعدا ... يسرّكما ألاّ أنام وترقدا أبيت كأنّي مسعرٌ من تذكري رقية جمراً من غضاً متوقداً قال: وحدثني عيسى بن عبد الله بن محمد، قال: حدّثني سليمان بن داود بن حسن؛ قال: ما رأيت عبد الله بن حسن جزع من شيء مما ناله إلاّ يوماً واحداً؛ فإنّ بعير محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان انبعث وهو غافل، لم يتأهّب له، وفي رجليه سلسلة، وفي عنقه زمّارة، فهوى، وعلقت الزّمارة بالمحمل، فرأيته منوطاً بعنقه يضطرب؛ فرأيت عبد الله بن حسن قد بكى بكاء شديداً. قال: وحدّثني موسى بن عبد الله بن موسى، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما صرنا بالرّبذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسل إليّ أحدكم؛ واعلم أنه غير عائد إليك أبداً، فابتدره بنو إخوته يعرضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيراً، وقال: أنا أكره أن أفجعهم بكم؛ ولكن اذهب أنت يا موسى، قال: فذهبت وأنا يومئذ حديث السنّ، فلما نظر إليّ قال: لا أنعم الله بك عيناً؛ السياط يا غلام قال: فضربت والله حتى غشيَ عليّ، فما أدرى بالضرب، فرفعت السياط عني، ودعاني فقرّبت منه واستقربني. فقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني، فأفرغت منه سجلاً لم أستطع ردّه؛ ومن ورائه الموت أو تفتدي منه. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين؛ والله إن ما لي ذنب؛ وإني لبمعزل عن هذا الأمر. قال: فانطلق فأتني بأخويك، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع عليّ العيون والرّصد، فلا أسلك طريقاً إلا تبعني له رسول، ويعلم ذلك أخواي فيهربان مني! قال: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى، قال: وأرسل معي حرساً أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري، قال: فقدمت المدينة، فنزلت دار ابن هشام بالبلاط، فأقمت بها أشهراً، فكتب إليه رياح: إنّ موسى مقيم بمنزله يتربّص بأمير المؤمنين الدوائر؛ فكتب إليه: إذا قرأت كتابي هذا فاحدره إليّ، فحدرني. قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني موسى، قال: أرسل أبي إلى أبي جعفر: إني كاتب إلى محمد وإبراهيم؛ فأرسل موسى عسى أن يلقاهما؛ وكتب إليهما أن يأتياه، وقال لي: أبلغهما عنّي فلا يأتياه أبداً. قال: وإنما أراد أن يفلتني من يده - وكان أرقّ الناس عليّ، وكنت أصغر ولد هند - وأرسل إليهما: يا بني أميّة إني عنكما غان ... وما الغنى غير أني مرعش فان يا بني أمية إلاّ ترحما كبري ... فإنما أنتما والثكل مثلان قال: فأقمت بالمدينة مع رسل أبي جعفر إلى أن استبطأني رياح، فكتب إلى أبي جعفر بذلك، فحدرني إليه. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم بن محمد، قال: أخبرني عمران بن محرز من بني البكّاء، قال: خرج ببني حسن إلى الرّبذة، فيهم عليّ وعبد الله ابنا حسن بن حسن بن حسن، وأمّهما حبابة ابنة عامر بن عبد الله بن عامر ابن بشر بن عامر ملاعب الأسنة؛ فمات في السجن حسن بن حسن وعباس ابن حسن، وأمّه عائشة بنت طلحة بن عمر بن عبيد الله وعبد الله بن حسن وإبراهيم بن حسن. قال عمر: حدّثني المدائنيّ، قال: لما خرج ببني حسن، قال إبراهيم ابن عبد الله بن حسن، قال عمر: وقد أنشدني غير أبي الحسن هذا الشعر لغالب الهمدانيّ: ما ذكرك الدّمنة القفار وأه ... ل الدار إمّا نأوك أو قربوا إلاّ سفاهاً وقد تفرّعك الشّ ... يب بلونٍ كأنّه العطب ومر خمسون من سنيك كما ... عدّ لك الحاسبون إذا حسبوا فعد ذكر الشباب لست له ... ولا إليك الشباب منقلب إني عرتني الهموم فاحتضر ال ... همّ وسادى فالقلب منشعب واستخرج الناس للشقاء وخل ... فت لدهر بظهره حدب أعوج يستعذب اللئام به ... ويحتويه الكرام إن سربوا نفسي فدت شيبةً هناك وظن ... بوباً به من قيوده ندب والسادة الغر من بنيه فما ... روقب فيه الإله والنسب يا حلق القيد ما تضمّن من ... حلم وبرّ يشوبه حسب وأمهات من العواتك أخ ... لصنك بيض عقائل عرب كيف اعتذاري إلى الإله ولم ... يشهرن فيك المأثورة القضب! ولم أقد غارة ململمة ... فيها بنات الصّريح تنتحب والسابقات الجياد والأسل الذّ ... بّل فيهيا أسنة ذرب حتى نوفّى بني نتيلة بال ... قسط بكيل الصاع الذي احتلبوا بالقتل قتلاً وبالأسير الذي ... في القد أسرى مصفودة سلب أصبح آل الرّسول أحمد في الن ... اس كذي عرّة به جرب بؤساً لهم ما جنت أكفهم ... وأيّ حبل من أمّة قضبوا! وأي حبل خانوا المليك به ... شد بميثاق عقده الكذب وذكر عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعت الجرّاح بن عمر وخاقان ابن زيد وغيرهما من أصحابنا يقولون: لما قدم بعبد الله بن حسن وأهله مقيّدين فأشرف بهم على النّجف، قال لأهله: أما ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية؟ قال: فلقيه ابنا أخي الحسن وعليّ مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك يا بن رسول الله، فمرنا بالذي تريد، قال: قد قضيتما، ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: أمر أبو جعفر أبا الأزهر فحبس بني حسن بالهاشميّة. قال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني محمد بن إبراهيم، قال: أتى بهم أبو جعفر، فنظر إلى محمد بن إبراهيم بن حسن، فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم، قال: أما والله لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك، ثم أمر بأسطوانة مبنيّة ففرقت، ثم أدخل فيها فبنى عليه وهو حيّ. قال محمد بن الحسن: وحدّثني الزبير بن بلال، قال: كان الناس يختلفون إلى محمد ينظرون إلى حسنه. قال عمر: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني عبد الله بن عمران، قال: أخبرني أبو الأزهر، قال: قال لي عبد الله بن حسن: ابغني حجّاماً، فقد احتجت إليه، فاستأذنت أمير المؤمنين، فقال: آتيه بحجام مجيد. قال: وحدّثني الفضل بن دكين أبو نعيم، قال: حبس من بني حسن ثلاثة عشر رجلاً، وحبس معهم العثمانيّ وابنان له في قصر ابن هبيرة؛ وكان في شرقيّ الكوفة مما يلي بغداد؛ فكان أوّل من مات منهم إبراهيم ابن حسن، ثم عبد الله بن حسن، فدفن قريباً من حيث مات؛ وإلا يكن بالقبر الذي يزعم الناس أنه قبره؛ فهو قريب منه. وحدّثني محمد بن أبي حرب، قال: كان محمد بن عبد الله بن عمرو محبوساً عند أبي جعفر، وهو يعلم براءته؛ حتى كتب إليه أبو عون من خراسان: أخبر أمير المؤمنين أنّ أهل خراسان قد تقاعسوا عنّي، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله؛ فأمر أبو جعفر عند ذلك بمحمّد بن عبد الله بن عمرو، فضربت عنقه، وأرسل برأسه إلى خراسان؛ وأقسم لهم أنه رأس محمد بن عبد الله، وأنّ أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: فحدّثني الوليد بن هشام، قال: حدّثني أبي، قال: لما صار أبو جعفر بالكوفة، قال: ما أشتفي من هذا الفاسق من أهل بيت فسق، فدعا به، فقال: أزوّجت ابنتك ابن عبد الله؟ قال: لا، قال: أفليست بامرأته؟ قال: بلى زوّجها إيّاه عمّها وأبوه عبد الله بن حسن فأجزت نكاحه، قال: فأين عهودك التي أعطيتني؟ قال: هي عليّ، قال: أفلم تعلم بخضاب! ألم تجد ريح طيب! قال: لا علم لي؛ قد علم القوم ما لك عليّ من المواثيق فكتموني ذلك كله، قال: هل لك أن تستقيلني فأقيلك، وتحدث لي أيماناً مستقبلة؟ قال: ما حنثت بأيماني فتجدّدها عليّ، ولا أحدثت ما أستقيلك منه فتقيلني؛ فأمر به فضرب حتى مات، ثم احتزّ رأسه؛ فبعث به إلى خراسان؛ فلما بلغ ذلك عبد الله بن حسن، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله إن كنّا لنأمن به في سلطانهم، ثم قد قتل بنا في سلطاننا. قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني مسكين بن عمرو، قال: لما ظهر محمد بن عبد الله بن حسن، أمر أبو جعفر بضرب عنق محمد ابن عبد الله بن عمرو، ثم بعث به إلى خراسان؛ وبعث معه الرّجال يحلفون بالله إنه لمحمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: فسألت محمد بن جعفر بن إبراهيم، في أيّ سبب قتل محمد بن عمرو؟ قال: احتيج إلى رأسه. قال عمر: وحدّثني محمد بن أبي حرب، قال: كان عون بن أبي عون خليفة أبيه بباب أمير المؤمنين؛ فلما قتل محمد بن عبد الله بن حسن وجّه أبو جعفر برأسه إلى خراسان، إلى أبي عون مع محمد بن عبد الله بن أبي الكرام وعون بن أبي عون؛ فلما قدم به ارتاب أهل خراسان، وقالوا: أليس قد قتل مرّة وأتينا برأسه! قال: ثم تكشّف لهم الخبر حتى علموا حقيقته؛ فكانوا يقولون: لم يطّلَع من أبي جعفر على كذبةٍ غيرها. قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: حدّثني عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: كنا نأتي أبا الأزهر ونحن بالهاشميّة أنا والشعبانيّ، فكان أبو جعفر يكتب إليه: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى أبي الأزهر مولاه، ويكتب أبو الأزهر إلى أبي جعفر: من أبي الأزهر مولاه وعبده؛ فلما كان ذات يوم ونحن عنده - وكان أبو جعفر قد ترك له ثلاثة أيام لا ينوبها؛ فكنّا نخلو معه في تلك الأيام - فأتاه كتاب من أبي جعفر، فقرأه ثم رمى به، ودخل إلى بني حسن وهم محبوسون.. قال: فتناولت الكتاب وقرأته؛ فإذا فيه: انظر يا أبا الأزهر ما أمرتك به في مدلّهٍ فعجّله وأنفذه. قال: وقرأ الشعبانيّ الكتاب فقال: تدري من مدلّه؟ قلت: لا، قال: هو والله عبد الله بن حسن، فانظر ما هو صانع. قال: فلم نلبث أن جاء أبو الأزهر، فجلس فقال: قد والله هلك عبد الله بن حسن، ثم لبث قليلاً ثم دخل وخرج مكتئباً، فقال: أخبرني عن عليّ بن حسن، أيُّ رجل هو؟ قلت: أمصدّقٌ أنا عندك؟ قال: نعم، وفوق ذلك؛ قال: قلت: هو والله خير من تقلّه هذه وتظلّه هذه! قال: فقد والله ذهب. قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعت جدّي موسى بن عبد الله يقول: ما كنّا نعرف أوقات الصلاة في الحبس إلا بأحزاب كان يقرؤها عليّ بن حسن. قال عمر: وحدّثني ابن عائشة، قال: سمعت مولىً لبني دارم، قال: قلت لبشير الرّحال ما يسرعك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قال: إنه أرسل إليّ بعد أخذه عبد الله بن حسن فأتيته، فأمرني يوماً بدخول بيت فدخلته، فإذا بعبد الله بن حسن مقتولاً، فسقطت مغشياً عليّ، فلما أفقت أعطيت الله عهداً ألاّ يختلف في أمره سيفان إلا كنت مع الذي عليه منهما. وقلت للرسول الذي معي من قبله: لا تخبره بما لقيت؛ فإنه إن علم قتلني. قال عمر: فحدّثت به هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد من أهل همذان. وهو العباسيّ أن أبا جعفر أمر بقتله، فحلف بالله ما فعل ذلك؛ ولكنّه دسّ إليه من أخبره أن محمداً قد ظهر فقتل، فانصدع قلبه، فمات. قال: وحدّثني عيسى بن عبد الله، قال: قال من بقي منهم: إنهم كانوا يسقون؛ فماتوا جميعاً إلا سليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن وإسحاق وإسماعيل ابني إبراهيم بن حسن بن حسن، وجعفر بن حسن، فكان من قتل منهم إنما قتل بعد خروج محمد. قال عيسى: فنظرت مولاة لآل حسن إلى جعفر بن حسن، فقالت: بنفسي أبو جعفر! ما أبصره بالرجال حيث يطلقك وقتل عبد الله بن حسن! ذكر بقية الخبر عن الأحداث التي كانت في سنة أربع وأربعين ومائة فمن ذلك ما كان من حمل أبي جعفر المنصور بني حسن بن حسن بن عليّ من المدينة إلى العراق. ذكر الخبر عن سبب حمله إياهم إلى العراق: حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: لما ولّى أبو جعفر رياح بن عثمان بن حيّان المريّ المدينة، أمره بالجدّ في طلب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن وقلة الغفلة عنهما. قال محمد بن عمر: فأخبرني عبد الرحمن بن أبي الموالي؛ قال: فجدّ رياح في طلبهما ولم يداهن، واشتدّ في ذلك كلّ الشدّة حتى خافا؛ وجعلا ينتقلان من موضع إلى موضع، واغتمّ أبو جعفر من بغّيهما؛ وكتب إلى رياح ابن عثمان: أن يأخذ أباهما عبد الله بن حسن وإخوته: حسن بن حسن وداود ابن حسن وإبراهيم بن حسن، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان - وهو أخوهم لأمهم فاطمة بنت حسين - في عدّة منهم، ويشدّهم وثاقاً، ويبعث بهم إليه حتى يوافوه بالرّبذة. وكان أبو جعفر قد حجّ تلك السنة وكتب إليه أن يأخذني معهم فيبعث بي إليه أيضاً. قال: فأدركت وقد أهللت بالحجّ، فأخذت فطرحت في الحديد، وعورض بي الطريق حتى وافيتهم بالرّبذة. قال محمد بن عمر: أنا رأيت عبد الله بن حسن وأهل بيته يخرجون من دار مروان بعد العصر وهم في الحديد؛ فيحملون في المحامل؛ ليس تحتهم وطاء؛ وأنا يومئذ قد راهقت الاحتلام، أحفظ ما أرى. قال محمد بن عمر: قال عبد الرحمن بن أبي الموالي: وأخذ معهم نحو من أربعمائة، من جهينة ومزينة وغيرهم من القبائل؛ فأراهم بالرّبذة مكتّفين في الشمس. قال: وسجنت مع عبد الله بن حسن وأهل بيته. ووافى أبو جعفر الرّبذة منصرفاً من الحجّ، فسأل عبد الله بن حسن أبا جعفر أن يأذن له في الدّخول عليه، فأبى أبو جعفر؛ فلم يره حتى فارق الدنيا. قال: ثم دعاني أبو جعفر من بينهم، فأقعدت حتى أدخلت - وعنده عيسى بن عليّ - فلما رآني عيسى، قال: نعم؛ هو هو يا أمير المؤمنين؛ وإنْ أنت شددت عليه أخبرك بمكانهم. فسلّمت، فقال أبو جعفر: لا سلّم الله عليك! أين الفاسقان ابنا الفاسق الكذابان ابنا الكذاب؟ قال: قلت: هل ينفعني الصدق يا أمير المؤمنين عندك؟ قال: وما ذاك؟ قال: امرأته طالق، وعليّ وعليّ ، إن كنت أعرف مكانهما! قال: فلم يقبل ذلك مني، وقال: السياط! وأقمت بين العقابين، فضربني أربعمائة سوط؛ فما عقلت بها حتى رفع عني، ثم حملت إلى أصحابي على تلك الحال، ثم بعث إلى الدّيباج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن عفان؛ وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فلما أدخل عليه قال: أخبرني عن الكذّابين ما فعلا؟ وأين هما؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما لي بهما علم، قال: لتخبرنّي، قال: قد قلت لك وإني والله لصادق؛ ولقد كنت أعلم علمهما قبل اليوم؛ وأما اليوم فمالي والله بهما علم. قال: جرّدوه، فجُرّد فضربه مائة سوط، وعليه جامعة حديد في يده إلى عنقه؛ فلمّا فرغ من ضربه أخرج فألبس قميصاً له قوهيّاً على الضرب، وأتيَ به إلينا؛ فوالله ما قدروا على نزع القميص من لصوقه بالدم، حتى حلبوا عليه شاة، ثم انتزع القميص ثم داووه. فقال أبو جعفر: احدروا بهم إلى العراق، فقدم بنا إلى الهاشميّة، فحبسنا بها؛ فكان أوّل من مات في الحبس عبد الله ابن حسن؛ فجاء السجان فقال: ليخرج أقربكم به فليصلّ عليه؛ فخرج أخوه حسن بن حسن بن حسن بن عليّ عليهم السلام، فصلّى عليه. ثم مات محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فأخذ رأسه، فبعث به مع جماعة من الشّيعة إلى خراسان؛ فطافوا في كورخراسان، وجعلوا يحلفون بالله أنّ هذا رأس محمد بن عبد الله بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبد الله بن حسن؛ الذي كانوا يجدون خروجه على أبي جعفر في الرواية. وكان والي مكة في هذه السنة السريّ بن عبد الله، ووالي المدينة رياح ابن عثمان المرّيّ، ووالي الكوفة عيسى بن موسى، ووالي البصرة سفيان بن معاوية. وعلى قضائها سوّار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة، وخروج أخيه إبراهيم بن عبد الله بعده بالبصرة ومقتلهما. ذكر الخبر عن مخرج محمد بن عبد الله ومقتلهذكر عمر أنّ محمد بن يحيى حدّثه، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما انحدر أبو جعفر ببني حسن، رجع رياح إلى المدينة، فألحّ في الطلب، وأخرج محمداً حتى عزم على الظهور. قال عمر: فحدّثت إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفريّ أن محمداً أحرج، فخرج قبل وقته الذي فارق عليه أخاه إبراهيم، فأنكر ذلك، وقال: ما زال محمد يطلب أشدّ الطلب حتى سقط ابنه فمات وحتى رهقه الطلب، فتدلّى في بعض آبار المدينة يناول أصحابه الماء، وقد انغمس فيه إلى رأسه، وكان بدنه لا يخفى عظماً؛ ولكن إبراهيم تأخّر عن وقته لجدرىً أصابه. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: تحدّث أهل المدينة بظهور محمد؛ فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حليّ نسائه؛ وبلغ رياحاً أنّ محمداً أتى المذاد، فركب في جنده يريده وقد خرج قبله محمد يريده، ومعه جبير بن عبد الله السلميّ وجبير ابن عبد الله بن يعقوب بن عطاء وعبد الله بن عامر الأسلميّ؛ فسمعوا سقّاءةً تحدّث صاحبتها أنّ رياحاً قد ركب يطلب محمداً بالمذاد، وأنه قد سار إلى السوق، فدخلوا داراً لجهينة وأجافوا بابها عليهم، ومرّ رياح على الباب لا يعلم بهم، ثم رجع إلى دار مروان؛ فلما حضرت العشاء الأخيرة صلى في الدار ولم يخرج. وقيل: إنّ الذي أعلم رياحاً بمحمد سليمان بن عبد الله بن أبي سبرة من بني عامر بن لؤيّ. وذكر عن الفضل بن دكين، قال: بلغني أن عبيد الله بن عمرو بن أبي ذؤيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمد قبل خروجه، فقالوا له: ما ننتظر بالخروج! والله ما نجد في هذه الأمة أحداً أشأم عليها منك. ما يمنعك أن تخرج وحدك! قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، وحسين بن عليّ بن حسين بن عليّ، وعليّ بن عمر بن عليّ بن حسين بن عليّ، وحسن بن عليّ بن حسين ابن عليّ بن حسين بن عليّ ورجال من قريش؛ منهم إسماعيل بن أيوب ابن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة، ومعه ابنه خالد، فإنّا لعنده في دار مروان إذ سمعنا التكبير قد حال دون كلّ شيء، فظنناه من عند الحرس، وظنّ الحرس أنه من الدار. قال: فوثب ابن مسلم بن عقبة - وكان مع رياح - فاتّكأ على سيفه، فقال: أطعني في هؤلاء فاضرب أعناقهم؛ فقال عليّ بن عمر: فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بن عليّ، فقال: والله ما ذاك لك؛ إنّا على السمع والطاعة. قال: وقام رياح ومحمد بن عبد العزيز، فدخلا جنبذاً في دار يزيد؛ فاختفيا فيه، وقمنا فخرجنا من دار عبد العزيز ابن مروان حتى تسوّرنا على كباً كانت في زقاق عاصم بن عمرو، فقال إسماعيل بن أيوب لابنه خالد: يا بنيّ، والله ما تجيبني نفسي إلى الوثوب، فارفعني، فرفعه. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران، قال: حدّثني أبي قال: جاء الخبر إلى رياح وهو في دار مروان أنّ محمداً خارج الليلة، فأرسل إلى أخي محمد بن عمران وإلى العباس بن عبد الله بن الحارث ابن العباس وإلى غير واحد. قال: فخرج أخي وخرجت معه؛ حتى دخلنا عليه بعد العشاء الآخرة، فسلمنا عليه فلم يردّ علينا، فجلسنا فقال أخي: كيف أمسى الأمير أصلحه الله! قال: بخير - بصوت ضعيف - قال: ثم صمت طويلاً ثم تنبّه، فقال: إيهاً يأهل المدينة! أمير المؤمنين يطلب بغيته في شرق الأرض وغربها؛ وهو ينتفق بين أظهركم! أقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحداً إلا ضربت عنقه. فقال أخي: أصلحك الله! أنا عذيرك منه. هذا والله الباطل، قال: فأنت أكثر من ها هنا عشيرة؛ وأنت قاضي أمير المؤمنين، فادعُ عشيرتك. قال: فوثب أخي ليخرج، فقال: اجلس، اذهب أنت يا ثابت، فوثبت، فأرسلت إلى بني زهرة ممن يسكن حشّ طلحة ودار سعد ودار بني أزهر: أن أحضروا سلاحكم. قال: فجاء منهم بشر، وجاء إبراهيم بن يعقوب بن سعد بن أبي وقاص متنكباً قوساً - وكان من أرمى الناس - فلما رأيت كثرتهم، دخلت على رياح، فقلت: هذه بنو زهرة في السلاح يكونون معك، ائذن لهم. قال: هيهات! تريد أن تدخل عليّ الرجال طروقاً في السلاح، قل لهم: فليجلسوا في الرحبة؛ فإن حدث شيء فليقاتلوا، قال: قلت لهم: قد أبى أن يأذن لكم، لا والله ما ها هنا شيء، فاجلسوا بنا نتحدّث. قال: فمكثنا قليلاً، فخرج العباس بن عبد الله بن الحارث في خيل يعس حتى جاء رأس الثنيّة، ثم انصرف إلى منزله وأغلقه عليه؛ فوالله إنا لعلى تلك الحال إذ طلع فارسان من قبل الزّوراء يركضان؛ حتى وقفا بين دار عبد الله بن مطيع ورحبة القضاء في موضع السقاية. قال: قلنا: شرّ الأمر والله جدّ. قال: ثم سمعنا صوتاً بعيداً، فأقمنا ليلاً طويلاً، فأقبل محمد بن عبد الله من المذاد ومعه مائتان وخمسون رجلاً، حتى إذا شرع على بني سلمة وبطحان، قال: اسلكوا بني سلمة إن شاء الله. قال: فسمعنا تكبيراً؛ ثم هدأ الصوت فأقبل حتى إذا خرج من زقاق ابن حبين استبطن السوق حتى جاء على التمارين؛ حتى دخل من أصحاب الأقفاص، فأتى السجن وهو يومئذ في دار ابن هشام، فدّقه، وأخرج من كان فيه، ثم أقبل حتى إذا كان بين دار يزيد ودار أويس نظرنا إلى هول من الهؤل. قال: فنزل إبراهيم بن يعقوب، ونكب كنانته وقال: أرمي؟ فقلنا: لا تفعل، ودار محمد بالرحبة، حتى جاء بيت عاتكة بنت يزيد، فجلس على بابها، وتناوش الناس حتى قتل رجل سنديّ كان يستصبح في المسجد، قتله رجل من أصحاب محمد. قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني جهم بن عثمان؛ قال: خرج محمد من المذاد على حمار ونحن معه، فولّى خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير الرّجالة، وولّى عبد الحميد بن جعفر الحربة، وقال: اكفنيها، فحملها ثم استعفاه منها فأعفاه؛ ووجّهه مع ابنه حسن بن محمد. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني جعفر بن عبد الله بن يزيد بن ركانة قال: بعث إبراهيم بن عبد الله إلى أخيه بحملي سيوف، فوضعها بالمذاد، فأرسل إلينا ليلة خرج: وما نكون؟ مائة رجل! وهو على حمار أعرابيّ أسود، فافترق طريقان: طريق بطحان وطريق بني سلمة، فقلنا له: كيف نأخذ؟ قال: على بني سلمة، يسلمكم الله؛ قال: فجئنا حتى صرنا بباب مروان. قال: وحدّثني محمد بن عمرو بن رتبيل بن نهشل أحد بني يربوع، عن أبي عمرو المدينيّ - شيخ من قريش - قال: أصابتنا السماء بالمدينة أياماً، فلما أقلعت خرجت في غبّها متمطّراً، فانتسأت عن المدينة؛ فإنّي لفي رحلي إذا هبط عليّ رجل لا أدري من أين أتى، حتى جلس إليّ، وعليه أطمار له درنة وعمامة رثّة، فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من غنيمة لي أوصيت راعيها بحاجة لي، ثم أقبلت أريد أهلي. قال: فجعلت لا أسلك من العلم طريقاً إلا سبقني إليه وكثّرني فيه، فجعلت أعجب له ولما يأتي به، قلت: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قلت: أجل، فمن أيهم أنت؟ قال: لا عليك؛ ألا تريد؟ قلت: بلى عليّ ذلك؛ فمن أنت؟ قال: فوثب وقال: منخرق الخفّين يشكو الوجى الأبيات الثلاثة. قال: ثم أدبر فذهب؛ فوالله ما فات مدى بصري حتى ندمت على تركه قبل معرفته؛ فاتبعته لأسأله؛ فكأنّ الأرض التأمت عليه، ثم رجعت إلى رحلي، ثم أتيت المدينة فما غبرت إلاّ يومي وليلتي؛ حتى شهدت صلاة الصبح بالمدينة، فإذا رجل يصلّي بنا، لا أعرف صوته، فقرأ: " إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً " ، فلما انصرف صعد المنبر، فإذا صاحبي، وإذا هو محمد بن عبد الله بن حسن. قال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود مولى قريش، قال: سمعت إسماعيل بن الحكم بن عوانة يخبر عن رجل قد سمّاه بشبيهة بهذه القصة. قال إسماعيل: فحدّثت بها رجلاً من الأنبار يكنى أبا عبيد؛ فذكر أن محمداً - أو إبراهيم - وجّه رجلاً من بني ضبة - فيما يحسب إسماعيل بن إبراهيم بن هود - ليعلم له بعض علم أبي جعفر، فأتى الرّجل المسيّب وهو يومئذ على الشّرط، فمتّ إليه برحمه، فقال المسيّب: إنه لا بدّ من رفعك إلى أمير المؤمنين. فأدخله على أبي جعفر فاعترف، فقال: ما سمعته يقول؟ قال: شرّده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد قال أبو جعفر: فأبلغه أنا نقول: وخطّة ذلّ نجعل الموت دونها ... نقول لها للموت أهلاً ومرحبا وقال: انطلق فأبلغه. قال عمر: وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع - وقد شهد ذلك - قال: خرج محمد في أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين ومائة، فبات بالمذاد هو وأصحابه، ثم أقبل في الليل، فدقّ السجن وبيت المال، وأمر برياح وابن مسلم فحبسا معاً في دار ابن هشام. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: خرج محمد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة. وحدّثني عمر بن راشد، قال: خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، فرأيت عليه ليلة خرج قلنسوة صفراء مضريّة وجبّة صفراء، وعمامة قد شدّ بها حقويه وأخرى قد اعتمّ بها، متوشحاً سيفاً، فجعل يقول لأصحابه: لا تقتلوا، لا تقتلوا. فلما امتنعت منهم الدار، قال: ادخلوا من باب المقصورة، قال: فاقتحموا وحرّقوا باب الخوخة التي فيها، فلم يستطع أحد أن يمرّ، فوضع رزام مولى القسريّ ترسه على النار، ثم تخطّى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا من بابها، وقد كان بعض أصحاب رياح مارسوا على الباب، وخرج من كان مع رياح في الدار من دار عبد العزيز من الحمام، وتعلّق رياح في مشربة في دار مروان، فأمر بدرجها فهدمت، فصعدوا إليه، فأنزلوه وحبسوه في دار مروان، وحبسوا معه أخاه عباس بن عثمان. وكان محمد بن خالد وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبس، فأخرجهم محمد، وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: حبس محمد رياحاً وابن أخيه وابن مسلم بن عقبة في دار مروان. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن خاله راشد بن حفص، قال: قال رزام للنذير: دعني وإياه فقد رأيت عذابه إياي. قال: شأنك وإياه، ثم قام ليخرج، فقال له رياح: يا أبا قيس؛ قد كنت أفعل بكم ما كنت أفعل؛ وأنا بسؤددكم عالم. فقال له النذير: فعلت ما كنت أهله، ونفعل ما نحن أهله، وتناوله رزام فلم يزل به رياح يطلب إليه حتى كفّ، وقال: والله إن كنت لبطراً عند القدرة، لئيماً عند البلية. قال: وحدّثني موسى بن سعيد الجمحيّ، قال: حبس رياح محمد ابن مروان بن أبي سليط من الأنصار، ثم أحد بني عمرو بن عوف، فمدحه وهو محبوس، فقال: وما نسي الذّمام كريم قيس ... ولا ملقى الرجال إلى الرجال إذا ما الباب قعقعه سعيد ... هدجنا نحوه هدج الرّئال دبيب الذّر تصبح حين يمشي ... قصار الخطو غير ذوي اختيال قال: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني إسماعيل بن يعقوب التيميّ قال: صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس؛ فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدوّ الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم؛ من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معانداً لله في ملكه، وتصغيراً للكعبة الحرام؛ وإنما أخذ الله فرعون حين قال: " أنا ربكم الأعلى " وإن أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين. اللهمّ إنّهم قد أحلّوا حرامك، وحرّموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت. اللهمّ فأحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. أيّها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوّة ولا شدّة. ولكني اخترتكم لنفسي؛ والله ما جئت هذه وفي الأرض مصرٌ يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة. قال: وحدّثني موسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما وجّهني رياح بلغ محمداً فخرج من ليلته؛ وقد كان رياح تقدّم إلى الأجناد الّذين معي، إن اطّلع عليهم من ناحية المدينة رجل أن يضربوا عنقي؛ فلما أتي محمد برياح، قال: أين موسى؟ قال: لا سبيل إليه، والله لقد حدرته إلى العراق. قال: فأرسل في أثره فرّده. قال: قد عهدت إلى الجند الذين معه إن رأوا أحداً مقبلاً من المدينة أن يقتلوه. قال: فقال محمد لأصحابه: من لي بموسى؟ فقال ابن خضير: أنا لك به. قال: فانظر رجالاً؛ فانتخب رجالاً ثم أقبل. قال: فوالله ما راعنا إلاّ وهو بين أيدينا؛ كأنما أقبل من العراق، فلما نظر إليه الجند قالوا: رسل أمير المؤمنين، فلما خالطونا شهروا السلاح، فأخذني القائد وأصحابه، وأناخ بي وأطلقني من وثاقي، وشخص بي حتى أقدمني على محمد. قال عمر: حدّثني عليّ بن الجعد، قال: كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قوّاده يدعونه إلى الظهور، ويخبرونه أنهم معه؛ فكان محمد يقول: لو التقينا مال إليّ القوّاد كلهم. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق. قال: لما أخذ محمد المدينة استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزوميّ، وعلى الشّرط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وبعث إلى محمد بن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا، وتقيم معنا. فاعتذر إليه وقال: أفعل؛ ثم انسلّ منه فأتى مكة. قال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود، قال: حدّثني سعيد بن يحيى أبو سفيان اعلحميريّ، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر، قال: كنت على شُرط محمد بن عبد الله حتى وجّهني وجهاً، وولى شرطه الزبيريّ. قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: لم يتخلّف عن محمد أحد من وجوه الناس إلاّ نفر؛ منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام، وأبو سلمة بن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثتني جدّتي كلثم بنت وهب، قالت: لما خرج محمد تنحّى أهل المدينة، فكان فيمن خرج زوجي عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد هه بن الزبير إلى البقيع، فاختبأت عند أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبد الله بن عباس. قالت: فكتب إليّ عبد الوهاب بأبيات قالها، فكتبت إليه: رحم الله شباباً ... قاتلوا يوم الثنيّهْ قاتلوا عنه: بُنيَّا ... تٌ وأحسابٌ نقيّهْ فرّ عنه الناس طُرّاً ... غير خيل أسديّهْ قالت: فزاد الناس: قتل الرحمن عيسى ... قاتل النفس الزّكيّه قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم ابن سنان الحكميّ أخو الأنصار، قال: أخبرني غير واحد أنّ مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد، وقيل له: إنّ في أعناقنا بيعةً لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على كل مكره يمين. فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته. وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني ابن أبي مليكة مولى عبد الله ابن جعفر، قال: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر - وقد كان بلغ عمراً - فدعاه محمد حين خرج إلى البيعة، فقال: يا بن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك! فارتدع الناس عنه قليلاً، وكان بنو معاوية قد أسرعوا إلى محمد، فأتته حمادة بنت معاوية، فقالت: يا عمّ، إن أخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبّطت عنه الناس، فيقتل ابن خالي وإخوتي. قال: فأبى الشيخ إلاّ النهي عنه؛ فيقال: إنّ حمّادة عدت عليه فقتلته؛ فأراد محمد الصلاة عليه، فوثب عليه عبد الله بن إسماعيل، فقال: تأمر بقتل أبي ثم تصلي عليه! فنحّاه الحرس، وصلى عليه محمد. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: أتيَ محمد بعبيد الله ابن الحسيين بن عليّ بن الحسين بن عليّ مغمضاً عينيه، فقال: إن عليّ يميناً إن رأيته لأقتللنّه. فقال عيسى بن زيد: دعني أضرب عنقه، فكفّه عنه محمد. قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن معن، قال: حدّثني محمد بن خال القسريّ، قال: لما ظهر محمد وأنا في حبس ابن حيّان أطلقنيي؛ فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حقّ؛ والله لأبلينّ الله فيها بلاء حسناً، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت في هذا البلد؛ والله لو وقف على نقب من أنقابه مات أهله جوعاً وعطشاً؛ فانهض معي؛ فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف. فأبى عليّ؛ فإني لعنده يوماً إذ قال لي: ما وجدنا من حرّ المتاع شيئاً أجود من شيء وجدناه عند ابن أبي فروة، ختن أبي الخصيب - وكان انتهبه - قال: فقلت: ألا أراك قد أبصرت حرّ المتاع! فكتبت إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلة من معه، فعطف عليّ، فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله إياه. قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني أختي بريكة بنت عبد الحمييد، عن أبيها، قال: إني لعند محمد يوماً ورجله في حجري؛ إذ دخل عليه خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير، فسلم عليه، فردّ عليه سلاماً ليس بالقويّ، ثم دخل عليه شابٌ من قريش، فسلّم عليه فأحسن الردّ عليه، فقلت: ما تدع عصبيّتك بعد! قال: وما ذلك؟ قلت: دخل عليك سيد الأنصار فسلم فرددت عليه رداً ضعيفاً، ودخل عليك صعلوك من صعاليك قريش فسلّم فاحتفلت في الردّ عليه! فقال: ما فعلت ذاك؛ ولكنّك تفقدت مني ما لا يتفقد أحد من أحد. قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: استعمل محمد الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة، ووجّه معه القاسم بن إسحاق واستعمله على اليمن. قال: وحدثني محمد بن إسماعيل عن أهله، أن محمداً استعمل القاسم ابن إسحاق على اليمن وموسى بن عبد الله على الشأم، يدعوان إلهي؛ فقُتل قبل أن يصلا. قال: وحدّثني أزهر بن سعيد، قال: استعمل محمد حين ظهر عبد العزيز ابن الدراورديّ على السلاح. قال: وأخبرني محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زبالة وغيرهما، قالوا: لما ظهر محمد، قال ابن هرمة - وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيره لأبي جعفر: غلبت على الخلافة من تمنّى ... ومنّاه المضلّ بها الضّلول فأهلك نفسه سفهاً وجبناً ... ولم يقسم له منها فتيل ووازره ذوو طمع فكانوا ... غثاء السيل يجمعه السيول دعوا إبليس إذ كذبوا وجاروا ... فلم يصرخهم المغوي الخذول وكانوا أهل طاعته فولّى ... وسار وراءه منهم قبيل وهم لم يقصروا فيها بحقّ ... على أثر المضلّ ولم يطيلوا وما الناس احتبوك بها ولكن ... حباك بذلك الملك الجليل تراث محمد لكم وكنتم ... أصول الحقّ إذ نفي الأصول قال: وحدّثني محمود بن معمر بن أبي الشدائد الفزاريّ وموهوب بن رشيد ابن حيان الكلابي، قال: قال أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجّه إليه عيسى: أتتك النجائب والمقربات ... بعيسى بن موسى فلا تعجل قال: وحدّثني عيسى، قال: كان محمد آدم شديد الأدمة، أدلم جسيماً عظيمياً؛ وكان يلقب القاريّ من أدمته، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمّماً. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني إبراهيم بن زياد بن عنبسة، قال: ما رأيت محمداً رقيَ المنبر قطّ إلا سمعت بقعقعة من تحته؛ وإني لبمكاني ذلك. قال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: حدّثني من حضر محمداً على المنبر يخطب؛ فاعترض بلغم في حلقه فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعاً؛ فرمى بنخامته سقف المسجد فألصقها به. قال: وحدّثني عبد الله بن نافع، قال: حدّثني إبراهيم بن عليّ من آل أبي رافع، قال: كان محمد تمتاماً، فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره، فيضرب بيده على صدره، ويستخرج الكلام. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: دخل عيسى بن موسى يوماً على أبي جعفر، فقال: سرّك الله يا أمير المؤمنين! قال: فيم؟ قال: ابتعت وجه دار عبد الله بن جعفر من بني معاوية؛ حسن ويزيد وصالح، قال: أتفرح! أما والله ما باعوها إلاّ ليثبوا عليك بثمنها. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان بن عبيد الله، قال: خرج محمد بالمدينة، وقد خطّ المنصور مدينته بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة وسرت معه، فصيّح بي فلحقته، فسمت طويلاً ثم قال: يا بن الربيع، خرج محمد، قلت: أين؟ قال: بالمدينة، قلت: هلك والله وأهلك؛ خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أمير المؤمنين؛ ألا أحدّثك حديثاً حدّثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزوميّ؟ قال: كنت مع مروان يوم الزّاب واقفاً فقال: يا سعيد، من هذا الذي قاتلني في هذه الخيل؟ قلتُ: عبد الله ابن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: أيهم هو؟ عرّفه، قلت: نعم، رجل أصفر حسن الوجه رقيق الذراعين، رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم؛ قال: قد عرفته، والله لوددت أن عليّ بن أبي طالب يقاتلني مكانه؛ إن عليّاً وولده لا حظّ لهم في هذا الأمر؛ وهذا رجل من بني هاشم وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عباس، معه ريح الشأم ونصر الشأم. يا بن جعدة، تدري ما حملني على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قلت: لا، قال: وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله؛ وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك؛ فعقدت له. فقال: أنشدك الله! أحدّثك هذا ابن جعدة! قلت: ابنة سفيان بن معاوية طالق البتّة إن لم يكن حدّثني ما حدثتك. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج إلى أبي جعفر في الليلة التي ظهر فيها محمد رجل من آل أويس ابن أبي سرح من بني عامر بن لؤيّ، فسار تسعاً من المدينة، فقدم ليلاً، فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى نذر به، فأدخل، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم! قال: لا بدّ لي منه، قال: أعلمنا نعلمه، فأبى، فدخل الرّبيع عليه فأعلمه، فقال: سله عن حاجته ثم أعلمني؛ قال: قد أبى الرّجل إلا مشافهتك. فأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، قال: قتلته والله إن كنت صادقاً! أخبرني من معه؟ فسمّى له من خرج معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قال: أنت رأيته وعاينته؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً. فأدخله أبو جعفر بيتاً، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار؛ غلام عيسى بن موسى كان يلي أموال عيسى بالمدينة، فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسيّ فقال: لأوطئنّ الرجال عقبيك ولأغنينّك؛ وأمر له بتسعة آلاف، لكلّ ليلة سارها ألفاً. قال: وحدّثني ابن أبي حرب، قال: لما بلغ أبا جعفر ظهوره أشفق منه؛ فجعل الحارث المنجّم يقول له: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك منه! فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوماً. قال: وحدّثني سهل بن عقيل بن إسماعيل، عن أبيه، قال: لما بلغ أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة، وقال: أنا أبو جعفر؛ استخرجت الثعلب من جحره. قال: وحدّثني عبد الملك بن سليمان، عن حبيب بن مرزوق، قال: حدّثني تسنيم بن اعلحواريّ، قال: لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن عليّ وهو محبوس عنده: إنّ هذا الرجل قد خرج؛ فإن كان عندك رأي فأشر به علينا - وكان ذا رأي عندهم - فقال: إنّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجني حتى يخرج رأيي؛ فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك؛ وأنا خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتيَ الكوفة، فاجثم على أكبادهم؛ فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح؛ فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه؛ وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر عليك - وكان بالرّيّ - واكتب إلى أهل الشأم فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسن جوائزهم، ووجّههم مع سلم. ففعل. قال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد، قال: سمعت أشياخنا يقولون: لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بن عليّ محبوس، فقال أبو جعفر لإخوته: إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيّد في الحرب؛ فادخلوا عليه فشاوروه ولا تعلموه أني أمرتكم. فدخلوا عليه، فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم؛ ما جاء بكم جميعاً وقد هجرتموني منذ دهر! قالوا: استأذنّا أمير المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشيء؛ فما الخبر؟ قالوا: خرج ابن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعاً؟ يعني أبا جعفر - قالوا: لا ندري والله، قال: إنّ البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال، فليعط الأجناد، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على درهم واحد. قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: أخبرني زيد مولى مسمع بن عبد الملك، قال: لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بن موسى، فقال له: قد ظهر محمد فسر إليه، قال: يا أمير المؤمنين؛ هؤلاء عمومتك حولك، فادعهم فشاورهم، قال: فأين قول ابن هرمة: ترون أمرأً لا يمحض القوم سرّه ... ولا ينتجي الأذنين فيما يحاول إذا ما أتى شيئاً مضى كالذي أبى ... وإن قال إني فاعل فهو فاعل قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: نسخت هذه الرسائل من محمد ابن بشير؛ وكان بشير ييصححها؛ وحدّثنيها أبو عبد الرحمن من كتّاب أهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار، وسمعت ابن أبي حرب يصحّحُها؛ ويزعم أن رسالة محمد لما وردت على أبي جعفر، قال أبو أيوب: دعني أجبه عليها، فقال أبو جعفر: لا بل أنا أجيبه عنها؛ إذ تقارعنا على الأحساب فدعني وإيّاه. قالوا: لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهور محمد بن عبد الله المدينة كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: " إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أنّ الله غفور رحيم " ولك عليّ عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله صلى الله عليه وسلم إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتّبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمّن كلّ من جاءك وبايعك واتبعك، أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحداً منهم بشيء كان منه أبداً. فإن أردت أن تتوثّق لنفسك، فوجّه إليّ من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به. وكتب على العنوان: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله. فكتب إليه محمد بن عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المهديّ محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد: " طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " . وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي عرضت عليّ، فإنّ الحقّ حقّنا؛ وإنما ادّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا؛ وإنّ أبانا عليّاً كان الوصيّ وكان الإمام؛ فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء! ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا؛ لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمتّ أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل؛ وإنا بنو أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت عمرو في الجاهليّة ونبو بنته فاطمة في الإسلام دونك. إن الله اختارنا واختار لنا؛ فوالدنا من النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، ومن السلف أوّلهم إسلاماً عليّ، ومن الأزواج أفضلهنّ خديجة الطاهرة، وأوّل من صلّى القبلة، ومن البنات خيرهنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة؛ وإنّ هاشماً ولد علياً مرتين؛ وإن عبد المطلب ولد حسناً مرتين وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدني مرّتين من قبل حسن وحسين؛ وإني أوسط بني هاشم نسباً، وأصرحهم أباًن لم تعرّق فيّ العجم، ولم تنازع فيّ أمهات الأولاد؛ فما زال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار؛ فأنا ابن أرفع الناس درجةً في الجنة، وأهونهم عذاباً في النار، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة وابن خير أهل النار. ولك الله عليّ إن دخلت في طاعتي، وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك؛ وعلى كل أمر أحدثته؛ إلا حداً من حدود الله أو حقاً لمسلم أو معاهد؛ فقد علمت ما يلزمك من ذلك، وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد؛ لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي؛ فأيّ الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبد الله بن عليّ، أم أمان أبي مسلم! فكتب إليه أبو جعفر: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغني كلامك، وقرأت كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء؛ لتضلّ به الجفاة والغوغاء؛ ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء؛ لأن الله جعل العمّ أباً، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا. ولو كان اختيار الله لهنّ على قدر قرابتهنّ كانت آمنة أقربهنّ رحماً، وأعظمهن حقاً؛ وأوّل من يدخل الجنة غداً؛ ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم، واصطفائه لهم. وأما ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب وولادتها؛ فإن الله لم يرزق أحداً من ولدها الإسلام لا بنتاً ولا ابناً؛ ولو أن أحداً رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله أولاهم بكلّ خير في الدنيا والآخرة؛ وكلنّ الأمر لله يختار لدينه من يشاء؛ قال: الله عزّ وجلّ: " إنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " ؛ ولقد بعث الله محمداً عليه السلام وله عمومة أربعة، فأنزل الله عز وجل: " وأنذر عشيرتك الأقربين " . فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك؛ فقطع الله ولايتهما منه؛ ولم يجعل بينه وبينهما إلاًّ ولا ذزّةً ولا ميراثاً. وزعمت أنك ابن أخفّ أهل النار عذاباً وابن خير الأشرار؛ وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير؛ وليس في الشرّ خيار؛ ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم: " وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون " . وأما ما فخرت به من فاطمة أمّ عليّ وأنّ هاشماً ولده مرتين، ومن فاطمة أمّ حسن، وأن عبد المطلب ولده مرتين؛ وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولدك مرتين؛ فخير الأوّلين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلده هاشم إلاّ مرةً ولا عبد المطلب إلا مرّة. وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً، وأصرحهم أماً وأباً؛ وأنه لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمّهات الأولاد؛ فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طراً؛ فانظر ويحك أين أنت من الله غداً! فإنك قد تعدّيت طورك، وفخرت على من هو خير منك نفساً وأباً وأولاً وآخراً، إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى والد ولده؛ وما خيار بني أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلاّ بنو أمهات أولاد، وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي ابن حسين؛ وهو لأمّ ولد؛ ولهو خير من جدّك حسن بن حسن؛ وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن عليّ، وجدّته أمّ ولد؛ ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدّته أمّ ولد؛ ولهو خير منك. وأما قولك: إنكم بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " ، ولكنكم بنو ابنته؛ وإنها لقرابة قريبة؛ ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة؛ فكيف تورث بها! ولقد طلبها أبوك بكلّ وجه فأخرجها نهاراً، ومرّضها سراً، ودفنها ليلاً؛ فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما؛ ولقد جاءت السنّة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجدّ أبا الأم والخال والخالة لا يرثون. وأما ما فخرت به من عليّ وسابقته، فقد حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة، فأمر غيره بالصّلاة، ثم أخذ الناس رجلاً بعد رجل فلم يأخذوه؛ وكان في الستّة فتركوه كلهم دفعاً له عنها، ولم يروا له حقاً فيها؛ أما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقتل عثمان وهو له متّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعته، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاوية بعده. ثم طلبها بكلّ وجه وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكّم حكمين رضي بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه. ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز؛ وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله؛ وأخذ مالاً من غير ولائه ولا حلّه؛ فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه. ثم خرج عمّك حسين بن عليّ على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أميّة، فقتلوكم وصلّبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوكم من البلدان؛ حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان؛ وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوهم بلا وطاء في المحافل كالسبّي المجلوب إلى الشأم؛ حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنينا سلفكم وفضّلناه، فاتخذت ذلك علينا حجة. وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضّلناه للتقدمة منّا له على حمزة والعباس وجعفر؛ وليس ذلك كما ظننت؛ ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلّماً منهم، مجتمعاً عليهم بالفضل، وابتُلي أبوك بالقتال والحرب؛ وكانت بنو أميّة تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتجبنا له، وذكّرناهم فضله، وعنّفناهم وظلّمناهم بما نالوا منه. ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحجيج الأعظم، وولاية زمزم؛ فصارت للعباس من بين إخوته؛ فنازعنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام؛ ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلا بأبينا، حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضر لم يتوسّل به؛ ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم غيره؛ فكان وراثه من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده؛ فالسقاية سقايته وميراث النبيّ له، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلاّ والعباس وارثه ومورّثه. وأما ما ذكرت من بدر؛ فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته؛ ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر كارهاً لمات طالب وعقيل جوعاً، وللحساجفان عتبة وشيبة؛ ولكنه كان عقيلاً يوم بدر؛ فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر، وفديناكم من الأسر، وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه؛ ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام عليك ورحمة الله. قال عمر بن شبّة: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أجمع ابن القسريّ على الغدر بمحمد، فقال له: يا أمير المؤمنين، ابعث موسى بن عبد الله ومعه رزاماً مولايَ إلى الشأم يدعوان إليك. فبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشأم، وظهر محمد على أن القسريّ كتب إلى أبي جعفر في أمره، فحبسه في نفر ممن كان معه في دار ابن هشام التي في قبلة مصلى الجنائز - وهي اليوم لفرج الخصيّ - وورد رزام بموسى الشأم، ثم انسلّ منه، فذهب إلى أبي جعفر، فكتب موسى إلى محمد: إني أخبرك أني لقيت الشأم وأهله، فكان أحسنهم قولاً الذي قال: والله لقد مملنا البلاء، وضقنا به ذرعاً؛ حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجة؛ ومنهم طائفة تحلف: لئن أصبحنا من ليلتنا أو مسّينا من غد ليرفعنّ أمرنا وليدلنّ علينا؛ فكتب إليك وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي. قال الحارث: ويقال إنّ موسى ورزاماً وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور توجهوا إلى الشأم في جماعة؛ فلما ساروا بتيماء، تخلّف رزام ليشتري لهم زاداً، فركب إلى العراق، ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني موسى بن عبد الله ببغداد ورزام معنا، قال: بعثني محمد ورزاماً في رجال معنا إلى الشأم، لندعو له؛ فإنا لبدومة الجندل؛ إذ أصابنا حرّ شديد؛ فنزلنا عن رواحلنا نغتسل في غدير، فاستلّ رزام سيفه، ثم وقف على رأسي، وقال: يا موسى، أرأيت لو ضربت عنقك ثم مضيت برأسك إلى أبي جعفر؛ أيكون أحد عنده في منزلتي! قال: قلت: لا تدع هزلك يا أبا قيس! شم سيفك غفر الله لك. قال: فشام سيفه، فركبنا. قال عيسى: فرجع موسى قبل أن يصل إلى الشأم، فأتى البصرة هو وعثمان بن محمد، فدلّ عليهما، فأخذا. قال: وحدّثني عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، قال: حدّثني أخي عبد الله بن نافع الأكبر، قال: لما ظهر محمد لم يأته أبي نافع ابن ثابت، فأرسل إليه، فأتاه وهو في دار مروان، فقال: يا أبا عبد الله، لم أرك جئتنا! قال: ليس فيّ ما تريد، فألحّ عليه محمد؛ حتى قال: البس السلاح يتأسّ بك غيرك، فقال: أيها الرجل؛ إني والله ما أراك في شيء؛ خرجت في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح؛ وما أنا بمهلك نفسي معك، ولا معين على دمي. قال: انصرف؛ فلا شيء فيك بعد هذا. قال: فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قتل محمد، فلم يصلّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل إلا نافع وحده. ووجّه محمد بن عبد الله لما ظهر - فيما ذكر عمر عن أزهر بن سعيد بن نافع - الحسن بن معاوية إلى مكة عاملاً عليها، ومعه العباس بن القاسم - رجل من آل أبي لهب - فلم يشعر بهم السريّ بن عبد الله حتى دنوا من مكة فخرج إليهم، فقال له مولاه: ما رأيك؟ قد دنونا منهم، قال: انهزموا على بركة الله، وموعدكم بئر ميمون. فانهزموا؛ ودخلها الحسن بن معاوية. وخرج الحسين بن صخر - رجل من آل أويس - من ليلته، فسار إلى أبي جعفر تسعاً فأخبره فقال: قد أنصف القارة من راماها، وأجازه بثلثمائة درهم. قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن صالح بن معاوية، قال: حدّثني أبي، قال: كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على مكة، فقال له الحسن: أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى في السريّ؟ قال: يا حسن، إن السريّ لم يزل مجتنباً لما كرهنا، كارهاً للذي صنع أبو جعفر؛ فإن ظفرت به فلا تقتله؛ ولا تحركنّ له أهلاً، ولا تأخذنّ له متاعاً، وإن تنحّى فلا تطلبنّ له أثراً. قال: فقال له الحسن: يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس، قال: بلى، إن السريّ لم يزل ساخطاً لما صنع أبو جعفر. قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عنج، قال: كنت بمكة، فبعث إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحاق ومحمد بن عبد الله ابن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسن بن معاوية؛ فبعث إليهم السريّ بن عبد الله كاتبه مسكين بن هلال في ألف، ومولى له يدعى مسكين بن نافع في ألف، ورجلاً من أهل مكة يقال له ابن فرس - وكان شجاعاً - في سبعمائة، وأعطاه خمسمائة دينار، فالتقوا ببطن أذاخر بين الثنيّتين وهي الثنيّة التي تهبط على ذي طُوىً، منها هبط النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة، وهي داخلة في الحرم، فتراسلوا؛ فأرسل حسن إلى السريّ أن خلّ بيننا وبين مكة، ولا تهريقوا الدماء في حرم الله. وحلف الرسولان للسريّ: ما جئناك حتى مات أبو جعفر. فقال لهما السريّ: وعليّ مثل ما حلفتما به؛ إن كانت مضت لي أربعة؛ منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين، فأنظروني أربع ليال؛ فإني أنتظر رسولاً لي آخر، وعليّ ما يصلحكم، ويصلح دوابكم، فإن يكن ما تقولونه حقاً سلّمتها إليكم؛ وإن يكن باطلاً أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم؛ فأبى الحسن، وقال: لا نبرح حتى نناجزك، ومع الحسن سبعون رجلاً وسبعة من الخيل، فلما دنوا منه، قال لهم الحسن: لا يقدمنّ أحد منكم حتى ينفخ في البوق؛ فإذا نفخ فلتكن حملتكم حملة رجل واحد. فلما رهقناهم وخشي الحسن أن يغشاه وأصحابه، ناداه: انفخ ويحك في البوق! فنفخ ووثبوا وحملوا علينا حملة رجل واحد. فانهزم أصحاب السريّ، وقتل منهم سبعة نفسر. قال: واطلع عليهم بفرسان من أصحابه وهم من وراء الثنيّة في نفر من قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصرنّه، فلمما رآهم القرشيوّن قالوا: هؤلاء أصحابك قد انهزموا، قال: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال؛ فقيل له: ما بقي؟ فقال: انهزموا على بركة الله، فانهزموا حتى دخلوا دار الإمارة، وطرحوا أداة الحرب، وتسوّروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام. فدخلوا بيته فكانوا فيه. ودخل الحسن بن معاوية المسجد، فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني الغمر بن حمزة بن أبي رملة، مولى العباس بن عبد المطلب، قال: لما أخذ الحسن بن معاوية مكة. وفرّ السريّ بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفي على ابن أبي العضل. قال: وحدّثني ابن أبي مساور بن عبد الله بن مساور مولى بني نائلة من بني عبد الله بن معيص، قال: كنت بمكة مع السريّ بن عبد الله، فقدم عليه الحسن بن معاوية قبل مخرج محمد - والسريّ يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سراقة من بني عديّ بن كعب - قال: فاستعدى عتبة بن أبي خداش اللهبيّ على الحسن بن معاوية في دينٍ عليه فحبسه، فكتب له السريّ إلى ابن أبي خداش: أما بعد فقد أخطأت حظّك، وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابن معاوية؛ وإنما أصبت المال من أخيه. وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته، وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدم فيقضي عنه. قال: فلم يلبث أن ظهر محمد، فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملاً على مكة، فقيل للسريّ: هذا ابن معاوية قد أقبل إليك، قال: كلاّ ما يفعل وبلائي عنده بلائي، وكيف يخرج إليّ أهل المدينة! فوالله ما بها دار إلا وقد دخلها لي معروف، فقيل له: قد نزل فجاء. قال: فشخص إليه ابن جريج، فقال له: أيها الرجل، إنك والله ما أنت بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلها مع السريّ، أتراك قاهراً قريشاً وغاصبها على دارها! قال: يا بن الحائك، أبأهل مكة تخوّفني! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها. ثم وثب في أصحابه، وأقبل إليه السريّ، فلقيه بفخّ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسكين بن هلال كاتب السريّ على رأسه فشجّه، فانهزم السريّ وأصحابه، فدخلوا مكة، والتفّ أبو الرزام - رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة - على السريّ، فواراه في بيته، ودخل الحسن مكة. ثم إن الحسن أقام بمكة يسيراً، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به. وذكر عمر عن عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: سمعت من لا أحصي من أصحابنا يذكر أنّ الحسن والقاسم لما أخذا مكة، تجهّزا وجمعا جمعاً كثيراً، ثم أقبلا يريدان محمداً ونصرته على عيسى بن موسى؛ واستخلفا على مكة رجلاً من النصار؛ فلما كانا بقديد لقيهما قتل محمد، فتفرّق الناس عنهما، وأخذ الحسن على بسقة - وهي حرّة في الرمل تدعى بسقة قديد - فلحق بإبراهيم؛ فلم يزل مقيماً بالبصرة حتى قتل إبراهيم. وخرج القاسم بن إسحاق يريد إبراهيم؛ فلما كان بيديع من أرض فدك، لقيه قتل إبراهيم، فرجع إلى المدينة، فلم يزل مختفياً حتى أخذت ابنة عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر؛ زوجة عيسى بن موسى، له ولإخوته الأمان فظهر بنو معاوية، وظهر القاسم. قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عنج، قال: لما ظهر الحسن بن معاوية على السريّ أقام قليلاً حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه؛ ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة، ويستعجله بالقدوم. قال: فخرج من مكة يوم الاثنين في مطر شديد - زعموا أنه اليوم الذي قتل فيه محمد - فتلقاه بريد لعيسى بن موسى بأمج - وهو ماء لخزاعة بين عسفان وقديد - بقتل محمد، فهرب وهرب أصحابه. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبي سيار، قال: كنت حاجب محمد بن عبد الله، فجاءني راكب من الليل، قال: قدمت من البصرة، وقد خرج بها إبراهيم، فأخذها. قال: فجئت دار مروان، ثم جئت المنزل الذي فيه محمد، فدققت الباب، فصاح بأعلى صوته: من هذا؟ قلت: أبو سيّار، قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله؛ اللهم إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل؛ إلا طارق يطرق منك بخير، قال: خير! قلت: خير، قال: ما وراءك؟ قلت: أخذ إبراهيم البصرة - قال: وكان محمد إذا صلى المغرب والصبح صاح صائح: ادعوا الله لإخوانكم من أهل البصرة، وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوّكم. قال: وحدّثني عيسى، قال: قدم علينا رجل من أهل الشأم، فنزل دارنا - وكان يكنى أبا عمرو - فكان أبي يقول له: كيف ترى هذا الرجل؟ فيقول: حتى ألقاه فأسبره ثم اخبرك. قال عيسى: فلقيه أبي بعد، فسأله فقال: هو والله الرجل كلّ الرجل؛ ولكن رأيت شحم ظهره ذراعاً، وليس هكذا يكون صاحب الحرب. قال: ثم بايعه بعد، وقاتل معه. قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن سلم - يدعى ابن البواب مولى المنصور - قال: كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتاباً على لسان محمد، يدعوه إلى نصرته، فلما قرأه قال: قد خبرناكم يا بني هاشم؛ فإذا أنتم تحبّون الثريد. فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره، قال: أشهد أنّ هذا كلام الأعمش. وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: غلب محمد بن عبد الله على المدينة، فبلغنا ذلك، فخرجنا ونحن شباب؛ أنا يومئذ ابن خمس عشرة سنة، فانتهينا إليه؛ وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه؛ ليس يصدّ عنه أحد؛ فدنوت حتى رأيته وتأملته؛ وهو على فرس، وعليه قميص أبيض محشوّ وعمامة بيضاء؛ وكان رجلاً أحزم؛ قد أثّر الجدريّ في وجهه، ثم وجّه إلى مكة فأخذت له، وبيّضوا؛ ووجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فأخذها وغلبها وبيّضوا معه. رجع الحديث إلى حديث عمر. قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ندب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد، وقال: لا أبالي أيّهما قتل صاحبه؛ وضمّ إليه أربعة آلاف من الجند، وبعث معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين. قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان. عن زيد مولى مسمع، قال: لما أمر أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص، قال: شاور عمومتك، فقال له: امضِ أيها الرجل؛ فوالله ما يراد غيري وغيرك؛ وما هو إلاّ أن تشخص أو أشخص؛ قال: فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة. قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: دعا أبو جعفر بن حنظلة البهرانيّ - وكان أبرص طوالا، أعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مروان حروبه - فقال: يا جعفر، قد ظهر محمد، فما عندك؟ قال: وأين ظهر؟ قال: بالمدينة، قال: فاحمد الله، ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح ولا كراع؛ ابعث مولىً لك تثق به فليسر حتى ينزل بوادي القرى؛ فيمنعه ميرة الشأم، فيموت مكانه جوعاً، ففعل. قال: وحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعت أصحابنا إسماعيل بن موسى وعيسى بن النّضر وغيرهما يذكرون أنّ أبا جعفر قدّم كثير ابن حصين العبدّي، فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقاً؛ حتى قدم عليه عيسى بن موى، فخرج به إلى المدينة. قال عبد الله: فأنا رأيت الخندق قائماً دهراً طويلاً، ثم عفا ودرس. قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب - ولقيته بصنعاء - قال: قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك بأبي العسكر مسمع بن محمد بن شيبان بن مالك بن مسمع، فسر به معك؛ فإني رأيته منع سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة من أهل البصرة؛ وهم محلبون عليه؛ وهو يدعو إلى مروان؛ وهو عند أبي العسكر يأكل المخّ بالطّبرزد، فخرج به عيسى؛ فلما كان ببطن نخل، تخلّف هو والمسعوديّ بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قتل محمد، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بن موسى: ألاّ ضربت عنقه! وحدّثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى حين ودّعه: يا عيسى؛ إنّي أبعثك إلى ما بين هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك، وابذل الأمان؛ وإن تغيّب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه. قال: فلما دخلها عيسى فعل ذلك. فحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وجّه أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ ابن عبد الله بن عباس، ووجّه معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وعدّة من قوّاد أهل خراسان وجندهم، وعلى مقدّمة عيسى بن موسى حميد بن قحطبة الطائيّ، وجهّزهم بالخيل والبغال والسلاح والميرة، فلم ينزل، ووجّه مع عيسى ابن موسى بن أبي الكرام الجعفريّ؛ وكان في صحابة أبي جعفر؛ وكان مائلاً إلى بني العباس، فوثق به أبو جعفر فوجّهه.... رجع الحديث إلى حديث عمر بن شبّة. قال عمر: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى: من لقيك من آل أبي طالب فاكتب إليّ باسمه، ومن لم يلقك فاقبض ماله. قال: فقبض عين أبي زياد - وكان جعفر بن محمد تغيّب عنه - فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر، وقال: مالي، قال: قد قبضه مهديُّكم. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار عيسى بفيد، كتب إلى رجال من أهل المدينة في خرق الحرير؛ منهم عبد العزيز بن المطّلب المخزوميّ وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحيّ، فلما وردت كتبه المدينة، تفرّق ناسٌ كثير عن محمد؛ منهم عبد العزيز بن المطلب؛ فأخذ فردّ، فأقام يسيراً؛ ثم خرج، فردّ مرّة أخرى؛ وكان أخوه عليّ بن المطلب من أشدّ الناس مع محمد؛ فكلم محمّداً في أخيه حتى كفّه عنه. قال: وحدّثني عيسى، قال: كتب عيسى بن موسى إلى أبي في حريرة صفراء جاء بها أعرابيٌ بين خصافي نعله، قال: عيسى: فرأيت الأعرابي قاعداً في دارنا، وإني لصبي صغير؛ فدفعها إلى أبي فإذا فيها: إن محمداً تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يؤته الله، قال: عزّ وجل في كتابه: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " . فعجّل التخلص وأقلّ التربص، وادعُ من أطاعك من قومك إلى الخروج معك. قال: فخرج وخرج معه عمر بن محمد بن عمر، وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: ودعوا الأفطس حسن بن عليّ بن أبي طالب إلى الخروج معهم فأبى، وثبت مع محمد؛ وذكر خروجهم لمحمد فأرسل إلى ظهرهم فأخذه؛ فأتاه عمر بن محمد، فقال: أنت تدعو إلى العدل ونفي عالجور؛ فما بال إبلي تؤخذ! فإنما أعددتها لحجّ أو عمرة. قال: فدفعها إليه - فخرجوا من تحت ليلتهم؛ فلقوا عيسى على أربع - أو خمس - من المدينة. قال: وحدّثني أيوب بن عمر بن أبي عمرو بن نعيم بن ماهان، قال: كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتباً، وأمر عيسى: إذا دنا من المدينة أن يبعث بها إليهم، فلما دنا بعث بها إليهم؛ فأخذ حرس محمد الرسول والكتب، فوجد فيها كتاباً إلى إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله ابن معمر وإلى جماعة من رؤساء قريش. فبعث محمد إلينا جميعاً ما خلا ابن عمر وأبا بكر بن سبرة، فحبسنا في دار ابن هشام التي في المصلّى. قال أبي: وبعث إليّ وإلى أخي، فأتيَ بنا فضربنا ثلثمائة. قال: فقلت له وهو يضربني ويقول: أردت أن تقتلني! تركتك وأنت تستتر بحجر وببيت شعر؛ حتى إذا صارت المدينة في يدك، وغلظ أمرك، قمت عليك فبمن أقوم! أبطاقتي، أم بمالي، أم بعشيرتي! قال: ثم أمر بنا إلى الحبس، وقيّدنا بكبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلاً، قال: فدخل عليه محمد بن عجلان، فقال: إني ضربت هذين الرجلين ضرباً فاحشاً، وقيّدتهما بما منعهما من الصلاة. قال: فلم يزالا محبوسين حتى قدم عيسى. قال: وحدّثني محمد بن يحيى. قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: إنا لعند محمد ليلة - وذلك عند دنوّ عيسى من المدينة - إذ قال محمد: أشيروا عليّ في الخروج والمقام، قال: فاختلفوا. فأقبل عليّ فقال: أشرْ عليّ يا أبا جعفر، قلت: ألست تعلم أنك أقلّ بلاد الله فرساً وطعاماً وسلاحاً، وأضعفها رجالاً؟ قال: بلى، قلت: تعلم أنك تقاتل أشدّ بلاد الله رجلاً وأكثرها مالاً وسلاحاً؟ قال: بلى، قلت: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصر، فوالله لا يردّك رادّ، فتقاتل الرّجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله. فصاح حنين بن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة! وحدّثه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " رأيتني في درع حصينة فأوّلتها المدينة " . قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن الثقة عنده، قال: أجاب محمداً لما ظهر أهل المدينة وأعراضها وقبائل من العرب؛ منهم جهينة ومزينة وسليم وبنو بكر وأسلم وغفار؛ فكان يقدّم جهينة؛ فغضبت من ذلك قبائل قيس. قال محمد: فحدثني عبد الله بن معروف أحد بني رياح بن مالك بن عصيّة بن خفاف - وقد شهد ذاك - قال: جاءت محمداً بنو سليم على رؤسائها، فقال متكلّمهم جابر بن أنس الرياحيّ: يا أمير المؤمنين؛ نحن أخوالك وجيرانك، وفينا السلاح والكراع؛ والله لقد جاء الإسلام والخيل في بني سليم أكثر منها بالحجاز؛ لقد بقي فينا منها ما إن بقي مثله عند عربيّ تسكن إليه البادية، فلا تخندق الخندق؛ فإن رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به؛ فإنك إن خندقته لم يحسن القتال رجّالة، ولم توجّه لنا الخيل بين الأزقّة؛ وإن الذين يخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها؛ وإن الذين يخندق عليهم يحول الخندق دونهم. فقال أحد بني شجاع: خندق رسول الله فاقتد برأيه؛ أو تريد أنت أن تدع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيك! قال: إنه يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم؛ ولا شيء أحبّ إليّ وإلى أصحابي من مناجزتهم. فقال محمد: إنما اتّبعنا في الخندق أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يردّني عنه أحد، فلست بتاركه. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، عن الحارث بن إسحاق، قال: لما تيقن محمد أن عيسى قد أقبل حفر الخندق، خندق النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي كان حفره للأحزاب. قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد ابن عطيّة مولى المطلبيّين، قال: لما حفر محمد الخندق ركب إليه وعليه قباء أبيض ومنطقة، وركب الناس معه؛ فلما أتى الموضع نزل فيه؛ بدأ هو فحفر بيده؛ فأخرج بنةً من خندق النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكبّر وكبّر الناس معه، وقالوا: أبشر بالنّصر؛ هذا خندق جدّك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: لما نزل عيسى الأعوص رقي محمد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوّ الله وعدوّكم عيسى بن موسى قد نزل الأعوص؛ وإن أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين، أبناء المهاجرين الأوّلين والأنصار المواسين. ================================================ج26. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال: وحدّثني إبراهيم بن أبي إسحاق العبسيّ - شيخ من غطفان - قال: أخبرني أبو عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان، قال: سمعت الزبيريّ الذي قتله أبو جعفر - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: اجتمع مع محمّد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه؛ إني لأحسب أنا قد كنا مائة ألف؛ فلما قرب عيسى خطبنا، فقال: يأيها الناس؛ إنّ هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدّة؛ وقد حللتكم من بيعتي؛ فمن أحبّ المقام فليقم، ومن أحبّ الانصراف فلينصرف. فتسللوا حتى بقي في شرذمة ليست بالكثيرة. قال: وحدّثني موهوب بن رشيد بن حيّان بن أبي سليمان بن سمعان؛ أحد بني قريط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمّد جمع الناس وحشرهم، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد؛ فلما سمع بعيسى وحميد بن قحطبة قد أقبلا، صعد المنبر، فقال: يأيها الناس؛ إنّا قد جمعناكم للقتال؛ وأخذنا عليكم المناقب؛ وإن هذا العدوّ منكم قريب؛ وهو في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده؛ وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب؛ فمن أحبّ أن يقيم أقام، ومن أحبّ أن يظعن ظعن. قال أبي: فخرج عالمٌ من الناس؛ كنت فيهم؛ فلما كنا بالعريض - وهو على ثلاثة أميال من المدينة - لقيتنا مقدّمة عيسى بن موسى دون الرُّحبة؛ فما شبّهت رجالهم إلاّ رجلاً من جراد. قال: فمضينا وخالفونا إلى المدينة. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريّهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، فأمر محمد أبا القلمس، فردّ من قدر عليه منهم، فأعجزه كثير منهم، فتركهم. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني الغاضريّ، قال: قال لي محمد: أعطيك سلاحاً وتقاتل معي؟ قلت: نعم؛ إن أعطيتني رمحاً أطعنهم به؛ وهم بالأعوص وسيفاً أضربهم به وهم بهيفا. قال: ثمّ مكث غير كثير، ثم بعث إليّ فقال: ما تنتظر؟ قلت: ما أهون عليك - أبقاك الله - أن أقتل وتمرّوا؛ فيقال: والله إن كان لبادياً! قال: ويحك! قد بيّض أهل الشأم وأهل العراق وخراسان، قال: قلت: اجعل الدنيا زبدةً بيضاء وأنا في مثل صوفة الدواة، ما ينفعني هذا وعيسى بالأعوص! قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، عن جدّه، قال: وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمذ ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الأصمّ: ألا إنّ الخيل لا عمل لها مع الرّجالة؛ وإني أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكرهم. فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف ، وهي على أربعة أميال من المدينة - وقال: لا يهرول الرّاجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن أبي الكرام، قال: لمّا نزل عيسى طرف القندوم أرسل إليّ نصف الليل، فوجدته جالساً والشمع والأموال بين يديه، فقال: جاءتني العيون تخبرني أنّ هذا الرجل في ضعف؛ وأنا أخاف أن ينكشف؛ وقد ظننت ألاّ مسلك له إلاّ إلى مكة، فاضمم إليك خمسمائة رجل؛ فامض بهم معانداً عن الطريق حتى تأتيَ الشجرة فتقيم بها. قال: فأعطاهم على الشّمع، فخرجت بهم حتى مررت بالبصرة بالبطحاء - وهي بطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة - فخاف أهلها؛ فقلت: لا بأس عليكم؛ أنا محمد بن عبد الله، هل من سويق؟ قال: فأخرجوا إلينا سويقاً، فشربنا وأقمنا بها حتى قتل محمد. قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل؛ عن الثقة عنده، قال: لما قرب عيسى أرسل إلى محمد القاسم بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرّجوع عمّا هو عليه، ويخبره أنّ أمير المؤمنين قال آمنه وأهل بيته، فقال محمد للقاسم: والله لولا أنّ الرّسل لا تقتل لضربت عنقك؛ لأني لم أرك منذ كنت غلاماً في فرقتين؛ خير وشرّ، إلاّ كنت مع الشرّ على الخير. وأرسل محمد إلى عيسى: يا هذا؛ إنّ لك برسول الله قرابةً قريبةً، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذّرك نقمته وعذابه؛ وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه؛ فإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله، فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك، وأكثر لمأثمك. فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر، فبلّغه، فقال: ارجع إلى صاحبك، فقل له: ليس بيننا إلاّ القتال. قال: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرني أبي، قال: لما قرب عيسى من المدينة، أرسلني إلى محمد بأمانه، فقال لي محمد: علام تقاتلونني وتستحلّون دمي، وإنما أنا رجل فرّ من أن يقتل! قال: قلت: إنّ القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلاّ قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك عليّق طلحة والزبير؛ على نكث بيعتهم وكيد ملكهم، والسعي عليهم. قال: فأخبرت بذلك أبا جعفر، فقال: والله ما سرّني أنك قلت له غير ذلك، وأن لي كذا وكذا. قال: وحدّثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: لما صرنا بالمدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة، فطاف بعسكرنا حتى حسّه كله، ثم ولّى ذاهباً. قال: رعبنا منه والله رعباً شديداً؛ حتى جعل عيسى وحميد بن قحطبة يعجبان فيقولان: فارس واحد طليعةً لأصحابه! فلما ولّى مدى أبصارننا نظرنا إليه مقيماً بموضع واحد، فقال حميد: ويحكم! انظروا ما حال الرجل؛ فإني أرى دابته واقفاً لا تزول؛ فوجّه إليه حميد رجلين من أصحابه، فوجدا دابته قد عثر به؛ فصرعه فقوّس التنور عنقه. فأخذا سلبه، فأتينا بتنور - قيل إنه كان لمصعب بن الزبير - مذهب لم ير مثله قطّ. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، فف نزل عيسى بقصر سليمان بالجرف، صبيحة ثنتي عشرة من رمضان من سنة خمس وأربعين ومائة، يوم السبت، ويوم الأحد وغدا يوم الاثنين، حتى استوى على سلع، فنظر إلى المدينة وإلى من دخلها وخرج منها، وشحن وجوهها كلها بالخيل والرّجال إلا ناحية مسجد أبي الجرّاح؛ وهو على بطحان؛ فإنه تركه لخروج من هرب، وبرز محمد في أهل المدينة. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا محمد بن زيد، قال: قدمنا مع عيسى، فدعا محمداً ثلاثاً: الجمعة والسبت والأحد. قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدّثني زيد مولى مسمع، قال: لما عسكر عيسى أقبل عى دابة يمشي حواليه نحو من خمسمائة، وبين يديه راية يسار بها معه؛ فوقف على الثنيّة ونادى: يا أهل المدينة؛ إن الله قد حرّم دماء بعضنا على بعض؛ فهلمّوا إلى الأمان؛ فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن؛ ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن. خلّوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا أو له. قال: فشتموه وأقذعوا له، وقالوا: يا بن الشاة، يا بن كذا، يا بن كذا. فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك، فشتموه؛ فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قطّ من الخيل والرجال والسلاح؛ فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان، فانصرف إلى معسكره. قال: وحدّثني إبراهيم الغفانيّ، قال: سمعت أبا عمرو مؤدّب محمد ابن عبد الرحمن يحدّث عن الزبيريّ - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرني ألاّ أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان، فلك عليّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتعطى من المال كذا وكذا، ويقضى عنك دينك، ويفعل بك ويفعل! قال: فصاح: محمد أله عن هذا، فوالله لو علمت أنه لا يثنيني عنكم فزع، ولا يقرّبني منكم طمع ما كان هذا. قال: ولجّ القتال، وترجّل محمد؛ فإني لأحسبه قتل بيده يومئذ سبعين رجلاً. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لما كان يوم الاثنين، وقف عيسى على ذباب، ثم دعا مولى لعبد الله بن معاوية كان معه؛ وكان على مجفّفته، فقال: خذ عشرة من أصحابك؛ أصحاب التجافيف؛ فجاء بهم، فقال لنا: ليقم معه عشرة منكم يا آل أبي طالب. قال: فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بن عمر بن عليّ: عبد الله وعمر، ومحمد بن عبد الله بن عقيل، والقاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، وعبد الله ابن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر؛ في عشرة منّا. فقال: انطلقوا إلى القوم، فادعوهم وأعطوهم أماناً؛ وبقي أمان الله. قال: فخرجنا حتى جئنا سوق الخطّابين؛ فدعوناهم فسبّونا ورشقونا بالنبل، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه؛ فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد، فقال: وأنا ابن رسول الله؛ وأكثر من ترون بنو رسول الله؛ ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والأمان لكم؛ فجعلوا يسبّوننا ويرشقوننا بالنبل، فقال القاسم لغلامه: القط هذه النّبل، فلقطها فأخذها قاسم بيده، ثم دخل بها إلى عيسى، فقال: ما تنتظر! انظر ما صنعوا بنا، فأرسل عيسى بن حميد قحطبة في مائة. قال: حدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: حدّثني أخواي عثمان ومحمد ابنا سعيد - وكانا مع محمد - قالا: وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنيّة الوداع، فدعوا محمداً إلى الأمان، فسبّهما فرجعا، وأقبل عيسى وقد فرّق القواد فجعل هزارمرد عند حمّام بن أبس الصّعبة، وكثير بن حصين عند دار ابن أفلح التي ببقيع الغرقد، ومحمد بن أبي العباس على باب بني سلمة، وفرّق سائر القوّاد على أنقاب المدينة، وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنيّة، فرموا بالنشاب والمقاليع ساعة. وحدّثني أزهر، قال: جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه. قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: حدّثني عمر؛ شيخ من الأنصار، قال: جعل محمد ظلال المسجد خفاتين لأصحابه، فأتاه رجلان من جهينة، فأعطى أحدهما خفتاناً ولم يعط الآخر، فقاتل صاحب الخفتان، ولم يقاتل الآخر معه؛ فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخفتان نشابة، فقتلته، فقال صاحبه: يا رب لا تجعلني كمن خان ... وباع باقي عيشه بخفتان قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدثني إسماعيل بن أبي عمرو، قال: إنا لوقوف على خندق بني غفار؛ إذ أقبل رجل على فرس؛ ما يُرى منه إلاّ عيناه، فنادى: الأمان، فأعطى الأمان، فدنا حتى لصق بنا، فقال: أفيكم من يبلّغ عني محمداً؟ قلت: نعم، أنا، قال: فأبلغه عني - وحسر عن وجهه؛ فإذا شيخ مخضوب - فقال: قل له: يقول لك فلان التميميّ، بآية أنّي وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جهينة في سنة كذا، اصبر إلى الليل؛ فإن عامة الجند معك. قال: فأتيته قبل أن يغدو - وذلك يوم الاثنين في اليوم الذي قتل فيه - فوجدت بين يديه قربة عسل أبيض قد شقّت من وسطها، ورجل يتناول من العسل ملء كفّه ثم يغمسه في الماء، ثم يلقمه إياه، ورجل يحزم بطنه بعمامة؛ فأبلغته الرسالة فقال: قد أبلغت؛ فقلت: أخواي في يدك، قال: مكانهما خير لهما. قال: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، قال: كانت راية محمد إلى أبي، فكنت أحملها عنه. قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كان مع الأفطس حسن بن عليّ بن حسين علم أصفر، فيه صورة حيّة، ومع كلّ رجل من أصحابه من آل عليّ بن أبي طالب علم، وشعارهم: أحد أحد، قال: وكذلك كان شعار النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حنين. قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: أخبرنا جهم بن عثمان مولى بني سليم، ثم أحد بني بهز، قال: قال لي عبد الحميد بن جعفر يوم لقينا أصحاب عيسى: نحن اليوم على عدّة أهل بدر يوم لقوا المشركين - قال: وكنا ثلثمائة ونيّفاً. قال: وحدّثني إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس، قال: سمعت أبي قول: ولد عيسى بن موسى في سنة ثلاث ومائة، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وعلى مقدّمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وعلى ميسرته داود بن كرّاز من أهل خراسان، وعلى ساقته الهيثم بن شعبة. قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: لقي أبو القلمّس محمد بن عثمان، أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعا ثم تراجعا إلى مواقفهما، فأخذ أخو أسد سيفاً، وأخذ أبو القلّمس بأثفيّة، فوضعها على قربوس سرجه، وسترها بدرعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمّس في ركائبه؛ ثم ضرب بها صدره فصرعه، ونزل فاحتزّ رأسه. قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله العمريّ، قال: كنا مع محمد، فبرز رجل من أهل المدينة؛ مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز، فبرز إليه رجل لم أر مثل كماله وعدّته؛ فلما رآه ابن وائل انصرف. قال: فوجدنا من ذلك وجداً شديداً، فإنا لعلى ذلك إذ سمعت خشف رجل وراثي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعته يقول: لعن الله أمير السفهاء، أن ترك مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألاّ يكون من شأنه. قال: ثم برز له فقتله. قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق، ثم دعا للبراز، فبرز له هزارمرد، فلما رآه القاسم هابه، فرجع فبرز له أبو القلمّس، فقال: ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قطّ، ثم ضربه على حبل عاتقه فقتله، فقال: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيراً من ألف فاروق. قال: وحدّثني عليّ أبو الحسن الحذّاء من أهل الكوفة، قال: حدّثني مسعود الرّحال، قال: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإنّي لأنظر إليهم عند أحجار الزّيت، وأنا مشرف عليهم من الجبل - يعني سلعاً - إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل ممستلئماً في الحديد؛ لا يرى منه إلاّ عيناه، على فرس؛ حتى فصل من صفّ أصحابه، فوقف بين الصّفين، فدعا للبراز؛ فخرج إليه رجل من أصحاب محمد، عليه قباء أبيض، وكمّة بيضاء، وهو راجل، فكلمه مليّاً، ظننت أنه استرجله لتستوي حالاهما، فنظرت إلى الفارس ثنى رجله، فنزل، ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خوذة حديدعلى رأسه، فأقعده على استه وقيذاً لا حراك به، ثم انتزع الخوذة، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل في أصحابه، فلم ينشب أن خرج من صفّ عيسى آخر؛ كأنه صاحبه، فبرز له الرّجل الأوّل، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه، ثم عاد إلى صفّه، وبرز ثالث فدعاهه، فبرز له فقتله، فلما قتل الثالث ولّى يريد أصحابه، فاعتوره أصحاب عيسى فرموه فأثبتوه، وأسرع يريد أصحابه، فلم يبلغهم حتى خرّ صريعاً فقتلوه دونهم. وحدّثني عيسى، قال: أخبرني محمد بن زيد، قال: لما أخبرنا عيسى برميهم إيانا، قال لحميد بن قحطبة: تقدّم، فتقدّم في مائة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق، عليه أناس من أصحاب محمد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، فأرسل حميد إلى عيسى بهدم الجدار. قال: فأرسل إلى فعلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى: إنا قد انتهينا إلى الخندق. فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عليها؛ حتى كانوا من ورائه، ثم اقتتلوا أشدّ القتال من بكرة حتى صار العصر. وحدّثني الحارث، قال: أخبرنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: أقبل عيسى بن موسى بمن معه، حتى أناخ على المدينة، وخرج إليه محمد ابن عبد الله ومن معه، فاقتتلوا أياماً قتالاً شديداً، وصبر نفر من جهينة، يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد الله، حتى قتلوا وكان لهم غناء. رجع الحديث إلى حديث عمر: حدّثني أزهر، قال: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنيّة فطرحا على الخندق؛ فجازت الخيل، فالتقوا عند مفاتح خشرم، فاقتتلوا حتى كان العصر. حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مروان، فاغتسل وتحنّط، ثم خرج. قال عبد العزيز بن أبي ثابت: فحدّثني عبد الله بن جعفر، قال: دنوت منه، فقلت له: بأبي أنت! إنه والله ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال؛ فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة؛ فإنّ معه جلّة أصحابك، فقال: يا أبا جعفر؛ والله لو خرجت لقتل أهل المدينة؛ والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل؛ وأنت مني في سعة؛ فاذهب حيث شئت. فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضت فأخذت على الزيّاتين، ومضى إلى الثنيّة، وقتل من كان معه بالنّشاب وجاءت العصر فصلّى. حدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، قال: رأيت محمداً بين داري بني سعد، عليه جبّة ممشّقة، وهو على برذون، وابن خضير إلى جانبه يناشده الله إلاّ مضى إلى البصرة أو غيرها؛ ومحمد يقول: والله لا تبتلون بي مرتين؛ ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حلّ. قال ابن خضير: وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان، وقتل رياحاً ثم لحقه بالثنيّة، فقاتل حتى قتل. وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: خرج مع محمد بن عبد الله ابن خضير؛ رجل من ولد مصعب بن الزبير؛ فلما كان اليوم الذي قتل فيه محمد، ورأى الخلل في أصحابه، وأنّ السيف قد أفناهم؛ استأذن محمداً في دخول المدينة فأذن له؛ ولا يعلم ما يريد؛ فدخل على رياح بن عثمان بن حيّان المرّيّ وأخيه، فذبحهما ثم رجع؛ فأخبر محمداً، ثم تقدّم فاتل حتى قتل من ساعته. رجع الحديث إلى حديث عمر: حدّثني أزهر، قال: حدّثني أخي، قال: لما رجع ابن خضير قتل رياحاً وابن مسلم بن عقبة. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ذبح ابن خضير رياحاً ولم يجهز عليه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى مات؛ وقتل معه عباساً أخاه؛ وكان مستقيم الطريقة، فعاب الناس ذلك عليه؛ ثم مضى إلى ابن القسريّ وهو محبوس في دار ابن هشام، فنذر به فردم بابي الدار دونه، فعالج البابين، فاجتمع من في الحبس فسدّوهما، فلم يقدر عليهم؛ فرجع إلى محمد، فقاتل بين يديه حتى قتل. حدّثني مسكين بن حبيب بن محمد، قال: لما جاءت العصر صلاّها محمد في مسجد بني الديل، في الثنيّة، فلما سلّم استسقى، فسقته ربيحة بنت أبي شاكر القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك! انج بنفسك، قال: إذاً لا يبقى بها ديك يصرخ؛ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلع، نزل فعرقب دابته، وعرقب بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غمد سيفه. قال مسكين: فلقد رأيتني وأنا غلام، جمعت من حليها نحواً من ثلثمائة درهم؛ ثم قال لهم: قد بايعتموني ولست بارحاً حتى أقتل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنت له، ثم أقبل على ابن خضير، فقال له: قد أحرقت الديوان؟ قال: نعم؛ خفت أن يؤخذ الناس عليه؟ قال: أصبت. حدّثني أزهر، قال: حدّثني أخواي، قالا: لقد هزمنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثاً، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة؛ ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يقول، وقد هزمناهم: ويل أمه فتحاً لو كان له رجال! حدّثني عيسى، قال: كان ممّن انهزم يومئذ وفّر عن محمد عبد العزيز ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأرسل محمد وراءه، فأتيَ به، فجعل الصبيان يصيحون وراءه: " ألا باقة بقبقبة " ، فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك: إن أشدّ ما أتى عليَّ لصياح الصبيان. وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا مولى لهشام بن عمارة بن الوليد بن عديّ ابن الخيار، قال: كنا مع محمد، فتقدّم هشام بن عمارة إليه وأنا معه، فقال: إني لا آمن أن يخذلك من ترى، فأشهد أنّ غلامي هذا حرٌّ لوجه الله إن رمت أبدأ أو تقتل أو أقتل أو نغلب؛ فقلت: فوالله إنّي لمعه إذ وقعت بترسه نشابة، ففلقته باثنتين، ثم خسفت في درعه، فالتفت إليّ فقال: فلان! قلت: لبيك! قال: ويلك! رأيت مثل هذا قطّ يا فلان! أيما أحبّ إليك؛ نفسي أم أنت؟ قلت: لا بل نفسك، قال: فأنت حرّ لوجه الله، فانطلق هارباً. وحدّثني متوكل بن أبي الفحوة، قال: حدّثني محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن أبي فروة، قال: إنّا لعلى ظهر سلع ننظر، وعليه أعاريب جهينة، إذ صعد إلينا رجل بيده رمح، قد نصب عليه رأس رجل متّصل بحلقومه وكبده وأعفاج بطنه، قال: فرأيت منه منظراً هائلاً، وتطيّرت منه الأعاريب، وأجفلت هاربة حتى أسهلت، وعلا الرّجل الجبل، ونادى على الجبل رطانة لأصحابه بالفارسية كوهبان؛ فصعد إليه أصحابه حتى علوا سلعاً فنصبوا عليه راية سوداء، ثم انصبّوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرت أسماء بنت حسن ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبد الله ابن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس - بخمار أسود، فنصب على منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلمّا رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا: دخلت المدينة، وهربوا. قال: وبلغ محمداً دخول الناس من سلع، فقال: لكلّ قوم جبل يعصمهم؛ ولنا جبل لا نؤتى إلاّ منه. وحدّثني محمد بن إسماعيل، عن الثقة عنده، قال: فتح بنو أبي عمرو الغفاريون للمسوّدة طريقاً في بني غفار، فدخلوا منه حتى جاءوا من وراء أصحاب محمد. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران، قال: نادى محمد يومئذ حميد بن قحطبة: إن كنت فارساً وأنت تعتدّ ذاك على أهل خراسان فابرز لي، فأنا محمد بن عبد الله، قال: قد عرفتك وأنت الكريم ابن الكريم، الشريف ابن الشريف؛ لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يديّ من هؤلاء الأغمار إنسان واحد؛ فإذا فرغت منهم فسأبرز لك لعمري. وحدّثني عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: حدّثني رجل من بني ثعلبة بن سعد، قال: كنت بالثنيّة يوم قتل محمد بن عبد الله ابن حسن ومعه ابن خضير، قال: فجعل ابن قحطبة يدعو ابن خضير إلى الأمان، ويشحّ به عن الموت، وهو يشدّ على الناس بسيفه مترجّلاً، يتمثل: لا تسقه حزراً ولا حليباً ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا ذا ميعة يلتهم الجبوبا ... كالذئب يتلو طمعاً قريبا يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا قال: فخالط الناس، فضربه ضارب على أليته فخلّها، فرجع إلى أصحابه، فشقّ ثوباً فعصّبها إلى ظهره، ثم عاد إلى القتال، فضربه ضارب على حجاج عينه، فأغمض السيف في عينه، وخرّ فابتدره القوم، فحزوا رأسه؛ فلما قتل ترجّل محمد، فقاتل على جيفته حتى قتل. وحدّثني مخلد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهليّ، قال: سمعت الفضل بن سليمان مولى بني نمير يخبر عن أخيه - وكان قد قتل له أخ مع محمد - قال: كان الخراسانية إذا نظروا إلى ابن خضير تنادوا: " خضير آمد، خضير آمد! " ، وتصعصعوا لذلك. وحدّثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: أتينا برأس ابن خضير؛ فوالله ما جعلنا نستطيع حمله لما كان به من الجراح؛ والله لكأنه باذنجاتة مفلّقة، وكنا نضمّ أعظمه ضمّا. وحدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود على منارة المسجد فتّ ذلك في أعضادهم، ودخل حميد بن قحطبة من زقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر، وأخذ رأسه فأتيَ به عيسى، وقتل معه بشراً كثيراً. قال: وحدّثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخبرني مسعود الرّحال، قال: رأيت محمداً يومئذ باشر القتال بنفسه، فأنظر إليه حين ضربه رجل بسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وتعاوروا عليه، وصاح حميد بن قحطبة: لا تقتلوه، فكفّوا، وجاء حميد فاحتزّ رأسه. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: برك محمد يومئذ لركبتيه وجعل يذبّ عن نفسه ويقول: ويحكم! أنا ابن نبيكم، محرج مظلوم! وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني ابن أبي ثابت؛ عن عبد الله بن جعفر، قال: طعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل فاحتزّ رأسه، فأتى به عيسى. وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني أبو الحجاج المنقريّ، قال: رأيت محمداً يومئذ وإن أشبه ما خلق الله به لما ذكر عن حمزة بن عبد المطلب، يهذّ الناس بسيفه هذاً؛ ما يقاربه أحد إلا قتله، ومعه سيف، لا والله ما يليق شيئاً؛ حتى رماه إنسان بسهم كأني أنظر إليه، أحمر أزرق، ثم دهمتنا الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، فتحاماه الناس، فوجد الموت، فتحامل على سيفه فكسره؛ قال: فسمعت جدّي يقول: كان معه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو الفقار. وحدّثني هرمز أبو عليّ مولى باهلة، قال: حدّثني عمرو بن المتوكل - وكانت أمّه تخدم فاطمة بنت حسين - قال: كان مع محمد يوم قتل سيف النبيّ صلى الله عليه وسلم ذو الفقار، فلما أحسّ الموت أعطى سيفه رجلاً من التجار كان معه - وكان له عليه أربعمائة دينار - فقال له: خذ هذا السيف؛ فإنك لا تلقى به أحداً من آل أبي طالب إلاّ أخذه وأعطاك حقك. قال: فكان السيف عنده، حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه، وأعطاه أربعمائة دينار، فلم يزل عنده حتى قام المهديّ، ووليَ جعفر المدينة، وبلغه مكان السيف؛ فأخذه، ثم صار إلى موسى، فجرّب به على كلب، فانقطع السيف. وحدّثني عبد الملك بن قريب الأصمعيّ، قال: رأيت الرشيد أمير المؤمنين بطوس، متقلداً سيفاً، فقال لي: يا أصمعيّ، ألا أريك ذا الفقار؟ قلت: بلى، جعلني الله فداك! قال: استلّ سيفي، فاستللته، فرأيت فيه ثمان عشرة فقارة. وحدّثني أبو عاصم النبيل، قال: حدّثني أخو الفضل بن سليمان النّميريّ قال: كنا مع محمد، فأطاف بنا أربعون ألفاً، فكانوا حولنا كالحرّة السوداء، فقلت له: لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إنّ أمير المؤمنين لا يحمل، إنه إن حمل لم تكن له بقيّة. قال: فجعلنا نعيد ذلك عليه؛ فحمل، فالتفّوا عليه فقتلوه. وحدّثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم - ويدعى ابن البوّاب؛ وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون، من أدباء الناس وعلمائهم - قال: حدّثني أبي عن الأسلميّ - يعني عبد الله بن عامر - قال: قال لي محمد ونحن نقاتل معه عيسى: تغشانا سحابة؛ فإن أمطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي على أحجار الزيت؛ قال: فوالله ما لبثنا أن أطلّتنا سحابة فأحالت حتى قلت: تفعل، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه، فما كان إلا كلا ولا؛ حتى رأيته قتيلاً بين أحجار الزيت. وحدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال: قال عيسى لحميد بن قحطبة عند العصر: أراك قد أبطأت في أمر هذا الرجل، فولّ حمزة بن مالك حربَه، فقال: والله لو رمت أنت ذاك ما تركتك؛ أحين قتلت الرجال ووجدت ريح الفتح! ثم جدّ في القتال حتى قتل محمد. وحدّثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عجل، قال: أخبرني حميد مولى محمد بن أبي العباس، قال: اتّهم عيسى حميد بن قحطبة يومئذ - وكان على الخيل - فقال: يا حميد، ما أراك تبالغ، قال: أتتهمني! فوالله لأضربنّ محمداً حين أراه بالسيف أو أقتل دونه. قال: فمرّ به وهو مقتول؛ فضربه بالسيف ليبرّ يمينه. وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: قتل محمد بعد العصر، يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني أبي، قال: بعث عيسى فدقّ السجن، فحملنا إليه والقتال دائب بينهم؛ فلم نزل مطّرحين بين يديه، حين أتيَ برأس محمد، فقلت لأخي يوسف: إنه سيدعونا إلى معرفته، ولا نعرفه له؛ فإنا نخاف أن نخطىء؛ فلما أتيَ به قال: أتعرفانه؟ قلنا: نعم، قال: انظرا، أهو هذا؟ قال أبي: فبدرت يوسف، فقلت: أرى دماً كثيراً وأرى ضرباً؛ فوالله ما أثبته، قال: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنا كلها حتى أصبحنا. قال: ثم ولاّني ما بين مكة والمدينة، فلم أزل والياً عليه حتى قدم جعفر بن سليمان، فحدرني إليه، وألزمني نفسه. وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: حدّثني أبو كعب، قال: حضرت عيسى حين قتل محمداً، فوضع رأسه بين يديه، فأقبل على أصحابه، فقال: ما تقولون في هذا؟ فوقعوا فيه، قال: فأقبل عليهم قائد له، فقال: كذبتم والله وقلتم باطلاً، لما على هذا قاتلناه؛ ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشقّ عصا المسلمين؛ وإن كان لصوّاماً قوّاماً. فسكت القوم. وحدّثني ابن البوّاب عبد الله بن محمد، قال: حدّثني أبي، عن الأسلميّ، قال: قدم على أبي جعفر قادم، فقال: هرب محمد، فقال: كذبت! نحن أهل البيت لا نفرّ. وحدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: حدّثني أبو الحجاج الجمّال، قال: إني لقائم على رأس أبي جعفر، وهو مسائلي عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى قد هُزم - وكان متّكئاً فجلس - فضرب بقضيب معه مصلاّه، وقال: كلاّ، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما أني لذلك بعد!. قال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: أصاب أبا القلمّس نشابة في ركبته، فبقي نصلها، فعالجها فأعياه، فقيل له: دعه حتى يقيح فيخرج، فتركه، فلما طلب بعد الهزيمة لحق بالحرّة، وأبطأ به ما أصاب ركبته، فلم يزل بالنّصل حتى استخرجه ثم جثا لركبتيه، ونكب كنانته، فرماهم فتصدّعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا. وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم، قال: لما انهزمنا يومئذ كنت في جماعة، فيهم أبو القلمّس، فالتفتّ إليه، فإذا هو مستغرب ضحكاً، قال: فقلت: والله ما هذا بموضع ضحك، وخفضت بصري؛ فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصه، فلم يبق منه إلا جربّانه وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر؛ قال: فجعلت أضحك لضحك أبي القلمّس. فحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: لم يزل أبو القمّس مختفياً بالفرع، وبقي زماناً ثم عدا عليه عبد له، فشدخ رأسه بصخرة فقتله، ثم أتى أمّ ولد كانت له، فقال: إني قد قتلت سيّدك فهلمّي أتزوّجك؟ قالت: رويداً أتصنّع لك، فأمهلها، فأتت السلطان فأخبرته، فأخذ العبد فشدخ رأسه. حدّثني محمود بن معمر بن أبي الشدائد، قال: أخبرني أبي، قال: لما دخلت خيل عيسى من شعب بني فزارة، فقتل محمد، اقتحم نفر على أبي الشدائد فقتلوه، وأخذوا رأسه، فنادت ابنته الناعمة بنت أبي الشدائد: وارجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومن رجالك؟ قالت: بنو فزارة، قال: والله لو علمت ما دخلت بيتك، فلا بأس عليك، أنا امرؤ من عشيرتك من باهلة؛ وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها. قال: وأتي عيسى برأسه، وعنده ابن أبي الكرام ومحمد بن لوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فاسترجعا وقالا: والله ما بقي من أهل المدينة أحد، هذا رأس أبي الشدائد، فالح بن معمر - رجل من بني فزارة مكفوف - قال: فأمر منادياً فنادى: من جاء برأس ضربنا رأسه. وحدّثني عليّ بن زادان، قال: حدّثني عبد الله بن برقي، قال: رأيت قائداً من قوّاد عيسى، جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز؛ فأرشدناه إليه. قال: فخرج وعليه قميص رياط، قال: فأنزلوا قائدهم، وحملوه على برذونه وخرجوا به يزفّونه، حتى أدخلوه على عيسى، فما هاجه. حدّثني قدامة بن محمد، قال: خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد ابن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال، تقلد كلّ واحد منهما قوساً، فظننّا أنهما أرادا أن يريا الناس أنهما قد صلحا لذلك. وحدّثني عيسى، قال: حدّثني حسين بن يزيد، قال: أتيَ بابن هرمز إلى عيسى بعد ما قتل محمد، فقال: أيها الشيخ، أما وزعك فقهك عن الخروج مع من خرج! قال: كانت فتنةً شملت الناس، فشملتنا فيهم، قال: اذهب راشداً. وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: سمعت مالك بن أنس، يقول: كنت آتي ابن هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب، وترخي الستر، ثم يذكر أوّل هذه الأمّة، ثم يبكي حتى تخضلّ لحيته. قال: ثم خرج مع محمد فقيل له: والله ما فيك شيء، قال: قد علمت؛ ولكن يراني جاهل فيقتدي بي. حدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لمّا قتل محمد انخرقت السماء بالمطر بما لم أر مثله انخرق قطّ منها، فنادى منادي عيسى: لا يبيتنّ بالمدينة أحدّ من الجند إلا كثير بن حصين وجنده، ولحق عيسى بعسكره بالجرف؛ فكان به حتى أصبح، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما أصبح محمد في مصرعه، أرسلت أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل، وقضيتم منه حاجتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه! فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بنّي عميّ مما نيل منه فوالله ما أمرت ولا علمت؛ فوارياه راشدتين. فبعثتا إليه فاحتمل، فقيل: إنه حشي في مقطع عنقه عديله قطناً، ودفن بالبقيع، وكان قبره وجاه زقاق دار عليّ بن أبي طالب، شارعاً على الطريق أو قريباً من ذلك؛ وبعث عيسى بألوية فوضع على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحد، وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر، وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهريّ آخر، وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر، وعلى باب دار أبي عمرو الغفاريّ آخر، وصاح مناديه: من دخل تحت لواء منها، أو دخل داراً من هذه الدور فهو آمن؛ ومطرت السماء مطراً جوداً، فأصبح الناس هادئين في أسواقهم؛ وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجرف، فأقام بالمدينة أياماً، ثم شخص صبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة. حدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفنه، وأمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر رن عبد العزيز. قال أزهر: فرأيتهم صفين؛ ووكل بخشبة ابن خضير من يحرسها، فاحتمله قومٌ في الليل فواروه، ولم يقدر عليهم، وأقام الآخرون مصلّبين ثلاثاً، ثم تأذّى بهم الناس، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سلع، وهي مقبرة اليهود، فلم يزالوا هنالك، ثم ألقوا في خندق بأصل ذباب. حدّثني عيسى بن عبد الله قال: حدّثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين، قالت: قلت لعمّي جعفر بن محمد: إني - فديتك - ما أمر محمد بن عبد الله هذا؟ قال: فتنته يقتل فيها محمد عند بيت روميّ، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق وحوافر فرسه في ماء. حدّثني عيسى، عن أبيه، قال: خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ - وكان عمه جعفر يقول له: هو والله مقتول، قال: فتنحّى جعفر. حدّثني عيسى، قال: حدّثنا ابن أبي الكرام، قال: بعثني عيسى برأس محمد، وبعث معي مائة من الجند، قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النّجف كبّرنا - قال: وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصر هارون ابن سعد العجليّ - فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قال: هذا ابن أبي الكرام، جاء برأس محمد بن عبد الله، قال: ائذن له ولعشرة ممن معه، قال: فأذن لي، فوضعت الرأس بين يديه في ترس، فقال: من قُتل معه من أهل بيته؟ قلت: لا والله ولا إنسان، قال: سبحان الله! هو ذاك. قال: فرفع رأسه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذي كان قبله؟ قال الربيع: زعم أنه قتل منهم عدد كثير، قلت: لا والله ولا واحد. حدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: لما قدم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة، أمر به فطيف في طبق أبيض، فرأيته آدم أرقط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق. وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل ينبع، قال: لما أتيَ أبو جعفر برءوس بني شجاع، قال: هكذا فليكن الناس، طلبت محمداً فاشتمل هؤلاء عليه، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا. قال عمر: أنشدني عيسى بن إبراهيم وإبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زبالة وغيرهم لعبد الله ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي محمداً: تبكي مدلّه أن تقنّص حبلهم ... عيسى وأقصد صائباً عثمانا هلاّ على المهديّ وابني مصعب ... أذريت دمعك ساكباً تهتاناً! ولفقد إبراهيم حين تصدّعت ... عنه الجموع فواجه الأقرانا سالت دموعك ضلّة قد هجت لي ... برحاء وجد تبعث الأحزانا والله ما ولد الحواضن مثلهم ... أمضى وأرفع محتداً ومكانا وأشد ناهضةً وأقول للّتي ... تنفي مصادر عدلها البهتانا فهناك لو فقّأت غير مشوّه ... عينيك من جزع عذرت علانا رزء لعمرك لو يصاب بمثله ... مبطان صدّع رزؤه مبطانا وقال ابن مصعب: يا صاحبيّ دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما وقفا بقبر ابن النبيّ فسلّما ... لا بأس أن تقفا به فتسلّما قبر تضمّن خير أهل زمانه ... حسباً وطيب سجيّةٍ وتكرّما رجل نفي بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه، ولم يفتح بفاحشة فما لو أعظم الحدثان شيئاً قبله ... بعد النبيّ به لكنت المعظما أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحداً لكان قصاره أن يسلما ضحّوا بإبراهيم خير ضحيّة ... فتصرّمت أيامه وتصرّما بطلاً يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشاً رعشاً ولا مستسلما حتى مضت فيه السيوف وربّما ... كانت حتوفهم السيوف وربّما أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما ونساؤهم في دورهنّ نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنّما يتوسّلون بقتلهم ويرونه ... شرفاً لهم عند الإمام ومغنما والله لو شهد النبيّ محمّدٌ ... صلّى الإله على النبيّ وسلّما إشراع أمّته الأسنّة لابنه ... حتى تقطّر من ظباتهم دما حقاً لأيقن أنهم قد ضيّعوا ... تلك القرابة واستحلّوا المحرما وحدّثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثني موسى بن عبد الله ابن حسن، قال: خرجت من منازلنا بسويقة في الليل، وذلك قبل مخرج محمد ابن عبد الله؛ فإذا بنسوة كأنما خرجن من ديارنا؛ فأخذتني عليهنّ غيرة، فإني لأتبعهنّ أنظر أين يردن؛ حتى إذا كنّ بطرف الحميراء من جانب الغرس؛ التفتت إليّ إحداهنّ، فقالت: سويقة بعد ساكنها يباب ... لقد أمست أجدّبها الخراب فعرفت أنهنّ من ساكني الأرض، فرجعت. وحدّثني عيسى، قال: لما قتل عيسى بن موسى محمداً قبض أموال بني حسن كلّها، فأجاز ذلك أبو جعفر. وحدّثني أيوب بن عمر، قال: لقيَ جعفر بن محمد أبا جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، ردّ عليّ قطيعتي عين أبي زياد آكل من سعفها، قال: إياي تكلم بهذا الكلام! والله لأزهقنّ نفسك. قال: فلا تعجل عليّ؛ قد بلغت ثلاثاً وستين، وفيها مات أبي وجدّي عليّ بن أبي طالب؛ وعليّ كذا وكذا إن ربتك بشيء أبداً، وإن بقيت بعدك إن ربت الذي يقوم بعدك. قال: فرقّ له وأعفاه. وحدّثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد، قال: لم يرد أبو جعفر عين أبي زياد حتى مات فردّها المهديّ على ولده. وحدّثني هشام بن إبراهيم، قال: لما قتل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة، فلم يحمل إليهم من ناحية البحار شيء؛ حتى كان المهديّ فأمر بالبحر ففتح لهم، وأذن في الحمل. وحدّثني محمد بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثتني أمّي أمّ سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر زوجة موسى بن عبد الله، قالت: خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن في ميراث عبد الله، وقالوا: قتل أبوكم محمد فورثه عبد الله؛ فتنازعوا إلى الحسن بن زيد؛ فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، فكتب إليه: أما بعد؛ فإذا بلغك كتابي هذا فورّثهم من جدّهم، فإني قد رددت عليهم أموالهم صلةً لأرحامهم، وحفظاً لقرابتهم. وحدّثني عيسى، قال: خرج مع محمد من بني هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحسين وعيسى ابنا زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ قال: فحدّثني عيسى، قال: بلغني أن أبا جعفر كان يقول: واعجبا لخروج ابني زيد بن عليّ وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما أحرقه، وحمزة ابن عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين بن أبي طالب، وعليّ وزيد ابنا حسن ابن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب! قال عيسى: قال أبو جعفر للحسن بن زيد: كأني أنظر إلى ابنيك واقفين على رأس محمد بسيفين، عليهما قباءان. قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم، قال: أجل فهذا من ذاك. والقاسم ابن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمرجّى عليّ بن جعفر بن إسحاق بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال عيسى: قال أبو جعفر لجعفر بن إسحاق: من المرجّى هذا؟ فعل الله به وفعل! قال: يا أمير المؤمنين؛ ذاك ابني، والله لئن شئت أن أنتفي منه لأفعلنّ. ومن بني عبد شمس محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. قال: وحدثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدّثني عبّاد بن كثير، قال: خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقله، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة قيّده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأي أهل البصرة في رجل قيّد الحسن؟ قال: سيّئاً والله، قال: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثمّ، فتركه. ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله، أنّ عبيد الله بن عمر ابن حفص بن عاصم خرج معه؛ فأتى به أبو جعفر بعد قتل محمد، فقال له: أنت الخارج عليّ مع محمد؟ قال: لم أجد إلاّ ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، قال عمر: هذا وهمٌ. قال: وحدّثني عبد العزيز بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: كان عبيد الله قد أجاب محمداً إلى الخروج معه؛ فمات قبل أ، يخرج، وخرج معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة بن أبي رهم بن عبد العزّى ابن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، وخرج معه عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن ابن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدّراورديّ وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بنى سباع، وابن سباع من خزاعة حليف بني زهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقو وعثمان وعبد العزيز؛ بنو عبد الله بن عطاء. وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير. قال: وحدّثني الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: إنا لبالمُرّ من بطن إضم، وعندي زوجتي أمينة بنت خضير؛ إذ مرّ بنا رجل مصعد من المدينة، فقالت له: ما فعل محمد؟ قال: قتل، قالت: فما فعل ابن خضير؟ قال: قتل، فخرّت ساجدة، فقلت: أتسجدين أن قُتِل أخوك! قالت: نعم، أليس لم يفرّ ولم يؤسر! قال عيسى: حدّثني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: من استنصر مع محمد؟ قال: آل الزبير، قال: ومن؟ قال: وآل عمر، قال: أما والله لعن غير مودّة بهما له ولا محبّةلهولا لأهلبيته. قال: وكان أبو جعفر يقول: لو وجدت ألفاً من آل الزّبير كلهم محسن وفيهم مسىء واحدٌ لقتلتهم جميعاً، ولو وجدت ألفاً من آل عمر كلهم مسيء وفيهم محسنٌ واحد لأعفيتهم جميعاً. قال عمر: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزّبير، قال: لما قتل محمد، هرب أبي موسى بن عبد الله بن حسن وأنا معهما وأبو هبّار المزنيّ، فأتينا مكة، ثم انحدرنا إلى البصرة، فاكترينا من رجل يدعى حكيماً، فلما وردنا البصرة - وذلك بعد ثلث الليل - وجدنا الدروب مغلقة، فجلسنا عندها حتى طلع الفجر؛ ثم دخلنا فنزلنا المربد، فلما أصبحنا أرسلنا حكيماً يبتاع لنا طعاماً؛ فجاء به على رجل أسود، في رجله حديدة، فدخل به علينا فأعطاه جُعْله، فتسخّط علينا، فقلنا: زده، فتسخّط، فقلنا له: ويلك! أضعف له، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتتصفّح وجوهنا. ثم خرج فلم ننشب أن أحاطت بمنزلنا الخيل، فقلنا لربّة المنزل: ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها، تطلب رجلاً من بني سعد يدعى نميلة بن مرّة، كان خرج مع إبراهيم، قال: فوالله ما راعنا إلاّ بالأسود قد دخل به علينا، قد غطّي رأسه ووجهه. فلما دُخل به كشف عنه، ثم قيل: أهؤلاء؟ قال: نعم هؤلاء؛ هذا موسى بن عبد الله، وهذا عثمان بن محمد، وهذا ابنه ؛ ولا أعرف الرابع غير أنه من أصحابهم. قال: فأخذنا جميعاً، فدخل بنا على محمد بن سليمان فلما نظر إلينا أقبل على موسى، فقال: لا وصل الله رحمك! أتركت البلاد جميعاً وجئتني! فإما أطلقتك فتعرّضت لأمير المؤمنين، وإمّا أخذتك فقطعت رحمك. ثم كتب إلى أمير المؤمنين بخبرنا. قال: فجاء الجواب أن احملهم إليّ، فوجّهنا إليه ومعنا جند، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جنداً آخر ينتظروننا؛ ثم لم نزل نأتي على المسالح من الجند في طريقنا كله، حتى وردنا بغداد، فدُخل بنا على أبي جعفر، فلما نظر إلى أبي قال: هيه! أخرجت عليّ مع محمد! قال: قد كان ذاك؛ فأغلظ له أبو جعفر؛ فراجعه مليّاً، ثم أمر به فضربت عنقه. ثم أمر بموىس فضرب بالسياط، ثم أمر بي فقرّبت إليه، فقال: اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه؛ فإذا نظر إليه فاضربوا عنقه على جيفته. قال: فكلمه عيسى بن عليّ، وقال: والله ما أحسبه بلغ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كنت غلاماً حدثاً غراً أمرني أبي فأطعته، قال: فأمر بي فضربت خمسين سوطاً، ثم حبسني في المطبق وفيه يومئذ يعقوب بن داود، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه، يطعمني من طعامه، ويسقيني من شرابه، فلم نزل كذلك حتى توفّي أبو جعفر، وقام المهديّ وأخرج يعقوب، فكلمه فيّ فأخرجني. قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن خالد، قال: أخبرني محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: إني لعند أبي جعفر، إذ أتى فقيل له: هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دخل به، فلما رآه أبو جعفر، قال: أين المال الذي عندك؟ قال: دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله، قال: ومن أمير المؤمنين؟ قال: محمد بن عبد الله، قال: أبايعته؟ قال: نعم كما بايعته، قال: يا بن اللخناء! قال: ذاك من قامت عنه الإماء، قال: اضرب عنقه، قال: فأخذ فضربت عنقه. قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد ابن عثمان بن خالد الزبيريّ، قال: لما خرج محمد خرج معه رجلٌ من آل كثير بن الصلت، فلما قتل وهزم أصحابه تغيّبوا؛ فكان أبي والكثيريّ فيمن تغيّب، فلبثوا بذلك؛ حتى قدم جعفر بن سليمان والياً على المدينة، فاشتدّ في طلب أصحاب محمد، فاكترى أبي من الكثيريّ إبلاً كانت له، فخرجنا متوجّهين نحو البصرة؛ وبلغ الخبر جعفراً، فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجّهنا إلى البصرة، ويأمره بالترصّد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا، فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا، فأرسل إلينا فأخذنا، فأتيَ بنا، فأقبل عليه أبي، فقال: يا هذا، اتّق الله في كريّنا هذا؛ فإنه أعرابيّ لا علم له بنا، إنما أكرانا ابتغاء الرزق، ولو علم بجريرتنا ما فعل؛ وأنت معرّضه لأبي جعفر؛ وهو من قد علمت؛ فأنت قاتله ومتحمّل مأثمه. قال: فوجم محمد طويلاً، ثم قال: هو والله أبو جعفر، والله ما أتعرّض له، ثم حُملنا جميعاً فدخلنا على أبي جعفر؛ وليس عنده أحد يعرف الكثيريّ غير الحسن بن زيد، فأقبل على الكثيريّ، فقال: يا عدوّ الله، أتكرِي عدوّ المؤمنين، ثم تنقله من بلد إلى بلد، تواريه مرة وتظهره أخرى! قال: يا أمير المؤمنين، وما علمي بخبره وجريرته وعداوته إياك! إنما أكريته جاهلاً به، ولا أحسبه إلاّ رجلاً من المسلمين، برىء الساحة؛ سليم الناحية؛ ولو علمت حاله لم أفعل. قال: وأكبّ الحسن بن زيد ينظر إلى الأرض، لا يرفع رأسه. قال: فأوعد أبو جعفر الكثيريّ وتهدده، ثم أمر بإطلاقه، فخرج فتغيّب، ثم أقبل على أبي، فقال: هيه يا عثمان! أنت الخارج على أمير المؤمنين، والمعين عليه! قال: بايعت أنا وأنت رجلاً بمكة، فوفيت ببيعتي وغدرت ببيعتك. قال: فأمر به فضربت عنقه. قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: أتيَ أبو جعفر بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فنظر إليه فقال: إذا قتلتُ مثل هذا من قريش فمن أستبقي! ثم أطلقه، وأتي بعثمان بن محمد ابن خالد فقتله، وأطلق ناساً من القرشيّين، فقال له عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين، ما أشقى هذا بك من بينهم! فقال: إن هذا يدي. قال: وحدّثني عيسى، قال: سمعت حسن بن زيد يقول: غدوت يوماً على أبي جعفر؛ فإذا هو قد أمر بعمل دكان، ثم أقام عليه خالداً، وأتيَ بعليّ بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، فأمر به فضرب خمسمائة سوط، ثم أتيَ بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجُلِد خمسمائة سوط؛ فما تحرّك واحد منهما، فقال لي: هل رأيت أصبر من هذين قطّ! والله إنا لنؤتي بالذين قد قاسوا غلظ المعيشة وكدّها، فما يصبرون هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكنّ والنعمة، قلت: يا أمير المؤمنين، هؤلاء قومك أهل الشرف والقدر، قال: فأعرض عني، وقال: أبيت إلا العصبيّة! ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه، فقال: يا أمير المؤمنين، الله الله فينا! فوالله إني لمكبّ على وجهي منذ أربعين ليلة، ما صلّيت لله صلاة! قال: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم، قال: فأين العفو يا أمير المؤمنين؟ قال: فالعفو والله إذاً، ثم خلّى سبيله. حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، عن منحمد بن عمر، قال: كثروا محمداً وألحّوا في القتال حتى قتل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومائة، وحمل رأسه إلى عيسى بن موسى، ودخل المدينة، وآمن الناس كلهم. وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يوماً. وفي هذه السنة: استخلف عيسى بن موسى على المدينة كثير بن حصين حين شخص عنها بعد مقتل محمد بن عبد الله بن حسن؛ فمكث والياً عليها شهراً، ثم قدم عبد الله بن الرّبيع الحارثي والياً عليها من قبل أبي جعفر المنصور. وفي هذه السنة ثارت السودان بالمدينة بعبد الله بن الربيع، فهرب منهم. ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيّج ذلك ذكر عمر بن شبة أنّ محمد بن يحيى حدثه، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: كان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة على صدقة أسد وطيّىء فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمّر معه، فلما استخلف عيسى كثير ابن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطاً وحّدده وحبسه. ثم قدم عبد الله بن الرّبيع والياً من قِبل أب جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوّال سنة خمس وأربعين ومائة، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فخرجت طائفة من التجار حتى جاءوا دار مروان، وفيها ابن الربيع، فشكوا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، وطمع فيهم الجند، فتزايدوا في سوء الرأي. قال: وحدثني عمر بن راشد، قال: انتهب الجند شيئاً من متاع السوق، وغدوا على رجل من الصّرّافين يدعى عثمان بن زيد، فغالبوه على كيسه؛ فاستغاث، فخلّص ماله منهم، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوا ذلك إلى ابن الربيع فلم ينكره ولم يغيّره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزّار لحماً يوم الجمعة، فأبى أن يعطيه ثمنه، وشهر عليه السيف؛ فخرج عليه الجزّار من تحت الوضم بشفرة، فطعن بها خاصرته، فخرّ عن دابته، واعتوره الجزّارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد في كلّ ناحية، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوا؛ فلما كان الغد هرب ابن الربيع. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نفخ السودان في بوق لهم؛ فذكر لي بعض من كان في العالية وبعض من كان في السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكّانهما في بعض عمله يسمع نفخ البوق، فيصغي له حتى يتيقّنه ثم يوحّش بما في يده، ويأتمّ الصوت حتى يأتيه. قال: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائة، ورؤساء السودان ثلاثة نفر: وثيق ويعقل ورمقة. قال: فغدوا على ابن الربيع، والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصّلاة، وخرج إليهم فاستطردوا له؛ حتى أتى السوق فمّر بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد، فحمل عليهم بمن معه حتى قتلوهم، ثم مر بأصيبية على طنف دار، فظنّ أن القوم منهم؛ فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم؛ فلما نزلوا ضرب أعناقهم، ثم مضى ووقف عند الحنّاطين، وحمل عليه السودان، فأجلى هارباً فاتّبعوه حتى صار إلى البقيع، ورهقوه فنثر لهم دارهم؛ فشغلهم بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نخل، عن ليلتين من المدينة. قال: وحدّثني عيسى، قال: خرج السوّدان على ابن الربيع، ورؤساؤهم: وثيق وحديا وعنقود وأبو قيس؛ فقاتلهم فهزموه، فخرج حتى أتى بطن نخل فأقام بها. وحدّثني عمر بن راشد، قال: لما هرب ابن الربيع وقع السودان في طعام لأبي جعفر من سويق ودقيق وزيت وقسب، فانتهبوه، فكان حمل الدّقيق بدرهمين، وراوية زيت بأربعة دراهم. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أغاروا على دار مروان ودار يزيد؛ وفيهما طعام كان حمل للجند في البحر، فلم يدعوا فيهما شيئاً. قال: وشخص سليمان بن فليح ين سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: وقتل السودان نفراً من الجند، فهابهم الجند حتى أن كان الفارس ليلقى الأسود وما عليه إلا خرقتان على عورته ودرّاعة، فيولّيه دبره احتقاراً له، ثم لم ينشب أن يشدّ عليه بعمود من عمد السوق فيقتله: فكانوا يقولون: ما هؤلاء السودان إلا سحرة أو شياطين! قال: وحدّثني عثامة بن عمرو السهميّ، قال: حدّثني المسور بن عبد الملك، قال: لما حبس ابن الربيع أبا بكر بن أبي سبرة، وكان جاء بجباية طيّىء وأسد، فدفعها إىل محمد، أشفق القرشيّون على ابن أبي سبرة، فلما خرج السودان على ابن الربيع، خرج ابن أبي سبرة من السجن، فخطب الناس، ودعاهم إلى الطاعة، وصلّى بالناس حتى رجع ابن الربيع. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج ابن أبي سبرة من السجن والحديد عليه، حتى أتى المسجد، فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما، فاجتمعوا عنده، فقال: أنشدكم الله وهذه البليّة التي وقعت! فوالله لئن تمّت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى، إنه لاصطلام البلد وأهله، والعبيد في السوق بأجمعهم؛ فأنشدكم الله إلاّ ذهبتم إليهم فكلمتموهم في الرّجعة والفيئة إلى رأيكم، فإنهم لا نظام لهم. ولم يقوموا بدعوة؛ وإنما هم قوم أخرجتهم الحميّة! قال: فذهبوا إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحباً بكم يا موالينا؛ والله ما قمنا إلا أنفةً لكم مما عمل بكم، فأيدينا مع أيديكم وأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد. وحدّثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدّثني الحسين بن مصعب، قال: لما خرج السودان وهرب ابن الرّبيع، جئتهم أنا وجماعة معي، وقد عسكروا في السوق، فسألناهم أن يتفرّقوا، وأخبرناهم أنّا وإياهم لا نقوى على ما نصبو له، قال: فقال لنا وثيق: إنّ الأمر قد وقع بما ترون؛ وهو غير مبقٍ لنا ولا لكم، فدعونا نشفكم ونشتف أنفسنا، فأبينا، ولم نزل بهم حتى تفرّقوا. وحدّثني عمر بن راشد، قال: كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزّار. قال: فدخل عليه ابن عمران، قال: إلى من تعهد يا وثيق؟ قال: إلى أربعة من بني هاشم، وأربعة من قريش، وأربعة من الأنصار، وأربعة من الموالي؛ ثم الأمر شورى بينهم. قال: أسأل الله إن ولاك شيئاً من أمرنا أن يرزقنا عدلك، قال: قد والله ولاّنيه الله. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: حضر السوُّدان المسجد مع ابن أبي سبرة، فرقيَ المنبر في كبل حديد حتى استوى في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه محمد بن عمران، فكان تحته، وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما، وتبعهم سليمان ابن عبد الله بن أبي سبرة، فكان تحتهم جميعاً؛ وجعل الناس يلغطون لغطاً شديداً، وابن أبي سبرة جالسٌ صامتٌ. فقال ابن عمران: أنا ذاهب إلى السوق، فانحدر وانحدر من دونه، وثبت ابن أبي سبرة، فتكلّم فحثّ على طاعة أمير المؤمنين؛ وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ. ومضى ابن عمران إلى السوق، فقام على بلاسٍ من بلس الحنطة، فتكلم هناك، فتراجع الناس؛ ولم يصلّ بالناس يومئذ إلا المؤذّن، فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس، فاجتمع القرشيّون في المقصورة، أقام الصلاة محمد بن عمار المؤذن، الذي يلقب كساكس، فقال للقرشيين: من يصلّي بكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: ألا تسمعون! فلم يجيبوه، فقال: يا بن عمران، ويا بن فلان، فلم يجبه أحد، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم ابن عبد العزيز بن مروان، فقال: أنا أصلي، فقام في المقام، فقال للناس: استووا، فلما استوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه، ونادى بأعلى صوته: ألا تسمعون! أنا الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلّي بالناس على طاعة أبي جعفر، فردّد ذلك مرتين أو ثلاثاً، ثم كبّر فصلى، فلما أصبح الناس قال ابن أبي سبرة : إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم؛ نهبتم ما في دار عاملكم وطعام جند أمير المؤمنين، فلا يبقينّ عند أحد منكم شيء إلا ردّه، فقد أقعدت لكم الحكم بن عبد الله بن المغيرة بن موهب؛ فرفع الناس إليه ما انتهبوا، فقيل: إنه أصاب قيمة ألف دينار. وحدّثني عثامة بن عمرو، قال: حدّثني المسور بن عبد الملك، قال: ائتمر القرشيون أن يدعو ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبي سبرة على المدينة، ليتحلّل ما في نفس أمير المؤمنين عليه؛ فلما أخرجه السودان، قال له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير وال استخلف! ولّها رجلاً، قال: من؟ قال: قدامة بن موسى، قال: فصيح بقدامة، فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز، فقال: ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة وأعمالها، قال: والله ما قال لك هذا من نصحك، ولا نظر لمن وراءه، ولا أراد إلاّ الفساد، ولأحقّ بهذا مني ومنه من قام بأمر الناس وهو جالس في بيته - يعني ابن أبي سبرة - ارجع أيّها الرجل؛ فوالله ما لك عذر في الخروج، فرجع ابن الربيع. قال وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع، فناشدوه وهو ببطن نخل إلاّ رجع إلى عمله، فتأبّى. قال: فخلا به ابن عبد العزيز، فلم يزل به حتى رجل وسكن الناس وهدءوا. قال: وحدّثني عمر بن راشد، قال: ركب إليه ابن عمران وغيره وقد نزل الأعوص، فكلّموه فرجع، فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومسعر. ذكر الخبر عن بناء مدينة بغدادوفي هذه السنة أسست مدينة بغداد، وهي التي تدعى مدينة المنصور. ذكر الخبر عن سبب بناء أبي جعفر إياها وكان سبب ذلك أنّ أبا جعفر المنصور بنى - فيما ذكر - حين أفضى الأمر إليه الهاشميّة، قبالة مدينة ابن هبيرة، بينهما عرض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشميّة إلى جانب الكوفة. وبنى المنصور أيضاً مدينة بظهر الكوفة سماها الرصافة، فلما ثارت الرّاوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمّى الهاشميّة؛ وهي التي بحيال مدينة ابن هبيرة، كره سكناها لاضطراب من اضطرب أمره عليه من الرّاوندية، مع قرب جواره من الكوفة، ولم يأمن أهلها على نفسه، فأراد أن يبعد من جوارهم؛ فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعاً يتخذه مسكناً لنفسه وجنده، ويبتنى به مدينة، فبدأ فانحدر إلى جرجراياً ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هذا موضع معسكر صالح، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كلّ ما في البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كلّ شيء من الشأم والرّقّة وما حول ذلك. فنزل وضرب عسكره على الصّراة، وخطّ المدينة، ووكل بكل ربع قائداً. وذكر عمر بن شبّة أنّ محمد بن معروف بن سويد حدّثه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان بن مجالد، قال: أفسد أهل الكوفة جند أمير المؤمنين المنصور عليه، فخرج نحو الجبل يرتاد منزلاً، والطريق يومئذ على المدائن، فخرجنا على ساباط، فتخلف بعض أصحابي لرمد أصابه، فأقام يعالج عينيه، فسأله الطبيب: أين يريد أمير المؤمنين؟ قال: يرتاد منزلاً؛ قال: فإنا نجد في كتاب عندنا، أن رجلاً يدعى مقلاصاً، يبنى مدينة بين دجلة والصّراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى عرقاً منها أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها، وأقبل على إصلاح ذلك الفتق، فإذا كاد يلتئم أتاه فتق من البصرة هو أكبر عليه منه؛ فلا يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بنائها فيتمّه، ثم يعمّر عمراً طويلاً، ويبقى الملك في عقبه. قال سليمان: فإنّ أمير المؤمنين لبأطراف الجبال في ارتياد منزل؛ إذ قدم عليّ صاحبي فأخبرني الخبر فأخبرت به أمير المؤمنين، فدعا الرّجل فحدّثه الحديث، فكرّ راجعاً عوده على بدئه، وقال: أنا والله ذاك! لقد سميّت مقلاصاً وأنا صبيّ، ثم انقطعت عني. وذكر عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: لمّا أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روّاداً يرتادون له موضعاً ينزله واسطاً، رافقاً بالعامة والجند، فنعت له موضع قريب من بارما، وذكر له عنه غذاء طيّب، فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه، وبات فيه، وكرّر نظره فيه، فرآه موضعاً طيباً، فقال لجماعة من أصحابه؛ منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزيّ وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: ما رأينا مثله، هو طيّب صالح موافق، قال: صدقتم؛ هو هكذا؛ ولكنه لا يحمل الجند والناس والجماعات، وإنما أريد موضعاً يرتفق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم فيه الأسعار، ولا تشتدّ فيه المؤونة، فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه من البرّ والبحر شيء غلت الأسعار، وقلّت المادّة، واشتدّت المؤونة، وشقّ ذلك على الناس؛ وقد مررت في طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال؛ فأنا نازل فيه، وبائت به؛ فإذا اجتمع لي فيه ما أريد من طيب الليل والموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه. قال الهيثم بن عديّ: فخبّرت أنه أتى ناحية الجسر، فعبر في موضع قصر السلام، ثمّ صلى العصر - وكان في صيف، وكان في موضع القصر بيعة قس - ثم بات ليلةً حتى أصبح، فبات أطيب مبيت في الأرض وأرفقه، وأقام يومه فلم ير إلا ما يحبّ، فقال: هذا موضع أبني فيه؛ فإنه تأتيه المادّة من الفرات ودجلة وجماعة من الأنهار، ولا يحمل الجند والعامّة إلاّ مثله، فخطّها وقدّر بناءها، ووضع أوّل لَبنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله. وذكر عن بشر بن ميمون الشرويّ وسليمان بن مجالد، أنّ المنصور لما رجع من ناحية الجبل، سأل عن خبر القائد الذي حدّثه عن الطبيب الذي أخبره عمّا يجدون في كتبهم من خبر مقلاص، ونزل الدّير الذي هو حذاء قصره المعروف بالخلد، فدعا بصاحب الدّير، وأحضر البطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرّم وصاحب الدير المعروف ببستان القسّ وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ؟ فأخبره كلّ واحد بما عنده من العلم، فوجّه رجالاً من قبله، وأمر كلّ واحد منهم أن يبيت في قرية منها، فبات كلّ رجل منهم في قرية منها، وأتاه بخبرها. وشاور المنصور الذين أحضرهم، وتنحّر أخبارهم؛ فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره، وساء له - فهو الدّهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم، وداره ثابتة على حالها - فقال: يا أمير المؤمنين، سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها وما يختار منها؛ فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طساسيج فى الجانب الغربىّ طسوجين وهما قطربّل وبادوريا، وفى الجانب الشرقىّ طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء، فإن أجدب طسّوج وتأخّرت عمارته كان فى الطسّوج الآخر العمارات وأنت يا أمير المؤمنين على الصّراة، تجيئك الميرة قى السفن من المغرب فى الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشأم، وتجيئك الميرة فى السفن من الصين والهند والبصرة وواسط فى دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها فى تأمرّا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل فى دجلة، وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدّوك ، وأنت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلاّ احتاج إلى العبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسّواد كله، وأنت قريب من البر والبحر والجبل. فازداد المنصور عزماً على النزول في الموضع الذي اختاره. وقال له: يا أمير المؤمنين؛ ومع هذا فإنّ الله قد منّ على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقوّاده وجنده؛ فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنوّ منه، والتدبير في المدن أن تتخذ لها الأسوار والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خنادق لمدينة أمير المؤمنين. وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حماداً التركيّ، قال: بعث المنصور رجالاً في سنة خمس وأربعين ومائة، يطلبون له موضعاً يبني فيه مدينته، فطلبوا وارتادوا، فلم يرض موضعاً، حتى جاء فنزل الدّير على الصّراة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة، ومن هذه الصراة. وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر، عن أبيه، قال: لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهباً، فناداه فأجابه، فقال: تجدون في كتبكم أنه تبنى ها هنا مدينة؟ قال الرّاهب: نعم، يبنيها مقلاص؛ قال أبو جعفر: أنا كنت أدعى مقلاصاً في حداثتي. قال: فأنت إذاً صاحبها، قال: وكذلك لما أراد أن يبني الرّافقة بأرض الروم امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا، وتذهب بمعاشنا، وتضيق منازلنا، فهمّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصّومعة، فقال: هل عندك علم أن يبني ها هنا مدينة؟ فقال له: بلغني أنّ رجلاً يقال له مقلاص يبنيها، قال: أنا مقلاص؛ فبناها على بناء مدينة بغداد، سوى السور وأبواب الحديد وخندق منفرد. وذكر عن السريّ، عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور وجّه في حشر الصنّاع والفعلة من الشأم والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة، فأحضروا، وأمر باختيار قوم من ذوي الفصل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة؛ فكان ممّن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وأمر بخطّ المدينة وحفر الأساسات، وضرب اللّبن وطبخ الآجرّ، فبدىء بذلك؛ وكان أول ما ابتدىء به في عملها سنة خمس وأربعين ومائة. وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عياناً، فأمر أن يخطّ بالرّماد، ثم أقبل يدخل من كلّ باب، ويمرّ في فصلانها وطاقاتها ورحابها؛ وهي مخطوطة بالرماد، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من خنادقها؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن، وينصب عليه النّفط، فنظر إليها والنار تشتعل، ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم، ثم ابتدىء في عملها. وذكر عن حمّاد التركيّ أنّ المنصور بعث رجالاً يطلبون له موضعاً يبني فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومائة، قبل خروج محمد بن عبد الله بسنة أو نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد؛ قرية على شاطىء الصراة؛ مما يلي الخلد، وكان في موضع بناء الخلد دير، وكان في قرن الصراة مما يلي الخلد من الجانب الشرقيّ أيضاً قرية ودير كبير كانت تسمّى سوق البقر؛ وكانت القرية تسمى العتيقة؛ وهي التي افتتحها المثنّى بن حارثة الشيبانيّ، قال: وجاء المنصور، فنزل الدّير الذي في موضع الخلد على الصّراة، فوجده قليل البقّ، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه الميرة من الفرات ودجلة، ويصلح أن تبتنى فيه مدينة؛ فقال للراهب الذي في الدير: يا راهب، أريد أن أبني ها هنا مدينة، فقال: لا يكون، إنما يبنى ها هنا ملك يقال له أبو الدوانيق؛ فضحك المنصور في نفسه، وقال: أنا أبو الدوانيق. وأمر فخطّت المدينة، ووكّل بها أربعة قوّاد، كلّ قائد بربع. وذكر عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء، فامتنع من ذلك، فحلف المنصور أن يتولّى له، وحلف أبو حنيفة ألاّ يفعل، فولاّه القيام ببناء المدينة وضرب اللّبن وعدّه، وأخذ الرجال بالعمل. قال: وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه؛ قال: وكان أبو حنيفة المتولّي لذلك، حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة ممايلي الخندق، وكان استتمامه في سنة تسع وأربعين ومائة. وذكر عن الهيثم بن عديّ، أن المنصور عرض على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف ألاّ يقلع عنه حتى يعمل، فأخبر بذلك أبو حنيفة، فدعا بقصبة، فعدّ اللبن على رجل قد لبّنه، وكان أبو حنيفة أوّل من عد اللبن بالقصب؛ فأخرج أبا جعفر عن يمينه، واعتل فمات ببغداد. وقيل: إنّ أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء وإحكام الأساس؛ أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعاً، وقدّر أعلاه عشرين ذراعاً، وجعل في البناء جوائز قصب مكان الخشب، في كل طرقة؛ فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة - وذلك في سنة خمس وأربعين ومائة - أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء. وذكر عن أحمد بن حميد بن جبلة، قال: حدّثني أبي، عن جدّي جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديّين، يقال لها المباركة، وكانت لستين نفساً منهم، فعوّضهم منها وأرضاهم، فأخذ جدّي قسمة منها. وذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أنّ حماداً التركيّ قال: كان حول مدينة أبي جعفر قرى قبل بنائها؛ فكان إلى جانب باب الشأم قرية يقال لها الخطابية، على باب درب النّورة، إلى درب الأقفاص، وكان بعض نخلها في شارع باب الشأم، إلى أيام المخلوع في الطريق، حتى قطع في أيام الفتنة، وكانت الخطّابية هذه لقوم من الدّهاقين، يقال لهم بنو فروة وبنو قنورا؛ منهم إسماعيل بن دينار ويعقوب بن سليمان وأصحابهم. وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات أنّ القرية التي في مربّعة أبي العباس كانت قرية جدّه من قبل أمّه، وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زرارى؛ وكانت القرية تسمى الوردانيّة، وقرية أخرى قائمة إلى اليوم ممايلي مربعة أبي فروة. وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب كانت قرية يقال لها شرفانيّة، ولها نخيل قائم إلى اليوةم ممايلي قنطرة أبي الجون، وأبو الجون من دهاقين بغداد من أهل هذه القرية. وذكر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى من رستاق الفروسيج من بادوريا. وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات، أنه سمع أباه أو جدّه - شك راوي ذلك عنه - يقول: دخل عليّ رج من دهاقين بادوريا وهو مخرّق الطيلسان؛ فقلت له: من خرّق طيلسانك؟ قال: خرق والله في زحمة الناس اليوم، في موضع طالما طردت فيه الأرانب والظباء - يريد باب الكرخ. ويقال: إن قطيعة الربيع الخارجة إنما هي أقطاع المهديّ للربيع، وأنّ المنصور إنما كان أقطعه الداخلة. وقيل: إن نهر طابق كسرويّ، وأنه نهر بابك من بهرام بن بابك، وأن بابك هذا هو الذي اتّخذ العقر الذي عليه قصر عيسى بن عليّ، واحتفر هذا النهر. وذكر أنّ فرضة جعفر إقطاع من أبي جعفر لابنه جعفر، وأن القنطرة العتيقة من بناء الفرس. وذكر عن حماد التركيّ، قال: كان المنصور نازلاً بالدّير الذي على شاطىء دجلة بالموضع المعروف بالخلد، ونحن في يوم صائف شديد الحرّ في سنة خمس وأربعين ومائة؛ وقد خرجت فجلست مع الربيع وأصحابه، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس إلى المقصورة، فاستأذن فآذنّا المنصور به، وكان معه سلم بن أبي سلم، فأذن له فخبّره بخروج محمد، فقال المنصور: نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحرمين المادة، ثم قال: إنما هم في مثل حرجة، إذا انقطعت عنهم المادّة والميرة من مصر. قال: وأمر بالكتاب إلى العباس بن محمد - وكان على الجزيرة يخبره بخبر محمد - وقال: إني راحل ساعة كتبت إلى الكوفة، فأمدّني في كلّ يوم بما قدرت عليه من الرجال من أهل الجزيرة. وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشأم، ولو أن يرد عليّ في كل يوم رجل واحد أكثر به من معي من أهل خراسان، فإنه إن بلغ الخبر الكذّاب انكسر. قال: ثم نادى بالرّحيل من ساعته، فخرجنا في حرّ شديد حتى قدم الكوفة، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وإبراهيم، فلما فرغ منهما رجع إلى بغداد. وذكر عن أحمد بن ثابت، قال: سمعت شيخاً من قريش يحدّث أنّ أبا جعفر لما فصل من بغداد، متوجّهاً نحو الكوفة، وقد جاءه البريد بمخرج محمد بن عبد الله بالمدينة، نظر إليه عثمان بن عمارة بن حريم وإسحاق بن مسلم العقيليّ وعبد الله بن الربيع المدانيّ - وكانوا من صحابته - وهو يسير على دابّته وبنو أبيه حوله. فقال عثمان: أظنّ محمداً خائباً ومن معه من أهل بيته؛ إنّ حشو ثياب هذا العباسيّ لمكرٌ ونكر ودهاء؛ وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جذل الطّعان: فكم من غارة ورعيل خيل ... تداركها وقد حميَ اللقاء فردّ مخيلها حتّى ثناها ... بأسمر ما يرى فيه التواء قال: فقال إسحاق بن مسلم: قد والله سبرته ولمست عوده فوجدته خشناً، وغمزته فوجدته صليباً، وذقته فوجدته مراً؛ وأنه ومن حوله من بني أبيه لكما قال ربيعة بن مكدّم: سما لي فرسان كأن وجوههم ... مصابيح تبدو في الظلام زواهر يقودهم كبش أخو مصمئلة ... عبوس السرى قد لوّحته الهواجر قال: وقال عبد الله بن الربيع: هو ليث خيس، ضيغم شموس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس؛ وأنه يهيج من الحرب كما قال أبو سفيان بن الحارث: وإن لنا شيخاً إذا الحرب شمّرت ... بديهته الإقدام قبل النوافر قال: فمضى حتى سار إلى قصر ابن هبيرة، فنزل الكوفة ووجّه الجيوش، فلما انقضت الحرب، رجع إلى بغداد فاستتمّ بناءها. ذكر الخبر عن ظهور إبراهيم بن محمد ومقتلهوفي هذه السنة ظهر إبراهيم بن عبد الله بن حسن، أخو محمد بن عبد الله ابن حسن بالبصرة؛ فحارب أبا جعفر المنصور. وفيها قتل أيضاً. ذكر الخبر عن سبب مخرجه وعن مقتله وكيف كان فذكر عن عبد الله بن محمد بن حفص، قال: حدّثني أبي، قال: لما أخذ أبو جعفر عبد الله بن حسن، أشفق محمد وإبراهيم من ذلك، فخرجا إلى عدن، فخافا بها، وركبا البحر حتى صارا إلى السِّند، فسعى بهما إلى عمر بن حفص، فخرجا حتى قدما الكوفة وبها أبو جعفر. وذكر عمر بن شبّه أنّ سعيد بن نوح الضّبعيّ؛ ابن ابنة أبي الساج الضبعيّ، حدّثه قال: حدّثتني منة بنت أبي المنهال، قالت: نزل إبراهيم في الحيّ من بني ضبيعة في دار الحارث بن عيسى، وكان لا يرى بالنهار، وكانت معه أم ولد له؛ فكنت أتحدث إليها، ولا ندري من هم؛ حتى ظهر فأتيتها، فقلت: إنك لصاحبتي؟ فقالت: أنا هي؛ لا والله ما أقرّتنا الأرض منذ خمس سنين؛ مرّة بفارس، ومرّة بكرمان، ومرّة بالحجاز، ومرّة باليمن. قال عمر: حدّثني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثني مطهر ابن الحارث، قال: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة؛ ونحن عشرة، فصحبنا أعرابيّ في بعض الطريق، فقلنا له: ما اسمك؟ قال: فلان بن أبي مصاد الكلبيّ، فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة؛ فأقبل عليّ يوماً، فقال: أليس هذا إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ فقلت: لا، هذا رجل من أهل الشأم؛ فلما كنّا على ليلة من البصرة، تقدّم إبراهيم وتخلّفنا عنه، ثم دخلنا من غدٍ. قال عمر: وحدّثني أبو صفوان نصر بن قديد بن نصر بن سيار؛ قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومائة، منصرف الناس من الحجّ؛ فكان الذي أقدمه وتولّى كراءه وعادله في محمله يحيى بن زياد ابن حسان النّبطيّ، فأنزله في داره في بني ليث، واشترى له جارية أعجمية سنديّة، فأولدها ولداً في دار يحيى بن زياد؛ فحدّثني ابن قديد ابن نصر؛ أنه شهد جنازة ذلك المولود، وصلى عليه يحيى بن زياد. قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي، قال: نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشأم على آل القعقاع بن خليد العبسيّ، فكتب الفضل بن صالح بن عليّ - وكان على قنّسرين - إلى أبي جعفر في رقعة أدرجها في أسفل كتابه، يخبره خبر إبراهيم، وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدراً إلى البصرة؛ فورد الكتاب على أبي جعفر، فقرأ أوّله فلم يجد إلاّ السلامة، فألقى الكتاب إلى أبي أيّوب الموريانيّ، فألقاه في ديوانه؛ فلما أرادوا أن يجيبوا الولاة عن كتبهم فتح أبان بن صدقة - وهو يومئذ كاتب أبي أيوب - كتاب الفضل؛ لينظر في تأريخه، فأفضى إلى الرّقعة؛ فلما رأى أوّلها: أخبر أمير المؤمنين، أعادها في الكتاب، وقام إلى أبي جعفر، فقرأ الكتاب؛ فأمر بإذكاء العيون ووضع المراصد والمسالح. قال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحمن بن الفضل، قال: أخبرني أبي قال: سمعت إبراهيم يقول: اضطرّني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، وذلك أنه قدمها يطلبني، فتحيّرت؛ فلفظتني الأرض؛ فجعلت لا أجد مساغاً، ووضع الطلب والمراصد؛ ودعا الناس إلى غدائه، فدخلت فيمن دخل، وأكلت فيمن أكل؛ ثم خرجت وقد كفّ الطلب. قال: وحدّثني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: قال رجل لمطهر بن الحارث: مرّ إبراهيم بالكوفة ولقيته، قال: لا والله ما دخلها قطّ؛ ولقد كان بالموصل، ثم مرّ بالأنبار، ثم ببغداد، ثم بالمدائن والنّيل وواسط. قال: وحدّثني نصر بن قديد بن نصر، قال: كاتب إبراهيم قوماً من أهل العسكر كانوا يتشيّعون؛ فكتبوا يسألونه الخروج إليهم، ووعدوه الوثوب بأبي جعفر؛ فخرج حتى قدم عسكر أبي جعفر، وهو يومئذ نازل ببغداد في الدّير، وقد خطّ بغداد، وأجمع على البناء؛ وكانت لأبي جعفر مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه. قال: فزعم زاعمٌ أنه نظر فيها، فقال: يا مسيّب؛ قد والله رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض عدوّ أعدى لي منه، فانظر ما أنت صانع! قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن البوّاب، قال: أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصّراة العتيقة، ثم خرج ينظر إليها، فوقعت عينه على إبراهيم، وخنس إبراهيم، فذهب في الناس، فأتى فامياً فلجأ إليه فأصعده غرفة له وجدّ أبو جعفر في طلبه، ووضع الرصد بكل مكان، فنشب إبراهيم بمكانه الذي هو به، وطلبه أبو جعفر أشدّ الطلب، وخفيَ عليه أمره. قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي - وحدّثني نصر ابن قديد، قال: حدّثني أبي قال؛ وحدّثني عبد الله بن محمد بن البواب وكثير بن النّضر بن كثير وعمر بن إدريس وابن أبي سفيان العميّ؛ واتفقوا على جلّ الحديث، واختلفوا في بعضه - أنّ إبراهيم لما نشب وخاف الرّصد كان معه رجل من بني العمّ - قال عمر: فقال لي أبو صفوان، يدعى روح بن ثقف، وقال لي ابن البوّاب: يكنى أبا عبد الله، وقال لي الآخرون: يقال له سفيان بن حيّان بن موسى: قال عمر: وهو جد العمّيّ الذي حدّثني - قال: قلت لإبراهيم: قد نزل ما ترى، ولا بدّ من التغرير والمخاطرة، قال: فأنت وذاك! فأقبل إلى الربيع، فسأله الإذن، قال: ومن أنت؟ قال: أنا السفيان العمّيّ، فأدخله على أبي جعفر؛ فلما رآه شتمه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أنا أهلٌ لما تقول؛ غير أني أتيتك نازعاً تائباً، ولك عندي كل ما تحب إن أعطيتني ما أسألك، قال: وما لي عندك؟ قال: آتيك بإبراهيم ابن عبد الله بن حسن؛ إني قد بلوته وأهل بيته؛ فلم أجد فيهم خيراً، فما لي عندك إن فعلت؟ قال: :لّ ما تسأل؛ فأين إبراهيم؟ قال: قد دخل بغداد - أو هو داخلها عن قريب - قال عمر: وقال لي أبو صفوان، قال: هو بعبدسي، تركته في منزل خالد بن نهيك، فاكتب لي جوازاً ولغلام لي ولفرانق واحملني على البريد. قال عمر: وقال بعضهم: وجّه معي جنداً واكتب لي جوازاً ولغلام لي آتيك به. قال: فكتب له جوازاً، ودفع إليه جنداً، وقال: هذه ألف دينار فاستعن بها، قال: لا حاجة لي فيها فيها كلّها؛ فأخذ ثلثمائة دينار، وأقبل بها حتى أتى إبراهيم وهو في بيت، عليهه مدرّعة صوف وعمامة - وقيل بل عليه قباء كأقبية العبيد - فصاح به: قم؛ فوثب كالفزع؛ فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع إليه جوازه، فقال: أين غلامك؟ قال: هذا؛ فلما نظر في وجهه، قال: والله ما هذا غلامك؛ وإنه لإبراهيم بن عبد الله بن حسن، ولكن اذهب راشداً. فأطلقهما وهرب. قال عمر: فقال بعضهم: ربكا البريد حتى صارا بعبدسي، ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها. قال: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة، فجعل يأتي بهم الدار، لها بابان، فيقعد العشرة منهم على أحد البابين، ويقول: لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه، وبقي وحده، فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان بن معاوية، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب العمّيّ فأعجزه. قال عمر: وحدّثني ابن عائشة، قال: حدّثني أبي، قال: الذي احتال لإبراهيم حتى أنجاهما منه عمرو بن شداد. قال عمر: وحدّثني رجل من أهل المدائن، عن الحسن بن عمرو بن شدّاد، قال: حدّثني أبي، قال: مرّ بي إبراهيم بالمدائن مستخفياً، فأنزلته داراً لي على شاطىء دجلة، وسعي بي إلى عامل المدائن؛ فضربني مائة سوط، فلم أقرر له؛ فلما تركني أتيت إبراهيم فأخبرته، فانحدر. قال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد مولى الحجاج بن يوسف - وكان يحيى بن زياد ممّن سبي من عسكر قطريّ بن الفجاءة - قال: لما ظهر إبراهيم كنت غلاماً ابن خمس سنين، فسمعت أشياخنا يقولون: إنه مرّ منحدراً يريد البصرة من الشأم؛ فخرج إليه عبد الرحيم بن صفوان من موالي الحجاج، ممن سبي من عسكر قطريّ؛ قال: فمشى معه حتى عبّره المآصر؛ قال: فأقبل بعض من رآه، فقال: رأيت عبد الرحيم مع رجل شاطر، محتجز بإزار مورّد، في يده قوس جلاهق يرمي به؛ فلما رجع عبد الرحيم سئل عن ذلك فأنكره، فكان إبراهيم يتنكّر بذلك. قال: وحدّثني نصر بن قديد، قال: لما قدم إبراهيم منصرفه من بغداد، نزل على أبي فروة في كندة فاختفى، وأرسل إلى الناس يندبهم للخروج. قال عمر: وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم الأهوازيّ، قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن حبيب، عن أبيه، قال: كان إبراهيم مختفياً عندي على شاطىء دجيل، في ناحية مدينة الأهواز؛ وكان محمد ابن حصين يطلبه، فقال يوماً: إنّ أمير المؤمنين كتب إليّ يخبرني أنّ المنجّمين يخبرونه أن إبراهيم بالأهواز نازل في جزيرة بين نهرين، فقد طلبته في الجزيرة حتى وثقت أنه ليس هناك - يعني بالجزيرة التي بين نهر الشاه جرد ودجيل - فقد اعتزمت أن أطلبه غداً في المدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعني بين دجيل والمسرقان، قال: فأتيت إبراهيم، فقلت له: أنت مطلوب غداً في هذه الناحية، قال: فأقمت معه بقيّة يومي، فلما غشيني الليل، خرجت به حتى أنزلته في أداني دشت أربك دون الكثّ؛ فرجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمداً أن يغدو لطلبه؛ فلم يفعل حتى تصرّم النهار، وقربت الشمس تغرب، فخرجت حتى جئت إبراهيم، فأقبلت به حتى وافينا المدينة مع العشاء الآخرة ونحن على حمارين؛ فلما دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع؛ لقينا أوائل خيل ابن حصين، فرمى إبراهيم بنفسه عن حماره وتباعد؛ وجلس يبول، وطوتني الخيل، فلم يعرّج عليّ منهم أحد؛ حتى صرت إلى ابن حصين؛ فقال لي: أبا محمد؛ من أين في مثل هذا الوقت؟ فقلت: تمسّيت عند أهلي، قال: ألا أرسل معك من يبلغك؟ قلت: لا، قد قربت من أهلي؛ فمضى يطلب، وتوجّهت على سنني حتى انقطع آخر أصحابه، ثم كررت راجعاً إلى إبراهيم؛ فالتمست حماره حتى وجدته، فركب، وانطلقنا حتى بتنا في أهلنا، فقال إبراهيم: تعلم والله لقد بلت البارحة دماً؛ فأرسل من ينظر، فأتيت الموضع الذي بال فيه، فوجدته قد بال دماً. قال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحيم بن سليمان بن عليّ، قال: قال أبو جعفر: غمض عليّ أمر إبراهيم لمّا اشتملت عليه طفوف البصرة. قال: وحدّثني محمد بن مسعر بن العلاء، قال: لما قدم إبراهيم البصرة، دعا الناس، فأجابه مرسعي بن عمر بن موسى بن عبد الله بن خازم، ثم ذهب بإبراهيم إلى النّضر بن إسحاق بن عبد الله بن خازم مختفياً، فقال للنضر بن إسحاق: هذا رسول إبراهيم، فكلّمه إبراهيم ودعاه إلى الخروج، فقال له النّضر: يا هذا، كيف أبايع صاحبك وقد عند جدّي عبد الله بن خازم عن جده عليّ بن أبي طالب، وكان عليه فيمن خالفه، فقال له إبراهيم: دع سيرة الآباء عنك ومذاهبهم؛ فإنما هو الدّين؛ وأنا أدعوك إلى حقّ. قال: إني والله ما ذكرت لك ما ذكرت إلا مازحاً، وما ذاك الذي يمنعني من نصرة صاحبك، ولكني لا أرى القتال ولا أدين به. قال: وانصرف إبراهيم، وتخلّف موسى، فقال: هذا والله إبراهيم نفسه، قال: فبئس لعمر الله ما صنعت! لو كنت أعلمتني كلّمته غير هذا الكلام! قال: وحدّثني نصر بن قديد، قال: دعا إبراهيم الناس وهو في دار أبي فروة، فكان أوّل من بايعه نميلة بن مرّة وعفو الله بن سفيان وعبد الواحد ابن زياد وعمر بن سلمة الهجيميّ وعبيد الله بن يحيى بن حضين الرّقاشيّ، وندبوا الناس له، فأجاب بعدهم فتيان من العرب؛ منهم المغيرة بن الفزع وأشباه له؛ حتى ظنوا أنه قد أحصى ديوانه أربعة آلاف؛ وشهر أمره، فقالوا: لو تحوّلت إلى وسط البصرة أتاك من أتاك وهو مريح؛ فتحوّل ونزل دار أبي مروان مولى بني سليم - رجل من أهل نيسابور. قال: وحدّثني يونس بن نجدة؛ قال: كان إبراهيم نازلاً في بني راسب على عبد الرحمن بن حرب؛ فخرج من داره في جماعة من أصحابه؛ منهم عفو الله بن سفيان وبرد بن لبيد؛ أحد بني يشكر، والمضاء التغلبيّ والطهويّ والمغيرة بن الفزع ونميلة بن مرّة ويحيى بن عمرو الهمانّي، فمرّوا على جفرة بني عقيل حتى خرجوا على الطفاوة، ثم مرّوا على دار كرزم ونافع إبليس، حتى دخلوا دار أبي مروان في مقبرة بني يشكر. قال: وحدّثني ابن عفو الله بن سفيان، قال: سمعت أبي يقول: أتيت إبراهيم يوماً وهو مرعوب؛ فأخبرني أن كتاب أخيه أتاه يخبره أنه قد ظهر، ويأمره بالخروج. قال: فوجم من ذلك واغتمّ له، فجعلت أسهّل عليه الأمر وأقول: قد اجتمع لك أمرك، معك المضاء والطّهويّ والمغيرة؛ وأنا وجماعة، فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه؛ فتصبح حين تصبح ومعك عالم من الناس؛ فطابت نفسه. قال: وحدّثني سهل بن عقيل بن إسماعيل، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمد أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة البهرانيّ - وكان ذا رأي - فقال: هات رأيك؛ قد ظهر محمد بالمدينة. قال: وجّه الأجنّاد إلى البصرة. قال: انصرف حتى أرسل إليك. فلما صار إبراهيم إلى البصرة، أرسل إليه، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، فقال: إيّاها خفت! بادره بالجنود، قال: وكيف خفت البصرة؟ قال: لأن محمداً ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشأم أعداء آل أبي طالب؛ فلم يبق إلا البصرة. فوجّه أبو جعفر ابني عقيل - قائدين من أهل خراسان من طيّىء - فقدما، وعلى البصرة سفيان بن معاوية فأنزلهما. قال: وحدّثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عجل، عن يحيى بن بديل بن يحيى بن بديل، قال: لما ظهر محمد، قال أبو جعفر لأبي أيوب وعبد الملك بن حميد: هل من رجل ذي رأي تعرفانه، نجمع رأيه على رأينا؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى - وقد كان أبو العباس يشاوره - فأرسل إليه، فأرسل إليه، فقال: إنّ محمداً قد ظهر بالمدينة، قال: فاشحن الأهواز جنداً، قال: قد فهمت؛ ولكن الأهواز بابهم الذي يؤتون منه، قال: فقبل أبو جعفر رأيه. قال: فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إلى بديل، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، قال: فعاجله بالجند وأشغل الأهواز عنه. وحدّثني محمد بن حفص الدّمشقيّ، مولى قريش قال: لما ظهر محمد شاور أبو جعفر شيخاً من أهل الشأم ذا رأي، فقال: وجّه إلى البصرة أربعة آلاف من جند أهل الشأم. فلها عنه، وقال: خرف الشيخ؛ ثم أرسل إليه، فقال: قد ظهر إبراهيم بالبصرة، قال: فوجّه إليه جنداً من أهل الشأم، قال: ويلك! ومن لي بهم! قال: اكتب إلى عاملك عليها يحمل إليك في كلّ يوم عشرة على البريد؛ قال: فكتب بذلك أبو جعفر إلى الشأم. قال عمر بن حفص: فإنّي لأذكر أبي يعطي الجند حينئذ، وأنا أمسك له المصباح، وهو يعطيهم ليلاً، وأنا يومئذ غلام شابّ. قال: وحدّثني سهل بن عقيل، قال: أخبرني سلم بن فرقد، قال: لما أشار جعفر بن حنظلة على أبي جعفر بحدر جند الشأم إليه، كانوا يقدمون أرسالاً؛ بعضهم على أثر بعض؛ وكان يريد أن يروّع بهم أهل الكوفة؛ فإذا جنّهم الليل في عسكره أمرهم فرجعوا منكبين عن الطريق، فإذا أصبحوا دخلوا، فلا يشك أهل الكوفة أنهم جند آخرون سوى الأولين. حدّثني عبد الحميد - وكان من خدم أبي العباس - قال: كان محمد بن يزيد من قوّاد أبي جعفر؛ وكان له دابّة شهريّ كميت، فربما مرّ بنا ونحن بالكوفة وهو راكبه، قد ساوى رأسه رأسه، فوجّهه أبو جعفر إلى البصرة، فلم يزل بها حتى خرج إبراهيم فأخذه فحبسه. حدّثني سعيد بن نوح بن مجالد الضّبعيّ، قال: وجّه أبو جعفر مجالداً ومحمداً ابني يزيد بن عمران من أهل أبيورد قائدين، فقدم مجالد قبل محمد، ثم قدم محمد في الليلة التي خرج فيها إبراهيم، فثبّطهما سفيان وحبسهما عنده في دار الإمارة حتى ظهر إبراهيم فأخذهما، فقيّدهما؛ ووجّه أبو جعفر معهما قائداً من عبد القيس يدعى معمراً. حدّثني يونس بن نجدة، قال: قدم على سفيان مجالد بن يزيد الضبعيّ من قبل أبي جعفر في ألف وخمسمائة فارس وخمسمائة راجل. حدّثني سعيد بن الحسن بن تسنيم بن الحواري بن زياد بن عمرو بن الأشرف، قال: سمعت من لا أحصي من أصحابنا يذكرون أنّ أبا جعفر شاور في أمر إبراهيم، فقيل له: إن أهل الكوفة له شيعة، والكوفة قدر تفور؛ أنت طبقها، فاخرج حتى تنزلها. ففعل. حدّثني مسلم الخصيّ مولى محمد بن سليمان، قال: كان أمر إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة؛ وأنا يومئذ لأبي جعفر، فأنزلنا الهاشميّة بالكوفة ونزل هو بالرّصافة في ظهر الكوفة؛ وكان جميع جنده الذين في عسكره نحواً من ألف وخمسمائة؛ وكان المسيّب بن زهير على حرسه، فجزّأ الجند ثلاثة أجزاء: خمسمائة، خمسمائة، فكان يطوف الكوفة كلّها في كلّ ليلة، وأمر منادياً فنادى: من أخذناه بعد عتمة فقد أحلّ بنفسه؛ فكان إذا أخد رجلاً بعد عتمة لفّه في عباءة وحمله، فبيّته عنده، فإذا أصبح سأل عنه، فإن علم براءته أطلقه، وإلا حبسه. قال: وحدّثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخذ أبو جعفر الناس بالسّواد، فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد. وحدّثني عليّ بن الجعد، قال: رأيت أهل الكوفة أيامئذ أخذوا بلبس الثياب السود حتى البقّالين، إنّ أحدهم ليصبغ الثوب بالأنقاس ثم يلبسه. وحدّثني جوّاد بن غالب، قال: حدّثني العباس بن سلم مولى قحطبة، قال: كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتّهم أحداً من أهل اعلكوفة بالميل إلى إبراهيم أمر أبي سلماً بطلبه؛ فكان يمهل حتى إذا غسق الليل، وهدأ الناس، نصب سلماً على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله؛ ويأخذ خاتمه. قال أبو سهل جوّاد: فسمعت جميلاً مولى محمد بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم: والله لو لم يورّثك أبوك إلا خواتيم من قتل من أهل الكوفة كنت أيسر الأبناء. حدّثني سهل بن عقيل، قال: حدّثني سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد، قال: كان لي بالكوفة صديق، فأتاني - فقال: أيا هذا، اعلم أن أهل الكوفة معدّون للوثوب بصاحبكم، فإن قدرت على أن تبوّىء أهلك مكاناً حريزاً فافعل، قال: فأتيت سليمان بن مجالد، فأخبرته الخبر؛ فأخبر أبا جعفر - ولأبي جعفر عين من أهل الكوفة من الصيّارفة يدعى ابن مقرّن - قال: فأرسل إليه، فقال: ويحك! قد تحرّك أهل الكوفة، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أنا عذيرك منهم، قال: فركن إلى قوله، وأضرب عنهم. وحدّثني يحيى بن ميمون من أهل القادسيّة، قال: سمعت عدّة من أهل القادسية يذكرون أن رجلاً من أهل خراسان، يكنى أبا الفضل، ويسمّى فلان ابن معقل، وللِّيَ القادسية ليمنع أهل الكوفة إتيان إبراهيم؛ وكان الناس قد رصدوا في طريق البصرة، فكانوا يأتون القادسيّة ثم العذيب، ثم وادي السباع، ثم يعدلون ذات اليسار في البرّ، حتى يقدموا البصرة. قال: فخرج نفرٌ من الكوفة اثنا عشر رجلاً؛ حتى إذا كانوا بوادي السباع لقيهم رجل من موالي بني أسد، يسمّى بكراً. من أهل شراف، دون واقصة بميلين من أهل المسجد الذي يدعى مسجد الموالي - فأتى ابن معقل فأخبره، فاتّبعهم فأدركهم بخفّان - وهي على أربعة فراسخ من القادسيّة - فقتلهم أجمعين. حدّثني إبراهيم بن سلم، قال: كان الفرافصة العجليّ قد همّ بالوثوب بالكوفة، فامتنع لمكان أبي جعفر ونزوله بها؛ وكان ابن ماعز الأسديّ يبايع لإبراهيم فيها سراً. حدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعت إسماعيل بن موسى البجليّ وعيسى بن النضر السمّانين وغيرهما يخبرون أن غزوان كان لآل القعقاع بن ضرار، فاشتراه أبو جعفر، فقال له يوماً: يا أمير المؤمنين؛ هذه سفن منحدرة من الموصل فيها مبيّضة تريد إبراهيم بالبصرة، قال: فضمّ إليه جنداً، فلقيهم بباحمشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين؛ وكانوا تجاراً فيهم جماعة من العبّاد من أهل الخير وغيرهم، وفيهم رجل يدعى أبا العرفان من آل شعيب السّمّان، فجعل يقول: ويلك يا غزوان! ألست تعرفني! أنا أبو العرفان جارك؛ إنما شخصت برقيق فبعتهم؛ فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبعث برءوسهم إلى الكوفة، فنصبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة. قال أبو أحمد عبد الله بن راشد: فأنا رأيتها منصوبة على كوم التراب. قال: وحدّثنا أبو عليّ القدّاح، قال: حدّثني داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القدّاحين، قالوا: كنّا بالموصل، وبها حرب الراونديّ رابطة في ألفين، لمكان الخوارج بالجزيرة، فأتاه كتاب أبي جعفر يأمره بالقفل إليه؛ فشخص؛ فلما كان بباحمشا اعترض له أهلها، وقالوا: لا ندعك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم، فقال لهم: ويحكم! إني لا أريد بكم سوءاً؛ إنما أنا مارٌ، دعوني. قالوا: لا والله لا تجوزنا أبداً، فقاتلهم فأبارهم، وحمل منهم خمسمائة رأس، فقدم بها على أبي جعفر، وقصّ عليه قصتهم. قال أبو جعفر: هذا أوّل الفتح. وحدّثني خالد بن خداش بن عجلان مولى عمر بن حفص، قال: حدّثني جماعة من أشياخنا أنهم شهدوا دفيف بن راشد مولى بني يزيد بن حاتم، أتى سفيان بن معاوية قبل خروج إبراهيم بليلة، فقال: ادفع إليّ فوارس آتك بإبراهيم أو برأسه. قال أوما لك عمل! اذهب إلى عملك. قال: فخرج دفيف من ليلته فلحق بيزيد بن حاتم وهو بمصر. وحدّثني خالد بن خداش، قال: سمعت عدّة من الأزد يحدثون عن جابر بن حماد - وكان على شرطة سفيان - أنه قال لسفيان قبل خروج إبراهيم بيوم: إني مررت في مقبرة بني يشكر، فصيّحوا بي ورموني بالحجارة، فقال له: أما كان لك طريق! وحدّثني أبو عمر الحوضيّ حفص بن عمر، قال: مرّ عاقب صاحب شرط سفيان يوم الأحد قبل ظهور إبراهيم بيوم، في مقبرة بني يشكر، فقيل له: هذا إبراهيم يريد الخروج، فقال: كذبتم، ولم يعرّج على ذلك! قال أبو عمر الحوضّي: جعل أصحاب إبراهيم ينادون سفيان وهو محصور: اذكر بيعتك في دار المخزوميّين. قال أبو عمر: وحدّثني محارب بن نصر، قال: مرّ سفيان بعد قتل إبراهيم في سفينة وأبو جعفر مشرف من قصره، فقال: إنّ هذا لسفيان؟ قالوا: نعم، قال: والله للعجب! كيف يفلتني ابن الفاعلة! قال الحوضيّ: قال سفيان لقائد من قوّاد إبراهيم: أقم عندي، فليس كل أصحابك يعلم ما كان بيني وبين إبراهيم. قال: وحدّثني نصر بن فرقد، قال: كان كرزم السّدوسيّ يغدو على سفيان بخبر إبراهيم ويروح، ويعلمه من يأتيه فلا يعرض له، ولا يتبع له أثراً. وذكر أن سفيان بن معاوية كان عامل المنصور أيّامئذ على البصرة، وكان قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. اختلف في وقت قدوم إبراهيم البصرة فقال بعض: كان قدومه إياها أول يوم من شهر رمضان في سنة خمس وأربعين ومائة. ذكر من قال ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وغلب على المدينة ومكة، وسلِّم عليه بالخلافة، وجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فدخلها في أوّل يوم من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، فغلب عليها، وبيّض بها وبيّض بها أهل البصرة معه، وخرج معه عيسى بن يونس ومعاذ بن معاذ بن العوّام وإسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشام، وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم؛ فلم يزل بالبصرة شهر رمضان وشوّالاً، فلما بلغه قتل أخيه محمد بن عبد الله تأهّب واستعدّ، وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة. وقد ذكرنا قول من قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومائة، غير أنه كان مقيماً بها، مختفياً يدعو أهلها في السرّ إلى البيعة لأخيه محمد، فذكر سهل بن عقيل، عن أبيه، أنّ سفيان كان يرسل إلى قائدين كانا قدما عليه من عند أب يجعفر مدداً له قبل ظهور إبراهيم، فيكونان عنده؛ فلما وعده إبراهيم بالخروج أرسل إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرج، فأحاط به وبهما فأخذهم. وحدّثت معن محمد بن معروف بن سويد، قال: حدّثني أبي، قال: وجّه أبو جعفر مجالداً ومحمداً ويزيد؛ قوّاداً ثلاثة كانوا إخوة قبل ظهور إبراهيم، فقدّموا جندهم، فجعلوا يدخلون البصرة تترى، بعضهم على أثر بعض، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها، فظهر. وذكر نصر بن قديد، أنّ إبراهيم خرج ليلة الاثنين لغرّة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ومائة، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر رجلاً فارساً، فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرّقاشيّ. قال: وقدم تلك الليلة أبو حمّاد الأبرص مدداً لسفيان في ألفي رجل، فنزل الرّحبة إلى أن ينزلوا. فسار إبراهيم فكان أوّل شيء أصاب دوابّ أولئك الجند وأسلحتهم، وصلّى بالناس الغداة في المسجد الجامع، وتحصّن سفيان في الدّار، ومعه فيها جماعة من بني أبيه، وأقبل الناس إلى إبراهيم من بين ناظر وناصر حتى كثروا، فلما رأى ذلك سفيان طلب الأمان، فأجيب إليه، فدسّ إلى إبراهيم مطهّر بن جويرية السّدوسيّ، فأخذ لسفيان الأمان، وفتح الباب، ودخل إبراهيم الدّار؛ فلما دخلها ألقى له حصير في مقدّم الإيوان، فهبّت ريح فقلبته ظهراً لبطن؛ فتطيّر الناس لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيّر، ثم جلس عليه مقلوباً والكراهة ترى في وجهه؛ فلما دخل إبراهيم الدّار خلّى عن كلّ من كان فيها - فيما ذكر - غير سفيان بن معاوية؛ فإنه حبسه في القصر وقيّده قيداً خفيفاً، فأراد إبراهيم - فيما ذكر - بذلك من فعله أن يرى أبا جعفر أنه عنده محبوس، وبلغ جعفراً ومحمداً ابني سليمان بن عليّ - وكانا بالبصرة يومئذ - مصير إبراهيم إلى دار الإمارة وحبسه سفيان، فأقبلا - فيما قيل - في ستمائة من الرّجالة والفرسان والنّاشبة يريدانه، فوجّه إبراهيم إليهما المضاء بن القاسم الجزريّ في ثمانية عشر فارساً وثلاثين راجلاً؛ فهزمهم المضاء. ولحق محمداً رجل من أصحاب المضاء فطعنه في فخذه، ونادى مناد لإبراهيم: لا يتبع مدبر؛ ومضى هو بنفسه حتى وقف على باب زينب بنت سليمان، فنادى بالأمان لآل سليمان، وألاّ يعرض لهم أحد. وذكر بكر بن كثير؛ أنّ إبراهيم لما ظهر على جعفر ومحمد وأخذ البصرة، وجد في بيت المال ستمائة ألف، فأمر بالاحتفاظ بها - وقيل إنه وجد في بيت المال ألفي درهم - فقوى بذلك، وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين؛ فلما غلب إبراهيم على البصرة وجّه - فيما ذكر - إلى الأهواز رجلاً يدعى الحسين ابن ثولاء، يدعوهم إلى البيعة، فخرج فأخذ بيعتهم؛ ثم رجع إلى إبراهيم. فوجه إبراهيم المغيرة في خمسين رجلاً، ثم اجتمع إلى المغيرة لمّا صار إلى الأهواز تمام مائتي رجل. وكان عامل الأهواز يومئذ من قبل أبي جعفر محمد ابن الحصين، فلما بلغ ابن الحصين دنو المغيرة منه خرج إليه بمن معه، وهم - فيما قيل - أربعة آلاف، فالتقوا على ميل من قصبة الأهواز بموضع يقال له دشت أربك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز. وقد قيل: إنّ المغيرة صار إلى الأهواز بعد شخوص إبراهيم عن البصرة إلى باخمري. ذكر محمد بن خالد المربّعيّ، أنّ إبراهيم لما ظهر على البصرة ثم أراد الخروج إلى ناحية الكوفة، استخلف على البصرة نميلة بن مرّة العبشميّ، وأمر بتوجيه المغيرة بن الفزع أحد بني بهدلة بن عوف إلى الأهواز، وعليها يومئذ محمد بن الحصين العبديّ، ووجّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملاً عليها، فمرّ برام هرمز بيعقوب بن الفضل وهو بها، فاستتبعه؛ فشخص معه حتى قدم فارس، وبها إسماعيل بن عليّ بن عبد الله عاملاً عليها من قبل أبي جعفر، ومعه أخوه عبد الصّمد بن عليّ، فلما بلغ إسماعيل بن عليّ وعبد الصمد إقبال عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل - وكانا بإصطخر - بادرا إلى دارابجرد، فتحصّنا بها، فصارت فارس في يد عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل، فصارت البصرة والأهواز وفارس في سلطان إبراهيم. وحدّثت عن سليمان بن أبي شيخ، قال: لما ظهر إبراهيم بالبصرة، أقبل الحكم بن أبي غيلان اليشكريّ في سبعة عشر ألفاً حتى دخل واسطاً؛ وبها هارون بن حميد الإياديّ من قبل أبي جعفر، فدخل هارون تنوراً في القصر حتى أخرج منه، وأتى أهل واسط حفص بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فقالوا له: أنت أولى من هذا الهجيميّ؛ فأخذها حفص، وخرج منها اليشكريّ، وولّى حفص شرطه أبا مقرن الهجيميّ. وذكر عمر بن عبد الغفار بن عمرو الفقيمي، ابن أخي الفضل بن عمرو الفقيميّ، قال: كان إبراهيم واجداً على هارون بن سعد، لا يكلّمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد، فأتى سلم بن أبي واصل، فقال له: أخبرني عن صاحبك، أما به إلينا حاجة في أمره هذا! قال: بلى لعمر الله. ثم قام فدخل على إبراهيم، فقال: هذا هارون بن سعد قد جاءك، قال: لا حاجة لي به، قال: لا تفعل؛ في هارون تزهّد؛ فلم يزل به حتى قبله، وأذن له فدخل عليه؛ فقال له هارون: استكفني أهمّ أمورك إليك، فاستكفاه واسطاً، واستعمله عليها. قال سليمان بن أبي شيخ: حدّثني أبو الصعديّ، قال: أتانا هارون بن سعد العجليّ من أهل الكوفة، وقد وجهه إبراهيم من البصرة، وكان شيخاً كبيراً، وكان أشهر من معه من أهل البصرة الطهويّ، وكان معه ممنّ يشبه الطهويّ في نجدته من أهل واسط عبد الرحيم الكلبيّ، وكان شجاعاً؛ وكان ممن قدم به - أو قدم عليه - عبدويه كردام الخراسانيّ. وكان من فرسانهم صدقة بن بكار، وكان منصور بن جمهور يقول: إذا كان معي صدقة بن بكار فما أبالي من لقيت! فوجّه أبو جعفر إلى واسط لحرب هارون بن سعد عامر بن إسماعيل المسلّي في خمسة آلاف في قول بعضهم، وقال بعضهم: في عشرين ألفاً، وكانت بينهم وقعات. وذكر عن ابن أبي الكرام، أنه قال: قدمت على أبي جعفر برأس محمد، وعامر بن إسماعيل بواسط محاصر هارون بن سعد، وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبي جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة، فذكر سليمان بن أبي شيخ، قال: عسكر عامر بن إسماعيل من وراء النيل، فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون، فضربه عبد سقّاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه، فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صمغ عربيّ؛ وقال: داو بها جراحتك، فالتقوا غير مرّة، فقتل من أهل البصرة وأهل واسط خلق كثير؛ وكان هارون ينهاهم عن القتال، ويقول: لو لقي صاحبنا صاحبهم تبيّن لنا الأمر، فاستبقوا أنفسكم؛ فكانوا لا يفعلون. فلما شخص إبراهيم إلى باخمري كفّ الفريقان من أهل واسط وعامر بن إسماعيل؛ بعضهم عن بعض، وتوادعوا على ترك الحرب إلى أن يلتقى الفريقان، ثم يكونوا تبعاً للغالب؛ فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخول واسط، فمانعه أهلها الدخول. قال سليمان: لما جاء قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد، وصالح أهل واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم، فلم يثق كثير منهم بأمانه، فخرجوا منها، ودخلها عامر بن إسماعيل، وأقام بواسط فلم يهج أحداً. وكان عامر - فيما ذكر - صالح أهل واسط على ألاّ يقتل أحداً بواسط، فكانوا يقتلون كلّ من يجدونه من أهل واسط خارجاً منها؛ ولما وقع الصلح بين أهل واسط وعامر بعد قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة، فتوفى قبل أن يبلغها فيما ذكر. وقيل إن هارون بن سعد اختفى، فلم يزل مختفياً حتى ولى محمد بن سليمان الكوفة، فأعطاه الأمان، واستدرجه حتى ظهر، وأمره أن يفرض لمائتين من أهل بيته؛ فهمّ أن يفعل، وركب إلى محمّد، فلقيه ابن عمّ له، فقال له: أنت مخدوع، فرجع فتوارى حتى مات، وهدم محمد بن سليمان داره. قال: ولم يزل إبراهيم مقيماً بالبصرة بعد ظهوره بها، يفرّق العمال في النواحي ويوجّه الجيوش إلى البلدان؛ حتى أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فذكر نصر بن قديد؛ قال: فرض إبراهيم فروضاً بالبصرة، فلما كان قبل الفطر بثلاثة أيام، أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فخرج بالناس إلى العيد، وهم يعرفون فيه الانكسار، وأخبر الناس بقتل محمد؛ فازدادوا في قتال أبي جعفر بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر، واستخلف نميلة على البصرة، وخلّف ابنه حسناً معه. قال سعيد بن هريم: حدّثني أبي، قال: قال عليّ بن داود: لقد نظرت إلى الموت في وجه إبراهيم حين خطبنا يوم الفطر، فانصرفت إلى أهلي فقلت: قتل والله الرجل! وذكر محمد بن معروف، عن أبيه أن جعفراً ومحمداً ابني سليمان لما شخصاً من البصرة، أرسلاه إلى أبي جعفر ليخبره خبر إبراهيم، قال: فأخبرته خبرهما، فقال: والله ما أدري كيف أصنع! والله ما في عسكري إلا ألفا رجل؛ فرّقت جندي، فمع المهديّ بالرّيّ ثلاثون ألفاً، ومع محمد بن الأشعث بإفريقيّة أربعون ألفاً والباقون مع عيسى بن موسى؛ والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفاً. وقال عبد الله بن راشد: ما كان في عسكر أبي جعفر كثير أحد؛ ما هم إلا سودان وناس يسير؛ وكان يأمر بالحطب فيحزم ثم يوقد باللّيل، فيراه الرائي فيحسب أن هناك ناساً؛ وما هي إلاّ نار تضرم، وليس عندها أحد. قال محمد بن معروف بن سويد: حدّثني أبي، قال: لما ورد الخبر على أبي جعفر، كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل ودع كلّ ما أنت فيه؛ قال: فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس. وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الرّيّ، فضمّه إلى جعفر ابن سليمان. فذكر عن يوسف بن قتيبة بن مسلم، قال: أخبرني أخي سلم بن قتيبة ابن مسلم، قال: لما دخلت على أبي جعفر قال لي: اخرج؛ فإنه قد خرج ابنا عبد الله، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعه؛ فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان جميعاً؛ فابسط يدك، وثق بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك. قال: فوالله ما هو إلا أن قتل إبراهيم، فجعلت أتذكر مقالته فأعجب. قال سعيد بن سلم: فاستعمله على ميسرة الناس، وضمّ إليه بشار بن سلم العقيليّ وأبا يحيى بن خريم وأبا هراسة سنان بن مخيّس القشيريّ، وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة؛ عربها ومواليها، وكتب المنصور إلى المهديّ وهو يومئذ بالرّيّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهديّ - فيما ذكر - في أربعة آلاف من الجند، فصار إليها، وحارب بها المغيرة، فانصرف إلى البصرة، ودخل خازم الأهواز، فأباحها ثلاثاً. وذكر عن الفضل بن العبّاس بن موسى وعمر بن ماهان، أنهما سمعا السنديّ يقول: كنت وصيفاً أيام حرب محمد، أقوم على رأس المنصور بالمذبّة، فرأيته لما كثف أمر إراهيم وغلظ، أقام على مصلى نيّفاً وخمسين ليلة، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبّة ملوّنة قد اتّسخ جيبها وما تحت لحيته منها؛ فما غيّر الجبّة، ولا هجر المصلّى حتى فتح الله عليه؛ إلاّ أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبّة بالسواد، وقعد على فراشه؛ فإذا بطن عاد إلى هيئته. قال: فأتته ريسانة في تلك الأيام، وقد أهديت له امرأتان من المدينة؛ إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص؛ فلم ينظر إليهما، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما، وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك لهما؛ فنهرها، وقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء؛ لا سبيل لي إليهما حتى أعلم: أرأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيم! وذكر أن محمداً وجعفراً ابني سليمان كتبا إلى أبي جعفر يعلمانه بعد خروجهما من البصرة الخبر في قطعة جراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه غير ذلك؛ فلما وصل الكتاب إليه؛ فرأى قطعة جراب بيد الرسول، قال: خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم، ثم قرأ الكتاب، ودعا بعبد الرحمن الختّليّ وبأبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما في خيل كثيفة إليهما، وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما؛ وكتب إليهما يعجّزهما ويضعّفهما ويوبخهما على طمع إبراهيم في الخروج إلى مصرٍ هما فيه، واستتار خبره عنهما، حتى ظهر وكتب في آخر كتابه: أبلغ بني هاشم عنّي مغلغلةً ... فاستيقظوا إنّ هذا فعل نوّام تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستنفر الحامي وذكر عن جعفر بن ربيعة العامريّ عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم، قال: دخلت على المنصور أيام حرب محمد وإبراهيم، وقد جاءه فتق البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وهو ينكت الأرض بمخصرته ويتمثّل: ونصبت نفسي للرّماح دريّة ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أدام إعزازك ونصرك على عدوّك! أنت كما قال الأعشى: وإن حربهم أوقدت بينهم ... فحرّت لهم بعد إبرادها وجدت صبوراً على حرّها ... وكر الحروب وتردادها فقال: يا حجاج، إنّ إبراهيم قد عرف وعورة جانبي وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني؛ وإنما جرّأه على المسير إليّ من البصرة اجتماع هذه الكور المطلّة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجرها وكلّ ناحية بسهمها، ووجّهت إليهم الشهم النجد الميمون المظفّر عيسى بن موسى، في كثرة من العدد والعدّة، واستعنت بالله عليه، واستكفيته إياه؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به. قال جعفر بن ربيعة: قال الحجاج بن قتيبة: لقد دخلت على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلماً، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به، ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون؛ فوجدته صقراً أحوزياً مشمّراً، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها ويمرسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه؛ وإنه لكما قال الأوّل: نفس عصام سوّدت عاصما ... وعلّمته الكر والإقداما وصيّرته ملكاً هماما وذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجرميّ، وقد وجّه محمد بن عبد الله أخاه لحرب أبي جعفر، فقال يونس: قدم هذا يريد أن يزيل ملكاً، فألهته ابنة عمر بن سلمة عمّا حاوله، ولقد أهديت التيميّة إلى أبي جعفر في تلك الأيام، فتركها بمزجر الكلب، فما نظر إليها حتى انقضى أمر إبراهيم. وكان إبراهيم تزّوج بعد مقدمه البصرة بهكنة بنت عمر بن سلمة، فكانت تأتيه في مصبّغاتها وألوان ثيابها. فلما أراد إبراهيم الشخوص نحو أبي جعفر، دخل - فيما ذكر بشر بن سلم - عليه نميلة الطّهويّ وجماعة من قوّاده من أهل البصرة، فقالوا له: أصلحك الله! إنك قد ظهرت على البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقم بمكانك، ووجّه الأجناد، فإن هزم لك جند أمددتهم بجند، وإن هزم لك قائد أمددته بقائد، فخيف مكانك، واتّقاك عدوّك، وجبيت الأموال، وتبتت وطأتك؛ ثم رأيك بعد. فقال الكوفيّون: أصلحك الله! إن بالكوفة رجالاً لو قد رأوك ماتوا دونك، وإلاّ يروك تقعد بهم أسباب شتى فلا يأتونك، فلم يزالوا به حتى شخص. وذكر عن عبد الله بن جعفر المدينيّ، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخمري، فلمّا عسكرنا أتانا ليلة من الليالي، فقال: انطلق بنا نطف في عسكرنا. قال: فسمع أصوات طنابير وغناء فرجع، ثم أتاني ليلة أخرى فقال: انطلق بنا، فانطلقت معه، فسمع مثل ذلك فرجع وقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا. وذكر عن عفان بن مسلم الصفار، قال: لمّا عسكر إبراهيم افترض معه رجال من جيراننا، فأتيت معسكره، فحزرت أنّ معه أقلّ من عشرة آلاف. فأما داود بن جعفر بن سليمان، فإنه قال: أحصيَ في ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف. ووجّه أبو جعفر عيسى بن موسى - فيما ذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى - في خمسة عشر ألفاً، وجعل على مقدّمته حميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف. فلما شخص عيسى بن موسى نحو إبراهيم سار معه - فيما ذكر - أبو جعفر حتى بلغ نهر البصريّين، ثم رجع أبو جعفر، وسار إبراهيم من معسكره بالماخور من خريبة البصرة نحو الكوفة. فذكر بعض بني تيم الله عن أوس بن مهلهل القطعيّ، قال: مرّ بنا إبراهيم في طريقه ذلك، ومنزلنا بالقباب التي تدعى قباب أوس، فخرجت أتلقّاه مع أبي وعمّي، فانتهينا إليه وهو على برذون له يرتاد منزلاً من الأرض، قال: فسمعته يتمثّل أبياتاً للقطاميّ: أمور لو تدبّرها حليم ... إذاً لنهى وهيب ما استطاعا ومعصية الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرة منه استماعا وخبر الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتّباعا ولكن الأديم إذا تفرّى ... بلىً وتعيّباً غلب الصّناعا فقلت للذي معي: إني لأسمع كلام رجل نادم على مسيره. ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له - فيما ذكر عن سليمان بن أبي شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيد - إن هذه بلاد قومي، وأنا أعلم بها، فلا تقصد قصد عيسى بن موسى، وهذه العساكر التي وجّهت إليك، ولكني أسلك بك إن تركتني طريقاً لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة. فأبى عليه. قال: فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى بياتاً، قال: إني أكره البيات. وذكر عن سعيد بن هريم أنّ أباه أخبره، قال: قلت لإبراهيم : إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة، فإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولي بعد بها أهيل، فدعني أسر إليها مختفياً فأدعو إليك في السرّ ثم أجهر؛ فإنهم إن سمعوا داعياً إليك أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهيعة بأرجاء الكوفة لم يردّ وجهه شيء دون حلوان. قال: فأقبل على بشير الرحّال، فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ قال: إنا لو وثقنا بالذي تصف لكان رأياً؛ ولكنّا لا نأمن أن تجيبك منهم طائة، فيرسل إليهم أبو جعفر خيلاً فيطأ البريء والنّطف والصّغير والكبير؛ فتكون قد تعرّت لمأثم ذلك، ولم تبلغ منه ما أمّلت. فقلت لبشير: أخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه؛ وأنت تتوقّى قتل الضّعيف والصغير والمرأة والرجل؛ أو ليس قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجّه السرّية فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت! فقال: إنّ أولئك كانوا مشركين كلهم، وهؤلاء أهل ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكمهم غير حكم أولئك؛ فاتبع إبراهيم رأيه ولم يأذن له، وسار إبراهيم حتى نزل باخمري. وذكر خالد بن أسيد الباهليّ أنه لما نزلها أرسل إليه سلم بن قتيبة حكيم ابن عبد الكريم: إنك قد أصحرت، ومثلك أنفس به عن الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتي إلا من مأتىً واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه. قال: فدعا إبراهيم أصحابه، فعرض ذلك عليهم، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم! لا والله لا نفعل. قال: فنأتيه؟ قالوا: ولم وهو في أيدينا متى أردناه! فقال إبراهيم لحكيم: قد تسمع، فارجع راشداً. فذكر إبراهيم بن سلم أنّ أخاه حدّثه عن أبيه، قال: لما التقينا صف لهم أصحابنا، فخرجت من صفهم، فقلت لإبراهيم: إن الصفّ إذا انهزم بعضه تداعى، فلم يكن لهم نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس، فتنادوا: لا، إلا قتال أهل الإسلام يريدون قوله تعالى: " يقاتلون في سبيله صفاً " . وذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان، قال: قال المضاء: لما نزلنا باخمري أتيت إبراهيم فقلت له: إن هؤلاء القوم مصبّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكراع، وإنما معك رجال عراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته، فوالله لأشتّتنّ جموعه، فقال: إني أكره القتل، فقلت: تريد الملك وتكره القتل! وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: لما بلغ إبراهيم قتل أخيه محمد بن عبد الله، خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكوفة، فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلمه ذلك، ويأمره أن يقبل إليه؛ فوافاه رسول أبي جعفر وكتابه - وقد أحرم بعمرة - فرفضها، وأقبل إلى أبي جعفر، فوجّهه في القوّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله، وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس؛ أكثر من جماعة عيسى ابن موسى، فالتقوا بباخمري - وهي على ستة عشر فرسخاً من الكوفة - فاقتتلوا بها قتالاً شديداً، وانهزم حميد بن قحطبة - وكان على مقدّمة عيسى بن موسى - وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه، ومرّوا منهزمين. وأقبل حميد بن قحطبة منهزماً، فقال له عيسى بن موسى: يا حميد، الله الله والطاعة! فقال: لا طاعة في الهزيمة. ومرّ الناس كلهم حتى لم يبق منهم أحد بين يدي عيسى بن موسى، وعسكر إبراهيم بن عبد الله، فثبت عيسى بن موسى في مكانه الذي كان فيه لا يزول، وهو في مائة رجل من خاصّته وحشمه، فقيل له: أصلح الله الأمير! لو تنحّيت عن هذا المكان حتى يثوب إليك الناس فتكرّبهم! فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبداً حتى أقتل أو يفتح الله على يدي؛ ولا يقال: انهزم. وذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ حدّثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدّث أباه أنه قال: لما أراد أمير المؤمنين توجيهي إلى إبراهيم، قال: إنّ هؤلاء الخبثاء - يعني المنجّمين - يزعمون أنك لاقٍ الرجل، وأن لك جولةً حين تلقاه، ثم يفيء إليك أصحابك، وتكون العاقبة لك. قال: فوالله لكان كما قال؛ ما هو إلاّ أن التقينا فهزمونا، فلقد رأيتني وما معي إلا ثلاثة أو أربعة؛ فأقبل عليّ مولىً لي - كان ممسكاً بلجام دابتي - فقال: جعلت فداك! علام تقيم وقد ذهب أصحابك! فقلت: لا والله، لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبداً وقد انهزمت عن عدّوهم. قال: فوالله لكان أكثر ما عندي أن جعلت أقول لمن مرّ بي ممن أعرف من المنهزمين: أقرئوا أهل بيتي مني السلام، وقولوا لهم: إني لم أجد فداء أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي، وقد بذلتها دونكم. قال: فوالله إنا لعلى ذلك والناس منهزمون ما يلوي أحدٌ على أحد. وصمد ابنا سليمان: جعفر ومحمد لإبراهيم، فخرجا عليه من ورائه، ولا يشعر من بأعقابنا من أصحاب إبراهيم؛ حتى نظر بعضهم إلى بعض؛ وإذا القتال من ورائهم، فكرّوا نحوه، وعقّبنا في آثارهم راجعين؛ فكانت إياها. قال: فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبي: فوالله يا أبا العباس؛ لولا ابنا سليمان يومئذ لافتضحنا؛ وكان من صنع الله أنّ أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترض لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب؛ ولم يجدوا مخاضة، فكرّوا راجعين بأجمعهم. فذكر عن محمد بن إسحاق بن مهران، أنه قال: كان بباخمري ناس من آل طلحة فمخروها على إبراهيم وأصحابه، وبثقوا الماء، فأصبح أهل عسكره مرتطمين في الماء. وقد زعم بعضهم أن إبراهيم هو الذي مخر ليكون قتاله من وجه واحد؛ فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، فلما انهزم أصحاب إبراهيم ثبت إبراهيم وثبت معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه، اختلف في مبلغ عددهم، فقال بعضهم: كانوا خمسمائة، وقال بعضهم: كانوا أربعمائة، وقال بعضهم: بل كانوا سبعين. فحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعيد، قال: قال محمد بن عمر: لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه، أقبل إبراهيم بن عبد الله في عسكره يدنو ويدنو غبار عسكره؛ حتى يراه عيسى ومن معه؛ فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكرّ راجعاً يجري نحو إبراهيم، لا يعرّج على شيء؛ فإذا هو حميد بن قحطبة قد غيّر لأمته، وعصب رأسه بعصابة صفراء، فكرّ الناس يتبعونه حتى لم يبق أحد ممن كان انهزم إلا كرّ راجعاً، حتى خالطوا القوم، فقاتلوهم قتالاً شديداً حتى قتل الفريقان بعضهم بعضاً، وجعل حميد بن قحطبة يرسل بالرءوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتيَ برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح، فقالوا: رأس إبراهيم بن عبد الله؛ فدعا عيسى ابن موسى بن أبي الكرام الجعفريّ، فأراه إياه، فقال: ليس هذا؛ وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك؛ إلى أن جاء سهم عائر لا يدرى من رمى به، فوقع في حلق إبراهيم بن عبد الله فنحره، فتنحّى عن موقفه، فقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه، وهو يقول: " وكان أمر الله قدراً مقدوراً " ، أردنا أمراً وأراد الله غيره؛ فأنزل إلى الأرض وهو مثخن، واجتمع عليه أصحابه وخاصّته يحمونه ويقاتلون دونه، ورأى حميد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكرهم فقال لأصحابه: شدّوا على تلك اعلجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدّوا عليهم، فقاتلوهم أشدّ القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم، وخلصوا إليه فحزّوا رأسه؛ فأتوا به عيسى بن موسى، فأراه ابن أبي الكرام الجعفريّ، فقال: نعم؛ هذا رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى أبي جعفر المنصور، وكان قتلُه يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة. وكان يوم قتل ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام. وذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة: كيف قتل إبراهيم؟ قال: إني لأنظر إليه واقفاً على دابّة ينظر إلى أصحاب عيسى قد ولّوا ومنحوه أكتافهم، ونكص عيسى بدابته القهقري وأصحابه يقتلونهم، وعليه قباء زرد، فآذاه الحرّ، فحلّ أزرار قبائه، فشال الزّرد حتى سال عن ثدييه، وحسر عن لّبته، فأتته نشّابة عائرة، فأصابته في لبّته، فرأيته اعتنق فرسه، وكرّ راجعاً، وأطافت به الزيديّة. وذكر إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام؛ قال: حدّثني أبي، قال: لما انهزم أصحاب عيسى تبعتهم رايات إبراهيم في آثارهم، فنادى منادي إبراهيم: ألا لا تتّبعوا مدبراً؛ فكرّت الرايات راجعةً، ورآها أصحاب عيسى فخالوهم انهزموا، فكرّوا في آثارهم؛ فكانت الهزيمة. وذكر أن أبا جعفر لما بلغته جولة أصحاب عيسى عزم على الرحيل إلى الرّيّ، فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد، أنه قال: لما التقوا هزم أصحاب عيسى هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة، فأتاني صديق لي كوفيّ، فقال: أيّها الرجل، تعلّم والله لقد دخل أصحابك الكوفة؛ فهذا أخو أبي هريرة في دار فلان، وهذا فلان في دار فلان؛ فانظر لنفسك وأهلك ومالك؛ قال: فأخبرت بذلك سليمان بن مجالد، فأخبر به أبا جعفر، فقال: لا تكشفنّ من هذا شيئاً ولا تلتفتنّ إليه؛ فإنّي لا آمن أن يهجم عليّ ما أكره، وأعدد على كلّ باب من أبواب المدينة إبلاً ودوابّ؛ فإن أتينا من ناحية صرنا إلى الناحية الأخرى. فقيل لسلم: إلى أين أراد أبو جعفر يذهب إن دهمه أمر؟ قال: كان عزم على إتيان الريّ، فبلغني أن نيبخت المنجّم دخل على أبي جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، الظّفر لك، وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبل ذلك منه، فقال له: احبسني عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت لك فاقتلني، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثّل ببيت معقّر بن أوس ابن حمار البارقيّ: فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر فأقطع أبو جعفر نيبخت ألفى جريب بنهر جوبر؛ فذكر أبو نعيم الفضل ابن دكين أن أبا جعفر لما أصبح من الليلة التي أتيَ فيها برأس إبراهيم - وذلك ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة - أمر برأسه فنُصب رأسه في السوق. وذكر أن أبا جعفر لما أتيَ برأسه فوضع بين يديه بكى حتى قطرت دموعه على خدّ إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنت لهذا لكارهاً، ولكنّك ابتليت بي وابتليت بك. وذكر عن صالح مولى المنصور أنّ المنصور لما أتيَ برأس إبراهيم بن عبد الله وضعه بين يديه، وجلس مجلساً عاماً، وأذن للناس، فكان الدّاخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسىء القول فيه، ويذكر منه القبيح، التماساً لرضا أبي جعفر، وأبو جعفر ممسك متغيّر لونه؛ حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فوقف سلّم، ثم قال: عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقك! فاصفرّ لون أبي جعفر وأقبل عليه، فقال: أبا خالد، مرحباً وأهلاً ها هنا! فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة. وفي هذه السنة خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة. وحجّ بالناس في هذه السنة السريّ بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب. وكان عامل أبي جعفر على مكة. وكان والي المدينة في هذه السنة عبد الله بن الربيع الحارثيّ، ووالي الكوفة وأراضيها عيسى بن موسى، ووالي البصرة سلم بن قتيبة الباهليّ. وكان على قضائها عبّاد بن منصور، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر استتمام بناء بغداد وتحوّل أبي جعفر إليها فممّا كان فيها من ذلك استتمام أبي جعفر مدينته بغداد؛ ذكر محمد بن عمر أنّ أبا جعفر تحوّل من مدينة ابن هبيرة إلى بغداد في صفر سنة ستّ وأربعين ومائة، فنزلها وبنى مدينتها. ذكر الخبر عن صفة بنائه إياها: قد ذكرنا قبل السبب الباعث كان لأبي جعفر على بنائها، والسبب الذي من أجله اختار البقعة التي بنى فيها مدينته، ونذكر الآن صفة بنائه إياها. ذكر عن رشيد أبي داود بن رشيد أنّ أبا جعفر شخص إلى الكوفة حين بلغه خروج محمد بن عبد الله، وقد هيّأ لبناء مدينة بغداد ما يحتاج إليه من خشب وساج وغير ذلك؛ واستخلف حين شخص على إصلاح ما أعدّ لذلك مولىً له يقال له أسلم؛ فبلغ أسلم أنّ إبراهيم بن عبد الله قد هزم عسكر أبي جعفر، فأحرق ما كان خلّفه عليه أبو جعفر من ساج وخشب؛ خوفاً أن يؤخذ منه ذلك؛ إذا غلب مولاه؛ فلما بلغ أبا جعفر ما فعل من ذلك مولاه أسلم كتب إليه يلومه على ذلك؛ فكتب إليه أسلم يخبر أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه، فلم يقل له شيئاً. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، عن أبيه، قال: لما أراد المنصور بناء مدينة بغداد، شاور أصحابه فيها؛ وكان ممّن شاوره فيها خالد بن برمك، فأشار بها؛ فذكر عن عليّ بن عصمة أن خالد بن برمك خطّ مدينة أبي جعفر له، وأشار بها عليه؛ فلما احتاج إلى الأنقاض، قال له: ما ترى في نقض بناء مدينة إيوان كسرى بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه؟ قال: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين، قال: ولمَ؟ قال: لأنه علمٌ من أعلام الإسلام، يستدلّ به الناظر إليه على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا؛ وإنما هو على أمر دين؛ ومع هذا يا أمير المؤمنين؛ فإن فيه مصلّى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: هيهات يا خالد! أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم! وأمر أن ينقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه، وحمل نقضه، فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثملن الجديد لو عمل، فرُفع ذلك إلى المنصور، فدعا بخالد بن برمك، فأعلمه ما يلزمهم في نقضه وحمله، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أرى قبل ألاّ تفعل، فأما إذ فعلت فإني أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده؛ لئلا يقال: إنك قد عجزت عن هدمه. فأعرض المنصور عن ذلك، وأمر ألاّ يهدم. فقال موسى بن داود المهندس: قال لي المأمون - وحدّثني بهذا الحديث: يا موسى إذا بنيت لي بناء فاجعله ما يعجز عن هدمه ليبقى طلله ورسمه. وذكر أنّ أبا جعفر احتاج إلى الأبواب للمدينة؛ فزعم أبو عبد الرحمن الهمانيّ أن سليمان بن داود كان بني مدينةً بالقرب من موضع بناء الحجاج واسطاً يقال لها الزّندورد، واتّخذت له الشياطين لها خمسة أبواب من حديد لا يمكن الناس اليوم عمل مثلها، فنصبها عليها، فلم تزل عليها إلى أن بنى الحاج واسطاً، وخربت تلك المدينة، فنقل الحجاج أبوابها فصيّرها على مدينته بواسط، فلمّا بنى أبو جعفر المدينة أخذ تلك الأبواب فنصبها على المدينة؛ فهي عليها إلى اليوم. وللمدينة ثمانية أبواب: أربعة داخلة وأربعة خارجة؛ فصار على الداخلة أربعة أبواب من هذه الخمسة، وعلى باب القصر الخارج الخامس منها، وصيّر على باب خراسان الخارج باباً جىء به من الشأم من عمل الفراعنة، وصيّر على باب الكوفة الخارج باباً جيء به من الكوفة، كان عمله خالد بن عبد الله القسريّ، وأمر باتّخاذ باب لباب الشأم، فعمل ببغداد، فهو أضعف الأبواب كلها. وبنيت المدينة مدوّرة لئلا يكون الملك إذا نزل وسطها إلى موضع منها أقرب منه إلى موضع، وجعل أبوابها أربعة؛ على تدبير العساكر في الحروب، وعمل لها سورين، فالسور الداخل أطول من السور الخارج، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع حول القصر. وذكر أنّ الحجاج بن أرطاة هو الذي خطّ مسجد جامعها بأمر أبي جعفر، ووضع أساسه. وقيل إن قبلتها على غير صواب وإنّ المصلّى فيه يحتاج أن ينحرف إلى باب البصرة قليلاً، وإن قبلة مسجد الرصافة أصوب من قبلة مسجد المدينة؛ لأنّ مسجد المدينة بُني على القصر، ومسجد الرّصافة بُني قبل القصر وبُني القصر عليه؛ فلذلك صار كذلك. وذكر يحيى بن عبد الخالق أنّ أباه حدّثه أن أبا جعفر ولّى كلّ ربع من المدينة قائداً يتولى الاستحثاث على الفراغ من بناء ذلك الرّبع. وذكر هارون بن زياد بن خالد بن الصلت، قال: أخبرني أبي، قال: وليَ المنصور خالد بن الصلت النفقة على ربع من أرباع المدينة وهي تبنى. قال خالد: فلما فرغت من بناء ذلك الربع رفعت إليه جماعة النفقة عليه، فحسبها بيده، فبقي عليّ خمسة عشر درهماً، فحبسني بها في حبس الشرقية أياماً حتى أدّيتها، وكان اللبن الذي صنع لبناء المدينة اللبنة منها ذراع في ذراع. وذكر عن بعضهم أنه هدم من السور الذي يلي باب المحوّل قطعة فوجد فيها لبنة مكتوباً عليها بمغرة وزنها مائة وسبعة عشر رطلاً. قال: فوزنّاها فوجدناها على ما كان مكتوباً عليها من الوزن. وكانت مقاصير جماعة من قوّاد أبي جعفر وكتابه تشرع أبوابها إلى رحبة المسجد. وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق؛ خال الفضل بن الربيع، أنّ عيسى بن عليّ شكا إلى أبي جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن المشي يشقّ عليّ من باب الرّحبة إلى القصر، وقد ضعفت. قال: فتحمل في محفّة، قال: إني أستحيي من الناس، قال: وهل بقي أحد يستحيا منه! قال: يا أمير المؤمنين، فأنزلني منزلة راوية من الروايا، قال: وهل يدخل المدينةراوية أو راكب؟ قال: فأمر الناس بتحويل أبوابهم إلى فصلان الطاقات؛ فكان لا يدخل الرّحبة أحد إلاّ ماشياً. قال: ولمّا أمر المنصور بسدّ الأبواب ممّايلي الرحبة وفتحها إلى الفصلان صيرت الأسواق في طاقات المدينة الأربع، في كلّ واحد سوق، فلم تزل على ذلك مدّة حتى قدم عليه بطريق من بطارقة الرّوم وافداً، فأمر الرّبيع أن يطوف به في المدينة وما حولها ليرى العمران والبناء، فطاف به الرّبيع، فلمّا انصرف قال: كيف رأيت مدينتي - وقد كان أصعد إلى سور المدينة وقباب الأبواب؟ قال: رأيت بناء حسناً؛ إلاّ أني قد رأيت أعداءك معك في مدينتك، قال: ومن هم؟ قال: السوقة، قال: فأضبّ عليها أبو جعفر، فلما انصرف البطريق أمر بإخراج السوق من المدينة، وتقدّم إلى إبراهيم بن حبيش الكوفيّ، وضمّ إليه جوّاس بن المسيّب اليمانيّ مولاه، وأمرهما أن يبنيا الأسواق ناحية الكرخ، ويجعلاها صفوفاً وبيوتاً لكل صنف؛ وأن يدفعاها إلى الناس. فلما فعلا ذلك حوّل السوق من المدينة إليها، ووضع عليهم الغلة على قدر الذّرع؛ فلما كثر الناس بنوا في مواضع من الأسواق لم يكن رغب في البناء فيها إبراهيم بن حبيش وجوّاس، لأنها لم تكن على تقديم الصّفوف من أموالهم؛ فألزموا من الغلة أقلّ مما ألزم الذين ننزلوا في بناء السلطان. وذكر بعضهم أن السبب في نقل أبي جعفر التجار من المدينة إلى الكرخ وما قرب منها مما هو خارج المدينة، أنه قيل لأبي جعفر: إنّ الغرباء وغيرهم يبيتون فيها، ولا يؤمن أن يكون فيهم جواسيس، ومن يتعرّف الأخبار، أو أن يفتح أبواب المدينة ليلاً لموضع السوق، فأمر بإخراج السوق من المدينة وجعلها للشُّرَط والحرس، وبنى للتجار بباب طاق الحرّانيّ وباب الشأم والكرخ. وذكر عن الفضل بن سليمان الهاشميّ، عن أبيه، أنّ سبب نقله الأسواق من مدينة السلام ومدينة الشرقيّة إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحوّل؛ أنّ رجلاً كان يقال له أبو زكرياء يحيى بن عبد الله، ولاّه المنصور حسبة بغداد والأسواق سنة سبع وخمسين ومائة، والسوق في المدينة؛ وكان المنصور يتبع من خرج مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن، وقد كان لهذا المحتسب معهم سبب، فجمع على المنصور جماعة استغواهم من السفلة، فشغبوا واجتمعوا، فأرسل المنصور إليهم أبا العباس الطوسيّ فسكّنهم، وأخذ أبا زكرياء فحبسه عنده، فأمره أبو جعفر بقتله، فقتله بيده حاجب كان لأبي العباس الطوسيّ يقال له موسى، على باب الذهب في الرّحبة بأمر المنصور، وأمر أبو جعفر بهدم ما شخص من الدّور في طريق المدينة، ووضع الطريق على مقدار أربعين ذراعاً، وهدم ما زاد على ذلك المقدار، وأمر بنقل الأسواق إلى الكرخ. وذكر عن أبي جعفر أنه لما أمر بإخراج التجار من المدينة إلى الكرخ كلمه أبان بن صدقة في بقّال، فأجابه إليه على ألاّ يبيع إلا الخلّ والبقل وحده، ثم أمر أن يجعل في كلّ ربع بقّال واحد على ذلك المثال. وذكر عن عليّ بن محمد أن الفضل بن الربيع، حدّثه أن المنصور لما فرغ من بناء قصره بالمدينة، دخله فطاف فيه، واستحسنه واستنظفه، وأعجبه ما رأى فيه؛ غير أنه استكثر ما أنفق عليه. قال: ونظر إلى موضع فيه استحسنه جداً، فقال لي: اخرج إلى الرّبيع فقل له: اخرج إلى المسيّب، فقل له: يحضرني الساعة بنّاء فارهاً. قال: فخرجت إلى المسيّب فأخبرته، فبعث إلى رئيس البنائين فدعاه، فأدخله على أبي جعفر؛ فلمّا وقف بين يديه قال له: كيف عملت لأصحابنا في هذا القصر؟ وكم أخذت من الأجرة لكل ألف آجرّة ولبنة؟ فبقي البنّاء لا يقدر على أن يردّ عليه شيئاً، فخافه المسيّب، فقال له المنصور: مالك لا تكلّم! فقال: لا علم لي يا أمير المؤمنين، قال: ويحك! قل وأنت آمن من كلّ ما تخافه. قال: يا أمير المؤمنين، لا والله ما أقف عليه ولا أعلمه. قال: فأخذ بيده، وقال له: تعال، لا علّمك الله خيراً! وأدخله الحجرة التي استحسنها، فأراه مجلساً كان فيها، فقال له: انظر إلى هذا المجلس وابنِ لي بإزائه طاقاً يكون شبيهاً بالبيت، لا تدخل فيه خشباً، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأقبل البنّاء وكل من معه يتعجّبون من فهمه بالبناء والهندسة، فقال له البنّاء: ما أحسن أن أجيء به على هذا، ولا أقوم به على الذي تريد! فقال له: فأنا أعينك عليه، قال: فأمر بالآجرّ والجصّ، فجيء به، ثم أقبل يحصي جميع ما دخل في بناء الطاق من الآجر والجصّ؛ ولم يزل كذلك حتى فرغ منه في يومه وبعض اليوم الثاني، فدعا بالمسيّب، فقال له: ادفع إليه أجره على حسب ما عمل معك، قال: فحاسبه المسيّب، فأصابه خمسة دراهم؛ فاستكثر ذلك المنصور، وقال: لا أرضي بذلك؛ فلم يزل به حتى نقصه درهماً، ثم أخذ المقادير، ونظر مقدار الطاق من الحجرة حتى عرفه، ثم أخذ الوكلاء والمسيّب بحملان النفقات، وأخذ معه الأمناء من البنائين والمهندسين حتى عرّفوه قيمة ذلك؛ فلم يزل يحسبه شيئاً شيئاً، وحملهم على ما رفع في أجرة بناء الطاق؛ فخرج على المسيّب مما في يده ستة آلاف درهم ونيّف، فأخذه بها واعتقله، فما برح من القصر حتى أدّاها إليه. وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: وجدت في خزائن أبي المنصور في الكتب، أنه أنفق على مدينة السلام وجامعها وقصر الذهب بها والأسواق والفصلان والخنادق وقبابها وأبوابها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهماً، ومبلغها من الفلوس مائة ألف ألف فلس وثلاثة وعشرون ألف فلس؛ وذلك أن الأستاذ من البنّائين كان يعمل يومه بقيراط فضّة، والروزكاري بحبّتين إلى ثلاث حبّات. ذكر الخبر عن عزل سلم بن قتيبة عن البصرة وفي هذه السنة عزل المنصور عن البصرة سلم بن قتيبة، وولاّها محمد بن سليمان بن عليّ. ذكر الخبر عن سبب عزله إياهذكر عبد الملك بن شيبان أنّ يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشميّ، قال: كتب أبو جعفر إلى سلم بن قتيبة لما ولاه البصرة: أما بعد، فاهدم دور من خرج مع إبراهيم، واعقر نخلهم. فكتب إليه سلم: بأيّ ذلك أبدأ؟ أبالدّور أم بالنخل؟ فكتب إليه أبو جعفر: أما بعد، فقد كتبت إليك آمرك بإفساد تمرهم، فكتبت تستأذنني في أيّةٍ تبدأ به بالبرنيّ أم بالشهريز! وعزله وولّى محمد بن سليمان، فقدم فعاث. وذكر عن يونس بن نجدة، قال: قدم علينا سلم بن قتيبة أميراً بعد الهزيمة وعلى شرطه أبو برقة يزيد بن سلم، فأقام بها سلم أشهراً خمسة، ثم عزل، وولّى علينا محمد بن سليمان. قال عبد الملك بن شيبان: هدم محمد بن سليمان لما قدم دار يعقوب بن الفضل، ودار أبي مروان في بني يشكر، ودار عون بن مالك، ودار عبد الواحد ابن زياد، ودار الخليل بن الحصصين في بني عديّ، ودار عفو الله بن سفيان؛ وعقر نخلهم. وغزا الصّائفة في هذه السنة جعفر بن حنظلة البهرانيّ. وفي هذه السنة عزل عن المدينة عبد الله بن الربيع، وولّيَ مكانه جعفر ابن سليمان، فقدمها في شهر ربيع الأول. وعزل أيضاً في هذه السنة عن مكة السريّ بن عبد الله، ووليها عبد الصمد ابن عليّ. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، كذلك قال محمد بن عمر وغيره. الجزء الثامن بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة ذكر الإخبار عن الأحداث التي كانت فيها فما كان فيها من ذلك إغارة إسترخان الخوارزمي في جمع من الترك على المسلمين بناحية إرمينية وسبيه من المسلمين وأهل الذمة خلقاً كثيراً، ودخولهم تفليس، وقتلهم حرب بن عبد الله الراوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، وكان حرب هذا - فيما ذكر - مقيماً بالموصل في ألفين من الجند، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة . وكان أبو جعفر حين بلغه تحزب الترك فيما هناك وجه إليهم لحربهم جبرئيل بن يحيى، وكتب إلى حرب يأمره بالمسير معه؛ فسار معه حرب، فقتل حرب وهزم جبرئيل، وأصيب من المسلمين من ذكرت . ذكر الخبر عن مهلك عبد الله بن علي بن عباسوفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن علي بن عباس. واختلفوا في سبب هلاكه، فقال بعضهم ما ذكره علي بن محمد النوفلي عن أبيه أن أبا جعفر حج سنة سبع وأربعين ومائة بعد تقدمته المهدي على عيسى بن موسى بأشهر، وقد كان عزل عيسى بن موسى عن الكوفة وأرضها، وولى مكانه محمد بن سليمان ابن علي، وأوفده إلى مدينة السلام، فدعا به، فدفع إليه عبد الله ابن علي سراً في جوف الليل. ثم قال له: يا عيسى؛ إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك، وأنت ولي عهدي بعد المهدي، والخلافة صائرة إليك؛ فخذه إليك فاضرب عنقه، وإياك أن تخور أو تضعف، فتنقض علي أمري الذي دبرت.ثم مضى لوجهه، وكتب إليه من طريقه ثلاث مرات يسأله :ما فعل في الأمر الذي أوعز إليه فيه ؟ فكتب إليه: قد أنفذت ما أمرت به؛ فلم يشك أبو جعفر في أنه قد فعل ما أمره به، وأنه قد قتل عبد الله بن علي؛ وكان عيسى حين دفعه إليه ستره ؛ ودعا كاتبه يونس ابن فروة، فقال له: إن هذا الرجل دفع إلي عمه؛ وأمرني فيه بكذا وكذا. فقال له: أراد أن يقتلك و يقتله، أمرك بقتله سراً، ثم يدعيه عليك علانية ثم يقيدك به. قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن تستره في منزلك، فلا تطلع على أمره أحداً، فإن طلبه منك علانيةً دفعته إليه علانيةً، و لا تدفعه إليه سراً أبداً، فإنه وإن كان أسره إليك؛ فإن أمره سيظهر. ففعل ذلك عيسى. وقدم المنصور ودسّ إلى عمومته من يحركهم على مسألته هبة عبد الله بن علي لهم، ويطمعهم في أنه سيفعل . فجاءوا إليه وكلموه ورققوه، وذكروا له الرحم وأظهروا له رقة، فقال : نعم، علي بعيسى بن موسى؛ فأتاه فقال له: يا عيسى؛ قد علمت أني دفعت إليك عمي وعمك عبد الله بن علي قبل خروجي إلى الحج، وأمرتك أن يكون في منزلك، قال: قد فعلت ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فقد كلمني عمومتك فيه فرأيت الصفح عنه وتخلية سبيله؛ فأتنا به. فقال: يا أمير المؤمنين، ألم تأمرني بقتله فقتلته! قال: ما أمرتك بقتله إنما أمرتك بحبسه في منزلك. قال: قد أمرتني بقتله، قال له المنصور: كذبت، ما أمرتك بقتله. قال لعمومته: إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم، وادعى أني أمرته بذلك، وقد كذب، قالوا: فادفعه إلينا نقتله به، قال: شأنكم به، فأخرجوه إلى الرحبة، واجتمع الناس، وشهر الأمر، فقام أحدهم فشهر سيفه، وتقدم إلى عيسى ليضربه، فقال له عيسى: أفاعل أنت؟ قال: إي والله، قال: لا تعجلوا، ردوني إلى أمير المؤمنين، فردوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلني؛ هذا عمك حي سوي، إن أمرتني بدفعه إليك دفعته. قال: ائتنا به، فأتاه به، فقال له عيسى: دبرت علي أمراً فخشيته؛ فكان كما خشيت؛ شأنك وعمك. قال: يدخل حتى أرى رأيي. ثم انصرفوا، ثم أمر به فجعل في بيت أساسه ملح، وأجري في أساسه الماء، فسقط عليه فمات؛ فكان من أمره ما كان. وتوفي عبد الله بن علي في هذه السنة ودفن في مقابر باب الشأم؛ وكان أول من دفن فيها. وذكر عن ابراهيم بن عيسى بن المنصور بن بريه أنه قال: كانت وفاة عبد الله بن علي في الحبس سنة سبع وأربعون ومائة، وهو ابن اثنين وخمسين سنة. قال إبراهيم بن عيسى: لما توفي عبد الله بن علي ركب المنصور يوماً ومعه عبد الله بن عياش، فقال له وهو يجاريه: أتعرف ثلاثة خلفاء، أسماؤهم على العين مبدؤها، قتلوا ثلاثة خوارج مبدأ أسمائهم العين؟ قال: لا أعرف إلا ما تقول العامة؛ إن علياً قتل عثمان وكذبوا وعبد الملك بن مروان قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وعبد الله بن الزبير وعمرو بن سعيد وعبد الله بن علي سقط عليه البيت، فقال له المنصور: فسقط على عبد الله البيت، فأنا ما ذنبي؟ قال: ما قلت إن لك ذنباً. ذكر خبر البيعة للمهدي وخلع عيسى بن موسىوفي هذه السنة خلع المنصور عيسى بن موسى وبايع لابنه المهدي، وجعله ولي عهد من بعده. وقال بعضهم: ثم من بعده عيسى بن موسى. ذكر الخبر عن سبب نزعه إياه وكيف كان الأمر في ذلك اختلف في الذي وصل به أبو جعفر إلى خلعه. فقال بعضهم: السبب الذي وصل به أبو جعفر إلى ذلك هو أن أبا جعفر أقر عيسى بن موسى بعد وفاة أبي العباس على ما كان أبو العباس ولاه من ولاية الكوفة وسوادها، وكان له مكرماً مجلاً، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه، وأجلس المهدي عن يساره؛ فكان ذلك فعله به؛ حتى عزم المنصور على تقديم المهدي في الخلافة عليه. وكان أبو العباس جعل الأمر من بعده لأبي جعفر، ثم من بعد أبي جعفر لعيسى ابن موسى؛ فلما عزم المنصور على ذلك كلم عيسى بن موسى في تقديم ابنه عليه برفيق من الكلام، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين؛ فكيف بالأيمان والمواثيق التي علي وعلى المسلمين لي من العتق والطلاق وغير ذلك من مؤكد الأيمان! ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين. فلما رأى أبو جعفر امتناعه، تغير لونه وباعده بعض المباعدة، وأمر بالإذن للمهدي قبله؛ فكان يدخل فيجلس عن يمين المنصور في مجلس عيسى، ثم يؤذن لعيسى فيدخل فيجلس دون مجلس المهدي عن يمين المنصور أيضاً، ولا يجلس عن يسابه في المجلس الذي كان يجلس فيه المهدي، فيغتاظ من ذلك المنصور، ويبلغ منه، فيأمر بالإذن للمهدي ثم يأمر بعده بالإذن لعيسى بن علي، فيلبث هنيهة، ثم عيسى بن موسى. فإذا كان بعد ذلك قدم في الإذن للمهدي على كل حال، ثم يخلط في الآخرين، فيقدم بعض من أخر ويؤخر بعض من قدم ويوهم عيسى بن موسى أنه إنما يبدأ بهم لحاجة تعرض ولمذاكرتهم بالشيء من أمره؛ ثم يؤذن لعيسى بن موسى من بعدهم؛ وهو في ذلك كله صامت لا يشكو منه شيئاً، ولا يستعتب . ثم صار إلى أغلظ من ذلك؛ فكان يكون في المجلس معه بعض ولده، فيسمع الحفر في أصل الحائط فيخاف أن يخر عليه الحائط، وينتثر عليه التراب، وينظر إلى الخشبة من سقف المجلس قد حفر عن أحد طرفيها لتقلع فيسقط التراب على قلنسوته وثيابه، فيأمر من معه من ولده بالتحويل. ويقوم هو فيصلي، ثم يأتيه الإذن فيقوم فيدخل بهيئته والتراب عليه لا ينفضه؛ فإذا رآه المنصور قال له: يا عيسى، ما يدخل علي أحد بمثل هيئتك من كثرة الغبار عليك والتراب! أفكل هذا من الشارع؟ فيقول: أحسب ذلك يا أمير المؤمنين؛ وإنما يكلمه المنصور بذلك ليستطعمه أن يشكو إليه شيئاً فلا يشكو؛ وكان المنصور قد أرسل إليه في الأمر الذي أراد منه عيسى بن علي، فكان عيسى بن موسى لا يحمد منه مدخله فيه؛ كأنه كان يغري به. فقيل: إنه دس لعيسى بن موسى بعض ما يتلفه؛ فنهض من المجلس، فقال له المنصور: إلى أين يا أبا موسى؟ قال: أجد غمزاً يا أمير المؤمنين، قال: ففي الدار إذاً! قال: الذي أجده أشد مما أقيم معه في الدار، قال: إلى المنزل؛ ونهض فصار إلى حراقته، ونهض المنصور في أثره إلى الحراقة متفزعاً له، فاستأذنه عيسى في المسير إلى الكوفة، فقال: بل تقيم فتعالج هاهنا، فأبى وألح عليه، فأذن له. وكان الذي جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع أبو جبرائيل، قال: إني والله ما أجترئ على معالجتك بالحضرة، وما آمن على نفسي. فأذن له المنصور، وقال له: أنا على الحج في سنتي هذه، فأنا مقيم عليك بالكوفة حتى تفيق إن شاء الله. وتقارب وقت الحج، فشخص المنصور حتى صار بظهر الكوفة في موضع يدعى الرصافة، فأقام بها أياماً، فأجرى هناك الخيل، وعاد عيسى غير مرة، ثم رجع إلى مدينة السلام ولم يحج، واعتل بقلة الماء في الطريق. وبلغت العلة من عيسى بن موسى كل مبلغ؛ حتى تمعط شعره، ثم أفاق من علته تلك، فقال فيه يحيى بن زياد بن أبي حزابة البرجمي أبو زياد: أفلت من شربة الطبيب كما ... أفلت ظبي الصريم من قتره من قانصٍ ينفذ الفريص إذا ... ركب سهم الحتوف في وتره دافع عن المليك صولة لي ... ث يريد الأسد في ذرى خمره حتى أتانا وفيه داخلة ... تعرف في سمعه وفي بصره أزعر قد طار عن مفارقه ... وحف أثيث النبات من شعره وذكر أن عيسى بن علي كان يقول للمنصور: إن عيسى بن موسى إنما يمتنع، البيعة للمهدي لأنه يربص هذا الأمر لابنه موسى، فموسى الذي يمنعه. فقال المنصور لعيسى بن علي: كلم موسى بن عيسى وخوفه على أبيه وعلى ابنه؛ فكلم عيسى بن علي موسى في ذلك، فأيأسه، فتهدده وحذره غضب المنصور. فلما وجل موسى وأشفق وخاف أن يقع به المكروه، أتى العباس بن محمد، فقال: أي عم، إني مكلمك بكلامٍ، لا والله ما سمعه مني أحدٌ قط، ولا يسمعه أحد أبداً ؛ وإنما أخرجه مني إليك موضع ثقتي بك والطمأنينة إليك؛ وهو أمانة عندك؛ فإنما هي نفسي أنثلها في يدك. قال: قل يا ابن أخي؛ فلك عندي ما تحبه، قال: أرى ما يسام أبي من إخراج هذا الأمر من عنقه وتصييره للمهدي؛ فهو يؤذى بصنوف الأذى والمكروه، فيتهدد مرة ويؤخر أذنه مرة، وتهدم عليه الحيطان مرة، وتدس إليه الحتوف مرة. فأبي لا يعطي على هذا شيئاً؛ لا يكون ذلك أبداً؛ ولكن هاهنا وجهاً، فلعله يعطي عليه إن أعطى وإلا فلا، قال: فما هو يا ابن أخي؟ فإنك قد أصبت ووفقت ، قال: يقبل عليه أمير المؤمنين وأنا شاهد فيقول له: يا عيسى، إني أعلم أنك لست تضن بهذا الأمر على المهدي بنفسك؛ لتعالي سنك وقرب أجلك؛ فإنك تعلم أنه لا مدة لك تطول فيه؛ وإنما تضن به لمكان ابنك موسى؛ أفتراني أدع ابنك يبقى بعدك ويبقى ابني معه فيلي عليه! كلا والله لا يكون ذلك أبداً؛ ولأثبن على ابنك وأنت تنظر حتى تيأس منه، وآمن أن يلي على ابني. أترى ابنك آثر عندي من ابني! ثم يأمر بي؛ فإما خنقت وإما شهر علي سيف. فإن أجاب إلى شيء فعسى أن يفعل بهذا السبب؛ فأما بغيره فلا. فقال العباس: جزاك الله يا ابن أخي خيراً، فقد فديت أباك بنفسك، وآثرت بقاءه على حظك، نعم الرأي رأيت، ونعم المسلك سلكت! ثم أتى أبا جعفر فأخبره الخبر، فجزى المنصور موسى خيراً؛ وقال: قد أحسن وأجمل، وسأفعل ما أشار به إن شاء الله، فلما اجتمعوا وعيسى بن علي حاضر، أقبل المنصور على عيسى بن موسى، فقال: يا عيسى؛ إني لا أجهل مذهبك الذي تضمره، ولا مداك الذي تجري إليه في الأمر الذي سألتك؛ إنما تريد هذا الأمر لابنك هذا المشئوم عليك وعلى نفسه؛ فقال عيسى بن علي؟؟؟: يا أمير المؤمنين، غمزني البول، قال: فندعوا لك بإناء تبول فيه، قال: أفي مجلسك يا أمير المؤمنين! ذلك ما لا يكون، ولكن أقرب البلاليع مني أدل عليها فآتيها. فأمر من يدله، فانطلق. فقال عيسى بن موسى لابنه موسى: قم مع عمك، فاجمع عليه ثيابه من ورائه، وأعطه منديلاً إن كان معك ينشف به، فلما جلس عيسى يبول جمع موسى عليه ثيابه من ورائه وهو لا يراه، فقال: من هذا؟ فقال: موسى بن عيسى، فقال: بأبي أنت وبأبي أب ولدك! والله إني لأعلم أنه لا خير في هذا الأمر بعدكما، وإنكما لأحق به؛ ولكن المرء مغرى بما تعجل، فقال موسى في نفسه: أمكنني والله هذا من مقاتله؛ وهو الذي يغري بأبي، والله لأقتلنه بما قال لي، ثم لا أبالي أن يقتلني أمير المؤمنين بعده، بل يكون في قتله عزاء لأبي وسلو عني إن قتلت. فلما رجعا إلى موضعهما قال موسى: يا أمير المؤمنين، أذكر لأبي أمراً! فسره ذلك، وظن أنه يريد أن يذاكره بعض أمرهم، فقال: قم، فقام إليه، فقال: يا أبت ؛ إن عيسى بن علي قد قتلك وإياي قتلات بما يبلغ عنا، وقد أمكنني من مقاتله، قال: وكيف؟ قال: قال لي كيت وكيت، فأخبر أمير المؤمنين فيقتله؛ فتكون قد شفيت نفسك وقتلته قبل أن يقتلك وإياي ثم لا نبالي ما كان بعد. فقال: أفٍ لهذا رأياً ومذهباً! أئتمنك عمك على مقالة أراد أن يسرك بها،فجعلتها سبباً لمكروهه وتلفه! لا يسمعن هذا منك أحد، وعد إلى مجلسك. فقام فعاد، وانتظر أبو جعفر أن يرى لقيامه إلى أبيه وكلامه أثراً فلم يره، فعاد إلى وعيده الأول وتهدده، فقال: أما والله لأعجلن لك فيه ما يسوءك ويوئسك من بقائه بعدك، أيا ربيع، قم إلى موسى فاخنقه بحمائله، فقام الربيع فضم حمائله عليه، فجعل يخنقه بها خنقاً رويداً، وموسى يصيح: الله الله يا أمير المؤمنين في وفي دمي! فإني لبعيد مما تظن بي، وما يبالي عيسى أن تقتلني وله بضعة عشر نفراً ذكراً - كلهم عنده مثلي - أو يتقدمني؛ وهو يقول: أشدد يا ربيع، ائت على نفسه، والربيع يوهم أنه يريد تلفه، وهو يراخي خناقه وموسى يصيح، فلما رأى ذاك عيسى قال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الأمر يبلغ منك هذا كله فمر بالكف عنه؛ فإني لم أكن لأرجع إلى أهلي؛ وقد قتل بسبب هذا الأمر عبد من عبيدي، فكيف بابني! فها أنا أشهدك أن نسائي طوالق ومماليكي أحرار، وما أملك في سبيل الله، تصرف ذلك فيمن رأيت يا أمير المؤمنين؛ وهذه يدي بالبيعة للمهدي. فأخذ بيعته له على ما أحب ثم قال: يا أبا موسى؛ إنك قد قضيت حاجتي هذه كارهاً، ولي حاجة أحب أن تقضيها طائعاً، فتغسل بها ما في نفسي من الحاجة الأولى، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تجعل هذا الأمر من بعد المهدي لك، قال: ما كنت لأدخل فيها بعد إذ خرجت منها. فلم يدعه هو ومن حضره من أهل بيته حتى قال: ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟يا أمير المؤمنين؛ أنت أعلم. فقال بعض أهل الكوفة - ومر عليه عيسى في موكبه: هذا هذا الذي كان غداً، فصار بعد غدٍ. وهذه القصة - فيما قيل - منسوبة إلى آل عيسى أنهم يقولونها. وأما الذي يحكى عن غيرهم في ذلك؛ فهو أن المنصور أراد البيعة للمهدي، فكلم الجند في ذلك، فقال للجند: لا تؤذوا ابن أخي؛ فإنه جلدة بين عيني، ولو كنت تقدمت إليكم لضربت أعناقكم؛ فكانوا يكفون ثم يعودون؛ فمكث بذلك زماناً، ثم كتب إلى عيسى: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من عبد الله عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى بن موسى. سلامٌ عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فالحمد لله ذي المن القديم، والفضل العظيم، والبلاء الحسن الجميل، الذي ابتدأ الخلق بعلمه، وأنفذ القضاء بأمره؛ فلا يبلغ مخلوق كنه حقه، ولا ينال في عظمته كنه ذكره، يدبر ما أراد من الأمور بقدرته، ويصدرها عن مشيئته؛ لا قاضي فيها غيره، ولا نفاذ لها إلا به، يجريها على أذلالها، لايستأمر فيها وزيراً ، ولا يشاور فيها معيناً ، ولا يلتبس عليه شيء أراده، يمضي قضاؤه فيما أحب العباد وكرهوا ؛ لا يستطيعون منه امتناعاً، ولا عن أنفسهم دفاعاً، رب الأرض ومن عليها، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. ثم إنك قد علمت الحال التي كنا عليها في ولاية الظلمة، كيف كانت قوتنا وحيلتنا، لما اجترأ عليه أهل بيت اللعنة فيما أحببنا وكرهنا، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه، واجتمع رأيهم عليه، نسام الخسف، ونوطأ بالعسف، لا ندفع ظلماً، ولا نمنع ضيما ً، ولا نعطي حقاً، ولا ننكر منكراً، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعاً؛ حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وانتهى الأمر إلى مدته، وأذن الله في هلاك عدوه، وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فابتعث الله لهم أنصاراً يطلبون بثأرهم، ويجاهدون عدوهم، ويدعون إلى حبهم، وينصرون دولتهم، من أرضين متفرقة، وأسباب مختلفة، وأهواء مؤتلفة، فجمعهم الله على طاعتنا، وألف بين قلوبهم بمودتنا على نصرتنا، وأعزهم بنصرنا، لم نلق منهم رجلاً، ولم نشهر معهم إلا ما قذف الله في قلوبهم؛ حتى ابتعثهم لنا من بلادهم، ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، يلقون الظفر، ويعودون بالنصر، وينصرون بالرعب، لا يلقون أحداً إلا هزموه، ولا واتراً إلا قتلوه؛ حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا وغاية منانا ومنتهى آمالنا وإظهار حقنا، وإهلاك عدونا؛ كرامة من الله جل وعز لنا، وفضلاً منه علينا، بغير حول منا ولا قوة، ثم لم نزل من ذلك في نعمة الله وفضله علينا، حتى نشأ هذا الغلام، فقذف الله له في قلوب أنصار الدين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أول أمرنا، وأشرب قلوبهم مودته، وقسم في صدورهم محبته، فصاروا لا يذكرون إلا فضله، ولا ينوهون إلا باسمه، ولا يعرفون إلا حقه، فلما رأى أمير المؤمنين ما قذف الله في قلوبهم من مودته، وأجرى على ألسنتهم من ذكره، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه، ودعاء العامة إلى طاعته، أيقنت نفس أمير المؤمنين أن ذلك أمر تولاه الله وصنعه؛ لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة، ولا مؤامرة ولا مذاكرة؛ للذي رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة، وتتابع العامة؛ حتى ظن أمير المؤمنين أنه لولا معرفة المهدي بحق الأبوة، لأفضت الأمور إليه. وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامة، ولا يجد مناصاً عن خلاص ما دعوا إليه، وكان أشد الناس على أمير المؤمنين في ذلك الأقرب فالأقرب من خاصته وثقاته من حرسه وشرطه؛ فلم يجد أمير المؤمنين بداً من استصلاحهم ومتابعتهم؛ وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحق من سارع إلى ذلك وحرص عليه، ورغب فيه وعرف فضله، ورجا بركته، وصدق الرواية فيه، وحمد الله إذ جعل في ذريته مثل ما سألت الأنبياء قبله؛ إذ قال العبد الصالح: " فهب لي من لدنك ولياً. يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " فوهب الله لأمير المؤمنين ولياً، ثم جعله تقياً مباركاً مهدياً وللنبي صلى الله عليه وسلم سمياً، وسلب من انتحل هذا الاسم، ودعا إلى تلك الشبهة التي تحير فيها أهل تلك النية، وافتتن بها أهل تلك الشقوة، فانتزع ذلك منهم، وجعل دائرة السوء عليهم، وأقر الحق قراره، وأعلن للمهدي مناره، وللدين أنصاره، فأحب أمير المؤمنين أن يعلمك الذي اجتمع عليه رأي رعيته؛ وكنت في نفسه بمنزلة ولده، يحب من سترك ورشدك وزينك ما يحب لنفسه وولده، ويرى لك إذا بلغك من حال ابن عمك ما ترى من اجتماع الناس عليه أن يكون ابتداء ذلك من قبلك، ليعلم أنصارنا من أهل خراسان وغيرهم أنك أسرع إلى ما أحبوا مما عليه رأيهم في صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم، وإن ما كان عليه من فضلٍ عرفوه للمهدي، أو أملوه فيه، كنت أحظى الناس بذلك، وأسرهم به لمكانه وقرابته؛ فاقبل نصح أمير المؤمنين لك، تصلح وترشد. والسلام عليك ورحمة الله. فكتب إليه عيسى بن موسى جوابها: " بسم الله الرحمن الرحيم " . لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى. سلامٌ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما أجمعت عليه من خلاف الحق وركوب الإثم في قطيعة الرحم، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لي من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حبله، وتفرق بين ما ألف الله جمعه ، وتجمع بين ما فرق الله أمره، مكابرةً لله في سمائه، وحولاً على الله في قضائه، ومتابعة للشيطان في هواه، ومن كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه، ومن ماكره عن شيء خدعه، ومن توكل على الله منعه، ومن تواضع لله رفعه. إن الذي أسس عليه البناء، وخط عليه الحذاء من الخليفة الماضي عهدٌ لي من الله، وأمر نحن فيه سواء، ليس لأحد من المسلمين فيه رخصة دون أحد؛ فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحق به من الآخر، وإن حل من الآخر شيء فما حرم ذلك من الأول؛ بل الأول الذي تلا خبره وعرف أثره، وكشف عما ظن به وأمل فيه أسرع؛ وكان الحق أولى بالذي أراد أن يصنع أولاً، فلا يدعوك إلى الأمن من البلاء اغترار بالله، وترخيص للناس في ترك الوفاء؛فإن من أجابك إلى ترك شيء وجب لي واستحل ذلك مني، لم يحرج إذا أمكنته الفرصة وأفتنته الرخصة أن يكون إلى مثل ذاك منك أسرع، ويكون بالذي أسست من ذلك أبخع. فاقبل العاقبة وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيت بقوة، وكن من الشاكرين. فإن الله جل وعز زائدٌ من شكره، وعداً منه حقاً لا خلف فيه؛ فمن راقب الله حفظه، ومن أضمر خلافه خذله؛ والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الأمور وبغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي؛ فإن تعجل بي أمرٌ كنت قد كفيت مؤونة ما اغتممت له، وسترت قبح ما أردت إظهاره؛ وإن بقيت بعدك لم تكن أوغرت صدري، وقطعت رحمي؛ ولا أظهرت أعدائي في اتباع أثرك، وقبول أدبك، وعملٍ بمثالك . وذكرت أن الأمور كلها بيد الله؛ هو مدبرها ومقدرها ومصدرها عن مشيئته؛ فقد صدقت؛ إن الأمور بيد الله، وقد حق على من عرف ذلك ووصفه العمل به والانتهاء إليه. واعم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعاً، ولا دفعنا عنها ضراً، ولا نلنا الذي عرفته بحولنا ولا قوتنا؛ ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعفت قوتنا، وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا؛ ولكن الله إذا أراد عزماً لإنفاذ أمره، وإنجاز وعده، وإتمام عهده، وتأكيد عقده؛ أحكم إبرامه، وأبرم إحكامه، ونور إعلانه ، وثبت أركانه؛ حين أسس بنيانه؛ فلا يستطيع العباد تأخير ما عجل، ولا تعجيل ما أخر؛ غي أن الشيطان عدوٌ مضل مبين؛ قد حذر الله طاعته، وبين عداوته، ينزع بين ولاة الحق وأهل طاعته، ليفرق جمعهم، ويشتت شملهم ، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم، ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور، ومضايق البلايا؛ وقد قال الله عز وجل في كتابه: " وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍّ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليمٌ حكيمٌ " . ووصف الذين اتقوا فقال: " إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " ؛ فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زين الله به جل وعز من كان قبله؛ فإنه قد سألتهم أبناؤهم، ونازعتهم أهواؤهم، إلى مثل الذي همّ به أمير المؤمنين؛ فآثروا الحق على ما سواه، وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه؛ ولا مانع لعطائه؛ ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النعم وتعجيل النقم؛ فآثروا الآجلة، وقبلوا العاقبة، وكرهوا التغيير، وخافوا التبديل؛ فأظهروا الجميل؛ فتمم الله لهم أمورهم، وكفاهم ما أهمهم، ومنع سلطانهم، وأعز أنصارهم، وكرّم أعوانهم، وشرّف بنيانهم؛ فتمت النعم، وتظاهرت المنن، فاستوجبوا الشكر، فتم أمر الله وهم كارهون. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله. فلما بلغ أبا جعفر المنصور كتابه أمسك عنه، وغضب غضباً شديداً، وعاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون؛ منهم أسد بن المرزبان وعقبة بن سلم ونصر بن حرب بن عبد الله؛ في جماعة؛ فكانوا يأتون باب عيسى، فيمنعون من يدخل إليه؛ فإذا ركب مشوا خلفه وقالوا: أنت البقرة التي قال الله: " فذبحوها وما كادوا يفعلون " ، فعاد فشكاهم، فقال له المنصور: يا ابن أخي، أنا والله أخافهم عليك وعلى نفسي؛ قد أشربوا حب هذا الفتى؛ فلو قدمته بين يديك فيكون بيني وبينك لكفوا. فأجاب عيسى إلى أن يفعل. وذكر عن إسحاق الموصلي، عن الربيع، أن المنصور لما رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه الذي ذكرنا، وقع في كتابه: " اسل عنها تنل منها عوضاً في الدنيا، وتأمن تبعتها في الآخرة " . وقد ذكر في وجه خلع المنصور عيسى بن موسى قولٌ غير هذين القولين؛ وذلك ما ذكره أبو محمد المعروف بالأسواري بن عيسى الكاتب، قال: أراد أبو جعفر أن يخلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، ويقدم المهدي عليه، فأبى أن يجيبه إلى ذلك، وأعيا الآمر أبا جعفر فيه؛ فبعث إلى خالد بن برمك، فقال له: كلمه يا خالد؛ فقد ترى امتناعه من البيعة للمهدي؛ وما تقدمنا به في أمره؛ فهل عندك حيلة فيه، فقد أعيتنا وجوه الحيل،وضل عنا الرأي! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، تضم إلى ثلاثين رجلاً من كبار الشيعة ممن تختاره قال: فركب خالد بن برمك، وركبوا معه، فساروا إلى عيسى بن موسى، فأبلغوه رسالة أبي جعفر المنصور؛ فقال: ما كنت لأخلع نفسي وقد جعل الله عز وجل الأمر لي؛ فأداره خالد بكل وجه من وجوه الحذر والطمع، فأبى عليه؛ فخرج خالد عنه وخرجت الشيعة بعده، فقال لهم خالد: ما عندكم في أمره؟ قالوا: نبلغ أمير المؤمنين رسالته ونخبره بما كان منا ومنه؛ قال: لا، ولكنا نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب، ونشهد عليه إن أنكره، قالوا له: افعل، فإنا نفعل، فقال لهم: هذا هو الصواب، وأبلغ أمير المؤمنين فيما حاول وأراد. قال: فساروا إلى أبي جعفر وخالد معهم، فأعلموه أنه قد أجاب، فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدي، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ قال: وأتى عيسى بن موسى لما بلغه الخبر أبا جعفر منكراً لما ادعي عليه من الإجابة إلى تقديم المهدي على نفسه، وذكره الله فيما قد هم به. فدعاهم أبو جعفر، فسألهم فقالوا: نشهد عليه أنه قد أجاب؛ وليس له أن يرجع؛ فأمضى أبو جعفر الأمر، وشكر لخالد ما كان منه؛ وكان المهدي يعرف ذلك له، ويصف جزالة الرأي منه فيه. وذكر عن علي بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن أبي سليم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: إني لأسير مع سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقد عزم أبو جعفر على أن يقدم المهدي على عيسى بن موسى في البيعة، فإذا نحن بأبي نخيلة الشاعر، ومعه ابناه وعبداه ؛ وكل واحد منهما يحمل شيئاً من متاع، فوقف عليهم سليمان بن عبد الله،فقال: أبا نخيلة، ما هذا الذي أرى؟ وما هذه الحال التي أنت فيها؟ قال: كنت نازلاً على القعقاع - وهو رجل من آل زراره، وكان يتولى لعيسى بن موسى الشرطة - فقال لي: أخرج عني؛ فإن هذا الرجل قد اصطنعني، وقد بلغني أنك قلت شعراً في هذه البيعة للمهدي، فأخاف إن يبلغه ذلك أن يلزمني لائمة لنزولك علي، فأزعجني حتى خرجت. قال: فقال لي : يا عبد الله؛ انطلق بأبي نخيلة فبوئه في منزلي موضعاً صالحاً، واستوص به وبمن معه خيراً. ثم خبر سليمان بن عبد الله أبا جعفر بشعر أبي نخيلة الذي يقول فيه: عيسى فزحلفها إلى محمد ... حتى تؤدى من يد إلى يد فيكم وتغنى وهي في تزيد ... فقد رضينا بالغلام الأمرد قال: فلما كان في اليوم الذي بايع فيه ذكر عن حيان بن عبد الله بن حبران الحماني، قال: حدثني أبو نخيلة قال: قدمت على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهراً لا أصل إليه، حتى قال لي ذات يومٍ عبد الله بن الربيع الحارثي : يا أبا نخيلة، إن أمير المؤمنين يرشح ابنه للخلافة والعهد، وهو على تقدمته بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلت شيئاً تحثه على ذلك، وتذكر فضل المهدي كنت بالحري أن تصيب منه خيراً ومن ابنه، فقلت: دونك عبد الله أهلك ذاكا ... خلافة الله التي أعطاكا أصفاك أصفاك بها أصفاكا ... فقد نظرنا زمناً أبكاكا ثم نظرناك لها إياكا ... ونحن فيهم والهوى هواكا نعم، فنستذري إلى ذراكا ... أسند إلى محمد عصاكا فابنك ما استرعيته كفاكا ... فأحفظ الناس لها أدناكا فقد جفلت الرجل والأوراكا ... وحكت حتى لم أجد محاكا ودرت في هذا وذا وذاكا ... وكل قول قلت في سواكا زور وقد كفر هذا ذاكا وقلت أيضاً كلمتي التي أقول فيها: إلى أمير المؤمنين فاعمدي ... سيري إلى بحر البحور المزبد أنت الذي يا بن سمي أحمد ... ويا بن بيت العرب المشيد بل يا أمين الواحد المؤبد ... إن الذي ولاك رب المسجد أمسي ولي ععهدها بالأسعد ... عيسى فزحلفها إلى محمد من قبل عيسى معهداً عن معهد ... حتى تؤدي من يد إلى يد فيكم وتغنى وهي في تزيد ... فقد رضينا بالغلام الأمرد بل قد فرغنا غير أن لم نشهد ... وغير أن العقد لم يؤكد فلو سمعنا قولك امدد امدد ... كانت لنا كدعقة الورد الصدي فبادر البيعة ورد الحشد ... تبين من يومك هذا أو غد فهو الذي تم فمامن عند ... وزاد ما شئت فده يزدد ورده منك رداءً يرتد ... فهو رداء السابق المقلد قد كان يروى أنها كأن قد ... عادت ولو قد فعلت لم تردد فهي ترامي فدفداً عن فدفد ... حيناً، فلو قد حان ورد الورد وحان تحويل الغوى المفسد ... قال لها الله هلم وارشدي فأصبحت نازلةً بالمعهد ... والمحتد المحتد خير المحتد لم يرم تذمار النفوس الحسد ... بمثل قرم ثابت مؤيد لما انتحوا قدحاً بزند مصلد ... بلوا بمشزور القوي المستحصد يزداد إيقاظاً على التهدد ... فداولوا باللين و التعبد صمصامةً تأكل كل مبرد. قال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغت أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبر أنها لرجل من بني سعد بن زيد مناة، فأعجبه، فدعاني فأدخلت عليه؛ وإن عيى بن موسى لعن يمينه، والناس عنده، ورءوس القواد والجند، فلما كنت بحيث يراني، ناديت : يا أمير المؤمنين، أدنني منك حتى أفهمك وتسمع مقالتي فأومأ بيده، فأدنيت حتى كنت قريباً منه، فلما صرت بين يديه قلت - ورفعت صوتي - أنشده من هذا الموضع، ثم رجعت إلى أول الأرجوزة؛ فأنشدتها من أولها إلى هذا الموضع أيضاً، فأعدت عليه حتى أتيت على آخرها، والناس منصتون، وهو يتسار بما أنشده، مستمعاً له؛ فلما خرجنا من عنده إذا رجلٌ واضعٌ يده على منكبي، فالتفت فإذا عقال بن شبة يقول: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين؛ فإن التأم الأمر على ما تحب وقلت، فلعمري لتصيبن منه خيراً وإن يك غير ذلك، فابتغ نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الري، فوجه عيسى في طلبه، فلحق في طريقه، فذبح وسلخ وجهه. وقيل: قتل بعد ما انصرف من الري؛ وقد أخذ الجائزة . وذكر عن الوليد بن محمد العنبري أن سبب إجابة عيسى أبا جعفر إلى تقديم المهدي عليه كان أن سلم بن قتيبة قال له: أيها الرجل بايع، وقدمه على نفسك، فإنك لن تخرج من الأمر؛ قد جعل لك الأمر من بعده وترضي أمير المؤمنين. قال: أوترى ذلك! قال: نعم، قال: فإني أفعل؛ فأتى سلم المنصور فأعلمه إجابة عيسى، فسر بذلك وعظم قدر سلم عنده. وبايع الناس للمهدي ولعيسى بن موسى من بعده. وخطب المنصور خطبته التي كان فيها تقديم المهدي على عيسى، وخطب عيسى بعد ذلك فقدم المهدي على نفسه، ووفى له المنصور بما كان ضمن له. وقد ذكر عن بعض صحابة أبي جعفر أنه قال: تذاكرنا أمر أبي جعفر المنصور وأمر عيسى بن موسى في البيعة وخلعه إياها من عنقه وتقديمه المهدي، فقال له رجل من القواد سماه: والله الذي لا إله غيره؛ ما كان خلعه إياها منه إلا برضاً من عيسى وركونٍ منه إلى الدراهم، وقلة علمه بقدر الخلافة، وطلباً للخروج منها؛ أتى يوم خرج للخلع فخلع نفسه؛ وإني لفي مقصورة مدينة السلام؛ إذ خرج علينا أبو عبيد الله كاتب المهدي، في جماعة من أهل خراسان، فتكلم عيسى. فقال: إني قد سلمت ولاية العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين، وقدمته على نفسي، فقال أبو عبيد الله: ليس هكذا أعز الله الأمير؛ ولكن قل ذلك بحقه وصدقه؛ وأخبر بما رغبت فيه؛ فأعطيت، قال: نعم، قد بعت نصيبي من تقدمة ولاية العهد من عبد الله أمير المؤمنين لابنه محمد المهدي بعشرة آلاف ألف درهم وثلاث مائة ألف بين ولدي فلان وفلان وفلان - سماهم - وسبعمائة ألف لفلانة امرأة من نسائه - سماها - بطيب نفسٍ مني وحب، لتصيرها إليه، لأنه أولى بها وأحق، وأقوى عليها وعلى القيام بها؛ وليس لي فيها حق لتقدمته، قليل ولا كثير؛ فما ادعيته بعد يومي هذا فأنا فيه مبطل لا حق لي فيه ولا دعوى ولا طلبة. قال: والله وهو في ذلك؛ ربما نسى الشيء بعد الشيء فيوقفه عليه أبو عبيد الله؛ حتى فرغ، حباً للإستيثاق منه. وختم الكتاب وشهد عليه الشهود وأنا حاضر؛ حتى وضع عليه عيسى خطه وخاتمه، والقوم جميعاً؛ ثم دخلوا من باب المقصورة إلى القصر. قال: وكسا أمير المؤمنين عيسى وابنه موسى وغيره من ولده كسوة بقيمة ألف ألف درهم ونيف ومائتي ألف درهم. وكانت ولاية عيسى بن موسى الكوفة وسوادها وما حولها ثلاث عشرة سنة؛ حتى عزله المنصور، واستعمل محمد بن سليمان بن علي حين امتنع من تقديم المهدي على نفسه. وقيل: إن المنصور إنما ولى محمد بن سليمان الكوفة حين ولاه إياها ليستخف بعيسى؛ فلم يفعل ذلك محمد. ولم يزل معظماً له مبجلاً. وفي هذه السنة ولى أبو جعفر محمد بن أبي العباس ابن أخيه البصرة فاستعفى منها فأعفاه، فانصرف عنها إلى مدينة السلام، فمات بها، فصرخت امرأته البغوم بنت علي بن الربيع : وا قتيلاه! فضربها رجل من الحرس بجلوبز على عجيزتها، فتعاوره خدم لمحمد بن أبي العباس فقتلوه؛ فطل دمه. وكان محمد بن أبي العباس حين شخص عن البصرة استخلف بها عقبة بن سلم، فأقره عليها أبو جعفر إلى سنة إحدى وخمسين ومائة. وحج بالناس في هذه السنة المنصور. وكان عامله فيها على مكة والطائف عمه عبد الصمد بن علي وعلى المدينة جعفر بن سليمان. وعلى الكوفة وأرضها محمد بن سليمان. وعلى البصرة عقبة بن سلم. وعلى قضائها سوار بن عبد الله. وعلى مصر يزيد بن حاتم. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور حميد بن قحطبة إلى أرمينية لحرب الترك الذين قتلوا حرب بن عبد الله، وعاثوا بتفليس، فسار حميد إلى أرمينية، فوجدهم قد ارتحلوا، فانصرف ولم يلق منهم أحداً. في هذه السنة عسكر صالح بن علي بدابق - فيما ذكر - ولم يغز. وحج بالناس فيها جعفر بن أبي جعفر المنصور. وكانت ولاة الأمصار في هذه السنة ولاتها في السنة التي قبلها. ثم دخلت سنة تسعاً وأربعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداثفمما كان فيها من ذلك غزوة العباس بن محمد بن الصائفة أرض الروم، ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث، فهلك محمد بن الأشعث في الطريق. وفي هذه السنة استتم المنصور بناء سور مدينة بغداد، وفرغ من خندقها وجميع أمورها. وفيها شخص إلى حديثة الموصل، ثم انصرف إلى مدينة السلام. وحج في هذه السنة بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وفي هذه السنة عزل عبد الصمد بن علي عن مكة، ووليها محمد بن إبراهيم. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة العمال الذين كانوا عمالها في سنة سبع وأربعين ومائة وسنة ثمان وأربعين ومائة؛ غير مكة والطائف؛ فإن واليهما كان في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خروج أستاذ سيس فمما كان فيها من ذلك خروج أستاذ سيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من عامة خراسان، وساروا حتى التقوا هم وأهل مرو الروذ، فخرج إليهم الأجثم المروروذي في أهل مرو الروذ، فقاتلوه قتالاً شديداً حتى قتل الأجثم، وكثر القتل فى اهل مرو الروذ، وهزم عدة من القواد؛ منهم معاذ بن مسلم بن معاذ وجبرائيل بن يحيى حماد ابن عمرو وأبو النجم السجستاني وداود بن كراز؛ فوجه المنصور وهو بالبردان خازم بن خزيمة الى المهدي؛ فولاه المهدي محارة أستاذ سيس؛ وضم القواد إليه. فذكر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهدي كان يوهن أمر خازم، والمهدي يومئذ بنيسابور، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة والى غيره من القواد بالمر والنهي،فاعتل خازم وهو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهدي بنيسابور، فسلم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهدي: لاعيق عليك من أبي عبيد الله ، فقل ما بدا لك؛ فأبى خازم أن يخبره أو يكلمه، حتى قام أبو عبيد الله، فلما خلا به شكا إليه أمر معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيته وتحامله؛ وما كان يرد من كتبه عليه وعلى من قبله من القواد، وما صاروا إليه بذلك من الفساد والتأمر في أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلة السمع والطاعة. وأن أمر الحرب لا يستقيم إلا برأس؛ وألا يكون في عسكره لواء يخفق على رأس أحد إلا لواؤه أو لواء هو عقده، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذ سيس ومن معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله؛ وأن يأذن له في حمل ألوية القواد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع والطاعة. فأجابه المهدي إلى كل ما سأل. فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه، وحل لواء من رأى حل لوائه من القواد، وعقد لواء لمن أراد، وضم إليه من كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشواً يكثر بهم من معه في أخريات الناس، ولم يقدمهم لما في قلوب المغلوبين من روعة الهزيمة؛ وكان من ضم إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفاً، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند، فضمهم إلى اثني عشر ألفاً كانوا معه متخيرين؛ وكان بكار بن مسلم العقيلي فيمن انتخب، ثم تعبأ للقتال وخندق. واستعمل الهيثم بن شعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعدي على ميسرته؛ وكان بكار بن مسلم العقيلي على مقدمته وترار خدا على ساقته؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خراسان؛ وكان لواؤه مع الزبرقان وعلمه مع مولاه بسام؛ فمكر بهم وراوغهم في تنقله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله، وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل فيها جميع أصحابه، وجعل له أربعة أبواب، وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف، و جعل مع بكار صاحب مقدمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفاً. وأقبل الآخرون ومعهم المروز والفؤوس والزبل، يريدون دفن الخندق ودخوله، فأتوا الخندق من الباب الذي كان عليه بكار بن مسلم، فشدوا عليه شدة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق. فلما رأى ذلك بكار رمى بنفسه ، فترجل عن باب الخندق ثم نادى أصحابه: يا بني الفواجر، من قبلي يؤتى المسلون! فترجل من معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلاً، فمنعوا بابهم حتى أجلوا القوم عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع أستاذسيس من أهل سجستان، يقال له الحريش؛ وهو الذي كان يدبر أمرهم؛ فلما رآه خازم مقبلاً بعث إلى الهيثم بن شعبة، وكان في الميمنة - أن اخرج من بابك الذي أنت عليه؛ فخذ غير الطريق الذي يوصلك إلى الباب الذي عليه بكار، فإن القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أبي عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طخارستان. وبعث خازم إلى بكار بن مسلم: إذا رأيت رايات الهيثم بن شعبة قد جاءتك من خلفك، فكبروا وقولوا: قد جاء أهل طخارستان. ففعل ذلك أهل الهيثم، وخرج خازم في القلب على الحريش السجستاني، فاجتلدوا بالسيوف جلاداً شديداً، وضبر بعضهم لبعض؛ فبينا هم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيثم وأصحابه، فتنادوا فيما بينهم، وجاء أهل طخارستان، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام، ونظر من كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شد عليهم أصحاب خازم فكشفوهم ولقيهم أصحاب الهيثم، فطعنوهم بالرماح، ورموهم بالنشاب، وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابه من ناحية الميسرة، وبكار بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم ، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان من قتل منهم في تلك المعركة نحواً من سبعين ألفاً، وأسروا أربعة عشر ألفاً، ولجأ أستاذ سيس إلى جبل في عدة من أصحابه يسيرة ، فقدم خازم الأربعة عشر ألف أسير؛ فضرب أعناقهم، وسار حتى نزل بأستاذ سيس في الجبل الذي كان قد لجأ إليه، ووافى خازماً بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما؛ فأنزلهم خازم ناحية، وقال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم. فحصر خازم أستاذ سيس وأصحابه حتى نزلوا عن حكم أبي عونولم يرضوا إلا بذلك، فرضي بذلك خازم، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه، ففعل؛ فلما نزلوا على حكم أبي عون حكم فيهم أن يوثق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفاً، فأنفذ ذلك خازم من حكم أبي عون، وكسا كل رجل منهم ثوبين؛ وكتب خازم بما فتح الله عليه، وأهلك عدوه إلى المهدي، فكتب بذلك المهدي إلى أمير المؤمنين المنصور. وأما محمد بن عمر، فإنه ذكر أن خروج أستاذسيس والحريش كان في سنة خمسين ومائة، وأن أستاذسيس هزم في سنة إحدى وخمسين ومائة. وفي هذه السنة عزل المنصور جعفر بن سليمان عن المدينة، وولاها الحسن ابن يزيد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. وفيها توفي جعفر بن أبي جعفر المنصور، الأكبر بمدينة السلام، وصلى عليه أبوه المنصور، ودفن ليلاً في مقابر قريش؛ ولم تكن للناس في هذه السنة صائفة؛ قيل إن أبا جعفر كان ولي الصائفة في هذه السنة أسيداً، فلم يدخل بالناس أرض العدو، ونزل مرج دابق. وحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان العامل على مكة والطائف في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وقيل كان العامل على مكة والطائف في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد - وعلى المدينة الحسن بن زيد العلوي، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن علي، وعلى البصرة عقبة بن سلم، وعلى قضائها سوار، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من إغارة الكرك فيها في البحر على جدة؛ ذكر ذلك محمد بن عمر. وفيها ولى عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة إفريقية، وعزل عن السند وولي موضعه هشام ابن عمرو التغلبي. ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وتوليته إياه إفريقية واستعماله على السند هشام بن عمرو وكان سبب ذلك - فيما ذكر علي بن محمد بن سليمان بن علي العباسي عن أبيه - أن المنصور ولى عمر بن حفص الصفري الذي يقال له هزارمرد السند - فأقام بها حتى خرج محمد بن عبد الله بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، فوجه محمد بن عبد الله إليه ابنه عبد الله بن محمد الذي يقال له الأشتر، في نفر من الزيدية إلى البصرة، وأمرهم أن يشتروا مهارة - خيل عتاق بها - ويمضوا بها معهم إلى السند ليكون سبباً لهم إلى الوصول إلى عمر بن حفص؛ وإنما فعل ذلك به لأنه كان فيمن بايعه من قواد أبي جعفر، وكان له ميل إلى آل أبي طالب،فقدموا البصرة على إبراهيم بن عبد الله، فاشتروا منها مهارةً - وليس في بلاد السند والهند شيء أنفق من الخيل العتاق - ومضوا في البحر حتى صاروا إلى السند، ثم صاروا إلى عمر بن حفص، فقالوا: نحن قوم نخاسون، ومعنا خيل عتاق، فأمرهم أن يعرضوا خيلهم، فعرضوها عليه؛ فلما صاروا إليه، قال له بعضهم: أدنني منك أذكر لك شيئاً، فأدناه منه، وقال له: إنا جئناك بما هو خير لك من الخيل، وما لك فيه خير الدنيا والآخرة، فأعطنا الأمان على خلتين: إما أنك قبلت ما أتيناك به، وإما سترت وأمسكت عن أذانا حتى نخرج من بلادك راجعين. فأعطاهم الأمان، فقالوا: ما للخيل أتيناك؛ ولكن هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، أرسله أبوه إليك قد خرج بالمدينة، ودعا لنفسه بالخلافة، وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة وغلب عليها، فقال: بالرحب والسعة، ثم بايعهم له، وأمر به فتوارى عنده، ودعا أهل بيته وقواده وكبراء أهل البلد للبيعة، فأجابوه، فقطع الأعلام البيض والأقبية البيض والقلانس البيض، وهيأ لبسته من البياض يصعد فيها إلى المنبر، وتهيأ لذلك يوم خميس؛ فلما كان يوم الأربعاء إذا حراقة قد وافت من البصرة، فيها رسول لخليدة بنت المعارك - امرأة عمر بن حفص - بكتاب إليه تخبره بقتل محمد بن عبد الله، فدخل على عبد الله فأخبره الخبر، وعزاه، ثم قال له: إني كنت بايعت لأبيك، وقد جاء من الأمر ما ترى. فقال له: إن أمري قد شهر، ومكاني قد عرف، ودمي في عنقك؛ فانظر لنفسك أودع. قال: قد رأيت رأياً ههنا ملك من ملوك السند، عظيم المملكة، كثير التبع؛ وهو على شركة أشد الناس تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو رجل وفي، فأرسل إليه، فاعقد بينك وبينه عقداً، وأوجهك إليه تكون عنده؛ فلست ترام معه. قال: افعل ما شئت؛ ففعل ذلك؛ فصار إليه، فأظهر إكرامه وبره براً كثيراً؛ وتسللت إليه الزيدية حتى صار إليه منهم أربعمائة إنسان من أهل البصائر؛ فكان يركب فيهم فيصيد ويتنزه في هيئة الملوك وآلاتهم، فلما قتل محمد وإبراهيم انتهى خبر عبد الله الأشتر إلى المنصور؛ فبلغ ذلك منه، فكتب إلى عمر بن حفص يخبره بما بلغه، فجمع عمر بن حفص قرابته، فقرأ عليهم كتاب المنصور يخبرهم أنه إن أقر بالقصة لم ينظره المنصور أن يعزله، وإن صار إليه قتله، وإن امتنع حاربه. قال له رجل من أهل بيته: ألق الذنب علي، واكتب إليه بخبري، وخذني الساعة فقيدني واحبسني؛ فإنه سيكتب:احمله إلي؛ فاحملني إليه، فلم يكن ليقدم علي لموضعك في السند، وحال أهل بيتك بالبصرة. قال: إني أخاف عليك خلاف ما تظن، قال: إن قتلت أنا فنفسي فداؤك فإني سخي بها فداء لنفسك؛ فإن حييت فمن الله. فأمر به فقيد وحبس، وكتب إلى المنصور يخبره بذلك؛ فكتب إليه المنصور يأمره بحمله إليه؛ فلما صار إليه قدمه فضرب عنقه، ثم مكث يروي من يولي السند! فأقبل يقول: فلان فلان ؛ ثم يعرض عنه؛ فبينا هو يوماً يسير ومعه هشام بن عمرو التغلبي، والمنصور ينظر إليه في موكبه، إذ انصرف إلى منزله، فلما ألقى ثوبه دخل الربيع فآذنه بهشام. فقال: أولم يكن معي آنفاً! قال: ذكر أن له حاجة عرضت مهمة. فدعا بكرسي فقعد عليه، ثم أذن له، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين؛ إني أنصرف إلى منزلي من الموكب، فلقيتني أختي فلانة بنت عمرو، فرأيت من جمالها وعقلها ودينها ما رضيتها لأمير المؤمنين، فجئت لأعرضها عليه؛ فأطرق المنصور، وجعل ينكت الأرض بخيزرانة في يده، وقال: اخرج يأتك أمري؛ فلما ولى قال: يا ربيع؛ لولا بيت قاله جرير في بني تغلب لتزوجت أخته وهو قوله: لاتطلبن خئولة في تغلب ... فالزنج أكرم منهم أخوالا فأخاف أن تلد لي ولداً، فيعير بهذا البيت؛ ولكن اخرج إليه، فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لو كانت لك لله حاجة إليه لم أعدل عنها غير التزويج؛ ولو كانت لي حاجة إلى التزويج لقبلت ما أتيتني به؛ فجزاك الله عما عملت له خيراً، وقد عوضتك من ذلك ولاية السند. وأمره أن يكاتب ذلك الملك؛ فإن أطاعه وسلم إليه عبد الله بن محمد، وإلا حاربه. وكتب إلى عمر بن حفص بولايته إفريقية. فخرج هشام بن عمرو التغلبي إلى السند فوليها، وأقبل عمر بن حفص يخوض البلاد حتى صار إلى إفريقية، فلما صار هشام بن عمرو إلى السند كره أخذ عبد الله، وأقبل يري الناس أنه يكاتب الملك ويرفق به، فاتصلت الأخبار بأبي جعفر بذلك؛ فجعل يكتب إليه يستحثه، فبينا هو كذلك إذ خرجت خارجة ببعض بلاد السند، فوجه إليهم أخاه سفنجا، فخرج يجر الجيش بجنبات ذلك الملك؛ فبينا هو يسير إذ هو برهج قد ارتفع من موكب، فظن أنه مقدمة للعدو الذي يقصد، فوجه طلائعه فرجعت، فقالت: ليس هذا عدوك الذي تريد؛ ولكن هذا عبد الله بن محمد الأشتر العلوي ركب متنزهاً يسير على شاطئ مهران، فمضى يريده، فقال له نصاحه: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أن أخاك تركه معتمداً، مخافةً أن يبوء بدمه، ولم يقصدك، إنما خرج متنزهاً، وخرجت تريد غيره. فأعرض عنه، وقال: ما كنت لأدع أحداً يحوزه، ولا ادع أحداً يحظى بالتقرب إلى المنصور بأخذه وقتله. وكان في عشرة، فقصد قصده، وذمر أصحابه، فحمل عليه، فقاتله عبد الله وقاتل أصحابه بين يديه حتى قتل وقتلوا جميعاً، فلم يفلت منهم مخبر، وسقط بين القتلى، فلم يشعر به. وقيل: إن أصحابه قذفوه في مهران لما قتل، لئلا يؤخذ رأسه؛ فكتب هشام بن عمرو بذلك كتاب فتح إلى المنصور، يخبره أنه قصده قصداً. فكتب إليه المنصور يحمد أمره، ويأمره بمحاربة الملك الذي آواه؛ وذلك أن عبد الله كان اتخذ جواري، وهو بحضرة ذلك الملك، فأولد منهن واحدة محمد بن عبد الله - وهو أبو الحسن محمد العلوي الذي يقال له بن الأشتر - فحاربه حتى ظفر به، وغلب على مملكته وقتله، ووجه بأم ولد عبد الله وابنه إلى المنصور، فكتب المنصور إلى واليه بالمدينة، يخبره بصحة نسب الغلام، وبعث به إليه، وأمره أن يجمع آل أبى طالب، وان يقرا عليهم كتابه بصحة نسب الغلام، ويسلمه إلى أقربائه. وفي هذه السنة قدم على المنصور ابنه المهدي من خراسان، وذلك في شوال منها - فوفد إليه للقائه وتهنئة المنصور بمقدمه عامة أهل بيته، من كان منهم بالشام والكوفة والبصرة وغيرها، فأجازهم وكساهم وحملهم، وفعل مثل ذلك بهم المنصور، وجعل لابنه المهدي صحابة منهم، وأجرة لكل رجل منهم خمسمائة درهم. ذكر خبر بناء المنصور الرصافةوفي هذه السنة ابتدأ المنصور ببناء الرصافة في الجانب الشرقي من مدينة السلام لابنه محمد المهدي. ذكر الخبر عن سبب بنائه ذلك لهذكر عن أحمد بن محمد الشروي، عن أبيه، أن المهدي لما قدم من خراسان أمره المنصور بالمقام بالجانب الشرقي، وبنى له الرصافة، وعمل لها سوراً وخندقاً وميداناً وبستاناً، وأجرى له الماء؛ فكان يجري الماء من نهر المهدي إلى الرصافة. وأما خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن خازم، فإنه ذكر أن محمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حدثه، أن أباه حدثه، أن الراوندية لما شغبوا على أبي جعفر وحاربوه على باب الذهب، دخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس - وهو يومئذ شيخ كبير مقدم عند القوم - فقال له أبو جعفر: أما ترى ما نحن فيه من التياث الجند علينا! قد خفت أن تجتمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين، عندي في هذا رأي إن أنا أظهرته لك فسد، وإن تركتني أمضيته، صلحت لك خلافتك، وهابك جندك. فقال له: أفتمضي في خلافتي أمراً لا تعلمني ما هو! فقال له: إن كنت عندك متهماً على دولتك فلا تشاورني، وإن كنت مأموناً عليها فدعني أمضي رأيي. فقال له: فأمضه. قال: فانصرف قثم إلى منزله، فدعا غلاماً له فقال له: إذا كان غداً فتقدمني ، فاجلس في دار أمير المؤمنين؛ فإذا رأيتني قد دخلت وتوسطت أصحاب المراتب، فخذ بعنان بغلتي، فاستوقفني واستحلفني بحق رسول الله وحق العباس وحق أمير المؤمنين لما وقفت لك، وسمعت مسألتك وأجبتك عنها؛ فإني سأنتهرك، وأغلظ لك القول، فلا يهولنك ذلك مني، وعاودني بالقول و بالمسألة، فإني سأشتمك، فلا يروعنك ذلك، وعاودني بالقول والمسألة، فإني سأضربك بسوطي، فلا يشق ذلك عليك، فقل لي: أي الحيين أشرف؟ اليمن أم مضر؟ فإذا أجبتك فخلي عنان بغلتي وأنت حر. قال: فغدا الغلام، فجلس حيث أمره من دار الخليفة، فلما جاء الشيخ فعل الغلام ما أمر به مولاه، وفعل المولى ما كان قاله له، ثم قال له: قل، فقال: أي الحيين أشرف؟ اليمن أم مضر؟ قال: فقال قثم: مضر كان منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كتاب الله عز وجل، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله. قال: فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيء من شرفها؛ فقال له قائد من قواد اليمن: ليس الأمر كذلك مطلقاً بغير شرفة ولا فضيلة لليمن، ثم قال لغلامه: قم فخذ بعنان بغلة الشيخ، فاكبحها كبحاً عنيفاً تطأ من به منه، قال: ففعل الغلام ما أمره به مولاه حتى كاد أن يقعيها على عراقيبها، فامتعضت من ذلك مضر، فقالت: أيفعل هذا بشيخنا! فأمر رجل منهم غلامه، فقال: اقطع يد العبد، فقام إلى غلام اليماني فقطع يده، فنفر الحيان، وصرف قثم بغلته، فدخل على أبي جعفر، وافترق الجند، فصارت مضر فرقة، واليمن فرقة، والخرسانية فرقة، وربيعة فرقة، فقال قثم لأبي جعفر: قد فرقت بين جندك، وجعلتهم أحزاباً كل حزب منهم يخاف أن يحدث عليك حدثاً، فتضربه بالحزب الآخر، وقد بقي عليك في التدبير بقية، قال: ما هي؟ قال: اعبر بابنك فأنزله في ذلك الجانب قصراً، وحوله وحول معك من جيشك معه قوماً فيصير ذلك بلداً، فإن فسد عليك أهل هذا الجانب ضربتهم بأهل ذلك الجانب، وإن فسد عليك أهل ذلك الجانب ضربتهم بأهل هذا الجانب، وإن فسدت عليك مضر ضربتها باليمن وربيعة والخرسانية، وإن فسدت عليك اليمن ضربتها بمن أطاعك من مضر وغيرها. قال: فقبل أمره ورأيه، فاستوى له ملكه؛ وكان ذلك سبب البناء في الجانب الشرقي وفي الرصافة وأقطاع القواد هناك. قال: وتولى صالح صاحب المصلى القطائع في الجانب الشرقي، ففعل كفعل أبي العباس الطوسي في فضول القطائع في الجانب الغربي، فله بباب الجسر وسوق يحيى ومسجد خضير وفي الرصافة وطريق الزواريق على دجلة مواضع بناء، بما استوهب من فضل الإقطاع عن أهله، وصالح رجل من أهل خراسان. وفي هذه السنة جدد المنصور البيعة لنفسه ولإبنه محمد المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعد المهدي على أهل بيته في مجلسه في يوم جمعة؛ وقد عمهم بالإذن فيه؛ فكان كل من بايعه منهم يقبل يده ويد المهدي، ثم يمسح على يد عيسى بن موسى ولا يقبل يده. وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد. أمر عقبة بن سلموفيها شخص عقبة بن سلم من البصرة واستخلف عليها ابنه نافع بن عقبة إلى البحرين، فقتل سليمان بن حكيم العبدي وسبى أهل البحرين، وبعث ببعض من سبى منهم وأسارى منهم إلى أبي جعفر، فقتل منهم عدة ووهب بقيتهم للمهدي. فمن عليهم وأعتقهم؛ وكسا كل إنسان منهم ثوبين من ثياب مرو. ثم عزل عقبة بن سلم عن البصرة؛ فذكر عن إفريك - جارية أسد بن المرزبان - أنها قالت: بعث المنصور بن المرزبان إلى عقبة بن سلم إلى البحرين حين قتل منهم من قتل، ينظر في أمره، فمايله ولم يستقص عليه، ووري عنه؛ فبلغ ذلك أبا جعفر، وبلغه أنه أخذ منه مالاً، فبعث إليه أبا سو يد الخراساني - وكان صديق أسد - وأخاه فلما رآه مقبلاً على البريد فرح، وكان ناحية من عسكر عقبة، فتطاول له، وقال: صديقي . فوقف عليه فوثب ليقوم إليه، فقال له أبو سويد " بنشين بنشين " ، فجلس فقال له: أنت سامع مطيع؟ قال: نعم، قال: مد يدك، فمد يده فضربها فأطنها، ثم مد رجله، ثم مد يده ثم رجله حتى قطع الأربع، ثم قال: مد عنقك فمد فضرب عنقه. قالت إفريك: فأخذت رأسه فوضعته في حجري، فأخذه مني فحمله إلى المنصور. فما أكلت إفريك لحماً حتى ماتت. وزعم الواقدي أن أبا جعفر ولى معن بن زائدة في هذه السنة سجستان. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان العامل على مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان بن علي، وعلى البصرة جابر بن طلبه الكلابي، وعلى قضائها سوار بن عبد الله، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من قتل الخوارج فيها معن بن زائدة الشيباني ببست سجستان. فيها غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان المنصور ولاه خراسان في سنة اثنتين وخمسين ومائة. وغزا - فيما ذكر - الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم ولم يدرب . وقيل إن الذي غزا الصائفة في هذه السنة محمد بن إبراهيم. وفيها عزل المنصور جابر بن توبة عن البصرة، وولاها يزيد بن منصور. وفيها قتل أبو جعفر هاشم بن الأشتاخنج، وكان عصي وخالف في إفريقية، فحمل إليه هو وابن خالد المرور وذي، فقتل ابن الأشتاخنج بالقادسية، وهو متوجه إلى مكة. وحج بالناس هذه السنة المنصور؛ فذكر أنه شخص من مدينة السلام في شهر رمضان ولا يعلم بشخوصه محمد بن سليمان، وهو عامله على الكوفة يومئذ، ولا عيسى بن موسى ولا غيرهما من أهل الكوفة حتى قرب منها. وفيها عزل يزيد بن حاتم عن مصر ووليها محمد بن سعيد. وكان عمال الأمصار في هذه السنة هم العمال في السنة الخالية إلا البصرة فإن عاملها في هذه السنة كان يزيد بن منصور، وإلا مصر فإن عاملها كان في هذه السنة محمد بن سعيد. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك تجهيز المنصور جيشاً في البحر لحرب الكرك ، بعد مقدمة البصرة، منصرفاً من مكة إليها بعد فراغه من حجه، وكانت الكرك أغارت على جدة، فلما قدم المنصور البصرة في هذه السنة جهز منها جيشاً لحربهم، فنزل الجسر الأكبر حين قدمها - فيما ذكر - . وقمته هذه البصرة القدمة الآخرة. وقيل إنه إنما قدمها القدمة الآخرة في سنة خمس وخمسين ومائة، وكانت قدمته الأولى في سنة خمس وأربعين ومائة، وأقام بها أربعين يوماً، وبنى بها قصراً ثم انصرف منها إلى مدينة السلام. وفيها غضب المنصور على أبي أيوب المورياني، فحبسه وأخاه وبني أخيه: سعيداً ومسعوداً ومخلداً ومحمداً، وطالبهم. وكانت منازلهم المناذر وكان سبب غضبه عليه - فيما قيل - سعي أبان بن صدقة كاتب أبي أيوب إليه. وفي هذه السنة قتل عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة بإفريقية، قتله أبو حاتم الأباضي وأبو عاد ومن كان معهما من البربر، وكانوا - فيما ذكر - ثلاثمائة ألف وخمسين ألفاً، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفاً، ومعهم أبو قرة الصفري في أربعين ألفاً، وكان يسلم عليه قبل ذلك بالخلافة أربعين يوماً. وفيها حمل عباد مولى المنصور وهرثمة بن أعين ويوسف بن علوان من خراسان في سلاسل، لتصبهم لعيسى بن موسى. وفيها أخذ المنصور الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول، وكانوا - فيما ذكر - يحتالون لها بالقصب من داخل، فقال أبو دلامة: وكنا نرجى من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس وفيها توفي عبيد بن بنت أبي ليلى قاضي الكوفة، فاستقضي مكانه شريك بن عبد الله النخعي. وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى الحجوري، فصار إلى حصن من حصون الروم ليلاً، وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه من المقاتلة، ثم صار إلى اللاذقية المحترقة، ففتحها واخرج منها ستة آلاف رأس من السبي سوى الرجال البالغين. وفيها ولى المنصور بكار بن مسلم العقلي على أرمينية وحج بالناس في هذه السنة محمد بن أبي جعفر المهدي. وكان على مكة والطائف يومئذ محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد بن الحسن، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى قضائها سوار وعلى مصر محمد بن سعيد. وذكر الواقدي أن يزيد بن منصور كان في هذه السنة والي اليمن من قبل أبي جعفر المنصور. ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك خروج المنصور إلى الشام ومسيره إلى بيت المقدس وتوجيهه يزيد بن حاتم إلى أفريقية في خمسين ألفاً - فيما ذكر - لحرب الخوارج اللذين كانوا بها ، الذين قتلوا عامله عمر بن حفص. وذكر انه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف درهم . وفي هذه السنة عزم المنصور - فيما ذكر - على بناء مدينة الرافقة ، وذكر عن محمد جابر، عن أبيه أن أبا جعفر لما أراد بناءها ، امتنع أهل الرقة،وأرادوا محاربته، وقالوا: تعطل علينا أسواقنا وتذهب بمعايشنا ، وتضيق منازلنا؛ فهم بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصومعة هنالك، فقال له : هل لك علم بأن إنساناً يبني هاهنا مدينة؟ فقال : بلغني أن رجلاً يقال له مقلاص يبنيها، فقال: أنا والله مقلاص. وذكر محمد بن عمر أن صاعقةً سقطت في هذه السنة في المسجد الحرام فقتلت خمسة نفر. وفيها هلك أبو أيوب المورياني وأخوه خالد، وأمر المنصور موسى بن دينار حاجب أبي العباس الطوسي بقطع أيدي بنس آخى أبي أيوب وأرجلهم وضرب أعناقهم؛ وكتب بذلك إلى المهدي، ففعل ذلك موسى وأنفذ فيهم ما أمره به. وفيها ولي عبد الملك بن ظبيان النميري على البصرة. وغزا الصائفة في هذه السنة زفر بن عاصم الهلالي فبلغ الفرات. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم، وهو عامل أبي جعفر على مكة والطائف . وكان على المدينة الحسن بن يزيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وعلى قضائها سوار بن عبد الله وعلى السند هشام بن عمرو، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك افتتاح يزيد بن حاتم إفريقية وقتله أبا عاد وأبا حاتم ومن كان مع واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القيروان. وفيها وجه المنصور ابنه المهدي لبناء مدينة الرافقة، فشخص إليها، فبناها على بناء مدينته ببغداد في أبوابها وفصولها ورحابها وشوارعها وسور سورها وخندقها، ثم انصرف إلى مدينته. وفيها - فيما ذكر محمد بن عمر - خندق أبو جعفر على الكوفة والبصرة، وضرب عليهما سوراً، وجعل ما أنفق على سور ذلك وخندقه من أموال أهله. وعزل فيها المنصور عبد الملك بن أيوب بن ظبيان عن البصرة، واستعمل عليها الهيثم بن معاوية العتكي، وضم إليه سعيد بن دعلج، وأمره ببناء سور لها يطيف بها، وخندق عليها من دون السور من أموال أهلها، ففعل ذلك. وذكر أن المنصور لما أراد الأمر ببناء سور الكوفة وبحفر خندق لها، أمر بقسمة خمسة دراهم، على أهل الكوفة، وأراد بذلك علم عددهم؛ فلما عرف عددهم أمر بجبايتهم أربعين درهماً من كل إنسان، فجبوا، ثم أمر بإنفاق ذلك على سور الكوفة وحفر خندق لها، فقال شاعرهم: يا لقومي ما لقينا ... من أمير المؤمنينا قسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا وفيها طلب صاحب الروم الصلح إلى المنصور؛ على أن يؤدي إليه الجزية. وغزا الصائفة في هذه السنة يزيد بن أسيد السلمي وفيها عزل المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة، وغرمه مالاً، و غضب عليه وحبسه، فذكر عن بعض بني هاشم، أنه قال: كان المنصور ولى العباس بن محمد الجزيرة بعد يزيد بن أسيد، ثم غضب عليه فلم يزل ساخطاً عليه حتى غضب على بعض عمومته من ولد علي بن عبد الله بن عباس أما إسماعيل بن علي أو غيره فاعتوره أهله وعمومته ونساؤهم يكلمونه فيه ، وضيقوا عليه فرضي عنه، فقال عيسى بن موسى: يا أمير المؤمنين؛ إن آل علي بن عبد الله - وإن كانت نعمك عليهم سابغة - فإنهم يرجعون إلى الحسد لنا ؛ فمن ذلك أنك غضبت على إسماعيل بن علي منذ أيام، فضيقوا عليك . وأنت غضبان على العباس بن محمد، منذ كذا وكذا، فما رأيت أحداً منهم كلمك فيه. قال: فدعا العباس فرضي عنه. قال: وقد كان يزيد بن أسيد عند عزل العباس إياه عن الجزيرة، شكا إلى أبي جعفر العباس، وقال: يا أمير المؤمنين؛ إن أخاك أساء عزلي، وشتم عرضي، فقال له المنصور: اجمع بين إحساني إليك وإساءة أخي يعتدلا، فقال يزيد بن أسيد: يا أمير المؤمنين؛ إذا كان إحسانكم جزاء إساءتكم، كانت طاعتنا تفضلاً منا عليكم. وفيها استعمل المنصور على حرب الجزيرة وخراجها موسى بن كعب. وفي هذه السنة عزل المنصور عن الكوفة محمد بن سليمان بن علي، في قول بعضهم، و أستعمل مكانه عمرو بن زهير أخا المسيب بن زهير . وأما عمر بن شبة فإنه زعم أنه عزل محمد بن سليمان عن الكوفة في سنة ثلاث وخمسين ومائة ،وولاها عمرو بن زهير الضبي أخا المسيب بن زهير في هذه السنة .قال: وهو حفر الخندق بالكوفة . ذكر الخبر عن سبب عزل المنصور محمد بن سليمان بن علي ذكر أن محمد بن سليمان أتى في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوجاء - وكان خال معن بن زائدة - فأمر بحبسه. قال أبو زيد: فحدثني قثم بن جعفر والحسين بن أيوب وغيرهما أن شفعاءه كثروا بمدينة السلام، ثم ألحوا على أبي جعفر، فلم يتكلم فيه إلا ظنين، فأمر بالكتاب إلى محمد بالكف عنه إلى أن يأتيه رأيه، فكلم ابن أبي العوجاء أبى الجبار - وكان منقطعاً إلى أبي جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعدهما - فقال له: إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف، ولك أنت كذا وكذا، فأعلم أبو الجبار محمداً، فقال: أذكرتنيه والله وقد كنت نسيته؛ فإذا انصرفت من الجمعة فأذكرنيه. فلما انصرف أذكره، فدعى به وأمر بضرب عنقه، فلما أيقن أنه مقتول، قال: أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال، وأحل فيها الحرام؛ والله لقد فطرتكم في يوم صومكم، وصومتكم في يوم فطركم، فضربت عنقه. وورد على محمد رسول أبي جعفر بكتابه: إياك أن تحدث في أمر ابن أبي العوجاء شيئاً، فإنك إن فعلت فعلت بك وفعلت يتهدده. فقال محمد للرسول: هذا رأس ابن أبي العوجاء وهذا بدنه مصلوباً بالكناسة، فأخبر أمير المؤمنين بما أعلمتك؛ فلما بلغ الرسول أبا جعفر رسالته، تغيظ عليه وأمر بالكتاب يعزله وقال: والله لهممت أن أقيده به، ثم أرسل إلى عيسى بن علي فأتاه، فقال: هذا عملك أنت! أشرت بتولية هذا الغلام، فوليته غلاماً جاهلاً لا علم له بما يأتي؛ يقدم على رجل يقتله من غير أن يطلع رأيي فيه، ولا ينتظر أمري! وقد كتبت بعزله؛ وبالله لأفعلن به ولأفعلن يتهدده، فسكت عنه عيسى حتى سكن غضبه، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إن محمداً إنما قتل هذا الرجل على الزندقة، فإن قتله صواباً فهو لك، وإن كان خطأ فهو على محمد، والله يا أمير المؤمنين لئن عزلته على تفية ما صنع ليذهبن بالثناء والذكر، ولترجعن القالة من العامة عليك. فأمر بالكتب فمزقت وأقر على عمله. وقال بعضهم: إنما عزل المنصور محمد بن سليمان عن الكوفة لأمور قبيحة بلغته عنه، اتهمه فيها؛ وكان الذي أنهى ذلك إليه المساور بن سوار الجرمي صاحب شرطة، وفي مساور يقول حماد . لحسبك من عجيب الدهر أني ... أخاف وأتقي سلطان جرم وفي هذه السنة أيضاً عزل المنصور الحسن بن زيد عن المدينة، واستعمل عليها عبد الصمد ابن علي. وجعل معه فليح بن سليمان مشرفاً عليه. وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم ابن محمد، وعلى الكوفة عمرو بن زهير، وعلى البصرة الهيثم بن معاوية، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها ذكر الخبر عن مقتل عمرو بن شداد فمن ذلك ما كان من ظفر الهيثم بن معاوية عامل أبي جعفر على البصرة بعمرو بن بن شداد عامل إبراهيم بن عبد الله على فارس، فقتل بالبصرة وصلب. ذكر الخبر عن سبب الظفر به ذكر عمر أن محمد بن معروف حدثه، قال: أخبرني أبي، قال: ضرب عمرو بن شداد خادماً له، فأتى عامل البصرة - إما ابن دعلج، وإما الهيثم بن معاوية - فدله غليه، فأخذه فقتله وصلبه في المربد في موضع دار إسحاق بن سليمان. وكان عمرو مولى لبني جمح، فقال بعضهم: ظفر به الهيثم بن معاوية وخرج يريد مدينة السلام، فنزل بقصر له على شاطئ نهر يعرف بنهر معقل، فأقبل بريد من عند أبي جعفر، ومعه كناب إلى الهيثم بن معاوية بدفع عمرو بن شداد إليه،فدفعه الهيثم إليه، فأقدمه البصرة، ثم أتى به ناحية الرحبة، فخلا به يسائله، فلم يظفر منه بشيء يحب علمه، فقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه وصلبه في مربد البصرة. وفي هذه السنة عزل المنصور الهيثم بن معاوية عن البصرة وأعمالها، واستعمل سوار بن عبد الله القاضي على الصلاة، وجمع له القضاء والصلاة. وولى المنصور سعيد بن دعلج شرط البصرة وأحداثها. وفيها توفي الهيثم بن معاوية بعد ما عزل عن البصرة فجأة بمدينة السلام، وهو على بطن جارية له، فصلى عليه المنصور، ودفن في مقابر بني هاشم. وفي هذه السنة غزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي. وحج بالناس في هذه السنة العباس بن محمد بن علي. وكان العامل على مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيماً بمدينة السلام، وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة؛ وكان إليه مع مكة الطائف. وعلى الكوفة عمر بن زهير، وعلى الأحداث والجوالي والشرط وصدقات أرض العرب بالبصرة سعيد بن دعلج، وعلى الصلاة بها والقضاء سوار بن عبد الله، وعلى كور دجلة والأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند هشام بن عمرو، وعلى أفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سعيد. ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك ابتناء المنصور قصره الذي على شاطئ دجلة؛ الذي يدعى الخلد وقسم بناءه على مولاه الربيع وأبان بن صدقة. وفيها قتل يحيى أبو زكريا المحتسب؛ وقد ذكرنا قبل سبب قتله إياه. وفيها حول المنصور الأسواق من مدينة السلام إلى باب الكرخ وغيره من المواضع، وقد مضى أيضاً ذكرنا سبب ذلك قبل. وفيها ولى المنصور جعفر بن سليمان على البحرين، فلم يتم ولايته، ووجه مكانه أميراً عليها سعيد بن دعلج؛ فبعث سعيد ابنه تميماً عليها. وفيها عرض المنصور جنده في السلاح والخبل على عينه في مجلس اتخذه على شط دجلة دون قطربل، وأمر أهل بيته وقرابته وصحابته يومئذ بلبس السلاح، وخرج وهو لابس درعاً وقلنسوة تحت البيضة سوداء لاطئة مضربة . وفيها توفي عامر بن إسماعيل المسلى، بمدينة السلام، فصلى عليه المنصور، ودفن في مقابر بني هاشم. وفيها توفي سوار بن عبد الله وصلى عليه ابن دعلج، واستعمل المنصور مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري. وفيها عقد المنصور الجسر عند باب الشعير، وجرى ذلك على يد حميد القاسم الصيرفي، بأمر الربيع الحاجب. وفيها عزل محمد بن سعيد الكاتب عن مصر، واستعمل عليها مطر مولى أبي جعفر المنصور. وفيها ولي معبد بن الخليل السند، وعزل عنها هشاط بن عمرو، ومعبد يومئذ بخراسان؛ كتب إليه بولايته. وغزا الصائفة فيها يزيد بن أسيد السلمي، ووجه سناناً مولى البطال إلى بعض الحصون، فسبى وغنم. وقال محمد بن عمر: الذي غزا الصائفة في هذه السنة زفر بن عاصم. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. قال محمد بن عمر: كان على المدينة - يعني إبراهيم هذا. وقال غيره: كان على المدينة في هذه السنة عبد الصمد بن علي، وكان على مكة والطائف محمد بن إبراهيم ، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى كرمان والسند معبد بن الخليل، وعلى مصر مطر مولى المنصور. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل فمما كان فيها من ذلك توجيه المنصور ابنه المهدي إلى الرقة وأمره وإياه بعزل موسى بن كعب عن الموصل وتولية يحيى بن خالد بن برمك عليها وكان سبب ذلك - فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية - قال: كان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف، ونذر دمه فيها، وأجله ثلاثة أيام بها، فقال خالد لابنه يحيى: يا بني، إني قد أوذيت وطولبت بما ليس عندي، وإنما يراد بذلك دمي؛ فانصرف إلى حرمتك وأهلك، فما كنت فاعلاً بهم بعد موتي فافعله. ثم قال له: يا بني لا يمنعنك ذلك من أن تلقى إخواننا، وأن تمر بعمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلى ومبارك التركي فتعلمهم حالنا. قال: فذكر صالح بن عطية أن يحيى حدثه، قال: أتيتهم فمنهم من تجهمني وبعث بالمال سراً إلي ، ومنهم من لم يأذن لي، وبعث بالمال في إثري. قال: واستأذنت على عمارة بن حمزة، فدخلت عليه وهو في صحن داره، مقابل بوجههه الحائط؛ فما انصرف إلي بوجهه، فسلمت عليه، فرد علي رداً ضعيفاً، وقال: يا بني؛ كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقرأ عليك السلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغرم، ويستسلفك مائة ألف درهم. قال: فما رد علي قليلاً ولا كثيراً، قال: فضاق بي موضعي، ومادت بي الأرض. قال: ثم كلمته فيما أتيته له. قال: فقال: إن أمكنني شيْ فسيأتيك، قال يحيى: فانصرفت وأنا أقول في نفسي: لعن الله كل شيء يأتي من تيهك وعجبك وكبرك! وصرت إلى أبي، فأخبرته الخبر، ثم قلت له: وأراك تثق من عمارة بن حمزة بما لا يوثق به! قال: فوالله إني لكذلك؛ إذ طلع رسول عمارة بن حمزة بالمئة ألف. قال: فجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف، وبقيت ثلاثمائة ألف بوجودها يتم ما سعينا له ، وبتعذرها يبطل. قال: فوالله إني لعلى الجسر ببغداد ماراً مهموماً مغموماً؛ إذ وثب إلي زاجر فقال: فرخ الطائر أخبرك! قال: فطويته مشغول القلب عنه، فلحقني وتعلق بلجامي، وقال لي: أنت والله مهموم، ووالله ليفرجن الله همك، ولتمرن غداً في هذا الموضع واللواء بين يديك. قال: فأقبلت أعجب من قوله. قال: فقال لي: إن كان ذلك فلي عليك خمسة آلاف درهم؟ قلت: نعم - ولو قال خمسون ألفاً لقلت نعم، لبعد ذلك عني من أن يكون - قال: ومضيت. وورد على المنصور انتقاض الموصل وانتشار الأكراد بها. فقال: من لها؟ فقال له المسيب بن زهير - وكان صديقاً لخالد بن برمك: عندي يا أمير المؤمنين رأي، أرى أنك لا تنتصحه ؛ وأنك ستلقاني بالرد، ولكني لا أدع نصحك فيه والمشورة عليك به، قال: قل، فلا أستغشك، قلت: يا أمير المؤمنين ما رميتها بمثل خالد، قال: ويحك! فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنما قومته لذلك وأنا الضامن عليه، قال: فهو لها والله، فليحضرني غداً. فأحضر، فصفح له عن الثلاث مائة ألف الباقية، وعقد له. قال يحيى: ثم مررت بالزاجر، فلما رآني قال: أنا هاهنا أنتظرك منذ غدوة، قلت: امض معي، فمضى معي، فدفعت إليه الخمسة الآلاف. قال: وقال لي أبي: إلي بني؛ إن عمارة تلزمه حقوق، وتنوبه نوائب فأته، فأقرئه السلام، وقل له: إن الله قد وهب لنا رأي أمير المؤمنين، وصفح لنا عما بقي علينا، وولاني الموصل؛ وقد أمر برد ما استسلفت منك. قال: فأتيته فوجدته على مثل الحال التي لقيته عليه. فسلمت فما رد السلام عليه، ولا زادني على أن قال : كيف أبوك؟ قلت: بخير ويقول كذا وكذا وقال: فاستوى جالساً، ثم قال لي: ما كنت إلا قسطاراً لأبيك؛ يأخذ مني إذا شاء، ويرد إذا شاء! قم عني لا قمت! قال: فرجعت إلى أبي فأعلمته، ثم قال لي أبي: يا بني، هو عمارة ومن لا يعترض عليه! قال: فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفى المنصور ويحيى على أذربيجان، فذكر عن أحمد بن محمد بن سوار الموصلي أنه قال: ما هبنا قط أمير هيبتنا خالد بن برمك من غير أن تشتد عقوبته، ولا نرى منه جبرية؛ ولكن هيبة كانت له في صدورنا. وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، عن أبيه، قال: كان أبو جعغر غضب على موسى بن كعب - وكان عامله على الجزيرة والموصل - فوجه المهدي إلى الرقة لبناء الرافقة، وأظهر أنه يريد بيت المقدس، وأمره بالمرور والمضي على الموصل، فإذا صار بالبلد أخذ موسى بن كعب فقيده، وولي خالد بن برمك الموصل مكانه، ففعل المهدي ذلك، وخف خالداً على الموصل، وشخص معه أخوا خالد: الحسن وسليمان ابنا برمك، وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يحيى بن خالد، فقال له: قد أردتك لأمر مهم من الأمور، واخترتك لثغر من الثغور؛ فكن على أهبة؛ ولا يعلم بذلك أحد حتى أدعو يحيى بن خالد ! فقام فأخذه بيده، فأدخله على المنصور، فخرج على الناس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذربيجان، فأمر الناس بالمضي معه، فمضوا في موكبه، وهنئوه أباه خالداً بولايته، فاتصل عملهما. وقال أحمد بن معاوية: كان المنصور معجباً بيحيى، وكان يقول ولد الناس ابناً وولد خالد أباً. وفي هذه السنة نزل المنصور قصره الذي يعرف بالخلد. وفيها سخط المنصور على المسيب بن زهير وعزله عن الشرطة، وأمر بحبسه وتقييده، وكان سبب ذلك انه قتل أبان بن بشير الكاتب بالسياط، لأمر كان وجد عليه فيما كان من شركته لأخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة وخراجها، وولى مكان المسيّب الحكم بن يوسف صاحب الحرب، ثم كلم المهدي أباه في المسيب، فرضى عنه بعد حبسه إياه أياماً، وأعاد إليه ما كان يلي من شرطه . وفيها وجه المنصور نصر بن حرب التميمي والياً على ثغر فارس . وفيها سقط المنصور عن دابته بجر جرايا، فانشج ما بين حاجبيه؛ وذلك أنه كان خرج لما وجه ابنه المهدي إلى الرقة مشيعاً له، حتى بلغ موضعاً يقال له جب سماقا، ثم عدل إلى حولايا، ثم أخذ على النهروانات فانتهى فيما ذكر إلى بشق من النهروانات يصب إلى نهر ديالى، فأقام على سكره ثمانية عشر يوماً، فأعياه، فمضى إلى جرجرايا، فخرج منها للنظر إلى ضيعة كانت لعيسى بن علي هناك، فصرع من يومه ذلك عن برذون له ديزج فشج في وجهه، وقدم عليه وهو بجرجرايا أسارى من ناحية عمان من الهند، بعث بهم إليه تسنيم بن الحواري مع ابنه محمد، فهم بضرب أعناقهم، فسألهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه؛ فأمسك عن قتلهم وقسمهم بين قواده ونوابه. وفيها انصرف المهدي إلى مدينة السلام من الرقة فدخلها في شهر رمضان وفيها أمر المنصور بمرمة القصر الأبيض، الذي كان كسرى بناه، وأمر أن يغرم كل من وجد في داره شيء من الآجر الخرسواني، مما نقضه من بناء الأكاسرة، وقال: هذا فيء المسلين، فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرمة القصر. وفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى من درب الحدث، فلقى العدو فإقتتلوا ثم تحاجزوا. ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري وفي هذه السنة حبس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وهو أمير مكة - فيما ذكر - بأمر المنصور إياه بحبسهم: ابن جريج وعباد بن كثير والثوري، ثم أطلقه من الحبس بغير إذن أبي جعفر،فغضب عليه أبو جعفر. وذكر عمر بن شبة أن محمد بن عمران مولى محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حدثه عن أبيه، قال: كتب المنصور إلى محمد بن إبراهيم - وهو أمير على مكة - يأمره بحبس رجل من آل علي بن أبي طالب كان بمكة، ويحبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري وقال: فحسبهم؛ فكان له سمار يسامره بالليل؛ فلما كان وقت سمره جلس وأكب على الأرض ينظر إليها، ولم ينطق بحرف حتى تفرقوا. قال فدنوت منه فقلت له: قد رأيت ما بك، فمالك؟ قال: عمدت إلى ذي رحم فحبسته، وإلى عيون من عيون الناس فحسبتهم، فيقدم أمير المؤمنين ولا أدري ما يكون؛ فلعله أن يأمر بهم فيقتلوا، فيشتد سلطانه وأهلك ديني، قال: فقلت له: فتصنع ماذا؟ قال: أوثر الله، وأطلق القوم؛ اذهب إلى إبلي فخذ راحلةً منها، وخذ خمسين ديناراً فأت بها الطالبي وأقرئه السلام، وقل له: إن ابن عمك يسألك أن تحلله من ترويعه إياك، و تركب هذه الراحلة، وتأخذ هذه النفقة. قال: فلما أحس بي جعل يتعوذ بالله من شري، فلما أبلغته قال: هو في حل ولا حاجة لي إلى الراحلة ولا إلى النفقة. قال: قلت: إن أطيب لنفسه أن تأخذ، ففعل. قال: ثم جئت إلى ابن جريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال، قالوا: هو في حل، قال: فقلت لهم: يقول لكم: لا يظهرن أحد منكم مادام المنصور مقيماً. قال: فلما قرب المنصور وجهني محمد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخبر المنصور أن رسول محمد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضربت وجوهها. قال: فلما صار إلى بئر ميمون لقية محمد، بن إبراهيم، فلما أخبر بذلك أمر بدوابه فضربت وجوهها، فعدل محمد، فكان يسير في ناحية. قال:وعدل بأبي جعفر عن طريق في الشق الأيسر فأنيخ به، ومحمد واقف قبالته، ومعه طبيب له؛ فلما ركب أبو جعفر وسار، وعديله الربيع أمر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر، فرأى نجوه، فقال لمحمد: رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة، فلما دخل مكة لم يلبث أن مات وسلم محمد. ذكر الخبر عن وفاة أبي جعفر المنصور وفيها شخص أبو جعفر من مدينة السلام، متوجهاً إلى مكة؛ وذلك في شوال، فنزل - فيما ذكر - عند قصر عبدويه، فانقض في مقامه هنالك كوكب، لثلاث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس، ثم مضى إلى الكوفة، فنزل الرصافة ثم أهل منها بالحج والعمرة، وساق معه الهدى وأشعره وقلده؛ لأيام خلت من ذي القعدة. فلما سار منازلاً عرض له وجعه الذي توفي منه. واختلف في سبب الوجع الذي كانت منه وفاته فذكر عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، إنه كان يقول: كان المنصور لا يستمرئ طعامه؛ ويشكو من ذلك إلى المتطببين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات ؛ فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يقل من الطعام، ويخبرونه أن الجوارشنات تهضم في الحال، وتحدث من العلة ما هو أشد منه عليه؛ حتى قدم عليه طبيب من أطباء الهند، فقال له كما قال له غيره؛ فكان يتخذ له سفوفاً جوارشناً يابساً، فيه الأفاويه والأدوية الحارة، فكان يأخذه فيهضم طعامه فأحمده. قال: فقال لي أبي: قال لي كثير من متطببي العراق: لا يموت والله أبو جعفر أبداً إلا بالبطن، قال: قلت له: وما علمك؟ قال: هو يأخذ الجوارشن فيهضم طعامه؛ ويخلق من زئير معدته في كل يوم شيئاً، وشحم مصارينه، فيموت ببطنه. وقال لي: اضرب لذلك مثلاً، أرأيت لو أنك وضعت جراً على مرفع، ووضعت تحتها آجرة جديدة فقطرت، أما كان قطرها يثقب الآجرة على طول الدهر! أوما علمت أن لكل قطرة حداً! قال: فمات والله أبو جعفر - كما قال - بالبطن . وقال بعضهم: كان بدء وجعه الذي مات فيه من حر أصابه من ركوبه في الهواجر، وكان رجلاً محروراً على سنه، يغلب عليه المرار الأحمر، ثم هاض بطنه، فلم يزل كذلك حتى نزل بستان ابن عامر، فاشتد به، فرحل عنه فقصر عن مكة، ونزل بئر ابن المرتفع، فأقام بها يوماً وليلة، ثم صار منها إلى بئر ميمون، وهو يسأل عن دخوله الحرم، ويوصي الربيع بما يريد أن يوصيه، وتوفي بها في السحر أو مع طلوع الفجر ليلة السبت لست خلون من ذي الحجة، ولم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه؛ فكتم الربيع موته، ومنع النساء وغيرهن من البكاء عليه والصراخ، ثم أصبح فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، وجلسوا مجالسهم؛ فكان أول من دعى به عيسى بن علي ، فمكث ساعة، ثم أذن لعيسى بن موسى - وقد كان فيما خلا يقدم في الإذن على عيسى بن علي، فكان ذلك مما ارتيب به - ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان من أهل البيت، ثم لعامتهم؛ فأخذ الربيع بيعتهم لأمير المؤمنين المهدي ولعيسى بن موسى من بعده، على يد موسى بن المهدي حتى فرغ من بيعة بني هاشم؛ ثم دعا بالقواد فبايعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجل إلا علي بن عيسى بن ماهان؛ فإنه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمد بن سليمان، وقال: ومن هذا العلج! وأمصه ، وهم بضرب عنقه، فبايع، وتتابع الناس بالبيعة. وكان المسيب بن زهير أول من استثنى في البيعة، وقال: عيسى بن موسى: إن كان كذلك. فأمضوه. وخرج موسى بن المهدي إلى مجلس العامة، فبايع من بقي من القواد والوجوه، وتوجه العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايع أهلها بها؛ وكان عباس يومئذ المتكلم، فبايع الناس للمهدي بين الركن والمقام، وتفرق عدة من أهل بيت المهدي في نواحي مكة والعسكر فبايعه الناس، وأخذ في جهاز المنصور وغسله وكفنه، وتولى ذلك من أهل بيته العباس بن محمد والربيع والريان وعدة من خدمه ومواليه، ففرغ من جهازه مع صلاة العصر، وغطي من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قصاص شعره، وأبدي رأسه مكشوفاً من أجل الإحرام، وخرج به أهل بيته والأخص من مواليه، وصلى عليه - فيما زعم الواقدي - عيسى بن موسى في شعب الخوز . وقيل: إن الذي صلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي. وقيل: إن المنصور كان أوصى بذلك؛ وذلك أنه كان خليفته على الصلاة بمدينة السلام. وذكر علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، أن إبراهيم بن يحيى صلى عليه في المضارب قبل أن يحمل؛ لأن الربيع قال: لا يصلي عليه أحد يطمع في الخلافة، فقدموا إبراهيم بن يحيى - وهو يومئذ غلام حدث - ودفن في المقبرة التي عند ثنية المدنيين التي تسمى كذا، وتسمى ثنية المعلاة؛ لأنها بأعلى مكة ونزل في قبره عيسى بن علي والعباس بن محمد وعيسى بن موسى، والربيع والريان مولياه، ويقطين بن موسى. واختلف في مبلغ سنه يوم توفي، فقال بعضهم: كان يوم توفي ابن أربع وستين سنة. وقال بعضهم: كان يومئذ ابن خمس وستين سنة. وقال بعضهم: كان يوم توفي ابن ثلاث وستين سنة. وقال هشام الكلبي: هلك المنصور وهو ابن ثمان وستين سنة. وقال هشام: ملك المنصور اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوماً. واختلف عن أبي معشر في ذلك، فحدثني أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: توفي أبو جعفر قبل يوم التروية بيوم يوم السبت، فكانت خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا ثلاثة أيام. وروي عن ابن بكار أنه قال: إلا سبع ليال. وقال الواقدي: كانت ولاية أبي جعفر اثنتين وعشرين سنة إلا ستة أيام. وقال عمر بن شبة: كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة غير يومين. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي. وفي هذه السنة هلك طاغية الروم. ذكر الخبر عن صفة أبي جعفر المنصور ذكر أنه كان أسمر طويلاً، نحيفاً. خفيف العارضين. وكان ولد بالحميمة. ذكر الخبر عن بعض سيرهذكر عن صالح بن الوجيه، عن أبيه، قال: بلغ المنصور أن عيسى بن موسى قتل رجلاً من ولد نصر بن سيار، كان مستخفياً بالكوفة، فدل عليه فضرب عنقه. فأنكر ذلك وأعظمه، وهم في عيسى بأمر كان فيه هلاكه، ثم قطعه عن ذلك جهل عيسى بما فعل. فكتب إليه: أما بعد، فإنه لولا نظر أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخرك عقوبة قتل ابن نصر بن سيار واستبدادك به بما يقطع أطماع العمال في مثله، فأمسك عمن ولاك أمير المؤمنين أمره؛ من عربي وأعجمي، وأحمر وأسود، ولا تستبن على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قبله تباعة ، فإنه لا يرى أن يأخذ أحداً بظنة قد وضعها الله عنه بالتوبة، ولا بحدثٍ كان منه في حرب أعقبه الله منها سلماً ستر به عن ذي غلة، وحجز به عن محنة ما في الصدور؛ وليس ييأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من الله من إقبال مدير؛ كما أنه لا يأمن إدبار مقبل. إن شاء الله والسلام. وذكر عن عباس بن الفضل، قال: حدثني يحيى بن سليم كاتب الفضل بن ربيع، قال: لم ير في دار المنصور لهو قط، ولا شيء يشبه اللهو واللعب والعبث إلا يوماً واحداً، فإنا رأينا ابناً له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبي جعفر من الطلحية، توفي وهو حدث، قد خرج على متنكباُ قوساً ، متعمماً بعمامة، متردياً ببرد في هيئة غلام إعرابي راكبا على قعود بين جوالفين، فيهما مقل ونعال ومساويات وما يهديه الأعراب ؛ فعجب الناس من ذلك وأنكروه. قال: فمضى الغلام حتى عبر الجسر،وأتى المهدي بالرصافة فأهدي إليه ذلك، فقبل المهدي ما في الجواليق وملأهما دراهم، فانصرف بين الجوالقين؛ فعلم أنه ضرب من عبث الملوك. و ذكر عن حماد التركي، قال: كنت واقفاً على رأس المنصور، فسمع جلبةً في الدار، فقال: ما هذا يا حماد ؟ انظر ، فذهبت فإذا خادم له قد جلس بين الجواري، وهو يضرب لهن بالطنبور، وهن يضحكن، فجئت فأخبرته، فقال: وأي شيء الطنبور؟ فقلت: خشبة من حالها وأمرها ووصفتها له؛ فقال لي: أصبت صفته، فما يدريك أنت ما الطنبور! قلت: رأيته بخراسان نعم هناك، ثم قال: هات نعلي، فأتيته بها فقام يمشي رويداً حتى أشرف عليهم فرآهم، فلما بصروا به تفرقوا، فقال: خذوه ، فأخذ، فقال: اضرب به رأسه، فلم أزل أضرب به رأسه حتى كسرته، ثم قال : أخرجه من قصري، واذهب به إلى حمران بالكرخ، وقل له يبيعه. وذكر العباس بن الفضل عن سلام الأبرش، قال: كنت أنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصور داخلاً في منزله؛ وكانت له حجرة فيها بيت وفسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه، وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان؛ فإذا لبس ثيابه تغير لونه وتبرد وجهه، واحمرت عيناه، فيخرج فيكون منه ما يكون، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك؛ فنستقبله في ممشاه، فربما عاتبناه. وقال لي يوما: يا بني إذا رأيتني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي؛ فلا يدنون مني أحداً منكم مخافة أن أعره بشيء. وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثني عبد الله بن محمد يلقب - بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد - قال: كنا في الصحابة سبعمائة رجل؛ فكنا ندخل على المنصور كل يوم، قال: فقلت للربيع : اجعلني في آخر من يدخل، فقال لي: لست بأشرفهم فتكون في أولهم، ولا بأخسهم فتكون في آخرهم؛ وإن مرتبتك لتشبه نسبك. قال: فدخلت على المنصور ذات يوم وعلي دراعة فضفاضة وسيف حنفي، أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها من خلفي وقدامي. قال: فسلمت عليه وخرجت، فلما صرت عند الستر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها! فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: إلي، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستل عموداً من بين فراشين، واستحال لونه ودرت أوداجه، فقال: إنك لصاحبي يوم واسط؛ لا نجوت إن نجوت مني. قال: قلت يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم، فكيف نصرتي لحقك! قال: فقال لي: كيف قلت؟ فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدني حتى رد العمود في مستقره، واستوى متربعاً، وأسفر لونه، فقال: يا معن، إن لي باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين ليس لمكتوم رأي، قال: فقال: أنت صاحبي، فجلست، وأمر الربيع بإخراج كل من كان في القصر فخرج، فقال لي: إن صاحب اليمن قد هم بمعصيتي، وإني أريد أن آخذه أسيراً ولا يفوتني شيء من ماله، فما ترى؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ولني اليمن، وأظهر أنك ضممتني إليه، ومر الربيع يزيح علي في كل ما أحتاج إليه، ويخرجني من يومي هذا لئلا ينتشر الخبر، قال: فاستل عهداً من بين فراشين، فوقع فيه اسمي وناولنيه، ثم دعا الربيع، فقال: يا ربيع، إنا قد ضممنا معناً إلى صاحب اليمن، فأزح علته فيما يحتاج إليه من الكراع والسلاح، ولا يمسي إلا وهو راحل. ثم قال: ودعني، فودعته وخرجت إلى الدهليز، فلقيني أبو الوالي، فقال: يا معن، اعزز على أن تضم إلى ابن أخيك! قال: فقلت: إنه لا غضاضة على الرجل أن يضمه سلطانه إلى ابن أخيه، فخرجت إلى اليمن فأتيت الرجل، فأخذته أسيراً، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه. وذكر حماد بن أحمد اليماني قال: حدثني محمد بن عمر اليمامي أبو الرديني، قال: أراد معن بن زائدة أن يوفد إلى المنصور قوماً يسلون سخيمته، ويستعطفون قلبه عليه، وقال: قد أفنيت عمري في طاعته، وأتعبت نفسي وأفنيت رجالي في حرب اليمن، ثم يسخط علي أن أنفقت المال في طاعته! فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة؛ فكان فيمن اختار مجاعة ابن الأزهر، فجعل يدعو الرجال واحداً واحداً، ويقول: ماذا أنت قائل لأمير المؤمنين إذا وجهتك إليه؟ فيقول: أقول وأقول، حتى جاءه مجاعة بن الأزهر، فقال: أعز الله الأمير! تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا باليمن! أقصد لحاجتك؛ حتى أتأتى لها كما يمكن وينبغي، فقال: أنت صاحبي، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني، فقال له: شد على عضد ابن عمك وقدمه أمامك؛ فإن سها عن شيء فتلافه. واختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتى تموا عشرة، وودعهم ومضوا حتى صاروا إلى أبي جعفر، فلما صاروا بين يديه تقدموا، فابتدأ مجاعة بن الأزهر بحمد الله والثناء عليه والشكر، حتى ظن القوم أنه إنما قصد لهذا، ثم كر على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف اختاره الله من بطون العرب، ونشر من فضله؛ حتى تعجب القوم، ثم كر على ذكر أمير المؤمنين المنصور، وما شرفه الله به، وما قلده، ثم كر على حاجته في ذكر صاحبه. فلما انتهى كلامه، قال المنصور: أما ما وصفت من حمد الله، فالله أجل وأكبر من أن تبلغه الصفات، وأما ما ذكرت من النبي صلى الله عليه وسلم فقد فضله الله بأكثر مما قلت، وأما ما وصفت به أمير المؤمنين؛ فإنه فضله الله بذلك، وهو معينه على طاعته إن شاء الله، وأما ما ذكرت من صاحبك فكذبت ولؤمت، اخرج فلا يقيل ما ذكرت. قال: صدق أمير المؤمنين، ووالله ماكذبت في صاحبي. فأخرجوا فلما صاروا إلى آخر الإيوان أمر برده مع أصحابه، فقال: ما ذكرت؟ فكر عليه الكلام؛ حتى كأنه كان في صحيفة يقرؤه، فقال له مثل القول الأول، فأخرجوا حتى برزوا جميعاً، وأمر بهم فوقفوا، ثم التفت إلى من حضر من مضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا؟ والله لقد تكلم حتى حسدته، وما منعني أن أتم على رده إلا أن يقال: تعصب عليه لأنه ربعي، وما رأيت كاليوم رجلاً أربط جأشاً، ولا أظهر بياناً؛ رده يا غلام، فلما صار بين يديه أعاد السلام، وأعاد أصحابه، فقال المنصور: اقصد لحاجتك وحاجة صاحبك. قال: يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة عبدك وسيفك وسهمك، رميت به عدوك، فضرب وطعن ورمى، حتى سهل ما حزن، وذل ما صعب، واستوى ما كان معوجاً من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه! فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنة من ساعٍ أو واشٍ أو حاسد فأمير المؤمنين أولى بالتفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته. فقبل وفادته، وقبل العذر من معن؛ وأمر بصرفهم إليه، فلما صاروا إلى معن وقرأ الكتاب بالرضى قبل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وخلع عليهم وأجازهم على إقدامهم، وأمرهم بالرحيل إلى منصور، فقال مجاعة: آليت في مجلس من وائل قسما ... ألا أبيعك يا معن بأطماع يا معن إنك قد أوليتني نعماً ... عمت لجيماً وخصت آل مجاع فلا أزال إليك الدهر منقطعاً ... حتى يشيد بهلكي هتفة الناعي قال : وكانت نعم معن على مجاعة، أنه سأله ثلاث حوائج؛ منها أنه كان يتعشق امرأة من أهل بيته، سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجها أحد بعد؛ وكانت إذا ذكر لها قالت: بأي شيء يتزوجني؟ أبحبته الصوف، أم بكسائه! فلما رجع لإلى معن كان أول شيء أن يزوجه بها، وكان أبوها في جيش معن، فقال: أريد الزهراء، وأبوها في عسكرك أيها الأمير، فزوجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده. فقال له معن: حاجتك الثانية، قال: الحائط الذي في منزلي بحجر وصاحبه في عسكر الأمير، فاشتراه منه وصيره له؛ وقال: حاجتك الثالثة؟ قال: تهب لي مالاً. قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم، تمام مائة ألف درهم، وصرفه إلى منزله. وذكر عن محمد بن سالم الخوارزمي - وكان أبوه من قواد خراسان - قال: سمعت أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقاني يقول: سمعت أبا جعفر يقول: ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، قيل له: يا أمير المؤمنين، من هم؟ قال: هم أركان الملك، ولا يصلح الملك إلا بهم؛ كما أن السرير لا يصلح إلا بأربعة قوائم، إن نقصت واحدة وهى؛ أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخر صاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية فإني عن ظلمها غني، والرابع - ثم عض على أصبعه السبابة ثلاثة مرات، يقول في كل مرة:آه آه - قيل له: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة. وقيل: إن المنصور دعا بعامل من عماله قد كسر خراجه، فقال له: أد ما عليك، قال: والله ما أملك شيئاً، ونادى المنادي: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: يا أمير المؤمنين، هب ما علي لله ولشهادة أن لا إله إلا الله، فخلي سبيله. قال:وولى المنصور رجلاً من أهل الشام شيئاً من الخراج ، فأوصاه وتقدم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج من عندي الساعة، فتقول: الزم الصحة؛ يلزمك العمل. قال: وولي رجلاً من أهل العراق شيئاً من خراج السواد، فأوصاه، وتقدم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج الساعة فتقول: من عال بعدها فلا اجتبر . اخرج عني وامض إلى عملك؛ فو الله لئن تعرضت لذلك لأبلغن من عقوبتك ما تستحقه. قال: فوليا جميعاً وناصحا. ذكر الصباح بن عبد الملك الشيباني، عن إسحاق بن موسى بن عيسى؛ أن المنصور ولى رجلاً من العرب حضر موت، فكتب إليه وإلى البريد أن يكثر الخروج في طلب الصيد ببزاة وكلاب قد أعدها، فعزله وكتب إليه: ثكلتك أمتك وعدمتك عشيرتك! ما هذه العدة التي أعددتها للنكاية في الوحش! إنا إنما استكفيناك أمور المسلمين، ولن نستكفك أمور الوحش، سل ما كنت تلي من عملنا إلى فلان بن فلان، والحق بأهلك ملوماً مدحوراً. وذكر الربيع أنه قال: أدخل على المنصور سهيل بن سلم البصري، وقد ولي عملاً فعزل، فأمر بحبسه واستئدائه، فقال سهيل: عبدك يا أمير المؤمنين، قال: بئس العبد أنت! قال: لكنك يا أمير المؤمنين نعم المولى! قال: أما لك فلا. قال: وذكر عن الفضل بن الربيع عن أبيه، أنه قال: بينا أنا قائماً بين يدي المنصور أو على رأسه؛ إذا أتي بخارجي قد هزم له جيوشاً، فاقام ليضرب عنقه، ثم اقتحمته عينه، فقال: يابن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش! فقال له الخارجي: ويلك وسوءة لك! بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسب! وما كان ويؤمنك أن أرد عليك وقد يأست من الحياة فلا تستقيلها أبداً! قال: فاستحيا منه المنصور وأطلقه، فما رأى له وجهاً حولاً. ذكر عبد الله بن عمرو الملحي أن هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي أيوب المكي، عن أبيه، قال: حدثني عمارة بن حمزة، قال: كنت عند المنصور، فانصرفت من عنده في وقت انتصاف النهار، وبعد أن بايع الناس للمهدي، فجاءني المهدي في وقت انصرافي، فقال لي: قد بلغني أن أبي قد عزم أن يبايع لجعفر أخي، وأعطى لله عهداً لئن فعل لأقتلنه، فمضيت من فوري إلى أمير المؤمنين، فقلت: هذا أمر لا يؤخر، فقال الحاجب: الساعة خرجت! قلت: أمر حدث فأذن لي، فدخلت إليه، فقال لي: هيه يا عمارة! ما جاء بك؟ قلت: أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره، قال: فأنا أخبرك به قبل أن تخبرني، جاءك المهدي فقال: كيت وكيت، قلت: والله يا أمير المؤمنين لكأنك حاضر ثالثنا، قال: قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك. وذكر عن أحمد بن يوسف بن القاسم، قال: سمعت إبراهيم بن صالح، يقول: كنا في مجلس ننتظر الآذان فيه على المنصور، فتذاكرنا الحجاج، فمنا من حمده ومنا من ذمه، فكان ممن حمده معن بن زائدة وممن ذمه الحسن بن زيد، ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور، فانبرى الحسن بن زيد، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبني حتى يذكر الحجاج في دارك وعلى بساطك، فيشي عليه. فقال أبو جعفر: ما استنكرت من ذلك؟ رجل استكفاه قوم فكفاهم؛ والله لوددت أني وجدت مثل الحجاج حتى أستكفيه أمري، وأنزله أحد الحرمين. قال: فقال له معن: يا أمير المؤمنين، إن لك مثل الحجاج عدة لو استكفيتهم كفوك، قال: ومنهم؟ كأنك تريد نفسك! قال: كلا لست كذلك؛ عن الحجاج ائتمنه قوم فأدى إليهم الأمانة، وإنا ائتمناك فخنتنا! ذكر الهيثم بن عدي، عن أبي بكر الهذلي، قال: سرت مع أمير المؤمنين المنصور إلى مكة، وسايرته يوماً، فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب في الأرض، وعليه جب خز، وعمامة عدنية، في يده سوط يكاد يمس الأرض، سري الهيئة، فلما رآه أمرني فدعوته، فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب،فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعراً لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمر بن تميم؛ وحدثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبري، وهو قوله: إن قناتي لنبع لا يؤيسها ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار متى أجر خائفاً تأمن مسارحه ... وإن أخف آمناً تقلق به الدار إن الأمور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار فقال: ويحك! وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقل العرب على عدوه وطأةً وأدركهم بثأر، وأيمنهم نقيبةً، وأعساهم قناة لمن رام هضمه، وأقرأهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره؛ اجتمعت العرب بعكاظ فكلهم أقر له بهذه الخلال؛ غي أن امرأ أراد أن يقصر به، فقال: والله ما أنت ببعيد النجعة، ولا قاصد الرمية، فدعاه ذلك إلى ان جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه، ولا ينزع كل عام عن غزوة يبعد فيها أثره، قال: يا أخي بني تميم؛ لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك ولكني أحق ببيتيه منه؛ أنا الذي وصف لا هو. وذكر أحمد بن خالد الفقيمي أن عدت من بن هاشم حدثوه أن المنصور كان شغله في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزل وشحن الثغور الأطراف وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعية لطرح عالتهم والتلطف لسكونهم وهدوئهم، فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته إلا من أحب أن يسامر، فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور سماره من ذلك فيما أرب؛ فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره، فإذا مضى الثلث الثاني قام إلى فراشه فأسبغ وضوءه وصف في محرابه حتى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه. قال إسحاق: حدثت عن عبد الله بن الربيع، قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صف لي الناس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشأم حصن الأمة وأسنة الأئمة، وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجال، والترك منابت الصخور وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء استغنوا ببلادهم فاكنفوا بها عما يليهم، والروم أهل كتاب وتدين نحاهم الله من القرب إلى البعد، والأنباط كان ملكهم قديماً فهم لكل قوم عبيد. قال: فأي الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال: فأيهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتبعهم لها بالخرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أمير المؤمنين، الطاعة عند الخوف تسير الغدر وتبالغ عند المعاينة، والطاعة عند المحبة تضمر الإجتهاد وتبالغ عند الغفلة. قال: فأي الناس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرة والمنفعة. قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذل النفس. قال: فمن ينبغي للملك أن يتخذه وزيراً؟ قال: أسلمهم قلباً، وأبعدهم عن الهوى. وذكر عن أبي عبيد الله الكاتب، قال: سمعت المنصور يقول للمهدي حين عهد له بولاية العهد: يا أبا عبد الله، استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع؛ ولا تنس مع نصيبك من الدنيا نصيبك من رحمة الله. وذكر الزبير بن بكار، قال: حدثني مبارك الطبري، قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: لا تبرم أمراً حتى تفكر فيه؛ فإن فكر العاقل مرآته، تريه حسنه وسيئه. وذكر الزبير أيضاً، عن مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله؛ لا يصلح السلطان إلا بالتقوى، ولا تصلح رعيته إلا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، ولاتدوم نعمة السلطان وطاعته إلا بالمال، ولا تقدم في الحياطة بمثل نقل الأخبار. وأقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز الناس من ظلم من هو دونه. واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختباره . وعن المبارك الطبري أنه سمع أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله، لا تجلس مجلساً إلا ومعك من أهل العلم يحدثك؛ فإن محمد بن شهاب الزهري قال: الحديث ذكر ولا يحبه إلا ذكور الرجال، ولا يبغضه إلا مؤنثهم؛ وصدق أخو زهرة! وذكر عن علي بن مجاهد بن محمد بن علي، أن المنصور قال للمهدي: يا أبا عبد الله، من أحب الحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض أحد الحمد إلا استذم، وما استذم إلا كره. وقال المبارك الطبري: سمعت أبا عبيد الله يقول: قال المنصور للمهدي: يا أبا عبد الله، ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتى يخرج منه؛ ولكنه الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه. وذكر الفقيمي، عن عتبة بن هارون، قال: قال أبو جعفر يوماً للمهدي: كم راية عندك؟ قال: لا أدري، قال: هذا والله التضييع؛ أنت لأمر الخلافة أشد تضييعاً؛ ولكن قد جمعت لك ما لا يضرك معه ما ضيعت؛ فاتق الله فيما خولك. وذكر علي بن محمد عن حفص بن عمر بن حماد، عن خالصة، قالت: دخلت على المنصور؛ فإذا هو يتشكى وجع ضرسه؛ فلما سمع حسي، قال: ادخلي؛ فلما دخلت إذا هو واضع يده على صدغيه، فسكت ساعة ثم قال لي: يا خالصة، كم عندك من المال؟ قلت: ألف درهم، قال: ضعي يدك على رأسي واحلفي، قلت: عندي عشرة آلاف دينار؛ قال: احمليها إلي، فرجعت فدخلت على المهدي والخيزران فأخبرتهما؛ فركلني المهدي برجله، وقال لي: ما ذهب بك إليه! ما به من وجع؛ ولكني سألته أمس مالاً فتمارض، احملي إليه ما قلت؛ ففعلت، فلما أتاه المهدي، قال: يا أبا عبد الله؛ تشكو الحاجة وهذا عند خالصة! وقال علي بن محمد: قال واضح مولى أبي جعفر قال: قال أبو جعفر يوماً انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها، فإذا علمت بمجيء أبي عبد الله فجئني بها قبل أن يدخل؛ وليكن معها رقاع. ففعلت، ودخل عليه المهدي وهو يقدر الرقاع، فضحك وقال: يا أمير المؤمنين، من هاهنا يقول الناس: نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل: دانق - فقال المنصور: إنه لا جديد لمن لا يصلح خلقه، هذا الشتاء قد حضر، ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد. قال: فقال المهدي: فعلي كسوة أمير المؤمنين وعياله وولده، فقال له: دونك فافعل. وذكر علي بن مرثد أبو دعامة الشاعر، أن أشجع بن عمرو السلمي حدثه عن المؤمل بن أميل - وذكره أيضاً عبد الله بن حسن الخوارزمي أن أبا قدامة حدثه أن المؤمل بن أميل حدثه قال: قدمت على المهدي - قال بن مرثد في خبره وهو ولي العهد، وقال الخوارزمي: قدمت عليه الري وهو ولي عهد - فأمر لي بعشرين ألف درهم لأبيات امتدحته بها؛ فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره أن المهدي أمر لشاعرٍ بعشرين ألف درهم، فكتب إليه المنصور يعذله ويلومه، ويقول له: إنما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم. قال أبو قدامة: فكتب إلى كاتب المهدي أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب فلم يقدر عليه، فكتب إليه أنه قد توجه إلى مدينة السلام، فوجه المنصور قائداً من قواده، فأجلسه على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلاً رجلاً ممن يمر به؛ حتى يظفر بالمؤمل؛ فلما رآه قال له: من أنت؟ قال: أنا المؤمل بن أميل، من زوار الأمير المهدي، قال: إياك طلبت. قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفاً من أبي جعفر، فقبض علي ثم أتى بي باب المقصورة، وأسلمني إلى الربيع، فدخل إليه الربيع، فقال: هذا الشاعر قد ظفرنا به، فقال: أدخلوه علي، فأدخلت عليه، فسلمت فرد السلام، فقلت: ليس هاهنا إلا خير، قال: أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين! قال: هيه! أتيت غلاماً غراً فخدعته! قال: فقلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين؛ أتيت غلاماً غراً كريماً فخدعته فانخدع، قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته: هو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا مشكلان على البصير فهذا في الظلام سراج ليل ... وهذا في النهار سراج نور ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير وبالملك العزيز فذا أمير ... وما ذا بالأمير ولا الوزير ونقص الشهر يخمد ذا، وهذا ... منير عند نقصان الشهور فيا بن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور لئن فت الملوك وقد توافوا ... إليك من السهول والوعور لقد سبق الملوك أبوك حتى ... بقوا من بين كاب أو حسير وجئت وراءه تجري حثيثاً ... وما بك حين تجري من فتور فقال الناس: ما هذان إلا ... بمنزلة الخليق من الجدير لئن سبق الكبير فأهل سبقٍ ... له فضل الكبير على الصغير وإن بلغ الصغير مدى كبير ... لقد خلق الصغير من الكبير فقال: والله لقد أحسنت؛ ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم. وقال لي: أين المال؟ قلت: ها هو ذا، قال: يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم؛ وخذ منه الباقي. قال: فخرج الربيع فحط ثقلي، ووزن لي أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي. قال: فلما صارت الخلافة إلى المهدي، ولى بن ثوبان المظالم، فكان يجلس للناس بالرصافة فإذا ملأ كساءه رقاعاً رفعها إلى المهدي، فرفعت إليه يوماً رقعة أذكره قصتي، فلما دخل بها ابن ثوبان، جعل المهدي ينظر في الرقاع؛ حتى إذا نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين! ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرقاع إلا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة أعرف سببها ردوا إليه العشرين الألف الدرهم، فردت إلي وانصرفت . وذكر واضح مولى المنصور، قال: إني لواقف على رأس أبي جعفر يوماً إذ دخل عليه المهدي، وعليه قباء أسود جديد، فسلم وجلس، ثم قام منصرفاً وأتبعه أبو جعفر بصره لحبه له وإعجابه به؛ فلما توسط الرواق عثر بسيفه فتخرق سواده، فقام ومضى لوجهه غير مكترث لذلك ولا حافل به. فقال أبو جعفر: ردوا أبا عبد الله؛ فرددناه إليه، فقال: يا أبا عبد الله، استقلالاً للمواهب، أم بطراً للنعمة، أم قلة علم بموضع المصيبة! كأنك جاهل بما لك وعليك! وهذا الذي أنت فيه عطاء من الله، إن شكرته عليه زادك، فإن عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك.فقال المهدي: لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير المؤمنين و إرشادك؛ و الحمد لله على نعمه، و أسأل الله الشكر على مواهبه، والخلف الجميل برحمته. ثم انصرف. قال العباس بن الوليد بن مزيد: قال: سمعت ناعم بن مزيد، يذكر عن الوضين بن عطاء، قال: استزارني أبو جعفر - وكانت بيني وبينه خلالة قبل الخلافة - فصرت إلى مدينة السلام، فخلونا يوماً، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما لك؟ قلت الخبر الذي يعرفه أمير المؤمنين، قال: وما عيالك؟ قلت: ثلاث بنات والمرأة وخادم لهن، قال: فقال لي: أربع في بيتك؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردد علي حتى ظننت أنه سيمولني ، قال: ثم رفع رأسه إلي، فقال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازل يدرن في بيتك. وذكر بشر المنجم، قال: دعاني أبو جعفر يوماً عند المغرب، فبعثني في بعض الأمر، فلما رجعت رفع ناحية مصلاه فإذا دينار، فقال لي: خذ هذا واحتفظ به، قال: فهو عندي إلى الساعة. وذكر أبو الجهم بن عطية، قال: حدثني أبو مقاتل الخراساني، ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم؛ فأخذها منه وقال: هذا مالي، قال: ومن أين يكون مالك! فوالله ما وليت لك عملاً قط، ولا بيني وبينك رحم ولا قرابة، قال: بلى، كنت تزوجت مولاة لعيينة بن موسى بن كعب فورثتك مالاً؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالي وهو والٍ على السند؛ فهذا المال من ذلك المال! وذكر مصعب بن سلام، عن أبي حارثة النهدي صاحب بيت المال، قال: ولى أبو جعفر رجلاً باروسما؛ فلما انصرف أراد أن يتعلل عليه، لئلا يعطيه شيئاً، فقال له: أشركتك في أمانتي، ووليتك فيئاً من فيء المسلمين فخنته! فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلا درهم، منه مثقال صررته في كمي، إذا خرجت من عندك اكتريت به بغلاً إلى عيالي، فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك. فقال: ما أظنك إلا صادقاً؛ هلم درهمنا. فأخذه منه فوضعه تحت لبده؟ فقال: ما مثلي ومثلك إلا مثل مجير أم عامر، قال: وما مجير أم عامر؛ فذكر قصة الضبع ومجيرها، قال: وإنما غالظه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئاً. وذكر عن هشام بن محمد أن قثم بن العباس دخل على أبي جعفر، فكلمه في حاجة، فقال له أبو جعفر: دعني من حاجتك هذه، أخبرني لم سميت قثم ؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدري، قال: القثم الذي يأكل ويزل، أما سمعت قول الشاعر: وللكبراء أكل كيف شاءوا ... وللصغراء أكل واقتثام وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم، فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، تفضله علي وأنا أسن منه! قال: وأنت مثله! إنا لانلتفت إلى ناحية إلا وجدنا من أثر محمد فيها شيئاً، وفي منزلنا من هداياه بقية؛ وأنت لم تفعل من هذا شيئاً. وذكر عن سوادة بن عمرو السلمي، عن عبد الملك بن عطاء - وكان في صحابة المنصور - قال: سمعت ابن هبيرة وهو يقول في مجلسه: ما رأيت رجلاً قط في حرب، ولا سمعت به في سلم، أمكر ولا أبدع، ولا أشد تيقظاً من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا كل الجهد أن ننال من عسكره شيئاً نكسره به؛ فما تهيأ، ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء؛ فخرجت إليه وما في رأسي سوداء؛ وإنه لكما قال الأعشى: يقوم على الرغم من قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم أخو الحرب لا ضرع واهنٌ ... ولم ينتعل بنعال خذم وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلاً على رجل يقال له أزهر السمان - وليس بالمحدث - وذلك قبل خلافته؛ فلما ولي الخلافة صار إليه إلى مدينة السلام، فأدخل عليه، فقال: حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، علي دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدمة، وابني محمد يريد البناء بأهله؛ فأمر له باثني عشر درهم، ثم قال: يا أزهر، لاتأتنا طالب حاجة: قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: جئت مسلماً يا أمير المؤمنين؛ قال: إنه ليقع في نفسي أشياء؛ منها أنك أتيتنا لما أتيتنا له في المرة الأولى؛ فأمر له باثني عشر درهم أخرى؛ ثم قال: يا أزهر، لاتأتنا طالب حاجة ولا مسلماً، قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ ثم لم يابث أن عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: لا ترده فإنه غير مستجاب؛ لأني قد دعوت الله به أن يريحني من خلفتك فلم يفعل، وصرفه ولم يعطه شيئاً. وذكر الهيثم بن عدي أن بن عياش حدثه أن ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط، والمنصور بإزائه: إني خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينك إياي؛ فكتب إليه: يابن هبيرة، إنك امرؤ متعد طورك، جارٍ في عنان غيك، يعدك الله ما هو مصدقه، ويمنيك الشيطان ما هو مكذبه، ويقرب ما الله مباعده؛ فرويداً يتم الكتاب أجله؛ وقد ضربت مثلي ومثلك؛ بلغني أن أسداً لقي خنزيراً، فقال له الخنزير: قاتلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولست لي بكفؤ ولا نظير، ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك، قيل لي: قتلت خنزيراً؛ فلم أعتقد بذلك فخراً ولا ذكراً، وإن نالني منك شيء كان سبة علي، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتها أنك نكلت عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر علي من لطخ شاربي بدمك. وذكر عن محمد بن رياح الجوهري، قال: ذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له، فيعث إلى رجل كان معه ينزل الرصافة - رصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال : أنت صاحب هشام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا؟ قال: إنه فعل فيها رحمه الله كذا وكذا، ثم أتبع أن قال: فعل كذا رضي الله عنه؛ فأحفظ ذلك المنصور، فقال: قم عليك غضب الله! تطأ بساطي وتترحم على عدوي! فقام الشيخ وهو يقول: إن لعدوك قلادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عني إلا غاسلي؛ فأمر المنصور برده، وقال:اقعد، هيه! كيف قلت؟ فقلت : إنه كفاني الطلب، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على باب غربي ولا أعجمي منذ رأيته، أفلا يجب أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي! فقال: بلى، لله أم نهضت عنك، وليلة أدتك، أشهد أنك نهيض حرة وغراس كريم؛ ثم استمع منه وأمر له ببر، فقال: يا أمير المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلا أني أتشرف بحبائك، وأتبجح بصلتك. فأخذ الصلة وخرج، فقال المنصور: عند مثل هذا تحسن الضبيعة، ويوضع المعروف، ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله! وذكر عن حفص بن غياث، عن ابن عياش، قال: كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلموا على أميرهم، وتكلموا كلاماً فيه طعن على سلطانهم؛ فرفع ذلك في الخبر، فقال للربيع: اخرج إلى من بالباب من أهل الكوفة، فقل لهم: إن أمير المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقن رؤوسهما ولحاهما، ولأضربن ظهورهما، فالزموا منزلكم؛ وابقوا على أنفسكم. فخرج إليهم الربيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش: يا شبه عيسى بن مريم، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه، فقل له: والله يا أمير المؤمنين ما لنا بالضرب طاقة، فأما حلق اللحى فإذا شئت - وكان ابن عياش منتوفاً - فأبلغه، فضحك، وقال: قاتله الله ما أدهاه وأخبثه! وقال موسى بن صالح: حدثني محمد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب - وكان في حرس أبي جعفر - قال: رفع إلى رجل قد جيء به من بعض الآفاق، قد سعى في فساد الدولة، فأدخلته على أبي جعفر، فلما رآه قال: أصبغ! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتك وأحسنت إليك! قال: بلى، قال: فسعيت في نقض دولتي وإفساد ملكي! قال: أخطأت وأمير المؤمنين أولا بالعفو. قال: فدعى أبو جعفر عمارة - وكان حاضراً - فقال: يا عمارة؛ هذا أصبغ، فجعل يتثبت في وجهي، وكأن في عينيه سوءاً، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: علي بكيس عطائي، فأتى بكيس فيه خمسمائة درهم،فقال: خذها فإنك وضح، ويلك، وعليك بعملك - وأشار بيده يحركها - قال عمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عنى أمير المؤمنين؟ قال: كنت وأنا غلام أعمل الحبال، فكان يأكل من كسبي. قال نصر: ثم أتى به ثانية، فأدخلته كما أدخلته قبل، فلما وقف بين يديه أحد النظر إليه، ثم قال: أصبغ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فقص عليه ما فعل به، وذكره إياه، فأقر به، وقال: الحمق يا أمير المؤمنين؛ فقدمه فضرب عنقه. وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي، قال: كان خضاب المنصور زعفرانياً وذلك أن شعره كان ليناً لا يقبل الخضاب، وكانت لحيته رقيقة؛ فكنت أراه على المنبر يخطي ويبكي فيسرع الدمع على لحيته حتى تكف لقلة الشعر ولينه. وذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخي السندي بن شاهك السندي، قال: ظفر المنصور برجل من كبراء بني أمية، فقال: إني أسألك عن أشياء فاصدقني ولك الأمان، قال: نعم، فقال له المنصور: من أين أتى بنوا أمية حتى انتشر أمرهم؟ قال: من تضيع الأخبار، قال: فأي الأموال وجدتوها أنفع؟ قال: الجوهر، قال فعند من وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم، قال: فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضع من أقدارهم، فاستعان بمواليه. وذكر علي بن محمد الهاشمي أن أباه محمد بن سليمان حدثه، قال: بلغني أن المنصور أخذ الدواء في يوم شات شديد البرد فأتيته أسأله عن موافقة الدواء له، فأدخلت مدخلاً من القصر لم أدخله قط، ثم صرت إلى حجيرة صغيرة، وفيها بيت واحد ورواق بين يديه في عرض البيت وعرض الصحن، على أسطوانة ساج، وقد سدل على وجه الرواق بواري كما يصنع بالمساجد، فدخلت فإذا في البيت مسح ليس فبه شيء غيره إلا فراشه ومرافقه ودثاره، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عم، هذا بيت مبيتي، قلت: ليس هنا غير هذا الذي أرى، قال: ما هو إلا ما ترى. قال: وسمعته يقول عمن حدثه، عن جعفر بن محمد، قال: قيل إن أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة؛ وأنه يرقع قميصه، فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف له حتى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقر في ملكه. قال: وحدثني أبي، قال: كان المنصور لا يولي أحداً يعزله إلا ألقاه في خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دجلة، ملاصقاً لدار صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالاً، فما أخذ من شيء أمر به فعزل، وكسب عليه اسم من أخذ منه، وعزل في بيت المال، وسماه بيت مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال المهدي: إني قد هيأت لك شيئاً ترضي به الخلق ولا تغرم من مالك شيئاً، فإذا أنا مت فادع هؤلاء الذين أخذت منهم هذه الأموال التي سميتها المظالم، فاردد عليهم منهم؛ فإنك تستحمد إليهم وإلى العامة؛ ففعل ذلك المهدي لما ولى. قال سليمان بن محمد: فكان المنصور ولى محمد بن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن محمد بن عبد المطلب بن ربيع بن الحارث البلقاء، ثم عزله،وأمر أن يإليه مع مال وجد عنده، فحمل إليه على البريد، وألفى معه ألفا دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سوسنجرد ومضربة ومرفقه ووسادتين وطستاً وإبريقاً وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعاً كهيئته؛ إلا أن المتاع قد تأكل، فأخذ ألفي الدينار، واستحيا أن يخرج ذلك المتاع، وقال: لا أعرفه، فتركه، ثم ولاه المهدي بعد ذلك اليمن، وولى الرشيد ابنها الملقب ربرا المدينة. وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن علي، قال: حدثني صباح بن خانقان، قال: كنت عند المنصور حين أتى برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فوضع بين يديه في ترس، فأكب عليه بعض السيافة، فبصق في وجهه، فنظر إليه أبو جعفر نظراً شديداً، وقال لي: دق أنفه، قال: فضربت أنفه بالعمود ضربة لو طلب له أنف بألف دينار ما وجد، وأخذته أعمدة الحرص، فما زال يشهم بها حتى خمد، ثم جر برجله. قال الأصمعي: حدثني جعفر بن سليمان، قال: قدم أشعب أيام أبي جعفر بغداد، فأطاف به فتيان بني هاشم فغناهم، فإذا ألحانه طربه وحلقه على حاله، فقال له جعفر: لمن هذا الشعر؟ لمن طلل بذات الجيش ... أمسى دارسا ًخلقا علون بظاهر البيدا ... ء فالمحزون قد قلقاً فقال: أخذت الغناء من معبد؛ ولقد كنت آخذ عنه اللحن، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب؛ فإنه أحسن تأدية له مني. قال الأصمعي: وقال جعفر بن سليمان: قال أشعب لابنه عبيدة: إني أراني سأخرجك من منزلي وأنتقي منك، قال: ولم يا أبه؟ قال: لأني أكسب خلق الله لرغيف وأنت ابني قد بلغت هذا المبلغ من السن، وأنت في عيالي ما تكسب شيئاً، قال: بلى والله، إني لأكسب؛ ولكن مثل الموزة لا تحمل حتى تموت أمها. وذكر علي بن محمد بن سليمان الهاشمي؛ أن أباه محمداً حدثه أنه الأكاسرة كان يطين لها في الصيف سقف بيت في كل يوم، فتكون قائلة الملك فيه، وكان يؤتى القصب والطوالاً غلاظاً فترصف حول البيت ويؤتى بقطع الثلج العظام فتجعل ما بين أضعافها وكانت بنو أمية تفعل ذلك؛ وكان أول من أتخذ الجيش المنصور. وذكر بعضهم: أن المنصور كان يطين له في أول خلافته بيت في الصيف يقيل فيه؛ فأتخذ له أبو أيوب الخوارزمي ثياب كثيفة تبل وتوضع على سبايك، فيجد بردها، فاستظرفها، وقال: ما أحسب هذه الثياب إن اتخذت أكثف من هذه إلا حملت من الماء أكثر مما تحمل؛ وكانت أبرد، فاتخذ له الخيش، فكان ينصب على قبة، ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائج، واتخذها الناس. وقال علي بن محمد بن أبيه: أن رجلاً من الراوندية كان يقال له الأبلق، وكان أبرص، فتكلم باللغو، ودعا بالراوندية إليه، فزعم أن الروح التي كانت في عيسى بن مريم صارت في علي بن أبي طالب، ثم في الأئمة، في واحد بعد واحد إلى إبراهيم بن محمد، وإنهم آله، واستحلوا الحرمات؛ فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته؛ فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فقتله وصلبهم، فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء، فألقوا أنفسهم، كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على الناس بالسلاح، فأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت! قال: فخرج إليهم بنفسه، فقاتلهم فأقبلوا يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت. قال: فحكى لنا عن بعض مشيختنا أنه نظر إلى جماعة الراوندية يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يطيرون، فلا يبلغ أحدهم الأرض إلا وقد تفتت وخرجت روحه. قال أحمد بن ثابت مولى محمد بن سليمان بن علي عن أبيه: إن عبد الله بن علي، لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن علي أشرف يوماً ومعه بعض مواليه ومولى بن سليمان بن علي، فنظر إلى رجل له جمال وكمال، يمشي التخاجي، ويجر أثوابه من الخيلاء، فالتفت إلى مولى لسليمان بن علي، فقال: من هذا؟ قال له: فلان ابن فلان الأموي، فاستشاط غضباً وصفق يديه عجباً، وقال: إن طريقناً لنبك بعد، يا فلان - لمولى له - انزل فأتني برأسه، وتمثل قول سديف: علام، وفيم نترك عبد شمس ... لها في كل راعية ثغاء! فما بالرمس في حران منها ... ولو قتلت بأجمعها وفاء وذكر علي بن محمد المدائني أنه قدم علي أبي جعفر المنصور - بعد انهزام عبد الله بن علي وظفر المنصور به، وحبسه إياه ببغداد - وفد من أهل الشأم فيهم الحارث بن عبد الرحمن، فقام عدة منهم فتكلموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إنا لسنا وفد مباهاة، ولكنا وفد توبة؛ وإنا ابتلينا بفتنة استفزت كريمنا، واستخفت حليمنا، فنحن بما قدمنا معترفون، ومما سلف منا معتذرون، فإن تعاقبنا فيما فيما أجرمنا وإن تعفو عنا فبفضلك علينا؛ فاصفح عنا إذا ملكت ، وامنن إذا قدرت، وأحسن إذ ظفرت، فطالما أحسنت! قال أبو جعفر: قد فعلت. وذكر عن الهيثم ابن عدي عن زيد مولي بن نهيك، قال: دعاني المنصور بعد موت مولاي، فقال: يا زيد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كم خلف أبو زيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها، قال: فأين هي؟ قلت أنفقتها الحرة في مأتمه. قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت الحرة في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلف من البنات؟ قلت: ستاً، فأطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: أغد إلى باب المهدي، فغدوت فقيل لي: أمعك بغال؟ فقلت: لم أومر بذلك ولا بغيره؛ ولا أدري لم دعيت! قال: فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار، وأمرت أن أدفع إلى كل واحدة من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ثم دعاني المنصور، فقال: أقبضت ما أمرنا به لبنات أبي زيد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أغد علي بأكفائهن حتى أزوجهن منهم؛ قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي وثلاثة من آل نهيك من بني عمهن، فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن تحمل إليهن صدقاتهن من ماله، وأمرني أن أشتري بما أمر به لهن ضياعاً، يكون معاشهن منها، ففعلت ذلك. وقال الهيثم: فرق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف درهم، وأمر للرجل من أعمامه بألف ألف، ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده وصل بها أحداً من الناس. وقال العباس بن الفضل: أمر المنصور لعمومته: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، بني علي بن عبد الله بن عباس، لكل رجل منهم بألف ألف معونة له من بيت المال. وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت المال؛ فكانت تجري في الدواوين. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم المصلي، قال: حدثني الفضل بن ربيع، عن أبيه، قال: جلس أبو جعفر المنصور للمدنيين مجلساً عاماً ببغداد - وكان وفد إليه منهم جماعة - فقال: لينتسب كل من دخل علي منكم، فدخل عليه فيمن دخل شاب من ولد عمرو بن حزم، فانتسب ثم قال: يا أمير المؤمنين، قال الأحوص فينا شعراً، منعنا أموالنا من أجله منذ ستين سنة، فقال أبو جعفر: فأنشدني، فأنشده: لاتأوين لحزميٍّ رأيت به ... فقراً وإن ألقي الحزميّ في النار الناخسين بمروان بذي خشبٍ ... والداخلين على عثمان في الدار قال: والشعر في المدح للوليد بن عبد الملك؛ فأنشده القصيدة، فلما بلغ هذا الموضع قال الوليد: أذكرتني ذنب آل حزم، فأمر باستصفاء أموالهم. فقال أبو جعفر: أعد علي الشعر، فأعاده ثلاثاً، فقال له أبو جعفر: لا جرم،إنك تحتظي بهذا الشعر كما حرمت به، ثم قال لأبي أيوب: هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا، ثم أمر أن يكتب إلى عماله أن ترد ضياع آل حزم عليهم، ويعطوا غلاتها في كل سنة من ضياع بني أمية، وتقسم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ، ومن مات منهم وفر على ورثته. قال: فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من الناس. وحدثني جعفر بن أحمد بن يحيى، قال: حدثني أحمد بن أسد، قال: أبطأ المنصور عن الخروج إلى الناس والركوب، فقال الناس: هو عليل، وكثروا، فدخل عليه الربيع، فقال: يا أمير المؤمنين، لأمير المؤمنين طول البقاء، والناس يقولون، قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: عليل؛ فأطرق قليلاً ثم قال: يا ربيع، ما لنا وللعامة ! إنما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال، فإذا فعل ذلك بها فما حاجتهم! إذا أقيم لهم من ينظر في أحكامهم فينصف بعضهم من بغض، ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم، ويسد ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيء عدوهم؛ وقد فعلنا ذلك بهم. ثم مكث أياماً، وقال: يا ربيع، اضرب الطبل؛ فركب حتى رآه العامة. وذكر علي بن محمد، قال: حدثني أبي، قال: وجه أبو جعفر مع محمد بن أبي العباس بالزنادقة والمجان، فكان فيهم حماد عجرد، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجون؛ وإنما أراد بذلك أن يبغضه إلى الناس، فأظهر محمد أنه يعشق بنت سليمان بن علي، فكان يركب إلى المربد، فيتصدى لها؛ يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر إليه؛ فقال محمد لحماد: قل لي فيها شعراً، فقال فيها أبياتاً، يقول فيها: يا ساكن المربد هجت لي ... شوقاً فما أنفك بالمربد قال: فحدثني أبي فقال: كان المنصور نازلاً على أبي سنتين، فعرفت الخصيب المتطبب لكثرة إتيانه إياه؛ وكان الخصيب يظهر النصرانية وهو زنديق معطل لا يبالي من قتل، فأرسل إليه المنصور رسولاً يأمره أن يتوخى قتل محمد بن أبي العباس، فاتخذ سماً قاتلاً، ثم انتظر علة تحدث بمحمد، فوجد حرارة، فقال له الخصيب: خذ شربة دواء، فقال: هيئها لي، فهيأها، وجعل فيها ذلك السم ثم سقاه إياها، فمات منها. فكتبت بذلك أم محمد بن أبي العباس إلى المنصور تعلمه أن الخصيب قتل ابنها. فكتب المنصور يأمر بحمله إليه؛ فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطاً ضرباً خفيفاً، وحبسه أياماً، ثم وهب له ثلاثمائة درهم، وخلاه. قال: وسمعت أبي يقول: كان المنصور شرط لأم موسى الحميرية ألا يتزوج عليها ولا يتسرى، وكتبت عليه بذلك كتاباً أكدته وأشهدت عليه شهوداً، فعزب بها عشر سنين في سلطانه؛ فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهل الحجاز يستفتيه، ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق فيعرض عليه الكتاب ليفتيه فيه برخصة؛ فكانت أم موسى إذا علمت مكانه بادرته فأرسلت إليه بمال جزيل، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برخصة، حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد؛ فأتته وفاتها بحلوان، فأهديت له في تلك الليلة مائة بكر؛ وكانت أم موسى ولدت له جعفراً والمهدي. وذكر عن علي بن الجعد أنه قال: لما قدم بختيشوع الأكبر على المنصور من السوس، ودخل عليه في قصره بباب الذهب ببغداد، أمر له بطعام يتغدى به، فلما وضعت المائدة بين يديه، قال: شراب، فقيل له: إن الشراب لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين، فقال: لا آكل طعاماً ليس معه شراب، فأخبر المنصور بذلك، فقال: دعوه، فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب، فتعشى وشرب ماء دجلة، فلما كان من الغد نظر إلى مائه، فقال: ما كنت أحسب شيئاً يجزي من الشراب، فهذا ماء دجلة يجزي من الشراب. وذكر عن يحيى بن الحسن أن أباه حدثه، قال: كتب المنصور إلى عامله بالمدينة أن بع ثمار الضياع ولا تبعها إلا ممن نغلبه ولا يغلبنا؛ فإنما يغلبنا المفلس الذي لا مال له، ولا رأي لنا في عذابه، فيذهب بما لنا قبله ولو أعطاك جزيلاً، وبعها من الممكن بدون ذلك ممن ينصفك ويوفيك. وذكر أبو بكر الهذلي أن أبا جعفر كان يقول: ليس بإنسان من أسدي إليه معروف فنسيه دون الموت. وقال الفضل بن ربيع: سمعت المنصور يقول: كانت العرب تقول: الغوى الفادح خير من الري الفاضح. وذكر عن أبان بن يزيد العنبري أن الهيثم القارئ البصري قرأ عند المنصور " ولا تبذر تبذيرا " إلى آخر الآية، فقال له المنصور، وجعل يدعو: اللهم جنبني وبني التبذير فيما أنعمت علينا به من عطيتك. قال: وقرأ الهيثم عنده: " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل " فقال للناس: لولا أن الأموال حسن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما وزينتهما ما بت ليلة وأنا أحرز منه ديناراً ولا درهماً لما أجد لبذل المال من اللذاذة؛ ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة. ودخل على المنصور رجل من أهل العلم، فازدراه واقتحمته عينه، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده، فازدراه واقتحمته عينه، فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده، فقال له: أنى لك هذا العلم! قال: لم أبخل بعلم علمته، ولم أستح من علم أتعلمه. قال: فمن هناك! قال: وكان المنصور كثيراً ما يقول: من فعل بغير تدبير، وقال عن غير تقدير، لم يعدم من الناس هازئاً ولا لاحياً. وذكر عن قحطبة، قال: سمعت المنصور يقول: الملوك تحتمل كل شيء من أصحابها إلا ثلاثاً: إفشاء السر، والتعرض للحرمة، والقدح في الملك. وذكر علي بن محمد أن المنصور كان يقول: سرك من دمك فانظر من تملكه. وذكر الزبير بن بكار، عن عمر، قال: لما حمل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة! قال: تركتها وراءك يابن اللخناء! وذكر عن عمر بن شبة، أن قحطبة بن غدانة الجشمي - وكان من الصحابة - قال: سمعت أبا جعفر المنصور يخطب في مدينة السلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال: يا عباد الله، لا تظالموا، فإنها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم؛ ولو علمت مكان من هو أحق بهذا الأمر مني لأتيته حتى أدفعه إليه. وذكر إسحاق الموصلي، عن النضر بن جديد، قال: حدثني بعض الصحابة أن المنصور كان يقول: عقوبة الحليم التعريض، وعقوبة السفيه التصريح. وذكر أحمد بن خالد، قال: حدثني يحيى بن أبي نصر القرشي، أن أبانا القارئ قرأ عند المنصور : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " ، الآية فقال المنصور: ما أحسن ما أدبنا ربنا! قال: وقال المنصور: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف فقد شكر، ومن شكر كان كريماً، ومن علم أنه إنما صنع إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم، ولم يستزدهم من مودتهم، تلتمس من غيرك شكر ما آتيته إلى نفسك، ووقيت به عرضك. واعلم أن طالب الحاجة إليك لم يكرم وجهه عن وجهك فأكرم وجهك عن رده. وذكر عمر بن شبة أن محمد بن عبد الوهاب المهلبي، حدثه، فقال: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: لم يكن أحد من بني العباس يتكلم فيبلغ حاجته على البديهة غير أبي جعفر وداود بن علي والعباس بن محمد. وذكر عن أحمد بن خالد، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم الفهري، قال: خطب المنصور ببغداد في يوم عرفة - وقال قوم: بل خطب في أيام - منى فقال في خطبته: أيها الناس؛ إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه؛ أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه؛ قد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني؛ فارغبوا إلى الله أيها الناس، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به؛ إذ يقول تبارك وتعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " . أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، إنه سميع قريب. وذكر عن داود بن رشيد عن أبيه، أن المنصور خطب فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. فاعترضه معترض عن يمينه، فقال: أيها الإنسان، أذكرك من ذكرت به... فقطع الخطبة ثم قال: سمعاً سمعاً؛ لمن حفظ عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أكون جباراً عنيداً، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. وأنت أيها القائل؛ فوالله ما أردت بها وجه الله ؛ ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها! ويلك لو هممت! فاهتبلها إذ غفرت. وإياك وإياكم معشر الناس أختها؛ فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت؛ فردوا الأمر إلى أهله، توردوه موارده، وتصدروه مصادره...ثم عاد في خطبته، فكأنه يقرؤها من كفه، فقال: وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وذكر عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن ابن أبي الجوزاء، أنه قال: قمت إلي أبي جعفر وهو يخطب ببغداد في مسجد المدينة على المنبر فقرأت: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " فأخذت فأدخلت عليه، فقال: من أنت ويلك! إنما أردت أن أقتلك، فاخرج عني فلا أراك. قال: فخرجت من عنده سليماً. وقال عيسى بن عبد الله بن حميد: حدثني إبراهيم بن عيسى، قال: خطب أبو جعفر المنصور في هذا المسجد - يعني به مسجد المدينة ببغداد - فلما بلغ:اتقوا الله حق تقاته، قام إليه رجل، فقال: وأنت يا عبد الله، فاتق الله حق تقاته...فقطع أبو جعفر الخطبة، وقال: سمعاً سمعاً، لمن ذكر بالله؛ هات يا عبد الله، فما تقى الله؟ فانقطع الرجل فلم يقل شيئاً، فقال أبو جعفر: الله الله أيها الناس في أنفسكم، لا تملونا من أموركم ما لا طاقة لكم به، لايقوم رجل هذا المقام إلا أوجعت ظهره، وأطلت حبسه. ثم قال: خذه إليك يا ربيع، قال: فوثقنا له بالنجاة - وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروهاً قال: خذه إليك يا مسيب - قال: ثم رجع في خطبته من الموضع الذي كان قطعه، فاستحسن الناس ذلك منه، فلما فرغ من الصلاة دخل القصر؛ وجعل عيسى بن موسى يمشي على هيئته خلفه، فأحس به أبو جعفر، فقال: أبو موسى؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: كأنك خفتني على هذا الرجل! قال: والله لقد سبق إلى قلبي بعض ذلك؛ إلا أن أمير المؤمنين أكثر علماً، وأعلى نظراً من أن يأتي في أمره إلا الحق، فقال: لا تخفني عليه. فلما جلس قال: علي بالرجل، فأتى به؛ فقال: يا هذا؛ إنك لما رأيتني على المنبر، قلت؛ هذا الطاغية لا يسعني إلا أن أكلمه، ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثل لك؛ فاشغلها بظماء الهواجر، وقيام الليل، وتغيير قدميك في سبيل الله؛ أنطه يا ربيع أربع مائة درهم، واذهب فلا تعد. وذكر عن عبد الله بن صاعد، مولى أمير المؤمنين أنه قال: حج المنصور بعد بناء بغداد، فقام خطيباً بمكة، فكان مما حفظ من كلامه: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " ، أمر مبرم، وقول عدل، وقضاء فصل؛ والحمد لله الذي أفلج حجته، وبعداً للقوم الظالمين؛ الذين اتخذوا الكعبة عرضاً، والفيء إرثاً، وجعلوا القرآن عضين؛ لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطلة وقصر مشيد؛ أهملهم الله حتى بدلوا السنة، واضطهدوا العترة، وعندوا واعتدوا، واستكبروا وخاب كل جبار عنيد؛ ثم أخذهم؛ فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً! وذكر الهيثم بن عدي، عن ابن عياش قال: إن الأحداث لما تتابعت على أبي جعفر، تمثل: تفرقت الظباء على خداش ... فما يدري خداش ما يصيد قال: ثم أمر بإحضار القواد و الموالي والصحابة وأهل بيته، وأمر حماداً التركي بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدم والمسيب بن زهير بأخذ الأبواب، ثم خرج في يوم من أيامه حتى علا المنبر. قال: فأزم عليه طويلاً لا ينطق. قال رجل لشبيب بن شيبة: ما لأمير المؤمنين لا يتكلم! فإنه والله ممن يهون عليه صعاب القول، فما باله! قال: فافترع الخطبة، ثم قال: ما لي أكفكف عن سعدٍ ويشتمني ... ولو شتمت بني سعدٍ لقد سكنوا جهلاً علي وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن ثم جلس وقال: فألقيت عن رأسي القناع ولم أكن ... لأكشفه إلا لإحدى العظائم والله لقد عجزوا عن أمرٍ قمنا به، فما شكروا الكافي؛ ولقد مهدوا فاستوعروا وغمطوا الحق وغمصوا، فماذا حاولوا! أشرب رنقا على غصصٍ، أم أقيم على ضيم ومضض! والله لا أكرم أحداً بإهانة نفسي؛ والله لئن لم يقبلوا الحق ليطلبنه ثم لا يجدونه عندي؛ والسعيد من وعظ بغيره. قدم يا غلام، ثم ركب. وذكر الفقيمي أن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن مولى محمد بن علي حدثه، أن المنصور لما أخذ عبد الرحمن بن حسن واخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب تركناهم والله الذي لا إله إلا هو والخلافة، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير؛ فقام فيها علي بن أبي طالب فتلطخ وحكم عليه الحكمين؛ فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثم قام من بعده الحسن بن علي؛ فوالله ما كان فيها برجل؛ قد عرضت عليه الأموال، فقبلها، فدس إليه معاوية؛ إني أجعلك ولي عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غداً؛ فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة؛ أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن أهل هذه المدرة السوداء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي، فخدعه أهل الكوفة وغروه؛ فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه؛ وقد كان أتى محمد بن علي، فناشده في الخروج وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة، وقال له: إنا نجد في بعض علمنا، أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب؛ وناشده عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة فلم يقبل؛ وأتم على خروجه، فقتل وصلب بالكناسة، ثم وثب علينا بنو أمية، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزنا؛ والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها؛ وما كان لهم ذلك كله إلا فيهم وبسبب خروجهم عليهم؛ فنفونا من البلاد، فصرنا مرة بالطائف، ومرة بالشام، ومرة بالشراة؛ حتى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصاراً، فأحيا شرفنا، وعزنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقكم أهل الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فقر الحق مقره، وأظهر مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. فلما استقرت الأمور فينا على قرارها؛ من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا، ظلماً وحسداً منهم لنا، وبغياً لما فضلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه صلى الله عليه وسلم. جهلاً علي وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن فإني والله يا أهل خراسان ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرم، وقد دسست لهم رجالاً فقلت: قم يا فلان قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالاً يعملون عليه؛ فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة، فدسوا إليهم تلك الأموال؛ فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب، ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم بيعةً، استحللت بها دماءهم وأموالهم وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علي؛ فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية: " وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شكٍ مريب " . قال: وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم، فقال: أيها الناس؛ لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش الأئمة، فإنه لم يسر أحد قط منكرةً إلا ظهرت في آثار يده، أو فلتات لسانه، وأبداها الله لإمامه؛ بإعزاز دينه، وإعلاء حقه. إنا لن نبخسكم حقوقكم، ولن نبخس الدين حقه عليكم. إنه من نازعنا عروة هذا القميص أجزرناه خبي هذا الغمد. وإن أبا مسلم بايعنا وبايع الناس لنا، على أنه من نكث بنا فقد أباح دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا؛ ولم تمنعنا إقامة الحق له من إقامة الحق عليه. وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن الفضل بن الربيع أخبره عن أبيه، قال: قال المنصور: قال أبي: سمعت أبي؛ علي بن عبد الله يقول: سادة الدنيا الأسخياء، وسادة الآخرة الأنبياء. وذكر عن إبراهيم بن عيسى، أن المنصور غضب على محمد بن جميل الكاتب - وأصله من الربذة - فأمر ببطحه، فقام بحجته، فأمر بإقامته، ونظر إلى سراويله، فإذا هو كتان، فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درة، وقال لا تلبس سراويل كتان فإنه من الصرف. وذكر محمد بن إسماعيل الهاشمي، إن الحسن بن إبراهيم حدثه، عن أشياخه، أن أبا جعفر لما قتل محمد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بياخمري وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحمل إليه، كتب إلى بني علي بن أبي طالب بالمدينة كتاباً يذكر لهم فيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه بمصر، وأنه لم يفعل ذلك إلا عن رأيهم، وأنهم يدأبون في طلب السلطان، ويلتمسون بذلك القطيعة والعقوق، وقد عجزوا عن عداوة بني أمية لما نازعوهم السلطان، وضعفوا عن طلب ثأرهم؛ حتى وثب بنو أبيه غضباً على بني أمية، فطلبوا بثأرهم، فأدركوا بدمائهم، وانتزعوا السلطان عن أيديهم، وتمثل في الكتاب بشعر سبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعي: فلولا دفاعي عنكم إذ عجزتم ... وبالله أحمي عنكم وأدافع لضاعت أمور منكم لا أرى لها ... كفاةً وما لا يحفظ الله ضائع فسموا لنا من طحطح الناس عنكم ... ومن ذا الذي تحنى عليه الأصابع! ومازال منا قد علمتم عليكم ... على الدهر إفضال يرى ومنافع ومازال منكم أهل غدرٍ وجفوةٍ ... وبالله مغتر وللرحم قاطع وإن نحن غبنا عنكم وشهدتم ... وقائع منكم ثم فيها مقانع وإنا لنرعاكم وترعون شأنكم ... كذاك الأمور؛ خافضات روافع وهل تعلون أقدام قوم صدورهم ... وهل تعلون فوق السنام الأكارع! ودب رجال للرياسة منكم ... كما درجت تحت الغدير الضفادع؟ وذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: كان أرزاق الكتاب والعمال أيام أبي جعفر ثلاثمائة درهم؛ فلما كانت كذلك لم تزل على حالها إلى أيام المأمون، فكان أول من سن زيادة الأرزاق الفضل بن سهل، فأما في أيام بني أمية وبني العباس فلم تزل الأرزاق من الثلثمائة إلى ما دونها، كان الحجاج يجري على يزيد بن أبي مسلم ثلثمائة درهم في الشهر. وذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى، أن ولاة البريد في الآفاق كلها كانوا يكتبون إلى المنصور أيام خلافته في كل يوم بسعر القمح والحبوب والأدم، وبسعر كل مأكول، وبكل ما يقضي به القاضي في نواحيهم، وبما يعمل به الوالي وبما يرد بيت المال من المال، وكل حدث، وكانوا إذا صلوا المغرب يكتبون إليه بما كان في كل ليلة إذا صلوا الغداة؛ فإذا وردت كتبهم نظر فيها، فإذا رأى الأسعار على حالها أمسك، وإن تغير شيء منها عن حاله كتب إلى الوالي والعامل هناك، وسأل عن العلة التي نقلت ذلك عن سعره؛ فإذا ورد الجواب بالعلة تلطف لذلك برفقه حتى يعود سعره ذلك إلى حاله؛ وإن شك في شيء مما قضى به القاضي كتب إليه بذلك؛ وسأل من بحضرته عن عمله؛ فإن أنكر شيئاً عمل به كتب إليه يوبخه ويلومه. وذكر إسحاق الموصلي أن الصباح بن خاقان التميمي، قال: حدثني رجل من أهلي، عن أبيه، قال: ذكر الوليد عند المنصور أيام نزوله ببغداد وفروغه من المدينة، وفراغه من محمد وإبراهيم ابني عبد الله، فقالوا:لعن الله الملحد الكافر - قال: وفي المجلس أبو بكر الهذلي وابن عياش المنتوف والشرقي بن القطامي، وكل هؤلاء من الصحابة - فقال أبو بكر الهذلي: حدثني ابن عم للفرزدق، عن الفرزدق، قال: حضرت الوليد بن يزيد وعنده ندماؤه وقد اصطبح، فقال لابن عائشة: تغن بشعر ابن الزبعري: ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل وقتلنا الضعف من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدل فقال ابن عائشة: لا أغني هذا يا أمير المؤمنين؛ فقال: غنه وإلا جدعت لهواتك، قال: فغناه، فقال: أحسنت والله! إنه لعلي دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر.قال: فلعن المنصور ولعنه جلساؤه؛ وقال: الحمد لله على نعمته وتوحيده. وذكر عن أبي بكر الهذلي، قال: كتب صاحب أرمينية إلى المنصور: إن الجند قد شغبوا عليه، وكسروا أقفال بيت المال، وأخذوا ما فيه، فوقع في كتابه: اعتزل عملنا مذموماً، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينتهبوا. وقال إسحاق الموصلي، عن أبيه: خرج بعض أهل العبث على أبي جعفر بفلسطين، فكتب إلى العامل هناك: ================================================ج27. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري دمه في دمك إلا توجهه إلي؛ فجد في طلبه، فظفر به فأشخص، فأمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال له أبو جعفر: أنت المتوثب على عمالي! لأنثرن من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك، فقال له - وقد كان شيخاً كبير السن - بصوت ضعيف ضئيل غير مستعلٍ: أتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم قال: فلم تتبين للمنصور مقالته، فقال يا ربيع، ما يقول؟ فقال: يقول: العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم منصرف! قال: يا ربيع، قد عفوت عنه؛ فخل سبيله، واحتفظ به، وأحسن ولايته. قال: ورفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنه أخذ حداً من ضيعته، فأضافه إلى ماله، فوقع إلى عامله في رقعة المتظلم: إن آثرت العدل صحبتك السلامة، فأنصف هذا المتظلم من هذه الظلامة. قال: ورفع رجل من العامة إليه رقعة في بناء مسجد في محلته، فوقع في رقعته: من أشراط الساعة كثرة المساجد فزد في خطاك تزدد من الثواب. قال: وتظلم رجل من أهل السواد من بعض العمال في رقعة رفعها إلى المنصور، فوقع فيها: إن كنت صادقاً فجئ به ملبباً فقد أذنا لك في ذلك. وذكر عمر بن شبة أن أبا الهذيل العلاف حدثه، أن أبا جعفر قال: بلغني أن السيد بن محمد مات بالكرخ - أو قال: بواسط - ولم يدفنوه،لأن حق ذلك عندي لأحرقنها. وقيل: إن الصحيح أنه مات في زمن المهدي بكرخ بغداد، وأنهم تحاموا أن يدفنوه، وأنه بعث بالربيع حتى ولي أمره، وأمره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازلهم، فدفع ربيع عنهم. وقال المدائني: لما فرغ المنصور من محمد وإبراهيم وعبد الله بن علي وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار ببغداد و استقامت له الأمور، كان يتمثل هذا البيت: تبيت من البلوى على حد مرهفٍ ... مراراً ويكفي الله ما أنت خائف قال: وأنشدني عبد الله بن الربيع، قال: أنشدني المنصور بعد قتل هؤلاء: ورب أمور لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخشاتهن وجيب وقال الهيثم بن عدي: لما بلغ المنصور تفرق ولد عبد الله بن حسن في البلاد هرباً من عقابه، تمثل: إن قناتي لنبع لا يؤيسها ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار متى أجر خائفاً تأمن مسارحه ... وإن أخف آمناً تقلق به الدار سيروا إلي وغضوا بعض أعينكم ... إني لكل امرئ من جاره جار وذكر علي بن محمد عن واضح مولى أبي جعفر، قال: أمرني أبو جعفر أن أشتري له ثوبين لينين، فاشترينهما له بعشرين ومائة درهم، فأتيته بهما، فقال: بكم؟ فقلت: بثمانين درهماً، قال: صالحان، استحطه؛ فإن المتاع إذا أدخل علينا ثم رد على صاحبه كسره ذلك. فأخذت الثوبين من صاحبهما، فلما كان من الغد حملتهما إليه معي، فقال: ما صنعت؟ قلت: رددتهما عليه فحطني عشرين درهماً، قال: أحسنت؛ اقطع أحدهما قميصاً، واجعل الآخر رداء لي. ففعلت، فلبس القميص خمسة عشرة يوماً لم يلبس غيره. وذكر مولى لعبد الصمد بن علي، قال: سمعت عبد الصمد يقول: إن المنصور كان يأمر أهل بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة وبلزوم الوشي والطيب؛ فإن رأى أحدهم قد أخل بذلك أو أقل منه، قال: يا فلان، ما أرى وبيص الغالية في لحيتك؛ وإني لأراها تلمع في لحية فلان؛ فيشحذهم بذلك على الإكثار من الطيب ليتزين بهيئتهم وطيب أرواحهم عند الرعية، ويزينهم بذلك عندهم؛ وإن رأى على أحدهم وشياً طاهراً عضه بلسانه. وذكر عن أحمد بن خالد، قال: كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيراً عن حديث عجلان بن سهيل، أخي حوثرة بن سهيل، قال: كنا جلوساً مع عجلان، إذ مر بنا هشام بن عبد الملك، فقال رجل من القوم: قد مر الأحول، قال: من تعني؟ قال: هشاماً، قال: تسمي أمير المؤمنين بالنبز! والله لولا رحمك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات. وقال أحمد بن خالد: قال إبراهيم بن عيسى: كان للمنصور خادم أصفر إلى الأدمة، ماهر لا بأس به، فقال المنصور يوماً: ما جنسك؟ قال: عربي يا أمير المؤمنين، قال: ومن أي العرب أنت؟ قال: من خولان، سبيت من اليمن، فأخذني عدو لنا، فجبني فاسترققت، فصرت إلى بعض بني أمية، ثم صرت إليك. قال: أما إنك نعم الغلام؛ ولكن لا يدخل علي قصري عربي يخدم حرمي؛ اخرج عافاك الله؛ فاذهب حيث شئت! وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن معاوية بن بكر - وكان من الصحابة - أن المنصور ضم رجلاً من أهل الكوفة، يقال له الفضيل بن عمران، إلى ابنه جعفر، وجعله كاتبه، وولاه أمره، فكان منه بمنزلة أبي عبيد الله من المهدي، وكان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهدي، فنصبت أم عبيد الله حاضنة جعفر للفضيل بن عمران، فسعت به إلى المنصور، وأومأت إلى أنه يعبث بجعفر. قال: فبعث المنصور الريان مولاه وهارون بن غزوان مولى عثمان بن نهيك إلى الفضيل - وهو مع جعفر بحديثه الموصل - وقال: إذا رأيتما فضيلاً فاقتلاه حيث لقيتماه، وكتب لهما كتاباً منشوراً، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به، وقال: لا تدفعا الكتاب إلى جعفر حتى تفرغا من قتله. قال: فخرجا حتى قدما على جعفر، وقعدا على بابه ينتظران الإذن؛ فخرج عليهما فضيل، فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور، فلم يعرض لهما أحد؛ فضربا عنقه مكانه، ولم يعلم جعفر حتى فرغا منه - وكان الفضيل رجلاً عفيفاً ديناً - فقيل للمنصور: إن الفضيل كان أبرأ الناس مما رمي به، وقد عجلت عليه. فوجه رسولاً، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتل، فقدم الرسول قبل أن يجف دمه. فذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر، أن جعفراً أرسل إليه، فقال: ويلك! ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف دين مسلم بلا جرم ولا جناية! قال سويد: فقلت: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء؛ وهو أعلم بما يصنع؛ فقال : يا ماص بظر أمه، أكلمك بكلام الخاصة وتكلمني بكلام العامة! خذوا برجله فألقوه في دجلة. قال فأخذت، فقلت: أكلمك، فقال: دعوه، فقلت: أبوك إنما يسأل عن فضيل، ومتى يسأل عنه، وقد قتل عمه عبد الله بن عبد الله بن علي، وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلماً، وقتل أهل الدنيا ممن لا يحصى ولا يعد! هو قبل أن يسأل عن فضيل جرذانة تجب خصى فرعون قال: فضحك، وقال: دعوه إلى لعنة الله. وقال قعنب بن محرز: أخبرنا محمد بن عائد مولى عثمان بن عفان أن حفصاً الأموي الشاعر، كان يقال له حفص بن أبي جمعة، مولى عباد بن زياد، وكان المنصور صيره مؤدباً للمهدي في مجالسه، وكان مداحاً لبني أمية في أيام بني أمية وأيام المنصور، فلم ينكر عليه ذلك المنصور، ولم يزل مع المهدي أيام ولايته العهد؛ ومات قبل أن يلي المهدي الخلافة. قال: وكان مما مدح به بني أمية قوله: أين روقا عبد شمسٍ أين هم ... أين أهل الباع منهم والحسب! لم تكن أيد لهم عندكم ... ما فعلتم آل عبد المطلب! أيها السائل عنهم أولو ... جثث تلمع من فوق الخشب إن تجذوا الأصل منهم سفهاً ... يا لقوم للزمان المنقلب! إن فاحلبوا ما شئتم في صحنكم ... فستسقون صرى ذاك الحلب وقيل: إن حفصاً الأموي دخل على المنصور، فكلمه فاستخبره، فقال له: من أنت فقال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: مولى لي مثلك لا أعرفه! قال: مولى خادم لك عبد مناف يا أمير المؤمنين؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم أنه مولى لبني أمية، فضمه إلى المهدي، وقال له: احتفظ به. ومما رثي به قول سلم الخاسر: عجباً للذي نعى الناعيان ... كيف فاهت بموته الشفتان! ملك إن غدا على الدهر يوماً ... أصبح الدهر ساقطاً للجران ليت كفاً حثت عليه تراباً ... لم تعد في يمينها بنان حين دانت له البلاد على العس ... ف وأغضى من خوفه الثقلان أين رب الزوراء قد قلدته ال ... ملك، عشرون حجة واثنتان إنما المرء كالزناد إذا ما ... أخذته قوادح النيران ليس يثني هواه زجر ولا يق ... دح في حبله ذوو الأذهان قلدته أعنة الملك حتى ... قاد أعداءه بغير عنان يكسر الطرف دونه وترى الأي ... دي من خوفه على الأذقان ضم أطراف ملكه ثم أضحى ... خلف أقصاهم ودون الداني هاشمي التشمير لا يحمل الثق ... ل على غارب الشرود الهدان ذو أناة ينسى لها الخائف الخو ... ف وعزمٍ يلوي بكل جنان وذهبت دونه النفوس حذاراً ... غير أن الأرواح في الأبدان ذكر أسماء ولده ونسائهفمن ولده المهدي - واسمه محمد - وجعفر الأكبر، وأمهما أروى بنت المنصور أخت يزيد بن المنصور الحمري؛ وكانت نكنى أم موسى؛ وهلك جعفر هذا قبل المنصور. وسليمان وعيسى ويعقوب؛ وأمهم فاطمة بنت محمد، من ولد طلحة بن عبيد الله. وجعفر الأصغر، أمه أم ولد كردية، كان المنصور اشتراها فتسراها، وكان يقال لابنها: ابن الكردية. وصالح المسكين، أمه أم ولد رومية، يقال لها قالي الفراشة. والقاسم، مات قبل المنصور، وهو ابن عشر سنين، وأمه أم ولد تعرف بأم القاسم. والعالية، أمها امرأة من بني أمية، زوجها المنصور من إسحاق بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن العباس. وذكر إسحاق بن سليمان أنه قال: قال لي أبي: زوجتك يا بني أشرف الناس؛ العالية بنت أمير المؤمنين. قال: فقلت: يا أباه، من أكفاؤنا؟ قال: أعداؤنا من بني أمية. ذكر الخبر عن وصاياهذكر عن الهيثم بن عدي أن المنصور أوصى المهدي في هذه السنة لما شخص متوجهاً إلى مكة في شوال، وقد نزل قصر عبدويه، وأقام بهذا القصر أياماً والمهدي معه يوصيه، وكان انقض في مقامه بقصر عبدويه كوكب، لثلاثٍ بقين من شوال بعد إضاءة الفجر، وبقي أثره بيناً إلى طلوع الشمس، فأوصاه بالمال والسلطان؛ يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بالغداة والعشي، لا يفتر عن ذلك، ولا يفترقان إلا تحريكاً. فلما كان اليوم الذي أراد أن يرتحل فيه، دعا المهدي، فقال له: إني لم أدع شيئاً إلا قد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال والله ما أظنك تفعل واحدة منها - وكان له سفط فيه دفاتر علمه، وعليه قفل لا يأمن على فتحه ومفتاحه أحداً، يصر مفتاحه في كم قميصه. قال: وكان حماد التركي يقدم إليه ذلك السفط إذا دعا به، فإذا غاب حماد أو خرج كان الذي يليه سلمة الخادم - فقال للمهدي: انظر هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك. ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن أحزنك أمر فانظر في الدفتر الأكبر؛ فإن أصبت فيه ما تريد، وإلا فالثاني والثالث؛ حتى بلغ سبعة ؛ فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة؛ فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة؛ فإياك أن تستبدل بها؛ فإنها بيتك وعزك، قد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كان عندك كفاية لأرزاق الجند والنفقات وعطاء الذرية ومصلحة الثغور؛ فاحتفظ بها، فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك؛ أن تظهر كرامتهم وتقدمهم وتكثر الإحسان إليهم، وتعظم أمرهم، وتوطئ الناس أعقابهم، وتوليهم المنابر؛ فإن عزك عزهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل. وانظر مواليك، فأحسن إليهم وقربهم واتكثر منهم فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك. ، وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل خراسان خيراً، فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم في دولتك، ودماءهم دونك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم؛ أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم على ما كان منهم، وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها، وما أظنك تفعل. وإياك أن تستعسن برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل. وإياك أن تدخل النساء في مشورتك في أمرك، وأظنك ستفعل. وقال غير الهيثم: إن المنصور دعا المهدي عند مسيره إلى مكة، فقال: يا أبا عبد الله، إني سائر وإني غير راجع؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! فاسأل الله بركة ما أقدم عليه، هذا كتاب وصيتي مختوماً، فإذا بلغك أني قد مت، وصار الأمر إليك فانظر فيه، وعلي دين أحب أن تقضيه وتضمنه، قال: هو علي يا أمير المؤمنين، قال: فإنه ثلثمائة ألف درهم ونيف، ولست أستحلها من بيت مال المسلمين، فاضمنها عني، وما يفضي إليك من الأمر أعظم منها. قال: أفعل، هو علي. قال: وهذا القصر ليس هو لك، هو لي وقصري بنيته بمالي، فأحب أن تصير نصيبك منه لأخوتك الأصاغر. قال: نعم، قال: ورقيقي الخاصة هم لك،فاجعلهم لهم، فإنك تصير إلى ما يغنيك عنهم، وبهم إلى ذلك أعظم الحاجة. قال: أفعل، قال: أما الضياع، فلست أكلفك فيها هذا، ولو فعلت كان أحب إلي، قال: أفعل، قال: سلم إليهم ما سألتك من هذا، وأنت معهم في الضياع. قال: والمتاع والثياب، سلمه لهم قال: أفعل. قال: أحسن الله عليك الخلافة ولك الصنع! اتق الله فيما خولك وفيما خلفتك عليه.ومضى إلى الكوفة، فنزل الرصافة، ثم خرج منها مهلاً بالعمرة والحج، قد ساق هدية من البدن، وأشعر وقلد؛ وذلك لأيام خلت من ذي القعدة. وذك أبو يعقوب بن سليمان،قال: حدثتني جمرة العطارة - عطارة أبي جعفر - قالت: لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي - وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر - فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدم إليها وأحلفها، ووكد الأيمان ألا تفتح بعض الخزائن، ولا تطاع عليها أحداً إلا المهدي؛ ولا هي؛ إلا أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث؛ حتى يفتحا الخزانة. فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام، دفعت إليه المفاتيح، وأخبرته عن المنصور أنه تقدم إليها فيه إلا يفتحه ولا يطلع عليه أحداً حتى يصح عندها موته. فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولى الخلافة، فتح الباب ومعه ريطة؛ فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم؛ وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذاك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكان. وذكر عن إسحاق بن عيسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت المنصور وهو متوجه إلى مكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وهو يقول للمهدي عند وداعه إياه: يا أبا عبد الله؛ إني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وقد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة؛ وإنما حداني على الحج ذلك، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي؛ يجعل لك فيها كربك وحزنك مخرجاً، أو قال: فرجاً ومخرجاً - ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسب. احفظ يا بني محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظ الله عليك أمورك. وإياك والدم الحرام، فإنه حوب عند الله عظيم، وعار في الدنيا لازم مقيم. والزم الحلال فإن ثوابك في الآجل، وصلاحك في العاجل. وأقم الحدود ولا تعتد فيها فتبور؛ فإن الله لو علم أن شيئاً أصلح لدينه وأزجر من معاصيه من الحدود لأمر به في كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه، أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على من سعى في الأرض فساداً مع ما ذخر له عنده من العذاب العظيم، فقال: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً " الآية. فالسلطان يا بني حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودين الله القيم، فاحفظه وحطه وحصنه، وذب عنه، وأوقع بالملحدين فيه، واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين عنه بالعقاب لهم والمثلات بهم؛ ولا تتجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. واحكم بالعدل ولا تشطط؛ فإن ذلك أقطع للشغب، واحسم للعدو، وأنجع في الدواء. وعف عن الفيء، فليس بك إليه حاجة مع ما أخلفه لك، وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة. وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية. واشحن الثغور، واضبط الأطراف، وأمن السبل، وخص الواسطة، ووسع المعاش، وسكن العامة، وأدخل المرافق عليهم، واصرف المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها. وإياك والتبذير؛ فإن النوائب غير مأمونة، والحوادث غير مضمونة؛ وهي من شيم الزمان. وأعد الرجال والكراع والجند ما استطعت. وإياك وتأخير عمل اليوم إلى غد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع. جد في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولاً فأولا، واجتهد وشمر فيها، وأعدد رجالاً بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار،ورجالاً بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل. وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل ولا تفشل، واستعمل حسن الظن بربك، وأسئ الظن بعمالك وكتابك. وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من يبيت على بابك، وسهل إذنك للناس، وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عيناً غير نائمة، ونفساً غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم منذ ولي الخلافة ولا دخل عينه غمض إلا وقلبه مستيقظ. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك. قال: ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه. وذكر عمر بن شبة عن سعيد بن هريم، قال: لما حج المنصور في السنة التي توفي بها شيعة المهدي، فقال: يا بني، إني قد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها؛ ولست أخاف عليك إلا أحد رجلين: عيسى بن موسى، وعيسى بن زيد؛ فأما عيسى بن موسى فقد أعطاني من العهود والمواثيق ما قبلته، و والله لو لم يكن إلا أن يقول قولاً لما خفت عليك، فأخرجه من قلبك. وأما عيسى بن زيد فأنفق هذه الأموال واقتل هؤلاء الموالي، واهدم هذه المدينة حتى تظفر به، ثم لا ألومك. وذكر عيسى بن محمد أن موسى بن هارون حدثه، قال: لما دخل المنصور آخر منزل نزله من طريق مكة، نظر في صدر البيت الذي نزل فيه، فإذا فيه مكتوب: " بسم الله الرحمن الرحيم " . أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك، وأمر الله لابد واقع أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حر المنية مانع! قال: فدعا بالمتولي لإصلاح المنازل، فقال له: يا أمير المؤمنين، والله ما دخلها أحد منذ فرغ منها، فقال: اقرأ ما في صدر البيت مكتوباً، قال: ما أرى شيئاً يا أمير المؤمنين، قال: فدعا برئيس الحجبة، فقال: اقرأ ما على صدر البيت مكتوباً، قال: ما أرى على صدر البيت شيئاً، فأملى البيتين فكتبا عنه، فالتفت إلى حاجبه فقال: اقرأ لي آية من كتاب الله جل وعز تشوقني إلى الله عز وجل، فتلا: " بسم الله الرحمن الرحيم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " ، فأمر بفكيه فوجئا. وقال: ما وجدت شيئاً تقرؤه غير هذه الآية! فقال: يا أمير المؤمنين، محي القرآن من قلبي غير هذه الآية، فأمر بالرحيل عن ذلك المنزل تطيراً مما كان، وركب فرساً، فلما كان في الوادي الذي يقال له سقر - وكان آخر منزل بطريق مكة - كبا به الفرس، فدق ظهره، ومات فدفن ببئر ميمون. وذكر عن محمد بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: أخبرني رجل من العلماء وأهل الأدب، قال: هتف بأبي جعفر هاتف من قصره بالمدينة فسمعه يقول: أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك عليك يا نفس إن أسأت وإن ... أحسنت بالقصد، كل ذاك لك ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل السلطان عن ملك ... إذا انقضى ملكه إلى ملك حتى يصيرا به إلى ملك ... ما عز سلطانه بمشترك ذاك بديع السماء والأرض والمر ... سي الجبال المسخر الفلك فقال أبو جعفر: هذا والله أوان أجلي. وذكر عبد الله بن عبيد الله، أن عبد العزيز بن مسلم حدثه أنه قال: دخلت على المنصور يوماً أسلم عليه؛ فإذا هو باهت لا يحير جواباً، فوثبت لما أرى منه، أريد الانصراف عنه، فقال لي بعد ساعة: إني رأيت فيما يرى النائم؛ كأن رجلاً ينشدني هذه الأبيات: أخي أخفض من مناكا ... فكأن يومك قد أتاكا ولقد أراك الدهر من ... تصريفه ما قد أراكا فإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل فأنت ذاكا ملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا فهذا الذي ترى من قلقي لما سمعت ورأيت. فقلت: خيراً رأيت يا أمير المؤمنين. فلم يلبث إلى أن خرج إلى الحج فمات لوجهه ذاك. وفي هذه السنة بويع للمهدي بالخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بمكة؛ صبيحة الليلة التي توفي فيها أبو جعفر المنصور وذلك يوم السبت لست ليالٍ خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، كذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر وغيرهما. وقال الواقدي: وبويع له ببغداد يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة. وأم المهدي أم موسى بنت المنصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميري. خلافة المهدي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ذكر الخبر عن صفة العقد الذي عقد للمهدي بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة ذكر علي بن محمد النوفلي أن أباه حدثه، قال: خرجت في السنة التي مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة؛ وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة، فلقيته بذات عرق ثم سرت معه، فكان كلما ركب عرضت له فسلمت عليه، وقد كان أدنف وأشفى على الموت، فلما صار ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكة، قضيت عمرتي، ثم كنت أختلف إلى أبي جعفر إلى مضربه، فأقيم فيه إلى قريب الزوال، ثم انصرف - وكذلك كان يفعل الهاشميون - وأقبلت علته تشتد وتزداد، فلما كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم؛ فصليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر، ثم ركبت في ثوبي متقلداً السيف عليهما، وأنا أساير محمد بن عون بن عبد الله بن الحارث - وكان من سادة بني هاشم ومشايخهم؛ وكان في ذلك اليوم عليه ثوبان موردان قد أحرم فيهما، متقلداً السيف عليهما - قال: وكان مشايخ بني هاشم يحبون أن يحرموا في المورد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول علي بن أبي طالب فيه. فلما صرنا بالأبطح لقينا العباس بن محمد ومحمد بن سليمان في خيل ورجال يدخلان مكة، فعدلنا إليهما، فسلمنا عليهما ثم مضينا، فقال لي محمد بن عون: ما ترى حال هذين ودخولهما مكة؟ قلت: أحسب الرجل قد مات؛ فأرادا أن يحصنا مكة؛ فكان ذلك كذلك، فبينا نحن نسير، إذا خفي الشخص في طمرين، ونحن بعد في غلس، قد جاء فدخل بين أعناق دابتينا، فقال: مات والله الرجل! ثم خفي عنا، فمضينا نحن حتى أتينا العسكر، فدخلنا السرادق الذي كنا نجلس فيه كل يوم؛ فإذا بموسى بن المهدي قد صدر عند عمود السرادق، وإذا القاسم بن منصور في ناحية السرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عرق، إذا ركب المنصور بعيره جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة، ويؤمر الناس أن يرفعوا القصص إليه - قال: فلما رأيته ناحية السرادق ورأيت موسى مصدراً، علمت أن المنصور قد مات. قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد، فجلس إلى جنبي، فصارت فخذه على فخذي، وجاء الناس حتى ملئوا السرادق، وفيهم ابن عياش المنتوف، فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا همساً من بكاء. فقال لي الحسن: أترى الرجل مات! قلت: لا أحسب ذلك؛ ولكن لعله ثقيل، أو إصابته غشية، فما راعنا إلا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور، قد خرج علينا مشقوق الأقبية من بين يديه ومن خلفه، وعلى رأسه التراب، فصاح: وا أمير المؤمنيناه! فما بقي في السرادق أحد إلا قام على رجليه، ثم أهووا نحو مضارب أبي جعفر يريدون الدخول، فمنعهم الخدم، ودفعوا في صدورهم. وقال بن عياش المنتوف: سبحان الله! أما شهدتم موت خليفة قط! اجلسوا رحمكم الله. فجلس الناس، وقام القاسم فشق ثيابه، ووضع التراب على رأسه، وموسى جالس على حاله. وكان صبياً رطباً ما يتحلحل. ثم خرج الربيع، وفي يده قرطاس، فألقى أسفله على الأرض، وتناول طرفه، ثم قرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين - ثم ألقى القرطاس من يده، وبكى وبكى الناس، فأخذ القرطاس، وقال: قد أمكنكم البكاء؛ ولكن هذا عهد أمير المؤمنين، لا بد من أن نقرأه عليكم، فأنصتوا رحمكم الله، فسكت الناس، ثم رجع إلى القراءة - أما بعد: فإني كتبت كتابي هذا وأنا حي في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله ألا يفتنكم بعدي، ولا يلبسكم شيعاً، ولا يذيق بعضكم بأس بعض. يا بني هاشم، ويا أهل خراسان...ثم أخذ في وصيتهم بالمهدي، وإذكارهم البيعة له، وحضهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب. قال النوفل: قال أبي: وكان هذا شيئاً وضعه الربيع؛ ثم نظر في وجوه الناس، فدنا من الهاشميين، فتناول يد الحسن بن زيد، فقال: قم يا أبا محمد، فبايع، فقام معه الحسن، فانتهى به الربيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يد موسى، ثم التفت إلى الناس، فقال: يا أيها الناس، إن أمير المؤمنين كان ضربني واصطفى مالي؛ فكلمه المهدي فرضي عني، وكلمه في رد مالي علي فأبى ذلك، فأخلفه المهدي من ماله وأضعفه مكان كل علق علقين، فمن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح مني! ثم بايع موسى للمهدي، ثم مسح على يده. ثم جاء الربيع بن عون، فقدمه للسن فبايع، ثم جاء الربيع إلي فأنهضني؛ فكنت الثالث؛ وبايع الناس؛ فلما فرغ دخل المضارب، فمكث هنيهة ثم خرج إلينا معشر الهاشميين، فقال: انهضوا، فنهضنا معه جميعاً، وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكة والمدينة ممن حضر الحج، فدخلنا فإذا نحن بالمنصور على سريره في أكفانه، مكشوف الوجه؛ فحملناه حتى أتينا به مكة ثلاثة أميال؛ فكأني أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله؛ فتحرك الريح، فتطير شعر صدغيه؛ وذلك أنه كان قد وفر شعره للحلق، وقد نصل خضابه؛ حتى أتينا به حفرته، فدليناه فيها. قال: وسمعت أبي يقول: كان أول شيء ارتفع به علي بن عيسى بن ماهان؛ أنه لما كان الليلة التي مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بيعة مجددة للمهدي - وكان القائم بذلك الربيع - فأبى عيسى بن موسى، فأقبل القواد الذين حضروا يقربون ويتباعدون؛ فنهض علي بن عيسى بن ماهان، فاستل سيفه، ثم جاء إليه، فقال: والله لتبايعن أو لأضربن عنقك! فلما رأى ذلك عيسى، بايع وبايع الناس بعده. وذكر عيسى بن محمد أن موسى بن هارون حدثه أن موسى بن المهدي والربيع مولى المنصور وجها منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيعة للمهدي. وبعثا بعد بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم وبردته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشروي، وبعث أبو العباس الطوسي بخاتم الخلافة مع منارة؛ ثم خرجوا من مكة، وسار عبد الله بن المسيب بن زهير بالحربة بين يدي صالح بن المنصور، على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور، فكسرها القاسم بن نصر بن مالك؛ وهو يومئذ على شرطة موسى بن المهدي، واندس علي بن عيسى بن ماهان لما كان في نفسه من أذى عيسى بن موسى، وما صنع به للراوندية، فأظهر الطعن والكلام في مسيرهم. وكان من رؤسائهم أبو خالد المروروزي، حتى كاد الأمر يعظم ويتفاقم، حتى لبس السلاح. وتحرك في ذلك محمد بن سلمان، وقام فيه وغيره من أهل بيته؛ إلا أن محمداً كان أحسنهم قياماً به حتى طفئ ذلك وسكن. وكتب به إلى المهدي،فكتب بعزل علي بن عيسى عن حرس موسى بن المهدي، وصير مكانه أبا حنيفة حري بن قيس، وهدأ أمر العسكر، وتقدم العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى المهدي، وسبق إليه العباس بن محمد. وقدم منارة على المهدي يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فسلم عليه بالخلافة، وعزاه، وأوصلوا الكتب إليه، وبايعه أهل مدينة السلام. وذكر الهيثم بن عدي عن الربيع، أن المنصور رأى في حجته التي مات فيها وهو بالعذيب - أو غيره من منازل طريق مكة - رؤيا - وكان الربي عديله - وفزع منها، وقال: يا ربيع ما أحيبني إلى ميتاً في وجهي هذا؛ وأنك تؤكد البيعة لأبي عبد الله المهدي، قال الربيع: فقلت له: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويبلغ أبو عبد الله محبتك في حياتك إن شاء الله. قال: وثقل عند ذلك وهو يقول: بادر بي إلى حرم ربي وأمنه، هارباً من ذنوبي وإسرافي عل نفسي؛ فلم يزل كذلك حتى بلغ بئر ميمون، فقلت له: هذه بئر ميمون، وقد دخلت الحرم، فقال: الحمد لله، وقضى من يومه. قال الربيع: فأمرت بالخيم فضربت، وبالفساطيط فهيئت، وعمدت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدراعة، وسندته، وألقيت في وجه كلة رقيقة يرى منها شخصه، ولا يفهم أمره، وأدنيت أهله من الكلة حيث لا يعلم بخبره، ويرى شخصه. ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي أوهمهم أنه يخاطبني، ثم خرجت فقلت: إن أمير المؤمنين مفيق بمن الله، وهو يقرأ عليكم السلام، ويقول: إني أحب أن يؤكد الله أمركم؛ ويكبت عدوكم، ويسر وليكم؛ وقد أحببت أن تجددوا بيعة أبي عبد الله المهدي؛ لئلا يطمع فيكم عدو ولا باغٍ، فقال القوم كلهم: وفق الله أمير المؤمنين؛ نحن إلى ذلك أسرع . قال: فدخل فوقف، ورجع إليهم، فقال: هلموا للبيعة، فبايع القوم كلهم؛ فلم يبق أحد من خاصته والأولياء ورؤساء من حضره إلا بايع المهدي، ثم دخل وخرج باكياً مشقوق الجيب لاطم رأسه، فقال بعض من حضر: ويلي عليك يا بن شاة! يريد الربيع - وكانت أمه ماتت وهي ترضعه فأرضعته شاة - قال: وحفر للمنصور مائة قبر، ودفن في كلها لئلا يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للناس، ودفن في غيرها للخوف عليه. وهكذا قبور خلفاء ولد العباس، لا يعرف لأحد منهم قبر. قال: فبلغ المهدي فلما قدم عليه الربيع قال: يا عبد؛ ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين أن فعلت ما فعلت به! وقال قوم أنه ضربه؛ ولم يصح ذلك. قال: وذكر من حضر حجة المنصور، قال: رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والناس معه؛ وإن موسى بن المهدي لقي تباعه، ثم رجع الناس وهم خلف موسى، وأن صالحاً معه. وذكر عن الأصمعي أنه قال: أول من نعى أبو جعفر المنصور بالبصرة خلف الأحمر، وذلك أنا كنا في حلقة يونس، فمر بنا فسلم علينا، فقال: قد طرقت ببكرها أم طبق قال يونس: وماذا؟ قال: تنتجوها خير أضخم العنق ... موت الإمام فلقة من الفلق وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، وكان المنصور - فيما ذكر - أوصى بذلك. وكان العامل في هذه السنة على مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، وعلى المدينة عبد الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمرو بن زهير الضبي أخو المسيب بن زهير - وقيل: كان العامل عليها إسماعيل بن أبي إسماعيل الثقفي. وقيل: إنه مولى لبني نصر من قيس - وعلى قضائها شريك بن عبد الله النخعي، وعلى ديوان خراجها ثابت بن موسى، وعلى خراسان حميد بن قحطبة، وعلى قضاء بغداد مع قضاء الكوفة شريك ابن عبد الله. وقيل: كان القاضي على بغداد يوم مات المنصور عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي وشريك بن عبد الله على قضاء الكوفة خاصة. وقيل: إن شريكاً كان إليه قضاء الكوفة، والصلاة بأهلها. وكان على الشرط ببغداد يوم مات المنصور - فيما ذكر - عمر بن عبد الرحمن أخو عبد الجبار بن عبد الرحمن. وقيل كان موسى بن كعب. وعلى ديوان خراج البصرة وأرضها عمارة بن حمزة. وعلى قضائها والصلاة عبيد الله بن الحسن العنبري، وعلى أحداثها سعيد بن دعلج. وأصاب الناس - فيما ذكر محمد بن عمر - في هذه السنة وباء شديد ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائة ذكر ما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة العباس بن محمد الصائفة فيها حتى بلغ أنقرة؛ وكان على مقدمة العباس الحسن الوصيف في الموالي، وكان المهدي ضم إليه جماعة من قواد أهل خراسان وغيرهم. وخرج المهدي فعسكر بالبردان وأقام فيه حتى أنفذ العباس بن محمد، ومن قطع عليه البعث معه، ولم يجعل للعباس على الحسن الوصيف ولاية في عزل ولا غيره، ففتح في غزاته هذه مدينة للروم ومطمورة معها، وانصرفوا سالمين لم يصب من المسلمين أحد. وهلك في هذه السنة حميد بن قحطبة، وهو عامل المهدي على خراسان، فولى المهدي مكانه أبا عون عبد الملك بن يزيد. وفيها ولي حمزة بن مالك سجستان، وولي جبرائيل بن يحيى سمرقند. وفيها بنى المهدي مسجد الرصافة. وفيها بنى حائطها، وحفر خندقها. وفيها عزل المهدي عبد الصمد بن علي عن المدينة؛ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن موجدة، واستعمل عليها مكانه محمد بن عبد الله الكثيري ثم عزله، واستعمل عليها مكانه عبيد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان الجمحي. وفيها وجه المهدي عبد الملك بن شهاب المسمعي في البحر إلى بلاد الهند، وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد، وأشخصهم معه، وأشخص معه من المطوعة الذين كانوا يلزمون المرابطات ألفاً وخمسمائة رجل، ووجه معه قائداً من أبناء أهل الشام يقال له ابن الحباب المدحجي في سبعمائة من أهل الشام، وخرج معه من مطوعة أهل البصرة بأموالهم ألف رجل، فيهم - فيما ذكر - الربيع بن صبيح، ومن الأسواريين والسبابجة أربعة آلاف رجل، فولى عبد الملك بن شهاب المنذر بن الجارودي الألف الرجل المطوعة من أهل البصرة، وولى ابنه غسان بن عبد الملك الألفي الرجل الذين من فرض البصرة، وولى عبد الواحد بن عبد الملك الألف والخمسمائة الرجل من مطوعة المرابطات، وأفرد يزيد بن الحباب في أصحابه فخرجوا، وكان المهدي وجه لتجهيزهم حتى شخصوا أبا القاسم محرز بن إبراهيم، فمضوا لوجههم؛ حتى أتوا مدينة باربد من بلاد الهند في سنة ستين ومائة. وفيها توفي معبد بن الخليل بالسند، وهو عامل المهدي عليها، فاستعمل مكانه روح بن حاتم بمشورة أبي عبيد الله وزيره. وفيها أمر المهدي بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل، ومن كان معروفاً بالسعي في الأرض بالفساد، أو من كان لأحد قبله مظلمة أو حق، فأطلقوا، فكان ممن أطلق من المطبق يعقوب بن داود مولى بني سليم، وكان معه في ذلك الحبس محبوساً الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وفيها حمل المهدي الحسن بن إبراهيم من المطبق الذي كان فيه محبوساً إلى نصير الوصيف فحبسه عنده. ذكر الخبر عن سبب تحول المهدي الحسن بن إبراهيم من المطبق إلى نصير ذكر أن السبب في ذلك، كان أن المهدي لما أمر بإطلاق أهل السجون. على ما ذكرت، وكان يعقوب بن داود محبوساً مع الحسن بن إبراهيم في موضع واحد، فأطلق يعقوب بن داود، ولم يطلق الحسن بن إبراهيم، ساء ظنه، وخاف على نفسه، فالتمس مخرجاً لنفسه وخلاصاً، فدس إلى بعض ثقاته، فحفر له سرباً من موضع مسامت للموضع الذي هو فيه محبوس، وكان يعقوب بن داود بعد أن أطلق يطيف بابن علاثة - وهو قاضي المهدي بمدينة السلام - ويلزمه، حتى أنس به، وبلغ يعقوب ما عزم عليه الحسن بن إبراهيم من الهرب، فأتى ابن علاثة، فأخبره أن عنده نصيحة للمهدي، وسأله إيصاله إلى أبي عبيد الله، فسأله عن تلك النصيحة، فأبى أن يخبره بها، وحذره فوتها، فانطلق ابن علاثة إلى أبي عبيد الله فأخبره خبر يعقوب وما جاء به ، فأمره بإدخاله عليه؛ فلما دخل عليه سأله إيصاله إلى المهدي، ليعلمه النصيحة التي له عنده، فأدخله عليه، فلما دخل على المهدي شكر له بلاءه عنده في إطلاقه إياه ومنه عليه، ثم أخبره أن له عنده نصيحة، فسأله عنها بمحضر من أبي عبيد الله وابن علاثة، فاستخلاه منهما، فأعلمه المهدي ثقته بهما، فأبى أن يبوح له بشيء حتى يقوما، فأقامهما وأخلاه، فأخبره خبر الحسن بن إبراهيم وما أجمع عليه، وأن ذلك كائن من ليلته المستقبلة، فوجه المهدي من يثق به ليأتيه بخبره، فأتاه بتحقيق ما أخبره به يعقوب، فأمر بتحويله إلى نصير، فلم يزل في حبسه إلى أن احتال واحتيل له، فخرج هارباً، وافتقد، فشاع خبره، فطلب فلم يظفر به، وتذكر المهدي دلالة يعقوب إياه كانت عليه، فرجا عنده من الدلالة عليه مثل الذي كان منه في أمره، فسأل أبا عبيد الله فأخبره أنه حاضر - وقد كان لزم أبا عبيد الله - فدعى به المهدي خالياً، فذكر له ما كان من فعله في الحسن بن إبراهيم أولاً، ونصحه له فيه، وأخبره بما حدث من أمره، فاخبره يعقوب أنه لا علم له بمكانه، وأنه إن أعطاه أماناً يثق به ضمن له أن يأتيه به، على أن يتم له على أمانه، ويصله ويحسن إليه. فأعطاه المهدي ذلك في مجلسه وضمنه له. فقال له يعقوب: فله يا أمير المؤمنين عن ذكره، ودع طلبه، فإن ذلك يوحشه، ودعني وإياه حتى أحتال فآتيك به؛ فأعطاه المهدي ذلك. وقال يعقوب: يا أمير المؤمنين، قد بسطت عدلك لرعيتك، وأنصفتهم، وعممتهم بخيرك وفضلك، فعظم رجاؤهم، وانفسحت آمالهم؛ وقد بقيت أشياء لو ذكرتها لك لم تدع النظر فيها بمثل ما فعلت في غيرها، وأشياء مع ذلك خلف بابك يعمل بها لا تعلمها، فإن جعلت لي السبيل إلى الدخول عليك، وأذنت لي في رفعها إليك فعلت. فأعطاه المهدي ذلك، وجعله إليه، وصير سليمان الخادم الأسود خادم المنصور سببه في إعلام المهدي بمكانه كلما أراد الدخول، فكان يعقوب يدخل على المهدي ليلاً، ويفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزاب، وفكاك الأسرى والمحبسين والقضاء على الغارمين، والصدقة على المتعففين، فحظى بذلك عنده، وبما رجى أن ينال به من الظفر بالحسن بن إبراهيم، واتخذه أخاً في الله، وأخرج بذلك توقيعاً، وأثبت في الدواوين، فتسبب مائة ألف درهم كانت أول صلة وصله بها، فلم تزل منزلته تنمى وتعلو صعداً، إلى أن صير الحسن بن إبراهيم في يد المهدي بعد ذلك؛ وإلى أن سقطت منزلته، وأمر المهدي بحبسه، فقال علي بن الخليل في ذلك: عجباً لتصريف الأمو ... ر مسرة وكراهيه والدهر يلعب بالرجا ... ل له دوائر جاريه رثت بيعقوب بن دا ... ود حبال معاويه وعدت على ابن علاثة ال ... قاضي بوائق عافيه قل للوزير أبي عبي ... د الله: هل لك باقيه! يعقوب ينظر في الأمو ... رو أنت تنظر ناحيه أدخلته فعلاً علي ... ك،كذاك شؤم الناصيه وفي هذه السنة عزل المهدي إسماعيل بن أبي إسماعيل عن الكوفة وأحداثها. واختلف فيمن ولي مكانه إسحاق بن الصباح الكندي ثم الأشعثي بمشورة شريك بن عبد الله قاضي الكوفة.وقال عمر بن شبة: ولى على الكوفة المهدي عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، فولى على شرطه ابن أخيه عثمان بن سعيد بن لقمان. ويقال: إن شريك بن عبد الله كان على الصلاة والقضاء، وعيسى على الأحداث ثم أفرد شريك بالولاية، فجعل على شرطه إسحاق بن الصباح الكندي، فقال بعض الشعراء: لست تعدو بأن تكون ولو نل ... ت سهيلاً صنيعةً لشريك قال: ويزعمون أن إسحاق لم يشكر لشريك، وأن شريكاً قال له: صلى وصام لدنيا كان يأملها ... فقد أصاب ولا صلى ولا صاما وذكر أن جعفر بن محمد قاضي الكوفة، قال: ضم المهدي إلى شريك الصلاة مع القضاء، وولى شرطه إسحاق بن الصباح، ثم ولى إسحاق بن الصباح الصلاة والأحداث بعد، ثم ولى إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل ابن محمد بن الأشعث الكوفة، فولى شرطه النعمان بن جعفر الكندي، فمات النعمان، فولى على شرطه أخاه يزيد بن جعفر. وفيها عزل المهدي عن أحداث البصرة سعيد بن دعلج، وعزل عن الصلاة والقضاء من أهلها عبيد الله بن الحسن، وولى مكانهما عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النمري، وكتب إلى عبد الملك يأمره بإنصاف من تظلم من أهل البصرة من سعيد بن دعلج، ثم صرفت الأحداث في هذه السنة عن عبد الملك بن أيوب إلى عمارة بن حمزة، فولاها عمارة رجلاً من أهل البصرة يقال له المسور بن عبد الله بن مسلم الباهلي، وأقر عبد الملك على الصلاة. وفيها عزل قثم بن العباس عن اليمامة عن سخطة، فوصل كتاب عزله إلى اليمامة، وقد توفي فاستعمل مكانه بشر بن المنذر البجلي. وفيها عزل يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه رجاء بن روح. وفيها عزل الهيثم بن سعيد عن الجزيرة، واستعمل عليها الفضل بن صالح. وفيها أعتق المهدي أم ولده الخيزران وتزوجها. وفيها تزوج المهدي أيضاً أم عبد الله بنت صالح بن علي، أخت الفضل وعبد ابني صالح لأمهما. وفيها وقع الحريق في ذي الحجة في السفن ببغداد عند قصر عيسى بن علي، فاحترق ناس كثير، واحترقت السفن بما فيها. وفيها عزل مطر مولى المنصور عن مصر، واستعمل مكانه أبو ضمرة محمد بن سليمان. وفيها كانت حركة من تحرك من بني هاشم وشيعتهم من أهل خراسان في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد، وتصيير ذلك لموسى بن المهدي؛ فلما تبين ذلك المهدي كتب - فيما ذكر - إلى عيسى بن موسى في القدوم عليه وهو بالكوفة، فأحس بالذي يراد به، فامتنع من القدوم عليه. وقال عمر: لما أفضى الآمر إلى المهدي سأل عيسى أن يخرج من الأمر فامتنع عليه، فأراد الإضرار به، فولى على الكوفة روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب، فولي على شرطه خالد بن يزيد بن حاتم؛ وكان المهدي يحب أن يحمل روح على عيسى بعض الحمل فيما لا يكون عليه به حجة، وكان لا يجد إلى ذلك سبيلاً، وكان عيسى قد خرج إلى ضيعة له بالرحبة؛ فكان لا يدخل الكوفة إلا في شهرين من السنة في شهر رمضان، فيشهد الجمع والعيد، ثم يرجع إلى ضيعته. وفي أول ذي الحجة، فإذا شهد العيد رجع إلى ضيعته، وكان إذا شهد الجمعة أقبل من داره على دوابه حتى ينتهي إلى أبواب المسجد فينزل على عتبة الأبواب، ثم يصلي في موضعه، فكتب روح إلى المهدي أن عيسى بن موسى لا يشهد الجمع، ولا يدخل الكوفة إلا في شهرين من السنة؛ فإذا حضر أقبل على دوابه حتى يدخل رحبة المسجد؛وهو مصلى الناس، ثم يتجاوزها إلى أبواب المسجد، فتروث دوابه في مصلى الناس؛ وليس يفعل ذلك غيره؛ فكتب إليه المهدي أن اتخذ على أفواه السكك التي تلي المسجد خشباً ينزل عنده الناس، فاتخذ روح ذلك الخشب في أفواه السكك - فذلك الموضع يسمى الخشبة - وبلغ ذلك عيسى بن موسى قبل يوم الجمعة، فأرسل إلى ورثة المختار بن أبى عبيدة - وكانت دار المختار لزيقة المسجد، فابتاعها وأثمن بها، ثم إنه عمرها واتخذ فيها حماماً، فكان إذا كان يوم الخميس أتاها وأقام بها، فإذا أراد الجمعة ركب حماراً فدب به إلى باب المسجد فصلى في ناحية، ثم رجع إلى داره. ثم أوطن الكوفة وأقام بها، وألح المهدي على عيسى فقال: إنك إن لم تجبني إلى أن تنخلع منها حتى أبايع لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك من العاصي، وإن أجبتني عوضتك منها ما هو أجدى عليك وأعجل نفعاً. فأجابه، فبايع لهما وأمر له بعشرة آلاف ألف درهم - ويقال عشرين ألف ألف - وقطائع كثيرة. وأما غير عمر فإنه فقال: كتب المهدي إلى عيسى بن موسى لما هم بخلعه يأمره بالقدوم عليه، فأحس بما يراد به، فامتنع من القدوم عليه، حتى خيف انتقاضه، فأنفذ إليه المهدي عمه العباس بن محمد، وكتب إليه كتاباً، وأوصاه بما أحب أن يبلغه، فقدم العباس على عيسى بكتاب المهدي ورسالته إليه، فانصرف إلى المهدي بجوابه في ذلك، فوجه إليه بعد قدوم العباس عليه محمد بن فروخ أبا هريرة القائد في ألف رجل من أصحابه من ذوي البصيرة في التشيع، وجعل مع كل رجل منهم طبلاً، وأمرهم أن يضربوا جميعاً بطبولهم عند قدومهم الكوفة، فدخلها ليلاً في وجه الصبح، فضرب أصحابه بطبولهم، فراع ذلك عيسى بن موسى روعاً شديداً، ثم دخل عليه أبو هريرة، فأمره بالشخوص، فاعتل بالشكوى، فلم يقبل ذلك منه، وأشخصه من ساعته إلى مدينة السلام. وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن منصور - خال المهدي - عند قدومه من اليمن؛ فحدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى؛ عن أبي معشر. كذلك قال محمد بن عمر الواقدي وغيره. وكان انصراف يزيد بن منصور من اليمن بكتاب المهدي إليه يأمره بالانصراف إليه وتوليته إياه الموسم وإعلامه اشتياقه إليه وإلى قربه. وكان أمير المدينة في هذه السنة عبيد الله بن صفوان الجمحي، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى، وعلى قضائها شريك بن عبد الله، وعلى صلاة البصرة عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري، وعلى أحداثها عمارة بن حمزة؛ وخليفته على ذلك المسور بن عبد الله بن مسلم الباهلي؛ وعلى قضائها عبيد الله بن حسن. وعلى كور دجلة وكور الأهواز وكور فارس عمارة بن حمزة. وعلى السند بسطام بن عمرو، وعلى اليمن رجاء بن روح. وعلى اليمامة بشر بن المنذر، وعلى خراسان أبو عون عبد الملك بن يزيد، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة. ثم دخلت سنة ستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خروج يوسف البرم فمن ذلك ما كان من خروج يوسف بن إبراهيم، وهو الذي يقال له يوسف البرم بخراسان منكراً هو ومن تبعه ممن كان على رأيه على المهدي - فيما زعم - الحال التي هو بها وسيرته التي يسير بها، واجتمع معه - فيما ذكر - بشر من الناس كثير، فتوجه إليه يزيد بن مزيد فلقيه، واقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد، وبعث به إلى المهدي، وبعث معه من وجوه أصحابه بعدة، فلما انتهى بهم إلى النهروان حمل يوسف البرمعلى بعير وقد حول وجهه إلى ذنب البعير وأصحابه على بعير، فأدخلوهم الرصافة على تلك الحال، فأدخلوه على المهدي، فأمر هرثمة بن أعين فقطع يدي يوسف ورجليه، وضرب عنقه وعنق أصحابه، وصلبهم على جسر دجلة الأعلى، مما يلي عسكر المهدي، وإنما أمر هرثمة بقتله؛ لأنه قتل أخاً لهرثمة بخراسان. ذكر خبر خلع عيسى بن موسى وبيعة موسى الهادي وفيها قدم عيسى بن موسى مع أبي هريرة يوم الخميس لست خلون من المحرم - فيما ذكر - الفضل بن سليمان فنزل داراً كانت لمحمد بن سليمان على شاطئ دجلة في عسكر المهدي، فأقام أياماً يختلف إلى المهدي، ويدخل مدخله الذي كان يدخله؛ لا يكلم بشيء، ولا يرى جفوة ولا مكروهاً ولا تقصيراً به؛ حتى أنس به بعض الأنس، ثم حضر الدار يوماً قبل جلوس المهدي، فدخل مجلسا كان يكون للربيع في مقصورة صغيرة، وعليها باب، وقد أجتمع رؤساء الشيعة في ذلك اليوم على خلعه والوثوب عليه؛ ففعلوا ذلك وهو في المقصورة التي فيها مجلس الربيع، فأغلق دونهم المقصورة، فضربوا الباب بجرزهم، فهشموا الباب، وكادوا يكسرونه، وشتموه أقبح الشتم، وحصروه هنالك، وأظهر المهدي إنكاراً لما فعلوا، فلم يردعهم ذلك عن فعلهم، بل شدوا في أمره، وكانوا بذلك هو وهم أياماً، إلى أن كاشفه ذوو الأسنان من أهل بيته بحضرة المهدي، فأبوا إلا خلعه، وشتموه في وجهه؛ وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان. فلما رأى المهدي ذلك من رأيهم وكراهتهم لعيسى وولايته؛ دعاهم إلى العهد لموسى، فصار إلى رأيهم وموافقتهم، وألح على عيسى في إجابته إياهم إلى الخروج مما له من العهد في أعناق الناس وتحليلهم منه؛ فأبى؛ وذكر أن عليه أيماناً محرجة في ماله وأهله؛ فأحضر له من الفقهاء والقضاة عدة، منهم محمد بن عبد الله بن علاثة والزنجي بن خالد المكي وغيرهما؛ فأتوه بما رأوا، وصار إلى المهدي ابتياع ماله من البيعة في أعناق الناس بما يكون له فيه رضاً وعوض؛مما يخرج له من ماله لما يلزمه من الحنث في يمينه؛ وهو عشرة آلاف ألف درهم، وضياع بالزاب الأعلى وكسكر. فقبل عيسى، وبقي منذ فاوضه المهدي على الخلع إلى أن أجاب محتسباً عنده في دار الديوان من الرصافة إلى أن صار إلى الرضى بالخلع والتسليم، وإلى أن خلع يوم الأربعاء لأربع بقين من المحرم بعد صلاة العصر، فبايع للمهدي ولموسى من بعده من الغد يوم الخميس لثلاث بقين من المحرم لارتفاع النهار. ثم أذن المهدي لأهل بيته، وهو في قبة كان محمد بن سليمان أهداها له مضروبة في صحن الأبواب، ثم أخذ بيعتهم رجلاً رجلاً لنفسه ولموسى بن المهدي من بعده، حتى أتى إلى آخرهم. ثم خرج إلى مسجد الجماعة بالرصافة فقعد على المنبر، وصعد موسى حتى كأنه دونه. وقال عيسى على أول عتبة المنبر، فحمد الله المهدي وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بما بما أجمع عليه أهل بيته وشيعته وقواده وأنصاره وغيرهم من أهل خراسان من خلع عيسى بن موسى وتصيير الأمر الذي كان عقد له في أعناق الناس لموسى بن أمير المؤمنين؛ لاختيارهم له ورضاهم به؛ وما رأى من إجاباتهم إلى ذلك؛ لما رجا مصلحتهم وألفتهم، وخاف مخالفتهم في نياتهم واختلاف كلمتهم، وأن عيسى قد خلع تقدمه، وحللهم مما كان له من البيعة في أعناقهم، وأن ما كان له من ذلك فقد صار لموسى بن أمير المؤمنين، بعقد من أمير المؤمنين وأهل بيته وشيعته في ذلك؛ وأن موسى عامل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأحسن السيرة وأعدلها،فبايعوا معشر من حضر، وسارعوا إلى ما سارع إليه غيركم؛ فإن الخير كله في الجماعة، والشر كله في الفرقة. وأنا أسأل الله لنا ولكم التوفيق برحمته، والعمل بطاعته وما يرضيه، وأستغفر الله لي ولكم. وجلس موسى دونه معتزلاً للمنبر؛ لئلا يحول بينه وبين من صعد إليه، يبايعه ويمسح على يده، ولا يستر وجهه، وثبت عيسى قائماً في مكانه، وقرئ عليه كتاب ذكر الخلع له، وخروجه مما كان غليه من ولاية العهد وتحليله الجماعة من كان له في عنقه بيعة، مما عقدوا له في أعناقهم؛ وإن ذلك من فعله وهو طائع غير مكره، راض غير ساخط، محب غير مجبر. فأقر عيسى بذلك، ثم صعد فبايع المهدي، ومسح على يده، ثم انصرف، وبايع أهل بيت المهدي على أسنانهم؛ يبايعون المهدي ثم موسى، ويمسحون على أيديهما؛ حتى فرغ آخرهم؛ وفعل من أحضر من أصحابه ووجوه القواد والشيعة مثل ذلك، ثم نزل المهدي، فصار إلى منزله، ووكل ببيعته من بقي من الخاصة والعامة خاله يزيد بن منصور، فتولى ذلك حتى فرغ من جميع الناس، ووفى المهدي لعيسى بما أعطاه وأرضاه مما خلعه منه من ولاية العهد، وكتب عليه بخلعه إياه كتاباً أشهد عليه فيه جماعة أهل بيته وصحابته وجميع شيعته وكتابه وجنده في الدواوين؛ ليكون حجة على عيسى، وقطعاً لقوله ودعواه فيما خرج منه. وهذه نسخة الشرط الذي كتبه عيسى على نفسه: " بسم الله الرحمن الرحيم " . هذا كتاب لعبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين ولولي عهد المؤمنين موسى بن المهدي، ولأهل بيته وجميع قواده وجنوده من أهل خراسان وعامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ حيث كان كائن منهم، كتبته للمهدي محمد أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين موسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي؛ فيما جعل إليه من العهد إذ كان إلي، حتى اجتمعت كلمة المسلمين، واتسق أمرهم، وائتلفت أهواؤهم، على الرضى بولاية موسى بن المهدي محمد أمير المؤمنين، وعرفت الخط في ذلك علي والخط فيه لي، ودخلت فيما دخل المسلمون من الرضا بموسى بن أمير المؤمنين، والبيعة له، والخروج مما كان لي في رقابهم من البيعة، وجعلتكم في حل من ذلك وسعة، من غير حرج يدخل عليكم، أو على أحد من جماعتكم وعامة المسلمين، وليس في شيء من ذلك، قديم ولا حديث لي دعوى ولا طلبة ولا حجة ولا مقالة ولا طاعة على أحد منكم، ولا على عامة المسلمين ولا بيعة في حياة المهدي محمد أمير المؤمنين ولا بعده ولا بعد ولي عهد المسلمين موسى، ولا ما كنت حياً حتى أموت. وقد بايعت محمد المهدي أمير المؤمنين ولموسى ابن أمير المؤمنين من بعده، وجعلت لهما ولعامة المسلمين من أهل خراسان وغيرهم الوفاء بما شرطت على نفسي في هذا الأمر الذي خرجت منه، والتمام عليه. علي بذلك عهد الله وما اعتقد أحد من خلقه من عهد أو ميثاق أو تغليظ أو تأكيد على السمع والطاعة والنصيحة للمهدي محمد أمير المؤمنين وولي عهده موسى بن أمير المؤمنين، في السر والعلانية، والقول والفعل، والنية والشدة والرجاء والسراء والضراء والموالاة لهمل ولمن والاهما، والمعاداة لمن عاداهما، كائناً من كان في هذا الأمر الذي خرجت منه. فإن أنا نكبت أو غيرت أو بدلت أو دغلت أو نويت غير ما أعطيت عليه هذه الأيمان، أو دعوت إلى خلاف شيء مما حملت على نفسي في هذا الكتاب للمهدي محمد أمير المؤمنين ولولي عهده موسى بن أمير المؤمنين ولعامة المسلمين، أو لم أف بذلك؛ فكل زوجة عندي يوم كتبت هذا الكتاب - أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة - طالق ثلاثاً البتة طلاق الحرج وكل مملوك عندي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وكل مالٍ لي نقد أو عرض أو قرض أو أرض، أو قليل أو كثير، تالد أو طارف أو أستفيده فيما بعد اليوم إلى ثلاثين سنة صدقة على المساكين، يضع ذلك الوالي حيث يرى، وعلي من مدينة السلام المشي حافياً إلى بيت الله العتيق الذي بمكة نذراً واجباً ثلاثين سنة، لا كفارة لي ولا مخرج منه؛ إلا الوفاء به. والله على الوفاء بذلك راع كفيل شهيد، وكفى بالله شهيداً. وشهيد على عيسى بن موسى بما في هذا الشرط أربعمائة وثلاثون من بني هاشم ومن الموالي والصحابة من قريش والوزراء والكتاب والقضاة. وكتب في صفر سنة ستين ومائة. وختم عيسى بن موسى. فقال بعض الشعراء: كره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاء وكرم خلع الملك وأضحى ملبساً ... ثوب لوم ما ترى منه القدم وفي سنة ستين ومائة وافى عبد الملك بن شهاب المسمعي مدينة باربد بمن توجه معه من المطوعة وغيرهم، فناهضوها بعد قدومهم بيوم، وأقاموا عليها يومين، فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة، وتحاشد الناس وحض بعضهم بعض بالقرآن والتذكير، ففتحها الله عليهم عنوة، ودخلت خيلهم من كل ناحية؛ حتى ألجئوهم إلى بدهم، فأشعلوا فيها النيران والنفط، فاحترق منهم من احترق، وجاهد بعضهم المسلمين، فقتلهم الله أجمعين، واستشهد من المسلمين بضعة وعشرون رجلاً، وأفاءها الله عليهم. وهاج البحر فلم يقدروا على ركوبه والانصراف، فأقاموا إلى أن يطيب، فأصابهم في أفواههم داء يقال له حمام قر، فمات نحو من ألف رجل، منهم الربيع بن صبيح. ثم انصرفوا لما أمكنهم الانصراف حتى بلغوا ساحلاً من فارس، يقال له بحر حمران، فعصفت عليهم فيه الريح ليلاً، فكسرت عامة مراكبهم، فغرق منهم بعض ونجا بعض، وقدموا معهم بسبي من سبيهم - فيهم بنت ملك باربد - على محمد بن سليمان، وهو يومئذ والي البصرة. وفيها صير أبان بن صدقة كاتباً لهارون بن المهدي ووزيراً له. وفيها عزل أبو عون عن خراسان عن سخطة، وولي مكانه معاذ بن مسلم. وفيها غزا ثمامة بن الوليد العبسي الصائفة. وفيها غزا الغمر بن العباس الخثعمي بحر الشام ذكر خبر رد نسب آل بكرة وآل زياد وفيها رد المهدي آل بكرة من نسبهم في ثقيف إلى ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكان يبب ذلك أن رجلاً من آل أبي بكرة رفع ظلامة إلى المهدي وتقرب إليه فيها بولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المهدي: إن هذا نسب واعتزاء، ما تقرون به إلا عند حاجة تعرض لكم،وعند اضطراركم إلى التقرب به إلينا. فقال الحكم: يا أمير المؤمنين، من جحد ذلك فإنا سنقر؛ أنا أسألك أن تردني ومعشر آل أبي بكرة إلى نسبنا من ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأمر بآل زياد بن عبيد فيخرجوا من نسبهم الذي ألحقهم به معاوية رغبة عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، فيردوا إلي نسبهم من عبيد في موالي ثقيف. فأمر المهدي في آل بكرة وآل زياد أن يرد كل فريق منهم إلى نسبه، وكتب إلى محمد بن سليمان كتاباً، وأمره أن يقرأ في مسجد الجماعة على الناس، وأن يرد آل أبي بكرة إلى ولائهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبهم إلى نفيع ابن مسروح، وأن يرد على من أقر منهم ما أمر برده عليهم من أموالهم بالبصرة مع نظرائهم،ممن أمر برد ماله عليه،وألا يرد على من أنكر منهم، وأن يجعل الممتحن منهم والمستبرئ لما عندهم الحكم بن سمرقند. فأنفذ محمد ما أتاه في آل أبي بكرة إلا في أناس منهم غيب عنهم. وأما آل زياد فإنه مما قوي رأي المهدي فيهم - فيما ذكر على بن سليمان - أن أباه حدثه، قال: حضرت المهدي وهو ينظر في المظالم إذ قدم عليه رجل من آل زياد يقال له الصغدي بن سلم بن حرب،فقال له: من أنت؟ قال: ابن عمك، قال: أي ابن عمي أنت؟ فانتسب إلى زياد، فقال له المهدي: يا ابن سمية الزانية، متى كنت ابن عمي! وغضب وأمر به فوجئ في عنقه، وأخرج، قال: فلما خرجت لحقني عيسى بن موسى - أو موسى بن عيسى - فقال: أردت والله أن أبعث إليك، أن أمير المؤمنين التفت إلينا بعد خروجك، فقال: من عنده علم من آل زياد؟ فو الله ما كان عند أحد منا من ذاك شيء، فما عندك يا أبا عبد الله؟ فما زلت أحدثه في زياد وآل زياد حتى صرنا إلى منزله بباب المحول، فقال: أسألك بالله والرحم لما كتبت لي هذا كله حتى أروح به إلى أمير المؤمنين، وأخبره عنك. فانصرفت فكتبت ، وبعثت به إليه. فراح إلى المهدي، فأخبره، فأمر المهدي بالكتاب إلى هارون الرشيد؛ وكان والي البصرة من قبله يأمره أن يكتب إلى واليها يأمر أن يخرج آل زياد من قريش وديوانهم والعرب، وأن يعرض ولد أبي بكرة على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أقر منهم ترك ماله في يده، ومن انتمى إلى ثقيف اصطفى ماله. فعرضهم، فأقروا جميعاً الولاء، إلا ثلاثة نفر، فاصطفيت أموالهم. ثم إن آل زياد بعد ذلك رشوا صاحب الديوان حتى ردهم إلى ما كانوا عليه، فقال خالد النجار في ذلك: إن زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب ذا قرشي كما يقول، وذامولى، وهذا بزعمه عربي نسخة كتاب المهدي إلى والي البصرة في رد آل زياد إلى نسبهم بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإن أحق ما حمل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصهم وعوامهم في أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما في كتاب الله والاتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصبر على ذلك، والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم؛ للذي فيه من إقامة حدود الله ومعرفة حقوقه، واتباع مرضاته، وإحراز جزائه وحسن ثوابه، ولما في مخالفة ذلك والصدود عنه وغلبة الهوى لغيره من الضلال والخسار في الدنيا والآخرة. وقد كان من رأي معاوية بن أبي سفيان في استلحاقه زياد بن عبيد عبد آل علاج من ثقيف، وادعائه ما أباه بعد معاوية عامة المسلمين وكثير من منهم في زمانه، لعلمهم بزياد وأبي زياد وأمه من أهل الرضا والفضل والورع والعلم، ولم يدع معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتباع سنة هادية، ولا قدوة من أئمة الحق ماضية، إلا الرغبة في هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسنة. والعجب بزياد في جلده ونفاذه، وما رجامن معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه في سيرته وأثاره وإعماله الخبيثة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، وقد قال: " من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه لا صرفاً ولا عدلا " . ولعمري ما ولد زياد في حجر أبي سفيان ولا على فراشه، ولا كان عبيد عبداً لأبي سفيان، ولا سمية أمة له، ولا كانا في ملكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب. ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نصر بن الحجاج بن علاط السلمي ومن كان معه من موالي بني المغيرة المخزوميين وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعد لهم معاوية حجراً تحت بعض فرشه فألقاه إليهم، فقالوا له: نسوغ لك ما فعلت في زياد، ولا تسوغ لنا ما فعلنا في صاحبنا، فقال: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لكم من قضاء معاوية. فخالف معاوية بقضائه في زياد واستلحاقه إياه وما صنع فيه وأقدم عليه، أمر الله جل وعز وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع في ذلك هواه رغبة عن الحق ومجانبة له، وقد قال الله عز وجل: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين " ، وقال لداود صلى الله عليه وسلم وقد آتاه الحكم والنبوة والمال والخلافة: " يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض... " الآية إلى آخرها. فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينه، وأن يعيذه من غلبة الهوى، ويوفقه في جميع الأمور لما يحب ويرضى؛ إنه سميع قريب. وقد رأى أمير المؤمنين أن يرد زياداً ومن كان من ولده إلى أمهم ونسبهم المعروف ويلحقهم بأبيهم عبيد؛ وأمهم سمية، ويتبع في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان أمير المؤمنين أحق من أخذ بذلك وعمل به؛ لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه آثاره وإحيائه سنة، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جل وعز: " فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون " . فاعلم أن ذلك من رأي أمير المؤمنين في زياد، وما كان من ولد زياد فألحقهم بأبيهم زياد بن عبيد، وأمهم سمية، واحملهم عليه، وأظهره لمن قبلك من المسلمين حتى يعرفوه ويستقيم فيهم؛ فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضي البصرة وصاحب ديوانهم بذلك. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب معاوية بن عبيد الله في سنة تسع وخمسين ومائة. فلما وصل الكتاب إلى محمد بن سليمان وقع بإنقاذه،ثم كلم فيهم، فكف عنهم؛ وقد كان كتب إلى عبد الملك بن أيوب بن ظبيان النميري بمثل ما كتب به إلى محمد، فلم ينفذه لموضعه من قيس، وكراهته أن يخرج أحد من قومه إلى غيرهم. وفيها كانت وفاة عبيد الله بن صفوان الجمحي، وهو والٍ على المدينة، فولى مكانه محمد بن عبد الله الكثيري، فلم يلبث إلا يسيراً حتى عزل وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي. وولى المهدي قضاء المدينة فيها عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي. وفيها خرج عبد السلام الخارجي، فقتل. وفيها عزل بسطام بن عمرو بن السند، واستعمل عليها روح بن حاتم. وحج بالناس في هذه السنة المهدي، واستخلف على مدينته حين شخص عنها ابنه موسى، وخلف معه يزيد بن منصور خال المهدي وزيراً له ومدبراً لأمره. وشخص مع المهدي في هذه السنة ابنه هارون وجماعة من أهل بيته؛ وكان ممن شخص معه يعقوب بن داود، على منزلته التي كانت له عنده؛ فأتاه حين وافى مكة الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الذي استأمن له يعقوب من المهدي على أمانه، فأحسن المهدي صلته وجائزته، وأقطعه مالاً من الصوافي بالحجاز وفيها نزع المهدي كسوة الكعبة التي كانت عليها، وكساها كسوة جديدة؛ وذلك أن حجبة الكعبة - فيما ذكر - رفعوا إليه أنهم يخافون على الكعبة تهدم لكثرة ما عليها من الكسوة، فأمر أن يكشف عنها ما عليها من الكسوة حتى بقيت مجردة، ثم طلي البيت كله بالخلوق، وذكر أنهم لما بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها ديباجاً ثخيناً جيداً، ووجدوا كسوة من كان قبله عامتها من متاع اليمن. وقسم المهدي في هذه السنة بمكة في أهلها - فيما ذكر - مالاً عظيماً، وفي أهل المدينة كذلك؛ فذكر أنه نظر فيما قسم في تلك السفرة فوجد ثلاثين ألف ألف درهم، حملت معه، ووصلت إليه من مصر ثلثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فقسم ذلك كله. وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بنزع المقصورة التي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فنزعت، وأراد أن ينقص منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعيده إلى ما كان عليه، ويلقي منه ما كان معاوية زاد فيه؛ فذكر عن مالك بن أنس أنه شاور في ذلك، فقيل له: إن المسامير قد سلكت في الخشب الذي أحدثه معاوية، وفي الخشب الأول وهو عتيق، فلا نأمن إن خرجت المسامير التي فيه وزعزعت أن يتكسر، فتركه المهدي. وأمر أيام مقامه بالمدينة بإثبات خمسمائة رجل من الأنصار ليكونوا معه حرساً له بالعراق وأنصاراً، وأجرى عليهم أرزاقاً سوى أعطياتهم، وأقطعهم عند قدومهم معه ببغداد قطيعة تعرف بهم. وتزوج في مقامه بها برقية بنت عمرو العثمانية. وفي هذه السنة حمل محمد بن سليمان الثلج للمهدي، حتى وافى به مكة، فكان المهدي أول من حمل له الثلج إلى مكة من الخلفاء. وفيها رد المهدي على أهل بيته وغيرهم قطائعهم التي كانت مقبوضة عنهم. وكان على صلاة الكوفة وأحداثها في هذه السنة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى قضائها شريك. وعلى البصرة وأحداثها وأعمالها المفردة وكور دجلة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس محمد بن سليمان. وكان على قضاء البصرة فيها عبيد الله بن الحسن. وعلى خراسان معاذ بن مسلم، وعلى الجزيرة الفضل بن صالح، وعلى السند روح بن حاتم. وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضمرة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان من ذلك خروج حكيم القنع بخراسان من قرية من قرى مرو، وكان - فيما ذكر - يقول بتناسخ الأرواح، يعود ذلك إلى نفسه، فاستغوى بشراً كثيراً، وقوي وصار إلى ما وراء النهر، فوجه المهدي لقتاله عدة من قواده؛ فيهم معاذ بن مسلم، وهو يومئذ على خراسان، ومعه عقبة بن مسلم وجبرئيل بن يحيى وليث مولى المهدي، ثم أفرد المهدي لمحاربته سعيداً الحرشي، وضم إليه القواد؛ وابتدأ المقنع بجمع الطعام عدة للحصار في قلعة بكش.وفيها ظفر نصر بن محمد بن الأشعث الخزاعي بعبد الله بن مروان بالشام؛ فقدم به على المهدي قبل أن يوليه السند، فحبسه المهدي في المطبق؛ فذكر أبو الخطاب أن المهدي أتى بعبد الله بن مروان بن محمد - وكان يكنى أبا الحكم - فجلس المهدي مجلساً عاماً في الرصافة، فقال: من يعرف هذا؟ فقام عبد العزيز بن مسلم العقيلي، فصار معه قائماً، ثم قال له: أبو الحكم؟ قال: نعم ابن أمير المؤمنين، قال: كيف كنت بعدي؟ ثم التفت إلى المهدي، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هذا عبد الله بن مروان. فعجب الناس من جرأته، ولم يعرض له المهدي بشيء. قال: ولما حبس المهدي عبد الله بن مروان احتيل عليه، فجاء عمرو بن سهلة الأشعري فادعى أن عبد الله بن مروان قتل أباه؛ كذب والله ما قتل أباه غيري؛ أنا قتلته بأمر مروان، وعبد الله بن مروان من دمه بريء. فزالت عن عبد الله بن مروان ولم يعرض المهدي لعبد العزيز بن مسلم لأنه قتله بأمر مروان. وفيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل دابق، وجاشت الروم وهو مغتر، فأتت طلائعه وعيونه بذلك، فلم يحفل بما جاءوا به، وخرج إلى الروم، وعليها ميخائيل بسرعان الناس، فأصيب من المسلمين عدة، وكان عيسى بن علي مرابطاً بحصن مرعش يومئذ، فلم يكن للمسلمين في ذلك العام صائفة من أجل ذلك. وفيها أمر المهدي ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي كان أبو العباس بناها من القادسية إلى زبالة، وأمر بالزيادة في قصور أبي العباس، وترك منازل أبي جعفر التي كان بناها على حالها، وأمر باتخاذ المصانع في كل منهل، وبتجديد الأميال والبرك، وحفر الركايا مع المصانع، وولي ذلك يقطين بن موسى، فلم يزل ذلك إليه إلى سنة إحدى وسبعين ومائة، وكان خليفة يقطين في ذلك أخوه أبو موسى. وفيها أمر المهدي بالزيادة في مسجد الجامع بالبصرة، فزيد فيه من مقدمة مما يلي القبلة، وعن يمينه مما يلي رحبة بني سليم، وولى بناء ذلك محمد بن سليمان وهو يومئذٍ والي البصرة وفيها أمر المهدي بنزع المقاصير من مساجد الجماعات وتقصير المنابر وتصييرها إلى المقدار الذي عليه منبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتب بذلك إلى الآفاق فعمل به.وفيها أمر المهدي يعقوب بن داود بتوجيه الأمناء في جميع الآفاق، فعمل به، فكان لا ينفذ للمهدي كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب بن داود إلى أمينه وثقته بإنفاذ ذلك.وفيها اتضعت منزلة أبي عبيد الله وزير المهدي، وضم يعقوب إليه من متفقه البصرة وأهل الكوفة وأهل الشام عدداً كثيراً، وجعل رئيس البصريين والقائم بأمرهم إسماعيل بن علية الأسدي ومحمد بن ميمون العنبري، وجعل رئيس أهل الكوفة وأهل الشام عبد الأعلى بن موسى الحلبي. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ ذكر السبب الذي من أجلهتغيرت منزلة أبي عبيد الله عند المهدي قد ذكرنا سبب اتصاله به الذي كان قبل في أيام المنصور وضم المنصور إياه إلى المهدي حين وجهه إلى الري عند خلع عبد الرحمن المنصور، فذكر أبو زيد عمر بن شبة، أن سعيد بن إبراهيم حدثه أن جعفر بن يحيى حدثه أن الفضل بن ربيع أخبره، أن الموالي كانوا يشنعون على أبي عبيد الله عند المهدي، ويسعون عليه عنده؛ فكانت كتب أبي عبيد الله تنفذ عند المنصور بما يريد من الأمور، وتتخلى الموالي بالمهدي؛ فيبلغونه عن أبي عبيد الله، ويحرضونه عليه. قال الفضل: وكانت كتب أبي عبيد الله تصل إلى أبي تترى، يشكو الموالي وما يلقى منهم، ولا يزال يذكره عند المنصور ويخبره بقيامه، ويستخرج الكتب عنه إلى المهدي بالوصاة به، وترك القبول فيه. قال: فلما رأى أبو عبيد الله غلبة الموالي على المهدي، وخلوتهم به نظر إلى أربعة رجال من قبائل شتى من أهل الأدب والعلم، فضمهم إلى المهدي، فكانوا في صحابته، فلم يكونوا يدعون الموالي يتخلون به. ثم إن أبا عبيد الله كلم المهدي في بعض أمره إذ اعترض رجل من هؤلاء الأربعة في الأمر الذي تكلم فيه، فسكت عنه أبو عبيد الله، فلم يراده، وخرج فأمر أن يحجب عن المهدي فحجبه عنه؛ وبلغ ذلك من أخبره أبي. قال: وحج أبي مع المنصور في السنة التي مات فيها، وقام أبي من أمر المهدي بما قام به من أمر البيعة وتجديدها على بيت المنصور والقواد والموالي؛ فلما قدم تلقيته بعد المغرب، فلم أزل معه حتى تجاوز منزله، وترك دار المهدي، ومضى إلى أبي عبيد الله، فقال: يا بني؛ هو صاحب الرجل؛ وليس ينبغي أن نعامله على ما كنا نعامله عليه؛ ولا أن نحاسبه بما كان منا في أمره من نصرتنا له. قال: فمضينا حتى أتينا باب أبي عبيد الله؛ فما زال واقفاً حتى صليت العتمة، فخرج الحاجب،فقال: ادخل، فثنى رجله وثنيت رجلي. قال: إنما استأذنت لك يا أبا الفضل وحدك.قال: اذهب فأخبره أن الفضل معي. قال: ثم أقبل علي، فقال: وهذا أيضاً من لك! قال: فخرج الحاجب، فأذن لنا جميعاً، فدخلن أنا وأبي وأبو عبيد الله في صدر المجلس، على مصل متكئ على وسادة،فقلت: يقوم إلى أبي إذا دخل إليه، فلم يقم إليه، فقلت: يستوي جالساً إذا دنا، فلم يعلم،فقلت: يدعو له بمصلى، فلم يفعل، فقعد أبي بين يديه على البساط وهو متكئ، فجعل يسائله عن مسيره وسفره وحاله، وجعل أبي يتوقع أن يسأله عما كان منه في أمر المهدي وتجديد بيعته، فأعرض عن ذلك، فذهب أبي يبتدئه بذكره، فقال: قد بلغنا نبؤكم ، قال: فذهب أبي لينهض، فقال: لا أرى الدروب إلا وقد غلقت، فلو أقمت! قال: فقال أبي : إن الدروب لا تغلق دوني، قال: بلى قد أغلقت. قال: فظن أبي أنه يريد أن يحتبسه ليسكن من مسيره ، ويريد أن يسأله؛ قال: فأقيم. قال: يا فلان، اذهب فهيئ لأبي الفضل في منزل محمد بن أبي عبيد الله مبيتاً.فلما رأى انه يريد أن يخرج من الدار،قال: فليس تفلق دروبي دوني فاعتزم. ثم قام، فلما خرجنا من الدار أقبل علي فقال: يا بني،أنت أحمق ، قلت: وما حمقي أنا! قال: تقول لي: كان ينبغي لك ألا تجيئ، وكان ينبغي إذا جئت فحجبنا ألا تقيم حتى صليت العتمة، وان تنصرف ولا تدخل؛ وكان ينبغي إذا دخلت فلم يقم إليك أن ترجع ولا تقيم عليه؛ ولم يكن الصواب إلا ما عملت كله؛ ولكن والله الذي لا إله إلا هو - وأستغلق في اليمين - لأخلعن جاهي ، ولأنفقن مالي حتى أبلغ من عبيد الله. قال: ثم جعل يضرب بجهده، فلا يجد مساغاً إلى مكروهه، ويحنال الجد إذا ذكر القشيري الذي كان أبو عبيد الله حجره، فأرسل إليه فجائه، فقال: إنك قد عملت ما ركبك به أبو عبيد الله،و بلغ مني كل غاية من المكروه، وقد أرغت أمره بجهدي؛ فما وجدت عليه طريقاً، فعندك حيلة في أمره؟ فقال: إنما يؤتى أبو عبيد الله من أحد وجوه أذكرها لك... يقال:هو رجل جاهل بصناعته وأبو عبيد الله أحدق الناس، أو يقال:هو ظنين في الدين بتقليده، وأبو عبيد الله أعف الناس؛ لو كان بنات المهدي في حجره لكان لهم موضع،أو يقال: هو يميل إلى أن يخالف السلطان فيس يؤتى أبو عبيد الله من ذلك، إلا أنه يميل إلى القدر بعض الميل؛ وليس يتسلق عليه بذلك أن يقول: هو متهم؛ ولكن هذا كله مجتمع لكفي ابن؛ قال: فتناول الربيع، فقبل بين عينيه، ثم دب لابن أبي عبيد الله؛ فوالله ما زال يحتال ويدس إلى المهدي ويتهمه ببعض حرم المهدي؛ حتى استحكم عند المهدي الظنة بمحمد بن أبي عبيد الله، فأمر فأحضر، و أخرج أبو عبيد الله.فقال: يا محمد اقرأ، فذهب ليقرأ، فاستعجم عليه القرآن، فقال: يا معاوية ألم تعلمني أن ابنك جامع للقرآن؟ قال: أخبرتك يا أمير المؤمنين، ولكن فارقني منذ سنين؛ وفي هذه المدة التي نأى فيها عني نسي القرآن، قال: قم فتقرب إلى الله في دمه، فذهب ليقوم فوقع،فقال العباس بن محمد: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تعفي الشيخ! قال: ففعل، وأمر به فأخرج، فضربت عنقه قال: فاتهمه المهدي في نفسه، فقال له الربيع: قتلت ابنه، وليس ينبغي أن يكون معك، ولا أن تثق به فأوحش المهدي ، وكان الذي كان من أمره وبلغ الربيع ما أراد، واشتفى وزاد. وذكر محمد بن عبد الله يعقوب بن داود، قال: أخبرني أبي، قال: ضرب المهدي رجلاً من الأشعريين، فأوجعه، فتعصب أبو عبيد الله - وكان مولى لهم،فقال: القتل أحسن من هذا يا أمير المؤمنين، فقال له المهدي: يا يهودي،اخرج من عسكري لعنك الله. قال: مت أدري إلى أين أخرج إلا إلى النار! قال: قلت: يا أمير المؤمنين،أحر بهذا أن لمثلها يتوقع، قال: فقال لي: سبحان الله يا أبا عبيد الله! وفيها غزا الغمر بن العباس في البحر. وفيها ولى نصر بن محمد بن الأشعث السند مكان روح بن حاتم، وشخص إليها حتى قدمها ثم عزل، وولي مكانه محمد بن سليمان، فوجه إليها عبد الملك ابن شهاب المسمعي، فقدمها على نصر، فبغته، ثم أذن له في الشخوص، فشخص حتى نزل الساحل على ستة فراسخ من المنصورة؛ فأتى نصر بن محمد عهده على السند، فرجع إلى عمله؛ وقد كان عبد الملك أقام بها ثمانية عشر يوما، فلم يعرض له، فرجع إلى البصرة. وفيها استقضى المهدي عافية بن يزيد الأزدي؛ فكان هو وابن علاثة حبيب العدوى. وفيها عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة،واستعمل عليها عبد الصمد ابن علي. وفيها استعمل عيسى بن لقمان على مصر وفيها ولي يزيد بن المنصور سواد الكوفة وحسان الشروي الموصل و بسطام ابن عمرو التغلبي أذربيجان. وفيها عزل أبا أيوب المسمى سليمان المكي عن ديوان الخراج، وولي مكانه أبو الزير عمر بن مطرف. وفيها توفي نصر بن مالك من فالج أصابه، و دفن في المقابر بني هاشم وصلى عليه المهدي. وفيها صرف أبان بن صدقة عن هارون بن المهدي إلى موسى، وجعله له كاتباً ووزيراً، وجعل مكانه مع هارون بن المهدي يحيى بن خالد بن برمك. وفيها عزل محمد بن سليمان أبا ضمر عن مصر في ذي الحجة المهدي وولاها سلمة بن رجاء. وحج بالناس في هذه السنة موسى بن محمد بن عبد الله الهادي ،وهو ولى عهد أبيه. وكان عامل الطائف ومكة واليمامة فيها جعفر بن سليمان،وعلى صلاة الكوفة وأحداثها إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى سوادها يزيد بن المنصور. ثم دخلت سنة اثنتين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر مقتل عبد السلام الخارجي فمن ذلك ما كان من مقتل عبد السلام الخارجي بقنسرين. ذكر الخبر عن مقتله ذكر أن عبد السلام بن هاشم اليشكري هذا خرج بالجزيرة، وكثر بها أتباعه، واشتدت شوكته، فلقيه من قواد المهدي عدة، منهم عيسى بن موسى القائد، فقتله في عدة ممن معه، وهزم جماعة من القواد، فوجه إليه المهدي الجنود، فنكب غير واحد من القواد، منهم شبيب بنواج المروروذي، ثم ندب إلى شبيب ألف فارس، أعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، وألحقهم بشبيب فوافوه ، فخرج شبيب في أثر عبد السلام، فهرب منهم حتى أتى قنسرين، فلحقه بها فقتله. وفيها وضع المهدي دواوين الأزمة، وولي عليها عمر بن بزيع مولاه، فولى عمر بن يزيع النعمان بن عثمان أبا حازم زمام خراج العراق. وفيها أمر المهدي أن يجري على المجذومين وأهل السجون في جميع الآفاق. وفيها ولى ثمامة بن الوليد العبسي الصائفة، فلم يتم ذلك. وفيها خرجت الروم إلى الحدث فهدموا سوارها. وغزا الصائفة الحسن بن قحطبة في ثلاثين ألف مرتزق سوى المطعة،فبلغ حمة أذرولية، فأكثر التخريب والتحريق في بلاد الروم نمن غير أن يفتح حصناً،ويلقى جمعاً، وسمته الروم التنين.وقيل: إنه إنما أتى هذه الحمة الحسن ليستنقع قيها للوضح الذي كان به؛ ثم قفل بالناس سالمين. وكان على قضاء عسكره وما يجتمع من الفئ حفص بن عامر السلمي. قال: وفيها غزا يزيد بن أسيد السلمي من باب قاليقلا، فغنم وفتح ثلاثة حصون، وأصاب سبيا كثيراً وأسرى. وفيها عزل على بن سليمان عن اليمن، وولي مكانه عبد الله بن سليمان عن اليمن، وولى مكانه عبد الله بن سليمان. وفيها عزل سلمة بن رجاء عن مصر، ووليها عيسى بن لقمان، في المحرم، ثم عزل في جمادى الآخرة، ووليها واضح مولى المهدي، ثم في ذي القعدة ووليها يحيى الحرشي. وفيها ظهرت المحمرة بجرجان، عليهم رجل يقال له عبد القهار، فغلب على جلجان، وقتل بشرأً كثيراً، فغزاه عمر بن العلاء من طبرستان، فقتل عبد القهار وأصحابه. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن جعفر بن المنصور؛ وكان العباس ابن محمد استأذن المهدي في الحج بعد ذلك، فعاتبه على ألا يكون استأذنه قبل أن يولي الموسم أحداً فيوليه إياه،فقال: يا أمير المؤمنين، عمداً أخرت ذلك لأني لم أرد الولاية. وكانت عمال الأمصار عمالها في السنة التي قبلها. ثم إن الجزيرة كانت في هذه السنة إلى عبد الصمد بن علي وطبرستان والرويان إلى سعيد بن دعلج، وجرجان إلى مهلهل بن صفوان. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان فيها من هلاك المقنع؛وذلك أن سعيداً الحرشي حصر بكش، فاشتد عليه الحصار، فلما أحس بالهلكة شرب سما، وسقاه نساءه وأهله ، فمات وماتوا - فيما ذكر - جميعاً، ودخل المسلمون قلعته واحتزوا رأسه، ووجهوا به إلى المهدي وهو بجلب. ذكر الخبر غزو الروم وفيها قطع المهدي البعوث للصائفة على جميع الأجناد من أهل خراسان وغيرهم، وخرج فعسكر بالبردان، وأقام به نحواً من شهرين يتعبأ فيه ويتهيأ، ويعطي الجنود،وأخرج بها صلات لأهل بيته الذين شخصوا معه، فتوفى عيسى بن علي في آخر جمادى الآخرة ببغداد. وخرج المهدي من الغد إلى البردان متوجهاً إلى الصائفة، واستخلف ببغداد موسى بن المهدي، وكاتبه يومئذ أيان بن صدقة؛ وعلى خاتمه عبد الله بن علاثة، وعلى حرسة علي بن عيسى، وعلى شرطه عبد الله بن خازم؛ فذكر العباس بن محمد أن المهدي لما وجه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين ومائة خرج يشيعه وأنا معه؛ فلما حاذى قصر مسلمة، قلت: يا أمير المؤمنين، إن لمسلمة في أعناقنا منة، كان محمد بن علي مر به، فأعطاه أربعة آلاف دينار، وقال له: يا بن عم هذان ألفان لدينك، وألفان لمعونتك، فإذا فقدت فلا تحتشمتا. فقاللما حدثته الحديث: أحضروا من ها هنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تجرى عليهم الأرزاق، ثم قال: يا أبا الفضل، كافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: نعم، وزدت يا أمير المؤمنين. وذكر إبراهيم بن زياد، عن الهيثم بن عدي، أن المهدي أغزى هارون الرشيد بلاد الروم، وضم إليه الربيع الحاجب والحسن بن قحطبة. قال محمد بن العباس: إني لقاعد في مجلس أبي في دار أمير المؤمنين وهو على الحرس؛ إذ جاء والحسن بن قحطبة، فسلم علي، وقعد على الفراش الذي يقعد أبي عليه، فسأل عنه فأعمته أنه راكب، فقال: يا حبيبي أعلمه أني جئت، وأبلغه السلام عني، وقل له: إن أحب أن يقول لأمير المؤمنين: يقول الحسن بن قحطبة: يا أمير المؤمنين؛ جعلني الله فداك! أغزيت هارون، وضممتني والربيع إليه، وأنا قريع قوادك، والربيع قريع مواليك، وليس تطيب نفسي بأن نخلي جميعاً بابك؛ فإما أغزيتني مع هارون وأقام الربيع، وإما أغزيت الربيع وأقمت ببابك. قال: فجاء أبي فأبلغته الرسالة، فدخل على المهدي فأعلمه، فقال: أحسن والله الإستعفاء؛ لا كما فعل الحجام ابن الحجام - يعني عامر بن إسماعيل - وكان استعفى من الخروج مع إبراهيم فغضب عليه، واستصفى ماله. وذكر عبد الله بن أحمد بن الوضاح، قال: سمعت جدي أبا بديل، قال: أغزى المهدي الرشيد، وأغزى معه موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح بن علي وموليي أبيه: الربيع الحاجب والحسن الحاجب؛ فلما فصل ودخلت عليه بعد يومين أو ثلاثة، فقال: ما خلفك عن ولي العهد، وعن أخويك خاصة؟ يعني الربيع والحسن الحاجب. قلت: أمر أمير المؤمنين ومقامي بمدينة السلام حتى يأذن لي. قال: فسر حتى تلحق به وبهما؛ واذكر ما تحتاج إليه. قال: قلت: ما أحتاج إلى شيء من العدة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في وداعه! فقال لي: متى تراك خارجاً؟ قال: قلت من غد، قال: فودعته وخرجت، فلحقت القوم. قال: فأقبلت أنظر إلى الرشيد يخرج، فيضرب بالصواجة، وانظر إلى موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح؛ وهما يتضاحكان منه. قال: فصرت إلى الربيع والحسن - وكنا لا نفترق - قال فقلت: لا جزاكما الله عمن وجهكما ولا عمن وجهتما معه خيراً؛ فقالا: إيه، وما الخبر؟ قال: قلت: موسى بن عيسى وعبد الملك بن صالح؛ يتضاحكان من ابن أمير المؤمنين، أوما كنتما تقدران أن تجعلا لهما مجلساً يدخلان عليه فيه ولمن كان معه من القواد في الجمعة يدخلون عليه ويخلوه في سائر أيامه لما يريد! قال: فبينا نحن في ذلك المسير إذ بعثا إلي في الليل. قال: فجئت وعندهما رجل، فقالا لي: هذا غلام الغمر بن يزيد، وقد أصبنا معه كتاب الدولة. قال: ففتحت الكتاب، فنظرت فيه إلى سني المهدي فإذا هي عشر سنين. قال: فقلت ما في الأرض أعجب منكما! أتريان أن خبر هذا الغلام يخفى، وأن هذا الكتاب يستتر! قالا: كلا ، قلت: فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنه ما نقص، أفلستم أول من نعى إليه نفسه! قال: فتبلدوا والله، وسقط في أيديهما، فقالا: فما الحيلة؟ قلت: يا غلام علي بعنبسة - يعني الوراق الأعرابي مولى آل أبي بديل - فأتى به، فقلت له: خط مثل هذا الخط، وورقة مثل هذه الورقة، وصير مكان عشر سنين أربعين سنة، وصيرها في الورقة، قال: فوالله لولا أني لولا أني رأيت العشر في تلك الأربعين في هذه ما شككت أن الخط ذلك الخط، وأن الورقة تلك الورقة. قال: ووجه المهدي خالد بن برمك مع الرشيد وهو ولي العهد حين وجهه لغزو الروم، وتوجه معه الحسن وسليمان ابنا برمك، ووجه معه على أمر العسكر ونفقاته وكتابته والقيام بأمره يحيى بن خالد - وكان أمر هارون كله إليه - وصير الربيع الحاجب مع هارون يغزو عن المهدي، وكان الذي بين الربيع ويحيى على حسب ذلك؛ وكان يشاورهما ويعمل برأيهما؛ ففتح الله عليهم فتوحاً كثيرة، وأبلاهم في ذلك الوجه بلاءً جميلاً، وكان لخالد في ذلك بسمالو أثر جميل لم يكن لأحد؛ وكان منجمهم يسمى البرمكي تبركاً به، ونظراً إليه. قال: ولما ندب المهدي هارون الرشيد لما ندبه له من الغزو، أمر أن يدخل عليه كتاب أبناء الدعوة لينظر إليهم ويختار له منهم رجلاً. قال يحيى: فأدخلوني عليه معهم، فوقفوا بين يديه، ووقفت آخرهم، فقال لي: يا يحيى ادن، فدنوت، ثم قال لي: اجلس، فجلست فجثوت بين يديه، فقال لي: إني تصفحت أبناء شيعتي وأهل دولتي، واخترت منهم رجلاً لهارون ابني أضمه إليه ليقوم بأمر عسكره، ويتولى كتابته، فوقعت عليك خيرتي له، ورأيتك أولى به؛ إذ كنت مربيه وخاصته، وقد وليتك كتابته وأمر عسكره. قال: فشكرت ذلك له، وقبلت يده، وأمر لي بمائة ألف درهم معونةً على سفري، فوجهت في ذلك العسكر لما وجهت له. قال: وأوفد الربيع بن سليمان بن برمك إلى المهدي، وأوفد معه وفداً، فأكرم المهدي وفادته وفضله، وأحسن إلى الوفد الذين كانوا معه، ثم انصرفوا من وجههم لذلك. عزل عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وتولية زفر بن الحارثوفي هذه السنة؛ سنة مسير المهدي مع ابنه هارون، عزل المهدي عبد الصمد بن علي عن الجزيرة، وولى مكانه زفر بن عاصم الهلالي. ذكر السبب في عزله إياه ذكر أن المهدي سلك في سفرته هذه طريق الموصل، وعلى الجزيرة عبد الصمد بن علي، فلما شخص المهدي من الموصل، وصار بأرض الجزيرة، لم يتلقه عبد الصمد ولا هيأ له نزلاً، ولا أصلح له قناطر. فاضطغن ذلك عليه المهدي، فلما لقيه تجهمه وأظهر له جفاء، فبعث إليه عبد الصمد بألطاف لم يرضها، فردها عليه، وازداد عليه سخطاً، وأمر بأخذه بإقامة النزل له، فتعبث في ذلك، وتقنع، ولم يزل يربى ما يكرهه إلى أن نزل حصن مسلمة، فدعا به، وجرى بينهما كلام أغلظ له فيه القول المهدي، فرد عليه عبد الصمد ولم يحتمله، فأمر بحبسه وعزله عن الجزيرة، ولم يزل في حبسه في سفره ذلك وبعد أن رجع إلى أن رضي عنه. وأقام له العباس بن محمد النزل، حتى انتهى إلى حلب، فأتته البشرى بها بقتل المقنع، وبعث وهو بها عبد الجبار المحتسب لجلب من بتلك الناحية من الزنادقة. ففعل، وأتاه بهم وهو بدابق، فقتل جماعة منهم وصلبهم، وأتي بكتب من كتبهم فقطعت بالسكاكين ثم عرض بها جنده، وأمر بالرحلة، وأشخص جماعة من وافاه من أهل بيته مع ابنه هارون إلى الروم، وشيع المهدي ابنه هارون حتى قطع الدرب، وبلغ جيحان، وارتاد بها المدينة التي تسمى المهدية، وودع هارون على نهر جيحان. فسار هارون حتى نزل رستاقاً من رساتيق أرض الروم فيه قلعة، يقال لها سمالو، فأقام عليها ثمانياً وثلاثين ليلة، وقد نصب عليها المجانيق، حتى فتحها الله بعد تخريبٍ لها، وعطش وجوع أصاب أهلها، وبعد قتل وجراحات كانت في المسلمين؛ وكان فتحها على شروط شرطوها لأنفسهم: لا يقتلوا ولا يرحلوا، ولا يفرق بينهم؛ فأعطوا ذلك، فنزلوا، ووفى لهم، وقفل هارون بالمسلمين سالمين إلا من كان أصيب منهم بها. وفي هذه السنة وفي سفرته هذه، صار المهدي إلى بيت المقدس، فصلى فيه،ومعه العباس بن محمد والفضل بن صالح وعلي بن سليمان وخاله يزيد بن المنصور. وفيها عزل المهدي إبراهيم بن صالح عن فلسطين، فسأله يزيد بن منصور حتى رده عليها. وفيها ولى المهدي ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك. وفيها عزل زفر بن عاصم عن الجزيرة، وولى مكانه عبد الله بن صالح بن علي، وكان المهدي نزل عليه في مسيره إلى بيت المقدس، فأعجب بما رأى من منزله بسلمية. وفيها عزل معاذ بن مسلم عن خراسان وولاها المسيب بن زهير. وفيها عزل يحيى الحرشى عن أصبهان، وولى مكانه الحكم بن سعيد. وفيها عزل سعيد بن دعلج عن طبرستان و الرويان، وولاهما عمر بن العلاء. وفيها عزل مهلهل بن صفوان عن جرجان، وولاها هشام بن سعيد. وحج بالناس في هذه السنة علي بن المهدي. وكان على اليمامة والمدينة ومكة والطائف فيها جعفر بن سليمان، وعلى الصلاة والأحداث بالكوفة إسحاق بن الصباح، وعلى قضائها شريك، وعلى البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين وعمان والفرض وكور الأهواز وكور فارس محمد بن سليمان، وعلى خراسان المسيب بن زهير، وعلى السند نصر بن محمد بن الأشعث. ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك غزوة عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب من درب الحدث، فأقبل إليه ميخائيل البطريق - فيما ذكر - في نحو من تسعين ألفاً، فيهم طازاذ الأرمني البطريق، ففشل عنه عبد الكريم ومنع المسلمين من القتال وانصرف، فأراد المهدي ضرب عنقه، فكلم فيه فحبسه في المطبق. وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن أعماله، ووجه صالح بن داود على ما كان إلى محمد بن سليمان، ووجه معه عاصم بن موسى الخراساني الكاتب على الخراج وأمره بأخذ حماد بن موسى كاتب محمد بن سليمان وعبيد الله بن عمر خليفته وعماله وتكشيفهم. وفيها بنى المهدي بعيساباذ الكبرى قصراً من لبن، إلى أن أسس قصره الذي بالآجر: الذي سماه قصر السلامة؛ وكان تأسيسه إياه يوم الأربعاء في آخر ذي القعدة. وفيها شخص المهدي حين أسس هذا القصر إلى الكوفة حاجاً، فأقام برصافة الكوفة أياماً، ثم خرج متوجهاً إلى الحج، حتى انتهى إلى العقبة، فغلا عليه وعلى من معه الماء، وخاف ألا يحمله ومن معه ما بين أيديهم، وعرضت له مع ذلك حمى، فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بسبب الماء؛ لأنه كان صاحب المصانع، واشتد على الناس العطش في منصرفهم وعلى ظهرهم حتى أشرفوا على الهلكة. وفيها توفي نصر بن محمد بن الأشعث بالسند. وفيها عزل عبد الله بن سليمان عن اليمن عن سخطة، ووجه من يستقبله ويفتش متاعه، ويحصي ما معه، ثم أمر بحبسه عند الربيع حين قدم، حتى أقر من المال والجواهر والعنبر ما أقر به، فرده إليه، واستعمل مكانه منصور بن يزيد بن منصور. وفيها وجه المهدي صالح بن أبي جعفر المنصور من العقبة عند انصرافه عنها إلى مكة ليحج بالناس. فأقام صالح للناس الحج في هذه السنة. وكان العامل على المدينة ومكة والطائف واليمامة فيها جعفر بن سليمان، وعلى اليمن منصور بن يزيد بن منصور، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها هاشم بن سعيد بن منصور، وعلى قضائها شريك بن عبد الله، وعلى صلاة البصرة وأحداثها وكور دجلة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس صالح بن داود بن علي، وعلى السند سطيح بن عمر، وعلى خراسان المسيب بن زهير، وعلى الموصل محمد بن الفضل. وعلى قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن، وعلى مصر إبراهيم بن صالح، وإفريقية يزيد بن حاتم، وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشي، وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى أمير المؤمنين، وعلى الري خلف بن عبد الله، وعلى سجستان سعيد بن دعلج. ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث غزوة هارون بن المهدي الصائفة ببلاد الروم فمن ذلك غزوة هارون بن المهدي الصائفة، ووجهه أبوه - فيما ذكر - يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازياً إلى بلاد الروم، وضم إليه الربيع مولاه، فوغل هارون في بلاد الروم، فافتتح ماجدة، ولقيته خيول نقيطا قومس القوامسة، فبادره يزيد بن مزيد، فأرجل يزيد، ثم سقط نقيطا، فضربه يزيد حتى أثخنه، وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكرهم. وسار إلى الدمستق بنقمودية وهو صاحب المسالح، وسار هارون في خمسة وتسعين ألفاً وسبع مائة وثلاثة وتسعين رجلاً، وحمل لهم من العين مائة ألف دينار وأربعة وتسعين ألفاً وأربع مائة وخمسين ديناراً، ومن الورق أحداً وعشرين ألف ألف وأربع مائة ألف وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم. وسار هارون حتى بلغ خليج البحر الذي على القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ أغسطه امرأة أليون؛ وذلك أن ابنها كان صغيراً قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرت بينهما وبين هارون بن المهدي الرسل والسفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفدية، فقبل ذلك منها هارون، وشرط عليها الوفاء بما أعطت له، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه؛ وذلك أنه دخل مدخلاً صعباً مخوفاً على المسلمين، فأجابته إلى ما سأل، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها تسعون أو سبعون ألف دينار، تؤديها في نيسان الأول في كل سنة، وفي حزيران، فقبل ذلك منها، فأقامت له الأسواق في منصرفه، ووجهت معه رسولاً إلى المهدي بما بذلك على أن تؤدي ما تيسر من الذهب والفضة والعرض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وسلمت الأسارى. وكان الذي أفاء على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأساً، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألفاً، وقتل من الأسارى صبراً ألفان وتسعون أسيراً. ومما أفاء الله عليه من الدواب الذلل بأدراتها عشرون ألف دابة، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وكانت المرتزقة سوى المطوعة وأهل الأسواق مائة ألف، وبيع البرذون بدرهم، والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم وعشرين سيفاً بدرهم، فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك: أطفئت بقسطنطينية الروم مسنداً ... إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها وما رمتها حتى أتتك ملوكها ... بجزيتها، والحرب تغلي قدورها وفيها عزل خلف بن عبد الله عن الري، وولاها عيسى مولى جعفر. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن أبي جعفر المنصور. وكانت عمال الأمصار في هذه السنة هم عمالها في السنة الماضية؛ غير أن العامل على أحداث البصرة والصلاة بأهلها كان روح بن حاتم، وعلى كور دجلة والبحرين وعمان وكسكر وكور الأهواز وفارس وكرمان كان المعلى مولى أمير المؤمنين المهدي، وعلى السند الليث مولى المهدي. ثم دخلت سنة ست وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك قفول هارون بن المهدي؛ ومن كان معه من خليج قسطنطينية في المحرم لثلاث عشرة ليلة بقيت منه، وقدمت الروم بالجزية معهم، وذلك - فيما قيل - أربعة وستون ألف دينار عدد الرومية وألفان وخمسمائة دينار عربية، وثلاثون ألف رطل مرعزي. وفيها أخذ المهدي البيعة على قواده لهارون بعد موسى بن المهدي، وسماه الرشيد. وفيها عزل عبيد الله بن الحسن عن قضاء البصرة، وولى مكانه خالد بن طليق بن عمران بن حصين خزاعي، فلم تحمد ولايته، فاستعفى أهل البصرة منه. وفيها عزل جعفر بن سليمان عن مكة والمدينة، وما كان إليه من العمل. وفيها سخط المهدي على يعقوب بن داود. ذكر الخبر عن غضب المهدي على يعقوب ذكر علي بن محمد النوفلي قال: سمعت أبي يذكر، قال: كان داود بن طهمان - وهو أبو يعقوب بن داود - واخوته كتاباً لنصر بن سيار، وقد كتب داود قبله لبعض ولاة خراسان؛ فلما كانت أيام يحيى بن زيد كان يدس إليه وإلى أصحابه بما يسمع من نصر، ويحذرهم؛ فلما خرج أبو مسلم يطلب بدم يحيى بن زيد ويقتل قتلته والمعينين عليه من أصحاب نصر، أتاه داود بن طهمان مطمئناً لما كان يعلم مما جرى بينه وبينه، فآمنه أبو مسلم، ولم يعرض له في نفسه، وأخذ أمواله التي استفاد أيام نصر، وترك منازله وضيعه التي كانت له ميراثاً بمرو، فلما فلما مات داود خرج ولده أهل أدب وعلم بأيام الناس وسيرهم وأشعارهم، ونظروا فإذا ليست لهم عند بني العباس منزلة، فلم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر؛ فلما رأوا ذلك أظهروا مقالة الزيدية، ودنوا من آل الحسين، وطمعوا أن يكون لهم دولة فيعيشوا فيها. فكان يعقوب يجول البلاد منفرداً بنفسه، ومع إبراهيم بن عبد الله أحياناً، في طلب البيعة لمحمد بن عبد الله، فلما ظهر محمد وإبراهيم بن عبد الله كتب علي بن داود - وكان أسن من يعقوب - لإبراهيم بن عبد الله، وخرج يعقوب مع عدة من اخوته مع إبراهيم؛ فلما قتل محمد وإبراهيم تواروا من المنصور، فطلبهم، فأخذ يعقوب وعلياً فحبسهما في المطبق أيام حياته، فلما توفي المنصور من عليهما المهدي فيمن من عليه بتخلية سبيله، وأطلقهما. وكان معهما في المطبق إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن - وكانا لا يفارقانه - واخوته الذين كانوا محتبسين معه، فجرت بينهم بذلك صداقة. وكان إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن يرى أن الخلافة قد تجوز في صالح بني هاشم جميعاً، فكان يقول: كانت الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلح إلا في بني هاشم؛ وهي في هذا الدهر لا تصلح إلا فيهم؛ وكان يكثر في قوله للأكبر من بني عبد المطلب؛ وكان هو ويعقوب بن داود يتجاريان ذلك؛ فلما خلى المهدي سبيل يعقوب مكث المهدي برهة من دهره يطلب عيسى بن زيد والحسن بن إبراهيم بن عبد الله بعد هرب الحسن من حبسه، فقال المهدي يوماً: لو وجدت رجلاً من الزيدية له معرفة بآل حسن وبعيسى بن زيد، وله فقه فأجتلبه إلي على طريق الفقه، فيدخل بيني وبين آل حسن وعيسى بن زيد! فدل على يعقوب بن داود، فأتى به فأدخل عليه، وعليه يومئذ فرو وخفا كبل وعمامة وكرابيس وكساء أبيض غليظ. فكلمه وفاتحه، فوجده رجلاً كاملاً، فسأله عن عيسى بن زيد؛ فزعم الناس أنه وعده الدخول بينه وبينه، وكان يعقوب ينتفي من ذلك؛ إلا أن الناس قد رموه بأن منزلته عند المهدي إنما كانت للسعاية بآل علي. ولم يزل أمره يرتفع عند المهدي ويعلو حتى استوزره، وفوض إليه أمر الخلافة؛ فأرسل إلى الزيدية، فأتى بهم من كل أوب، وولاهم من أمور الخلافة في المشرق والمغرب كل جليل وعمل نفيس، والدنيا كلها في يديه، ولذلك يقول بشار بن برد: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا ... خلبفة الله بين الدف والعود قال: فحسده موالي المهدي،فسعوا عليه. ومما حظي به يعقوب عند المهدي، أنه استأمنه للحسن بن إبراهيم بن الله، ودخل بينه وبينه حتى جمع بينهما بمكة. قال: ولما علم آل الحسن بن علي بصنيعه استوحشوا منه، وعلم يعقوب أنه إن كانت لهم دولة لم يعش فيها، وعلم أن المهدي لا يناظره لكثرة السعاية إليه، فمال يعقوب إلى إسحاق بن الفضل، وأقبل يربص له الأمور وأقبلت السعايات ترد على المهدي بإسحاق حتى قيل له: إن المشرق والمغرب في يد يعقوب وأصحابه؛ وقد كاتبهم؛ وإنما يكفيه أن يكتب إليهم فيثوروا في يوم واحد على ميعاد، فيأخذوا الدنيا لإسحاق بن الفضل؛ فكان ذلك قد ملأ قلب المهدي عليه. قال علي بن محمد النوفلي: فذكر لي بعض خدم المهدي أنه كان قائماً على رأسه يوماً يذب عنه إذ دخل يعقوب، فجثا بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت اضطراب أمر مصر، وأمرتني أن ألتمس لها رجلاً يجمع أمرها، فلم أزل أرتاد حتى أصبت رجلاً يصلح لذلك. قال: ومن هو؟ قال: ابن عمك إسحاق بن الفضل، فرأى يعقوب في وجهه التغير ،فنهض فخرج، وأتبعه المهدي طرفه، ثم قال: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم رفع رأسه إلي وقال: اكتم علي ويلك! قال: ولم يزل مواليه يحرضونه عليه ويوحشونه منه، حتى عزم على إزالة النعمة عنه. وقال موسى بن إبراهيم المسعودي: قال المهدي: وصف لي يعقوب بن داود في منامي، فقيل لي أن أتخذه وزيراً. فلما رآه، قال: هذه والله الخلقة التي رأيتها في منامي، فاتخذه وزيراً، وحظي عنده غاية الحظوة، فمكث حيناً حتى بنى عيساباذ، فأتاه خادم من خدمه - وكان حظياً عنده - فقال له: إن أحمد بن إسماعيل بن علي ، قال لي: قد بنى متنزهاً أنفق عليه خمسين ألف ألف من بيت مال المسلمين، فحفظها عن الخادم، ونسي أحمد بن إسماعيل، وتوهمها على يعقوب بن داود، فبينا يعقوب بين يديه لببه، فضرب به الأرض، فقال: مالي ولك يا أمير المؤمنين! قال: ألست القائل: إني أنفقت على متنزه خمسين ألف ألف! فقال يعقوب: والله ما سمعته أذناي، ولا كتبه الكرام الكاتبون؛ فكان هذا أول سبب أمره. قال: كان يعقوب بن داود قد عرف عن المهدي خلعاً واستهتاراً بذكر النساء والجماع، وكان يعقوب بن داود يصف من نفسه في ذلك شيئاً كثيراً، وكذلك كان المهدي، فكانوا يخلون بالمهدي ليلاً فيقولون: هو على أن يصبح فيثور بيعقوب؛ فإذا أصبح غدا عليه يعقوب وقد بلغه الخبر، فإذا نظر إليه تبسم، فيقول: إن عندك لخيراً! فيقول: نعم فيقول: اقعد بحياتي فحدثني، فيقول: خلوت بجاريتي البارحة، فقالت وقلت، فيصنع لذلك حديثاً، فيحدث المهدي بمثل ذلك، ويفترقان على الرضا، فيبلغ ذلك من يسعى على يعقوب، فيتعجب منه. قال: وقال لي الموصلي: قال يعقوب بن داود للمهدي في أمر أراده: هذا والله السرف، فقال: ويلك! وهل يحسن السرف إلا بأهل الشرف! ويلك يا يعقوب، لولا السرف لم يعرف المكثرون من المقترين! وقال علي بن يعقوب بن داود عن أبيه، قال: بعث إلي المهدي يوماً فدخلت عليه، فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورد متناه في السرور على بستان فيه شجر، ورءوس الشجر مع صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار من الخوخ والتفاح، فكل ذلك مورد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئاً أحسن منه؛ وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها، ولا أشط قواماً، ولا أحسن اعتدالاً، عليها نحو تلك الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك. فقال لي: يا يعقوب، كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت: على غاية الحسن، فمتع الله أمير المؤمنين به، وهنأه إياه، فقال: هو لك، احمله بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به. قال: فدعوت له بما يجب. قال: ثم قال: يا يعقوب، ولي إليك حاجة، قال: فوثبت قائماً ثم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا إلا من موجدة، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين! قال: لا، ولكن أحب أن تضمن لي قضاء هذه الحاجة فإني لم أسألكها من حيث تتوهم، وإنما قلت ذلك على الحقيقة، فأحب أن تضمن لي هذه الحاجة وأن تقضيها لي، فقلت: الأمر لأمير المؤمنين وعلي السمع والطاعة، قال: والله - قلت والله ثلاثاً - قال: وحياة رأسي! قلت: وحياة رأسك، قال: فضع يدك عليه واحلف به، قال: فوضعت يدي عليه، وحلفتله به لأعلمنبما قال، ولآقضين حاجته. قال: فلما استوثق مني في نفسه، قال: هذا فلان بن فلان، من ولد علي، أحب أن تكفيني مؤونته، وتريحني منه، وتعجل ذلك. قال: قلت: أفعل، قال فخذه إليك، فحولتهإ لي، وحولت الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك، وأمر لي معه بمائة ألف درهم. قال: فحملت ذلك جملة، ومضيت به، فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر، وبعثت إلى العلوي، فأدخلته على نفسي، وسألته عن حاله، فأخبرني بها وبجمل منها، وإذا هو ألب الناس وأحسنهم إبانة. قال: وقال لي في بعض ما يقول: ويحك يا يعقوب! تلقى الله بدمي، وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد! قال: قلت: لا والله، فهل فيك خير؟ قال: إن فعلت خيراً شكرت ولك عندي دعاء واستغفار. قال: فقلت له أي الطريق أحب إليك؟ قال: طريق كذا وكذا، قلت: فمن هناك ممن تأنس به وتثق بموضعه؟ قال: فلان وفلان، قلت: فابعث إليهما، وخذ هذا المال، وامض معهما مصاحباً في ستر الله، وموعدك وموعدهما للخروج من داري إلى موضع كذا وكذا - الذي اتفقوا عليه - في وقت كذا وكذا من الليل؛ وإذا الجارية قد حفظت علي قولي؛ فبعثت به مع خادم لها إلى المهدي، وقالت: هذا جزاؤك من الذي آثرته على نفسك؛ صنع وفعل كذا وكذا؛ حتى ساقت الحديث كله. قال:وبعث المهدي من وقته ذلك، فشحن تلك الطرق والمواضع التي وصفها يعقوب والعلوي برجاله، فلم يلبث أن جاءوه بالعلوي بعينه وصاحبيه والمال، وعلى السجية التي حكتها الجارية. قال: وأصبحت من غد ذلك اليوم، فإذا رسول المهدي يستحضرني - قال: وكنت خالي الذرع غير ملق إلى أمر العلوي بالاً حتى أدخل على المهدي، وأجده على كرسي بيده مخصرة - فقال: يا يعقوب، ما حال الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قلت: نعم، قال: والله، ثم قال: قم فضع يدك على رأسي؛ قال فوضعت يدي على رأسه، وحلفت له به. قال: فقال: يا غلام، أخرج إلينا ما في هذا البيت، قال: ففتح بابه عن العلوي وصاحبيه والمال بعينه. قال: فبقيت متحيراً، وسقط في يدي، وامتنع مني الكلام، فما أدري ما أقول! فقال المهدي: لقد حل لي دمك لو آثرت إراقته، ولكن احبسوه في المطبق؛ ولا أذكر به، فحبست في المطبق، واتخذ لي فيه بئر فدليت فيها، فكنت كذلك أطول مدة لا أعرف عدد الأيام وأصبت ببصري، وطال شعري؛ حتى استرسل كهيئة شعور البهائم. قال: فإني لكذلك، إذ دعي بي فمضي بي إلى حيث أيت هو، فلم أعد أن قيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فسلمت، فقال: أي أمير المؤمنين أنا؟ قلت: المهدي، قال: رحم الله المهدي، قلت: فالهادي؟ قال: رحم الله الهادي، قلت: فالرشيد؟ قال: نعم؛ قلت: ما أشك في وقوف أمير المؤمنين على خبري وعلتي وما تناهت إليه حالي، قال: أجل، كل ذلك عندي قد عرف أمير المؤمنين، فسل حاجتك، قال: قلت: المقام بمكة، قال: نفعل ذلك، فهل غير هذا؟ قال: قلت: ما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ، قال: فراشداً. قال: فخرجت فكان وجهي إلى مكة. قال ابنه: ولم يزل بمكة فلم تطل أيامه بها حتى مات. قال محمد بن عبد الله: قال لي أبي: قال يعقوب بن داود: وكان المهدي لا يشرب النبيذ إلا تحرجاً؛ ولكنه كان لا يشتهيه؛ وكان أصحابه عمر بن بزيع والمعلى مولاه والمفضل ومواليه يشربون عنده بحيث يراهم، قال: وكنت أعظه في سقيهم النبيذ وفي السماع، وأقول: إنه ليس على هذا استوزرتني ولا على هذا صحبتك؛ أبعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع، يشرب عندك النبيذ وتسمع السماع! قال: كان يقول: قد سمع عبد الله بن جعفر، قال: قلت: ليس هذا من حسناته؛ لو أن رجلاً سمع في كل يوم كان ذلك يزيده قربة من الله أو بعداً! وقال محمد بن عبد الله: حدثني أبي قال: كان أبي يعقوب بن داود قد ألح على المهدي في حسمه عن السماع وإسقائه النبيذ حتى ضيق عليه؛ وكان يعقوب قد ضجر بموضعه، فتاب إلى الله مما هو فيه؛ واستقبل وقدم النية في تركه موضعه. قال: فكنت أقول للمهدي: يا أمير المؤمنين؛ والله لشربة خمر أشربها أتوب إلى الله منها أحب إلي مما أنا فيه؛ وإني لأركب إليك فأتمنى يداً خاطئة تصيبني في الطريق، فاعفني وول غيري من شئت؛ فإني أحب أن أسلم عليك أنا وولدي؛ ووالله إني لأتفزع في النوم؛ وليتني أمور المسلمين وإعطاء الجند، وليس دنياك عوضاً من آخرتي. قال: فكان يقول لي: اللهم غفراً! اللهم أصلح قلبه، قال: فقال شاعر له: فدع عنك يعقوب بن داود جانباً ... وأقبل على صهباء طيبة النشر قال عبد الله بن عمر: وحدثني جعفر بن أحمد بن زيد العلوي، قال: قال بن سلام: وهب المهدي لبعض ولد يعقوب بن داود جاريةً، وكان بضعف، قال: فلما كان بعد أيام، سأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت مثلها، ما وضعت بيني وبين الأرض مطية أوطأ منها حاشا سامع. فالتفت المهدي إلى يعقوب، فقال له: من تراه يعني؟ يعنيني أو يعنيك؟ فقال له يعقوب: من كل شيء تحفظ الأحمق إلا من نفسه. وقال علي بن محمد النوفلي: حدثني أبي، قال: كان يعقوب بن داود يدخل على المهدي فيخلو به ليلاً يحادثه ويسامره؛ فبينا هو ليلة عنده؛ وقد ذهب من الليل أكثره، خرج يعقوب من عنده، وعليه طيلسان مصبوغ هاشمي؛ وهو الأزرق الخفيف؛ وكان الطيلسان قد دق دقاً شديداً فهو يتقعقع، وغلام آخذ بعنان دابة له شهباء، وقد نام الغلام، فذهب يعقوب يسوي طيلسانه فتقعقع، فنفر البرذون، ودنا منه يعقوب فاستدبره فضربه ضربةً على ساقه فكسرها، وسمع المهدي الوجبة، فخرج حافياً؛ فلما رأى ما به أظهر الجزع والفزع، ثم أمر به فحمل في كرسي إلى منزله، ثم غداً عليه المهدي مع الفجر؛ وبلغ ذلك الناس، فغدوا عليه، فعاده أياماً ثلاثةً متتابعة، ثم قعد عن عيادته، وأقبل يرسل إليه يسأله عن حاله؛ فلما فقد وجهه، تمكن السعاة من المهدي، فلم تأتي عليه عاشرة حتى أظهر السخط عليه، فتركه في منزله يعالج، ونادى في أصحابه : لا يوجد أحد عليه طيلسان يعقوبي، وقلنسوة يعقوبية إلا أخذت ثيابه. ثم أمر بيعقوب فحبس في سجن بصر. قال النوفلي: وأمر المهدي بعزل أصحاب يعقوب عن الولايات في الشرق والغرب، وأمر ان يؤخذ أهل بيته، وأن يحبسوا ففعل ذلك بهم. وقال علي بن محمد: لما حبس يعقوب بن داود وأهل بيته، وتفرق عماله واختفوا وتشردوا، أذكر المهدي قصته وقصة إسحاق بن الفضل، فأرسل إلى إسحاق ليلاً وإلى يعقوب، فأتى به من محبسه، فقال: ألم تخبرني بأن هذا وأهل بيته يزعمون أنهم أحق بالخلافة منا أهل البيت؛ وأن لهم الكبر علينا! فقال له يعقوب: ما قلت لك هذا قط، قال: وتكذبني وترد على قولي! ثم دعا له بالسياط فضربه اثني عشر سوطاً ضرباً مبرحاً، وأمربه فرد إلى الحبس. قال: وأقبل إسحاق يحلف أنه لم يقل هذا قط، وأنه ليس من شأنه. وقال فيما يقول: وكيف أقول هذا يا أمير المؤمنين، وقد مات جدي في الجاهلية وأبوك الباقي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارثه! فقال: أخرجوه، فلما كان من الغد دعا بيعقوب، فعاوده الكلام الذي كلمه في ليلته، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي حتى أذكرك، أتذكر وأنت في طارمة على النهر؛ وأنت في البستان وأنا عندك؛ إذ دخل أبو الوزير - قال علي: وكان أبو الوزير ختن يعقوب بن داود على ابنة صالح بن داود - فخبرك هذا الخبر عن إسحاق؟ قال: صدقت يا يعقوب، قد ذكرت ذلك، فاستحى المهدي، واعتذر إليه من ضربه، ثم رده إلى الحبس، فمكثت محبوساً أيام المهدي وأيام موسى كلها حتى أخرجه الرشيد بميله كان إليه في حياة أبيه. وفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان، وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم. وفيها تحول المهدي إلى عيساباذ فنزلها، وهي قصر السلامة ونزل الناس بها معه، وضرب بها الدنانير والدراهم. وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مكة واليمن؛ بغالاً وإبلاً؛ ولم يقم هنالك بريد قبل ذلك. وفيها اضطربت خرا سان على المسيب بن زهير، فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس، وضم إليه معها سجستان، فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدي. وفيها أخذ داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن سليمان بن مجالد ومحمد بن أبي أيوب المكي ومحمد بن طيفور في الزندقة، فأقروا، فاستتابهم المهدي وخلي سبيلهم، وبعث بداود بن روح إلى أبيه روح؛ وهو يومئذ بالبصرة عاملاً عليها، فمن عليه، وأمره بتأديبه. وفيها قدم الوضاح الشروي بعبد الله بن أبي عبيد الله الوزير - وهو معاوية ابن عبيد الله الأشعري من أهل الشام - وكان الذي يسعى به ابن شبابة وقد رمي بزندقة. وقد ذكرنا أمره ومقتله قبل. وفيها ولي إبراهيم بن يحيى بن محمد على المدينة؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الطائف ومكة عبيد الله بن قثم. وفيها عزل المنصور بن يزيد بن منصور عن اليمن، واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي. وفيها خلى المهدي عبد الصمد بن علي من حسبه الذي كان فيه. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد. وكان عامل الكوفة من هذه السنة على الصلاة وأحداثها هاشم بن سعيد، وعلى صلاة البصرة وأحداثها روح بن حاتم، وعلى قضائها خالد بن طليق، وعلى كور دجلة وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى أمير المؤمنين، وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسي، وعلى نصر إبراهيم بن صالح، وعلى إفريقية يزيد بن حاتم، وعلى طبرستان والرويان وجرجان يحيى الحرشي. وعلى دنباوند وقومس فراشة مولى المهدي، وعلى الري سعد مولى أمير المؤمنين. ولم يكن في هذه السنة صائفة؛ للهدنة التي كانت فيها. ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة ذكر الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من توجيه المهدي ابنه موسى في جمع كثيف من الجند، وجهاز لم يجهز - فيما ذكر - أحد بمثله إلى جرجان لحرب ونداهرمز وشروين صاحبي طبرستان، وجعل المهدي حين جهز موسى إليها إبان بن صدقة على رسائله، ومحمد بن جميل على جنده، ونفيعاً مولى المنصور على حجابته، وعلي بن عيسى بن ماهان على حرسه، وعبد الله بن خازم على شرطه؛ فوجه موسى الجنود إلى وانداهرمز وشيروين، وأمر عليهم يزيد مزيد فحاصرهما. وفيها توفي عيسى بن موسى بالكوفة، وولى الكوفة يومئذ روح بن حاتم، فأشهد روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الوجوه، ثم دفن. وقيل إن عيسى بن موسى توفي وروح على الكوفة، لثلاث بقين من ذي الحجة، فحضر روح جنازته، فقيل له: تقدم فأنت الأمير، فقال: ما كان الله ليرى روحاً يصلي على عيسى بن موسى؛ فليتقدم أكبر ولده، فأبوا عليه وأبى عليهم، فتقدم العباس بن عيسى، فصلى على أبيه. وبلغ ذلك المهدي فغضب على روح، وكتب إليه: قد بلغني ما كان من نكوصك عن الصلاة على عيسى؛ أبنفسك، أم بأبيك، أم بجدك كنت تصلي عليه! أوليس إنما ذلك مقامي لو حضرت. فإذ غبت كنت أنت أولى به لموضعك من السلطان! وأمر بمحاسبته؛ وكان يلي الخراج مع الصلاة والأحداث. وتوفي عيسى والمهدي واجد عليه وعلى ولده؛ وكان يكره التقدم عليه لجلالته. وفيها جد المهدي في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق وقتلهم، وولى أمرهم عمر الكلواذي، فأخذ يزيد بن الفيض كاتب المنصور، فأقر - فيما ذكر - فحبس، فهرب من الحبس، فلم يقدر عليه. وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل، وولاه الربيع الحاجب، فاستخلف عليه سعيد بن واقد؛ وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته. وفيها فشا الموت، وسعال شديد ووباء شديد ببغداد والبصرة. وفيها توفي أبان بن صدقة بجرجان، وهو كاتب موسى على رسائله، فوجه المهدي مكانه أبا خالد الأحول يزيد خليفة أبي عبيد الله. وفيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام؛ فدخلت فيه دور كثيرة. وولى بناء ما زيد فيه يقطين بن موسى، فكان في بنائه إلى أن توفي المهدي. وفيها عزل يحيى الحرشي عن طبرستان والرويان؛ وما كان إليه من تلك الناحية، ووليها عمر بن العلاء، وولي جرجان فراشة مولى المهدي، وعزل عنها يحيى الحرشي. وفيها أظلمت الدنيا لليالٍ بقين من ذي الحجة، حتى تعالى النهار. ولم يكن فيها صائفة، للهدنة التي كانت بين المسلمين والروم. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد وهو على المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج وقدومه المدينة بأيام، وولي مكانه إسحاق بن عيسى بن علي. وفيها طعن عقبة بن سلم الهنائي بعيساباذ، وهو في دار عمر بن بزيغ، اغتاله رجل، فطعنه بخنجر، فمات فيها. وكان العامل على مكة والطائف فيها عبيد الله بن قثم، وعلى اليمن سليمان بن يزيد الحارثي، وعلى اليمامة عبد الله بن مصعب الزبيري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها روح بن حاتم، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان، وعلى قضائها عمر بن عثمان التيمي، وعلى كور دجلة وكسكر وأعمال البصرة والبحرين وعمان وكور الأهواز وفارس وكرمان المعلى مولى المهدي. وعلى خراسان وسجستان الفضل بن سليمان الطوسي. وعلى مصر موسى بن مصعب. وعلى أفريقية موسى بن حاتم. وعلى طبرستان والرويان عمر بن العلاء، وعلى حرجان ودنباوند وقومس فراشة مولى المهدي، وعلى الري سعد مولى أمير المؤمنين. ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من نقض الروم الصلح الذي جرى بينهم وبين هارون بن المهدي الذي ذكرناه قبل وغدرهم؛ وذلك في شهر رمضان من هذه السنة؛ فكان بين أول الصلح وغدر الروم ونكثهم به اثنان وثلاثون شهراً، فوجه علي بن سليمان وهو يومئذٍ على الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر بن البطال في سرية إلى الروم فغنموا وظفروا. وفيها وجه المهدي سعيداً الحرشي إلى طبرستان في أربعين ألف رجل. وفيها مات عمر الكلواذي صاحب الزنادقة. وولى مكانه حمدويه، وهو محمد بن عيسى من أهل ميسان. وفيها قتل المهدي الزنادقة ببغداد. وفيها رد المهدي ديوانه وديوان أهل بيته إلى المدينة ونقله من دمشق إليها. وفيها خرج المهدي إلى نهر الصلة أسفل واسط - وإنما سمي نهر الصلة فيما ذكر لأنه أراد أن يقطع أهل بيته وغيرهم غلته؛ يصلهم بذلك. وفيها ولي المهدي على بن يقطين ديوان زمام الأزمة علي عمر بن بزيع. وذكر أحمد بن موسى بن حمزة، عن أبيه، قال: أول من عمل ديوان الزمام عمر بن بزيع في خلافة المهدي؛ وذلك أنه لما جمعت له الدواوين تفكر؛ فإذا هو لا يضبطها إلا بزمام يكون على كل ديوان؛ فاتخذ دواوين الأزمة، وولي كل ديوان رجلاً، فكان واليه على زمام ديوان الخراج إسماعيل ابن صبيح؛ ولم يكن لبني أميه دواوين أزمة. وحج بالناس في هذه السنة علي بن محمد المهدي الذي يقال له ابن رليطه. ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها ذكر الخبر عن خروج المهدي إلى ماسبذان. فمما كان فيها من ذلك خروج المهدي في المحرم إلى ماسبذان. ذكر الخبر عن خروجه إليها: ذكر أن المهدي كان في آخر أمره قد عزم على تقديم هارون ابنه على ابنه موسى الهادي، وبعث إليه وهو بجرجان بعض أهل بيته ليقطع أمر البيعة، ويقدم الرشيد فلم يفعل، فبعث إليه المهدي بعض الموالي، فامتنع عليه موسى من القدوم، وضرب الرسول، فخرج المهدي بسبب موسى وهو يريده بجرجان فأصابه ما أصابه. وذكر الباهلي أن أبا شاكر أخبره - وكان من كتاب المهدي على بعض دواوينه - قال: سأل علي بن يقطين المهدي أن يتغذى عنده، فوعده أن يفعل، ثم إعتزم على إتيان ماسبذان؛ فوالله لقد أمر بالرحيل كأنه يساق إليها سوقاً، فقال له علي: يا أمير المؤمنين؛ إنك قد وعدتني أن تتغذى عندي غداً، قال: فاحمل غداءك إلى النهروان. قال: فحمله فتغدى بالنهروان، ثم انطلق. وفيها توفى المهدي. ذكر الخبر عن موت المهدي ذكر الخبر عن سبب وفاتهاختلف في ذلك، فذكر عن واضح قهرمان المهدي، قال :خرج المهدي يتصيد بقرية يقال لها الرذ بماسبذان، فلم أزل معه إلى بعد العصر، وانصرفت إلى مضربي - وكان بعيدا ً من مضربه - فلما كان في السحر الأكبر ركبت لإقامة الوظائف، فإني لأسير في برية، وقد انفردت عمن كان معي من غلماني وأصحابي؛ إذ لقيني أسود عريان على قتد رحل، فدنا مني؛ ثم قال لي: أبا سهل، عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فهممت أن أعلوه بالسوط، فغاب من بين يدي؛ فلما انتهيت إلى الرواق لقيني مسرور، فقال لي: أبا سهل، عظم الله أجرك في مولاك أمير المؤمنين! فدخلت فإذا أنابه مسجى في قبة، فقلت: فارقتكم بعد العصر؛ وهو أسر ما كان حالاً وأصحه بدناً، فما كان الخبر؟ قال: طردت الكلاب ظبياً، فلم يزل يتبعها، فاقتحم الظبي باب خربة، فاقتحمت الكلاب خلفه، واقتحم الفرس خلف الكلاب، فدق ظهره في باب الخربة، فمات من ساعته. وذكر أن علي بن أبي نعيم الروزي، قال: بعثت جارية من جواري المهدي إلى ضرة لها بلبأ فيه سم؛ وهو قاعد في البستان، بعد خروجه من عيساباذ، فدعا به فأكل منه، ففرقت الجارية أن تقول له إنه مسموم. وحدثني أحمد بن محمد الرازي، أن المهدي كان جالساً في علية في قصر بماسبذان، ويشرف من منظرة فيها على سفله، وكانت جاريته حسنة، قد عمدت إلى كمثراتين كبيرتين، فجعلتهما في صينية، وسمت واحدة منهما وهي أحسنهما وأنضجهما في أسفلها، وردت القمع فيها، ووضعتها في أعلى الصينية - وكان المهدي يعجبه الكمثرى - وأرسلت بذلك مع وصيفة لها إلى جارية للمهدي - وكان يتخطاها - تريد بذلك قتلها، فمرت الوصيفة بالصينية التي فيها تلك الكمثرى، تريد دفعها إلى الجارية التي أرسلتها حسنة إليها، بحيث يراها المهدي من المنظرة، فلما رأى ورأى معها الكمثرى؛ دعا بها، فمد يده إلى الكمثراة التي في أعلى الصينية وهي المسمومة، فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صرخ: جوفي! وسمعت حسنة الصوت، وأخبرت الخبر، فجاءت تلطم وجهها وتبكي، وتقول: أردت أن أنفرد بك، فقتلتك يا سيدي! فهلك من يومه. وذكر عن عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب، قال: لما صرنا إلى ماسبذان دنوت إلى عنانه، فأمسكت به وما به علة،؛ فوالله ما أصبح إلا ميتاً، فرأيت حسنة وقد رجعت؛ وإن على قبتها المسوح، فقال أبو العتاهية في ذلك: رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهن المسوح كل نطاح من الده ... ر له يوم نطوح لست بالباقي ولو عم ... رت ما عمر نوح فعلى نفسك نح إن ... كنت لابد تنوح وذكر صالح أن علي بن يقطين، قال: كنا مع المهدي بماسبذان فأصبح يوماً فقال: إني أصبحت جائعاً، فأتى بأرغفة ولحم بارد مطبوخ بالخل، فأكل منه ثم قال: إني داخل إلى البهو ونائم فيه، فلا تنبهوني حتى أكون أنا الذي أنتبه، ودخل البهو فنام، ونمنا نحن في الدار في الرواق؛ فانتبهنا ببكائه؛ فقمنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا: ما رأينا شيئاً، قال: وقف على الباب رجل، لو كان في ألف أو في مائة ألف رجل ما خفي علي، فأنشد يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجةٍ ... وملكٍ إلى قبر عليه جنادله فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه معولاتٍ حلائله قال: فما أتت عليه عاشرة حتى مات. وكانت وفاته - فيما قال أبو معشر الواقدي - في سنة تسع وستين ومائة، ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم؛ وكانت خلافته عشر سنين وشهراً ونصف شهر. وقال بعضهم: وكانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوماً؛ وتوفي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة. وقال هشام بن محمد: ملك أبو عبد الله المهدي محمد بن عبد الله سنة ثمان وخمسين ومائة، في ذي الحجة لست ليالٍ خلون منه؛ فملك عشر سنين وشهراً واثنين وعشرين يوماً، ثم توفي سنة تسع وستين ومائة، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة. ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه ومن صلى عليه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ذكر أن المهدي توفي بقرية من قرى ماسبذان، يقال لها الرذ؛ وفي ذلك يقول بكار بن رباح: ألا رحمة الرحمن في كل ساعةٍ ... على رمةٍ رمت بماسبذان لقد غيب القبر الذي تم سوددا ... وكفين بالمعروف تبتدران وصلى عليه ابنه هارون؛ ولم توجد له جنازة يحمل عليها، فحمل على باب، ودفن تحت شجرة جوز كان يجلس تحتها. وكان طويلاً مضمر الخلق، جعداً. واختلف في لونه، فقال بعضهم: كان أسمر، وقال بعضهم: كان أبيض. وكان في عينه اليمنى - في قول بعضهم - نكتة بياض. وقال بعضهم: كان ذلك بعينه اليسرى. وكان ولد بإيذج. ذكر بعض سيرة المهدي وأخبارهذكر عن هارون بن أبي عبيد الله، قال: كان المهدي إذا جلس للمظالم، قال: أدخلوا علي القضاة؛ فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى. وذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: حدثني علي بن صالح، قال: جلس المهدي ذات يوم يعطي جوائز تقسم بحضرته في خاصته ومن أهل بيته والقواد، وكان يقرأ عليه الأسماء، فيأمر بالزيادة؛ العشرة الآف والعشرين الألف، وما أشبه ذلك، فعرض عليه بعض القواد، فقال: يحط هذا خمسمائة، قال: لم حططتني يا أمير المؤمنين؟ قال: لأني وجهتك إلى عدو لنا فانهزمت. قال: كان يسرك أن أقتل؟ قال: لا، قال: فوالذي أكرمك بما أكرمك به من الخلافة لو ثبت لقتلت، فاستحيا المهدي منه، وقال: زده خمسة آلاف. قال الحسن: وحدثني علي بن صالح، قال: غضب المهدي على بعض القواد - وكان عتب عليه غير مرة - فقال له: إلى متى تذنب إلي وأعفو؟ قال: إلى أبدٍ نسيء، ويبقيك الله فتعفو عنا؛ فكررها عليه مرات، فاستحيا منه ورضي عنه. وذكر محمد بن عمر، عن حفص مولى مزينة، عن أبيه، قال: كان هشام الكلبي صديقاً لي، فكنا نتلاقى فنتحدث ونتناشد؛ فكنت أراه في حالٍ رثة وفي أخلاق على بغلة هزيل، والضر فيه بين وعلى بغلته؛ فما راعني إلا وقد لقيني يوماً على بغلة شقراء من بغال الخلافة، وسرج ولجام من سروج الخلافة ولجمها، في ثياب جياد ورائحة طيبة، فأظهرت السرور، ثم قلت له: أرى نعمة ظاهرةً، قال لي: نعم، أخبرك عنها، فاكتم؛ فبينما وأنا في منزلي منذ أيام بين الظهر والعصر؛ إذ أتاني رسول المهدي فسرت إليه، ودخلت عليه وهو جالس خالٍ ليس عنده أحد؛ وبين يديه كتاب، فقال: ادن يا هشام، فدنوت فجلست بين يديه، فقال: خذ هذا الكتاب فاقرأه. ولا يمنعك ما فيه مما تستفظعه أن تقرأه. قال: فنظرت في الكتاب؛ فلما قرأت بعضه استفظعته، فألقيته من يدي، ولعنت كاتبه، فقال لي: قد قلت لك إن استفظعته فلا تلقه؛ اقرأه بحقي عليك حتى تأتي على آخره! قال: فقرأته فإذا كتاب قد ثلبه فيه كاتبه ثلباً عجيبا، لم يبق له فيه شيئاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، من هذا الملعون الكذاب؟ قال: هذا صاحب الأندلس، قال: قلت: فالثلب والله يا أمير المؤمنين فيه وفي آبائه وفي أمهاته. قال: ثم اندرأت أذكر مثالبهم، قال: فسر بذلك، وقال: أقسمت عليك لما أمللت مثالبهم كلها على كاتب. قال: ودعا بكاتب من كتاب السر، فأمره فجلس ناحية، وأمرني فصرت إليه، فصدر الكتاب من المهدي جواباً، وأمللت عليه مثالبهم فأكثرت؛ فلم أبق شيئاً حتى فرغت من الكتاب، ثم عرضته عليه، فأظهر السرور، ثم لم أبرح حتى أمر بالكتاب فختم وجعل في خريطة، ودفع إلى صاحب البريد، وأمر بتعجيله إلى الأندلس. قال: ثم دعا بمنديل فيه عشرة أثواب من جياد الثياب وعشرة آلاف درهم، وهذه البغلة بسرجها ولجامها، فأعطاني ذلك، وقال لي: اكتم ما سمعت. قال الحسن: وحدثني مسور بن مساور، قال: ظلمني وكيل للمهدي، وغصبني ضيعة لي، فأتيت سلاماً صاحب المظالم، فتظلمت منه وأعطيته رقعة مكتوبة، فأوصل الرقعة إلى المهدي، وعنه عمه العباس بن محمد وابن علاثة وعافية القاضي. قال: قال المهدي: ادنه، فدنوت، فقال: ما تقول؟ قلت: ظلمني، قال: فترضى بأحد هذين؟ قال: قلت: نعم، قال: فادن مني، فدنوت حتى التزقت بالفراش، قال: تكلم، قلت: أصلح الله القاضي! إنه ظلمني في ضيعتي هذا، فقال القاضي: ماتقول يا أمير المؤمنين؟ قال: ضيعتي وفي يدي، قال: قلت: أصلح الله القاضي! سله صارت الضيعة إليه قبل الخلافة أو بعدها؟ قال: فسأله: ماتقول يا أمير المؤمنين؟ قال: صارت إلي بعد الخلافة. قال: فأطلقها له، قال: قد فعلت، فقال العباس بن محمد: والله يا أمير المؤمنين لذا المجلس أحب إلي من عشرين ألف ألف درهم. قال: وحدثني عبد الله بن الربيع، قال: سمعت مجاهداً الشاعر يقول: خرج المهدي متنزهاً، ومعه عمر بن بزيع مولاه، قال: فانقطعنا عن العسكر، والناس في الصيد، فأصاب المهدي جوع، فقال: ويحك! هل من شيء؟ قال: ما من شيء، قال: أرى كوخاً وأظنها مبقلة، فقصدنا قصده، فإذا نبطي في كوخ ومبقلة، فسلمنا عليه، فرد السلام، فقلنا له: هل عندك شيء نأكل؟ قال: نعم عندي ربيثاء وخبز شعير، فقال المهدي: إن كان عندك زيت فقد أكملت، قال: نعم، قال: وكراث؟ قال: نعم، ماشئت وتمر. قال: فعدا نحو المبقلة ، فأتاهم ببقل وكراث وبصل، فأكلا أكلاً كثيراً، وشبعاً، فقال المهدي لعمر بن بزيع: قل في هذا شعراً، فقال: إن من يطعم الربيثاء بالزي ... ت وخبز الشعير بالكراث لحقيق بصفعة أو بثنتي ... ن لسوء الصنيع أو بثلاث فقال المهدي: بئس ما قلت، ليس هكذا... لحقيق ببدرة أو بثنتي ... ن لحسن الصنيع أو بثلاث قال: ووافى العسكر والخزائن والخدم فأمر للنبطي بثلاث بدر وانصرف. وذكر محمد بن عبد الله، قال: أخبرني أبو غانم، قال: كان زيد الهلالي رجلاً شريفاً سخياً مشهوراً من بني هلال؛ وكان نقش خاتمه: " افلح يا زيد من زكا عمله " . فبلغ ذلك المهدي، فقال زيد الهلالي: زيد الهلالي نقش خاتمه ... أفلح يا زيد من زكا عمله قال: وقال حسن الوصيف: أصابتنا ريح في أيام المهدي حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب أمير المؤمنين، فوجدته واضعاً خده على الأرض، يقول: اللهم احفظ محمداً في أمته، اللهم لا تشمت بنا أعدائنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك؛ قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنا فيه. وقال الموصلي: قال عبد الصمد بن علي: قلت للمهدي: يا أمير المؤمنين، إنا أهل بيت قد أشرب قلوبنا حب موالينا وتقديمهم؛ وإنك قد صنعت من ذلك ما أفرطت فيه؛ قد وليتهم أمورك كلها، وخصصتهم في ليلك ونهارك، ولا آمن تغيير قلوب جندك وقوادك من أهل خراسان، قال: يا أبا محمد ، إن الموالي يستحقون ذلك؛ وليس أحد يجتمع لي فيه أن أجلس للعامة فأدعو به فأرفعه حتى تحك ركبته ركبتي، ثم يقوم من ذلك المجلس، فأستكفيه سياسة دابتي، فيكفيها، لا يرفع نفسه عن ذلك إلا موالي هؤلاء، فإنهم لا يتعاظمهم ذلك؛ ولو أردت هذا من غيرهم لقال: ابن دولتك والمتقدم في دعوتك، وأين من سبق إلى بيعتك، لا أدفعه عن ذلك. قال علي بن محمد: قال الفضل بن الربيع: قال المهدي لعبد الله بن مالك: صارع مولاي هذا، فصارعه؛ فأخذ بعنقه، فقال المهدي: شد، فلما رأى ذلك عبد الله أخذ برجله فسقط على رأسه فصرعه. فقال عبد الله للمهدي: يا أمير المؤمنين، قمت من عندك وأنا أحب الناس إليك، فلم تزل علي مع مولاك. قال: أما سمعت قول الشاعر: ومولاك لا يهضم لديك فإنما ... هضيمة مولى القوم جدع المناخر قال أبو الخطاب: لما حضرت القاسم بن مجاشع التيمي - من أهل مرو بقرية يقال لها باران - الوفاة أوصى إلى المهدي، فكتب: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام ... " ، إلى آخر الآية. ثم كتب: والقاسم بن مجاشع يشهد بذلك، ويشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن علي بن أبي طالب وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووارث الإمامة بعده. قال: فعرضت الوصية على المهدي، فلما بلغ هذا الموضع رمى بها ولم ينظر فيها. قال أبو الخطاب: فلم يزل في قلب أبي عبيد الله الوزير؛ فلما حضرته الوفاة كتب في وصيته هذه الآية. قال: وقال الهيثم بن عدي: دخل على المهدي رجل، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن المنصور شتمني وقذف أمي؛ فإما أمرتني أن أحله؛ وإلا عوضتني واستغفرت الله له. قال: ولم شتمك؟ قال: شتمت عدوه بحضرته؛ فغضب، قال: ومن عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، قال: إن إبراهيم أمس به رحماً وأوجب عليه حقاً، فإن كان شتمك كما زعمت، فعن رحمه ذب، وعن عرضه دفع؛ وما أساء من انتصر لابن عمه. قال: إنه كان عدواً له، قال: فلم ينتصر للعداوة؛ وإنما انتصر للرحم؛ فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولي، قال: لعلك أردت أمراً فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى! قال: نعم، قال: فتبسم وأمر له بخمسة آلاف درهم. قال: وأتى المهدي برجل قد تنبأ، فلما رآه، قال: أنت نبي؟ قال: نعم، قال: وإلى من بعثت؟ قال: وتركتموني أذهب إلى من بعثت إليه! وجهت بالغداة فأخذتموني بالعشي، ووضعتموني في الحبس! قال: فضحك المهدي منه، وخلى سبيله. وذكر أبو الأشعث الكندي، قال: حدثني بن عبد الله، قال: قال الربيع: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة؛ فما أدري أهو أحسن، أم البهو، أم ثيابه! قال: فقرأ هذه الآية: " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " ، قال: فتم صلاته والتفت إلي فقال: يا ربيع، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: علي بموسى، وقام إلى صلاته، قال: فقلت: من موسى؟ ابنه موسى، أو موسى بن جعفر، وكان محبوساً عندي! قال: فجعلت أفكر، قال: فقلت: ما هو إلاموسى بن جعفر، قال: فأحضرته، قال: فقطع صلاته، وقال: يا موسى، إني قرأت هذه الآية: " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " ، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي. قال: فقال: نعم، فوثق له وخلاه. وذكر إبراهيم بن أبي علي، قال: سمعت سليمان بن داود، يقول: سمعت المهدي يحدثنا في محراب المسجد على اللحن اليتيم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت " ، في سورة النساء. وذكر علي بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبي، قال: حضرت المهدي وقد جلس للمظالم؛ فتقدم إليه رجل من آل الزبير؛ فذكر ضيعة اصطفاها عن أبيه بعض ملوك بني أميه، ولا أدري: الوليد، أم سليمان! فأمر أبا عبيد الله أن يخرج ذكرها من الديوان العتيق، ففعل، فقرأ ذكرها على المهدي؛ وكان ذلك أنها عرضت على عدة منهم لم يروا ردها؛ منهم عمر بن عبد العزيز، فقال المهدي: يا زبيري، هذا عمر بن عبد العزيز؛ وهو منكم معشر قريش كما علمتم لم يرد ردها، قال: وكل أفعال عمر ترضى؟ قال: وأي أفعاله لا ترضى؟ قال: منها أنه كان يفرض للسقط من بنى أمية في خرقه في الشرف من العطاء، ويفرض للشيخ من بني هاشم في ستين. قال: يا معاوية أكذلك كان يفعل عمر؟ قال: نعم؛ قال: اردد على الزبير ضيعته. وذكر عن عمر بن شبة أن أبا سلمة الغفاري حدثه، قال: كتب المهدي إلى جعفر بن سليمان وهو عامل المدينة أن يحمل إليه جماعة تهم بالقدر، فحمل إليه رجالاً؛ منهم عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وعبد الله بن يزيد بن قيس الهذلي، وعيسى بن يزيد بن دأب الليثي، وإبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأسامي؛ فأدخلوا على المهدي، فانبرى له عبد الله بن أبي عبيدة بينهم؛ فقال: هذا دين أبيك ورأيه؟ قال: لا، ذاك عمي داود. قال: لا، إلا أبوك، على هذا فارقنا وكان به يدين. فأطلقهم. وذكر علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: رأيت فيما يرى النائم في آخر سلطان بني أمية، كأني دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت رأسي، فنظرت في الكتاب الذي في المسجد بالفسيفساء فإذا فيه: مما أمر به أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك؛ وإذا قائل يقول: يمحو هذا الكتاب ويكتب مكانه اسم رجل من بني هاشم يقال له محمد. قال: قلت: أنا محمد، وأنا من بني هاشم؛ فابن من؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله، فابن من؟ قال: ابن محمد، قلت: فأنا بن محمد، فابن من؟ قال: ابن علي، قلت: فأنا بن علي، فابن من؟ قال: ابن عبد الله، قلت: فأنا ابن عبد الله؛ فابن من؟ قال: عباس؛ فلو لم أكن بلغت العباس ما شككت أني صاحب الأمر. قال: فتحدثت بهذه الرؤيا في ذلك الدهر ونحن لا نعرف المهدي؛ فتحدث الناس بها حتى ولي المهدي، فدخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه فنظر فرأى اسم الوليد، فقال: إني لأرى اسم الوليد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، فدعا بكرسي فألقي له في صحن المسجد وقال: ما أنا ببارح حتى يمحى ويكتب اسمي مكانه. وأمر أن يحضر العمال والسلاليم وما يحتاج إليه، فلم يبرح حتى غير وكتب اسمه. وذكر أحمد بن الهيثم القرشي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عطاء، قال: خرج المهدي بعد هدأة من الليل يطوف بالبيت، فسمع أعرابية من جانب المسجد وهي تقول: قومي مقترون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون؛ بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم؛ أبناء سبيل، وأنضاء طريق؛ وصية الله ووصية الرسول؛ فهل من آمر لي بخير، كلأه الله في سفره، وخلفه الله في أهله! قال: فأمر نصيراً الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم. وذكر علي بن محمد بن سليمان، قال: سمعت أبي يقول: كان أول من افترش الطبري المهدي؛ وذلك أن أباه كان أمره بالمقام بالري، فأهدى إليه الطبري من طبرستان، وجعل الثلج والخلاف حوله؛ حتى فتح لهم الخيش، فطاب لهم الطبري فيه. وذكر محمد بن زياد، قال: قال المفضل: قال لي المهدي: اجمع لي الأمثال مما سمعتها من البدو، وما صح عندك. قال: فكتبت له الأمثال وحروب العرب مما كان فيها؛ فوصلني وأحسن إلي. قال علي بن محمد: كان الرجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة أراد الوثوب بالشام، فحمل إلى المهدي فخلى سبيله وأكرمه، وقرب مجلسه. فقال له يوماً: أنشدني قصيدة زهير التي هي على الراء، وهي: لمن الديار بقنة الحجر فأنشده، فقال السمري: ذهب والله من يقال فيه مثل هذا الشعر؛ فغضب المهدي واستجهله، ونحاه ولم يعاقبه، واستحمقه الناس. وذكر أن أبا عون عبد الملك بن يزيد مرض، فعاده المهدي؛ فإذا منزل رث وبناء سوء؛ وإذا طاق صفته التي هو فيها لبن. قال: وإذا مضربة ناعمة في مجلسه، فجلس المهدي على وسادة، وجلس أبو عون بين يديه، فبره المهدي، وتوجع لعلته. وقال أبو عون: أرجو عافية الله يا أمير المؤمنين؛ وألا يميتني على فراشه حتى أقتل في طاعتك؛ وإني لواثق بألا أموت حتى أبلى الله في طاعتك ما هو أهله؛ فإنا قد روينا، قال: فأظهر له المهدي رأياً جميلاً، وقال: أوصني بحاجتك، وسلني ما أردت، واحتكم في حياتك ومماتك؛ فوالله لئن عجز مالك عن شيء توصي به لأحتملنه كائناً ما كان؛ فقل وأوص. قال: فشكر أبو عون ودعا، وقال: يا أمير المؤمنين؛ حاجتي أن ترضى عن عبد الله بن أبي عون، وتدعو به، فقد طالت موجدتك عليه. قال: فقال: يا أبا عون، إنه على غير الطريق، وعلى خلاف رأينا ورأيك؛ إنه يقع في الشيخين أبي بكر وعمر، ويسيء القول فيهما. قال: فقال أبو عون: هو والله يا أمير المؤمنين على الأمر الذي خرجنا عليه، ودعونا إليه؛ فإن كان قد بدا لكم فمرونا بما أحببتم حتى نطيعكم. قال: وانصرف المهدي، فلما كان في الطريق قال لبعض من كان معه من ولده وأهله: ما لكم لا تكونون مثل أبي عون! والله ما كنت أظن منزله إلا مبنياً بالذهب والفضة؛ وأنتم إذا وجدتم درهماً بنيتم بالساج والذهب. وذكر أبو عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: خطب المهدي يوماً، فقال: عباد الله؛ اتقوا الله؛ فقام إليه رجل، فقال: وأنت فاتق الله؛ فإنك تعمل بغير الحق. قال: فأخذ فحمل، فجعلوا يتلقونه بنعال سيوفهم؛ فلما أدخل عليه قال: يا ابن الفاعلة، تقول لي وأنا على المنبر: اتق الله! قال: سوءة لك! لو كان هذا من غيرك كنت المستعدي بك عليه، قال: ما أراك إلا نبطياً، قال: ذاك أوكد للحجة عليك أن يكون نبطي يأمرك بتقوى الله. قال: فرئي الرجل بعد ذلك؛ فكان يحدث بما جرى بينه وبين المهدي. قال: فقال أبي: وأنا حاضره، إلا أني لم أسمع الكلام. وقال هارون بن ميمون الخزاعي: حدثنا أبو خزيمة البادغيسي، قال: قال المهدي: ما توسل إلي أحد بوسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره إياي يداً سلفت مني إليه أتبعها أختها، فأحسن ربها؛ لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل. قال: وذكر خالد بن يزيد بن وهب بن جرير، أن أباه حدثه، قال: كان بشار بن برد بن يرجوخ هجا صالح بن داود بن طهمان - أخا يعقوب بن داود - حين ولي البصرة، فقال: هم حملوا المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب بن داود هجاؤه، فدخل على المهدي، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الأعمى المشرك قد هجا أمير المؤمنين، قال: ويلك! وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاد ذلك، قال: فأبى عليه إلا أن ينشده، فأنشده: خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران قال: فوجه في حمله، فخاف يعقوب بن داود أن يقدم على المهدي فيمتدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من يلقيه في البطيحة في الخرارة. وذكر عبد الله بن عمر. حدثني جدي أبو الحي العبسي، قال: لما دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي، فأنشده شعره الذي يقول فيه: أنى يكون وليس ذاك بكائنٍ ... لبني البنات وراثة الأعمام فأجازه بسبعين ألف درهم، فقال مروان: بسبعين ألفاً راشني من حبائه ... ومانالها في الناس من شاعر قبلي وذكر أحمد بن سليمان، قال: أخبرني أبو عدنان السلمي، قال: قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس شعراً؟ قال: والبة بن الحباب الأسدي، وهو الذي يقول: ولها ولا ذنب لها ... حب كأطراف الرماح في القلب يفدح والحشا ... فالقلب مجروح النواحي قال: صدقت والله ، قال: فما يمنعك من منادمته يا أمير المؤمنين، وهو عربي شريف شاعر ظريف؟ قال: يمنعني والله من منادمته، قوله: قلت لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من رأسي ونم على وجهك لي ساعةً ... إني امرؤ أنكح جلاسي أفتريد أن يكون جلاسه على هذه الشريطة! وذكر محمد بن سلام أنه كان في زمان المهدي إنسان ضعيف يقول الشعر إلى أن مدح المهدي. قال: فأدخل عليه فأنشده شعراً يقول فيه: وجوارٍ زفرات، فقال له المهدي: أي شيء زفرات؟ قال: وما تعرفها أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لا والله، قال: فأنت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعرفها، أعرفها أنا! كلا والله. قال ابن سلام: أخبرني غير واحد أن طريح بن إسماعيل الثقفي دخل على المهدي فانتسب له، وسأله أن يسمع منه، فقال: ألست الذي يقول للوليد بن يزيد: أنت بن مسلنطح البطاح ولم ... تطرق عليك الخي والولج والله لا تقول لي في مثل هذا أبداً، لا أسمع منك شعراً، وإن شئت وصلتك. وذكر أن المهدي أمر بالصوم سنة ست وستين ليستسقي للناس في اليوم الرابع، فلما كان في الليلة الثالثة أصابهم الثلج، فقال لقيط بن بكير المحاربي في ذلك: يا إمام الهدى سقينا بك الغي ... ث وزالت عنا بك اللأواء بت تعنى بالحفظ والناس نوا ... م عليهم من الظلام غطاء رقدوا حيث طال ليلك فيهم ... لك خوف تضرع وبكاء وقد عنتك الأمور منهم على الغف ... لة من معشر عصوا وأساءوا وسقينا وقد قحطنا وقلنا ... سنة قد تنكرت حمراء بدعاء أخلصته في سواد ال ... ليل لله فاستجيب الدعاء بثلوج تحيا بها الأرض حتى ... أصبحت وهي زهرة خضراء وذكر أن الناس في أيام المهدي صاموا شهر رمضان في صميم الصيف، وكان أبو دلامة إذ ذاك يطالب بجائزة وعدها إياه المهدي، فكتب إلى المهدي رقعة يشكو إليه فيها ما لقي من الحر والصوم، فقال في ذلك: أدعوك بالرحم التي جمعت لنا ... في القرب بين قريبنا والأبعد إلا سمعت وأنت أكرم من مشى ... من منشدٍ يرجو جزاء المنشد حل الصيام فصمته متعبدا ... أرجو ثواب الصائم المتعبد وسجدت حتى جبهتي مشجوجة ... مما أكلف من نطاح المسجد فلما قرأ المهدي الرقعة دعا به، فقال: أي قرابة بيني وبينك يا ابن اللخناء! قال: رحم آدم وحواء. فضحك منه وأمر له بجائزة. وذكر علي بن محمد، قال: حدثني أبي، عن إبراهيم بن خالد بن المعيطي قال: دخلت على المهدي - وقد وصف له غنائي - فسألني عن الغناء وعن علمي به، وقال لي: تغني النواقيس؟ قلت: نعم والصليب يا أمير المؤمنين! فصرفني؛ وبلغني أنه قال: معيطي، ولا حاجة لي إليه فيمن أدنيه من خلوتي ولا آنس به. ولمعبد المغني النواقيس في هذا الشعر: سلا دار ليلى هل تجيب فتنطق ... وأنى ترد القول بيداء سملق وأنى ترد القول دار كأنها ... لطول بلاها والتقادم مهرق وذكر قعنب بن محرز أبو عمرو الباهلي أن الأصمعي حدثه، قال: رأيت حكماً الوادي حين مضى المهدي إلى بيت المقدس، فعرض له من في الطريق، وكان له شعيرات، وأخرج دفاً له يضربه، وقال: أنا القائل: فمتى تخرج العرو ... س فقد طال حبسها قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم تقض لبسها فتسرع إليه الحرس فصيح بهم: كفوا، وسأل عنه فقيل: حكم الوادي، فأدخله إليه ووصله. وذكر علي بن محمد أنه سمع أباه يقول: دخل المهدي بعض دوره يوماً فإذا جارية له نصرانية، وإذا جيبها واسع وقد انكشف عما بين ثدييها؛ وإذا صليب من ذهب معلق في ذلك الموضع؛ فاستحسنه، فمد يده إليه فجذبه، فأخذه، فولولت على الصليب، فقال المهدي في ذلك: يوم نازعتها الصليب فقالت ... ويح نفسي أما تحل الصليبا! قال: وأرسل إلى بعض الشعراء فأجازه، وأمر به فغنى فيه، وكان معجباً بهذا الصوت. قال: وسمعت أبي يقول: إن المهدي نظر إلى جارية له عليها تاج فيه نرجس من ذهب وفضة، فاستحسنه فقال: يا حبذا النرجس في التاج فأرتج عليه، فقال: من بالحضرة؟ قالوا: عبد الله بن مالك، فدعاه، فقال: إني رأيت جارية لي فاستحسنت تاجاً عليها فقلت: يا حبذا النرجس في التاج فتستطيع أن تزيد فيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ ولكن دعني أخرج فأفكر، قال: شأنك، فخرج وأرسل إلى مؤدب لولده فسأله إجازته، فقال: على جبين لاح كالعاج وأتمها أبياتاً أربعة، فأرسل بها عبد الله إلى المهدي، فأرسل إليه المهدي بأربعين ألفاً، فأعطى المؤدب منها أربعة آلاف، وأخذ الباقي لنفسه، وفيها غناء معروف. وذكر أحمد بن موسى بن مضر أبو علي، قال: أنشدني التوزي في حسنة جاريته: أرى ماءً وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي وذكر علي بن محمد، عن أبيه، قال: رأيت المهدي وقد دخل البصرة من قبل سكة قريش، فرأيته يسير والبانوقة بين يديه، وبينه وبين صاحب الشرطة، عليها قباء أسود، متقلدة سيفاً في هيئة الغلمان. قال: وإني لأرى في صدرها شيئاً من ثدييها. قال علي: وحدثني أبي، قال: قدم المهدي إلى البصرة، فمر في سكة قريش، وفيها منزلنا؛ وكانت الولاة لا تمر فيها إذا قدم الوالي، كانوا يتشاءمون بها - قل والٍ مر فيها فأقام في ولايته إلا يسيراً حتى يعزل - ولم يمر فيها خليفة قط إلا المهدي، كانوا يمرون في سكة عبد الرحمن بن سمرة، وهي تساوي سكة قريش، فرأيت المهدي يسير، وعبد الله بن مالك على شرطه يسير أمامه، في يده الحربة، وابنته البانوقة تسير بينه وبين يديه وبين صاحب الشرطة في هيئة الفتيان، عليها قباء أسود ومنطقة وشاشية، متقلدة السيف، وإني لأرى ثدييها قد رفعا القباء لنهودهما. قال: وكانت البانوقة سمراء حسنة القد حلوة. فلما ماتت - وذلك ببغداد - أظهر عليها المهدي جزعاً لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه، وأمر ألا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس من التعازي، واجتهدوا في البلاغة، وفي الناس من ينتقد هذا عليهم من أهل العلم والأدب، فأجمعوا على أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شيبة؛ فإنه قال: يا أمير المؤمنين، الله خير لها منك، وثواب الله خير لك منها، وأنا أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك. وقد ذكر صباح بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي، قال: توفيت البانوقة بنت المهدي، فدخل عليه شبيب بن شيبة، فقال: أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً، وأعقبك صبراً، لا أجهد الله بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمةً؛ ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك؛ وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده. خلافة الهادي وفي هذه السنة بويع لموسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة، يوم توفي المهدي، وهو مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان؛ وكانت وفاة المهدي بماسبذان ومعه ابنه هارون، ومولاه الربيع ببغداد خلفه بها؛ فذكر أن الموالي والقواد لما توفي المهدي اجتمعوا إلى ابنه هارون، وقالوا له: إن علم الجند بوفاة المهدي لم تأمن الشغب، والرأي أن يحمل، وتنادي في الجند بالقفل حتى تواريه ببغداد. فقال هارون: ادعوا إلي أبي يحيى بن خالد البرمكي - وكان المهدي ولى هارون المغرب كله؛ من الأنبار إلى إفريقية؛ وأمر يحيى بن خالد أن يتولى ذلك، فكانت إليه أعماله ودواوينه يقوم بها ويخلفه على ما يتولى منها إلى أن توفي - قال: فصار يحيى بن خالد إلى هارون، فقال له: يا أبت، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونصير والمفضل؟ قال: وما قالوا؟ فأخبره، قال: ما أرى ذلك، قال: ولم؟ قال: لأن هذا ما لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلقوا بمحمله، ويقولوا: لا نخليه حتى نعطى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكموا ويشتطوا؛ ولكن أرى أن يوارى رحمه الله ها هنا؛ وتوجه نصيراً إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية؛ فإن البريد إلى نصير؛ فلا ينكر خروجه أحد إذ كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز؛ مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالقفول؛ فإنهم إن قبضوا الدراهم لم تكن لهم همة سوى أوطانهم؛ ولا عرجة على شيء دون بغداد. قال: نفعل ذلك. وقال الجند لما قبضوا الدراهم: بغداد بغداد! يتبادرون إليها، ويبعثون على الخروج من ماسبذان؛ فلما وافوا بغداد، وعلموا خبر الخليفة، ساروا إلى باب الربيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق، وضجوا. وقدم هارون بغداد، فبعثت الخيزران إلى الربيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك؛ فأمل الربيع فدخل عليها، وأما يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدة غيرة موسى. قال: وجمعت الأموال حتى أعطي الجند لسنتين، فسكتوا؛ وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الربيع كتاباً يتوعده فيه بالقتل، وكتب إلى يحيى بن خالد يجزيه الخير، ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به، وأن يتولى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولاه. قال: فبعث الربيع إلى يحيى بن خالد - وكان يوده، ويثق به، ويعتمد على رأيه: يا أبا علي، ما ترى؟ فإنه لاصبر لي على جر الحديد. قال: أرى ألا تبرح موضعك، وأن توجه ابنك الفضل يستقبله ومعه من الهدايا والطرف ما أمكنك؛ فإني لأرجو ألا يرجع إلا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. قال: وكانت أم الفضل ابنه بحيث تسمع منهما مناجاتهما؛ فقالت له: نصحك والله. قال: فإني أحب أن أوصي إليك؛ فإني لا أدري ما يحدث. فقال: لست أنفرد لك بشيء، ولا أدع لك ما يجب، وعندي في هذا وغيره ما تحب؛ ولكن أشرك معي في ذلك ابنك الفضل وهذه المرأة؛ فإنها جزلة مستحقة لذلك منك. ففعل الربيع ذلك وأوصى إليهم. قال الفضل بن سليمان: ولما شغب الجند على الربيع ببغداد وأخرجوا من كان في حبسه، وأحرقوا أبواب دوره في الميدان، حضر العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح ومحرز بن إبراهيم ذلك؛ فرأى العباس أن يرضوا، وتطيب أنفسهم، وتفرق جماعتهم بإعطائهم أرزاقهم؛ فبذل ذلك لهم فلم يرضوا، ولم يثقوا مما ضمن لهم من ذلك؛ حتى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه وتفرقوا، فوفى لهم بذلك، وأعطوا رزق ثمانية عشر شهراً؛ وذلك قبل قدوم هارون. فلما قدم - وكان هو خليفة موسى الهادي - ومعه الربيع وزيراً له وجه الوفود إلى الأمصار، ونعى إليهم المهدي، وأخذ بيعتهم لموسى الهادي؛ وله بولاية العهد من بعده؛ وضبط أمر بغداد. وقد كان نصير الوصيف شخص من ماسبذان من يومه إلى جرجان بوفاة المهدي والبيعة له؛ فلما صار إليه نادى بالرحيل، وخرج من فوره على البريد جواداً ومعه من أهل بيته إبراهيم وجعفر، ومن الوزراء عبيد الله بن زياد الكاتب صاحب رسائله، ومحمد بن جميل كاتب جنده. فلما شارف مدينة السلام استقبله الناس من أهل بيته وغيرهم؛ وقد كلن احتمل على الربيع ما كان منه وما صنع من توجيه الوفود وإعطائه الجنود قبل قدومه؛ وقد كان الربيع وجه ابنه الفضل؛ فتلقاه بما أعد له من الهدايا؛ فاستقبله بهمذان، فأدناه وقربه، وقال: كيف خلفت مولاي؟ فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الربيع، فعاتبه الهادي فاعتذر إليه؛ وأعلمه السبب الذي دعاه إلى ذلك، فقبله، وولاه الوزارة مكان عبيد الله بن زياد بن أبي ليلى، وضم إليه ما كان عمر بن بزيع يتولاه من الزمام، وولى محمد بن جميل ديوان خراج العراقين، وولى عبيد الله بن زياد خراج الشام وما يليه، وأقر على حرسه علي بن عيسى بن ماهان، وضم إليه ديوان الجند، وولى شرطة عبد الله بن مالك مكان عبد الله بن خازم، وأقر الخاتم في يد علي بن يقطين. وكانت موافاة موسى الهادي بغداد عند منصرفه من جرجان لعشر بقين من صفر في هذه السنة، سار - فيما ذكر عنه - من جرجان إلى بغداد في عشرين يوماً، فلما نزل القصر الذي يسمى الخلد؛ فأقام به شهراً، ثم تحول إلى بستان أبي جعفر، ثم تحول إلى عيساباذ. وفي هذه السنة هلك الربيع مولى أبي جعفر المنصور. وقد ذكر علي بن محمد النوفلي أن أباه حدثه أنه كانت لموسى الهادي جارية، وكانت حظية عنده، وكانت تحبه وهو بجرجان حين وجهه إليها المهدي، فقالت أبياتاً، وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان، منها: يا بعيد المحل أم ... سى بجرجان نازلا قال: فلما جاءته البيعة وانصرف إلى بغداد؛ لم تكن له همة غيرها، فدخل عليها وهي تغني بأبياتها، فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لأحد من الناس. وفي هذه السنة اشتد طلب موسى الزنادقة؛ فقتل منهم فيها جماعة؛ فكان ممن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين، وابنه علي بن يقطين من أهل النهروان؛ ذكر عنه أنه حج فنظر إلى الناس في الطواف يهرولون، فقال: ما أشبههم إلا ببقر تدوس في البيدر. وله يقول العلاء بن حداد الأعمى: أيا أمين الله في خلقه ... ووراث الكعبة والمنبر ماذا ترى في رجل كافر ... يشبه الكعبة بالبيدر ويجعل الناس إذا ما سعوا ... حمراً تدوس البر والدوسر! فقتله موسى ثم صلبه، فسقطت خشبته على رجل من الحاج فقتلته وقتلت حماره. وقتل من بني هاشم يعقوب بن الفضل. وذكر عن علي بن محمد الهاشمي، قال: كان المهدي أتى بابن لداود ابن على زنديقاً، وأتى بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقاً، في مجلسين متفرقين، فقال لكل واحد منهما كلاماً واحداً، وذلك بعد أن أقرا له بالزندقه، أما يقعوب بن الفضل فقال له: أقر بها بيني وبينك؛ فأما أن أظهر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتني بالمقاريض، فقال له: ويلك! لو كشفت لك السموات، وكان الامر كما تقول، كنت حقيقا أن تغضب لمحمد، ولولا محمد صلى الله عليه من كنت! هل كنت إلا إنساناً من الناس! أما والله لولا أني كنت جعلت لله على عهداً إذا ولاني هذا الامر ألا أقتل هاشمياً لما ناظرتك ولقتلتك. ثم التفت إلى موسى الهادي، فقال: يا موسى، أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الامر بعدي ألا تناظرهما ساعة واحدة. فمات ابن داود بن علي في الحبس قبل وفاة المهدي؛ وأما يعقوب فبقي حنى مات المهدي. وقدم موسى من جرجان فساعة دخل، ذكر وصية المهدي، فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشأً، واقعدت الرجال عليه حتى مات. ثم لها عنه ببيعته وتشديد خلافته؛ وكان ذلك في يوم شديد الحر، فبقي يعقوب حتى مضى من الليل هدء، فقيل لموسى: يا أمير المؤمنين، إن يعقوب قد انتفخ وأروح. قال: ابعثوا به إلى أخيه إسحاق بن الفضل، فخبروه أنه مات في السجن. فجعل في زورق واتي به إسحاق، فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل، فدفنه في بستان له من ساعته، وأصبح فأرسل إلى الهاشميين يخبرهم بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة، وأمر بخشبة فعملت في قد الإنسان فغشيت قطنا، وألبسها أكفاناً، ثم حملها على السرير، فلم يشك من حضرها أنه شيء مصنوع. وكان ليعقوب ولد من صلبه: عبد الرحمن والفضل وأروى فاطمة، فأما فاطمة فوجدت حبلى منه، وأقرت بذلك. قال علي بن محمد: قال أبي: فأدخلت فاطمة وامرأة يعقوب بن الفضل - وليست بهاشمية، يقال لها خديجة - على الهادي - أو على المهدي من قبل - فأقرتا بالزندقة، وأقرت فاطمة أنها حامل من أبيها، فأرسل بهما إلى ريطة بنت أبي العباس، فرأتهما مكتحلتين مختضبتين، فعذلتهما، وأكثرت على الابنة خاصة، فقالت : أكرهني، فقالت: فما بال الخضاب والكحل والسرور؛ إن كنت مكرهة! ولعنتهما. قال: وخبرت أنهما فزعتا فماتتا فزعاً، ضرب على رأسيهما بشيء يقال له الرعبوب. ففزعتا منه، فماتتا. وأما أروى فبقيت فتزوجها ابن عمها الفضل بن إسماعيل بن الفضل؛ وكان رجلاً لا بأس به في دينه. وفيها قدم ونداهرمز صاحب طبرستان إلى موسى بأمان، فأحسن صلته، ورده إلى طبرستان. ذكر بقية الخبر عن الأحداث التي كانت سنة تسع وستين ومائةخروج الحسين بن علي بن الحسن بفخ ومما كان فيها خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المقتول بفخ. ذكر الخبر عن خروجه ومقتلهذكر عن محمد بن موسى الخوارزمي أنه قال: كان بين موت المهدي وخلافة الهادي ثمانية أيام. قال: ووصل إليه الخبر وهو بجرجان، وإلى أن قدم من مدينة السلام إلى خروج الحسين بن علي بن الحسن، وإلى أن قتل الحسين، تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً. وذكر محمد بن صالح، أن أبا حفص السلمي حدثه، قال: كان إسحاق بن عيسى بن علي على المدينة، فلما مات المهدي واستخلف موسى، شخص إسحاق وافداً إلى العراق إلى موسى، واستخلف على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إسحاق بن عيسى بن علي استعفى الهادي وهو على المدينة، واستأذنه في الشخوص إلى بغداد، فأعفاه، وولى مكانه عمر بن عبد العزيز. وإن سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن كان أن عمر بن عبد العزيز لما تولى المدينة - كما ذكر الحسين بن محمد بن أبي حفص السلمي - أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن ومسلم بن جندب الشاعر الهذلي وعمر بن سلام مولى آل عمر على شراب لهم، فأمر بهم فضربوا جميعاً، ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة، فكلم فيهم، وصار إليه الحسين بن علي فكلمه، وقال: ليس هذا عليهم وقد ضربتهم، ولم يكن لك أن تضربهم؛ لأن أهل العراق لا يرون به بأساً، فلم تطوف بهم! فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردهم، وأمر بهم إلى الحبس، فحبسوا يوماً وليلة، ثم كلم فيهم فأطلقهم جميعاً؛ وكانوا يعرضون، ففقد الحسن بن محمد، وكان الحسين بن علي كفيله. قال محمد بن صالح: وحدثني عبد الله بن محمد الأنصاري أن العمري كان كفل بعضهم من بعض؛ فكان الحسين بن علي بن الحسن ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيلين بالحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن؛ وكان قد تزوج مولاةً لهم سوداء ابنة أبي ليث مولى عبد الله بن الحسن؛ فكان يأتيها فيقيم عندها، فغاب عن العرض يوم الأربعاء والخميس والجمعة، وعرضهم خليفة العمري عشية الجمعة، فأخذ الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله؛ فسألهما عن الحسن بن محمد؛ فغلظ عليهم بعض التغليظ، ثم انصرف إلى العمري فأخبره خبرهم، وقال له: أصلحك الله! الحسن بن محمد غائب مذ ثلاث، فقال: ائتني بالحسين ويحيى؛ فذهب فدعاهما، فلما دخلا عليه، قال لهما: أين الحسن بن محمد؟ قالا: والله ما ندري؛ إنما غاب عنا يوم الأربعاء، ثم كان يوم الخميس؛ فبلغنا أنه اعتل، فكنا نظن أن هذا اليوم لا يكون فيه عرض؛ فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه، فحلف يحيى بن عبد الله ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره؛ حتى يعلم أنه قد جاءه به. فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسناً! حلفت له بشيء لا تقدر عليه. قال: إنما حلفت على حسن، قال: سبحان الله! فعلى أي شيء حلفت! قال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف. قال: فقال حسين: تكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة، قال: قد كان الذي كان فلا بد منه. وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة في الموسم - فيما ذكروا - وقد كان قوم من أهل الكوفة من شيعتهم - وممن كان بايع الحسين - متكمنين في دار، فانطلقوا فعملوا في ذلك من عشيتهم ومن ليلتهم، حتى إذا كان في آخر الليل خرجوا. وجاء يحيى بن عبد الله حتى ضرب باب دار مروان على العمري، فلم يجده فيها، فجاء إلى منزله في دار عبد الله بن عمر فلم يجده أيضاً فيها، وتوارى منهم، فجاءوا حتى اقتحموا المسجد حين أذنوا بالصبح؛ فجلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء؛ وجعل الناس يأتون المسجد؛ فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون، فلما صلى الغداة جعل الناس يأتونه، ويبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم للمرتضى من آل محمد. وأقبل خالد البربري؛ وهو يومئذ على الصوافي بالمدينة قائد على مائتين من الجند مقيمين بالمدينة، وأقبل فيمن معه، وجاء العمري ووزير بن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقد الشروي؛ ومعهم ناس كثير؛ فيهم الحسين بن جعفر بن الحسين بن الحسين على حمار، واقتحم خالد البربري الرحبة، وقد ظاهر بين درعين، وبيده السيف، وعمود في منطقته، مصلتاً سيفه، وهو يصيح بحسين: أنا كسكاس، قتلني الله إن لم أقتلك! وحمل عليهم حتى دنا منهم؛ فقام إليه ابنا عبد الله بن حسن: يحيى وإدريس، فضربه يحيى على أنف البيضة فقطعها وقطع أنفه، وشرقت عيناه بالدم فلم يبصر، فبرك يذبب عن نفسه بسيفه وهو لا يبصر، واستدار له إدريس من خلفه فضربه وصرعه، وعلواه بأسيافهما حتى قتلاه، وشد أصحابهما على درعيه فخلعوهما عنه، وانتزعوا سيفه وعموده، فجاءوا به. ثم أمروا به فجر إلى البلاط، وحملوا على أصحابه فانهزموا. قال عبد الله بن محمد: هذا كله بعيني. وذكر عبد الله بن محمد أن خالداً ضرب يحيى بن عبد الله، فقطع البرنس، ووصلت ضربته إلى يد يحيى فأثرت فيها، وضربه يحيى على وجهه، واستدار رجل أعور من أهل الجزيرة فأتاه من خلفه، فضربه على رجليه، واعتوروه بأسيافهم فقتلوه. قال عبد الله بن محمد: ودخل عليهم المسودة المسجد حين دخل الحسين بن جعفر على حماره، وشدت المبيضة فأخرجوهم، وصاح بهم الحسين: ارفقوا بالشيخ - يغني الحسين بن جعفر - وانتهب بيت المال، فأصيب فيه بضعة عشر ألف دينار، فضلت من العطاء - وقيل: إن ذلك كان سبعين ألف دينار كان بعث بها عبد الله بن مالك، يفرض بها من خزاعة - قال: وتفرق الناس، وأغلق أهل المدينة عليهم أبوابهم؛ فلما كان من الغد اجتمعوا واجتمعت شيعة ولد العباس، فقاتلوهم بالبلاط فيما بين رحبة دار الفضل والزوراء، وجعل المسودة يحملون على المبيضة حتى يبلغوا بهم رحبة دار الفضل، وتحمل المبيضة عليهم حتى يبلغ بهم الزوراء. وفشت الجراحات بين الفريقين جميعاً، فاقتتلوا إلى الظهر، ثم افترقوا، فلما كان في آخر النهار من اليوم الثاني يوم الأحد، جاء الخبر بأن مباركاً التركي ينزل بئر المطلب، فنشط الناس، فخرجوا إليه فكلموه أن يجيء، فجاء من الغد حتى أتى الثنية، واجتمع الناس إليه شيعة بني العباس ومن أراد القتال، فاقتتلوا بالبلاط أشد قتال إلى انتصاف النهار، ثم تفرقوا. وجاء هؤلاء إلى المسجد، ومضى الآخرون إلى مبارك التركي، إلى دار عمر بن عبد العزيز بالثنية يقيل فيها، وواعد الناس الرواح، فلما غفلوا عنه، جلس على رواحله فانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فناوشوهم شيئاً من القتال إلى المغرب، ثم تفرقوا، وأقام حسين وأصحابه أياماً يتجهزون. وكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوماً، ثم خرج يوم أربعة وعشرين لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا من المدينة عاد المؤذنون فأذنوا؛ وعاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام التي كانوا يأكلون وآثارهم، فجعلوا يدعون الله عليهم، ففعل الله بهم وفعل. قال محمد بن صالح: فحدثني نصير بن عبد الله بن إبراهيم الجمحي، أن حسيناً لما انتهى إلى السوق متوجهاً إلى مكة التفت إلى أهل المدينة، وقال: لا خلف الله عليكم بخير! فقال الناس وأهل السوق: لا بل أنت؛ لا خلف الله عليك بخير، ولا ردك! وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فملؤوه قذراً وبولاً؛ فلما خرجوا غسل الناس المسجد. قال: وحدثني ابن عبد الله بن إبراهيم، قال: أخذ أصحاب الحسين ستور المسجد، فجعلوها خفاتين لهم، قال: ونادى أصحاب الحسين بمكة: أيما عبد أتانا فهو حر؛ فأتاه العبيد، وأتاه عبد كان لأبي؛ فكان معه؛ فلما أراد الحسين أن يخرج أتاه أبي فكلمه، وقال له: عمدت إلى مماليك لم تملكهم فأعتقتهم، بم تستحل ذلك! فقال حسين لأصحابه: اذهبوا به، فأي عبد عرفه فادفعوه إليه؛ فذهبوا معه، فأخذ غلامه وغلامين لجيران لنا. وانتهى خبر الحسين إلى الهادي، وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل بيته؛ منهم محمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد وموسى بن عيسى، سوى من حج من الأحداث. وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر، فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب، فقيل له: عمك العباس بن محمد! قال: دعوني لا والله لا أخدع عن ملكي؛ فنفذ الكتاب بولاية محمد بن سليمان بن علي على الحرب، فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج. وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح والرجال؛ وذلك لأن الطريق كان مخوفاً معوراً من الأعراب؛ ولم يحتشد له الحسين؛ فأتاه خبرهم، فهم بصوبه، فخرج بخدمه وإخوانه. وكان موسى بن علي بن موسى قد صار ببطن نخل، على الثلاثين من المدينة، فانتهى إليه الخبر ومعه إخوانه وجواريه، وانتهى الخبر إلى العباس بن محمد بن سليمان وكاتبهم، وساروا إلى مكة فدخلوا، فأقبل محمد بن سليمان، وكانوا أحرموا بعمرة. ثم صاروا إلى ذي طوىً، فعسكروا بها، ومعهم سليمان بن أبي جعفر؛ فانضم إليهم من وافى في تلك السنة من شيعة ولد العباس ومواليهم وقوادهم. وكان الناس قد اختلفوا في تلك السنة في الحج وكثروا جداً. ثم قدم محمد بن سليمان قدامه تسعين حافراً ما بين فرس إلى بغل، وهو على نجيب عظيم، وخلفه أربعون راكباً على النجائب عليها الرحال وخلفهم مائتا راكب على الحمير، سوى من كان معهم من الرجالة وغيرهم، وكثروا في أعين الناس جداً وملئوا صدورهم فظنوا أنهم أضعافهم، فطافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، وأحلوا من عمرتهم، ثم مضوا فأتوا ذا طوىً ونزلوا، وذلك يوم الخميس. فوجه محمد بن سليمان أبا كامل - مولى لإسماعيل بن علي - في نيفٍ وعشرين فارساً؛ وذلك يوم فلقيهم. وكان في أصحابه رجل يقال له زيد، كان انقطع إلى العباس، فأخرجه معه حاجاً لما رأى من عبادته، فلما رأى القوم قلب ترسه وسيفه، وانقلب إليهم؛ وذلك ببطن مر، ثم ظفروا به بعد ذلك مشدخاً بالأعمدة؛ فلما كان ليلة السبت وجهوا خمسين فارساً، كان أول من ندبوا صباح أبو الذيال، ثم آخر ثم آخر؛ فكان أبو خلوة الخادم مولى محمد خامساً، فأتوا المفضل مولى المهدي، فأرادوا أن يصيروا عليهم، فأبى وقال: لا، ولكن صيروا عليهم غيري وأكون أنا معهم، فصيروا عليهم عبد الله بن حميد بن رزين السمرقندي - وهو يومئذ شاب بن ثلاثين سنة - فذهبوا وهم خمسون فارساً؛ وذلك ليلة السبت. فدنا القوم، وزحفت الخيل، وتعبأ الناس؛ فكان العباس بن محمد وموسى بن عيسى في الميسرة، ومحمد بن سليمان في الميمنة؛ وكان معاذ بن مسلم فيما بين محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فلما كان قبل طلوع الفجر جاء حسين وأصحابه فشد ثلاثة من موالي سليمان بن علي - أحدهم زنجويه غلام حسان - فجاءوا برأس فطرحوه قدام محمد بن سليمان - وقد كانوا قالوا: من جاء برأس فله خمسمائة درهم - وجاء أصحاب محمد فعرقبوا الإبل، فسقطت محاملها. فقتلوهم وهزموهم؛ وكانوا خرجوا من تلك الثنايا، فكان الذين خرجوا مما يلي محمد بن سليمان أقلهم، وكان جلهم خرجوا مما يلي موسى بن عيسى وأصحابه؛ فكانت الصدمة بهم؛ فلما فرغ محمد بن سليمان ممن يليه وأسفروا، نظروا إلى الذين يلون موسى بن عيسى؛ فإذا هم مجتمعون كأنهم كبة غزل، والتفت الميمنة والقلب عليهم، وانصرفوا نحو مكة لا يدرون ما حال الحسين؛ فما شعروا وهم بذي طوىً أو قريباً منها إلا برجل من أهل خراسان، يقول: البشرى البشرى! هذا رأس حسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولاً، وعلى قفاه ضربة أخرى؛ وكان الناس نادوا بالأمان حيث فرغوا،فجاء الحسن بن محمد أبو الزفت مغمضاً إحدى عينيه، وقد أصابها شيء في الحرب، فوقف خلف محمد والعباس، واستدار به موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس. فأمر به فقتل، فغضب محمد بن سليمان من ذلك غضباً شديداً. ودخل محمد بن سليمان مكة من طريق والعباس بن محمد من طريق، واحتزت الرؤوس؛ فكانت مائة رأس ونيفاً؛ فيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن وذلك يوم التروية، وأخذت أخت الحسين، وكانت معه فصيرت عند زينب بنت سليمان، واختلطت المنهزمة بالحجاج، فذهبوا، وكان سليمان بن أبي جعفر شاكياً فلم يحضر القتال، ووافى عيسى بن جعفر الحج تلك السنة؛ وكان مع أصحاب حسين رجل أعمى يقص عليهم فقتل، ولم يقتل أحد منهم صبراً. قال الحسين بن محمد بن عبد الله: وأسر موسى بن عيسى أربعة نفر من أهل الكوفة، ومولى لبنى عجل آخر. قال محمد بن صالح: حدثني محمد بن داود بن علي، قال: حدثنا موسى بن عيسى، قال: قدمت معي بستة أسارى فقال لي الهادي: هيه! تقتل أسيري! فقلت يا أمير المؤمنين، إني فكرت فيه فقلت: تجيء عائشة وزينب إلى أم أمير المؤمنين، فتبكيان عندها وتكلمانها، فتكلم له أمير المؤمنين فيطلقه. ثم قال: هات الأسرى، فقلت: إني جعلت لهم العهد والمواثيق بالطلاق والعتاق، فقال: ائتني بهم، وأمر باثنين فقتلا،وكان الثالث منكراً، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ هذا أعلم الناس بآل أبي طالب؛ فإن استبقيته دلك على كل بغية لك، فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ إني أرجو أن يكون بقائي صنعاً لك. فأطرق ثم قال: والله لإفلاتك من يدي بعد أن وقعت في يدي لشديد؛ فلم يزل يكلمه حتى أمر به أن يؤخر، وأمره أن يكتب له طلبته، وأما الآخر فصفح عنه، وأمر بقتل عذافر الصيرفي وعلي بن السابق القلاس الكوفي، وأن يصلبا، فصلبوهما بباب الجسر، وكانا أسرا بفخ. وغضب على مبارك التركي، وأمر بقبض أمواله وتصييره في ساسة الدواب، وغضب على موسى بن عيسى لقتله حسن بن محمد، وأمر بقبض أمواله. وقال عبد الله بن عمر الثلجي: حدثني محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى، قال: أفلت إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من وقعة فخ في خلافة الهادي، فوقع إلى مصر، وعلى بريد مصر على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة يقال لها وليلة، فاستجاب له من بها وبأعراضها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه. ويقال: إن الرشيد الذي ضرب عنقه، وأنه دس إلى إدريس الشماخ اليمامي مولى المهدي، وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب عامله على إفريقية، فخرج حتى وصل إلى وليلة وذكر أنه متطبب، وأنه من أوليائهم، ودخل على إدريس فأنس به واطمأن إليه؛ وأقبل الشماخ يريه الإعظام له والميل إليه والإيثار له فنزل عنده بكل منزلة. ثم إنه شكا إليه علة في أسنانه، فأعطاه سنوناً مسموماً قاتلاً، وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر لليلته؛ فلما طلع الفجر استن إدريس بالسنون، وجعل يرده في فيه، ويكثر منه، فقتله. وطلب الشماخ فلم يظفر به، وقدم على إبراهيم بن الأغلب فأخبره بما كان منه، وجاءته بعد مقدمه الأخبار بموت إدريس؛ فكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولى الشماخ بريد مصر وأجاره، فقال بعض الشعراء - أظنه الهنازي: أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخليفة أو يفيد فرار فليدركنك أو تحل ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار إن السيوف إذا انتضاها سخطه ... طالت وقصر دونها الأعمار ملك كأن الموت يتبع أمره ... حتى يقال: تطيعه الأقدار وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن الحسين بن علي لما خرج بالمدينة وعليها العمري لم يزل العمري متخفياً مقام الحسين بالمدينة، حتى خرج إلى مكة. وكان معه الهادي وجه سليمان بن أبي جعفر لولاية الموسم، وشخص معه من أهل بيته ممن أراد الحج العباس بن محمد وموسى بن عيسى وإسماعيل بن عيسى بن موسى في طريق الكوفة، ومحمد بن سلمان وعدة من ولد جعفر بن سليمان على طريق البصرة، ومن الموالي مبارك التركي والمفضل الوصيف وصاعد مولى الهادي - وكان صاحب الأمر سليمان - ومن الوجوه المعروفين يقطين بن موسى وعبيد بن يقطين وأبو عمر بن مطرف؛ فاجتمعوا عند الذي بلغهم من توجه الحسين ومن معه إلى مكة، ورأسوا عليهم سليمان بن أبي جعفر لولايته؛ وكان قد جعل أبو كامل مولى إسماعيل على الطلائع، فلقوه بفخ، وخلفوا عبيد الله بن قثم بمكة للقيام بأمرها وأمر أهلها؛ وقد كان العباس بن محمد أعطاهم الأمان على ما أحدثوا، وضمن لهم الإحسان إليهم والصلة لأرحامهم؛ وكان رسولهم في ذلك المفضل الخادم، فأبوا قبول ذلك، فكانت الوقعة، فقتل من قتل، وانهزم الناس، ونودي فيهم بالأمان، ولم يتبع هارب؛ وكان فيمن هرب يحيى بن وإدريس ابنا عبد الله بن حسن؛ فأما إدريس فلحق بتاهرت من بلاد المغرب، فلجأ إليهم فأعظموه؛ فلم يزل عندهم إلى أن تلطف له، واحتيل عليه، فهلك، وخلفه ابنه إدريس بن إدريس؛ فهم إلى اليوم بتلك الناحية مالكين لها، وانقطعت عنهم البعوث. قال المفضل بن سليمان: لما بلغ العمري وهو بالمدينة مقتل الحسين بفخ وثب على دار الحسين ودور جماعة من أهل بيته وغيرهم ممن خرج مع الحسين، فهدمها وحرق النخل، وقبض ما لم يحرقه، وجعله في الصوافي المقبوضة. قال: وغضب الهادي على مبارك التركي لما بلغه من صدوده عن لقاء الحسين بعد أن شارف المدينة، وأمر بقبض أمواله وتصييره في سياسة دوابه؛ فلم يزل كذلك إلى وفاة الهادي، وسخط على موسى بن عيسى لقتله الحسن بن محمد بن عبد الله أبي الزفت؛ وتركه أن يقدم به أسيراً، فيكون المحكم في أمره، وأمر بقبض أمواله، فلم تزل مقبوضة إلى أن توفي موسى. وقدم على موسى ممن أسر بفخ الجماعة، وكان فيهم عذافر الصيرفيوعلي بن سابق القلاس الكوفي، فأمر بضرب أعناقهما وصلبهما بباب الجسر ببغداد؛ ففعل ذلك. قال: ووجه مهرويه مولاه إلى الكوفة، وأمره بالتغليظ عليهم لخروج من خرج منهم مع الحسين. وذكر علي بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: حدثني يوسف البرم مولى آل الحسن - وكانت أمه مولاة فاطمة بنت حسن - قال: كنت مع حسين أيام قدم علي المهدي، فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة؛ ووالله ما خرج من الكوفة وهو يملك شيئاً يلبسه إلا فرواً مل تحته قميص وإزار الفراش؛ ولقد كان في طريقه إلى المدينة؛ إذا نزل استقرض من مواليه ما يقوم بمؤونتهم في يومهم. قال علي: وحدثني السري أبو بشر، وهو حليف بني زهرة، قال: صليت الغداة في اليوم الذي خرج فيه الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ، فصلى بنا حسين، وصعد المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه؛ إذ أقبل خالد البربري في أصحابه؛ فلما أراد أن يدخل المسجد بدره يحيى بن عبد الله، فشد عليه البربري؛ وإني لأنظر إليه، فبدره يحيى بن عبد الله، فضربه على وجهه، فأصاب عينيه وأنفه، فقطع البيضة والقلنسوة، حتى نظرت إلى قحفه طائراً عن موضعه، وحمل على أصحابه فانهزموا. ثم رجع إلى حسين، فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دماً، فتكلم حسين، فحمد الله وأثنى عليه، وخطب الناس، فقال في آخر كلامه: يا أيها الناس، أنا ابن رسول الله في حرم رسول الله، وفي مسجد رسول الله، وعلى منبر نبي الله، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإن لم أف لكم بذلك فلا بيعة لي في أعناقكم. قال: وكان أهل الزيارة في عامهم ذلك كثيراً، فكانوا قد ملئوا المسجد؛ فإذا رجل قد نهض، حسن الوجه، طويل القامة، عليه رداء ممشق، أخذ بيد ابن له شاب جميل جلد، فتخطى رقاب الناس؛ حتى انتهى إلى المنبر، فدنا من حسين، وقال: يا بن رسول الله، خرجت من بلد بعيد وابني هذا معي، وأنا أريد حج بيت الله وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يخطر ببالي هذا الأمر الذي حدث منك؛ وقد سمعت ما قلت، فعندك وفاء بما جعلت على نفسك؟. قال: نعم، قال: ابسط يدك فأبايعك، قال: فبايعه، ثم قال لابنه: ادن فبايع. قال: فرأيت والله رءوسهما في الرءوس بمنىً، وذلك أني حججت في ذلك العام. قال: وحدثني جماعة من أهل المدينة أن مباركاً التركي أرسل إلى حسين بن علي: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق، أيسر علي من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة؛ ولكن لا بد من الإعذار؛ فبيتني فإني منهزم عنك. فأعطاه بذلك عهد الله وميثاقه. قال: فوجه إليه الحسين - أو خرج إليه - في نفر يسير، فلما دنوا من عسكره وصاحوا وكبروا، فانهزم أصحابه حتى لحق موسى بن عيسى. وذكر أبو المضرحي الكلابي، قال: أخبرني المفضل بن محمد بن المفضل بن حسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، أن الحسين بن علي بن حسن بن حسن، قال يومئذ في قوم لم يخرجوا معه - وكان قد وعدوه أن يوافوه، فتخلفوا عنه - متمثلاً: من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجباً ... موتاً على عجل أو عاش منتصفاً لا تقربوا السهل إن السهل يفسدكم ... لن تدركوا المجد حتى تضربوا عنفاً وذكر الفضل بن العباس الهاشمي أن عبد الله بن محمد المنقري حدثه عن أبيه، قال: دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ، فوجده خائفاً يلتمس عذراً من قتل من قتل، فقال له: أصلح الله الأمير! أنشدك شعراً كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علي رضي الله عنه؟ قال: أنشدني، فأنشده، قال: يا أيها الراكب الغادي لطيته ... على عذافرة في سيرها قحم أبلغ قريشاً على شحط المزار بها ... بيني وبين الحسين الله والرحم وموقفٍ بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما تعرى له الذمم عنفتم قومكم فخراً بأمكم ... أم حصان لعمري برة كرم هي التي لا يداني فضلها أحد ... بنت النبي وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم ... من قومكم لهم من فضلها قسم إني لأعلم أو ظناً كعالمه ... والظن يصدق أحياناً فينتظم أن سوف يترككم ما تطلبون بها ... قتلى تهاداكم العقبان والرخم يا قومن لا تشبوا الحرب إذ خمدت ... ومسكوا بحبال السلم واعتصموا لا تركبوا البغي إن البغي مصرعة ... وإن شارب كاس البغي يتخم قد جرب الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً ... فرب ذي بذخ زلت به القدم قال: فسرى موسى بن عيسى بعض ما كان فيه. وذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى أن العلاء حدثه أن الهادي أمير المؤمنين لما ورد عليه خلع أهل فخ خلا ليلة يكتب كتاباً بخطه، فاغتم بخلوته مواليه وخاصته، فدسوا غلاماً له، فقالوا: اذهب حتى تنظر إلى أي شيء انتهى الخبر، قال: فدنا من موسى، فلما رآه قال: ما لك؟ فاعتل عليه، قال: فأطرق ثم رفع رأسه إليه، فقال: رقد الألى ليس السرى من شأنهم ... وكفاهم الإدلاج من لم يرقد وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي؛ قال: حدثنا الأصمعي، قال: قال محمد بن سليمان ليلة فخ لعمرو بن أبي عمرو المدني - وكان يرمي بين يديه بين الهدفين: ارم، قال: لا والله لا أرمي ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إني إنما صحبتك لأرمي بين يديك بين الهدفين، ولم أصحبك لأرمي المسلمين. قال: فقال المخزومي: ارم، فرمى فما فمات إلا بالبرص. قال: ولما قتل الحسين بن علي وجاء برأسه يقطين بن موسى، فوضع بين يدي الهادي، قال: كأنكم والله جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! إن أقل ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم. قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئاً. وقال موسى الهادي: لما قتل الحسين متمثلاً: قد أنصف القارة من رماها ... إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها وغزا الصائفة في هذه السنة معيوف بن يحيى من درب الراهب، وقد كانت الروم أقبلت مع البطريق إلى الحدث؛ فهرب الوالي والجند وأهل الأسواق، فدخلها العدو، ودخل أرض العدو معيوف بن يحيى، فبلغ مدينة أشنة، فأصابوا سبايا وأسارى وغنموا. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور. وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمري، وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم، وعلى اليمن إبراهيم بن سلم بن قتيبة، وعلى اليمامة والبحرين سويد بن أبي سويد القائد الخراساني، وعلى عمان الحسن بن تسنيم الحواري، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها وصدقاتها وبهقباذ الأسفل موسى بن عيسى، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان. وعلى قضائها عمر بن عثمان، وعلى جرجان الحجاج مولى الهادي، وعلى قومس زياد بن حسان، وعلى طبرستان و الرويان صالح بن شيخ بن عميرة الأسدي، وعلى أصبهان طيفور مولى الهادي. ثم دخلت سنة سبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك وفاة يزيد بن حاتم بإفريقية فيها، ووليها بعده روح بن حاتم. وفيها مات عبد الله بن مروان بن محمد في المطبق. ذكر الخبر عن وفاة موسى الهاديوفيها توفي موسى الهادي بعيساباذ. واختلف في السبب الذي كان بعد وفاته، فقال بعضهم: كانت وفاته من قرحة كانت في جوفه. وقال آخرون: كانت وفاته من قبل جوارٍ لأمه الخيزران؛ كانت أمرتهن بقتله لأسباب نذكر بعضها. ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله كانت أمرتهن بقتلهذكر يحيى بن الحسن أن الهادي نابذ أمه ونافرها؛ لما صارت إليه الخلافة، فصارت خالصة إليه يوماً، فقالت: إن أمك تستكسيك، فأمر لها بخزانة مملوءة كسوة. قال: ووجد للخيزران في منزلها من قراقر الوشي ثمانية عشر ألف قرقر. قال: وكانت الخيزران في أول خلافة موسى تفتات عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي، فأرسل إليها ألا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل؛ فإنه ليس من قدر النياء الاعتراض في أمر الملك؛ وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك؛ ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. قال: وكانت الخيزران في خلافة موسى كثيراً ما تكلمه في الحوائج؛ فكان يجيبها إلى كل ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها، وطمعوا فيها؛ فكانت المواكب تغدو إلى بابها؛ قال: فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلا، فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك. قال: فغضب موسى وقال: ويل على بن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها؛ والله لا قضيتها لك، قالت: إذاً والله لا سألتك حاجة أبداً، قال: إذاً والله لا أبالي. وحمي وغضب. فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعي كلامي والله، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو أحد من خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه؛ ولأقبضن ماله؛ فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم! أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك! إياك ثم إياك؛ ما فتحت بابك لملي أو لذمي. فانصرفت ما تعقل ما تطأ؛ فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة بعدها. قال يحيى بن الحسن: وحدثني أبي، قال: سمعت خالصة تقول للعباس بن الفضل بن الربيع: بعث موسى إلى أمه الخيزران بأرزةٍ، وقال: استطبتها فأكلت منها، فكلي منها. قالت خالصة: فقلت لها: أمسكي حتى تنظري؛ فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه، فجاءوا بكلب فأكل منها، فتساقط لحمه؛ فأرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيت الأرزة؟ فقالت: وجدتها طيبة، فقال: لم تأكلي؛ ولو أكلت لكنت استرحت منك، متى أفلح خليفة له أم! قال وحدثني بعض الهاشميين، أن سبب موت الهادي كان أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر، وخافت الخيزران على هارون منه، دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه، ووجهت إلى يحيى بن خالد: إن الرجل قد توفي، فاجدد في أمرك ولا تقصر. وذكر محمد بن عبد الرحمن بن بشار أن الفضل بن سعيد حدثه، عن أبيه، قال: كان يتصل بموسى وصول القواد إلى أمه الخيزران، يؤملون بكلامها في قضاء حوائجهم عنده، قال: وكانت تريد أن تغلب على أمره كما غلبت على أمر المهدي؛ فكان يمنعها من ذلك ويقول: ما للنساء والكلام في أمر الرجال! فلما كثر عليه مصير من يصير إليها من قواده، قال يوماً وقد جمعهم: أيما خير؟ أنا أو أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين؛ قال: فأيما خير؛ أمي أو أمهاتكم؟ قالوا: بل أمك يا أمير المؤمنين، قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقولوا: فعلت أم فلان، وصنعت أم فلان، وقالت أم فلان؟ قالوا: ما أحد منا يحب ذلك، قال: فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة، فشق ذلك عليها فاعتزلته، وحلفت ألا تكلمه؛ فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة. ذكر الخبر عما كان من خلع الهادي للرشيدوكان السبب في إرادة موسى الهادي خلع أخيه هارون حتى اشتد عليه في ذلك وجد - فيما ذكر صالح بن سليمان - أن الهادي لما أفضت إليه الخلافة أقر يحيى بن خالد على ما كان يلي هارون من عمل المغرب؛ فأراد الهادي خلع هارون الرشيد والبيعة لابنه جعفر بن موسى الهادي، وتابعه على ذلك القواد؛ منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بم مالك وعلي بن عيسى ومن أشبههم؛ فخلعوا هارون، وبايعوا لجعفر بن موسى، ودسوا إلى الشيعة؛ فتكلموا في أمره، وتنقصوه في مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به، وصعب أمرهم حتى ظهر؛ وأمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس وتركوه؛ فلم يكن أحد يجترئ أن يسلم عليه ولا يقربه. وكان يحيى بن خالد يقوم بإنزال الرشيد ولا يفارقه هو وولده - فيما ذكر. قال صالح: وكان إسماعيل بن صبيح كاتب يحيى بن خالد، فأحب أن يضعه موضعاً يستعلم له فيه الأخبار، وكان إبراهيم الحراني في موضع الوزارة لموسى، فاستكتب إسماعيل، ورفع الخبر إلى الهادي؛ وبلغ ذلك يحيى بن خالد، فأمر إسماعيل أن يشخص إلى حران، فسار إليها؛ فلما كان بعد أشهر سأل الهادي إبراهيم الحراني: من كاتبك؟ قال: فلان كاتب، وسماه، فقال: أليس بلغني أن إسماعيل بن صبيح كاتبك؟ قال: باطل يا أمير المؤمنين؛ إسماعيل بحران. قال: وسعى إلى الهادي بيحيى بن خالد، وقيل له: إنه ليس عليك من هارون خلاف؛ وإنما يفسده يحيى بن خالد، فابعث إلى يحيى، وتهدده بالقتل؛ وارمه بالكفر؛ فأغضب ذلك موسى الهادي على يحيى بن خالد. وذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى بن خالد حدثه، قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلاً، فأيس من نفسه، وودع أهله، وتحنط وجدد ثيابه، ولم يشك أنه يقتله؛ فلما أدخل عليه، قال: يا يحيى، ما لي ولك! قال: أنا عبدك يا أمير المؤمنين؛ فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته. قال: فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي! قال: يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما! إنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره؛ فقمت بما أمرني به، ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك. قال: فما الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئاً، ولا ذلك فيه ولا عنده. قال: فسكن غضبه. وقد كان هارون طاب نفساً بالخلع، فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء، فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي! وكان هارون يجد بأم جعفر وجداً شديداً، فقال له يحيى: وأين ذلك من الخلافة! ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع؛ ومنعه من الإجابة. قال الكرماني: فحدثني صالح بن سليمان، قال: بعث الهادي إلى يحيى بن خالد وهو بعيساباذ ليلاً، فراعه ذلك، فدخل عليه وهو في خلوة، فأمر بطلب رجل كان أخافه، فتغيب عنه؛ وكان الهادي يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون، فنادمه وكلمه يحيى فيه، فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر في يده، وقال: هذا أمانه، وخرج يحيى فطلب الرجل، وأتى الهادي به فسر بذلك. قال: وحدثني غير واحد أن الرجل الذي طلبه كان إبراهيم الموصلي. قال صالح بن سليمان: قال الهادي يوماً للربيع: لا يدخل علي يحيى بن خالد إلا آخر الناس. قال: فبعث إليه الربيع، وتفرغ له. قال: فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد، ودخل عليه يحيى، وعنده عبد الصمد بن علي والعباس بن محمد وجلة أهله وقواده، فما زال يدنيه حتى أجلسه بين يديه، وقال له: إني كنت أظلمك وأكفرك، فاجعلني في حل، فتعجب الناس من إكرامه إياه وقوله؛ فقبل يحيى يده وشكر له، فقال له الهادي: من الذي يقول فيك يا يحيى: لو يمس البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النوال قال: تلك راحتك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك! قال: وقال يحيى للهادي في خلع الرشيد لما كلمه فيه: يا أمير المؤمنين؛ إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم؛ وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته، فقال: صدقت ونصحت؛ ولي في هذا تدبير. قال الكرماني: وحدثني خزيمة بن عبد الله، أمر الهادي بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلع الرشيد، فرفع إليه يحيى رقعة: إن عندي نصيحة، فدعا به، فقال: يا أمير المؤمنين، أخلني، فأخلاه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أرأيت إن كان الأمر - أسأل الله ألا نبلغه، وأن يقدمنا قبله - أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر؛ وهو لم يبلغ الحلم، ويرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم! قال: والله ما أظن ذلك، قال: يا أمير المؤمنين، أفتأمن أن يسمو إليها أهلك وجلتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك؟ فقال له: نبهتني يا يحيى - قال: وكان يقول: ما كلمت أحداً من الخلفاء كان أعقل من موسى - قال: وقال له: لو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك، أما كان ينبغي أن تعقده له، فكيف بأن تحله عنه، وقد عقده المهدي له! ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين على حاله؛ فإذا بلغ جعفر، وبلغ الله به، أتيته بالرشيد فخلع نفسه، وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده. قال: فقبل الهادي قوله ورأيه، وأمر بإطلاقه. وذكر الموصلي عن محمد بن يحيى، قال: عزم الهادي بعد كلام أبي له على خلع الرشيد، وحمله عليه جماعة من مواليه وقواده؛ وأجابه إلى الخلع أو لم يجبه، واشتد غضبه منه، وضيق عليه. وقال يحيى لهارون: استأذنه في الخروج إلى الصيد، فإذا خرجت فاستبعد ودافع الأيام، فرفع هارون رقعة يستأذن فيها، فأذن له؛ فمضى إلى قصر مقاتل، فأقام به أربعين يوماً حتى أنكر الهادي أمره وغمه احتباسه، وجعل يكتب إليه ويصرفه، فتعلل عليه حتى تفاقم الأمر، وأظهر شتمه، وبسط مواليه وقواده ألسنتهم فيه؛ والفضل بن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه، والرشيد بالباب، فكان يكتب إليه بذلك، وانصرف وطال الأمر. قال الكرماني: فحدثني يزيد مولى يحيى بن خالد، قال: بعثت الخيزران عاتكة - ظئراً كان لهارون - إلى يحيى، فشقت جيبها بين يديه، وتبكي إليه وتقول له: قالت لك السيدة: الله الله في ابني لا تقتله، ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه، فبقاؤه أحب إلي من الدنيا بجمع ما فيها. قال: فصاح بها وقال لها: وما أنت وهذا! إن يكن ما تقولين فإني وولدي وأهلي سنقتل قبله، فإن اتهمت عليه فلست بمتهم على نفسي ولا عليهم. قال: ولما لم ير الهادي يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذل له من إكرام وإقطاع وصلة، بعث إليه يتهدده بالقتل إن لم يكف عنه. قال: فلم تزل تلك الحال من الخوف والخطر، وماتت أم يحيى وهو في الخلد ببغداد؛ لأن هارون كان ينزل الخلد، ويحيى معه، وهو ولي العهد، نازل في داره يلقاه في ليله ونهاره. وذكر محمد بن القاسم بن الربيع، قال: أخبرني محمد بن عمرو الرومي، قال: حدثني أبي، قال: جلس موسى الهادي بعد ما ملك في أول خلافته جلوساً خاصاً، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة الحراني، فجلسوا عن يساره، ومعهم خادم أسود يقال له أسلم، ويكنى أبا سليمان؛ وكان يثق به ويقدمه؛ فبينا هو كذلك، إذ دخل صالح صاحب المصلى، فقال: هارون بن المهدي، فقال: ائذن له، فدخل فسلم عليه، وقبل يده، وجلس عن يمينه بعيداً من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك، ثم التفت إليه، فقال: يا هارون، كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت من بعيد، ودون ذلك خرط القتاد؛ تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه، وقال: يا موسى؛ إنك إن تجبرت وضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت ختلت؛ وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي؛ فأنصف من ظلمت، وأصل من قطعت،وأصير أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي. قال: فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر؛ ادن مني، فدنا منه، فقبل يده، ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل - أعني أباك المنصور - لا جلست إلا معي، وأجلسه في صدر المجلس معه، ثم قال: يا حراني، احمل إلى أخي ألف ألف دينار؛ وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف منه، واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخذ من أهل بيت اللعنة؛ فيأخذ جميع ما أراد. قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: أدن دابته إلى البساط. قال عمر الرومي: وكان هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: يا سيدي، ما الرؤيا التي ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال الهادي: أريت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً وإلى هارون قضيباً، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلاً؛ فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخره. فدعا المهدي الحكم بن موسى الضمري - وكان يكنى أبا سفيان - فقال له: عبر هذه الرؤيا، فقال: يملكان جميعاً، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة؛ وتكون أيامه أحسن أيام. قال: ولم يلبث إلا أياماً يسيرة، ثم اعتل موسى ومات، وكانت علته ثلاثة أيام. قال عمرو الرومي: أفضت الخلافة إلى هارون، فزوج حمدونة من جعفر ابن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى؛ ووفى بكل ما قال؛ وكان دهره أحسن الدهور. وذكر أن الهادي كان قد خرج إلى الحديثة؛ حديثة الموصل؛ فمرض بها، واشتد مرضه، فانصرف. فذكر عمرو اليشكري - وكان في الخدم - قال: انصرف الهادي من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عماله شرقاً وغرباً بالقدوم عليه؛ فلما ثقل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه، فقالوا: إن صار الأمر إلى يحيى قتلنا ولم يستبقنا، فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادي، فيضرب عنقه. ثم قالوا: لعل أمير المؤمنين يفيق من مرضه، فما عذرنا عنده! فأمسكوا. ثم بعثت الخيزران إلى يحيى تعلمه أن الرجل لمآبه، وتأمره بالاستعداد لما ينبغي؛ وكانت المستولية على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك؛ فأحضر الكتاب وجمعوا في منزل الفضل بن يحيى، فكتبوا لليلتهم كتباً إلى الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي، وأنهم قد ولاهم الرشيد ما كانوا يلون؛ فلما مات الهادي أنفذوها على البرد. وذكر الفضل بن سعيد، أن أباه حدثه أن الخيزران كانت قد حلفت ألا تكلم موسى الهادي، وانتقلت عنه، فلما حضرته الوفاة ، وأتاها الرسول فأخبرها بذلك، فقالت: وما أصنع به؟ فقالت لها خالصة: قومي إلى ابنك أيتها الحرة؛ فليس هذا وقت تعتب ولا تغضب. فقالت: أعطوني ماء أتوضأ للصلاة، ثم قالت: أما إنا كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة، ويملك خليفة، ويولد خليفة؛ قال: فمات موسى، وملك هارون، وولد المأمون. قال الفضل: فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد الله، فساقه لي مثل ما حدثنيه أبي، فقلت: فمن أين كان للخيزران هذا العلم؟ قال: إنها كانت قد سمعت من الأوزاعي. ذكر يحيى بن الحسن أن محمد بن سليمان بن علي حدثه، قال: حدثتني عمتي زينب ابنة سليمان، قالت: لما مات موسى بعيساباذ، أخبرتنا الخيزران الخبر، ونحن أربع نسوة؛أنا وأختي وأم الحسن وعائشة، بنيات سليمان، ومعنا ريطة أم علي، فجاءت خالصة، فقالت لها: ما فعل الناس؟ قالت: يا سيدتي، مات موسى ودفنوه؛ قالت: إن كان موت موسى، فقد بقي هارون، هات لي سويقا، فجاءت بسويق، فشربت وسقتنا، ثم قالت: هات لسادتي أربع مائة ألف دينار، ثم قالت: ما فعل ابني هارون؟ قالت: حلف ألا يصلي الظهر إلا ببغداد. قالت هاتوا الرحائل، فما جلوسي ها هنا؛ وقد مضى! فلحقته ببغداد. ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومن صلى عليه قال أبو معشر: توفي موسى الهادي ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول؛ حدثنا بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق. وقال الواقدي: مات موسى بعيساباذ للنصف من شهر ربيع الأول. وقال هشام بن محمد: هلك موسى الهادي لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ليلة الجمعة في سنة سبعين ومائة. وقال بعضهم: توفي ليلة الجمعة لستة عشر يوماً منه؛ وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر. وقال هشام: ملك أربعة عشر شهراً، وتوفي وهو ابن ست وعشرين سنة. وقال الواقدي: كانت ولايته سنة وشهراً واثنين وعشرين يوماً. وقال غيرهم: توفي يوم السبت، لعشر خلت من ربيع الأول - أو ليلة الجمعة - وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، وكانت خلافته سنة وشهراً وثلاثة وعشرين يوماً، وصلى عليه أخوه هارون بن محمد الرشيد. وكان كنيتة أبو محمد، وأمه الخيرزان أم ولد، ودفن بعيساباذ الكبرى في بستانه. وذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلاً جسيماً جميلاً أبيض، مشباً حمرة؛ وكان بشفته العليا تقلص، وكان يلقب موسى أطبقن وكان قد ولد بالسيروان من الري. ذكر أولاده وكان له من الأولاد تسعة؛ سبعة ذكور وابنتان، أما الذكور فأحدهم جعفر - وهو الذي يرشحه للخلافة - والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الأعمى كلهم من أمهات أولاد. وكان الأعمى - وهو موسى - ولد بعد موت أبيه. والابنتان؛ إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون، والأخرى أم العباس بنت موسى، تلقب نوتة. ذكر بعض أخباره وسيرته ذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخي الندي أبو طوطة، قال: حدثني السندي بن شاهك، قال: كنت مع موسى بجرجان، فأتاه نعي المهدي والخلافة، وركب البريد إلى بغداد؛ ومعه سعيد بن سلم، ووجهي إلى خراسان؛ فحدثني سعيد بن سلم، قال: سرنا بين أبات جرجان وبساتينها، قال: فسمع صوتاً من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى، فقال لصاحب شرطتة: علي بالرجل الساعة، قال: فقلت يا أمير المؤمنين، ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك! قال: وكيف؟ قال: قلت له: كان سليمان بن عبد الملك في منتزه له ومعه حرمه؛ فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته، فقال: علي بصاحب الصوت؛ فأتى به؛ فلما مثل بين يديه، قال له: ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حرمي! أما علمت أن الرماك إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه! يا غلام جبه، فجب الرجل.فلما كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المنتزه، فجلس مجلس الذي فيه، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الذي كنا جببناه، فأحضره، فلما مثل بين يديه، قال له: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة، ولكنه قال له: يا سليمان؛ الله الله! إنك قطعت نسلي، فذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك، وإما بعت فوفيناك! لا والله حتى أقف بين يدي الله. قال: فقال يا موسى: يا غلام، رد صاحب الشرطة، فرده فقال: لا تعرض للرجل. وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى المهدي؛ أن على ابن صالح حدثه؛ أنه كان يوماً على رأس الهادي وهو غلام - وقد كان جفا المظالم عامة ثلاثة أيام - فدخل عليه الحراني، فقال له: يا أمير المؤمنين؛ إن العامة لا تنقاد على ما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام؛ فالتفت إلي، وقال: يا علي ، ائذن للناس، علي بالجفلي لا بالنقري، فخرجت من عنده أطير على وجهي. ثم وقفت فلم أدري ما قال لي، فقلت: أراجع أمير المؤمنين، فيقول: أتحجبني ولا تعلم كلامي! ثم أدركني ذهني؛ قبعثت إلى أعرابي كان قد وفد، وسألته عن الجفلى النقري، فقال: الجفلى جفالة، والنقري ينقر خواصتهم. فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت، فدخل الناس على بكرة أبيهم؛ فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل؛ فلما تقوض المجلس مثلت بين يديه، فقال: كأنك تريد أن تذكر شيئاً يا علي، قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا، وخفت مراجعتك، فتقول: أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي! فبعثت إلى أعرابي كان عندنا، ففسر لي الكلام؛ فكافئه عني يا أمير المؤمنين، قال: نعم مائة ألف درهم تحمل إليه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنه أعرابي جلف، وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا علي! أجود وتبخل! قال: وحدثني علي بن صالح، قال: ركب الهادي يوماً يريد عيادة أمه الخيزران من علة كانت وجدتها، فاعرضه عمر بن بزيغ، فقال له: يا أمير المؤمنين؛ ألا أدلك على وجه هو أعود عليك من هذا؟ فقال: وما هو يا عمر؟ قال: الظالم لم تنظر فيها منذ ثلاث، قال: فأومأ إلى المطرقة أن يميلوا إلى دار المظالم، ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلفه، وقال: قل لها أن عمر بن بزيع أخبرنا من حق الله بما هو أوجب علينا من حقك، فملنا إليه ونحن عائدون إليك في غد إن شاء الله. وذكر عن عبد الله بن مالك، أنه قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي، وكان المهدي يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه، ويأمرني بضرهم؛ وكان الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم؛ ولا ألتفت إلى ذلك، وأمضي لما أمرني به المهدي. قال: فلما ولى الهادي الخلافة أيقنت بالتلف؛ فبعث إلي يوماً، فدخلت عليه متكفناً متحنطاً؛ وإذا هو على كرسي، والسيف والنطع بين يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله على الآخر! تذكر يوماً بعثت إليك في أمر الحراني، وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبني؛ وفي فلان وفلان - وعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي، ولا أمري! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين، أيسرك أنك ما ولاني أبوك، فأمرتني بأمر، فبعث إلي بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني، فقبلت يديه، فأمر بخلع فصبت علي، وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشداً فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكراً في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب، والقوم الذي عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه؛ فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيه في ، وحملوه من أمري على ما كنت أكره وأتخوفه. قال: فإني لجالس وبين يديه بنية لي في وقتي ذلك، والكانون بين يدي، ورقاق أشطره بكامخ وأسنخه وأضعه للصبية؛ وإذا ضجة عظيمة، حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء، فقلت: هاه! كان والله ما ظننت، ووافاني من أمره ما تخوفت؛ فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم؛ فلما رأيته وثبت عن مجلس مبادراً، فقبلت يده ورجله وحافر حماره، فقال لي: يا عبد الله، إني فكرت في أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك إني إذا شربت وحولي أعداؤك، أزالوا ما حسن من رأيي فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمني مما كنت تأكل، وافعل فيه ما كنت تفعل؛ لتعلم أني قد تحرمت والسكرجة التي فيها الكامخ، فأكل منها ثم قال: هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي. فأدخلت إلي أربعمائة بغل موقرة دراهم، وقال: هذه زلتك، فاستعن بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال؛ لعلي أحتاج إليها يوماً لبعض أسفاري، ثم قال: أظلك الله بخير، وانصرف راجعاً. فذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذي كان وسط داره، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال؛ وكان هو يتولى النظر إليها والقيام عليها أيام حياة الهادي كلها. وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السلمي. قال: أخبرنيأبي، قال: كان علي بن عيسى بن ماهان يغضب غضب الخليفة، ويرضى رضا الخليفة؛ وكان أبي يقول: ما لعربي ولا لعجمي عندي ما لعلي بن عيسى؛ فإنه دخل إلى الحبس وفي يده سوط، فقال: أمرني أمير المؤمنين موسى الهادي أن أضربك مائة سوط، قال: فأقبل يضعه على يدي ومنكبي؛ يمسني به مساً إلى أن عد مائة، وخرج. فقال له: ما صنعت بالرجل؟ قال: صنعت به ما أمرت. قال: فما حاله؟ قال: مات، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ويلك! فضحتني والله عند الناس؛ هذا رجل صالح، يقول الناس: قتل يعقوب بن داود! قال: فلما رأى شدة جزعه، قال: هو حي يا أمير المؤمنين لم يمت، الحمد لله على ذلك. قال: وكان الهادي قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنه الفضل، فقال له: لا تحجب عني الناس؛ فإن ذلك يزيل عني البركة، ولا تلق إلي أمراً إذا كشفته أصبته باطلا؛ فإن ذلك يوقع الملك، ويضر الرعية. وقال موسى بن عبد الله: أتى موسى برجل، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري يوجب علي ذنباً؛ ولكني أقول: فإن كنت ترجو في العقوبة رحمةً ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر قال: فأمر بإطلاقه. وذكر عمر بن شبة أن سعيد بن سلم كان عند موسى الهادي، فدخل عليه وفد الروم وعلى سعيد بن سلم قلنسوة - وكان قد صلع وهو حدث - فقال له موسى: ضع قلنسوتك حتى تتشايخ بصلعتك. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن أباه حدثه، قال: خرجت إلى عيساباذ أريد الفضل بن الربيع، فلقيت موسى أمير المؤمنين وهو خليفة؛ وأنا لا أعرفه؛ فإذا هو في غلالة على فرس، وبيده قناة لا يدرك أحداً إلا طعنه. فقال لي: يا بن الفاعلة! قال: فرأيت إنساناً كأنه صم، وكنت رأيته بالشام، وكان فخذاه كفخذي بعير، فضربت يدي إلى قائم السيف، فقال لي رجل: ويلك! أمير المؤمنين، فحركت دابتي - وكان شهرياً حملني عليه الفضل بن الربيع، وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم - فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب الحرس، فوقف على الباب، وبيده القناة، وقال: اخرج يا بن الفاعلة ! فلم أخرج، ومر فمضى. قلت للفضل: فإني رأيت أمير المؤمنين؛ وكان من القصة كذا وكذا، فقال: لا أرى لك وجهاً إلا ببغداد؛ إذا جئت أصلي الجمعة فالقني، قال: فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادي. وذكر الهيثم بن عروة الأنصاري أن الحسين بن معاذ بن مسلم - وكان رضيع موسى الهادي - قال: لقد رأيتني أخلو مع موسى، فلا أجد له هيبةً في قلبي عند الخلوة، لما كان يبسطني. وربما صارعني فأصرعه غير هائب له، وأضرب به الأرض، فإذا تلبس لبسة الخلافة ثم جلس مجلس الأمر والنهي قمت على رأسه؛ فوالله ما أملك نفسي من الرعدة والهيبة له. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أن محمد بن سعيد بن عمر بن مهران، حدثه عن أبيه، عن جده، قال: كانت المرتبة لإبراهيم بن سلم بن قتيبة عند الهادي، فمات ابن لإبراهيم يقال له سلم، فأتاه موسى الهادي يعزيه عنه على حمار أشهب، لا يمنع مقبل ولا يرد عنه مسلم؛ حتى نزل في رواقه، فقال له: يا إبراهيم، سرك هو عدو وفتنة، وحزنك وهو صلاة ورحمة. فقال: يا أمير المؤمنين، ما بقي مني جزء كان فيه حزن إلا وقد امتلأ عزاء. قال: فلما مات إبراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلم بعده. وذكر عمر بن شبة أن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كان يلقب بالجرزي، تزوج رقية بنت عمرو العثمانية - وكانت تحت المهدي - فبلغ ذلك موسى الهادي في أول خلافته، فأرسل إليه فجهله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين، فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي صلى الله عليه وسلم؛ فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده، وأمر بضربه خمسمائة سوط، فضرب، وأراده أن يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقى ناحية؛ وكان في يده خاتم سري فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه من الضرب، فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح. وأتى موسى فأراه يده، فاستشاط وقال: يفعل هذا بخادمي، مع استخفافه بأبي، وقوله لي! وبعث إليه: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قل له وسله، ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك. ففعل ذلك موسى، فصدقه الخادم، فقال: أحسن والله، أنا أشهد أنه ابن عمي؛ لو لم يفعل لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه. وذكر أبو إبراهيم المؤذن، أن الهادي كان يثب على الدابة وعليه درعان، وكان النهدي يسميه ريحاني. وذكر محمد بن عطاء بن الواسطي، أن أباه حدثه أن المهدي قال لموسى يوماً - وقد قدم إليه زنديق، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه: يا بني إن صار لك هذا الآمر فتجرد لهذه العصابة - يعني أصحاب ماني - فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن، كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوام تحرجاً وتحوباً، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور؛ فارفع فيها الخشب، وجرد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له؛فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني بقتل أصحاب الإثنين. قال: فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر: أما والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عيناً تطرف. ويقال: إنه أمر أن يهيأ له ألف جدع، فقال: هذا في شهر كذا، ومات بعد شهرين. وذكر أيوب بن عنابة أن موسى بن صالح بن شيخ، حدثه أن عيسى بن دأب كان أكثر أهل الحجاز أدباً وأعذبهم ألفاظاً؛ وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن عنده لأحد؛ وكان يدعو له بمتكأ، وما كان يفعل ذلك بأحد غيره في مجلسه. وكان يقول: ما استطلت بك يوماً ولا ليلة، ولا غبت عن عيني إلا تمنيت ألا أرى غيرك. وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة، كثير النادرة، جيد الشعر حسن الانتزاع له. قال: فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار؛ فلما أصبح ابن دأب وجه قهرمانة إلى باب موسى، وقال له: الق الحاجب، وقل له: يوجه إلينا بهذا المال، فلقي الحاجب، فأبلغه رسالته؛ فتبسم وقال: هذا ليس إلي، فانطلق إلى صاحب التوقيع ليخرج له كتاباً إلى الديوان، فتدبره هناك ثم تفعل فيه كذا وكذا. فرجع إلى ابن دأب فأخبره، فقال: دعها ولا تعرض لها، ولا تسأل عنها. قال: فبينا موسى في مستشرف له ببغداد، إذ نظر إلى دأب قد أقبل وليس معه إلا غلام واحد! فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن دأب؛ ما غير من حاله، ولا تزين لنا؛ وقد بررناه بالأمس ليرى أثرنا عليه! فقال له إبراهيم: فإن أمرني أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا؛ قال: لا، هو أعلم بأمره؛ ودخل ابن دأب، فأخذ في حديثه إلى أن عرض له موسى بشيء من أمره، فقال: أرى ثوبك غسيلاً، وهذا شتاء يحتاج فيه إلى الجديد اللين، فقال: يا أمير المؤمنين، باعي قصير عما أحتاج إليه، قال: وكيف وقد صرفنا إليك من برنا ما ظننا أن فيه صلاح شأنك! قال: ما وصل إلي ولا قبضته، فدعا صاحب بيت مال الخاصة، فقال: عجل له الساعة ثلاثين ألف دينار، فأحضرت وحملت بين يديه. وذكر علي بن محمد، أن أباه حدثه عن علي بن يقطين، قال: إني لعند موسى ليلة مع جماعة من أصحابه؛ إذ أتاه خادم فسار بشيء، فنهض سريعاً، وقال: لا تبرحوا، ومضى فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفس، فألقى بنفسه على فراشه يتنفس ساعة حتى استراح، ومعه خادم يحمل طبقاً مغطى بمنديل، فقام بين يديه، فأقبل يرعد، فعجبنا من ذلك. ثم جلس وقال للخادم: ضع ما معك، فوضع الطبق، وقال: ارفع المنديل، فرفعه فإذا في الطبق رأساً جاريتين؛ لم أراد والله أحسن من وجوههما قط ولا من شعورهما، وإذا على رءوسهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيبة تفوح، فأعظمنا ذلك، فقال: أتدرون ما شأنهما؟ قلنا: لا، قال: بلغنا أنهما تتحابان قد اجتمعتا على الفاحشة، فوكلت هذا الخادم بهما ينهي إلي أخبارهما، فجاءني فأخبرني أنهما قد اجتمعتا، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد على الفاحشة فقتلتهما، ثم قال: يا غلام، ارفع الرأسين قال: ثم رجع في حديثه كأنه لم يصنع شيئاً. وذكر أبو العباس بن أبي مالك اليمامي أن عبد الله بن محمد البواب، قال: كنت أحجب الهادي خليفةً للفضل بن الربيع، قال: فإنه ذات يوم جالس وأنا في داره، وقد تغدى ودعا بالنبيذ، وقد كان قبل ذلك دخل على أمه الخيزران، فسألته أن يولي خاله الغطريف اليمن، فقال: أذكريني به قبل أن أشرب، قال: فلما عزم على الشرب وجهت إليه منيرة - أو زهرة - تذكره، فقال: اختاري له طلاق ابنته عبيدة أو ولاية اليمن، فلم تفهم إلا قوله: اختاري له فمرت، فقالت: قد اخترت له ولاية اليمن، فطلق ابنته عبيدة، فسمع الصياح، فقال: ما لكم؟ فأعلمته الخبر، فقال: أنت اخترت له، فقالت: ما هكذا أديت إلي الرسالة عنك. قال: فأمر صالحاً صاحب المصلى أن يقف بالسيف على رءوس الندماء ليطلقوا نساءهم،فخرج إلي بذلك الخدم ليعلموني ألا آذن لأحد. قال: وعلى الباب رجل واقف متلفع بطيلسانه، يراوح بين قدميه، فعن لي بيتان، فأنشدتهما وهما: خليلي من سعد ألما فسلما ... على مريم، لا يبعد الله مريما وقولا لها : هذا الفراق عزمته ... فهل من نوالٍ بعد ذلك فيعلما! قال: فقال لي الرجل المتلفع بطيلسانه: فنعلما، فقلت: ما الفرق بين يعلما ونعلما؟ فقال: أنا أعلم بالشعر منك، قال: فلمن الشعر؟ قلت: للأسود بن عمارة النوفلي، فقال لي: فأنا هو؛ فدنوت منه فأخبرته خبر موسى، واعتذرت إليه من مراجعتي إياه. قال: فصرف دابته، وقال: هذا أحق منزل بأن يترك. قال مصعب الزبيري: قال أبو المعافي: أنشدت العباس بن محمد مديحاً في موسى وهارون: يا خيزران هناك ثم هناك ... إن العباد يسوسهم إبناك قال: فقال لي: إني أنصحك، قال اليماني: لا تذكر أمي بخير ولا بشر. وذكر أحمد بن صالح بن أبي فنن، قال: حدثني يوسف الصقيل الشاعر الواسطي، قال: كنا عند الهادي بجرجان قبل الخلافة ودخوله بغداد، فصعد مستشرفا له حسناً؛ فغنى بهذا الشعر: واستقلت رجالهم ... بالرديني شرعا فقال: كيف هذا الشعر؟ فأنشدوه، فقال: كنت أشتهي أن يكون هذا الغناء في شعر أرق من هذا، اذهبوا إلى يوسف الصقيل حتى يقول فيه، قال: فأتوني فأخبروني الخبر، فقلت: لا تلمني أن اجزعا ... سيدس قد تمنعا وابلائي إن كان ما ... بيننا قد تقطعا إن موسى بفضله ... جمع الفضل أجمعا قال: فنظر فإذا أمامه، فقال: أوقروا هذا دراهم ودنانير، واذهبوا بها إليه. قال: فأتوني بالبعير موقراً. وذكر محمد بن سعد، قال: حدثني أبو زهير، قال: كان ابن دأب أحظى الناس عند الهادي، فخرج الفضل بن الربيع يوماً، فقال: إن أمير المؤمنين يأمر من بابه بالانصراف؛ فأما أنت يا بن دأب فادخل، قال ابن دأب: فدخلت عليه وهو منبطح على فراشه؛ وإن عينيه لحمراوان من السهر وشرب الليل، فقال لي: حدثني بحديث في الشراب، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، خرجت رجله من كنانة ينتجعون الخمر من الشأم، فمات أخ لأحدهم، فجلسوا عند قبره يشربون، فقال أحدهم: لا تصرد هامةً من شربها ... أسقه الخمر وإن كان قبر أسق أوصالاً وهاماً وصدى ... قاشعاً يقشع قشع المبتكر كان حراً فهوى فيمن هوى ... كل عود وفنون منكسر قال: فدعا بدواة فكتبها، ثم كتب إلى الحراني بأربعين ألف درهم، وقال: عشرة آلاف لك، وثلاثون ألفاً للثلاثة الأبيات. قال: فأتيت الحراني، فقال: صالحنا على عشرة آلاف، على أنك تحلف لنا ألا تذكرها لأمير المؤمنين، فحلفت ألا أذكرها لأمير المؤمنين، حتى يبدأني، فمات ولم يذكرها حتى أفضت الخلافة إلى الرشيد. وذكر أبو دعامة أن سلم بن عمرو الخاسر مدح موسى الهادي، فقال: بعيساباذ حر من قريش ... على جنباته الشرب الرواء يعوذ المسلمون بحقوتيه ... إذا ما كان خوف أو رجاء وبالميدان دور مشرفات ... يشيدهن قوم أدعياء وكم من قائلٍ إني صحيح ... وتأبه الخلائق والرواء له حسب يضن به ليبقى ... وليس لما يضن به بقاء على الضبي لؤم ليس يخفي ... يغطيه فينكشف الغطاء لعمري لو أقام أبو خديج ... بناء الدار ما انهدم البناء قال: وقال سلم الخاسر لما تولى الهادي الخلافة بعد المهدي: لقد فاز موسى بالخلافة والهدى ... ومات أمير المؤمنين محمد فمات الذي عم البرية فقده ... وقام الذي يكفيك من يتفقد وقال أيضاً: تخفى الملوك لموسى عند طلعته ... مثل النجوم لقرن الشمس إذ طلعا وليس خلق يرى بدراً وطلعته ... من البرية إلا ذل أو خضعا وقال أيضاً: لولا الخليفة موسى بعد والده ... ما كان للناس من مهديهم خلف ألا ترى أمة الأمى واردةً ... كأنها من نواحي البحر تغترف من راحتي ملك قد عم نائله ... كأنه نائله من جوده سرف وذكر إدريس بن أبي حفصة أن مروان بن أبي حفصة حدثه، قال: لما ملك موسى الهادي دخلت عليه فأنشدته: إن خلدت بعد الاٍمام محمد ... نفسي لما فرحت بطول بقائها قال: ومدحت فقلت فيه: بسبعين ألفاً شد ظهري وراشني ... أبوك وقد عاينت من ذاك مشهدا وإني أمير المؤمنين لواثق ... بألا يرى شربي لديك مصردا فلما أنشدته قال: ومن يبلغ مدى المهدي! ولكنا سنبلغ رضاك. قال: وعاجلته المنية فلم يعطني شيئاً، ولا أخذت من أحد درهماً حتى قام الرشيد. وذكر هارون بن موسى الفروي، قال: حدثني أبو غزية، عن الضحاك بن معن السلمي، قال: دخلت على موسى فأنشدته: يا منزلي شجو الفؤاد تكلما ... فلقد أرى بكما الرباب وكلثما ما منزلان على التقادم والبلى ... أبكي لما تحت الجوانح منكما ردا السلام على كبير شاقة ... طللان قد درسا فهاج فسلما قال: ومدحته فيها، فلما بلغت: سبط الأنامل بالفعال أخاله ... أن ليس يتركفي الخزائن درهماً التفت إلى أحمد الخازن ، فقال: ويحك يا أحمد! كأنه نظر إلينا البارحة، قال: وكان قد أخرج تلك الليلة مالاً كثيراً ففرقه. وذكر عن إسحاق الموصلي - أو غيره - عن إبراهيم، قال: كنا يوما عند موسى، وعنده ابن جامع ومعاذ بن الطيب - وكان أول يوم دخل علينا معاذ؛ حاذقاً بالأغاني، عارفاً بقديمها - فقال: من أطربني منكم فله حكمه؛ فغناه ابن جامع غناءً فلم يحركه، وفهمت غرضه في الأغاني، فقال هات يا إبراهيم، فغنيته: سليمى أجمعت بينا ... فأين تقولها أينا! فطرب حتى قام من مجلسه، ورفع صوته، وقال: أعد، فأعدت، فقال: هذا غرضي فاحتكم، فقلت يا أمير المؤمنين، حائط عبد الملك وعينه الخرارة، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان، ثم قال: يا بن اللخناء، أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني وأني حكمتك فأقطعتك! أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك لضربت الذي فيه عيناك. ثم أطرق هنيهة، فرأيت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أكره. ثم دعا إبراهيم الحراني فقال: خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ما شاء، فأدخلني الحراني بيت المال، فقال: كم تأخذ؟ قلت: ماءة بدرة، قال: دعني أؤامره، قال: قلت: فثمانين، قال: حتى أؤامره، فعملت ما أراد، فقلت: سبعين بدرة لي، وثلاثين لك، قال: الآن جئت بالحق، فشأنك. فانصرفت بسبعمائة ألف وانصرف ملك الموت عن وجهي. وذكر علي بن محمد، قال: حدثني صالح بن علي بن عطية الأضخم عن حكم الوادي، قال كان الهادي يشتهي من الغناء الوسط الذي يقل ترجيعه، ولا يبلغ أن يستخف به جداً. قال: فبينا نحن ليلة عنده، وعنده ابن جامع والموصلي والزبير بن دحمان والغنوي إذ دعا بثلاث بدور وأمر بهن فوضعن في وسط المجلس، ثم ضم بعضهن إلى بعض، وقال: من غنائي صوتاً في الطريق الذي أشتهيه، فهن له كلهن. قال: وكان فيه خلق حسن؛ كان إذا كره شيئاً لم يوقف عليه، وأعرض عنه. فغناه ابن الجامع، فأعرض عنه، وغنى القوم كلهم؛ فأقبل يعرض حتى تغنيت، فوافقت ما يشتهي فصاح أحسنت أحسنت! اسقوني، فشرب وطرب، فقمت فجلست على البدور، وعلمت أني قد حويتها، فحضر ابن جامع، فأحسن المحضر، وقال: يا أمير المؤمنين، هو والله كما قلت، وما منا أحد إلا وقد ذهب عن طريقك غيره، قال: هي لك، وشرب حتى بلغ حاجته على الصوت، ونهض، فقال: مروا ثلاثة من الفراشين يحملونها معه، فدخل وخرجنا نمشي في الصحن منصرفين، فلحقني ابن جامع، فقلت: جعلت فداك يا أبا القاسم! فعلت ما يفعل مثلك في نسبك؛فانظر فيها بما شئت. فقال: هنأك الله، ووددنا أنا زدناك. ولحقنا الموصلي، فقال: أجزنا، فقلت: ولم لم تحسن محضرك! لا والله ولا درهماً واحداً. وذكر محمد بن عبد الله، قال: قال لي سعيد القارئ العلاف - وكان صاحب أبان القارئ - : إنه كان عند موسى جلساؤه، فيهم الحراني وسعيد بن سلم وغيرهما؛ وكانت جارية لموسى تسقيهم؛ وكانت ماجنةً، فكانت تقول لهذا: يا جلفي؛ وتعبث بهذا وهذا؛ ودخل يزيد بن مزيد فسمع ما تقول لهم، فقال لها: والله الكبير؛ لئن قلت لي مثل ما تقولين لهم لأضربنك ضربة بالسيف، فقال لها موسى: ويلك! إنه والله يفعل ما يقول؛ فإياك. قال: فأمسكت عنه ولم تعابثه قط. قال: وكان سعيد العلاف وأبان القارئ إباضيين. وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب، قال: حدثني ابن القداح، قال: كانت للربيع جارية يقال لها أمة العزيز، فائقة الجمال، ناهدة الثديين، حسنة القوام، فأهداها لإلى المهدي، فلما رأى جمالها وهيئتها، قال: هذه لموسى أصلح، فوهبها له؛ فكانت أحب الخلق إليه، وولدت له بنيه الأكابر. ثم إن بعض أعداء الربيع قال لموسى: إنه سمع الربيع يقول: ما وضعت بيني وبين الأرض مثل أمة العزيز، فغار موسى من ذلك غيرة شديدة، وحلف ليقتلن الربيع، فلما استخلف دعا الربيع في بعض الأيام، فتغدى معه وأكرمه، وناوله كأساً فيها شراب عسل؛ قال: فقال الربيع: فعلمت أن نفسي فيها، وأني إن رددت الكأس ضرب عنقي؛ مع ما قد علمت أن في قلبه علي من دخولي على أمه، وما بلغه عني، ولم يسمع مني عذراً. فشربتها. وانصرف الربيع إلى منزله، فجمع ولده، وقال لهم: إني ميت في يومي هذا أو من غد، فقال له ابنه الفضل: ولم تقول هذا جعلت فداك! فقال: إن موسى سقاني شربة سم بيده، فأنا أجد عملها في بدني، ثم أوصى بما أراد، ومات في يومه أو من غده. ثم تزوج الرشيد أمة العزيز بعد موت موسى الهادي، فأولدها علي بن الرشيد. وزعم الفضل بن سليمان بن إسحاق الهاشمي أن الهادي لما تحول إلى عيساباذ في أول السنة التي ولي الخلافة فيها، عزل الربيع عما كان يتولاه من الوزارة وديوان الرسائل، وولى مكانه عمر بن بزيع، وأقر الربيع على الزمام؛وأوذن بموته فلم يحضر جنازته، وصلى عليه هارون الرشيد؛ وهو يومئذ ولي عهد، وولى موسى مكان الربيع إبراهيم بن ذكوان الحراني، واستخلف على ما تولاه إسماعيل بن صبيح، ثم عزله واستخلف يحيى بن سليم، وولى إسماعيل زمام ديوان الشام وما يليها. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، خال الفضل بن الربيع، أن أباه حدثه، أن موسى الهادي قال: أريد قتل الربيع؛ فما أدري كيف أفعل به! فقال له سعيد بن سلم: تأمر رجلاً باتخاذ سكين مسموم، وتأمره بقتله، ثم تأمر بقتل ذلك الرجل. قال: هذا الرأي، فأمر رجلاً فجلس له في الطريق، وأمره بذلك، فخرج بعض خلفاء الربيع، فقال له: إنه قد أمر فيك بكذا وكذا، فأخذ في غير ذلك الطريق، فدخل منزله، فتمارض، فمرض بعد ذلك ثمانية أيام؛ فمات ميتة نفسه. وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة؛ وهو الربيع بن يونس. خلافة هارون الرشيدبويع للرشيد هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بالخلافة ليلة الجمعة الليلة التي توفي فيها أخوه موسى الهادي. وكانت سنة يوم ولي اثنتين وعشرين سنة. وقيل كان يوم بويع بالخلافة ابن إحدى وعشرين سنة. وأمه أم ولد يمانية جرشية يقال لها خيزران، وولد بالري لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة في خلافة المنصور. وأما البرامكة فإنها - فيما ذكر - تزعم أن الرشيد ولد أول يوم من المحرم سنة تسع وأربعين ومائة؛ وكان الفضل بن يحيى ولد قبله بسبعة أيام، وكان مولد الفضل لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة، فجعلت أم الفضل ظئراً للرشيد، وهي زينب بنت منير، فأرضعت الرشيد بلبان الفضل، وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد. وذكر سليمان بن أبي شيخ أنه لما كان الليلة التي توفي فيها موسى الهادي أخرج هرثمة بن أعين هارون الرشيد ليلاً فأقعده للخلافة، فدعا هارون يحيى بن خالد بن برمك - وكان محبوساً، وقد كان عزم موسى على قتله وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة - قال: فحضر يحيى، وتقلد الوزارة، ووجه إلى يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فأحضره، وأمره بإنشاء الكتب؛ فلما كان غداة تلك الليلة، وحضر القواد قام يوسف بن القاسم، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تكلم بكلام أبلغ فيه، وذكر موت موسى وقيام هارون بالأمر من بعده، وما أمر به للناس من الأعطيات. وذكر أحمد بن القاسم، أنه حدثه عمه علي بن يوسف بن القاسم هذا الحديث، فقال: حدثني يزيد الطبري مولانا أنه كان حاضراً يحمل دواة أبي يوسف بن القاسم، فحفظ الكلام. قال: قال بعد الحمد لله عز وجل والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه بيت الخلافة ومعدن الرسالة، وأتاكم أهل الطاعة من أنصار الدولة وأعوان الدعوة، من نعمه التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضي مدى الأبد، وأياديه التامة، أن جمع ألفتكم وأعلى أمركم، وشد عضدكم، وأوهن عدوكم، وأظهر كلمة الحق؛ وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قوياً عزيزاً؛ فكنتم أنصار دين الله المرتضى والذابين بسيفه المنتضى؛ عن أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم. وبكم استنقذكم من أيدي الظلمة، أئمة الجور، والناقضين عهد الله، والسافكين الدم الحرام، والآكلين الفيء، والمستأثرين به؛ فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة، واحذروا أن تغيروا فيغير بكم. وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام، فقبضه إليه، وولى بعده رشيداً مرضياً أمير المؤمنين رءوفاً بكم رحيماً، من محسنكم قبولاً، وعلى مسيئكم بالعفو عطوفاً؛ وهو - أمتعه الله بالنعمة وحفظ له ما اترعاه إياه من أمر الأمة، وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته - يعدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة لكم. وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء مما في بيوت الأموال ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهراً، غير مقاص لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم، وحامل باقي ذلك؛ للدفع عن حريمكم، وما لعله أن يحدث في النواحي والأقطار من العصاة المارقين إلى بيوت الأموال؛ حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها، والحال التي كانت عليها؛ فاحمدوا الله وجددوا شكراً يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم؛ بما جدد لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضل به عليكم، أيده الله بطاعته. وارغبوا إلى الله له في البقاء؛ ولكم به في إدامة النعماء، لعلكم ترحمون. وأعطوا صفقة أيمانكم، وقوموا إلى بيعتكم، حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم وعلى أيديكم، وتولاكم ولاية عباده الصالحين. وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: حدثني محمد بن هشام المخزومي، قال: جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم في لحاف بلا إزار؛ لما توفي موسى، فقال: قم يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: كم تروعني إعجاباً منك بخلافتي! وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل؛ فإن بلغه هذا، فما تكون حالي! فقال له: هذا الحراني وزير موسى وهذا خاتمه. قال: فقعد في فراشه، فقال: أشر علي، قال: فبينما هو يكلمه إذ طلع رسول آخر، فقال: قد ولد لك غلام، فقال: قد سميته عبد الله، ثم قال ليحيى: أشر علي، فقال: أشير عليك أن تقعد لحالك على أرمينية، قال: قد فعلت؛ ولا والله لا صليت بعيساباذ إلا عليها، ولا صليت الظهر إلا ببغداد؛ وإلا ورأس أبي عصمة بين يدي. قال: ثم لبس ثيابه، وخرج فصلى عليه، وقدم أبا عصمة، فضرب عنقه، وشط جمته في رأس قناة، ودخل بها بغداد؛ وذلك أنه كان مضى هو وجعفر بن موسى الهادي راكبين. فبلغا إلى قنطرة من قناطر عيساباذ، فالتفت أبو عصمة إلى هارون، فقال له: مكانك حتى يجوز ولي العهد، فقال هارون: السمع والطاعة للأمير؛ فوقف حتى جاز جعفر؛ فكان هذا سبب قتل أبي عصمة. قال: ولما صار الرشيد إلى كرسي الجسر دعا بالغواصين، فقال: كان المهدي وهب لي خاتماً شراؤه مائة ألف دينار يسمى الجبل، فدخلت على أخي وهو في يدي؛ فلما انصرفت لحقني سليم الأسود على الكرسي. فقال: يأمرك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم، فرميت به في هذا الموضع. فغاصوا فأخرجوه، فسر به غاية السرور. وقال محمد بن إسحاق الهاشمي: حدثني غير واحد من أصحابنا، منهم صباح بن خاقان التميمي، أن موسى الهادي كان خلع الرشيد وبايع لابنه جعفر؛ وكان عبد الله بن مالك على الشرط، فلما توفي الهادي هجم خزيمة بن خازم في تلك الليلة، فأخذ جعفراً من فراشه؛ وكان خزيمة في خمسة آلاف من مواليه معهم السلاح، فقال: والله لأضربن عنقك أو تخلعها، فلما كان الغد، ركب الناس إلى باب جعفر، فأتى به خزيمة، فأقامه على باب الدار في العلو، والأبواب مغلقة، فأقبل جعفر ينادي: يا معشر المسلمين، من كان لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها؛ والخلافة لعمي هارون؛ ولا حق لي فيها. وكان سبب مشي عبد الله بن مالك الخزاعي إلى مكة على اللبود؛ لأنه كان شاور الفقهاء في أيمانه التي حلف بها لبيعة جعفر، فقالوا له: كل يمين لك تخرج منها إلا المشي إلى بيت الله؛ ليس فيه حيلة. فحج ماشياً. وحظي خزيمة بذلك عند الرشيد. وذكر أن الرشيد كان ساخطاً على إبراهيم الحراني وسلام الأبرش يوم مات موسى، فأمر بحبسهما وقبض أموالهما، فحبس إبراهيم عند يحيى بن خالد في داره، فكلم فيه محمد بن سليمان هارون، وسأله الرضا عنه وتخلية سبيله، والإذن له في الانحدار معه إلى البصرة، فأجابه إلى ذلك. وفي هذه السنة عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز العمري عن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وما كان إليه من عملها، وولى ذلك إسحاق بن سليمان بن علي. وفيها ولد محمد بن هارون الرشيد، وكان مولده - فيما ذكر أبو الكرماني عن محمد بن يحيى بن خالد - يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة، وكان مولد المأمون قبله في ليلة الجمعة النصف من شهر ربيع الأول. وفيها قلد الرشيد يحيى بن خالد الوزارة، وقال له: قد قلدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى. ودفع إليه خاتمه؛ وفي ذلك يقول إبراهيم الموصلي: ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى يعرض عليها ويصدر عن رأيها. وفيها أمر هارون بسهم ذوي القربى، فقسم بين بني هاشم بالسوية. وفيها آمن من كان هارباً أو مستخفياً، غير نفر من الزنادقة؛ منهم يونس بن فروة ويزيد بن الفيض. وكان ممن ظهر من الطالبيين طبابا؛ وهو إبراهيم بن إسماعيل، وعلي بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن. وفيها عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيزاً واحداً وسميت العواصم. وفيها عمرت طرسوس على يدي أبي سليم فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وحج بالناس في هذه السنة هارون الرشيد من مدينة السلام، فأعطى أهل الحرمين عطاء كثيراً، وقسم فيهم مالاً جليلاً. وقد قيل: إنه حج في هذه السنة وغزا فيها، وفي ذلك يقول داود بن رزين: بهارون لاح النور في كل بلدة ... وقام به في عدل سيرته النهج إمام بذات الله أصبح شغله ... وأكثر ما يعني به الغزو والحج تضيق عيون الناس عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج وإن أمين الله هارون ذا الندى ... ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو وغزا الصائفة في هذه السنة سليمان بن عبد الله البكائي. وكان العامل فيها على المدينة إسحاق بن سليمان الهاشمي، وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قثم، وعلى الكوفة موسى بن عيسى، وخليفته عليها ابنه العباس بن موسى، وعلى البصرة والبحرين والفرض وعمان واليمامة وكور الأهواز وفارس محمد بن سليمان بن علي. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك قدوم أبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي مدينة السلام منصرفاً عن خراسان، وكان خاتم الخلافة حين قدم مع جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم أبو العباس الطوسي أخذه الرشيد منه، فدفعه إلى أبي العباس، ثم لم يلبث أبو العباس إلا يسيراً حتى توفي. فدفع الخاتم إلى يحيى بن خالد، فاجتمعت ليحيى الوزارتان. وفيها قتل هارون أبا هريرة محمد بن فروخ - وكان على الجزيرة - فوجه إليه هارون أبا حنيفة حرب بن قيس، فقدم به عليه مدينة السلام، فضرب عنقه في قصر الخلد. وفيها أمر هارون بإخراج من كان في مدينة السلام من الطالبيين إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن علي بن أبي طالب، وكان أبوه الحسن بن عبد الله فيمن أشخص. وخرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبو خالد المروروذي. وفي هذه السنة كان قدوم روح بن حاتم إفريقية، وخرجت في هذه السنة الخيزران إلى مكة في شهر رمضان، فأقامت بها إلى وقت الحج فحجت. وحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك شخوص الرشيد فيها إلى مرج القلعة مرتاداً بها منزلا ينزله. ذكر السبب في ذلك ذكر أن الذي دعاه إلى الشخوص إليها أنه استثقل مدينة السلام، فكان يسميها البخار، فخرج إلى مرج القلعة، فاعتل بها، فانصرف، وسميت تلك السفرة سفرة المرتاد. وفيها عزل الرشيد يزيد بن مزيد عن إرمينية، وولاها عبيد الله بن المهدي. وغزا الصائفة فيها إسحاق بن سليمان بن علي. وحج بالناس في هذه السنة يعقوب بن أبي جعفر المنصور. وفيها وضع هارون عن أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن وفاة سليمان فمن ذلك وفاة محمد بن سليمان بالبصرة، لليال بقين من جمادى الآخرة منها. وذكر أنه لما مات محمد بن سليمان وجه الرشيد إلى كل ما خلفه رجلاً أمره باصطفائه، فأرسل إلى ما خلف من الصامت من قبل صاحب بيت ماله رجلاً، وإلى الكسوة بمثل ذلك، وإلى الفرش والرقيق والدواب من الخيل والإبل، وإلى الطيب والجوهر وكل آلة برجلٍ من قبل الذي يتولى كل صنف من الأصناف، فقدموا البصرة، فأخذوا جميع ما كان لمحمد مما يصلح للخلافة، ولميتركوا شيئاً إلا الحرثي الذي لا يصلح للخلفاء، وأصابوا له ستين ألف ألف فحملوها مع ما حمل، فلما صارت في السفن أخبر الرشيد بمكان السفن التي حملت ذلك؛ فأمر أن يدخل جميع ذلك خزائنه إلا المال؛ فإنه أمر بصكاك فكتب للندماء، وكتب للمغنين صكاك صغار لم تدر في الديوان، ثم دفع إلى كل رجل صكاً بما رأى أن يهب له، فأرسلوا وكلاءهم إلى السفن، فأخذوا المال على ما أمر لهم به في الصكاك أجمع؛ لم يدخل منه بيت ماله دينار ولا درهم، واصطفى ضياعه؛ وفيها ضيعة يقال لها برشيد بالأهواز لها غلة كثيرة. وذكر علي بن محمد، عن أبيه، قال: لما مات محمد بن سليمان أصيب في خزانة لباسه مذ كان صبياً في الكتاب إلى أن مات مقادير السنين؛ فكان من ذلك ما عليه آثار النقش. قال: وأخرج من خزائنه ما كان يهدى له من بلاد السند ومكران وكرمان وفارس والأهواز واليمامة والري وعمان؛ من الألطاف والأدهان والسمك والحبوب والجبن، وما أشبه ذلك، ووجد أكثره فاسداً. وكان من ذلك خمسمائة كنعدة ألقيت من دار جعفر ومحمد في الطريق؛ فكانت بلاء. قال: فمكثنا حيناً لا نستطيع أن نمر بالمربد من نتنها. ذكر وفاة الخيزران أم الهادي والرشيد وفيها توفيت الخيزران أم هارون الرشيد وموسى الهادي. ذكر الخبر عن وقت وفاتهاذكر يحيى بن الحسن أن أباه حدثه، قال: رأيت الرشيد يوم ماتت الخيزران، وذلك في سنة ثلاث وسبعين ومائة، وعليه جبة سعيدية وطيلسان خرق أزرق، قد شد به وسطه، وهو آخذ بقائمة السرير حافياً يعدو في الطين؛ حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه، ثم دعا بخف وصلى عليها، ودخل قبرها، فلما خرج من المقبرة وضع له كرسي فجلس عليه، ودعا الفضل بن الربيع، فقال له: وحق المهدي - وكان لا يحلف بها إلا إذا اجتهد - إني لأهم لك من الليل بالشيء من التولية وغيرها، فتمنعني أمي فأطيع أمرها، فخذ الخاتم من جعفر. فقال الفضل بن الربيع لإسماعيل بن صبيح: أنا أجل أبا الفضل عن ذلك؛ بأن أكتب إليه وآخذه؛ ولكن إن رأى أن يبعث به! قال وولى الفضل نفقات العامة والخاصة وباد وريا والكوفة، وهي خمسة طساسيج، فأقبلت حاله تنمي إلى سنة سبع وثمانين ومائة. وقيا إن وفاة محمد بن سليمان والخيزران كانت في يوم واحد. وفيها أقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، وولاها ابنه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث. وحج بالناس فيها هارون؛ وذكر أنه خرج محرماً من مدينة السلام. ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان بالشام من العصبية فيها. وفيها ولى الرشيد إسحاق بن سليمان الهاشمي السند ومكران. وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي. وفيها هلك روح بن حاتم. وفيها خرج الرشيد إلى باقردى وبازبدى، وبنى بباقردى قصراً، فقال الشاعر في ذلك: بقردى وبازبدى مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السلسبيل برود وبغداد، ما بغداد، أما ترابها ... فخرء، وأما حرها فشديد وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح. وحج بالناس فيها هارون الرشيد، فبدأ بالمدينة، فقسم في أهلها مالاً عظيماً، ووقع الوباء في هذه السنة بمكة، فأبطأ عن دخولها هارون، ثم دخلها يوم التروية، فقضى طوافه وسعيه ولم ينزل بمكة. ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن البيعة للأمين فمن ذلك عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام من بعده ولاية عهد المسلمين وأخذه بيعة القواد والجند، وتسميته إياه الأمين، وله يومئذ خمس سنين، فقال سلم الخاسر: قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخليفة للهجان الأزهر فهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهداً عليه بمنظر وبمخبر قد بايع الثقلان في مهد الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر ذكر الخبر عن سبب بيعة الرشيد له: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر روح مولى الفضل بن يحيى، فقال له: أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي - يعني محمد بن زبيدة بنت جعفر بن المنصور - فإنه ولد لك وخلافته لك، فوعده أن يفعل، وتوجه الفضل على ذلك؛ وكانت جماعة من بني العباس قد مدوا أعناقهم إلى الخلافة بعد الرشيد؛ لأنه لم يكن له ولي عهد؛ فلما بايع له، أنكروا بيعته لصغر سنه. قال: وقد كان الفضل لما تولى خراسان أجمع على البيعة لمحمد؛ فذكر محمد بن الحسين بن مصعب أن الفضل بن يحيى لما صار إلى خراسان، فرق فيهم أموالاً، وأعطى الجند أعطيات متتابعات، ثم أظهر البيعة لمحمد بن الرشيد؛ فبايع الناس له وسماه الأمين، فقال في ذلك النمري: أمست بمرو على التوفيق قد صفقت ... على يد الفضل أيدي العجم والعرب ببيعة لولي العهد أحكمها ... بالنصح منه وبالاٍشفاق والحدب قد وكد الفضل عقداً لا انتقاض له ... لمصطفى من بني العباس منتخب قال: فلما تناهى الخبر إلى الرشيد بذلك، وبايع له أهل المشرق، بايع لمحمد، وكتب إلى الآفاق، فبويع له في جميع الأمصار، فقال أبان اللاحقي في ذلك: عزمت أمير المؤمنين على الرشد ... برأي هدى، فالحمد لله ذي الحمد وعزل فيها الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خاله الغطريف ابن عطاء. وفيها صار يحي بن عبد الله بن حسن إلى الديلم، فتحرك هناك. وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح فبلغ إقريطية.وقال الوافدي: الذي غزا الصائفة في هذه السنة عبد الملك بن صالح، قال: وأصابهم في هذه الغزاة برد قطع أيديهم وأرجلهم. وحج بالناس فيها هارون الرشيد. ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من تولية الرشيد الفضل بن يحي كور الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وإرمينية وأذربيجان. وفيها ظهر يحي بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالديلم. ذكر الخبر عن مخرج يحي بن عبد الله وما كان من أمرهذكر أبو حفص الكرماني، قال: كان أول خبر يحي بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه ظهر بالديلم، واشتدت شوكته، وقوي أمره، ونزع إليه الناس من الأمصار والكور، فاغتنم لذلك الرشيد، ولم يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فندب إيه الفضل بن يحي في خمسين ألف رجل، ومعه صناديد القواد، وولاه كور الري وجرجان وطبرستان وقومس ودنباوند والرويان، وحملت معه الأموال، ففرق الكور على قواده، فولى المثنى بن الحجاج بن قتيبة بن مسلم طبرستان، وولى على بن الحجاج الخزاعي جرجان، وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعسكر بالنهرين، وامتدحه الشعراء، فأعطاهم أكثر، وتوسل إليه الناس بالشعر، ففرق فيهم أموالا كثيرة. وشخص الفضل بن يحي، واستحلف منصور بن زياد بباب أمير المؤمنين، تجري كتبه على يديه، وتنفذ الجوابات عنها إليه، وكنوا يثقون بمنصور وابنه في جميع أمورهم؛ لقديم صحبته لهم، وحرمته بهم. ثم مضى من معسكره، فلم تزل كتب الرشيد تتابع إليه بالبر واللطف والجوائز والخلع؛ فكاتب يحي ورفق به واستماله، وناشده وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله. ونزل الفضل بطالقان الري ودستبي بموضع يقال له أشب؛ وكان شديد البرد كثير الثلوج؛ ففي ذلك يقول أبان بن عبد الحميد اللاحقي: لدور أمس بالدولا ... ب حيث السيب ينعرج أحب إلي من دور ... أشب إذا هم ثلجوا قال: فأقام الفضل بهذا الموضع، وواتر كتبه على يحي، وكاتب صاحب الديلم، وجعل له ألف ألف درهم؛ على أن يسهل له خروج يحي إلى ما قبله، وحملت إليه، فأجاب يحي إلى الصلح والخروج على يديه، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه على نسخة يبعث بها إليه. فكتب الفضل بذلك إلى الرشيد، فسره وعظم موقعه عنده، وكتب أماناً ليحي بن عبد الله، وأشهد عليه الفقهاء والقضاة وجلة بي هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن علي والعباس ابن محمد ومحمد بن إبراهيم وموسى بن عيسى ومن أشبههم، ووجه به مع جوائز وكرامات وهدايا، فوجه الفضل بذلك إليه، فقدم يحي بن عبد الله عليه، وورد به الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب، وأمر له بمال كثير، وأجرى له أرزاقاً سنية، وأنزله منزلا سرياً بعد أن أقام في منزل يحي بن خالد أياماً، وكان يتولى أمره بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره، وأمر الناس بإتيانه بعد انتقاله من منزل يحي والتسليم عليه، وبلغ الرشيد الغاية في إكرام الفضل؛ ففي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: ظفرت فلا شلت يد برمكية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم على حين أعيا الراتقين التئامه ... فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم فأصبحت قد فازت يداك بخطة ... من المجد باق ذكرها في المواسم وما زال قدح الملك يخرج فائزاً ... لكم كلما ضمت قداح المساهم قال: وأنشدني أبو ثمامة الخطيب لنفسه فيه: للفضل يوم الطالقان وقبله ... يوم أناخ به على خاقان ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين توالتا يومان سد الثغور ورد ألفة هاشم ... بعد الشتات، فشعبها متدان عصمت حكومته جماعة هاشم ... من أن يجرد بينها سيفان تلك الحكومة لا التي عن لبسها ... عظم النبأ وتفرق الحكمان فأعطاه الفضل مائة ألف درهم، وخلع عليه، وتغنى إبراهيم به. وذكر أحمد بن محمد بن جعفر، عن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، قال: لما قدم يحي بن عبد الله من الديلم أتيته، وهو في دار علي بن أبي طالب، فقلت : يا عم، ما بعدك مخبر و لا بعدي مخبر؛ فأخبرني خبرك، فقال: يا أبن أخي، والله إن كنت إلا كما قال يحيى ابن خطب: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس حمدها ... وقلل يبغي العز كل مقلل وذكر الضبي أن شيخاً من النوفليين، قال: دخلنا على عيسى بن جعفر، وقد وضعت له وسائد بعضها فوق بعض؛ وهو قائم متكئ عليها؛ وإذا هو يضحك من شيء في نفسه، متعجباً منه ، فقلنا ما الذي يضحك الأمير أدام لله سروره! قال: لقد دخلني اليوم سرور ما دخلني مثله قط، فقلنا تمم الله للأمير سروره، وزاده سروراً. فقال: والله لا أحدثكم به إلا قائماً - واتكأ على الفراش وهو قائم - فقال: كنت اليوم عد أمير المؤمنين الرشيد، فدعا بيحيى بن عبد الله، فأخرج من السجن مكبلاً في الحديد، وعنده بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - وكان بكار شديد البغض لآل أبي طالب، وكان يبلغ هارون عنهم، ويسئ بأخبارهم، وكان الرشيد ولاه المدينة، وأمره بالتضييق عليهم - قال: فلما دعي بيحيى قال له الرشيد: هيه هيه! متضاحكاً؛ وهذا يزعم أيضاً أنا سممناه! فقال يحي: ما معنا يزعم؟ ها هو ذا لساني - قال: وأخرج لسانه أخضر مثل السلق - قال: فتربد هارون! واشتد غضبه، فقال يحي: يا أمير المؤمنين؛ إن لنا قرابة ورحماً، لسنا بترك ولا ديلم، يا أمير المؤمنين؛ إنا وأنتم أهل بيت واحد، فأذكرك الله وقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم! علام تحبسني وتعذبني؟ فال: فرق له هارون، وأقبل الزبيري على الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغرك كلام هذا؛ فإنه شاق عاصي؛ وإنما هذا منه مكر وخبث؛ إن هذا أفسد علينا مدينتنا، وأظهر فيها العصيان. قال: فأقبل يحي عليه؛ فوالله ما استأذن أمير المؤمنين في الكلام حتى قال: أفسد عليكم مدينتكم! ومن أنتم عافاكم الله! قال الزبيري: هذا كلامه قدامك؛ فكيف إذا غاب عنك! يقول: ومن أنتم! استخفافاً بنا. قال: فأقبل عليه يحي، فقال: نعم، ومن انتم عافاكم الله! المدينة كانت مهاجر عبد الله ابن الزبير أم مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومن أنت حتى تقول: أفسد علينا مدينتنا! وإنما بآبائي هذا هاجر أبوك إلى المدينة. ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إنما الناس نحن وانتم؛ فإن خرجنا عليكم قلنا: أكلتم وأجعتمونا ولبستم وأعريتمونا، وركبتم وأرجلتمونا؛ فوجدنا بذلك مقالاً فيكم، ووجدتم بخروجنا عليكم مقالاً فينا؛ فتكافأ فيه القول، ويعود أمير المؤمنين على أهله بالفضل. يا أمير المؤمنين، فلم يجترئ هذا وضرباؤه على أهل بيتك؛ يسعى بهم عندك! إنه والله ما يسعى بنا إليك نصيحةً منهلك؛ وإنه يأتينا فيسعى بك عندنا عن غير نصيحة منه لنا؛ إنما يريد أن يباعد بيننا، ويشتفي من بعض ببعض. والله يا أمير المؤمنين؛ لقد جاء إلي هذا حيث قتل أخي محمد بن عبد الله، فقال: لعن الله قاتله!وأنشدني فيه مرثيةً قالها نحواً من عشرين بيتاً وقال: إن تحركت في هذا الأمر فأنا أول من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة فأيدينا مع يدك! قال: فتغير وجه الزبيري وأسود، فأقبل عليه هارون ، فقال: أي شئ يقول هذا؟ قال: كاذب يا أمير المؤمنين؛ ما كان مما قال حرف قال: فأقبل على يحيى بن عبد الله، فقال: تروي القصيدة التي رثاه بها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أصلحك الله! قال: فأنشدها إياه، فقال الزبيري: والله يا أمير المؤمنين الذي لا إله إلا هو - حتى أتى على آخر اليمين الغموس - ما كان مما قاله شيء؛ ولقد تقول علي ما لم أقل. قال: فأقبل الرشيد على يحي ابن عبد الله، فقال: قد حلف، فهل من بينة سمعوا هذه المرثية منه؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ ولكن أستحلفه بما أريد، قال: فاستحلفه، قال: فأقبل على الزبيري، فقال: قل: أن بريء من حول الله وقوته موكل إلى حولي وقوتي، إن كنت قلته. فقال الزبيري: يا أمير المؤمنين، أي شيء هذا من الحلف! أحلف له بالله الذي لا إله إلا هو، ويستحلفني بشيء لا ادري ما هو! قال يحي بن عبد الله: يا أمير المؤمنين، إن كان صادقاً فما عليه أن يحلف بما أستحلفه به! فقال له هارون: احلف له ويلك! قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته موكل إلي حولي وقوتي؛ قال: فاضرب منها وأرعد، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أدري أي شيء هذه اليمين التي يستحلفني بها، وقد حلفت له بالله العظيم اعظم الأشياء! قال: فقال هارون له: لتحلفن له أو لأصدقن عليك ولأعاقبنك، قال: فقال: أنا بريء من حول الله وقوته، موكل إلي حولي وقوتي إن كنت قلته. قال: فخرج من عند هارون فضربه الله بالفالج، فمات من ساعته. قال: فقال عيسى بن جعفر: والله ما يسرني أن يحي نقصه حرفاً مما كان جرى بينهما، ولا قصر في شيء من مخاطبته إياه. قال: وأما الزبيريون فيزعمون أن امرأته قتلته؛ وهي من ولد عبد الرحمن بن عوف. وذكر إسحاق بن محمد النخعي أن الزبير بن هشام حدثه عن أبيه، أن بكار بن عبد الله تزوج امرأةً من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان له من قلبها موضع، فاتخذ عليها جارية، وأغارها؛ فقالت لغلامين له زنجيين: أنه قد أراد قتلكما هذا الفاسق - ولاطفتهما - فتعاوناني على قتله؟ قالا: نعم، فدخلت عليه وهو نائم، وهما جميعاً معها، فقعدا على وجهه حتى مات. قال: ثم إنها سقتها نبيذاً حتى تهوعا حول الفراش، ثم أخرجتهما ووضعت عند رأسه قنينة؛ فلما أصبح اجتمع أهله، فقالت: سكر فقاء فشرق فمات. فأخذ الغلامان؛ فضربا ضرباً مبرحاً، فأقرا بقتله، وأنها أمرتهما بذلك؛ فأخرجت من الدار ولم تورث. وذكر أبو الخطاب أن جعفر بن يحيى بن خالد حدثه ليلة وهو في سمره، قال: دعا الرشيد اليوم بيحيى بن عبد الله بن حسن، وقد أحضره أبو البختري القاضي ومحمد بن الحسن الفقيه صاحب أبي يوسف، وأحضر الأمان الذي كان أعطاه يحيى، فقال لمحمد بن الحسن: ما تقول في هذا الأمان؟ أصحيح هو؟ قال: هو صحيح، فحاجه في ذلك الرشيد، فقال له محمد بن الحسن: ما تصنع للأمان؟ لو كان محارباً ثم ولى كان آمناً. فاحتملها الرشيد على محمد بن الحسن، ثم سأل البختري أن ينظر في الأمان، فقال أبو البختري: هذا منتقض من وجه كذا وكذا، فقال الرشيد: أنت قاضي القضاة؛ وأنت أعلم بذلك؛ فمزق الأمان، وتفل فيه أبو البختري - وكان بكار بن عبد الله بن مصعب حاضراً المجلس - فأقبل على يحيى بن عبد الله بوجهه، فقال: شققت العصا، وفارقت الجماعة، وخالفت كلمتنا، وأردت خليفتنا؛ وفعلت بنا وفعلت. فقال يحيى: ومن أنتم رحمكم الله! قال جعفر: فوالله ما تمالك الرشيد أن ضحك ضحكاً شديداً. قال: وقام يحيى ليمضي إلى الحبس، فقال له الرشيد: انصرف، أما ترون به أثر علة! هذا الآن إن مات قال للناس: سموه. قال يحيى: كلا ما زلت عليلاً منذ كنت في الحبس؛ وقبل ذلك أيضاً كنت عليلاً. قال أبو الخطاب: فما مكث يحيى بعد هذا إلا شهراً حتى مات. وذكر أبو يونس إسحاق بن إسماعيل، قال: سمعت عبد الله بن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي، الذي يعرف بالخطيب، قال: كنت يوماً على باب الرشيد أنا وأبي، وحضر ذلك اليوم من الجند والقواد ما لم أر مثلهم على باب خليفة قبله ولا بعده، قال: فخرج الفضل بن الربيع إلى أبي، فقال له: ادخل، ومكث ساعة ثم خرج إلي، فقال: ادخل، فدخلت، فإذا أنا بالرشيد معه امرأة يكلمها، فأومأ إلى أبي أنه لا يريد أن يدخل اليوم أحد، فاستأذنت لك لكثرة من رأيت حضر الباب؛ فإذا دخلت هذا المدخل زادك ذلك نبلاً عند الناس. فما مكثنا إلا قليلاً حتى جاء الفضل بن الربيع، فقال: إن عبد الله بن مصعب الزبيري يستأذن في الدخول، فقال: إني لا أريد أن أدخل اليوم أحداً، فقال: قال: إن عندي شيئاً أذكره. فقال: قل له يقله لك، قال: قد قلت له ذلك، فزعم أنه لا يقوله إلا لك، قال: أدخله. وخرج ليدخله، وعادت المرأة وشغل بكلامها، وأقبل علي أبي، فقال: إنه ليس عنده شيء يذكره؛ وإنما أراد الفضل بهذا ليوهم من على الباب أن أمير المؤمنين لم يدخلنا لخاصة خصصنا بها؛ وإنما أدخلنا لأمر نسأل عنه كما دخل هذا الزبيري. وطلع الزبيري، فقال: يا أمير المؤمنين، ها هنا شيء أذكره، فقال له: قل، فقال له: إنه سر، فقال: ما من العباس سر، فنهضت، فقال: ولا منك يا حبيبي، فجلست، فقال: قل، فقال: إني والله قد خفت على أمير المؤمنين من امرأته وبنته وجاريته التي تنام معه، وخادمه الذي يناوله ثيابه وأخص خلق الله به من قواده، وأبعدهم منه. قال: فرأيته قد تغير لونه، وقال: مماذا؟ قال: جاءتني دعوة يحيى بن عبد الله بن حسن، فعلمت أنها لم تبلغني مع العداوة بيننا وبينهم، حتى لم يبق على بابك أحداً إلا وقد أدخله في الخلاف عليك. قال: فتقول له هذا في وجهه! قال: نعم، قال الرشيد: أدخله، فدخل، فأعد القول الذي قال له، فقال يحيى بن عبد الله: والله يا أمير المؤمنين لقد جاء بشيء لو قيل لمن هو أقل منك فيمن هو أكبر مني، وهو مقتدر عليه لما أفلت منه أبداً، ولي رحم وقرابة، فلم لا تؤخر هذا الأمر ولا تعجل، فلعلك أن تكفي مؤنتي بغير يدك ولسانك، وعسى بك أن تقطع رحمك من حيث لا تعلمه! أباهه بين يديك وتصبر قليلاً. فقال: يا عبد الله، قم فصل إن رأيت ذلك، وقام يحيى فاستقبل القبلة، فصلى ركعتين خفيفتين، وصلى عبد الله ركعتين، ثم برك يحيى، ثم قال: ابرك، ثم شبك يمينه في يمينه. وقال: اللهم إن كنت تعلم أني دعوت عبد الله بن مصعب إلى خلاف على هذا - ووضع يده عليه، وأشار إليه - فاسحتني بعذاب من عندك وكلني إلى حولي وقوتي، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين رب العالمين. فقال عبد الله: آمين رب العالمين. فقال يحيى بن عبد الله لعبد الله بن مصعب: قل كما قلت، فقال عبد الله: اللهم إن كنت تعلم أن يحيى بن عبد الله لم يدعني إلى الخلاف على هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك ، وإلا فكله إلى حوله وقوته، واسحته بعذاب من قبلك، آمين رب العالمين! وتفرقا، فأمر بيحيى فحبس في ناحية من الدار؛ فلما خرج وخرج عبد الله بن مصعب أقبل الرشيد على أبي، فقال: فعلت به كذا وكذا، وفعلت به كذا وكذا، فعدد أياديه عليه، فكلمه أبي بكلمتين لا يدفع بهما عن عصفور، خوفاً على نفسه، وأمرنا بالانصراف فانصرفنا. فدخلت مع أبي أنزع عنه لباسه من السواد - وكان ذلك من عادتي - فبينما أنا أحل عنه منطقته؛ إذ دخل عليه الغلام، فقال: رسول عبد الله بن مصعب، فقال: أدخله، فلما دخل قال له: ما وراءك؟ قال: يقول لك مولاي، أنشدك الله إلا بلغت إلي! فقال أبي للغلام: قل له: لم أزل عند أمير المؤمنين إلى هذا الوقت، وقد وجهت إليك بعبد الله، فما أردت أن تلقيه إلي فألقه إليه، وقال للغلام: اخرج فإنه يخرج في إثرك؛ وقال لي: إنما دعاني ليستعين بي على ما جاء به من الإفك؛ فإن أعنته قطعت رحمي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن خالفته سعى بي؛ وإنما يتدرق الناس بأولادهم، ويتقون بهم المكاره؛ فاذهب إليه، فكل ما قال لك فليكن جوابك له: أخبر أبي؛ فقد وجهتك وما آمن عليك، وقد كان قال لي أبي حين انصرفا - وذلك أنا احتبسنا عند الرشيد: أما رأيت الغلام المعترض في الدار! لا والله ما صرفنا حتى فرغ منه - يعني يحيى - إنا لله وإنا إليه راجعون! وعند الله نحتسب أنفسنا. فخرجت مع الرسول، فلما صرت في بعض الطريق وأنا مغموم بما أقدم عليه، قلت للرسول: ويحك! ما أمره! وما أزعجه بالإرسال إلى أبي في هذا الوقت! فقال: إنه لما جاء من الدار، فساعة نزل عن الدابة صاح: بطني بطني! قال عبد الله بن عباس: فما حفلت بهذا الكلام من قول الغلام، ولا التفت إليه، فلما صرنا على باب الدرب - وكان في درب لا منفذ له - فتح البابين؛ فإذا النساء قد خرجن منشورات الشعور محتزمات بالحبال، يلطمن وجوههن وينادين بالويل، وقد مات الرجل، فقلت: والله ما رأيت أمراً أعجب من هذا! وعطفت دابتي راجعاً أركض ركضاً لم أركض مثله قبله ولا بعده إلى هذه الغاية، والغلمان والحشم ينتظرونني لتعلق قلب الشيخ بي؛ فلما رأوني دخلوا يتعادون، فاستقبلني مرعوباً في قميص ومنديل، ينادي: ما وراءك يا بني؟ قلت: إنه مات، قال: الحمد لله الذي قتله وأراحك وإيانا منه؛ فما قطع كلامه حتى ورد خادم الرشيد يأمر أبي بالركوب وإياي معه. فقال أبي ونحن في الطريق نسير: لو جاز أن يدعى ليحيى نبوة لادعاها أهله، رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه! ولا والله ما نشك في أنه قد قتل. فمضينا حتى دخلنا على الرشيد؛ فلما نظر إلينا قال: يا عباس بن الحسن، أما علمت بالخبر؟ فقال أبي: بلى يا أمير المؤمنين، فالحمد لله الذي صرعه بلسانه، ووقاك الله يا أمير المؤمنين قطع أرحامك. فقال الرشيد: الرجل والله سليم على ما يحب، ورفع الستر، فدخل يحيى، وأنا والله أتبين الارتياع في الشيخ، فلما نظر إليه الرشيد صاح به: يا أبا محمد، أما علمت أن الله قد قتل عدوك الجبار! قال: الحمد لله الذي أبان لأمير المؤمنين كذب عدوه علي، وأعفاه من قطع رحمه، والله يا أمير المؤمنين؛ لو كان هذا الأمر مما أطلبه وأصلح له وأريده فكيف ولست بطالب له ولا مريده، ولو لم يكن الظفر به إلا بالاستعانة به، ثم لم يبق في الدنيا غيري وغيرك وغيره ما تقويت به عليك أبداً! وهذا والله من إحدى آفاتك - وأشار إلى الفضل بن الربيع - والله لو وهبت له عشرة آلاف درهم، ثم طمع مني في زيادة نمرة لباعك بها. فقال: أما العباسي فلا تقل له إلا خيراً، وأمر له في هذا اليوم بمائة ألف دينار، وكان حبسه بعض يوم. ثم قال أبو يونس: كان هارون حبسه ثلاث حبسات مع هذه الحبسة، وأوصل إليه أربعمائة ألف دينار. ذكر الفتنة بين اليمانية والنزاريةوفي هذه السنة، هاجت العصبية بالشام بين النزارية واليمانية، ورأس النزارية يومئذ أبو الهيذام. ذكر الخبر عن هذه الفتنة ذكر أن هذه الفتنة هاجت بالشام وعامل السلطان بها موسى بن عيسى، فقتل بين النزارية واليمانية على العصبية من بعضهم لبعض بشر كثير، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام، وضم إليه من القواد والأجناد ومشايخ الكتاب جماعة. فلما ورد الشام أحلت لدخوله إلى صالح بن علي الهاشمي، فأقام موسى بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرها، فانتهى الخبر إلى الرشيد بمدينة السلام، ورد الرشيد الحكم فيهم إلى يحيى، فعفا عنهم، وعما كان بينهم، وأقدمهم بغداد، وفي ذلك يقول إسحاق بن حسان الخزيمي: من مبلغ يحيى ودون لقائه ... زأرت كل خنابسٍ همهام يا راعي الإسلام غير مفرطٍ ... في لين مغتبط وطيب مشم تعذى مشاربه وتسقى شربةً ... ويبيت بالربوات والأعلام حتى تنخنخ ضارباً بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام فلكل ثغر خارس من قلبه ... وشعاع طرف ما يفتر سام وقال في موسى غير أبي يعقوب: قد هاجت الشام هيجاً ... يشيب رأس وليده فصب موسى عليها ... بخيله وجنوده فدانت الشأم لما ... أتى نسيج وحيده هو الجواد الذي ... بد كل جود بجوده أعداه جود أبيه ... يحيى وجود جدوده فجاد موسى بن يحيى ... بطارفٍ وتليده ونال موسى ذرى المج ... د وهو حشو مهوده خصصته بمديحي ... منشوره وقصيده من البرامك عود ... له فأكرم بعوده حووا على الشعر طراً ... خفيفه ومديده وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خراسان، وولاها حمزة بن مالك بن هيثم الخزاعي، وكان حمزة يلقب بالعروس. وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مصر، فولاها عمر بن مهران. ذكر الخبر عن سبب تولية الرشيد جعفراً مصر وتولية جعفر عمر بن مهران إياهاذكر محمد بن عمر أن أحمد بن مهران حدثه أن الرشيد بلغه أن موسى بن عيسى عازم على الخلع - وكان على مصر - فقال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي. انظروا لي رجلاً، فذكر عمر بن مهران - وكان إذ ذاك يكتب للخيزران، ولم يكتب لغيرها، وكان رجلاً أحول مشوه الوجه، وكان لباسه لباساً خسيساً، أرفع ثيابه طيلسانه، وكانت قيمته ثلاثين درهماً، وكان يشمر ثيابه ويقصر أكمامه، ويركب بغلاً وعليه رسن ولجام حديد، ويردف غلامه خلفه - فدعا به، فولاه مصر، خراجها وضياعها وحربها. فقال: يا أمير المؤمنين، أتولاها على شريطة، قال: وما هي؟ قال: يكون إذني إلي، إذا أصلحت البلاد انصرفت. فجعل ذلك له، فمضى إلى مصر، واتصلت ولاية عمر بن مهران بموسى بن عيسى؛ فكان يتوقع قدومه، فدخل عمر بن مهران مصر على بغل، وغلامه أبو درة على بغل ثقل، فقصد دار موسى بن عيسى والناس عنده، فدخل فجلس في أخريات الناس، فلما تفرق أهل المجلس، قال موسى بن عيسى لعمر: ألك حاجة يا شيخ؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير! ثم قام بالكتب فدفعها إليه، فقال: يقدم أبو حفص، أبقاه الله! قال: فأنا أبو حفص، قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم، قال: لعن الله فرعون حين يقول: أليس لي ملك مصر، ثم سلم له العمل ورحل، فتقدم عمر بن مهران إلى أبي درة غلامه، فقال له: لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب، لا تقبل دابة ولا جارية ولا غلاماً؛ فجعل الناس يبعثون بهداياهم، فجعل يرد ما كان من الألطاف، ويقبل المال والثياب، ويأتي بها عمر؛ فيوقع عليها أسماء من بعث بها، ثم وضع الجباية؛ وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم، فلواه، فقال: والله ما تؤدي ما عليك من الخراج إلا في بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قال: فأنا أؤدي، فتحمل عليه، فقال: قد حلفت ولا أحنث، فأشخصه مع رجلين من الجند - وكان العمال إذ ذاك يكاتبون الخليفة - فكتب معهم الرشيد: إني دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج؛ فلواني واستنظرني، فأنظرته ثم دعوته، فدافع ومال إلى الإلطاط، فآليت ألا يؤديه إلا في بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بن فلان و فلان بن فلان، من جند أمير المؤمنين، من قيادة فلان بن فلان؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلي بوصله فعل إن شاء الله تعالى. قال: فلم يلوه أحد بشيء من الخراج، فاستأدى الخراج، النجم الأول والنجم الثاني، فلما كان في النجم الثالث، وقعت المطالبة والمطل، فأحضر أهل الخراج والتجار فطالبهم، فدافعوه وشكوا الضيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا التي بعث بها إليه، ونظر في الأكياس وأحضر الجهبذ؛ فوزن ما فيها وأجزاها عن أهلها، ثم دعا بالأسفاط، فنادى على ما فيها، فباعها وأجزى أثمانها عن أهلها. ثم قال: يا قوم، حفظت عليكم هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها، فأدوا إلينا ما لنا؛ فأدوا إليه حتى أإلق مال مصر؛ فانصرف ولا يعلم أنه أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل، وأبو درة على بغل - وكان إذنه إليه. وغزا الصائفة في هذه السنة عبد الرحمن بن عبد الملك، فافتتح حصناً. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن أبي جعفر المنصور، وحجت معه - فيما ذكر الواقدي - زبيدة زوجة هارون وأخوها معها. ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك عزل الرشيد - فيما ذكر - جعفر بن يحيى عن مصر وتوليته إياها إسحاق بن سليمان، وعزله حمزة بن مالك عن خراسان وتوليته إياها الفضل بن يحيى؛ إلى ما كان يليه من الأعمال من الري وسجستان. وغزا الصائفة فيها عبد الرزاق بن عبد الحميد التغلبي. وكان فيها - فيما ذكر الواقدي - ريح وظلمة وحمرة ليلة الأحد لأربع ليال بقين من المحرم، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتا من المحرم من هذه السنة؛ ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر. وحج بالناس فيها هارون الرشيد. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك وثوب الحوفية بمصر؛ من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاق بن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرشيد إليه هرثمة بن أعين في عدة من القواد المضمومين إليه مدداً لإسحاق بن سليمان؛ حتى أذعن أهل الحوف، ودخلوا في الطاعة، وأدوا ما كان عليهم من وظائف السلطان - وكان هرثمة إذ ذاك عامل الرشيد على فلسطين - فلما انقضى أمر الحوفية صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر، وولاها هرثمة نحواً من شهر، ثم صرفه وولاها عبد الملك بن صالح. وفيها كان وثوب أهل إفريقية بعبدويه الأنباري ومن معه من الجند هنالك، فقتل الفضل بن روح بن حاتم، وأخرج من كان بها من آل المهلب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين، فرجعوا إلى الطاعة. وقد ذكر أن عبدويه هذا لما غلب على إفريقية، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعه، ونزع إليه الناس من النواحي، وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك، فوجه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زياد كاتبه؛ فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعدة حتى قبل الأمان،وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد، فوفى له يحيى بما ضمن له وأحسن إليه، وأخذ له أماناً من الرشيد، ووصله ورأسه. وفي هذه السنة فوض الرشيد أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. وفيها خرج الوليد بن طريف الشاري بالجزيرة، وحكم بها، ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين، ثم مضى منها إلى إرمينية. ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بهاوفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خراسان والياً عليها، فأحسن السيرة بها، وبنى بها المساجد والرباطات. وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة؛ وكان ممتنعاً. وذكر أن الفضل بن يحيى اتخذ بخراسان جنداً من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسموا ببغداد الكرنبية، وخلف الباقي منهم بخراسان على أسمائهم ودفاترهم؛ وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة: ما الفضل إلا شهاب لا أفول له ... عند الحروب إذا ما تأفل الشهب حامٍ على ملك قوم عز سهمهم ... من الوراثة في أيديهم سبب أمست يد لبني ساقي الحجيج بها ... كتائب ما لها في غيرهم أرب كتائب لبني العباس قد عرفت ... ما ألف الفضل منها العجم والعرب أثبت خمس مئين في عدادهم ... من الألوف التي أحصت لك الكتب يقارعون عن القوم الذين هم ... أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا إن الجواد بن يحيى الفضل لا ورق ... يبقى على جود كفيه ولا ذهب ما مر يوم له مذ شد مئزره ... إلا تمول أقوام بما يهب كم غايةٍ في الندى والبأس أحرزها ... للطالبين مداها دونها تعب يعطي الله حين لا يعطي الجواد ولا ... ينبو إذا سلت الهندية القضب ولا الرضى والرضى لله غايته ... إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب قد فاض عرفك حتى ما يعادله ... غيث مغيث ولا بحر له حدب قال: وكان مروان بن أبي حفصة قد أنشد الفضل في معسكره قبل خروجه إلى خراسان: ألم تر أن الجود من لدن آدمٍ ... تحدر حتى صار في راحة الفضل إذا ما أبو العباس راحت سماؤه ... فيا لك من هطل ويا لك من وبل إذا أم طفل راعها جوع طفلها ... دعته باسم الفضل فاستعصم الطفل ليحيا بك الإسلام إنك عزه ... وإنك من قوم صغيرهم كهل وذكر محمد بن العباس بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم، وكساه وحمله على بغلة. قال: وسمعته يقول: أصبت في قدمتي هذه سبعمائة ألف درهم. وفيه يقول: تخيرت للمدح بن يحيى بن خالد ... فحسبي ولم أظلم بأن أتخيرا له عادة أن يبسط العدل والندى ... لمن ساس من قحطان أو من تنزرا إلى المنبر الشرقي سار ولم يزل ... له والد يعلو سريراً ومنبرا يعد ويحيى البرمكي ولا يرى ... لدى الدهر إلا قائداً أو مومرا ومدحه سلم الخاسر، فقال: وكيف تخاف من بؤسٍ بدارٍ ... تكنفها البرامكة البحور وقوم منهم الفضل بن يحيى ... نفير ما يوازنه نفير له يومان: يوم ندىً وبأسٍ ... كأن الدهر بينهما أسير إذا ما البرمكي غدا ابن عشرٍ ... فهمته وزير أو أمير وذكر الفضل بن إسحاق الهاشمي أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى إلى خراسان وهو كاره للخروج، فأحفظ ذلك الفضل عليه. قال إبراهيم: فدعاني يوماً بعد ما أغفلني حيناً، فدخلت عليه؛ فلما صرت بين يديه سلمت، فما رد علي، فقلت في نفسي: شر والله - وكان مضطجعاً، فاستوى جالساً - ثم قال: ليفرخ روعك يا إبراهيم، فإن قدرتي عليك تمنعني منك؛ قال: ثم عقد لي على سجستان، فلما حملت خراجها، وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم.قال: وكان إبراهيم على شرطه وحرسه، فوجهه إلى كابل، فافتحها وغنم غنائم كثيرة. قال: وحدثني الفضل بن العباس بن جبريل - وكان مع عمه إبراهيم - قال: وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيين استزار الفضل ليريه نعمته عليه، وأعد له الهدايا والطرف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف في ناحية من الدار. قال: فلما قعد الفضل بن يحي قدم إليه الهدايا والطرف، فأبى أن يقبل منها شيئاً، وقال: لم آتك لأسلبك، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير. قال: ولك عندنا مزيد، قال: فلم بأخذ من جميع ذلك إلا سوطاً سجزياً، وقال: هذا من آلة الفرسان، فقال له: هذا المال من مال الخراج، فقال: هو لك، فأعاد عليه، فقال: أما لك بيت يسعه! فسوغه ذلك، وانصرف. قال: ولما قدم الفضل بن يحي من خراسان خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بالألف ألف، وبالخمسمائة ألف، ومدحه مروان بن أبي حفصة، فقال: حمدنا الذي أدى ابن يحيى فأصبحت ... بمقدمه تجري لنا الطير أسعدا وما هجعت حتى رأته عيوننا ... وما زلن حتى آب بالدمع حشدا لقد صبحتنا خيله ورجاله ... بأروع بذ الناس بأساً وسوددا نفى عن خراسان العدو كما نفى ... ضحى الصبح جلباب الدجى فتعردا لقد راع من أمسى بمرو مسيره ... إلينا، وقالوا شعبنا قد تبددا على حين ألقى قفل كل ظلامةٍ ... وأطلق بالعفو الأسير المقيدا وأفشى بلا من مع العدل فيهم ... أيادي عرفٍ باقياتٍ وعودا فأذهب روعات المخاوف عنهم ... وأصدر باغي الأمن فيهم وأوردا وأجدى على الأيتام فيهم بعرفه ... فكان من الآباء أحنى وأعودا إذا الناس راموا غاية الفضل في الندى ... وفي البأس ألفوها من النجم أبعدا سما صاعداً بالفضل يحيى وخالد ... إلى كل أمر كان أسنى وأمجدا يلين لمن أعطى الخليفة طاعةً ... ويسقي دم العاصي الحسام المهندا أذلت مع الشرك النفاق سيوفه ... وكانت لأهل الدين عزاً مؤبدا وشد القوى من بيعة المصطفى الذي ... على فضله عهد الخليفة قلدا سمي النبي الفاتح الخاتم الذي ... به الله أعطى كل خير وسددا أبحت جبال الكابلي ولم تدع ... بهن لنيران الضلالة موقدا فأطلعتها خيلاً وطئن جموعه ... قتيلاً ومأسوراً وفلاً مشردا وعادت على ابن البرم نعماك بعدما ... تحوب مخذ ولا يرى الموت مفردا وذكر العباس بن جرير، أن حفص بن مسلم - وهو أخو رزام بن مسلم، مولى خالد بن عبد الله القسري - حدثه أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى مقدمه خراسان، وبين يديه بدر تفرق بخواتيمها، فما فضت بدرة منها، فقلت: كفى الله بالفضل بن يحيى بن خالدٍ ... وجود يديه بخل كل بخيل قال: فقال لي مروان بن أبي حفصة: وددت أني سبقتك إلى هذا البيت، وأن علي غرم عشرة آلاف درهم. وغزا فيها الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم، وغزا الشاتية فيها ابن راشد، ومعه البيد بطريق صقلية. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي، وكان على مكة. ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك انصراف الفضل بن يحيى عن خراسان واستخلافه عليها عمرو بن شرحبيل. وفيها ولى الرشيد خراسان منصور بن يزيد بن منصور الحميري. وفيها شري بخراسان حمزة بن أترك السجستاني. وفيها عزل الرشيد محمد بن خالد بن برمك عن الحجبة، وولاها الفضل بن الربيع. وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته، وكثر تبعه، فوجه الرشيد إليه يزيد بن مزيد الشيباني، فراوغه يزيد، ثم لقيه وهو مغتر فوق هيت، فقتله وجماعة كانوا معه، وتفرق الباقون، فقال الشاعر: وائل بعضها يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلا الحديد وقالت الفارعة أخت الوليد: أيا شجر الخابور ما لك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتىً لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قناً وسيوف واعتمر الرشيد في هذه السنة في شهر رمضان، شكراً لله على ما أبلاه في الوليد بن طريف، فلما قضى عمرته انصرف إلى المدينة، فأقام بها إلى وقت الحج، ثم حج بالناس، فمشى من مكة إلى منى، ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر ماشياً، ثم انصرف على طريق البصرة. وأما الواقدي فإنه قال: لما فرغ من عمرته أقام بمكة حتى أقام للناس حجهم. ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن العصبية التي هاجت بالشام فمما كان فيها من ذلك، العصبية التي هاجت بالشام بين أهلها. ذكر الخبر عما صار إليه أمرهاذكر أن هذه العصبية لما حدثت بالشام بين أهلها، وتفاقم أمرها، اغتم بذلك من أمرهم الرشيد، فعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر بل أقيك بنفسي؛ فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح، وجعل على شرطه العباس بن محمد بن المسيب بن زهير، وعلى حرسه شبيب بن حميد بن قحطبة، فأتاهم فأصلح بينهم؛ وقتل زواقيلهم، والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحاً ولا فرساً، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة؛ وأطفأ تلك النائرة، فقال منصور النمري لما شخص جعفر: لقد أوقدت بالشام نيران فتنةٍ ... فهذا أوان الشأم تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمكٍ ... عليها، خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفرٍ ... وفيه تلاقى صدعها وانجبارها رماها بميمون النقيبة ماجد ... تراضى به قحطانها ونزارها تدلت عليهم صخرة برمكيةً ... دموغ لهام الناكبين انحدارها غدوت تزجى غابة في رءوسها ... نجوم الثريا والمنايا ثمارها إذا خفقت راياتها وتجرست ... بها الريح هال السامعين انبهارها فقولوا لأهل الشأم: لا يسلبنكم ... حجاكم طويلات المنى وقصارها فإن أمير المؤمنين بنفسه ... أتاكم وإلا نفسه فخيارها هو الملك المأمول للبر والتقى ... وصولاته لا يستطاع خطارها وزير أمير المؤمنين وسيفه ... وصعدته والحرب تدمى شفارها ومن تطو أشرار الخليفة دونه ... فعندك مأواها وأنت قرارها وفيت فلم تغدر لقوم بذمةٍ ... ولم تدن من حالٍ ينالك عارها طبيب بإحياء الأمور إذا التوت ... من الدهر أعناق، فأنت جبارها إذا ما ابن يحيى جعفر قصدت له ... ملمي خطب لم ترعه كبارها لقد نشأت بالشأم منك غمامة ... يؤمل جدواها ويخشى دمارها فطوبى لأهل الشأم يا ويل أمها ... أتاها حياها، أو أتاها بوارها فإن سالموا كانت غمامة نائلٍ ... وغيثٍ، وإلا فالدماء قطارها أبوك أبو الأملاك يحيى بن خالدٍ ... أخو الجود والنعمى الكبار صغارها كأين ترى في البرمكيين من ندىً ... ومن سابقاتٍ ما يشق غبارها غدا بنجوم السعد من حل رحله ... إليك، وعزت عصبة أنت جارها عذيري من الأقدار هل عزماتها ... مخلفتي عن جعفرٍ واقتسارها فعين الأسى مطروفة لفراقه ... ونفسي إليه ما ينام ادكارها وولى جعفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشأم عيسى بن العكي وانصرف، فازداد الرشيد له إكراماً. فلما قدم على الرشيد دخل عليه - فيما ذكر - فقبل يديه ورجليه، ثم مثل بين يديه، فقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرعي، وأنسأ في أجلي، حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني بقربه، وامتن علي بتقبيل يده، وردني إلى خدمته؛ فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني؛ فاعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتني وخطايا أحاطت بي؛ ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين - جعلني الله فداك - لخفت أن يذهب عقلي إشفاقاً على قربك، وأسفاً على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك؛ والحمد لله الذي عصمنيفي حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرفني الإجابة ومسكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية؛ فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك؛ ولم يخترمني أجل دونك. والله يا أمير المؤمنين - ولا أعظم من اليمين بالله - لقد عاينت ما لو تعرض لي الدنيا كلها لاخترت عليها قربك، ولما رأيتها عوضاً من المقام معك. ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إن الله يا أمير المؤمنين - لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع إلفتهم، ويلم شعثهم؛ حفظاً لك فيهم، ورحمة لهم؛ وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك؛ والله المحمود على ذلك وهو مستحقه. وفارقت يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحلمك، مؤملون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم. وأيم الله يا أمير المؤمنين لئن كنت قد شخصت عنهم، وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم، ونفى مراقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم؛ فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك، وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته، ووقفتني عليه؛ ووالله ما انقادوا إلا لدعوتك، وتوحد الله بالصنع لك، وتخوفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني - وإن كنت بذلت جهدي، وبلغت مجهودي - قاضياً ببعض حقك علي؛ بل ما ازدادت نعمتك علي عظماً؛ إلا وازددت عن شكرك عجزاً وضعفاً وما خلق الله أحداً من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلاً مهجتي في طاعتك، وكل ما يقرب إلى موافقتك؛ ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري؛ فكيف بشكري وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي! أم كيف بشكري وإنما أقوى على شكري بإكرامك إياي! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلك عدي وكيف بشكري وأنت كهفي دون كل كهف لي! وكيف بشكري وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي! وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي! أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك إلي بما تجدده لي! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطولك على جميع أكفائي! أم كيف بشكري وأنت وليي! أم كيف بشكري وأنت المكرم لي! وأنا أسأل الله الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له؛ إذا كان الشكر مقصراً عن بلوغ تأدية بعضه، بل دون شقص من عشر عشيره، أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له، وأقدر عليه، وأن يقضي عني حقك، وجليل منتك؛فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه! وفي هذه السنة أخذ الرشيد الخاتم من جعفر بن يحيى، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد. وفيها ولى جعفر بن يحيى خراسان وسجستان، واستعمل جعفر عليهما محمد بن الحسن بن قحطبة. وفيها شخص الرشيد من مدينة السلام مريداً الرقة على طريق الموصل، فلما نزل البردان، ولى عيسى بن جعفر خراسان، وعزل عنها جعفر بن يحيى؛ فكانت ولاية جعفر بن يحيى إياها عشرين ليلة. وفيها ولى جعفر بن يحيى الحرس. وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها، ثم مضى إلى الرقة فنزلها واتخذها وطناً. وفيها عزل هرثمة بن أعين عن إفريقية، وأقفله إلى مدينة السلام،فاستخلفه جعفر بن يحيى الحرس. وفيها كانت بأرض مصر زلزلة شديدة، فسقط رأس منارة الإسكندرية. وفيها حكم خراشة الشيباني وشري بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي. وفيها خرجت المحمرة بجرجان، فكتب علي بن عيسى بن ماهان أن الذي هيج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركي، وأنه زنديق، فأمر الرشيد بقتله، فقتل بمرو. وفيها عزل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرويان، وولى ذلك عبد الله بن خازم. وعزل الفضل أيضاً عن الري، ووليها محمد بن يحيى بن الحارث بن شخير، وولي سعيد بن سلم الجزيرة. وغزا الصائفة فيها معاوية بن زفر بن عاصم. وفيها صار الرشيد إلى البصرة منصرفة من مكة، فقدمها في المحرم منها، فنزل المحدثة أياماً، ثم تحول منها إلى قصر عيسى بن جعفر بالخريبة، ثم ركب في نهر سيحان الذي احتفره يحيى بن خالد؛ حتى نظر إليه، وسكر نهر الأبلة ونهر معقل، حتى استحكم أمر سيحان، ثم شخص عن البصرة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم، فقدم مدينة السلام، ثم شخص إلى الحيرة، فسكنها وابتنى فيها المنازل، وأقطع من معه الخطط، وأقام نحواً من أربعين يوماً فوثب به أهل الكوفة، وأساءوا مجاورته، فارتحل إلى مدينة السلام، ثم شخص من مدينة السلام إلى الرقة، واستخلف بمدينة السلام حين شخص إلى الرقة محمداً الأمين، وولاه العراقين. وحج بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فكان فيها غزو الرشيد أرض الروم، فافتتح بها عنوةً حصن الصفصاف، فقال مروان بن أبي حفصة: إن أمير المؤمنين المصطفى ... قد ترك الصفصاف قاعاً صفصفا وفيها غزا عبد الملك بن صالح الروم، فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وفيها توفي الحسن بن قحطبة وحمزة بن مالك. وفيها غلبت المحمرة على جرجان. وفيها أحدث الرشيد عند نزوله الرقة في صدور كتبه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس في هذه السنة هارون الرشيد، فأقام للناس الحج، ثم صدر معجلاً. وتخلف عنه يحيى بن خالد، ثم لحقه بالغمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه، فرد إليه الخاتم، وسأله الإذن في المقام فأذن له، فانصرف إلى مكة. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فكان فيها انصراف الرشيد من مكة ومسيره إلى الرقة، وبيعته بها لابنه عبد الله المأمون بعد ابنه محمد الأمين، وأخذ البيعة له على الجند بذلك بالرقة، وضمه إياه إلى جعفر بن يحيى، ثم توجيهه إياه إلى مدينة السلام، ومعه من أهل بيته جعفر بن أبي جعفر المنصور وعبد الملك بن صالح، ومن القواد علي بن عيسى، فبويع له بمدينة السلام حين قدمها، وولاه أبوه خراسان وما يتصل بها إلى همذان، وسماه المأمون. وفيها حملت ابنة خاقان ملك الخزر إلى الفضل بن يحيى، فماتت ببرذعة، وعلى إرمينية يومئذ سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي، فرجع من كان فيها من الطراخنة إلى أبيها، فأخبروه أن ابنته قتلت غيلة، فحنق لذلك، وأخذ في الأهبة لحرب المسلمين. وانصرف فيها يحيى بن خالد إلى مدينة السلام. وغزا فيها الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن أليون، وأقروا أمه رييني، وتلقب أغسطة. وحج بالناس فيها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيه فمن ذلك خروج الخزر بسبب ابنه خاقان من باب من الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هناك وأهل الذمة، وسبيهم - فيما ذكر - أكثر من مائة ألف. فانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع في الإسلام بمثله، فولى الرشيد إرمينية يزيد بن مزيد مع أذربيحان، وقواه بالجند؛ ووجهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءاً لا أهل إرمينية. وقد قيل سبب دخول الخزر إرمينية غير هذا القول؛ وذلك ما ذكره محمد بن عبد الله، أن أباه حدثه أن سبب دخول الخزر إرمينية في زمان هارون كان أن سعيد بن سلم ضرب عنق المنجم السلمي بفأس، فدخل ابنه بلاد الخزر، واستجاشهم على سعيد، فدخلوا إرمينية من الثلمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات، وأقاموا فيها - أظن - سبعين يوماً، فوجه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى إرمينية حتى أصلحا ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر، وسدت الثلمة. وفيها كتب الرشيد إلى علي بن عيسى بن ماهان وهو بخراسان بالمصير إليه؛ وكان سبب كتابه إليه بذلك؛ أنه كان حمل عليه، وقيل له: إنه قد أجمع على الخلاف، فاستخلف علي بن عيسى ابنه يحيى على خراسان، فأقره الرشيد، فوافاه علي، وحمل إليه مالاً عظيماً، فرده الرشيد إلى خراسان من قبل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب، فرجع. وفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي مولى الحريش. وفيها مات موسى بن جعفر بن محمد ببغداد ومحمد بن السماك القاضي وفيها حج بالناس العباس بن موسى الهادي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها قدم هارون مدينة السلام في جمادى الآخرة منصرفاً إليها من الرقة في الفرات في السفن، فلما صار إليها أخذ الناس بالبقايا. وولي استخراج ذلك - فيما ذكر - عبد الله بن الهيثم بن سام بالحبس والضرب، وولي حماد البربري مكة واليمن، وولي داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند، ويحيى الحرشي الجبل، ومهرويه الرازي طبرستان، وقام بأمر إفريقية إبراهيم الأغلب، فولاها إياه الرشيد. وفيها خرج أبو عمرو الشاري فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهرزور. وفيها طلب أبو الخصيب الأمان، فأعطاه ذلك علي بن عيسى، فوافاه بمرر فأكرمه. وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهرويه الرازي وهو واليها، فولى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي. ==============================================ج28. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري وفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة. وفيها عاث حمزة الشاري بباذغيس من خراسان، فوثب عيسى بن علي بن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم، وبلغ كابل وزايلستان والقندهار، فقال أبو العذافر في ذلك: كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المشرقين والمغربين لم يدع كابلاً ولا زابلستا ... ن فما حولها إلى الرخجين وفيها خرج أبو الخصيب ثانية بنسا، وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس ونيسابور، وزحف إلى مرو، فأحاط بها، فهزم، ومضى نحو سرخس، وقوي أمره. وفيها مات يزيد بن مزيد ببرذعة، فولي مكانه أسد بن يزيد. وفيها مات يقطين بن موسى ببغداد. وفيها مات عبد الصمد بن علي ببغداد في جمادى الآخرة، ولم يكن ثغر قط؛ فأدخل القبر بأسنان الصبي، ومانقص له سن. و شخص فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل. واستأذنه فيها يحيى بن خالد في العمرة والجوار، فأذن له، فخرج في شعبان، واعتمر عمرة شهر رمضان، ثم رابط بجدة إلى وقت الحج، ثم حج. ووقعت في المسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين. وحج بالناس فيها منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كان خروج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا، فقتله بها، وسبى نساءه وذراريه، واستقاما خراسان. وفيها حبس الرشيد ثمامة بن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بن عيسى بن زيد. وفيها مات جعفر بن أبي جعفر المنصور عند هرثمة. وتوفي العباس بن محمد ببغداد. ذكر حج الرشيد ثم كتابته العهد لأبنائهوحج بالناس فيها هارون الرشيد؛ وكان شخوصه من الرقة للحج في شهر رمضان من هذه السنة، فمر بالأنبار، ولم يدخل مدينة السلام؛ ولكنه نزل منزلاً على شاطئ الفرات يدعى الدارات، بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وأخرج معه ابنيه: محمداً الأمين وعبد الله المأمون؛ وليي عهده؛ فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية؛ كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانياً، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثاً، ثم صار إلى مكة فأعطى أهلها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار. وكان الرشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد - فيما ذكر محمد بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الحجبي - يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسماه الأمين، وضم إليه الشأم والعراق في سنة خمس وسبعين ومائة، ثم بايع لعبد الله المأمون بالرقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولاه من حد همذان إلى آخر المشرق، فقال في ذلك سلم بن عمرو الخاسر: بايع هارون إمام الهدى ... لذي الحجى والخلق الفاضل المخلف المتلف أمواله ... والضامن الأثقال للحامل والعالم النافذ في علمه ... والحاكم الفاضل والعادل والراتق الفاتق حلف الهدى ... والقائل الصادق والفاعل لخير عباس إذا حصلوا ... والمفضل المجدي على العائل أبرهم براً وأولاهم ... بالعرف عند الحدث النازل لمشبه المنصور في ملكه ... إذا تدجت ظلمة الباطل فتم بالمأمون نور الهدى ... وانكشف الجهل عن الجاهل وذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد، كان في حجر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيد لمحمد المأمون، كتب إليه عبد الملك بن صالح: يأيها الملك الذي ... لو كان نجماً كان سعدا اعقد لقاسم بيعة ... واقدح له في الملك زندا الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فردا فكان ذلك أول ما حض الرشيد على البيعة للقاسم. ثم بايع للقاسم ابنه، وسماه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، فقال في ذلك: حب الخليفة حب لا يدين به ... من كان لله عاصٍ يعمل الفتنا الله قلد هاروناً سياستنا ... لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا وقلد الأرض هارون لرأفته ... بنا أميناً ومأموناً ومؤتمنا قال: ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة، قال بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسهم بينهم، وعاقبة ما صنع في ذلك مخوفة على الرعية، وقالت الشعراء في ذلك، فقال بعضهم: أقول لغمة في النفس مني ... ودمع العين يطرد اطرادا خذي للهول عدته بحزمٍ ... سنلقى ما سيمنعك الرقادا فإنك إن بقيت رأيت أمراً ... يطيل لك الكآبة والسهادا رأى الملك المهذب شر رأيٍ ... بقسمته الخلافة والبلادا رأى ما لو تعقبه بعلمٍ ... لبيض من مفارقه السوادا أراد به ليقطع عن بنيه ... خلافهم ويبتذلوا الودادا فقد غرس العداوة غير آلً ... وأورث شمل ألفتهم بدادا وألقح بينهم حرباً عواناً ... وسلس لاجتنابهم القيادا فويل للرعية عن قليل ... لقد أهدى لها الكرب الشدادا وألبسها بلاءً غير فانٍ ... وألزمها التضعضع والفسادا ستجري من دمائهم بحور ... زواخر لا يرون لها نفادا فوزر بلائهم أبداً عليه ... أغياً كان ذلك أم رشادا قال: وحج هارون ومحمد وعبد الله معه وقواده ووزراؤه وقضاته في سنة ست وثمانين ومائة، وخلف بالرقة إبراهيم بن عثمان بن نهيك العكي على الحرم والخزائن والأموال والعسكر، وأشخص القاسم ابنه إلى منبج، فأنزله إياها بمن ضم إليه من القواد والجند، فلما قضى مناسكه كتب لعبد الله المأمون ابنه كتابين، أجهد الفقهاء والقضاة آراءهم فيهما، أحدهما على محمد بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي عبد الله من الأعمال، وصير إليه من الضياع والغلات والجواهر والأموال، والآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة والعامة والشروط لعبد الله على محمد وعليهم، وجعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على محمد، وإشهاده عليه بها الله وملائكته ومن كان في الكعبة معه من سائر ولده وأهل بيته ومواليه وقواده ووزرائه وكتابه وغيرهم. وكانت الشهادة بالبيعة والكتاب في البيت الحرام، وتقدم إلى الحجبة في حفظهما، ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما، فذكر عبد الله بن محمد ومحمد بن يزيد التيمي وإبراهيم الحجبي، وأن الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقواد والفقهاء، وأدخلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة من حضر، ثم رأى أن يعلق الكتاب في الكعبة، فلما رفع ليعلق وقع، فقيل إن هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه. وكانت نسخة الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم " . هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه محمد بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله، وجوازٍ من أمره، طائعاً غير مكره. إن أمير المؤمنين ولاني العهد من بعده، وصير البيعة لي في رقاب المسلمين جميعاً، وولى عبد الله بن هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدي، برضاً مني وتسليم، طائعاً غير مكره، وولاه خراسان وثغورها وكورها وحربها وجندها وخراجها وطرزها وبريدها، وبيوت أموالها، وصدقاتها وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعده. وشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضاً مني وطيب نفسي، أن لأخي عبد الله بن هارون علي الوفاء بما عقد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعاً بعدي، وتسليم ذلك له؛ وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها كلها، وما أقطعه أمير المؤمنين من قطعية، أو جعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه، أو ابتاع من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دواب، أو قليل أو كثير؛ فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، موفراً مسلماً إليه. وقد عرفت ذلك كله شيئاً شيئاً. فإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد بن أمير المؤمنين، فعلى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خراسان وثغورها ومن ضم إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرماسين؛ وأن يمضي عبد الله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان والري والكور التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من معسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع من ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحب، من لدن الري إلى أقصى عمل خراسان. فليس لمحمد بن أمير المؤمنين أن يحول عنه قائداً ولا مقوداً ولا رجلاً واحداً ممن ضم إليه من أصحابه الذين ضمهم أمير المؤمنين، ولا يحول عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التي ولاه إياها هارون أمير المؤمنين من ثغور خراسان وأعمالها كلها، ما بين عمل الري مما يلي همذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها؛ وما هو منسوب إليها، ولا يشخصه إليه، ولا يفرق أحداً من أصحابه وقواده عنه، ولا يولي عليه أحداً، ولا يبعث عليه ولا على أحد من عماله وولاة أموره بنداراً، ولا محاسباً ولا عاملاً، ولا يدخل عليه في صغير من أمره ولا كبير ضرراً، ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يعرض لأحد ممن ضم إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقضاته وعماله وكتابه وقواده وخدمه ومواليه وجنده؛ بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا أقربائهم ولا مواليهم، ولا أحد بسبيل منهم، ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابهم شيئاً من ذلك صغيراً ولا كبيراً،ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيص له في ذلك وإدهانٍ منه فيه لأحد من ولد آدم، ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته. وإن نزع إليه أحد ممن ضم أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصحابته وقواده وعماله وكتابه وخدمه ومواليه وجنده، ورفض اسمه ومكتبه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين عاصياً له أو مخالفاً عليه؛ فعلى محمد ابن أمير المؤمنين رده إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين بصغر له وقماء حتى ينفذ فيه رأيه وأمره. فإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده، أو عزل عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية خراسان وثغورها وأعمالها، والذي من حد عملها مما يلي همذان والكور التي سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا أو صرف أحد من قواده الذين ضمهم أمير المؤمنين إليه ممن قدم قرماسين، أو أن ينتقصه قليلاً أو كثيراً مما جعله أمير المؤمنين له بوجهٍ من الوجوه، أو بحيلة من الحيل؛ صغرت أو كبرت؛ فلعبد الله ابن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدم على محمد ابن أمير المؤمنين، وهو ولي الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خراسان وأهل العطاء وجميع المسلمين في جميع الأجناد والأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيام معه، والمجاهدة لمن خالفه، والنصر له والذب عنه؛ ما كانت الحياة في أبدانهم. وليس لأحدٍ منهم جميعاً منكانوا، أو حيث كانوا، أن يخالفه ولا يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله ابن هارون أمير المؤمنين وصرف العهد عنه من بعده إلى غيره، أو ينتقصه شيئاً مما جعله له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته، واشترط في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام في هذا الكتاب. وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدق في قوله، وأنتم في حل من البيعة التي في أعناقكم محمد ابن أمير المؤمنين هارون إن نقص شيئاً مما جعله له أمير المؤمنين هارون، وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقاد لعبد الله ابن أمير المؤمنين هارون ويسلم له الخلافة. وليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون ، ولا لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن يخلعا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون، ولا يقدما عليه أحداً من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البرية؛ فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده وإخوته، وتقديم من أراد أن يقدم قبله، وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد من يقدم قبله، يحكم في ذلك بما أحب وأرى. فعليكم معشر المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين في كتابه هذا، وشرط عليهم وأمر به، وعليكم السمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله على الملائكة المقربين والنبيين المرسلين، ووكدها في أعناق المؤمنين والمسلمين، لتفن لعبد الله أمير المؤمنين بما سمى، ولمحمد وعبد الله والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمى وكتب في كتابه هذا، واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم؛ فإن أنتم بدلتم من ذلك شيئاً، أو غيرتم، أو نكثتم، أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين، واشترط عليكم في كتابه هذا، فبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وذمم المؤمنين والمسلمين، وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة خمسين حجة، نذراً واجباً ولا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك؛ وكل مملوك لأحد منكم - أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين - حر، وكل امرأة له فهي طالق ثلاثاً البتة طلاق الحرج ، لا مثنوية فيها. والله عليم بذلك كفيل وراع، وكفى بالله حسيبا. نسخة الشرط الذي كتب عبد الله ابن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، في صحة عقله، وجوازٍ من أمره، وصدق نية فيما كتب في كتابه هذا، ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين. إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون، وولاني في حياته ثغور خراسان وكور وجميع أعمالها، وشرط على محمد بن هارون الوفاء بما عقد لي من الخلافة وولاية أمور العباد والبلاد بعده، وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين، أو أبتاع من الضياع والعقد والرباع أو ابتعت منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدواب والرقيق وغير ذلك، ولا يعرض لي ولا لأحد من عمالي وكتابي بسبب محاسبة، ولا يتبع لي في ذلك ولا لأحد منهم أبداً، ولا يدخل علي ولا على ولا عليهم ولا على من كان معي ومن استعنت به من جميع الناس مكروهاً؛ في نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال، ولا صغير من الأمور ولا كبير. فأجابه إلى ذلك، وأقر به وكتب له كتاباً، أكد فيه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين هارون وقبله، وعرف صدق نيته فيه. فشرطت لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد وأطيع ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه، وأوفي بيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن موازرته وجهاد عدوه في ناحيتي، ما وفى لي بما شرط لأمير المؤمنين في أمري، وسمى في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، ورضي به أمير المؤمنين، ولم يتبعني بشيء من ذلك، ولم ينقض أمراً من الأمور التي شرطها أمير المؤمنين لي عليه. فإن احتاج محمد بن أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلي يأمرني بإشخاصه إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو عدو من أعدائه؛ خالفه أو أراد نقص شيء من سلطانه أو سلطاني الذي أسنده أمير المؤمنين إلينا وولانا إياه؛ فعلي أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصر في شيء كتب به إلي. وإن أراد محمد أن يولي رجلاً من ولده العهد والخلافة من بعدي؛ فذلك له ما وفى لي بما جعله أمير المؤمنين إلي واشترطه لي عليه، وشرط على نفسه في أمري، وعلى إنفاذ ذلك والوفاء له به؛ ولا أنقص من ذلك ولا أغيره ولا أبدله، ولا أقدم قبله أحداً من ولدي، ولا قريباً ولا بعيداً من الناس أجمعين؛ إلا أن يولي أمير المؤمنين هارون أحداً من ولده العهد من بعدي؛ فيلزمني ومحمداً الوفاء له. وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد على الوفاء بما شرطت وسميت في كتابي هذا، ما وفى لي محمد بجميع ما اشترط لي أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة في هذا الكتاب الذي كتبه لي، وعلى عهد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمتي وذمم آبائي وذمم المؤمنين وأشد ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عند نقضها وتبديلها؛ فإن أنا نقضت شيئاً مما شرطت وسميت في كتابي هذا أو غيرت أو بدلت، أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله عز وجل ومن ولايته ودينه، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقيت الله يوم القيامة كافراً مشركاً؛ وكل امرأة هي لي اليوم أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثاً البتة طلاق الحرج؛ وكل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعلي المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة، نذراً واجباً علي في عنقي حافياً راجلاً؛ لا يقبل الله مني إلا الوفاء بذلك، وكل مال لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدى بالغ الكعبة؛ وكل ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لا أضمر غيره، ولا أنوي غيره. وشهد سليمان بن أمير المؤمنين وفلان وفلان. وكتب في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائة. نسخة كتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمالبسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الله ولي أمير المؤمنين وولي ما ولاه، والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدم وأخر من أموره، والمنعم عليه بالنصر والتأييد في مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ والحافظ والكافي من جميع خلقه؛ وهو المحمود على جميع آلائه، المسئول تمام حسن ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين، وعادته الجميلة عنده، وإلهام ما يرضى به، ويوجب عليه أحسن المزيد من فضله. وقد كان من نعمة الله عز وجل عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين، من تبليغه بهما أحسن ما أملت الأمة، ومدت إليه أعناقها، وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبة والمودة والسكون إليهما والثقة بهما، لعماد دينهم، وقوام أمورهم؛ وجمع ألفتهم، وصلاح دهمائهم، ودفع المحذور والمكروه من الشتات والفرقة عنهم؛ حتى ألقوا إليهما أزمتهم، وأعطوهما بيعتهم وصفقات أيمانهم، بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان المغلظة عليهم. أراد الله فلم يكن له مرد، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته، ولا صرفٍ له عن محبته ومشيئته، وما سبق في علمه منه. وأمير المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما في ذلك وعلى الأمة كافة؛ ولا عاقب لأمر الله ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عقد العهد لمحمد بن أمير المؤمنين من بعد أمير المؤمنين ولعبد الله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، يعمل فكره ورأيه ورويته فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية والجمع للكلمة، واللم للشعث، والدفع للشتات والفرقة، والحسم لكيد أعداء النعم؛ من أهل الكفر والنفاق والغل والشقاق، والقطع لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما. ويستخير الله أمير المؤمنين في ذلك، ويسأله العزيمة له على ما فيه الخيرة لهما ولجميع الأمة، والقوة في أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما، وصلاح ذات بينهما، وتحصينهما من كيد أعداء النعم، ورد حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما. فعزم أمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله، وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره، واكتتاب الشرط على كل واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشد المواثيق والعهود، وأغلظ الأيمان والتوكيد، والأخذ لكل واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع إلفتهما ومودتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسن النظر لأنفسهما ولرعية أمير المؤمنين التي استرعاهما، والجماعة لدين الله عز وجل وكتابه وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم، والجهاد لعدو المسلمين؛ من كانوا وحيث كانوا، وقطع طمع كل عدو مظهر للعداوة، ومسر لها، وكل منافق ومارق، وأهل الأهواء الضالة المضلة من تكيد بكيد توقعه بينهما، وبدحس يدحس به لهما، وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه من الضرب بين الأمة، والسعي بالفساد في الأرض، والدعاء إلى البدع والضلالة؛ نظراً من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومناصحة لله ولجميع المسلمين، وذباً عن سلطان الله الذي قدره، وتوحد فيه للذي حمله إياه والاجتهاد في كل ما فيه قربة إلى الله، وما ينال به رضوانه، والوسيلة عنده. فلما قدم مكة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه في ذلك، وما نظر فيه لهما، فقبلا كل ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله، وكتبا لأمير المؤمنين في بطن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما، بمحضر ممن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقواده وصحابته وقضاته وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليها كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحجبة، وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة. فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كله في داخل بيت الله الحرام وبطن الكعبة، أمر قضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابهما، أن يعلموا جميع من حضر الموسم من الحجاج والعمار ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما، وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويعوه، ويعرفوه ويحفظوه، ويؤده إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك، وقرئ عليهم الشرطان جميعاً في المسجد الحرام، فانصرفوا. وقد اشتهر ذلك عندهم، وأثبتوا الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم وحقن دمائهم، ولم شعثهم وإطفاء جمرة أعداء الله؛ أعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، وأظهروا الدعاء لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه في ذلك. وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما لأمير المؤمنين ابناه محمد وعبد الله في بطن الكعبة في أسفل كتابه؛ هذا فأحمد الله عز وجل على ما صنع لمحمد وعبد الله وليي عهد المسلمين حمداً كثيراً، وأشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليي عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً. واقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلك من المسلمين، وأفهمهم إياه وقم به بينهم، وأثبته في الديوان قبلك وقبل قواد أمير المؤمنين ورعيته قبلك واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك، إن شاء الله وحسبنا الله ونعم الوكيل وبه الحول والقوة والطول. وكتب إسماعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ست وثمانين ومائة. قال: وأمر هارون الرشيد لعبد الله المأمون بمائة ألف دينار، وحملت له إلى بغداد من الرقة. قال وكان الرشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى بالعمر، صار إلى الرقة، ثم قدم بغداد؛ وقد كانت توالت عليه الشكاية من علي بن عيسى بن ماهان من خراسان وكثر عليه القول عنده، فأجمع على عزله من خراسان، وأحب أن يكون قريباً منه. فلما صار إلى بغداد شخص بعد مدة منها إلى قرماسين، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائة، وأشخص إليها عدة رجال من القضاة وغيرهم، وأشهدهم أن جميع ما له في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وما سواه أجمع لعبد الله المأمون، وأنه ليس فيه قليل ولا كثير بوجه ولا سبب،وجدد البيعة له على من كان معه، ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد، فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون أمير المؤمنين وعلى من كان بحضرته لعبد الله والقاسم على النسخة التي كان أخذها عليه الرشيد بمكة، وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت إليه الخلافة؛ فقال إبراهيم الموصلي في بيعة هارون لابنيه في الكعبة: خير الأمور مغبةً ... وأحق أمر بالتمام أمر قضى إحكامه الر ... حمان في البيت الحرام ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة فمما كان فيها من ذلك قتل الرشيد جعفر بن يحي بن خالد وإيقاعه بالبرامكة . ذكر الخبر عن قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته أما سبب غضبه عليه الذي قتله عنده، فإنه مختلف، فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع بن جبريل، عن أبيه أنه قال: إني لقاعد في مجلس الرشيد، إذ طلع يحي بن خالد - وكان فيما مضى يدخلان بلا إذن - قلما دخل وصار بالقرب من الرشيد وسلم رد عليه رداً ضعيفاً، فعلم يحي أن أمرهم قد تغير. قال: ثم أقبل على الرشيد، فقال: يا جبريل، يدخل عليك وأنت في منزلك أحد بلا إذنك! فقام يحي، فقال: يا أمير المؤمنين، قدمني الله قبلك؛ والله ما ابتدأت ذلك الساعة، وما هو إلا شيء كان خصني به أمير المؤمنين، ورفع به ذكري؛ حتى أن كنت لأدخل وهو في فراشه مجرداً حينا، وحينا في بعض إزاره؛ وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب؛ وإذ قد علمت فإني أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الأذن، أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك. قال: فاستحيا - قال: وكان من أرق الخلفاء وجهاً - وعيناه في الأرض، ما يرفع إليه طرفه، ثم قال: ما أردت ما تكره؛ ولكن الناس يقولون. قال: فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ثم أمسك عنه، وخرج يحيى. وذكر عن أحمد بن يوسف أن ثمامة بن أشرس؛ قال: أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره، أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيئا، وقد جعلته فيما بينك وبين الله؛ فكيف أنت إذا وقفت بين يديه، فسألك عما عملت في عباده وبلاده، فقلت: يا رب إني استكفيت يحيى أمور عبادك! أتراك تحتج بحجة يرضى بها! مع كلام فيه توبيخ وتقريع. فدعا الرشيد يحيى وقد تقدم إليه خبر الرسالة - فقال: تعرف محمد بن الليث؟ قال: نعم، قال: فأي الرجال هو؟ قال: متهم على الإسلام، فأمر به فوضع في المطبق دهراً؛ فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه، فأحضر، فقال له بعد مخاطبة طويلة: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: تقول هذا! قال: نعم، وضعت في رجلي الأكبال، وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت، ولا حدث أحدثت، سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله، ويحب الإلحاد وأهله؛ فكيف أحبك! قال: صدقت، وأمر بإطلاقه، ثم قال: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ولكن قد ذهب ما في قلبي، فأمر أن يعطى مائة ألف درهم، فأحضرت، فقال: يا محمد، أتحبني؟ قال: أما الآن فنعم؛ قد أنعمت علي وأحسنت إلي. قال: انتقم الله ممن ظلمك، وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك. قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أول ما ظهر من تغيير حالهم. قال: وحدثني محمد بن الفضل بن سفيان، مولى سليمان بن أبي جعفر، قال: دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرشيد، فقام الغلمان إليه، قال: فدخل فلم يقم إليه أحد، فأربد لونه. قال: وكان الغلمان والحجاب بعد أن رأوه أعرضوا عنه. قال: فكان ربما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلم يسقونه، وبالحري إن سقوه أن يكون ذلك بعد أن يدعوا بها مراراً. وذكر أبو محمد اليزيدي - وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم - قال: من قال أن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله بن حسن فلا تصدقه؛ وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم دعا به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره، فأجابه، إلى أن قال: اتق الله في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمك غداً محمد صلى الله عليه وسلم؛ فوالله ما أحدثت حدثاً ولا آويت محدثاً، فرق عليه، وقال له: اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذ بعد قليل فأرد إليك أو إلى غيرك! فوجه معه من أداه إلى مأمنه. وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له عليه من خاص خدمه، فعلا الأمر، فوجده حقاً، وانكشف عنده؛ فدخل على الرشيد فأخبره، فأراه أنه لا يعبأ بخبره، وقال: وما أنت وهذا لا أم لك! فلعل ذلك عن أمري؛ فانكسر الفضل؛ وجاءه جعفر فدعا بالغداء فأكلا، وجعل يلقمه ويحادثه، إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال: ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله يا أمير المؤمنين في الحبس والضيق والأكبال. قال: بحياتي! فأحجم جعفر - وكان من أدق الخلق ذهناً، وأصحهم فكراً - وهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره، فقال: لا وحياتك يا سيدي ولكن أطلقته وعلمت أنه لا حياة به ولا مكروه عنده. قال: نعم ما فعلت؛ ما عدوت ما كان في نفسي. فلما خرج أتبعه بصره حتى كاد يتوارى عن وجهه، ثم قال: قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك! فكان من أمره ما كان. وحدث إدريس بن بدر، قال: عرض رجل شديد وهو يناظر يحيى، فقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة؛ فادع بي إليك، فقال لهرثمة: خذ الرجل إليك، وسله عن نصيحة هذه، فسأله، فأبى أن يخبره وقال: هي سر من أسرار الخليفة، فأخبر هرثمة الرشيد بقوله، قال: فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له، قال: فلما كان في الهاجرة انصرف من كان عنده، ودعا به، فقال: أخلني، فالتفت هارون إلى بنيه، فقال: انصرفوا يا فتيان؛ فوثبوا وبقي خاقان وحسين على رأسه؛ فنظر إليهما الرجل، فقال الرشيد: تنحيا عني، ففعلا، ثم أقبل على الرجل، فقال: هات ما عندك، قال: على أن تؤمنني! قال: على أن أؤمنك وأحسن إليك. قال: كنت بحلوان في خان من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دراعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل، ويرحلون إذا رحل، ويكونون منه بصدد يوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم من أعوانه، ومع كل واحد منهم منشور يأمن به إن عرض له. قال: أوتعرف يحيى بن عبد الله؟ قال: أعرفه قديماً،وذلك الذي حقق معرفتي به بالأمس، قال: فصفه لي، قال: مربوع أسمر رقيق السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن. قال: صدقت؛ هو ذاك. قال: فما سمعته يقول؟ قال: ما سمعته يقول شيئاً؛ غير أني رأيته يصلي، ورأيت غلاماً من غلمانه أعرفه قديماً جالساً على باب الخان، فلما فرغ من صلاته أتاه بثوبٍ غسيل، فألقاه في عنقه ونزع جبة الصوف،فلما كان بعد الزوال صلى صلاة ظننتها العصر، وأنا أرمقه؛ أطال في الأوليين، وخفف في الأخريين، فقال: لله أبوك! لجاد ما حفظت عليه، نعم تلك صلاة العصر؛ وذاك وقتها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيك! فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدولة، وأصلي من مرو، ومولدي مدينة السلام، قال: فمنزلك بها؟ قال: نعم؛ فأطرق ملياً ثم قال: كيف احتمالك لمكروه تمتحن به في طاعتي! قال: أبلغ من ذلك حيث أحب أمير المؤمنين، قال: كن بمكانك حتى أرجع. فطفر في حجرة كانت خلف ظهره، فأخرج كيساً فيه ألفا دينار، فقال: خذ هذه، ودعني ما أدبر فيك، فأخذها، وضم عليها ثيابه، ثم قال: يا غلام، فأجابه خاقان وحسين، فقال: اصفعا ابن اللخناء، فصفعاه نحواً من مائة صفعة، ثم قال: أخرجاه إلى من بقي في الدار، وعمامته في عنقه، وقولا: هذا جزاء من يسعى بباطنة أمير المؤمنين وأوليائه! ففعلا ذلك؛ وتحثوا بخبره؛ ولم يعلم بحال الرجل أحد، ولا بما كان ألقى إلى الرشيد؛ حتى كان من أمر البرامكة ما كان. وذكر يعقوب بن إسحاق أن إبراهيم بن المهدي حدثه. قال: أتيت جعفر بن يحيى في داره التي ابتناها، فقال لي: أما تعجب من منصور بن زياد؟ قال: قلت فبماذا؟ قال: سألته: هل ترى في داري عيباً؟ قال: نعم؛ ليس فيها لبنة ولا صنوبرة، قال إبراهيم: فقلت: الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها نحواً من عشرين ألف ألف درهم، وهو شيء لا آمنه عليك غداً بين يدي أمير المؤمنين، قال: هو يعلم أنه قد وصلني بأكثر من ذلك وضعف ذلك، سوى ما عرضني له. قال: قلت: إن العدو إنما يأتيه في هذا من جهة أن يقول: يا أمير المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم، فأين نفقاته! وأين صلاته! وأين النوائب التي تنوبه! ما أظنك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك! وهذه جملة سريعة إلى القلب، والموقف على الحاصل منها صعب. قال: إن سمع مني قلت: إن أمير المؤمنين نعماً على وم قد كفروها بالستر لها أو بإظهار القليل من كثيرها؛ وأنا رجل نظرت إلى نعمته عندي، فوضعتها في رأس جبل، ثم قلت للناس: تعالوا فانظروا. وذكر زيد بن علي بن حسين بن زيد أن إبراهيم بن المهدي حدثه أن جعفر بن يحيى، قال له يوماً - وكان جعفر بن يحيى صاحبه عند الرشيد، وهو الذي قربه منه: إني استربت بأمر هذا الرجل - يعني الرشيد - وقد ظننت أن ذلك لسابق سبق في نفسي منه، فأردت أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت؛ فارمق ذلك في يومك هذا وأعلمني ما ترى منه. قال: ففعلت ذلك في يومي؛ فلما نهض الرشيد من مجاسه كنت أول أصحابه نهض عنه، حتى صرت إلى شجر في طريقي، فدخلتها ومن معي، وأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرون بي واحداً واحداً، فأراهم ولا يروني؛ حتى إذا لم يبق منهم أحد؛ إذا أنا بجعفر قد طلع، فلما جاوز الشجر قال: أخرج يا حبيبي، قال: فخرجت، فقال: ما عندك؟ فقلت: حتى تعلمني كيف علمت أني ها هنا؛ قال: عرفت عنايتك بما أعني به، وأنك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه؛ وعلمت أنك تكره أن ترى واقفاً في مثل هذا الوقت، وليس في طريقك موضع أستر من هذا الموضع، فقضيت بأنك فيه، قلت: نعم؛ قال: فهات ما عندك، قلت: رأيت الرجل يهزل إذا هزلت. قال: كذا هو عندي، فانصرف يا حبيبي. قال: فانصرفت. قال: وحدثني علي بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يوماً يقول: ليس لدارنا هذه عيب؛ إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء - يعني نفسه. وذكر عن موسى بن يحيى، قال: خرج أبي إلى الطواف في السنة التي أصيب فيها، وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلق بأستار الكعبة، ويردد الدعاء، ويقول: اللهم ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك، ولا يعرفها سواك. اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا؛ وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة. قال: وحدثني أحمد بن الحسن بن حرب، قال: اللهم إن كان رضاك في أن تسلبني نعمتك عندي فاسلبني، اللهم إن رضاك في أن تسلبني أهلي وولدي فاسلبني، اللهم إلا الفضل. قال: ثم ولى ليمضي؛ فلما قرب من باب المسجد كر مسرعاً، ففعل مثل ذلك، وجعل يقول: اللهم إنه سمج بمثلي أن يرغب إليك ثم يستثني عليك... اللهم والفضل. قال: فلما انصرفوا من الحج نزلوا الأنبار،ونزل الرشيد بالعمر ومعه وليا العهد؛ الأمين والمأمون، ونزل الفضل مع الأمين، وجعفر مع المأمون، ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه، ومحمد بن يحيى في منزل ابن نوح صاحب الطراز، ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعمر مع الرشيد، قال: وخلا الرشيد بالفضل ليلاً، ثم خلع عليه وقلده، وأمره أن ينصرف مع محمد الأمين، ودعا بموسى بن يحيى فرضي عنه وكان غضب عليه بالحيرة في بدأته، لان على عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في أمر خراسان واعلمه طاعة أهلها له، ومحبتهم إياه، وإنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال إليهم والوثوب به معهم؛ فوقر ذلك في نفس الرشيد عليه وأوحشه منه؛ وكان موسى أحد الفرسان الشجعان، فلما قدح علي بن عيسى فيه أسرع ذلك في الرشيد،وعمل فيه القليل منه، ثم ركب موسى دين، اختفى من غرمائه، فتوهم الرشيد عليه أنه صار إلى خراسان؛ كما قيل له، فلما صار إلى الحيرة في هذه الحجة وافاه موسى من بغداد، فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفة؛ فكان ذلك أول ثلمة ثلموا بها؛ فركبت أم الفضل بن يحيى في أمره، ولم يكن يردها في شيء، فقال: يضمنه أبوه فقد رفع إلى فيه، فضمنه يحيى ودفعه إليه، ثم رضي عنه، وخلع عليه، وكان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى، وثقل مكانه عليه لتركه الشرب معه؛ فكان الفضل يقول: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما شربته؛ وكان مشغوفاً بالسماع. قال: وكان جعفر يدخل في منادمة الرشيد؛ حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته، ويأمره بترك الأنس به، فيترك أمر أبيه، ويدخل معه فيما يدعوه إليه. وذكر عن سعيد بن هريم أن يحيى كتب إلى جعفر حين أعيته حيلته فيه: إني إنما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك؛ وإن كنت لأخشى أن تكون التي لا شوى لها. قال: وقد كان يحيى قال للرشيد: يا أمير المؤمنين، أنا والله أكره مداخلة جعفر معك؛ ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك علي منك، فلو أعفيته واقتصرت به على ما يتولاه من جسيم أعمالك، كان ذلك واقعاً بموافقتي، وآمن لك علي. قال الرشيد: يا أبت ليس بك هذا؛ ولكنك إنما تريد أن تقدم عليه الفضل. وقد حدثني أحمد بن زهير - أحسبه عن عمه زاهر بن حرب - أن سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرههما إذا جاس للشرب؛ وذلك بعد أن أعلم جعفراً قلة صبره عنه وعنها، وقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي، وتقدم إليه ألا يمسها، ولايكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته؛ فزوجها منه على ذلك، فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويخليهما، فيثملان من الشراب، وهما شابان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها،فحملت منه وولدت غلاماً، فخافت على نفسها من الرشيد إن علم بذلك، فوجهت بالمولود مع حواضن له من مماليكها إلى مكة، فلم يزل الأمر مستوراً عن هارون، حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد، وأخبرته بمكانه؛ ومع من هو من جواريها، وما معه من الحلي الذي كانت زينته به أمه؛ فلما حج هارون هذه الحجة، أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبي به من يأتيه بالصبي وبمن معه من حواضنه، فلما أحضروا سأل اللواتي معهن الصبي، فأخبرنه بمثل القصة التي أخبرته بها الرافعة على عباسة، فأراد - فيما زعم - قتل الصبي، ثم تحوب من ذلك. وكان جعفر يتخذ للرشيد طعاماً كلما حج بعسفان فيقريه إذا انصرف شاخصاً من مكة إلى العراق؛ فلما كان في هذا العام، اتخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك، ثم استزاره فاعتل عليه الرشيد، ولم يحضر طعامه، ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار؛ فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى. ذكر الخبر عن مقتل جعفرذكر الفضل بن سليمان بن علي أن الرشيد حج في سنة ست وثمانين ومائة وأنه انصرف من مكة، فوافى الحيرة في المحرم من سنة سبع وثمانين ومائة عند انصرافه من الحج، فأقام في قصر عون العبادي أياماً، ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرم أرسل مسروراً الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فأطافوا بجفر بن يحيى ليلاً، فدخل عليه مسرور وعنده بختيشوع المتطبب وأبو زكار الأعمى المغني الكلوذاني، وهو في لهوه، فأخرجه إخراجاً عنيفاً يقوده، حتى أتى به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به، فأمر بضرب عنقه، ففعل ذلك. وذكر عن علي بن أبي سعيد أن مسروراً الخادم، حدثه قال: أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لما أراد قتله، فأتيته وعنده أبو زكار الأعمى المغني وهو يغنيه: فلا تبعد فكل فتىً سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي قال: فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك، أجب أمير المؤمنين. قال: فرفع يديه، ووقع على رجلي يقبلهما، وقال: حتى أدخل فأوصي، قلت: أما الدخول فلا سبيل إليه، ولكن أوص بما شئت، فتقدم في وصيته بما أراد، وأعتق مماليكه، ثم أتتني رسل أمير المؤمنين تستحثني به، قال: فمضيت إليه فأعلمته، فقال لي وهو في فراشه: ائتني برأسه، فأتيت جعفراً فأخبرته، فقال: يا أبا هاشم، الله الله! والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران؛ فدافع بأمري حتى أصبح أؤامره في ثانية، فعدت لأؤامره، فلما سمع حسي، قال: يا ماص بظر أمه، ائتني برأس جعفر! فعدت إلى جعفر، فأخبرته، فقال: عاوده في ثالثة، فأتيته، فحذفني بعمود ثم قال: نفيت من المهدي إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه، لأرسلن إليك من يأتيني برأسك أولاً، ثم برأسه آخراً. قال: فخرت فأتيته برأسه. قال: وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، ومن كان منهم بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضراً، وحول الفضل بن يحيى ليلاً فحبس في ناحية من منازل الرشيد، وحبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجه من ليلتهرجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم؛ وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم، وولاه أمورهم، وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأخذ وكلائهم. فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتاني وهرثمة بن أعين وإبراهيم بن حميد المروروذي، وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته؛ منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى، وجعل معه هرثمة بن أعين، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصب رأسه على الجسر الأوسط وقطع جثته، وصلب كل قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل. ففعل السندي ذلك، وأضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرشيد، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداءفي جميع البرامكة: ألا أمان آواهمإلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه؛ فإنه استثناهم؛ لما ظهر من نصيحة محمد له، وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة. وخلى سبيل يحيى قبل شخوصه من العمر، ووكل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى، وبأبي المهدي صهرهم حفظةً من قبل هرثمة بن أعين، إلى أن وافى بهم الرقة، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيخ يوم قدم الرقة، وتولى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب. وحبس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دير القائم، وجعل عليهم حفظة من قبل مسرور الخادم وهرثمة بن أعين، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه، وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل ودنانير جارية يحيى وعدة من خدمهم وجواريهم. ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم بالتثقيف بسخطه، وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد، فضيق عليهم. وذكر الزبير بن بكار أن جعفر بن الحسين اللهبي حدثه أن الرشيد أتى بأنس بن أبي شيخ صبح الليلة التي قتل فيها جعفر بن يحيى، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج الرشيد سيفاً من تحت فراشه، وأمر بضرب عنقه، وجعل يتمثل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك: تلمظ السيف من شوق إلى أنسٍ ... فالسيف يلحظ والأقدار تنتظر قال: فضرب عنقه، فسبق السيف الدم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. وقال الناس: إن السيف كان سيف الزبير بن العوام. وذكر بعضهم أن عبد الله بن مصعب كان على خبر الناس للرشيد، فكان أخبره عن أنس أنه على الزندقة، فقتله لذلك، وكان أحد أصحاب البرامكة. وذكر محمد بن إسحاق أن جعفر بن محمد بن حكيم الكوفي، حدثه قال: حدثني السندي بن شاهك، قال: إني لجالس يوماً، فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد، ودفع إلي كتاباً صغيراً، ففضضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " : يا سندي، إذا نظرت في كتابي هذا، فإن كنت قاعداً فقم، وإن كنت قائماً فلا تقعد حتى تصير إلي. قال السندي: فدعوت بدوابي، ومضيت. وكان الرشيد بالعمر؛ فحدثني العباس بن الفضل بن الربيع، قال: جلس الرشيد في الزو في الفرات ينتظرك، وارتفعت غبرة، فقال لي: يا عباس، ينبغي أن يكون هذا السندي وأصحابه! قلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبهه أن يكون هو! قال: فطلعت. قال السندي: فنزلت عن دابتي، ووقفت، فأرسل إلي الرشيد فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم: قوموا، فقاموا فلم يبق إلا العباس بن الفضل وأنا، ومكث ساعة، ثم قال للعباس: اخرج ومر برفع التخاتج المطروحة على الزو، ففعل ذلك، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه، فقال لي: تدري فيما أرسلت إليك؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: قد بعثت إليك في أمر لو علم به زر قميصي رميت به في الفرات، يا سندي من أوثق قوادي عندي؟ قلت: هرثمة، قال: صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟ قلت: مسرور الكبير، قال: صدقت، امض من ساعتك هذه وجد في سيرك حتى توافي مدينة السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الزجل، فصر إلى دور البرامكة، فوكل بكل باب من أبوابهم صاحب ربع، ومره أن يمنع من يدخل ويخرج - خلا باب محمد بن خالد - حتى يأتيك أمري. قال: ولم يكن حرك البرامكة في ذلك الوقت. قال السندي: فجئت أركض، حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي، وفعلت ما أمرني به. قال: فلم ألبث أن أقدم على هرثمة بن أعين، ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف، مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أشطره باثنين؛ وأن أصلبه على ثلاثة جسور. قال: ففعلت ما أمرني به. قال محمد بن إسحاق: فلم يزل جعفر مصلوباً حتى أراد الرشيد الخروج إلى خراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلما صار بالجانب الشرقي على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جثم الشاري من الحبس، وأمر أحمد بن الجنيد الختلي - وكان سيافه - فضرب عنقه، ثم التفت إلى السندي، فقال: ينبغي أن يحرق هذا - يعني جعفراً - فلما مضى، جمع السندي له شوكاً وحطباً وقال محمد بن إسحاق: لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى،قيل ليحيى بن خالد: قتل أمير المؤمنين ابنك جعفراً، قال: كذلك يقتل ابنه، قال: فقيل له: خربت ديارك، قال: كذلك تخرب دورهم. وذكر الكرماني أن بشاراً التركي حدثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعمر في اليوم الذي قتل جعفراً في آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر بن يحيى معه، قد خلا به دون ولاة العهد؛ وهو يسير معه، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب، فلما أراد الدخول ضمه إليه، وقال له: لولا أني علي الجلوس الليلة مع النساء لم أفارقك، فأقم أنت في منزلك، واشرب أيضاً واطرب؛ لتكون أنت في مثل حالي، فقال: لا والله ما أشتهي ذلك إلا معك، فقال له: بحياتي لما شربت؛ فانصرف عنه إلى منزله؛ فلم تزل رسل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسروراً فحبس عنده، وأمر بقتله وحبس الفضل ومحمد وموسى، ووكل سلاماً الأبرش بباب يحيى بن خالد، ولم يعترض لمحمد بن خالد ولا لأحد من ولده وحشمه. قال: فحدثني العباس بن بزيع عن سلام، قال: لما دخلت على يحيى في ذلك الوقت - وقد هتكت الستور وجمع المتاع - قال لي: يا أبا مسلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلام: فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه؛ فأطرق مفكراً. قال وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن علي، قال: كان سكني إلى يحيى، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشية التي كان آخر أمره، وقد صار إلى أمير المؤمنين في حراقته، فدخل إليه من باب صاحب الخاصة، فكلمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاح الثغور وغزو البحر، ثم خرج، فقال للناس: قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم، وبعث إلى أبي صالح بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب، ووافانا في وقت السحر خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزيه، فكتب إلي: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد. وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد. قال: قتل جعفر بن يحيى ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة - وفي ذلك يقول الرشاقي: أيا سبت يا شر السبوت صبحيةً ... ويا صفر المشئوم ما جئت أشأما أتى السبت بالأمر الذي هد ركننا ... وفي صفرٍ جاء البلاء مصمما قال: وذكر عن مسرور أنه أعلم الرشيد أن جعفراً سأله أن تقع عينه عليه، فقال: لا، لأنه يعلم إن وقعت عيني عليه لم أقتله. ما قيل في البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم قال: وفيهم يقول الرقاشي، وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس: ألان استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد وقل للمنايا: قد ظفرت بجعفرٍ ... ولن تظفري من بعده بمسود وقل للعطايا بعد فضلٍ تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفاً برمكياً مهنداً ... أصيب بسيفٍ هاشمي مهند وفيهم يقول في شعر له طويل: إن يغدر الزمن الخئون بنا فقد ... غدر الزمان بجعفرٍ ومحمد حتى إذا وضح النهار تكشفت ... عن قتل أكرم هالك لم يلحد والبيض لولا أنها مأمورة ... ما فل حد مهند بمهند يا آل برمك كم لكم من نائل ... وندى، كعد الرمل غير مصرد إن الخليفة لايشك أخوكملكنه في برمكٍ لم يولد نازعتموه رضاع أكرم حرةٍ ... مخلوقة من جوهرٍ وزبرجد ملك له كانت يد فياضة ... أبداً تجود بطارفٍ وبمتلد كانت يداً للجود حتى غلها ... قدر فأضحى الجود مغلول اليد وفيهم يقول سيف بن إبراهيم: هوت أنجم لجدوى وشلت يد الندى ... وغاضت بحور الجود بعد البرامك هوت أنجم كانت لأبناء برمكٍ ... بها يعرف الحادي طريق المسالك وقال بن أبي كريمة: كل معير أعير مرتبةً ... بعد فتى برمكٍ على غرر صالت عليه من الزمان يد ... كان بها صائلاً على البشر وقال العطوي أبو عبد الرحمن: أما والله لولا قول واشٍ ... وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام على الدنيا وساكنها جميعاً ... ودولة آل برمكٍ السلام وفي قتل جعفر قال أبو العتاهية: قولا لمن يرتجي الحياة أما ... في جعفرٍ عبرة ويحياه! كانا وزيري خليفة الله ها ... رون هما ما هما خليلاه فذاكم جعفر برمته ... في حلق رأسه ونصفاه والشيخ يحيى الوزير أصبح قد ... نحاه عن نفسه وأقصاه شتت بعد التجميع شملهم ... فأصبحوا في البلاد قد تاهوا كذاك من يسخط الإله بما ... يرضي به العبد قد تاهوا سبحان من دانت الملوك له ... أشهد أن لا إله إلا هو طوبى لمن تاب بعد غرته ... فتاب قبل الممات، طوباه! قال: وفي هذه السنة هاجت العصبية بدمشق بين المضرية واليمانية، فوجه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم. وفيها زلزلت المصيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة الليل. وفيها خرج عبد السلام بآمد، فحكم، فقتله يحيى بن سعيد العقيلي. وفيها مات يعقوب بن داود بالرقة. وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة، فوهبه لله، وجعله قرباناً له ووسيلة، وولاه العواصم. ذكر الخبر عن غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه. ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه: ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أن عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن، كان من رجال الناس، وكان عبد الملك يكنى به؛ وكان لابنه عبد الرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبد الملك وقمامة، فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع؛ فذكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه، فقال له الرشيد: أكفراً بالنعمة، وجحوداً لجليل المنة والتكرمة! فقال: يا أمير المؤمنين،لقد بؤت إذاً بالندم، وتعرضت لاستحلال النقم؛ وما ذاك إلا بغي حاسد نافسني فيك مودة القرابة وتقديم الولاية. إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وأمينه على عترته، لك فيها فرض الطاعة وأداة النصيحة، ولها عليك العدل في حكمهاوالتثبت في حادثها، والغفران لذنوبها. فقال له الرشيد: أتضع لي من لسانك، وترفع لي من جنانك!هذا كاتبك قمامة يخبر بغلك، وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده؛ ولعله لا يقدر أن يعضهنى ولا يبهتني بما لم يعرفه مني. وأحضر قمامة، فقال له الرشيد: تكلم غير هائب ولا خائف، قال: أقول: إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك، فقال عبد الملك: أهو كذلك يا قمامة! قال قمامة: نعم، لقد أردت ختل أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: كيف لا يكذب علي من خلفي وهو يبهتني في وجهي! فقال له الرشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك وفساد نيتك، ولو أردت أن أحتج عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك، فيما تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بن صالح: هو مأمور، أو عاق مجبور؛ فإن كان مأموراً فمعذور، وإن كان عاقاً ففاجر كفور؛ أخبر الله وجل بعداوتة، وحذر منه بقوله: " إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم " . قال: فنهض الرشيد، وهو يقول: أما أمرك فقد وضح؛ ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضى الله فيك؛ فإنه الحكم بيني وبينك.فقال عبد الملك : رضيت بالله حكماً، وبأمير المؤمنين حاكماً؛ فإني أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه، وأمر الله على رضاه. قال: فلما كان بعد ذلك جلس مجلساً آخر، فسلم لما دخل، فلم يرد عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يوماً أحتج فيه، ولا أجاذب منازعاً وخصماً. قال: ولم؟ قال: لأن أوله جرى على غير السنة؛ فأنا أخاف آخره. قال: وما ذاك؟ قال: لم ترد علي السلام، أنصف نصفة العوام. قال: السلام عليكم؛ اقتداء بالسنة، وإيثاراً للعدل، واستعمالاً للتحية. ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك: أريد حياته ويريد قتلي...البيت. ثم قال: أما والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع؛ وكأني بالوعيد قد أروى ناراً تسطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم ورءوس بلا غلاصم؛ فمهلاً؛ فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فنذار لكم نذار، قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرجل. فقال عبد الملك: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك، وفي رعيته التي استرعاك؛ ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلت لك النصيحة، ومحضت لك الطاعة، وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم، وتركت عدوك مشتغلا. فالله الله في ذي رحمك أن تقطعه، بعد أن بللته بظن أفصح الكتاب لي بعضهه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويالغ الدم، فقد والله سهلت لك الوعور، وذللت لك الأمور، وجمعت على طاعة القلوب في الصدور؛ فكم من ليل تمام فيك كابدته، ومقام ضيق قمته؛ كنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب: ومقام ضيق فرجته ... ببناني ولساني وجدل لو يقوم الفيل أو فياله ... زل عن مثل مقامي وزحل قال: فقال له الرشيد: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقك. وذكر زيد بن علي بن الحسين العلوي، قال: لما حبس الرشيد عبد الملك ابن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك - وهو يومئذ على شرطه - فقال: أفي إذن انا قأتكلم، قال: تكلم، قال: لا، والله العظيم يا أمير المؤمنين، ما علمت عبد الملك إلا ناصحاً، فعلام حبسته! قال: ويحك! بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين - يعني الأمي والمأمون - فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه. قال: أما إذ حبسته يا أمير المؤمنين، فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه؛ ولكن أرى أن تحبسه محبساً كرماً يشبه محبس مثلك مثله. قال: فإني أفعل. قال: فدعا الرشيد الفضل بن الربيع، فقال: امض إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسه، فقل له أنظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمر به حتى يقام لك؛ فذكر قصته وما سأل. قال: وقال الرشيد يوماً لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلمته: ما أنت لصالح! قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان الجعدي، قال: ما أبالي أي الفحلين غلب علي؛ فحبسه الرشيد عند الفضل بن ربيع؛ فلم يزل محبوساً حتى توفي الرشيد، فأطلقه محمد، وعقد له على الشأم؛ فكان مقيماً بالرقة، وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه: لئن قتل وهو حي لا يعطى المأمون طاعةً أبداً. فمات قبل محمد، فدفن في دار من دور الإمارة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له: حول أباك من داري، فنبشت عظامه وحولت. وكان قال لمحمد: إن خفت فالجأ إلي،فوالله لأصوننك. وذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بن خالد: إن عبد الملك بن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك، وقد علمت ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أطلعت من عبد الملك على شيء من هذا؛ ولو اطلعت عليه لكنت صاحبه دونك؛ لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه علي ولي؛ فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمع في ذلك أكثر مني! وهل كنت إذا فعلت ذلك به يفعل بي أكثر من فعلك! أعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن؛ ولكنه كان زجلاً محتملاً يسرني أن يكون في أهلك مثله، فوليته، لما أحمدت من مذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله. قال: فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه، فقال: إن أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك، فقال له: أنت مسلط علينا فافعل ما أردت؛ على أنه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي، فبم يدخل الفضل في ذلك! فقال الرسول للفضل: قم؛ فإنه لا بد لي من إنفاذ أمر أمير المؤمنين فيك؛ فلم يشك أنه قاتله، فودع أباه، وقال له: ألست راضياً عني؟ قال: بلى، فرضي الله عنك. ففرق بينهما ثلاثة أيام؛ فلما لم يجد عنده من ذلك شيئاً جمعهما كما كانا. وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل، لما كان أعداؤهم يقرفونهم به عنده، فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما أعلمه، بلغ من يحيى، فأخرج ما في نفسه، فقال له: قل له يقتل ابنك مثله. قال مسرور: فلما سكن عن الرشيد الغضب، قال: كيف قال؟ فأعدت عليه القول، قال: قد خفت والله قوله؛ لأنه قلما قال لي شيئاً إلا رأيت تأويله. وقيل: بينما الرشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح، إذ هتف به هاتف وهو يساير عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، طأطئ من إشرافه وقصر من عنانه، واشدد من شكائمه؛ وإلا أفسد عليك ناحيته. فالتفت إلى عبد الملك، فقال: ما يقول هذا يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: مقال باغ ودسيس حاسد؛ فقال له هارون: صدقت، نقص القوم ففضلتهم، ونخلفوا وتقدمتهم؛ حتى برز شأوك، فقصر عنه غيرك؛ ففي صدورهم جمرات التخلف، وحزازات النقص. فقال عبد الملك: لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمداً دائماً أبداً. وقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مر بمنبج، وبها مستقر عبد الملك: هذا منزلك؟ قال: هو لك يا أمير المؤمنين، ولي بك. قال: كيف هو؟ قال: دون بناء أهلي وفوق منازل منبج، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله. ذكر الخبر عن دخول القاسم بن الرشيد أرض الروم وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان، فأناخ على قرة وحاصرها، ووجه العباس بن جعفر بن محمد الأشعث، فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا، فبعث إليه الروم تبذل له ثلثمائة وعشرين رجلاً من أسارى المسلمين؛ على أن يرحل عنهم؛ فأجابهم إلى ذلك، ورحل عن قرة وحصن سنان صلحاً. ومات علي بن عيسى بن موسى في هذه الغزاة بأرض الروم، وهو مع القاسم. ذكر الخبر عن نقض الروم الصلح وفي هذه السنة نقض صاحب الروم الصلح الذي كان جرى بين الذي قبله وبين المسلمين، ومنع ما كان ضمنه الملك لهم قبله. ذكر الخبر عن سبب نقضهم ذلك: وكان سبب ذلك أن الصلح كان جرى بين المسلمين وصاحب الروم وصاحبتهم يومئذ ريني - وقد ذكرنا قبل سبب الصلح الذي كان بين المسلمين وبينها - فعادت الروم على ريني فخلعتها، وملكت عليها نقفور. والروم تذكر أن نقفور هذا من أولاد جفنة من غسان، وأنه قبل الملك كان يلي ديوان الخراج، ثم ماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلع الروم إياها؛ فذكر أن نقفور لما ماك واستوسقت له الروم بالطاعة، كتب إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب؛ أما بعد؛فإن الملكة التي كانت قبلي، أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها؛ لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن؛ فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. قال: فلما قرأ الرشيد الكتاب، استفزه الغضب حتى لم يمكن أحداً أن ينظر إليه دون أن يخاطبه؛ وتفرق جلساؤه خوفاً من زيادة قول أو فعل يكون منهم؛ واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبد برأيه دونه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم " . من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه. والسلام. ثم شخص من يومه، وسار حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم، واصطفى وأفاد، وخرب وحرق، واصطلم. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع من غزوته، وصار بالرقة نقض نقفور العهد، وخان الميثاق. وكان البرد شديداً، فيئس نقفور من رجعته إليه، وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه؛ فما تهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقاً عليه وعلى أنفسهم من الكرة في مثل تلك الأيام، فاحتيل له بشاعر من أهل خرة يكنى أبا محمد عبد الله بن يوسف - ويقال: هو الحجاج بن يوسف التيمي، فقال: نقض الذي أعطيته نقفور ... وعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنه ... غنم أتاك به الإله كبير فلقد تباشرت الرعية أن أتى ... بالنقض عنه وافد وبشير ورجت يمينك أن تعجل غزوة ... تشفي النفوس مكانها مذكور أعطاك جزيته وطأطأ خده ... حذر الصوارم والردى محذور فأجرته من وقعها وكأنها ... بأكفنا شعل الضرام تطير وصرفت بالطول العساكر قافلاً ... عنه وجارك آمن مسرور نقفور إنك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور أظننت حين غدرت أنك مفلت ... هبلتك أمك ما ظننت غرور! ألقاك حينك في زواجر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور إن الإمام على اقتسارك قادر ... قربت ديارك أم نأت بك دور ليس اللإمام وإن غفلنا غافلاً ... عما يسوس بحزمه ويدير ملك تجرد للجهاد بنفسه ... فعدوه أبداً به مقهور يا من يريد رضا الإله بسعيه ... والله لا يخفى عليه ضمير لا نصح ينفع من يغش إمامه ... والنصح من نصحائه مشكور نصح الإمام على الأنام فريضة ... ولأهلها كفارة وطهور وفي ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية: إمام الهدى أصبحت بالدين معنياً ... وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا لك اسمان شقا من رشاد ومن هدىً ... فأنت الذي تدعى رشيداً ومهديا إذا ما سخطت الشيء كان مسخطاً ... وإن ترض شيئاً كان في الناس مرضيا بسطت لنا شرقاً وغرباً يد العلا ... فأوسعت شرقياً وأوسعت غربيا ووشيت وجه الأرض بالجود والندى ... فأصبح وجه الأرض بالجود موشيا قضى الله يصفو أن لهارون ملكه ... وكان قضاء الله في الخلق مقضيا تحلبت الدنيا لهارون بالرضا ... فأصبح نقفور لهارون ذميا وقال التيمي: لجت بنقفور أسباب الردى عبثا ... لما رأته بغيل الليث قد عبثا ومن يزر غيله لا يخل من فزعٍ ... إن فات أنيابه والمخلب الشبثا خان العهود ومن ينكث بها فعلى ... حوبائه، لا على أعدائه نكثا كان الإمام الذي ترجى فواضله ... أذاقه ثمر الحلم الذي ورثا فرد ألفته من بعد أن عطفت ... أزواجه مرهاً يبكينه شعثا فلما فرغ من إنشاده، قال: أوقد فعل نقفور ذلك! وعلم أن الوزراء قد احتالوا له في ذلك، فكر راجعاً في أشد محنة وأغلظ كلفة، حتى أناخ بفنائه،فلم يبرح حتى رضي وبلغ ما أراد، فقال أبو العتاهية: ألا نادت هرقلة بالخراب ... من الملك الموفق بالصواب غدا هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة القضاب ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب أمير المؤمنين ظفرت فاسلم ... وأبشر بالغنيمة والإياب خبر مقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك وفيها قتل - في قول الوافدي - إبراهيم بن عثمان بن ناهيك. وأما غير الواقدي؛ فإنه قال: في سنة ثمان وثمانين ومائة. ذكر الخبر عن سبب مقتله: ذكر عن صالح الأعمى - وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نهيك - قال: كان إبراهيم بن عثمان كثيراً ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعاً عليهم، وحباً لهم، إلى أن خرج من حد البكاء، ودخل في باب طالبي الثأر والإحن، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ، قال: يا غلام، سيفي ذا المنية - وكان قد سمى سيفه ذا المنية - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه، ثم يقول: وا جعفراه! وا سيداه! والله لأقتلن قاتلك، ولأثأرن بدمك عن قليل! فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله، فدخل الفضل فأخبر الرشيد، فقال: أدخله، فدخل فقال: ما الذي قال الفضل عنك؟ فأخبره بقول أبيه وفعله، فقال الرشيد: فهل سمع هذا أحد معك؟ قال: نعم خادمه نوال، فدعا خادمه سراً فسأله، فقال: لقد قال ذلك غير مرة ولا مرتين، فقال الرشيد: ما يحل لي أن أقتل ولياً من أوليائي بقول غلام وخصي، لعلهما تواصيا على هذه المنافسة؛ الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم لطول الصحبة، فترك ذلك أياماً، ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تزيل الشك عن قلبه، والخاطر عن وهمه، فدعا الفضل بن الربيع، فقال: إني أريد محنة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه؛ فإذا رفع الطعام فادع بالشراب، وقل له: أجب أمير المؤمنين فينادمك؛ إذ كنت منه بالمحل الذي أنت به، فإذا شرب فاخرج وخلني وإياه، ففعل ذلك الفضل بن الربيع؛ وقعد إبراهيم للشراب، ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام، فقال الرشيد: مكانك يا إبراهيم، فقعد، فلما طابت نفسه، أومأ الرشيد إلى الغلمان فينحوا عنه، ثم قال: يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السر منك؟ قال: يا سيدي إنما أنا كأخص عبيدك، وأطوع خدمك؛ قال: إن في نفسي أمراً أريد أن أودعكه، وقد ضاق صدري به، وأسهرت به ليلي، قال: يا سيدي إذاً لا يرجع عني إليك أبداً، وأخفيه عن جنبي أن يعلمه، ونفسي أن تذيعه. قال: ويحك! إني ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامةً ما أحسن أن أصفها؛ فوددت أني خرجت من ملكي وأنه كان بقي لي؛ فما وجدت طعم النوم منذ فارقته، ولا لذة العيش منذ قتلته! قال: فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه، وأذرى عبرته، وقال: رحم الله أبا الفضل، وتجاوز عنه! والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله، وأوطئت العشوة في أمره! وأين يوجد في الدنيا مثله! وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين. فقال الرشيد: قم عليك لعنة الله يابن اللخناء! فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمه، فقال: يا أم، ذهبت والله نفسي، فقالت: كلا إن شاء الله، وما ذاك يا بني؟ قال: ذاك أن الرشيد امتحنني بمحنة والله؛ ولو كان لي ألف نفس لم أنج بواحدة منها. فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه - فضربه بسيفه حتى مات - إلا ليال قلائل. وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة فمما كان فيها من ذلك غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة، ودخوله أرض الروم من درب الصفصاف، فخرج للقائه نقفور، فوردعليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه، فانصرف، ومر بقوم من المسلمين، فجرح ثلاث جراحات، وانهزم. وقتل من الروم - فيما ذكر - أربعون ألفاً وسبعمائة، وأخذ أربعة آلاف دابة. وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق. وحج بالناس فيها الرشيد، فجعل طريقه على المدينة، فأعطى أهلها نصف العطاء؛ وهذه الحجة هي آخر حجة حجها الرشيد، فيما زعم الواقدي وغيره. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر شخوص الرشيد إلى الري فمن ذلك ما كان من شخوص الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الري. ذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث في خرجته تلك في سفره ذكر أن الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خراسان علي بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه ألا يفعل، فخالفه الرشيد في أمره، وولاه إياها، فلما شخص علي بن عيسى إليها ظلم الناس، وعسر عليهم، وجمع مالاً جليلاً، ووجه إلى هارون منها هدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثيلب والمسك والأموال، فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به إليه، وأحضرت تلك الهدايا فعرضت عليه، فعظمت في عينه، وجل عنده قدرها، وإلى جانبهيحيى بن خالد، فقال له: يا أبا علي؛ هذا الذي أشرت علينا ألا نوليه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان في خلافك البركة - وهو كالمازح معه إذ ذاك - فقد ترى ما أنتج رأينا فيه، وما كان من رأيك! فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أنا وإن كنت أحب أن أصيب في رأيي وأوفق في مشورتي، فأنا أحب من ذلك أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي، ومعرفته فوق معرفتي؛ وما أحسن هذا وأكثره وإن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين، وما أسأل الله أن يعيذه ويعفيه من سوء علقبته ونتائج مكروهه، قال: وما ذاك؟ فأعلمه، قال: ذاك أني أحسب أن هذه الهدايا ما اجتمعت له حتى ظلم فيها الأشراف، وأخذ أكثرها ظلماً وتعدياً؛ ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرخ، قال: وكيف ذاك؟ قال: قد ساومنا عوناً على السفط الذي جاءنا به من الجوهر،وأعطيناه به سبعة آلاف ألف، فأبى أن يبيعه، فأبعث إليه الساعة بحاجتي فآمره أن يرده إلينا؛ لنعيد فيه نظرنا؛ فإذا جاء به جحدناه، وربحنا سبعة آلاف ألف، ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك. وعلى أن هذا أسلم عاقبة، وأستر أمراً من فعل علي بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها، فأجمع لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثر من قيمة هذه الهدايا بأهون سعي، وأيسر أمر، وأجمل جباية؛ مما جمع علي في ثلاث سنين. فوقرت في نفس الرشيد وحفظها، وأمسك على ذكر علي بن عيسى عنده، فلما عاث علي بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخف برجالهم، كتب رجال من كبرائها ووجوهها إلى الرشيد، وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها، تشكو سوء سيرته، وخبث طعمته، ورداءة مذهبه، وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها به من أحب من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقواده. فدعا يحيى بن خالد، فشاوره في أمر علي بن عيسى وفي صرفه، وقال له: أشر علي برجل ترضاه لذلك الثغر يصلح ما أفسد الفاسق، ويرتق ما فتق. فأشار عليه بيزيد بن مزيد، فلم يقبل مشورته. وكان قيل للرشيد: إن علي بن عيسى قد أجمع على خلافك، فشخص إلى الري من أجل ذلك، منصرفه من مكة، فعسكر بالنهروان لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم، ثم سار إلى الري، فلما صار بقرماسين أشخص إليه جماعة من القضاة وغيرهم، وأشهدهم أن جميع ما له في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وما سوى ذلك لعبد الله المأمون، وأنه ليس فيه قليل ولا كثير. وجدد البيعة له على من كان معه، ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد، فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى من بحضرته لعبد الله والقاسم، وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله؛ إذا أفضت الخلافة إليه. ثم مضى الرشيد عند انصراف هرثمة إليه إلى الري، فأقام بها نحواً من أربعة أشهر؛ حتى قدم عليه علي بن عيسى من خراسان بالأموال والهدايا والطرف، من المتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدواب، وأهدى بعد ذلك إلى جميع من كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدمه وقواده على قدر طبقاتهم ومراتبهم، ورأى منه خلاف ما كان ظن به وغير ما كان يقال فيه. فرضي عنه، ورده إلى خراسان، وخرج وهومشيع له؛ فذكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويه محمد وعبد الله، وسمي المؤتمن حين وجه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب من هذه السنة، فقال الحسن بن هلنئ في ذلك: تبارك من ساس الأمور بعلمه ... وفضل هاروناً على الخلفاء نزال بخير ما انطوينا على التقى ... وما ساس دنيانا أبو الأمناء وفي هذه السنة - حين صار الرشيد إلى الري - بعث حسيناً الخادم إلى طبرستان، فكتب له ثلاثة كتب؛ من ذلك كتاب فيه أمان لشروين أبي قارن، والآخر فيه أمان لونداهرمز، جد مازيار، والثالث فيه أمان لمرزيان بن جستان، صاحب الديلم. فقدم عليه صاحب الديلم، فوهب له وكساه ورده. وقدم عليه سعيد الحرشي بأربعمائة بطل من طبرستان، فأسلموا على يد الرشيد، وقدم ونداهرمز، وقبل الأمان، وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج، وضمن على شروين مثل ذلك؛ فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه، ووجه معه هرثمة فأخذ ابنه وابن شروين رهينة. وقدم عليه الري أيضاً خزيمة بن خازم، وكان والي إرمينية، فأهدى هدايا كثيرة. وفي هذه السنة ولى هارون عبد الله بن مالك طبرستان والري والرويان ودنباوند وقومس وهمذان. وقال أبو اللعتاهية في خرجة هارون هذه - وكان هارون ولد بالري: إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده وولى هارون في طريقه محمد بن الجنيد الطريق ما بين همذان والري، وولى عيسى بن جعفر بن سليمان عمان، فقطع البحر من ناحية جزيرة ابن كاوان، فافتتح حصناً بها وحاصر آخر، فهجم عليه ابن مخلد الأزدي وهو غار، فأسره وحمله إلى عمان في ذي الحجة، وانصرف الرشيد بعد ارتحال علي بن عيسى إلى خراسان عن الري بأيام، فأدركه الأضحى بقصر اللصوص؛ فضحى بها، ودخل مدينة السلام يوم الإثنين، لليلتين نقيتا من ذي الحجة، فلما مر بالجسر أمر بإحراق جثة جعفر بن يحيى، وطوى بغداد ولم ينزلها، ومضى من فوره متوجهاً إلى الرقة، فنزل السيلحين. وذكر عن بعض قواد الرشيد أن الرشيد قال لما ورد بغداد: والله إني لأطوي مدينةً ما وضعت بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها؛ وإنها لوطني ووطن آبائي، ودار مملكة بني العباس ما بقوا وحافظوا عليها؛ وما رأى أحد من آبائي سوءاً ولا نكبة منها، ولا سيء بها أحد منهم قط، ولنعم الدار هي! ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى والحب لشجرة اللعنة - بني أمية - مع ما فيها من المارقة والمتلصصة ومخيفي السبيل؛ ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبداً. وقال العباس ن الأحنف في طي الرشيد بغداد: ما أنخنا حتى ارتحلنا فما نف ... رق بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا ... فقرنا وداعهم بالسؤال وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم مسلم إلا فودي به - فيما ذكر - فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك: وفكت بك الأسرى التي شيدت لهل ... محابس ما فيها حميم يزورها على حين أعيا المسلمين فكاكها ... وقالوا: سجون المشركين قبورها ورابط فيها القاسم بدابق. وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى بن موسى. ثم دخلت سنة تسعون ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر ظهور خلاف رافع بن ليث فمن ذلكما كان من ظهور خلاف رافع بن ليث بن نصر بن سيار بسمرقند، مخالفاً لهارون وخلعه إياه، ونزعه يده من طاعته. ذكر الخبر عن سبب ذلكوكان سبب ذلك - فيما ذكر لنا - أن يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائي تزوج ابنة لعمه أبي النعمان، وكانت ذات يسار، فأقام بمدينة السلام، وتركها بسمرقند، فلما طال مقامه بها، وبلغها أنه قد اتخذ أمهات أولاد، التمست سبباً للتخلص منه، فعي عليها، وبلغ رافعاً خبرها، فطمع فيها وفي مالها، فدس إليها من قال لها: إنه لا سبيل لها إلى التخلص من صاحبها؛ إلا أن تشرك بالله، وتحضر لذلك قوماً عدولاً، وتكشف شعرها بين أيديهم، ثم تتوب فتحل للأزواج؛ ففعلت ذلك وتزوجها رافع. وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فرفع ذلك إلى الرشيد، فكتب إلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما، وأن يعاقب رافعاً ويجلده الحد، ويقيده ويطوف به في مدينة سمرقند مقيداً على حمار؛ حتى يكون عظة لغيره. فدرأ سليمان بن حميد الأزدي عنه الحد، وحمله على حمار مقيداً حتى طلقها، ثم حبسه في سجن سمرقند - فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فطلب الأمان فلم يجبه علي إليه، وهم بضرب عنقه، فكلمه فيه ابنه عيسى بن علي، وجدد طلاق المرأة، وأذن له في الانصراف إلى سمرقند، فانصرف إليها، فوثب بسليمان بن حميد؛ عامل علي بن عيسى فقتله. فوجه علي بن عيسى إليه ابنه، فمال الناس إلى سباع بن مسعدة، فرأسوه عليهم، فوثب على رافع فقيده، فوثبوا على سباع، فقيدوه ورأسوا رافعاً وبايعوه، وطابقه من وراء النهر، ووافاه عيسى بن علي، فلقيه رافع فهزمه، فأخذ علي بن عيسى في فرض الرجال والتأهب للحرب. وفي هذه السنة غزا الرشيد الصائفة، واستخلف ابنه عبد الله المأمون بالرقة وفوض إليه الأمور، وكتب إلى الآفاق بالسمع له والطاعة، ودفع إليه خاتم المنصور يتيمن به؛ وهو خاتم الخاصة، نقشه: " الله ثقتي آمنت به " . وفيها أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون. وفيها خرجت الروم إلى عين زربة وكنيسة السوداء، فأغارت وأسرت، فاستنقذ أهل المصيصة ما كان في أيديهم. فتح الرشيد هرقلة وفيها فتح الرشيد هرقلة، وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم؛ وكان دخلها - فيما قيل - في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق؛ سوى الأتباع وسوى المطوعة وسوى من لا ديوان له، وأناخ عبد الله بن مالك على ذي الكلاع ووجه داود بن عيسى بن موسى سائحاً في أرض الروم في سبعين ألفاً، وافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسة، وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف وملقوبية - وكان فتح الرشيد هرقلة في شوال - وأخربها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوماً عليها، وولى حميد بن معيوف سواحل بحر الشأم إلى مصر، فبلغ حميد قبرس، فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً، فأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي، فبلغ أسقف قبرس ألفي دينار. وكان شخوص هارون إلى بلاد الروم لعشر بقين من رجب؛ واتخذ قلنسوة مكتوباً عليها " غاز حاج " ، فكان يلبسها، فقال أبو المعالي الكلابي: فمن يطلب لقاءه أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر ... وفي أرض الترفه فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق ... من المتخلفين على الأمور ثم صار الرشيد إلى الطوانة، فعسكر بها، ثم رحل عنها، وخلف عليها عقبة بن جعفر، وأمره ببناء منزل هنالك، وبعث نقفور إلى الرشيد بالخراج والجزية، عن رأسه وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار؛ منها عن رأسه أربعة دنانير؛ وعن رأس ابنه استبراق دينارين. وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جاريه من سبي هرقلة كتاباً نسخته: لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم. سلام عليكم، أما بعد أيها الملك، فإن لي إليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك، هينة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة، كنت قد خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفي بحاجتي فعلت. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. واستهداه أيضاً طيباً وسرادقاً من سرلدقته فأمر الرشيد بطلب الجارية، فأحضرت وزينت وأجلست على سرير في مضربه الذي كان نازلاً فيه، وسلمت الجاريه والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور، وبعث إليه بما سأل من العطر، وبعث إليه من التمور والأ خبصة والزبيب والترياق، فسلم ذلك كله إليه رسول الرشيد، فأعطاه نقفور وقر دارهم إسلامية على برذون كميت كان مبلغهخمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بزيون، واثنى عشر بازياً، وأربعة أكلب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين. وكان نفور اشترط ألا يخرب ذا الكلاع ولا صمله ولا حصن سنان، واشترط عليه ألا يعمر هرقلة، وعلى أن يحمل نقفور ثلثمائة ألف دينار. وخرج في هذه السنة خارجي من عبد القيس يقال له سيف بن بكر، فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مز، فقتله بعين النورة. ونقض أهل قبس العهد، فغزاهم معيوف بن يحي فسبى أهلها. وحج بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خروج خارجي يقال له ثروان بن سيف بناحية حولايا؛ فكان يتنقل بالسواد، فوجه إليه طوق بن مالك فهزمه طوق وجرحه، وقتل عامة أصحابه، وظن طوق أنه قد قتل ثروان، فكتب بالفتح، وهرب ثروان مجروحاً. وفيها خرج أبو النداء بالشام فوجه الرشيد في طلبه يحي بن معاذ، وعقد له على الشام. وفيها وقع الثلج بمدينة السلام . وفيها ظفر حماد البربري بهيصم اليماني. وفيها غلظ أمر رافع بن ليث بسمرقند. وفيها كتب أهل نسف إلى رافع يعطونه الطاعة، ويسألونه أن يوجه إليهم من يعينهم على قتل عيسى بن علي، فوجه صاحب الشاش في إتراكه قائداً من قواده، فأتوا عيسى بن علي، فأحدقوا به وقتلوه في ذي القعدة، ولم يعرضوا لأصحابه. وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم بريد خراسان. وفيها غزا يزيد ن مخلد الهبيري أرض الروم في عشرة آلاف، فأخذت الروم عليه المضيق، فقتلوه على مرحلتين من طرطوس في خمسين رجلا، وسلم الباقون. وفيها ولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين، وضم إليه ثلاثين ألفاً من جند خراسان، ومعه مسرور الخادم؛ إليه النفقات وجميع الأمور، خلا الرياسة. ومضى الرشيد إلى درب الحدث، فرتب هنالك عبد الله بن مالك، ورتب سعيد بن سلم بن قتيبة بمرعش، فأغارت الروم عليها، وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم بها، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرطوس، فأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان، ثم انصرف إلى الرقة. وفيها أمر الرشيد بهدم الكنائس بالثغور، وكتب إلى السندي بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم. وفيها عزل الرشيد علي بن عيسى بن ماهان عن خراسان وولاها هرثمة. ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد علي بن عيسى وسخطه عليه قال أبو جعفر: قد ذكر قبل سبب هلاك ابن علي بن عيسى وكيف قتل. ولما ابنه عيسى خرج علي عن بلخ حتى أتى مرو مخافة أن يسير إليها رافع بن الليث، فيستولي عليها. وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالاً عظيمة - قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف - ولم يعلم بها علي بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له، فلما شخص علي عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعض الخدم، وتحدث به الناس، فاجتمع قراء أهل بلخ ووجوهها، فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة، فبلغ الرشيد الخبر، فقال: خرج علي عن بلخ عن غير أمري، وخلف مثل هذا المال؛ وهو يزعم أنه قد أفضى إلى حلي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله عند ذلك ، وولى هرثمة بن أعين، واستصفى أموال علي بن عيسى، فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف. وذكر عن بعض الموالي أنه قال: كنا بجرجان مع الرشيد وهو يريد خراسان، فوردت خزائن علي بن عيسى التي أخذت له على ألف وخمسمائة بعير، وكان علي مع ذلك قد أذل الأعالي من أهل خراسان وأشرافهم. وذكر أنه دخل عليه يوماً هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب، فسلما عليه، فقال للحسين: لا سلم الله عليك يا ملحد يا بن الملحد!والله إني لأعرف ما أنت عليه من عداوتك للإسلام وطعنك في الدين، وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه، فقد أباح الله دمك، وأرجو أن يسفكه الله على يدي عن قريب، ويعجلك إلى عذابه. ألست المرجف بي في منزلي هذا بعد ما ثملت من الخمر، وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي! اخرج إلى سخط الله، لعنك الله، فعن قريب ما تكون من أهلها! فقال له الحسين: أعيذ بالله الأمير أن يقبل قول واشٍ، أو سعاية باغٍ، فإني بريء مما قرفت به. قال: كذبت لا أم لك! قد صح عندي أنك ثملت من الخمر، وقلت ما وجب عليك به أغلظ الأدب؛ ولعل الله أن يعاجلك ببأسه ونقمته؛ اخرج عني غير مستور ولا مصاحب. فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه، وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة؛ يجتمع فيها إليك السفهاء، وتطعن على الولاة! سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! فقال هشام: جعلت فداء الأمير! أنا والله مظلوم مرحوم؛ والله ما أدع في تقريظ الأمير جهداً، وفي وصفه قولاً إلا خصصته به وقلته فيه؛ فإن كنت إذا قلت خيراً نقل إليك شراً فما حيلتي! قال: كذبت لا أم لك؛ لأنا أعلم بما تنطوي عليه جوانحك من ولدك وأهلك، فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي. فلما كان في آخر الليل دعا ابنته عالية - وكانت من أكبر ولده - فقال لها: أي بنية، إني أريد أن أفضي إليك بأمر إن أنت أظهرته قتلت؛ وإن حفظته سلمت، فاختاري بقاء أبيك على موته، قالت: وما ذاك جعلت فداك! قال: إني أخاف هذا الفاجر علي بن عيسى على دمي، وقد عزمت على أن أظهر أن الفالج أصابني، فإذا كان في السحر فاجمعي جواريك، وتعالي إلى فراشي وحركيني؛ فإذا رأيت حركتي قد ثقلت، فصيحي أنت وجواريك، وابعثي إلى إخوتك فأعلميهم علتي. وإياك ثم إياك أن تطلعي على صحة بدني أحداً من خلق الله من قريب أو بعيد. ففعلت - وكانت عاقلة حازمة - فأقام مطروحاً على فراشه حيناً لا يتحرك إلا إن حرك، فيقال إنه لم يعلم من أهل خراسان أحد من عزل علي بن عيسى بخبر ولا أثر غير هشام؛ فإنه توهم عزله، فصح توهمه. ويقال: إنه خرج في اليوم الذي قدم فيه هرثمة لتلقيه. فرآه في الطريق رجل من قواد علي بن عيسى، فقال: صح الجسم؟ فقال: ما زال صحيحاً بحمد الله! وقال بعضهم: بل رآه علي بن عيسى، فقال: أين بك؟ فقال: أتلقى أميرنا أبا حاتم، قال: ألم تكن عليلاً؟ قال: بلى؛ فوهب الله العافية؛ وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة. وأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكة مستجيراً بالرشيد من علي بن عيسى، فأجاره. ولما عزم الرشيد على عزل علي بن عيسى دعا - فيما بلغني - هرثمة بن أعين مستخلياً به فقال: إني لم أشاور فيك أحداً، ولم أطلعه على سري فيك، وقد اضطرب علي ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمر علي بن عيسى؛ إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره؛ وقد كتب يستمد ويستجيش، وأنا كاتب إليه، فأخبره أني أمده بك، وأوجه إليه معك من الأموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن إليه قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتاباً بخطي فلا تفضنه، ولا تطلعن فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور؛ فإذا نزلتها فاعمل بما فيه، وامتثله ولا تجاوزه، إن شاء الله، وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علي بن عيسى بخطي؛ ليتعرف ما يكون منك ومنه؛ وهون عليه أمر علي فلا تظهرنه عليه، ولا تعلمنه ما عزمت عليه، وتأهب للمسير، وأظهر لخاصتك وعامتك أني أوجهك مدداً لعلي بن عيسى وعوناً له. قال: ثم كتب إلى علي بن عيسى بن ماهان كتاباً بخطه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم " . يا بن الزانية، رفعت من قدرك، ونوهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عقبك، وجعلت أبناء ملوك العجم خولك وأتباعك؛ فكان جزائي أن خالفت عهدي، ونبذت وراء ظهرك أمري؛ حتى عثت في الأرض، وظلمت الرعية، وأسخطت الله وخليفته؛ بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد وليت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان، وأمرته أن يشد وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهماً، ولا حقاً لمسلم ولا معاهد إلا أخذكم به؛ حتى ترده إلى أهله؛ فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمالك فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصب عليكم السياط، ويحل بكم ما يحل بمن نكث وغير، وبدل وخالف، وظلم وتعدى وغشم، انتقاماً لله عز وجل بادئاً، ولخليفته ثانياً، وللمسلمين والمعاهدين ثالثاً؛ فلا تعرض نفسك للتي لا شوى لها، واخرج مما يلزمك طائعاً أو مكرهاً. وكتب عهد هرثمة بخطه: هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين حين ولاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه؛ أمره بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إماماً في جميع ما هو بسبيله، فيحل حلاله ويحرم حرامه، ويقف عند متشابهه؛ ويسأل عنه أولي الفقه في دين الله وأولي العلم بكتاب الله، أو يرده إلى إمامه ليريه الله عز وجل فيه رأيه، ويعزم له على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق علي بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشد عليهم وطأته، ويحل بهم سطوته، ويستخرج منهم كل مال يصح عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين؛ فإذا استنظف ما عندهم وقبلهم من ذلك، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين، وأخذهم بحق كل ذي حق حتى يردوه إليهم؛ فإن ثبتت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين؛ فدافعوا بها وجحدوها، أن يصب عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته؛ حتى يبلغ بهم الحال التي إن تخطاها بأدنى أدب، تلفت أنفسهم، وبطلت أرواحهم؛ فإذا خرجوا من حق كل ذي حق، أشخصهم كما تشخص العصاة من خشونة الوطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس، مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين، إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك، فإني آثرت الله وديني على هواي وإرادتي، فكذلك فليكن عملك، وعليه فليكن أمرك، ودبر في عمال الكور الذين تمر بهم في صعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمرٍ يريبهم وظن يرعبهم. وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضي الله منك وخليفته، ومن ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدي وكتابي بخطي، وأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيداً. وكتب أمير المؤمنين بخط يده لم يحضره إلا الله وملائكته. ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى علي بن عيسى في معاونته وتقوية أمره والشد على يده؛ فكتب وظهر الأمر بها؛ وكانت كتب حمويه وردت على هارون: إن رافعاً لم يخلع ولا نزع السواد ولا من شايعه، وإنما غايتهم علي بن عيسى الذي قد سامهم المكروه. خبر شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان والياً عليها ومن ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان والياً عليها. ذكر الخبر عما كان من أمره في شخوصه إليها وأمر علي بن عيسى وولده ذكر أن هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذي كتب له عهده الرشيد وشيعه الرشيد، وأوصاه بما يحتاج إليه، فلم يعرج هرثمة على شيء، ووجه إلى علي بن عيسى في الظاهر أموالاً وسلاحاً، وخلعاً وطيباً؛ حتى إذا نزل نيسابور جمع جماعة من ثقات أصحابه وأولى الين والتجربة منهم؛ فدعا كل رجل منهم سراً، وخلا به، ثم أخذ عليهم العهود والمواثيق أن يكتموا أمره، ويطووا سره، وولى كل رجل منهم كورة، على نحو ما كانت حاله عنده؛ فولى جرجان ونيسابور والطبسين ونسا وسرخس، وأمر كل واحد منهم، بعد أن دفع إليه عهده بالمسير إلى عمله الذي ولاه على أخفى الحالات وأسترها، والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهمإلى الوقت الذي سماه لهم، وولى إسماعيل بن حفص بن مصعب جرجان بأمر الرشيد، ثم مضى حتى إذا صار من مرو على مرحلة، دعا جماعة من ثقات أصحابه، وكتب لهم أسماء ولد علي بن عيسى وأهل بيته وكتابه وغيرهم في رقاع، ودفع إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكله بحفظه إذا هو دخل مرو، خوفاً من أن يهربوا إذا أظهر أمره. ثم وجه إلى علي بن عيسى : إن أحب الأمير أكرمه الله أن يوجه ثقاته لقبض ما معي من أموال فعل؛ فإنه إذا تقدم المال أمامي كان أقوى للأمير، وأفت في عضد أعدائه. وأيضاً فإني لا آمن عليه إن خلفته وراء ظهري؛ أن يطمع فيه بعض من تسمو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه، ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة. فوجه علي بن عيسى جهابذته وقهارمته لقبض المال، وقال هرثمة لخزانه: اشغلوهم هذه الليلة، واعتلوا عليهم في حمل المال بعلة تقرب من أطماعهم، وتزيل الشك عن قلوبهم، ففعلوا. وقال لهم الخزان: حتى تؤامروا أبا حاتم في دواب المال والبغال. ثم ارتحل نحو مدينة مرو، فلما صار منها على ميلين تلقاه علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده بأحسن لقاء وآنسه؛ فلما وقعت عين هرثمة عليه، ثنى رجله لينزل عن دابته فصاح به علي: والله لئن نزلت لأنزلن ، فثبت على سرجه، ودنا كل منهما من صاحبه فاعتنقا، وسارا، وعلي يسأل هرثمة عن أمر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصته وقواده وأنصار دولته؛ وهرثمة يجيبه؛ حتى صار إلى قنطرة لا يجوزها إلا فارس، فحبس هرثمة لجام دابته، وقال لعلي: سر على بركة الله، فقال علي: لا والله لا أفعل حتى تمضي أنت، فقال: إذاً والله لا أمضي، فأنت الأمير وأنا الوزير؛ فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلا مرو، وصارا إلى منزل علي، ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا نهار، ولا ركوب ولا جلوس؛ فدعا علي بالغداء فطعما، وأكل معهما رجاء الخادم، وكان عازماً على ألا يأكل معهما، فغمزه هرثمة وقال: كل فأنت جائع، ولا رأي لجائع ولا حاقن؛ فلما رفع الطعام قال له علي: قد أمرت أن يفرغ لك قصر على الماشان؛ فإن رأيت أن تصير إليه فعلت. فقال له هرثمة: إن معي من الأمور ما لا يتحمل تأخير المناظرة فيها؛ ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى علي، وأبلغه رسالته. فلما فض الكتاب فنظر إلى أول حرف منه سقط في يده، وعلم أن حل به ما يخافه ويتوقعه، ثم أمر هرثمة بتقيه وتقييد ولده وكتابه وعماله وكان رحل ومعه وقر من قيود وأغلال - فلما استوسق منه صار إلى المسجد الجامع، فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر المؤمنين ولاه ثغورهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق علي بن عيسى، وما أمره به وفي عماله وأعوانهن وأنه بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصة، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحق. وأمر بقراءة عهده عليهم. فأظهروا السرور بذلك، وانفسحت آمالهم، وعظم رجاؤهم، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وكثر الدعلء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء. ثم انصرف، فدعا لعلي بن عيسى وولده وعماله وكتابه، فقال: اكفوني مئونتكم، واعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم. ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءة الذمة من رجل كانت لعلي عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو أعماله وأخفاها ولم يظهر عليها؛ فأحضره الناس ما كانوا أودعوا إلا رجلاً من أهل مرو - وكان من أبناء المجوس - فإنه لم يزل يتلطف للوصول إلى علي بن عيسى حتى صار إليه، فقال له سراً: لك عندي مال، فإن احتجت إليه حملته إليك أولاً فأولاً، وصبرت للقتل فيك؛ إيثاراً للوفاء وطلباً لجميل الثناء، وإن استغنيت عنه حبسته عليك حتى ترى فيه رأيك. فعجب علي منه، وقال: لو اصطنعت مثلك ألف رجل ما طمع في في السلطان ولا الشيطان أبداً. ثم سأله عن قيمة ما عنده، فذكر له أنه أودعه مالاً وثياباً ومسكاً، وأنه لا يدري ما قدر ذلك؛ غير أنه أودعه بخطه، وأنه محفوظ لم يشذ منه شيء، فقال له: دعه فإن ظهر عليه سلمته ونجوت بنفسك، وإن سلمت به رأيت فيه رأيي. وجزاه الخير، وشكر له فعله ذلك أحسن شكر، وكافأه عليه وبره. وكان يضرب به المثل بوفائه؛ فذكر أنه لم يتستر عن هرثمة من مال علي إلا ما كان أودعه هذا الرجل - وكان يقال له: العلاء بن ماهان - فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حلي نسائهم؛ فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه؛ حتى إذا لم يبق فيه إلا صوف أو خشب أو ما لا قيمة له قال للمرأة: هاتي ما عليك من الحلي، فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها: يا هذا، إن كنت محسناً فاصرف بصرك عني، فوالله لا تركت شيئاً من بغيتك علي إلا دفعته إليك؛ فإن كان الرجل يتحوب من الدنو إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشرة دراهم، ومن كان بخلاف هذه الصفة، قال: لا أرضى حتى أفتشك؛ لا تكونين قد خبأت ذهباً أو دراً أو ياقوتاً؛ فيضرب يده إلى مغابنها وأرفاغها؛ فيطلب فيها ما يظن أنها قد سترته عنه؛ حتى إذا ظن أنه قد أحكم هذا كله وجهه على بعير بلا وطاء تحته، وفي عنقه سلسلة، وفي رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد. فذكر عمن شهد أمر هرثمة وأمره؛ أن هرثمة لما فرغ من مطالبة علي بن عيسى وولده وكتابه وعماله بأموال أمير المؤمنين، أقامهم لمظالم الناس، فكان إذا برد للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق، قال: اخرج للرجل من حقه، وإلا بسطت عليك، فيقول علي: أصلح الله الأمير! أجلني يوماً أو يومين، فيقول: ذلك إلى صاحب الحق، فإن شاء فعل. ثم يقبل على الرجل، فيقول: أترى أن تدعه؟ فإن قال نعم، قال: فانصرف وعد إليه، فيبعث علي إلى العلاء بن ماهان، فيقول له: صالح فلاناً عني من كذا وكذا على كذا وكذا، أو على ما رأيت، فيصالحه ويصلح أمره. وذكر أنه قام إلى هرثمة رجل، فقال له: أصلح الله الأمير! إن هذا الفاجر أخذ مني درقة ثمينة لم يملك أحد مثلها، فاشتراها على كره مني ولم أرد بيعها بثلاثة آلاف درهم؛ فأتيت قهرمانة أطلب ثمنها، فلم يعطني شيئاً، فأقمت حولاً أنتظر ركوب هذا الفاجر؛ فلما ركب عرضت له وصحت به: أيها الأمير، أنا صاحب الدرقة، ولم آخذ لها ثمناً إلى هذه الغاية، فقذف أمي ولم يعطني حقي، فخذ لي بحقي من مالي وقذفه أمي، فقال: لك بينة؟ قال: نعم، جماعة حضروا كلامه؛ فأحضرهم فأشهدهم على دعواه، فقال هرثمة: وجب عليك الحد، قال: ولم؟ قال: لقذفك أم هذا، قال: من فقهك وعلمك هذا؟ قال: هذا دين المسلمين، قال: فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذفك غير مرة ولا مرتين؛ وأشهد أنك قد قذفت بنيك ما لا أحصي، مرة حاتماً ومرة أعين؛ فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك؟ ومن يأخذ لك من مولاك! فالتفت هرثمة إلى صاحب الدرقة، فقال: أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بدرقتك أو ثمنها، وتترك ومطالبته بقذفه أمك. كتاب هرثمة إلى الرشيد في أمر علي بن عيسى ولما حمل هرثمة علياً إلى الرشيد، كتب إليه كتاباً يخبره ما صنع؛ نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم " . أما بعد، فإن الله عز وجل لم يزل يبلي أمير المؤمنين في كل ما قلده من خلافته واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجمل البلاء وأكمله، ويعرفه في كل ما حضره ونأى عنه من خاص أموره وعامها، ولطيفها وجليلها أتم الكفاية وأحسن الولاية، ويعطيه في ذلك كله أفضل الأمنية، ويبلغه في أقصى غاية الهمة، امتناناً منه عليه، وحفظاً لما جعل إليه، مما تكفل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته؛ فسيتم الله أحسن ما عوده وعودنا من الكفية في كل ما يؤدينا إليه، ونسأله توفيقنا لما نقضي به المفترض من حقه في الوقوف عند أمره، والاقتصار على رأيه. ولم أزل أعز الله أمير المؤمنين، مذ فصلت عن معسكر أمير المؤمنين ممتثلاً ما أمرني به فيما أنهضني له؛ لا أجاوز ذلك ولا أتعداه إلى غيره، ولا أتعرف اليمن والبركة إلا في امتثاله؛ إلى أن حللت أوائل خراسان؛ صائناً للأمر الذي أمرني أمير المؤمنين بصيانته وستره؛ لا أفضي ذلك إلى خاصي ولا إلى عامي، ودبرت في مكاتبة أهل الشاش وفرغانة وخزلهما عن الخائن، وقطع طمعه وطمع من قبله عنهما، ومكاتبة من ببلخ بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسرت له، فلما نزلت نيسابور عملت في أمر الكور التي اجتزت عليها بتولية من وليت عليها، قبل مجاوزتي إياها؛ كجرجان ونيسابور ونسا وسرخس، ولم آل الأحتياط في ذلك، واختيار الكفاءة وأهل الأمانة والصحة من ثقات أصحابي، وتقدمت إليهم في ستر الأمر وكتمانه، وأخذت عليهم بذلك أيمان البيعة، ودفعت إلى كل رجل منهم عهده بولايته، وأمرتهم بالمسير إلى كور أعمالهم على أخفى أخفى الحالات وأسترها، والتشبه بالمجتازين في ورودهم الكور ومقامهم بها إلى الوقت الذي سميت لهم؛ وهو اليوم الذي قدرت فيه دخولي إلى مرو، والتقائي وعلي بن عيسى، وعملت في استكفائي إسماعيل بن حفص بن مصعب أمر جرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين، فنفذ أولئك العمال لأمري، وقام كل رجل منهم في الوقت الذي وقت له بضبط عمله وإحكام ناحيته، وكفى الله أمير المؤمنين المؤنة في ذلك، بلطيف صنعه. ولما صرتمن مدينة مرو على منزل، اخترت عدةً من ثقات أصحابي، وكتبت بتسمية ولد علي بن عيسى وكتابه وأهل بيته وغيرهم رقاعاً، ودفعت إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكلته بحفظه في دخولي، ولم آمن لو قصرت في ذلك وأخرته أن يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار، فعملوا بذلك، ورحلت عن موضعي إلى مدينة مرو، فلما صرت منها على ميلين تلقاني علي بن عيسى في ولده وأهل بيته وقواده، فلقيته بأحسن لقاء، وآنسته، وبلغت من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أول ما بصرت به ما ازداد به أنساً وثقة، إلى ما كان ركن إليه قبل ذلك؛ مما كان يأتيه من كتبي؛ فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال مني له والالتماس، لإلقاء سوء الظن عنه؛ لئلا يسبق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في أمره، وأمرني به في ذلك. وكان الله تبارك وتعالى هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمر فيه إلى أن ضمني وإياه مجلسه، وصرت إلى الأكل معه، فلما فرغنا من ذلك بدأني يسألني المصير إلى منزل كان ارتاده لي؛ فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها. ثم دفع إليه رجاء الخادم كتاب أمير المؤمنين وأبلغه رسالته، فعلم عند ذلك أنه قد حل به الأمر الذي جناه على نفسه، وكسبته يداه؛ من سخط أمير المؤمنين، وتغير رأيه بخلافه أمره وتعديه سيرته. ثم صرت إلى التوكيل به، ومضيت إلى المسجد الجامع، فبسطت آمال الناس ممن حضر، وافتتحت القول بما حملني أمير المؤمنين إليهم، وأعلمتهم إعظام أمير المؤمنين ما أتاه، ووضح عنده من سوء سيرة علي، وما أمرني به فيه وفي عماله وأعوانه؛ وإني بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصة والأخذ بحقوقهم أقصى غايتهم. وأمرت بقراءة عهدي عليهم، وأعلمتهم أن ذلك مثالي وإمامي؛ وأني به أقتدي وعليه أحتذي؛ فمتى زلت عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمت نفسي، وأحللت بها ما يحل بمن خالف رأي أمير المؤمنين وأمره؛ فأظهروا السرور بذلك والاستبشار، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء. ثم انكفأت إلى المجلس الذي كان علي بن عيسى فيه، فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتابه وعماله والاستيثاق منهم جميعاً، وأمرتهم بالخروج إلي من الأموال التي احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفيء المسلمين، وإعفائي بذلك من الإقدلم عليهم بالمكروه والضرب، وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم. فحملوا إلي إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدراً صالحاً من الورق والعين، وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قبلهم، واستنظاف ما وراء ظهورهم، ويسهل الله من ذلك أفضل ما لم يزل يعوده أمير المؤمنين من الصنع في مثله من الأمور التي تعنى بها إن شاء الله تعالى. ولم أدع عند قدومي مرو التقدم في توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة في الإعذار والإنذار، والتبصير والإرشاد، إلى رافع ومن قبله من أهل سمرقند، وإلى من ببلخ، على حسن ظني بهم في الإجابة، ولزوم الطاعة والاستقامة؛ ومهما تنصرف به رسلي إلى أمير المؤمنين من أخبار القوم في إجابتهم وامتناعهم، وأعمل على حسبه من أمرهم، وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقه وصدقه. وأرجو أن يعرف الله أمير المؤمنين في ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته؛ ما لم تزل عادته جاريةً به عنده، بمنه وطوله وقوته والسلام. الجواب من الرشيد" بسم الله الرحمن الرحيم " . أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك بقدومك مرو في اليوم الذي سميت، وعلى الحال التي وصفت وما فسرت، وما كنت قدمت من الحيل قبل ورودك إياها، وعملت به في أمر الكور التي سميت وتولية من وليت عليها قبل نفوذك عنها، ولطفت له من الأمر الذي استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن علي بن عيسى وولده وأهل بيته، ومن صار في يدك من عماله واحتذائك في ذلك كله ما كلن أمير المؤمنين مثل لك ووقفك عليه، وفهم أمير المؤمنين كل ما كتبت به، وحمد الله على ذلك كثيراً وعلى تسديده إياك وما أعانك به من توفيقه، حتى بلغت إرادة أمير المؤمنين، وأدركت طلبته، وأحسنت ما كان يحب بك وعلى يدك إحكامه، مما كان اشتد به اعتناؤه، ولج به اهتمامه، وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك، فلا أعدم الله أمير المؤمنين أحسن ما عرفه منك في كل ما أهاب بك إليه، واعتمد بك عليه. وأمير المؤمنين يأمرك أن تزداد جداً واجتهاداً فيما أمرك به من تتبع أموال الخائن علي بن عيسى وولده وكتابه وعماله ووكلائه وجهابذته والنظر فيما اختانوا به أمير المؤمنين في أمواله، وظلموا به الرعية في أموالهم، وتتبع ذلك واستخراجه من مظانه ومواضعه، التي صارت إليه، ومن أيدي أصحاب الودائع التي استودعوها إياهم؛ واستعمال اللين والشدة في ذلك كله؛ حتى تصير إلى استنظاف ما وراء ظهورهم؛ ولا تبقي من نفسك في ذلك بقية، وفي إنصاف الناس منهم في حقوقهم ومظالمهم؛ حتى لا تبقى لمتظلم منهم قبلهم ظلامة إلا استقضيت ذلك له، وحملته وإياهم على الحق والعدل فيها، فإذا بلغت أقصى غاية الإحكام والمبالغة في ذلك، فأشخص الخائن وولده وأهل بيته وكتابه وعماله إلى أمير المؤمنين في وثاق، وعلى الحال التي استحقوها من التغيير والتنكيل بما كسبت أيديهم؛ وما الله بظلام للعبيد. ثم اعمل بما أمرك به أمير المؤمنين من الشخوص إلى سمرقند، ومحاولة ما قبل خامل، ومن كان على رأيه ممن أظهر خلافاً وامتناعاً من أهل كور ما وراء النهر وطخارستان بالدعاء إلى الفيئة والمراجعة، وبسط أمانات أمير المؤمنين التي حملكها إليهم؛ فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أملك بهم، وفرقوا جموعهم، فهو ما يحب أمير المؤمنين أن يعاملهم به من العفو عنهم والإقالة لهم؛ إذ كانوا رعيته؛ وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذ أجابهم إلى طلبتهم، وآمن روعتهم، وكفاهم ولاية من كرهوا ولايته، وأمر بإنصافهم في حقوقهم وظلاماتهم - وإن خالفوا ما ظن أمير المؤمنين، فحاكمهم إلى الله إذ طغوا وبغوا، وكرهوا العافية وردوها؛ فإن أمير المؤمنين قد قضى ما عليه، فغير ونكل، وعزل واستبدل، وعفا عمن أحدث، وصفح عمن اجترم؛ وهو يشهد الله عليهم بعد ذلك فيإن آثروه، وعنودٍ إن أظهروه. وكفى بالله شهيداً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه يتوكل وإليه ينيب. والسلام. وكتب إسماعيل بن صبيح بين يدي أمير المؤمنين. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي، وكان والي مكة. ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كان الفداء بين المسلمين والروم على يدي ثابت بن ناصر بن مالك. ذكر الخبر عن مسير الرشيد إلى خراسان وفيها وافى الرشيد من الرقة في السفن مدينة السلام، يريد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع؛ وكان مصيره ببغداد يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر، واستخلف بالرقة ابنه القاسم، وضم إليه خزيمة بن خازم، ثم شخص من مدينة السلام عشية الإثنين، لخمس خلون من شعبان بعد صلاة العصر، من الخيزرانية، فبات في بستان أبي جعفر، ثم سار من غد إلى النهروان، فعسكر هنالك، ورد حماداً البربري إلى أعماله، واستخلف ابنه محمداً بمدينة السلام. وذكر عن ذي الرياستين أنه قال: قلت للمأمون لما أراد الرشيد الشخوص إلى خراسان لحرب رافع: لست تدري ما يحدث بالرشيد وهو خارج إلى خراسان، وهي ولايتك، ومحمد المقدم عليك! وإن أحسن ما يصنع بك أن يخلعك؛ وهو ابن زبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها، فاطلب إليه أن يشخصك معه. فسأله الإذن فأبى عليه، فقلت له: قل له : أنت عليل؛ وإنما أردت أن أخدمك، ولست أكلفك شيئاً. فأذن له وسار. فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد حين خرج إلى خراسان، فمضى معه إلى النهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال له: يا صباح، لا أحسبك تراني أبداً. قال: فقلت: بل يردك الله سالماً؛ قد فتح الله عليك، وأراك في عدوك أملك. قال: ؟؟؟؟؟ يا صباح، لا أحسبك تدري ما أجد! قلت: لا والله، قال: فتعال حتى أريك، قال: فانحرف عن الطريق قدر مائة ذراع، فاستظل بشجرة، فأومأ إلى خدمه الخاصة فتنحوا، ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي، فقلت: يا سيدي، عبدك الذليل تخاطبه مخاطبة الولد! قال: فكشف عن بطنه؛ فإذا عصابة حرير حوالي بطنه، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم؛ ولكل واحد من ولدي علي رقيب؛ فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين - وسمى الثالث فذهب عني اسمه - وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي، ويعد أيامي ويستطيل عمري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو بدابة، فيجيئونني ببرذون أعجف قطوف، ليزيد في علتي، فقلت: يا سيدي ما عندي في الكلام جواب؛ ولا في ولاة العهود؛ غير أني أقول: جعل الله من يشنؤك من الجن والإنس والقريب والبعيد فداك؛ وقدمهم إلى تلك قبلك، ولا أرانا فيك مكروهاً أبداً، وعمر بك الله الإسلام، ودعم ببقائك أركانه، وشد بك أرجاءه، وردك الله مظفراً مفلحاً، على أفضل أملك في عدوك، وما رجوت من ربك. قال: أما أنت فقد تخلصت من الفريقين. قال: ثم دعا ببرذون، فجاءوا به كما وصف، فنظر إلي فركبه، وقال انصرف غير مودع؛ فإن لك أشغالاً، فودعته وكان آخر العهد به. وفيها تحرك الخرمية بناحية أذربيجان، فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فارس، فأسر وسبى، ووافاه بقرماسين، فأمر بقتل الأسارى وبيع السبي. وفيها مات علي بن ظبيان القاضي بقصر اللصوص. وفيها قدم يحيى بن معاذ بأبي النداء على الرشيد وهو بالرقة فقتله. وفيها فارق عجيف بن عنبسة والأحوص بن مهاجر في عدة من أبناء الشيعة رافع بن ليث، وصاروا إلى هرثمة. وفيها قدم بابن عائشة وبعدة من أهل أحواف مصر. وفيها ولى ثابت بن نصر بن مالك الثغور وغزا، فافتتح مطمورة. وفيها كان الفداء بالبدندون. وفيها تحرك ثروان الحروري، وقتل عامل السلطان بطف البصرة. وفيها قدم بعلي بن عيسى بغداد، فحبس في داره. وفيها مات عيسى بن جعفر بطرارستان - وقيل بالدسكرة - وهو يريد اللحاق بالرشيد. وفيها قتل الرشيد الهيصم اليماني. وحج بالناس في هذه السنة العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحي فمن ذلك وفاة الفضل بن يحي بن خالد بن برمك في الحبس بالرقة في المحرم، وكان بدء علته - فيما ذكر - من ثقل أصابه في لسانه وشقه؛ وكان يقول: ما أحب أن يموت الرشيد، فيقال له: أما تحب أن يفرج الله عنك! فيقول: إن أمري قريب من أمره. ومكث يعالج أشهراً، ثم صلح، فجعل يتحدث، ثم اشتد عليه فعقد لسانه وطرفه، ووقع لمآبه، فمكث في تلك الحال يوم الخميس ويوم الجمعة، وتوفي مع أذان الغداة، قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر؛ وهو في خمس وأربعين سنة، وجزع الناس عليه، وصلى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم اخرج فصلى الناس على جنازته. وفيها مات سعيد الطبري المعروف بالجوهري. ذكر الخبر عن مقام الرشيد بطوس وفيها وافي هارون جرجان في صفر، فوافاه بها خزائن علي بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير، ثم رحل من جرجان - فيما ذكر - في صفر، وهو عليل، إلى طوس؛ فلم يزل بها إلى أن توفي - واتهم هرثمة، فوجه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مرو، ومعه عبد الله بن مالك ويحيى ين معاذ وأسد بن يزيد بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسندي بن الحرشي ونعيم بن حازم؛ وعلى كتابته ووزارته أيوب بن أبي سمير، ثم اشتد بهارون الوجع حتى ضعف عن السير. وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة، فتح فيها بخارى، وأسر أخا رافع بشير بن ليث، فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس؛ فذكر عن ابن جامع المروزي، عن أبيه، قال: كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع. قال: فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع، وعليه فرش بقدر ذلك - أو قال أكثر - وفي يده مرآة ينظر فيها إلى وجهه. قال: فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ونظر إلى أخي رافع، فقال: أما والله يابن اللخناء؛ إني لأرجو ألا يفوتني خامل - يريد رافعاً - كما لم تفتني. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كنت لك حرباً، وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله، أكن لك سلماً؛ ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذاً علم أنك قد مننت علي! فغضب وقال: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصاب، فقال: لا تشحذ مداك، اتركها على حالها، وفصل هذا الفاسق ابن الفاسق، وعجل؛ لا يحضرن أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه. ففصله حتى جعله أشلاء. فقال: عد أعضاءه، فعددت له أعضاءه، فإذا هي أربعة عشر عضواً، فرفع يديه إلى السماء، فقال: اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك، فبلغت فيه رضاك، فمكني من أخيه. ثم أغمي عليه، وتفرق من حضره. ذكر الخبر عن موت هارون الرشيد وفيها مات هارون الرشيد. ذكر الخبر عن سبب وفاته والموضع الذي توفي فيهذكر عن جبريل بن بختيشوع أنه قال: كنت مع الرشيد بالرقة، وكنت أول من يدخل عليه في كل غداة، فأتعرف حاله في ليلته؛ فإن كان أنكر شيئاً وصفه، ثم ينبسط فيحدثني بحديث جواريه وما عمل في مجلسه، ومقدار شربه، وساعات جلوسه، ثم يسألني عن أخبار العامة وأحوالها؛ فدخلت عليه في غداة يوم، فسلمت فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابساً مفكراً مهموماً، فوقفت بين يديه ملياً من النهار، وهو على تلك الحال؛ فلما طال ذلك أقدمت عليه، فقلت: يا سيدي، جعلني الله فداك! ما حالك هكذا، أعلة فأخبرني بها؛ فلعله يكون عندي دواؤها، أو حادثة في بعض من تحب فذاك ما لا يدفع ولا حيلة فيه إلا التسليم والغم، لا درك فيه، أو فتق ورد عليك في ملكك، فلم تخل الملوك منذلك؛ وأنا أولى من أفضيت إليه بالخبر، وتروحت إليه بالمشورة. فقال: ويحك يا جبريل! ليس غمي وكربي لشيء مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتها في ليلتي هذه، وقد أفزعتني وملأت صدري، وأقرحت قلبي، قلت: فرجت عني يا أمير المؤمنين؛ فدنوت منه، فقبلت رجله، وقلت: أهذا الغم كله لرؤيا! الرؤيا إنما تكون من مخاطر أو بخارات رديئة أو من تهاويل السوداء؛ وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله. قال: فأقصها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذا؛ إذ من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها، لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكهف تربة حمراء، فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تدفن فيها، فقلت: وأين هذه التربة؟ قال: بطوس. وغابت اليد وانقطع الكلام، وانتهت. فقلت: يا سيدي، هذه والله رؤيا بعيدة ملتبسة، أحسبك أخذت مضجعك، ففكرت في خراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتفاض بعضها. قال: قد كان ذاك، قال: قلت: فلذلك الفكر خالطك في منامك ما خالطك، فولد هذه الرؤيا، فلا تحفل بها جعلني الله فداك! وأتبع هذا الغم سروراً، يخرجه من قلبك لا يولد علة. قال: فما برحت أطيب نفسه بضروب من الحيل، حتى سلا وانبسط، وأمر بإعداد ما يشتهيه، ويزيد في ذلك اليوم في لهوه. ومرت الأيام فنسي، ونسينا تلك الرؤيا، فما خطرت لأحد منا ببال، ثم قدر مسيره إلى خراسان حين خرج رافع، فلما صار في بعض الطريق، ابتدأت به العلة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طوس، فنزلنا في منزل الجنيد بن عبد الرحمن في ضيعة له تعرف بسناباذ، فبينا هو يمرض في بستان له في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملاً يقوم ويسقط؛ فاجتمعنا إليه؛ كل يقول: يا سيدي ما حالك؟ وما دهاك؟ فقال: يا جبريل، تذكر بالرقة في طوس؟ ثم رفع رأسه إلى مسرور، فقال: جئني من تربة هذا البستان، فمضى مسرور، فأتى بالتربة في كفه حاسراً عن ذراعه، فلما نظر إليه قال: هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي، وهذه والله الكف بعينها، وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئاً؛ وأقبل على البكاء والنحيب. ثم مات بها والله بعد ثلاثة ودفن في ذلك البستان. وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به، كان سبب منيته؛ فكان الرشبد هم ليلة مات بقتله، وأن يفصله كما فصل أخا رافع، ودعا بجبريل ليفعل ذلك به، فقال له جبريل: أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين، فإنك ستصبح في عافية. فمات في ذلك اليوم. وذكر الحسن بن علي الربعي أن أباه حدثه عن أبيه - وكان جمالاً معه مائة جمل، قال: هو حمل الرشيد إلى طوس - قال: قال الرشيد احفروا لي قبراً قبل أن أموت، فحفروا له، قال: فحملته في قبة أقود به؛ حتى نظر إليه. قال، فقال: يابن آدم تصير إلى هذا! وذكر بعضهم أنه لما اشتدت به العلة أمر بقبره فحفر في موضع الدار التي كان فيها نازلاً، بموضع يسمى المثقب، في دار حميد بن أبي غانم الطائي، فلما فرغ من حفر القبر، أنزل فيه قوماً فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفة على شفير القبر. وذكر محمد بن زياد بن محمد بن حاتم بن عبد الله بن أبي بكرة، أن سهل بن صاعد حدثه، قال: كنت عند الرشيد في بيته الذي قبض فيه، وهو يجود بنفسه، فدعا بملحفة غليظة فاحتبى بها، وجعل يقاسي ما يقاسي؛ فنهضت فقال لي: اقعد يا سهل، فقعدت وطال جلوسي لا يكلمني ولا أكلمه، والملحفة تنحل فيعيد الاحتباء بها، فلما طال ذلك نهضت، فقال لي: إلى أين يا سهل؟ قلت يا أمير المؤمنين ما يسع قلبي أن أرى أمير المؤمنين يعاني من العلة ما يعاني؛ فلو اضطجعت يا أمير المؤمنين كان أروح لك، ثم قال: يا سهل إني أذكر في هذه الحال قول الشاعر: وإني من قوم كرام يزيدهم ... شماساً وصبراً شدة الحدثان وذكر عن مسرور الكبير، قال: لما حضرت الرشيد الوفاة، وأحس بالموت أمرني أن أنشر الوشي فآتيه بأجود ثوب أقدر عليه وأغلاه قيمة، فلم أجد ذلك في ثوب واحد، ووجدت ثوبين أغلى شيء قيمة، وجدتهما متقاربين في أثمانهما، إلا أن أحدهما أغلى من الآخر شيئاً، وأحدهما أحمر والآخر أخضر، فجئته بهما، فنظر إليهما وخبرته قيمتهما، فقال: اجعل أحسنهما كفني، ورد الآخر إلى موضعه. وتوفي - فيما ذكر - في موضع يدعى المثقب، في دار حميد بن أبي غانم، نصف الليل؛ ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة من هذه السنة، وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح، ومن خدمه مسرور وحسين ورشيد. وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً. أولها ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وآخرها ليلة السبت لثلاث ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقال هشام بن محمد: استخلف أبو جعفر الرشيد هارون بن محمد ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وهو يومئذ ابن اثنتين وعشرين سنة، وتوفي ليلة الأحد غرة جمادى الأولى وهو ابن خمس وأربعين سنة سنة ثلاث وتسعين ومائة، فملك ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً وستة عشر يوماً. وقيل: كان سنه يوم توفي سبعاً وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، أولها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، وآخرها يومان مضيا من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكان جميلاً وسيماً أبيض جعداً، وقد وخطه الشيب. ذكر ولاة الأمصار في أيام هارون الرشيد ولاة المدينة: إسحاق بن عيسى بن علي، عبد الملك بن صالح بن علي، محمد بن عبد الله، موسى بن عيسى بن موسى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، علي بن عيسى بن موسى، محمد بن إبراهيم، عبد الله بن مصعب الزبيري، بكار بن عبد الله بن مصعب، أبو البختري وهب بن وهب. ولاة مكة: العباس بن محمد بن إبراهيم، سليمان بن جعفر بن سليمان، موسى بن عيسى بن موسى، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عبد الله بن قثم بن العباس؛ محمد بن إبراهيم، عبيد الله بن قثم، عبد الله بن محمد بن عمران، عبد الله بن محمد بن إبراهيم، العباس بن موسى بن عيسى، علي بن موسى بن عيسى،محمد بن عبد الله العثماني، حماد البربري، سليمان بن جعفر بن سليمان، أحمد بن إسماعيل بن علي، الفضل بن العباس بن محمد. ولاة الكوفة: موسى بن عيسى، يعقوب بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، إسحاق بن الصباح الكندي، جعفر بن جعفر بن أبي جعفر، موسى بن عيسى بن موسى، العباس بن عيسى بن موسى، موسى بن عيسى بن موسى. ولاة البصرة: محمد بن سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، خزيمة بن خازم، عيسى بن جعفر، جرير بن يزيد؛ جعفر بن سليمان، جعفر بن أبي جعفر، عبد الصمد بن علي، مالك بن علي الخزاعي، إسحاق بن سليمان بن علي، سليمان بن أبي جعفر، عيسى بن جعفر، الحسن بن جميل مولى أمير المؤمنين؛ إسحاق بن عيسى بن علي. ولاة خراسان: أبو العباس الطوسي، جعفر بن محمد بن الأشعث، العباس بن جعفر، الغطريف بن عطاء، سليمان بن راشد على الخراج، حمزة ابن مالك، الفضل بن يحيى، منصور بن يزيد بن منصور، جعفر بن يحيى خليفته بها، علي بن الحسن بن قحطبة، علي بن عيسى بن ماهان، هرثمة بن أعين. ذكر بعض سير الرشيدذكر العباس بن محمد عن أبيه، عن العباس، قال: كان الرشيد يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا؛ إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة، وكان يقتفي آثار المنصور، ويطلب العمل بها إلا في بذل المال؛ فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، ثم المأمون من بعده. وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك في أول ما يجب ثوابه. وكان يحب الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه ، ويكره المراء في الدين، ويقول : هو شيء لانتيجة له، وبالحري ألا يكون فيه ثواب، وكان يحب؛ ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن الغالي. وذكر ابن أبي حفصة أن مروان بن أبي حفصة دخل عليه في سنة إحدى وثمانين ومائة يوم الأحد لثلاث خلون من شهر رمضان، فأنشده شعره الذي يقول فيه: وسدت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر وما انفك معقوداً بنصر لواؤه ... له عسكر عنه تشظى العساكر وكل ملوك الروم أعطاه جزية ... على الرغم قسراً عن يد وهو صاغر لقد ترك الصفصاف هارون صفصفا ... كأن لم يدمنه من الناس حاضر أناخ على الصفصاف حتى استباحه ... فكابره فيها ألج مكابر إلى وجهه تسمو العيون وما سمت ... إلى مثل هارون العيون النواظر ترى حوله الأملاك من آل هاشم ... كما حفت البدر النجوم الزواهر يسوق يديه من قريش كرامها ... وكلتاهما بحر على الناس زاخر إذا فقد الناس الغمام تتابعت ... عليهم بكفيك الغيوم المواطر على ثقة ألقت إليك أمورها ... قريش، كما ألقى عصاه المسافر أمور بميراث النبي وليتها ... فأنت لها بالحزم طاوٍ وناشر إليكم تناهت فاستقرت وإنما ... إلى أهله صارت بهن المصاير خلفت لنا المهدي في العدل والندى ... فلا العرف منزور ولا الحكم جائر وأبناء عباس نجوم مضيئة ... إذا غاب نجم لاح آخر زاهر علي بني ساقي الحجيج تتابعت ... أوائل من معروفكم وأواخر فأصبحت قد أيقنت أن لست بالغاً ... مدى شكر نعماكم وإني لشاكر وما الناس إلا وارد لحياضكم ... وذو نهل بالري عنهن صادر حصون بني العباس في كل مأزق ... صدور العوالي والسيوف البواتر فطوراً يهزون القواطع والقنا ... وطوراً بأيديهم تهز المخاصر بأيدي عظام النفع والضر لا تني ... بهم للعطايا والمنايا بوادر ليهنكم الملك الذي أصبحت بكم ... أسرته مختالةً والمنابر أبوك ولي المصطفى دون هاشمٍ ... وإن رغمت من حاسديك المناخر فأعطاه خمسة آلاف دينار، فقبضها بين يديه وكساه خلعته، وأمر له بعشرة من رقيق الروم، وحمله على برذون من خاص مراكبه. وذكر أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدني، وكان مضاحكاً له محادثاً فكيهاً، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته؛ وكان ممن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجان، فبلغ من خاصته بالرشيد أن بوأه منزلاً في قصره، وخلطه بحرمه وبطانته ومواليه وغلمانه؛ فجاء ذات ليلةوهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائماً، فكشف اللحاف عن ظهره، ثم قال له: كيف أصبحت؟ قال: يا هذا ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ويلك! قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي. فمضى وتركه نائماً، وتأهب الرشيد للصلاة، فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام فألقى عليه ثيابه، ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، فانتهى إليه وهو يقرأ: " ومالي لا أعبد الذي فطرني " فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله! فما تمالك الرشيد أن ضحك في صلاته، ثم التفت إليه وهو كالمغضب، فقال: يابن أبي مريم، في الصلاة أيضاً! قال: يا هذا وما صنعت؟ قال: قطعت علي صلاتي، قال: والله ما فعلت؛ إنما سمعت منك كلاماً غمني حين قلت: " ومالي لا أعبد الذي فطرني " فقلت: لا أدري والله! فعاد فضحك، وقال: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما. وذكر بعض خدم الرشيد أن العباس بن محمد أهدى غاليةً إلى الرشيد، فدخل عليه وقد حملها معه، فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! قد جئتك بغالية ليس لأحد مثلها، أما مسكها فمن سرر الكلاب التبتية العتيقة، وأما عنبرها فمن عنبر بحر عدن، وأما بانها فمن فلان المدني المعروف بجودة عمله، وأما مركبها فإنسان بالبصرة عالم بتأليفها، حاذق بتركيبها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يمن علي بقبولها فعل، فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه: يا خاقان، أدخل هذه الغالية؛ فأدخلها خاقان، فإذا هي في برنية عظيمة من فضة، وفيها ملعقة، فكشف عنها وابن أبي مريم حاضر، فقال: يا أمير المؤمنين، هبها لي، قال: خذها إليك. فاغتاظ العباس، وطار أسفاً، وقال: ويلك! عمدت إلى شيء منعته نفسي، وآثرت به سيدي فأخذته! فقال: أمه فاعلة إن دهن بها إلا استه! قال: فضحك الرشيد ثم وثب ابن أبي مريم، فألقى طرف قميصه على رأسه، وأدخل يده في البرنية، فجعل يخرج منها ما حملت يده، فيضعه في استه مرة وفي أرفاغه ومغابنه أخرى، ثم سود بها وجهه وأطرافه، حتى أتى على جميع جوارحه وقال لخاقان: أدخل إلي غلامي، فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك، ادع غلامه، فدعاه، فقال له: اذهب بهذه الباقية، إلى فلانة، امرأته، فقل لها: ادهني بهذا حرك إلى أن أنصرف فأنيكك. فأخذها الغلام ومضى، والرشيد يضحك، فذهب به الضحك. ثم أقبل على العباس فقال: والله أنت شيخ أحمق، تجيء إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية! أما تعلم أن كل شيء تمطر السماء وكل شيء تخرج الأرض له، وكل شيء هو في الدنيا فملك يده، وتحت خاتمه وفي قبضته! وأعجب من هذا أنه قيل لملك الموت: انظر كل شيء يقول لك هذا فأنفذه، فمثل هذا تمدح عنده الغالية، ويخطب في ذكرها، كأنه بقال أو عطار أو تمار! قال: فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نفسه، ووصل ابن أبي مريم في ذلك اليوم بمائة ألف درهم. وذكر عن زيد بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: أراد الرشيد أن يشرب الدواء يوماً، فقال له ابن أبي مريم: هل لك أن تجعلني حاجبك غداً عند أخذك الدواء؛ وكل شيء أكسبه فهو بيني وبينك؟ قال: أفعل، فبعث إلى الحاجب: الزم غداً منزلك؛ فإني قد وليت ابن أبي مريم الحجابة. وبكر ابن أبي مريم، فوضع له الكرسي، وأخذ الرشيد دواءه، وبلغ الخبر بطانته، فجاء رسول أم جعفر يسأل عن أمير المؤمنين وعن دوائه، فأوصله إليه، وتعرف حاله وانصرف بالجواب، وقال للرسول: أعلم السيدة ما فعلت في الإذن لك قبل الناس؛ فأعلمها، فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد، ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل، ففعل كذلك، فبعث إليه كل واحد من البرامكة بصلة جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فرده ولم يأذن له، وجاءت رسل القواد والعظماء؛ فما أحد سهل إذنه إلا بعث إليه بصلة جزيلة؛ فما صار العصر حتى صار إليه ستون ألف دينار، فلما خرج الرشيد من العلة، ونقي بدنه من الدواء دعاه، فقال له: ما صنعت في يومك هذا؟ قال: يا سيدي، كسبت ستين ألف دينار، فاستكثرها وقال: وأين حاصلي؟ قال: معزول، قال: قد سوغناك حاصلنا؛ فأهد إلينا عشرة آلاف تفاحة، ففعل، فكان أربح من تاجره الرشيد. وذكر عن إسماعيل بن صبيح، قال: دخلت على الرشيد، فإذا جارية على رأسه، وفي يدها صحيفة وملعقة في يدها الأخرى، وهي نلعقه أولاً فأولاً، قال: فنظرت إلى شيء أبيض رقيق فلم أدر ما هو! قال: وعلم أني أحب أن أعرفه، فقال: يا إسماعيل بن صبيح، قلت: لبيك يا سيدي، قال: تدري ما هذا؟ قلت: لا، قال: هذا حشيش الأرز والحنطة وماء نخالة السميد؛ وهو نافع لأطراف المعوجة وتشنيج الأعصاب ويصفى البشرة، ويذهب بالكلف، ويسمن البدن، ويجلو الأوساخ. قال: فلم تكن لي همة حين انصرفت إلا أن دعوت الطباخ؛ فقلت: بكر على كل غداة بالحشيش، قال: وما هو؟ فوصفت له الصفة التي سمعتها. قال: تضجر من هذا في اليوم الثالث، فعماه في اليوم الأول فاستطبته، وعمله في اليوم الثاني فصار دونه، وجاء به في اليوم الثالث، فقلت: لا تقدمه. وذكرت أن الرشيد اعتل علة، فعالجه الأطباء،فلم يجد من علته إفاقة، فقال له أبو العجمي : بالهند طبيب يقال له منكة؛ رأيتهم يقدمونه على كل من بالهند؛ وهو أحد عبادهم وفلاسفتهم ،فلو بعث إليه أمير المؤمنين لعل الله أن يبعث له الشفاء على يده! قال: فوجه الرشيد من حمله، ووجه إليه بصلة تعينه على سفره. قال: فقدم فعالج الرشيد فبرىء من علته بعلاجه، فأجرى له رزقاً واسعاً وأموالاً كافية، فبينما منكه ماراً بالخلد؛ إذا هو برجلمن المانيين قد بسط كساءه، وألقي عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء عنده معجوناً، فقال في صفته: هذا دواء للحمى الدائمة وحمى الغب وحمى الربع، والمثلثة؛ ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح، ولوجع المفاصل ووجع العينين، ولوجع البطن والصداع والشقيقة ولتقطير البول والفالج والارتعاش؛ فلم يدع علة في البدن إلا ذكر أن الدواء شفاء منها، فقال منكه لترجمانه: ما يقول هذا؟ فترجم له ما سمع، فتبسم منكه، وقال: على كل حال ملك العرب جاهل؛ وذاك أنه كان الأمر على ما قال هذا،فلم حملني من بلادي، وقطعني عن أهلي، وتكلف الغيظ من مؤنتي، وهو يجد هذا نصب عينيه وبإزائه! وإن كان الأمر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله! فإن الشريعة قد أباحت دمه ودم من أشبهه؛ لأنه إن قتل، فإنما هي نفس يحيا بقتلها خلق كثير ؛ وإن ترك هذا الجاهل قتل في كل يوم نفساً،وبالحري أن يقتل اثنين وثلاثاً وأربعاً ففي كل يوم؛ وهذا فساد في التدبير، ووهن في المملكة. وذكر أن يحي بن خالد بن برمك ولى رجلأ بعض أعمال الخراج بالسواد، فدخل إلى الرشيد يودعه؛ وعنده يحي وجعفر بن يحي، فقال الرشيد ليحي وجعفر: أوصياه، فقال له يحي: وفر واعمر، وقال له جعفر: أنصف وانتصف، فقال الرشيد: اعدل وأحسن. وذكر عن الرشيد أنه غضب على يزيد بن مزيد الشيباني، ثم رضى عنه، ةأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ الحمد لله الذي سهل لنا سبيل الكرامة، وحل لنا النعمة بوجه لقائك، وكشف عنا صبابة الكرب بإفضالك، فجزاك الله في حال سخطك رضا المنيبين، وفي حال جزاء المنعمين الممتنين المتطولين؛ فقد جعلك الله وله الحمد، تتثبت تحرجاً عند الغضب، وتتطول ممتناً بالنعم، وتعفو عن المسيء تفضلاً بالعفو. وذكر مصعب بن عبد الله بن مصعب أخبره أن الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، طعن عليه ناس؛ وكان معه ناس؛ فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه؛ فهم أنواع الشيع، وأهل البدع، وأنواع الخوارج؛ وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة إلى اليوم. فقال لي: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا. قال مصعب: وقال أبي - وسألني عن منزلة أبي بكر وعمر كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلت له: كانت منزلتهما في حياته منه منزلتهما في مماته، فقال: كيفتني ما أحتاج إليه. قال: وولى سلام، أو رشيد الخادم - بعض خدام الخاصة - ضياع الرشيد بالثغور والشأمات، فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوفيره وحمد الناس له، كفيتني ما أحتاج إليه. قال: وولى سلام، أو رشيد الخادم - بعض خدام الخاصة - ضياع الرشيد بالثغور والشأمات، فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوفيره وحمد الناس له، فأمر الرشيد بتقديمه والإحسان إليه، وضم ما أحب أن يضم إليه من ضياع الجزيرة ومصر. قال: فقدم فدخل عليه وهو يأكل سفرجلاً قد أتى به من بلخ؛ وهو يقشره ويأكل منه، فقال له: يا فلان، ما أحسن ما انتهى إلى مولاك عنك، ولك عنده ما تحب، وقد أمرت لك بكذا وكذا، ووليتك كذا وكذا، فسل حاجتك، قال: فتكلم وذكر حسن سيرته، وقال: أنسيتم والله يا أمير المؤمنين سيرة العمرين. قال: فغضب واستشاط، وأخذ سفرجلة فرماه بها، وقال: يابن اللخناء، العمرين، العمرين، العمرين! هبنا احتملناها لعمر بن عبد العزيز، نحتملها لعمر ابن الخطاب! وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حدثه، عن الضحاك بن عبد الله، وأثنى عليه خيراً؛ قال: أخبرني بعض ولد عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال الرشيد: والله ما أدري ما آمر في هذا العمري! أكره أن أقدم عليه وله خلف أكرههم؛ وإني لأحب أن أعرف طريقه ومذهبه، وما أثق بأحد أبعثه إليه، فقال عمر بن بزيع والفضل بن الربيع: فنحن يا أمير المؤمنين، قال: فأنتما، فخرجا من العرج إلى موضع من البادية يقال له خلص، وأخذا معهما أدلاء من أهل العرج؛ حتى إذا وردا عليه في منزله أتياه مع الضحى؛ فإذا هو في المسجد، فأناخا راحلتيهما ومن كان من أصحابهما، ثم أتياه على زي الملوك من الريح والثياب والطيب؛ فجلسا إليه وهو في مسجد له، فقالا له: يا أبا عبد الرحمن، نحن رسل من خلفنا من أهل المشرق، يقولون لك: اتق الله ربك؛ فإذا شئت فقم. فأقبل عليهما، وقال: ويحكما! فيمن ولمن! قالا: أنت، فقال: والله ما أحب أني لقيت الله بمحجمة دم امرئ مسلم، وأن لي ما طلعت عليه الشمس؛ فلما أيسا منه قالا: فإن معنا شيئاً تستعين به على دهرك، قال: لا حاجة لي فيه، أنا عنه غني، فقالا له: إنها عشرون ألف دينار، قال: لا حاجة لي فيها، قالا: فأعطها من شئت، قال: أنتما، فأعطياها من رأيتما، ما أنا بخادم ولا عون. قال: فلما يئسا منه ركبا راحلتيهما حتى أصبحا مع الخليفة بالسقيا في المنزل الثاني، فوجدا الخليفة ينتظرهما؛ فلما دخلا عليه حدثاه بما كان بينهما وبينه، فقال: ما أبالي ما أصنع بعد هذا. فحج عبد الله في تلك السنة، فبينا هو واقف على بعض أولئك الياعة يشتري لصبيانه؛ إذا هارون يسعى بين الصفا والمروة على دابة، إذ عرض له عبد الله وترك ما يريد، فأتاه حتى أخذ بلجام دابته، فأهوت إليه الأجناد والأحراس، فكفهم عنه هارون فكلمه. قال: فرأيت دموع هارون؛ وإنها لتسيل على معرفة دابته، ثم انصرف. وذكر محمد بن أحمد مولى بني سليم قال: حدثني الليث بن عبد العزيز الجوزجاني - وكان مجاوراً بمكة أربعين سنة - أن بعض الحجبة حدثه أن الرشيد لما حج دخل الكعبة، وقال على أصابعه، وقال: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، فإن لكل مسألة منك رداً حاضراً، وجواباً عتيداً، ولكل صامت منك علم محيط ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة؛ ورحمتك الواسعة. صل على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا. يا من لا تضره الذنوب، ولا تخفى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا. يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء بالسماء، واختار لنفسه الأسماء، صل على محمد، وخر لي في جميع أمري. يا من خشعت له الأصوات بألوان اللغات يسألونك الحاجات؛ إن حاجتي إليك أن تغفر لي إذا توفيتني، وصرت في لحدي، وتفرق عني أهلي وولدي. اللهم لك الحمد حمداً يفضل على كل حمد كفضلك على جميع الخلق. اللهم صل على محمد صلاة تكون له رضاً، وصل على محمد صلاة تكون له حرزاً، واجزه عنا خير الجزاء في الآخرة والأولى. اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين ولا تجعلنا أشقياء محرومين! وذكر علي بن محمد عن عبد الله، قال: أخبرني القاسم بن يحيى، قال: بعث الرشيد إلى أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن علي الحير، فأتى بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد، وقال: ما لك؟ قال: بعث إلي هذا الرجل - يعني الرشيد - فأحضرني، ولست آمنة على نفسي، قال له: فإذا دخلت عليه فسألك، فقل له: الحسن بن راشد وضعني في ذلك الموضع. فلما دخل عليه قال هذا القول، قال: ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن! أحضروه، قال: فلما حضر قال: ما حملك على أن صيرت هذا الرجل في الحير؟ قال: رحم الله من صيره في الحير، أمرتني أم موسى أن أصيره فيه، وأن أجري عليه كل شهر ثلاثين درهماً فقال: ردوه إلى الحير، وأجروا عليه ما أجرته أم موسى - وأم موسى هي أم المهدي ابنة يزيد بن منصور. وذكر علي بن محمد أن أباه حدثه قال: دخلت على الرشيد في دار عون العبادي فإذا هو في هيئة الصيف، وفي بيت مكشوف؛ وليس فيه فرش على مقعد عند باب في الشق الأيمن من البيت، وعليه غلالة رقيقة، وإزار رشيدي عريض الأعلام، شديد التضريج؛ وكان لا يخيش البيت الذي هو فيه؛ لأنه كان يؤذيه؛ ولكنه كان يدخل عليه برد الخيش؛ ولا يجلس فيه. وكان أول من اتخذ في بيت مقيله في الصيف سقفاً دون سقف؛ وذلك أنه لما بلغه أن الأكاسرة كانوا يطينون ظهور بيوتهم في كل يوم من خارج ليكف عنهم حر الشمس؛ فاتخذ هو سقفاً يلي سقف البيت الذي يقيل فيه. وقال علي عن أبيه: خبرت أنه كان في كل يوم القيظ تغار من فضة يعمل فيه العطار الطيب والزعفران والأفاوية وماء الورد، ثم يدخل إلى بيت مقيله، ويدخل معه سبع غلائل قصب رشيدية تقطيع النساء، ثم تغمس الغلال في ذلك الطيب، ويؤتى في كل يوم بسبع جوار، فتخلع عن كل جارية ثيابها عليها غلالة، وتجلس على كرسي مثقب، وترسل الغلالة على الكرسي فتجلله، ثم تبخر من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر أمداً حتى يجف القميص عليها، يفعل ذلك بهن، ويكون ذلك في بيت مقبله، فيعبق ذلك البيت بالبخور والطيب. وذكر علي بن حمزة أن عبد الله بن عباس بن الحسن بن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قال: قال لي العباس بن الحسن: قال لي الرشيد: أراك تكثر من ذكر ينبع وصفتها، فصفها لي وأوجز، قال: قلت: بكلام أو بشعر؟ قال: بكلام وشعر، قال: قلت: جدتها في أصل عذقها، وعذقها مسرح شأنها، قال: فتبسم، فقلت له: يا وادي القصر نعم القصر والوادي ... من منزل حاضر إن شئت أو بادي ترى قراقيره والعيس واقفةً ... والضب والنون والملاح والحادي وذكر محمد بن هارون، عن أبيه، قال: حضرت الرشيد، وقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، قد أحضرت ابن السماك كما أمرتني، قال: أدخله، فدخل، فقال له: عظني، قال: يا أمير المؤمنين، اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غداً بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما؛ جنة أو نار. قال: فبكى هارون حتى اخضلت لحيته، فأقبل الفضل على ابن السماك، فقال: سبحان الله! وهل يتخالج أحد شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله! لقيامه بحق الله وعدله في عباده، وفضله! قال: فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله، ولم يلتفت إليه، وأقبل على أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتق الله وانظر لنفسك. قال: فبكى هارون حتى أشفقنا عليه. وأفحم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرف حتى خرجنا. قال: ودخل ابن السماك على الرشيد يوماً؛ فبينا هو عنده إذ استسقى ماء، فأتى بقلة ماء؛ فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها، قال ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين؛ بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو منعت هذه الشربة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله؛ فلما شربها، قال له: أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو منعت خروجها من بدنك، فبماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي؛ قال ابن السماك: إن ملكاً قيمته شربة ماء، لجدير ألا ينافس فيه. فبكى هارون؛ فأشار الفضل بن الربيع إلى السماك بالانصراف فانصرف. قال: ووعظ الرشيد عبد الله بن عبد العزيز العمري، فتلقى قوله بنعم يا عم، فلما ولى لينصرف؛ بعث إليه بألفي دينار في كيس مع الأمين والمأمون فاعترضاه بها، وقالا: يا عم؛ يقول لك أمير المؤمنين: خذها وانتفع بها أو فرقها، فقال: هو أعلم بمن يفرقها عليه، ثم اخذ من الكيس ديناراً، وقال: كرهت أن اجمع سوء القول وسوء الفعل. وشخص إليه إلى بغداد بعد ذلك، فكره الرشيد مصيره إلى بغداد، وجمع العمريين، فقال: مالي ولابن عمتكم! احتملته بالحجاز، فشخص إلى دار مملكتي؛ يريد أن يفسد علي أوليائي! ردوه عني، فقالوا: لا يقبل منا؛ فكتب إلى موسى بن عيسى أن يرفق به حتى يرده، فدعا له عيسى ببني عشر سنين، قد حفظ الخطب والمواعظ، فكلمه كلاماً كثيراً، ووعظه بما لم يسمع العمري بمثله، ونهاه عن التعرض لأمير المؤمنين. فأخذ نعله، وقام وهو يقول: " فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير " . وذكر بعضهم أنه كان مع الرشيد بالرقة بعد أن شخص من بغداد، فخرج يوماً مع الرشيد إلى الصيد، فعرض له رجل من النساك، فقال: يا هارون، اتق الله، فقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف، فلما رجع دعا بغدائه، ثم أمر أن يطعم الرجل من خاص طعامه، فلما أكل وشرب دعا به، فقال: يا هذا، أنصفني في المخاطبة والمسألة، قال: ذاك أقل ما يجب لك، قال: فأخبرني: أنا شر وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون، قال: " أنا ربكم الأعلى " وقال: " ما علمت لكم من إله غيري " ، قال: صدقت؛ فأخبرني فمن خير؟ أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيه، اصطنعه لنفسه، وأتمنه على وحيه، وكلمه من بين خلقه، قال: صدقت؛ أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما: " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى " ، ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يكنياه؛ وهذا وهو في عتوه وجبريته؛ على ما قد علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم، أؤدي أكثر فرائض الله علي، ولا أعبد أحداً سواه، أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه؛ فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأشنعها وأخشن الكلام وأفظعه؛ فلا بأدب الله تأدبت، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان يؤمنك أن أسطو بك! فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنياً. قال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين؛ وأنا أستغفرك؛ قال: قد غفر لك الله؛ وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها، وقال: لا حاجة لي في المال؛ أنا رجل سائح. فقال هرثمة - وخزره: أترد على أمير المؤمنين يا جاهل صلته! فقال الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك هذا المال لحاجتك إليه؛ ولكن من عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحد ليس من أوليائه ولا أعدائه إلا وصله ومنحه؛ فاقبل من صلتنا ما شئت؛ وضعها حيث أحببت. فأخذ من المال ألفي درهم، وفرقها على الحجاب ومن حضر الباب. ذكر من كان عند الرشيد من النساء المهائرقيل: إنه تزوج زبيدة؛ وهي أم جعفر بنت جعفر بن المنصور، وأعرس بها في سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي ببغداد، في دار محمد بن سليمان - التي صارت بعد للعباسة، ثم صارت للمعتصم بالله - فولدت له محمداً الأمين، وماتت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين. وتزوج أمة العزيز أم ولد موسى، فولدت له علي بن الرشيد. وتزوج أم محمد ابنة صالح المسكين، وأعرس بها بالرقة في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة، وأمها أم عبد الله ابنة عيسى بن علي صاحبة دار أم عبد الله بالكرخ التي فيها أصحاب الدبس؛ كانت أملكت من إبراهيم بن المهدي، ثم خلعت منه فتزوجها الرشيد. وتزوج العباسة ابنة سليمان بن أبي جعفر، وأعرس بها في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة، حملت هي وأم محمد ابنة صالح إليه. وتزوج عزيزة ابنة الغطريف؛ وكانت قبله عند سليمان بن أبي جعفر، فطلقها، فخلف عليها الرشيد، وهي ابنة أخي الخيزران. وتزوج الجرشية العثمانية، وهي ابنة عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وسميت الجرشية لأنها ولدت بجرش باليمن، وجدة أبيها فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وعم أبيها عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. ومات الرشيد عن أربع مهائر: أم جعفر، وأم محمد ابنة صالح، وعباسة ابنة سليمان، والعثمانية. ذكر ولد الرشيدوولد للرشيد من الرجال: محمد الأكبر وأمه زبيدة، وعبد الله المأمون وأمه أم ولد يقال لها مراجل، والقاسم المؤتمن وأمه أم ولد يقال لها قصف، ومحمد أبو إسحاق المعتصم وأمه أم ولد يقال لها ماردة، وعلي وأمه أمة العزيز، وصالح وأمه أم ولد يقال لها رثم، ومحمد أبو عيسى وأمه أم ولد يقال لها عرابة، ومحمد أبو يعقوب وأمه أم ولد يقال لها خبث ومحمد أبو سليمان وأمه أم ولد يقال لها رواح، ومحمد أبو علي وأمه أم ولد يقال لها دواج، ومحمد أبو أحد وأمه أم ولد يقال لها كتمان. ومن النساء: سكينة وأمها قصف وهي أخت القاسم، وأم حبيب وأمها ماردة وهي أخت أبي إسحاق المعتصم، وأروى أمها حلوب، وأم الحسن وأمها عرابة، وأم محمد وهي حمدونة، وفاطمة وأمها غصص واسمها مصفى، وأم أبيها وأمها سكر، وأم سلمة وأمها رحيق، وخديجة وأمها شجر، وهي أخت كريب، وأم القاسم وأمها خزق، ورملة أم جعفر وأمها حلى، وأم علي وأمها أنيق، وأم الغالية أمها سمندل، وريطة وأمها زينة. بقية ذكر بعض سير الرشيدذكر يعقوب بن إسحاق الأصفهاني، قال: قال المفضل بن محمد الضبي: وجه الرشيد؛ فما علمت إلا وقد جاءتني الرسل ليلاً، فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فخرجت حتى صرت إليه؛ وذلك في يوم خميس؛ وإذا هو متكئ ومحمد بن زبيدة عن يساره، والمأمون عن يمينه؛ فسلمت، فأومأ إلي فجلست، فقال لي: يا مفضل، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: كم إسماً في: " فسيكفيكهم " ؟ قلت: ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قلت: الكاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والهاء والميم، وهي للكفار، والياء وهي لله عز وجل. قال: صدقت؛ هكذا أفادنا هذا الشيخ - يعني الكسائي - ثم التفت إلى محمد، فقال له: أفهمت يا محمد؟ قال: نعم، قال: أعد علي المسألة كما قال المفضل، فأعادها، ثم التفت إلي فقال: يا مفضل، عندك مسألة تسألنا عنها بحضرة هذا الشيخ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال وما هي؟ قلت: قول الفرزدق: أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع قال: هيهات أفادناها متقدماً قبلك هذا الشيخ؛ لنا قمراها، يعني الشمس والقمر كما قالوا سنة العمرين: سنة أبي بكر وعمر، قال: قلت: فأزيد في السؤال؟ قال: زد، قلت: فلم استحسنوا هذا؟ قال: لأنه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد، وكان أحدهما أخف على أفواه القائلين غلبوه وسموا به الآخر؛ فلما كانت أيام عمر أكثر من أيام أبي بكر وفتوحه أكثر، واسمه أخف غلبوه، وسموا أبا بكر باسمه، قال الله عز وجل: " بعد المشرقين " وهو المشرق والمغرب. قلت: قد بقيت زيادة في المسألة! فالتفت إلى الكسائي فقال: يقال في هذا غير ما قلنا؟ قال: هذا أوفى ما قالوا، وتمام المعنى عند العرب. قال: ثم التفت إلي فقال: ما الذي بقي؟ قلت: بقيت الغاية التي إليها أجرى الشاعر المفتخر في شعره، قال: وما هي؟ قلت: أراد بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمداً صلى الله عليه وسلم، وبالنجوم الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين. قال: فاشرأب أمير المؤمنين؛ وقال: يا فضل بن الربيع؛ احمل إليه مائة ألف درهم لقضاء دينه، وانظر من بالباب من الشعراء فيؤذن لهم، فإذا العماني ومنصور النمري، فأذن لهما، فقال: أذن مني الشيخ، فدنا منه وهو يقول: قل للإمام المقتدي بأمه ... ما قاسم دون مدى ابن أمه فقد رضيناه فقم فسمه فقال الرشيد: ما ترضى أن تدعو إلى عقد البيعة له وأنا جالس حتى تنهضني قائماً! قال: قيام عزم يا أمير المؤمنين، لا قيام حتم، فقال: يؤتى بالقاسم، فأتي به، وطبطب في أرجوزته، فقال الرشيد للقاسم: إن هذا الشيخ قد دعا إلى عقد البيعة لك، فأجزل له العطية، فقال: حكم أمير المؤمنين، قال: وما أنا وذاك! هات النمري، فدنا منه، وأنشده: ما تنقضي حسرة مني ولا جزع حتى بلغ: ما كان أحسن أيام الشباب وما ... أبقى حلاوة ذكراه التي تدع ما كنت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع قال الرشيد: لا خير في دنيا لا يخطر فيها ببرد الشباب. وذكر أن سعيد بن سلم الباهلي دخل على الرشيد، فسلم عليه، فأومأ إليه الرشيد فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، أعرابي من باهلة واقف على باب أمير المؤمنين؛ ما رأيت قط أشعر منه، قال: أما أنك استبحت هذين - يعني العماني ومنصور النمري، وكانا حاضريه - نهبي لهما أحجارك، قال: هما يا أمير المؤمنين يهباني لك؛ فيؤذن للأعرابي؟ فأذن له، فإذا أعرابي في جبة خز، ورداء يمان، قد شد وسطه ثم ثناه على عاتقه، وعمامة قد عصبها على خديه، وأرخى لها عذبة، فمثل بين يدي أمير المؤمنين، وألقيت الكراسي، فجلس الكسائي والمفضل وابن سلم والفضل بن الربيع، فقال بن سلم للأعرابي: خذ في شرف أمير المؤمنين، فاندفع الأعرابي في شعره، فقال أمير المؤمنين،: أسمعك مستحسناً، وأنكرك متهماً عليك؛ فإن يكن هذا الشعر لك وأنت قلته من نفسك، فقل لنا في هذين بيتين - يعني محمدا والمأمون - وهما حفا فاه فقال: يا أمير المؤمنين حملتني على القدر في غير الحذر روعة الخلافة، وبهر البديهة، ونفور القوافي عن الروية، فيمهلني أمير المؤمنين؛ يتألف إلي نافراتها، ويسكن روعي. قال: قد أمهلتك يا أعرابي، وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك، فقال: يا أمير المؤمنين نفست الخناق، وسهلت ميدان النفاق، ثم أنشأ يقول: هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها بنيت بعبد الله بعد محمدٍ ... ذري قبة الإسلام فاهتز عودها فقال: وأنت يا أعرابي بارك الله فيك؛ فسلنا، ولا تكن مسألتك دون إحسانك، قال: الهنيدة يا أمير المؤمنين، قال: فتبسم أمير المؤمنين، وأمر له بمائة ألف درهم وسبع خلع. وذكر أن الرشيد قال لابنه القاسم - وقد دخل عليه قبل أن يبايع له: أنت للمأمون ببعض لحمك هذا، قال: ببعض حظه. وقال للقاسم يوماً قبل البيعة له: قد أوصيت الأمين والمأمون بك، قال: أما أنت يا أمير المؤمنين فقد توليت النظر لهما، ووكلت النظر لي إلى غيرك. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قدم الرشيد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه ابناه الأمين وعبد الله المأمون، فأعطى فيها العطايا وقسم في تلك السنة في رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية؛ فكانت الثلاثة الأعطية التي قسمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وفرض في تلك السنة لخمسمائة من وجوه موالي المدينة، ففرض لبعضهم في الشرف منهم يحيى بن مسكين وابن عثمان، ومخراق مولى بني تميم، وكان يقرئ القرآن بالمدينة. وقال إسحاق المولى: لما بايع الرشيد لولده، كان فيمن بايع عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فلما قدم ليبايع، قال: لا قصرا عنها ولا بلغتهما ... حتى يطول على يديك طوالها فاستحسن الرشيد ما تمثل، وأجزل له صلته. قال: والشعر لطريح بن إسماعيل، قال في الوليد بن يزيد وفي ابنيه. وقال أبو الشيص يرثي هارون الرشيد: غربت في الشرق شمس ... فلها عينان تدمع ما رأينا قط شمساً ... غربت من حيث تطلع وقال أبو نواس الحسن بن هانئ: جرت جوارٍ بالسعد والنحس ... فنحن في مأتمٍ وفي عرس القلب يبكي والسن ضاحكة ... فنحن في وحشة وفي أنس يضحكنا القائم الأمين ويب ... كينا وفاة الإمام بالأمس بدران: بدر أضحى ببغداد بال ... خلد، وبدر بطوس في رمس وقيل: مات هارون الرشيد، وفي بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيف. خلافة الأمين وفي هذه السنة بويع لمحمد الأمين بن هارون بالخلافة في عسكر الرشيد، وعبد الله بن هارون المأمون يومئذ بمرو؛ وكان - فيما ذكر - قد كتب حمويه مولى المهدي صاحب البريد بطوس إلى أبي مسلم سلام، مولاه وخليفته ببغداد على البريد والأخبار، يعلمه وفاة الرشيد. فدخل على محمد فعزاه وهنأه بالخلافة، وكان أول الناس فعل ذلك، ثم قدم عليه رجاء الخادم يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، كان صالح بن الرشيد أرسله إليه بالخبر بذلك - وقيل: أتاه الخبر بذلك - ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخرة، فأظهره يوم الجمعة، وستره الخبر بقية يومه وليلته، وخاض الناس في أمره. ولما قدم كتاب صالح على محمد الأمين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد - وكان نازلاً في قصره بالخلد - تحول إلى قصر أبي جعفر بالمدينة، وأمر الناس بالحضور ليوم الجمعة، فحضروا وصلى بهم؛ فلما قضى صلاته صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ونعى الرشيد إلى الناس، وعزى نفسه والناس، ووعدهم خيراً، وبسط الآمال، وآمن الأسود والأبيض، وبايعه جلة أهل بيته وخاصته ومواليه وقواده، ثم دخل. ووكل ببيعته على من بقي منهم عم أبيه سليمان بن أبي جعفر، فبايعهم، وأمر السندي بمبايعته جميع الناس من القواد وسائر الجند، وأمر للجند ممن بمدينة السلام برزق أربعة وعشرين شهراً، وبخواص من كانت له خاصة بهذه الشهور. ذكر الخبر عن بدء الخلاف بين الأمين والمأمون وفي هذه السنة كان بدء اختلاف الحال بين الأمين محمد وأخيه المأمون، وعزم كل واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان والدهما هارون أخذ عليهما العمل به، في الكتاب الذي ذكرنا أنه كان كتبه عليهما وبينهما. ذكر الخبر عنالسبب الذي كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت: قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل أن الرشيد جدد حين شخص إلى خراسان البيعة للمأمون على القواد الذين معه، وأشهد من معه من القواد وسائر الناس وغيرهم أن جميع من معه من الجند مضمومون إلى المأمون، وأن جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون. فلما بلغ محمد بن هارون أن أباه قد اشتدت علته ، وأنه لمآبه، بعث من يأتيه بخبره في كل يوم، وأرسل بكر بن المعتمر، وكتب معه كتباً، وجعلها في قوائم صناديق منقورة وألبسها جلود البقر، وقال: لا يظهرن أمير المؤمنين ولا أحد ممن في عسكره على شيء من أمرك ولو قتلت حتى بموت أمير المؤمن؛ فإذا مات فادفع إلى كل رجل منهم كتابه. فلما قدم بكر بن المعتمر طوس، بلغ هارون قدومه، فدعا به، فسأله. ما أقدمك؟ قال: بعثني محمد لأعلم له علم خبرك وآتيه به، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بما معه ففتش فلم يصيبوا معه شيئاً، فهدده بالضرب فلم يقر بشيء، فأمر به فحبس وقيد. فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه، فصار إليه، فقرره فلم يقر بشيء، ثم غشي على هارون، فصاح النساء، فأمسك الفضل عن قتله، وصار إلى هارون ليحضره، ثم أفاق هارون وهو ضعيف، قد شغل عن بكر وعن غيره لحس الموت، ثم غشي عليه غشيةً ظنوا أنها هي، وارتفعت الضجة، فبعث بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضل بن الربيع مع عبد الله بن أبي نعيم، يسأله ألا يعجلون بأمر، ويعلمه أن معه أشياء يحتاجون إلى علمها - وكان بكر محبوساً عند حسين الخادم - فلما توفي هارون في الوقت الذي توفي فيه، دعا الفضل بن الربيع ببكر من ساعته، فسأله عما عنده، فأنكر أن يكون عنده شيء، وخشي على نفسه من أن يكون هارون حياً، حتى صح عنده موت هارون، وأدخله عليه، فأخبره أن عنده كتباً من أمير المؤمنين محمد، وأنه لا يجوز له إخراجها؛ وهو على حاله في قيوده وحبسه، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلقه الفضل، فأتاهم بالكتب التي عنده، وكانت في قوائم المطابخ المجلدة بجلود البقر، فدفع إلى كل إنسان منهم كتابه. وكان في تلك الكتب كتاب من محمد بن هارون إلى حسين الخادم بخطه، يأمره بتخلية بكر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إليه، وكتاب إلى عبد الله المأمون. فاحتبس كتاب المأمون عنده ليبعثه إلى المأمون بمرو، وأرسلوا إلى صالح بن الرشيد - وكان مع أبيه بطوس، وذلك أنه كان أكبر من يحضر هارون من ولده - فأتاهم في تلك الساعة، فسألهم عن أبيه هارون، فأعلموه، فجزع جزعاً شديداً، ثم دفعوا إليه كتاب أخيه محمد الذي جاء به بكر. وكان الذين حضروا وفاة هارون هم الذين ولوا أمره وغسله وتجهيزه، وصلى عليه ابنه صالح. وكانت نسخة كتاب محمد إلى أخيه عبد الله المأمون: إذا ورد عليك كتاب أخيك - أعاذه الله من فقدك - عند حلول ما لامرد له ولا مدفع مما قد أخلف وتناسخ في الأمم الخالية والقرون الماضية فعز نفسك بما عزاك الله به. واعلم أن الله جل ثناؤه قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، واجزل الحظين فقبضه الله طاهراً زاكياً، قد شكر سعيه، وغفر ذنبه إن شاء الله. فقم في أمرك قيام ذي الحزم والعزم، والناظر لأخيه ونفسه وسلطانه وعامة المسلمين. وإياك أن يغلب عليك الجزع، فإنه يحبط الأجر، ويعقب الوزر. وصلوات الله على أمير المؤمنين حياً وميتاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون! وخذ البيعة عمن قبلك من قوادك وجندك وخاصتك وعامتك لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم بن أمير المؤمنين من نسخها له وإثباتها، فإنك مقلد من ذاك ما قلدك الله من قبلك رأيي في صلاحهم وسد خلتهم والتوسعة عليهم؛ فمن أنكرته عند بيعته أو اتهمته على طاعته، فابعث إلي برأسه مع خبره. وإياك وإقالته؛ فإن النار أولى به. واكتب إلى عمال ثغورك وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أن الله لم يرض الدنيا له ثواباً حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته، مغبوطاً محموداً قائداً لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله. ومرهم أن يأخذوا البيعة على أجنادهم وخواصهم وعوامهم على مثل ما أمرتك به من أخذها على من قبلك وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوة على عدوهم. وأعلمهم أني متفقد حالاتهم ولام شعثهم، وموسع عليهم، ولا تني في تقوية أجنادي وأنصاري، ولتكن كتبك إليهم كتباً عامة، لتقرأ عليهم؛ فإن في ذلك ما يسكنهم ويبسط أملهم. واعمل بما تأمر به لمن حضرك، أو نأى عنك من أجنادك؛ على حسب ما ترى وتشاهد؛ فإن أخاك يعرف حسن اختيارك، وصحة رأيك، وبعد نظرك؛ وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشتد بك عضده، ويجمع بك أمره؛ إنه لطيف لما يشاء. وكتب بكر بن المعتمر بين يدي وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة. وإلى أخيه صالح: بسم الله الرحمن الرحيم. إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع ما قد سبق في علم الله ونفذ من قضائه في خلفائه وأوليائه، وجرت به سنته في الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فقل: " كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " ، فاحمدوا الله ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه ومرافقه وأنبيائه، صلوات الله عليهم، وإنا إليه راجعون. وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان لهم عصمةً وكهفاً، وبهم رءوفاً رحيماً؛ فشمر في أمرك، وإياك أن تلقي بيديك؛ فإن أخاك قد اختارك لما استنهضك له، وهو متفقد مواقع فقدانك، فحقق ظنه ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قبلك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته ومواليه وخاصته وعامته لمحمد أمير المؤمنين، ثم لعبد الله بن أمير المؤمنين، ثم للقاسم بن أمير المؤمنين؛ على الشريطة التي جعلها أمير المؤمنين، صلوات الله عليه من فسخها على القاسم أو إثباتها، فإن السعادة واليمن في الأخذ بعهده، والمضي على مناهجه. وأعلم من قبلك من الخاصة والعامة رأيي في استصلاحهم، ورد مظالمهم وتفقد حالاتهم، وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم؛ فإن شغب شاغب، أو نعر ناعر، فاسط به سطوة تجعله نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. واضمم إلى الميمون بن الميمون الفضل بن الربيع ولد أمير المؤمنين وخدمه وأهله؛ ومره بالمسير معهم فيمن معه من جنده ورابطته، وصير إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه؛ فإنه ثقة على ما يلي، مقبول عند العامة، واضمم إليه جميع جند الشرط من الروابط وغيرهم إلى من معه من جنده، ومره بالجد والتيقظ وتقديم الحزم في أمره كله، ليلة نهاره؛ فإن أهل العداوة والنفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة. وأقر حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومره بحراسة ما يحفظ به قصور أمير المؤمنين، فإنه ممن لا يعرف إلا بالطاعة، ولا يدين إلا بها بمعاقد من الله مما قدم له من حال أبيه المحمود عند الخلفاء. ومر الخدم بإحضار روابطهم ممن يسد بهم وبأجنادهم مواضع الخلل من عسكرك؛ فإنهم حد من حدودك، وصير مقدمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد، وساقتك إلى يحيى بن معاذ، فيمن معه من الجنود، ومرهما بمناوبتك في كل ليلة، والزم الطريق الأعظم، ولا تعدون المراحل؛ فإن ذلك أرفق بك. ومر أسد بن يزيد بن مزيد أن يتخير رجلاً من أهل بيته أو قواده، فيصير إلى مقدمته ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق؛ فإن لم يحضرك في عسكرك بعض من سميت، فاختر لمواضعهم من تثق بطاعته ونصيحته وهيبته عند العوام؛ فإن ذلك لن يعوزك من قوادك وأنصارك إن شاء الله. وإياك أن تنفذ رأياً أو تبرم أمراً إلا برأي شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع، وأقرر جميع الخدم على ما في أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك؛ ولا تخرجن أحداً منهم من ضمن ما يلي إلى أن تقدم علي. وقد أوصيت بكر بن المعتمر بما سيبلغكه، واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وما ترى، وان أمرت لأهل العسكر بعطاء أو رزق؛ فليكن الفضل بن الربيع المتولي لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه؛ بمحضر من أصحاب الدواوين؛ فإن الفضل بن الربيع لم يزل يتقلد مثل ذلك لمهمات الأمور. وأنفذ إلي عند وصول كتابي هذا إليك إسماعيل بن صبيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد؛ ولا يكون لك عرجة ولا مهلة بموضعك الذي أنت فيه حتى توجه إلي بعسكرك بمافية من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته. وكتب بكر بن المعتمر بين يدي وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة. وخرج رجاء الخادم بالخاتم والقضيب والبردة، وبنعي هارون حين دفن حتى قدم بغداد ليلة الخميس - وقيل الأربعاء - فكان من الخبر ما قد ذكر قبل. وقيل: إن نعي الرشيد لما ورد بغداد صعد إسحاق بن عيسى بن علي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أعظم الناس رزيئةً، وأحسن الناس بقية رزؤنا، فإنه لم يرزأ كرزئنا، فمن له مثل عوضنا! ثم نعاه إلى الناس، وحض الناس على الطاعة. وذكر الحسن بن الفضل بن سهل أخبره، قال: استقبل الرشيد وجوه أهل خراسان، وفيهم الحسين بن مصعب. قال: ولقيني فقال لي: الرشيد ميت أحد هذين اليومين، وأمر محمد بن الرشيد ضعيف، والأمر أمر صاحبك؛ مد يدك. فمد يده فبايع للمأمون بالخلافة. قال: ثم أتاني بعد أيام ومعه الخليل بن هشام، فقال: هذا ابن أخي، وهو لك ثقة خذ بيعته. وكان المأمون قد رحل من مرو إلى قصر خالد بن حماد على فرسخ من مرو يريد سمرقند، وأمر العباس بن المسيب بإخراج الناس واللحوق بالعسكر، فمر به إسحاق الخادم ومعه نعي الرشيد، فغم العباس قدومه، فوصل إلى المأمون فأخبره، فرجع المأمون إلى مرو، ودخل دار الإمارة، دار أبي مسلم، ونعى الرشيد على المنبر، وشق ثوبه ونزل، وأمر للناس بمال، وبايع لمحمد ولنفسه وأعطى الجند رزق اثني عشر شهراً. قال: ولما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد بطوس من القواد والجند وأولاد هارون؛ تشاوروا في اللحاق بمحمد، فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكاً حاضراً لآخر لا يدري ما يكون من أمره، وأمر الناس بالرحيل، ففعلوا ذلك محبة منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون، فانتهى الخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمرو، فجمع من معه من قواد أبيه، فكان معه منهم عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، والعباس ابن المسيب بن زهير وهو على شرطته، وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته؛ وكان معه من أهل بيته عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرياستين؛ وهو عنده من أعظم الناس قدراً وأخصهم به، فشاورهم وأخبرهم الخبر، فأشاروا عليه أن يلحقهم في ألفي فارس جريدة، فيردهم، وسمي لذلك قوم، فدخل عليه ذو الرياستين، فقال له: إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلت هؤلاء هدية إلى محمد، ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتاباً، وتوجه إليهم رسولاً؛ فتذكرهم البيعة، وتسألهم الوفاء، وتحذرهم الحنث، وما يلزمهم في ذلك في الدنيا والدين. قال: قلت له: إن كتابك ورسلك تقوم مقامك، فتستبرئ ما عند القوم، وتوجه سهل بن صاعد - وكان على قهرمته - فإنه يأملك، ويرجو أن ينال أمله؛ فلن يألوك نصحاً، وتوجه نوفلاً الخادم مولى موسى أمير المؤمنين - وكان عاقلاً. فكتب كتاباً، ووجههما فلحقاهم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل. فذكر الحسن بن أبي سعيد عن سهل بن صاعد، أنه قال له: فأوصلت إلى الفضل بن الربيع كتابه، فقال لي: إنما أنا واحد منهم، قال لي سهل: وشد علي عبد الرحمن بن جبلة بالرمح، فأمره على جنبي، ثم قال لي: قل لصاحبك: والله لو كنت حاضراً لوضعت الرمح فيك، هذا جوابي. قال: ونال من المأمون، فرجعت بالخبر. قال الفضل بن سهل: قلت للمأمون: أعداء قد استرحت منهم؛ ولكن افهم عني ما أقول لك؛ إن هذه الدولة لم تكن قط أعز منها أيام أبي جعفر ، فخرج عليه المقنع وهو يدعي الربوبية، وقال بعضهم: طلب بدم أبي مسلم، فتضعضع العسكر بخروجه بخراسان، فكفاه الله المؤنة، ثم خرج بعد يوسف البرم وهو عند بعض المسلمين كافر؛ فكفا الله المؤنة، ثم خرج أستاذسيس يدعو إلى الكفر، فسار المهدي من الري إلى نيسابور فكفي المؤنة؛ ولكن ما أصنع! أكثر عليك! أخبرني كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتهم اضطربوا اضطراباً شديداً، قلت: وكيف بك وأنت نازل في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم! كيف يكون اضطراب أهل بغداد! اصبر وأنا أضمن لك الخلافة - ووضعت يدي على صدري - قال: قد فعلت، وجعلت الأمر إليك فقم به. قال: قلت: والله لأصدقنك، إن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومن سمينا من أمراء الرؤساء، إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفع مني لك برياستهم المشهورة، ولما عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنت خادماً له حتى تصير إلى محبتك، وترى رأيك في. فلقيتهم في منازلهم، وذكرتهم البيعة التي في أعناقهم وما يجب عليهم من الوفاء. قال: فكأني جئتهم بجيفة على طبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل، اخرج، وقال بعضهم: من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه! فجئت فأخبرته، قال: قم بالأمر قال: قلت: قد قرأت القرآن، وسمعت الأحاديث، وتفقهت في الدين، فالرأي أن تبعث إلى من بالحضرة من الفقهاء، فتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على اللبود، وترد المظالم. ففعلنا وبعثنا إلى الفقهاء، وأكرمنا القواد والملوك وأبناء الملوك؛ فكنا نقول للتيمي: نقيمك مقام موسى بن كعب، وللربعي: نقيمك مقام أبي داود خالد بن إبراهيم، ولليماني: نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم؛ فكنا ندعو كل قبيلة إلى نقباء رءوسهم، واستلمنا الرءوس، وقلنا لهم مثل ذلك، وحططنا عن خراسان ربع الخراج، فحسن موقع ذلك منهم، وسروا به، وقالوا: ابن أختنا، وابن عم النبي صلى الله عليه. قال علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى محمد، وهدأ الناس ببغداد، أصبح صبيحة السبت بعد بيعته بيوم؛ فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، فقال في ذلك شاعر من أهل بغداد: بنى أمين الله ميدانا ... وصير الساحة بستانا وكانت الغزلان فيه بانا ... يهدى إليه فيه غزلانا وفي هذه السنة شخصت أم جعفر من الرقة بجميع ما كان معها هنالك من الخزائن وغير ذلك في شعبان؛ فتلقاها ابنها محمد الأمين بالأنبار في جميع من كان ببغداد من الوجوه، وأقام المأمون على ما كان يتولى من عمل خراسان ونواحيها إلى الري، وكاتب الأمين، وأهدى إليه هدايا كثيرة، وتواترت كتب المأمون إلى محمد بالتعظيم والهدايا إليه من طرف خراسان من المتاع والآنية والمسك والدواب والسلاح. وفي هذه السنة دخل هرثمة حائط سمرقند، ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل رافع الترك فوافوه، فصار هرثمة بين رافع والترك، ثم انصرف الترك، فضعف رافع. وقتل في هذه السنة نقفور ملك الروم في حرب برجان، وكان ملكه - فيما قيل - سبع سنين، وملك بعده إستبرق بن نقفور وهو مجروح، فبقي شهرين ومات. وملك ميخائيل بن جورجس ختنه على أخته. وحج بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وكان والي مكة. وأقر محمد بن هارون أخاه القاسم بن هارون في هذه السنة على ما كان أبوه هارون ولاه من عمل الجزيرة، واستعمل عليها خزيمة بن خازم، وأقر القاسم على قنسرين والعواصم. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من مخالفة أهل حمص عاملهم إسحاق بن سليمان، وكان محمد ولاه إياها، فلما خالفوه انتقل إلى سلمية، فصرفه محمد عنهم، وولى مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي ومعه عافية بن سليمان، فحبس عدة من وجوههم، وضرب مدينتهم من نواحيها بالنار، وسألوه الأمان فأجابهم، وسكنوا ثم هاجوا؛ فضرب أيضاً أعناق عدة منهم. وفيها عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولاه من عمل الشأم وقنسرين والعواصم والثغور، وولى مكانه خزيمة بن خازم، وأمره بالمقام بمدينة السلام. وفي هذه السنة أمر محمد بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة. ذكر تفاقم الخلاف بين الأمين والمأمونوفيها مكر كل واحد منهما بصاحبه: محمد الأمين وعبد الله المأمون، وظهر بينهما الفساد. ذكر الخبر عن سبب ذلك: ذكر أن الفضل بن الربيع فكر بعد مقدمه العراق على محمد منصرفاً عن طوس، وناكثاً للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، وعلم أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوماً وهو حي لم يبق عليه؛ وكان في ظفره به عطبه، فسعى في إغراء محمد به، وحثه على خلعه، وصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى؛ ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه، بل كان عزمه - فيما ذكر عنه - الوفاء لأخويه: عبد الله والقاسم، بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل الفضل به يصغر في عينه شأن المأمون، ويزين له خلعه؛ حتى قال له: ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم أخويك!فإن البيعة كانت لك متقدمة قبلهما، وإنما أدخلا فيها بعدك واحداً بعد واحد، وأدخل في ذلك من رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ممن بحضرته؛ فأزال محمداً عن رأيه. فأولما بدء به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالاٍمرة بعد الدعاء له وللمأمون والقاسم بن الرشيد، فذكر الفضل بن إسحاق بن سليمان أن المأمون لما بلغه ما أمر به محمد من الدعاء لابنه موسى وعزله القاسم عما يدبر عليه في خلعه، فقطع البريد عن محمد، واسقط اسمه من الطرز والضرب. وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون حسن سيرته في أهل عمله وإحسانه إليهم، بعث في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك هرثمة وخرج رافع فلحق بالمأمون، وهرثمة بعد مقيم بسمرقند فأكرم المأمون رافعاً. وكان مع هرثمة في حصار رافع طاهر بن الحسين؛ فلما دخل رافع في الأمان، استأذن هرثمة في حصار رافع طاهر بن الحسين؛ فلما دخل رافع في الأمان، استأذن هرثمة المأمون في القدوم عليه، فعبر نهر بلخ بعسكره والنهر جامد، فتلقاه الناس، وولاه المأمون الحرس. فأنكر ذلك كله محمد، فبدأ بالتدبير على المأمون؛ فكان من التدبير أنه كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك - وهو عامل المأمون على الري - وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الري - مريداً بذلك امتحانه - فبعث إليه ما أمره به، وكتم المأمون وذا الرياستين. فبلغ ذلك من أمره المأمون، فوجه الحسن بن علي المأموني وأردفه بالرستمي على البريد، وعزل العباس بن عبد الله بن مالك؛ فذكر عن الرستمي أنه لم ينزل عن دابته حتى اجتمع إليه ألف رجل من أهل الري. ووجه محمد إلى المأمون ثلاثة أنفس رسلاً: أحدهم العباس بن موسى بن عيسى، والآخر صالح صاحب المصلى، والثالث محمد بن عيسى بن نهيك؛ وكتب معهم كتاباً إلى صاحب الري؛ أن استقبلهم بالعدة والسلاح الظاهر. وكتب إلى والي قومس ونيسابور وسرخس بمثل ذلك؛ ففعلوا. ثم وردت الرسل مرو، وقد أعد لهم من السلاح وضروب العدد والعتاد، ثم صاروا إلى المأمون؛ فأبلغوه رسالة محمد بمسألته تقديم موسى على نفسه؛ ويذكر له أنه سماه الناطق بالحق؛ وكان الذي أشار عليه بذلك علي بن عيسى بن هامان، وكان يخبره أن أهل خراسان يطيعونه؛ فرد المأمون ذلك وأباه. قال: فقال لي ذو الرئاستين: قال العباس بن موسى بن عيسى بن موسى: وما عليك أيها الأمير من ذلك؛ فهذا جدي عيسى بن موسى قد خلع فما ضره ذلك، قال: فصحت به: اسكت، فإن جدك كان في أيديهم أسيراً؛ وهذا بين أخواله وشيعته. قال: فانصرفوا، وأنزل كل واحد منهم منزلاً. قال ذو الرياستين: فأعجبني ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى، فخلوت به فقلت: أيذهب عليك في فهمك وسنك أن تأخذ بحظك من الإمام - وسمي المأمون في ذلك اليوم بالإمام ولم يسم بالخلافة، وكان سبب ما سمي به الإمام ما جاء من خلع محمد له، وقد كان محمد قال للذين أرسلهم: قد تسمى المأمون بالإمام، فقال لي العباس: قد سميتموه الإمام! قال: قلت له: قد يكون إمام المسجد والقبيلة، فإن وفيتم لم يضركم، وإن غدرتم فهو ذاك. قال: ثم قلت للعباس: لك عندي ولاية الموسم، ولا ولاية أشرف منها، ولك من مواضع الأعمال بمصر ما شئت. قال: فما برح حتى أخذ عليه البيعة للمأمون بالخلافة؛ فكان بعد ذلك يكتب إلينا بالأخبار، ويشير علينا بالرأي. قال: فأخبرني علي بن يحيى السرخسي، قال: مر بي العباس بن موسى ذاهباً إلى مرو - وقد كنت وصفت له سيرة المأمون وحسن تدبير ذي الرياستين واحتماله الموضع، فلم يقبل ذلك مني - فلما رجع مر بي، فقلت له: كيف رأيت؟ قال: ذو الرياستين أكثر مما وصفت، فقلت: صافحت الإمام؟ قال: نعم، قلت: امسح يدك على رأسي. قال: ومضى القوم إلى محمد فأخبروه بامتناعه، قال: فألح الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى على محمد في البيعة لابنه وخلع المأمون، وأعطى الفضل الأموال حتى بايع لابنه موسى، وسماه الناطق بالحق، وأحضنه علي بن عيسى وولاه العراق. قال: وكان أول من أخذ له البيعة بشر بن السميدع الأزدي، وكان والياً على بلد، ثم أخذها صاحب مكة وصاحب المدينة على خواص من الناس قليل، دون عامة. قال: ونهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد الله والقاسم والدعاء لهما على شيء من المنابر، ودس لذكر عبد الله والوقيعة فيه، ووجه إلى مكة كتاباً مع رسول من حجبة البيت يقال له محمد بن عبد الله بن عثمان بن طلحة في أخذ الكتابين اللذين كان هارون كتبهما، وجعلهما في الكعبة لعبد الله على محمد، فقدم بهما عليه، وتكلم في ذلك بقية الحجبة، فلم يحفل بهم، وخافوا على أنفسهم، فلما صار بالكتابين إلى محمد قبضهما منه، وأجازه بجائزة عظيمة، ومزقهما وأبطلهما. وكان محمد - فيما ذكر - كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف عليه، يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان - سماها - وأن يوجه العمال إليها من قبل محمد، وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إليه بخبره. فلما ورد إلى المأمون الكتاب بذلك، كبر ذلك عليه واشتد، فبعث إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن، فشاورهما في ذلك، فقال الفضل: الأمر مخطر، ولك من شيعتك وأهل بيتك بطانة، ولهم تأنيس بالمشاورة، وفي قطع الأمر دونهم وحشة، وظهوره قلة ثقة، فرأي الأمير في ذلك. وقال الحسن: كان يقال: شاور في طلب الرأي من تثق بنصيحته، وتألف العدو فيما لا اكتتام له بمشاورته، فأحضر المأمون الخاصة من الرؤساء والأعلام، وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا جميعاً له: أيها الأمير، تشاور في مخطر، فاجعل لبديهتنا حظاً من الروية، فقال المأمون: ذلك هو الحزم، وأجلهم ثلاثاً، فلما اجتمعوا بعد ذلك، قال أحدهم: أيها الأمير، قد حملت على كرهين، ولست أرى خطأ مدافعة بمكروه أولهما مخافة مكروه آخرهما. وقال آخر: كان يقال أيها الأمير، أسعدك الله، إذا كان الأمر مخطراً، فإعطاؤك من نازعك طرفاً من بغيته أمثل من أن تصير بالمنع إلى مكاشفته. وقال آخر: إنه كان يقال: إذا كان علم الأمور مغيباً عنك، فخذ ما أمكنك من هدنة يومك؛ فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعاً بفساد غدك. وقال آخر: لئن خيفت للبذل عاقبة، إن أشد منها لما يبعث الإباء من الفرقة. وقال آخر: لا أرى مفارقة منزلة سلامة؛ فلعلي أعطى معها العافية. فقال الحسن: فقد وجب حقكم باجتهادكم؛ وإن كنت من الرأي على مخالفتكم، فقال له المأمون: فناظرهم، قال: لذلك ما كان الاجتماع. وأقبل الحسن عليهم، فقال: هل تعلمون أن محمداً تجاوز إلى طلب شيء ليس له بحق؟ قالوا نعم؛ ويحتمل ذلك لما نخاف من ضرر منعه. قال: فهل تثقون بكفه بعد إعطائه إياها، فلا يتجاوز بالطلب إلى غيرها؟ قالوا: لا، ولعل سلامة تقع دون ما يخاف ويتوقع. قال: فإن تجاوز بعدها بالمسألة؛ أفما ترونه قد توهن بما بذل منها في نفسه! قالوا: ندفع ما يعرض له في عاقبة بمدافعة محذور في عاجله! قال: فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء قبلنا، قالوا: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من كره يومك، ولا تلتمس هدنة يومك بإخطار أدخلته على نفسك في غدك. قال المأمون للفضل: ما تقول فيما اختلفوا فيه؟ قال: أيها الأمير، أسعدك الله، هل يؤمن محمد أن يكون طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك غداً على مخالفتك! وهل يصير الحازم إلى فضلة من عاجل الدعة بخطر يتعرض له في عاقبةٍ؛ بل إنما أشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صلاح عواقب أمورهم. فقال المأمون: بل بإيثار العاجلة صار من صار إلى فساد العاقبة في أمر دنيا أو أمر آخرة. قال القوم: قد قلنا بمبلغ الرأي ؛ والله يؤيد الأمير بالتوفيق. فقال: اكتب يا فضل إليه، فكتب: قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسألني التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد، وجعل أمره إلي، وما أمر رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثره؛ غير أن الذي جعل إلى الطرف الذي أنابه، لا ظنين في النظر لعامته، ولا جاهل بما أسند إلي من أمره، ولو لم يكن ذلك مثبتاً بالعهود والمواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدو مخوف الشوكة، وعامة لا تتألف عن هضمها، وأجناد لا يستتبع طاعتها إلا بالأموال وطرف من الإفضال - لكان في نظر أمير المؤمنين لعامته وما يحب من لم أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيراً من عنايته، وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله؛ فكيف بمسألة ما أوجبه الحق، ووكد به مأخوذ العهد! وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع بمسألة ما كتب بمسألته إلي. ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله. وكان المأمون قد وجه حارسه إلى الحد، فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء، ولا يدعه يستعلم خبراً ولا يؤثر أثراً، ولا يستتبع بالرغبة ولا بالرهبة أحداً، ولا يبلغ أحداً قولاً ولا كتاباً. فحصر أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة، أو أن تودع صدورهم رهبة، أو يحملوا على منزل خلاف أو مفارقة. ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظنة في أمره ممن أتى بجواز في مخرجه إلى دار مآبه، أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه، ومنع الأشتاتات من جواز السبل والقطع بالمتاجر والوغول في البلدان في هيئة الطارئة والسابلة، وفتشت الكتب. وكان - فيما ذكر - أول من أقبل من قبل محمد مناظراً في منعه ما كان سأل جماعة، وإنما وجهوا ليعلم أنهم قد عاينوا وسمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبذلوا أو يحرموا فيكون مما قالوا حجة يحتج بها، أو ذريعة إلى ما التمس منها. فلما صاروا إلى حد الري، وجدوا تدبيراً مؤبداً، وعقداً مستحصداً متأكداً، وأخذتهم الأحراس من جوانبهم، فحفظوا في حال ظعنهم وإقامتهم من أن يخبروا أو يستخبروا، وكتب بخبرهم من مكانهم، فجاء الإذن في حملهم فحملوا محروسين؛ لا خبر يصل إليهم، ولا خبر يتطلع منهم إلى غيرهم؛ وقد كانوا معدين لبث الخبر في العامة وإظهار الحجة بالمفارقة والدعاء لأهل القوة إلى المخالفة؛ يبذلون الأموال، ويضمنون لهم معظم الولايات والقطائع والمنازل؛ فوجدوا جميع ذلك ممنوعاً محسوماً؛ حتى صاروا إلى باب المأمون. وكان الكتاب النافذ معهم إلى المأمون: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين الرشيد وإن كان أفردك بالطرف، وضم ما ضم إليك من كور الجبل؛ تأييداً لأمرك، وتحصيناً لطرفك؛ فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك. وقد كان هذا الطرف وخراجه كافياً لحدثه، ثم تتجاوز بعد الكفاية إلى ما يفضل من رده؛ وقد ضم لك إلى الطرف كوراً من أمهات كور الأموال لا حاجة لك فيها، فالحق فيها أن تكون مردودةً في أهلها، ومواضع حقها. فكتبت إليك أسألك رد تلك الكور إلى ما كانت عليه من حالها؛ لتكون فضول ردها مصروفة إلى مواضعها؛ وأن تأذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدي إلينا علم ما نعنى به من خبر طرفك؛ فكتبت تلط دون ذلك بما تم أمرك عليه صيرنا الحق إلى مطالبتك؛ فاثن عن همك اثن عن مطالبتك، إن شاء الله. فلما قرأ المأمون الكتاب كتب مجيباً له: أما بعد؛ فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين، ولم يكتب فيما جهل فأكشف له عن وجهه، ولم يسأل ما يوجبه حق فيلزمني الحجة بترك إجابته؛ وإنما يتجاوز المتناظران منزلة النصفة عن أهلها؛ فمتى تجاوز متجاوز - وهي موجودة الوسع - ولم يكن تجاوزها إلا عن نقضها واحتمال ما في تركها؛ فلا تبعثني يابن أبي على مخالفتك وأنا مذعن بطاعتك، ولا على قطيعتك. وأنا على إيثار ما تحب من صلتك، وارض بما حكم به الحق في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلني به الحق فيما بيني وبينك. والسلام. ثم أحضر الرسل، فقال: إن أمير المؤمنين كتب في أمر كتبت له في جوابه، فأبلغوه الكتاب، وأعلموه أني لا أزال على طاعته؛ حتى يضطرني بترك الحق الواجب إلى مخالفته. فذهبوا يقولون، فقال: قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم، وأحسنوا تأدية ما سمعتم؛ فقد أبلغتمونا من كتابنا ما عسى أن تقولوه لنا. فانصرف الرسل ولم يثبتوا لأنفسهم حجة، ولم يحملوا خبراً يؤدونه إلى صاحبهم، ورأوا جداً غير مشوب بهزل، في منع ما لهم من حقهم الواقع - بزعمهم. فلما وصل كتاب المأمون إلى محمد وصل منه ما فظع به، وتخمط غيظاً بما تردد منه في سمعه، وأمر عند ذلك بما ذكرناه من الإمساك عن الدعاء له على المنابر؛ وكتب إليه: أما بعد؛ فقد بلغني كتابك غامطاً لنعمة الله عليك فيما مكن لك من ظلها، متعرضاً لحراق نار لا قبل لك بها، ولحظك عن الطاعة كان أودع لك؛ وإن كان قد تقدم مني متقدم؛ من مواضع نفعك إذ كان راجعاً على العامة من رعيتك؛ وأكثر من ذلك ما يمكن لك من منزلة السلامة، ويثبت لك من حال الهدنة؛ فأعلمني رأيك أعمل عليه. إن شاء الله. وذكر سهل بن هارون عن الحسن بن سهل، أن المأمون قال لذي الرياستين: إن ولدي وأهلي ومالي الذي أفرده الرشيد لي بحضرة محمد - وهو مائة ألف ألف - وأنا إليها محتاج، وهي قبله فما ترى في ذلك؟ وراجعه في ذلك مراراً. فقال له ذو الرياستين: أيها الأمير، بك حاجة إلى فضلة مالك؛ وأن يكون أهلك في دارك وجنابك؛ وإن أنت كتبت فيه كتاب عزمة فمنعك صار إلى خلع عهده؛ فإن فعل حملك ولو بالكره على محاربته؛ وأنا أكره أن تكون المستفتح باب الفرقة ما أرتجه الله دونك؛ ولكن تكتب كتاب طالب لحقك، وتوجيه أهلك على ما لا يوجب عليه المنع نكثاً لعهدك؛ فإن أطاع فنعمة وعافية؛ وإن أبى لم تكن بعثت على نفسك حرباً أو مشاقة. فاكتب إليه، فكتب عنه: أما بعد؛ فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظر من لا يقتصر عنه على إعطاء النصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببره وصلته؛ وإذا كان ذلك رأيه في عامته؛ فأحر بأن يكون على مجاوزة ذلك بصنوه وقسيم نسبه؛ فقد تعلم يا أمير المؤمنين حالاً أنا عليها من ثغور حللت بين لهواتها، وأجناد لا تزال موقنة بنشر غيها وبنكث آرائها، وقلة الحرج قبلي، والأهل والولد قبل أمير المؤمنين، وما للأهل - وإن كانوا في كفاية من بر أمير المؤمنين، فكان لهم والداً - بد من الإشراف والنزوع إلى كنفي، ومالي بالمال من القوة والظهير على لم الشعث بحضرتي، وقد وجهت لحمل العيال وحمل ذلك المال؛ فرأى أمير المؤمنين في إجازة فلان إلى الرقة في حمل ذلك المال، والأمر بمعونته عليه، غير محرج له فيه إلى ضيقة يقع بمخالفته، أو حامل له على رأي يكون على غير موافقة. والسلام. فكتب إليه محمد: أما بعد؛ فقد بلغني كتابك بما ذكرت مما عليه رأي أمير المؤمنين في عامته فضلاً عما يجب من حق لذي حرمته وخليط نفسه، ومحلك بين لهوات ثغور، وحاجتك لمحلك بينها إلى فضلة من المال لتأييد أمرك؛ والمال الذي سمي لك من مال الله، وتوجيهك من وجهت في حمله وحمل أهلك من قبل أمير المؤمنين. ولعمري ما ينكر أمير المؤمنين رأياً هو عليه مما ذكرت لعامته، يوجب عليه من حقوق أقربيه وعامته. وبه إلى ذلك المال الذي ذكرت حاجة في تحصين أمور المسلمين؛ فكان أولى به إجراؤه منه على فرائضه، ورده على مواضع حقه؛ وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامة من رعيتك. وأما ما ذكرت من حمل أهلك؛ فإن رأي أمير المؤمنين تولي أمرهم؛ وإن كنت بالمكان الذي أنت به من حق القرابة. ولم أر من حملهم على سفرهم مثل الذي رأيت من تعريضهم بالسفر للتشتت؛ وإن أر ذلك من قبلي أوجههم إليك مع الثقة من رسلي إن شاء الله. والسلام. قال: ولما ورد الكتاب على المأمون، قال: لاط دون حقنا يريد أن نتوهن مما يمنع من قوتنا، ثم يتمكن للوهنة من الفرصة في مخالفتنا. فقال له ذو الرياستين: أوليس من المعلوم دفع الرشيد ذلك المال إلى الأمين لجمعه، وقبض الأمين إياه على أعين الملأ من عامته؛ على أن يحرسه قنيةً، فهو لا ينزع إليها؛ فلا تأخذ عليه مضايقها، وأمل له ما لم تضطرك جريرته إلى مكاشفته بها؛ والرأي لزوم عروة الثقة، وحسم الفرقة؛ فإن أمسك فبنعمة وإن تطلع إليها فقد تعرض لله بالمخالفة، وتعرضت منه بالإمساك للتأييد والمعونة. قال: وعلم المأمون والفضل أنه سيحدث بعد كتابه من الحدث ما يحتاج إلى لمه، ومن الخبر ما يحتاج أن يباشره بالثقة من أصحابه، وأنه لا يحدث في ذلك حدثاً دون مواطأة رجال النباهة والأقدار من الشيعة وأهل السابقة؛ فرأى أن يختار رجلاً يكتب معه إلى أعيان أهل العسكر من بغداد؛ فإن أحدث محمد خلعاً للمأمون صار إلى دفعها، وتلطف لعلم حالات أهلها؛ وإن لم يفعل من ذلك شيئاً خنس في حقته، وأمسك عن إيصالها، وتقدم إليه في التعجيل. ولما قدم أوصل الكتب، وكان كتابه مع الرسول الذي وجهه لعلم الخبر: أمما بعد؛ فإن أمير المؤمنين كأعضاء البدن، يحدث العلة في بعضها؛ فيكون كره ذلك مؤلماً لجميعها؛ وكذلك الحدث في المسلمين، يكون في بعضهم فيصل كره ذلك إلى سائرهم؛ للذي يجمعهم من شريعة دينهم، ويلزمهم من حرمة أخوتهم، ثم ذلك من الأئمة أعظم للمكان الذي به الأئمة من سائر أممهم؛ وقد كان من الخبر ما لا أحسبه إلا سيعرب عن محنة، ويسفر عما استتر من وجهه؛ وما اختلف مختلفان فكان أحدهما مع أمر الله إلا كان أول معونة المسلمين وموالاتهم في ذات الله؛ وأنت يرحمك الله من الأمر بمرأى ومسمع؛ وبحيث إن قلت أذن لقولك؛ وإن لم تجد للقول مساغاً فأمسكت عن مخوف أقتدي فيه بك؛ ولن يضيع على الله ثواب الإحسان مع ما يجب علينا بالإحسان من حقك، ولحظ حاز لك النصيبين أو أحدهما أمثل من الإشراف لأحد الحظين، مع التعرض لعدمهما، فاكتب إلي برأيك، وأعلم ذلك لرسولي ليؤديه إلي عنك. إن شاء الله. وكتب إلى رجال النباهة من أهل العسكر بمثل ذلك. قال: فوافق قدوم الرسول بغداد ما أمر به من الكف عن الدعاء للمأمون في الخطبة يوم الجمعة، وكان بمكان الثقة من كل من كتب إليه معه؛ فمنهم من أمسك عن الجواب وأعرب للرسول عما في نفسه، ومنهم من أجاب عن كتابه؛ فكتب أحدهم: أما بعد فقد بلغني كتابك وللحق برهان يدل على نفسه تثبت به الحجة على كل من صار إلى مفارقته؛ وكفى غبناً بإضاعة حظ من حظ العاقبة؛ لمأمول من حظ عاجلة، وأبين من الغبن إضاعة حظ عاقبة مع التعرض للنكبة والوقائع؛ ولي من العلم بمواضع حظي ما أرجو أن يحسن معه النظر مني لنفسي، ويضع عني مؤنة استزادتي. إن شاء الله. قال: وكتب الرسول المتوجه إلى بغداد إلى المأمون وذي الرياستين: أما بعد، فإني وافيت البلدة، وقد أعلن خليطك بتنكره، وقدم علماً من اعتراضه ومفارقته وأمسك عما كان يجب ذكره وتوفيته بحضرته؛ ودفعت كتبك فوجدت أكثر الناس ولاة السريرة ونفاة العلانية، ووجدت المشرفين بالرعية لا يحوطون إلا عنها ولا يبالون ما احتملوا فيها؛ والمنازع مختلج الرأي، لا يجد دافعاً منه عن همه، ولا راغباً في عامه، والمحلون بأنفسهم يحلون تمام الحدث؛ ليسلموا من منهزم حدثهم، والقوم على جد، ولا تجعلوا للتواني في أمركم نصيباً إن شاء الله والسلام. قال: ولما قدم على محمد من معسكر المأمون سعيد بن مالك بن قادم وعبد الله بن حميد بن قحطبة والعباس بن الليث مولى أمير المؤمنين ومنصور بن أبي مطر وكثير بن قادرة، ألطفهم وقربهم، وأمر لمن كان قبض منهم الستة الأشهر برزق اثني عشر شهراً، وزادهم في الخاصة والعامة، ولمن لم يقبضها بثمانية عشر شهراً. قال: ولما عزم محمد على خلع المأمون دعا يحيى بن سليم فشاوره في ذلك، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، كيف بذلك لك مع ما قد وكد الرشيد من بيعته، وتوثق بها من عهده، والأخذ للإيمان والشرائط في الكتاب الذي كتبه! فقال له محمد: إن رأى الرشيد شيئاً كان فلتةً شبهها عليه جعفر بن يحيى بسحره، واستماله برقاه وعقده، فغرس لنا غرساً مكروهاً لا ينفعنا ما نحن فيه معه إلا بقطعه، ولا تستقيم لنا الأمور باجتثاثه والراحة منه فقال: أما إذا كان رأى أمير المؤمنين خلعة، فلا يجاهره مجاهرة فستنكرها الناس، ويستشنعها العامة؛ ولكن تستدعي الجند بعد الجند والقائد بعد القائد، وتؤنسه بالألطاف والهدايا، وتفرق ثقاته ومن معه، وترغبهم بالأموال، وتستميلهم بالأطماع؛ فإذا أوهنت قوته، واستفرغت رجاله، أمرته بالقدوم عليك؛ فإن قدم صار إلى الذي تريد منه؛ وإن كنت قد تناولته وقد كل حده وهيض جناحه، وضعف ركنه وانقطع عزه. فقال محمد: ما قطع أمراً كصريمة، أنت مهذار خطيب، ولست بذي رأي، فزل عن هذا الرأي إلى الشيخ الموفق والوزير الناصح؛ قم فالحق بمدادك وأقلامك؛ قال يحيى: فقلت: غضب يشوبه صدق ونصيحة، أشرت إلى رأي يخلطه غش وجهل. قال: فوالله ما ذهبت الأيام حتى ذكر كلامه، وقرعه بخطئه وخرقه. قال سهل بن هارون: وقد كان الفضل بن سهل دس قوماً اختارهم ممن يثق به من القواد والوجوه ببغداد ليكاتبوه بالأخبار يوماً يوماً، فلما هم محمد بخلع المأمون، بعث الفضل بن الربيع إلى أحد هؤلاء الرجال يشاوره فيما يرى من ذلك، فعظم الرجل عليه أمر نقض العهد للمأمون، وقبح الغدر به، فقال له الفضل: صدقت؛ ولكن عبد الله قد أحدث الحدث الذي وجب به نقض ما أخذ الرشيد له. قال: لا، قال: أفتثبت الحجة عند العوام بمعلوم حدثه كما تثبت الحجة بما جدد من عهده! قال: أفحدث هذا منكم يوجب عند العامة نقض عهدكم ما لم يكن حدثه معلوماً يجب به فسخ عهده! قال: نعم، قال الرجل - ورفع صوته: بالله ما رأيت كاليوم رأى رجل يرتاد به النظر، يشاور في رفع ملك في يده بالحجة ثم يصير إلى مطالبته بالعناد والمغالبة! قال: فأطرق الفضل ملياً، ثم قال: صدقتني الرأي، واحتملت ثقل الأمانة؛ ولكن أخبرني إن نحن أغمضنا من قالة العامة ووجدنا مساعدين من شيعتنا وأجنادنا، فما القول؟ قال: أصلحك الله، وهل أجنادك إلا من عامتك في أخذ بيعتهم وتمكن برهان الحق في قلوبهم! أفليسوا وإن أعطوك ظاهر طاعة هم مع ما تأكد من وثائق العهد في معارفهم؛ قال: فإن أعطونا بذلك الطاعة قال: لا طاعة دون تكون على تثبت من البصائر. قال: نرغبهم بتشريف حظوظهم، قال: إذاً يصيروا إلى التقبل، ثم إلى خذلانك عند حاجتك إلى مناصحتهم. قال: فما ظنك بأجناد عبد الله؟ قال: قوم على بصيرة من أمرهم لتقدم بيعتهم وما يتعاهدون من حظهم، قال: فما ظنك بعامتهم؟ قال: قوم كانوا بلوى عظيمة من تحيف ولاتهم في أموالهم، ثم في أنفسهم صاروا به إلى الأمنية من المال والرفاغة في المعيشة، فهم يدافعون عن نعمة حادثة لهم، ويتذكرون بلية لا يأمنون العودة إليها. قال: فهل من سبيل إلى استفساد عظماء البلاد عليه؛ لتكون محاربتنا إياه بالمكيدة من ناحيته، لا بالزخرف نحوه لمناجزته! قال: أما الضعفاء فقد صاروا له إلباً لما نالوا به من الأمان والنصفة، وأما ذوو القوة فلم يجدوا مطعناً ولا موضع حجة، والضعفاء السواد الأكثر. قال: ما أراك أبقيت لنا موضع رأي في اعتزالك إلى أجنادنا، ولا تمكن النظر في ناحيته باحتيالنا، ثم أشد من ذلك ما قلت به وهنة أجنادنا وقوة أجناده في مخالفته. وما تسخو نفس أمير المؤمنين بترك ما لا يعرف من حقه، ولا نفسي بالهدنة مع تقدمٍ جرى في أمره، وربما أقبلت الأمور مشرفة بالمخافة، ثم تكشف عن الفلج والدرك في العاقبة. ثم تفرقاً. قال: وكان الفضل بن الربيع أخذ بالمراصد لئلا تجاوز الكتب الحد؛ فكتب الرسول مع امرأة، وجعل الكتاب وديعة في عود منقور من أعواد الأكاف، وكتب إلى صاحب البريد بتعجيل الخبر؛ وكانت المرأة تمضي على المسالح كالمجتازة من القرية إلى القرية، لا تهاج ولا تفتش. وجاء الخبر إلى المأمون موافقاً لسائر ما ورد عليه من الكتب، وقد شهد بعضها ببعض، فقال لذي الرياستين: هذه أمور قد كان الرأي أخبر عن عيبها، ثم هذه طوالع تخبر عن أواخرها، وكفانا أن نكون مع الحق، ولعل كرهاً يسوق خيراً. قال: وكان أول ما دبره الفضل بن سهل بعد ترك الدعاء للمأمون وصحة الخبر به، أن جمع الأجناد التي كان أعدها بجنبات الري مع أجناد قد كان مكنها فيها، وأجناد للقيام بأمرهم؛ وكانت البلاد أجدبت بحضرتهم؛ فأعد لهم من الحمولة ما يحمل إليهم من كل فج وسبيل؛ حتى ما فقدوا شيئاً احتاجوا إليه، وأقاموا بالحد لا يتجاوزونه ولا يطلقون يداً بسوء في عامد ولا مجتاز. ثم أشخص طاهر بن الحسين فيمن ضم إليه من قواده وأجناده، فسار طاهر مغذاً لا يلوى على شيء، حتى ورد الري، فنزلها ووكل بأطرافها، ووضع مسالحه، وبث عيونه وطلائعه، فقال بعض شعراء خراسان: رمى أهل العراق ومن عليها ... إمام العدل والملك الرشيد بأحزم من مشى رأياً وحزماً ... وكيداً نافذاً فيما يكيد بداهية نآدٍ خنفقيقٍ ... يشيب لهول صولتها الوليد وذكر أن محمداً وجه عصمة بن حماد بن سالم إلى همذان في ألف رجل، وولاه حرب كور الجبل، وأمره بالمقام بهمذان، وأن يوجه مقدمته إلى ساوة، واستخلف أخاه عبد الرحمن بن حماد على الحرس، وجعل الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى يلهبان محمداً، ويبعثانه على خلع المأمون والبيعة لابنه موسى. وفي هذه السنة عقد محمد بن هارون في شهر ربيع الأول لابنه موسى على جميع ما استخلفه عليه، وجعل صاحب أمره كله علي بن عيسى بن ماهان، وعلى شرطه محمد بن عيسى بن نهيك، وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى خراجه عبد الله بن عبيدة وعلى ديوان رسائله علي بن صالح صاحب المصلى. وفي هذه السنة وثب الروم على ميخائيل صاحب الروم فهرب وترهب، وكان ملكه سنتين فيما قيل. وفيها ملك على الروم ليون القائد. وفيها صرف محمد بن هارون إسحاق بن سليمان عن حمص، وولاها عبد اله بن سعيد الحرشي، ومعه عافية بن سليمان، فقتل عدة من وجوههم، وحبس عدة، وحرق مدينتهم من نواحيها بالنار، فسألوه الأمان، فأجابهم فسكنوا ثم هاجوا، فضرب أعناق عدة منهم. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلكما كان من أمر محمد بن هارون بإسقاط ما كان ضرب لأخيه عبد الله المأمون من الدنانير والدراهم بخراسان في سنة أربع وتسعين ومائة؛ لأن المأمون كان أمر ألا يثبت فيها اسم محمد، وكان يقال لتلك الدنانير والدراهم الرباعية، وكانت لا تجوز حيناً النهي عن الدعاء للمأمون على المنابروفيها نهى الأمين عن الدعاء على المنابر في عمله كله للمأمون والقاسم، وأمر بالدعاء له عليها ثم من بعده لابنه موسى، وذلك في صقر من هذه السنة، وابنه موسى يومئذ طفل صغير، فسماه الناطق بالحق، وكان ما فعل من ذلك عن رأي الفضل بن الربيع، فقال في ذلك بعض الشعراء: أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير ففضل وزير، وبكر مشير ... يريدان ما فيه حتف الأمير فبلغ ذلك المأمون، فتسمى بإمام الهدى، وكوتب بذلك. عقدة الإمرة لعلي بن عيسى وفيها عقد محمد لعلي بن عيسى بن ماهان يوم الأربعاء لليلة خلت من شهر ربيع الآخر على كور الجبل كلها: نهاوند وهمذان وقم وأصفهان، حربها وخراجها، وضم إليه جماعة من القواد وأمر له - فيما ذكر - بمائتي ألف دينار، ولولده بخمسين ألف دينار، وأعطى الجند مالاً عظيماً، وأمر له من السيوف المحلاة بألفي سيف وستة آلاف ثوب للخلع، وأحضر محمد أهل بيته ومواليه وقواده المقصورة بالشماسية يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة، فصلى محمد الجمعة، ودخل وجلس لهم ابنه موسى في المحراب، ومعه الفضل بن الربيع وجميع من أحضر، فقرأ عليهم كتاباً من الأمين يعلمهم رأيه فيهم وحقه عليهم، وما سبق لهم من البيعة متقدماً مفرداً بها، ولزوم ذلك لهم، وما أحدث عبد الله من التسمي بالإمامة، والدعاء إلى نفسه، وقطع ذكره في دور الضرب والطرز؛ وأن ما أحدث من ذلك ليس له؛ ولا ما يدعي من الشروط التي شرطت له بجائزة له. وحثهم على طاعته، والتمسك ببيعته. وقال سعيد بن الفضل الخطيب بعد قراءة الكتاب، فعرض ما في الكتاب بتصديقه والقول بمثله. ثم تكلم الفضل بن الربيع وهو جالس، فبالغ في القول فأكثر وذكر أنه لا حق لأحد في الإمامة والخلافة إلا لأمير المؤمنين محمد الأمين؛ وأن الله لم يجعل لعبد الله ولا لغيره في ذلك حظاً له ولا نصيباً. فلم يتكلم أحد من أهل بيت محمد ولا غيرهم بشيء إلا محمد بن عيسى بن نهيك ونفر من وجوه الحرس. وقال الفضل بن الربيع في كلامه: إن الأمير موسى بن أمير المؤمنين قد أمر لكم يا معاشر أهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم تقسم بينكم. ثم انصرف الناس، وأقبل علي بن عيسى على محمد يخبره أن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه إن خرج هو أطاعوه وانقادوا معه. شخوص علي بن عيسى إلى حرب المأمونوفيها شخص علي بن عيسى إلى الري إلى حرب المأمون. ذكر الخبر عن شخوصه إليها وما كان من أمره في شخوصه ذلك: ذكر الفضل بن إسحاق، أن علي بن عيسى شخص من مدينة السلام عشية الجمعة لخمس عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة، سخص عشية تلك فيما بين صلاة الجمعة إلى صلاة العصر إلى معسكره بنهر بين، فأقام فيه في زهاء أربعين ألفاً، وحمل معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه، وشخص معه محمد الأمين إلى النهروان يوم الأحد لست بقين من جمادى الآخرة، فعرض بها الذين ضموا إلى علي بن عيسى، ثم أقام بقية يومه ذلك بالنهروان، ثم انصرف إلى مدينة السلام. وأقام علي بن عيسى بالنهروان ثلاثة أيام، ثم شخص إلى ما وجه له مسرعاً حتى نزل همذان، فولى عليها عبد الله بن حميد بن قحطبة. وقد كان محمد كتب إلى عصمة بن حماد بالانصراف في خاصة أصحابه وضم بقية العسكر وما فيه من الأموال وغير ذلك إلى علي بن عيسى، وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بالانضمام إليه فيمن معه من أصحابه، ووجه معه هلال بن عبد الله الحضرمي، وأمر له بالفرض، ثم عقد لعبد الرحمن بن جبلة الأبناوي على الدينور، وأمره بالسير في بقية أصحابه، ووجه معه ألفي ألف درهم حملت إليه قبل ذلك، ثم شخص علي بن عيسى من همذان يريد الري قبل ورود عبد الرحمن عليه فسار حتى بلغ الري على تعبئة، فلقيه طاهر بن الحسين وهو أقل من أربعة آلاف - وقيل كان في ثلاثة آلاف وثمانمائة - وخرج من عسكر طاهر ثلاثة أنفس إلى علي بن عيسى يتقربون إليه بذلك، فسألهم: من هم؟ ومن أي البلدان هم؟ فأخبره أحدهم أنه كان من جند عيسى أبيه الذي قتله رافع. قال: فأنت من جندي! فأمر به فضرب مائتي سوط، واستخف بالرجلين. وانتهى الخبر إلى أصحاب طاهر، فازدادوا جداً في محاربته ونفوراً منه. فذكر أحمد بن هشام أنه لم يكن ورد عليهم الكتاب من المأمون، بأن تسمى بالخلافة، إذ التقيا - وكان أحمد على شرطة طاهر - فقلت لطاهر: قد ورد علي بن عيسى فيمن ترى، فإن ظهرنا له؛ فقال: أنا عامل أمير المؤمنين وأقررنا له بذلك، لم يكن لنا أن نحاربه. فقال لي طاهر: لم يجئني في هذا شيء، فقلت: دعني وما أريد، قال: شأنك، قال: فصعدت المنبر، فخلعت محمداً، ودعوت للمأمون بالخلافة، وسرنا من يومنا أو من غد يوم السبت، وكان ذلك في شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، فنزلنا قسطانة، وهي أول مرحلة من الري إلى العراق. وانتهى علي بن عيسى إلى برية يقال لها مشكويه، وبيننا وبينه سبعة فراسخ، وجعلنا مقدمتنا على فرسخين من جنده. وكان علي بن عيسى ظن أن طاهراً إذا رآه يسلم إليه العمل؛ فلما رأى الجد منه، قال: هذا موضع مفازة، وليس موضع مقام فأخذ يساره إلى رستاق يقال له رستاق بني الرازي؛ وكان معنا الأتراك، فنزلنا على نهر، ونزل قريباً منا، وكان بيننا وبينه دكادك وجبال؛ فلما كان في آخر الليل جاءني رجل فأخبرني أن علي بن عيسى دخل الري - وقد كان كاتبهم فأجابوه - فخرجت معه إلى الطريق، فقلت له: هذا طريقهم؛ وما هنا أثر حافر، وما يدل على أنه سار. وجئت إلى طاهر فأنبهته، فقلت له: تصلي؟ قال: نعم فدعا بماء فتهيأ، فقلت له: الخبر كيت وكيت. وأصبحنا، فقال لي: تركب، فوقفنا على الطريق، فقال لي: هل لك أن تجوز هذه الدكادك؟ فأشرفنا على عسكر علي بن عيسى وهم يلبسون السلاح، فقال: ارجع أخطأنا؛ فرجعنا فقال لي: أخرج أصحابنا. قال: فدعوت المأموني والحسن بن يونس المحاربي والرستمي؛ فخرجوا جميعاً؛ فكان على الميمنة المأموني، وعلى الميسرة الرستمي ومحمد بن مصعب. قال: وأقبل علي في جيشه؛ فامتلأت الصحراء بياضاً وصفرة من السلاح والمذهب، وجعل على ميمنته الحسين بن علي ومعه أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس، وعلى ميسرته آخر، وكروا، فهزمونا حتى دخلوا العسكر، فخرج إليهم الساعة السوعاء فهزموهم. قال: وقال طاهر لما رأى علي بن عيسى: هذا ما لا قبل لنا به، ولكن نجعلها خارجية، فقصد قصد القلب، فجمع سبعمائة رجل من الخوارزمية؛ فيهم ميكائيل وداود سياه. قال أحمد بن هشام: قلنا لطاهر: نذكر علي بن عيسى البيعة التي كانت، والبيعة التي أخذها هو للمأمون خاصة على معاشر أهل خراسان، فقال: نعم؛ قال: فعلقناهما على رمحين، وقمت بين الصفين، فقلت: الأمان! لا ترمونا ولا نرميكم؛ فقال علي بن عيسى : ذلك لك، فقلت: يا علي بن عيسى، ألا تتقي الله! أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصة! اتق الله فقد بلغت باب قبرك، فقال: من أنت؟ قلت: أحمد بن هشام - وقد كان علي بن عيسى ضربه أربعمائة سوط - فصاح علي بن عيسى: يا أهل خراسان، من جاء به فله ألف درهم. قال: وكان معنا قوم بخارية، فرموه، وقالوا: نقتلك ونأخذ مالك: وخرج من عسكره العباس بن الليث مولى المهدي، وخرج رجل يقال له حاتم الطائي، فشد عليه طاهر، وشد يديه على مقبض السيف، فضربه فصرعه، وشد داود سياه على علي بن عيسى فصرعه؛ وهو لا يعرفه. وكان علي بن عيسى على برذون أرحل، حمله عليه محمد - وذلك يكره في الحرب ويدل على الهزيمة - قال: فقال داود: ناري أسنان كتبتم. قال: فقال طاهر الصغير - وهو طاهر بن التاجي: علي بن عيسى أنت؟ قال: نعم، أنا علي بن عيسى، وظن أنه يهاب فلا يقدم عليه أحد، فشد عليه فذبحه بالسيف. ونازعهم محمد بن مقاتل بن صالح الرأس، فنتف محمد خصلة من لحيته، فذهب بها إلى طاهر وبشره؛ وكانت ضربة طاهر هي الفتح، فسمي يومئذ ذا اليمينين بذلك السبب لأنه أخذ السيف بيديه جميعاً. وتناول أصحابه النشاب ليرمونا، فلم أعلم بقتل علي حتى قيل: قتل والله الأمير. فتبعناهم فرسخين، وواقفونا اثني عشرة مرة، كل ذلك نهزمهم؛ فلحقني طاهر بن التاجي، ومعه رأس علي بن عيسى؛ وكان آلى أن ينصب رأس أحمد عند المنبر الذي خلع عليه محمد، وقد كان علي أمر أن يهيأ له الغداء بالري. قال: فانصرفت فوجدت عيبة علي فيها دراعة وجبة وغلالة، فلبستها، وصليت ركعتين شكراً لله تبارك وتعالى. ووجدنا في عسكره سبعمائة كيس؛ في كل كيس ألف درهم، ووجدنا عدة بغال عليها صناديق في أيدي أولئك البخارية الذين شتموه، وظنوا أنه مال؛ فكسروا الصناديق؛ فإذا فيها خمر سوادي، وأقبلوا يفرقون القناني، وقالوا: عملنا الجد حتى نشرب. قال أحمد بن هشام: وجئت إلى مضرب طاهر، وقد اغتم لتأخري عنه، فقال: لي البشرى! هذه خصلة من لحية علي، فقلت له: البشرى! هذا رأس علي. قال: فأعتق طاهر من كان بحضرته من غلمانه شكراً لله، ثم جاءوا بعلي وقد شد الأعوان يديه إلى رجليه، فحمل على خشبة كما يحمل الحمار الميت وأمر به فلف في لبد وألقي في بئر. قال: وكتب إلى ذي الرياستين بالخبر. قال: فسارت الخريطة وبين مرو وذلك الموضع نحو من خمسين ومائتي فرسخ؛ ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، ووردت عليهم يوم الأحد. قال ذو الرياستين: كنا قد وجهنا هرثمة، واحتشدنا في السلاح مدداً، وسار في ذلك اليوم، وشيعه المأمون فقلت للمأمون: لا تبرح حتى يسلم عليك بالخلافة فقد وجبت لك، ولا نأمن أن يقال: يصلح بين الأخوين، فإذا سلم عليك بالخلافة لم يمكن أن ترجع. فتقدمت أنا وهرثمة والحسن بن سهل،فسلمنا عليه بالخلافة، وتبادر شيعة المأمون، فرجعت وأنا كال تعب لم أنم ثلاثة أيام في جهاز هرثمة، فقال لي الخادم: هذا عبد الرحمن بن مدرك - وكان يلي البريد، ونحن نتوقع الخريطة لنا أو علينا - فدخل وسكت، قلت: ويلك! ما وراءك؟ قال: الفتح؛ فإذا كتاب طاهر إلي: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك؛ كتبت إليك ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في إصبعي؛ والحمد لله رب العالمين. فوثبت إلى دار أمير المؤمنين، فلحقني الغلام بالسواد، فدخلت على المأمون فبشرته، وقرأت عليه الكتاب، فأمر بإحضار أهل بيته والقواد ووجوه الناس، فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة، ثم ورد رأس يوم الثلاثاء، فطيف به في خراسان. وذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: عقدنا لطاهر سنة أربع وتسعين ومائة فاتصل عقده إلى الساعة. وذكر محمد بن يحيى بن عبد الملك النيسابوري، قال: لما جاء نعي علي بن عيسى وقتله إلى محمد بن زبيدة - وكان في وقته ذلك على الشط يصيد السمك - فقال للذي أخبره: ويلك! دعني؛ فإن كوثراً قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئاً بعد. قال: وكان بعض أهل الحسد يقول: ظن طاهر أن علياً يعلو عليه، وقال: متى يقوم طاهر لحرب علي مع كثرة جيشه وطاعة أهل خراسان له! فلما قتل علي تضاءل، وقال: والله لو لقيه طاهر وحده لقاتله في جيشه حتى يغلب أو يقتل دونه. وقال رجل من أصحاب علي له بأس ونجدة قي قتل علي ولقاء طاهر: لقينا الليث مفترساً لديه ... وكنا ما ينهنهنا اللقاء نخوض الموت والغمرات قدماً ... إذا ما كر ليس به خفاء فضعضع ركبنا لما التقينا ... وراح الموت وانكشف الغطاء وأردى كبشنا والرأس منا ... كأن بكفه كان القضاء ولما انتهى الخبر بمقتل علي بن عيسى إلى محمد والفضل، بعث إلى نوفل خادم المأمون - وكان وكيل المأمون ببغداد وخازنه، وقيمه في أهله وولده وضياعه وأمواله - عن لسان محمد، فأخذ منه الألف ألف درهم التي كان الرشيد وصل بها المأمون، وقبض ضياعه وغلاته بالسواد، وولى عمالاً قبله، ووجه عبد الرحمن الأبناوي بالقوة والعدة فنزل همذان. وذكر بعض من سمع عبد الله بن خازم عند ذلك يقول: يريد محمد إزالة الجبال وفل العساكر بتدبيره والمنكوس من تظهيره، هيهات! هو والله كما قال الأول: " قد ضيع الله ذوداً أنت راعيها " ولما بايع محمد لابنه موسى ووجه علي بن عيسى، قال الشاعر من أهل بغداد في ذلك لما رأى تشاغل محمد بلهوه وبطالته وتخليته عن تدبير علي والفضل بن الربيع: أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير ففضل وزير، وبكر مشير ... يريدان ما فيه حتف الأمير وما ذاك إلا طريق غرورٍ ... وشر المسالك طرق الغرور لواط الخليفة أعجوبة ... وأعجب منه خلاق الوزير فهذا يدوس وهذا يداس ... كذاك لعمري اخترف الأمور فلو يستعينان هذا بذاك ... لكانا بعرضة أمرستير ولكن ذا لج في كوثرٍ ... ولم يشف هذا دعاس الحمير فشنع فعلاهما منهما ... وصارا خلافاً كبول البعير وأعجب من ذا وذا أننا ... نبايع للطفل فينا الصغير ومن ليس يحسن غسل استه ... ولم يخل من بوله حجر ظير وما ذاك إلا بفضل وبكرٍ ... يريدان نقض الكتاب المنير وهذان لولا انقلاب الزمان ... أفي العير هذان أم في النفير ولكنها فتن كالجبال ... ترفع فيها الوضيع الحقير فصبراً ففي الصبر خير كثير ... وإن كان قد ضاق صدر الصبور فيا رب فاقبضهما عاجلاً ... إليك وأوردهم عذاب السعير ونكل بفضلٍ وأشياعه ... وصلبهم حول هذي الجسور وذكر أن محمداً لما بعث إلى المأمون في البيعة لابنه موسى، ووجه الرسل إليه في ذلك، كتب المأمون جواب كتابه: أما بعد، فقد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين منكراً لإبائي منزلة تهضمني بها، وأرادني على خلاف ما يعلم من الحق فيها، ولعمري أن لو رد أمير المؤمنين الأمر إلى النصفة فلم يطالب إلا بها، ولم يوجب نكرة على تركها، لانبسطت بالحجة مطالع مقالته؛ ولكنت محجوجاً بمفارقة ما يجب من طاعته؛ فأما وأنا مذعن بها وهو على ترك إعمالها، فأولى به أن يدير الحق في أمره، ثم يأخذ به، ويعطي من نفسه؛ فإن صرت إلى الحق فرغت عن قلبه؛ وإن أبيت الحق قام الحق بمعذرته. وأما ما وعد من بر بطاعته، وأوعد من الوطأة بمخالفته، فهل أحد فارق الحق في فعله فأبقى للمستبين موضع ثقة بقوله! والسلام. قال: وكتب إلى علي بن عيسى لما بلغه ما عزم عليه: أما بعد؛ فإنك في ظل دعوة لم تزل أنت وسلفك بمكان ذب عن حريمها؛ وعلى العناية بحفظها ورعاية لحقها، توجبون ذلك لأئمتكم، وتعتصمون بحبل جماعتكم، وتعطون بالطاعة من أنفسكم، وتكونون يداً على أهل مخالفتكم، وحزباً وأعواناً لأهل موافقتكم، تؤثرونهم على الآباء والأبناء، وتتصرفون فيما تصرفوا فيه من منزلة شديدة ورجاء، لا ترون شيئاً أبلغ في صلاحكم من الأمر الجامع لألفتكم؛ ولا أحرى لبواركم مما دعا إلى شتات كلمتكم، وترون من رغب عن ذلك جائراً عن القصد وعن أمه على منهاج الحق، ثم كنتم على أولئك سيوفاً من سيوف نقم الله، فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة، وجزراً جامجة؛ قد سفت الرياح في وجهه، وتداعت السباع إلى مصرعه، غير ممهد ولا موسد قد صار إلى أمة، وغير عاجل حظه؛ ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك؛ بحيث أنزلتم أنفسكم، من الثقة بكم في آثارها؛ وأنت مستشعر دون كثير من ثقاتها وخاصتها؛ حتى بلغ الله بك في نفسك أن كنت قريع أهل دعوتك، والعلم القائم بمعظم أمر أئمتك؛ إن قلت: ادنوا دنوا وإن أشرت: أقبلوا أقبلوا وإن أمسكت وقفوا وأقروا، وئاماً لك واستنصاحاً، وتزداد نعمة مع الزيادة في نفسك، ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك، حتى حللت المحل الذي قربت به من يومك، وانقرض فيما دونه أكثر مدتك، لا ينتظر بعدها إلا ما يكون ختام عملك من خير فيرضى ما تقدم من صالح فعلك؛ أو خلاف فيضل له متقدم سعيك؛ وقد ترى يا أبا يحيى حالاً عليها جلوت أهل نعمتك، والولاة القائمة بحق إمامتك؛ من طعن بعقدة كنت القائم بشدها، وخثر بعهود توليت معاقد أخذها؛ يبدأ فيها بالأخصين، حتى أفضى الأمر إلى العامة من المسلمين، بالأيمان المحرجة والمواثيق المؤكدة. وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة، وتفريق أمر أمة وشت أمر جماعة، وتتعرض به لتبديل نعمة وزوال ما وطأت الأسلاف من الأئمة؛ ومتى زالت نعمة من ولاة أمركم وصل زوالها إليكم في خواص أنفسكم؛ ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وليس الساعي في نشرها بساعٍ فيها على نفسه دون السعي على حملتها، القائمين بحرمتها؛ قد عرضوهم أن يكونوا جزراً لأعدائهم، وطعمة قوم تتظفر مخالبهم في دمائهم. ومكانك المكان الذي إن قلت رجع إلى قولك، وإن أشرت لم تتهم في نصيحتك؛ ولك مع إيثار الحق الحظوة عند أهل الحق. ولا سواء من حظي بعاجل مع فراق الحق فأوبق نفسه في عاقبته، ومن أعان الحق فأدرك به صلاح العاقبة؛ مع وفور الحظ في عاجلته، وليس لك ما تستدعى ولا عليه ما تستعطف؛ ولكنه حق من حق أحسابك يجب ثوابه على ربك، ثم على من قمت بالحق فيه من أهل إمامتك؛ فإن أعجزك قول أو فعل فصر إلى الدار التي تأمن فيها على نفسك، وتحكم فيها برأيك وتنحاز إلى من يحسن تقبلاً لصالح فعلك، ويكون مرجعك إلى عقدك وأموالك؛ ولك بذلك الله، وكفى بالله وكيلا. وإن تعذر ذلك بقيةً على نفسك، فإمساكاً بيدك، وقولاً بحق، ما لم تخف وقوعه بكرهك؛ فلعل مقتدياً بك، ومغتبطاً بنهيك. ثم أعلمني رأيك أعرفه إن شاء الله. قال: فأتى علي بالكتاب إلى محمد، فشب أهل النكث من الكفاة من تلهيبه، وأوقدوا نيرانه، وأعان على ذلك حمياً قدرته، وتساقط طبيعته، ورد الرأي إلى الفضل بن الربيع لقيامه كان بمكانفته. وكانت كتب ذي الرياستين ترد إلى الدسيس الذي كان يشاوره في أمره: إن أبى القوم إلا عزمة الخلاف؛ فألطف لأن يجعلوا أمره لعلي بن عيسى. وإنما خص ذو الرياستين علياً بذلك لسوء أثره في أهل خراسان، واجتماع رأيهم على ما كرهه؛ وإن العامة قائلة بحربه. فشاور الفضل الدسيس الذي كان يشاوره، فقال: علي بن عيسى إن فعل فلم ترمهم بمثله، في بعد صوبه وسخاوة نفسه، ومكانه في بلاد خراسان في طول ولايته عليهم وكثرة صنائعه فيهم، ثم هو شيخ الدعوة وبقية أهل المشايعة؛ فأجمعوا على توجيه علي؛ فكان من توجيهه ما كان. وكان يجتمع للمأمون بتوجيه علي جندان: أجناده الذين يحاربه بهم، والعامة من أهل خراسان حرب عليه لسوء أثره فيهم؛ وذلك رأي يكثر الأخطار به إلا في صدور رجال ضعاف الرأي لحال علي في نفسه، وما تقدم له ولسلفه؛ فكان ما كان من أمره ومقتله. وذكر سهل أن عمر بن حفص مولى محمد قال: دخلت على محمد في جوف الليل - وكنت من خاصته أصل إليه حيث لا يصل إليه أحد من مواليه وحشمة - فوجدته والشمع بين يديه، وهو يفكر، فسلمت عليه فلم يرد علي، فعلمت أنه في تدبير بعض أموره، فلم أزل واقفاً على رأسه حتى مضى أكثر الليل، ثم رفع رأسه إلي، فقال: أحضرني عبد الله بن خازم، فمضيت إلى عبد الله، فأحضرته، فلم يزل في مناظرته حتى انقضى الليل، فسمعت عبد الله وهو يقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث عهده، ونقض ميثاقه، واستخف بيمينه، ورد رأي الخليفة قبله! فقال: اسكت، لله أبوك! فعبد الملك كان أفضل منك رأياً، وأكمل نظراً؛ حيث يقول: لا يجتمع فحلان في هجمة. قال عمرو بن حفص: وسمعت محمداً يقول للفضل بن الربيع: ويلك يا فضل! لا حياة مع بقاء عبد الله وتعرضه؛ ولا بد من خلعه، والفضل يعينه على ذلك، ويعده أن يفعل؛ وهو يقول: فمتى ذلك! إذا غلب على خراسان وما يليها! وذكر بعض خدم محمد أن محمداً لما هم بخلع المأمون والبيعة لابنه؛ ساعده قوم حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم؛ فشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك، لا تجرئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مفلول. وأقبل علي بن عيسى بن ماهان، فتبسم محمد، ثم قال: لكن شيخ هذه الدعوة، وناب هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته ، ثم رفعه إلى موضع لم أره رفعه إليه فيما مضى، فيقال: إنه أول القواد أجاب إلى خلع عبد الله، وتابع محمداً على رأيه. قال أبو جعفر ك ولما عزم محمد على خلع عبد الله، قال له الفضل بن الربيع: ألا تعذر إليه يا أمير المؤمنين فإنه أخوك؛ ولعله يسلم هذا الأمرفي عافية، فتكون قد كفيت مؤونته، وسلمت من محاربته ومعاندته ! قال: فأفعل ماذا؟ قال: تكتب إليه كتابا، تستطيب به نفسه، وتسكن وحشته، وتسأله الصفح لك عما في يده؛ فإن ذلك أبلغ في التدبير، وأحسن في القالة من مكارثه بالجنود، ومعالجته بالكبد. فقال له: أعمل في ذلك برأيك. فلما حضر إسماعيل بن صبيح للكتاب إلى عبد الله قال: يا أمير المؤمنين، إن مسألتك الصفح عما في يديه توليد للظن، وتقوية للتهمة، ومدعاة للحذر ولكن اكتب فأعلمه حاجتك إليه، وما تحب من قربه والاستعانة برأيه؛ فإن ذلك أبلغ وأحرى أن يبلغ فيما يوجب طاعته وإجابته. فقال الفضل: القول ما قال يا أمير المؤمنين، قال: فليكتب بما رأى، قال: فكتب إليه: من عند الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هارون أمير المؤمنين. أما بعد، فإن أمير المؤمنين روى في أمرك، والموضع الذي أنت فيه من ثغره، وما يؤمل في قربك من المعاونة والمكانفة على ما حمله الله، وقلده من أمور عباده وبلاده؛ وفكر فيما كان أمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية، وأمر به من إفرادك على ما يصير إليك منها، فرجا أمير المؤمنين ألا يدخل عليه وكف في دينه، ولا نكث في يمينه إذ كان إشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه، ويصل إلى عامتهم صلاحه وفضله. وعلم أمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه أسد للثغور، وأصلح للجنود، وآكد للفيء، وأرد على العامة من مقامك ببلاد خراسان منقطعاً عن أهل بيتك، متغيباً عن أمير المؤمنين أن يولى موسى بن أمير المؤمنين فيما يقلده من خلافتك ما يحدث إليه من أمرك ونهيك. فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونه، بأبسط أمل وأفسح رجاء وأحمد عاقبة وأنفذ بصيرة؛ فإنك أولى من استعان به أمير المؤمنين على أموره، واحتمل عنه النصب فيما فيه من صلاح أهل ملته وذمته. والسلام. ودفع الكتاب إلى العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وإلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك، وإلى صالح صاحب المصلى، وأمرهم أن يتوجهوا به إلى عبد الله المأمون، وألا يدعوا وجهاً من اللين والرفق إلا بلغوه، وسهلوا الأمر عليه فيه؛ وحمل بعضهم الأموال والألطاف والهدايا؛ وذلك في سنة أربع وتسعين ومائة. فتوجهوا بكتابه، فلما وصلوا إلى عبد الله، أذن لهم، فدفعوا إليه كتاب محمد، وما كان بعث به معهم من الأموال والألطاف والهدايا. ثم تكلم العباس بن موسى بن عيسى، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الأمير؛ إن أخاك قد تحمل من الخلافة ثقلاً عظيماً، ومن النظر في أمور الناس عبئاً جليلاً، وقد صدقت نيته في الخير، فأعوزه الوزراء والأعوان والكفاة في العدل؛ وقليل ما يأنس بأهل بيته، وأنت أخوه وشقيقه؛ وقد فزع إليك في أموره، وأملك للموازرة والمكانفة؛ ولسنا نستبطئك في بره اتهاماً لنصرك له، ولا نحضك على طاعة تخوفاً لخلافك عليه، وفي قدومك عليه أنس عظيم، وصلاح لدولته وسلطانه؛ فأجب أيها الأمير دعوة أخيك وآثر طاعته، وأعنه على ما استعانك عليه في أمره؛ فإن في ذلك قضاء الحق، وصلة الرحم، وصلاح الدولة، وعز الخلافة. عزم الله للأمير على الرشد في أموره، وجعل له الخيرة والصلاح في عواقب رأيه. وتكلم عيسى بن جعفر بن أبي جعفر، فقال: إن الإكثار على الأمير - أيده الله - في القول خرق، والاقتصاد في تعريفه ما يجب من حق أمير المؤمنين تقصير؛ وقد غاب الأمير أكرمه الله عن أمير المؤمنين ولم يستغن عن قربه، ومن شهد غيره من أهل بيته فلا يجد عنده غناءً، ولا يجد منه خلفاً ولا عوضاً؛ والأمير أولى من بر أخاه، وأطاع إمامه؛ فليعمل الأمير فيما كتب به إليه أمير المؤمنين، بما هو أرضى وأقرب من موافقة أمير المؤمنين ومحبته؛ فإن القدوم عليه فضل وحظ عظيم، والإبطاء عنه وكف في الدين، وضرر ومكروه على المسلمين. وتكلم محمد بن عيسى بن نهيك، فقال: أيها الأمير؛ إنا لا نزيدك بالإكثار والتطويل فيما أنت عليه من المعرفة بحق أمير المؤمنين، ولا نشحذ نيتك بالأساطير والخطب فيما يلزمك من النظر والعناية بأمور المسلمين. وقد أعوز أمير المؤمنين الكفاة والنصحاء بحضرته، وتناولك فزعاً إليك في المعونة والتقوية له على أمره، فإن تجب أمير المؤمنين فيما دعاك فنعمة عظيمة تتلافى بها رعيتك وأهل بيتك؛ وإن تقعد يغن الله أمير المؤمنين عنك؛ ولن يضعه ذلك مما هو عليه من البر بك والاعتماد على طاعتك ونصيحتك. وتكلم صاحب المصلى، فقال: أيها الأمير؛ إن الخلافة ثقيلة والأعوان قليل؛ ومن يكيد هذه الدولة وينطوي على غشها والمعاندة لأوليائها من أهل الخلاف والمعصية كثير، وأنت أخو أمير المؤمنين وشقيقه، وصلاح الأمور وفسادها راجع عليك وعليه؛ إذ أنت ولي عهده، والمشارك في سلطانه وولايته، وقد تناولك أمير المؤمنين بكتابه، ووثق بمعاونتك على ما استعانك عليه من أمور، وفي إجابتك إياه إلى القدوم عليه صلاح عظيم في الخلافة، وأنس وسكون لأهل الملة والذمة. وفق الله الأمير في أموره، وقضى له بالذي هو أحب إليه وأنفع له! فحمد الله المأمون وأثنى عليه، ثم قال: قد عرفتموني من حق أمير المؤمنين أكرمه الله ما لا أنكره، من الموازرة والمعونة إلى ما أوثره ولا أدفعه؛ وأنا لطاعة أمير المؤمنين مقدم، وعلى المسارعة إلى ما سره ووافقه حريص، وفي الروية تبيان الرأي، وفي إعمال الرأي نصح الاعتزام؛ والأمر الذي دعاني إليه أمير المؤمنين أمر لا أتأخر عنه تثبيطاً ومدافعةً، ولا أتقدم عليه اعتسافاً وعجلة، وأنا في ثغر من ثغور المسلمين كلب عدوه، شديد شوكته، وإن أهملت أمره لم آمن دخول الضرر والمكروه على الجنود والرعية، وإن أقمت لم آمن فوت ما أحب من معونة أمير المؤمنين وموازرته، وإيثار طاعته؛ فانصرفوا حتى أنظر في أمري، ونصح الرأي فيما أعتزم عليه من مسيري إن شاء الله. ثم أمر بإنزالهم وإكرامهم والإحسان إليهم. فذكر سفيان بن محمد أن المأمون لما قرأ الكتاب أسقط في يده، وتعاظمه ما ورد عليه منه، ولم يدر ما يرد عليه، فدعا الفضل بن سهل، فأقرأه الكتاب، وقال: ما عندك في هذا الأمر؟ قال: أرى أن تتمسك بموضعك، ولا تجعل عليك سبيلا؛ وأنت تجد من ذلك بداً. قال: وكيف يمكنني التمسك بموضعي ومخالفة محمد، وعظم القواد والجنود معه، وأكثر الأموال والخزائن قد صارت إليه، مع ما قد فرق في أهل بغداد من صلاته وفوائده! وإنما الناس مائلون مع الدراهم، منقادون لها، لا ينظرون إذا وجدوها حفظ بيعة، ولا يرغبون في وفاء عهد ولا أمانة. فقال له الفضل: إذا وقعت التهمة حق الاحتراس، وأنا لغدر محمد متخوف، ومن شرهه إلى ما في يديك مشفق؛ ولأن تكون في جندك وعزك مقيماً بين ظهراني أهل ولايتك أحرى؛ فإن دهمك منه أمر جردت له وناجزته وكايدته؛ فإما أعطاك الله الظفر عليه بوفائك ونيتك، أو كانت الأخرى فمت محافظاً مكرماً، غير ملق بيديك، ولا ممكن عدوك من الاحتكام في نفسك ودمك. قال: إن هذا الأمر لو كان أتاني وأنا في قوة من أمري، وصلاح من الأمور؛ كان خطبه يسيراً، والاحتيال في دفعه ممكناً؛ ولكنه أتاني بعد إفساد خراسان واضطراب عامرها وغامرها، ومفارقة جبغويه الطاعة، والتواء خاقان صاحب التبت، وتهيؤ ملك كابل للغارة على ما يليه من بلاد خراسان، وامتناع ملك إبراز بنده بالضريبة التي كان يؤديها، وما لي بواحدة من هذه الأمور يد؛ وأنا أعلم أن محمداً لم يطلب قدومي إلا لشر يريده، وما أرى إلا تخلية ما أنا فيه، واللحاق بخاقان ملك الترك، والاستجارة به وببلاده، فبالحري أن آمن على نفسي، وأمتنع ممن أراد قهري والغدر بي. فقال له الفضل: أيها الأمير؛ إن عاقبة الغدر شديدة، وتبعة الظلم والبغي غير مأمون شرها، ورب مستذل قد عاد عزيزاً، ومقهور قد عاد قاهراً مستطيلاً؛ وليس النصر بالقلة والكثرة، وحرج الموت أيسر من حرج الذل والضيم؛ وما أرى أن تفارق ما أنت فيه وتصير إلى طاعة محمد متجرداً من قوادك وجندك كالرأس المختزل عن بدنه، يجري عليك حكمه، فتدخل في جملة أهل مملكته من غير أن تبلى عذراً في جهاد ولا قتال؛ ولكن اكتب إلى جبغويه وخاقان، فولهما بلادهما، وعدهما التقوية لهما في محاربة الملوك، وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان وطرفها، وسله الموادعة تجده على ذلك حريصاً، وسلم الملك إبرازبنده ضريبته في هذه السنة، وصيرها صلة منك وصلته بها، ثم اجمع إليك أطرافك، واضمم إليك من شذ من جندك، ثم اضرب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال؛ فإن ظفرت وإلا كنت على ما تريد من اللحاق بخاقان قادراً. فعرف عبد الله صدق ما قال، فقال: أعمل في هذا الأمر وغيره من أموري بما ترى، وأنفذ الكتب إلى أولئك العصاة، فرضوا وأذعنوا؛ وكتب إلى من كان شاذاً عن مرو من القواد والجنود، فأقدمهم عليه، وكتب إلى طاهر بن الحسين وهو يومئذ عامل عبد الله على الري، فأمره أن يضبط ناحيته، وأن يجمع إليه أطرافه؛ ويكون على حذر وعدة من جيش إذا طرقه، أو عدو إن هجم عليه. واستعد للعرب، وتهيأ لدفع محمد عن بلاد خراسان. ويقال : إن عبد الله بعث إلى الفضل بن سهل فاستشاره في أمر محمد، فقال: أيها الأمير، أنظرني في يومي هذا أغد عليك برأيي؛ فبات يدبر الرأي ليلته؛ فلما أصبح غداً عليه، فأعلمه أنه نظر في النجوم فرأى أنه سيغلبه، وأن العاقبة له. فأقام عبد الله بموضعه، ووطن نفسه على محاربة محمد ومناجزته. فلما فرغ عبد الله مما أراد إحكامه من أمر خراسان، كتب إلى محمد: لعبد الله محمد أمير المؤمنين من عبد الله بن هارون؛ أما بعد؛ فقد وصل إلي كتاب أمير المؤمنين؛ وإنما أنا عامل من عماله وعون من أعوانه، أمرني الرشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثغر، ومكايدة من كايد أهله من عدو أمير المؤمنين؛ ولعمري إن مقامي به، أرد على أمير المؤمنين وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين، وإن كنت مغتبطاً بقربه، مسروراً بمشاهدة نعمة الله عنده؛ فإن رأى أن يقرني على عملي، ويعفيني من الشخوص إليه، فعل إن شاء الله والسلام. ثم دعا العباس بن موسى وعيسى بن جعفر ومحمداً وصالحاً؛ فدفع الكتاب إليهم، وأحسن إليهم في جوائزهم، وحمل إلى محمد ما تهيأ له من ألطاف خراسان، وسألهم أن يحسنوا أمره عنده، وأن يقوموا بعذره. قال سفيان بن محمد: لما قرأ محمد كتاب عبد الله، عرف أن المأمون لا يتابعه على القدوم إليه، فوجه عصمة بن حماد بن سالم صاحب حرسه، وأمره أن يقيم مسلحةً فيما بين همذان والري، وأن يمنع التجار من حمل شيء إلى خراسان من الميرة، وأن يفتش المارة، فلا يكون معهم كتب بأخباره وما يريد؛ وذلك في سنة أربع وتسعين ومائة. ثم عزم على محاربته، فدعا علي بن عيسى بن ماهان، فعقد له خمسين ألف فارس ورجل من أهل بغداد، ودفع إليه دفاتر الجند، وأمره أن ينتقي ويتخير من أراد على عينه، ويخص من أحب ويرفع من أراد إلى الثمانين، وأمكنه من السلاح وبيوت الأموال، ثم وجهوا إلى المأمون. فذكر يزيد بن الحارث، قال: لما أراد علي الشخوص إلى خراسان ركب إلى باب أم جعفر، فودعها، فقالت: يا علي، إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي؛ إليه تناهت شفقتي، وعليه تكامل حذري؛ فإني على عبد الله منعطفة ومشفقة، لما يحدث عليه من مكروه وأذى؛ وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغاره على ما في يده؛ والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره؛ فاعرف لعبد اله حق والده وأخوته، ولا تجبه بالكلام، فإنك لست نظيره، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا ترهقه بقيد ولا غل، ولا تمنع منه جارية ولا خادماً،ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير؛ ولا تركب قبله، ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا تراده. ثم دفعت إليه قيداً من فضة، فقالت: إن صار في يدك فقيده بهذا القيد. فقال لها: سأقبل أمرك، وأعمل في ذلك بطاعتك. وأظهر محمد خلع المأمون، وبايع لابنيه - في جميع الآفاق إلا خراسان - موسى وعبد الله؛ وأعطى عند بيعتهما بني هاشم والقواد والجند الأموال والجوائز، وسمى موسى الناطق بالحق، وسمى عبد الله القائم بالحق. ثم خرج علي بن عيسى لسبع ليال خلون من شعبان سنة خمس وتسعين ومائة من بغداد حتى عسكر بالنهروان، وخرج معه يشيعه محمد، وركب القواد والجنود، وحشرت الأسواق، وأشخص معه الصناع والفعلة؛ فيقال: إن عسكره كان فرسخاً بفسطاطيه وأهبته وأثقاله، فذكر بعض أهل بغداد أنهم لم يروا عسكراً كان أكثر رجالاً، وأفره كراعاً، وأظهر سلاحاً، وأتم عدة، وأكمل هيئة؛ من عسكره. وذكر عمر بن سعيد أن محمداً لما جاز باب خراسان نزل علي فترجل، وأقبل يوصيه، فقال: امنع جندك من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر وانتهاك النساء؛ وول الري يحيى بن علي، واضمم إليه جنداً كثيفاً، ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجبى من خراجها؛ وول كل كورة ترحل عنها رجلاً من أصحابك، ومن خرج إليك من جند أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته، ولا تعاقب أخاً بأخيه، وضع عن أهل خراسان ربع الخراج، ولا تؤمن أحداً رماك بسهم، أو طعن في أصحابك برمح؛ ولا تأذن لعبد الله في المقام أكثر من ثلاثة من اليوم الذي تظهر فيه عليه؛ فإذا أشخصته فليكن مع أوثق أصحابك عندك؛ فإن غره الشيطان فناصبك فاحرص أن تأسره أسراً، وإن هرب منك إلى بعض كور خراسان فتول إليه المسير بنفسك. أفهمت كل ما أوصيك به؟ قال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين! قال: سر على بركة الله وعونه! وذكر أن منجمه أتاه فقال: أصلح الله الأمير! لو انتظرت بمسيرك صلاح القمر؛ فإن النحوس عليه عالية، والسعود عنه ساقطة منصرفة! فقال لغلام له : يا سعيد؛ قل لصاحب المقدمة يضرب بطبله ويقدم علمه؛ فإنا لا ندري ما فساد القمر من صلاحه؛ غير أنه من نازلنا نازلناه، ومن وادعنا وادعناه وكففنا عنه؛ ومن حاربنا وقاتلنا لم يكن لنا إلا إرواء السيف من دمه. إنا لا نعتد بفساد القمر؛ فإنا وطنا أنفسنا على صدق اللقاء ومناجزة الأعداء. قال أبو جعفر : وذكر بعضهم أنه قال: كنت فيمن خرج في معسكر علي بن عيسى بن ماهان؛ فلما جاز حلوان لقيته القوافل من خراسان؛ فكان يسألها عن الأخبار، يستطلع علم أهل خراسان؛ فيقال له: إن طاهراً مقيم بالري يعرض أصحابه، ويرم آلته، فيضحك ثم يقول: وما طاهر! فوالله ما هو إلا شوكة من أغصاني، أو شرارة من ناري؛ وما مثل طاهر يتولى علي الجيوش، ويلقى الحروب؛ ثم اتفت إلى أصحابه فقال: والله ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف؛إلا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، فإن السخال لا تقوى على النطاح، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسد؛ فإن يقم طاهر بموضعه يكن أول معرض لظباة السيوف وأسنة الرماح. وذكر يزيد بن الحارث أن علي بن عيسى لما صار إلى عقبة همذان استقبل قافلة قدمت من خراسان، فسأله عن الخبر، فقالوا: إن طاهراً مقيم بالري ، وقد استعد للقتال، واتخذ آلة الحرب، وإن المدد يترى عليه من خراسان وما يليها من الكور؛ وإنه في كل يوم يعظم أمره، ويكثر أصحابه؛ وإنهم يرون أنه صاحب جيش خراسان.قال علي: فهل شخص من أهل خراسان أحد يعتد به؟ قالوا: لا؛ غير أن الأمور بها مضطربة، والناس رعبون، فأمر بطي المنازل والمسير،وقال لأصحابه: إن نهاية القوم الري، فلو قد صيرناها خلف ظهورنا فت ذلك في أعضادهم، وانتشر نظامهم، وتفرقت جماعتهم. ثم أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وجبال طبرستان وما والاها من الملوك، يعدهم الصلات والجوائز. وأهدى إليهم التيجان والأسورة والسيوف المحلاة بالذهب، وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان، ويمنعوا من أراد الوصول إلى طاهر من المدد؛ فأجابوه إلى ذلك، وسار حتى صار في أول البلاد الري، وأتاه صاحب مقدمته، فقال: لو كنت - أبقى الله أمير المؤمنين - أذكيت العيون، وبعثت الطلائع، وارتدت موضعاً تعسكر فيه، وتتخذ خندقاً لأصحابك يأمنون به؛ كان ذلك أبلغ في الرأي، وآنس للجند. قال: لا؛ ليس مثل طاهر يستعد له بالمكايد والتحفظ؛ إن حال طاهر تؤول إلى أحد أمرين: إما أن يتحصن بالري فيبيته أهلها فيكفوننا مؤنته، أو يخليها ويدبر راجعاً لو قربت خيولنا وعساكرنا منه. واتاه يحيى بن علي، فقال: اجمع متفرق العسكر واحذر على جندك البيات، ولا تسرح الخيل إلا ومعها كنف من القوم؛ فإن العساكر لا تساس بالتواني، والحروب لا تدبر بالاغترار؛ والثقة أن تحترز، ولا تقل: إن المحارب أي طاهر؛ فالشرارة الخفية ربما صارت ضراماً، والثلمة من السيل ربما اغتر بها وتهون فصارت بحراً عظيماً؛ وقد قربت عساكرنا من طاهر؛ فلو كان رأيه الهرب لم يتأخر إلى يومه هذا. قال: اسكت؛ فإن طاهراً ليس في هذا الموضع الذي ترى؛ وإنما تتحفظ الرجال إذا لقيت أقرانها، وتستعد إذا كان المناوئ لها أكفاءها ونظراءها. وذكر عبد الله بن مجالد، قال: أقبل علي بن عيسى حتى نزل من الري على عشرة فراسخ، وبها طاهر قد سد أبوابها، ووضع المسالح على طرقها، واستعد لمحاربته؛ فشاور طاهر أصحابه، فأشاروا عليه أن يقيم بمدينة الري، ويدافع القتال ما قدر عليه إلى أن يأتيه المدد من الخيل، وقائد يتولى الأمر دونه، وقالوا: إن مقامك بمدينة الري أرفق بأصحابك، وأقدر لهم على المبرة، وأكن من البرد، وأحرى إن دهمك قتال أن يعتصموا بالبيوت، وتقوى على المماطلة والمطاولة؛ إلى أن يأتيك مدد، أو ترد عليك قوة من خلفك. فقال طاهر: إن الرأي ليس ما رأيتم؛ إن أهل الري لعلي هائبون، ومن معرته وسطوته متقون؛ ومعه من قد بلغكم من أعراب البوادي وصعاليك الجبال ولفيف القرى؛ ولست آمن إن هجم علينا مدينة الري أن يدعوا أهلها خوفهم إلى الوثوب بنا، ويعينوه على قتالنا،؛ مع أنه لم يكن قوم قط رعبوا في ديارهم، وتورد عليهم عسكرهم إلا وهنوا وذلوا، وذهب عزهم واجترأ عليهم عدوهم. وما الرأي إلا أن نصير مدينة الري قفا ظهورنا؛ فإن أعطانا الله الظفر، وإلا عولنا عليها فقاتلنا في سككها، وتحصنا في منعتها إلى أن يأتينا مدد أو قوة من خراسان. قالوا: الرأي ما رأيت. فنادى طاهر في أصحابه فخرجوا. فعسكروا على خمسة فراسخ من الري بقرية يقال لها كلواص؛ وأتاه محمد بن العلاء فقال: أيها الأمير؛ إن جندك قد هابوا هذا الجيش، وامتلأت قلوبهم خوفاً ورعباً، فلو أقمت بمكانك، ودافعت القتال إلى أن يشامهم أصحابك، ويأنسوا بهم، ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم! فقال: لا؛ إني لا أوتى من قلة تجربة وحزم؛ إن أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم، فإن دافعت القتال، وأخرت المناجزة لم آمن أن يطلعوا على قلتنا وعورتنا؛ وأن يستميلوا من معي برغبة أو رهبة، فينفر عني أكثر أصحابي، ويخذلني أهل الحفاظ والصبر، ولكن ألف الرجال بالرجال، وألحم الخيل بالخيل، واعتمد على الطاعة والوفاء، وأصبر صبر محتسب للخير، حريص على الفوز بفضل الشهادة؛ فإن يرزق الله الظفر والفلج فذلك الذي نريد ونرجو؛ وإن تكن الأخرى؛ فلست بأول من قاتل فقتل، وما عند الله أجزل وأفضل. وقال علي لأصحابه: بادروا القوم؛ فإن عددهم قليل، ولو زحفتم إليهم لم يكن لهم صبر على حرارة السيوف وطعن الرماح. وعبأ جنده ميمنة وميسرة وقلباً؛ وصير عشر رايات؛ في كل راية ألف رجل، وقدم الرايات رايةً رايةً، فصير بين كل راية وراية غلوة، وأمر أمراءها: إذا قاتلت الأولى فصبرت وحمت وطال بها القتال أن تقدم التي تليها وتؤخر التي قاتلت حتى ترجع إليها أنفسها، وتستريح وتنشط للمحاربة والمعاودة. وصير أصحاب الدروع والجواشن والخوذ أمام الرايات، ووقف في القلب في أصحابه من آهل البأس والحفاظ والنجدة منهم. وكتب طاهر بن الحسين كتائبه وكردس كراديسه، وسوى صفوفه، وجعل يمر بقائد قائد، وجماعة جماعة؛ فيقول: يا أولياء الله وأهل الوفاء والشكر؛ إنكم لستم كهؤلاء الذين ترون من أهل النكث والغدر؛ إن هؤلاء ضيعوا ما حفظتم وصغروا ما عظمتم، ونكثوا الأيمان التي رعيتم؛ وإنما يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل؛ أصحاب سلب ونهب؛ فلو قد غضضتم الأبصار، وأثبتم الأقدام! قد أنجز الله وعده، وفتح عليكم أبواب عزه ونصره؛ فجالدوا طواغيت الفتنة و يعاسيب النار عن دينكم، ودافعوا بحقكم باطلهم؛ فإنما هي ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين. وقلق قلقاً شديداً، وأقبل يقول: يا أهل الوفاء والصدق؛ الصبر الصبر الحفاظ الحفاظ! وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض، ووثب أهل الري، فغلقوا أبواب المدينة، ونادى طاهر: يا أولياء الله، اشتغلوا بمن أمامكم عمن خلفكم؛ فإنه لا ينجيكم إلا الجد والصدق. وتلاحموا واقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر الفريقان جميعاً، وعلت ميمنة علي على ميسرة طاهر ففضتها فضاً منكراً، وميسرته على ميمنته فأزالتها عن موضعها. وقال طاهر: اجعلوا بأسكم وجدكم على كراديس القلب؛ فإنكم لو فضضتم منها راية واحدة رجعت أوائلها على أواخرها. فصبر أصحابه صبراً صادقا، ثم حملوا على أوائل رايات القلب فهزموهم؛ وأكثروا فيهم القتل؛ ورجعت الرايات بعضها على بعض، وانتقضت ميمنة علي. ورأى أصحاب ميمنة طاهر وميسرته ما عمل أصحابه، فرجعوا على من كان في وجوههم، فهزموهم، وانتهت الهزيمة إلى علي فجعل ينادي أصحابه: أين أصحاب الأسورة والأكاليل! يا معشر الأبناء، إلى الكرة بعد الفرة؛ معاودة الحرب من الصبر فيها. ورماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله، ووضعوا فيهم السيوف يقتلونهم ويأسرونهم؛ حتى حال الليل بينهم وبين الطلب، وغنموا غنيمة كثيرة؛ ونادى طاهر في أصحاب علي: من وضع سلاحه فهو آمن، فطرحوا أسلحتهم، ونزلوا عن دوابهم، ورجع طاهر إلى مدينة الري، وبعث بالأسرى والرءوس إلى المأمون. وذكر أن عبد الله بن علي بن عيسى طرح نفسه في ذلك اليوم بين القتلى، وقد كانت به جراحات كثيرة، فلم يزل بين القتلى متشبها بهم يومه وليلته؛ حتى أمن الطلب، ثم قام فانضم إلى جماعة من فل العسكر، ومضى إلى بغداد، وكان من أكابر ولده. وذكر سفيان بن محمد أن علياً لما توجه إلى خراسان بعث المأمون إلى من كان معه من القواد يعرض عليهم قتاله رجلاً رجلاً؛ فكلهم يصرخ بالهيبة، ويعتل بالعلل، ليجدوا إلى الإعفاء من لقائه ومحاربته سبيلاً. وذكر بعض أهل خراسان أن المأمون لما أتاه كتاب طاهر، بخبر علي وما أوقع الله به، قعد للناس؛ فكانوا يدخلون فيهنئونه ويدعون له بالعز والنصر. وإنه في ذلك اليوم أعلن خلع محمد، ودعي له بالخلافة في جميع كور خراسان وما يليها، وسر أهل خراسان، وخطب بها الخطباء، وأنشدت الشعراء، وفي ذلك يقول شاعر من أهل خراسان: أصبحت الأمة في غبطةٍ ... من أمر دنياها ومن دينها إذ حفظت عهد إمام الهدى ... خير بني حواء مأمونها على شفاً كانت فلما وفت ... تخلصت من سوء تحيينها قامت بحق الله إذ زبرت ... في ولده كتب دواوينها ألا تراها كيف بعد الردى ... وفقها الله لتزيينها! وهي أبيات كثيرة. وذكر علي بن صالح الحربي أن علي بن عيسى لما قتل، أرجف الناس ببغداد إرجافاً شديداً، وندم محمد على ما كان من نكثه وغدره، ومشى القواد بعضهم إلى بعض، وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة خمس وتسعين ومائة، فقالوا: إن علياً قد قتل، ولسنا نشك أن محمداً يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب الصنائع؛ وإنما يحرك الرجال أنفسها، ويرفعها بأسها وإقدامها؛ فليأمر كل رجل منكم جنده بالشغب وطلب الأرزاق والجوائز؛ فلعلنا أن نصيب منه في هذه الحالة ما يصلحنا، ويصلح جندنا.فاتفق على ذلك رأيهم وأصبحوا، فتوافوا إلى باب الجسر وكبروا، فطلبوا الأرزاق والجوائز. وبلغ الخبر عبد الله بن خازم، فركب إليهم في أصحابه وفي جماعة غيره من قواد الأعراب، فتراموا بالنشاب والحجارة، واقتتلوا قتالاً شديداً، وسمع محمد التكبير والضجيج؛ فأرسل بعض مواليه أن يأتيه بالخبر، فرجع إليه فأعلمه أن الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم. قال: فهل يطلبون شيئاً غير الأرزاق؟ قال: لا، قال: ما أهون ما طلبوا! ارجع إلى عبد الله بن خازم فمره فلينصرف عنهم؛ ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر، ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين، وأمر للقواد والخواص بالصلات والجوائز. توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهروفي هذه السنة وجه محمد المخلوع عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي إلى همذان لحرب طاهر. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عبد الله بن صالح أن محمداً لما انتهى إليه قتل علي بن عيسى بن ماهان، واستباحة طاهر عسكره، وجه عبد الرحمن الأبناوي في عشرين ألف رجل من الأبناء، وحمل معه الأموال، وقواه بالسلاح والخيل، وأجازه بجوائز، وولاه حلوان إلى ما غلب عليه من أرض خراسان، وندب معه فرسان الأبناء وأهل البأس والنجدة والغناء منهم، وأمره بالإنكماش في السير، وتقليل اللبث والتضجع؛ حتى ينزل مدينة همذان، فيسبق طاهراً إليها، ويخندق عليه وعلى أصحابه، ويجمع إليه آلة الحرب، ويغادي طاهراً وأصحابه إلى القتال. وبسط يده وانفذ أمره في كل ما يريد العمل به، وتقدم إليه في التحفظ والاحتراس، وترك ما عمل به من الاغترار والتضجع، فتوجه عبد الرحمن حتى نزل مدينة همذان، فضبط طرقها، وحصن سورها وأبوابها، وسد ثلمها، وحشر إليها الأسواق والصناع، وجمع الآلات والمير، واستعد للقاء طاهر ومحاربته. بين الري وهمذان؛ فكان لا يمر به أحد من قبل أبيه إلا احتسبه؛ وكان يرى أن محمداً سيوليه مكان أبيه، ويوجه إليه الخيل والرجال؛ فأراد أن يجمع الفل إلى أن يوافيه القوة والمدد؛ وكتب إلى محمد يستمده ويستنجده؛ فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن الأبناوي، ويأمره بالمقام موضعه؛ وتلقى طاهر فيمن معه؛ وإن احتاج إلى قوة ورجال كتب إلى عبد الرحمن فقواه وأعانه. فلما بلغ طاهراً الخبر توجه نحو عبد الرحمن وأصحابه، فلما قرب من يحيى، قال يحيى لأصحابه: إن طاهراً قد قرب منا ومعه من تعرفون من رجال خراسان وفرسانها، وهو صاحبكم بالأمس، ولا آمن عن لقيته بمن معي من هذا الفل أن يصدعنا صدعاً يدخل وهنه على من خلفنا ، وأن يعتل عبد الرحمن بذلك، ويقلدني به العار والوهن والعجز عند أمير المؤمنين، وأن أستنجد به وأقمت على انتظار مدده؛ لم آمن أن يمسك عنا ضناً برجاله وإبقاءً عليهم، وشحاً بهم على القتل؛ ولكن نتزاحف إلى مدينة همذان فنعسكر قريباً من عبد الرحمن؛ فإن استعنا به قرب منا عونه؛ وإن احتاج إلينا أعناه وكنا بفنائه، وقاتلنا معه. قالوا: الرأي ما رأيت؛ فانصرف يحيى، فلما قرب من مدينة همذان خذله أصحابه، وتفرق أكثر من كان اجتمع إليه، وقصد طاهر لمدينة همذان؛ فأشرف عليها، ونادى عبد الرحمن في أصحابه، فخرج على تعبية، فصادف طاهراً، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر الفريقان جميعاً، وكثر القتلى والجرحى فيهم. ثم إن عبد الرحمن انهزم، فدخل مدينة همذان، فأقام بها أياماً حتى قوي أصحابه، واندمل جرحاهم، ثم أمر بالاستعداد، وزحف إلى طاهر؛ فلما رأى طاهر أعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا، قال لأصحابه: إن عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم؛ فإذا قربتم منه قاتلكم؛ فإن هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها، وقاتلكم على خندقها، وامتنع بأبوابها وسورها؛ وإن هزمكم اتسع لهم المجال عليكم، وأمكنته سعة المعترك من قتالكم، وقتل من انهزم وولى منكم؛ ولكن قفوا من خندقنا وعسكرنا قريباً؛ فإن تقارب منا قاتلناه؛ وإن بعد من خندقهم قربنا منه. فوقف طاهر مكانه، وظن عبد الرحمن أن الهيبة بطأت به من لقائه والنهود إليه، فبادر قتاله فاقتتلوا قتالاً شديداً، وصبر طاهر، وأكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل عبد الرحمن يقول لأصحابه: يا معشر الأبناء، يا أبناء الملوك وألفاف السيوف؛ إنهم العجم، وليسوا بأصحاب مطاولة ولا صبر؛ فاصبروا لهم فداكم أبي وأمي! وجعل يمر على راية راية، فيقول: اصبروا؛ إنما صبرنا ساعة، هذا أول الصبر والظفر. وقات بيديه قتالاً شديداً، وحمل حملات منكرة ما منها حملة إلا وهو يكثر في أصحاب طاهر القتل؛ فلا يزول أحد ولا يتزحزح. ثم إن رجلاً من أصحاب طاهر حمل على أصحاب علم عبد الرحمن فقتله، وزحمهم أصحاب طاهر زحمة شديدة، فولوهم أكتافهم، فوضعوا فيهم السيوف، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا بهم إلى باب مدينة همذان؛ فأقام طاهر على باب المدينة محاصراً لهم وله؛ فكان عبد الرحمن يخرج في كل يوم فيقاتل على أبواب المدينة، ويرمي أصحابه بالحجارة من فوق السور، واشتد بهم الحصار، وتأذى بهم أهل المدينة، وتبرموا بالقتال والحرب، وقطع طاهر عنهم المادة من كل وجه. فلما رأى عبد الرحمن، ورأى أصحابه قد هلكوا وجهدوا، وتخوف أن يثب به أهل همذان أرسل إلى طاهر فسأله الأمان له ولمن معه؛ فآمنه طاهر ووفى له، واعتزل عبد الرحمن فيمن كان استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن علي. تسمية طاهر بن الحسين ذا اليمينينوفي هذه السنة سمي طاهر بن الحسين ذا اليمينين. ذكر الخبر عن ذلك قد مضى الخبر عن السبب الذي من أجله سمي بذلك، ونذكر الذي سماه بذلك. ذكر أن طاهراً لما هزم جيش علي بن عيسى بن ماهان، وقتل علي بن عيسى، وكتب إلى الفضل بن سهل: أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداك! كتبت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري، وخاتمه في يدي، والحمد لله رب العالمين. فنهض الفضل، فسلم على المأمون بأمير المؤمنين؛ فأمد المأمون طاهر بن الحسين بالرجال والقواد، وسماه ذا اليمين، وصاحب حبل الدين، ورفع من كان معه في دون الثمانين إلى الثمانين. ظهور السفياني بالشاموفي هذه السنة ظهر بالشأم السفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، فدعا إلى نفسه؛ وذلك في ذي الحجة منها، فطرد عنها سليمان بن أبى جعفر بعد حصره إياه بدمشق - وكان عامل محمد عليها - فلم يفلت منه إلا بعد اليأس، فوجه إليه محمد المخلوع الحسين بن علي بن ماهان، فلم ينفذ إليه؛ ولكنه لما صار إلى الرقة أقام بها. طرد طاهر عمال الأمين عن قزوين وكور الجبالوفي هذه السنة طرد طاهر عمال محمد عن قزوين وسائر كور الجبال. ذكر الخبر عن سبب لك ذكر علي بن عبد الله بن صالح أن طاهراً لما توجه إلى عبد الرحمن الأبناوي بهمذان، تخوف أن يثب به كثير بن قادرة - وهو بقزوين عامل من عمال محمد - في جيش كثيف إن هو خلفه وراء طهره؛ فلما قرب طاهر من همذان أمر أصحابه بالنزول فنزلوا. ثم ركب في ألف فارس وألف راجل، ثم قصد كثير بن قادرة، فلما قرب منه هرب كثير وأصحابه. وأخلى قزوين، وجعل طاهر فيها جنداً كثيفاً، وولاها رجلاً من أصحابه، وأمر أن يحارب من أراد دخولها من أصحاب عبد الرحمن الأبناوي وغيرهم. ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناويوفي هذه السنة قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي بأسداباذ. ذكر الخبر عن مقتله: ذكر عبد الرحمن بن صالح أن محمداً المخلوع لما وجه عبد الرحمن الأبناوي إلى همذان، أتبعه بابني الحرشي: عبد الله وأحمد، في خيل عظيمة من أهل بغداد، وأمرهما أن ينزلا قصر اللصوص، وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن، ويكونا مدداً له إن احتاج إلى عونهما. فلما خرج عبد الرحمن إلى طاهر في الأمان أقام عبد الرحمن يري طاهراً وأصحابه أنه له مسالم، راض بعهودهم وأيمانهم؛ ثم اغترهم وهم آمنون. فركب في أصحابه، فلم يشعر طاهر وأصحابه حتى هجموا عليهم، فوضعوا فيهم السيوف، فثبت لهم رجالة أصحاب طاهر بالسيوف والتراس والنشاب، وجثوا على الركب، فقاتلوه كأشد ما يكون من القتال، ودافعهم الرجال إلى أن أخذت الفرسان عدتها وأهبتها، وصدقوهم القتال، فاقتتلوا قتالاً منكراً، حتى تقطعت السيوف، وتقصفت الرماح. ثم إن أصحاب عبد الرحمن هربوا، وترجل هو في ناس من أصحابه، فقاتل حتى قتل، فجعل أصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب فاهرب؛ فإن القوم قد كلوا من القتال، وأتعبتهم الحرب، وليس بهم حراك ولا قوة على الطلب، فيقول: لا أرجع أبداً، ولا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزماً. وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، واستبيح عسكره، وانتهى من أفلت من أصحابه إلى عسكر عبد الله وأحمد ابني الحرشي، فدخلهم الوهن والفشل، وامتلأت قلوبهم خوفاً ورعباً فولوا منهزمين لا يلوون على شيء من غير أن يلقاهم أحد؛ حتى صاروا إلى بغداد، وأقبل طاهر وقد خلت له البلاد، يحوز بلدةً بلدةً، وكورةً كورةً؛ حتى نزل بقرية من قرى حلوان يقال لها شلاشان؛ فخندق بها، وحصن عسكره، وجمع إليه أصحابه. وقال رجل من الأبناء يرثي عبد الرحمن الأبناوي: ألا إنما تبكي العيون لفارس ... نفى العار عنه بالمناصل والقنا تجلى غبار الموت عن صحن وجهه ... وقد أحرز العليا من المجد واقتنى فتى لا يبالي إن دنا من مروءةٍ ... أصاب مصون النفس أو ضيع الغنى يقيم لأطراف الذوابل سوقها ... ولا يرهب الموت المتاح إذ ادنا وكان العامل في هذه السنة على مكة والمدينة من قبل محمد بن هارون داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو الذي حج بالناس في هذه السنة وسنتين قبلها وذلك سنة ثلاث وتسعين ومائة، وأربع وتسعين ومائة. وعلى الكوفة العباس بن موسى الهادي من قبل محمد. وعلى البصرة منصور بن المهدي من قبل محمد. وبخراسان المأمون، وببغداد أخوه محمد. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر توجيه الأمين الجيوش لحرب طاهر بن الحسين فمما كان من ذلك حبس محمد بن هارون أسد بن يزيد بن مزيد، وتوجيهه أحمد بن مزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة إلى حلوان لحرب طاهر. ذكر الخبر عن سبب حبسه وتوجيهه من ذكرتذكر عبد الرحمن بن وثاب أن أسد بن يزيد بن مزيد حدثه، أن الفضل بن الربيع بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن الأبناوي. قال: فأتيته، فلما دخلت عليه وجدته قاعداً في صحن داره، وفي يده رقعة قد قرأها، واحمرت عيناه واشتد غضبه، وهو يقول: ينام نوم الظربان؛ وينتبه انتباه الذئب، همه بطنه، يخاتل الرعاء والكلاب ترصده. لا يفكر في زوال نعمة، ولا يروي في إمضاء رأي ولا مكيدة؛ قد ألهاه كأسه وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، والأيام توضع في هلاكه؛ قد شمر عبد الله له عن ساقه، وفوق له أصوب أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ، والموت القاصد، قد عبى له المنايا على متن الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع، وتمثل بشعر البعيث: ومجدولة جدل العنان خريدة ... لها شعر جعد ووجه مقسم وثغر نقي اللون عذب مذاقه ... تضيء لها الظلماء ساعة تبسم وثديان كالحقين، والبطن ضامر ... خميص، وجهم ناره تتضرم لهوت بها ليل التمام ابن خالدٍ ... وأنت بمرو الروذ غيظاً تجرم أظل أناغيها وتحت ابن خالدٍ ... أمية نهد المركلين عثمثم طواه طراد الخيل في كل غارة ... لها عارض فيه الأسنة ترزم يقارع أتراك ابن خاقان ليلةً ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم فيصبح من طول الطراد، وجسمه ... نحيل وأضحى في النعيم أصمصم أباكرها صهباء كالمسك ريحها ... لها أرج في دنها حين ترشم فشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله قاسم ثم التفت إلي فقال: يا أبا الحارث، أنا وإياك نجري إلى غاية، إن قصرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعب من أصل؛ إن قوي قوينا؛ وإن ضعف ضعفنا؛ إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء، يشاور النساء، ويعتزم على الرؤيا؛ وقد أمكن مسامعه من أهل اللهو والجسارة، فهم يعدونه الظفر، ويمنونه عقب الأيام؛ والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل؛ وقد خشيت والله أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه؛ فارس العرب وابن فارسها؛ قد فزع إليك في لقاء هذا الرجل وأطمعه فيما قبلك أمران؛ أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك، والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك؛ وقد أمرني إزاحة علتك وبسط يدك فيما أحببت؛ غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة، فأنجز حوائجك، وعجل المبادرة إلى عدوك؛ فإني أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة. فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين - أعزه الله - وطاعتك مقدم، ولكل ما أدخل الوهن والذل على عدوه وعدوك حريص؛ غير أن المحارب لا يعمل بالغرور، ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل؛ وإنما ملاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال؛ وقد ملأ أمير المؤمنين أعزه الله أيدي من شهد العسكر من جنوده، وتابع لهم الأرزاق والدارة والصلات والفوائد الجزيلة، فإن سرت بأصحابي وقلوبهم متطلعة إلى من خلفهم من إخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء من أمامي، وقد فضل أهل السلم على أهل الحرب، وجاز بأهل الدعة منازل أهل النصب والمشقة؛ والذي أسأل أن يؤمر لأصحابي برزق سنة، ويحمل معهم أرزاق سنة، ويخص من لا خاصة له منهم من أهل الغناء والبلاء، وأبدل من فيهم من الزمنى والضعفاء، وأحمل ألف رجل ممن معي على الخيل؛ ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور. فقال: قد اشتططت؛ ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ركب وركبت معه ، فدخل قبلي على محمد، وأذن لي فدخلت، فما كان بيني وبينه إلا كلمتان حتى غضب وأمر بحبسي. وذكر عن بعض خاصة محمد أن أسداً قال لمحمد: ادفع إلي ولدي عبد الله المأمون حتى يكونا أسيرين في يدي؛ فإن أعطاني الطاعة ،وألقى إلي بيده، وإلا عملت فيهما أمري. فقال: أنت أعرابي مجنون؛ أدعوك إلى ولاء أعنة العرب والعجم، وأطعمك خراج كور الجبال إلى خراسان، وارفع منزلتك عن نظرائك من أبناء القواد والملوك، وتدعوني إلى قتل ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إن هذا للخرق والتخليط. وكان ببغداد ابنان لعبد الله المأمون، وهما مع أمهما أم عيسى ابنة موسى الهادي، نزولأ في قصر المأمون ببغداد؛ فلما ظفر المأمون ببغداد خرجا إليه مع أمهما إلى خراسان؛ فلم يزالا بها حتى قدموا بغداد، وهما اكبر ولده. وذكر عن زياد بن علي، قال: لما غضب محمد على أسد بن زيد، وأمر بحبسه، قال: هل في أهل بيت هذا من يقوم من مقامه؛ فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم؟ قالوا: نعم؛ فيهم أحمد بن مزيد، وهو أحسنهم طريقة، وأصحهم نية في الطاعة،وله مع هذا بأس ونجده وبصر بسياسة الجنود ولقاء الحروب؛ فأنفذ إليه محمد بريداً يأمره بالقدوم عليه؛ فذكر بكر بن أحمد، قال: كان أحمد متوجهاً إلى قرية تدعى إسحاقية، ومعه نفر من أهل بينه ومواليه وحشمه؛ فلما جاوز نهر أبان سمع صوت بريد في جوف الليل، فقال: إن هذا لعجيب، بريد في مثل هذه الساعة وفي مثل هذا الموضع! إن هذا الأمر لعجيب. ثم لم يلبث البريد أن وقف، ونادى الملاح: هل معك أحمد ابن مزيد؟ قال: نعم؛ فنزل فدفع إليه كتاب محمد، فقرأه ثم قال: إني قد بلغت ضيعتي؛ وإنما بيني وبينها ميل؛ فدعني أقعها وقعة فآمر فيها بما أريد ثم أغدو معك، فقال: لا، إن أمير المؤمنين أمرني ألا أنظرك ولا أرفهك؛ وأن أشخصك أي ساعة صادفتك فيها؛ من ليل أو نهار فانصرف معه حتى الكوفة، فأقام بها يوماً حتى تجمل وأخذ أهبة السفر، ثم مضى إلى محمد. فذكر عن أحمد، قال: لما دخلت بغداد، بدأت بالفضل بن الربيع، فقالت: أسلم عليه، وأستعين بمنزلته ومحضره عند محمد؛ فلما أذن لي دخلت عليه؛ وإذا عنده عبد الله بن حميد بن قحطبة، وهو يريده على الشخوص إلى طاهر، وعبد الله يشتط عليه في طلب المال والإكثار من الرجال؛ فلما رآني رحب بي وأخذ بيدي، ورفعني حتى صيرني معه على صدر المجلس، وأقبل على عبد الله يداعبه ويمازحه، فتبسم في وجهه، ثم قال: إنا وجدنا لكم إذ رث حبلكم ... من آل شيبان أما دونكم وأبا الأكثرون إذا عد الحصى عدداً ... والأقربون إلينا منكم نسبا فقال عبد الله: إنهم لكذلك؛ وإن منهم لسد الخلل ونكاء العدو، ودفع معرة أهل المعصية عن أهل الطاعة . ثم أقبل على الفضل، فقال: إن أمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتك له بحسن الطاعة وفضل النصيحه والشدة على أهل المعصيه، والتقدم بالرأي، فاحب اصطناعك والتنويه باسمك، وأن يرفعك إلى منزلة لم يبلغها أحد من أهل بيتك. والتفت إلى خادمه، فقال: يا سراج؛ مر دوابي، فلم ألبث أن أسرج له، فمضى ومضيت معه، حتى دخلنا على محمد وهو في صحن داره، له ساج، فلم يزل يأمرني بالدنو حتى كدت ألاصقه، فقال: إنه قد كثر علي تخليط ابن أخيك وتنكره، وطال خلافه علي حتى أوحشني ذلك منه، وولد في قلبي التهمة له، وصيرني لسوء المذهب وخبث الطاعة إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أحب أن أكون أتناوله، وقد وصفت لي بخير، ونسبت إلى جميل فأحببت أن أرفع قدرك وأعلي منزلتك، وأقدمك على أهل بيتك، وأن أوليك جهاد هذه الفئة الباغية ا لناكثة، وأعرضك للأجر والثواب في قتالهم ولقائهم؛ فانظر كيف تكون، وصحح نيتك، وأعن أمير المؤمنين على اصطناعك، وسره في عدوه ينعم سرورك وتشريفك. فقلت: سأبذل في طاعة أمير المؤمنين أعزه الله مهجتي، وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله عندي، ورجاه من غنائي وكفايتي، إن شاء الله. فقال: يا فضل ، قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ادفع إليه دفاتر أصحاب أسد، واضمم إليه من شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب، وقال: أكمش على أمرك، وعجل المسير إليه. فخرجت فانتخبت الرجال واعترضت الدفاتر، فبلغت عدة من صححت اسمه عشرين ألف رجل. ثم توجهت بهم إلى حلوان. وذكر أن أحمد بن مزيد لما أراد الشخوص دخل على محمد، فقال: أوصني أكرم الله أمير المؤمنين! فقال: أوصيك بخصال عدة: إياك والبغي، فإنه عقال النصر، ولا تقدم رجلاً إلا باستخارة، ولا تشهر سيفاً إلا بعد إعذار؛ ومهما قدرت باللين فلا تتعده إلى الخرق والشره، وأحسن صحابة من معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كل يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي؛ ولا تستقها فيما تتخوف رجوعه علي، وكن لعبد الله أخاً مصافياً، وقريناً براً، وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عنه إذا استصرخك؛ ولتكن أيديكما واحدةً، وكلمتكما متفقة. ثم قال: سل حوائجك، وعجل السراح إلى عدوك. فدعا له أحمد، وقال: يا أمير المؤمنين، كثر لي الدعاء ولا تقبل في قول باغ، ولا ترفضني قبل المعرفة بموضع قدمي لك، ولا تنقض علي ما استجمع من رأي، ومن علي بالصفح عن ابن أخي، قال: ذلك لك. ثم بعث إلى أسد فحل قيوده وخلى سبيله، فقال أبو الأسد الشيباني في ذلك يمدح أحمد ويذكر حاله ومنزلته: ليهن أبو العباس رأي إمامه ... وما عنده منه القضا بمزيد دعاه أمير المؤمنين إلى التي ... يقصر عنها ظل كل عميد فبادرها بالرأي والحزم والحجى ... ورأي أبي العباس رأي سديد نهضت بما أعيا الرجال بحمله ... وأنت بسعد حاضر وسعيد رددت بها للرائدين أعزهم ... ومثلك والى طارفاً بتليد كفى أسداً ضيق الكبول وكربها ... وكان عليه عاطفاً كيزيد وحصله فيها كليث غضنفر ... أبي أشبل عبل الذراع مديد وذكر يزيد بن الحارث أن محمداً وجه أحمد بن مزيد في عشرين ألف رجل من الأعراب، وعبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألف رجل من الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حلوان، ويدفعا طاهراً وأصحابه عنها؛ وإن أقام طاهر بشلاشان أن يتوجها إليه في أصحابهما حتى يدفعاه، وينصبا له الحرب، وتقدم إليهما في اجتماع الكلمة والتواد والتحاب على الطاعة؛ فتوجها حتى نزلا قريباً من حلوان بموضع يقال له خانقين، وأقام طاهر بموضعه، وخندق عليه وعلى أصحابه، ودس الجواسيس والعيون إلى عسكريهما؛ فكانوا يأتونهم بالأراجيف، ويخبرونهم أن محمداً قد وضع العطاء لأصحابه؛ وقد أمر لهم من الأرزاق بكذا وكذا؛ ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغب بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضاً، فأخلوا خانقين، ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهراً، ويكون بينهم وبينه قتال. وتقدم طاهر حتى نزل حلوان؛ فلما دخل طاهر حلوان لم يلبث إلا يسيراً حتى أتاه هرثمة بن أعين بكتاب المأمون والفضل بن سهل، يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكور إليه، والتوجه إلى الأهواز، فسلم ذلك إليه، وأقام هرثمة بحلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها، وتوجه طاهر إلى الأهواز. ذكر رفع منزلة الفضل بن سهل عند المأمون وفي هذه السنة رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدره. ذكر الخبر عما كان من المأمون إليه في ذلكذكر أن المأمون لما انتهى إليه الخبر عن قتل طاهر علي بن عيسى واستيلائه على عسكره وتسميته إياه أمير المؤمنين؛ وسلم الفضل بن سهل عليه بذلك، وصح عنده الخبر عن قتل طاهر عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي وغلبته على عسكره، دعا الفضل بن سهل، فعقد له في رجب من هذه السنة على المشرق؛ من جبل همذان إلى جبل سقينان والتبت طولاً، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضاً؛ وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم،وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين، وأعطاه علماً، وسماه ذا الرياستين؛ فذكر بعضهم أنه رأى سيفه عند الحسن بن سهل مكتوبا عليه بالفضة من جانب: رياسة الحرب، ومن الجانب الآخر: رياسة التدبير. فحمل اللواء علي بن هاشم، وحمل العلم نعيم بن حازم، وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج. ذكر خبر ولاية عبد الملك بن صالح على الشام وفي هذه السنة ولى محمد بن هارون عبد الملك بن صالح بن علي على الشأم وأمره بالخروج إليها، وفرض له من رجالها جنوداً يقاتل بها طاهراً وهرثمة. ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك: ذكر داود بن سليمان أن طاهراً لما قوي واستعلى أمره، وهزم من هزم من قواد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد - وكان عبد الملك محبوساً في حبس الرشيد؛ فلما توفي الرشيد، وأفضى الأمر إلى محمد أمر بتخلية سبيله؛ وذلك في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين ومائة، فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته - فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلت سماحتك؛ فإن أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم؛ وليس تملك الجنود بالإمساك، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف؛ ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم، ونهكتهم وأضعفتم الحرب والوقائع؛ وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم، ونكولاً عن لقائهم ومناهضتهم؛ فإن سيرنهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم، وأهل الشأم قوم قد ضرستهم الحروب، وأدبتهم الشدائد، وجلهم منقاد إلي، مسارع إلى طاعتي، فإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جنداً تعظم نكايتهم في عدوه، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته. فقال محمد: فإني موليك أمرهم، ومقويك بما سألت من مال وعدة، فعجل الشخوص إلى ما هنالك؛ فاعمل عملاً يظهر أثره، ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله. فولاه الشام والجزيرة، واستحثه بالخروج استحثاثاً شديداً، ووجه معه كنفاً من الجند والأبناء. وفي هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشأم، فلما بلغ الرقة أقام بها، وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشأم بجمع الرجال بها، وإمداد محمد بهم لحرب طاهر. ذكر الخبر عن ذلك: قد تقدم ذكري عن سبب توجيه محمد إياه لذلك؛ فذكر داود بن سليمان أنه لما قدم عبد الملك الرقة، أنفذ رسله، وكتب إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته، فقدموا عليه رئيساً بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة؛ فكان لا يدخل عليه أحد إلى أجازه وخلع عليه وحمله؛ فأتاه أهل الشأم: الزواقيل والأعراب من كل فج، واجتمعوا عنده حتى كثروا. ثم إن بعض جند أهل خراسان نظر إلى دابة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل فتعلق بها، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا؛ واجتمعت جماعة من الزواقيل والجند، فتلاحموا، وأعان كل فريق منهم صاحبه، وتلاطموا وتضاربوا بالأيدي، ومشى بعض الأبناء إلى بعض، فاجتمعوا إلى محمد بن أبي خالد، فقالوا: أنت شيخنا وفارسنا؛ وقد ركب الزواقيل منا ما قد بلغك؛ فاجمع أمرنا وإلا استذلونا، وطمعوا فينا، وركبوا بمثل هذا في كل يوم. فقال: ما كنت لأدخل في شغب، ولا أشاهدكم على مثل الحالة. فاستعد الأبناء وتهيئوا، وأتوا الزواقيل وهم غارون فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذبحوهم في رحالهم، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولهم، ولبسوا أسلحتهم، ونشبت الحرب بينهم. وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح فوجه إليهم رسولاً يأمرهم بالكف ووضع السلاح، فرموه بالحجارة، واقتتلوا يومهم ذلك قتالاً شديداً، وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل؛ فأخبر عبد الملك بكثرة من قتل - وكان مريضاً مدنفاً - فضرب بيده على يد، ثم قال: وا ذلاه! تستضام العرب في دارها ومحلها وبلادها! فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء، وتفاقم الأمر فيما بينهم، وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وأصبح الزواقيل؛ فاجتمعوا بالرقة، واجتمع الأبناء وأهل خراسان بالرافقة؛ وقام رجل من أهل حم، فقال: يا أهل حمص، الهرب أهون من العطب، والموت أهون من الذل؛ إنكم بعدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة! ألا وفي الشر وقعتم، وإلى حومة الموت أنختم. إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم. النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل! وقال رجل من كلب في غرز ناقته، ثم قال: شؤبوب حرب خاب من يصلاها ... قد شرعت فرسانها قناها فأورد الله لظى لظاها ... إن غمرت كلب بها لحاها ثم قال: يا معشر كلب؛ إنها الراية السوداء؛ والله ما ولت ولا عدلت ولا ذل ناصرها، ولا ضعف وليها، وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خراسان في رقابكم، وآثار أسنتهم في صدوركم. اعتزلوا الشر قبل أن يعظم، وتخطوه قبل أن يضرم. شأمكم شأمكم، داركم داركم! الموت الفلسطيني خير من العيش الجزري. ألا وإني راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي. ثم سار وسار معه عامة أهل الشأم، وأقبلت الزواقيل حتى أضرموا ما كان التجار جمعوا من الأعلاف بالنار، وأقام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان مع جماعة أهل خراسان والأبناء على باب الرافقة تخوفاً لطوق بن مالك. فأتى طوقاً رجل من بني تغلب، فقال: ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء! انهض فإن مثلك لا يقعد عن هذا الأمر، قد مد أهل الجزيرة أعينهم إليك، وأملوا عونك ونصرك. فقال: والله ما أنا من قيسها ولا يمنها، ولا كنت في أول هذا الأمر لأشهد آخره؛ وإني لأشهد إبقاء على قومي، وأنظر لعشيرتي من أن أعرضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال قيس، وما أرى السلامة إلا في الإعتزال. وأقبل نصر بن شبث في الزواقيل على فرس كميت أغر، عليه دراعة سوداء قد ربطها خلف ظهره، وفي يده رمح وترس، وهو يقول: فرسان قيس اصمدن للموت ... لاترهبني عن لقاء الفوت دع التمني بعسى وليت ثم حمل هو وأصحابه، فقاتل قتالاً شديداً، فصبر لهم الجند، وكثر القتل في الزواقيل، وحملت الأبناء حملات، في كلها يقتلون ويجرحون؛ وكان أكثر القتل والبلاء في تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبي الفيل وداود بن موسى بن عيسى الخراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو السلمي والعباس بن زفر. وتوفي في هذه السنة عبد الملك بن صالح. ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون وفي هذه السنة خلع محمد بن هارون، وأخذت عليه البيعة لأخيه عبد الله المأمون ببغداد وفيها حبس محمد بن هارون في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر. ذكر الخبر عن سبب خلعه: ذكر عن داود بن سليمان أن عبد الملك بن صالح لما توفي بالرقة، نادى الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان في الجند، فصير الرجالة في السفن والفرسان على الظهر ووصلهم، وقوى ضعفاءهم، ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة؛ وذلك في سنة ست وتسعين ومائة. وذكر أحمد بن عبد الله، أنه كان فيمن شهد مع عبد الملك الجزيرة لما انصرف بهم الحسين بن علي، وذلك في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. وذكر أنه تلقاه الأبناء وأهل بغداد بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القباب، واستقبله القواد والرؤساء والأشراف، ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة؛ فلما كان في جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه؛ فقال للرسول: والله ما أنا بمغن ولا بمسامر ولا مضحك؛ ولا وليت له عملاً، ولا جرى له على يدي مال؛ فلأي شيء يريدني في هذه الساعة! انصرف؛ فإذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله. فانصرف الرسول، فلما أصبح الحسين فوافى باب الجسر، واجتمع الناس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبد الله بن علي وباب سوق يحيى وقال: يا معشر الأبناء؛ إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونعمه لا تستصحب بالتجبر والتكبر؛ وإن محمداً يريد أن يوتغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرق جمعكم؛ وينقل عزكم إلى غيركم؛ وهو صاحب الزواقيل بالأمس، وبالله إن طالت به مدة وراجعه من أمره قوة، ليرجعن وبال ذلك عليكم؛ وليعرفن ضرره وكروهه في دولتكم ودعوتكم؛ فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم، فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خذل، ولا يمنعه مانع إلا قتل؛ وما عند الله لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنث بأيمانه. ثم أمر الناس بعبور الجسر فعبروا؛ حتى صاروا إلى سكة باب خراسان؛ واجتمعت الحربية وأهل الأرباض مما يلي باب الشأم، وباب الأنبار وشط الصراة مما يلي باب الكوفة. وتسرعت خيول من خيول محمد من الأعراب وغيرهم إلى الحسين بن علي؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً ملياً من النهار، وأمر الحسين من كان معه من قواده وخاصة أصحابه بالنزول فنزلوا إليهم بالسيوف والرماح، وصدقوهم القتال، وكشفوهم حتى تفرقوا عن باب الخلد. قال: فخلع الحسين بن علي محمداً يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيعة لعبد الله المأمون من غد يوم الثلاثاء، فوثب بعد الوقعة التي كانت بين الحسين وبين أصحاب محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي على محمد، ودخل عليه فأخرجه من قصر الخلد إلى قصر أبي جعفر، فحبسه هناك إلى صلاة الظهر، ثم وثب العباس بن موسى بن عيسى على أم جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبي جعفر، فأبت، فدعا لها بكرسي، وأمرها بالجلوس فيه، فقنعها بالسوط وساءها، وأغلظ لها القول، فجلست فيه، ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها. فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علي الأرزاق وماج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد بباب الشأم، فقال: أيها الناس؛ والله ما أدري بأي سبب يتأمر الحسين بن علي علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا! ما هو بأكبرنا سناً، ولا أكرمنا حسباً، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا من لا يرضى بالدنية، ولا يقاد بالمخادعة؛ وإني أولكم نقض عهده، وأظهر التغيير عليه، والإنكار لفعله؛ فمن كان رأيه رأيي فليعتزل معي. وقام أسد الحربي، فقال: يا معشر الحربية، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم وطال نومكم، وتأخرتم فقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره، فاذهبوا بذكر فكه وإطلاقه. فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فرس، فصاح بالناس: اسكتوا، فسكتوا، فقال: أيها الناس، هل تعتدون على محمد بقطعٍ منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحداً من قوادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك! قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره! أما والله ما قتل قوم خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف؛ انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه، وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به. ونهضت الحربية، ونهض معهم عامة أهل الأرباض في المشهرات والعدة الحسنة. فقاتلوا الحسين بن علي وأصحابه قتالاً شديداً منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأسر الحسين بن علي، ودخل أسد الحربي على محمد، فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة؛ فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب والجند، ولا عليهم سلاح؛ فأمرهم فأخذوا من السلاح الذي في الخزائن حاجتهم ووعدهم ومناهم، وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحاً كثيراً ومتاعاً من خز وغير ذلك؛ وأتي بالحسين بن علي، فلامه محمد على خلافه وقال له: ألم أقدم أباك على الناس، وأوله أعنة الخيل وأملأ يده من الأموال؛ وأشرف أقداركم في أهل خراسان، وأرفع منازلكم على غيركم من القواد! قال: بلى، قال: فما الذي استحققت به منك أن تخلع طاعتي، وتؤلب الناس علي، وتندبهم إلى قتالي! قال: الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله. قال: فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، وولاك الطلب بثأرك، ومن قتل من أهل بيتك. ثم دعا له بخلعة فخلعها عليه، وحمله على مراكب، وأمره بالمسير إلى حلوان، وولاه ما وراء بابه. وذكر عن عثمان بن سعيد الطائي، قال: كانت لي من الحسين بن علي ناحية خاصة، فلما رضي عنه محمد، ورد إليه قيادته ومنزلته، عبرت إليه مع المهنئين، فوجدته واقفاً بباب الجسر، فهنأته ودعوت له، ثم قلت له: إنك قد أصبحت سيد العسكرين، وثقة أمير المؤمنين، فاشكر العفو والإقالة، ثم داعبته ومازحته، ثم أنشأت أقول: هم قتلوه حين تم تمامه ... وصار معزاً بالندى والتمجد أغر كأن البدر سنة وجهه ... إذا جاء يمشي في الحديد المسرد إذا جشأت نفس الجبان وهللت ... مضى قدماً بالمشرفي المهند حليم لدى النادي جهول لدى الوغى ... عكور على الأعداء قليل التزيد فثأرك أدركه من القوم إنهم ... رموك على عمدٍ بشنعا مزند فضحك، ثم قال: ما أحرصني على ذاك إن ساعدني عمر، وأيدت بفتح ونصر. ثم وقف على باب الجسر، وهرب في نفر من خدمه ومواليه، فنادى محمد في الناس، فركبوا في طلبه، فأدركوه بمسجد كوثر، فلما بصر بالخيل نزل وقيد فرسه، وصلى ركعتين وتحرم، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في محلها يهزمهم ويقتل فيهم. ثم إن فرسه عثر به وسقط، وابتدره الناس طعناً وضرباً وأخذوا رأسه، وفي ذلك يقول علي بن جبلة - وقيل الخريمي: ألا قاتل الله الألى كفروا به ... وفازوا برأس الهرثمي حسين لقد أوردوا منه قناةً صليبةً ... بشطب يماني ورمح رديني رجا في خلاف الحق عزاً وإمرةً ... فألبسه التأميل خف حنين وقيل: إن محمداً لما صفح عن الحسين استوزره ودفع إليه خاتمه. وقتل الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه السنة في مسجد كوثر، وهو على فرسخ من بغداد في طريق النهرين. وجدد البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة، وكان حبس الحسين محمداً في قصر أبي جعفر يومين. وفي الليلة التي قتل فيها حسين بن علي هرب الفضل بن الربيع. وفي هذه السنة توجه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هرثمة من حلوان إلى الأهواز، فقتل عامل محمد عليها، وكان عامله عليها محمد بن يزيد المهلبي بعد تقديم طاهر جيوشاً أمامه إليها قبل انفصاله إليه لحربه. ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبي ودخول طاهر إلى الأهواز ذكر عن يزيد بن الحارث، قال: لما نزل طاهر شلاشان، وجه الحسين بن عمر الرستمي إلى الأهواز، وأمره أن يسير سيراً مقتصداً، ولا يسير إلا بطلائع، ولا ينزل إلا في موضع حصين يأمن فيه على أصحابه. فلما توجه أتت طاهراً عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيد المهلبي - وكان عاملاً لمحمد على الأهواز - قد توجه في جمع عظيم يريد نزول جندي سابور - وهو حد ما بين الأهواز والجبل - ليحمي الأهواز، ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر؛ وإنه في عدة وقوة، فدعا طاهر عدة من أصحابه؛ منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه والحارث بن هشام وداود بن موسى وهادي بن حفص، وأمرهم أن يكمشوا السير حتى يتصل أولهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرستمي، فإن احتاج إلى إمداد أمدوه، أو لقيه جيش كانوا ظهراً له. فوجه تلك الجيوش، فلم يلقهم أحد حتى شارفوا الأهواز. وبلغ محمد بن يزيد خبرهم، فعرض أصحابه، وقوى ضعفاءهم، وحمل الرجالة على البغال، وأقبل حتى نزل سوق عسكر مكرم، وصير العمران والماء وراء ظهره، وتخوف طاهر أن يعجل إلى أصحابه، فأمدهم بقريش بن شبل، وتوجه هو بنفسه حتى كان قريباً منهم، ووجه الحسن بن علي المأموني، وأمره بمضامة قريش بن شبل والحسين بن عمر الرستمي، وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد بعسكر مكرم؛ فجمع أصحابه فقال: ما ترون؟ أطال القوم القتال وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لي أم علي؟ فوالله ما أرى أن أرجع إلى أمير المؤمنين أبداً، ولا أنصرف عن الأهواز، فقالوا له: الرأي أن ترجع إلى الأهواز؛ فتتحصن بها وتغادي طاهراً القتال وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفروض، وتستجيش من قدرت عليه وتابعك من قومك.فقبل ما أشاروا عليه، وتابعه قومه، فرجع حتى صار بسوق الأهواز. وأمر طاهر قريش بن شبل أن يتبعه، وأن يعاجله قبل أن يتحصن بسوق الأهواز، وأمر الحسن بن علي المأموني والحسين بن عمر الرستمي أن يسيرا بعقبه؛ فإن احتاج إلى معونتهما أعاناه. ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد، كلما ارتحل محمد بن يزيد من قرية نزلها قريش؛ حتى صاروا إلى سوق الأهواز. وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها، واستند إلى العمران، فصيره وراء ظهره، وعبى أصحابه، وعزم على مواقعتهم؛ ودعا بالأموال فصبت بين يديه، وقال لأصحابه: من أحب منكم الجائزة والمنزلة فليعرفني أثره. وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريباً منه، وقال لأصحابه: الزموا مواضعكم ومصافكم، وليكن أكثر ما قاتلتموهم وأنتم مريحون، فقاتلوهم بنشاط وقوة؛ فلم يبق أحد من أصحابه إلا جمع بين يديه ما قدر من الحجارة، فلم يعبر إليهم محمد بن يزيد، حتى أوهنوهم بالحجارة، وجرحوهم جراحاتٍ كثيرة بالنشاب، وعبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد، فأمر قريش أصحابه أن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم، فقاتلوهم قتالاً شديداً حتى رجعوا، وتراد الناس بعضهم إلى بعض. والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه؛ فقال: ما رأيكم؟ قالوا: في ماذا؟ قال: إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمن من خذلانهم، ولا آمل رجعته، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي، حتى يقضي الله ما أحب، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف؛ فوالله لأن تبقوا أحب إلي من أ تعطبوا وتهلكوا. فقالوا: والله ما أنصفناك، إذاً تكون أعتقتنا من الرق ورفعتنا من الضعة، ثم أغنيتنا بعد القلة، ثم نخذلك على هذه الحال؛ بل نتقدم أمامك ونموت تحت ركابك؛ فلعن الله الدنيا والعيش بعدك. ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم، وحملوا على أصحاب قريش حملة منكرة، فأكثروا فيهم القتل، وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك؛ وانتهى بعض أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد، فطعنه بالرمح فصرعه؛ وتبادروا إليه بالضرب والطعن حتى قتلوه؛ فقال بعض أهل البصرة يرثيه، ويذكر مقتله: من ذاق طعم الرقاد من فرحٍ ... فإنني قد أضر بي سهري ولي فتى الرشد فافتقدت به ... قلبي وسمعي وغرني بصري كان غياثاً لدى المحول فقد ... ولى غمام الربيع والمطر وفي العييني للإمام ولم ... يرهبه وقع المشطب الذكر ساور ريب المنون داهيةً ... لولا خضوع العباد للقدر فامض حميداً فكل ذي أجلٍ ... يسعى إلى ما سعيت بالأثر وقال بعض المهالبة ؛ وجرح في تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده: فما لمت نفسي غير أني لم أطق ... حراكاً وأني كنت بالضرب مثخنا ولو سلمت كفاي قاتلت دونه ... وضاربت عنه الطاهري الملعنا فتىً لا يرى أن يخذل السيف في الوغى ... إذا ادرع الهيجاء في النقع واكتنى وذكر عن الهيثم بن عدي، قال: لما دخل ابن أبي عيينة على طاهر فأنشده قوله: من آنسته البلاد لم يرم ... منها ومن أوحشته لم يقم حتى انتهى إلى قوله: ما ساء ظني إلا لواحدةٍ ... في الصدر محصورةٍ عن الكلم فتبسم طاهر، ثم قال: أما والله لقد ساءني ما ساءك، وآلمني ما آلمك؛ ولقد كنت كارهاً لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بد من قطع الأواصر والتنكر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحق الطاعة؛ فظننا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم. وذكر عمر بن أسد، قال: أقام طاهر بالأهواز بعد قتله محمد بن يزيد بن حاتم، وأنفذ عماله في كورها، وولى على اليمامة والبحرين وعمان مما يلي الأهواز، ومما يلي عمل البصرة، ثم أخذ على طريق البر متوجهاً إلى واسط، وبها يومئذ السندي بن يحيى بن الحرشي والهيثم خليفة خزيمة بن خازم؛ فجعلت المسالح والعمال تتقوض، مسلحة مسلحة، وعاملاً عاملاً، كلما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا منها؛ حتى قرب من واسط، فنادى السندي بن يحيى والهيثم بن شعبة في أصحابهما، فجمعاهم إليهما؛ وهما بالقتال، وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه، فقرب إليه فرساً، فأقبل يقسم طرفه بينها، واستقبلته عدة، فرأى المراكبي التغير والفزع في وجهه فقال: إن أردت الهرب فعليك بها؛ فإنها أبسط في الركض، وأقوى على السفر. فضحك ثم قال: قرب فرس الهرب؛ فإنه طاهر، ولا عار علينا في الهرب منه، فتركا واسطاً، وهربا عنها. ودخل طاهر واسطاً، وتخوف إن سبق الهيثم والسندي إلى فم الصلح فيتحصنا بها. فوجه محمد بن طالوت، وأمره أن يبادرهما إلى فم الصلح، ويمنعهما من دخولها إن أرادا ذلك، ووجه قائداً من قواده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة. وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادي؛ فلما بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع محمداً، وكتب بطاعته إلى طاهر وببيعته للمأمون؛ ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة؛ وكتب المنصور بن المهدي - وكان عاملاً لمحمد على البصرة - إلى طاهر بطاعته، ورحل طاهر حتى نزل طرنايا؛ فأقام بها يومين فلم يرها موضعاً للعسكر، فأمر بجسر فعقد وخندق له، وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال. وكانت بيعة المنصور بن المهدي بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادي بالكوفة، وبيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلعهم محمداً في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. وقيل: إن الذي كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبل محمد الفضل بن العباس بن موسى بن عيسى. ولما كتب من ذكرت إلى طاهر ببيعتهم للمأمون وخلعه محمداً، أقرهم طاهر على أعمالهم، وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة، ويزيد بن جرير البجلي اليمن، ووجه الحارث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة. ذكر خبر استيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر وفي هذه السنة أخذ طاهر بن الحسين من أصحاب محمد المدائن؛ ثم صار منها إلى صرصر، فعقد جسراً، ومضى إلى صرصر. ذكر الخبر عن سبب دخوله المدائن ومصيره إلى صرصر ذكر أن طاهراً لما وجه إلى قصر ابن هبيرة الحارث بن هشام وداود بن موسى، وبلغ محمداً خبر عامله بالكوفة وخلعه إياه وبيعته للمأمون، وجه محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري وأمرهما أن يبيتا الحارث وداود بالقصر، فقيل لهما: ==============================================ج29. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري إن سلكتما الطريق الأعظم لم يخف ذلك عليهما؛ ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع، فإنه موضع سوق ومعسكر، فأنزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك وقد قربتما منهما، فوجه الرجال من الياسرية إلى فم الجامع. وبلغ الحارث وداود الخبر، فكبا في خيل مجرد، وتهيأ للرجالة، فعبرا من مخاضة في سوراء إليهم؛ وقد نزلوا إلى جنبها، فأوقعا بهم وقعة شديدة. ووجه الطاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مدداً للحارث وداود، فاجتمعت العساكر بالجامع، وساروا حتى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن حماد فيما بين نهر درقيط والجامع، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانهزم أهل بغداد، وهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهي، وعبر الفرات. وأخذ على طريق البرية إلى الأنبار، ورجع محمد بن حماد إلى بغداد، وقال أبو يعقوب الخريمي في ذلك: هما عدوا بالنكث كي يصدعا به ... صفا الحق فانفضا بجمع مبدد وأفلتنا ابن البربري مضمر ... من الخيل يسمو للجياد ويهتدي وذكر يزيد بن الحارث، أن محمد بن حماد البربري لما دخل بغداد، وجه محمد المخلوع الفضل بن موسى بن عيسى الهاشمي إلى الكوفة، وولاه عليها، وضم إليه أبا السلاسل وإياس الحرابي وجمهوراً النجاري؛ وأمره بسرعة السير؛ فتوجه الفضل؛ فلما عبر نهر عيسى عثر به فرسه، فتحول منه إلى غيره وتطير، وقال: اللهم إني أسألك بركة هذا الوجه. وبلغ طاهر الخبر، فوجه محمد بن العلاء، وكتب إلى الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له، فلقي محمد بن العلاء الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه الفضل: إني سامع مطيع لطاهر؛ وإنما كان مخرجي بالكيد مني لمحمد؛ فخل لي الطريق حتى أصير إليه، فقال له محمد: لست أعرف ما تقول ولا أقبله ولا أنكره؛ فإن أردت الأمير طاهراً فارجع وراءك؛ فخذ أسهل الطريق وأقصدها، فرجع وقال محمد لأصحابه: كونوا على حذر؛ فإني لست آمن مكر هذا؛ فلم يلبث أن كبر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمنه، فوجده على عدة وأهبة؛ واقتتلوا كأشد ما يكون من القتال، وكبا بالفضل فرسه؛ فقاتل عنه أبو السلاسل حتى ركب وقال: أذكر هذا الموقف لأمير المؤمنين. وحمل أصحاب محمد بن العلاء على أصحاب الفضل فهزموه، ولم يزالوا يقتلونهم إلى كوثي، وأسر في تلك الوقعة إسماعيل بن محمد القرشي وجمهور النجاري، وتوجه طاهر إلى المدائن، وفيها جند كثير من خيول محمد؛ عليهم البرمكي قد تحصن بها، والمدد يأتيه في كل يوم. والصلات والخلع من قبل محمد. فلما قرب طاهر من المدائن - وكان منها على رأس فرسخين - نزل فصلى ركعتين، وسبح فأكثر التسبيح، فقال: اللهم إنا نسألك نصراً كنصرك المسلمين يوم المدائن. ووجه الحسن بن علي المأموني وقريش بن شبل، ووجه الهادي بن حفص على مقدمته وسار. فلما سمع أصحاب البرمكي صوت طبوله أسرجوا الدواب، وأخذوا في تعبيتهم، وجعل من في أوائل الناس ينضم إلى أواخرهم، وأخذ البرمكي في تسوية الصفوف؛ فكلما سوى صفاً انتقض واضطرب عليه أمرهم، فقال: اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان؛ ثم التفت إلى صاحب ساقته، فقال: خل سبيل الناس؛ فإني أرى جنداً لا خير عندهم؛ فركب بعضهم بعضاً نحو بغداد، فنزل طاهر المدائن، وقدم منها قريش بن شبل والعباس بن بخاراخذاه إلى الدرزيجان، وأحمد بن سعيد الحرشي ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديائي، فمنعا أصحاب البرمكي من الجواز إلى بغداد، وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان حيال أحمد ونصر بن المنصور، فسير إليهما الرجال، فلم يجر بينهما كثير قتال حتى انهزموا، وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر، فعقد بها جسراً ونزلها. ذكر خبر خلع داود بن عيسى الأمين وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى عامل مكة والمدينة محمداً - وهو عامله يومئذ عليها - وبايع المأمون، وأخذ البيعة بهما على الناس له؛ وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون؛ ثم خرج بنفسه إلى المأمون. ذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الأمر فيه ذكر أن الأمين لما أفضت الخلافة إليه بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وعزل عامل الرشيد على مكة؛ وكان عامله عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي، وكان إليه الصلاة بها وأحداثها القضاء بين أهلها؛ فعزل محمد عن ذلك كله بداود بن عيسى؛ سوى القضاء فإنه أقره على القضاء. فأقام داود والياً على مكة والمدينة لمحمد، وأقام للناس أيضاً الحج سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة، فلما دخلت سنة ست وتسعين ومائة بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه، وما كان فعل طاهر بقواد محمد، وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما، فلما فعل ذلك جمع داود حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود - وكان داود أحدهم - فقال داود: قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيه؛ ولنكونن مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغي عليه على الباغي، ومع المغدور به على الغادر؛ فقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن، وخلعهما وبايع لابنه الطفل؛ رضيع صغير لم يفطم، واستخرج الشرطين من الكعبة عاصياً ظالماً، فحرقهما بالنار. وقد رأيت خلعه، وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة؛ إذ كان مظلوماً مبغياً عليه. فقال له أهل مكة: رأينا تبع لرأيك، ونحن خالعوه معك؛ فوعدهم صلاة الظهيرة؛ وأرسل في فجاج مكة صائح يصيح: الصلاة جامعة! فلما جاء وقت صلاة الظهر - وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة - خرج داود بن عيسى، فصلى بالناس صلاة الظهر، وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام، فصعد فجلس عليه، وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر؛ وكان داود خطيباً فصيحاً جهير الصوت؛ فلما اجتمع الناس قام خطيباً، فقال: الحمد لله مالك الملك؛ يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين، وختم به النبيين، وجعله رحمة للعالمين، صلى الله عليه في الأولين والآخرين. أما بعد يا أهل مكة؛ فأنتم الأصل والفرع، والعشيرة والأسرة، والشركاء في النعمة، إلى بلدكم نفذ وفد الله، وإلى قبلتكم يأتم المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصرن المظلوم منهما على الظالم، والمبغي عليه على الباغي، والمغدور به على الغادر؛ ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر، وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام؛ وقد حل لنا ولكم خلعه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغي عليه المغدور به. ألا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتي هذه من رأسي - وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء، وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها - ثم قال: قد بايعت لعبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم. فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر، رجل فرجل، فبايعه لعبد الله المأمون بالخلافة، وخلع محمداً، ثم نزل عن المنبر، وحانت صلاة العصر، فصلى بالناس، ثم جلس في ناحية المسجد، وجعل الناس يبايعونه جماعة بعد جماعة؛ يقرأ عليهم كتاب البيعة، ويصافحونه على كفه، ففعل ذلك أياماً. وكتب إلى ابنه سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة؛ يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة؛ من خلع محمد والبيعة لعبد الله المأمون. فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة، رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمرو على طريق البصرة، ثم على فارس، ثم على كرمان؛ حتى صار إلى المأمون بمرو، فأعلمه ببيعته وخلعه محمداً ومسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك؛ فسر بذلك المأمون، وتيمن ببركة مكة والمدينة؛ إذ كانوا أول من بايعه، وكتب إليهم كتاباً ليناً لطيفاً يعدهم فيه الخير، ويبسط أملهم، وأمر أن يكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية، وزيد له ولاية عك، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية، وكتب له إلى الري بمعونة خمسمائة ألف درهم، وخرج داود بن عيسى مسرعاً مغذاً مبادراً لإدراك الحج، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وقد عقد المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم، فسار هو وعمه داود حتى نزلا بغداد على طاهر بن الحسين، فأكرمهما وقربهما، وأحسن معونتهما، ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن، وبعث معه خيلاً كثيفة، وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري أن يستميل قومه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم؛ ليخلعوا محمداً ويبايعوا عبد الله المأمون. فساروا جميعاً حتى دخلوا مكة. وحضر الحج، فحج بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى؛ فلما صدروا عن الحج انصرف العباس حتى أتى طاهر بن الحسين - وهو على حصار محمد - وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة والمدينة؛ ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن، فدعا أهلها إلى خلع محمد وبيعة عبد الله المأمون، وقرأ عليهم كتاباً من طاهر بن الحسين يعدهم العدل والإنصاف، ويرغبهم في طاعة المأمون، ويعلمهم ما بسط المأمون من العدل في رعيته؛ فأجاب أهل اليمن إلى بيعة المأمون، واستبشروا بذلك، وبايعوا للمأمون، وخلعوا محمداً، فسار فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة، وأظهر عدلاً وإنصافاً، وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر بن الحسين. وفي هذه السنة عقد محمد في رجب وشعبان منها نحواً من أربعمائة لواء لقواد شتى، وأمر على جميعهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا فالتقوا بجللتا في رمضان على أميال من النهروان، فهزمهم هرثمة، وأسر علي بن محمد ين عيسى بن نهيك، وبعث به هرثمة إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان. ذكر خبر شغب الجند على طاهر بن الحسين وفي هذه السنة استأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة، وشغب الجند على طاهر، ففرق محمد فيمن صاروا إليه من أصحاب طاهر مالاً عظيماً وقود رجالاً وغلف لحاهم بالغالية، فسموا بذلك قواد الغالية ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الآمر فيه: ذكر عن يزيد بن الحارث، قال: أقام طاهر على نهر صرصر لما صار إليها، وشمر في محاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتد على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال والكسا، فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خراسان ومن التف إليهم، فسر بهم محمد، ووعدهم ومناهم، وأثبت أسماءهم في الثمانين. قال: فمكثوا بذلك أشهراً، وقود جماعة من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه، وعقد لهم، ووجههم إلى دسكرة الملك والنهروان، ووجه إليهم حبيب بن جهم النمري الأعرابي في أصحابه؛ فلم يكن بينهم كثير قتال، وندب محمد قواداً من قواد بغداد، فوجههم إلى الياسرية والكوثرية والسفينتين، وحمل إليهم الأطعمة، وقواهم بالأرزاق، وصيرهم ردءاً لمن خلفهم، وفرق الجواسيس في أصحاب طاهر، ودس إلى رؤساء الجند الكتب بالإطماع والترغيب، فشغبوا على طاهر، واستأمن كثير منهم إلى محمد، ومع كل عشرة أنفس منهم طبل، فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا، ودنوا حتى أشرفوا على نهر صرصر، فعبى طاهر أصحابه كراديس، ثم جعل يمر على كل كردوس منهم، فيقول: لا يغرنكم كثرة ما ترون، ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم، فإن النصر مع الصدق والثبات، والفتح مع الصبر، ورب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. ثم أمرهم بالتقدم، فتقدموا واضطربوا بالسيوف ملياً. ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولوا منهزمين، وأخلوا موضع عسكرهم، فانتهب أصحاب طاهر كل ما كان فيه من سلاح ومال. وبلغ الخبر محمداً، فأمر بالعطاء فوضع، وأخرج خزائنه وذخائره، وفرق الصلات وجمع أهل الأرباض، واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحداً وسيماً حسن الرواء إلا خلع عليه وقوده؛ وكان لا يقود أحداً إلا غلفت لحيته بالغالية؛ وهم الذين يسمون قواد الغالية. قال: وفرق في قواده المحدثين لكل رجل منهم خمسمائة رجل وقارورة غالية، ولم يعط جند القواد وأصحابه شيئاً. وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهراً بذلك؛ فراسلهم وكاتبهم، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة، فقال رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك: قل للأمين الله في نفسه ... ما شتت الجند سوى الغالية وطاهر نفسي تقي طاهراً ... برسله والعدة الكافية أضحى زمام الملك في كفه ... مقاتلاً للفئة الباغية يا ناكثاً أسلمه نكثه ... عيوبه من خبثه فاشيه قد جاءك الليث بشداته ... مستكلباً في أسد ضاريه فاهرب ولا مهرب من مثله ... إلا إلى النار أو الهاويه قال: فلما شغب الجند، وصعب الأمر على محمد شاور قواده، فقيل له: تدارك القوم، فتلاف أمرك؛ فإن بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين، وهم ردوه عليك، وهم من قد عرفت نجدتهم وبأسهم. فلج في أمرهم وأمر قتالهم، فوجه إليهم التنوخي وغيره من المستأمنة والأجناد الذين كانوا معه، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه؛ فأخذ رهائنهم على بذل الطاعة له، وكتب إليهم، فأعطاهم الأمان، وبذل لهم الأموال، ثم قدم فصار إلى البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه، ونزل من لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفي الأرباض، وألحقهم جميعاً بالثمانين في الأرزاق، وأضعف للقواد وأبناء القواد الخواص، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها؛ وفتن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدعار والشطار، فعز الفاجر، وذل المؤمن، واختل الصالح، وساءت حال الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرهم، وأخذه على أيدي سفهائهم وفساقهم؛ واشتد في ذلك عليهم، وغادي القتال ورواحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار. وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أول موسم دعي له فيه بالخلافة بمكة والمدينة. ثم دخلت سنة يبع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففي هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهدي بالمأمون من العراق، فوجه المأمون القاسم إلى جرجان. ذكر خبر حصار الأمين ببغدادوفيها حاصر طاهر وهرثمة وزهير بن المسيب محمد بن هارون ببغداد. ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة، وكيف كان الحصار فيها: ذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبي نزل قصر رقة كلواذي، ونصب المجانيق والعرادات واحتفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمي بالعرادات من أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار ويجبى السفن، وبلغ من الناس كل مبلغ؛ وبلغ أمره طاهراً وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمده بالجند، وقد كان يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقي - لم يعرف اسمه - في زهير وقتله الناس بالمجانيق: لا تقرب المنجنيق والحجرا ... فقد رأيت القتيل إذ قبرا باكر كي لا يفوته خبر ... راح قتيلاً وخلف الخبرا ماذا به كان من نشاط ومن ... صحة جسم به إذا ابتكرا أراد ألا يقال كان له ... أمر فلم يدر من به أمرا يا صاحب المنجنيق ما فعلت ... كفاك، لم تبقيا ولم تذرا كان هواه سوى الذي قدرا ... هيهات لن يغلب الهوى القدرا ونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطاً وخندقاً، وأعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، ونزل طاهر البستان بباب الأنبار، فذكر عن الحسين الخليع أنه قال: لما تولى طاهر البستان بباب الأنبار، دخل محمداً أمر عظيم من دخوله بغداد، وتفرق من كان في يده من الأموال، وضاق ذرعاً، وتحرق صبراً فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفي نفقاته، وأمر حينئذ برمي الحربية بالنفط والنيران والمجانيق والعرادات، يقتل بها المقبل والمدبر، ففي ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العتري الوراق: يا رماة المنجنيق ... كلكم غير شفيق ما تبالون صديقاً ... كان أو غير صديق ويلكم تدرون ما تر ... مون مرار الطريق رب خودٍ ذات دلٍ ... وهي كالغصن الوريق أخرجت من جوف دنيا ... ها ومن عيشٍ أنيق لم تجد من ذاك بداً ... أبرزت يوم الحريق وذكر عن محمد بن منصور الباوردي، قال: لما اشتدت شوكة طاهر على محمد، وهزمت عساكره، وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولاه ناحية البغيين والأسواق هنالك وشاطئ دجلة؛ وما اتصل به أمامه إلى جسور دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كل ما غلب عليه من الدور والدروب، وأمده بالنفقات والفعلة والسلاح، وأمر الحربية بلزومه على النوائب، ووكل بطريق دار الرقيق وباب الشأم واحداً بعد واحد؛ وأمر بمثل الذي أمر به سعيد بن مالك؛ وكثر الحراب والهدم حتى درست محاسن بغداد؛ ففي ذلك يقول العتري: من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زماناً قرة العين! ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم ... وكان قربهم زيناً من الزين! صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا ... ماذا لقيت بهم من لوعة البين! أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر ماء العين من عيني كانوا ففرقهم دهر وصدعهم ... والدهر يصدع ما بين الفريقين قال: ووكل محمد علياً فراهمود؛ فيمن ضم إليه من المقاتة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قصور دجلة وما والاها، فألح في إحراق الدور والدروب وهدمها بالمجانيق والعرادات على يدي رجل كان يعرف بالسمرقندي؛ فكان يرمي بالمنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرباض من طريق الأنبار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهل ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحه وأعلامه، ومن أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقواده وفرسانه ورجالته؛ حتى أوحشت بغداد ، وخاف الناس أن تبقى خراباً؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع: أتسرع الرجلة إغذاذا ... عن جانبي بغداذ أم ماذا! ألم تر الفتنة قد ألفت ... إلى أولى الفتنة شذاذا وانتقضت بغداذ عمرانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا هدماً وحرقاً قد أبيد أهلها ... عقوبة لاذت بمن لاذا ما أحسن الحالات إن لم تعد ... بغداذ في القلة بغداذا قال: وسمى طاهر الأرباض التي خالفه أهلها ومدينة أبي جعفر الشرقية، وأسواق الكرخ والخلد وما والاها دار النكث، وقبض ضياع من لم ينحز إليه من بني هاشم والقواد والموالي وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلوا وانكسروا وانقادوا، وذلت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعراة وأهل السجون والأوباش والرعاع والطرارين وأهل السوق. وكان حاتم بن صقر قد أباحهم النهب، وخرج الهرش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفتر عن ذلك ولا يمله ، ولا يني فيه فقال الخريمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها: قالوا: ولم يلعب الزمان ببغ ... داد وتعثر بها عواثرها إذ هي مثل العروس باطنها ... مشوق للفتى وظاهرها جنة خلدٍ ودار مغبطةٍ ... قل من النائبات واترها درت خلوف الدنيا لساكنها ... وقل معسورها وعاسرها وانفرجت بالنعيم وانتجعت ... فيها بلذاتها حواضرها فالقوم منها في روضة أنفٍ ... أشرق غب القطار زائرها من غرة العيش في بلهنيةٍ ... لو أن دنيا يدوم عامرها دار ملوكٍ رست قواعدها ... فيها وقرت بها منابرها أهل العلا والندى وأندية ال ... فخر إذا عددت مفاخرها أفراخ نعمى في إرث مملكةٍ ... شد عراها لها أكابرها فلم يزل والزمان ذو غيرٍ ... يقدح في ملكها أصاغرها حتى تساقت كأساً مثملةً ... من فتنةٍ لا يقال عاثرها وافترقت بعد ألفةٍ شيعاً ... مقطوعةً بينها أواصرها يا هل رأيت الأملاك ما صنعت ... إذ لم يرعها بالنصح زاجرها أورد أملاكنا نفوسهم ... هوة غي أعيت مصادرها ما ضرها لو وفت بموثقها ... واستحكمت في التقى بصائرها ولم تسافك دماء شيعتها ... وتبتعث فتيةً تكابرها وأقنعتها الدنيا التي جمعت ... لها ورعب النفوس ضائرها ما زال حوض الأملاك يحفره ... مسجورها بالهوى وساجرها تبغي فضول الدنيا مكاثرةً ... حتى أبيحت كرهاً ذخائرها تبيع ما جمع الأبوة لل ... أبناء لا أربحت متاجرها يا هل رأيت الجنان زاهرةً ... يروق عين البصير زائرها! وهل رأيت القصور شارعةً ... تكن مثل الدمى مقاصرها وهل رأيت القرى التي غرس ال ... أملاك مخضرة دساكرها محفوفةً بالكروم والنخل والر ... يحان ما يستغل طائرها فإنها أصبحت خلايا من ال ... إنسان قد أميت محاجرها قفراً خلاءً تعوي الكلاب بها ... ينكر منها الرسوم زائرها وأصبح البؤس ما يفارقها ... إلفاً لها والسرور هاجرها بزند ورد والياسرية والشط ... ين حيث انتهت معابرها ويا ترحلي والخيزرانية ال ... عليا التي أشرفت قناطرها وقصر عبدويه عبرة وهدىً ... لكل نفس زكت سرائرها فأين حراسها وحارسها ... وأين مجبورها وجابرها! وأين خصيانها وحشواتها ... وأين سكانها وعامرها أين الجرادية الصقالب وال ... أحبش تعدو هدلاً مشافرها ينصدع الجند عن مواكبها ... تعدو بها سرباً ضوامرها بالسند والهند والصقالب وال ... نوبة شيبت بها برابرها طيراً أبابيل أرسلت عبثاً ... يقدم سودانها أحامرها أين الظباء الأبكار في روضه ال ... ملك تهادي بها غرائرها! أين غضاراتها ولذتها ... وأين محبورها وحابرها! بالمسك والعنبر اليمان وال ... يلنوج مشبوبة مجامرها يرفلن في الخز والمجاسد وال ... موشي محطومه مزامرها فأين رقاصها وزامرها ... يجبن حيث انتهت حناجرها تكاد أسماعهم تسك إذا ... عارض عيدانها مزاهرها أمست كجوف الحمار خاليةً ... يسعرها بالجحيم ساعرها كأنما أصبحت بساحتهم ... عاد ومستهم صراصرها لا تعلم النفس ما يبايتها ... من حادث الدهر أو يباكرها تضحي وتمسي درية غرضاً ... حيث استقرت بها شراشرها لأسهم الدهر وهو يرشقها ... محنطاً مرةً وباقرها يا بوس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها أمهلها الله ثم عاقبها ... لما أحاطت بها كبائرها بالخسف والقذف والحريق وبال ... حرب التي أصبحت تساورها كم قد رأينا من المعاصي ببغدا ... د فهل ذو الجلال غافرها! حلت ببغداد وهي آمنة ... داهية لم تكن تحاذرها طالعها السوء من مطالعه وأدركت أهلها جرائرها رق بها الدين واستخف بذي ال ... فضل وعز النساك فاجرها وخطم العبد أنف سيده بالرغم ... واستعبدت حرائرها وصار رب الجيران فاسقهم ... وابتز أمر الدروب ذاعرها من ير بغداد والجنود بها ... قد ربقت حولها عساكرها كل طحون شهباء باسلة ... تسقط أحبالها زماجرها تلقى بغي الردى أوانسها ... يرهقها للقاء طاهرها والشيخ يعدو حزماً كتائبه ... يقدم أعجازها يعاورها ولزهير بالفرك مأسدة ... مرموقة صلبة مكاسرها كتائب الموت تحت ألوية ... أبرح منصورها وناصرها يعلم أن الأقدار واقعة ... وقعاً على ما أحب قادرها فتلك بغداد ما يبني من الذ ... لة في دورها عصافرها محفوفة بالردى منطقة ... بالصغر محصورة جبابرها ما بين شط الفرات منه إلى ... دجلة حيث انتهت معابرها بارك هادي الشقراء نافرة ... تركض من حولها أشاقرها يحرقها ذا وذاك يهدمها ... ويشتفي بالنهاب شاطرها والكرخ أسواقها معطلة ... يستن عيارها وعائرها أخرجت الحرب من سواقطها ... آساد غيل غلباً تساورها من البواري تراسها ومن ال ... خوص إذا استلأمت مغافرها تغدو إلى الحرب في جواشنها ال ... صوف إذا ما عدت أساورها كتائب الهرش تحت رايته ... ساعد طرارها مقامرها لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا ... يحشرها للقاء حاشرها في كل درب وكل ناحية ... خطارة يستهل خاطرها بمثل هام الرجال من فلق الص ... خر يزود المقلاع بائرها كأنما فوق هامها فرق ... من القطا الكدر هاج نافرها والقوم من تحتها لهم زجل ... وهي ترامى بها خواطرها بل هل رأيت السيوف مصلتةً ... أشهرها في الأسواق شاهرها والخيل تستن في أزقتها ... بالترك مسنونة خناجرها والنفط والنار في طرائقها ... وهابيا للدخان عامرها والنهب تعدو به الرجال وقد ... أبدت خلاخيلها حرائرها معصوصبات وسط الأزقة قد ... أبرزها للعيون ساترها كل رقود الضحى مخبأة ... لم تبد في أهلها محاجرها بيضة خدر مكنونة برزت ... للناس منشورة غدائرها تعثر في ثوبها وتعجلها ... كبة خيل ريعت حوافرها تسأل أين الطريق والهة ... والنار من خلفها تبادرها لم تجتل الشمس حسن بهجتها ... حتى اجتلتها حرب تباشرها يا هل رأيت الثكلى مولولة ... في الطرق تسعى والجهد باهرها! في إثر نعش عيه واحدها ... في صدره طعنة يساورها فرغاء ينقى الشنار مربدها ... يهزها بالسنان شاجرها تنظر في وجهه وتهتف بالث ... كل وجارى الدموع حادرها غرغر بالنفس ثم أسلمها ... مطلوبة لا يخاف ثائرها وقد رأيت الفتيان في عرصة ال ... معرك مغفورة مناخرها كل فتى مانع حقيقته ... تشقى به في الوغى مساعرها باتت عليه الكلاب تنهشه ... مخضوبة من دم أظافرها أما رأيت الخيول جائلة ... بالقوم منكوبة دوائرها تعث بالأوجه الحسان من ال ... قتلى وغلت دماً أشاعرها يطأن أكباد فتية نجد ... يفلق هاماتهم حوافرها أما رأيت النساء تحت المجا ... نيق تعادي شعثاً ضفائرها عقائل القوم والعجائز وال ... عنس لم تحتبر معاصرها يحملن قوتاً من الطحين على ال ... أكتاف معصوبة مهاجرها وذات عيش ضنك ومقعسة ... تشدخها صخرة تعاورها تسأل عن أهلها وقد سلبت ... وابتز عن رأسها غفائرها يا ليت شعري والدهر ذو دول ... يرجى وأخرى تخشى بوادرها هل ترجعن أرضنا كما غنيت ... وقد تناهت بنا مصايرها من مبلغ ذا الرياستين رسا ... لات تأتي للنصح شاعرها بأن خير الولاة قد علم الن ... اس إذا عددت مآثرها خليفة الله في بريته ال ... مأمون منتاشها وجابرها سمت إليه آمال أمته ... منقادةً برها وفاجرها شاموا حيا العدل من مخايله ... وأصحرت بالتقى بصائرها وأحمدوا منك سيرة جلت ال ... شك وأخرى صحت معاذرها واستجمعت طاعة برفقك للمأ ... مون نجديها وغائرها وأنت سمع في العالمين له ... ومقلة ما يكل ناظرها فاشكر لذي العرش نعمته ... وأوجب فضل المزيد شاكرها واحذر فداءً لك الرعية وال ... أجناد مأمورها وآمرها لا تردن غمرةً بنفسك لا ... يصدر عنها بالرأي صادرها عليك ضحضاحها فلا تلج الغم ... رة ملتجةً زواخرها والقصد إن الطريق ذو شعبٍ ... أشماخها وعثها وجائرها أصبحت في أمةٍ أوائلها ... قد فارقت هديها أواخرها وأنت سرسورها وسائسها ... فهل على الحق أنت قاسرها! أدب رجالاً رأيت سيرتهم ... خالف حكم الكتاب سائرها وامدد إلى الناس كف مرحمة ... تسد منهم بها مفاقرها أمكنك العدل إذ هممت به ... ووافقت مده مقادرها وأبصر الناس قصد وجههم ... وملكت أمةً أخايرها تشرع أعناقها إليك إذ الس ... ادات يوماً جمت عشائرها كم عندنا من نصيحة لك في الل ... ه وقربى عزت زوافرها وحرمةٍ قربت أواصرها ... منك، وأخرى هل أنت ذاكرها! سعى رجال في العلم مطلبهم ... رائحها باكر وباكرها دونك غراء كالوذيلة لا ... تفقد في بلدةٍ سوائرها لا طمعاً قلتها ولا بطراً ... لكل نفسٍ هوىً يؤامرها سيرها الله بالنصيحة وال ... خشية فاستدنجت مرائرها جاءتك تحكي لك الأمور كما ... ينشر بز التجار ناشرها حملتها صاحباً أخا ثقةٍ ... يظل عجباً بها يحاضرها وفي هذه السنة استأمن الموكلون بقصر صالح من قبل محمد. ذكر خبر وقعة قصر صالحوفيها كانت الوقعة التي كانت على أصحاب طاهر قصر صالح. ذكر الخبر عن هذه الوقعة ذكر عن محمد بن الحسين بن مصعب، أن طاهراً لم يزل مصابراً محمداً وجنده على ما وصفت من أمره؛ حتى مل أهل بغداد من قتاله، وأن علي فراهمرد الموكل بقصر صالح وسليمان بن أبي جعفر من قبل محمد، كتب إلى طاهر يسأله الأمان، ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرادات إليه؛ وأنه قبل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجه إليه أبا العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي فيمن ضم إليه من قواده وذوي البأس من فرسانه ليلاً، فسلم إليه كل ما كان محمد وكله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة. واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شرطة محمد؛ وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش؛ وكان محمد بن عيسى غير مداهن في أمر محمد؛ وكان مهيباً في الحرب، فلما استأمن هذان إلى طاهر، أشفى محمد على الهلاك، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم؛ وصار على باب أم جعفر يتوقع ما يكون؛ وأقبلت الغواة من العيارين وباعة الطرق والأجناد فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار. قال: فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجاً من القصر حتى فل وانحاز إلى طاهر؛ ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشد على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلاً وجريحاً معقوراً من أصحاب طاهر من تلك الوقعة؛ فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب. وقال فيها الغوغاء والرعاع، وكان مما قيل في ذلك قول الخليع: أمين الله ثق بالل ... ه تعط الصبر والنصره كل الأمر إلى الله ... كلاك الله ذو القدره لنا النصر بعون الل ... ه والكرة لا الفره وللمراق أعدائ ... ك يوم السوء والدبره وكأس تلفظ الموت ... كريه طعمها مره سقينا وسقيناهم ... ولكن بهم الحره كذاك الحرب أحياناً ... علينا ولنا مره فذكر عن بعض الأبناء أن طاهراً بث رسله، وكتب إلى القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون؛ فلحق به جماعة، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائي واخوته، وولد الحسن بن قحطبة ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العاص، وكاتبه قوم من القواد والهاشميين في السر، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه. قال: ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش؛ فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاءهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكرخ. وفرض دجلة وباب المحول والكناسة؛ فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرجال والنساء والضعفاء من أهل الملة والذمة؛ فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب. قال: ولما طال ذلك بالناس، وضاقت بغداد بأهلها، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم؛ فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك، واشتد فيه، وغلظ على أهل الريب. وأمر محمد بن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم؛ فكان الرجل إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بز؛ حتى قيل: إن مثل أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا، مثل السور الذي قال الله تعالى ذكره: " فضرب بينهم بسور له باب باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب " . فلما طال على الناس ما بلوا به ساءت حالهم، وضاقوا به ذرعاً؛ وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد: بكيت دماً على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق تبدلنا هموماً من سرورٍ ... ومن سعةٍ تبدلنا بضيق أصابتها من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق فقوم أحرقوا بالنار قسراً ... ونائحة تنوح على غريق وصائحة تنادي واصباحاً ... وباكية لفقدان الشفيق وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق تفر من الحريق إلى انتهابٍ ... ووالدها يفر إلى الحريق وسالبة الغزالة مقلتيها ... مضاحكها كلألأة البروق حيارى كالهدايا مفكرات ... عليهن القلائد في الحلوق ينادين الشفيق ولا شفيق ... وقد فقد الشقيق من الشقيق وقوم أخرجوا من ظل دنيا ... متاعهم يباع بكل سوق ومغترب قريب الدار ملقىً ... بلا رأسٍ بقارعة الطريق توسط من قتالهم جميعاً ... فما يدرون من أي الفريق فلا ولد يقيم على أبيه ... وقد هرب الصديق بلا صديق ومهما أنس من شيء تولى ... فإني ذاكر دار الرقيق وذكر أن قائداً من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس، خرج يوماً إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من أرى؛ استهانة بأمرهم واحتقاراً لهم؛ فقيل له: نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة؛ فقال: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر، والعدة والقوة؛ ولكم ما لكم من الشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهم! فأوتر قوسه وتقدم، وأبصره بعضهم فقصد نحوه وفي يده بارية مقيرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر منه العيار، فوقع في باريته أو قريباً منه؛ فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك، وجعله شبيهاً بالجعبة. وجعل كلما وقع سهم أخذه وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه؛ ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيار حتى أنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيار ليضربه بسيفه؛ فأخرج من مخلاته حجراً؛ فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثناه بآخر؛ فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه؛ وكر راجعاً وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس؛ قال: فحدثت أن طاهراً حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب؛ فقال بعض شعراء بغداد في ذلك: خرجت هذه الحروب رجالاً ... لا لقحطانها ولا لنزار معشراً في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأسود الضواري وعليهم مغافر الخوص تجزي ... هم عن البيض. والتراس البواري ليس يدرون ما الفرار إذا الأب ... طال عاذوا من القنا بالفرار واحد منهم يشد على أل ... فين عريان ما له من إزار ويقول الفتى إذا طعن الطع ... نة: خذها من الفتى العيار كم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مقامر طرار ذكر خبر منع طاهر الملاحين من إدخال شيء إلى بغدادقال محمد بن جرير: وفي هذه السنة منع طاهر الملاحين وغيرهم من إدخال شيء إلى بغداد إلا من كان من عسكره منهم، ووضع الرصيد عليهم بسبب ذلك. ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك وعن السبب الذي من أجله فعل ذلك طاهر أما السبب في ذلك فإنه - فيما ذكر - كان أن طاهراً لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم، مضه ذلك وشق عليه؛ لأنه لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه؛ فلما شق عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشأم وباب الكوفة، إلى الصراة وأرجاء أبي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة؛ وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم، ويحوي في كل يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة؛ وجعل أصحاب محمد ينقصون، ويزيدون؛ حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون؛ فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد، ويكونون أضر على أصحابهم من أصحاب طاهر تعدياً؛ فقال شاعر منهم - وذكر أنه عمرو بن عبد الملك الوراق العتري - في ذلك: لنا كل يوم ثلمة لا نسدها ... يزيدون فيما يطلبون وننقص إذا هدموا داراً أخذنا سقوفها ... ونحن لأخرى غيرها نتربص وإن حرصوا يوماً على الشر جهدهم ... فغوغاؤنا منهم على الشر أحرص فقد ضيقوا من أرضنا كل واسعٍ ... وصار لهم أهل بها، وتعرصوا يثيرون بالطبل القنيص فإن بدا ... لهم وجه صيدٍ من قريب تقنصوا لقد أفسدوا شرق البلاد وغربها ... علينا فما ندري إلى أين نشخص! إذا حضروا قالوا بما يعرفونه ... وإن يروا شيئاً قبيحاً تخرصوا وما قتل الأبطال مثل مجربٍ ... رسول المنايا ليله يتلصص ترى البطل المشهور في كل بلدة ... إذا ما رأى العريان يوماً يبصبص إذا ما رآه الشمري مقزلاً ... على عقبيه للمخافة ينكص يبيعك رأساً للصبي بدرهمٍ ... فإن قال إني مرخص فهو مرخص فكم قاتلٍ منا لآخر منهم ... بمقتله عنه الذنوب تمحص تراه إذا نادى الأمان مبارزاً ... ويغمرنا طوراً وطوراً يخصص وقد رخصت قراؤنا في قتالهم ... وما قتل المقتول إلا المرخص وقال أيضاً في ذلك: الناس في الهدم وفي الانتقال ... قد عرض الناس بقيلٍ وقال يأيها السائل عن شأنهم ... عينك تكفيك مكان السؤال قد كان للرحمن تكبيرهم ... فاليوم تكبيرهم للقتال اطرح بعينيك إلى جمعهم ... وانتظر الروح وعد الليال لم يبق في بغداد إلا امرؤ ... حالفه الفقر كثير العيال لا أم تحمي عن حماها ولا ... خال له يحمي ولا غير خال ليس له مال سوى مطردٍ ... مطرده في كفه رأس مال هان على الله فأجرى على ... كفيه للشقوة قتل الرجال إن صار ذا الأمر إلى واحدٍ ... صار إلى القتل على كل حال ما بالنا نقتل من أجلهم ... سبحانك اللهم يا ذا الحلال! وقال أيضاً: ولست بتاركٍ بغداد يوماً ... ترحل من ترحل أو أقاما إذا ما العيش ساعدنا فلسنا ... نبالي بعد من كان الإماما قال عمرو بن عبد الملك العتري: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر عند ذلك بمنع التجار أن يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من المنافع من ناحيته إلى مدينة أبي جعفر والشرقية والكرخ، وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات؛ ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة، ومنها إلى خندق باب الأنبار؛ بما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد، وأخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل، وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد، فغلت الأسعار، وصار الناس في أشد الحصار، فيئسوا أو كثير منهم من الفرج والروح، واغتبط من كان خرج منها، وأسف على مقامه من أقام. وفي هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حيناً بالياسرية. ذكر خبر وقعة الكناسة وفيها جعل طاهر قواداً من قواده بنواحي بغداد، فجعل العلاء بن الوضاح الأزدي في أصحابه ومن ضم إليه بالوضاحية على المحول الكبير، وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلي ربض أبي أيوب على شاطئ الصراة، ثم غادى القتال وراوح أشهراً، ثم صبر الفريقان جميعاً؛ فكانت لهم فيها وقعة بالكناسة؛ باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بن عبد الملك: وقعة يوم الأحد ... صارت حديث الأبد كم جسد أبصرته ... ملقىً وكم من جسد وناظر كانت له ... منية بالرصد أتاه سهم عاثر ... فشك جوف الكبد وصائحٍ يا والدي ... وصائحٍ يا ولدي وكم غريقٍ سابحٍ ... كان متين الجلد! لم يفتقده أحد ... غير بنات البلد وكم فقيدٍ بئس ... عز على المفتقد كان من النظارة ال ... أولى شديد الحرد لم يبق من كهل لهم ... فات ولا من أمرد وطاهر ملتهم ... مثل التهام الأسد خيم لا يبرح في ال ... عرصة مثل اللبد تقذف عيناه لدى ال ... حرب بنار الوقد فقائل قد قتلوا ... ألفاً ولما يزد وقائل أكثر بل ... ما لهم من عدد وهارب نحوهم ... يرهب من خوف غد هيهات لا تبصر مم ... ن قد مضى من أحد لا يرجع الماضي إلى ال ... باقي طوال الأبد قلت لمطعون وفي ... ه روحه لم تبد من أنت يا ويلك يا ... مسكين من محمد فقال لا من نسبٍ ... دانٍ ولا من بلد لم أره قط ولم ... أجد له من صفد قلت لا للغي قا ... تلت ولا للرشد إلا لشيء عاجلٍ ... يصير منه في يدي وذكر عن عمرو بن عبد الملك أن محمداً أمر زريحاً غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلاً، ويأخذ بالظنة، فجبى بذلك السبب أموالاً كثيرة، وأهلك خلقاً، فهرب الناس بعلة الحج، وفر الأغنياء، فقال القراطيسي في ذلك: أظهروا الحج وما ينوونه ... بل من الهرش يريدون الهرب كم أناس أصبحوا في غبطة ... وكل الهرش عليهم بالعطب كل من راد زريح بيته ... لقي الذل ووافاه الحرب ذكر خبر وقعة درب الحجارة. وفيها كانت وقعة درب الحجارة. ذكر الخبر عنها: ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة؛ وكانت لأصحاب محمد على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير، فقال في ذلك عمرو بن عبد الملك العتري: وقعة السبت يوم درب الحجاره ... قطعت قطعة من النظاره ذاك من بعد ما تفانوا ولكن ... أهلكتهم غوغاؤنا بالحجاره قدم الشورجين للقتل عمداً ... قال إني لكم أريد الإماره فتلقاه كل لص مريبٍ ... عمر السجن دهره بالشطاره ما عليه شيء يواريه منه ... أيره قائم كمثل المناره فتولوا عنهم وكانوا قديماً ... يحسنون الضراب في كل غاره هؤلاء مثل هولاك لدينا ... ليس يرعون حق جار وجاره كل من كان خاملاً صار رأساً ... من نعيمٍ في عيشه وغضاره حامل في يمينه كل يومٍ ... مطرداً فوق رأسه طياره أخرجته من بيتها أم سوءٍ ... طلب النهب أمه العياره يشتم الناس ما يبالي بإفصا ... حٍ لذي الشتم لا يشير إشاره ليس هذا زمان حر كريم ... ذا زمان الأنذال أهل الزعاره كان فيما مضى القتال قتالاً ... فهو اليوم يا علي تجاره وقال أيضاً: بارية قيرت ظاهرها ... محمد فيها ومنصور العز والأمن أحاديثهم ... وقولهم قد أخذ السور وأي نفع لك في سورهم ... وأنت مقتول ومأسور؟ قد قتلت فرسانكم عنوةً ... وهدمت من دوركم دور هاتوا لكم من قائد واحد ... مهذب في وجهه نور يأيها السائل عن شأننا ... محمد في القصر محصور ذكر خبر وقعة باب الشماسية وفيها أيضاً كانت وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة. ذكر عن علي بن يزيد أنه قال: كان ينزل هرثمة نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحياناً، فيقف بباب خراسان مشفقا ًمن أهل العسكر، كارهاً للحرب، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه، ويستخف به؛ فيقف ساعة ثم ينصرف. وكان حاتم بن الصقر من قواد محمد؛ وكان قد واعد أصحابه الغزاة والعيارين أن يوافوا عبيد الله بن الوضاح ليلا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم؛ فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولى منهزماًن فأصابوا له خيلاً وسلاحاً ومتاعاً كثيراً، وغلب على الشماسية حاتم ابن صقر. وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته، وليرد العسكر إلى موضعه؛ فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم، وأسر رجل من الغزاة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل، فقطع يده وخلصه، فمر منهزماً، وبلغ خبره أهل عسكره، فتقوض بما فيه، وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب؛ وما كانوا من النهب والأسر. فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين، وقويت الغزاة بما سار في أيديهم. وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة، فمن ذلك قول عمرو الوراق: عريان ليس بذي قميص ... يغدو على طلب القميص يعدو على ذي جوشنٍ ... يعمي العيون من البصيص في كفه طرادة ... حمراء تلمع كالفصوص حرصاً على طلب القتا ... ل أشد من حرص الحريص سلس القياد كأنما ... يغدو على أكل الخبيص ليثاً مغيراً لم يزل ... رأساً يعد من اللصوص أجرى وأثبت مقدماً ... في الحرب من أسدٍ رهيص يدنو على سنن الهوا ... ن وعيصه من شر عيص ينجو إذا كان النجا ... ء على أخف من القلوص ما للكمي إذا لمق ... تله تعرض من محيص كم من شجاعٍ فارسٍ ... قد باع بالثمن الرخيص يدعو: ألا من يشتري ... رأس الكمي بكف شيص! وقال بعض أصحاب هرثمة: يفنى الزمان وما يفنى قتالهم ... والدور تهدم والأموال تنتقص والناس لا يستطيعون الذي طلبوا ... لا يدفعون الردى عنهم وإن حرصوا يأتوننا بحديثٍ لا ضياء له ... في كل يوم لأولاد الزنا قصص قال: ولما بلغ طاهراً ما صنع الغزاة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة اشتد ذلك عليه، وبلغ منه؛ وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، ووجه أصحابه وعبأهم، وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال، وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد، وأزالوهم عن الشماسية، ورد المهاجر عبيد الله بن الوضاح وهرثمة. قال: وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانية بعد ظفر الغزاة ألفي ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر كلها، وكانت السقوف مذهبة، وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشراً كثيراً، وفي ذلك يقول عمرو الوراق: ثقلان وطاهر بن الحسين ... صبحونا صبيحة الإثنين جمعوا جمعهم بليل ونادوا ... اطلبوا اليوم ثأركم بالحسين ضربوا طلبهم فثار إليهم ... كل صلب القناة والساعدين يا قتيلا بالقاع ملقىً على الشط ... هواه بطيء الجبلين ما الذي في يديك أنت إذا ما اص ... طلح الناس أنت بالخلتين أوزير أم قائد، بل بعيد ... أنت من ذين موضع الفرقدين كم بصير غدا بعينين كي يب ... صر ما حالهم فعاد بعين ليس يخطون ما يريدون ما يع ... مد راميهم سوى الناظرين سائلي عنهم هم شر من أب ... صرت في الناس ليس غير كذين شر باقٍ وشر ماضٍ من النا ... س مضى أو رأيت في الثقلين قال: وبلغ ذلك من فعل طاهر محمداً، فاشتد عليه وغمه وأحزنه؛ فذكر كاتب لكوثر أن محمداً قال - أو قيل على لسانه هذه الأبيات: منيت بأشجع الثقلين قلباً ... إذا ما طال ليس كما يطول له مع كل ذي بدنٍ رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول فليس بمغفلٍ أمراً عناداً ... إذا ما الأمر ضيعه الغفول وفي هذه السنة ضعف أمر محمد، وأيقن بالهلاك، وهرب عبد الله بن خازم بن خزيمة من بغداد إلى المدائن؛ فذكر عن الحسين بن الضحاك أن عبد الله بن خازم بن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء، فهم على نفسه وماله، فلحق بالمدائن ليلاً في السفن بعياله وولده، فأقام بها ولم يحضر شيئاً من القتال. وذكر غيره أن طاهراً كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله، فحذره ونجا من تلك الفتنة وسلم؛ فقال بعض قرائبه في ذلك: وما جبن ابن خازم من رعاعٍ ... وأوباش الطغام من الأنام ولكن خاف صولة ضيغمي ... هصور الشد مشهور العرام فذاع أمره في الناس، ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض، فقالوا: ينبغي لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه، فاجتمعوا وكتبوا كتاباً أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له؛ لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق، والأخذ على يد المريب، وأنهم غير مستحلي النظر إلى الحرب ؛ فضلاً عن القتال، وأن الذي يكون حزبه من جانبهم ليس منهم، قد ضاقت بهم طرق المسلمين؛ حتى إن الرجال الذين بلوا من حربه من جانبهم، ولا لهم بالكرخ دور ولا عقار؛ وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف، وأهل السجون. وإنما مأواهم الحمامات والمساجد، والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون في محقرات البيوع، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى أن الرجل ليستقبل المرأة في زحمة الناس فيلتثان قبل التخلص؛ وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفاً وحتى إن الحامل الكيس في حنجرته وكفه ليطر منه، وما لنا بهم يدان ولا طاقة؛ ولا نملك لأنفسنا معهم شيئاً؛ وإن بعضنا يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكيف لو اقتدرنا على من في إقامته عن الطريق، وتخليده السجن، وتنفيته عن البلاد وحسم الشر والشغب ونفي الزعارة والطر والسرق، وصلاح الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد! فذكر أنهم كتبوا بهذا قصة، واتعد قوم على الانسلال إليه بها، فقال لهم أهل الرأي منهم والحزم: لاتظنوا أن طاهراً غبي عن هذا أو قصر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم؛ حتى كأنه شاهدكم؛ والرأي ألا تشهروا أنفسكم بهذا؛ فإنا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم؛ والخوف من تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفاً، بل لو كنتم من أهل الأثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وعفوه أقرب، فتوكلوا على الله تبارك وتعالى وأمسكوا. فأجابوهم وأمسكوا. وقال ابن أبي طالب المكفوف: دعوا أهل الطريق فعن قليل ... تنالهم مخاليب الهصور فتهتك حجب أفئدة شداد ... وشيكاً ما تصير إلى القبور فإن الله مهلكهم جميعاً ... بأسباب التمني والفجور وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعاً للقتال؛ حتى كان الفتح منه؛ وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبي يزيد الشروي. وخلف أهل الأرباض في تلك النواحي مما يلي طريق باب الأنبار؛ فذكر أن طاهراً لما رأى ذلك وجه إليهم قائداً من أصحابه، وكان مشتغلاً بوجوه كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد، فأوقع بهم فيها وقعة صعبة، وغرق في الصراة بشر كثير، وقتل آخرون، فقال في هزيمة طاهر في أول يوم عمرو الوراق: نادى منادي طاهرٍ عندنا ... يا قوم كفوا واجلسوا في البيوت فسوف يأتيكم غد فاحذروا ... ليثاً هريت الشدق فيه عيوت فثارت الغوغاء في وجهه ... بعد انتصاف الليل قبل القنوت في يوم سبتٍ تركوا جمعه ... في ظلمة الليل سموداً خفوت وقال في الوقعة التي كانت على أصحاب محمد: كم قتيل قد رأينا ... ما سألناه لأيش دارعاً يلقاه عريا ... ن بجهلٍ وبطيش إن تلقاه برمحٍ ... يتلقاه بفيش حبشياً يقتل النا ... س على قطعة خيش مرتدٍ بالشمس راض ... بالمنى من كل عيش يحمل الحملة لا يق ... تل إلا رأس جيش كعلي أفراهمردٍ ... أو علاءٍ أو قريش أحذر الرمية يا طا ... هر من كف الحبيشي وقال أيضاً عمرو الوراق في ذلك: ذهبت بهجة بغدا ... د وكانت ذات بهجه فلها في كل يومٍ ... رجة من بعد رجه ضجت الأرض إلى الل ... ه من المنكر ضجه أيها المقتول ما أن ... ت على دين المحجه ليت شعري ما الذي نل ... ت ووقد أدلجت دلجه أإلى الفردوس وجه ... ت أم النار توجه حجر أرداك أم أر ... ديت قسراً بالأزجه إن تكن قاتلت براً ... فعلينا ألف حجه وذكر عن علي بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمداً أمر ببيع ما بقي في الخزائن التي كانت أنهبت، فكتم ولاتها ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد أمره، وفقد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فقال يوماً وقد ضجر مما يرد عليه: وددت أن الله عز وجل قتل الفريقين جميعاً، وأراح الناس منهم؛ فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا؛ أما هؤلاء فيريدون مالي؛ وأما أولئك فيريدون نفسي. وذكرت أبياتاً قيل أنه قالها: تفرقوا ودعوني ... يامعشر الأعوان فكلكم ذو وجوهٍ ... كخلقة الإنسان وما أرى غير إفكٍ ... وترهات الأماني ولست أملك شيئاً ... فسائلوا خزاني فالويل لي ما دهاني ... من ساكن البستان قال: وضعف أمر محمد، وانتشر جنده وارتاع في عسكره، وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به. وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك. وكان على مكة في هذه السنة داود بن عيسى. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائةذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر استيلاء طاهر على بغدادفمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي. ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر في مصيره والدخول في طاعة طاهر ذكر السبب في ذلك كان طاهراً كتب إلى خزيمة يذكر له أن الأمر يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر في نصرته، لم يقصر في أمره. فلما وصل كتابه إليه شاور الرجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتل لنفسك ولنا؛ فكتب إلى طاهر بطاعته، وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول، وأعلمه قلة ثقته بهرثمة، ويناشده ألا يحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه، وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور، ويتبع هو أمراً يؤثر رأيه ورضاه؛ وانه إن لم يضمن له ذلك؛ فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف. فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وأقطعها دون أمير المؤمنين ودوني، وفي مثل حاجتي إلى الكلف والنفقات؛ وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم، يسير أمرهم، وقوف المحجم الهائب؛ إن في ذلك جرماً؛ فاستعد للدخول؛ فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور؛ وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله. قال: وكتب إليه هرثمة: أنا عارف ببركة رأيك، ويمن مشورتك، فمر بما أحببت؛ فلن أخالفك؛ قال: فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة. وقد ذكر أن طاهراً لما كتب أيضاً إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك. قيل: فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه، وخلعا محمداً، ودعوا لعبد الله المأمون؛ وسكن أهل عسكر المهدي ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك؛ ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد، فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروهاً، فقبل ذلك منهم، فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر: علينا جميعاً من خزيمة منة ... بها أخمد الرحمن ثائرة الحرب تولى أمور المسلمين بنفسه ... فذب وحامى عنهم أشرف الذب ولولا أبو العباس ما انفك دهرنا ... يبيت على عتب ويغدو على عتب خزيمة لم ينكر له مثل هذه ... إذا اضطربت شرق البلاد مع الغرب أناخ بجسري دجلة القطع والقنا ... شوارع والأرواح في راحة العضب وأم المنايا بالمنايا مخيلة ... تفجع عن خطب وتضحك عن خطب فكانت كنار ما كرتها سحابة ... فأطفأت اللهب الملفف باللهب وما قتل نفس في نفوس كثيرة ... إذا صارت الدنيا إلى الأمن والخصب بلاء أبي العباس غير مكفر ... إذا فزع الكرب المقيم إلى الكرب فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهراً غداً يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة واشتد عندهما القتال، واشتد طاهر على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتل طاهر بباب الكرخ وقصر الوضاح، فهزمهم أصحاب محمد وردوا على وجوههم، ومر طاهر لا يلوي على أحد حتى دخل قسراً بالسيف. وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الكرخ والأطراف قواداً وجنداً في كل موضع على قدر حاجته منهم؛ وقصد إلى مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، وخرج محمد وبأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق، لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وفي ذلك يقول عمرو الوراق: يا طاهر الظهر الذي ... مثاله لم يوجد يا سيد بن السيد ب ... ن السيد بن السيد رجعت إلى أعمالها الأ ... ولى غزاة محمد من بين نطافٍ وسو ... اطٍ وبين مقرد ومجردٍ يأوي إلى ... عيارةٍ ومجرد ومقيدٍ نقب السجو ... ن فعاد غير مقيد ومقيدٍ بالنهب سا ... د وكان غير مسود ذلوا لعزك واستكا ... نوا بعد طول تمرد وذكر عن علي بن يزيد، أنه قال: كنت يوماً عند عمرو الوراق أنا وجماعة، فجاء رجل، فحدثنا بوقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه، فقال عمرو: ناولني قدحاً، وقال في ذلك: خذها فللخمرة أسماء ... لهل دواء ولها داء يصلحها الماء إذا صفقت ... يوماً وقد يفسدها الماء وقائلٍ كانت لهم وقعة ... في يومنا هذا وأشياء قلت له: أنت امرؤ جاهل ... فيك عن الخيرات إبطاء اشرب ودعنا من أحاديثهم ... يصطلح الناس إذا شاءوا قال: ودخل علينا آخر، فقال: قاتل فلان الغزاة، وأقدم فلان، وانتهب فلان. قال: فقال أيضاً: أي دهر نحن فيه ... مات فيه الكبراء هذه السفلة والغو ... غاء فينا أمناء ما لنا شيء من الأش ... ياء إلا ما يشاء ضجت الأرض وقد ضج ... ت إلى الله السماء ورفع الدين وقد ها ... نت على الله الدماء يا أبا موسى لك الخي ... رات قد حان اللقاء هاكها صرفاً عقاراً ... قد أتاك الندماء وقال أيضاً عمرو الوراق في ذلك: إذا ما شئت أن تغض ... ب جندياً وتستامر فقل: يا معشر الأجنا ... د قد جاءكم طاهر قال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما. فذكر عن الحسين بن أبي سعيد أن طارقاً الخادم - وكان من خاصة محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمد سأله يوماً من الأيام وهو محصور، أو قال في آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئاً - قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئاً، فجئت إلى جمرة العطارة - وكانت جارية الجوهر - فقلت لها: إن أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء، فإني لم أجد في المطبخ شيئاً؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان: أي شيء عندك؟ فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوج في خزانة الشراب، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة؛ فما شرب ماء حتى أتى عليه. وذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم بن المهدي أخبره أنه كان نازلاً مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب، لما حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار - في قرن الصراة - أسفل من قصر الخلد - في جوف الليل، ثم أرسل إلي فصرت إليه، فقال: يا إبراهيم، أما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في السماء، وضوءه في الماء! ونحن حينئذٍ في شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب! فقلت: شأنك، جعلني الله فداك! فدعا برطل نبيذ فشربه، ثم أمر فسقيت مثله. قال: فابتدأت أغنيه من غير أن يسألني؛ لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك؛ فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها؛ ونحن في تلك الحال التي هو عليها، فلما صارت بين يديه، قال: تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم قال: فاشتد ما غنت به عليه وتطير منه، وقال لها: عن غير هذا فتغنت: أبكي فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء شيئاً غير هذا! قالت: يا سيدي، ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه؛ وما أردت ما تكرهه؛ وما هو إلا شيء جاءني. ثم أخت في غناء آخر: أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل النعيم من ملك ... عان بحب الدنيا بلا ملك وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفانٍ ولا مشترك فقال لها: قومي غضب الله عليك! قال: فقامت. وكان له قدح بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسميه زبرباح، وكان موضوعاً بين يديه، فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم: والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا هذا - فقال لي: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية؛ ثم ماكان من أمر القدح! والله ما أظن أمري إلا وقد قرب، فقلت: يطيل الله عمرك، ويعز ملكك، ويديم لك، ويكبت عدوك. فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتاً من دجلة " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " ، فقال: يا إبراهيم ما سمعت ما سمعت! قلت: لا والله، ما سمعت شيئاً - وقد كنت سمعت - قال: تسمع حساً! قال: فدنوت من الشط فلم أر شيئاً، ثم عاودنا الحديث، فعاد الصوت: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " ، فوثب من مجلسه ذلك مغتماً، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك ليوم الأحد لست - أو لأربع - خلون من صفر، سنة ثمان وتسعين ومائة. وذكر عن أبي الحسن المدائني؛ قال: لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، دخل محمد بن هارون مدينة السلام هارباً من القصر الذي كان يقال له الخلد مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق، وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة؛ وذلك لأربع عشرة شهراً منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثنا عشر يوما. ذكر الخبر عن قتل الأمين وفي هذه السنة قتل محمد بن هارون. ذكر الخبر عن مقتله: ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي أنه قال: لما صار محمد إلى المدينة، وقر فيها، وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم؛ دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى؛ وقد رأينا رأياً نعرضه عليك، فانظر فيه واعتزم عليه؛ فإنا نرجو أن يكون صواباً ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها؛ فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعمائة رجل، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلاً على باب من هذه الأبواب فإن الليل لأهله؛ ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله؛ فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم فتفرض الفروض، وتجبى الخراج، وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجنود، وإلى ذلك ما قد أحدث الله عز وجل في مكر الليل والنهار. فقال لهم: نعم ما رأيتم؛ واعتزم على ذلك. وخرج الخبر إلى طاهر؛ فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السندي بن شاهك: والله لإن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد، فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه؛ فنحن نذكرك الله في نفسك! إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار، وضاق عليهم المذهب، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها؛ ولسنا نأمن إذا برزوا بك، وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيراً، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك، ويجعلوك سبب أمانهم؛ وضربوا له فيه الأمثال. قال محمد بن عيسى الجلودي: وكان أبي وأصحابه قعوداً في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه. قال: فلما سمعوا كلامه، ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له؛ هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه؛ ثم بدا لهم وقالوا: حرب من داخل، وحرب من خارج. فكفوا وأمسكوا. قال محمد بن عيسى: فلما نكت ذلك في قلب محمد، ووقع في نفسه ما وقع منه، أضرم عما كان عزم عليه، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج؛ فأجاب سليمان والسندي ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك، فقالوا: إنما غايتك اليوم السلام واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويفردك في موضع، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى؛ وليس عليك منه بأس ولا مكروه. فركن إلى ذلك، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة. فقال محمد بن عيسى: وكان أبي وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة؛ لأنهم كانوا من أصحابه، وقد عرفوا مذاهبه، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم، ولا يجعل لهم مراتب، فدخلوا على محمد فقالوا له: إذا أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة. قال محمد بن عيسى: فقال لهم: ويحكم! أنا أكره طاهراً وذلك أني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس وثيق لم أر حائطاً شبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعلى سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفتي؛ وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت، وندرت قلنسوتي من رأسي، وأنا أتطير من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك؛ وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشد أنساً وأشد ثقة. وذكر عن محمد بن إسماعيل، عن حفص بن أرميائيل، أن محمداً لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى - وكان له جسر في ذلك الموضع - أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيب. قال: فمكثت ليلتي أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج، ونضعه في البيوت؛ فسهرت ليلتي أنا وأعواني؛ ولما صليت الصبح دفعت إلى عجوز قطعة بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة، وقلت لها: إني سهرت ونعست نعاساً شديداً؛ ولا بد لي من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر، فضعي هذا العنبر على الكانون. وأعطيتها كانوناً من فضة عليه جمر، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها، ودخلت حراقة فنمت، فما شعرت إلا بالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني، فقالت لي: قم يا حفص؛ فقد وقعت في بلاء، قلت: ما هو؟ قالت: نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين، وبين يديه جماعة وخلفه جماعة؛ فلم أشك أنه هو؛ فأحرقت العنبرة، فلما جاء، فإذا هو عبد الله بن موسى، وهذا أمير المؤمنين قد أقبل. قال: فشتمتها وعنفتها. قال: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت؛ وكان هذا من أوائل الإدبار. وذكر علي بن يزيد، قال: لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي ومحمد بن عيسى بن نهيك، ولحقوا جميعاً بعسكر المهدي، ومكث محمد محصوراً في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت. وناظر محمد أصحابه ومن بقي معه في طلب الأمان؛ وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر، فقال له السندي: والله يا سيدي؛ لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا؛ وما أرى فرجاً إلا هرثمة. قال له: وكيف بهرثمة؛ وقد أحاط الموت بي من كل جانب! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا: لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوض إليه ملكك؛ فلعله كان سيركن إليك. فقال لهم: أخطأتم وجه الرأي، وأخطأت في مشاورتكم؛ هل كان عبد الله أخي لو جهد نفسه وولي الأمور برأيه بالغاً عشر ما بلغه له طاهر! وقد محصته وبحثت عن رأيه، فما رأيته يميل إلى غدر به؛ ولا طمع فيما سواه؛ ولو أجاب إلى طاعتي، وانصرف إلي ثم ناصبني أهل الأرض ما اهتممت بأمر؛ ولوددت أنه أجاب إلى ذلك، فمنحته خزائني وفوضت إليه أمري، ورضيت أن أعيش في كنفه؛ ولكني لا أطمع في ذلك منه. فقال له السندي: صدقت يا أمير المؤمنين؛ فبادر بنا إلى هرثمة؛ فإنه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك؛ وقد ضمن إلي أنه مقاتل دونك إن هم عبد الله بقتلك؛ فاخرج ليلاً في ساعة قد نوم الناس فيها؛ فإني أرجو أن يغبى على الناس أمرنا. وقال أبو الحسن المدائني: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة، وأجابه إلى ما أراد، اشتد ذلك على طاهر، وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج، وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أخرجته بالحصار والحرب؛ حتى صار إلى طلب الأمان؛ ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني؛ فيكون الفتح له. ولما رأى هرثمة والقواد ذلك، اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم؛ فصار إليهم طاهر وخاصته وقواده، وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك، وأداروا الرأي بينهم، وأداروا الرأي بينهم، ودبروا الأمر، وأخبروا طاهراً أنه لا يخرج إليه أبداً، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الأمر في أمره مثله في أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فقالوا له: يخرج ببدنه إلى هرثمة - إذ كان يأمن به ويثق بناحيته، وكان مستوحشاً منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة - وذلك الخلافة - ولا تفسد هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله. فأجاب إلى ذلك ورضي به. ثم قيل: إن الهرش لما علم بالخبر، أراد التقرب إلى طاهر، فخبره أن الذي جرى بينهم وبينه مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة. فقبل طاهر ذلك منه، وظن أنه كما كتب به إليه، فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وفي الشهر السرياني خمسة وعشرون من أيلول. فذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: أخبرني طارق الخادم، قال: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه، فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده. قال: وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذي كان بينه وبينه؛ ولبس ثياب الخلافة؛ دراعة وطيلساناً والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة. فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة، قال: اسقني من جباب الحرس، فناولته كوزاً من ماء، فعافه لزهوكته فلم يشرب منه؛ وصار إلى هرثمة. فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه في الخلد؛ فلما صار إلى الحراقة؛ خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء، وانكفأت الحراقة؛ فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظن أن غرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخي ومحمد بن حميد هو ابن أخي شكلة أم إبراهيم بن المهدي - وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلاً من أصحابه خراسانياً ضم إليه قوماً - فعرفه محمد بن حميد - وهو المعروف بالطاهري؛ وكان طاهر يقدمه في الولايات، فصاح بأصحابه فنزلوا، فأخذوه، فبادر محمداً لماً، فأخذ بساقيه فجذبه، وحمل على برذون، وألقي عليه إزار من أزر الجند غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان ينزل باب الكوفة، وأردف رجلاً خلفه يمسكه لئلا يسقط، كما يفعل بالأسير. فذكر عن الحسن بن أبي سعيد، أن خطاب بن زياد حدثه أن محمداً وهرثمة لما غرقا، بادر طاهر إلى بستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة. قال: فلما انتهى طاهر ونحن معه في الموكب والحسن بن علي المأموني والحسن الكبير خادم الرشيد - إلى باب الشأم، لحقنا محمد بن حميد، فترجل ودنا من طاهر، فأخبره أنه أسر محمداً، ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخي. قال: فالتفت إلينا طاهر، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأموني: مكن، أي لا تفعل فعل حسين بن علي. قال: فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد. قال: واتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع. وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي؛ قال: لما تهيأ للخروج - وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد - خرج إلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود؛ فدخلنا عليه، فقمنا بين يديه بالأعمدة. قال: فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيدي، أبو حاتم يقرئك السلام، ويقول: يا سيدي وافيت للميعاد لحملك، ولكني أرى ألا تخرج الليلة؛ فإني رأيت في دجلة على الشط أمراً قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخذ من يدي أو تذهب نفسك؛ ولكن أقم بمكانك حتى أرجع ثم استعد ثم آتيك القابلة فأخرجك؛ فإن حوربت حاربت دونك ومعي عدني. قال: فقال محمد: ارجع إليه، فقل له لا تبرح؛ فإني خارج إليك الساعة لا محالة؛ ولست أقيم إلى غد. قال: وقلق وقال: قد تفرق عني الناس ومن على بابي من الموالي والحرس، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علي فيأخذني. ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهري، ثم دعا بابنيه فضمهما إليه، وشمهما وقبلهما، وقال: أستودعكما الله؛ ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمه، ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر؛ حتى ركبنا دوابنا وبين يديه شمعة واحدة. فلما صرنا إلى الطاقات مما يلي باب خراسان، قال لي أبي: يا محمد ابسط يدك عليه؛ فإني أخاف أن يضربه إنسان بالسيف؛ فإن ضرب كان الضرب بك دونه. قال: فألقيت عنان فرسي بين معرفته، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان فأمرنا به ففتح، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة، فرقي إليها، فجعل الفرس يتلكأ وينفر وضربه بالسوط وحمله عليها، حتى ركبها في دجلة فنزل في الحراقة، وأخذنا الفرس، ورجعنا إلى المدينة، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق؛ وسمعنا الواعية، فصعدنا على القبة التي على الباب، فوقفنا فيها نسمع الصوت. فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال: كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظاماً، وجثى هرثمة على ركبتيه، وقال له: يا سيدي، ما أقدر على القيام لمكان النقرس الذي بي، ثم احتضنه وصيره في حجره، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، ويقول: يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي. قال: وجعل يتصفح وجوهنا، قال: ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح، فقال له: أيهم أنت؟ قال: أنا عبيد الله بن الوضاح، قال: نعم، فجزاك الله خيراً، فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده، وسألته مكافأتك عني. قال: فبينا نحن كذلك - وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع - إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان، فبعض يقطع السكان، وبعض ينقب الحراقة، وبعض يرمي بالآجر والنشاب. قال: فنقبت الحراقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، فأخرجه ملاح؛ وخرج كل واحد منا على حيله؛ ورأيت محمداً حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه، ورمى بنفسه إلى الماء. قال: فخرجت إلى الشط، فعلقني رجل من أصحاب طاهر؛ فمضى بي إلى رجل قاعد على كرسي من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر، بين يديه نار توقد، فقال بالفارسية: هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة، فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب هرثمة؛ أنا أحمد بن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت فاصدقني، قال: قلت. قد صدقتك، قال: فما فعل المخلوع؟ قلت: قد رأيته حين شق ثيابه، وقذف بنفسه في الماء قال: قدموا دابتي؛ فقدموا دابته، فركب وأمر بي أن أجنب. قال: فجعل في عنقي حبل وجنبت؛ وأخذ في درب الرشدية، فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان، انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو، فقال الذي يجنبني: قد قام هذا الرجل؛ وليس يعدو، قال: انزل فحز رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لم تقتلني وأنا رجل علي من الله نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف درهم. قال: فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم، قلت: تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلي رسولاً حتى أرسله إلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي. قال: قد أنصفت، فأمر بحملي، فحملت ردفاً لبعض أصحابه، فمضى بي إلى دار صاحبه، دار أبي صالح الكاتب؛ فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتقدم إليهم، وأوعز وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره؛ فإذا هو إبراهيم البلخي. قال: فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان أو ثلاث - وفي رواية حصر مدرجة - قال: فقعدت في البيت، وصيروا فيه سراجاً، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون. قال: فلما ذهب من الليل ساعة؛ إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون : يسر زبيدة. قال: فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، وتقدموا إلى من في الدار في حفظه، وخلفوا معهم قوماً آخرين أيضاً منهم. قال: فلما استقر في البيت حسر العمامة عن وجهه فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي. قال: وجعل ينظر إلي، ثم قال: أيهم أنت؟ قال: قلت: أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي؟ قلت: أحمد بن سلام صاحب المظالم، فقال: وأعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة؟ قال: قلت نعم، قال: كنت تأتيني وتلطفني كثيراً، لست مولاي بل أنت أخي ومني. ثم قال: يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي؛ قال: ادن مني وضمني إليك، فإني أجد وحشة شديدة. قال: فضممته إلي فإذا قلبه يخفق خفقاً شديداً كاد أن يفرج عن صدره فيخرج. قال: فلم أزل أضمه إلي وأسكنه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قال: قلت: هو حي، قال: قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته؛ قال: قلت: بل قبح الله وزراءك! قال: لا تقل لوزرائي إلا خيراً، فما لهم ذنب؛ ولست بأول من طلب أمراً فلم يقدر عليه. ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أتراهم يقتلوني أو يفون لي بأيمانهم؟ قال: قلت: بل يفون لك يا سيدي. قال: وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة. قال: فنزعت مبطنة كانت علي ثم قلت: يا سيدي، ألق هذه عليك. قال: ويحك! دعني، هذا من الله عز وجل، لي في هذا الموضع خير. قال: فبينا نحن كذلك، إذ دق باب الدار، ففتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه مستثبتاً له، فلما أثبته معرفة، انصرف وغلق الباب؛ وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول. قال: وكان بقي علي من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل معه ولم أوتر، قال: فقمت أوتر، فقال لي: يا أحمد، لا تتباعد مني، وصل إلى جانبي، أجد وحشة شديدة. قال: فاقتربت منه؛ فلما انتصف الليل أو قارب، سمعت حركة الخيل، ودق الباب، ففتح، فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائماً، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي في سبيل الله! أما من حيلة! أما من مغيث! أما من أحد من الأبناء! قال: وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضاً. قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة، وجعل يقول: ويحكم! إني ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ابن هارون؛ وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي! قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه - غلام لقريش الدنداني مولى طاهر - فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه؛ وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلني قتلني - بالفارسية قال: فدخل منهم جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحاً من قفاه، وأخذوا رأسه، فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته. قال: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل، وحملوها. قال: فأصبحت فقيل لي: هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك. قال: فبعثت إلى وكيلي فأتاني، بها، فدفعتها إليه. قال: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس، وخرج إلى دجلة يوم الأحد. وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال: قلت لمحمد لما دخل على البيت وسكن: لاجزى الله وزراءك خيراً، فإنهم أوردوك هذا المورد! فقال لي: يا أخي؛ ليس بموضع عتاب. ثم قال: أخبرني عن المأمون أخي، أحي هو؟ قلت: نعم؛ هذا القتال عمن إذاً! هو إلا عنه! قال: فقال لي: أخبرني يحيى أخو عامر بن إسماعيل بن عامر - وكان يلي الخبر في عسكر هرثمة - أن المأمون مات، فقلت له: كذب. قال: ثم قلت له: هذا الإزار الذي عليك إزار غليظ فالبس إزاري وقميصي هذا فإنه لين، فقال لي: من كانت حاله مثل حالي فهذا له كثير. قال: فلقنته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر. قال: وبينا نحن كذلك، إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها؛ وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق، فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت؛ فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، ثم هجموا عليه فحزوا رأسه. واستقبلوا به طاهراً، وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له - وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية - فقال له: أخوك يقرئك السلام، فما خبرك؟ قال: يا غلام، هات الطس، فجاءوا به وفيه رأس محمد، فقال: هذا خبري فأعلمه. فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم، وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد. وذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: شيء يكون في ثياب الناس، فقال: أعوذ بالله من زوال النعمة! فقتل من يومه. وذكر عن الحسن بن أبي سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد، ندموا على قتل محمد، لما كانوا يأخذون من الأموال. وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التي كان فيها رأس محمد ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبي السرايا كانت إليه. قال: فنظرت في رأس محمد، فإذا فيه ضربة في وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات منه شيء، ولونه على حاله. قال: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى - وهو من سعف مبطن - مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه، فأمر له بألف ألف درهم، فرأيت ذا الرياستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد. قال الحسن: فأخبرني ابن أبي حمزة، قال: حدثني علي بن حمزة العلوي، قال: قدم جماعة من آل أبي طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة، فوصلهم ووصلنا، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مرو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنئونا بالنعمة، ولقينا من بها من أهلها وسائر أهل المدينة، فوصفنا لهم قتل محمد، وأن طاهر بن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدنداني، وأمره بقتله. قال: فقال لنا شيخ منهم: كيف قلت! فأخبرته، فقال الشيخ: سبحان الله! كنا نروي هذا أن قريشاً يقتله؛ فذهبنا إلى القبيلة، فوافق الاسم الاسم! وذكر عن محمد بن أبي الوزير أن علي بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن إبراهيم بن المهدي لما بلغه قتل محمد، استرجع وبكى طويلاً، ثم قال: عوجا بمغنى طلل دائر ... بالخلد ذات الصخر والآجر والمرمر المسنون يطلى به ... والباب باب الذهب الناضر عوجا بها فاستيقنا عندها ... على يقين قدرة القادر وأبلغا عني مقالاً إلى ال ... مولى على المأمور والآمر قولا له: يابن ولي الهدى ... طهر بلاد الله من طاهر لم يكفه أن حز أوداجه ... ذبح الهدايا بمدى الجازر حتى أتى يسحب أوصاله ... في شطن يفني مدى السائر قد برد الموت على جنبه ... وطرفه منكسر الناظر قال: وبلغ ذلك المأمون فاشتد عليه. وذكر المدائني أن طاهراً كتب إلى المأمون بالفتح: أما بعد، فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال، والملك والسلطان، الذي إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. كان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم، انتكاث المخلوع ببيعته، وانتقاضه بعهده، وارتكاسه في فتنته، وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه وما الله بظلام للعبيد. وقد كتبت إلى أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد، وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها في دجلة نواحي أزقة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها وحد ري السفن والزواريق بالعرادات والمقاتلة، إلى ما واجه الخلد وباب خراسان، تحفظاً بالمخلوع، وتخوفاً من أن يروغ مراغاً، ويسلك مسلكاً يجد به السبيل إلى إثارة فتنة وإحياء ثائرة، أو يهيج قتالاً بعد أن حصره الله عز وجل وخذله، ومتابعة الرسل بما يعرض عليه هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين، ويسألني من تخلية الطريق له في الخروج واجتماعي وهرثمة بن أعين؛ لنتناظر في ذلك، وكراهتي ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق الله إياه، وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلق، وانقطاع المنافع عنه؛ وحيل بينه وبين الماء؛ فضلاً عن غيره؛ حتى هم به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجا معه إليها، وتحزبوا على الوثوب به للدفع عن أنفسهم والنجاة بها، وغير ذلك مما فسرت لأمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - مما أرجو أن يكون قد أتاه. وإني أخبر أمير المؤمنين أني رويت فيما دبر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين في المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنة في تخلصه من موضعه الذي قد أنزله الله فيه بالذلة والصغار وصيره فيه إلى الضيق والحصار تزداد، ولا يزيد أهل التربص في الأطراف إلا طمعاً وانتشاراً، وأعلمت ذلك هرثمة بن أعين، وكراهتي ما أطمعه فيه وأجابه إليه؛ فذكر أنه لا يرى الرجوع عما أعطاه، فصادرته - بعد يأس من انصرافه - عن رأيه، على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفه وقضيبه قبل خروجه؛ ثم أخلي له طريق الخروج إليه؛ كراهة أن يكون بيني وبينه اختلاف نصير منه إلى أمرٍ يطمع الأعداء فينا، أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشية السبت. فتوجهت في خاصة ثقاتي الذين اعتمدت عليهم، وأثق بهم، بربط الجأش، وصدق البأس، وصحة المناصحة؛ حتى طالعت جميع أمر كل من كنت وكلت بالمدينة والخلد براً وبحراً، والتقدمة إليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حراقات وسفناً؛ سوى العدة التي كنت لأركبها بنفسي لوقت ميعادي بيني وبين هرثمة، فنزلتها في عدة ممن كان ركب معي من خاصة ثقاتي وشاكريتي، وصيرت عدة منهم فرساناً ورجالة بين باب خراسان والمشرعة وعلى الشط. وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب خراسان معداً مستعداً؛ وقد خاتلني بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة، ليحمله فبل أن أعلم، أو يبعث إلي بالرداء والسيف والقضيب؛ على ما كان فارقني عليه من ذلك. فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لأمري كان أتاهم، وتقدمي إليهم ألا يدعوا أحداً يجوزهم إلا بأمري. فبادرهم نحو المشرعة، وقرب هرثمة إليه الحراقة، فسبق الناكث أصحابي إليها، وتأخر كوثر، فظفر به قريش مولاي، ومعه الرداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من إرادة أصحابي منع مخلوعهم من الخروج، فبادر بعضهم حراقة هرثمة، فتكفأت بهم حتى أغرقت بالماء ورسبت، فانصرف بعضهم إلى المدينة، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة متخلصاً إلى الشط، نادماً على ما كان من خروجه، ناقضاً للعهد، داعياً بشعاره، فابتدره عدة من أوليائي الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصراة، فأخذوه عنوة قهراً بلا ولا عقد ؛ فدعا بشعاره وعاد في نكثه، فعرض عليهم مائة حبة، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم وإيثاراً للحق الواجب عليهم، فتعلقوا به، قد أسلمه الله وأفرده؛ كل يرغبه، ويريد أن يفوز بالحظوة عندي دون صاحبه؛ حتى اضطربوا فيما بينهم، وتناولوه بأسيافهم منازعة فيه، وتشاحاً عليه، إلى أن أتيح له مغيظ لله ودينه ورسوله وخليفته، فأتى عليه وأتاني الخبر بذلك، فأمرت بحمل رأسه إلي، فلما أتيت به تقدمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من في المسالح، في لزوم مواضعهم، والاحتفاظ بما يليهم، إلى أن يأتيهم أمري. ثم انصرفت. فأعظم الله لأمير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الإسلام به وفيه. فلما أصبحت هاج الناس واختلفوا في المخلوع، فمصدق بقتله، ومكذب وشاك وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشبهة في أمره، فمضيتبرأسه لينظروا إليه فيصح بعينهم، وينقطع بذلك بعل قلوبهم، ودخل التياث المستشرفين للفساد والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها وأعطى أهلها الطاعة، واستقام لأمير المؤمنين شرقي ما يلي مدينة السلام وغربيه وأرباعه وأرباضه ونواحيه؛ وقد وضعت الحرب أوزارها وتلافى بالسلام والإسلام أهله؛ وبعد الله الدغل عنهم، وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والسكون والدعة والاستقامة والاغتباط؛ والصنع من الله جل وعز والخيرة، والحمد لله على ذلك. فكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله، وليس قبلي داعٍ إلى فتنة، ولا متحرك ولا ساعٍ في فساد، ولا أحد إلا سامع مطيع باخع حاضر؛ قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين ودعة ولايته؛ فهو يتقلب في ظلها، يغدو في متجره ويروح في معايشه؛ والله ولي ما صنع من ذلك، والمتمم له، والمان بالزيادة فيه برحمته. وأنا أسأل الله أن تهنئ أمير المؤمنين نعمته، ويتابع له فيها مزيده ويوزعه عليها شكره؛ وأن يجعل منته لديه متوالية دائماً متواصلة؛ حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة، ولأوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته، إنه ولي ذلك منهم وفيه، إنه سميع لطيف لما يشاء. وكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. وذكر عن محمد المخلوع أنه قبل مقتله، وبعد ما صار في المدينة، ورأى الأمر قد تولى عنه، وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر، قعد في الجناح الذي كان عمله على باب الذهب - وكان تقدم في بنائه قبل ذلك - وأمر بإحضار كل من كان معه في المدينة من القواد والجند، فجمعوا في الرحبة، فأشرف عليهم، وقال: الحمد لله الذي يرفع ويضع. ويعطي ويمنع، ويقبض ويبسط؛ وإليه المصير. أحمده على نوائب الزمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال، وحلول النوائب، وتوفد المصائب؛ حمداً يدخر لي به أجزل الجزاء، ويرفدني أحسن العزاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه، وشهدت له ملائكته، وأن محمداً عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين، صلى الله عليه وسلم، آمين رب العالمين. أما بعد يا معشر الأبناء، وأهل السبق إلى الهدى، فقد علمتم غفلتي كانت أيام الفضل بن الربيع وزير علي ومشير، فمادت به الأيام بما لزمني به من الندامة في الخاصة والعامة، إلى أن نبهتموني فانتبهت، واسعنتموني في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم، فبذلت لكم ما حواه ملكي، وناولته مقدرتي، مما جمعته وورثته عن آبائي، فقودت من لم يجز، واستكفيت من لم يكف، واجتهدت - علم الله - في طلب رضاكم بكل ما قدرت عليه؛ من ذلك توجيهي إليكم علي بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحنن عليكم؛ فكان منكم ما يطول ذكره؛ فغفرت الذنب، وأحسنت واحتملت واحتملت، وعزيت نفسي عند معرفتي بشرود الظفر، وحرصي على مقامكم مسلحة بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم، ومن على يدي أبيه كان فخركم، وبه تمت طاعتكم: عبد الله بن حميد بن قحطبة، فصرتم من التألب عليه إلى ما لا طاقة له به، ولا صبر عليه. يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفاً؛ إلى عامدين، وعلى سيدكم متوثبين مع سعيد الفرد، سامعين له مطيعين. ثم وثبتم مع الحسين علي، فخلعتموني وشتمتموني، وانتهبتموني وحبستموني، وقيدتموني؛ وأشياء منعتموني من ذكرها؛ حقد قلوبكم وتلكؤ طاعتكم أكبر وأكثر. فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورضي بقدره؛ والسلام. وقيل: لما قتل محمد، وارتفعت الثائرة، وأعطي الأمان الأبيض والأسود، وهدأ الناس، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلى بالناس، وخطبهم خطبة بليغة، نزع فيها من قوارع القرآن؛ فكان مما حفظ من ذلك أن قال: الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير. في آي من القرآن أتبع بعضها بعضاً، وحض على الطاعة ولزوم الجماعة، ورغبتهم في التمسك بحبل الطاعة. وانصرف إلى معسكره. وذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة، وحضره من بني هاشم والقواد وغيرهم جماعة كثيرة، قال: الحمد لله مالك الملك، يؤتيه من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين؛ إن ظهور غلبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا، بل اختار الله الخلافة إذ جعلها عماداً لدينه، وقواماً لعباده، وضبط الأطراف وسد الثغور، وإعداد العدة، وجمع الفيء، وإنفاذ الحكم، ونشر العدل، وإحياء السنة؛ بعد إذبال البطالات، والتلذذ بموبق الشهوات. والمخلد إلى الدنيا مستحسن لداعي غرورها، محتلب درة نعمتها، ألف لزهرة روضتها، كلف برونق بهجتها. وقد رأيتم من وفاء موعود الله عز وجل لمن بغى عليه، وما أحل به من بأسه ونقمته، لما نكب عن عهده، وارتكب معصيته، وخالف أمره، وغير ناهيه، وعظته مردية؛ واحذروا مصارع أهل الخلاف والمعصية، الذين قدحوا زناد الفتنة، وصدعوا شعب الألفة، فأعقبهم الله خسار الدنيا والآخرة. ولما فتح طاهر بغداد كتب إلى أي إسحاق المعتصم - وقد ذكر بعضهم أنه إنما كتب بذلك إلى إبراهيم بن المهدي، وقال الناس: كتبه إلى أبي إسحاق المعتصم: أما بعد، فإنه عزيز علي أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير؛ ولكنه بلغني أنك تميل بالرأي، وتصغي بالهوى، إلى الناكث المخلوع؛ وإن كان كذلك فكثير ما كتبت به إليك، وإن كان غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. وكتب في أسفل الكتاب هده الأبيات: ركوبك الأمر ما لم تبل فرصته ... وجل ورأيك بالتغرير تغرير أقبح بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور وثوب الجند بطاهر بن الحسين بعد مقتل الأمينوفي هذه السنة وثب الجند بعد مقتل محمد بطاهر، فهرب منهم وتغيب أياماً حتى أصلح أمرهم. ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به وإلى ما آل به أمره وأمرهم ذكر عن سعيد بن حميد؛ أنه ذكر أباه حدثه؛ أن أصحاب طاهر بعد مقتل محمد بخمسة أيام، وثبوا به؛ ولم يكن في يديه مال، فضاق به أمره، وظن أن ذلك عن مواطأةٍ من أهل الأرباض إياهم، وأنهم معهم عليه، ولم يكن تحرك في ذلك من أهل الأرباض أحد، فاشتدت شوكة أصحابه، وخشي على نفسه، فهرب من البستان، وانتهبوا بعض متاعه، ومضى إلى عقرقوف. وكان قد أحر بحفظ أبواب المدينة وباب القصر على أم جعفر، وموسى وعبد الله ابني محمد، ثم أمر بتحميل زبيدة وموسى وعبد الله ابني محمد معها من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فحولوا ليلة الجمعة لاثني عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، ثم مضى بهم من ليلتهم في حراقة إلى همينيا على الغربي من الزاب الأعلى، ثم أبر بحمل موسى وعبد الله إلى عمهما بخراسان على طريق الأهواز وفارس. قال: ولما وثب الجند بطاهر، وطلبوا الأرزاق، وأحرقوا باب الأنبار الذي على الخندق وباب البستان، وشهروا السلاح، وكانوا كذلك يومهم ومن الغد، ونادوا موسى: يا منصور. وصوب الناس إخراج طاهر وموسى وعبد الله؛ وقد كان طاهر انحاز ومن معه من القواد، وتعبأ لقتالهم ومحاربتهم، فلما بلغ ذلك القواد والوجوه صاروا إليه واعتذروا، وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم والرضا عنهم، وضمنوا له ألا يعودوا لمكروه له ما أقام معهم. فقال لهم طاهر: والله ما خرجت عنكم إلا لوضع سيفي فيكم، وأقسم بالله لئن عدتم لمثلها لأعودن إلى رأيي فيكم، ولأخرجن إلى مكروهكم؛ فكسرهم بذلك، وأمر لهم برزق أربعة أشهر؛ فقال في ذلك بعض الأبناء: آلى الأمير وقوله وفعالهحق بجمع معاشر الزعار إن هاج هائجهم وشغب شاغب ... منكل ناحيةٍ من الأقطار ألا يناظر معشراً من جمعهم ... إمهال ذي عدلٍ وذي إنظار حتى ينيخ عليهم بعظيمةٍ ... تدع الديار بلاقع الآثار فذكر عن المدائني أن الجند لما شغبوا، وانحاز طاهر، ركب إليه سعيد بن مالك بن قادم ومحمد بن أبي خالد وهبيرة بن خازم؛ في مشيخةٍ من أهل الأرباض، فحلفوا بالمغلظة من الأيمان، أنه لم يتحرك في هذه الأيام أحد من أبناء الأرباض، ولا كان ذلك عن رأيهم، ولا أرادوه، وضمنوا له صلاح نواحيهم من الأرباض، وقيام كل إنسان منهم في ناحيته بكل ما يجب عليه، حتى لا يأتيه من ناحية أمر يكرهه. وأتاه عميرة - أبو شيخ بن عميرة الأسدي - وعلى ابن يزيد؛ في مشيخة من الأبناء، فلقوه بمثل ما لقيه به ابن أبي خالد وسعيد بن مالك وهبيرة، وأعلموه حسن رأي من خلفهم من الأبناء ولين طاعتهم له، وأنهم لم يدخلوا في شيء مما صنع أصحابه في البستان. فطابت نفسه إلا أنه قال لهم: إن القوم يطلبون أرزاقهم، وليس عندي مال. فضمن لهم سعيد بن مالك عشرين ألف دينار، وحملها إليه، فطابت بها نفسه، وانصرف إلى معسكره بالبستان. وقال طاهر لسعيد: إني أقبلها منك على أن تكون علي ديناً، فقال له: بل هي إنما صلة وقليل لغلامك وفيما أوجب الله من حقك. فقبلها منه، وأمر للجند برزق أربعة أشهر، فرضوا وسكنوا. قال المدائني: وكان مع محمد رجل يقال له السمرقندي، وكان يرمي عن مجانيق كانت في سفن من باطن دجلة؛ وربما كان يشتد أمر أهل الأرباض على من بإزائهم من أصحاب محمد في الخنادق، فكان يبعث إليه، فيجيء به فيرميهم - وكان رامياً لم يكن حجره يخطئ - ولم يقتل الناس يومئذ بالحجارة كما قيل، فلما قتل محمد قطع الجسر، واحترقت المجانيق التي كانت في دجلة يرمي عنها، فأشفق على نفسه، وتخوف من بعض من وتره أن يطلبه، فاستخفى، وطلبه الناس، فتكارى بغلاً، وخرج إلى ناحية خراسان هارباً، فمضى حتى إذا كان في بعض الطريق استقبله رجل فعرفه؛ فلما جازه قال الرجل للمكاري: ويحك! أين تذهب مع هذا الرجل! والله لئن ظفر بك معه لتقتلن، وأهون ما هو مصيبك أن تحبس، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قد والله عرفت اسمه، وسمعت به قتله الله! فانطلق المكاري إلى أصحابه - أو مسلحة انتهى إليها - فأخبرهم خبره، وكانوا من أصحاب كندغوش من أصحاب هرثمة، فأخذوه وبعثوا به إلى هرثمة، وبعث به هرثمة إلى خزيمة بن خازم بمدينة السلام، فدفعه خزيمة إلى بعض من وتره فأخرجه إلى شاطئ دجلة من الجانب الشرقي فصلب حياً، فذكروا أنه لما أرادوا شده على خشبته، اجتمع خلق كثير، فجعل يقول قبل أن يشدوه: أنتم بالأمس تقولون: لا قطع الله يا سمرقندي يدك، واليوم قد هيأتم حجارتكم ونشابكم لترموني! فلما رفعت الخشبة أقبل الناس عليه رمياً بالحجارة والنشاب وطعناً بالرماح حتى قتلوه، وجعلوا يرمونه بعد موته، ثم أحرقوه من غد، وجاءوا بنار ليحرقوه بها، وأشعلوها فلم تشتعل، وألقوا عليه قصباً وحطباً، فأشعلوها فيه، فاحترق بعضه، وتمزقت الكلاب بعضه؛ وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من صفر. ذكر الخبر عن صفة محمد بن هارون وكنيته وقدر ما ولي ومبلغ عمره قال هشام بن محمد وغيره: ولي محمد بن هارون وهو أبو موسى يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقتل ليلة الأحد لست بقين من صفر سنة سبع وتسعين ومائة. وأمه زبيدة بنة جعفر الأكبر بن أبي جعفر؛ فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام. وقد قيل: كانت كنيته أبا عبد الله. وأما محمد بن موسى الخوارزمي فإنه ذكر عنه أنه قال: أتت الخلافة محمد بن هارون للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وحج بالناس في هذه السنة التي ولي فيها داود بن عيسى بن موسى، وهو على مكة وأبو البختري على ولايته، وبعد ولايته، بعشرة أشهر وخمسة أيام وجه عصمة بن أبي عصمة إلى ساوة، وعقد ولايته لابنه موسى بولاية العهد لثلاثون خلون من شهر ربيع الأول؛ وكان على شرطه علي بن عيسى بن ماهان. وحج بالناس سنة أربع وتسعين ومائة علي بن الرشيد، وعلى المدينة إسماعيل بن العباس بن محمد، وعلى مكة داود بن عيسى، وكان بين أن عقد لابنه إلى التقاء علي بن عيسى بن ماهان وطاهر بن الحسين وقتل علي بن عيسى بن ماهان سنة خمس وتسعين ومائة، سنة وثلاثة أشهر وتسعة وعشرون يوماً. قال: وقتل المخلوع ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم، قال: فكانت ولايته مع الفتنة أربع سنين وسبعة أشهر وثلاثة أيام. ولما قتل محمد ووصل خبره إلى المأمون في خريطة من طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة أظهر المأمون الخبر، وأذن للقواد فدخلوا عليه. وقام الفضل بن سهل فقرأ الكتاب بالخبر، فهنئ بالظفر، ودعوا الله له. وورد الكتاب من المأمون بعد قتل محمد على طاهر وهرثمة بخلع القاسم بن هارون، فأظهر ذلك ووجها كتبهما به، وقرئ الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين ومائة، وكان عمر بن محمد كله - فيما بلغني - ثمانياً وعشرين سنة. وكان سبطاً أنزع أبيض صغير العينين أقنى، جميلاً، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين. وكان مولده بالرصافة. وذكر أن طاهراً قال حين قتله: قتلت الخليفة في داره ... وأنهبت بالسيف أمواله وقال أيضاً: ملكت الناس قسراً واقتدارا ... وقتلت الجبابرة الكبارا ووجهت الخلافة نحو مروٍ ... إلى المأمون تبتدر ابتدارا ذكر ما قيل في محمد بن هارون ومرثيته فما قيل في هجائه: لم نبكيك لماذا؟ للطرب! ... يا أبا موسى وترويج اللعب ولترك الخمس في أوقاتها ... حرصاً منك على ماء العني وشنيف أنا لا أبكي له ... وعلى كوثر لا أخشى العطب لم تكن تعرف ما حد الرضا ... لا ولا تعرف ما حد الغضب لم تكن تصلح للملك ولم ... تعطلك الطاعة بالملك العرب أيها الباكي عليه لا بكت ... عين من أبكاك إلا للعجب لم نبكيك لما عرضتنا ... للمجانيق وطوراً للسلب ولقومٍ صيرونا أعبداً ... لهم ينزو على الرأس الذنب في عذاب وحصار مجهدٍ ... سدد الطرق ولا وجه طلب زعموا أنك حي حاشر ... كل من قال بهذا قد كذب ليت من قد قاله في وحدة ... من جميع ذاب حيث ذهب أوجب الله علينا قتله ... فإذا ما أوجب الأمر وجب كان والله علينا فتنةً ... غضب الله عليه وكتب وقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكي، بغداد، ويهجو طاهراً ويعرض به: من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زماناً قرة العين! ألم يكن فيك أقوام لهم شرف ... بالصالحات والمعروف يلقوني ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم ... وكان قربهم زيناً من الزين صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا ... ماذا الذي فجعتني لوعة البين! أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر ماء العين من عيني كانوا ففرقهم دهر وصدعهم ... والدهر يصدع ما بين الفريقين كم كان لي مسعد منهم على زمني ... كم كان منهم على المعروف من عون لله در زمان كان يجمعنا ... أين الزمان الذي ولى ومن أين! يا من يخرب بغداداً ليعمرها ... أهلكت نفسك مل بين الفريقين كانت قلوب جميع الناس واحدةً ... عيناً، وليس لكون العين كالدين لما أشتهم فرقتهم فرقاً ... والناس طراً جميعاً بين قلبين وذكر عمرو بن شبة أن محمد بن أحمد الهاشمي حدثه، أن لبانة ابنة علي بن المهدي قالت: أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والترس أبكي على هالكٍ فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس وقد قيل إن هذا الشعر لابنة عيسى بن جعفر، وكانت مملكة بمحمد. وقال الحسين بن الضحاك الأشقر، مولى باهلة، يرثي محمداً، وكان من ندمائه، وكان لا يصدق بقتله، ويطمع في رجوعه: يا خير أسرته وإن زعموا ... إني عليك لمثبت أسف الله يعلم أن لي كبداً ... حرى عليك ومقلةً تكف لئن شجيت بما رزئت به ... إني لأضمر فوق ما أصف هلا بقيت لسد فاقتنا ... أبداً، وكان لغيرك التلف! فلقد خلفت خلائفاً سلفوا ... ولسوف يعوز بعدك الخلف لا بات رهطك بعد هفوتهم ... إني لرهطك بعدها شنف هتكوا بحرمتك التي هتكت ... حرم الرسول ودونها السجف وثبت أقاربك التي خذلت ... وجميعها بالذل معترف لم يفعلوا بالشط إذ حضروا ... ما تفعل الغيرانة الأنف تركوا حريم أبيهم نفلاً ... والمحصنات صوارخ هتف أبدت مخلخلها على دهش ... أبكارهن ورنت النصف سلبت معاجرهن واجتليت ... ذات النقاب ونوزع الشنف فكأنهن خلال منتهب ... در تكشف دونه الصدف ملك تخون ملكه قدر ... فوهى وصرف الدهر مختلف هيهات بعدك أن يدوم لنا ... عز وأن يبقى لنا شرف لا هيبوا صحفاً مشرفةً ... للغادلين وتحتها الجدف أفبعد عهد الله تقتله ... والقتل بعد أمانه سرف فستعرفون غداً بعاقبة ... عز الإله فأوردوا وقفوا يا من يخون نومه أرق ... هدت الشجون وقلبه لهف قد كنت لي أملاً غنيت به ... فمضى وحل محله الأسف مرج النظام وعاد منكرنا ... عرفاً وأنكر بعدك العرف فالشمل منتشر لفقدك والد ... نيا سدىً والبال منكسف وقال أيضاً يرثيه: إذا ذكر الأمين نعى الأمينا ... وإن رقد الخلي حمى الجفونا وما برحت منازل بين بصرى ... وكلواذى تهيج لي شجونا عراص الملك خاوية تهادى ... بها الأرواح تنسجها فنونا تخون عز ساكنها زمان ... تلعب بالقرون الأولينا فشتت شملهم بعد اجتماعٍ ... وكنت بحسن ألفتهم ضنينا فلم أر بعدهم حسناً سواهم ... ولم ترهم عيون الناظرينا فوا أسفاً وإن شمت الأعادي ... وآه على أمير المؤمنينا أضل العرف بعدك متبعوه ... ورفه عن مطايا الراغبينا وكن إلى جنابك كل يومٍ ... يرحن على السعود ويغتدينا هو الجبل الذي هوت المعالي ... لهدته وريع الصالحونا ستندب بعدك الدنيا جواراً ... وتندب بعدك الدين المصونا فقد ذهبت بشاشة كل شيءٍ ... وعاد الدين مطروحاً مهينا تعقد عز متصل بكسرى ... وملته وذل المسلمونا وقال أيضاً يرثيه: أسفاً عليك سلاك أقرب قربةً ... مني وأحزاني عليك تزيد وقال عبد الحمن بن أبي الهداهد يرثي محمداً: يا غرب جودي قد بت من وذمه ... فقد فقدنا العزيز من ديمه ألوت بدنياك كف نائبةٍ ... وصرت مغضىً لنا على نقمه أصبح للموت عندنا علم ... يضحك سن المنون من علوه ما استنزلت درة المنون على ... أكرم من حل في ثرى رحمه خليفة الله في بريته ... تقصر أيدي الملوك عن شيمه يفتر عن وجهه سنا قمرٍ ... ينشق عن نوره دجى ظلمه زلزلت الأرض من جوانبها ... إذ أولغ السيف من نجيع دمه من سكت نفسه لمصرعه ... من عمم الناس أو ذوي رحمه رأيته مثل ما رآه به ... حتى تذوق الأمر من سقمه كم قد رأينا عزيز مملكةٍ ... ينقل عن أهله وعن خدمه يا ملكاً ليس بعده ملك ... لخاتم الأنبياء في أممه جاد وحيا الذي أقمت به ... سح غزير الوكيف عن ديمه لو أحجم الموت عن أخي ثقة ... أسوي في العز مستوى قدمه أو ملكٍ لا ترام سطوته ... إلا مرام الشتيم في أجمه خلدك العز ما سرى سدف ... أو قام طفل العشي في قدمه أصبح ملك إذا اتزرت به ... يقرع سن الشقاة من ندمه أثر ذو العرش في عداك كما ... أثر في عاده وفي إرمه لا يبعد الله سورة تليت ... لخير داعٍ دعاه في حرمه ما كنت إلا كحلم ذي حلمٍ ... أولج باب السرور في حلمه حتى إذا أطلقته رقدته ... عاد إلى ما اعتراه من عدمه وقال أيضاً يرثيه: أقول وقد دنوت من الفرار ... سقيت الغيث يا قصر القرار رمتك يد الزمان بسهم عينٍ ... فصرت ملوحاً بدخان نار أبن لي عن جميعك أين حلوا ... وأين مزارهم بعد المزار وأين محمد وابناه ما لي ... أرى أطلالهم سود الديار! كأن لم يؤنسوا بأنيس ملكٍ ... يصون على الملوك بخير جار إمام كان في الحدثان عوناً ... لنا والغيث يمنح بالقطار لقد ترك الزمان بني أبيه ... وقد غمرتهم سود البحار أضاعوا شمسهم فجرت بنحسٍ ... فصاروا في الظلام بلا نهار وأجلوا عنهم قمراً منيراً ... وداستهم خيول بني الشرار ولو كانوا لهم كفواً مثلاً ... إذا ما توجوا تيجان عار ألا بان الإمام ووارثاه ... لقد ضرما الحشا منا بنار وقالوا الخلد بيع فقلت ذلاً ... يصير ببائعيه إلى صغار كذاك الملك يتبع أوليه ... إذا قطع القرار من القرار وقال مقدس بن صيفي يرثيه: خليلي ما أتتك به الخطوب ... فقد أعطتك طاعته النحيب تدلت من شماريخ المنايا ... منايا ما تقوم لها القلوب خلال مقابر البستان قبر ... يجاور قبره أسد غريب لقد عظمت مصيبته على من ... له في كل مكرمةٍ نصيب على أمثاله العبرات تذرى ... وتهتك في مآتمه الجيوب وما اذخرت زبيدة عنه دمعاً ... تخص به النسيبة والنسيب دعوا موسى ابنه لبكاء دهرٍ ... على موسى ابنه دخل الحزيب رأيت مشاهد الخلفاء منه ... خلاء ما بساحتها مجيب ليهنك أنني كهل عليه ... أذوب، وفي الحشا كبد تذوب أصيب به البعيد فخر حزناً ... وعاين يومه فيه المريب أنادي من بطون الأرض شخصاً ... يحركه النداء فما يجيب لئن نعت الحروب إليه نفساً ... لقد فجعت بمصرعه الحروب وقال خزيمة بن الحسن يرثيه على لسان أم جعفر: لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل سام فوق أعواد منبر لوارث علم الأولين وفهمهم ... وللملك المأمون من أم جعفر كتبت وعيني مستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفوني ومحجري وقد مسني ضر وذل كآبةٍ ... وأرق عيني يابن عمي تفكري وهمت لما لاقيت بعد مصابه ... فأمري عظيم منكر جد منكر سأشكو الذي لاقيته بعد فقده ... إليك شكاة المستهام المقهر وأرجو لما قد مر بي مذ فقدته ... فأنت لبثي خير رب مغير أتى طاهر لا طهر الله طاهراً ... فما طاهر فيما أتى بمطهر فأخرجني مكشوفة الوجه حاسراً ... وأنهب أموالي وأحرق آدري يعز على هارون ما قد لقيته ... وما مر بي من ناقص الخلق أعور فإن كان ما أسدى بأمرٍ أمرته ... صبرت لأمرٍ من قدير مقدر تذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي حرمةٍ متذكر وقال أيضاً يرثيه: سبحان ربك رب العزة الصمد ... ماذا أصبنا به في صبحة الأحد وما أصيب به الإسلام قاطبةً ... من التضعضع في ركنيه والأود من لم يصب بأمير المؤمنين ولم ... يصبح بمهلكةٍ والهم في صعد فقد أصبت به حتى تبين في ... عقلي وديني وفي دنياي والجسد يا ليلةً يشتكي الإسلام مدتها ... والعالمون جميعاً آخر الأبد غدرت بالملك الميمون طائره ... وبالإمام وبالضرغامة الأسد سارت إليه المنايا وهي ترهبه ... فواجهته بأوغادٍ ذوي عدد بشورجين وأغتامٍ يقودهم ... قريش بالبيض في قمصٍ من الزرد فصادفوه وحيداً لا معين له ... عليهم غائب الأنصار بالمدد فجرعوه المنايا غير ممتنعٍ ... فرداً فيا لك من مستسلم فرد يلقى الوجوه بوجهٍ غير مبتذلٍ ... أبهى وأنقى من القوهية الجدد وا حسرتا وقريش قد أحاط به ... والسيف مرتعد في كف مرتعد فما تحرك بل ما زال منتصباً ... منكس الرأس لم يبدئ ولم يعد حتى إذا السيف وافى وسط مفرقة ... أذرته عنه يداه فعل متئد وقام فاعتقلت كفاه لبته ... كضيغمٍ شرس مستبسل لبد فاحتزه ثم أهوى فاستقل به ... للأرض من كف ليثٍ محرجٍ حرد فكاد يقتله لو لم يكاثره ... وقام منفلتاً منه ولم يكد هذا حديث أمير المؤمنين وما ... نقصت من أمره حرفاً ولم أزد لا زلت أندبه حتى الممات وإن ... أخنى عليه الذي أخنى على لبد وذكر عن الموصلي أنه قال: لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرياستين، وقال: سل علينا سيوف الناس وألسنتهم؛ أمرناه أن يبعث به أسيراً فبعث به عقيراً! وقال المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه؛ فكتب الناس فأطالوا، وجاء أحمد بن يوسف بشبرٍ من قرطاس فيه: أما بعد؛ فإن المخلوع كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصم الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين؛ يقول الله عز وجل حين اقتص علينا نبأ ابن نوح: " إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " ، فلا طاعة لأحد في معصية الله ولا قطيعة إذا كانت القطيعة في جنب الله . وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، ورداه رداء نكثه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له وعده، وما ينتظر من صادق وعده حين رد به الألفة بعد فرقتها، وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها. ذكر الخبر عن بعض سير المخلوع محمد بن هارون ذكر عن حميد بن سعيد، قال: لما ملك محمد، وكاتبه المأمون وأعطاه بيعته، طلب الخصيان وابتاعهم، وغالى بهم. وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وقوام طعامه وشرابه، وأمره ونهيه؛ وفرض لهم فرضاً سماه الجرادية، وفرضاً من الحبشلن سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رمى بهن، ففي ذلك يقول بعضهم: ألا يا مزمن المثوى بطوس ... عزيباً ما يفادى بنفوس لقد أبقيت للخصيان بعلاً ... تحمل منهم شؤم البسوس فأما نوفل فالشأن فيه ... وفي بدرٍ، فيا لك من جليس! وما العصمى بشار لديه ... إذا ذكروا بذي سهم خسيس لهم من عمره شطر وشطر ... يعاقر فيه شرب الخندريس وما للغانيات لديه حظ ... سوى التقطيب بالوجه العبوس إذا كان الرئيس كذا سقيماً ... فكيف صلاحنا بعد الرئيس! فلو علم المقيم بدار طوسٍ ... لعز على المقيم بدار طوس قال حميد: ولما ملك محمد وجه إلى جميع البلدان في طلب الملهين وضمهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فره الدواب، وأخذ الوحوش والسباع والطير وغير ذلك؛ واحتجب عن أخوته وأهل بيته، وقواده، واستخف بهم، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في خصيانه وجلسائه ومحدثيه، وحمل إليه ما كان في الرقة من الجوهر والخزائن والسلاح، وأمر ببناء مجالس لمنتزهاته ومواضع خلوته ولهوه ولعبه بقصر الخلد والخيزرانية وبستان موسى وقصر عبدويه وقصر المعلا ورقة كلواذى وباب الأنبار وبناوري والهوب؛ وأمر بعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيماً، فقال أبو النواس يمدحه: سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سن براً ... سار في الماء راكباً ليث غاب أسداً باسطاً ذراعيه يهوى ... أهرت الشدق كالح الأنياب لا يعانيه باللجام ولا السو ... ط ولا غمز رجليه في الركاب عجب الناس إذ رأوك على صو ... رة ليثٍ تمر مر السحاب سبحوا إذ رأوك صرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب ذات زور ومنسر وجناح ... ين تشق العباب بعد العباب تسبق الطير في السماء إذا ما اس ... تعجلوها بجيئة وذهاب بارك الله للأمير وأبقا ... ه وأبقى له رداء الشباب ملك تقصر المدائح عنه ... هاشمي موفق للصواب وذكر عن الحسين بن الضحاك، قال: ابتنى الأمير سفينة عظيمة، أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتخذ أخرى على خلقة شيء يكون في البحر يقال له الدلفين، فقال في ذلك أبو نواس الحسن بن هانئ : قد ركب الدلفين بدر الدجى ... مقتحماً في الماء قد لحجا فأشرقت دجلة في حسنه ... وأشرق الشطان واستبهجا لم ترى عيني مثله مركباً ... أحسن إن سار وإن أحنجا إذا استحثثته مجاديفه ... أعتق فوق الماء أو هملجا خص به الله الأمين الذي ... أضحى بتاج الملك قد توجا وذكر عن احمد بن إسحاق بن برصومة المغني الكوفي أنه قال: كان العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر من رجالات بني هاشم جلداً وعقلأ وصنيعاً؛ وكان يتخذ الخدم، وكان له خادم من آثر خدمه عنده يقال له المنصور، فوجد الخادم عليه، فهرب إلى محمد، وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظي عنده حظوةً عجيبة. قال: فركب الخادم يوماً في جماعة خدم كانو لمجمد يقال لهم السيافة، فمر بباب العباس هيئته وحاله التي هو عليها. وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج محضرا ًفي قميص حاسرأ، في يده عمود عليه كيمخت، فلحقه في سويقة أبي الورد، فعلق بلجامه، ونازعه أولئك الخدم، فجعل لا يضرب أحداً منهم إلا أوهنه، حتى تفرقوا عنه، وجاء به يقوده حتى أدخله داره. وبلغ الخبر محمداً، فبعث إلى داره جماعة، فوقفوا حيالها، وصف العباس غلمانه ومواليه على سور داره، ومعهم الترسة والسهام، فقام أحمد بن إسحاق: فخفنا والله النار أن تحرق منازلنا؛ وذلك أنهم أرادوا أن يحرقوا دار العباس. قال: وجاء رشيد الهاروني، فاستأذن عليه فدخل غليه، فقال: ماتصنع! أتدري ما أنت فيه وما قد جاءك! لو أذن لهم لاقتلعوا دارك بالأسنه، ألست في الطاعة! قال: بلى، قال: فقم فاركب. قال: فخرج في سواده، فلما صار على باب داره، قال: يا غلام، هلم دابتي فقال رشيد: لا ولا كرامة! ولكن تمضي راجلاً. قال: فمضى، فلما صار إلى الشارع نظر؛ فإذا العالمون قد جاءوا، وجاءه الجلودي والإفريقي وأبو البط وأصحاب الهرش. قال: فجعل ينظر إليهم، وأنا أراه راجلاً ورشيد راكب. قال: وبلغ أم جعفر الخبر، فدخلت على محمد، وجعل تطلب إلى محمد، فقال لها: نفيت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم أقتله! وجعلت تلح عليه، فقال لها: والله إني لأظنني سأسطو بك. قال: فكشفت شعرها، وقالت: ومن يدخل علي وأنا حاسر! قال: فبينما محمد كذلك - ولم يأت العباس بعد - إذ قدم صاعد الخادم عليه بقتل علي بن عيسى بن ماهان، فاشتغل بذلك، وأقام العباس في الدهليز عشرة أيام، ونسيه ثم ذكره، فقال: يحبس في حجرة من حجر داره، ويدخل عليه ثلاثة رجال من مواليه من مشايخهم يخدمونه، ويجعل له وظيفة في كل يوم ثلاثة ألوان. قال: فلم يزل على هذه الحال حتى خرج حسين بن علي بن عيسى بن ماهان، ودعا إلى المأمون وحبس محمد. قال: فمر إسحاق بن عيسى بن علي ومحمد بن محمد المعبدى بالعباس بن عبد الله وهو في منظره، فقالا له: ما قعودك؟ اخرج إلى هذا الرجل - يعنيان حسين بن علي - قال: فخرج فأتى حسيناً، ثم وقف عند باب الجسر؛ فما ترك لأم جعفر شيئاً من الشتم إلا قاله، وإسحاق بن موسى يأخذ البيعة للمأمون. قال: ثم لم يكن إلا يسيراً حتى قتل الحسين، وهرب العباس إلى نهر بين إلى هرثمة، ومضى ابنه العباس إلى محمد، فسعى إليه بما كان لأبيه، ووجه محمد إلى منزله، فأخذ منه أربعة ألف درهم وثلثمائة أف دينار، وكانت في قماقم في بئر، وأنسوا قمقمين من تلك القماقم، فقال: ما بقي من ميراث أبي سوى هذين القمقمين، وفيهما سبعون ألف دينار. فلما انقضت الفتنة وقتل محمد رجع إلى منزله فأخذ القمقمين وجعلهما ... وحج في تلك السنة، وهي سنة ثمان وتسعين ومائة. قال أحمد بن إسحاق: وكان العباس بن عيد الله يحدث بعد ذلك؛ فيقول: قال لي سليمان بن جعفر ونحن في دار المأمون: أما قتلت ابنك بعد؟ فقالت: يل عم، جعلت فداك! ومن يقتل ابنه! فقال لي: اقتله؛ فهو الذي سعى بك وبمالك فأفقرك. وذكر عن أحمد بن إسحاق بن برصوما، قال: لما حصر محمد وضغطه الأمر، قال: ويحكم! ما أحد يستراح إليه! فقيل له: بلى، رجل من العرب من أهل الكوفة، يقال له وضاح بن حبيب بن بديل التميمي؛ وهو بقية من بقايا العرب، وذو رأي أصيل، قال: فأرسلوا إليه، قال: فقدم علينا، فلما صار إليه قال له: إني قد خيرت بمذهبك ورأيك، فأشر علينا في أمرنا، قال له: يا أمير المؤمنين، قد بطل الرأي اليوم وذهب؛ ولكن استعمل الأراجيف؛ فإنها من آلة الحرب؛ فنصب رجلاً كان ينزل دجيلاً يقال له بكير بن المعتمر؛ فكان إذا نزل بمحمد نازلة وحادثة هزيمة قال له: هات؛ فقد جاءنا نازلة، فيضع له الأخبار، فإذا مشى الناس تبينوا بطلانها. قال أحد بن إسحاق: كأني أنظر إلى بكير بن المعتمر شيخ عظيم الخلق. وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان الكاتب، قال: حدثنا إبراهيم بن الجراح، قال: حدثني كوثر، قال: أمر محمد بن زبيدة يوماً أن يفرش له على دكان الخلد، فبسط له عليه بساط زرعي، وطرحت عليه نمارق وفرش مثله، وهيئ له من آنية الفضة والذهب والجوهر أمر عظيم، وأمر قيمة جواريه أن تهيئ له مائة جارية صانعة، فتصعد إليه عشراً عشراً، بأيديهن العيدان يغنين بصوت واحد؛ فأصعدت إليه عشراً فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين: هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه قال: فتأفف من هذا، ولعنها ولعن الجواري، فأمر بهن فأنزلن، ثم لبث هنيهة وأمرها أن تصعد عشراً، فلما استوين على الدكان اندفعن فغنين: من كان مسروراً بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن قبل تبلج الأسحار قال: فضجر وفعل مثل فعلته الأولى، وأطرق طويلاً، ثم قال: أصعدي عشراً فأصعدتهن، فلما وقفن على الدكان، اندفعن يغنين بصوت واحد: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم قال: فقام من مجلسه، وأمر بهدم ذلك المكان تطيراً مما كان. وذكر عن محمد بن عبد الرحمن الكندي، قال: حدثني محمد بن دينار، قال: كان محمد المخلوع قاعداً يوماً، وقد اشتد عليه الحصار، فاشتد اغتمامه، وضاق صدره؛ فدعا بندمائه والشراب ليتسلى به، فأتي به، وكانت له جارية يتحظاها من جواريه، فأمرها أن تغني، وتناول كأساً ليشربه؛ فحبس الله لسانها عن كل شيء، فغنت: كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم فرماها بالكأس الذي في يده، وأمر بها فطرحت للأسد، ثم تناول كأساً أخرى، ودعا أخرى فغنت: هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه فرمى وجهها بالكأس، ثم تناول كأساً أخرى ليشربها، وقال لأخرى: غني، فغنت: قومي هم قتلوا أميم أخي فرمى وجهها بالكأس،، ورمى الصينية برجله، وعاد إلى ما كان فيه من همه، وقتل بعد ذلك بأيام يسيرة. وذكر عن أبي سعيد أنه قال: ماتت فطيم - وهي أم موسى بن محمد بن هارون المخلوع - فجزع عليها جزعاً شديداً، وبلغ أم جعفر، فقالت: احملوني إلى أمير المؤمنين، قال: فحملت إليه، فاستقبلها، فقال: يا سيدتي، ماتت فطيم، فقالت نفسي فداؤك لا يذهب بك اللهف ... ففي بقائك ممن قد مضى خلف عوضت موسى فهانت كل مرزئةٍ ... ما بعد موسى على مفقوده أسف وقالت: أعظم الله أجرك، ووفر صبرك، وجعل العزاء عنها ذخرك! وذكر عن إبراهيم بن إسماعيل بن هانئ، ابن أخي أبي نواس، قال: حدثني أبي قال: هجا عمك أبو نواس مضر في قصيدته التي يقول فيها: أما قريش فلا افتخار لها ... إلا التجارات من مكاسبها وإنها إن ذكرت مكرمةً ... جاءت قريش تسعى بغالبها إن قريشاً إذا هي انتسبت ... كان لها الشطر من مناسبها قال:يريد أن أكرمها يغالب. قال: فبلغ ذلك الرشيد في حياته، فأمر بحبسه؛ فلم يزل محبوساً حتى ولي محمد، فقال يمدحه، وكان انقطاعه إليه أيام إمارته، فقال: تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وإنشاديك والناس حضر ونثري عليك الدر يا در هاشمٍ ... فيا من رأى دراً على الدر ينثر! أبوك الذي لم يملك الأرض مثله ... وعمك موسى عدله المتخير وجدك مهدي الهدى وشقيقه ... أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر وما مثل منصوريك: منصور هاشمٍ ... ومنصور قحطانٍ إذا عد مفخر فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا ... وعبد منافٍ والداك وحمير قال: فتغنت بهذه الأبيات جارية بين يدي محمد، فقال لها: لمن الأبيات؟ فقيل له: لأبي نواس، فقال: وما فعل؟ فقيل له: محبوس، فقال: ليس عليه بأس. قال: فبعث إليه إسحاق بن فراشة وسعيد بن جابر أخا محمد من الرضاعة، فقالا: إن أمير المؤمنين ذكرك البارحة فقال: ليس عليه بأس، فقال أبياتاً وبعث بها إليه، وهي هذه الأبيات: أرقت وطار من عيني النعاس ... ونام السامرون ولم يواسوا أمين الله قد ملكت ملكاً ... عليك من التقى فيه لباس ووجهك يستهل ندى فيحيا ... به في كل ناحيةٍ أناس كأن الخلق في تمثال روحٍ ... له جسد وأنت عليه راس أمين الله إن السجن باس ... وقد أرسلت: ليس عليك باس فلما أنشده قال: صدق، علي به، فجيء به في الليل، فكسرت قيوده؛ وأخرج حتى دخل عليه، فأنشأ يقول: مرحباً مرحباً بخير إمامٍ ... صيغ من جوهر الخرفة نحتا يا أمين الإله يكلؤك الل ... ه مقيماً وظاعناً حيث سرتا إنما الأرض كلها لك دار ... فلك الله صاحب حيث كنتا قال: فخلع عليه، وخلي سبيله، وجعله في ندمائه. وذكر عن عبد الله بن عمرو التميمي، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الفارسي، قال: شرب أبو نواس الخمر، فرفع ذلك إلى محمد في أيامه، فأمر بحبسه، فحبسه أبو الفضل بن الربيع ثلاثة أشهر، ثم ذكره محمد، فدعا به وعنده بنو هاشم وغيرهم، ودعا له بالسيف والنطع يهدده بالقتل، فأنشده أبو نواس هذه الأبيات: تذكر أمين الله والعهد يذكر الشعر الذي ذكرناه قبل، وزاد فيه: تحسنت الدنيا بحسن خليفةٍ ... هو البدر إلا أنه الدهر مقمر إمام يسوس الناس سبعين حجة ... عليه له منها لباس ومئزر يشير إليه الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حين ينظر أيا خير مأمولٍ يرجى، أنا امرؤ ... رهين أسير في سجونك مقفر مضى أشهر لي مذ حبست ثلاثة ... كأني قد أذنبت ما ليس يغفر فإن كنت لم أذنب ففيم تعقبي! ... وإن كنت ذا ذنبٍ فعفوك أكثر قال: فقال له محمد: فإن شربتها؟ قال: دمي لك حلال يا أمير المؤمنين، فأطلقه. قال: فكان أبو نواس يشمها ولا يشربها وهو قوله: لا أذوق المدام إلا شميما وذكر عن مسعود بن عيسى العبدي، قال: أخبرني يحيى بن المسافر القرقسائي، قال: أخبرني دحيم غلام أبي نواس؛ أن أبا نواس عتب عليه محمد في شرب الخمر، فطبق به - وكان للفضل بن الربيع خال يستعرض أهل السجون ويتعاهدهم ويتفقدهم - ودخل في حبس الزنادقة، فرأى فيه أبا نواس - ولم يكن يعرفه - فقال له: يا شاب، أنت مع الزنادقة! قال: معاذ الله، قال: فلعلك ممن يعبد الكبش! قال: أنا آكل الكبش بصوفه، قال: فلعلك ممن بعبد الشمس؟ قال: إني لأتجنب القعود فيها بغضاً لها، قال: فبأي جرم حبست؟ قال: حبست بتهمة أنا منها بريء، قال: ليس إلا هذا؟ قال: والله لقد صدقتك. قال: فجاء إلى الفضل، فقال له: يا هذا، لا تحسنون جوار نعم الله عز وجل! أيحبس الناس بالتهمة! قال: وما ذاك؟ فأخبره بما ادعى من جرمه، فتبسم الفضل، ودخل على محمد، فأخبره بذلك، فدعا به، وتقدم إليه أن يجتنب الخمر والسكر، قال: نعم، قيل له: فبعهد الله! قال: نعم، قال: فاخرج ، فبعث إليه فتيان من قريش فقال لهم: إني لا أشرب، قالوا: وإن لم تشرب فآنسنا بحديثك، فأجاب، فلما دارت الكأس بينهم، قالوا: ألم ترتح لها؟ قال: لا سبيل والله إلى شربها، وأنشأ يقول: أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شمما نالني بالملام فيها إمام ... لا أرى في خلافه مستقيما فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما إن حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما فكأني وما أحسن منها ... قعدي يزين التحكيما كل عن حملة السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطبق ألا يقيما وذكر عن أبي الورد السبعي أنه قال: كنت عند الفضل بن سهل بخراسان، فذكر الأمين، فقال: كيف لا يستحل قتال محمد وشاعره يقول في مجلسه: ألا سقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر قال: فبلغت القصة محمداً، فأمر الفضل بن الربيع فأخذ أبا نواس فحبسه. وذكر كامل بن جامع عن بعض أصحاب أبي نواس ورواته، قال: كان أبو نواس قال أبياتاً بلغت الأمين في آخرها: وقد زادني تيهاً على الناس أنني ... أراني أغناهم إذا كنت ذا عسر ولو لم أنل فخراً لكانت صيانتي ... فمي عن جميع الناس حسبي من الفخر ولا يطمعن في ذاك مني طامع ... ولا صاحب التاج المحجب في القصر قال: فبعث إليه الأمين - وعنده سليمان بن أبي جعفر - فلما دخل عليه، قال: يا عاض بظر أمه العاهرة! يابن اللخناء - وشتمه أقبح الشتم - أنت تكسب بشعرك أوساخ أيدي اللئام، ثم تقول: ولا صاحب التاج المحجب في القصر أما والله لا نلت مني شيئاً أبداً. فقال له سليمان بن أبي جعفر: والله يا أمير المؤمنين، وهو من كبار الثنوية، فقال محمد: هل يشهد عليه بذلك شاهد؟ فاستشهد سليمان جماعة، فشهد بعضهم أنه شرب في يوم مطير، ووضع قدحه تحت السماء، فوقع فيه القطر، وقال: يزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ملك، فكم ترى أني أشرب الساعة من الملائكة! ثم شرب ما في القدح، فأمر محمد بحبسه، فقال أبو نواس في ذلك: يا رب إن القوم قد ظلموني ... وبلا اقتراف تعطل حبسوني وإلى الجحود بما عرفت خلافه ... مني إليه بكيدهم نسبوني ما كان إلا الجري في ميدانهم ... في كل جري والمخافة ديني لا العذر يقبل لي فيفرق شاهدي ... منهم ولا يرضون حلف يميني ولكان كوثر كان أولى محبساً ... في دار منقصة ومنزل هون أما الأمين فلست أرجو دفعه ... عني، فمن لي اليوم بالمأمون! قال: وبلغت المأمون أبياته فقال: والله لئن لحقته لأغنيه غنى لا يؤمله، قال: فمات قبل دخول المأمون مدينة السلام. قال: ولما طال حبس أبي نواس، قال في حبسه - فيما ذكر - عن دعامة: احمدوا الله جميعاً ... يا جميع المسلمينا ثم قولوا لا تملوا ... ربنا أبق الأمينا صير الخصيان حتى ... صير التعنين دينا فاقتدى الناس جميعاً ... بأمير المؤمنينا قال: وبلغت هذه الأبيات أيضاً المأمون وهو بخراسان، فقال: إني لأتوكفه أن يهرب إلي. وذكر يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن كوثر خادم المخلوع، أن محمداً أرق ذات ليلة، وهو في حربه مع طاهر، فطلب من يسامره فلم يقرب إليه أحد من حاشيته، فدعى حاجبه، فقال: ويلك! قد خطرت بقلبي خطرات فأحضرني شاعراً ظريفاً أقطع به بقية ليلتي، فخرج الحاجب، فاعتمد أقرب من بحضرته، فوجد أبا نواس، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال له: لعلك أردت غيري! قال: لم أرد أحداً سواك. فأتاه به، فقال: من أنت؟ قال: خادمك الحسن بن هانئ، وطليقك بالأمس، قال: لا ترع؛ إنه عرضت بقلبي أمثال أحببت أن تجعلها في شعر، فإن فعلت ذلك أجزت حكمك فيما تطلب، فقال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: قولهم: عفا الله عما سلف، وبئس والله ما جرى فرسي، واكسري عوداً على أنفك، وتمنعي أشهى لك. قال: فقال أبو نواس. حكمي أربع وصائف مقدودات، فأمر بإحضارهن، فقال: فقدت طول اعتلالك ... وما أرى في مطالك لقد أردت جفائي ... وقد أردت وصالك ما ذا أردت بهذا! ... تمنعي أشهى لك وأخذ بيد وصيفته فعزلها، ثم قال: قد صحت الأيمان من حلفك ... وصحت حتى مت من خلفك بالله يا سني احنثي مرة ... ثم اكسري عوداً على أنفك ثم عزل الثانية، ثم قال: فديتك ماذا الصلف ... وشتمك أهل الشرف! صلي عاشقاً مدنفاً ... قد أعتب مما اقترف ولا تذكري ما مضى ... عفا الله عما سلف ثم عزل الثالثة، وقال: وباعثاتٍ إلى من في الغلس ... أن ائتنا واحترس من العسس حتى إذا نوم العداة ولم ... أخش رقيباً ولا سنا قبس ركبت مهري وقد طربت إلى ... حورٍ حسان نواعم لعس فجئت والصبح قد نهضت له ... فبئس والله ما جرى فرسي فقال: خذهن لا بارك الله لك فيهن! وذكر عن الموصلي، عن حسين خادم الرشيد، قال: لما صارت الخلافة إلى محمد هيئ له منزل على الشط، بفرش أجود مما يكون من فرش الخلافة وأسواه، فقال: يا سيدي؛ لم يكن لأبيك فرش يباهي بك الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا؛ فأحببت أن أفرشه لك، قال: فأحببت أن يفرش لي في أول خلافتي المرداج، وقال: مزقوه، قال: فرأيت والله الخدم والفراشين قد صيروه ممزقاً وفرقوه. وذكر عن محمد بن الحسن. قال: حدثني أحمد بن محمد البرمكي أن إبراهيم بن المهدي غنى محمد بن زبيدة: هجرتك حتى قيل لا يعرف القلى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر فطرب محمد، وقال: أوقروا زورقه ذهباً. وذكر عن علي بن محمد بن إسماعيل، عن مخارق، قال: إني لعند محمد بن زبيدة يوماً ماطراً، وهو مصطبح، وأنا جالس بالقرب منه، وأنا أغني وليس معه أحد، وعليه جبة وشي؛ لا والله ما رأيت أحسن منها. فأقبلت أنظر إليها، فقال: كأنك استحسنتها يا مخارق! قلت: نعم يا سيدي؛ عليك لأن وجهك حسن فيها، فأنا أنظر إليه وأعوذك. قال: يا غلام، فأجابه الخادم، قال: فدعا بجبة غير تلك، فلبسها وخلع التي عليه علي، ومكثت هنيهة ثم نظرت إليه، فعاودني بمثل ذلك الكلام، وعاودته، فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جباب ظاهرت بينها. قال: فلما رآها علي ندم وتغير وجهه، وقال: يا غلام، اذهب إلى الطباخين فقل لهم: يطبخون لن مصلية، ويجيدوا صنعتها، وأتني بها الساعة، فما هو إلا أن ذهب الغلام حتى جاء الخوان، وهو لطيف صغير، وفي وسطه غضارة ضخمة ورغيفان، فوضعت بين يديه، فكسر لقمة فأهوى بها إلى الصحيفة، ثم قال: كل يا مخارق، قلت: يا سيدي، اعفني من الأكل، قال: لست أعفيك فكل، فكسرت لقمة، ثم تناولت شيئاً، فلما وضعتها في فمي قال: لعنك الله! ما أشرهك! نغصتها علي وأفسدتها، وأدخلت يدك فيها؛ ثم رفع الغضارة بيده، فإذا هي في حجري، وقال: قم لعنك الله! فقمت وذاك الودك والمرق يسيل من الجباب، فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلي، ودعوت القصارين والوشائين، وجهدت جهدي أن تكون كما كانت فما عادت. وذكر عن البحتري أبي عبادة عن عبيد الله بن أبي غسان، قال: كنت عند محمد في يوم شات شديد البرد؛ وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش؛ قلما رأيت أرفع قيمة مثله ولا أحسن، وأنا في ذلك اليوم طاو ثلاثة أيام ولياليهن إلا من النبيذ؛ والله لا أستطيع أن أتكلم ولا أعقل، فنهض نهضة البول، فقلت لخادم من خدمي الخاصة: ويلك! قد والله مت فهل من حيلة إلى شيء تلقيه في جوفي يبرد عني ما أنا فيه! فقال: دعني حتى أحتال لك وأنظر ما أقول، وصدق مقالتي، فلما رجع محمد وجلس نظر الخادم إلي نظرة، فتبسم، فرآه محمد، فقال: مم تبسمت؟ قال: لا شيء يا سيدي، فغضب. قال البحتري: فقال: شيء في عبيد الله بن أبي غسان؛ لا يستطيع أن يشم رائحة البطيخ ولا يأكله، ويجزع منه جزعاً شديدأً. فقال: يا عبيد الله هذا فيك؟ قال: قلت: إي والله يا سيدي ابتليت به، قال: ويحك! مع طيب البطيخ وطيب ريحه! قال: فقلت: أنا كذا. قال: فتعجب ثم قال: علي ببطيخ؛ فأتى منه بعدة، فلما رأيته أظهرت القشعريرة منه، وتنحيت. قال: خذوه وضعوا البطيخ بين يديه، قال: فأقبلت أريه الجزع والاضطراب من ذلك، وهو يضحك، ثم قال: كل واحدة، قال: فقلت: يا سيدي، تقتلني وترمي بكل شيء في جوفي وتهيج علي العلل، الله الله في! قال: كل بطيخة ولك فرش هذا البيت؛ علي عهد الله بذلك وميثاقه، قلت: ما أصنع بفرش بيت وأنا أموت إن أكلت! قال: فتأبيت، وألح علي، وجاء الخادم بالسكاكين فقطعوا بطيخة، فجعلوا يحشونها في فمي وأنا أصرخ وأضطرب؛ وأنا مع ذلك أبلع، وأنا أريه أني بكره أفعل ذلك وألطم رأسي، وأصبح وهو يضحك، فلما فرغت تحول إلى بيت آخر، ودعا الفراشين، فحملوا فرش ذلك البيت إلى منزلي ثم عاودني في فرش ذلك البيت في بطيخة أخرى، ثم فعل كفعله الأول، وأعطاني فرش البيت؛ حتى أعطاني فرش ثلاثة أبيات؛ وأطعمني ثلاث بطيخات، قال: وحسنت والله حالي واشتد ظهري. قال: وكان منصور بن المهدي يريه أنه ينصح له، فجاء وقد قام محمد يتوضأ، وعلمت أن محمداً سيعقبني بشر ندامة على ما خرج من يديه؛ فأقبل علي منصور ومحمد غائب عن المجلس، وقد بلغه الخبر، فقال: يابن الفاعلة، تخدع أمير المؤمنين، فتأخذ متاعه! والله لقد هممت أفعل وأفعل، فقلت: يا سيدي، قد كان ذاك؛ وكان السبب فيه كذا وكذا، فإن أحببت أن تقتلني فتأثم فشأنك، وإن تفضلت فأهل لذلك أنت، ولست أعود. قال: فإني أتفضل عليك. قال: وجاء محمد، فقال: افرشوا لنا على تلك البركة، ففرشوا له عليها، فجلس وجلسنا وهي مملوءة ماء، فقال: يا عم، اشتهيت أن أصنع شيئاً؛ أرمي عبيد الله إلى البركة وتضحك منه. قال: يا سيدي إن فعلت هذا قتلته لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا؛ ولكني أدلك على شيء خيرت به، طيب، قال: ما هو؟ قال: تأمر به يشد في تخت، ويطرح على باب المتوضأ، ولا يأتي باب المتوضأ أحد إلا بال على رأسه. فقال: طيب والله؛ ثم أتى بتخت فأمر فشددت فيه، ثم أمر فحملت فألقيت على باب المتوضأ، وجاء الخدم فأرخوا الرباط عني، وأقبلوا يرونه أنهم يبولون علي وأنا أصرخ، فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك. ثم أمر بي فحللت وأريته أني تنظفت وأبدلت ثيابي وجاوزت عليه. وذكر عب عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع عن أبيه - وكان حاجب المخلوع - قال: كنت قائماً على رأسه، فأتى بغداء فتغدى وحده، وأكل أكلاً عجيباً، وكان يوماً يعد للخلفاء قبله على هيئة ما كان يهيأ لكل واحد منهم يأكل من كل طعام، ثم يؤتى بطعامه. قال: فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبي العنبر - خادم كان لأمه - فقال: اذهب إلى المطبخ، فقل لهم يهيئون لي بزماورد، ويتركونه طوالاً لا يقطعونه، ويكون حشوه شحوم الدجاج والسمن والبقل والبيض والجبن والزيتون والجوز، ويكثرون منه ويعجلونه؛ فما مكث إلا يسيراً حتى جاءوا به في خوان مربع، وقد جعل البزماورد الطوال، على هيئة القبة العبد صمدية، حتى صير أعلاها بزماوردة واحدة، فوضع بين يديه، فتناول واحدة فأكلها، ثم لم يزل كذلك حتى لم يبق على الخوان شيئاً. وذكر عن علي بن محمد أن جابر بن مصعب حدثه، قال: حدثني مخارق، قال: مرت بي ليلة ما مرت بي مثلها قط، إني لفي منزلي بعد ليلٍ إذ أتاني رسول محمد - وهو خليفة - فركض بي ركضاً، فانتهى بي إلى داره، فأدخلت فإذا إبراهيم بن المهدي قد أرسل إليه كما أرسل إلي، فوافينا جميعاً، فانتهى إلى باب مفض إلى صحن، فإذا الصحن مملوء شمعاً من شمع محمد العظام، وكأن ذلك الصحن في نهار، وإذا محمد في كرج، وإذا الدار مملوءة وصائف وخدماً، وإذا اللعابون يلعبون، ومحمد وسطهم في الكرج يرقص فيه، فجاءنا رسول يقول: قال لكما: قوما في هذا الموضع على هذا الباب مما يلي الصحن، ثم ارفعا أصواتكما معبراً ومقصراً عن السورناي، واتبعاه في لحنه قال: وإذا السورناي والجواري واللعابون في شيء واحد: هذي دنانير تنساني وأذكرها تتبع الزمار. قال: فوالله ما زلت وإبراهيم قائمين نقولها، نشق بها حلوقنا حتى انفلق الصبح، ومحمد في الكرج ما يسأمه ولا يمله حتى أصبح يدنو منا، أحياناً نراه، وأحياناً يحول بيننا وبينه الجواري والخدم. وذكر الحسين بن فراس مولى بني هاشم، قال: غزا الناس في زمان محمد على أن يرد عليهم الخمس، فرد عليهم، فأصاب الرجل ستة دنانير، وكان ذلك مالاً عظيماً. وذكر عن ابن الأعرابي، قال: كنت حاضر الفضل بن الربيع، وأتي بالحسن بن هانئ، فقال: رفع إلى أمير المؤمنين أنك زنديق، فجعل يبرأ من ذلك ويحلف، وجعل الفضل يكرر عليه، وسأله أن يكلم الخليفة فيه، ففعل وأطلقه، فخرج وهو يقول: أهلي أتيتكم من القبر ... والناس محتبسون للحشر لولا أبو العباس ما نظرت ... عيني إلى ولدٍ ولا وفر فالله ألبسني به نعماً ... شغلت حسابتها يدي شكري لقيتها من مفهمٍ فهمٍ ... فمددتها بأناملٍ عشر وذكر عن الرياشي أن أبا حبيب الموشى حدثه، قال: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال لي مؤنس: لو دخلنا على أبي نواس! فدخلنا عليه السجن، فقال لمؤنس: يا أبا عمران، أين تريد؟ قال: أردت أبا العباس الفضل بن الربيع، قال: فتبلغه رقعة أعطيكها؟ قال: نعم، قال: فأعطاه رقعة فيها: ما من يدٍ في الناس واحدةٍ ... إلا أبو العباس مولاها نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها قد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله فعفوت عني عفو مقتدرٍ ... وجبت له نقم فألغاها قال: فكانت هذه الأبيات سبب خروجه من الحبس. وذكر عن محمد بن خلاد الشروي، قال: حدثني أبي قال: سمع محمد شعر أبي نواس وقوله: ألا سقني خمراً وقل لي هي الخمر وقوله: اسقنيها يا ذفافه ... مزة الطعم سلافه ذل عندي من قلاها ... لرجاء أو مخافه مثل ما ذلت وضاعت ... بعد هارون الخلافه ثم أنشد له: فجاء بها زيتيةً ذهبيةً ... فلم نستطع دون السجود لها صبرا قال: فحبسه محمد على هذا، وقال: إيه! أنت كافر، وأنت زنديق. فكتب في ذلك إلى الفضل بن الربيع: أنت يا بن الربيع علمتني الخي ... ر وعودتنيه والخير عاده فارعوى باطلي وأقصر جه ... لي وأظهرت رهبةً وزهاده لو تراني شبهت بي الحسن البص ... ري في حال نسكه وقتاده بركوعٍ أزينه بسجودٍ واصفرارٍ مثل اصفرار الجراده فادع بي لا عدمت تقويم مثلي ... فتأمل بعينك السجاده لو رآها بعض المرائين يوماً ... لاشتراها يعدها للشهاده خلافة المأمون عبد الله بن هارونوفي هذه السنة وضعت الحرب - بين محمد وعبد الله بني هارون الرشيد - أوزارها، واستوسق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة. وفيها خرج الحسن الهرش في ذي الحجة منها يدعو إلى الرضى من آل محمد - بزعمه - في سفلة الناس، وجماعة كثيرة من الأعراب؛ حتى أتى النيل، فجبى الأموال، وأغار على التجار، وانتهب القرى، واستاق المواشي. وفيها ولى المأمون كل ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كور الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة واليمن الحسن بن سهل أخا الفضل بن سهل؛ وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس في طاعة المأمون. وفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين، وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما بيده من الأموال في البلدان كلها إلى خلفاء الحسن بن سهل، وأن يشخص عن ذلك كله إلى الرقة، وجعل إليه حرب نصر بن شبت، وولاه الموصل والجزيرة والشأم والمغرب. وفيها قدم علي بن أبي سعيد العراق خليفةً للحسن بن سهل على خراجها، فدافع طاهر علياً بتسليم الخراج إليه؛ حتى وفى الجند أرزاقهم، فلما وفاهم سلم إليه العمل. وفيها كتب المأمون إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان. وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة فمن ذلك قدوم الحسن بن سهل فيها بغداد من عند المأمون، وإليه الحرب والخراج، فلما قدمها فرق عماله في الكور والبلدان. وفيها شخص طاهر إلى الرقة في جمادى الأولى، ومعه عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها شخص أيضاً هرثمة إلى خراسان. وفيها خرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهرش، فقتله في المحرم. وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القيم بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبو السرايا، واسمه السري بن منصور، وكان يذكر أنه ولد هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن إبراهيم بن طباطبااختلف في ذلك، فقال بعضهم: كان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي فتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن سهل؛ فلما فعل ذلك تحدث الناس بالعراق بينهم أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده من الخاصة والعامة، وأنه يبرم الأمور على هواه، ويستبد بالرأي دونه. فغضب لذلك بالعراق من كان بها من بني هاشم ووجوه الناس، وأنفوا من غلبة الفضل بن سهل على المأمون، واجترءوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار؛ فكان أول من خرج بالكوفة ابن طباطبا الذي ذكرت. وقيل كان سبب خروجه أن أبا السرايا كان من رجال هرثمة، فمطله بأرزاقه وأخره بها فغضب أبو السرايا من ذلك، ومضى إلى الكوفة، واستوسق له أهلها بالطاعة، وأقام محمد بن إبراهيم بالكوفة، وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب وغيرهم. ذكر الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب وفيها وجه الحسن بن سهل زهير بن المسيب في أصحابه إلى الكوفة - وكان عامل الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبي جعفر المنصور من قبل الحسن بن سهل، وكان خليفة سليمان بن أبي جعفر بها خالد بن محجل الضبي - فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنف سليمان وضعفه، ووجه زهير بن المسيب في عشرة آلاف فارس وراجل؛ فلما توجه إليهم وبلغهم خبر شخوصه إليهم تهيئوا للخروج إليه؛ فلم تكن لهم قوة على الخروج، فأقاموا حتى إذا بلغ زهير قرية شاهي خرجوا فأقاموا حتى إذا بلغوا القنطرة أتاهم زهير، فنزل عشية الثلاثاء صعنبا، ثم واقعهم من الغد فهزموه واستباحوا عسكره، وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودواب وغير ذلك يوم الأربعاء. فلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيب - وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة تسع وتسعين ومائة - مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأةً؛ فذكر أن أبا السرايا سمه، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن ابن طباطبا لما أحرز ما في عسكر زهير من المال والسلاح والدواب وغير ذلك منعه أبا السرايا، وحظره عليه؛ وكان الناس له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمه؛ فلما مات ابن طباطبا أقام أبو السرايا مكانه غلاماً أمرد حدثاً يقال له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب؛ فكان أبو السرايا هو الذي ينفذ الأمور، ويولي من رأى، ويعزل من أحب؛ وإليه الأمور كلها، ورجع زهير من يومه الذي هزم فيه إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به. وكان الحسن بن سهل قد وجه عبدوس بن محمد بن أبي خالد المروروذي إلى النيل حين وجه زهير إلى الكوفة فخرج بعد ما هزم زهير عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل؛ حتى بلغ الجامع هو وأصحابه، وزهير مقيم بالقصر، فتوجه أبو السرايا إلى عبدوس، فواقعه بالجامع، يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله، وأسر هارون بن محمد بن أبي خالد، واستباح عسكره. وكان عبدوس - فيما ذكر - في أربعة آلاف فارس، فلم يفلت منهم أحد، كانوا بين قتيل وأسير، وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، ونقش عليها: " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص " ، ولما بلغ زهيراً قتل أبي السرايا عبدوساً وهو بالقصر، انحاز بمن كان معه إلى نهر الملك. ثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه، وكانت طلائعه تأتي كوثى ونهر الملك، فوجه أبو السرايا جيوشاً إلى البصرة وواسط فدخلوهما، وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الحرشي والياً عليها من قبل الحسن بن سهل، فواقعه جيش أبي السرايا قريباً من واسط فهزموه، فانصرف راجعاً إلى بغداد، وقد قتل من أصحابه جماعة وأسر جماعة. فلما رأى الحسن بن سهل أن أبا السرايا ومن معه لا يلقون له عسكراً إلا هزموه، ولا يتوجهون إلى بلدة إلا دخلوها؛ ولم يجد معه من القواد من يكفيه حربه، اضطر إلى هرثمة - وكان هرثمة حين قدم عليه الحسن بن سهل العراق والياً عليها من قبل المأمون. سلم ما كان بيده من الأعمال، وتوجه نحو خراسان مغاضباً للحسن، فسار حتى بلغ حلوان - فبعث إليه السندي وصالحاً صاحب المصلى يسأله الانصراف إلى بغداد لحرب أبي السرايا، فامتنع وأبى. وانصرف الرسول إلى الحسن بإبائه؛ فأعاد إليه السندي بكتب لطيفة، فأجاب، وانصرف إلى بغداد، فقدمها في شعبان؛ فتهيأ للخروج إلى الكوفة. وأمر الحسن بن سهل علي بن أبي سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة، فتهيئوا لذلك، وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة، فوجه إلى المدائن، فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدم هو بنفسه وبمن معه حتى نزل نهر صرصر مما يلي طريق الكوفة في شهر رمضان. وكان هرثمة لما احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر المنصور بن المهدي أن يخرج فيعسكر بالياسرية إلى قدوم هرثمة، فخرج فعسكر، فلما قدم هرثمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدي منصور، ثم مضى حتى عسكر بنهر صرصر بإزاء أبي السرايا، والنهر بينهما؛ وكان علي بن أبي سعيد معسكراً بكلواذى، فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطر بيوم، ووجه مقدمته إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أبي السرايا غداة الخميس إلى الليل قتالاً شديداً. فلما كان الغد غدا أصحابه على القتال فانكشف أصحاب أبي السرايا وأخذ ابن أبي سعيد المدائن. وبلغ الخبر أبا السرايا وأخذ ابن أبي سعيد المدائن؛ فلما كان ليلة السبت لخمس خلون من شوال رجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة؛ فنزل به، وأصبح هرثمة فجد في طلبه، فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، ثم صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة؛ فكانت بينه وبين أبي السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبي السرايا خلق كثير، فانحاز أبو السرايا إلى الكوفة، فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة، فانتهبوها وخربوها وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا في ذلك عملاً قبيحاً، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها. وكان هرثمة - فيما ذكر - يخبر الناس أنه يريد الحج، فكان قد حبس من يريد الحج من خراسان والجبال والجزيرة وحاج بغداد وغيرهم؛ فلم يدع أحداً يخرج، رجاء أن يأخذ الكوفة، ووجه أبو السرايا إلى مكة والمدينة من يأخذهما، ويقيم الحج للناس. وكان الوالي على مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس، وكان الذي وجهه أبو السرايا إلى مكة حسين بن حسن الأفطس بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والذي وجه إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فدخلها ولم يقاتله بها أحد، ومضى حسين بن حسن يريد مكة فلما قرب منها وقف هنيهة لمن فيها. وكان داود بن عيسى لما بلغه توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الحج للناس جمع موالي بني العباس وعبيد حوائطهم، وكان مسرور الكبير الخادم قد حج في تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه، فتعبأ لحرب من يريد دخول مكة وأخذها من الطالبيين، فقال لداود بن عيسى: أقم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم، فقال له داود: لا أستحل القتال في الحرم؛ والله لئن دخلوا من هذا الفج لأخرجن من هذا الفج الآخر، فقال له مسرور: تسلم مكانك وسلطانك إلى عدوك ومن لا يأخذه فيك لومة لائم في دينك ولا حرمك ولا مالك! قال له داود: أي ملك لي! والله أقمت معهم حتى شيخت فما ولوني ولاية حتى كبرت سني، وفني عمري، فولوني من الحجاز ما فيه القوت؛ إنما هذا الملك لك وأشباهك؛ فقاتل إن شئت أو دع. فانحاز داود من مكة إلى ناحية المشاش، وقد شد أثقاله على الإبل، فوجه بها في طريق العراق، وافتعل كتاباً من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، فقال له: اخرج فصل بالناس الظهر والعصر بمنى، والمغرب والعشاء، وبت بمنى، وصل بالناس الصبح، ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة، وخذ على يسارك في شعب عمرو؛ حتى تأخذ طريق المشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر. ففعل ذلك، وافترق الجمع الذي كان داود بن عيسى معهم بمكة من موالي بني العباس وعبيد الحوائط، وفت ذلك في عضد مسرور الخادم، وخشي إن قاتلهم أن يميل أكثر الناس معهم؛ فخرج في إثر داود راجعاً إلى العراق، وبقي الناس بعرفة؛ فلما زالت الشمس وحضرت الصلاة، تدافعها قوم من أهل مكة، فقال أحمد بن محمد بن الوليد الردمي - وهو المؤذن وقاضي الجماعة والإمام بأهل المسجد الحرام إذ لم تحضر الولاة - لقاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومي: تقدم فاخطب بالناس، وصل بهم الصلاتين؛ فإنك قاضي البلد. قال: فلمن أخطب وقد هرب الإمام؛ وأطل هؤلاء القوم على الدخول! قال: لا تدع لأحد، قال له محمد: بل أنت تقدم واخطب، وصل بالناس، فأبى؛ حتى قدموا رجلاً من عرض أهل مكة، فصلى بالناس الظهر والعصر بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا جميعاً بالموقف من عرفة حتى غربت الشمس، فدفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام، حتى أتوا مزدلفة، فصلى بهم المغرب والعشاء رجل أيضاً من عرض الناس وحسين بن حسن يتوقف بسرف يرهب أن يدخل مكة، فيدفع عنها ويقاتل دونها، حتى خرج إليه قوم من أهل مكة ممن يميل إلى الطالبيين، ويتخوف من العباسيين، فأخبروه أن مكة ومنى وعرفة قد خلت ممن فيها من السلطان، وأنهم قد خرجوا متوجهين إلى العراق. فدخل حسين بن حسن مكة قبل المغرب من يوم عرفة، وجميع من معه لا يبلغون عشرة، فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة في الليل، فوقفوا بها ساعة من الليل، ثم رجع إلى مزدلفة فصلى بالناس الفجر، ووقف على قزح، ودفع بالناس منه. وأقام بمنى أيام الحج، فلم يزل مقيماً حتى انقضت سنة تسع وتسعين ومائة، وأقام محمد بن سليمان بن داود الطالبي بالمدينة السنة أيضاً، فانصرف الحاج ومن كان شهد مكة والموسم، على أن أهل الموسم قد أفاضوا من عرفة بغير إمام. وقد كان هرثمة لما تخوف أن يفوته الحج - وقد نزل قرية شاهي - واقع أبا السرايا وأصحابه في المكان الذي واقعه فيه زهير، فكانت الهزيمة على هرثمة في أول النهار، فلما كان آخر النهار كانت الهزيمة على أصحاب أبي السرايا، فلما رأى هرثمة أنه لم يصر إلى ما أراد، أقام بقرية شاهي، ورد الحاج وغيرهم، وبعث إلى المنصور بن المهدي فأتاه بقرية شاهي، وصار يكاتب رؤساء الكوفة، وقد كان علي بن أبي سعيد لما أخذ المدائن توجه إلى واسط فأخذها، ثم إنه توجه إلى البصرة فلم يقدر على أخذها حتى انقضت سنة تسع وتسعين ومائة. ثم دخلت سنة مائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن هرب أبي السرايا وما آل إليه أمره فمما كان فيها من ذلك هرب أبي السرايا من الكوفة ودخول هرثمة إليها. ذكر أن أبا السرايا هرب هو ومن معه من الطالبيين من الكوفة ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم من سنة مائتين، حتى أتى القادسية، ودخل منصور بن المهدي وهرثمة الكوفي صبيحة تلك الليلة، وآمنوا أهلها، ولم يعرضوا لأحد منهم، فأقاموا بها يومهم إلى العصر، ثم رجعوا إلى معسكرهم، وخلفوا بها رجلاً منهم يقال له غسان بن أبي الفرج أبو إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان، فنزل في الدار التي كان فيها محمد بن محمد وأبو السرايا. ثم إن أبا السرايا خرج من القادسية هو ومن معه حتى أتوا ناحية واسط، وكان بواسط علي بن أبي سعيد، وكانت البصرة بيد العلويين بعد، فجاء أبو السرايا حتى عبر دجلة أسفل من واسط، فأتى عبدسي؛ فوجد بها مالاً كان حمل من الأهواز، فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس، فنزلها ومن معه، وأقام بها أربعة أيام، وجعل يعطي الفارس ألفاً والراجل خمسمائة، فلما كان اليوم الرابع أتاهم الحسن بن علي الباذغيسي المعروف بالمأموني. فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فإنه لا حاجة لي في قتالكم، وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم. فأبى أبو السرايا إلا القتال، فقاتلهم، فهزمهم الحسن، واستباح عسكرهم، وجرح أبو السرايا جراحة شديدة، فهرب واجتمع هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك، وقد تفرق أصحابهم، فأخذوا ناحية طريق الجزيرة يريدون منزل أبي السرايا برأس العين؛ فلما انتهوا إلى جلولاء عثر بهم، فأتاهم حماد الكندغوش فأخذهم، فجاء بهم الحسن بن سهل، وكان مقيماً بالنهروان حين طردته الحربية، فقدم بأبي السرايا، فضرب عنقه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول. وذكروا أن الذي تولى ضرب عنقه هارون بن محمد بن أبي خالد، وكان أسيراً في أيدي أبي السرايا. وذكروا أنه لم يروا أحداً عند القتل أشد جزعاً من أبي السرايا، كان يضطرب بيديه ورجليه، ويصيح أشد ما يكون من الصياح؛ حتى جعل في رأسه حبل، وهو في ذلك يضطرب ويلتوي ويصيح؛ حتى ضربت عنقه. ثم بعث برأسه فطيف به في عسكر الحسن بن سهل، وبعث بجسده إلى بغداد، فصلب نصفين على الجسر، في كل جانب نصف، وكان بين خروجه بالكوفة وقتله عشرة أشهر. وكان علي بن أبي سعيد حين عبر أبو السرايا توجه إليه، فلما فاته توجه إلى البصرة فافتتحها. والذي كان بالبصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بنعلي بن حسين بن علي بن أبي طالب ومعه جماعة من أهل بيته، وهو الذي يقال له زيد نار - وإنما سمي زيد النار لكثرة ما حرق من الدور بالبصرة من دور بني العباس وأتباعهم؛ وكان إذا أتي برجل من المسودة كانت عقوبته عنده أن يحرقه بالنار - وانتهبوا بالبصرة أموالاً، فأخذه علي بن أبي سعيد أسيراً. وقيل إنه طلب الأمان فآمنه. وبعث علي بن أبي سعيد ممن كان معه من القواد عيسى بن يزيد الجلودي وورقاء بن جميل وحمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان وهارون بن المسيب إلى مكة والمدينة واليمن، وأمرهم بمحاربة من بها من الطالبيين. وقال التيمي في قتل الحسن بن سهل أبا السرايا: ألم تر ضربة الحسن بن سهلٍ ... بسيفك يا أمير المؤمنينا أدارت مرو رأس أبي السرايا ... وأبقت عبرةً للعابرينا وبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد حين قتل أبو السرايا إلى المأمون بخراسان. ذكر الخبر عن خروج إبراهيم بن موسى باليمن وفي هذه السنة خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب باليمن. ذكر الخبر عنه وعن أمرهوكان إبراهيم بن موسى - فيما ذكر - وجماعة من أهل بيته بمكة حين خرج أبو السرايا وأمره وأمر الطالبيين بالعراق ما ذكر. وبلغ إبراهيم بن موسى خبرهم، فخرج من مكة مع من كان معه من أهل بيته يريد اليمن، ووالي اليمن يومئذ المقيم بها من قبل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. فلما سمع بإقبال إبراهيم بن موسى العلوي وقربه من صنعاء، خرج منصرفاً عن اليمن، في الطريق النجدية بجميع من في عسكره من الخيل والرجل، وخلى لإبراهيم بن موسى بن جعفر اليمن وكره قتاله، وبلغه ما كان من فعل عمه داود بن عيسى بمكة والمدينة، ففعل مثل فعله، وأقبل يريد مكة؛ حتى نزل المشاش، فعسكر هناك، وأراد دخول مكة، فمنعه من كان بها من العلويين، وكانت أم إسحاق بن موسى بن عيسى متوارية بمكة من العلويين، وكانوا يطلبونها فتوارت منهم، ولم يزل إسحاق بن موسى معسكراً بالمشاش، وجعل من كان بمكة مستخفياً يتسللون من رءوس الجبال، فأتوا بها ابنها في عسكره. وكان يقال إبراهيم بن موسى: الجزار؛ لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبى وأخذ من الأموال. ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة وفي هذه السنة في أول يوم من المحرم منها بعد ما تفرق الحاج من مكة جلس الحسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نمرقة مثنية، فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجردت منها حتى لم يبق عليها من كسوته شيئاً، وبقيت حجارة مجردة، ثم كساها ثوبين من قز رقيق، كان أبو السرايا وجه بهما معه مكتوب عليهما: أمر به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد، لكسوة بيت الله الحرام،وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس، لتطهر من كسوتهم. وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة. ثم أمر حسين بن حسن بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه من العلويين وأتباعهم على قدر منازلهم عنده، وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه، ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم عليه في داره؛ فإن وجد من ذلك شيئاً أخذه وعاقب الرجل؛ وإن لم يجد عنده شيئاً حبسه وعذبه حتى يفتدي نفسه بقدر طوله، ويقر عند الشهود أن ذلك للمسودة من بني العباس وأتباعهم، حتى عم هذا خلقاً كثيراً. وكان الذي يتولى العذاب لهم رجلاً من أهل الكوفة يقال له محمد بن مسلمة، كان ينزل في دار خالصة عند الحناطين؛ فكان يقال لها دار العذاب، وأخافوا الناس؛ حتى هرب منهم خلق كثير من أهل النعم، فتعقبوهم بهدم دورهم حتى صاروا من أمر الحرم، وأخذ أبناء الناس في أمر عظيم، وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذي في رءوس أساطين المساجد، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهب أو نحوه، حتى عم ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام، وقلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم، ومن خشب الساج، فبيع بالثمن الخسيس. فلما رأى حسين بن حسن ومن معه من أهل بيته تغير الناس لهم بسيرتهم، وبلغهم أن أبا السرايا قد قتل، وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة وكور العراق من كان بها من الطالبيين، ورجعت الولاية بها لولد العباس، واجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب - وكان شيخاً وداعاً محبباً في الناس، مفارقاً لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد، وكان الناس يكتبون عنه، وكان يظهر سمتاً وزهداً - فقالوا له: قد تعلم حالك في الناس، فأبرز شخصك نبايع لك بالخلافة؛ فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزل به ابنه علي بن محمد بن جعفر و حسين بن حسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه؛ فأجابهم. فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لست خلون من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين، فبايعوه طوعاً وكرهاً، وسموه بإمرة المؤمنين، فأقام بذلك أشهراً، وليس له من الأمر إلا اسمه، وابنه علي وحسين بن حسن وجماعة منهم أسوأ ما كانوا سيرة، وأقبح ما كانوا فعلاً، فوثب حسين بن حسن على امرأة من قريش من بني فهر - وزوجها رجل من بني مخزوم، وكان لها جمال بارع - فأرسل إليها لتأتيه، فامتنعت عليه، فأخاف زوجها وأمر بطلبها فتوارت منه، فأرسل ليلاً جماعة من أصحابه فكسروا باب الدار، واغتصبوها نفسها، وذهبوا بها إلى حسين، فلبثت عنده إلى قرب خروجه من مكة، ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة. ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام من قريش، ابن قاضٍ بمكة يقال له إسحاق بن محمد، وكان جميلاً بارعاً في الجمال - فاقتحم عليه بنفسه نهاراً جهاراً في داره على الصفا مشرفاً على المسعى؛ حتى حمله على فرسه في السرج. وركب علي بن محمد على عجز الفرس، وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون - وكان ينزل في دار داود بن عيسى في طريق منى - فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من المجاورين، خرجوا فاجتمعوا في المسجد الحرام، وغلقت الدكاكين، ومال معهم أهل الطواف بالكعبة؛ حتى أتوا محمد بن جعفر بن محمد ، وهو نازل دار داود، فقالوا: والله لنخلعنك ولنقتلنك، أو تردن إلينا هذا الغلام الذي ابنك أخذه جهرة. فأغلق باب الدار، وكلمهم من الشباك الشارع في المسجد، فقال: والله ما علمت، وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب إلى ابنه علي فيستنقذ الغلام منه. فأبى ذلك حسين، وقال: والله إنك لتعلم إني لا أقوى على ابنك، ولو جئته لقاتلني وحاربني في أصحابه. فلما رأى ذلك محمد قال لأهل مكة: آمنوني حتى أركب إليه وآخذ الغلام منه. فآمنوه وأذنوا له في الركوب، فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه، فأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله. قال: فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي مقبلاً من اليمن حتى نزل المشاش، فاجتمع العلويون إلى محمد بن جعفر بن محمد، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، هذا إسحاق بن موسى مقبلاً إلينا في الخيل والرجال، وقد رأينا أن نخندق خندقاً بأعلى مكة، وتبرز شخصك ليراك الناس ويحاربوا معك. وبعثوا إلى من حولهم من الأعراب، ففرضوا لهم، وخندقوا على مكة ليقاتلوا إسحاق بن موسى من ورائه، فقاتلهم إسحاق أياماً. ثم إن إسحاق كره القتال والحرب، وخرج يريد العراق، فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه ومن كان معه من أصحاب الجلودي، فقالوا: ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال. فرجع معهم حتى أتوا مكة فنزلوا المشاش. واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من غوغائها، ومن سودان أهل المياه، ومن فرض له من الأعراب، فعبأهم ببئر ميمون، وأقبل إليهم إسحاق بن موسى وورقاء بن جميل بمن معه من القواد والجند، فقاتلهم ببئر ميمون، فوقعت بينهم قتلى وجراحات. ثم رجع إسحاق وورقاء إلى معسكرهم، ثم عاودهم، بعد ذلك بيوم فقاتلهم، فكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه؛ فلما رأى ذلك محمد، بعث رجالاً من قريش فيهم قاضي مكة يسألون لهم الأمان؛ حتى يخرجوا من مكة، ويذهبوا حيث شاءوا، فأجابهم إسحاق وورقاء بن جميل إلى ذلك، وأجلوهم ثلاثة أيام،فلما كان اليوم الثالث، دخل إسحاق وورقاء إلى مكة في جمادى الآخرة وورقاء الوالي على مكة للجلودي، وتفرق الطالبيون من مكة، فذهب كل قوم ناحية؛ فأما محمد بن جعفر فأخذ ناحية جدة، ثم خرج يريد الجحفة، فعرض له رجل من موالي بني العباس يقال له محمد بن حكيم بن مروان، قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وعذبوه عذاباً شديداً؛ وكان يتوكل لبعض العباسيين بمكة لآل جعفر بن سليمان، فجمع عبيد الحوائط من عبيد العباسيين حتى لحق محمد بن جعفر بين جدة وعسفان، فانتهب جميع ما معه مما خرج به من مكة، وجرده حتى تركه في سراويل، وهم بقتله، ثم طرح عليه بعه ذلك قميصاً وعمامة ورداء ودريهمات يتسبب بها، فخرج محمد بن جعفر حتى أتى بلاد جهينة على الساحل، فلم يزل مقيماً هناك حتى انقضى الموسم، وهو في ذلك بجمع الجموع. وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيب والي المدينة وقعات عند الشجرة وغيرها، وذلك أن هارون بعث ليأخذه، فلما رأى ذلك أتاه بمن اجتمع حتى بلغ الشجرة، فخرج إليه هارون فقاتله، فهزم محمد بن جعفر، وفقئت عينه بنشابه، وقتل من أصحابه بشر كثير، فرجع حتى أقام بموضعه الذي كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم، فلم يأته من كان وعده. فلما رأى ذلك وانقضى الموسم، طلب الأمان من الجلودي ومن رجاء ابن عم الفضل بن سهل، وضمن له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألا يهاج، وأن يوفى له بالأمان، فقبل ذلك ورضيه، ودخل به إلى مكة، يوم الأحد بعد النفر الأخير بثمانية أيام لعشر بقين من ذي الحجة، فأمر عيسى بن يزيد الجلودي ورجاء بن أبي الضحاك ابن عم الفضل بن سهل بالمنبر؛ فوضع بين الركن والمقام حيث كان محمد بن جعفر بويع له فيه، وقد جمع الناس من القريشيين وغيرهم، فصعد الجلودي رأس المنبر، وقام محمد بن جعفر تحته بدرجة، وعليه قباء أسود وقلنسوة سوداء؛ وليس عليه سيف ليخلع نفسه. ثم قام محمد فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علب بن أبي طالب؛ فإنه كان لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين في رقبتي بيعة بالسمع والطاعة، طائعاً غير مكره، وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين لهارون الرشيد على ابنيه: محمد المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين. ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الأرض منا ومن غيرنا. وكان نمي إلي خبر؛ أن وعبد الله المأمون أمير المؤمنين قد توفي؛ فدعاني ذلك إلى أن بايعوا لي بإمرة المؤمنين، واستحللت قبول ذلك لما كان علي من العهود والمواثيق في بيعتي لعبد الله عبد الله الإمام المأمون، فبايعتموني - أو من فعل منكم - ألا وقد بلغني وصح عندي أنه حي سوي. ألا وإني أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة، وقد خلعت نفسي من بيعتي التي بايعتموني عليها؛ كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، وقد صرت كرجل من المسلمين فلا بيعة لي في رقابكم، وقد أخرجت نفسي من ذلك، وقد رد الله الحق إلى الخليفة المأمون وعبد الله المأمون أمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون. ثم نزل. فخرج به عيسى بن يزيد الجلودي إلى العراق، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى في سنة إحدى ومائتين، وخرج عيسى ومحمد بن جعفر حتى سلمه إلى الحسن بن سهل، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو مع رجاء بن أبي الضحاك. وفي هذه السنة وجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبي بعض ولد عقيل بن أبي طالب من اليمن في جند كثيف إلى مكة ليحج بالناس، فحورب العقيلي فهزم، ولم يقدر على دخول مكة. ذكر الخبر عن أمر إبراهيم والعقيلي الذي ذكرنا أمره ذكر أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد حج بالناس في سنة مائتين، فسار حتى دخل مكة، ومعه قواد كثير، فيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، ودخلوا مكة، وبها الجلودي في جنده وقواده، ووجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي من اليمن راجلاً من ولد عقيل بن أبي طالب، وأمره أن يحج بالناس، فلما صار العقيلي إلى بستان ابن عامر، بلغه أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد قد ولي الموسم، وأن معه من القواد والجنود ما لا قبل لأحد به، فأقام ببستان ابن عامر، فمرت به قافلة من الحاج والتجار، فيها كسوة الكعبة وطيبها، فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها، وقدم الحاج والتجار مكة عراة مسلبين، فبلغ ذلك أبا إسحاق بن الرشيد وهو نازل بمكة في دار القوارير، فجمع إليه القواد فشاورهم، فقال له الجلودي - وذلك قبل التروية بيومين أو ثلاثة: أصلح الله الأمير! أنا أكفيكهم، وأخرج إليهم في خمسين من نخبة أصحابي، وخمسين أنتخبهم من سائر القواد. فأجابوه إلى ذلك، فخرج الجلودي في مائة حتى أصبح العقيلي وأصحابه ببستان ابن عامر، فأحدق بهم، فأسر أكثرهم وهرب من هرب منهم يسعى على قدميه، فأخذ كسوة الكعبة إلا شيئاً كان هرب به من هرب قبل ذلك بيوم واحد، وأخذ الطيب وأموال التجار والحاج، فوجه به إلى مكة، ودعا بمن أسر من أصحاب العقيلي، فأمر بهم فقنع كل رجل منهم عشرة أسواط، ثم قال: اعزبوا يا كلاب النار؛ فوالله ما قتلكم وعر، ولا في أسركم جمال. وخلى سبيلهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون في الطريق حتى هلك أكثرهم جوعاً وعرياً. وخالف ابن أبي سعيد على الحسن بن سهل، فبعث المأمون بسراج الخادم، وقال له: إن وضع علي يده في يد الحسن أو شخص إلي بمرو وإلا فاضرب عنقه. فشخص إلى المأمون مع هرثمة بن أعين. وفي هذه السنة شخص هرثمة في شهر ربيع الأول منها من معسكره إلى المأمون بمرو. ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل إليه أمره في مسيره ذلك ذكر أن هرثمة لما فرغ من أمر أبي السرايا ومحمد بن محمد العلوي، ودخل الكوفة، أقام في معسكره إلى شهر ربيع الأول؛ فلما أهل الشهر خرج حتى أتى نهر صرصر، والناس يرون أنه يأتي الحسن بن سهل بالمدائن؛ فلما بلغ نهر صرصر خرج على عقرقوف، ثم خرج حتى أتى البردان، ثم أتى النهروان، ثم خرج حتى أتى إلى خراسان؛ وقد أتته كتب المأمون في غير منزل، أن يرجع فيلي الشأم والحجاز، فأبى وقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين،؛ إدلالاً منه عليه؛ لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه، وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وألا يدعه حتى يرده إلى بغداد، دار خلافة آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه، ويشرف على أطرافه. فعلم الفضل بما يريد، فقال للمأمون: إن هرثمة قد أنغل عليك البلاد والعباد، وظاهر عليك عدوك، وعادى وليك، ودس أبا السرايا، وهو جندي من جنده حتى عمل ما عمل، ولو شاء هرثمة ألا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله. وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدة كتب؛ أن يرجع فيلي الشأم والحجاز فأبى، وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصياً مشاقاً، يظهر القول الغليظ، ويتواعد بالأمر الجليل، وإن أطلق هذا كان مفسدة لغيره. فأشرب قلب أمير المؤمنين عليه. وأبطأ هرثمة في المسير فلم يصل إلى خراسان حتى كان ذو القعدة؛ فلما بلغ مرو خشي أن يكتم المأمون قدومه، فضرب بالطبول لكي يسمعها المأمون، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق، وظن هرثمة أن قوله المقبول. فأمر بإدخاله، فلما أدخل - وقد أشرب قلبه ما أشرب - قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة والعلويين وداهنت ودسست إلى أبي السرايا حتى خرج وعمل ما عمل؛ وكان رجلاً من أصحابك؛ ولو أردت أن تأخذهم جميعاً لفعلت، ولكنك أرخيت خناقهم، وأجررت لهم رسنهم. فذهب هرثمة ليتكلم ويعتذر، ويدفع عن نفسه ما قرف به فلم يقبل ذلك منه، وأمر به فوجئ على أنفه، وديس بطنه، وسحب من بين يديه. وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظ عليه والتشديد حتى حبس، فمكث في الحبس أياماً ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا له: إنه مات ذكر الخبر عن وثوب الحربية ببغداد وفي هذه السنة هاج الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل. ذكر الخبر عن ذلك وكيف كانذكر أن الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرثمة إلى خراسان، فلم يزل مقيماً بها إلى أن اتصل بأهل بغداد والحربية ما صنع به، فبعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام - وهو والي بغداد، من قبله: أن أمطل الجند من الحربية والبغداديين أرزاقهم، ومنهم ولا تعطهم. وقد كان الحسن قبل ذلك اتعدهم أن يعطيهم أرزاقهم، وكانت الحربية حين خرج هرثمة إلى خراسان وثبوا وقالوا: لا برضى حتى نطرد الحسن بن سهل عن بغداد؛ وكان من عماله بها محمد بن أبي خالد وأسد بن أبي الأسد، فوثبت الحربية عليهم فطردوهم، وصيروا إسحاق بن موسى بن المهدي خليفة للمأمون ببغداد؛ فاجتمع أهل الجانبين على ذلك، ورضوا به، فدس الحسن إليهم، وكاتب قوادهم حتى وثبوا من جانب عسكر المهدي، وجعل يعطي الجند أرزاقهم لستة أشهر عطاء نزراً؛ فحول الحربية إسحاق إليهم، وأنزلوه على دجيل. وجاء زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدي، وبعث الحسن بن سهل بن علي بن هشام، فجاء من الجانب الآخر؛ حتى نزل نهر صرصر، ثم جاء هو ومحمد بن أبي خالد وقوادهم ليلاً؛ حتى دخلوا بغداد، فنزل علي بن هشام دار العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخزاعي على باب المحول لثمانٍ خلون من شعبان؛ وقبل ذلك ما كان الحربية حين بلغهم أن أهل الكرخ يريدون أن يدخلوا زهيراً وعلي بن هشام، شدوا على باب الكرخ فأحرقوه، وأنهبوا من حد قصر الوضاح إلى داخل باب الكرخ إلى أصحاب القراطيس ليلة الثلاثاء، ودخل علي بن هشام صبيحة تلك الليلة، فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة العتيقة والجديدة والأرحاء. ثم إنه وعد الحربية أن يعطيهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، فسألوه أن يعجل لهم خمسين درهماً لكل رجل لينفقوها في شهر رمضان، فأجابهم إلى ذلك، وجعل يعطي، فلم يتم لهم إعطاءهم؛ حتى خرج زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، الخارج بالبصرة المعروف بزيد النار؛ كان أفلت من الحبس عند علي بن أبي سعيد، فخرج في ناحية الأنبار ومعه أخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إليه، فأخذ، فأتى به علي بن هشام، فلم يلبث إلا جمعة حتى هرب من الحربية، فنزل نهر صرصر، وذلك أنه كان يكذبهم، ولو يف لهم بإعطاء الخمسين؛ إلى أن جاء الأضحى؛ وبلغهم خبر هرثمة وما صنع به، فشدوا على علي فطردوه. وكان المتولي ذلك والقائم بأمر الحرب محمد بن أبي خالد؛ وذلك أن علي بن هشام لما دخل بغداد كان يستخف به، فوقع بين محمد بن أبي خالد وبين زهير بن المسيب إلى أن قنعه زهير بالسوط. فغضب محمد من ذلك، وتحول إلى الحربية في ذي القعدة، ونصب لهم الحرب، واجتمع إليه الناس فلم يقو بهم علي بن هشام حتى أخرجوه من بغداد؛ ثم اتبعهم حتى هزمهم من نهر صرصر. وفي هذه السنة وجه المأمون رجاء بن أبي الضحاك وفرناس الخادم لإشخاص علي بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر. وأحصي في هذه السنة ولد العباس؛ فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكرٍ وأنثى. وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها ليون، فكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر، وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجس ثانية. وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل؛ وذلك أن يحيى أغلظ له، فقال له: يا أمير الكافرين؛ فقتل بين يديه. وأقام للناس الحج في هذه السنة أبو إسحاق بن الرشيد. ثم دخلت سنة إحدى ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ولاية منصور بن المهدي ببغداد فمما كان فيها من ذلك مراودة أهل بغداد المنصور بن المهدي على الخلافة وامتناعه عليهم؛ فلما امتنع من ذلك راودوه على الإمرة عليهم، على أن يدعو للمأمون بالخلافة؛ فأجابهم إلى ذلك. ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيهقد ذكرنا قبل ذلك سبب إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد. ويذكر عن الحسن بن سهل أن الخبر عن إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد لما اتصل به وهو بالمدائن، انهزم حتى صار إلى واسط؛ وذلك في أول السنة إحدى ومائتين. وقد قيل إن سبب إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد، كان أن الحسن بن سهل وجه محمد بن خالد المروروذي بعد ما قتل أبو السرايا، أفسده وولى علي بن هشام الجانب الغربي من بغداد وزهير بن المسيب يلي الجانب الشرقي، وأقام هو بالخيزرانية، وضرب الحسن عبد الله بن علي بن عيسى بن ماهان حداً بالسياط، فغضب الأبناء، فشغب الناس، فهرب إلى بربخا ثم إلى باسلاما، وأمر بالأرزاق لأهل عسكر المهدي، ومنع أهل الغربي، واقتتل أهل الجانبين، ففرق محمد بن خالد على الحربية مالاً، فهزم علي بن هشام، فانهزم الحسن بن سهل بانهزام علي بن هشام، فلحق بواسط، فتبعه محمد بن أبي خالد بن الهندوان مخالفاً له؛ وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربي ونصر بن حمزة بن مالك الشرقي، وكنفه ببغداد منصور بن المهدي وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع. وقد قيل أن عيسى بن محمد بن أبي خالد قدم في هذه السنة من الرقة، وكان عند طاهر بن الحسين، فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن، فمضيا حتى انتهيا ومن معهما من الحربية وأهل بغداد إلى قرية أبي قريش قرب واسط، وكان كلما أتيا موضعاً فيه عسكر من عساكر الحسن فيكون بينهما فيه وقعة، تكون الهزيمة فيه على أصحاب الحسن. ولما انتهى محمد بن خالد إلى دير العاقول، أقام به ثلاثاً، وزهير بن المسيب حينئذ مقيم بإسكاف بني الجنيد، وهو عامل الحسن على جوخي مقيم في عمله؛ فكان يكاتب قواد أهل بغداد. فبعث ابنه الأزهر، مضى حتى انتهى إلى نهر النهروان، فلقي محمد بن أبي خالد، فركب إليه، فأتاه بإسكاف، فأحاط به فأعطاه الأمان، وأخذه أسيراً، فجاء به إلى عسكره بدير العاقول، وأخذ أمواله ومتاعه وكل قليل وكثير وجد له. ثم تقدم محمد بن أبي خالد، فلما صار إلى واسط بعث به إلى بغداد، فحبسه عند ابن له مكفوف، يقال له جعفر؛ فكان الحسن مقيماً بجرجرايا، فلما بلغه خبر زهير، وأنه قد صار في يد محمد بن أبي خالد ارتحل حتى دخل واسط، فنزل بفم الصلح، ووجه محمد من دير العاقول ابنه هارون إلى النيل وبها سعيد بن الساجور الكوفي، فهزمه هارون، ثم تبعه حتى دخل الكوفة، فأخذها هارون، وولي عليها. وقدم عيسى بن يزيد الجلودي من مكة؛ ومعه محمد بن جعفر، فخرجوا جميعاً حتى أتوا واسط في طريق البر، ثم رجع هارون إلى أبيه، فاجتمعوا جميعاً في قرية أبي قريش ليدخلوا واسط، وبها الحسن بن سهل ، فتقدم الحسن بن سهل، فنزل خلف واسط وفي أطرافها. وكان الفضل بن الربيع مختفياً من حين قتل المخلوع، فلما رأى أن محمد بن أبي خالد قد بلغ واسط بعث إليه يطلب الأمان منه، فأعطاه إياه وظهر. ثم تعبأ محمد بن أبي خالد للقتال، فتقدم هو وابنه عيسى وأصحابهما، حتى صاروا على ميلين من واسط، فوجه إليهم الحسن أصحابه وقواده، فاقتتلوا قتالاً شديداً عند أبيات واسط. فلما كان بعد العصر هبت ريح شديدة وغبرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض؛ وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبي خالد، فثبت للقوم فأصابته جراح شديدة في جسده، فانهزم هو وأصحابه هزيمة شديدة قبيحة، فهزم أصحابه الحسن؛ وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين. فلما بلغ محمد فم الصلح خرج عليهم أصحاب الحسن فصافهم للقتال، فلما جنهم الليل، ارتحل هو وأصحابه حتى نزلوا المبارك؛ فأقاموا به؛ فلما أصبحوا غدا عليهم أصحاب الحسن فصافوهم، واقتتلوا. فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جبل، فأقاموا بها، ووجه ابنه هارون إلى النيل، فأقام بها، وأقام محمد بجرجايا، فلما اشتدت به الجراحات خلف قواده في عسكره، وحمله ابنه أبو زنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر، فدخل أبو زنبيل ليلة الاثنين، ومات محمد بن أبي خالد من ليلته من تلك الجراحات، ودفن من ليلته في داره سراً. وكان زهير بن المسيب محبوساً عند جعفر بن محمد بن أبي خالد، فلما قدم أبو زنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر، فأعلمه أمر أبيه، فبعث خزيمة إلى بني هاشم والقواد وأعلمهم ذلك، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبي خالد، وأنه يكفيهم الحرب. وفرضوا بذلك، فصار عيسى مكان أبيه على الحرب، وانصرف أبو زنبيل من عند خزيمة حتى أتى زهير بن المسيب، فأخرجه من حبسه، فضرب عنقه. ويقال إنه ذبحه ذبحاً وأخذ رأسه، فبعث به إلى عيسى في عسكره فنصبه على رمح وأخذوا جسده، فشدوا في رجليه حبلاً، ثم طافوا به في بغداد، ومروا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة، ثم طافوا به في الكرخ، ثم ردوه إلى باب الشأم بالعشي؛ فلما جنهم الليل طرحوه في دجلة، وذلك يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر. ثم رجع أبو زنبيل حتى انتهى إلى عيسى فوجهه عيسى إلى فم الصراة. وبلغ الحسن بن سهل موت محمد بن خالد، فخرج من واسط حتى انتهى إلى المبارك، فأقام بها. فلما كان جمادى الآخرة وجه حميد بن عبد الحميد الطوسي ومعه عركو الأعرابي وسعيد بن الساجور وأبو البط ومحمد بن إبراهيم الإفريقي، وعدة سواهم من القواد، فلقوا أبا زنبيل بفم الصراة فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنيل، فالتقوا عند بيوت النيل، فاقتتلوا ساعة، فوقعت الهزيمة على أصحاب هارون، وأبي زنبيل، فخرجوا هاربين حتى أتوا المدائن؛ وذلك يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة. ودخل حميد وأصحابه النيل فانتهبوها ثلاثة أيام، فانتهبوا أموالهم وأمتعتهم، وانتهبوا ما كان حولهم من القرى؛ وقد كان بنو هاشم والقواد حين مات محمد بن أبي خالد تكلموا في ذلك؛ وقالوا: نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون، فكانوا يتراضون في ذلك؛ إذا بلغهم خبر هارون وأبي زنبيل وهزيمتهم، فجدوا فيما كانوا فيه، وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزالوا به حتى صيروه أميراً خليفةً للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسي ابن المجوسي الحسن بن سهل، ونطرده حتى يرجع إلى خراسان. وقد قيل: إن عيسى بن محمد بن أبي خالد لما اجتمع إليه أهل بغداد، وساعدوه على حرب الحسن بن سهل، رأى الحسن أنه لا طاقة له بعيسى، فبعث إليه وهب بن سعيد الكاتب، وبذل له المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته بغداد وولاية أي النواحي أحب، فطلب كتاب المأمون بذلك بخطة، فرد الحسن بن سهل وهباً بإجابته، فغرق وهب بين المبارك وجبل؛ فكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولوا رجلاً من بني هاشم،فولوا منصور بن المهدي، وعسكر منصور بن المهدي بكلواذى، وأرادوه على الخلافة فأبى، وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يتولى من أحب، فرضى بذلك بنو هاشم والقواد الجند؛ وكان القيم بهذا الأمر خزيمة بن خازم، فوجه القواد في كل ناحية، وجاء حميد الطوسي من فوره في طلب بني محمد حتى انتهى إلى المدائن، فأقام بها يومه، ثم انصرف إلى النيل. فلما بلغ منصوراً خبره خرج حتى عسكر بكلواذي، وتقدم يحيى بن علي بن عيسى بن ماهان إلى المدائن. ثم إن منصوراً وجه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشمي من الجانب الآخر، فعسكر بنهر صرصر، ووجه غسان بن عباد بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان ناحية الكوفة، فتقدم حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به. فلما بلغ حميداً الخبر لم يعلم إلا وحميد قد أحاط بالقصر، فأخذ غسان أسيراً، وسلب أصحابه، وقتل منهم؛ وذلك يوم الاثنين لأربع خلون من رجب. ثم لم يزل كل قوم مقيمين في عساكرهم؛ إلا أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل، فهرب منه إلى عيسى، فوجهه عيسى إلى منصور، فوجهه منصور إلى ناحية حميد؛ وكان حميداً مقيماً بالنيل إلا أن له خيلاً بالقصر. وخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان حتى أتى كوثي. وبلغ حميداً الخبر، فلم يعلم ابن اليقطين حتى أتاه حميد وأصحابه إلى كوثي، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من أصحابه، وأسروا، وغرق منهم بشر كثير، وانتهب حميد وأصحابه وما كان حول كوثي من القرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قدورا عليه من حلي ومتاع وغير ذلك؛ ثم أنصرف حتى النيل، وراجع ابن يقطين، فأقام بنهر صرصر. وفي محمد بن أبي خالد قال أبو الشداخ: هوى خيل الأبناء بعد محمد ... وأصبح منها كاهل العز أخضعا فلا تشتموا يا آل سهل موته ... فإن لكم يوماً من الدهر مصرعاً وأحصى عيسى بن محمد بن أبي خالد ما كان في عسكره، فكانوا مائة ألف وخمس وعشرين ألفا بين فارس وراجل؛ فأعطى الفارس أربعين درهماً، ذكر خبر خروج المطوعة للنكير على الفساق وفي هذه السنة تجردت المطوعة للنكير على الفساق ببغداد، رئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاري أبو حاتم من أهل خراسان. ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله فعلت المطوعة ما ذكرت: كان السبب في ذلك أن فساق الحربية والشطار الذين كانوا ببغداد والكرخ آذوا الناس أذىً شديداً، وأظهروا الفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق؛ فكانوا يجتمعون فيأتون الرجل فيأخذون ابنه، فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع؛ وكانوا يسألون الرجل أن يقرضهم أو يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم؛ وكانوا يجتمعون فيأتون القرى، فيكاثرون أهلها، ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك؛ لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان يعتز بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنعهم من فسق يركبونه، وكانوا يحبسون المارة في الطريق وفي السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يعدو عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم؛ ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قطربل، فانتهبوها علانيةً، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك، وأدخلوها بغداد، وجعلوا يبيعونها علانية، وجاء أهلها فاستعدوا السلطان عليهم، فلم يمكنه أعداؤهم عليهم، ولم يرد عليهم شيئاً مما كان أخذ منهم، وذلك آخر شعبان. فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم؛ وما بيع من متاع الناس في أسواقهم، وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقطع الطريق، وأن السلطان لا يغير عليهم، قام صلحاء كل ربض وكل درب، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما في الدرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم؛ فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحداً، لقمعتم هؤلاء الفساق، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم. فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش، فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشد على من يليه من الفساق والشطار، فمنعهم مما كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم، فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان؛ إلا أنه كان يرى أن يغير السلطان شيئاً، ثم قام من بعده رجل من أهل الحربية، يقال له سهل بن سلامة الأنصاري من أهل خراسان؛ يكنى أبا حاتم؛ فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل بكتاب الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلق مصحفاً في عنقه، ثم بدأ بجيرانه وأهل محلته، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه، ثم دعا الناس جميعاً إلى ذلك؛ الشريف منهم والوضيع؛ بني هاشم ومن دونهم، وجعل له ديواناً يثبت فيه اسم من أتاه منهم، فبايعه على ذلك، وقتال من خالفه وخالف ما دعا إليه كائناً من كان؛ فأتاه خلق كثير، فبايعوا. ثم إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها، ومنع كل من يخفر ويجبي المارة والمختلفة، وقال: لا خفارة في الإسلام - والخفارة أنه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول: بستانك في خفري، أدفع عنه من أراده بسوء، ولي في عنقك كل شهر كذا وكذا درهماً، فيعطيه ذلك شائياً وآبيا، فقوي على ذلك إلا أن الدريوش خالفه، وقال: أنا لا أعيب على السلطان شيئاً ولا أغيره، ولا أقاتله، ولا آمره بشيء ولا أنهاه. وقال سهل بن سلامة: لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائناً من كان؛ سلطاناً أو غيره؛ والحق قائم في الناس أجمعين، فمن بايعني على هذا قبلته، ومن خالفني قاتلته. فقام في ذلك سهل يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين في مسجد طاهر بن الحسين؛ الذي كان بناه في الحربية. وكان خالد الدريوش قام قبله بيومين أو ثلاثة، وكان المنصور بن المهدي مقيماً بعسكره بجبل، فلما كان من ظهور سهل بن سلامة وأصحابه ما كان، وبلغ ذلك منصوراً وعيسى - وإنما كان عظم أصحابهما الشطار، ومن لا خير فيه - كسرهما ذلك، ودخل منصور بغداد. وقد كان عيسى يكاتب الحسن بن سهل، فلما بلغه خبر بغداد، سأل الحسن بن سهل أن يعطيه الأمان له ولأهل بيته ولأصحابه، على أن يعطى الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركت له الغلة، فأجابه الحسن، وارتحل عيسى من معسكره، فدخل بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شوال، وتقوضت جميع عساكرهم، فدخلوا بغداد، فأعلمهم عيسى ما دخل لهم فيه من الصلح، فرضوا بذلك. ثم رجع عيسى إلى المدائن، وجاء يحيى بن عبد الله، ابن عم الحسن بن سهل، حتى نزل دير العاقول، فولوه السواد، وأشركوا بينه وبين عيسى في الولاية، وجعلوا لكل عدة من الطساسيج وأعمال بغداد. فلما دخل عيسى فيما دخل فيه - وكان أهل عسكر المهدي مخالفين له - وثب المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي يدعو إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابني سهل؛ فامتنع عليه سهل بن سلامة، وقال: ليس على هذا بايعتني. وتحول منصور بن المهدي وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع - وكانوا يوم تحولوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعو إليه من العمل بالكتاب والسنة - فنزلوا بالحربية فراراً من الطلب، وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن، وبعث إلى المطلب أن يأتيه، وقال: ليس على هذا بايعتني، فأبى المطلب أن يجيشه، فقاتله سهل يومين أو ثلاثة قتالاً شديداً؛ حتى اصطلح عيسى والمطلب، فدس عيسى إلى سهلٍ من اغتاله فضربه ضربة بالسيف؛ إلا أنها لم تعمل فيه؛ فلما اغتيل سهل رجع إلى منزله، وقام عيسى بأمر الناس، فكفوا عن القتال. وقد كلن حميد بن عبد الحميد مقيماً بالنيل، فلما بلغه هذا الخبر دخل الكوفة، فأقام بها أياماً. ثم إنه خرج منها حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به، واتخذ منزلاً وعمل عليه سوراً وخندقاً؛ وذلك آخر ذي القعدة، وأقام عيسى ببغداد يعرض الجند ويصححهم، إلى أن تدرك الغلة، وبعث إلى سهل بن سلامة فاعتذر إليه مما كان صنع به، وبايعه وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأنه عونه على ذلك، فقام سهل بما قام به أولاً من الدعاء إلى العمل بالكتاب والسنة. ذكر خبر البيعة لعلي بن موسى بولاية العهد وفي هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرضي من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر جنده بطرح السواد ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق. ذكر الخبر عن ذلك وعما كان سبب ذلك وما آل الأمر فيه إليه ذكر أن عيسى بن محمد بن أبي خالد، بينما هو فيما هو فيه من عرض أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد، إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل يعلمه أن أمير المؤمنين المأمون قد جعل علي بن موسى بن جعفر بن محمد ولي عهده من بعده؛ وذلك أنه نظر في بني العباس وبني علي، فلم يجد أحداً هو أفضل ولا أروع ولا أعلم منه؛ وأنه سماه الرضي من آل محمد، وأمره بطرح لبس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة؛ وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، ويأمره أن يأمر من قبله من أصحابه والجند والقواد وبني هاشم بالبيعة له، وأن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم، ويأخذ جميعاً بذلك. فلما أتى عيسى الخبر دعا أهل بغداد إلى ذلك على أن يعجل لهم رزق شهر، والباقي إذا أدركت الغلة، فقال بعضهم: نبايع ونلبس الخضرة، وقال بعضهم: لا نبايع ولا نلبس الخضرة، ولا نخرج هذا الأمر من ولد العباس؛ وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل، فمكثوا بذلك أياماً. وغضب ولد العباس من ذلك، واجتمع بعضهم إلى بعض، وتكلموا فيه، وقالوا: نولي بعضنا ونخلع المأمون؛ وكان المتكلم في هذا والمختلف والمتقلد له إبراهيم ومنصور ابنا المهدي. ذكر الدعوة لمبايعة إبراهيم بن المهدي وخلع المأمون وفي هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلعوا المأمون. ذكر السبب في ذلكقد ذكرنا سبب إنكار العباسيين ببغداد على المأمون ما أنكروا عليه، واجتماع من اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم؛ حتى خرج عن بغداد. ولما كان من بيعة المأمون لعلى بن موسى بن جعفر - وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان، وورود كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبي خالد يأمره بذلك، وأخذ الناس به ببغداد، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة - أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة، ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي؛ وأنهم قد خلعوا المأمون، وأنهم يعطون عشرة دنانير كل إنسان، أول يوم من المحرم أول يوم من السنة المستقبلة. فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطى؛ فلما كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان منصور، فأمروا رجلاً يقول حين أذن المؤذن: إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة؛ وكانوا قد دسوا قوماً، فقالوا لهم: إذا قام يقول ندعو للمأمون، فقوموا أنتم فقولوا: لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومن بعده لإسحاق، وتخلعوا المأمون أصلاً، ليس نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور، ثم تجلسوا في بيوتكم. فلما قام من يتكلم أجابه هؤلاء، فلم يصل بهم تلك الجمعة صلاة الجمعة، ولا خطب أحد، إنما صلى الناس أربع ركعات ثم انصرفوا؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين. وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبه وهو والي طبرستان اللارز والشيرز؛ من بلاد الديلم، وزادهما في بلاد الإسلام، وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شروين عنها، فقال سلام الخاسر: إنا لنأمل فتح الروم والصين ... بمن أدال لنا من ملك شروين فاشدد يديك بعبد الله إن له ... مع الأمانة رأي غير موهون وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، وأسر أبا ليلى ملك الديلم بغير عهد في هذه السنة. وفيها مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا. وفيها تحرك بابك الخرمي في الجاويذانية أصحاب جاويذان بن سهل، صاحب البذ، وادعى أن روح جاويذان دخلت فيه، وأخذ في العبث والفساد. وفيها أصاب أهل خراسان والري وإصبهان مجاعة، وعز الطعام، ووقع الموت. وحج بالناس فيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي. ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر بيعة إبراهيم بن المهدي فمما كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي بالخلافة، وتسميتهم إياه المبارك. وقبل إنهم بايعوه في أول يوم من المحرم بالخلافة، وخلعوا المأمون؛ فلما كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر؛ فكان أول من بايعه عبيد الله بن العباس بن محمد الهاشمي، ثم منصور بن المهدي، ثم سائر بني هاشم، ثم القواد. وكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك؛ وكان الذي سعى في ذلك وقام به السندي وصالح صاحب المصلى ومنجاب ونصير الوصيف وسائر الموالي؛ إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة غضباً منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد علي، ولتركه لباس آبائه السواد ولبسه الخضرة. ولما فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيهم أرزاق ستة الأشهر، فدافعهم بها، فلما رأوا ذلك شغبوا عليه، فأعطاهم مائتي درهم لكل رجل، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيراً. فخرجوا في قبضها فلم يمروا بشيء إلا انتهبوه، فأخذوا النصيبين جميعاً؛ نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان. وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسواد كله، وعسكر بالمدائن. وولي الجانب الشرقي من بغداد العباس بن موسى الهادي والجانب الغربي إسحاق ابن موسى الهادي. وقال إبراهيم بن المهدي: ألم تعلموا يا آل فهر بأنني ... شريت بنفسي دونكم في المهالك خبر تحكيم مهدي بن علوان الحروري وفي هذه السنة حكم مهدي بن علوان الحروري، وكان خروجه ببزرجسابور، وغلب على طساسيج هنالك. وعلى نهر بوق والراذانين. وقد قيل: إن خروج مهدي كان في سنة ثلاث ومائتين في شوال منها، فوجه إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد في جماعة من القواد، منهم أبو البط وسعيد بن الساجور، ومع أبي إسحاق غلمان له أتراك؛ فذكر عن شبيل صاحب السلبة، أنه كان معه وهو غلام، فلقوا الشراة، فطعن رجل من الأعراب أبا إسحاق، فحامى عنه غلام له تركي، وقال له: أشناس مرا، أي أعرفني، فسماه يومئذ أشناس؛ وهو أبو جعفر أشناس، وهزم مهدي إلى حولايا. وقال بعضهم: إنما وجه إبراهيم إلى مهدي بن علوان الدهقاني الحروري المطلب، فسار إليه، فلما قرب منه أخذ رجلاً من قعد الحرورية يقال له أقذى، فقتله، واجتمعت الأعراب فقاتلوه فهزموه حتى أدخلوا بغداد. وفي هذه السنة وثب أخو أبي السرايا بالكوفة، فبيض، واجتمعت إليه جماعة، فلقيه غسان بن أبي الفرج في رجب فقتله، وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهدي. ذكر الخبر عن تبييض أخي أبي السرايا وظهوره بالكوفة ذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبارك في معسكره كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة، وأن يبايع لعلي بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد من بعده، ويأمره أن يتقدم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها، فارتحل حتى نزل سمر، وكتب إلى حبيب بن عبد الحميد أن يتقدم إلى بغداد ويحاصر أهلها من ناحية أخرى، ويأمره بلباس الخضرة، ففعل ذلك حميد. وكان سعيد بن الساجور وأبو البط وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقي وعدة من قواد حميد كاتبوا إبراهيم بن المهدي، على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة. وكان قد تباعد ما بينه وبين حميد، فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميداً يكاتب إبراهيم، وكان يكتب فيهم بمثل ذلك، وكان الحسن يكتب إلى حميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل، وخاف إن هو خرج إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره؛ فكانوا يكتبون إلى الحسن أنه ليس يمنعه من إتيانك إلا أنه مخالف لك، وأنه قد اشترى الضياع بين الصراة وسورا والسواد. فلما ألح عليه الحسن بالكتب، خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر، فكتب سعيد وأصحابه إلى إبراهيم يعلمونه، ويسألون أن يبعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، حتى يدفعوا إليه القصر وعسكر حميد؛ وكان إبراهيم قد خرج من بغداد يوم الثلاثاء حتى عسكر بكلواذى يريد المدائن، فلما أتاه الكتاب وجه عيسى إليهم. فلما بلغ أهل عسكر حميد خروج عيسى ونزوله قرية الأعراب على فرسخ من القصر تهيئوا للهرب؛ وذلك ليلة الثلاثاء، وشد أصحاب سعيد وأبي البط والفضل بن محمد بن الصباح الكندي الكوفي على عسكر حميد؛ فانتهبوا ما فيه، وأخذوا الحميد - فيما ذكر - مائة بدرة أموالاً ومتاعاً، وهرب بن لحميد ومعاذ بن عبد الله، فأخذ بعضهم نحو الكوفة وبعض نحو النيل؛ فأما ابن حميد، فإنه انحدر بجواري أبيه إلى الكوفة، فلما أتى الكوفة اكترى بغالاً ثم أخذ الطريق، ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر وسلمه له سعيد وأصحابه، وصار عيسى وأخذه منهم، وذلك يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر. وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنده، فقال له حميد: ألم أعلمك بذلك! ولكن خدعت، وخرج من عنده حتى أتى الكوفة، فأخذ أموالاً له كانت هنالك ومتاعاً. وولى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر العلوي، وأمره بلباس الخضرة، وأن يدعو للمأمون ومن بعده لأخيه علي بن موسى؛ وأعانه بمائة ألف درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، فإن أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك، وأنا معك. فلما كان الليل خرج حميد من الكوفة وتركه، وقد كان الحسن وجه حكيماً الحارثي حين بلغه الخبر إلى النيل، فلما بلغ ذلك عيسى وهو بالقصر تهيأ هو وأصحابه، حتى خرجوا إلى النيل؛ فلما كان ليلة السبت لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر طلعت حمرة في السماء، ثم ذهبت الحمرة، وبقي عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل؛ وخرج غداة السبت عيسى وأصحابه من القصر إلى النيل، فواقعهم حكيم، وأتاهم عيسى وسعيد وهم في الوقعة، فانهزم حكيم، ودخلوا النيل. فلما صاروا بالنيل، بلغهم خبر العباس بن موسى بن جعفر العلوي، وما يدعو إليه أهل الكوفة، وأنه قد أجابه قوم كثير منهم، وقال له قوم آخرون: إن كنت تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك فلا حاجة لنا في دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك. فقال: أنا أدعو إلى المأمون ثم من بعده لأخي؛ فقعد عنه الغالية من الرافضة وأكثر الشيعة. وكان يظهر أن حميداً يأتيه فيعينه ويقويه، وأن الحسن يوجه إليه قوماً من قبله مدداً، فلم يأته منهم أحد، وتوجه إليه سعيد وأبو البط من النيل إلى الكوفة؛ فلما صاروا بدير الأعور، أخذوا طريقاً يخرج بهم إلى عسكر هرثمة عند قرية شاهي. فلما التأم إليه أصحابه، خرجوا يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى. فلما صاروا قرب القنطرة خرج عليهم علي بن محمد بن جعفر العلوي، ابن المبايع له بمكة، وأبو عبد الله أخو أبي السرايا ومعهم جماعة كثيرة، وجههم مع علي بن محمد، فقاتلوهم ساعة، فانهزم علي وأصحابه حتى دخلوا الكوفة، وجاء سعيد وأصحابه حتى نزلوا الحيرة؛ فلما كان يوم الثلاثاء غدوا فقاتلوهم مما يلي دار عيسى بن موسى، وأجابهم العباسيون ومواليهم، فخرجوا إليهم من الكوفة، فاقتتلوا يومهم إلى الليل، وشعارهم: " يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون " ، وعليهم السواد، وعلى العباس وأصحابه من أهل الكوفة الخضرة. فلما كان يوم الأربعاء اقتتلوا في ذلك الموضع، فكان كل فريق منهم إذا ظهروا على شيء أحرقوه. فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة، أتوا سعيداً وأصحابه، فسألوه الأمان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه؛ على أن يخرج من الكوفة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم أتوا العباس فأعلموه، وقالوا: إن عامة من معك غوغاء، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرق والنهب والقتل؛ فأخرج من بين أظهرنا، فلا حاجة لنا فيك. فقبل منهم، وخاف أن يسلموه، وتحول من منزله الذي كان فيه بالكناسة، ولم يعلم أصحابه بذلك، وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحيرة، وشد أصحاب العباس بن موسى على من بقي من أصحاب سعيد وموالي عيسى بن موسى العباسي، فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق، ونهبوا ربض عيسى بن موسى، فأحرقوا الدور، وقتلوا من ظهروا به. فبعث العباسيون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك، وأن العباس قد رجع عما كان طلب من الأمان. فركب سعيد وأبو البط وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عتمةً، فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب إلا قتلوه، ولم يظهروا على شيء مما كان في أيدي أصحاب العباس إلا أحرقوه؛ حتى بلغوا الكناسة، فمكثوا بذلك عامة الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة، فأعلموهم أن هذا من عمل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن شيء. فانصرفوا عنهم. فلما كان غداة الخميس لخمس خلون من جمادى الأولى، جاء سعيد وأبو البط حتى دخلوا الكوفة، ونادى مناديهم: أمن الأبيض والأسود؛ ولم يعرضوا لأحد من الخلق إلا بسبيل خير، وولوا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، من أهلها. فكتب إليهم إبراهيم بن المهدي يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط، وكتب إلى سعيد أن يستعمل على الكوفة غير الكندي، لميله إلى أهل بلده؛ فولاها غسان بن الفرج، ثم عزله بعد ما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايا، فولاها سعيد ابن أخيه الهول؛ فلم يزل والياً عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد، وهرب الهول منها، وأمر إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد أن يسير إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن عائشة الهاشمي ونعيم بن خازم أن يسيرا جميعاً، فخرجا مما يلي جوخى، وبذلك أمرهما، وذلك في جمادى الأولى. ولحق بهما سعيد وأبو البط والإفريقي حتى عسكروا بالصيادة قرب واسط؛ فاجتمعوا جميعاً في مكان واحد، وعليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن وأصحابه بواسط في كل يوم، فلا يخرج إليهم من أصحاب الحسن أحد، وهم متحصنون بمدينة واسط. ثم إن الحسن أمر أصحابه بالتهيؤ للخروج للقتال، فخرجوا إليهم يوم السبت لأربع بقين من رجب، فاقتتلوا قتالاً شديداً إلى قريب الظهر. ثم وقعت الهزيمة على عيسى وأصحابه، فانهزموا حتى بلغوا طرنايا والنيل، وأخذ أصحاب الحسن جميع ما كان في عسكرهم من سلاح ودواب وغير ذلك. ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي وفي هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي فحبسه وعاقبه. ذكر الخبر عن سبب ظفره به وحبسه إياه: ذكر أن سهل بن سلامة كان مقيماً ببغداد، يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فلم يزل كذلك حتى اجتمع إليه عامة أهل بغداد ونزلوا عنده؛ سوى من هو مقيم في منزله، وهواه ورأيه معه؛ وكان إبراهيم قد هم بقتاله قبل الوقعة، ثم أمسك عن ذلك، فلما كانت هذه الوقعة، وصارت الهزيمة على أصحاب عيسى ومن معه أقبل على سهل بن سلامة، فدس إليه وإلى أصحابه الذين بايعوه على العمل بالكتاب والسنة، وألا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فكان كل من أجابه إلى ذلك قد عمل على باب داره برجاً بجص وآجر، ونصب عليه السلاح والمصاحف؛ حتى بلغوا قرب باب الشأم؛ سوى من أجابه من أهل الكرخ وسائر الناس؛ فلما رجع عيسى من الهزيمة إلى بغداد، أقبل هو واخوته وجماعة أصحابه نحو سهل ابن سلامة؛ لأنه كان يذكرهم بأسواء أعمالهم وفعالهم، ويقول: الفساق؛ لم يكن لهم عنده اسم غيره، فقاتلوه أياماً؛ وكان الذي تولى قتاله عيسى بن محمد بن أبي خالد؛ فلما صار إلى الدروب التي قرب سهل أعطى أهل الدروب الألف الدرهم والألفين درهماً؛ على أن يتنحوا له عن الدروب، فأجابوه إلى ذلك؛ فكان نصيب الرجل الدرهم والدرهمين ونحو ذلك؛ فلما كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيئوا له من كل وجه، وخذله أهل الدروب حتى وصلوا إلى مسجد طاهر بن الحسين وإلى منزله؛ وهو بالقرب من المسجد؛ فلما وصلوا إليه اختفى منهم، وألقى سلاحه، واختلط بالنظارة، ودخل بين النساء فدخلوا منزله. فلما لم يظفروا به جعلوا عليه العيون؛ فلما كان الليل أخذوه في بعض الدروب التي قرب منزله، فأتوا به إسحاق بن موسى الهادي - وهو ولي العهد بعد عمه إبراهيم بن المهدي وهو بمدينة السلام - فكلمه وحاجه، وجمع بينه وبين أصحابه، وقال له: حرضت علينا الناس، وعبت أمرنا! فقال له: إنما كانت دعوتي عباسية؛ وإنما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة؛ وأنا على ما كنت عليه أدعوكم إليه الساعة. فلم يقبلوا ذلك منه. ثم قالوا له: اخرج إلى الناس، فقل لهم: إن ما كنت أدعوكم إليه باطل. فأخرج إلى الناس وقال: قد علمتم ما كنت أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه الساعة. فلما قال لهم هذا وجئوا عنقه، وضربوا وجهه؛ فلما صنعوا ذلك به قال: المغرور من غررتموه يا أصحاب الحربية؛ فأخذ فأدخل إلى إسحاق، فقيده، وذلك يوم الأحد. فلما كان ليلة الاثنين خرجوا به إلى إبراهيم بالمدائن؛ فلما دخل عليه كلمه بما كلم به إسحاق، فرد عليه مثل ما رد على إسحاق. وقد كانوا أخذوا رجلاً من أصحابه يقال له محمد الرواعي، فضربه إبراهيم، ونتف لحيته، وقيده وحبسه؛ فلما أخذ سهل بن سلامه حبسوه أيضاً، وادعوا أنه كان دفع إلى عيسى، وأن عيسى قتله؛ وإنما أشاعوا ذلك تخوفاً من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه؛ فكان بين خروجه وبين أخذه وحبسه اثنا عشر شهراً. ذكر خبر شخوص المأمون إلى العراق وفي هذه السنة شخص المأمون من مرو يريد العراق. ذكر الخبر عن شخوصه منهاذكر أن علي بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه، وبما كان الفضل بن سهل يستر من الأخبار، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء؛ وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة. فقال المأمون: إنهم لم يبايعوا له بالخلافة؛ وإنما صيروه أميراً يقوم بأمرهم،على ما أخبره به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك، فقال: ومن يعلم هذا من أهل عسكري؟ فقال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدة من وجوه أهل العسكر، فقال له: أدخلهم علي حتى أسألهم عما ذكرت، فأدخلهم عليه؛ وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعلي بن أبي سعيد - وهو ابن أخت الفضل - وخلف المصري، فسألهم عما أخبره، فأبوا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل؛ ألا يعرض لهم، فضمن ذلك لهم، وكتب لكل رجل منهم كتاباً بخطه، ودفعه إليهم، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن، وبينوا ذلك له، وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقواده عليه في أشياء كثيرة، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إنما جاء لينصحه وليبين له ما يعمل عليه، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته، وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله، وأنه أراد نصحه؛ وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة، حتى إذا وطئ الأمر أخرج من ذلك كله، وصير في زاوية من الأرض بالرقة، قد حظرت عليه الأموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده، وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك، ولم يجترأ عليه بمثل ما اجترئ به على الحسن بن سهل، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها، وأن طاهر بن الحسين قد تنوسي في هذه السنين منذ قتل محمد في الرقة، لا يستعان به في شيء من هذه الحروب؛ استعين بمن هو دونه أضعافاً، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في بني هاشم والموالي والقواد، والجند لو رأوا عزتك سكنوا إلى ذلك، وبخعوا بالطاعة. فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد؛ فلما أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضاً، ونتف لحى بعض؛ فعاوده علي بن موسى في أمرهم، وأعلمه ما كان من ضمانه لهم؛ فأعلمه أنه يداري ما هو فيه. ثم ارتحل من مرو فلما أتى سرخس شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام، فضربوه بالسيوف حتى مات؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين ومائتين. فأخذوا. وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون وهم أربعة نفر: أحدهم غالب المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي، وقتلوه وله ستون سنة؛ وهربوا. فبعث المأمون في طلبهم، وجعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم بن بزرجمهر الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت أعناقهم. وقد قيل: إن الذين قتلوا الفضل لما أخذوا ساءلهم المأمون؛ فمنهم من قال: إن علي بن أبي سعيد، ابن أخت الفضل دسهم، ومنهم من أنكر ذلك، وأمر بهم فقتلوا. ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعلي بن موسى وخلف فساءلهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك؛ فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه. ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن في شهر رمضان، فلم يزل الحسن وأصحابه حتى أدركت الغلة وجبي بعض الخراج، ورحل المأمون من سرخس نحو العراق يوم الفطر، وكان إبراهيم بن المهدي بالمدائن وعيسى وأبو البط وسعيد بالنيل وطرنايا يراوحون القتال ويغادونه؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك بن عبد الله قدم من المدائن، فاعتل بأنه مريض، وجعل يدعو في السر إلى المأمون؛ على أن المنصور بن المهدي خليفة المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه إلى ذلك منصور وخزيمة بن خازم وقواد كثير من أهل الجانب الشرقي، وكتب المطلب إلى حميد وعلي بن هشام أن يتقدما فينزل حميد نهر صرصر وعلى النهروان؛ فلما تحقق عند إبراهيم الخبر خرج من المدائن إلى بغداد، فنزل زند ورد يوم السبت لأربع عشرة خلت من صفر، وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة، فلما أتاهم رسوله اعتدوا عليه؛ فلما رأى ذلك بعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد وأخوته؛ فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما وأما المطلب فإن مواليه وأصحابه قاتلوا عن منزله حتى كثر الناس عليهم، وأمر إبراهيم منادياً فنادى: من أراد النهب فليأت دار المطلب، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره، فانتهبوا ما وجدوا فيها، وانتهبوا دور أهل بيته، وطلبوه فلم يظفروا به، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر. فلما بلغ حميداً بن هشام الخبر بعث حميد قائداً فأخذ المدائن، وقطع الجسر، ونزل بها، وبعث علي بن هشام قائداً فنزل المدائن، وأتى نهر ديالى فقطعه، وأقاموا بالمدائن، وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع، ثم لم يظفر به. وفي هذه السنة تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل. وفيها زوج المأمون علي بن موسى الرضي ابنته أم حبيب، وزوج محمد بن علي بن موسى ابنته أم الفضل. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، فدعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد. وكان الحسن بن سهل كتب إلى عيسى بن يزيد الجلودي، وكان بالبصرة فوافى مكة في أصحابه، فشهد الموسم، ثم انصرف، ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن؛ وكان قد غلب عليها حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان. ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث موت علي بن موسى الرضي ذكر أن مما كان فيها موت علي بن موسى بن جعفر. ذكر الخبر عن سبب وفاتهذكر أن المأمون شخص من سرخس حتى صار إلى طوس، فلما صار بها أقام بها عند قبر أبيه أياماً. ثم إن علي بن موسى أكل عنباً فأكثر منه، فمات فجأة؛ وذلك في آخر صفر؛ فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرشيد، وكتب في شهر ربيع الأول إلى الحسن بن سهل يعلمه أن علي بن موسى بن جعفر مات، ويعلمه ما دخل عليه من الغم والمصيبة بموته؛ وكتب إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موت علي بن موسى، وأنهم إنما نقموا بيعته له من بعده؛ ويسألهم الدخول في طاعته. فكتبوا إليه وإلى الحسن جواب الكتاب بأغلظ ما يكتب به إلى أحد. وكان الذي صلى على علي بن موسى المأمون. ورحل المأمون في هذه السنة من طوس يريد بغداد، فلما صار إلى الري أسقط من وظيفتها ألفي ألف درهم. وفي هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل، فذكر سبب ذلك أنه كان مرض مرضاً شديداً، فهاج به من مرضه تغير عقله، حتى شد في الحديد وحبس في بيت. وكتب بذلك قواد الحسن إلى المأمون، فأتاهم الكتاب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله، ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه. خبر حبس إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد وفي هذه السنة ضرب إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد وحبسه. ذكر الخبر عن سبب ذلك ذكر أن عيسى بن محمد بن أبي خالد كان يكاتب حميداً والحسن؛ وكان الرسول بينهم محمد بن محمد المعبدي الهاشمي، وكان يظهر لإبراهيم الطاعة والنصيحة، ولم يكن يقاتل حميداً ولا يعرض له في شيء من عمله؛ وكان كلما قال إبراهيم : تهيأ للخروج لقتال حميد، يعتل عليه بأن الجند يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تدرك الغلة؛ فما زال بذلك حتى إذا توثق مما يريد مما بينه وبين الحسن وحميد فارقهم، على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي يوم الجمعة لانسلاخ شوال. وبلغ الخبر إبراهيم؛ فلما كان يوم الخميس، جاء عيسى إلى باب الجسر، فقال للناس: إني قد سالمت حميداً، وضمنت له ألا أدخل عمله، وضمن لي ألا يدخل عملي. ثم أمر أن يحفر خندق بباب الجسر وباب الشأم، وبلغ إبراهيم ما قال وما صنع، وقد كان عيسى سأل إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلما تكلم عيسى بما تكلم به، وبلغ إبراهيم الخبر وأنه يريد أخذه حذر. وذكر أن هارون أخا عيسى أخبر إبراهيم بما يريد أن يصنع به عيسى؛ فلما أخبره، بعث إليه أن يأتيه حتى يناظره في بعض ما يريد، فاعتل عليه عيسى، فلم يزل إبراهيم يعيد إليه الرسل حتى أتاه إلى قصره بالرصافة، فلما دخل عليه حجب الناس، وخلا إبراهيم وعيسى، وجعل يعاتبه، وأخذ عيسى يعتذر إليه مما يعتبه به، وينكر بعض ما يقول؛ فلما قرره بأشياء أمر به فضرب. ثم إنه حبسه وأخذ عدة من قواده فحبسهم، وبعث إلى منزله، فأخذ أم ولده وصبياناً له صغاراً؛ فحبسهم؛ وذلك ليلة الخميس لليلة بقيت من شوال. وطلب خليفة له يقال له العباس فاختفى. فلما بلغ حبس عيسى أهل بيته وأصحابه، مشى بعضهم إلى بعض، وحرض أهل بيته واخوته الناس على إبراهيم واجتمعوا؛ وكان رأسهم عباس خليفة عيسى، فشدوا على عامل إبراهيم على الجسر فطردوه، وعبر إلى إبراهيم فأخبره الخبر، وأمر بقطع الجسر فطردوا كل عامل كان لإبراهيم في الكوخ وغيره، ظهر الفساق والشطار، فقعدوا في المسالح. وكتب إلى حميد يسأله أن يقدم إليهم حتى يسلموا إليه بغداد؛ فلما كان يوم الجمعة صلوا في مسجد المدينة أربع ركعات، صلى بهم المؤذن بغير خطبة. ذكر خبر خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي وفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي، ودعوا للمأمون بالخلافة. ذكر الخبر عن سبب ذلكقد ذكرنا قبل ما كان من إبراهيم وعيسى بن محمد بن أبي خالد وحبس إبراهيم إياه، واجتماع عباس خليفة عيسى واخوة عيسى على إبراهيم ، وكتابهم إلى حميد يسألونه المصير إليهم ليسلموا بغداد إليه؛ فذكر أن حميداً لما أتاه كتابهم، وفيه شرط منهم عليه أن يعطي جند أهل بغداد؛ كل رجل منهم خمسين درهماً، فأجابهم إلى ذلك ، وجاء حتى نزل صرصر بطريق الكوفة يوم الأحد، وخرج إليه عباس وقواد أهل بغداد، فلقوه غداة الاثنين، فوعدهم ومناهم وقبلوا ذلك منه، فوعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية، على أن يصلوا الجمعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إبراهيم؛ فأجابوه إلى ذلك. فلما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى واخوته من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى ذلك عليه. فلما كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبي رجاء الفقيه، فصلى بالناس الجمعة، ودعا للمأمون، فلما كان يوم السبت جاء حميد إلى الياسرية فعرض حميد جند أهل بغداد، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم، فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، فيعطيهم أربعين درهماً لكل رجل منهم؛ لما كانوا تشاءموا به من علي بن هشام حين أعطاهم الخمسين. فغدر بهم، وقطع العطاء عنهم، فقال لهم حميد: لا بل أزيدكم وأعطيكم ستين درهماً لكل رجل،فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى فسأله أن يقاتل حميداً، فأجابه إلى ذلك، فخلى سبيله، وأخذ منه كفلاء، فكلم عيسى الجند أن يعطيهم مثل ما أعطى حميد؛ فأبوا ذلك عليه؛ فلما كان يوم الاثنين عبر إليهم عيسى واخوته وقواد أهل الجانب الشرقي، فعرضوا على أهل الجانب الغربي أن يزيدوهم على ما أعطى حميد، فشتموا عيسى وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم. فخرج عيسى وأصحابه حتى دخلوا المدينة، وأغلقوا الأبواب، وصعدوا السور، وقاتلوا الناس ساعة. فلما كثر عليهم الناس انصرفوا راجعين؛ حتى أتوا باب خراسان، فركبوا في السفن، ورجع عيسى كأنه يريد أن يقاتلهم، ثم احتال حتى صار في أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض قواده فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه الخبر، فاغتم لذلك غماً شديداً؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك اختفى من إبراهيم، فلما قدم حميد أراد العبور إليه فأخذه المعبر، فذهب إلى إبراهيم فحبسه عنده ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إنه خلى عنه ليلة الاثنين لليلة خلت من ذي الحجة. ذكر خبر اختفاء إبراهيم بن المهدي وفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهدي، وتغيب بعد حرب بينه وبين حميد بن عبد الحميد، وبعد أن أطلق سعد بن سلامة من حبسه. ذكر الخبر عن اختفائه والسبب في ذلكذكر أن سهل بن سلامة كان الناس يذكرون أنه مقتول، وهو عند إبراهيم محبوس؛ فلما صار حميد إلى بغداد ودخلها أخرجه إبراهيم. وكان يدعو في مسجد الرصافة كما كان يدعو، فإذا كان الليل رده إلى حبسه؛ فمكث بذلك أياماً، فأتاه أصحابه ليكونوا معه، فقال لهم: الزموا بيوتكم، فإني أرزأ هذا - يعني إبراهيم - فلما كان ليلة الاثنين لليلة خلت من ذي الحجة خلى سبيله، فذهب فاختفى، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده أن حميداً قد نزل في أرحاء عبد الله بن مالك، تحول عامتهم إليه، وأخذوا له المدائن؛ فلما رأى ذلك إبراهيم، أخرج جميع من عنده حتى يقاتلوا، فالتقوا على جسر نهر ديالى، فاقتتلوا، فهزمهم حميد، فقطعوا الجسر فتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بيوت بغداد، وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذي القعدة. فلما كان يوم الأضحى أمر إبراهيم القاضي أن يصلي بالناس في عيساباذ، فصلى بهم فانصرف الناس، واختفى الفضل بن الربيع، ثم تحول إلى حميد، ثم تحول علي بن ريطة إلى معسكر حميد، وجعل الهاشميون والقواد يلحقون بحميد واحداً بعد واحد؛ فلما رأى إبراهيم أسقط في يده، فشق عليه. وكان المطلب يكاتب حميداً على أن يأخذ له الجانب الشرقي، وكان سعيد بن الساجور وأبو البط وعبدويه وعدة معهم من القواد يكاتبون علي بن هشام، على أن يأخذوا له إبراهيم؛ فلما علم إبراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كل قوم من أصحابه، وأنهم قد أحدقوا به، جعل يداريهم؛ فلما جنه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحدق بدار إبراهيم هو وأصحابه؛ فإن كان يريده فليأته. وكتب ابن الساجور وأصحابه إلى علي بن هشام، فركب حميد من ساعته؛ وكان نازلاً في أرحاء عبد الله، فأتى باب الجسر، وجاء علي بن هشام حتى نزل نهر بين، وتقدم إلى مسجد كوثر، وخرج إليه ابن الساجور وأصحابه، وجاء المطلب إلى حميد، فلقوه بباب الجسر، فقربهم ووعدهم ونبأهم أن يعلم المأمون ما صنعوا، فأقبلوا إلى دار إبراهيم، وطلبوه فلم يجدوه، فلم يزل إبراهيم متوارياً حتى قدم المأمون وبعد ما قدم؛ حتى كان من أمره ما كان. وقد كان سهل بن سلامة حيث اختفى وتحول إلى منزله وظهر، وبعث إليه حميد، فقربه وأدناه، وحمله على بغل، ورده إلى أهله، فلم يزل مقيماً حتى قدم المأمون، فأتاه فأجازه ووصله، وأمره أن يجلس في منزله. وفي هذه السنة انكسفت الشمس يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحجة حتى ذهب ضوءها، وكان غاب أكثر من ثلثيها، وكان انكسافها ارتفاع النهار، فلم يزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت. فكانت أيام إبراهيم بن المهدي كلها سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً. وغلب علي بن هشام على شرقي بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيها، وصار المأمون إلى همذان في آخر ذي الحجة وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. ثم دخلت سنة أربع ومائتينذكر الأحداث التي كانت فيها خبر قدوم المأمون إلى بغدادفمما كان في ذلك قدوم المأمون العراق، وانقطاع مادة الفتن ببغداد. ذكر الخبر عن مقدمه العراق وما كان فيه بها عند مقدمه ذكر عن المأمون أنه لما قدم جرجان أقام بها شهراً، ثم خرج منها، فصار إلى الري في ذي الحجة، فأقام بها أياماً، ثم خرج منها، فجعل يسير المنازل، ويقيم اليوم واليومين حتى صار إلى النهروان؛ وذلك يوم السبت، فأقام فيه ثمانية أيام، وخرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس، فسلموا عليه؛ وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين من الطريق وهو بالرقة، أن يوافيه إلى النهروان، فوافاه بها، فلما كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاع النهار، لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربع ومائتين، ولباسه ولباس أصحابه؛ أقبيتهم وقلانسهم وطراداتهم وأعلامهم كلها الخضرة. فلما قدم نزل الرصافة، وقدم معه طاهر، فأمره بنزول الخيزرانية مع أصحابه، ثم تحول فنزل قصره على شط دجلة، وأمر حميد بن عبد الحميد وعلي بن هشام وكل قائد كان في عسكره أن يقيم في عسكره؛ فكانوا يختلفون إلى دار المأمون في كل يوم؛ ولم يكن يدخل عليه أحد إلا في الثياب الخضر، ولبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون، فكانوا يخرقون كل شيء يرونه من السواد على إنسان إلا القلنسوة؛ فإنه كان يلبسها الواحد بعد الواحد على خوف ووجل؛ فأما قباء أو علم فلم يكن أحد يجترئ أن يلبس شيئاً من ذلك ولا يحمله. فمكثوا بذلك ثمانية أيام؛ فتكلم في ذلك بنو هاشم وولد العباس خاصةً، وقالوا له: يا أمير المؤمنين، تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتهم، ولبست الخضرة. وكتب إليه في ذلك قواد أهل خراسان. وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أول حاجة سأله أن يطرح لباس الخضرة، ويرجع إلى لبس السواد زي دولة الآباء؛ فلما رأى طاعة الناس له في لبس الخضرة وكراهتهم لها، وجاء السبت قعد لهم وعليه ثياب خضر، فلما اجتمعوا عنده دعا بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهراً، ثم دعا بعدة من قواده، فألبسهم أقبية وقلانس سوداً؛ فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد، طرح سائر القواد والجند لبس الخضرة، ولبسوا السواد، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر. وقد قيل: إن المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعة وعشرين، ثم مزقت. وقيل إنه لم يزل مقيماً ببغداد في الرصافة حتى بنى منازل على شط دجلة عند قصره الأول؛ وفي بستان موسى. وذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب، عن عمرو بن مسعدة، أن أحمد بن أبي خالد الأحول قال: لما قدمنا من خراسان مع المأمون وصرنا في عقبة حلوان - وكنت زميله - قال لي: يا أحمد، إني أجد رائحة العراق، فأجبت بغير جوابه، وقلت: ما أخلقه! قال: ليس هذا جوابي، ولكني أحسبك سهوت أو كنت مفكراً، قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فيم فكرت؟ قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم، مع فتنة غلبت على قلوب الناس، فاستعذبوها، فكيف يكون حالنا إن هاج هائج، أو تحرك متحرك ! قال: فأطرق ملياً، ثم قال: صدقت يا أحمد، ما أحسن ما فكرت؛ ولكني أخبرك؛ الناس على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم؛ فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفونا وإمساكنا، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلا بنا، ومن كان لا ظالماً ولا مظلوماً فبيته يسعه. فوالله ما كان إلا كما قال. وأمر المأمون في هذه السنة بمقاسمة أهل السواد على الخمسين؛ وكانوا يقاسمون على النصف، واتخذ القفيز الملجم - وهو عشرة مكاكيك بالمكوك الهاروني - كيلا مرسلا. وفي هذه السنة واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه. وولى المأمون صالح بن الرشيد البصرة، وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب الحرمين. وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن. ثم دخلت سنة خمس ومائتينذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث ولاية طاهر بن الحسين خراسانفمن ذلك تولية المأمون فيها طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق، وقد كان قبل ذلك ولاه الجزيرة والشرط وجانبي بغداد ومعاون السواد، وقعد للناس. ذكر الخبر عن سبب توليته وكان سبب توليته إياه خراسان، والمشرق، ما ذكر عن حماد بن الحسن، عن بشر بن غياث المريسي، قال: حضرت عبد الله المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبي العباس وعلي بن الهيثم، فتناظروا في التشيع، فنصر محمد بن أبي العباس الإمامة، ونصر علي بن الهيثم الزيدية، وجرى الكلام بينهما؛ إلى أن قال محمد لعلي: يا نبطي، ما أنت والكلام! قال: فقال المأمون - وكان متكئاً فجلس: الشتم عي، والبذاء لؤم؛ إنا قد أبحنا الكلام، وأظهرنا المقالات، فمن قال بالحق حمدناه، ومن جهل ذلك وقفناه، ومن جهل الأمرين حكمنا فيه بما يجب؛ فاجعلا بينكما أصلاً، فإن الكلام فروع؛ فإذا افترعتم شيئاً رجعتم إلى الأصول. قال: فإنا نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وذكرا الفرائض والشرائع في الإسلام، وتناظرا بعد ذلك. فأعاد محمد لعلي بمثل المقالة الأولى، فقال له علي: والله لولا جلالة مجلسه وما وهب الله من رأفته، ولولا ما نهى عنه لأعرقت جبينك؛ وبحبسك من جهلك وغسلك المنبر بالمدينة. قال: فجلس المأمون - وكان متكئاً - فقال: وما غسلك المنبر؟ ألتقصير مني في أمرك أو لتقصير المنصور كان في أمر أبيك؟ لولا أن الخليفة إذا وهب شيئاً استحيا أن يرجع فيه لكان أقرب شيء بيني وبينك إلى الأرض رأسك، قم وإياك ما عدت. قال: فخرج محمد بن أبي العباس، ومضى إلى طاهر بن الحسين - وهو زوج أخته - فقال له: كان من قصتي كيت وكيت؛ وكان يحجب المأمون على النبيذ فتح الخادم، وياسر يتولى الخلع، وحسين يسقي، وأبو مريم غلام سعيد الجوهري يختلف في الحوائج. فركب طاهر إلى الدار؛ فدخل فتح، فقال: طاهر بالباب؛ فقال: إنه ليس من أوقاته، ائذن له: فدخل طاهر فسلم عليه، فرد عليه السلام، وقال: اسقوه رطلاً، فأخذه في يده اليمنى وقال له: اجلس، فخرج فشربه ثم عاد، وقد شرب المأمون رطلاً آخر، فقال: اسقوه ثانياً، ففعل كفعله الأول، ثم دخل، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين؛ ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدي سيده، فقال له المأمون: ذلك في مجلس العامة، فأما مجلس الخاصة فطلق، قال: وبكى المأمون، وتغرغرت عيناه، فقال له طاهر: يا أمير المؤمنين؛ لم تبكي لا أبكى الله عينيك! فوالله دانت لك البلاد، وأذعن لك العباد، وصرت إلى المحبة في كل أمرك. فقال: أبكي لأمر ذكره ذل، وستره حزن، ولن يخلو أحد من شجن؛ فتكلم بحاجة إن كانت لك، قال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العباس أخطأ فأقله عثرته، وارض عنه. قال: قد رضيت عنه، وأمرت بصلته، ورددت عليه مرتبته؛ ولولا أنه ليس من أهل الأنس لأحضرته. قال: وانصرف طاهر، فأعلم ابن أبي العباس ذلك، ودعا بهارون بن جبغويه؛ فقال له: إن للكتاب عشيرة، وإن أهل خراسان يتعصب بعضهم لبعض؛ فخذ معك ثلثمائة ألف درهم، فأعط الحسين الخادم مائتي ألف، وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسله أن يسأل المأمون: لم بكى؟ قال: ففعل ذلك، قال: فلما تغدى قال: يا حسين اسقني، قال: لا والله لأسقينك أو تقول لي: لم بكيت حين دخل عليك طاهر؟ قال: يا حسين، وكيف عنيت بهذا فسألتني عنه! قال : لغمي بذاك، قال: يا حسين هو أمر إن خرج من رأسك قتلتك، قال: يا سيدي، ومتى أخرجت لك سراً! قال: إني ذكرت محمداً أخي، وما ناله من الذلة، فخنقتني العبرة فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهراً مني ما يكره. قال: فأخبر حسين طاهراً بذلك؛ فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن عينه، فقال له: سأفعل، فبكر إلي غداً. قال: فركب ابن أبي خالد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال: ما نمت البارحة، فقال: لم ويحك! قال: لأنك وليت غسان خراسان، وهو ومن معه أكلة رأس، فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه، فقال له: لقد فكرت فيما فكرت فيه، قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين، قال: ويلك يا أحمد! هو والله خالع، قال: أنا الضامن له، قال: فأنفذه، قال: فدعا بطاهر من ساعته، فعقد له؛ فشخص من ساعته، فنزل في بستان خليل بن هاشم، فحمل إليه في كل يوم ما أقام فيه مائة ألف. فأقام شهراً، فحمل إليه عشرة آلاف ألف، التي تحمل إلى صاحب خراسان. قال أبو حسان الزيادي: وكان قد عقد له على خراسان والجبال من حلوان إلى خراسان، وكان شخوصه من بغداد يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة سنة خمس ومائتين، وقد كان عسكر قبل ذلك بشهرين، فلم يزل مقيماً في عسكره. قال أبو حسان: وكان سبب ولايته - فيما اجتمع الناس عليه - أن عبد الرحمن المطوعي جمع جموعاً بنيسابور ليقاتل بهم الحرورية بغير أمر والي خراسان، فتخوفوا أن يكون ذلك لأصل عمله عليه. وكان غسان بن عباد يتولى خراسان من قبل الحسن بن سهل، وهو ابن عم الفضل بن سهل. وذكر عن علي بن هارون أن طاهر بن الحسين قبل خروجه إلى خراسان وولايته لها، ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث، فقال: حاربت خليفة، وسقت الخلافة إلى خليفة، وأومر بمثل هذا! وإنما كان ينبغي أن توجه لهذا قائداً من قوادي؛ فكان سبب المصارمة بين الحسن وطاهر. قال: وخرج طاهر إلى خراسان لما تولاها، وهو لا يكلم الحسن بن سهل، فقيل له في ذلك، فقال: ما كنت لأحل عقدة عقدها لي في مصارمته. وفي هذه السنة ورد عبد الله بن طاهر بغداد منصرفاً من الرقة، وكان أبوه طاهراً استخلفه عليها، وأمره بقتال نصر بن شبث، وقدم يحيى بن معاذ فولاه المأمون الجزيرة. وفيها ولى المأمون عيسى بن محمد بن أبي خالد أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك. وفيها مات السري بن الحكم بمصر وكان واليها. وفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولاها المأمون بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم. وفيها ولى المأمون عيسى بن يزيد الجلودي محاربة الزط. وفيها شخص طاهر بن الحسين إلى خراسان في ذي القعدة، وأقام شهرين حتى بلغه خروج عبد الرحمن النيسابوري المطوعي بنيسابور، فشخص ووافى التغرغزية أشروسنة. وفيها أخذ فرج الرخجي عبد الرحمن بن عمار النيسابوري. وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن، وهو والي الحرمين. ثم دخلت سنة ست ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك من تولية المأمون داود بن ماسجور محاربة الزط وأعمال بصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين. وفيها كان المد الذي غرق منه السواد وكسكر وقطيعة أم جعفر وقطيعة العباس وذهب بأكثرها. وفيها نكب بابك بعيسى بن محمد بن أبي خالد. ولاية عبد الله بن طاهر على الرقةوفيها ولى المأمون عبد الله بن طاهر الرقة لحرب نصر بن شبث ومضر. ذكر الخبر عن سبب توليته إياه: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن يحيى بن معاذ كان المأمون ولاه الجزيرة، فمات في هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد على عمله، فذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، أن المأمون دعا عبد الله بن طاهر في شهر رمضان، فقال بعض: كان ذلك في سنة خمس ومائتين، وقال بعض: سنة ست. وقال بعض: سنة سبع. فلما دخل عليه، قال: يا عبد الله أستخير الله منذ شهر، وأرجو أن يخير الله لي، ورأيت الرجل يصف ابنه ليطريه لرأيه فيه، وليرفعه، ورأيتك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى بن معاذ، واستخلف ابنه أحمد بن يحيى، وليس بشيء، وقد رأيت توليتك مضر ومحاربة نصر بن شبث، فقال: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله الخيرة لأمير المؤمنين وللمسلمين. فال: فعقد له، ثم أمر أن تقطع حبال القصارين عن طريقه، وتنحى عن الطرقات المظال، كيلا يكون في طريقه ما يرد لواءه، ثم عقد له لواء مكتوباً عليه بصفرة ما يكتب على الألوية؛ وزاد فيه المأمون: " يا منصور " ، وخرج معه الناس فصار إلى منزله؛ ولما كان من غد ركب إليه الناس وركب إليه الفضل بن الربيع؛ فأقام عنده إلى الليل؛ فقام الفضل، فقال عبد الله: يا أبا العباس، قد تفضلت وأحسنت، وقد تقدم أبي وأخوك إلي ألا أقطع أمراً دونك، وأحتاج أن أستطلع رأيك، وأستضيء بمشورتك؛ فإن رأيت أن تقيم عندي إلى أن نفطر فافعل. فقال له: إن لي حالات ليس يمكنني معها الإفطار ها هنا. قال: إن كنت تكره طعام أهل خراسان فابعث إلى مطبخك يأتون بطعامك، فقال له: إن لي ركعات بين العشاء والعتمة، قال: ففي حفظ الله؛ وخرج معه إلى صحن داره يشاوره في خاص أموره. وقيل: كان خروج عبد الله الصحيح إلى مضر؛ لقتال نصر بن شبث بعد خروج أبيه إلى خراسان، بستة أشهر. وصية طاهر إلى ابنه عبد الله وكان طاهر حين ولى ابنه ديار ربيعة، كتب إليه كتاباً نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم " عليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه؛ وموقوف عليه، ومسئول عنه؛ والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، وينجيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه؛ فإن الله قد أحسن إليك وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الراحة عليهم في معايشهم، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموقفك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك، ولا يذهلنك عنه ذاهل، ولا يشغلنك عنه شاغل؛ فإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوقفك الله به لرشدك. وليكن أول ما تلزم به نفسك، وتنسب إليه فعالك؛ المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها؛ في إسباغ وضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها. وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك ونيتك. واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها فإنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده؛ وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله وتقواه ولزوم ما أنزل في كتابه؛ من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمام ما جاءت به الآثار على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ثم قم فيه بما يحق لله عليك، ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد. وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله والعاملين به؛ فإن أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له، والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب فيه منه إلى الله؛ فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها. وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله عز وجل، وإجلالاً له، ودركاً للدرجات العلا في المعاد؛ مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك والثقة بعدلك. وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها؛ فليس شيء أبين نفعاً، ولا أحضر أمناً، ولا أجمع فضلاً من القصد، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق منقاد إلى السعادة. وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها، ولا تقصر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة، ومعالم الرشد فلا غاية للإستكثار من البر والسعي له؛ إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته، ومرافقة أوليائه في دار كرامته. واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، وإنك لن تحوط نفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به، تتم أمورك، وتزدد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك. وأحسن الظن بالله عز وجل تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك، ولا تنهض أحداً من الناس فيما توليه من عملك قبل تكسف أمره بالتهمة، فإن إيقاع التهم بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم. واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنهم سوء الظن بهم، وارفضه عنهم يعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم. ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزاً، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك. واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكفي به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك. ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، والمباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها؛ بل لتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثر عندك مما سوى ذلك؛ فإنه أقوم للدين، وأحيا للسنة. وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزي بما أحسن. ومأخوذ بما أساء؛ فإن الله جعل الدين حرزاً وعزاً، ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى. وأقم حدود الله في أصحاب الحرائم على قدر منازلهم، وما استحقوه.ولا تعطل ذلك ولا تهاون به. ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة؛ فإن في تفريطك في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك. واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشبه والبدعات، يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك. وإذا عاهدت عهداً ففي به، وإذا وعدت بالخير فأنجزه؛ واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عن عيب كلذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وابغض أهله،وأقص أهل النميمة؛ فإن أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر. وأحب أهل الصدق والفلاح، وأعن الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرحم،وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة. واجتنب سوء الأهوار والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك؛ وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة والطيرة والغرور فيما أنت بسبيله. وإياك أن تقول إني مسلط أفعل ما أشاء؛ فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له. وأخلص لله النية فيه واليقين به ؛واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله.ودع عنك شره نفسك. ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والمعدلة واستصلاح العية، وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظ لدهمائهم، ولإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر؛ وإذا كانت في إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المؤنة عنهم نمت وربت، وصلحت به العامة، وتزينت الولاة ، وطاب به الزمان، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعايشهم؛ فإنك إذا فعلت ذلك قررت النعمة عليك، واستوجبت المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك أقدر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب نفساً لكل ما أردت. فأجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب، ولتعظم حسبتك فيه؛ فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم عليه. وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك؛ فإن التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك لله وفيه تبارك وتعالى، وارج الثواب؛ فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر لديك فضله؛ فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد يزدك الله خيراً وإحساناً، فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين؛ وقض الحق فيما حمل من النعم، والبس من العافية والكرامة. ولا تحقرن ذنباً، ولا تمايلن حاسداً، ولا ترحمن فاجراً، ولا تصلن كفوراً، ولا تداهنن عدواً، ولا تصدقن نماماً، ولا تأمنن غداراً؛ ولا توالين فاسقاً، ولا تتبعن غاوياً، ولا تحمدن مرائياً، ولا تحقرن إنساناً، ولا تردن سائلاً فقيراً، ولا تجيبن باطلاً، ولا تلاحظن مضحكاً، ولا تخلفن وعداً، ولا ترهبن فجراً، ولا تعملن غضباً، ولا تأتين بذخاً، ولا تمشين مرحاً، ولا تركبن سفهاً، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عياناً، ولا تغمضن عن الظالم رهبةً أو مخافة، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا. وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ من أهل التجارب وذوي العقول والرأي والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة والبخل، ولا تسمعن لهم قولاً؛ فإن ضررهم أكثر من منفعتهم. وليس شيء أسرع فساداً لما استقبلت في أمر رعيتك من الشح. واعلم أنك إذا كنت حريصاً كنت كثير الأخذ، قليل العطية؛ وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلاً؛ فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عنهم، ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم، فاجتنب الشح، واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه، وأن العاصي بمنزلة خزي؛ وهو قول الله عز وجل: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " ؛ فسهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظاً ونصيباً، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقاً، وارض به عملاً ومذهباً. وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم؛ ليذهب بذلك الله فاقتهم، ويقوم لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصاً وانشراحاً، وحسب ذي سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمةً في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته؛ فزايل مكروه إحدى البليتين باستشعار تكملة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلق إن شاء الله نجاحاً وصلاحاً وفلاحاً. واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور، لأنه ميزان الله الذي تعتدل عليه الأحوال في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة، ويؤدي حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع، وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء. واشتد في أمر الله، وتورع عن النطف وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وأبعد من الضجر والقلق، واقنع بالقسم، ولتسكن ريحك، ويقر جدك، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسدد في منطقتك، وأنصف الخصم، وقف عند الشبهة، وابلغ في الحاجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبت وتأن، وراقب وانظر، وتدبر وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، وسلط الحق على نفسك، ولا تسرعن إلى سفك دم - فإن الدماء من الله بمكان عظيم - انتهاكاً لها بغير حقها. وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزاً ورفعةً، ولأهله سعة ومنعة، ولعدوه وعدوهم كبتاً وغيظاً، ولأهل الكفر من معاهدتهم ذلاً وصغاراً، فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل، والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئاً عن شريف لشرفه، وعن غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا أحد لخاصتك. ولا تأخذن منه فوق منه فوق الاحتمال له، ولا تكلفن أمراً فيه شطط. واحمل الناس كلهم على مر الحق؛ فإن ذلك أجمع لألفتهم وألزم لرضا العامة. واعلم أنك جعلت بولايتك خازناً وحافظاً وراعياً، وإنما سمي أهل عملك رعيتك؛ لأنك راعيهم وقيمهم؛ تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم؛ فاستعمل عليهم في كور عملك ذوي التدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق؛ فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك، ولا يشغلنك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف؛ فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في أعمالك، واحترزت النصيحة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، فدرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، فكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة بإقامة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة، مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل القوة، وآلة وعدة، فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئاً تحمد مغبة أمرك إن شاء الله. واجعل في كل كورة من عملك أميناً يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم؛ حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معاين لأمره كله. وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك؛ فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه؛ وإلا فتوقف عنه. وراجع أهل البصر والعلم، ثم خذ فيه عدته؛ فإنه ربما نظر الرجل في أمره قد واتاه على ما يهوى، فقواه ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقض عليه أمره. فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك؛ وأكثر مباشرته بنفسك؛ فإن لغد أموراً وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه؛ فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك. وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم، ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك؛ فاستخلصهم وأحسن إليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤنتهم، وأصلح حالهم؛ حتى لا يجدوا لخلتهم مساً. وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك. والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه؛ فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله أمرهم. وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقاً من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله، في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة. واجر للأضراء من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دوراً تؤويهم، وقواماً يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعاً في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة؛ وليس من يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل؛ كالذي يستقبل ما يقربه إلى الله ، ويلتمس رحمته به. وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك؛ وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدر ولا منان؛ فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله. واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة؛ ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه؛ واجتنب ما فارق ذلك وخالفه، ودعا إلى سخط الله. واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وينفقون منها. ولا تجمع حراماً، ولا تنفق إسرافاً، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم. وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها؛ وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر، وإعلامك ما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك. وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك؛ فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتاً يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامراته، وما عنده من حوائج عمالك، وأمر كورك ورعيتك، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرر النظر إليه والتدبير له؛ فما كان موافقاً للحزم والحق فأمضه واستخر الله فيه، وما كان مخالفاً لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه، والمسألة عنه. ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا في ذلك. وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله؛ وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضاً ولدينه نظاماً، ولأهله عزاً وتمكيناً؛ وللذمة والملة عدلاً وصلاحاً. وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك؛ حتى يجعلك أفضل مثالك نصيباً، وأسناهم ذكراً، وأمراً، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك وساوسه، حتى يستعلي أمرك بالعز والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب. وذكر أن طاهراً لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه، وتدارسوه وشاع أمره؛ حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه، فقال: ما بقى أبو الطيب شيئاً من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه، وأوصى به وتقدم؛ وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال. وتوجه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته، واتبع أمره وعمل بما عهد إليه. وفي هذه السنة ولى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم الجسرين، وجعله خليفته على ما كان طاهر أبوه استخلفه من الشرط وأعمال بغداد؛ وذلك حين شخص إلى الرقة لحرب نصر بن شبث. وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن؛ وهو والي الحرمين. ثم دخلت سنة سبع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد العلوي باليمن فمن ذلك خروج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضي من آل محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر الخبر عن سبب خروجهوكان السبب في خروجه أن العمال أساءوا السيرة، فبايعوا عبد الرحمن هذا، فلما بلغ ذلك المأمون وجه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيفٍ، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار بن عبد الله الموسم وحج، فلما فرغ من حجه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن، فبعث إليه بأمانه من المأمون؛ فقبل ذلك، ودخل ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمر بأخذه بلبس السواد؛ وذلك يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة. ذكر الخبر عن وفاة طاهر بن الحسين وفي هذه السنة كانت وفاة طاهر بن الحسين. ذكر الخبر عن وفاته: ذكر عن مطهر بن طاهر، أن وفاة ذي اليمينين كانت من حمى وحرارة أصابته، وأنه وجد في فراشه ميتاً. وذكر أن عميه علي بن مصعب وأخاه أحمد بن مصعب، صارا إليه يعودانه، فسألا الخادم عن خبره - وكان يغلس بصلاة الصبح - فقال الخادم: هو نائم لم ينتبه، فانتظراه ساعة، فلما انبسط الفجر، وتأخر عن الحركة في الوقت الذي كان يقوم فيه للصلاة، أنكرا ذلك، وقالا للخادم: أيقظه، فقال الخادم: لست أجسر على ذلك، فقالا له: اطرق لنا لندخل إليه، فدخلا فوجداه ملتفاً في دواج، قد أدخله تحته، وشده عليه من عند رأسه ورجليه، فحركاه فلم يتحرك، فكشفا عن وجهه فوجداه قد مات. ولم يعلما الوقت الذي توفي فيه، ولا وقف أحد من خدمه على وقت وفاته؛ وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف عليه منه؛ فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة، ثم التف في دواجه. قال الخادم: فسمعته يقول بالفارسية كلاماً وهو " درمرك ينزمردي وبذ " ؛ تفسيره أنه يحتاج في الموت أيضاً إلى الرجلة. وذكر عن كلثوم بن ثابت بن أبي سعد - وكان يكنى أبا سعدة - قال: كنت على بريد خراسان، ومجلسي يوم الجمعة في أصل المنبر، فلما كان في سنة سبع ومائتين، بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين، حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، فقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤنة من بغى فيها، وحشد عليها، بلم الشعث، وحقن الدماء، وإصلاح ذات البين. قال: فقلت في نفسي: أنا أول مقتول؛ لأني لا أكتم الخبر؛ فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى، وائتزرت بإزار الموتى، ولبست قميصاً، وارتديت رداء، وطرحت السواد، وكتبت إلى المأمون. قال: فلما صلى العصر دعاني، وحدث به حادث في جفن عينه وفي مأقه، فخر ميتاً. قال: فخرج طلحة بن طاهر، فقال: ردوه ردوه - وقد خرجت فردوني، فقال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم، قال: فاكتب بوفاته، وأعطاني خمسمائة ألف ومائتي ثوب، فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بالجيش. قال: فردت الخريطة على المأمون بخلعه غدوة، فدعا ابن أبي خالد فقال له: اشخص: فأت به - كما زعمت، وضمنت - قال: أبيت ليلتي، قال: لا لعمري لا تبيت إلا على ظهر. فلم يزل يناشده حتى أذن له في المبيت. قال: ووافت الخريطة بموته ليلاً، فدعاه فقال: قد مات، فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، قال: الصواب ما قلت، فاكتب بتوليته. فكتب بذلك، وأقام طلحة والياً على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر، ثم توفي، وولي عبد الله خراسان - وكان يتولى حرب بابك - فأقام بالدينور، ووجه الجيوش، ووردت وفاة طلحة على المأمون؛ فبعث إلى عبد الله يحي بن أكتم يعزيه عن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولي علي بن هشام حرب بابك. وذكر عن العباس أنه قال: شهدت مجلساً للمأمون، وقد أتاه نعي طاهر، فقال: لليدين وللفم! الحمد لله الذي قدمه وأخرنا. وقد ذكر في أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير هذا القول؛ والذي قيل من ذلك، أن طاهراً لما مات - وكان موته في جمادى الأولى - فأعطوا رزق ستة أشهر. فصير المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بن طاهر؛ وذلك أن المأمون ولى عبد الله في قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر كله - وكان مقيماً بالرقة على حرب نصر بن شبث - وجمع له مع ذلك الشأم، وبعث إليه بعهده على خراسان وعمل أبيه؛ فوجه عبد الله أخاه طلحة بخراسان، واستخلف بمدينة السلام إسحاق بن إبراهيم، وكاتب المأمون طلحة باسمه، فوجه المأمون أحمد بن أبي خالد إلى خراسان للقيام بأمر طلحة، فشخص أحمد إلى ما وراء النهر، فافتتح أشروسنة، وأسر كاوس بن خاراخره وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لابن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضاً بألفي ألف، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد بن أبي خالد خمسمائة ألف درهم. وفي هذه السنة غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفيز من الحنطة بالهاروني أربعين درهماً إلى الخمسين بالقفيز الملجم. وفي هذه السنة ولي موسى بن حفص طبرستان والرويان ودنباوند. وحج بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد. ثم دخلت سنة ثمان ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان، ممتنعاً بها ، ومصير أحمد بن خالد إليه حتى أخذه، فقدم به على المأمون، فعفا عنه. وفيها ولي المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومي قضاء عسكر المهدي في المحرم. وفيها استعفى محمد بن سماعة القاضي من القضاء فأعفي، وولي مكانه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وفيها عزل محمد بن عبد الرحمن عن القضاء بعد أن وليه فها في شهر ربيع الأول، ووليه بشر بن الوليد الكندي، فقال بعضهم: يأيها الملك الموحد ربه ... قاضيك بشر بن الوليد حمار ينفي شهادة من يدين بما به ... نطق الكتاب وجاءت الأخبار ويعد عدلاً من يقول بأنه ... شيخ يحيط بجسمه الأقطار ومات موسى بن محمد المخلوع في شعبان، ومات الفضل بن الربيع في ذي القعدة. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد. ثم دخلت سنة تسع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر الظفر بنصر بن شبث فمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث وتضييقه عليه؛ حتى طلب الأمان، فذكر عن جعفر بن محمد العامري أنه قال: قال المأمون لثمامة: ألا تدلني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة،يؤدي عني ما أوجهه به إلى نصر بن شبث؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، رجل من بني عامر يقال له جعفر بن محمد، قال له: أحضرنيه، قال جعفر: فأحضرني ثمامة، فأدخلني عليه، فكلمني بكلام كثير، ثم أمرني أن أبلغه نصر بن شبث. قال: فأتيت نصراً وهو بكفر عزرن بسروج، فأبلغته رسالته، فأذعن وشرط شروطاً، منها ألا يطأ له بساطاً. قال: فأتيت المأمون فأخبرته، فقال: لا أجيبه والله إلى هذا أبداً ،ولو أفضيت إلي بيع قميصي حتى يطأ بساطي؛ وما باله ينفر مني! قال: قلت: لجرمه وما تقدم منه، فقال: أتراه أعظم جرماً عندي من الفضل بن الربيع ومن عيسى بن أبي خالد! أتدري ما صنع بي الفضل! أخذ قوادي وجنودي وسلاحي وجميع ما أوصى به لي أبي، فذهب به إلى محمد وتركني بمرو وحيداً فريداً وأسلمني، وأفسد علي أخي؛ حتى كان من أمره ما كان؛ وكان أشد علي من كل شيء. أتدري ما صنع بي عيسى بن أبي خالد! طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب علي دياري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني، ودعاه باسمي. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قال: تكلم، قلت: الفضل بن الربيع رضيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالكم، وحال سلفكم حاله، ترجع عليه بضروب كلها تردك إليه، وأما عيسى بن أبي خالد فرجل من أهل دولتك، وسابقته وسابقة من مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك؛ وهذا رجل لم تكن له يد قط فيحمل عليها، ولا لمن مضى من سلفه؛ إنما من جند بني أمية. قال: إن كان كذلك كما تقول، فكيف بالحنق والغيظ؛ ولكني لست أقلع عنه حتى يطأ بساطي، قال: فأتيت نصرأ فأخبرته بذلك كله، قال: فصاح بالخيل صيحة فجالت، ثم قال: ويلي عليه؟ هو لم يقو على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعني الزط - يقوى على حلبة العرب! فذكر أن عبد الله بن طاهر لما جاده القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه، وتحول من معسكره إلى الرقة سنة تسع ومائتين، وصار إلى عبد الله بن طاهر، وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك أن هزم عبد الله بن طاهر جيوشه كتاباً يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته، فلم يقبل، فكتب عبد الله إليه - وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بن مسعدة: أما بعد؛ فإنك يا نصر بن شبث قد عرفت الطاعة وعزها وبرد ظلها وطيب مرتعها وما في خلافها من الندم والخسار، وإن طالت مدة الله بك، فإنه إنما يملي لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه لتقع عبره بأهلها على قدر إصرارهم واستحقاقهم. وقد رأيت إذكارك وتبصيرك لما رجوت أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك؛ فإن الصدق صدق والباطل باطل؛ وإنما القول بمخارجه وبأهل الذين يعنون به، ولم يعاملك من عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا أحرص على استنقاذك والانتياش لك من خطائك مني؛ فبأي أول أو آخر أو سطة أو إمرة إقدامك يا نصر على أمير المؤمنين! تؤخذ أمواله، وتتولى دونه ما ولاه الله، وتريد أن تبيت آمناً أو مطمئناً، أو وادعاً أو ساكناً أو هادئاً! فوعالم السر والجهر، لأن لم تكن للطاعة مراجعاً وبها خانعاً، لتستوبلن وخم العاقبة؛ ثم لأبدأن بك قبل كل عمل، فإن قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت في الأرض فتنة وفساداً كبيراً، ولأطأن بمن معي من أنصار الدولة كواهل رعاع أصحابك، ومن تأشب إليك من أداني البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها، ومن انضوى إلى حوزتك من خراب الناس، ومن لفظه بلده، ونفته عشيرته؛ لسوء موضعه فيهم. وقد أعذر من أنذر. والسلام. وكان مقام عبد الله بن طاهر على نصر بن شبث محارباً له - فيما ذكر - خمس سنين حتى طلب الأمان؛ فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيق عليه، وقتل رؤساء من معه، وأنه قد عاذ بالأمان وطلبه، فأمره أن يكتب له كتاب أمان، فكتب إليه، أماناً نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم " أما بعد؛ فإن الإعذار بالحق حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العز؛ ولا يزال المعذر بالحق، المحتج بالعدل في استفتاح أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين؛ حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ويمكن وهو خير الممكنين؛ ولست تعدو أن تكون فيما لهجت به أحد ثلاثة: طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهوراً يطلب الغلبة ظلماً؛ فإن كنت للدين تسعى بما تصنع، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقاً، فلعمري ما همته الكبر، ولا غايته القصوى إلا الميل مع الحق حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال؛ وإن كنت للدنيا تقصد، فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها؛ والأمر الذي تستحقها به؛ فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك. فلعمري ما يستجيز منع خلق ما يستحقه وإن عظم، وإن كنت متهوراً فسيكفي الله أمير المؤمنين مؤنتك. ويعجل ذلك، كما عجل كفايته مؤن قوم سلكوا مثل طريقك كانوا أقوى يداً، وأكثف جنداً. وأكثر جمعاً وعدداً ونصراً منك فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين، وأنزل بهم جوائح الظالمين. وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ وضمانه لك في دينه وذمته الصفح عن سوالف جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة إن أتيت وراجعت؛ إن شاء الله. والسلام. ولما خرج بصر بن شبث إلى عبد الله بن طاهر بالأمان هدم كيسوم وخربها. وفي هذه السنة ولى المأمون صدقة بن علي المعروف بزريق أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك، وانتدب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد بن فرزندي الإسكافي، ثم رجع أحمد بن الجنيد بن فرزندي إلى بغداد، ثم رجع إلى الخرمية، فأسره بابك، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل التجيبي أذربيجان. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن علي، وهو والي مكة. وفيها مات ميخائيل بن جورجس صاحب الروم، وكان ملكه تسع سنين، وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل. ثم دخلت سنة عشر ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك وصول نصر بن شبث فيها إلى بغداد، وجه به عبد الله بن طاهر إلى المأمون، فكان دخوله إليها يوم الاثنين لسبع خلون من صفر، فأنزله مدينة أبي جعفر ووكل به من يحفظه. ذكر الخبر عن ظفر المأمون بابن عائشة ورفقائهوفيها ظهر المأمون على إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، الذي يقال له ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الإفريقي ومالك بن شاهي وفرج البغواري ومن كان معهم ممن كان يسعى في البيعة إبراهيم بن المهدي، وكان الذي أطلعه عليهم وعلى ما كانوا يسعون فيه من ذلك عمران القطربلي؛ فأرسل إليهم المأمون يوم السبت - فيما ذكر - لخمس خلون من صفر سنة عشر ومائتين؛ فأمر المأمون بإبراهيم بن عائشة أن يقام ثلاثة أيام في الشمس على باب دار المأمون، ثم ضربه يوم الثلاثاء بالسياط، ثم حبسه في المطبق، ثم ضرب مالك بن شاهي وأصحابه، وكتبوا للمأمون أسماء من دخل معهم في هذا الأمر من القواد والجند وسائر الناس، فلم يعرض المأمون لأحد ممن كتبوا له؛ ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا أقواماً برآء، وكانوا اتعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث، فغمر بهم فأخذوا، ودخل نصر بن شبث بعد ذلك وحده؛ ولم يوجه إليه أحد من الجند، فأنزل إسحاق بن إبراهيم، ثم حول إلى مدينة أبي جعفر. ذكر خبر الظفر بإبراهيم المهديوفيها أخذ إبراهيم بن المهدي ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر، وهو متنقب مع امرأتين في زي امرأة؛ أخذه حارس أسود ليلاً، فقال: من أنتن؟ وأين تردن في هذا الوقت؟ فأعطاه إبراهيم - فيما ذكر - خاتم ياقوت كان في يده، له قدر عظيم؛ ليخليهن، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استراب بهن، وقال: هذا خاتم رجل له شأن، فرفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن، فتمنع إبراهيم، فجبذه صاحب المسلحة، فبدت لحيته، فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه؛ فذهب به إلى باب المأمون، فأعلم به؛ فأمر بالاحتفاظ به في الدار؛ فلما كان غداة الأحد أقعد في دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقواد والجند، وصيروا المقنعة التي كان متنقباً بها في عنقه، والملحفة التي كان ملتحفاً بها في صدره، ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ. فلما كان يوم الخميس حوله المأمون إلى منزل أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده، ثم أخرجه المأمون معه حيث خرج إلى الحسن بن سهل بواسط، فقال الناس: إن الحسن كلمه فيه، فرضي عنه وخلى سبيله، وصيره عند أحمد بن أبي خالد، وصير معه أحمد بن يحيى بن معاذ وخالد بن يزيد بن مزيد يحفظانه؛ إلا أنه موسع عليه، عنده أمه وعياله، ويركب إلى دار المأمون، وهؤلاء معه يحفظونه. ذكر خبر قتل ابن عائشةوفي هذه السنة قتل المأمون إبراهيم بن عائشة وصلبه. ذكر الخبر عن سبب قتله إياه كان السبب في ذلك أن المأمون حبس ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الإفريقي ورجلين من الشطار، يقال لأحدهما أبو مسمار وللآخر عمار، وفرج البغواري ومالك بن شاهي وجماعة معهم ممن كان سعى في البيعة إبراهيم؛ بعد أن ضربوا بالسياط ما عدا عماراً، فإنه أومن لما كان من إقراره على القوم في المطبق، فرفع بعض أهل المطبق أنهم يريدون أن يشغبوا وينقبوا السجن - وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدوا باب السجن من داخل فلم يدعوا أحداً يدخل عليهم - فلما كان الليل وسمعوا شغبهم، بلغ المأمون خبرهم، فركب إليهم من ساعته بنفسه، فدعا بهؤلاء الأربعة فضرب أعناقهم صبراً، وأسمعه ابن عائشة شتماً قبيحاً؛ فلما كانت الغداة صلبوا على الجسر الأسفل؛ فلما كان من الغداة يوم الأربعاء أنزل إبراهيم بن عائشة، فكفن وصلي عليه، ودفن في مقابر قريش، وأنزل الإفريقي فدفن في مقابر الخيزران وترك الباقون. العفو عن إبراهيم بن المهديوذكر أن إبراهيم بن المهدي لما أخذ صير به إلى دار أبي إسحاق بن الرشيد - وأبو إسحاق عند المأمون - فحمل رديفاً لفرج التركي؛ فلما أدخل على المأمون قال له: هيه يا إبراهيم! فقال: يا أمير المؤمنين، ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه؛ وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك، قال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبر ثم خر ساجداً. وقيل إن إبراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختف؛ فوقع المأمون في حاشية رقعته: " القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفو الله، وهو أكبر ما نسأله " ، فقال إبراهيم بمدح المأمون: يا خير من ذملت يمانية به ... بعد الرسول لآيس ولطامع وأبر من عبد الإله على التقى ... عيناً وأقوله بحقٍ صادع عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع متيقظاً حذراً وما يخشى العدى ... نبهان من وسنات ليل الهاجع ملئت قلوب الناس منك مخافةً ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع بأبي وأمي فديةً وبنيهما ... من كل معضلة وريبٍ واقع ما ألين الكنف الذي بوأتني ... وطناً وأمرع رتعه للراتع للصالحات أخاً جعلت وللتقى ... وأباً رءوفاً للفقير القانع نفسي فداؤك إذ تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلمٍ واسع أملاً لفضلك والفواضل شيمة ... رفعت بناءك بالمحل اليافع فبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو، ولم يشفع إليك بشافع إلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع فرحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وعويل عانسةٍ كقوس النازع وعطفت آصرةً علي كما وعى ... بعد انهياض الوشي عظم الظالع الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من حنيفٍ راكع ما إن عصيتك والغواة تقودني ... أسبابها إلا بنية طالع حتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردى إلى حفر المهالك هائع لم أدر أن لمثل جرمي غافراً ... فوقفت أنظر أي حتفٍ صارعي رد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع أحياك من ولاك أطول مدة ... ورمى عدوك في الوتين بقاطع كم من يد لك لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي أسديتها عفواً إلي هنيهةً ... فشكرت مصطنعاً لأكرم صانع إلا يسيراً عندما وليتني ... وهو الكثير لديغير الضائع إن أنت جدت بها علي تكن لها ... أهلاً، وإن تمنع فأعدل مانع إن الذي قسم الخلافة حازها ... في صلب آدم للإمام السابع جمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة، قال: أقول ما قال يوسف لأخوته: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " . ذكر الخبر عن بناء المأمون ببورانوفي هذه السنة بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان منها ذكر الخبر عن أمر المأمون في ذلك وما كان في أيام بنائه ذكر أن المأمون لما مضى إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن بن سهل، حمل معه إبراهيم بن المهدي، وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء ببوران، راكباً زورقاً، حتى أرسى على باب الحسن؛ وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه على الظهر، فتلقاه الحسن خارجاً عسكره في موضع قد اتخذ له على شاطئ دجلة، بني له فيه جوسق؛ فلما عاينه العباس ثنى رجله لينزل، فحلف عليه الحسن ألا يفعل، فلما ساواه ثنى الحسن رجله لينزل، فقال له العباس: بحق أمير المؤمنين لا تنزل؛ فاعتنقه الحسن وهو راكب. ثم أمر أن يقدم إليه دابته، ودخلا جميعاً منزل الحسن، ووافى المأمون في وقت العشاء، وذلك في شهر رمضان من سنة عشر ومائتين، فأفطر هو والحسن والعباس - ودينار بن عبد الله قائم على رجله - حتى فرغوا من الإفطار، وغسلوا أيديهم، فدعا المأمون بشراب، فأتى بجام ذهب فصب فيه وشرب، ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن، فتباطأ عنه الحسن؛ لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك؛ فغمز دينار بن عبد الله الحسن، فقال الحسن: يا أمير المؤمنين،أشربه بإذنك وأمرك؟ فقال له المأمون: لولا أمري لم أمدد يدي إليك، فأخذ الجام فشربه.فلما كان في الليلة الثانية، جمع بينمحمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذي الرئاستين، فلما كان في الليلة الثالثة دخل على بوران، وعندها حمدونة وأم جعفر وجدتها؛ فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع، وسألها عن عدد ذلك الدر كم هو؟ فقالت: ألف حبة، فأمر بعدها فنقصت عشراً، فقال: من أخذها منكم فليردها، فقالوا: حسين زجلة، فأمره بردها، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنما نثر لنأخذه، قال: ردها فإني أخلفها عليك، فردها. وجمع المأمون ذلك الدر في الآنية كما كان، فوضع في حجرها، وقال: هذه نحلتك، وسلي حوائجك؛ فأمسكت. فقالت لها جدتها: كلمي سيدك، وسليه حوائجك فقد أمرك، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، وسألته الإذن لأم جعفر في الحج، فأذن لها. وألبستها أم جعفر البدنة الأموية؛ وابتنى بها في ليلته، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر؛ فيها أربعون مناً في تور ذهب. فأنكر المأمون ذلك عليهم، وقال: هذا سرف؛ فلما كان من الغد دعا بإبراهيم بن المهدي فجاء يمشي من شاطئ دجلة، عليه مبطنة ملحم، وهو معتم بعمامة، حتى دخل؛ فلما رفع الستر عن المأمون رمى بنفسه، فصاح المأمون: يا عم، لا بأس عليك، فدخل فسلم عليه تسليم الخلافة، وقبل يده، وأنشد شعره، ودعا بالخلع فخلع عليه خلعة ثانية، ودعا له بمركب وقلده سيفاً، وخرج فسلم الناس، ورد إلى موضعه. وذكر أن المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوماً يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج إليه، وأن الحسن خلع على القواد على مراتبهم، وحملهم ووصلهم؛ وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم. قال: وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس، وأقطعه الصلح فحملت إليه على المكان؛ وكانت معدة عند غسان بن عباد، فجلس الحسن ففرقها على قواده وأصحابه وحشمه وخدمه؛ فلما انصرف المأمون شيعه الحسن، ثم رجع إلى فم الصلح. فذكر عن أحمد بن الحسن بن سهل، قال: كان أهلنا يتحدثون أن الحسن بن سهل كتب رقاعاً فيها أسماء ضياعه. ونثرها على القواد وعلى بني هاشم؛ فمن وقعت في يده رقعة منها فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها. وذكر عن أبي الحسن علي بن الحسين بن عبد الأعلى الكاتب، قال: حدثني الحسن بن سهل يوماً بأشياء كانت في أم جعفر، ووصف رجاحة عقلها وفهمها، ثم قال: سألها يوماً المأمون بفم الصلح حيث خرج إلينا عن النفقة على بوران، وسأل حمدونة بنت غضيض عن مقدار ما أنفقت في ذلك الأمر. قال: فقالت حمدونة: أنفقت خمسة وعشرين ألف ألف، قال: فقالت أم جعفر: ما صنعت شيئاً، قد أنفقت ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف درهم. قال: وأعددنا له شمعتين من عنبر، قال: فدخل بها ليلاً، فأوقدتا بين يديه، فكثر دخانهما. فقال: ارفعوهما قد أذانا الدخان، وهاتوا الشمع. قال: ونحلتها أم جعفر في ذلك اليوم الصلح قال: فكان سبب عود الصلح إلى ملكي، وكانت قبل ذلك لي، فدخل علي يوماً حميد الطوسي فأقرأني أربعة أبيات امتدح بها ذا الرياستين. فقلت له: ننفذها لك ذي الرياستين، وأقطعك الصلح في العاجل إلى أن تأتي مكافأتك من قبله، فأقطعه إياها، ثم ردها المأمون على أم جعفر فنحلتها بوران. وروى علي بن الحسين أن الحسن بن سهل كان لا ترفع الستور عنه، ولايرفع الشمع بين يديه حتى تطلع الشمس ويتبينها إذا نظر إليها. وكان متطيراً يحب أن يقال له إذا دخل عليه: انصرفنا من فرح وسرور، ويكره أن يذكر له جنازة أو موت أحد. قال: ودخلت عليه يوماً فقال لي قائل: إن علي بن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتاب، قال: فدعا لي فانصرفت، فوجدت في منزلي عشرين ألف درهم هبة للحسن وكتاباً بعشرين ألف درهم. قال: وكان قد وهب لي من أرضه بالبصرة ما قوم بخمسين ألف دينار، فقبضه عني بغا الكبير، وأضافه إلى أرضه. وذكر عن أبي حسان الزيادي أنه قال: لما صار المأمون إلى الحسن بن سهل، أقام عنده أياماً بعد البناء ببوران، وكان مقامه في مسيره وذهابه ورجوعه أربعين يوماً. ودخل إلى بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال. وذكر عن محمد بن موسى الخوارزمي أنه قال: خرج المأمون نحو الحسن بن سهل إلى فم الصلح لثمان خلون من شهر رمضان، ورحل من فم الصلح لتسع بقين من شوال سنة عشر ومائتين. وهلك حميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة؛ وقالت جاريته عذل: من كان أصبح يوم الفطر مغتبطاً ... فما غبطنا به والله محمود أو كان منتظراً في الفطر سيده ... فإن سيدنا في الترب ملحود وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن طاهر مصر، واستأمن إليه عبيد الله بن السري بن الحكم. ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر وسبب خروج ابن السري إليه في الأمان ذكر أن عبد الله بن طاهر لما فرغ من نصر بن شبث العقيلي، ووجهه إلى المأمون فوصل إليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر؛ فحدثني أحمد بن محمد بن مخلد، أنه كان يومئذ بمصر، وأن عبد الله بن طاهر لما قرب منها، وصار منها على مرحلة، قدم قائداً من قواده إليها ليرتاد لمعسكره موضعاً يعسكرفيه، وقد خندق ابن السري عليها خندقاً، فاتصل الخبر بابن السري عن مصير القائد إلى ما قرب منها، فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذي كان عبد الله بن طاهر وجهه لطلب موضع معسكره؛ فالتقى جيش ابن السري وقائد عبد الله وأصحابه وهم في قلة، فجال القائد وأصحابه جولةً، وأبرد القائد إلى عبد الله بريداً يخبره بخبره وخبر ابن السري، فحمل رجاله على البغال؛ على كل بغل رجلين بآلتهما وأدواتهما، وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السري؛ فلم تكن من عبد الله وأصحابه إلا حملة واحدة حتى انهزم ابن السري وأصحابه، وتساقطت عامة أصحابه - يعني ابن السري - في الخندق، فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض في الخندق كان أكثر ممن قتله الجند بالسيف، وانهزم ابن السري، فدخل الفسطاط، وأغلق على نفسه وأصحابه ومن فيها الباب، وحاصره عبد الله بن طاهر؛ فلم يعاوده ابن السري الحرب بعد ذلك حتى خرج إليه في الأمان. وذكر عن ابن ذي القلمين، قال: بعث ابن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ورد مصر ومانعه من دخولها بألف وصيف ووصيفة؛ مع كل وصيف ألف دينار في كيس حرير، وبعث بهم ليلاً. قال: فرد ذلك عليه عبد الله وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهاراً لقبلتها ليلاً " بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة صاغرين " ، قال: فحينئذ طلب الأمان وخرج إليه. وذكر أحمد بن حفص بن عمر، عن أبي السمراء، قال: خرجنا مع الأمير عبد الله بن طاهر إلى مصر؛ حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق؛ إذا نحن بأعرابي قد اعترض؛ فإذا شيخ فيه بقيه على بعير له أورق، فسلم علينا فرددنا عليه السلام. قال أبو السمراء: وأنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقي وإسحاق بن أبي ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا يومئذ أفره من الأمير دواب ، وأجود منه كساً. قال: فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا، قال " فقال: يا شيخ؛ قد ألححت في النظر، أعرفت شيئاً أم أنكرته؟ قال: لا والله ما عرفتكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتكم لسوء أراه فيكم؛ ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، جيد المعرفة بهم، قال: فأشرت له إلى إسحاق بن أبي ربيعة، فقلت: ما تقول في هذا؟ فقال: أرى كاتباً داهي الكتابة بين ... عليه وتأديب العراق منير له حركات قد يشاهدن أنه ... عليم بتقسيط الخراج بصير ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي، فقال: ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا، بالرجال مكور أخال به جبناً وبخلأ وشيمةً ... تخبر عنه أنه لوزير ثم نظر إلي وأنشأ يقول: وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور إخاله للأشعار والعلم راوياً ... فبغض نديم مرةً وسمير ثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول : وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن له فيمن رأيت نظير عليه رداء من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير لقد عصم الإسلام منه بدابد ... به عاش معرف ومات نكير ألا إنما عبد الإله بن طاهر ... لنا والد بر بنا، وأمير قال: ===========================================ج30. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري فوقع ذلك من عبد الله احسن موقع، وأعجبه ما قاله الشيخ، فأمر له بخمسمائة دينار، وأمره أن يصحبه. وذكر عن الحسن بن يحي الفهري، قال: لقينا البطين الشاعر الحمصي، ونحن مع عبد الله بن طاهر فيما بين سلمية وحمص، فوقف على الطريق، فقال لعبد الله بن طاهر: مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي الجود طاهر بن الحسين مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي الغرتين في الدعوتين مرحباً مرحباً بمن كفه البح ... ر إذا فاض مزبد الرجوين ما يبالي المأمون أيده الل ... ه إذا كنتما له باقيين أنت غرب وذاك شرق مقيماً ... أي فتق أتى من الجانبين وحقيق إذ كنتما في قديم ... لزيق ومصعب وحسين أن تنالا ما نلتماه من المج ... د وأن تعلوا على الثقلين قال: من أنت ثكلتك أمك! قال: أنا البطين الشاعر الحمصي، قال: اركب يا غلام وانظر كم بيتاً؟ قال: قال: سبعة، فأمر له بسبعة آلاف درهم أو بسبعمائة دينار، ثم لم يزل معه حتى دخلوا مصر والإسكندرية، حتى انخسف به وبدايته مخرج، فمات فيه بالإسكندرية. ذكر الخبر عن فتح عبد الله بن طاهر الإسكندريةوفي هذه السنة فتح عبد الله بن طاهر الإسكندرية - وقيل كان فتحه إياها في سنة إحدى عشرة ومائتين - وأجلى من كان تغلب عليها من أهل الأندلس عنها. ذكر الخبر عن أمره وأمرهم حدثني غير واحد من أهل مصر، أن مراكب أقبلت من بحر الروم من قبيل الأندلس، فيها جماعة كبيرة أيا شغل الناس قبلهم بفتنة الحروي وابن السري، حتى أرسلوا مراكبهم بالإسكندرية؛ ورئيسهم يومئذ رجل يدعى أبا حفص؛ فلم يزالوا بها مقيمين حتى قدم عبد الله بن طاهر مصر، قال لي يونس بن الأعلى: قدم علينا من قبل المشرق فتى حدث - يعنى عبد الله بن طاهر - والدنيا عندنا مفتونة، قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناس منهم في البلاء؛ فأصلح الدنيا، وأمن البريء، وأخاف السقيم؛ واستوسقت له الرعية بالطاعة. ثم قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن لهيعة، قال: لا أدري رفعه إلى قبل أم لا! فلم يجد فيما قرأنا من الكتب أن لله بالمشرق جنداً لم يطغ عليه أحد من خلقه إلا بعثهم عليه، وانتقم بهم منه - أو كلاماً هذا معناه - فلما دخل عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر، أرسل إلى من كان بها من الأندلسيين، وإلى من كان انضوى إليهم، يؤذنهم بالحرب إن هم لم يدخلوا في الطاعة، فأخبروني أنهم أجابوه إلى الطاعة، وسألوه الأمان، على أن يرتحلوا من الإسكندرية إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك، وأنهم رحلوا عنها، فنزلوا جزيرة من جزائر البحر؛ يقال لها إقريطش، فاستوطنوها وأقاموا بها، وفيها بقايا أولادهم إلى اليوم. ذكر الخبر عن خروج أهل قم على السلطانوفي هذه السنة خلع أهل قم السلطان ومنعوا الخراج. ذكر الخبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم في ذلك ذكر أن سبب خلعهم إياه كان أنهم كانوا استكثروا ما عليهم من الخراج، وكان خراجهم ألفي درهم، وكان المأمون قد حط عن أهل الري حين دخلها منصرفاً من خراسان إلى العراق، ما قد ذكرت قبل، فطمع أهل قم من المأمون في الفعل بهم في الحط عنهم والتخفيف مثل الذي فعل من ذلك بأهل الري، فرفعوا إليه يسألونه الحط، ويشكون إليه ثقله عليهم؛ فلم يجبهم؛ المأمون إلى ما سألوه، فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام، ثم أمد بعجيف بن عنبسة، وقدم قائد حميد يقال له محمد بن يوسف الكح بعرض من خراسان، فكتب إليه بالمصير إلى قم لحرب أهلها مع علي بن هشام، فحاربهم علي فظفر بهم، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور قم، وجباها سبعة آلاف ألف درهم بعد ما كانوا يتظلمون من ألفي ألف درهم. ومات في هذه السنة شهريار، وهو ابن شروين، وصار في موضعه ابنه سابور، فنازعه مازيار بن قارن فأسره وقتله، وصارت الجبال في يد مازيار بن قارن. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو يومئذ والي مكة ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث أمر عبيد الله بن السري فمن ذلك خروج عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر بالأمان، ودخول عبد الله بن طاهر مصر - وقيل إن ذلك في سنة عشر ومائتين - وذكر بعضهم أن ابن السري خرج إلى عبد الله بن طاهر يوم السبت لخمس بقين من صفر سنة إحدى عشرة ومائتين، وأدخل بغداد لسبع بقين من رجب سنة إحدى عشرة ومائتين، وأنزل مدينة أبي جعفر، وأقام عبد الله بن طاهر بمصر والياً عليها وعلى سائر الشأم والجزيرة؛ فذكر عن طاهر بن خالد بن نزار الغسائي، قال: كتب المأمون إلى عبد الله بن طاهر وهو بمصر حين فتحها في أسفل كتاب له: أخي أنت ومولاي ... ومن أشكر نعماه فما أحببت من أمرٍ ... فإني الدهر أهواه وما تكره من شيء ... فإني لست أرضاه لك الله على ذاك ... لك الله لك الله وذكر عن عطاء صاحب مظالم عبد الله بن طاهر، قال: قال رجل من أخوة المأمون للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وكذا كان أبوه قبله. قال: فدفع ذلك المأمون وأنكره، ثم عاد بمثل هذا القول، فدس إليه رجلاً ثم قال له: امض في هيئة القراء والنساك إلى مصر، فادع جماعةً من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا، واذكر مناقبه وعلمه وفضائله، ثم صر بعد ذلك إلى بعض بطانة عبد الله بن طاهر، ثم ائته فادعه ورغبه في استجابته له، وابحث عن دفين نيته بحثاً شافياً، وائتني بما تسمع منه. قال: ففعل الرجل ما قال له، وأمره به؛ حتى إذا دعا جماعة من الرؤساء والأعلام، فقعد يوما بباب عبد الله بن طاهر، وقد ركب إلى عبيد الله بن السري بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف إليه الرجل، فأخرج من كمه رقعة فدفعها إليه، فأخذها بيده؛ فما هو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ما بينه وبين الأرض غيره، وقد مد رجليه، وخفاه فيهما، فقال له:قد فهمت ما في رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك، قال: ولي أمانك وذمة الله معك؟ قال: لك ذلك، قال: فأظهر له ما أراد، ودعاه إلى القاسم، وأخبره بفضائله وعلمه وزهده، فقال له عبد الله: أتنصفني؟ قال: نعم، قال: هل يجب شكر الله على العباد؟ قال: نعم، قال: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة والتفضل؟ قال: نعم، قال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحالة التي ترى، لي خاتم في المشرق جائز وفي المغرب كذلك؛ وفيما بينهما أمري مطاع، وقولي مقبول ثم ما ألتفت يميني ولا شمالي وورائي وقدامي إلا رأيت نعمة لرجلٍ أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويداً لائحة بيضاء ابتداني بها تفضلاً وكرماً، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان، وتقول: اغدر بمن كان أولا لهذا وآخراً، واسع في إزالة خيط عنقه وسفك دمه! تراك لو دعوتني إلى الجنة عياناً من حيث أعلم؛ أكان الله يحب أن أغدر به، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعته! فسكت الرجل، فقال له عبد الله: أما إنه قد بلغني أمرك وتالله ما أخاف عليك إلا نفسك؛ فارحل عن هذا البلد؛ فإن السلطان لأعظم إن بلغه أمرك - وما آمن ذلك عليك - كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك. فلما أيس الرجل مما عنده جاء إلى المأمون، فأخبره الخبر، فاستبشر وقال: ذلك غرس يدي، وإلف أدبي، وترب تلقيحي، ولم يظهر من ذلك لأحدٍ شيئاً، ولا علم به عبد الله إلابعد موت المأمون. وذكر عن عبد الله بن طاهر أنه قال وهو محاصر بمصر عبيد الله بن السري: بكرت تسبل دمعاً ... أن رأت وشك براحي وتبدلت صقيلاً ... يمنياً بوشاحي وتماديت بسيرٍ ... لغدوٍ ورواح زعمت جهلاً بأني ... تعب غير مراح أقصري عني فإني ... سالك قصدي فلاحي أنا للمأمون عبد ... منه في ظل جناحي إن يعاف الله يوماً ... فقريب مستراحي أو يكن هلك فقولي ... بعويل وصياح: حل في مصر قتيل ... ودعي عنك التلاحي وذكر عن عبد الله بن أحمد بن يوسف أن أباه كتب إلى عبد الله بن طاهر عند خروج عبيد الله بن السري إليه يهنئه بذلك الفتح: بلغني أعز الله الأمير ما فتح الله عليك، وخروج ابن السري إليك؛ فالحمد لله الناصر لدينه المعز لدولة خليفته على عباده، المذل لمن عند عنه وعن حقه، ورغب عن طاعته، ونسأل الله أن يظاهر له النعم، ويفتح له بلدان الشرك، والحمد لله على ما وليك به مذ ظعنت لوجهك؛ فإنا ومن قبلنا نتذاكر سيرك في حربك وسلمك، ونكثر التعجب لما وفقت له من الشدة والليان في مواضعهما، ولا نعلم سائس جندٍ ورعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوك؛ ولقل ما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متكلاً على ما قدمت له أبوته، ومن أوتي حظاً وكفاية وسلطاناً وولاية لم يخلد إلى ما عفا حتى يخل بمساماة ما أمامه. ثم لا نعلم سائساً استحق النجح لحسن السيرة وكف معرة الأتباع استحقاقك. وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدم عليك أحداً يهوى عند الحاقة والنازلة والمعضلة فليهنك منة الله ومزيده، ويسوغك الله هذه النعمة التي حواها لك بالمحافظة على ما به تمت لك؛ من التمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملاك وإيانا العيش ببقائه. وأنت تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قبلنا مكرماً مقدماً معظماً؛ وقد زادك الله في أعين الخاصة والعامة جلالة وبجالة؛ فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويعدونك لأحداثهم ونوائبهم؛ وأرجو أن يوفقك الله لمحابه كما وفق لك صنعه وتوفيقه؛ فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك، ولم تزدد إلا تذللاً وتواضعاً؛ فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك، وأودع فيك. والسلام. وفي هذه السنة قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين مدينة السلام من المغرب، فتلقاه العباس بن المأمون وأبو إسحاق المعتصم وسائر الناس، وقدم معه بالمتغلبين على الشأم كابن السرج وابن أبي الجمل وابن أبي الصفر. ومات موسى بن حفص، فولى محمد بن موسى طبرستان مكان أبيه. وولى حاجب بن صالح الهند فهزمه بشر بن داود، فانحاز إلى كرمان. وفيها أمر المأمون منادياً فنادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس وهو والي مكة. وفيها مات أبو العتاهية الشاعر. ثم دخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من توجيه المأمون محمد بن حميد الطوسي إلى بابك لمحاربته على طريق الموصل وتقويته إياه، فأخذ محمد بن حميد يعلى بن مرة ونظراءه من المتغلبة بأذربيجان، فبعث بهم إلى المأمون. وفيها خلع أحمد بن محمد العمري المعروف بالأحمر العين باليمن. وفيها ولى المأمون محمد بن عبد الحميد المعروف بأبي الرازي اليمن. وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في شهر ربيع الأول منها. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خلع عبد السلام وابن جليس بمصرفي القيسية واليمانية ووثوبهما بها. وفيها مات طلحة بن طاهر بخراسان. وفيها ولى المأمون أخاه أبا إسحاق الشأم ومصر، وولى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم، وأمر لكل واحد منهما ومن عبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف دينار. وقيل: إنه لم يفرق في يوم من المال مثل ذلك. ذكر الخبر عن ولاية غسان بن عباد السندوفيها ولى غسان بن عباد السند. ذكر الخبر عن سبب توليته إياه السند وكان السبب في ذلك - فيما بلغني - أن بشر بن داود بن يزيد خالف المأمون، وجبى الخراج فلم يحمل إلى المأمون شيئاً منه؛ فذكر أن المأمون قال يوماً لأصحابه: أخبروني عن غسان بن عباد؛ فإني أريده لأمر جسيم - وكان قد عزم على أن يوليه السند لما كان من أمر بشر بن داود - فتكلم من حضر، وأطنبوا في مدحه، فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف وهو ساكت، فقال له: ما تقول يا أحمد؟ قال: يا أمير المؤمنين ذاك رجل محاسنه أكثر من مساويه؛ لا تصرف به إلى طبقة إلا انتصف منهم؛ فمهما تخوفت عليه، فإنه لن يأتي أمراً يعتذر منه؛ لأنه قسم أيامه بين أيام الفضل، فجعل لكل خلق نوية، إذا نظرت في أمرهلم تدر أي حالاته أعجب! إما هداه إليه عقله؛ أم إما اكتسبه بالأدب، قال: لقد مدحته على سوء رأيك فيه! قال: لأنه فيما قلت كما قال الشاعر: كفى شكراً بما أسديت أني ... مدحتك في الصديق وفي عدائي قال: فأعجب المأمون كلامه .، واسترجح أدبه. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك مقتل محمد بن حميد الطوسي، قتله بابك بهشتادسر، يوم السبت لخمس ليالٍ بقين من شهر ربيع الأول، ورفض عسكره، وقتل جمعاً كثيراً ممن كان معه. وفيها قتل أبو الرازي باليمن. وفيها قتل عمير بن الوليد الباذغيسي عامل أبي إسحاق بن الرشيد بمصر بالحوف في شهر ربيع الأول، فخرج أبو إسحاق إليها فافتتحها، وظفر بعبد السلام وابن جليس، فقتلهما فضرب المأمون بن الحروري ورده إلى مصر. وفيها خرج بلال الضبابي الشاري، فشخص المأمون إلى العلث، ثم رجع إلى بغداد، فوجه عباساً ابنه في جماعة من القواد، فيهم علي بن هشام وعجيف وهارون بن محمد بن أبي خالد، فقتل هارون بلالاً. وفيها خرج عبد الله بن طاهر إلى الدينور، فبعث المأمون إليه إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم يخيرانه بين خراسان والجبال وأرمينية وأذربيجان، ومحاربة بابك، فاختار خراسان، وشخص إليها. وفيها تحرك جعفر بن داود القمي، فظفر به عزيز مولى عبد الله بن طاهر، وكان هرب من مصر فرد إليها. وفيها ولى علي بن هشام الجبل وقم وإصبهان وأذربيجان. وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد. ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر شخوص المأمون لحرب الروم وفي هذه السنة شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم، وذلك يوم السبت - لثلاث بقين من المحرم - وقيل كان ارتحاله من الشماسية إلى البردان يوم الخميس بعد صلاة الظهر، لست بقين من المحرم سنة خمس عشرة ومائتين - واستخلف حين رحل عن مدينة السلام عليها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولي مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة. فلما صار المأمون بتكريت قدم عليه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله، من المدينة في صفر ليلة الجمعة من هذه السنة، ولقيه بها فأجازه، وأمره أن يدخل بابنته أم الفضل وكان زوجها منه؛ فأدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف التي على شاطئ دجلة، فأقام بها، فلما كان أيام الحج خرج بأهله وعياله حتى أتى مكة، ثم أتى منزله بالمدينة؛ ثم سلك المأمون طريق الموصل؛ حتى صار إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة، ثم خرج منها إلى طرسوس إلى بلاد الروم للنصف من جمادى الأولى. ورحل العباس بن المأمون من ملطية؛ فأقام المأمون على حصن يقال له قرة؛ حتى فتحه عنوة؛ وأمر بهدمه؛ وذلك يوم الأحد لأربع بقين من جمادى الأولى؛ وكان قد افتتح قبل ذلك حصناً يقال له ماجدة؛ فمن على أهلها. وقيل إن المأمون لما أناخ على قرة، فحارب أهلها وطلبوا الأمان، فآمنهم المأمون، فوجه أشناس إلى حصن سندس، فأتاه برئيسه، ووجه عجيفاً وجعفراً الخياط إلى صاحب حصن سنان، فسمع وأطاع. وفي هذه السنة انصرف أبو إسحاق بن الرشيد من مصر. فلقي المأمون قبل دخوله الموصل، ولقيه متويل وعباس ابنه برأس العين. وفيها شخص المأمون بعد خروجه من أرض الروم إلى دمشق. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث عود إلى ذكر غزو المأمون أرض الروم فمن ذلك كر المأمون إلى أرض الروم. ذكر السبب في كره إليها اختلف في ذلك، فقيل: كان السبب فيه ورود الخبر على المأمون بقتل ملك الروم قوماً من أهل طرسوس والمصيصة؛ وذلك - فيما ذكر - ألف وستمائة. فلما بلغه ذلك شخص حتى دخل أرض الروم يوم الاثنين لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، فلم يزل مقيماً فيها إلى النصف من شعبان. وقيل: إن سبب ذلك أن توفيل بن ميخائيل كتب إليه، فبدأ بنفسه، فلما ورد الكتاب عليه لم يقرأه، وخرج إلى أرض الروم، فوافاه رسل توفيل بن ميخائيل لأذنة، ووجه بخمسمائة رجل من أسارى المسلمين إليه؛ فلما دخل المأمون أرض الروم، ونزل على أنطيغوا، فخرج أهلها على صلح وصاروا إلى هرقلة، فخرج أهلها إليه على صلح، ووجه أخاه أبا إسحاق، فافتتح ثلاثين حصناً مطمورة. ووجه يحيى بن أكثم من طوانة، فأغار وقتل وحرق، وأصاب سبياً ورجع إلى العسكر. ثم خرج المأمون إلى كيسوم، فأقام بها يومين أو ثلاثة، ثم ارتحل إلى دمشق. وفي هذه السنة ظهر عبدوس الفهري، فوثب بمن معه على عمال أبي إسحاق، فقتل بعضهم؛ وذلك في شعبان، فشخص المأمون من دمشق يوم الأربعاء لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة إلى مصر. وفيها قدم الأفشين من برقة منصرفاً عنها، فأقام بمصر. وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدءوا بذلك في مسجد المدينة والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بيت من شهر رمضان من هذه السنة، حين قضوا الصلاة، فقاموا قياماً، فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم فعلوا ذلك في كل صلاة مكتوبة. وفيها غضب المأمون على علي بن هشام، فوجه إليه عجيف بن عنبسة وأحمد بن هشام، وأمر بقبض أمواله وسلاحه. وفيها ماتت أم جعفر ببغداد في جمادى الأولى. وفيها قدم غسان بن عباد من السند، وقد استأمن إليه بشر بن داود المهلبي، وأصلح السند، واستعمل عليها عمران بن موسى البرمكي، فقال الشاعر: سيف غسان رونق الحرب فيه ... وسمام الحتوف في ظبتيه فإذا جره إلى بلد السن ... د فألقى المقاد بشر إليه مقسماً لا يعود ما حج لل ... ه مصل وما رمى جمرتيه غادراً يخلع الملوك ويغتا ... ل جنوداً تأوي إلى ذروتيه فرجع غسان إلى المأمون، وهرب جعفر بن داود القمي إلى قم، وخلع بها. وفي هذه السنة كان البرد شديد. وحج بالناس - في قول بعضهم - في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. وفي قول بعضهم: حج بهم في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس؛ وكان المأمون ولاه اليمن، وجعل إليه ولاية كل بلدة يدخلها حتى يدخل إلى اليمن، فخرج من دمشق حتى قدم بغداد، فصلى بالناس بها يوم الفطر، فشخص من بغداد يوم الاثنين لليلةٍ خلت من ذي القعدة، وأقام الحج للناس. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ظفر الأفشين فيها بالبيما؛ وهي من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، قرئ كتاب فتحها لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر. وورد المأمون فيها مصرفي المحرم، فأتى بعبدوس الفهري فضرب عنقه، وانصرف إلى الشام ذكر الخبر عن قتل علي وحسين ابني هشاموفيها قتل المأمون ابني هشام علياً وحسيناً بأذنة في جمادى الأولى. ذكر الخبر عن سبب قتله علياً وكان السبب ذلك، أن المأمون للذي بلغه من سوء سيرته في أهل عمله الذيكان المأمون ولاه - وكان ولاه كور الجبال - وقتله الرجال، وأخذه الأموال؛ فوجه إليه عجيف، فأراد أن يفتك به ويلحق ببابك، فظفر به عجيف، فقدم به على المأمون، فأمر بضرب عنقه فتولى قتله ابن الجليل. وتولى ضرب عنق الحسين محمد بن يوسف ابن أخيه بأذنة، يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ثم بعث رأس علي بن هشام إلى بغداد وخراسان، فطيف به، ثم رد إلى الشام والجزيرة فطيف به كورة كورة، فقدم به دمشق في ذي الحجة، ثم ذهب به إلى مصر، ثم ألقي بعد ذلك في البحر. وذكر أن المأمون لما قتل علي بن هشام، أمر أن يكتب رقعة وتعلق على رأسه ليقرأها؛ فكتب: أما بعد، فإن أمير المؤمنين كان دعا علي بن هشام فيمن دعا من أهل خراسان أيام المخلوع، إلى معاونته والقيام بحقه، وكان فيمن أجاب وأسرع الإجابة، وعاون فأحسن المعاونة. فرعى أمير المؤمنين ذلك له واصطنعه، وهو يظن به تقوى الله وطاعته والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين في عمل إن أسند إليه في حسن السيرة وعفاف الطعمة، وبدأه أمير المؤمنين بالافضال عليه، فولاه الأعمال السنية، ووصله بالصلات الجزيلة التي أمر أمير المؤمنين بالنظر في قدرها، فوجدها اكثر من خمسين ألف ألف درهم، فمد يده إلى الخيانة والتضييع لما استرعاه من الأمانة، فباعده عنه وأقصاه، ثم استقال أمير المؤمنين عثرته فأقاله إياها، وولاه الجبل وأذربيجان وكور أرمينية، ومحاربة أعداء الله الخرمية، على ألا يعود لماكان منه؛ فعاود أكثر ما كان بتقديمه الدينار والدرهم على العمل لله ودينه، وأساء السيرة وعسف الرعية وسفك الدماء المحرمة، فوجه أمير المؤمنين عجيف بن عنفسة مباشراً لأمره، وداعياً إلى تلافي ما كان منه؛ فوثب بعجيف يريد قتله، فقوى الله عجيفاً بنيته الصادقة في طاعة أمير المؤمنين؛ حتى دفعه عن نفسه، واو تم ما أراد بعجيف لكان في ذلك ما لا يستدرك ولا يستقال؛ ولكن الله إذا أراد أمراً كان مفعولأ. فلما أمضى أمير المؤمنين حكم الله في علي بن هشام، رأى ألا يؤاخذ من خلفه بذنبه، فأمر أن يجري لولده ولعياله ولمن اتصل بهم ومن كان يجري عليهم مثل الذي كان جارياً لهم في حياته؛ ولو لا أن علي بن هشام أراد العظمى بعجيف، لكان في عداد من كان في عسكره ممن خالف وخان، كعيسى بن منصور ونظرائه.والسلام: وفي هذه السنة دخل المأمون أرض الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفاً، فاختدعه أهلها وأسروه ؛ فمكث أسيراً في أيديهم ثمانية أيام، ثم أخرجوه، وصار توفيل إلى لؤلؤة ،فأحاط بعجيف، فصرف المأمون الجنود إليه، فارتحل توفيل قبل موافاتهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان. كتاب توفيل إلى المأمون ورد المأمون عليهوفيها كتب توفيل صاحب الروم إلى المأمون يسأله الصلح، وبدأ بنفسه في كتابه، وقدم بالكتاب الفضل وزير توفيل يطلب الصلح، وعرض الفدية. وكانت نسخة كتاب توفيل إلى المأمون: أما بعد ، فإن اجتماع المختلفين على حظهما أولى بهما في الرأي مما عاد بالضرر عليهما؛ ولست حرياً أن تدع الحظ يصل إلى غيرك حظاً تحوزه إلى نفسك، وفي علمك كاف عن إخبارك؛ وقد كنت كتبت إليك داعياً إلى المسالمة، راغباًفي فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كل واحد لكل واحد ولياً وحزبا؛ مع اتصال المرافق والفسح في المتاجر، وفك المستأسر، وأمن الطرق والبيضة؛ فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر، ولا أزخرف لك في القول؛ فغني لخائض إليك غمارها، آخذ عليك أسدادها؛ شان خيلها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدمت المعذرة، وأقمت بيني وبينك علم الحجة. والسلام. فكتب إليه المأمون: أما بعد؛ فقد بلغني كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللين والشدة؛ مما استعطفت به؛ من شرح المتاجر واتصال المرافق، وفك الأسارى، ورفع القتل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من أعمال التؤدة والأخذ بالحظ في تقليب الفكرة، وألا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في استصلاح ما أوثره في معتقبه، لجعلت جواب كتابك خيلاً تحمل رجالاً من أهل البأس والنجدة والبصيرة ينازعونكم عن ثكلكم ويتقربون إلى الله بدمائكم، ويستقلون في ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم، ثم أوصل إليهم من الإمداد، وأبلغ لهم كافياً من العدة والعتاد، هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة من مخوف معرتهم عليكم؛ موعدهم إحدى الحسنيين: عاجل غلبة، أو كريم منقلب؛ غير أني رأيت لأن أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت الله بها عليك الحجة؛ من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية؛ فإن أبيت ففدية توجب ذمة، وتثبت نظرة، وإن تركت ذلك، ففي يقين المعاينة لنعوتنا ما يغني عن الإبلاغ في القول الإغراق في الصفة. والسلام على من اتبع الهدى. وفيها صار المأمون إلى سلغوس. وفيها بعث علي بن عيسى القمي جعفر بن داود القمي فضرب أبو إسحاق بن الرشيد عنقه. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي. ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من شخوص المأمون من سلغوس إلى الرقة، وقتله بها ابن أخت الداري. وفيها أمر بتفريغ الرافقة لينزلها حشمه، فضج من ذلك أهلها فأعفاهم. وفيها وجه المأمون ابنه العباس إلى أرض الروم، وأمره بنزول الطوانة وبنائها، وكان قد وجه الفعلة والفروض، فابتدأ البناء، وبناها ميلاً في ميل، وجعل سورها على ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب، وبنى على كل باب حصناً؛ وكان توجيهه ابنه العباس في ذلك في أول يوم من جمادى. وكتب إلى أخيه أبي إسحاق بن الرشيد؛ إنه قد فرض على جند دمشق وحمص والأردن وفلسطين أربعة آلاف رجل، وأنه يجري على الفارس مائة درهم، وعلى الراجل أربعين درهماً، وفرض على مصر فرضاً، وكتب على أهل بغداد وهم ألفا رجل، وخرج بعضهم حتى وافى طوانة ونزلها مع العباس. ذكر خبر المحنة بالقرآنوفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدثين، وأمر بإشخاص جماعة منهم إليه إلى الرقة؛ وكان ذلك أول كتاب كتب في ذلك، ونسختة كتابه إليه: أما بعد؛ فإن حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل بالحق في رعيتهم والتشمير لطاعة الله فيهم، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته والإقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته. وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق أهل جهالة بالله، وعمىً عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به. ونكوبٍ عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصورٍ أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم عن التفكير والتذكر؛ وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه يخترعه، وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاءً، وللمؤمنين رحمةً وهدىً: " إنا جعلناه قرآناً عربياً " ، فكل ما جعله الله فقد خلقه، وقال: " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور " ، وقال عز وجل: " كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق " ، فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بها وتلا به متقدمها، وقال: " آلر، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " ، وكل محكمٍ مفصل فله محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله؛ فهو خالقه ومبتدعه. ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم، ومكذب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم. ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق والدين والجماعة، وأن من سواهم من أهل الباطل والكفر والفرقة، فاستطالوا بذلك على الناس، وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب، والتخشع لغير الله، والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيء آرائهم، تزيناً بذلك عندهم وتصنعاً للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم، ونغل أديمهم، وفساد نياتهم ويقينهم. وكان ذلك غايتهم التي إليها أجروا، وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، أولئك الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم، " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها " . فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورءوس الضلالة، والمنقوصون من التوحيد حظاً، والمخسوسون من الإيمان نصيباً، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه؛ من أهل دين الله، وأحق من يتهم في صدقه، وتطرح شهادته، لا يوثق بقوله ولا عمله؛ فإنه لا عمل له إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد، ومن عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبتوحيده؛ كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضل سبيلاً. ولعمر أمير المؤمنين إن أحجى الناس بالكذب في قوله، وتخرص الباطل في شهادته، من كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وإن أولاهم برد شهادته في حكم الله ودينه من رد شهادة الله على كتابه، وبهت حق الله بباطله. فاجمع من بحضرتك من القضاة، واقرأ عليم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، فابدأ بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون، في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلده الله، واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه؛ فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة. فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك إثبات شهادة من لم يقر أنه مخلوق محدث ولم يره، والامتناع من توقيعها عنده. واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم؛ والأمر لهم بمثل ذلك؛ ثم أشرف عليهم وتفقد آثارهم حتى لا تنفذ أحكام الله إلا بشهادة أهل البصائر في الدين والإخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك. إن شاء الله. وكتب في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة ومائتين. وكتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة نفر، منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو سليم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين وزهير بن حرب أبو خيثمة، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن الدورقي؛ فأشخصوا إليه، فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً إن القرآن مخلوق، فأشخصهم إلى مدينة السلام وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره، فشهر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث، فأقروا بمثل ما أجابوا به المأمون، فخلى سبيلهم. وكان ما فعل من ذلك إسحاق بن إبراهيم بأمر المأمون. وكتب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد، فإن من حق الله على خلفائه في أرضه، وأمنائه على عباده، الذين ارتضاهم لإقامة دينه، وحملهم رعاية خلقه وإمضاء حكمه وسننه والائتمام بعدله في بريته، أن يجهدوا لله أنفسهم، وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عليه - تبارك اسمه وتعالى - بفضل العلم الذي أودعهم، والمعرفة التي جعلها فيهم، ويهدوا إليه من زاغ عنه، ويردوا من أدبر عن أمره، وينهجوا لرعاياهم سمت نجاحهم، ويقفوهم على حدود إيمانهم وسبيل فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم مغطيات أمورهم ومشتبهاتها عليهم، بما يدفعون الريب عنهم، ويعود بالضياء والبينة على كافتهم، وأن يؤثروا ذلك من إرشادهم وتبصيرهم، إذ كان جامعاً لفنون مصانعهم، ومنتظماً لحظوظ عاجلتهم وآجلتهم، ويتذكروا ما الله مرصد من مساءلتهم عما حملوه، ومجازاتهم بما أسلفوه وقدموا عنده، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده، وحسبه الله وكفى به. ومما بينه أمير المؤمنين برويته، وطالعه بفكره، فتبين عظيم خطره،وجليل ما يرجع في الدين من وكفه وضرره، وما ينال المسلمين بينهم من القول في القرآن الذي جعله الله إماماً لهم، وأثراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم باقياً لهم، واشتباهه على كثير منهم؛ حتى حسن عندهم، وتزين في عقولهم ألا يكون مخلوقاً، فتعرضوا بذلك لدفع خلق الله الذي بان به عن خلقه، وتفرد بجلالته؛ من ابتداع الأشياء كلها بحكمته وإنشائها بقدرته، والتقدم عليها بأوليته التي لا يبلغ أولاها، ولا يدرك مداها؛ وكان كل شيء دونه خلقاً من خلقه، وحدثاً هو المحدث له؛ وإن كان القرآن ناطقاً به ودالاً عليه، وقاطعاً للإختلاف فيه، وضاهوا به قول النصارى في دعائهم في عيسى بن مريم: إنه ليس بمخلوق؛ إذ كان كلمة الله، والله عز وجل يقول: " إنا جعلناه قرآناً عربياً " ، وتأويل ذلك أنا خلقناه كما قال جل جلاله: " وجعل منها زوجها ليسكن إليها " وقال: " وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً " ، " وجعلنا من الماء كل شيء حي " فسوى عز وجل بين القرآن وبين هذه الخلائق التي ذكرها في شية الصنعة، وأخبر أنه جاعله وحده، فقال: " بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ " فدل ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن، ولا يحاط إلا بمخلوق، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " وقال: " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " وقال: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته " وأخبر عن قوم ذمهم بكذبهم أنهم قالوا: " ما أنزل الله على بشر من شيء " ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله: " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى " ، فسمى الله تعالى القرآن وذكراً وإيماناً ونوراً وهدى ومباركاً وعربياً وقصصاً، فقال: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن " ،وقال: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن بمثله. وقال: " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " . وقال: " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " فجعل له أولاً وآخراً، ودل عليه أنه محدود مخلوق وقد عظم هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم، والحرج في أمانتهم، وسهلوا السبيل لعدو الإسلام، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم حتى عرفوا ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التي هي لله وحده، وشبهوه به، والاشتباه أولى بخلقه، وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظاً في الدين، ولا نصيباً من الإيمان واليقين، ولا يرى أن يحل أحداً منهم محل الثقة في أمانة، ولا عدالة ول شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية، ولا تولية لشيء من أمر الرعية، وإن ظهر قصد بعضهم، وعرف بالسداد مسدد فيهم؛ فإن الفروع مردودة إلى أصولها، ومحمولة في الحمد والذم عليها؛ ومن كان جاهلاً بأمر دينه الذي أمر الله به من وحدانيته فهو بما سواه أعظم جهلاً، وعن الرشد في غيره أعمى وأضل سبيلا. فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق القاضي كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك، وانصصها عن علمهما في القرآن، وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق فإن قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك، فتقدم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما بالشهادات على الحقوق، ونصهم عن قولهم في القرآن؛ فمن لم يقل منهم إنه مخلوق أبطلا شهادته، ولم يقطعا حكماً بقوله؛ وإن ثبت عفافه بالقصد والسداد في أمره. وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافاً يزيد الله به ذا البصيرة، ويمنع المرتاب من إغفال دينه، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك. إن شاء الله. قال: فأحضر إسحاق بن إبراهيم لذلك جماعة من الفقهاء والحكام والمحدثين، وأحضر أبا حسان الزيادي وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن أبي مقاتل والفضل بن غانم والذيال بن الهيثم وسجادة والقواريري وأحمد بن حنبل وقتيبة وسعدويه الواسطي وعلي بن الجعد وإسحاق بن أبي إسرائيل وابن الهرش وابن علية الأكبر ويحيى بن عبد الرحمن العمري وشيخ آخر من ولد عمر بن الخطاب - كان قاضي الرقة - وأبا نصر التمار وأبا معمر القطيعي ومحمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن نوح المضروب وابن الفرخان، وجماعة منهم النضر بن شميل وابن علي بن عاصم وأبو العوام البزاز وابن شجاع وعبد الرحمن بن إسحاق؛ فأدخلوا جميعاً على إسحاق، فقرأ عليهم كتاب المأمون هذا مرتين حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: قد عرفت مقالتي لأمير المؤمنين غير مرة؛ قال: فقد تجدد من كاتب أمير المؤمنين ما قد ترى، فقال: أقول: القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء، قال: ما القرآن شيء؟ قال: هو شيء، قال: فمخلوق؟ قال: ليس بخالق، قال: ليس أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك. فأخذ إسحاق بن إبراهيم رقعة كانت بين يديه، فقرأ عليه، ووقفه عليها، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحداً فرداً لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه في معنىً من المعاني، ولا وجه من الوجوه، قال: نعم؛ وقد كنت أضرب الناس على دون هذا، فقال للكاتب: أكتب ما قال. ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول يا علي؟ قال: قد سمعت كلامي لأمير المؤمنين في هذا غير مرة وما عندي غير ما سمع، فامتحنه بالرقعة فأقر بما فيها، ثم قال: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، قال: هو كلام الله؛ وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. فقال للكاتب: اكتب مقالته. ثم قال للذيال نحواً من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال له مثل ذلك. ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت، فقرأ عليه الرقعة ووقفه عليها، فأقر بما فيها، ثم قال: من لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال: القرآن مخلوق هو؟ قال: القرآن كلام الله والله خالق كل شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا وبسببه سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقد قلده الله أمرنا، فصار يقيم حجنا وصلاتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته إمامة،إن أمرنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا. قال: القرآن مخلوق هو؟ فأعاد عليه أبا حسان مقالته، قال: إن هذه مقالة أمير المؤمنين، قال: قد تكون مقال أمير المؤمنين ولا يؤمر بها الناس ولا يدعوهم إليها؛ وإن أخبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول، قلت ما أمرتني به؛ فإنك الثقة المأمون فيما أبلغتني عنه من شيء؛ فإن أبلغتني عنه بشيء صرت إليه، قال: ما أمرني أن أبلغك شيءاً. قال علي بن أبي مقاتل: قد يكون قوله كاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرائض والمواريث، ولم يحملوا الناس عليها، قال له أبو حسان: ما عندي إلا السمع والطاعة، فمرني آتمر، قال: ما أمرني أن آمرك؛ وإنما أن أمتحنك. ثم عاد إلى أحمد بن حنبل فقال له: ما تقول في القرآن؟ قال: هو كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها، فامتحنه بما في الرقعة، فلما أتى على " ليس كمثله شيء " ، قال: " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " وأمسك عن لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني، ولا وجه من الوجوه، فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر، فقال: أصلحك الله! إنه يقول: سميع من أذن بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد بن حنبل: ما معنى قوله: " سميع بصير " ؟ قال: هو كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدري، هو كما وصف نفسه. ثم دعا بهم رجلاً رجلاً، كلهم يقول: القرآن كلام الله، إلا هؤلاء النفر: قتيبة وعبيد الله بن محمد بن الحسن وابن علية الأكبر وابن البكاء وعبد المنعم بن إدريس بن بنت وهب بن منبه والمظفر بن مرجأ، ورجلاً ضريراً ليس من أهل الفقه، ولا يعرف بشيء منه، إلا أنه دس في ذلك الموضع، ورجلاً من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة وابن الأحمر؛ فأما ابن البكاء الأكبر فإنه قال: القرآن مجعول لقول الله تعالى: " إنا جعلناه قرآناً عربيا " والقرآن محدث لقوله: " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " قال له إسحاق: فالمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق، ولكنه مجعول؛ فكتب مقالته. فلما فرغ من امتحان القوم، وكتب مقالاتهم اعترض ابن البكاء الأصغر، فقال: أصلحك الله! إن هذين القاضيين أئمة فلو أمرتهما فأعادوا الكلام! قال له إسحاق: هما ممن يقوم بحجة أمير المؤمنين، فلو أمرتهما أن يسمعانا مقالتهما، لنحكي ذلك عنهما! قال له إسحاق: إن شهدت عندهما بشهادة، فستعلم مقالتهما إن شاء الله. فكتب مقالة القوم رجلاً رجلاً، ووجهت إلى المأمون، فمكث القوم تسعة أيام؛ ثم دعا بهم وقد ورد كتاب المأمون جواب كتاب إسحاق بن إبراهيم في أمرهم، ونسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك جواب كتابه كان إليك فيما ذهب إليه متصنعه أهل القبلة وملتمسو الرئاسة، فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة من القول في القرآن، وأمرك به أمير المؤمنين من امتحانهم، وتكشيف أحوالهم وإحلالهم محالهم. تذكر إحضارك جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحاق عند ورود كتاب أمير المؤمنين مع من أحضرت ممن كان ينسب إلى الفقه، ويعرف بالجلوس للحديث، وينسب نفسه للفتيان بمدينة السلام، وقراءتك عليهم جميعاً كتاب أمير المؤمنين، ومسألتك إياهم عن اعتقادهم في القرآن، وللدلالة لهم على حظهم، وإطباقهم على نفي التشبيه واختلافهم في القرآن، وأمرك من لم يقل منهم إنه مخلوق بالإمساك عن الحديث والفتوى في السر والعلانية، وتقدمك إلى السندي وعباس مولى أمير المؤمنين بما تقدمت به فيهم إلى القاضيين بمثل ما مثل لك أمير المؤمنين من امتحان من يحضر مجالسهما من الشهود، وبث الكتب إلى القضاة في النواحي من عملك بالقدوم عليك، لتحملهم وتمنحهم على ما حده أمير المؤمنين، وتثبيتك في آخر الكتاب أسماء من حضر ومقالاتهم، وفهم أمير المؤمنين ما اقتصصت. وأمير المؤمنين يحمد الله كثيراً كما هو أهله ويسأله أن يصلي على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويرغب إلى الله في التوفيق لطاعته، وحسن المعونة على صالح نيته برحمته. وقد تدبر أمير المؤمنين ما كتبت به من أسماء من سألت عن القرآن، وما رجع إليك فيه كل امرئٍ منهم، وما شرحت من مقالتهم. فأما ما قال المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه، وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق، وأدعى من تركه الكلام في ذلك واستعهاده أمير المؤمنين؛ فقد كذب بشر في ذلك وكفر، وقال الزور والمنكر، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك ولا في غيره عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص، والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، وأعلمه ما أعلمك به أمير المؤمنين من ذلك، وأنصصه عن قوله في القرآن، واستتبه منه؛ فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته؛ إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح، والشرك المحض عند أمير المؤمنين؛ فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك عنه؛ وإن أصر على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه؛ إن شاء الله. وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشراً؛ فإنهكان يقول بقوله. وقد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ؛ فإن قال: إن القرآن مخلوق فأشهر أمره واكشفه؛ وإلا فاضرب عنقه وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه؛ إن شاء الله. وأما علي بن أبي مقاتل، فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم، والمكلم له بمثل ما كلمته به؛ مما لم يذهب عنه ذكره! وأما الذيال بن الهيثم؛ فأعلمه أنه كان في الطعام الذي كان يسرقه في الأنبار وفيما يستولي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العباس ما يشغله؛ وأنه لو كان مقتفياً آثار سلفه، وسالكاً مناهجهم، ومحتذياً سبيلهم لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه. وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبي العوام، وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه، جاهل، وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن فسيحسنه إذا أخذه التأديب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك؛ إن شاء الله. وأما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه؛ فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها، واستدل على جهله وآفته بها. وأما الفضل بن غانم؛ فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة، وما شجر بينه وبين المطلب بن عبد الله في ذلك؛ فإنه من كان شأنه شأنه، وكانت رغبته في الدينار والدرهم رغبته، فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعاً فيهما، وإيثاراً لعاجل نفعهما، وأنه مع ذلك القائل لعلي بن هشام ما قال، والمخالف له فيما خالفه فيه؛ فما الذي حال به عن ذلك ونقله إلى غيره! وأما الزيادي، فأعلمه أنه كان منتحلاً، ولا كأول دعي كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جديراً أن يسلك مسلكه، فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد أو يكون مولى لأحد من الناس؛ وذكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور. وأما المعروف بأبي نصر التمار؛ فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره. وأما الفضل بن الفرخان، فأعلمه أنه حاول بالقول الذي قاله في القرآن أخذ الودائع التي أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره تربصاً بمن استودعه، وطمعاً في الاستكثار لما صار في يده، ولا سبيل عليه عن تقادم عهده وتطاول الأيام به، فقل لعبد الرحمن بن إسحاق: لا جزاك الله خيراً عن تقويتك مثل هذا واتمانك إياه، وهو معتقد للشرك منسلخ من التوحيد. وأما محمد بن حاتم وابن نوح والمعروف بأبي معمر؛ فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ومجاهدتهم إلا لأربائهم، وما نزل به كتاب الله في أمثالهم، لاستحل ذلك، فكيف بهم قد جمعوا مع الإرباء شركاً، وصار للنصارى مثلاً! وأما أحمد بن شجاع؛ فأعلمه أنك صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام؛ وأنه ممن الدينار والدرهم دينه. وأما سعدويه الواسطي، فقل له : قبح الله رجلاً بلغ به التصنع للحديث، والتزين به، الحرص على طلب الرئاسة فيه؛ أن يتمنى وقت المحنة، فيقول بالتقرب بها متى يمتحن، فيجلس للحديث! وأما المعروف بسجادة، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من أهل الحديث وأهل الفقه القول بأن القرآن مخلوق، فأعلمه أنه في شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وألهاه، ثم سله عما كان يوسف بن أبي يوسف ومحمد بن الحسن يقولانه؛ إن كان شاهدهما وجالسهما. وأما القواريري؛ ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات، ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه؛ وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أنه يتولى لجعفر بن عيسى الحسني مسائله، فتقدم إلى جعفر بن عيسى في رفضه،وترك الثقة به والاستنامة إليه. وأما يحيى بن عبد الرحمن العمري؛ فإن كان من ولد عمر بن الخطاب، فجوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم، فإنه لو كان مقتدياً بمن مضى من سلفه، لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه، وإنه بعد صبي يحتاج إلى تعلم. وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته بالقرآن، فحجم عنها ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقر ذميماً، فأنصصه عن إقراره؛ فإن كان مقيماً عليه فأشهر ذلك وأظهره؛ إن شاء الله. ومن لم يرجع عن شركه سميت لأمير المؤمنين في كتابك، وذكره أمير المؤمنين لك، أو أمسك عن ذكره في كتابه هذا؛ ولم يقل إن القرآن مخلوق، بعد بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين، مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم؛ حتى يؤديهم إلى عسكر أمير المؤمنين، ويسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه، لينصهم أمير المؤمنين؛ فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعاً على السيف، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. وقد أنفذ أمير المؤمنين كتابه هذا في خريطة بندارية؛ ولم ينظر به اجتماع الكتب الخرائطية، معجلاً به، تقرباً إلى الله عز وجل بما أصدر من الحكم ورجاء ما اعتمد، وإدراك ما أمل من جزيل ثواب الله عليه؛ فأنفذ لما أتاك من أمير المؤمنين، وعجل إجابة أمير المؤمنين بما يكون منك في خريطة بندارية مفردة عن سائر الخرائط، لتعرف أمير المؤمنين ما يعلمونه إن شاء الله. وكتب سنة ثمان عشرة ومائتين. فأجاب القوم كلهم حين أعاد القول عليهم إلى أن القرآن مخلوق، إلا أربعة نفر؛ منهم أحمد بن حنبل وسجادة والقواريري ومحمد بن نوح المضروب. فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدوا في الحديد؛ فلما كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد، فأعاد عليهم المحنة، فأجابه سجادة إلى أن القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده وخلى سبيله، وأصر الآخرون على قولهم؛ فلما كان من الغد عاودهم أيضاً، فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري إلى أن القرآن مخلوق، فأمر بإطلاق قيده، وخلى سبيله، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، ولم يرجعا، فشدا جميعاً في الحديد، ووجها إلى طرسوس، وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما، وكتب كتاباً مفرداً بتأويل القوم فيما أجابوا إليه فمكثوا أياماً، ثم دعا بهم فإذا كتاب قد ورد من المأمون على إسحاق بن إبراهيم، أن قد فهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه، وذكر سليمان بن يعقوب صاحب الخبر أن بشر بن الوليد تأول الآية التي أنزلها الله تعالى في عمار بن ياسر: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " وقد أخطأ التأويل؛ إنما عنى الله عز وجل بهذه الآية من كان معتقد الإيمان، مظهر الشرك، فأما من كان معتقد الشرك مظهر الإيمان؛ فليس هذه له. فأشخصهم جميعاً إلى طرسوس؛ ليقيموا بها إلى خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم. فأخذ إسحاق بن إبراهيم من القوم الكفلاء ليوافوا العسكر بطرسوس؛ فأشخص أبا حسان وبشر بن الوليد والفضل بن غانم وعلي بن أبي مقاتل والذيال بن الهيثم ويحيى بن عبد الرحمن العمري وعلي بن الجعد وأبا العوام وسجادة والقواريري وابن الحسن بن علي بن عاصم وإسحاق بن أبي إسرائيل والنضر بنشميل وأبا نصر التمار وسعدويه الواسطي ومحمد بن حاتم بن ميمون وأبا معمر وابن الهرش وابن الفرخان وأحمد بن شجاع وأبا هارون بن البكاء. فلما صاروا إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون؛ فأمر بهم عنبسة بن إسحاق - وهو والي الرقة، ثم أشخصهم إلى إسحاق بن إبراهيم بمدينة السلام مع الرسول المتوجه بهم إلى أمير المؤمنين، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم، ثم رخص لهم بعد ذلك في الخروج، فأما بشر بن الوليد والذيال وأبو العوام وعلي بن أبي مقاتل؛ فإنهم شخصوا من غير أن يؤذن لهم حتى قدموا بغداد، فلقوا إسحاق بن إبراهيم في ذلك أذى، وقدم الآخرون مع رسول إسحاق بن إبراهيم؛ فخلى سبيلهم. كتب المأمون إلى عماله ووصيته في كتبهوفي هذه السنة نفذت كتب المأمون إلى عماله في البلدان: من عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد. وقيل إن ذلك لم يكتبه المأمون كذلك؛ وإنما كتب في حال إفاقة من غشية أصابته في مرضه بالبدندون، عن أمر المأمون إلى العباس بن المأمون وإلى إسحاق وعبد الله بن طاهر؛ أنه إن حدث به حدث الموت في مرضه هذا، فالخليفة من بعده أبو إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد. فكتب بذلك محمد بن داود، وختم الكتب وأنفذها. فكتب أبو إسحاق إلى عماله: من أبي إسحاق أخي أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين. فورد كتاب من أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ عامله على جند دمشق يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، عنوانه: من عبد الله عبد الله الإمام المأمون أمير المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبي إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد: أما بعد؛ فإن أمير المؤمنين أمر بالكتاب إليك في التقدم إلى عمالك في حسن السيرة وتخفيف المئونة وكف الأذى عن أهل عمالك، في ذلك أشد التقدمة، واكتب إلى عمال الخراج بمثل ذلك. وكتب إلى جميع عماله في أجناد الشام؛ جند حمص والأردن وفلسطين بمثل ذلك؛ فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من رجب صلى الجمعة إسحاق بن يحيى بن معاذ في مسجد دمشق، فقال في خطبته بعد دعائه لأمير المؤمنين: اللهم أصلح الأمير أخا المؤمنين والخليفة من بعد أمير المؤمنين أبا إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد. ذكر الخبر عن وفاة المأمونوفي هذه السنة توفي المأمون. ذكر الخبر عن سبب المرض الذي كانت فيه وفاته ذكر عن سعيد العلاف القارئ، قال: أرسل المأمون وهو ببلاد الروم - وكان دخلها من طرسوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة - فحملت إليه وهو في البدندون، وأبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه، فأمرني فجلست نحوه منه؛ فإذا هو وأبو إسحاق مدليان أرجلهما في ماء البدندون، فقال: يا سعيد، دل رجليك في هذا الماء وذقه؛ فهل رأيت ماء قط أشد برداً، ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه! ففعلت وقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت مثل هذا قط، قال: أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: رطب الآزاذ؛ فبينا هو يقول هذا إذ سمع وقع لجم البريد فالتفت، فنظر فإذا بغال من بغال البريد، على إعجازها حقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: اذهب فانظر: هل في هذه الألطاف رطب؟ فانظره فإن كان آزاذ فأت به؛ فجاء يسعى بسلتين فيهما رطب آزاذ، كأنما جني من النخل تلك الساعة؛ فأظهر شكراً لله تعالى؛ وكثر تعجبنا منه، فقال: ادن فكل، فأكل هو وأبو إسحاق، وأكلت معهما، وشربنا جميعاً من ذلك الماء؛ فما قام منا أحد إلا وهو محموم؛ فكانت منية المأمون من تلك العلة؛ ولم يزل المعتصم عليلاً حتى دخل العراق، ولم أزل عليلاً حتى كان قريباً. ولما اشتدت بالمأمون علته بعث إلى ابنه العباس، وهو يظن أن لن يأتيه، فأتاه وهو شديد المرض متغير العقل، قد نفذت الكتب بما نفذت له في أمر أبي إسحاق بن الرشيد، فأقام العباس عند أبيه أياماً، وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق. وقيل: لم يوص إلا والعباس حاضر، والقضاة والفقهاء والقواد والكتاب، وكانت وصيته: هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضرة من حضره؛ وأشهدهم جميعاً على نفسه أنه يشهد ومن حضره أن الله عز وجل وحده لا شريك له في مكة، ولا مدبر لأمره غيره، وأنه خالق وما سواه مخلوق، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئاً له مثل؛ ولا شيء مثله تبارك وتعالى، وأن الموت حق، والبعث حق، والحساب حق، وثواب المحسن الجنة وعقاب المسيء النار، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد بلغ عن ربه شرائع دينه، وأدى نصيحته إلى أمته؛ حتى قبضه الله إليه صلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من ملائكته المقربين وأنبيائه والمرسلين، وأني مقر مذنب، أرجو وأخاف؛ إلا أني إذا ذكرت عفو الله رجوت، فإذا أنا مت فوجهوني وغمضوني، وأسبغوا وضوئي وطهوري، وأجيدوا كفني؛ ثم أكثروا حمد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد؛ إذ جعلنا من أمته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم عجلوا بي؛ فإذا أنتم وضعتموني للصلاة؛ فليتقدم بها من هو أقربكم بي نسباً، وأكبركم سناً، فليكبر خمساً، يبدأ في الأولى في أولها بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على سيدي وسيد المرسلين جميعاً، ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات، ثم الدعاء للذين سبقونا بالإيمان، ثم ليكبر الرابعة، فيحمد الله ويهلله ويكبره ويسلم في الخامسة، ثم أقلوني فأبلغوا بي حفرتي، ثم لينزل أقربكم إلي قرابةً، وأودكم محبة، وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضعوني على شقي الأيمن واستقبلوا بي القبلة، وحلوا كفني عن رأسي ورجلي، ثم سدوا للحد باللبن، واحثوا تراباً علي، واخرجوا عني وخلوني وعملي؛ فكلكم لا يغني عني شيئاً، ولا يدفع عني مكروهاً، ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيراً إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شرٍ إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذ من بينكم بما تقولون وما تلفظون به، ولا تدعوا باكية عندي، فإن المعول عليه يعذب. رحم الله امرأ اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء. ثم لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة؛ هل أغنى ذلك عني شيئاً إذ جاء أمر الله! لا والله، ولكن أضعف علي به الحساب، فيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشراً، بل ليته لم يكن خلقاً! يا أبا إسحاق، ادن مني، واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه وعذابه؛ ولا تغتر بالله ومهلته؛ فكأن قد نزل بك الموت. ولا تغفل أمر الرعية. الرعية الرعية! العوام العوام! فإن الملك بهم وبتعهدك المسلمين والمنفعة لهم. الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين! ولا ينهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء،وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم، وقربهم وتأتهم، وعجل الرحلة عني، والقدوم إلى دار ملكك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت. والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، وأكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة؛ فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه، راجياً ثواب الله عليه. واعلم أن العظة إذا طالت أوجبت على السامع لها والموصي بها الحجة؛ فاتق الله في أمرك كله، ولا تفتن. ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتد به الوجع، وأحس بمجيء أمر الله فقال له: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن بحق الله في عباده، ولتؤثرن طاعته على معصيته؛ إذ أنا نقلتها من غيرك إليك؟ قال: اللهم نعم، قال: فانظر من كنت تسمعني أقدامه على لساني فأضعف له التقدمة؛ عبد الله بن طاهر أقره على عمله ولا تهجه، فقد عرفت الذي سلف منكما أيام حياتي وبحضرتي، استعطفه بقلبك، وخصه ببرك، فقد عرفت بلاءه وغناءه عن أخيك. وإسحاق بن إبراهيم فأشركه في ذلك؛ فإنه أهل له. وأهل بيتك، فقد علمت أنه لا بقية فيهم وإن كان بعضهم يظهر الصيانة لنفسه. عبد الوهاب عليك به من بين أهلك، فقدمه عليهم، وصير أمرهم إليه. وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك؛ فإنه موضع لذلك منك، ولا تتخذن بعدي وزيراً تلقي إليه شيئاً؛ فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحة مني، فصرت إلى مفارقته! قالياً له غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيراً! وهؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، وصلاتهم فلا تغفلها في كل سنة عند محلها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى. اتقوا الله ربكم حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. اتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله في أموركم كلها. أستودعكم الله ونفسي وأستغفر الله مما سلف، وأستغفر الله مما كان مني، إنه كان غفاراً، فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي، فعليه توكلت من عظيمها، وإليه أنيب ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد نبي الهدى والرحمة! ذكر الخبر عن وقت وفاته والموضع الذي دفن فيه ومن صلى عليه ومبلغ سنه وقدر مدة خلافته قال أبو جعفر: وأما وقت وفاته، فإنه اختلف فيه، فقال بعضهم: توفي يوم الخميس لاثني عشرة ليلة بقيت من رجب بعد العصر سنة ثمان عشرة ومائتين. وقال آخرون: بل توفي في هذا اليوم مع الظهر، ولما توفي حمله ابنه العباس وأخوه أبو إسحاق محمد بن الرشيد إلى طرسوس، فدفناه في دار كانت لخاقان خادم الرشيد، وصلى عليه أخوه أبو إسحاق المعتصم، ثم وكلوا به حرساً من أهل طرسوس وغيرهم مائة رجل، وأجري على كل رجلٍ منهم تسعون درهماً. وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وذلك سوى سنتين كان دعي له فيهما بمكة وأخوه الأمين محمد بن الرشيد محصور ببغداد. وكان يكنى - فيما ذكر ابن الكلبي - أبا العباس. وكان ربعة أبيض جميلاً، طويل اللحية، وقد وخطه الشيب. وقيل: كان أسمر تعلوه صفرة، أحنى أعين طويل اللحية رقيقها، أشيب، ضيق الجبهة، بخده خال أسود. واستخلف يوم الخميس لخمس ليال بقين من المحرم. ذكر بعض أخبار المأمون وسيره ذكر عن محمد بن الهيثم بن عدي، أن إبراهيم بن عيسى بن بريهة بن المنصور، قال: لما أراد المأمون الشخوص إلى دمشق هيأت له كلاماً، مكثت فيه يومين وبعض آخر، فلما مثلت بين يديه قلت: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، في أدوم العز وأسبغ الكرامة، وجعلني من كل سوء فداه! إن من أمسى وأصبح يتعرف من نعمة الله، له الحمد كثيراً عليه برأي أمير المؤمنين أيده الله فيه، وحسن تأنيسه له، حقيق بأن يستديم هذه النعمة، ويلتمس الزيادة فيها بشكر الله وشكر أمير المؤمنين، مد الله في عمره عليها. وقد أحب أن يعلم أمير المؤمنين أيده الله أني لا أرغب بنفسي عن خدمته أيده الله بشيء من الخفض والدعة؛ إذ كان هو أيده الله يتجشم خشونة السفر ونصب الظعن، وأولى الناس بمواساته في ذلك وبذل نفسه فيه أنا، لما عرفني الله من رأيه، وجعل عندي من طاعته ومعرفة ما أوجب الله من حقه؛ فإن رأى أمير المؤمنين أكرمه الله أن يكرمني بلزوم خدمته، والكينونة معه فعل. فقال لي مبتدئاً من غير تروية: لم يعزم أمير المؤمنين في ذلك على شيء، وإن استصحب أحداً من أهل بيتك بدأ بك؛ وكنت المقدم عنده في ذلك؛ ولا سيما إذ أنزلت نفسك بحيث أنزلك أمير المؤمنين من نفسه؛ وإن ترك ذلك فمن غير قلاً لمكانك؛ ولكن بالحاجة إليك. قال: فكان والله ابتداؤه أكثر من ترويتي. وذكر عن محمد بن علي بن صالح السرخسي، قال: تعرض رجل للمأمون بالشأم مراراً، فقال له: يا أمير المؤمنين، انظر لعرب الشأم كما نظرت لعجم أهل خراسان! فقال: أكثرت علي يا أخا أهل الشأم؛ والله ما أنزلت قيساً عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد؛ وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط؛ وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شارياً، اعزب فعل الله بك! وذكر عن سعيد بن زياد أنه لما دخل على المأمون بدمشق قال له: أرني الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم، قال: فأريته، قال: فقال: إني لأشتهي أن أدري أي شيء هذا الغشاء على هذا الخاتم؟ قال: فقال له أبو إسحاق: حل العقد حتى تدري ما هو، قال: فقال: ما أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد هذا العقد، وما كنت لأحل عقداً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال للواثق: خذ فضعه على عينيك؛ لعل الله يشفيك. قال: وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكي. وذكر عن العيثي صاحب إسحاق بن إبراهيم، أنه قال: كنت مع المأمون بدمشق، وكان قد قل المال عنده حتى ضاق، وشكا ذلك إلى أبي إسحاق المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعه. قال: وكان حمل إليه ثلاثون ألف ألف من خراج ما يتولاه له، قال: فلما ورد عليه ذلك المال، قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، قال: فخرجا حتى أصحرا، ووقفا ينظرانه؛ وكان قد هيئ بأحسن هيئة، وحليت أبا عره، وألبست الأحلاس الموشاة والجلال المصبغة وقلدت العهن، وجعلت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر، وأبديت رءوسها. قال: فنظر المأمون إلى شيء حسن، واستكثر ذلك، فعظم في عينه، واستشرفه الناس ينظرون إليه، ويعجبون منه، فقال المأمون ليحيى: يا أبا محمد، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم، وننصرف بهذه الأموال قد ملكناها دونهم! إنا إذاً للئام. ثم دعا محمد بن يزداد، فقال له: وقع لأل فلان بألف ألف،ولآل فلان بمثلها، ولآل فلان بمثلها. قال: فوالله إن زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلى يعطي جندنا. قال العيشي: فجئت حتى قمت نصب عينيه. فلم أرد طرفي عنها، لا يلحظني إلا رآني بتلك الحال. فقال: يا أبا محمد، وقع لهذا بخمسين ألف درهم من الستة الآلاف ألف؛ لا يختلس ناظري. قال: فلم يأت علي ليلتان حتى أخذت المال. وذكر عن محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان؛ أنه كان بالبصرة رجل من بني تميم، وكان شاعراً ظريفاً خبيثاً منكراً؛ وكنت أنا والي البصرة، آنس به وأستحليه؛ فأردت أن أخدعه وأستنزله، فقلت له: أنت شاعر وأنت ظريف، والمأمون أجود من السحاب الحافل والريح العاصف؛ فما يمنعك منه؟ قال: ما عندي ما يقلني، قلت: فأنا أعطيك نجيباً فارهاً ونفقة سابغة، وتخرج إليه وقد امتدحته؛ فإنك إن حظيت بلقائه، صرت إلى أمنيتك. قال: والله أيها الأمير ما إخالك أبعدت؛ فأعد لي ما ذكرت. قال: فدعوت له بنجيب فاره، فقلت: شأنك به فامتطه؛ قال: هذه إحدى الحسنيين، فما بال الأخرى! فدعوت له بثلثمائة درهم، وقلت: هذه نفقتك؛ قال: أحسبك أيها الأمير قصرت في النفقة، قلت: لا هي كافية، وإن قصرت عن السرف. قال: ومتى رأيت في أكابر سعد سرفاً حتى تراه في أصاغرها! فأخذ النجيب والنفقة، ثم عمل أرجوزة ليست بالطويلة، فأنشد فيها وحذف منها ذكري والثناء علي - وكان مارداً - فقلت له: ما صنعت شيئاً. قال: وكيف؟ قلت: تأتي الخليفة ولا تثني على أميرك! قال: أيها الأمير أردت أن تخدعني فوجدتني خداعاً، ولمثلها ضرب هذا المثل: " من ينك العير ينك نياكاً " ؛ أما والله ما لكرامتي حملتني على نجيبك، ولا جدت لي بمالك الذي ما رامه أحد قط إلا جعل الله خده الأسفل؛ ولكن لأذكرك في شعري وأمدحك عند الخليفة، أفهم هذا. قلت: قد صدقت، فقال: أما إذا أبديت ما في ضميرك، فقد ذكرتك، وأثنيت عليك، فقلت: فأنشدني ما قلت، فأنشدنيه، فقلت: أحسنت؛ ثم ودعني وخرج فأتى الشام؛ وإذا المأمون بسلغوس. قال: بينا أنا في غزاةٍ قرة، قد ركبت نجيبي ذاك، ولبست مقطعاتي، وأنا أروم العسكر؛ فإذا أنا بكهل على بغل فاره ما يقر قراره، ولا يدرك خطاه. قال: فتلقاني مكافحة ومواجهة، وأنا أردد نشيد أرجوزتي، فقال: سلام عليكم - بكلام جهوري ولسان بسيط - فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال: قف إن شئت، فوقفت فتضوعت منه رائحة العنبر والمسك والأذفر، فقال: ما أولك؟ قلت: رجل من مضر، قال: ونحن من مضر، ثم قال: ثم ماذا؟ قلت: رجل من بني تميم، قال: وما بعد تميم؟ قلت: من بني سعد، قال: هيه، فما أقدمك هذا البلد؟ قال: قلت: قصدت هذا الملك الذي ما سمعت بمثله أندى رائحة، ولا أوسع راحة، ولا أطول باعاً، ولا أمد يفاعاً منه. قال: فما الذي قصدته به؟ قلت: شعر طيب يلذ على الأفواه، وتقتفيه الرواة، ويحلو في آذان المستمعين، قال: فأنشدنيه، فغضبت وقلت: يا ركيك، أخبرتك أني قصدت الخليفة بشعر قلته، ومديح حبرته، تقول: أنشدنيه! قال: فتغافل والله عنها، وتطأمن لها، وألغى عن جوابها، قال: وما الذي تأمل منه؟ قلت: إن كان على ما ذكر لي عنه فألف دينار، قال: فأنا أعطيك ألف دينار إن رأيت الشعر جيداً والكلام عذباً وأضع عنك العناء، وطول الترداد؛ ومتى تصل إلى الخليفة وبينك وبينه عشرة آلاف رامحٍ ونابل! قلت: فلي الله عليك أن تفعل! قال: نعم لك الله علي أن أفعل، قلت: ومعك الساعة مال؟ قال: هذا بغلي وهو خير من ألف دينار، أنزل لك عن ظهره، قال: فغضبت أيضاً وعارضني نزق سعد وخفة أحلامها، فقلت: ما يساوي هذا البغل هذا النجيب! قال: فدع عنك البغل، ولك الله علي أن أعطيك الساعة ألف دينار، قال: فأنشدته: مأمون يا ذا المنن الشريفه ... وصاحب المرتبة المنيفه وقائد الكتيبة الكثيفة ... هل لك في أرجوزة ظريفه أظرف من فقه أبي حنيفه ... لا والذي أنت له خليفه ما ظلمت في أرضنا ضعيفه ... أميرنا مؤنته خفيفه وما اجتبى شيئاً سوى الوظيفه ... فالذئب والنعجة في سقيفه واللص والتاجر في قطيفه قال: فوالله ما عدا أن أنشدته، فإذا زهاء عشرة آلاف فارس قد سدوا الأفق، يقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! قال: فأخذني أفكل، ونظر إلي بتلك الحال، فقال: لا بأس عليك أي أخي، قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أتعرف لغات العرب؟ قال: أي لعمرالله، قلت: فمن جعل الكاف منهم مكان القاف؟ قال: هذه حمير، قلت: لعنها الله، ولعن من استعمل هذه اللغة بعد اليوم! فضحك المأمون، وعلم ما أردت، والتفت إلى خادم إلى جانبه، فقال: أعطه ما معك، فأخرج إلي كيساً فيه ثلاثة آلاف دينار، فقال: هاك، ثم قال: السلام عليك؛ ومضى فكان آخر العهد به. وقال أبو سعيد المخزومي: هل رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون شيئاً أو ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرسوس ... مثل ما خلفوا أباه بطوس وقال علي بن عبيدة الريحاني: ما أقل الدموع للمأمون ... لست أرضى إلا دماً من جفوني وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادي أن علي بن صالح حدثه، قال: قال لي المأمون يوماً: أبغني رجلاً من أهل الشام، له أدب يجالسني ويحدثني، فالتمست ذلك فوجدته، فدعوته فقلت له: إني مدخلك على أمير المؤمنين، فلا تسأله عن شيء حتى يبتدئك، فإني أعرف الناس بمسألتهم يا أهل الشأم، فقال: ما كنت متجاوزاً ما أمرتني به. فدخلت على المأمون، فقلت له: قد أصبت الرجل يا أمير المؤمنين، فقال: أدخله، فدخل فسلم، ثم استدناه - وكان المأمون على شغله من الشراب - فقال له: إني أردتك لمجالستي ومحادثتي، فقال الشأمي: يا أمير المؤمنين، إن الجليس إذا كانت ثيابه دون ثياب جليسه دخله لذلك غضاضة، قال: فأمر المأمون أن يخلع عليه؛ قال: فدخلني من ذلك ما الله به أعلم، قال: فلما خلع عليه، ورجع إلى مجلسه، قال: يا أمير المؤمنين؛ إن قلبي إذا كان متعلقاً بعيالي لم تنتفع بمحادثتي، قال: خمسون ألفاً تحمل إلى منزله، ثمقال: يا أمير المؤمنين، وثالثة، قال: وما هي؟ قال: قد دعوت بشيء يحول بين المرء وعقله؛ فإن كانت مني هنة فاغتفرها، قال: وذاك! قال علي: فكأن الثالثة جلت عني ما كان بي. وذكر أبو حشيشة محمد بن علي بن أمية بن عمرو، قال: كنا قدام أمير المؤمنين المأمون بدمشق، فغنى علويه: برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا ولكنهم لما رأوك سريعةً ... إلي، تواصوا بالنميمة واحتالوا فقال: يا علويه، لمن هذا اشعر؟ فقال: للقاضي، قال: أي قاض ويحك! قال: قاضي دمشق، فقال: يا أبا إسحاق، اعزله، قال: قد عزلته، قال: فيحضر الساعة. قال: فأحضر شيخ مخضوب وقصير؛ فقال له المأمون: من تكون؟ قال: فلان بن فلان الفلاني، قال: تقول الشعر؟ قال: قد كنت أقوله. فقال: يا علويه، أنشده الشعر، فأنشده، فقال: هذا الشعر لك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ونساؤه طوالق وكل ما يملك في سبيل الله إن كان قال الشعر منذ ثلاثون سنة إلا في زهد أو معاتبة صديق، فقال: يا أبا إسحق اعزله؛ فما كنت أولي رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام. ثم قال: اسقوه؛ فأتي بقدح فيه شراب، فأخذه وهو يرتعد، فقال: يا أمير المؤمنين ما ذقته قط، قال: فلعلك تريد غيره! قال: لم أذق منه شيئاً قط، قال: فحام هو؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أولى لك! بها نجوت، اخرج. ثم قال: يا علويه، لا تقل: " برئت من الإسلام " ، ولكن قل: حرمت مناي منك إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا قال: وكنا مع المأمون بدمشق، فركب يريد جبل الثلج، فمر ببركة عظيمة من برك بني أمية، فاستحسن المأمون الموضع، فدعا ببزماورد ورطل، وذكر بني أميه، فوضع منهم وتنقصهم؛ فأقبل علويه على العود، واندفع يغني: أولئك قومي بعد عز وثروةٍ ... تفانوا فإلا أذرف العين أكمدا فضرب المأمون الطعام برجله، ووثب وقال لعلويه: يابن الفاعلة، لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلا في هذا الوقت! فقال: مولاكم زرياب عند موالي يركب في مائة غلام؛ وأنا عندكم أموت من الجوع! فغضب عليه عشرين يوماً، ثم رضي عنه. قال: وزرياب مولى المهدي، صار إلى الشأم ثم صار إلى المغرب، إلى بني أمية هناك. وذكر السليطي أبو علي، عن عمارة بن عقيل، قال: أنشدت المأمون قصيدةً فيها مديح له، هي مائة بيت؛ فأبتدئ بصدر البيت فيبادرني إلى قافيته كما قفيته، فقلت: والله يا أمير المؤمنين؛ ما سمعها مني أحد قط، قال: هكذا ينبغي أن يكون؛ ثم أقبل علي، فقال لي: أما بلغك أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن العباس قصيدته التي يقول فيها: تشط غداً دار جيراننا فقال ابن العباس: وللدار بعد غد أبعد حتى أنشده القصيدة، يقفيها ابن عباس! ثم قال: أنا ابن ذاك. وذكر عن أبي مروان كازر بن هارون، أنه قال: قال المأمون: بعثتك مرتاداً ففزت بنظرةٍ ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعداً ... فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى! أرى أثراً منه بعينك بيناً ... لقد أخذت عيناك من عينه حسنا قال أبو مروان: وإنما عول المأمون في قوله في هذا المعنى على قول العباس ابن أحنف، فإنه اخترع: إن تشق عيني بها فقد سعدت ... عين رسولي، وفزت بالخبر وكلما جاءني الرسول لها ... رددت عمداً في طرفه نظري تظهر في وجهه محاسنها ... قد أثرت فيه أحسن الأثر خذ مقلتي يا رسول عاريةً ... فانظر بها واحتكم على بصري قال أبو العتاهية: وجه إلي المأمون يوماً، فصرت إليه، فألفيته مطرقاً مفكراً، فأحجمت عن الدنو منه في تلك الحال؛ فرفع رأسه؛ فنظر إلي وأشار بيده؛ أن ادن، فدنوت ثم أطرق ملياً، ورفع رأسه، فقال: يا أبا إسحاق؛ شأن النفس الملل وحب الاستطراف؛ تأنس بالوحدة كما تأنس بالألفة، قلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا بيت، قال: وما هو؟ قلت: لا يصلح النفس إذ كانت مقسمةً ... إلا التنقل من حالٍ إلى حال وذكر عن أبي نزار الضرير الشاعر أنه قال: قال لي علي بن جبلة: قلت لحميد بن عبد الحميد: يا أبا غانم، قد امتدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض؛ فاذكرني له، فقال: أنشدنيه، فأنشدته، فقال: أشهد أنك صادق؛ فأخذ المديح فأدخله على المأمون، فقال: يا أبا غانم، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثواباً بمديحه؛ وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف القاسم بن عيسى؛ فإن كان الذي قال فيك وفيه أجود من الذي مدحنا به ضربنا ظهره، وأطلنا حبسه،وإن كان الذي قال فينا أجود أعطيته بكل بيت من مديحه ألف درهم، وإن شاء أقلناه. فقلت: يا سيدي، ومن أبو دلف! ومن أنا حتى يمدحنا بأجود من مديحك! فقال: ليس هذا الكلام من الجواب عن المسألة في شيء، فاعرض ذلك على الرجل. قال علي بن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟ قلت: الإقالة أحب إلي، فأخبر المأمون، فقال: هو أعلم، قال حميد: فقلت لعلي بن جبلة: إلى أي شيء ذهب في مدحك أبا دلف وفي مدحك لي؟ قال: إلى قولي في أبي دلف: إنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين مغزاه ومحتضره فإذا ولي أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره وإلى قولي فيك: لولا حميد لم يكن ... حسب يعد ولا نسب يا واحد العرب الذي ... عزت بعزته العرب قال: فأطرق حميد ساعة، ثم قال: يا أبا الحسن، لقد انتقد عليك أمير المؤمنين. وأمر لي بعشرة آلاف درهم وحملان وخلعة وخادم، وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لي العطية، وكان ذلك منهما في ستر لم يعلم به أحد إلى أنحدثتك يا أبا نزار بهذا. قال أبو نزار: وظننت أن المأمون تعقد عليه هذا البيت في أبي دلف: تحدر ماء الجود من صلب آدمٍ ... فأثبته الرحمن في صلب قاسم وذكر عن سليمان بن رزين الخزاعي، ابن أخي دعبل، فقال: هجا دعبل المأمون، فقال: ويسومني المأمون خطة عارفٍ ... أو ما رأى بالأمس رأس محمد يوفي على هام الخلائف مثل ما ... يوف الجبال على رءوس القردد ويحل في أكناف كل ممنعٍ ... حتى يذلل شاهقاً لم يصعد إن التراث مسهد طلابها ... فاكفف لعابك عن لعاب الأسود فقيل للمأمون: إن دعبلاً هجاك، فقال: هو يهجو أبا عباد لا يهجوني. يريد حدة أبي عباد، وكان أبو عباد إذا دخل على المأمون كثيراً ما يضحك المأمون، ويقول له: ما أراد دعبل منك حين يقول: وكأنه من دير هزقل مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقياد وكان المأمون يقول لإبراهيم بن شكلة إذا دخل عليه: لقد أوجعك دعبل حين يقول: إن كان إبراهيم مضطلعاً بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق ولتصلحن من بعد ذاك لزلزلٍ ... ولتصلحن من بعده للمارق أنى يكون ولا يكون ولم يكن ... لينال ذلك فاسق عن فاسق! وذكر محمد بن الهيثم الطائي أن أبا القاسم بن محمد الطيفوري حدثه، قال: شكا اليزيدي إلى المأمون خلة أصابته، وديناً لحقه، فقال: ما عندنا في هذه الأيام ما إن أعطيناكه بلغت به ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الأمر قد ضاق علي، وإن غرمائي قد أرهقوني. قال: فرم لنفسك أمراً تنال به نفعاً فقال: لك منادمون فيهم من إن حركته نلت منه ما أحب، فأطلق لي الحيلة فيهم، قال: فإذا حضروا وحضرت فمر فلاناً الخادم أن يوصل إليك رقعتي؛ فإذا قرأتها، فأرسل إلي: دخولك في هذا الوقت متعذر؛ ولكن اختر لنفسك من أحببت. قال: فلما علم أبو محمد بجلوس المأمون واجتماع ندمائه إليه، وتيقن أنهم قد ثملوا من شربهم، أتى الباب، فدفع إلى ذلك الخادم رقعة قد كتبها، فأوصلها إلى المأمون، فقرأها فإذا فيها: يا خير إخواني وأصحابي ... هذا الطفيلي لدى الباب خبر ان القوم في لذةٍ ... يصبو إليها كل أواب فصيروني واحداً منكم ... أو أخرجوا لي بعض أترابي قال: فقرأها المأمون على من حضره، فقالوا: ما ينبغي أن يدخل هذا الطفيلي على مثل هذه الحال. فأرسل إليه المأمون: دخولك في هذا الوقت متعذر، فاختر لنفسك من أحببت تنادمه، فقال: ما أرى لنفسي اختياراً غير عبد الله بن طاهر، فقال له المأمون: لقد وقع اختياره عليك، فصر إليه، قال: يا أمير المؤمنين، فأكون شريك طفيلي! قال: ما يمكن رد أبي محمد عن أمرين؛ فإن أحببت أن تخرج، وإلا فافتد نفسك، قال: فقال: يا أمير المؤمنين، له علي عشرة آلاف درهم، قال: لا أحسب ذلك يقنعه منك ومن مجالستك، قال: فلم يزل يزيده عشرة عشرة، والمأمون يقول له: لا أرضى له بذلك، حتى بلغ المائة ألف. قال: فقال له المأمون: فعجلها له، قال: فكتب له بها إلى وكيله، ووجه معه رسولاً، فأرسل إليه المأمون: قبض هذه في هذه الحال أصلح لك من منادمته على مثل حاله، وأنفع عاقبة. وذكر عن محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال: أخبرني أبي عن صالح بن الرشيد، قال: دخلت على المأمون، ومعي بيتان للحسين بن الضحاك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحب أن تسمع مني بيتين، قال: أنشدهما، قال: فأنشده صالح: حمدنا الله شكراً إذ حبانا ... بنصرك يا أمير المؤمنينا فأنت خليفة الرحمن حقاً ... جمعت سماحةً وجمعت دينا فاستحسنهما المأمون، وقال: لمن هذان البيتان يا صالح؟ قلت: لعبدك يا أمير المؤمنين الحسين بن الضحاك، قال: قد أحسن، قلت: وله يا أمير المؤمنين ما هو أجود من هذا، قال: وماهو؟ فأنشدته: أيبخل فرد الحسن فرد صفاته ... علي، وقد أفردته بهوىً فرد! رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد وذكر عن عمارة بن عقيل، أنه قال: قال لي عبد الله بن أبي السمط: علمت أن المأمون لا يبصر الشعر، قال: قلت: ومن ذا يكون أعلم منه! فوالله إنك لترانا ننشده أول البيت فيسبقنا إلى آخره، قال: أنشدته بيتاً أجدت فيه، فلم أره تحرك له، قال: قلت: وما الذي أنشدته؟ قال: أنشدته: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل قال: فقلت له: إنك والله ما صنعت شيئاً، وهل زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها، في يدها سبحتها! فمن القائم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها، وهو المطوق بها! هلا قلت فيه كما قال عمك جرير في عبد العزيز بن الوليد: فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله فقال: الآن علمت أني قد أخطأت. وذكر عن محمد بن إبراهيم السياري قال: لما قدم العتابي على المأمون مدينة السلام أذن له، فدخل عليه، وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلي - وكان شيخاً جليلاً - فسلم عليه، فرد السلام، وأدناه وقربه حتى قرب منه، فقبل يده، ثم أمره بالجلوس فجلس، فأقبل عليه يسائله عن حاله، فجعل يجيبه بلسان طلق، فاستطرف المأمون ذلك. فأقبل عليه بالمداعبة والمزاح، فظن الشيخ أنه استخف به، فقال: يا أمير المؤمنين، الإبساس قبل الإيناس قال: فاشتبه على المأمون الإبساس، فنظر إلى إسحاق بن إبراهيم، ثم قال: نعم، يا غلام ألف دينار؛ فأتى بها، ثم صبت بين يدي العتابي، ثم أخذوا في المفاوضة والحديث، وغمز عليه إسحاق بن إبراهيم، فأقبل لا يأخذ العتابي بشيء إلا عارضه إسحاق بأكثر منه، فبقي متعجباً، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إيذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه، قال: نعم، سله، قال: ياشيخ، من أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من الناس، واسمي كل بصل، قال: أما النسبة فمعروفة، وأما الاسم فمنكر، وما كل بصل من الأسماء؟ فقال له إسحاق: ما أقل إنصافك! وما كل ثوم من الأسماء! البصل أطيب من الثوم، فقال العتابي: لله درك! ما أحجك! يا أمير المؤمنين، ما رأيت كالشيخ قط، أتأذن لي في صلته بما وصلني به أمير المؤمنين؛ فقد والله غلبني! فقال المأمون: بل هذا موفر عليك؛ ونأمر له بمثله، فقال له إسحاق: أما إذا أقررت بهذه فتوهمني تجدني، فقال: والله ما أظنك إلا الشيخ الذي يتناهى إلينا خبره في العراق؛ ويعرف بابن الموصلي! قال: أنا حيث ظننت، فأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: وأما إذا اتفقتما على الصلح والمودة، فقوما فانصرفا متنادمين؛ فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده. وذكر عن محمد بن عبد الله بن جشم الربعي أن عمارة بن عقيل قال: قال لي المأمون يوماً وأنا أشرب عنده: ما أخبثك يا أعرابي! قال: قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ وهمتني نفسي، قال: كيف قلت: قالت مفداة لما أن رأت أرقي ... والهم يعتادني من طيفه لمم نهبت مالك في الأدنين آصرةً ... وفي الأباعد حتى حفك العدم فاطلب إليهم ترى ما كنت من حسنٍ ... تسدي إليهم فقد باتت لهم صرم فقلت عذلك قد أكثرت لائمتي ... ولم يمت حاتم هزلاً ولا هرم فقال لي المأمون: أين رميت بنفسك إلى هرم بن سنان سيد العرب وحاتم الطائي! فعلا كذا وفعلا كذا، وأقبل ينثال علي بفضلهما، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا خير منهما، أنا مسلم وكانا كافرين، وأنا رجل من العرب. وذكر عن محمد بن زكرياء بن ميمون الفرغاني، قال: قال المأمون لمحمد بن الجهم: أنشدني ثلاثة أبيات في المديح والهجاء والمراثي؛ ولك بكل بيت كورة، فأنشده في المديح: يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأنشده في الهجاء: قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر وأنشده في المراثي: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر وذكر عن العباس بن أحمد بن أبان بن القاسم الكاتب، قال: أخبرني الحسين بن الضحاك، قال: قال لي علويه: أخبرك أنه مر بي مرة ما أيست من نفسي معه لولا كرم المأمون؛ فإنه دعا بنا؛ فلما أخذ فيه النبيذ؛ قال: غنوني، فسبقني مخارق، فاندفع فغنى صوتاً لابن سريج في شعر جرير: لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس فقلت للركب إذ جد المسير بنا ... يا بعد يبرين من باب الفراديس! قال: فحين لي أن غنيت، وكان قد هم بالخروج إلى دمشق يريد الثغر: الحين ساق إلى دمشق وما ... كانت دمشق لأهلها بلدا فضرب بالقدح الأرض، وقال: ما لك! عليك لعنة الله. ثم قال: يا غلام، أعط مخارقاً ثلاثة آلاف درهم؛ وأخذ بيدي فأقمت وعيناه تدمعان، وهو يقول للمعتصم: هو والله آخر خروج، ولا أحسبني أن أرى العراق أبداً، فكان والله آخر عهده بالعراق عند خروجه كما قال. خلافة أبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيدوفي هذه السنة بويع لأبي إسحاق المعتصم محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بالخلافة؛ وذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين. وذكر أن الناس كانوا قد أشفقوا من منازعة العباس بن المأمون له في الخلافة، فسلموا من ذلك. ذكر أن الجند شغبوا لما بويع لأبي إسحاق بالخلافة، فطلبوا العباس ونادوه باسم الخلافة، فأرسل أبو إسحاق إلى العباس فأحضره، فبايعه ثم خرج إلى الجند، فقال: ما هذا الحب البارد! قد بايعت عمي؛ وسلمت الخلافة إليه؛ فسكن الجند. وفيها أمر المعتصم بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه بطوانة، وحمل ما كان بها من السلاح والآلة وغير ذلك مما قدر على حمله، وأحرق ما لم يقد على حمله؛ وأمر بصرف من كان المأمون أسكن ذلك من الناس إلى بلادهم. وفيها انصرف المعتصم إلى بغداد، ومعه العباس بن المأمون، فقدمها - فيما ذكر يوم السبت مستهل شهر رمضان. وفيها دخل - فيما ذكر - جماعة كثيرة من أهل الجبال من همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجانقذق في دين الخرمية، وتجمعوا، فعسكروا في عمل همذان؛ فوجه المعتصم إليهم عساكر؛ فكان آخر عسكر وجه إليهم عسكر وجهه مع إسحاق بن إبراهيم بم مصعب، وعقد له على الجبال في شوال في هذه السنة، فشخص إليهم في ذي القعدة، وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية، وقتل في عمل همذان ستين ألفاً، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد، وضحى أهل مكة يوم الجمعة، وأهل بغداد يوم السبت. الجزء التاسع بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي فمن ذلك ما كان من ظهور محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم؛ فاجتمع إليه بها ناس كثير؛ وكانت بينه وبين قواد عبد الله بن ظاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها فهزم هو وأصحابه فخرج هارباً يريد بعض كور خراسان، كان أهله كاتبوه؛ فلما صار بنساء وبها والد لبعض من معه، مضى الرجل الذي معه من أهل نسا إلى والده ليسلم عليه، فلما لقي أباه سأله عن الخبر، فأخبره بأمرهم، وانهم يقصدون كورة كذا، فمضى أبو ذلك الرجل إلى عامل نسا، فأخبره بأمر محمد بن القاسم؛ فذكر أن العالم بذل له عشرة آلاف درهم على دلالته عليه فدله عليه، فجاء العامل إلى محمد بن القاسم، فأخذه فاستوثق منه؛ وبعث به إلى عبد الله بن طاهر، فبعث به عبد الله بن طاهر إلى المعتصم فقدم به عليه يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، فحبس - فيما ذكر - بسامراً عند مسرور الخادم الكبير في محبس ضيق، يكون قدر ثلاث أذرع في ذراعين فمكث فيه ثلاثة أيام، ثم حول إلى موضع أوسع من ذلك، وأجرى عليه طعام، ووكل به قوم يحفظونه، فلما كان ليلة الفطر، واشتغل الناس بالعيد والتهنئة احتال للخروج، وذكر أنه هرب من الحبس بالليل، دلى إليه حبل من كوةٍ كانت في أعلى البيت، يدخل عليها منها الضوء؛ فلما أصبحوا أتوا بالطعام للغداء افتقد فذكر أنه جعل لمن دل عليه مائة ألف درهم وصاح بذلك الصائح، فلم يعرف له خبر. وفي هذه السنة قدم إسحاق بن إبراهيم بغداد من الجبل، يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى، ومعه الأسرى من الخرمية والمستأمنة وقيل: إن إسحاق بن إبراهيم قتل منهم في محابته إياهم نحواً من مائة ألف سوى النساء والصبيان. ذكر الخبر عن محاربة الزط وفي هذه السنة وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة منها لحرب الزط الذين كانوا قد عاثوا في طريق البصرة فقطعوا فيه الطريق، واحتملوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة، وأخافوا السبيل، ورتب الخيل في كل سكة من سكك البرد تركض بالأخبار، فكان الخبر يخرج من عند عجيف، فيصل إلى المعتصم من يومه؛ وكان الذي يتولى النفقة على عجيف من قبل المعتصم محمد بن منصور كاتب إبراهيم بن البختري؛ فلما صار عجيف إلى واسط، ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها الصافية في خمسة آلاف رجل، وصار عجيف إلى نهر يحمل من دجلة يقال له بردوداً؛ فلم يزل مقيماً عليه حتى سده. وقيل إن عجيفاً نما ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها نجيداً، ووجه هارون بن نعيم ابن الوضاح القائد الخراساني إلى موضع يقال له الصافية في خمسة آلاف رجل؛ ومضى عجيف في خمسة آلاف بردوداً فأقام عليه حتى سده وسد أنهاراً أخر كانوا يدخلون منها ويخرجون ، فحصرهم من كل وجه؛ وكان من الأنهار التي سدها عجيف، نهر يقال له العروس؛ فلما أخذ عليهم طرقهم حاربهم، وأسر منهم خمسمائة رجل، وقتل منهم في المعركة ثلثمائة رجل، فضرب أعناق الأسرى وبعث برءوس جميعهم إلى باب المعتصم؛ ثم أقام عجيف بازاء الزط خمسة عشر يوماً، فظفر منهم بخلق كثير. وكان رئيس الزط رجلاً يقال له محمد بن عثمان؛ وكان صاحب أمره والقائم بالحرب سملق، ومكث عجيف يقاتلهم - فيما قيل - تسعة أشهر. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد. ثم دخلت سنة عشرين ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث ذكر ظفر عجيف بالزط فمن ذلك ما كان من دخول عجيف بالزط بغداد، وقهره إياهم حتى طلبوا منه الأمان فآمنهم، فخرجوا إليه في ذي الحجة سنة تسع عشرة ومائتين على أنهم آمنون على دمائهم وأموالهم؛ وكانت عدتهم - فيما ذكر - سبعة وعشرين ألفاً؛ المقاتلة منهم اثنا عشر ألفاً؛ وأحصاهم عجيف سبعة وعشين ألف إنسان؛ بين رجل وامرأة وصبي، ثم جعلهم في السفن، وأقبل بهم حتى نزل الزعفرانية، فأعطى أصحابه دينارين دينارين جائزة، وأقام بها يوماً، ثم عبأهم في زوايقهم على هيئتهم في الحرب؛ معهم البوقات، حتى دخل بهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومائتين والمعتصم بالشماسية في سفينة يقال لها الزّو، حتى مّر به الزط على تعبئتهم ينفخون بالبوقات؛ فكان أولهم بالقفص وآخرهم بحذاء الشماسية، وأقاموا في سفنهم ثلاثة أيام، ثم عبر بهم إلى الجانب الشرقي؛ فدفعوا إلى بشر بن السميدع، فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة، فأغارت عليهم الرّوم؛ فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد، فقال شاعرهم: يا أهل بغداد موتوا دام غيظكم ... شوقاً إلى تمر برني وشهريز نحن الذين ضربناكم مجاهرةً ... قسراً وسقناكم سوق المعاجيز لم تشكروا الله نعماه التي سلفت ... ولم تحوطوا أياديه بتعزيز فاستنصروا العبد من أبناء دولتكم ... من يا زمان ومن بلج ومن توز ومن شناس وأفشين ومن فرجٍ ... المعلمين بديباجٍ وإبريز واللابسي كميخار الصين قد خرطت ... أردانه درز برواز الدخاريز والحاملين الشكى نيطت علائقها ... إلى مناطق خاصٍ غير مخرور يفرى ببيضٍ من الهندي هامهم ... بنو بهلة في أبناء فيروز فوارسٌ خيلها دهم مودعةٌ ... على الخراطيم منها والفراريز مسخرات لها في الماء أجنحةٌ ... كالآبنوس إذا استحضرن والشيز متى تروموا لنا في غمر لجتنا ... حذراً نصيدكم صيد المعافيز أو اختطافاً وإزهاقاً كما اختطفت ... طير الدّحال حثاثاً بالمناقير ليس الجلاد جلاد الزط فاعترفوا ... أكل الثريد ولا شرب القواقيز نحن الذين سقينا الحرب درتها ... ونقنقنا مقاساة الكواليز لنسفعنكم سفعاً يذل له ... رب السّرير ويشجى صاحب التّيز فابكوا على التمر أبكى الله أعينكم ... في كل أضحى، وفي فطر ونيروز ذكر خبر مسير الأفشين لحرب بابك وفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين خيذر بن كاوس على الجبال، ووجه به لحرب بابك؛ وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة؛ فعسكر بمصلى بغداد، ثم صار إلى برزند. ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجهذكر ان ظهور بابك كان في سنة إحدى ومائتين، وكانت قريته ومدينته البذّ؛ وهزم من جيوش السلطان، وقتل من قواده جماعة؛ فلما أفضى الأمر إلى المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي خربها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل؛ فتوجه أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون التي خربها بابك، ووجه بابك سرية له في بعض غاراته، وصيّر أميرهم رجلاً يقال له معاوية؛ فخرج فأغار على بعض النواحي، ورجع منصرفاً؛ فبلغ ذلك أبا سعيد محمد بن يوسف، فجمع الناس وخرج إليه يعترض في بعض الطريق، فواقعه، فقتل من أصحابه جماعة، وأسر منهم جماعة، واستنفذ ما كان حواه؛ فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك. ووجه أبو سعيد الرءوس والأسرى إلى المعتصم بالله. ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث؛ وذلك أن محمد بن البعيث كان في قلعة له حصينة تسمى شاهي؛ كان ابن البعيث أخذها من الوجناء بن الرّواد، عرضها نحو من فرسخين، وهي من كورة أذربيجان، وله حصن آخر في بلاد أذربيجان يسمى تبريز، وشاهى أمنعهما؛ وكان ابن البعيث مصالحاً لبابك، إذا توجهت سراياه نزلت به. فأضافهم، وأحسن إليهم حتى أنسوا به، وصارت لهم عادة. ثم إنّ بابك وجه رجلاً من أصحابه يقال له عصمة من أصبهبذته في سرية، فنزل بابن البعيث، فأنزل إليه ابن البعيث على العادة الجارية الغنم والأنزال وغير ذلك، وبعث إلى عصمة أن يصعد إليه في خاصته ووجوه أصحابه، فصعد فغذّاهم وسقاهم حتى أسكرهم، ثم وثب على عصمة فاستوثق منه، وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمي رجلاً رجلاً من أصحابه باسمه؛ فكان يدعي بالرجل باسمه فيصعد، ثم يأمر به فيضرب عنقه؛ حتى علموا بذلك؛ فهربوا. ووجّه ابن البعيث بعصمة إلى المعتصم - وكان البعيث أبو محمد صعلوكاً من صعاليك ابن الرّواد - فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها؛ ثم لم يزل عصمة محبوساً إلى أيام الواثق. ولما صار الأفشين إلى برزند عسكر بها، ورمّ الحصون فيما بين برزند وأردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال له خشّ، فاحتفر فيه خندقاً، وأنزل الهيثم الغنويّ القائد من أهل الجزيرة في رستاق يقال له أرشق، فرمّ حصنه، وحفر حوله خندقاً، وأنزل علّويه الأعور من قوّاد الأبناء في حصن ممّا يلي أردبيل يسمّى حصن النهر؛ فكانت السابلة والقوافل تخرج من أردبيل معها من يبذرقها حتى تصل إلى حصن النّهر، ثم يبذرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنويّ، ويخرج هيثم فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه إلى أصحاب حصن النّهر، ويبذرق من جاء من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر في منتصف الطريق، فيسلّم صاحب حصن النهر من معه إلى هيثم، ويسلّم هيثم من معه إلى صاحب حصن النهر؛ فيسير هذا مع هؤلاء؛ وهذا مع هؤلاء. وإن سبق أحدهما صاحبه إلى الموضع لم يجزه حتى يجيء الآخر؛ فيدفع كلّ واحد منهما من معه إلى صاحبه ليبذرقهم؛ هذا إلى أردبيل، وهذا إلى عسكر الأفشين، ثم يبذرق الهيثم الغنويّ من كان معه إلى أصحاب أبي سعيد؛ وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق، معهم قوم، فيدفع أبو سعيد وأصحابه من معهم إلى الهيثم، ويدفع الهيثم من معه إلى أصحاب أبي سعيد، فيصير أبو سعيد وأصحابه بمن في القافلة إلى خش، وينصرف الهيثم وأصحابه بمن صار في أيديهم إلى أرشق حتى يصيروا به من غد، فيدفعوهم إلى علويه الأعور وأصحابه ليوصلوهم إلى حيث يريدون، ويصير أبو سعيد ومن معه إلى خش، ثم إلى عسكر الأفشين، فتلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيقبض منه من في القافلة، فيؤديهم إلى عسكر الأفشين، فلم يزل الأمر جارياً على هذا؛ وكلما صار إلى أبي سعيد أو إلى أحد من المسالح أحد من الجواسيس وجهوا به إلى الأفشين؛ فكان الأفشين لا يقتل الجواسيس ولا يضربهم؛ ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم فيضعفه لهم، ويقول للجاسوس: كن جاسوساً لنا. ذكر خبر وقعة الأفشين مع بابك بأرشق وفيها كانت وقعة بين بابك وأفشين بأرشق، قتل فيها الأفشين من أصحاب بابك خلقاً كثيراً؛ قيل أكثر من ألف، وهرب بابك إلى موقان، ثم شخص منها إلى مدينته التي تدعى البذ ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الأفشين وبابك ذك أن سبب ذلك أن المعتصم وجه مع بغا الكبير بمالٍ إلى الأفشين عطاءً لجنده وللنفقات، فقدم بغا بذلك المال إلى أردبيل، فلما نزل أردبيل بلغ بابك وأصحابه خبره، فتهيأ بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الأفشين، فقدم صالح الجاسوس على الأفشين، فأخبره أن بغا الكبير قد قدم بمال وأن بابك وأصحابه تهيئوا ليقتطعوه قبل وصوله إليك. وقيل: كان مجئ صالح إلى أبي سعيد، فوجه به أبو سعيد إلى الأفشين وهيأ بابك كميناً في مواضع، فكتب الأفشين إلى أبي سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك، فمضى أبو سعيد متنكراً هو وجماعة من أصحابه، حتى نظروا إلى النيران والوقود في المواضع التي وصفها لهم صالح، فكتب الأفشين إلى بغا؛ أن يقيم بأردبيل حتى يأتيه رأيه، وكتب أبو سعيد إلى الأفشين بصحة خبر صالح، فوعد الأفشين صالحاً وأحسن إليه. ثم كتب الأفشين إلى بغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويشد المال على الإبل ويقطرها، ويسير متوجهاً من أردبيل؛ كأنه بيد برزند؛ فإذا صار إلى مسلحة النهر، أو سار شبيهاً بفرسخين، احتبس القطار حتى يجوز من صحب المال إلى برزند؛ فإذا جازت القافلة رجع بالمال إلى أردبيل. ففعل ذلك بغا، وسارت القافلة حتى نزلت النهر، وانصرفت جواسيس بابك إليه يعلمونه أن المال قد حمل، وعاينوه محمولاً حتى صار إلى النهر، ورجع بغا بالمال إلى أردبيل، وركب الأفشين في اليوم الذي وعد فيه بغا عند العصر من برزند، فوافى خش مع غروب الشمس، فنزل معسكراً خارج خندق أبي سعيد؛ فلما أصبح ركب في سرّ؛ لم يضرب طبلاً ولا نشر علماً، وأمر أن يلف الأعلام، وأم بالناس بالسكوت ، وجد في السير، ورحلت القافلة التي كانت توجهت في ذلك اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوي، ورحل الأفشين من خش يريد ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق، ولم يعلم الهيثم " بمن كان معه " فرحل بمن كان معه من القافلة يريد بها النهر وتعبأ بابك في خيله ورجاله وعساكره، وصار على طريق النهر، وهو يظن أن المال موافيه، وخرج صاحب النهر ببذرق من قبله إلى الهيثم، فخرجت عليه خيل بابك؛ وهم لا يشكون أن المال معه؛ فقاتلهم صاحب النهر، فقتلوه وقتلوا من كان معه من الجند والسابلة، وأخذوا جميع ما كان معهم من المتاع وغيره، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمه، وأخذوا لباس أهل النهر ودراريعهم وطراداتهم وخفاتينهم فلبسوها، وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معه أيضاً، ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاءوا كأنهم أصحاب النهر، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذي كان يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غير موضع صاحب النهر، وجاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكر ما رأى فوجه ابن عم له، فقال له: اذهب إلى هذا البغيض، فقل له: لأي شيء وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم، فلما رأى القوم أنكرهم لما دنا منهم، فرجع إلى الهيثم، فقال له: إن هؤلاء القوم لست أعرفهم، فقال له الهيثم: أخزاك الله! ما أجبنك! ووجه خمسة فرسان من قبله، فلما جاءوا وقربوا من بابك، خرج من الخرمية رجلان فتلقوهما وأنكروهما، وأعلموهما أنهم قد عرفوهما، ورجعوا إلى الهيثم ركضاً، فقالوا: إن الكافر قد قتل علويه وأصحابه، وأخذوا أعلامهم ولباسهم، فحل هيثم منصرفاً، فأتى القافلة التي جاء بها معه، وأمرهم أن يركضوا ويرجعوا، لئلا يؤخذوا، ووقف هوم في أصحابه، يسير بهم قليلاً قليلاً، ويقف بهم قليلاً، ليشغل الخرمية عن القافلة، وصار شبيهاً بالحامية لهم؛ حتى وصلت القافلة إلى الحصن الذي يكو فيه الهيثم - وهو أرشق - وقال لأصحابه: من يذهب منكم إلى الأمير وإلى أبي سعيد فيعلمهما به وله عشرة آلاف درهم ومن فرس بدل فرسه إن نفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه؟ فتوجه رجلان من أصحابه على فرسين فارهين يركضان، ودخل الهيثم الحصن، وخرج بابك فيمن معه؛ فنزل بالحصن، ووضع له كرسي وجلس على شرف بحيال الحصن، وأرسل إلى الهيثم: خل عن الحصن وانصرف حتى أهدمه فأبى الهيثم وحاربه. وكان مع الهيثم في الحصن سمائة راجل وأربعمائة فارس، وله خندق حصين. فقاتله، وقعد بابك فيمن معه، ووضع الخمر بين يريد ليشربها، والحرب مشتبكة كعادته، ولقى الفارسان الأفشين على أقل من فرسخ من أرشق، فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدمته: أرى فارسين يركضان ركضاً شديداً، ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الأعلام واركضوا نحو الفارسين: ففعل أصحابه ذلك، وأسرعوا السير، وقال لهم: صيحوا بهما: لبيك لبيك! فلم يزل الناس في طلق واحد متراكضين، يكسر بعضهم بعضاً حتى لحقوا بابك، وهو جالس، فلم يتدارك أن يتحول ويركب حتى وافته الخيل والناس، واشتنبكت الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير، ودخل موقان، وقد تفطع عنه أصحابه، وأقام الأفشين في ذلك الموضع، وبات ليلته، ثم رجع إلى معسكره ببرزند، فأقام بابك بموقان أياماً. ثم إنه بعث إلى البذ، فجاءه في الليل عسكر فيه رجالة، فرحل بهم من موقان حتى دخل البذ، فلم يزل الأفشين معسكراً ببرزند، فلما دخل من كان في بعض الأيام مرت به قافلة من خش إلى برزند، ومعها رجل من قبل أبي سعيد يسمى صالح آب كش - تفسيره السقاء - فخرج عليه أصبهبذ بابك، فأخذ القافلة، وقتل من فيها، وقتل من كان مع صالح، وأفلت صالح بلا خف منه من أفلت، وقتل جميع أهل القافلة، وانتهت متاعهم، فقحط عسكر الأفشين من أجل تلك القافلة التي أخذت من الآب كش؛ وذلك أنها كانت تحمل الميرة، فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمره بحمل الميرة وتعجيلها عليه؛ فإن الناس قد قحطوا وجاعوا فوجه إليه صاحب المراغة بقافلة ضخمة، فيها قريب من ألف ثور سوى الحم والدواب وغير ذلك، تحمل الميرة، ومعها جند يبذرقونها، فخرجت عليهم أيضاً سرية لبابك، كان عليها طرخان - أو آذين - فاستباحوها عن آخرها بجميع ما فيها، وأصاب الناس ضيق شديد؛ فكتب الأفشين إلى صاحب السيروان أن يحمل إليه طعاماً، فحمل إليه طعاماً كثيراً، وأغاث الناس في تلك السنة، وقد بغا على الأفشين بمال ورجال. ذكر الخبر عن خروج المعتصم إلى القاطول وفي هذه السنة خرج المعتصم إلى القاطول، وذلك في ذي القعدة منها. ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها ذكر عن أبي الوزير أحمد بن خالد، أنه قال: بعثني المعتصم في سنة تسع عشرة ومائتين، وقال لي: يا أحمد، اشتر لي بناحية سامراً موضعاً أبني فيه مدينة؛ فإني أتخوف أن يصيح هؤلاء الخرمية صيحة، فيقتلوا غلماني؛ حتى أكون فوقهم، فإن رابني منهم ريب أتيتهم في البر والبحر؛ حتى آتى عليهم. وقال لي: خذ مائة ألف دينار، قال: قلت: آخذ خمسة آلاف دينار، فكلما احتجت إلى زيادة بعثت إليك فاستزدت؟ قال: نعم؛ فأتيت الموضع، فاشتريت سامراً بخمسمائة درهم من النصارى أصحاب الدير، واشتريت موضع البستان الخاقاني بخمسة آلاف درهم، اشتريت عدة مواضع حتى أحكمت ما أردت، ثم انحدرت فأتيته بالصكاك، فعزم على الخروج إليها في سنة عشرين ومائتين، فخرج حتى إذا قارب القاطول، ضربت له فيه القباب والمضارب، وضرب الناس الأخبية؛ ثم لم يزل يتقدم، وتضرب له القباب حتى وضع البناء بسامراً في سنة إحدى وعشرين ومائتين. فذكر عن أبي الحسن بن أبي عباد الكاتب، أن مسروراً الخادم الكبير، قال: سألني المعتصم: أين كان الرشيد يتنزه إذا ضجر من المقام ببغداد؟ قال: قلت له: بالقاطول؛ وقد كان بني هناك مدينة آثارها وسورها قائم؛ وقد كان خاف من الجند ما خاف المعتصم، فلما وثب أهل الشام بالشآم وعصوا، خرج الرشيد إلى الرقة فأقام بها، وبقيت مدينة القاطول لم تستمر، ولما خرج المعتصم إلى القاطول استخلف ببغداد ابنه هارون الواثق وقد حدثني جعفر بن محمد بن بوازة الفراء، أن سبب خروج المعتصم إلى القاطول، كان أن غلمانه الأتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلاً في أرباضها؛ وذلك أنهم كانوا عجماً جفاة يركبون الدواب، فيتراكضون في طرق بغداد وشوراعها، فيصدمون الرجل والمرأة ويطئون الصبي، فيأخذهم الأبناء فينسكونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم؛ فربما هلك من الجراح بعضهم، فشكت الأتراك ذلك إلى المعتصم، وتأذت بهم العامة؛ فذكر أنه رأى المعتصم راكباً منصرفاً من المصلى في يوم عيد أضحى أو فطر؛ فلما صار في مربعة الحرشي، نظر إلى شيخ قد قام إليه، فقال له: يا أبا إسحاق، قال: فابتدره الجند ليضربوه؛ فأشار إليهم المعتصم فكفهم عنه، فقال للشيخ: مالك! قال: لا جزاك الله عن الجوار خيراً! جاورتنا بهؤلاء العلوج فأسكنتهم بين أظهرنا، فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت بهم نسواننا، وقتلت بهم رجالنا! والمعتصم يسمع ذلك كله. قال: ثم دخل داره فلم ير راكباً إلى السنة القابلة في مثل ذلك اليوم؛ فلما كان في العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلى بالناس العيد؛ ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد؛ ولكنه صرف وجه دابته إلى ناحية القاطول؛ وخرج من بغداد ولم يرجع إليها. ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروانوفي هذه السنة غضب المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم ذكر أن الفضل بن مروان - وهو رجل من أهل البردان - كان متصلاً برجل من العمال يكتب له، وكان حسن الخط، ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى الجرمقاني، وكان الفضل بن مروان يخط بين يديه؛ فلما مات الجرمقاني صار الفضل في موضعه؛ وكان يكتب للفضل علي بن حسان الأنباري، فلم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التي بلغها؛ والفضل كاتبه، ثم خرج معه إلى معسكر المأمون، ثم خرج معه إلى مصر، فاحتوى على أموال مصر، ثم قدم الفضل قبر موت المأمون بغداد، ينفذ أمور المعتصم، ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفةً، فصار الفضل صاحب الخلافة، وصارت الدواوين كلها تحت يديه وكنز الأموال، وأقبل أبو إسحاق حين دخل بغداد يأمره بإعطاء المغني والملهي؛ فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على أبي إسحاق. فحدثني إبراهيم بن جهرويه أن إبراهيم المعروف بالهفتي - وكان مضحكاً - أمر له المعتصم بمال؛ وتقدم إلى الفضل بن مروان في إعطائه ذلك، فلم يعطه الفضل ما أمر به المعتصم؛ فينا الهفتي يوماً عند المعتصم؛ بعد ما بنيت له داره التي ببغداد، واتخذ له بستان، قام المعتصم يتمشى في البستان ينظر إليه وإلى ما فيه من أنواع الرياحين والغروس، ومعه الهفتي، وكان الهفتي يصحب المعتصم قبل أن تفضى الخلافة إليه، فيقول فيما يداعبه: والله لا تفلح أبداً! قال: وكان الهفتي رجلاً مربوعاً ذا كنة، والمعتصم رجلاً معرقاً خفيف اللحم، فجعل المعتصم يسبق الهفتي في المشي؛ فإذا تقدمه ولم ير الهفتي معه التفت إليه، فقال له: مالك لا تمشي! يستعجله المعتصم في المشي ليلحق به؛ فلما كثر ذلك من أمر المعتصم على الهفتي، قال له الهفتي، مداعباً له: كنت أصلحك الله، أراني أماشي خليفة؛ ولم أكن أراني أماشي فيجاً، والله لا أفلحت! فضحك منها المعتصم، وقال: ويلك! هل بقي من الفلاح شيء لم أدركه! أبعد الخلافة تقول هذا لي! فقال له الهفتي: أتحسب أنك قد أفلحت الآن! إنما لك من الخلافة الاسم؛ والله ما يجاوز أمرك أذنيك؛ وإنما الخليفة الفضل بن مروان، الذي يأمر فينفذ أمره من ساعته؛ فقال له المعتصم: وأي أمر لي لا ينفذ! فقال له: الهفتي: أمرت لي بكذا وكذا منذ شهرين؛ فما أعطيت مما أمرت به منذ ذاك حبة! قال: فاحتجنها على الفضل المعتصم حتى أوقع به. فقيل: إن أول ما أحدثه في أمره حين تغير له أن صير أحمد بن عمار الخراساني زماماً عليه في نفقات الخاصة، ونصر بن منصور بن بسام زماماً عليه في الخراج وجميع الأعمال؛ فلم يزل كذلك؛ وكان محمد بن عبد الملك الزيات يتولى ما كان أبواه يتولاه للمأمون من عمل المشمش والفساطيط وآلة الجمازات ويكتب على ذلك مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك، وكان يلبس إذا حضر الدار دراعة سوداء وسيفاً بحمائل، فقال له الفضل بن مروان: إنما أنت تاجر، فما لك وللسواد والسيف! فترك ذلك محمد، فلما تركه أخذه الفضل يرفع حسابه إلى دليل بن يعقوب النصراني، فرفعه، فأحسن دليل في أمره؛ ولم يرزأه شيئاً، وعرض عليه محمد هدايا، فأبى دليل أن يقبل منها شيئاً، فلما كانت سنة تسع عشرة ومائتين - وقيل سنة عشرين، وذلك عندي خطأ - خرج المعتصم يريد القاطول، ويريد البناء بساما، فصرفه كثرة زيادة دجلة؛ فلم يقدر على الحركة، فانصرف إلى بغداد إلى الشماسية، ثم خرج بعد ذلك؛ فلما صار بالقاطول غضب على الفضل بن مروان وأهل بيته في صفر، وأمرهم برفع ما جرى على أيدهم؛ وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه في عمل حسابه، فلما فرغ من الحساب لم يناظر فيه، وأمر بحبسه؛ وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان، وحبس أصحابه، وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات، فحبس دليلاً، ونفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل يقال لها السن، فلم يزل بها مقيماً؛ فصار محمد بن عبد الملك وزيراً كاتباً، وجرى على يديه عامة ما بنى المعتصم بسامراً من الجانبين الشرقي والغربي، ولم يزل في مرتبته حتى استخلف المتوكل، فقتل محمد بن عبد الملك. وذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حلّ من قبله المحل الذي لم يكن أحد يطمع في ملاحظته، فضلاً ع منازعته ولا في الاعتراض في أمره ونهيه وإرادته وحكمه؛ فكانت هذه صفته ومقداره؛ حتى حملته الدالة، وحركته الحرمة على خلافه في بعض ما كان يأمره به، ومنعه ما كان يحتاج إليه من الأموال في مهمّ أموره؛ فذكر عن ابن أبي داود أنه قال: كنت أحضر مجلس المعتصم؛ فكثيراً ما كنت أسمعه يقول للفضل بن مروان: احمل إليّ كذا وكذا من المال، فيقول: ما عندي، فيقول: فاحتلها من وجه من الوجوه؛ فيقول: ومن أين أحتالها! ومن يعطيني هذا القدر من المال؟ وعند من أجده؟ فكان ذلك يسوءه وأعرفه في وجهه؛ فلمّا كثر هذا من فعله ركبت إليه يوماً فقلت له مستخلياً به: يا أبا العباس؛ إنّ الناس يدخلون بيني وبينك بما أكره وتكره؛ وأنت امرؤ قد عرفت أخلاقك، وقد عرفها الداخلون بيننا؛ فإذا حّركت فيك بحقّ فاجعله باطلاً؛ وعلى ذلك فما أدع نصيحتك وأداء ما يجب عليّ في الحق لك؛ وقد أراك كثيراً ما تردّ على أمير المؤمنين أجوبةً غليظة ترمضه، وتقدح في قلبه، والسلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيما إذا كثر ذلك وغلظ. قال: وما ذاك يا أبا عبد اللّه؟ قلت: أسمعه كثيراً ما يقول لك: نحتاج إلى كذا من المال لنصرفه في وجه كذا، فتقول: ومن يعطيني هذا! وهذا ما لا يحتمله الخلفاء، قال: فما أصنع ذا طلب مني ما ليس عندي؟ قلت: تصنع أن تقول: يا أمير المؤمنين، نحتال في ذاك بحيلة، فتدفع عنك أياماً إلى أن يتهيّأ، وتحمل إليه بعض ما يطلب وتسوّفه بالباقي، قال: نعم أفعل وأصير إلى ما أشرت به. قال: فوا لله لكأني كنت أغريه بالمنع، فكان إذا عاوده بمثل ذلك من القول، عاد إلى مثل ما يكره من الجواب. قال: فلما كثر ذلك عليه، دخل يوماً إليه وبين يديه حزمة نرجس غضّ، فأخذها المعتصم فهزّها، ثم قال: حيّاك اللّه يا أبا العباس! فأخذها الفضل بيمينه، وسلّ المعتصم خاتمه من إصبعه بيساره، وقال له بكلام خفيّ: أعطني خاتمي، فانتزعه من يده، ووضعه في يد ابن عبد الملك. وحجّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك الوقعة التي كانت بين بابك وبغا الكبير من ناحية هشتادسر، فهزم بغا واستبيح عسكره. ذكر الخبر عن وقعة الأفشين مع بابك في هذه السنة وفيها واقع الأفشين بابك وهزمه. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وكيف كان السبب فيها ذكر أن بغا الكبير قدم بالمال الذي قد مضى ذكره؛ وأن المعتصم وجهه معه إلى الأفشين عطاءً للجند الذي كان معه ولنفقات على الأفشين، وبالرجال الذين توجهوا معه إليه، فأعطى الأفشين أصحابه، وتجهز بعد النيروز، ووجّه بغا في عسكر ليدور حول هشتادسر، وينزل في خندق محمد بن حميد ويحفره ويحكمه وينزه. فتوجه بغا إلى خندق محمد بن حميد، وصار إليه، ورحل الأفشين من برزند، ورحل أبو سعيد من خش يريد بابك، فتوافوا بموضع يقال له دروذ، فاحتقر الأفشين بها خندقاً، وبنى حوله سوراً، ونزل هو وأبو سعيد في الخندق مع من كان صار إليه من المطوعة؛ فكان بينه وبين البذ ستة أميال. ثم إن بغا تجهز، وحمل معه الزاد من غير أن يكون الأفشين كتب إليه ولا أمره بذلك؛ فدار حول هشتادسر حتى دخل إلى قرية البذ، فنزل في وسطها، وأقام بها يوماً واحداً، ثم وجه ألف رجل في علافة له، فخرج عسكر من عساكر بابك، فاستباح العلافة، وقتل جميع من قاتله منهم، وأسر من قدر عليه، وأخذ بعض الأسرى؛ فأرسل منهم رجلين مما يلي الأفشين، وقال لهما: إلى الأفشين، وأعلماه ما نزل بأصحابكم فأشرف الرجلان، فنظر إليهما صاحب الكوهبانية؛ فحرك العلم، فصاح أهل العسكر: السلاح السلاح! وركبوا يريدون البذ، فتلقاهم الرجلان عريانين؛ فأخذهما صاحب المقدمة، فمضى بهما إلى الأفشين، فأخبراه بقصتيهما، فقال: فعل شيئاً من غير أن نأمره. ورجع بغا إلى خندق محمد بن حميد شبيهاً بالمنهزم؛ وكتب إلى الأفشين يعلمه ذلك، ويسأله المدد، ويعلمه أن العسكر مفلول، فوجه إليه الأفشين أخاه الفضل بن كاوس وأحمد بن الخليل بن هشام وابن جوشن وجناحاً الأعور السكري وصاحب شرطة الحسن بن سهل - وأحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل - فداروا حول هشتادسر، فسر أهل عسكره بهم؛ ثم كتب الأفشين إلى بغا يعلمه أنه يغزو بابك في يوم سماه له، ويأمره أن يغزوه في ذلك اليوم بعينه، ليحاربه من كلا الوجهين؛ فخرج الأفشين في ذلك اليوم من دروذ يريد بابك، وخرج بغا من خندق محمد بن حميد، فصعد إلى هشتادسر، فعسكر على دعوة يجنب قبر محمد بن حميد، فهاجت ريح باردة ومطر شديد؛ فلم يكن للناس عليها صبر لشدة البرد وشدة الريح، فانصرف بغا إلى عسكره، وواقعهم الأفشين من الغد، وقد رجع بغا إلى عسكره، فهزمه الأفشين، وأخذ عسكره وخيمته وامرأة كانت معه في العسكر. ونزل الأفشين في معسكر بابك. ثم تجهز بغا من الغد، وصعد هشتادستر، فأصاب العسكر الذي كان مقيماً بازائه بهشتادسر، قد انصرف إلى بابك ورحل بغا إلى موضعه، فأصاب خرثياً وقماشاً، وانحدر من هشتادسر يريد البذ، فأصاب رجلاً وغلاماً نائمين فأخذهما داودسياه - وكان على مقدمته - فساءلهما، فذكرا أن رسول بابك أتاهم في الليلة التي انهزم فيها بابك، فأمرهم أن يوافوه بالبذ، فكان الرجل والغلام سكرانين، فذهب بهما النوم، فلا يعرفان من الخبر غير هذا؛ وكان ذلك قبل صلاة العصر . فبعث بغا إلى داودسياه: قد توسطنا الموضع الذي تعرفه - يعني الذي كنا فيه في المرة الأولى - وهذا وقت المساء، وقد تعب الرجالة، فانظر جبلاً حصيناً يسع عسكرنا حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه. فالتمس داودسياه ذلك، فصعد إلى بعض الجبال، فالتمس أعلاه فأشرف، فرأى أعلام الأفشين ومعسكره شبه الخيال فقال: هذا موضعنا إلى غدوة، ونتحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله. فجاءهم في تلك الليلة سحاب وبرد ومطر وثلج كثير؛ فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل يأخذ ماء، ولا يسقي دابته من شدة البرد وكثرة الثلج؛ وكأنهم كانوا في ليل من شدة الظلمة والضباب. فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغا: قد فنى ما معنا من الزاد، وقد أضر بنا البرد؛ فانزل على أي حالة كانت؛ إما راجعين وإما إلى الكافر. وكان في أيام الضباب. فبيت بابك الأفشين ونقض عسكره، وانصرف الأفشين عنه إلى معسكره، فضرب بغا بالطبل، وانحدر يريد البذ حتى صار إلى البطن، فنظر إلى السماء منجلية، والدنيا طيبة، غير رأس الجبل الذي كان عليه بغا، فعبى بغا أصحابه ميمنةً وميسرةً ومقدمة، وتقدم يريد البذ، وهو لا يشك أن الأفشين في موضع معسكره، فمضى حتى صار بلزق جبل البذ، ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ إلا صعود قدر نصف ميل؛ وكان على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيثن له قرابة بالبذ،، فلقيتهم طلائع لبابك، فعرف بعضهم الغلام، فقال له: فلان، فقال: من هذا ها هنا؟ فسمى له من كان معه من أهل بيته، فقال: ادن حتى أكلمك، فدنا الغلام منه، فقال له: ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى؛ فإنا قد بيتنا الأفشين، وانهزم إلى خندقه وقد هيأنا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلك أن تفلت. فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث بذلك، وسمى له الرجل، فعرفه ابن البعيث، فأخبر ابن البعيث بغا بذلك، فوقف بغا شاور أصحابه، فقال بعضهم: هذا باطل؛ هذه خدعة ليس من هذا شيء، فقال بعض الكوهبانيين: إن هذا رأس جبل أعرفه، من صعد إلى رأسه نظر إلى عسكر الأفشين. فصعد بغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط، فأشرفوا على الموضع، فلم يروا فيه عسكر الأفشين فتيقنوا أنه قد مضى، وتشاوروا، فرأوا أن ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل أن يجنّهم الليل، فأمر بغا داود سياه بالانصراف، فتقدّم داود وجدّ في السير، ولم يقصد الطريق الذي كان دخل منه إلى هشتادستر مخافة المضايق والعقاب، وأخذ الطريق الذي كان دخل منه في المرّة الأولى، يدور حول هشتادسر، وليس فيه مضيق إلاّ في موضع واحد.ضهم الغلام، فقال له: فلان، فقال: من هذا ها هنا؟ فسمى له من كان معه من أهل بيته، فقال: ادن حتى أكلمك، فدنا الغلام منه، فقال له: ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى؛ فإنا قد بيتنا الأفشين، وانهزم إلى خندقه وقد هيأنا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلك أن تفلت. فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث بذلك، وسمى له الرجل، فعرفه ابن البعيث، فأخبر ابن البعيث بغا بذلك، فوقف بغا شاور أصحابه، فقال بعضهم: هذا باطل؛ هذه خدعة ليس من هذا شيء، فقال بعض الكوهبانيين: إن هذا رأس جبل أعرفه، من صعد إلى رأسه نظر إلى عسكر الأفشين. فصعد بغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط، فأشرفوا على الموضع، فلم يروا فيه عسكر الأفشين فتيقنوا أنه قد مضى، وتشاوروا، فرأوا أن ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل أن يجنّهم الليل، فأمر بغا داود سياه بالانصراف، فتقدّم داود وجدّ في السير، ولم يقصد الطريق الذي كان دخل منه إلى هشتادستر مخافة المضايق والعقاب، وأخذ الطريق الذي كان دخل منه في المرّة الأولى، يدور حول هشتادسر، وليس فيه مضيق إلاّ في موضع واحد. فسار بالناس، وبعث بالرّجالة، فطرحوا رماحهم وأسلحتهم في الطريق، ودخلتهم وحشة شديدة ورعب، وصار بغا والفضل بن كاوس وجماعة القوّاد في الساقة، وظهرت طلائع بابك؛ فكلما نزل هؤلاء جبلاً صعدته طلائع بابك؛ يتراءون لهم مرّة ويغيبون عنهم مرّة، وهو في ذلك يقفون آثارهم، وهو قدر عشرة فرسان؛ حتى كان بين الصّلاتين: الظهر والعصر، فنزل بغا ليتؤضأ ويصليّ، فتدانت منهم طلائع بابك، فبرزوا لهم، وصلى بغا، ووقف في وجوهم، فوقفوا حين رأوه، فتخوّف بغا على عسكره أن يواقعه الطلائع من ناحية، ويدور عليهم في بعض الجبال والمضايق قومٌ آخرون، فشارو من حضره وقال: لست آمن أن يكونوا جعلوا هؤلاء مشغلة، يحبسوننا عن المسير، ويقدمون أصحابهم ليأخذوا على أصحابنا المضايق. فقال له الفضل بن كاوس: ليس هؤلاء أصحاب نهار؛ وإنما هم أصحاب ليل؛ وإنما يتخوّف على أصحابنا من الليل، فوجّه إلى داود سياه ليسرع السير ولا ينزل، ولو صار إلى نصف الليل حتى يجاوز المضيق، ونقف نحن هاهنا؛ فإن هؤلاء ما داموا يروننا في وجوهم لا يسيرون، فنماطلهم وندافعهم قليلاً قليلاً حتى تجيء الظلمة؛ فإذا جاءت الظلمة لم يعرفوا لنا موضعاً، وأصحابنا يسيرون فينفذون أوّلا فأوّلا، فإن أخذ علينا نحن المضيق تخلصنا من طريق هشتادستر أو من طريق آخر. وأشار غيره على بغا. فقال: إنّ العسكر قد تقطّع، وليس يدرك أوّله آخره، والناس قد رموا بسلاحهم، وقد بقي المال والسلاح على البغال، وليس معه أحد، ولا نأمن من أن يخرج عليه من يأخذ المال والأسير - وكان ابن جويدان معهم أسيراً أرادوا أن يفادوا به كاتباً لعبد الرحمن بن حبيب، أسره بابك - فعزم بغا على أن يعسكر بالناس حين ذكر له المال والسلاح والأسي فوجه إلى داود سياه: حيثما رأيت جبلاً حصيناً، فعسكر عليه. فعدل داود إلى جبل مؤوب، لم يكن لناس موضع يقعدون فيه من شدة هبوطه، فعسكر عليه، فضرب مضرباً لبغا على طرف الجبل في موضع شبيه بالحائط؛ ليس فيه مسلك، وجاء بغا فنزل، وأنزل الناس وقد تعبوا وكلوا، وفنيت أزوادهم، فباتوا على تعبئة وتحارس من ناحية المصعد فجاءهم العدو من الناحية الأخرى فتعلقوا بالجبل حتى صاروا إلى مضرب بغا، فكبسوا المضرب، وبيتوا العسكر، وخرج بغا راجلاً حتى نجا، وجرح الفضل بن كاوس، وقتل جناح السكري، وقتل ابن جوشن، وقتل أحد الأخوين قرابة الفضل ابن سهل وخرج بغا من العسكر راجلاً، فوجد دابة فركبها، ومرّ بابن البعيث فأصعده على هشتادسر، حتى انحدر به على عسكر محمد بن حميد فوافاه في جوف الليل، وأخذ الخرمية المال والسلاح والأسير ابن جويدان، ولم يتبعوا الناس ومر الناس منهزمين منقطعين حتى وافوا بغا، وهو في خندق محمد بن حميد، فأقام بغا في خندق محمد بن حميد خمسة عشر يوماً، فأتاه كتاب الأفشين يأمره بالرجوع إلى المراغة وأن يرد إليه المدد الذي كان أمده به، فمضى بغا إلى المراغة، وانصرف بن كاوس وجميع من جاء معه من معسكر الأفشين، وفرق الأفشين اناس في مشاتيهم تلك السنة حتى جاء الربيع من السنة المقبلة. خبر مقتل طرخان قائد بابكوفي هذه السنة قت قائد لبابك كان يقال له طرخان. ذكر سبب قتله ذكر أن طرخان هذا كان عظيم المنزلة عند بابك؛ وكان أحد قواده، فلما دخل الشتاء من هذه السنة استأذن بابك في الأذن له أن يشتو في قرية له بناحية المراغة - وكان الأفشين يرصده، ويحب الظفر به؛ لمكانه من بابك - فأذن له بابك، فصار إلى قريته ليشتو بها بناحية هشتادسر فكتب الأفشين إلى ترك مولى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وهو بالمراغة، أن يسري إلى تلك القرية - ووصفها له - حتى يقتل طرخان، أو يبعث به إليه أسيراً. فأسرى ترك إلى طرخان، فصار إليه في جوف الليل، فقتل طرخان وبعث طرخان وبعث برأسه إلى الأفشين. وفي هذه السنة قدم صول أرتكين وأهل بلاده في قيود فنزعت قيودهم، وحمل على الدوابّ منهم نحو من مائتي رجل. وفيها غضب الأفشين على رجاء الحضاريّ وبعث به مقيّداً. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، وهو والي مكة. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من توجيه المعتصم جعفر بن دينار الخياط إلى الأفشين مدداً له، ثم إتباعه بعد ذلك بإيتاخ وتوجيهه معه ثلاثين ألف ألف درهم عطاء للجند والنفقات. ذكر خبر الوقعة بين أصحاب الأفشين وآذين قائد بابكوفيها كانت وقعة بين أصحاب الأفشين وقائد لبابك يقال له آذين. ذكر الخبر على هذه الوقعة وما كان سببها ذكر أن الشتاء لما انقضى من سنة إحدى وعشرين ومائتين وجاء الربيع، ودخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ووجهّ المعتصم إلى الأفشين ما وجهه إليه من المدد والمال، فوافاه ذلك كله وهو ببرزند، سلّم إيتاخ إلى الأفشين المال والرّجال الذين كانوا معه وانصرف، وأقام جعفر الخياط مع الأفشين مدّة، ثم رحل الأفشين عند إمكان الزمان، فصار إلى موضع يقال له كلان روذ، فاحتفر فيه خندقاً، وكتب إلى أبي سعيد، فرحل من برزند إلى إزائه على طرف رستاق كلان روذ، وتفسيره: نهر كبير؛ بينهما قدر ثلاثة أميال، فأقام معسكراً في خندق، فأقام بكلان روذ خمسة أيام، فأتاه من أخبره أن قائداً من قواد بابك يدعى آذين، قد عسكر بإزاء الأفشين، وأنه قد صير عياله في جبل يشرف على روذ الروذ، وقال: لا أتحصن من اليهود - يعني المسملين - ولا أدخل عيالي حصناً؛ وذلك أن بابك قال له: أدخل عيالك الحصن، قال: أنا أتحصن من اليهود! والله لا أدخلتهم حصناً أبداً، فنقلهم إلى هذا الجبل، فوجه الأفشين ظفر بن العلاء السعدي والحسين بن خالد المدائني من قواد أبي سعيد في جماعة من الفرسان والكوهبانية، فساروا ليلتهم من كلان روذ؛ حتى انحدروا في مضيق لا يمر فيه راكب واحد إلا بجهد، فأكثر الناس قادوا دوابهم، وانسلوا رجلاً خلف رجل، فأمرهم أن يصيروا قبل طلوع الفجر على روذ الروذ فيعبر الكوهبانية رجالة؛ لأنه لا يمكن الفارس أن يتحرك هناك، ويتسلقوا الجبل؛ فصاروا على روذ الروذ قبل السحر، ثم أمر من أطاق من الفرسان أن يترجل وينزع ثيابه، فترجل عامة الفرسان، وعبروا وعبر معهم الكوهبانية جميعاً، وصعدوا الجبل؛ فأخذوا عيال آذين وبعض ولده، وعبروا بهم، وبلغ آذين الخبر بأخذ عياله؛ وكان الأفشين عند توجه هؤلاء الرجالة ودخولهم المضيق يخاف أن يؤخذ عليهم المضيق، فأم الكوهبانية أن يكون معهم أعلام، وأن يكونوا على رءوس الجبال الشواهق في المواضع التي يشرفون منها على ظفر بن العلاء وأصحابه؛ فإن رأوا أحداً يخافونه حركوا الأعلام، فبات الكوهبانية على رءوس الجبال، فلما رجع ابن العلاء والحسين بن خالد بمن أخذوا من عيال آذين، وصاروا في بعض الطريق قبل أن يصيروا إلى المضيق، انحدر عليهم رجالة آذين فحاربوهم قبل أن يدخلوا المضيق، فوقع بينهم قتلى، واستنفذوا بعض النساء. ونظر إليهم الكوهبانية الذين رتبهم الأفشين؛ وكان آذين قد وجه عسكرين؛ عسكراً يقاتلهم، وعسكراً يأخذ عليهم المضيق؛ فلما حركوا الأعلام وجه الأفشين مظفر بن كيدر في كردوس من أصحابه، فأسرع الركض. ووجه أبا سعيد خلف المظفر، وأتبعهما ببخارا خذاه، فوافوا؛ فلما نظر إليهم رجالة آذين الذين كانوا على المضيق انحدروا عن المضيق، وانضموا إلى أصحابهم، ونجا ظفر بن العلاء والحسين بن خالد ومن معهما من أصحابهما، ولم يقتل إلا من قتل في الوقعة الأولى، وجاءوا جميعاً إلى عسكر الأفشين؛ ومعهم النساء اللواتي أخذوهن. ذكر خبر فتح البذ مدينة بابكوفي هذه السنة فتحت البذ مدينة بابك، ودخلها المسملون، واستباحوها؛ وذلك في يوم الجمعة لعشر بقين من شهر رمضان في هذه السنة ذكر الخبر عن أمرها وكيف فتحت والسبب في ذلك ذكر أن الأفشين لما عزم على الدنو من البذ والإرتحال من كلان روذ جعل يزحلف قليلاً قليلاً - على خلاف زحفه قبل ذلك - إلى المنازل التي كان ينزلها؛ فكان يتقدم الأميال الأربعة، فيعسكر في موضع على طريق المضيق الذي ينحدر إلى روذ الروذ، ولا يحفر خندقاً؛ ولكنه يقيم معسكراً في الحسك، وكتب إليه المعتصم يأمره أن يجعل الناس نوائب كراديس تقف على ظهور الخيل، كما يدور العسكر بالليل؛ فبعض القوم معسكرون وبعض وقوف على ظهور دوابهم على ميل كما يدور العسكر بالليل والنهار مخافة البيات؛ كي إن دهمهم أمر أن يكون الناس على تعبية والرجالة في العسكر؛ فضج الناس من التعب، وقالوا: كم نقعد ها هنا في المضيق ونحن قعود في الصحراء، وبيننا وبين العدو أربعة فراسخ، ونحن نفعل فعلاً؛ كأن العدو بإزائنا! قد استحينا من الناس والجواسيس الذين يمرون بيننا وبين العدو أربعة فراسخ؛ ونحن قد متنا من الفزع؛ أقدم بنا؛ فإما لنا وإما علينا، فقال: أنا والله أعلم أن ما تقولون حق؛ ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا. ولا أجد منه بداً. فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يتحرى بدراجة الليل على حسب ما كان؛ فلم يزل كذلك أياماً، ثم انحدر في خاصته حتى نز إلى روذ الروذ، وتقدم حتى شارف الموضع الذي به الركوة التي واقعة عليها بابك في العام الماضي؛ فنظر إليهما، ووجد عيها كردوساً من الخرمية؛ فلم يزل يحاربوه ولم يحاربهم؛ فقال بعض العلوج: ما لكم تجيئون وتفرون! أما تستحيون! فأمر الأفشين ألا يجيئوهم ولا يبرز إليهم أحد؛ فلم يزل مواقفهم إلى قريب من الظهر، ثم رجع إلى معسكره، فمكث فيه يومين، ثم انحدر أيضاً في أكثر مما كان انحدر في المرة الأولى، فأمر أبا سعيد أن يذهب فيوافقهم على حسب ما كان وافقهم في المرة الأولى، ولا يحركهم ولا يهجم عليهم. وقام الأفشين بروذ الروذ، وأمر الكوهبانية أن يصعدوا إلى رءوس الجبال التي يظنون أنها حصينة، فيتراءوا فيها، ويختاروا له في رءوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجالة؛ فاختاروا له ثلاثة أجبل، قد كانت عليها حصون فيما مضى، فخربت فعرفها، ثم بعث إلى أبي سعيد، فصرفه يومه ذلك؛ فلما كان بعد يومين انحدر من معسكره إلى روذ الروذ، وأخذ معه الكلغرية - وهم الفعلة - وحملوا معهم شكاء الماء والكعك؛ فما صاروا إلى روذ الروذ وجه أبا سعيد، وأمره أن يوافقهم أيضاً على حسب ما كان أمره به في اليوم الأول، وأمر الفعلة بنقل الحجارة وتحصين الطرق التي تسلك إلى تلك الثلاثة الأجبل؛ حتى صارت شبه الحصون، وأمر فاحتفر على كل طريق وراء تلك الحجارة إلى المصعد خندقاً؛ فلم يترك مسلكاً إلى جبل منها إلا مسلكاً واحداً. ثم أمر أبا سعيد بالانصراف، فانصرف، ورجع الأفشين إلى معسكره. قال: فلما كان في اليوم الثامن من الشهر، واستحكم الحصر، دفع إلى الرجالة كعكاً وسويقاً، ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير، ووكل بمعسكره ذلك من يحفظه. وانحدروا، وأمر الرجالة أن يصعدوا إلى رءوس تلك الجبال، وأن يصعدوا معهم بالماء، وبجميع ما يحتاجون إليه، ففعلوا ذلك، وعسكر ناحية، ووجه أبا سعيد ليواقف القوم على حسب ما كان يوافقهم، وأمر الناس بالنزول في سلاحهم، وألا يأخذوا الفرسان سروج دوابهم. ثم خط الخندق، وأمر الفعلة بالعمل فيه، ووكل بهم من يستحثهم، ونزل هو والفرسان، فوقفوا تحت الشجر في ظل يرعون دوابهم، فلما صلى العصر، أمر الفعلة بالصعود إلى رءوس الجبال التي حصنها مع الرجالة، وأمر الرجالة أن يتحارسوا ولا يناموا، ويدعوا الفعلة فوق الجبال ينامون، وأمر الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس، فصيرهم كراديس وقفها حيالهم، بين كل كردوس وكردوس قدر رمية سهم، وتقدم إلى جميع الكراديس ألا يلتفتن كل واحد منكم إلى الآخر؛ ليحفظ كل واحد منكم ما يليه؛ فإن سمعتم هدة فلا يلتفتن أحد منكم إلى أحد، وكل كردوس منكم قائم بما يليه، فإنه لا بهدة يأخذ. فلم يزل الكراديس وقوفاً على ظهور دوابهم إلى الصباح، والرجالة فوق رءوس الجبال يتحارسون. وتقدم إلى الرجالة: متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا، وليلزم كل قوم منهم المواضع التي لهم؛ وليحفظوا جبلهم وخندقهم فلا يلتفتن أحد إلى أحد. فلم يزالوا كذلك إلى الصباح؛ ثم أمر من يتعاهد الفرسان والرجالة بالليل، فينظر إلى حالتهم؛ فلبثوا في حفر الخندق عشرة أيام، ودخله اليوم العاشر فقسمه بين الناس وأمر القواد أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق، وأتاه رسول بابك ومعه قثاء وبطيخ وخيار؛ يعلمه أنه في أيامه هذه في جفاء؛ إنما يأكل الكعك والسويق هو وأصحابه، وأنه أحب أن يلطفه بذلك. فقال الأفشين للرسول: قد عرفت أي شيء أراد ؟أخي بهذا؛ إنما أراد أن ينظر إلى المعسكر، وأنا أحقّ من قبل بّره، وأعطاه شهوته؛ فقد صدق، أنا في جفاء. وقال للّرسول: أما أنت فلا بدّ لك أن تصعد حتى معسكرنا، فقد رأيت ما ها هنا، وترى ما وراءنا أيضاً، فأمر بحمله على دابة، وأن يصعد به حتى يرى الخندق، ويرى خندق كلان روذ وخندق برزند، ولينظر إلى الخنادق الثلاثة ويتأملها ولا يخفى عليه منها شيء ليخبر به صاحبه. ففعل به ذك؛ حتى صار إلى برزند، ثم رده إليه، فأطلقه وقال له: اذهب فاقرئه مني السلام - وكان من الخرمية الذين يتعرضون لمن يجلب الميرة إلى المعسكر - ففعل ذك مرة أو مرتين ثم جاءت الخرمية بعد ذلك في ثلاثة كراديس، حتى صاروا قريباً من سور خندق الأفشين يصيحون، فأمر الأفشين الناس ألا ينطق أحد منهم، ففعلوا ذلك ليلتين أو ثلاث ليال، وجعلوا يركضون دوابهم خلف السور، ففعلوا ذلك غير مرة؛ فلما أنسوا هيأ لهم الأفشين أربعة كراديس من الفرسان والرجالة، فكانت الرجالة ناشبة فكمنوا لهم في الأودية، ووضع عليهم العيون؛ فلما انحدروا في وقتهم الذي كانوا ينحدرون فيه في كل مرة وصاحوا وجلبوا كعادتهم شدت عليهم الخيل والرجالة الذين رتبوا فأخذوا عليهم طريقهم. وأخرج الأفشين إليهم كردوسين من الرجالة في جوف الليل، فأحسوا أن قد أخذت عليهم العقبة؛ فتفرقوا في عدة طرق؛ حتى أقبلوا يتسلقون الجبال فمروا فلم يعودوا إلى ما كانوا يفعلون، ورجع الناس من الطلب مع صلاة الغداة إلى الخندق بروذ الروذ، ولم يلحقوا من الخرمية أحداً.قوا من الخرمية أحداً. ثم إن الأفشين كان في كل أسبوع يضرب الطبول نصف الليل، ويخرج بالشمع والنفاطات إلى باب الخندق، وقد عرف كل إنسان منهم كردوسه؛ من كان في الميمنة ومن كان في الميسرة؛ فيخرج الناس فيقفون في مواقفهم ومواضعهم. وكان الأفشين يحمل أعلاماً سوداً كباراً، اثني عشر علماً يحملها على البغال؛ ولم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع يحملها على اثني عشر بغلاً؛ وكانت طبوله الكبار واحد وعشرين طبلاً؛ وكانت الأعلام الصغار نحو من خمسمائة علم، فيقف أصحابه كل فرق على مرتبتهم من ربع الليل؛ حتى إذا طلع الفجر ركب الأفشين من مضربه فيؤذن المؤذن بين يديه ويصلي ثم يصلي الناس بغلس ثم يأمر بضرب الطبول، ويسير زحفاً. وكانت علامته في المسير والوقوف تحريك الطبول وسكونها، لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والأزفة على مصافهم؛ كلما استقبلوا جبلاً صعدوه، وإذا هبطوا إلى واد مضوا فيه؛ إلا أن يكون جبلاً منيعاً لا يمكنهم صعوده وهبوطه؛ فإنهم كانوا ينضمون إلى العساكر، ويرجعون إذا جاءوا إلى الجبل إلى مصافهم ومواضعهم؛ وكانت علامة المسير ضرب الطبول؛ فإن أراد أن يقف أمسك عن ضرب الطبول؛ فيقف الناس جميعاً من كل ناحية على جبل، أو في وادٍ أو في مكانهم؛ وكان يسير قليلاً قليلاً؛ كلما جاءه كوهباني بخبر وقف قليلاً؛ وكان يسير هذه السنة الأميال التي بين روذ الروذ، وبين البذ، ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأكبر؛ فإذا أراد أن يصعد إلى الركوة التي كانت الحرب تكون عليها في العام الماضي، خلف بخاراخداه على رأس العقبة مع ألف فارس وستمائة راجل؛ يحفظون عليه الطريق؛ لا يخرج أحد من الخرمية؛ فيأخذ عليه الطريق. وكان بابك إذا أحس بالعسكر أنه وارد عليه وجه عسكراً له فيه رجالة إلى واد تحت تلك العقبة التي كان عليها بخاراخداه، ويكمنون لمن يريد أن يأخذ عليه الطريق. وكان الأفشين يقف بخاراخذاه يحفظ هذه العقبة التي وجه بابك عسكره إليها ليأخذها على الأفشين؛ وكان بخاراخذاه يقف بها أبداً، ما دام الأفشين داخل البذ على الركوة، وكان الأفشين يتقدم إلى بخاراخذاه أن يقف على وادٍ فيما بينه وبين البذ شبه الخندق وكان يأمر أبا سعيد محمد بن يوسف أن يعبر ذلك الوادي في كردوس من أصحابه، ويأمر جعفراً الخياط أن يقف أيضاً في كردوس من أصحابه، ويأمر أحمد بن الخليل فيقف في كردوس آخر؛ فيصير في جانب ذلك الوادي ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم؛ وكان بابك يخرج عسكراً مع آذين، فيقف على تل بإزاء هؤلاء الثلاثة الكراديس خارجاً من البذ لئلا يتقدم أحد من عساكر الأفشين إلى باب البذ . وكان الأفشين يقصد إلى باب البذ، ويأمرهم إذا عبروا بالوقوف فقط، وترك المحاربة، وكان بابك إذا أحس بعساكر الأفشين أنها قد تحركت من الخندق تريده فرق أصحابه كمناء؛ ولم يبق معه إلا نفير يسير؛ وبلغ ذلك الأفشين، ولم يكن يعرف الواضع التي يكمنون فيها. ثم أتاه الخبر بأن الخرمية قد خرجوا جميعاً، ولم يبق مع بابك إلا شر ذمة من أصحابه. وكان الأفشين إذا صعد إلى ذلك الموضع بسط له نطع، ووضع له كرسي، وجلس على تل مشرف يشرف على باب قصر بابك، والناس كراديس وقوف من كان معه من جانب الوادي هذا أمره بالنزول عن دابته، ومن كان من ذاك الجانب مع أبي سعيد وجعفر الخياط وأصحابه وأحمد بن الخليل لم ينزل لقربه من العدو؛ فهم وقوف على ظهور دوابهم؛ ويفرق رجالته الكوهبانية ليفتشوا الأودية؛ طمع أن يقع على مواضع دوابهم؛ فيعرفها. فكانت هذه حالته في التفتيش إلى بعد الظهر، والحزمية بين يدي بابك يشربون النبيذ ويزمرون بالسرنيايات ويضربون بالطبول حتى إذا صلى الأفشين الظهر تقدم فانحدر إلى خندقه بروذ الروذ؛ فكان أول من ينحدر أبو سعيد ثم أحمد بن الخليل ثم جعفر بن دينا، ثم ينصرف الأفشين وكان مجيئه ذلك مما يغيظ بابك وانصرافه فإذا دنا الانصراف ضربوا بصنوجهم ونفخوا بوقاتهم استهزاء ولا يبرح بخاراخذاه من العقبة التي هو عليها؛ حتى تجوز الناس جميعاً، ثم ينصرف في آثارهم؛ فلما كان في بعض أيامهم ضجرت الحزمية من المعادلة والتفتيش الذي كان يفتش عليهم؛ فأنصرف الأفشين كعادته، وانصرفت الكراديس أولاً فأولا، وعبر أبو سعيد الوادي، وعبر أحمد بن الخليل، وعبر بعض أصحاب جعفر الخياط، وفتح الخرمية باب خندقهم، وخرج منهم عشرة فوارس، وحملوا على من بقى من أصحاب جعفر الخياط في ذلك الموضع، وارتفعت الضجة في العسكر، فرجع جعفر مع كردوس من أصحابه بنفسه فحمل على أولئك الفرسان حتى ردهم إلى باب البذ، ثم وقعت الضجة في العسكر، فرجع الأفشين وجعفر وأصحابه من ذلك الجانب يقاتلون؛ وقد خرج من أصحاب جعفر عدة، وخرج بابك بعدة فرسان لم يكن معهم رجالة؛ لا من أصحاب الأفشين ولا من أصحاب بابك؛ كان هؤلاء يحملون؛ وهؤلاء يحملون؛ فوقعت بينهم جراحات، ورجع الأفشين حتى طرح له النطع والكرسي فجلس في موضعه الذي كان يجلس فيه؛ وهو يتلظى على جعفر ويقول: قد أفسد على تعبيتي وما أريد. وارتفعت الضجة، وكان مع أبي دلف في كردوس قوم من المطوعة من أهل البصرة وغيرهم؛ فلما نظروا إلى جعفر يحارب انحدر أولئك المطوعة بغير أمر الأفشين، وعبروا إلى ذلك جانب الوادي؛ حتى صاروا إلى جانب البذ، فتعلقوا به، وأثروا فيه آثاراً؛ وكادوا يصعدونه فيدخلون البذ، ووجه جعفر إلى الأفشين: أن أمدني بخمسمائة راجل من الناشبة؛ فإني أرجوا أن أدخل البذ إن شاء الله؛ ولست أرى في وجهي كثير أحد إلا هذا الكردوس الذي تراه أنت فقط - يعني كردوس آذين - فبعث إليه الأفشين أن قد أفسدت على أمري، فتخلص قليلاً قليلاً وخلّص أصحابك وانصرف. وارتفعت الضجة من المطوّعة حين تعلّقوا بالبذّ، وظنّ الكمناء الذين أخرجهم بابك أنها حرب قد اشتبكت؛ فنعروا ووثبوا من تحت عسكر بخاراخذاه، ووثب كمين آخر من مراء الركوة التي كان الأفشين يقعد عليها، فتحركت الخرمية، والناس وقوف على رءوسهم لم يزل منهم أحد؛ فقال الأفشين: الحمد لله الذي بين لنا مواضع هؤلاء. ثم انصرف جعفر وأصحابه والمطوعة، فجاء جعفر إلى الأفشين؛ فقال له: إنما وجهني سيدي أمير المؤمين للحرب التي ترى، ولم يوجهني للقعود هاهنا، وقد قطعت بي في موضع حاجتي ما كان يكفيني إلا خمسمائة راجل حتى أدخل البذ أو جوف داره؛ أني قد رأيت من بين يدي فقال له الأفشين: لا تنظر إلى ما بين يديك ولكن انظر إلى ما خلفك وما قد وثبوا ببخاراخذاه وأصحابه فقال الفضل بن كاوس لجعفر الخياط: لو كان الأمر إليك ما كنت تقدر أن تصعد إلى هذا الموضع الذي أنت عليه واقف؛ حتى تقول: كنت وكنت... فقال له جعفر: هذه الحرب؛ وما أنا واقف لمن جاء. فقال له الفضل: ولا مجلس الأمير لعرفتك نفسك الساعة؛ فصاح بهما الأفشين فأمسكا، وأمر أبا دلف أن يرد المطوعة عن السور، فقال أبو دلف للمطوعة: انصرفوا. فجاء رجل منهم ومعه صخرة، فقال: أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور! فقال له: الساعة، إذا انصرفت تدري من على طريقك جالس - يعني العسكر الذي وثب على بخاراخذاه من وراء الناس. ثم قال الأفشين لأبي سعيد في وجه جعفر: أحسن الله جزاءك عن نفسك وعن أمير المؤمنين؛ فإني ما علمتك عالماً بأمر هذه العساكر وسياستها؛ ليس كل من حف رأسه يقول: إن الوقوف في الموضع الذي يحتاج إليه خبر من المحاربة في الموضع الذي لا يحتاج إليه، لو وثب هؤلاء الذين تحتك - وأشار إلى الكمين الذي تحت الجبل - كيف كنت ترى هؤلاء المطوعة الذين هم في القمص؟ أي شيء كان يكون حالهم ومن كان يجمعهم؟ الحمد لله الذي سلمهم؛ فقف ها هنا فلا تبرح حتى لا يبق ها هنا أحد. وانصرف الأفشين؛ وكان من سنته إذا بدأ بالانصراف ينحدر علم الكراديس وفرسانه ورجالته، والكردوس الآخر واقف بينه وبينه قدر رمية سهم؛ لا يدنو من العقبة، ولا من المضيق؛ حتى ير أنه قد عبر كل من في الكردوس الذي بين يديه خلابه الطريق ثم يدنو بعد ذلك فينحدر في الكردوس الآخر بفرسانه ورجالته؛ ولا يزال كذلك؛ وقد عرف كل كردوس من خلف من ينصرف؛ فلم يكن يتقدم أحد منهم بين يدي صاحبه، ولا يتأخر هكذا؛ حتى إذا نفذت الكراديس كلها ولم يبق أحد غير بخاراخذاه، انحدر بخار اخذاه وخلى العقبة. فانصرف ذلك اليوم على هذه الهيئة؛ وكان أبو سعيد آخر من انصرف؛ وكلما مر العسكر بموضع بخاراخذاه، ونظروا إلى الموضع الذي كان فيه الكمين؛ علموا ما كان وطئ لهم، وتفرق أؤلئك الأعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذي كان بخاراخذاه يحفظه، ورجعوا إلى مواضعهم، فأقام الأفشين في خندقه بروذ الروذ أياماً؛ فشكا إليه المطوعة الضيق في العلوفة والأزواد والنفقات، فقال لهم: من صبر منكم فليصبر، ومن لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام؛ معي جند أمير المؤمنين؛ ومن هو في أرزاقه يقيمون معي في الحر والبرد؛ ولست أبرح من ها هنا حتى يسقط الثلج. فانصرف المطوعة وهم يقولون: لو ترك الأفشين جعفراً وتركنا لأخذنا البذ؛ هذا لا يشتهى إلا المماطلة؛ فبلغه ذلك وما كثر المطوعة فيه، ويتناولونه بألسنتهم وأنه لا يحب المناجزة؛ وإنما يريد التطويل؛ حتى قال بعضهم إنه رأى في المنام، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: قل للأفشين: إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة؛ فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية؛ كأنه مستور، فبعث الأفشين إلى رؤساء المطوعة، فأحضرهم وقال لهم: أحب أن تروني هذا الرجل؛ فإن الناس يرون في المنام أبواباً؛ فأتوه بالرجل في جماعة من الناس، فسلم عليه، فقربه وأدناه وقال له: قص علي رؤياك، لا تحتشم ولا تستحي؛ فإنما تؤدي. قال: رأيت كذا ورأيت كذا؛ فقال: الله يعلم كل شيء قبل كل أحد؛ وما أريد بهذا الخلق. إن الله تبارك وتعالى لو أراد أن يأمر الجبال أن ترجم أحداً لرجم الكافر وكفانا مؤنته؛ كيف يرجمني حتى أكفيه مؤنة الكافر كان يرجمه؛ ولا يحتاج أن أقاتله أنا، وأنا أعلم أن الله عز وجل لا يخفى عليه خافية؛ فهو مطلع على قلبي؛ وما أريد بكم يا مساكين! فقال رجل من المطوعة من أهل الدين: يأيها الأمير؛ لا تحرمنا شهادة إن كانت قد حضرت؛ وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه؛ فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك؛ فلعل الله أن يفتح علينا. فقال الأفشين: إني أرى نياتكم حاضرة؛ وأحسب هذا الأمر يريده الله؛ وهو خير إن شاء الله؛ وقد نشطتم ونشط الناس؛ والله أعلم ما كان هذا رأيي؛ وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم، وأرجو أن يكون أراد هذا الأمر وهو خير؛ اعزموا على بركة الله أي يوم أحببتم حتى نناهضهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله! فخرج القوم مستبشرين فبشروا أصحابهم؛ فمن كان أراد أن ينصرف أقام، ومن كان في القرب وقد خرج مسيرة أيام فسمع بذلك رجع؛ ووعد الناس ليوم، وأمر الجند والفرسان والرجالة وجميع الناس بالأهبة، وأظهر أنه يريد الحرب لا محالة. وخرج الأفشين وحمل المال والزاد، ولم يبق في العسكر بغل إلا وضع عليه محمل للجرحى، وأخرج معه المتطببين، وحمل الكعك والسويق وغير ذلك؛ وجميع ما يحتاج إليه، وزحف الناس حتى صعد إلى البذ، وخلف بخاراخذاه في موضعه الذي كان يخلفه عليه على العقبة، ثم طرح النطع ووضع له الكرسي، وجلس عليه كما كان يفعل، وقال لأبي دلف: قل للمطوعة: أي ناحية هي أسهل عليكم، فاقتصروا عليها. وقال لجعفر: العسكر كله بين يديك، والناشبة والنفاطون؛ فإن أردت رجالاً دفعتهم إليك؛ فخذ حاجتك وما تريد، واعزم على بركة الله؛ فادن من أي موضع تريد. قال: أريد أن أقصد الموضع الذي كنت عليه، قال: امض إليه. ودعا أبا سعيد، فقال له: قف بين يدي؛ أنت وجميع أصحابك، ولا يبرحن منكم أحد. ودعا أحمد بن الخليل فقال له: قف أنت وأصحابك ها هنا، ودع جعفراً يعبر وجميع من معه من الرجال؛ فإن أراد رجالاً أو فرساناً أمددناه؛ ووجهنا بهم إليه؛ ووجه أبا دلف وأصحابه من المطوعة؛ فانحدروا إلى الوادي، وصعدوا إلى حائط البذ من الموضع الذي كانوا صعدوا عليه تلك المرة، وعلقوا بالحائط على حسب ما كانوا فعلوا ذلك اليوم؛ وحمل جعفر حملةً حتى ضرب باب البذ؛ على حسب ما كان فعل تلك المرة الأولى؛ ووقف على الباب، وواقفه الكفرة ساعة صالحة؛ فوجه الأفشين برجل معه بدرة دنانير، وقال له اذهب إلى أصحاب جعفر، فقل: من تقدم، فاحث له ملء كفك، ودفع بدرة أخرى إلى رجل من أصحابه، وقال له: اذهب إلى المطوعة ومعك هذا المال وأطواق وأسورة؛ وقل لأبي دلف: كل من رأيته محسناً من المطوعة وغيرهم فأعطه. ونادى صاحب الشراب، فقال له: اذهب فتوسط الحرب معهم حتى أراك بعيي معك السويق والماء؛ لئلا يعطش القوم فيحتاجوا إلى الرجوع؛ وكذلك فعل بأصحاب جعفر في الماء والسويق ودعا صاحب الكلغريّة، فقال له: من رأيته في وسط الحرب من المطوّعة في يده فأس فله عندي خمسون درهماً؛ ودفع إليه بدرة دراهم؛ وفعل مثل ذلك بأصحاب جعفر ووجه إليهم الكلغرّية بأيديهم الفئوس، ووجه إلى جعفر بصندوق فيه أطواق وأسوارة، فقال له: ادفع إلى من أردت من أصحابك هذا سوى ما لهم عندي، وما تضمن لهم عليّ من الزيادة في أرزاقهم والكتاب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم. فاشتبكت الحرب على الباب طويلاً، ثم فتح الخرّميةّ الباب وخرجوا على أصحاب جعفر، فنحّوهم عن الباب، وشدوّا على المطوّعة من الناحية الأخرى؛ فأخذوا منهم علّمين وطرحوهم عن السور. وجرحوهم بالصّخر حتى أثّروا فيهم، فرقّوا عن الحرب، ووقفوا، وصاح جعفر بأصحابه، فبدر منهم نحو من مائة رجل، فبركوا خلف تراسهم التي كانت معهم، وواقفوهم متحاجزين؛ لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء ولا هؤلاء يقدمون على هؤلاء؛ فلم يزالوا كذلك حتى صلّى الناس الظهر؛ وكان الأفشين قد حمل عرّادات، فنصب عرّادة منها مما يلي جعفراً على الباب، وعرّادة أخرى من طرف الوادي من ناحية المطوّعّة؛ فأما العرّادة التي من ناحية جعفر؛ فدافع عنها جعفر حتى صارت العرّادة فيما بينهم وبين الخرّمية ساعة طويلة؛ ثم تخلّصها أصحاب جعفر بعد جهد، فقلعوها وردّوها إلى العسكر؛ فلم يزل الناس متوافقين متحاجزين؛ يختلف بينهم النّشاب والحجارة أؤلئك على سورهم والباب وهؤلاء قعود تحت أتراسهم؛ ثم تناجزوا بعد ذلك؛ فلمّا نظر الأفشين إلى ذلك كره أن يطمع العدوّ في الناس، فوجّه الرّجالة الذين كان أعدّهم قبله؛ حتى وقفوا في موضع المطوّعة، وبعث إلى جعفر بكردوس فيه رجّالة، فقال جعفر: لست أوتي من قلة الرجّالة معي رجال فرهٌ ولكني لست أرى للحرب موضعاً يتقدمون؛ إنما هاهنا موضع مجال رجل أو رجلين قد وقفوا عليه، وانقطعت الحرب، فبعث إليه: انصرف على بركة اللّه؛ فانصرف جعفر، وبعث الأفشين بالبغال التي كان جاء بها معه عليها المحامل؛ فجعلت فيها الجرحى ومن كان به وهن من الحجارة ولا يقدر على المشي؛ وأمر الناس بالانصراف؛ فانصرفوا إلى خندقهم بروذ الرّوذ، وأيس الناس من الفتح في تلك السنة، وانصرف أكثر المطوّعة.صراف؛ فانصرفوا إلى خندقهم بروذ الرّوذ، وأيس الناس من الفتح في تلك السنة، وانصرف أكثر المطوّعة. ثم إنّ الأفشين تجهزّ بعد جمعتين؛ فلمّا كان في جوف الليل؛ بعث الرجّالة الناشبة؛ وهم مقدار ألف رجل، فدفع إلى كل واحد منهم شكوة وكعكاً، ودفع إلى بعضهم أعلاماً سوداً وغير ذلك، وأرسلهم عند مغيب الشمس، وبعث معهم أدلاّء، فساروا ليلتهم في جبال منكرة صعبة على غير الطريق؛ حتى داروا فصاروا خلف التلّ الذي يقف آذين عليه - وهو جبل شاهق - وأمرهم ألاّ يعلم بهم أحد؛ حتى إذا رأوا أعلام الأفشين وصلّوا الغداة ورأوا الوقعة، ركبّوا تلك الأعلام في الرّماح، وضربوا الطبول، وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على الخرّمية؛ وإن هم لم يروا الأعلام لم يتحرّكوا حتى يأتيهم خبره؛ ففعلوا ذلك. فوافوا رأس الجبل عند السّحر، وجعلوا في تلك الشكاء الماء من الوادي؛ وصاروا فوق الجبل، فلمّا كان في بعض الليل وجّه الأفشين إلى القواد أن يتهيئوا في السلاح؛ فإنه يركب في السحر؛ فلما كان في بعض الليل، وجهّ بشيراً التركيّ وقوّاداً من الفراعنة كانوا معه؛ فأمرهم أن يسيوا حتى يصيروا تحت التلّ مع أسفل الوادي الذي حملوا منه الماء؛ وهو تحت الجبل الذي كان عليه آذين؛ وقد كان الأفشين علم أنّ الكافر يكمن تحت ذلك الجبل كلّما جاءه العسكر؛ فقصد بشير والفراعنة إلى ذلك الموضع الذي علم أن للخرمّية فيه عسكراً كامنين، فساروا في بعض الليل؛ ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر. ثم بعث للقوّاد: تأهبّوا للركوب في السلاح؛ فإن الأمير يغدو في السحر؛ فلمّا كان السّحر خرج وأخرج الناس، وأخرج النفّاطين والنفّاطات والشمع على حسب ما كان يخرج، فصلّى الغداة، وضرب الطبل، وركب حتى وافى الموضع الذي كان يقف فيه في كلّ مرّة، وبسط له النّطع، ووضع له الكرسيّ كعادته. وكان بخاراً خذاه يقف على العقبة التي كان يقف عليها في كلّ يوم؛ فلمّا كان ذلك اليوم صيّر بخاراً خذاه في المقدّمة مع أبي سعيد وجعفرٍ الخياط وأحمد بن الخليل؛ فأنكر الناس هذه التعبية في ذلك الوقت، وأمرهم أن يدنوا من التلّ الذي عليه آذين؛ فيحدقوا به؛ وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلك اليوم؛ فمضى الناس مع هؤلاء القوّاد الأربعة الذين سمّينا؛ حتى صاروا حول التلّ. وكان جعفر الخياط مما يلي باب البذّ. وكان أبو سعيد مما يليه، وبخاراً خذاه مما يلي أبا سعيد، وأحمد بن الخليل بن هشام ممّا يلي بخاراً خذاه؛ فصاروا جميعاً حلقة حول التلّ، وارتفعت الضجة من أسفل الوادي؛ وإذا الكمين الذي تحت التلّ الذي كان يقف عليه آذين قد وثب ببشير التركي والفراعنة؛ فحاربوهم واشتبكت الحرب بينهم ساعة. وسمع أهل العسكر ضجّتهم، فتحرّك الناس، فأمر الأفشين أن ينادوا: أيها الناس، هذا بشير التركيّ والفراعنة قد وجّهتهم؛ فأثاروا كميناً فلا تتحرّكوا. فلما سمع الرجّالة الناشبة الذين كانوا تقدموا، وصاروا فوق الجبل ركبوا الأعلام كما أمرهم الأفشين؛ فنظر الناس إلى أعلام تجيء من جبل شاهق؛ أعلام سود، وبين العسكر وبين الجبل نحو فرسخ؛ وهم ينحدرون على جبل آذين من فوقهم؛ قد ركبّوا الأعلام، وجعلوا ينحدرون يريدون آذين؛ فلّما نظر إليهم أهل عسكر آذين وجّه إليهم بعض رجّالته الذين معه من الخّرمية. ولما نظر الناس إليهم راعوهم؛ فبعث إليهم الأفشين: أولئك رجالنا أنجدتنا على آذين؛ فحمل جعفر الخياط وأصحابه على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليهم، فحملوا عليهم حملة شديدة، قلبوه وأصحابه في الوادي، وحمل عليهم رجل ممّن في ناحية أبي سعيد، يقال له معاذ بن محمد - أو محمد بن معاذ - في عدّة معه؛ فإذا تحت حوافز دوابّهم آبار محفورة تدخل أيدي الدوابّ فيها، فتساقطت فرسان أبي سعيد فيها؛ فوجّه الأفشين الكلغرية يقلعون حيطان منازلهم، ويطمون بها تلك الآبار؛ ففعلوا ذلك؛ فحمل الناس عليهم حملة واحدة؛ وكان آذين قد هيّأ فوق الجبل عجلاً عليها صخر؛ فلما حمل الناس عليه، دفع العجل على الناس فأفرجوا عنها، فقد خرجت؛ ثم حمل الناس من كلّ وجه فلمّا نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم، خرج من طوف البذّ، من باب مما يلي الأفشين، يكون بين هذا الباب وبين التلّ الذي عليه الأفشين قدر ميل. فأقبل بابك في جماعة معه يسألون عن الأفشين، فقال لهم أصحاب أبي دلف: من هذا؟ فقالوا: هذا بابك يريد الأفشين؛ فأرسل أبو دلف إلى الأفشين يعلمه بذلك؛ فأرسل الأفشين رجلاً يعرف بابك؛ فنظر إ ليه، ثم عاد إلى الأفشين، فقال: نعم هو بابك؛ فركب إليه الأفشين، فدنا منه حتى صار في موضع يسمع كلامه وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال له: أريد الأمان من أمير المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضت عليك هذا؛ وهو لك مبذولُ متى شئت، فقال: قد شئت الآن؛ على أن تؤجّلني أجلاً أحمل فيه عيالي، وأتجهّز. فقال له الأفشين: قد واللّه نصحتك غير مرّة فلم تقبل نصيحتي؛ وأنا أنصحك الساعة، خروجك اليوم في الأمان خيرٌ من غدٍ. قال: قد قبلت أيها الأمير؛ وأنا على ذلك؛ فقال له الأفشين: فابعث بالرهائن الذين كنت سألتك. قال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلك التلّ، فأمر أصحابك بالتوقف. قال: فجاء رسول الأفشين ليردّ الناس، فقيل له: أعلام الفراعنة قد دخلت البذّ وصعدوا بها القصور. فركب وصاح بالناس، فدخل ودخلوا، وصعد الناس بالأعلام فوق قصور بابك؛ وكان قد كمّن في قصوره - وهي أربعة - ستمائة رجل؛ فوافاهم الناس؛ فصعدوا بالأعلام فوق القصور، وامتلأت شوارع البذّ وميدانها من الناس، وفتح أولئك الكمناء أبواب القصور، وخرجوا رجّالة يقاتلون الناس. ومرّ بابك حتى دخل الوادي الذي يلي هشتادسر، واشتغل الأفشين وجميع قوّاده بالحرب عل أبواب القصور ،فقاتل الخرّمية قتالاً شديداً، وأحضر النفّاطين، فجعلوا يصبّون النّفط والنار، والناس يهدمون القصور؛ حتى قتلوا عن آخرهم. وأخذ الأفشين أولاد بابك ومن كان معهم في البذّ من عيالاتهم حتى أدركهم المساء، فأمر الأفشين بالانصراف فانصرفوا، وكان عامة الخرّمية في البيوت؛ فرجع الأفشين إلى الخندق بروذ الرّوذ. فذكر أن بابك وأصحابه الذين نزلوا معه الوادي حين علموا أنّ الأفشين قد رجع إلى خندقه، رجعوا إلى البذّ، فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله، وحملوا أموالهم، ثم دخلوا الوادي الذي يلي هشتادسر. فلمّا كان في الغد خرج الأفشين حتى دخل البذّ، فوقف في القرية، وأمر بهدم القصور، ووجّه الرّجالة يطوفون في أطراف القرية، فلم يجدوا فيها أحداً من العلوج، فأصعد الكلغريّة، فهدموا القصور وأحرقوها؛ فعل ذلك ثلاثة أيام حتى أحرق خزائنه وقصوره؛ ولم يدع فيها بيتاً ولا قصراً إلا أحرقه وهدمه؛ ثم رجع وعلم أنّ بابك قد أفلت في بعض أصحابه؛ فكتب الأفشين إلى ملوك أرمينية وبطارقتها يعلمهم أنّ بابك قد هرب وعدّة معه، وصار إلى وادٍ، وخرج منه إلى ناحية أرمينية؛ وهو مارّ بكم، وأمرهم أن يحفظ كلّ واحدً منه ناحيته، ولا يسلكها أحدٌ إلا أخذوه حتى يعرفوه. فجاء الجواسيس إلى الأفشين، فأخبروه بموضعه في الوادي؛ وكان وادياً كثير العشب والشجر، طرفه بإرمينة وطرفه الآخر بأذربيجان؛ ولم يكن الخيل أن تنزل إليه، ولا يرى من يستخفي فيه لكثرة شجرة ومياهه لما كانت غيضة واحدة؛ ويسمى هذا الوادي غيضة فوجه الأفشين إلى كل موضع يعلم أن منه طريقاً ينحدر منه إلى تلك الغيضة أو يمكن بابك أن يخرج من ذلك الطريق؛ فصير على كل طريق وموضع من هذه المواضع عسكراً فيه ما بين أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل ووجه معهم الكوهبانية ليقفوهم على الطريق وأمرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه أحد. وكان يوجه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره وكانت هذه العساكر خمسة عشر عسكراً، فكانوا كذلك حتى ورد كتاب أمير المؤمنين المعتصم بالذهب مختوماً فيه أمان لبابك. فدعا الأفشين من كان استأمن إليه من أصحاب بابك، وفيهم ابن له كبير، أكبر ولده فقال له وللأسرى: هذا ما لم أكن أرجوه من أمير المؤمنين، ولا أطمع له فيه أن يكتب إليه وهو في هذه الحال بأمان فمن يأخذه منكم ويذهب به إليه؛ فلم يحسر عل ذلك أحد منهم فقال بعضهم: أيها الأمير ما فينا أحد يجترىء أن يلقاه بهذا فقال له الأفشين: ويحك إنه يفرح بهذا، قالوا: أصلح الله الأمير! نحن أعرف بهذا منك؛ قال: فلا بد لكم من أن تهبوا لي أنفسكم وتوصلوا هذا الكتاب إليه فقام رجلان منهم فقالا له: اضمن لنا أنك تجري على عيالنا فضمن لهما الأفشين ذلك وأخذا الكتاب وتوجها فلم يزالا يدوران في الغيضة حتى أصاباه وكتب معهما ابن بابك بكتاب يعلمه الخبر، ويسأله أن يصير الأمان فهو أسلم له وخير فدفعا إليه كتاب ابنه فقرأه، وقل: أي شيء كنتم تصنعون؟ قالا: أسر عيالاتنا في تلك الليلة وصبياننا ولم نعرف موضعك فنأتيك وكنا في موضع تحوفنا أن يأخذونا فطلبنا الأمان. فقال للذي كان الكتاب معه: هذا لا أعرفه ولكن أنت يا بن الفاعلة: كيف اجترأ على هذا أن تجيئي من عند ذاك ابن الفاعلة! فأخذه وضرب عنقه وشد الكتاب على صدره مختوماً لم يفضه ثم قال الآخر: أذهب وقل لذامك لابن الفاعلة يعني ابنه حيث يكتب لي، وكتب إليه: لو أنك لحق بي واتبعت دعوتك حتى يجيئك الأم يوماً كنت ابني وقد صح عندي الساعة فساد أمك الفاعلة، يا بن الفاعلة عسى أن أعيش بعد اليوم قد كنت كتب باسم هذه الرياسة وحيثما كنت أو ذكرت كنت ملكاً ولكنك من جنس لا خير فيه وأنا أشهد أنك لست با بني تعيش يوماً واحداً وأنت رئيس خير أو تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل. ورحل موضعه من وضعه، ووجه مع الرجل ثلاثة نفر حتى أصعدوه من وضع من المواضع ثم الحقوا بباك فلم يزل في تلك الغيضة حتى فنى زاده وخرج مما يأتي طريقاً كان عليه بعض العساكر وكان موضع الطريق جبلاً ليس فيه ماء فلم يقدر العسكر أن يقيم على الطريق لبعده عن الماء فتنحى العسكر عن الطريق الى قرب الماء وصيروا كوهبانين وفارسين على طرف الطريق يحرسونه والعسكر بينه وبين الطريق نحو من ميل ونصف كل ينوب على الطريق كل يوم فارسان وكوهبانيان، فبيناهم ذات يوم نصف النهار إذ خرج بابك وأصحابه؛ ولم يروا أحداً، ولم يروا الفارسين والكوهبانيين، وظنوا أن ليس هناك عسكر؛ فخرج هو وأخواه: عبد اللّه ومعاوية وأمه وامرأة له يقال لها ابنة الكلندانية. فخرجوا من الطريق؛ وساروا يريدون إرمينية ونظر إليهم الفارسان والكوهبانيّان، فوجّهوا إلى العسكر، وعليه أبو الساج: إنا قدر رأينا فرساناً يمروّن ولا ندري من هم. فركب الناس، وساروا، فنظروا إليهم من بعد وقد نزلوا على عين ماء يتغدوّن عليها؛ فلمّا نظروا إلى الناس بادر الكافر فركب وركب من كان معه، فأفلت وأخذ معاوية وأمّ بابك والمرأة التي كانت معه، ومع بابك غلام له، فوجهّ أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر، ومرّ بابك متوجّهاً حتى دخل جبال إرمينية يسير في الجبال متكمناً، فاحتاج إلى طعام؛ وكان جميع بطارقة إرمينية قد تحفّظوا بنواحيهم وأطرافهم، وأوصوا مسالحهم ألا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه؛ فكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين؛ وأصاب بابك الجوع، فأشرف فإذا هو بحرّاث يحرث على فدان له بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل إلى هذا الحرّاث، وخذ معك دنانير ودراهم؛ فإن كان معه خبز فخذه وأعطه؛ وكان للحرّاث شريك ذهب لحاجته؛ فنزل الغلام إلى الحرّاث، فنظر إليه شريكه من بعيد، فوقف بالبعد يفرق من أن يجيء إلى شريكه وهو ينظر ما يصنع شريكه، فدفع الغلام إلى الحرّاث شيئاً، فجاء الحراث فأخذ الخبز، فدفعه إلى الغلام وشريكه قائم ينظر إليه؛ ويظنّ أنما اغتصبه خبزه؛ ولم يظنّ أنه أعطاه شيئاً، فعدا إلى المسلحة؛ فأعلمهم أن رجلاً جاءهم عليه سيف وسلاح؛ وأنه أخذ خبز شريكه من الوادي؛ فركب صاحب المسلحة - وكان في جبال ابن سنباط - ووجه إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط وجماعة معه حتى جاءه مسرعاً، فوافى الحراث والغلام عنده فقال له: ما هذا؟ قال له الحراث: هذا رجل مرّ بي، فطلب مني خبزاً فأعطيته، فقال للغلام: وأين مولاك؟ قال: ها هنا - وأومى إليه - فاتبعه فأدركه وهو نازل؛ فلما رأى وجهه عرفه، فترجل له ابن سنباط عن دابته، ودنا منه فقبل يده،، ثم قال له: يا سيداه؛ إلى أين؟ قال: أريد بلاد الروم - أو موضعاً سماه - فقال له: لا تجد موضعاً ولا أحداً أعرف بحقك؛ ولا أحق أن تكون عنده مني، تعرف موضعي؛ ليس بيني وبين السلطان عمل؛ ولا تدخل على أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقضيتي وبلدي؛ وكل من ها هنا من البطارقة إنما هم أهل بيتك، قد صار لك منهم أولاد؛ وذلك أن بابك كان إذا علم أن عند بعض البطارقة ابنة أو أختاً جميلة وجه إليها يطلبها؛ فإن بعث بها إليه وإلا بيته وأخذها وأخذ جميع ماله من متاع وغير ذلك، وصار به إلى بلده غضباً. ثم قال ابن سنباط له: صر عندي في حصني؛ فإنما هو منزلك؛ وأنا عبدك؛ كن فيه شتوتك هذه ثم ترى رأيك. وكان بابك قد أصابه الضر والجهد، فركن إلى كلام سهل بن سنباط؛ وقال له: ليس يستقيم أن أكون أنا وأخي في موضع واحد؛ فلعله أن يعثر بأحدنا فيبقى الآخر؛ ولكن أقيم عندك أنا ويتوجه عبد الله أخي إلى ابن اصطفانوس؛ لا ندري ما يكون؛ وليس لنا خلفٌ يقوم بدعوتنا. فقال له ابن سنباط: ولدك كثير، قال: ليس فيهم خير. وعزم على أن يصير أخاه في حصن ابن اصطفانوس - وكان يثق به - فصار هو مع ابن سنباط في حصنه فما أصبح عبد الله مضى إلى حصن ابن اصطفانوس؛ وأقام بابك عند ابن سنباط، وكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمه أن بابك عنده في حصنه. فكتب إليه: إن كان هذا صحيحاً فلك عندي وعند أمير المؤمنين - أيده الله - الذي تحب؛ وكتب يجزيه خيراً، ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته، ممن يثق به، ووجه به إلى ابن سنباط وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه إليه برجل من خاصته، يحب أن يرى بابك ليحكي للأفشين ذلك. فكره ابن سنباط أن يوحش بابك، فقال لرجل: ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذي يكون منكباً على طعامه يتغدى؛ فإذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطباخين الذين معنا على هيئة علوجنا وتعال كأنك تقدم الطعام، أو تناول شيئاً؛ فإنه يكون منكباً على الطعام؛ فتفقد منه ما تريد؛ فاذهب فاحكه لصاحبك. ففعل ذلك في وقت الطعام، فرفع بابك رأسه فنظر إليه فأنكره، فقال: من هذا الرجل؟ فقال له ابن سنباط: هذا رجل من أهل خراسان منقطع إلينا منذ زمان؛ نصراني. فلقن ابن سنباط الأشروسني ذلك. فقال له بابك: منذ كم أنت ها هنا؟ قال: منذ كذا وكذا سنة، قال: وكيف أقمت ها هنا؟ قال: تزوجت ها هنا، قال: صدقت إذا قيل للرجل: من أين أنت؟ قال: من حيث امرأتي. ثم رجع إلى الأفشين فأخبره، ووصف له جميع ما رأى ثم من بابك. ووجه الأفشين أبا سعيد وبوزبارة إلى ابن سنباط، وكتب إليه معهما، وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدما كتابه إلى ابن سنباط مع علج من الأعلاج، وأمرهما ألا يخالفا ابن سنباط فيما يشير به عليهما. ففعلا ذلك، فكتب إليهما ابن سنباط في المقام بموضع - قد سماه ووصفه لهما - إلى أن يأتيهما رسوله. فلم يزالا مقيمين بالموضع الذي وصفه لهما، ووجه إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد، حتى تحرك بابك للخروج إلى الصيد، فقال له: ها هنا وادٍ طيب، وأنت مغموم في جوف هذا الحصن! فلو خرجنا ومعنا بازي وباشق وما يحتاج إليه، فنتفرج إلى وقت الغداء بالصيد! فقال له بابك: إذا شئت. فأنفذ ليركبا بالغداة، وكتب ابن سنباط إلى أبي سعيد وبوزبارة يعلمهما ما قد عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه، واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر في عسكرهما وأن يسيرا متكمنين مع صلاة الصبح؛ فإذا جاءهما رسوله وأشرفا على الوادي، فانحدروا عليه إذا رأوهم وأخذوهم. فلما ركب ابن سنباط وبابك بالغداة وجه ابن سنباط رسولاً إلى أبي سعيد ورسولاً إلى بوزبارة، وقال لكل رسول: جيء بهذا إلى موضع كذا، وجئ بهذا إلى موضع كذا؛ فأشرفا علينا؛ فإذا رأيتمونا فقولوا: هم هؤلاء خذوهم؛ وأراد أن يشبه على بابك، فيقول: هذه خيل جاءتنا، فأخذتنا، ولم يحب أن يدفعه إليهما من منزله؛ فصار الرسولان إلى أبي سعيد وبوزبارة، فمضيا بهما حتى أشرفا على الوادي، فإذا هما ببابك وابن سنباط، فنظر إليه وانحدرا وأصحابهما عليه؛ هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا، وأخذاهما ومعهما البواشيق؛ وعلى بابك دراعة بيضاء وعمامة بيضاء، وخف قصير. ويقال كان بيده باشق؛ فلما نظر إلى العساكر قد أحدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له: انزل، فقال: ومن أنتما؟ فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، والآخر: أنا بوزبارة، فقال: نعم، وثنى رجله، فنزل، وكان ابن سنباط ينظر إليه؛ فرفع رأسه إلى ابن سنباط فشتمه، وقال: إنما بعتني لليهود بالشيء اليسير؛ لو أردت المال وطلبته لأعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء، فقال له أبو سعيد: قم فاركب، قال: نعم فحملوه وجاءوا به إلى الأفشين؛ فلما قرب من العسكر صعد الأفشين برزند، فضربت له خيمة على برزند، وأمر الناس فاصطفوا صفين، وجلس الأفشين في فازة، وجاءوا به ، وأمر الأفشين ألا يتركوا عربياً يدخل بين الصفين فرقاً أن يقتله إنسان أو يخرجه ممن قتل أولياءه، أو صنع به داهية. وكان قد صار إلى الأفشين نساء كثير وصبيان؛ ذكروا أن بابك كان أسرهم؛ وأنهم أحرار من العرب والدهاقين، فأمر الأفشين فجعلت لهم حظيرة كبيرة، وأسكنهم فيها، وأجرى لهم الخبز، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائهم حيث كانوا، فكان كل من جاء فعرف امرأة أو صبياً أو جارية، وأقام شاهدين أنه يعرفها وأنها حرمة له أو قرابة دفعها إليه؛ فجاء الناس، فأخذوا منهم خلقاً كثيراً، وبقي منهم ناس كثير ينتظرون أن يجيء أولياؤهم. ولما كان ذلك اليوم الذي أمر الأفشين الناس أن يصطفوا، فصار بين بابك وبينه قدر نصف ميل، أزل بابك يمشي بين الصفين في دراعته وعمامته وخفيه، حتى جاء فوقف بين يدي الأفشين فنظر إليه الأفشين، ثم قال: انزلوا به إلى العسكر؛ فنزلوا به راكباً، فلما نظر النساء والصبيان الذين في الحظيرة إليه طموا على وجوههم، وصاحوا به وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال لهم الأفشين: أنتم بالأمس؛ تقولون أسرنا، وأنتم اليوم تبكون عليه! عليكم لعنة الله. قالوا: كان يحسن إلينا. فأمر به الأفشين فأدخل بيتاً، ووكل به رجالاً من أصحابه. وكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط، صار إلى عيسى بن يوسف بن اصطفانوس؛ فلما أخذ الأفشين بابك، وصيره معه في عسكره ووكل به، أعلم بمكان عبد الله أنه عند ابن اصطفانوس؛ فكتب الأفشين إلى ابن اصطفانوس أن يوجه إليه بعبد الله؛ فوجه به ابن اصطفانوس إلى الأفشين، فلما صار في يد الأفشين حبسه مع أخيه في بيت واحد؛ ووكل بهما قوماً يحفظونهما. وكتب الأفشين إلى المعتصم بأخذه بابك وأخاه، فكتب المعتصم إليه يأمره بالقدوم بهما عليه، فلما أراد أن يسير إلى العراق وجه إلى بابك فقال: إني أريد أن أسافر بك، فانظر ما تشتهي من بلاد أذربيجان، فقال: أشتهي أن أنظر إلى مدينتي. فوجه معه الأفشين قوماً في ليلة مقمرة إلى البذ حتى دار فيه، ونظر إلى القتلى والبيوت إلى وقت الصبح، ثم رده إلى الأفشين؛ وكان الأفشين قد وكل به رجلاً من أصحابه فاستعفاه منه بابك، فقال له الأفشين: لم استعفيت منه؟ قال: يجئ ويده ملأى غمراً، حتى ينام عند رأسي فيؤذيني ريحها. فأعفاه منه. وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزبارة وديوداذ. وحج الناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم فمن ذلك قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه، ذكر أن قدومه عليه به كان ليلة الخميس ثلاث خلون من صفر بسامرا، وأن المعتصم كان يوجه إلى الأفشين كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافى سامراً فرساً وخلعة، وأن المعتصم لعنايته بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره، جعل من سامراً إلى عقبة حلوان خيلاً مضمرة، على رأس كل فرسخ فرساً معه مجر مرتب؛ فكان يركض بالخبر ركضاً حتى يؤديه من واحد إلى واحد، يداً بيد؛ وكان ما خلف حلوان إلى أذربيجان قد رتبوا فيه المرج؛ فكان يركض بها يوماً أو يومين ثم تبدل ويصير غيرها، ويحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ، وجعل لهم ديادبة على رءوس الجبال بالليل والنهار، وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر؛ فإذا سمع الذي يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذي نعر حتى يقف له على الطريق؛ فيأخذ الخريطة منه؛ فكانت الخريطة تصل من عسكر الأفشين إلى سامرا في أربعة أيام وأقل فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم فلما صار الأفشين ببابك إلى سامرا أنزله الأفشين في قصره بالمطيرة فلما كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبي داود متنكراً فرآه وكلمه ثم رجع إلى المعتصم فوصفه له فلم يصبر المعتصم حتى ركب إليه بين الحائطين في الحير فدخل إليه متنكراً، ونظر إليه وتأمله، وبابك لا يعرفه؛ فلما كان من غد قعد له المعتصم يوم اثنين أو خميس، واصطف الناس من باب العامةً إلى المطيرة، وأراد المعتصم أن يشهره ويريه الناس، فقال: على أي شيء يحمل هذا؟ وكيف يشهر! فقال حزام: يا أميرالمؤمنين؛ لا شيء أشهر من الفيل، فقال صدقت؛ فأمر بتهيئة الفيل، وأمر به فجعل في قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة؛ وهو وحده؛ فقال محمد بن عبد الملك الزيات: قد خضب الفيل كعادته ... يحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلا لذي شأنٍ من الشأن فاشتشرفه الناس من المطيرة إلى باب العامة؛ فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين، وأحضر جزاراً ليقطع يديه ورجليه؛ ثم أمر أن يحضر سيافه، فخرج الحاجب من باب العامة؛ وهو ينادي: نودنود - وهو اسم سياف بابك - فارتفعت صيحة بنودنود حتى حضر، فدخل دار العامة، فأمره أمير المؤمنين أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط، وأمر أمير المؤمنين بذبحه وشق بطن أحدهما ووجه برأسه إلى خراسان، وصلب بدنه بسامرا عند العقبة، فموضع خشبته مشهور، وأمر أن بحمل أخيه عبد الله مع ابن شروين الطبري إلى اسحاق بن إبراهيم خليفته بمدينة السلام، وأمره بضرب عنقه، وأن يفعل به مثل ما فعل بأخيه، وصلبه فلما صار به الطبري إلى البردان، نزل به ابن شروين في قصر البردان، فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين: من أنت؟ فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمد لله الذي وفق لي رجلاً من الدهاقين يتولى قتلي. قال: إنما يتولى قتلك هذا - وكان عنده نودنود، وهو الذي قتل بابك - فقال له: أنت صاحبي، وإنما هذا علج فأخبرني، أأمرت أن تطعمني شيئاً أم لا؟ قال: قل ما شئت، قال: اضرب لي فالوذجة قال: فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل، فأكل منها حتى تملأ، ثم قال: يا أبا فلان، ستعلم غداً أني دهقان إن شاء الله. ثم قال: تقدر أن تسقيني نبيذاً؟ قال؟ نعم، ولا تكثر، قال فإني لا أكثر، قال فأحضر أربعة أرطال خمر، فقعد فشربها على مهل إلى قريب من الصبح، ثم رحل في السحر، فوافى به مدينة السلام، ووافى به رأس الجسر، وأمر إسحاق ابن إبراهيم بقطع يديه ورجليه، فلم ينطق ولم يتكلم، وأمر بصلبه فصلب في الجانب الشرقي بين الجسرين بمدينة السلام. وذكر عن طوق بن أحمد، أن بابك ما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجه الأفشين أبا سعيد وبوزبارة، فأخذاه منه، فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه إلى الأفشين، فأمر لمعاوية بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها له من أمير المؤمنين، ومنطقة مغرقة بالجوهر وتاج البطرقة، فبطرق سهل بهذا السبب، والذي كان عنده عبد الله أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البيلقان. وذكر عن محمد بن عمران كاتب علي بن مر، قال: حدثني علي بن مر، عن رجل من الصعاليك يقال له مطر، قال: كان واله يا أبا الحسن بابك ابني، قلت: وكيف؟ قال: كنا مع ابن الرواد، وكانت أمه ترتوميذ العوراء من علوج ابن الرواد، فكنت أنزل عليها، وكانت مصكة، فكانت تخدمني وتغسل ثيابي، فنظرت إليها يوماً، فواثبتها بشبق السفر وطول الغربة، فأقررته في رحمها. ثم قال: غبنا غيبة بعد ذلك، ثم قدمنا فإذا هي تطلبني، فنزلت في منزل آخر، فصارت إلي يوماً، فقالت: حين ملأت بطني تنزل ها هنا وتتركني! فأذاعت أنه مني، فقلت: والله لئن ذكرتني لأقتلنك؛ فأمسكت عني، فهو واله ابني. وكان يجزي الأفشين في مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق، والأنزال والمعاون في كل يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، وفي كل يوم لا يركب فيه خمسة آلاف درهم. وكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة إنسان، وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد بن الجنيد، وأسره وزريق بن علي بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسي وإبراهيم بن الليث، وأسر مع بابك ثلاثة آلاف وثلثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهم سبعة آلاف وستمائة إنسان، وعدة من صار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلاً ومن البنات والكنات ثلاث وعشرون امرأة، فتوج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف ألف درهم، منها عشرة آلاف ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرقها في أهل عسكره، وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه، وأمر للشعراء بصلات، وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وكان مما قيل فيه قول أبي تمام الطائي: بذ الجلاد البذ فهو دفين ... ما إن به إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر في ... هيجاء إلا عز هذا الدين قد كان عذرة سودد فافتضها ... بالسيف فحل المشرق الأفشين فأعادها تعوي الثعالب وسطها ... ولقد ترى بالأمس وهي عرين هطلت عليها من جماجم أهلها ... ديمٌ أمارتها طلى وشؤون كانت من المهجات قبل مفازةً ... عسراً، فأصبحت وهي منه معين ذكر خبر إيقاع الروم بأهل زبطرةوفي هذه السنة أوقع توفيل بن ميخائيل صاحب الروم بأهل زبطرة، فأسرهم وخرب بلدهم، ومضى من فوره إلى ملطية فأغار على أهلها وعلى أهل حصون من حصون الملسلمين؛ إلى غير ذلك؛ وسبا من المسلمات - فيما قيل - أكثر من ألف امرأة، ومثل بمن صار في يده من المسلمين، وسمل أعينهم، وقطع آذانهم وآنافهم. ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك: ذكر أن السبب في ذلك كان ما لحق ببابك من تضييق الأفشين عليه وإشرافه على الهلاك، وقهر الأفشين إياه؛ فلما أشرف على الهلاك، وأيقن بالضعف من نفسه عن حربه، كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جورجس؛ يعلمه أن ملك العرب قد وجه عساكره ومقاتلته إليه حتى وجه حياطه - يعني جعفر بن دينار - وطباخه - يعني إيتاخ - ولم يبق على بابه أحد؛ فإن أردت الخروج إليه فاعلم أنه ليس في وجهك أحد يمنعك؛ طمعاً منه بكتابه ذلك إليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض من بإزائه من جيوشه إلى ملك الروم، واشتغاله به عنه. فذكر أن توفيل خرج في مائة ألف - وقيل أكثر - فيهم من الجند نيف وسبعون ألفاً، وبقيتهم أتباع حتى صار إلى زبطرة، ومعه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب جماعة رئيسهم بارسيس. وكان ملك الروم قد فرض لهم، وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم في أهم أموره إليه؛ فلما دخل ملك الروم زبطرة وقتل الرجال الذين فيها، وسبى الذرارى والنساء التي فيها وأحرقها، بلغ النفير - فيما ذكر - إلى سامراً، وخرج أهل ثغور الشأم والجزيرة وأهل الجزيرة إلا من لم يكن عنده دابة ولا سلاح، واستعظم المعتصم ذلك. فذكر أنه لما انتهى إليه الخبر بذلك صاح في قصره النفير، ثم ركب دابته وسمط خلفه كشالاً وسكة حديد وحقيبة، فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبية، فجلس - فيما ذكر - في دار العامة، وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل، ومعهما ثلثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع. فجعل ثلثاً ولده، وثلثاً لله، وثلثاً لمواليه. ثم عسكر بغربي دجلة؛ وذلك يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى. ووجه عجيف بن عنبسة وعمراً الفرغاني ومحمد كوتة وجماعة من القواد إلى زبطرة إعانة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى باده بعد ما فعل ما قد ذكرناه، فوقفوا قليلاً؛ حتى تراجع الناس إلى قراهم، واطمأنوا. فلما ظفر المعتصم ببابك، قال: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل: عمورية، لم يعرض لها أحد من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية وبنكها؛ وهي أشرف عندهم من القسطنطينية. ذكر الخبر عن فتح عمويةوفي هذه السنة شخص المعتصم غازياً إلى بلاد الروم. وقيل كان شخوصه إليها من سامراً في سنة أربع وعشرين ومائتين - وقيل في سنة اثنتين وعشرين ومائتين - بعد قتله بابك. فذكر أنه تجهز جهازاً لم يتجهز مثله قبله خليفة قط، من السلاح والعدد والآلة وحياض الأدم والبغال والروايا والقرب وآلة الحديد والنفط، وجعل على مقدمته أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنته إيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة. ولما دخل بلاد الروم أقام على نهر اللمس. وهو على سلوقية قريباً من البحر، بينه وبين طرسوس مسيرة يوم، وعليه يكون الفداء إذا فودي بين المسلمين والروم، وأمضى المعتصم الأفشين خيذر بن كاوس إلى سروج وأمره بالبروز منها والدخول من درب الحدث، وسمي له يوماً أمره أن يكون دخوله فيه، وقدر لعسكره وعسكر أشناس يوماً جعله بينه وبين اليوم الذي يدخل فيه الأفشين، بقدر ما بين المسافتين إلى الموضع الذي رأى أن يجتمع العساكر فيه - وهو أنقرة - ودبر النزول على أنقرة، فإذا فتحها الله عليه صار إلى عمّورية، إذ لم يكن شيء مما يقصد له من بلاد الروم أعظم من هاتين المدينتين، ولا أحرى أن تجعل غايته التي يؤمّها. وأمر المعتصم أشناس أن يدخل من درب طرسوس، وأمره بإنتظاره بالصفّصاف فكان شخوص أشناس يوم الأربعاء لثمان بقين من رجب، وقدّم المعتصم وصيفاً في أثر أشناس على مقدّمات المعتصم، ورحل المعتصم يوم الجمعة لست بقين من رجب. فلما صار أشناس بمرج الأسقفّ، ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمه أن الملك بين يديه، وأنه يريد أن يجوز العساكر اللمس، فيقف على المخاضة، فيكسبهم، ويأمره بالمقام بمرج الأسقفّ - وكان جعفر بن دينار على ساقة المعتصم - وأعلم المعتصم أشناس في كتابه أن ينتظر موافاة الساقة، لأن فيها الأثقال والمجانيق والزّاد وغير ذلك؛ وكان ذلك بعد في مضيق الدرب لم يخلص، ويأمره بالمقام إلى أن يتخلص صاحب الساقة من مضيق الدرب بمن معه، ويصحر حتى يصير في بلاد الروم. فأقام أشناس بمرج الأسقفّ ثلاثة أيام؛ حتى ورد كتاب المعتصم، يأمره أن يوّجه قائداً من قوّاده في سريّة يلتمسون رجلاً من الروم، يسألونه عن خبر الملك ومن معه، فوجه أشناس عمراً الفرعانيّ في مائتي فارس، فساروا ليلتهم حتى أتوا حصن قرّة فخرجوا يلتمسون رجلاً من حول الحصن؛ فلم يمكن ذلك، ونذر بهم صاحب قرّة، فخرج في جميع فرسانه الذين كانوا معه بالفرة، وكمن في الجبل الذي فيما بين قرّة ودرّة؛ وهو جبل كبير يحيط برستاق يسمى رستاق قرّة، وعلم عمرو الفرعاني أن صاحب قرّة قد نذر بهم، فتقدّم إلى درّة، فكمن بها ليلته؛ فلما إنفجر عمود الصبح صيّر عسكره ثلاثة كراديس، وأمرهم أن يركضوا ركضاً سريعاً، بقدر ما يأتونه بأسير عنده خبر الملك، ووعدهم أن يوافوه به في بعض المواضع التي عرفها الأدلاّء، ووجّه مع كل كردوس دليلين. وخرجوا مع الصبح، فتفرقّوا في ثلاثة وجوه؛ فأخذوا عدّة من الروم؛ بعضهم من أهل عسكر الملك، وبعضهم من الضواحي؛ وأخذ عمرو رجلاً من الروم من فرسان أهل القرّة، فسأله عن الخبر؛ فأخبره أن الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللمس بأربعة فراسخ، وأنّ صاحب قرّة نذر بهم في ليلتهم هذه، وأنه ركب فكمن في هذا الجبل فوق رءوسهم؛ فلم يزل عمرو في الموضع الذي كان وعد فيه أصحابه، وأمر الأدلاء الذين معه أن يتفرّقوا رءوس الجبال، وأن يشرفوا على الكراديس الذين وجّههم إشفاقاً أ يخالفهم صاحب قرذة إلى أحد الكراديس، فرآهم الأدلاّء، ولوّحوا لهم، فأقبلوا فتوافواهم وعمرو في موضع غير الموضع الذي كانوا اتعّدوا له، ثم نزلوا قليلاً، ثم ارتحلوا يريدون العسكر، وقد أخذوا عدة ممن كان في عسكر الملك، فصاروا إلى أشناس في اللمس، فسألهم عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يوماً ينتظر عبور المعتصم ومقدمّته باللمس ؛فيواقعهم من وراء اللمس ،وأنه جاءه الخبر قريباً، أنه قد رحل من ناحية الأرمنياق عسكر ضخم ، وتوسط البلاد - يعني عسكر الأفشين - وأنه قد صارخلفه. فأمر الملك رجلاً من أهل بيته ابن خاله، فأستخلفه على عسكره، وخرج ملك الروم في طائفة من عسكره يريد ناحية الأفشين، فوجّه أشناس بذلك الرجل الذي أخبره بهذا الخبر إلى المعتصم، فأخبره بالخبر، فوجه المعتصم من عسكره قوماً من الأدلاء، وضمن لهم لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم؛ على أن يوافوا بكتابه الأفشين، وأعلمه فيه أن أمير المؤمنين مقيم، فليقم إشفاقاً من أن يواقعه ملك الروم. وكتب إلى أشناس كتاباً يأمره أن يوجه من قبله رسولاً من الأدلاء الذين يعرفون الجبال والطرق والمشبهة بالروم، وضمن لكل رجل منهم عشرة آلاف درهم إن هو أوصل الكتاب، ويكتب إليه أن ملك الروم قد أقبل نحوه فليقم مكانه حتى يوافيه كتاب أمير المؤمنين. فتوجهت الرسل إلى ناحية الأفشين، فلم يلحقه أحد منهم؛ وذلك أنه كان وغل في بلاد الروم، وتوافت آلات المعتصم وأصقاله مع صاحب الساقة إلى العسكر، فكتب إلى أشناس يأمره بالتقدم؛ فتقدم أشناس والمعتصم من ورائه، بينهم مرحلة، ينزل هذا ويرحل هذا. ولم يرد عليهم من الأفشين خبر؛ حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاث مراحل؛ وضاق عسكر المعتصم ضيقاً شديداً من الماء والعلف. وكان أشناس قد أسر عدة أسرى في طريقه، فأمر بهم فضربت أعناقهم حتى بقي منهم شيخٌ كبير؛ فقال الشيخ: ما تنتفع بقتلي؛ وأنت في هذا الضيق، وعسكرك أيضاً في ضيق من الماء والزاد، وها هنا قوم قد هربوا من أنقرة خوفاً من أن ينزل بهم ملك العرب؛ وهم بالقرب منا ها هنا، معهم من الميرة والطعام والشعير شيء كثير، فوجه معي قوماً لأدفعهم إليهم، وخل سبيلي!. فنادى منادي أشناس: من كان به نشاط فليركب، فركب معه قريب من خمسمائة فارس؛ فخرج أشناس حتى صار من العسكر على ميل، وبرز معه من نشط من الناس ثم برز فضرب دابته بالسوط، فركض قريباً من ميلين ركضاً شديداً، ثم وقف ينظر إلى أصحابه خلفه؛ فمن لم يلحق بالكردوس لضعف دابته رده إلى العسكر، ودفع الرجل الأسير إلى مالك بن كيدر، وقال له: متى ما أراك هذا سبياً وغنيمة كثيرة فخل سبيله على ما ضمنا له. فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة، فأوردهم على واد وحشيش كثير، فأمرج الناس دوابهم في الحشيش حتى شبعت، وتعشى الناس وشربوا حتى رووا، ثم سار بهم حتى أخرجهم من الغيضة، وسار أشناس من موضعه الذي كان به متوجهاً إلى أنقرة. وأمر مالك بن كيدر والأدلاء الذين معه أن يوافوه بأنقرة، فسار بهم الشيخ العلج بقية ليلتهم يدور بهم في جبل ليس يخرجهم منه، فقال الأدلاء لمالك بن كيدر: هذا الرجل يدور بنا، فسأله مالك عما ذكر الأدلاء، فقال: صدقوا، القوم الذين تريدهم خارج الجبل، وأخاف أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوت حوافر الخيل على الصخر؛ فيهربوا، فإذا خرجنا من الجبل ولم نر أحداً قتلني، ولكن أدور بك في هذا الجبل إلى الصبح؛ فإذا أصبحنا خرجنا إليهم، فأريتك إياهم حتى آمن ألا تقتلني. فقال له مالك: ويحك! فأنزلنا في هذا الجبل حتى تستريح، فقال: رأيك؛ فنزل مالك ونزل الناس على الصخرة، وأمسكوا لجم دوابهم حتى انفجر الصبح؛ فلما طلع الفجر قال: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل، فينظران ما فوقه، فيأخذان من أدركا فيه، فصعد أربعة من الرجال، فأصابوا رجلاً وامرأة؛ فأنزلوهما، فساءلهما العلج: أين بات أهل أنقرة؟ فسموا لهم الموضع الذي باتوا فيه، مالك عنهما، ثم سار بهم العلج إلى الموضع الذي سماه لهم، فأشرف بهم على العسكر عسكر أهل أنقرة، وهم في طرف ملاحة فلما رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان، فدخلوا الملاحة، ووقفوا لهم على طرف الملاحة يقاتلون بالقنا، ولم يكن موضع حجارة ولا موضع خيل، وأخذوا منهم عدة أسرى وأصابوا في الأسرى عدة بهم جراحات عتق من جراحات متقدمة، فساءلوهم عن تلك الجراحات، فقالوا: كنا في وقعة الملك مع الأفشين، فقالوا لهم: حدثونا بالقضية فأخبروهم أن الملك كان معسكراً على أربعة فراسخ من اللمس؛ حتى جاءه رسول، أن عسكراً ضخماً قد دخل من ناحية الأرميناق، فاستخلف على عسكره رجلاً من أهل بيته، وأمره بالمقام في موضعه؛ فإن ورد عليه مقدمة ملك العرب، واقعه إلى أن يذهب هو فيواقع العسكر الذي دخل الأرميناق - يعني عسكر الأفشين - فقال أميرهم: نعم؛ وكنت ممن سار مع الملك، فواقعناهم صلاة الغداة فهزمناهم، وقتلنا رجالتهم كلهم، وتقطعت عساكرنا في طلبهم؛ فلما كان الظهر رجع فرسانهم، فقاتلونا قتالاً شديداً حتى حرقوا عسكرنا، واختلطوا بنا واختلطنا بهم؛ فلم ندر في أي كردوس الملك! فلم نزل كذلك إلى وقت العصر، ثم رجعنا إلى موضع عسكر الملك الذي كنا فيه فلم نصادفه، فرجعنا إلى موضع معسكر الملك الذي خلفه على اللمس، فوجدنا العسكر قد انتقض، وانصرف الناس عن الرجل قرابة الملك الذي كان الملك استخلفه على العسكر؛ فأقمنا على ذلك ليلتنا؛ فلما كان الغد، وأفانا الملك في جماعة يسيرة، فوجد عسكره قد اختل، وأخذ الذي استخلفه على العسكر، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون ألا يأخذوا رجلاً ممن انصرف من عسكر الملك إلا ضربوه بالسياط، أو يرجع إلى موضع سماه لهم الملك انحاز إليه ليجتمع إليه الناس، ويعسكر به، ليناهض ملك العرب؛ ووجه خادماً له خصياً إلى أنقرة على أن يقيم بها، ويحفظ أهلها إن نزل بها ملك العرب. قال الأسير: فجاء الخصي إلى أنقرة، وجئنا معه، فإذا أنقرة قد عطلها أهلها، وهربوا منها، فكتب الخصي إلى ملك الروم يعلمه ذلك، فكتب إليه الملك يأمره بالمسير إلى عمورية. قال: وسألت عن الموضع الذي قصد إليه أهلها - يعني أهل أنقرة - فقالوا لي: إنهم بالملاحة فلحقنا بهم. قا مالك بن كيدر: فدعوا الناس كلهم، خذوا ما أخذتم، ودعوا الباقي، فترك الناس السبي والمقاتلة وانصرفوا راجعين يريدون عسكر أشناس، وساقوا في طريقهم غنماً كثيراً وبقراً، وأطلق ذلك الشيخ الأسير مالك وسار إلى عسكر أشناس بالأسرى؛ حتى لحق بأنقرة فمكث أشناس يوماً واحداً، ثم لحقه المعتصم من غد؛ فأخبره بالذي به الأسير، فسرّ المعتصم بذلك. فلمّا كان اليوم الثالث جاءت البشرى من ناحية الأفشين يخبرون بالسلامة، وأنه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة. قال: ثم ورد المعتصم الأفشين بعد ذلك اليوم بيوم بأنقرة، فأقاموا بها أياماً، ثم صيّر العسكر ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، والأفشين في الميمنة؛ وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر منهم أن يكون له ميمنة وميسرة، وأن يحرقّوا القرى ويخرّبوها، ويأخذوا من لحقوا فيها من السّبى، وإذا كان وقت النزول توافى كلّ أهل عسكر إلى صاحبهم ورئيسهم، يفعلون ذلك فيما بين أنقرة إلى عموّريّة؛ وبينهما سبع مراحل؛ حتى توافت العساكر بعمّورية. قال: فلما توافت العساكر بعمّورية، كان أوّل من وردها أشناس؛ وردها يوم الخميس ضحوة، فدار حولها دورة، ثم نزل على ميلين منها بموضع فيه ماء وحشيش؛ فلما طلعت الشمس من الغد، ركب المعتصم، فدار حولها دورةً، ثم جاء الأفشين في اليوم الثالث، فقسمها أمير المؤمنين بين القواد كما تدور؛ صيّر إلى كل واحد منهم أبراجاً منها على قدر كثرة أصحابه وقلّتهم، وصار لكلّ قائد منهم ما بين البرجين إلى عشرين برجاً، وتحصّن أهل عمّورية وتحرّزوا. وكان رجلٌ من المسلمين قد أسره أهل عمورية، فتنصر وتزوج فيهم، فحبس نفسه عند دخولهم الحصن، فلما رأى أمير المؤمنين ظهر وصار إلى المسليمن، وجاء إلى المعتصم، وأعلمه أن موضعاً من المدينة حمل الوادي عليه من مطر جاءهم شديد، فحمل الماء عليه، فوقع السور من ذلك الموضع، فكتب ملك الروم إلى عامل عمورية أن يبنى ذلك الموضع، فتوانى في بنائه حتى كان خروج الملك من القسطنطينية إلى بعض المواضع، فتخوف الوالي أن يمر الملك على تلك الناحية فيمر بالسور، فلا يراه بني، فوجه خلف الصناع فبنى وجه السور بالحجارة حجراً حجراً، وصير وراءه من جانب المدينة حشواً، ثم عقد فوقه الشرف كما كان، فوقف ذلك الرجل المعتصم على هذه الناحية التي وصف، فأمر المعتصم فضرب مضربه في ذلك الموضع، ونصب المجانيق على ذلك البناء، فانفرج السور من ذلك الموضع، فلما رأى أهل عمورية انفراج السور، علقوا عليه الخشب الكبار، كل واحد بلزق الأخرى؛ فكان حجر المنجنيق إذا وقع على الخشب تكسر، فعلقوا خشباً غيره، وصيروا فوق الخشب البراذع ليترسوا السور. فلما ألحت المجانيق على ذلك الموضع، انصدع السور، فكتب ياطس والخصي إلى ملك الروم، كتاباً يعلمانه أمر السور، ووجها الكتاب مع رجل فصيح بالعربية وغلام رومي، وأخرجاهما من الفصيل، فعبروا الخندق، ووقعا إلى ناحية أبناء الملوك المضمونين إلى عمرو الفرغاني، فلما خرجا من الخندق أنكروهما فسألوهما: من أين أنتما؟ قالا لهم: نحن من أصحابكم، قالوا: من أصحاب من أنتم؟ فلم يعرفا أحداً من قواد أهل العسكر يسميانه لهم، فأنكروهما، وجاءوا بهما إلى عمر الفرغاني بن أربخا، فوجه بهما عمرو إلى أشناس، فوجه بهما أشناس إلى المعتصم، فساءلهما المعتصم، وفتشهما، فوجد معهما كتاباً من ياطس إلى ملك الروم، يعلمه فيه أن العسكر قد أحاط بالمدينة في جمع كثير، وقد ضاق بهم الموضع. وقد كان دخوله ذلك الموضع خطأ - وأنه قد اعتزم على أن يركب، ويحمل خاصة أصحابه على الدواب التي في الحصن، ويفتح الأبواب ليلاً غفلة، ويخرج فيحمل على العسكر كائناً فيه ما كان؛ أفلت فيه من أفلت، وأصيب فيه من أصيب؛ حتى يتخلص من الحصار، ويصير إلى الملك. فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر للرجل الذي يتكلم منهما بالعربية والغلام الرومي الذي معه ببدرة، فأسلما وخلع عليهما، وأمر بهما حين طعت الشمس فأدارهما حول عمورية، فقالا: ياطس يكون في هذا البرج، فأمر بهما فوقفا بحذاء البرج الذي فيه ياطس طويلاً، وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدارهم وعليهما الخلع، ومعهما الكتاب حتى فهمهما ياطس وجميع الروم، وشتموهما من فوق السور، ثم أمر بهما المعتصم فنحوهما، وأمر المعتصم أن يكون الحراسة بينهم نوائب؛ في كل ليلة يحضرها الفرسان، يبيتون على دوابهم بالسلاح وهم وقوف عليها؛ لئلا يفتح الباب ليلاً، فيخرج من عمورية إنسان، فلم يزل الناس يبيتون كذلك نوائب على ظهور الدواب في السلاح ودوابهم بسروجهما، حتى انهدم السور ما بين برجين من الموضع الذي وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله. وسمع أهل العسكر الوجبة فتشوفوا، وظنوا أن العدو قد خرج على بعض الكراديس حتى أرسل المعتصم من طاف على الناس في العسكر يعلمهم أن ذلك صوت السور وقد سقط، فطيبوا نفساً. وكان المعتصم حين نزل عمورية ونظر إلى سعة خندقها وطول سورها؛ وكان قد استاق في طريقه غنماً كثيرة، فدبر في ذلك أن يتخذ مجانيق كباراً على قدر ارتفاع السور، ويسع كل منجنيق منها أربعة رجال وعملها أوثق ما يكون وأحكمه، وجعلها على كراسي تحتها عجل ودبر في ذلك أن يدفع الغنم إلى أهل العسكر إلى كل رجل شاة فيأكل لحمها، ويحشو جلدها تراباً ثم يؤتى بالجلود مملوءة تراباً؛ حتى تطرح في الخندق. ففعل ذلك بالخندق، وعمل دبابات كباراً تسع كل دبابة عشرة رجال، وأحكمها على أن يدحرجها على الجلود المملوءة تراباً حتى يمتلئ الخندق ففعل ذك وطرحت الجلود فلم تقع الجلود مستوية منضدة خوفاً منهم من حجارة الروم، فوقعت مختلفة؛ ولم يكن تسويتها، فأمر أن يطرح فوقها التراب حتى استوت، ثم قدمت دبابة فدحرجها، فلما صارت من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود، وبقي القوم فيها؛ فما تخلصوا منها إلا بعد جهد. ثم مكثت تلك العجلة مقيمة هناك، لم يكن فيها حيلة حتى فتحت عموريته، وبطلت الدبابات والمنجنيقات والسلاليم وغير ذلك حتى أحرقت فلما كان من الغد قاتلهم على الثلمة؛ وكان أول من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضيقاً، فلم يمكنهم الحرب فيه؛ فأمر المعتصم بالمنجنيقات الكبار التي كانت متفرقة حول السور، فجمع بعضها إلى بعض، وصيرها حول الثلمة، وأمر أن يرمى ذلم الموضع؛ وكانت الحرب في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه، فأجادوا الحرب وتقدموا. وكان المعتصم واقفاً على دابته بإزاء الثلمة وأشناس وأفشين وخواص القواد معه؛ وكان باقي القواد الذين دون الخاصة وقوفاً رجالة، فقال المعتصم: ما كان أحسن الحرب اليوم! فقال عمر الفرغاني: الحرب اليوم أجود منها أمس، وسمعها أشناس فأمسك؛ فلما انتصف النهار، وانصرف المعتصم إلى مضربه، فتغدى وانصرف القواد إلى مضاربهم يتغدون، وقرب أشناس من باب مضربه، ترجل له القواد كما كانوا يفعلون؛ وفيهم عمر الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام فمشوا بين يديه كعادته عند مضربه، فقال لهم أشناس: يا أولاد الزنا، أيش تمشون بين يدي! كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقولون: إن الحرب اليوم أحسن منها أمس كان أمس يقاتل غيركم، انصرفوا إلى مضاربكم. فلما انصرف عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام قال أحدهما للآخر: أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة - يعني أشناس - ما صنع بنا اليوم! أليس الدخول إلى بلاد الروم أهون من هذا الذي سمعناه اليوم! فقال عمرو الفرغاني لأحمد بن الخليل - وكان عند عمرو خبر - : يا أبا العباس، سيكفيك الله أمره، عن قريب أبشر. فأوهم أحمد أن عنده خبراً، فألح عليه أحمد يسأله؛ فأخبره بما هم فيه؛ وقال: إن العباس بن المأمون قد تم أمره، وسنبايع له ظاهراً، ونقتل المعتصم وأشناس وغيرهما عن قريب. ثم قال له: أشير عليك أن تأتي العباس، فتقدم فتكون في عداد من مال إليه. فقال له أحمد: هذا أمر لا أحسبه يتم، فقال له عمرو: قد تم وفرغ، وأرشده إلى الحارث السمرقندي - قرابة سلمة بن عبيد الله بن الوضاح؛ وكان المتولي لإيصال الرجال إلى العباس وأخذ البيعة عليهم - فقال له عمرو: أنا أجمع بينك وبين الحارث حتى تصير في عداد أصحابنا، فقال له أحمد: أنا معكم إن كان هذا الأمر يتم بيننا وبين عشرة أيام، وإن جاوز ذلك فليس بيني وبينكم عمل؛ فذهب الحارث، فلقى العباس فأخبره إن عمراً قد ذكره لأحمد بن الخليل، فقال له: ما كنت أحب أن يطلع الخليل على شيء من أمرنا؛ أمسكوا عنه؛ ولا تشركوه في شيء من أمركم، دعوه بينهما. فأمسكوا عنه. فلما كان في اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين خاصة، ومعهم المغاربة والأتراك، والقيم بذلك إيتاخ، فقاتلوا فأحسنوا واتسع لهم الموضع المنثلم؛ فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت في الروم الجراحات. وكان قواد ملك الروم عند ما نزل بهم عسكر المعتصم اقتسموا البروج؛ لكل قائد وأصحابه عدة أبرجة؛ وكان الموكل بالموضع الذي انثلم من السور رجلاً من قواد الروم يقال له وندوا، وتفسيره بالعربية " ثور " ؛ فقاتل الرجل وأصحابه قتالاً شديداً بالليل والنهار والحرب عليه وعلى أصحابه، لم يمده ياطس ولا غيره بأحد من الروم؛ فلما كان بالليل مضى القائد الموكل بالثلمة إلى الروم، فقال: إن الحرب علي وعلى أصحابي، ولم يبق أحد إلا قد جرح؛ فصّيروا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلاً؛ وإلا افتضحتم وذهبت المدينة. فأبوا أن يمدوه بأحد، فقالوا: سلم السور من ناحيتنا، وليس نسألك أن تمدنا؛ فشأنك وناحيتك؛ فليس لك عندنا مدد. فاعتزم هو وأصحابه على أن يخرجوا إلى أمير المؤمنين المعتصم، ويسألوه الأمان على الذرية، ويسلموا إليه الحصن بما فيه من الخرثى والمتاع والسلاح وغير ذلك. فلما أصبح وكل أصحابه بجنبي الثلمة؛ وخرج فقال: إني أريد أمير المؤمنين؛ وأمر أصحابه ألا يحاربوا حتى يعود إليهم؛ فخرج حتى وصل إلى المعتصم؛ فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة؛ وقد أمسك الروم عن الحرب حتى وصلوا إلى السور، والروم يقولون بأيديهم: لا تحيوا، وهم يتقدموا، ووندوا بين يدي المعتصم جالس؛ فدعا المعتصم بفرس فحمله عليه، وقابل حتى صار الناس معهم على حرف الثلمة، وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم، فأومأ إلى الناس بيده: أن ادخلوا، فدخل الناس المدينة، فالتفت وندوا، وضرب بيده إلى لحيته، فقال له المعتصم: مالك؟ قال: جئت أريد أن أسمع كلامك وتسمع كلامي، فغدرت بي؛ فقال المعتصم: كل شيء تريد أن تقوله فهو لك علي، قل ما شئت؛ فإني لست أخالفك. قال: أيشٍ لا تخالفني وقد دخلوا المدينة! فقال المعتصم: اضرب بيدك إلى ما شئت فهو لك، وقل ما شئت فإني أعطيكه. فوقف في مضرب المعتصم. وكان ياطس في برجه الذي هو فيه وحوله جماعة من الروم مجتمعين، وصارت طائفة منهم إلى كنيسة كبيرة في زاوية عمورية؛ فقاتلوا قتالاً شديداً، فأحرق الناس الكنيسة عليهم فاحترقوا عن آخرهم، وبقي ياطس في برجه حول أصحابه، وباقي الروم وقد أخذتهم السيوف؛ فبين مقتول ومجروح؛ فركب المعتصم عند ذلك حتى جاء فوقف حذاء ياطس؛ وكان مما يلي عسكر أشناس، فصاحوا: يا ياطس، هذا أمير المؤمنين؛ فصاح الروم من فوق البرج: ليس ياطس ها هنا، قالوا: بلى، قولوا له: إن أمير المؤمنين واقف، فقالوا ليس ياطس ها هنا. فمر أمير المؤمنين مغضباً، فلما جاوز صاح الروم: هذا ياطس، هذا ياطس! فرجع المعتصم إلى حيال البرج حتى وقف؛ ثم أمر بتلك السلاليم التي هيئت، فحمل سلّم منها، فوضع على البرج الذي هو فيه، وصعد عليه الحسن الرومي - غلام لأبي سعيد محمد بن يوسف - وكلمه ياطس، فقال: هذا أمير المؤمنين، فانزل على حكمه؛ فنزل الحسن، فأخبر المعتصم أنه قد رآه وكلمه، فقال المعتصم: قل له فلينزل؛ فصعد الحسن ثانية، فخرج ياطس من البرج متقلداً سيفاً حتى وقف على البرج والمعتصم ينظر إليه، فخلع سيفه من عنقه، فدفعه إلى الحسن، ثم نزل ياطس، فوقف بين يدي المعتصم؛ فقنّعه سوطاً، وانصرف المعتصم إلى مضربه، وقال: هاتوه، فمشى قليلاً، ثم جاءه رسول المعتصم، أن احملوه، فذهب به إلى مضرب أمير المؤمنين. ثم أقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه حتى امتلأ العسكر؛ فأمر المعتصم بسيل الترجمان أن يميز الأسرى، فيعزل منهم أهل الشرف والقدر من الروم في ناحية، ويعزل الباقين في ناحية؛ ففعل ذلك بسيل. ثم أمر المعتصم فوكل بالمقاسم قواده، ووكل أشناس بما يخرج من ناحيته، وأمره أن ينادي عليه، ووكل الأفشين بما يخرج من ناحيته، وأمره أن ينادي ويبيع، وأمر إيتاخ بناحيته مثل ذلك؛ وجعفراً الخياط بمثل ذلك في ناحيته، ووكل مع كل قائد من هؤلاء رجلاً من قبل أحمد بن أبي داود يحصى عليه، فبيعت المقاسم في خمسة أيام؛ بيع منها ما استباع، وأمر بالباقي فضرب بالنار، وارتحل المعتصم منصرفاً إلى أرض طرسوس. ولما كان يوم إيتاخ قبل أن يرتحل المعتصم منصرفاً، وثب الناس على المغنم الذي كان إيتاخ على بيعه، وهو اليوم الذي كان عجيف وعد الناس فيه أن يثب بالمعتصم، فركب المعتصم بنفسه ركضاً، وسل سيفه، فتنحى الناس عنه من بين يديه، وكفوا عن انتهاب المغنم، فرجع إلى مضربه؛ فلما كان من الغد أمر ألا ينادى على السبي إلا ثلاثة أصوات، ليتروح البيع، فمن زاد بعد ثلاثة أصوات، وإلا بيع العلق؛ فكان يفعل ذلك في اليوم الخامس؛ فكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، وعشرة عشرة، والمتاع الكثير جملة واحدة. قال:وكان ملك الروم قد وجه رسولاً في أول ما نزل المعتصم على عمورية فأمر به المعتصم فأنزل على موضع الماء الذي كان الناس يستقون منه؛ وكان بينه وبين عمورية ثلاثة أميال؛ ولم يأذن له في المصير إليه حتى فتح عمورية، فلما فتحها أذن له في الانصراف إلى ملك الروم؛ فانصرف وانصرف المعتصم يريد الثغور؛ وذلك أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره، أو يريد التعبث بالعسكر؛ فمضى في طريق الجادة مرحلة؛ ثم رجع إلى عمورية، وأمر الناس بالرجوع، ثم عدل عن طريق الجادة إلى طريق وادي الجور، ففرق الأسرى على القواد، ودفع إلى كل قائد من القواد طائفة منهم يحفظهم، ففرقهم القواد على أصحابهم، فساروا في طريق نحواً من أربعين ميلاً؛ ليس فيه ماء؛ فكان كل من امتنع من الأسرى أن يمشي معهم لشدة العطش الذي أصابهم ضربوا عنقه؛ فدخل الناس في البرية في طريق وادي الجور فأصابهم العطش، فتساقط الناس والدواب وقتل بعض الأسرى بعض الجند وهرب. وكان المعتصم قد تقدم العسكر، فاستقبل الناس، ومعه الماء قد حمله من الموضع الذي نزله، وهلك الناس في هذا الوادي من العطش، وقال الناس للمعتصم: إن هؤلاء الأسرى قد قتلوا بعض جندنا، فأمر عند ذلك بسيل الرومي بتمييز من له القدر منهم، فعزلوا ناحية، ثم أمر بالباقين فأصعدوا إلى الجبال، وأنزلوا إلى الأودية فضربت أعناقهم جميعاً، وهم مقدار ستة آلاف رجل؛ قتلوا في موضعين بوادي الجور وموضع آخر. ورحل المعتصم من ذلك الموضع يريد الثغر حتى دخل طرسوس، وكان قد نصب له الحياض من الأدم حول العسكر من الماء إلى العسكر بعمورية والحياض مملوءة، والناس يشربون منها لا يتعبون في طلب الماء. وكانت الوقعة التي وقعت بين الأفشين وملك الروم - فيما ذكر - يوم الخميس لخمس بقين من شعبان وكانت إناخة المعتصم على عمورية يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان، وقفل بعد خمسة وخمسين يوماً. وقال الحسين بن الضحاك الباهلي يمدح الأفشين، ويذكر وقعته التي كانت بينه وبين ملك الروم: أثبت المعصوم عزاً لأبي ... حسنٍ أثبت من ركن إضم كل مجدٍ دون ما أثله ... لبني كاوس أملاك العجم إنما الأفشين سيفٌ سله ... قدر الله بكف المعتصم لم يدع بالبذ من ساكنةٍ ... غير أمثالٍ كأمثال إرم ثم أهدى سلماً بابكه ... رهن حجلين نجيا الندم وقرا توفيل طعناً صادقاً ... فض جمعيه جميعاً وهزم قتل الأكثر منهم ونجا ... من نجا لحماً على ظهر وضم ذكر خبر المعتصم مع العباس بن المأمونوفي هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه. ذكر الخبر عن سبب فعله ذلك ذكر أن السبب كان في ذلك أن عجيف بن عنبسة حين وجهه المعتصم إلى بلاد الروم، لما كان من أمر ملك الروم بزبطرة مع عمرو بن أربخا الفرغاني ومحمد كوتة، لم يطلق يد عجيف في النفقات كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عجيف وأفعاله، واستبان ذلك لعجيف، فوبخ عجيف العباس على ما تقدم من فعله عند وفاة المأمون حين بايع أبا إسحاق وعلى تفريطه فيما فعل، وشجعه على أن يتلافى ما كان منه. فقبل العباس ذلك، ودس رجلاً يقال له الحارث السمرقندي، قرابة عبيد الله بن الوضاح - وكان العباس يأنس به، وكان الحارث رجلاً أديباً له عقل ومداراة - فصيره العباس رسوله وسفيره إلى القواد؛ فكان يدور في العسكر حتى تألف له جماعة من القواد، وبايعوه وبايعه منهم خواص، وسمى لكل رجل من قواد المعتصم رجلاً من ثقات أصحابه ممن بايعه، ووكله بذلك وقال: إذا أمرنا بذلك؛ فليثب كل رجل منكم على من ضمناه أن يقتله، فضمنوا له ذلك، فكان يقول للرجل ممن بايعه: عليك يا فلان أن تقتل فلاناً، فيقول: نعم، فوكل من بايعه من خاصة المعتصم بالمعتصم ومن خاصة الأفشين بالأفشين، ومن خاصة أشناس بأشناس؛ ممن بايعه من الأتراك، فضمنوا ذلك جميعاً. فلما أرادوا أن يدخلوا الدّرب وهم يريدون أنقرة وعمّورية، ودخل الأفشين من ناحية ملطية، أشار عجيف على العباس أن يثب على المعتصم في الدّرب وهو في قلة من الناس، وقد تقطعت عنه العساكر، فيقتله ويرجع إلى بغداد؛ فكان الناس يفرحون من الغزو، فأبى العباس عليه، وقال: لا أفسد هذه الغزاة؛ حتى دخلوا بلاد الروم، وافتتحوا عمّورية، فقال عجيف للعباس: يا نائم، كم تنام! قد فتحت عمّوريّة، والرجل ممكن، دسّ قوماً ينتبهون هذا الخرثيّ، فإنه إذا بلغه ذلك ركب بسرعة، فتأمر بقتله هناك، فأبى العباس، وقال، أنتظر حتى يصير إلى الدّرب، فيخلو كما خلا في البدأة؛ فهو أمكن منه هاهنا. وكان عجيف قد أمر من ينتهب المتاع، فانتهب بعض الخرثيّ في عسكر إيتاخ. فركب المعتصم وجاء ركضاً، فسكن الناس، ولم يطلق العباس أحداً من أولئك الرجال الذين كان واعدهم، فلم يحدثوا شيئاً، وكرهوا أن يفعلوا شيئاً بغير أمره. وكان عمرو الفرغانيّ قد بلغه الخبر ذلك اليوم؛ ولعمرو الفرغانيّ قرابة، غلام أمرد في خاصة المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمرو يشرب عندهم تلك في الليلة، فأخبرهم أن أمير المؤمنين ركب مستعجلاً؛ وأنه كان يعدو بين يديه، وقال: إنّ أمير المؤمنين قد غضب اليوم، فأمرني أن أسلّ سيفي، وقال: لا يستقبلك أحد إلا ضربته، فسمع عمرو ذلك من الغلام، فأشفق عليه أن يصاب، فقال له: يا بنيّ، أنت أحمق، أقلّ من الكينونة عند أمير المؤمنين بالليل، والزم خيمتك؛ فإن سمعت صيحةً مثل هذه الصيحة، أو شغباً أو شيئاً فلا تبرح من خيمتك؛ فإنك غلام غرّ؛ لست تعرف بعد العساكر. فعرف الغلام مقالة عمرو. وارتحل المعتصم من عمّوريّة يريد الثغر، ووجّه الأفشين ابن الأقطع في طريق خلاف طريق المعتصم، وأمره أن يغير على موضع سمّاه له، وأن يوافيه في بعض الطريق؛ فمضى ابن الأقطع، وتوجّه المعتصم يريد الثغر، فسار حتى صار إلى موضع أقام فيه ليريح ويستريح، وليسلك الناس من المضيق الذي بين أيديهم. ووافى ابن الأقطع عسكر الأفشين بما أصاب من الغنائم؛ وكان عسكر المعتصم على حدة وعسكر الأفشين على حدة، بين كل عسكر قدر ميلين أو أكثر، واعتلّ أشناش فركب المعتصم صلاة الغداة يعوده؛ فجاء إلى مضربه فعاده؛ ولم يكن الأفشين لحقه بعد. ثم خرج المعتصم منصرفاً، فتلقاه الأفشين في الطريق، فقال له المعتصم: تريد أبا جعفر. وكان عمرو الفرغانيّ وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة أشناس توجهاً إلى ناحية عسكر الأفشين لينظرا ما جاء به ابن الأقطع من السّبى فيشتريا منه ما أعجبهما، فتوجها ناحية عسكر الأفشين ولقيهما الأفشين يريد أشناس - فترجّلا، وسلمّا عليه، ونظر إليهما حاجب أشناس من بعد، فدخل الأفشين إلى أشناس، ثم انصرف، وتوجّها إلى عسكر الأفشين، فلم يكن السّبى أخرج بعد، فوقفا ناحية ينتظران أن ينادي على السّبي، فيشتريا منه؛ ودخل حاجب أشناس على أشناس، فقال، إن عمراً الفرغاني وأحمد بن الخليل تلقيا الأفشين؛ وهما يريدان عسكره، فترجلا وسلما عليه وتوجها إلى عسكره. فدعا أشناس محمد بن سعيد السعدي فقال له: اذهب إلى عسكر الأفشين فانظر هل ترى هناك عمراً الفرغاني وأحمد بن الخليل،! وانظر عند من نزلا وأي شيء قصتهما؟ فجاء محمد بن سعيد، فأصابهما واقفين على ظهور دوابهما فقال: ما أوقفكما ها هنا؟ قالا: وقفنا ننتظر سبي ابن الأقطع يخرج؛ فنشتري بعضه فقال لهما محمد بن سعيد: وكلا وكيلا يشتري لكما، فقال: لا نحب أن نشتري إلا ما نراه؛ فرجع محمد، فأخبر أشناس بذلك فقال لحاجبه: قل لهؤلاء الزموا عسكركم: فهو خير لكم - يعني عمراً وابن الخليل - ولا تذهبوا ها هنا وها هنا. فدعا الحاحب إليهما، فأعلمهما، فاعتما لذلك واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس؛ فصارا إلى صاحب الخبر، فقالا: نحن عبيد أمير المؤمنين، يضمنا إلى من شاء؛ فإن هذا الرجل يستخف بنا، وقد شتمنا وتوعدنا، ونحن نخاف أن يقدم علينا، فليضمنا أمير المؤمنين إلى من أحب. فأنهى صاحب الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه، واتفق الرحيل صلاة الغداة؛ وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها، وسار أشناس والأفشين وجميع القواد في عسكر أمير المؤمنين، وكلوا خلفاءهم بالعساكر؛ فيسيرون بها. وكان الأفشين على الميسرة وأشناس على الميمنة؛ فلما ذهب أشناس إلى المعتصم قال له: أحسن أدب عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل؛ فإنهما قد حمقا أنفسهما؛ فجاء أشناس ركضاً إلى معسكره، فسأل عن عمرو وابن الخليل، فأصاب عمر أروكان ابن الخليل قد مضى في المسيرة يبادر الروم، فجاءه بعمرو الفرغاني؛ وقال: هاتوا سياطاً فمكث طويلاً مجرد أليس يؤتى بالسياط؛ فتقدم عمه إلى أشناس، فكلمه في عمرو - وكان عمه أعجمياً - وعمرو واقف، فقال: احملوه، فألبسوه قباء طاق، فحملوه على بغل في قبة، وساروا به إلى العسكر، وجاء أحمد بن الخليل وهو يركض، فقال: احبسوا هذا معه، فأنزل عن دابته، وصير عديلته، ودفعا إلى محمد بن سعيد السعدي يحفظهما؛ فكان يضرب لهما مضرباً في فازة وحجرة ومائدة، ويفرش لهما فرشاً وطية، وحوضاً من ماء وأثقالهما وغلماتهما في العسكر؛ لم يحرك منها شيء؛ فلم يزالا كذك حتى صارا إلى جبل الصفصاف. وكان أشناس على الساقة، وكان بغا على ساقة عسكر المعتصم فلما صار بالصفصاف، وسمع الغلام الفرغاني قرابة عمرو بحبس عمرو، ذكر الغلام للمعتصم ما دار بينه وبين عمرو من الكلام في تلك الليلة، مما قال له عمرو؛ إذا رأيت شغباً فالزم خيمتك؛ فقال المعتصم لبغا: لا ترحل غداً حتى تجىء أشناس، فتأخذ منه عمراً، وتلحقني به، وكان هذا بالصفصاف. فوقف بغا بأعلامه ينتظر أشناس، وجاء محمد بن سعيد ومعه عمرو وأحمد ابن الخليل، فقال بغا لأشناس: أمرني أمير المؤمنين أن أوافيه بعمرو الساعة، فأنزل عمرو، وجعل مع أحمد بن الخليل في القبة رجل يعادله، ومضى بغا بعمرو إلى المعتصم، فأرسل أحمد بن الخليل غلاماً من غلمانه إلى عمرو، لينظر ما يصنع به؛ فرجع الغلام فأخبره أنه أدخل على أمير المؤمنين، فمكث ساعة ثم دفع إلى إيتاخ؛ وكان أمير المؤمنين لما دخل ساء له عن الكلام الذي قاله للغلام قرابته؛ فأنكر وقال: هذا الغلام كان سكران ولم يفهم ولم أقل شيئاً مما ذكره فأمر به فدفع إلى إيتاخ، وسار المعتصم حتى صار إلى باب مضايق البدندون، وأقام أشناس ثلاثة أيام على مضيق البدنون ينتظر أن تتخلص عساكر أمير المؤمنين؛ لأنه كان على الساقة، فكتب أحمد بن الخليل إلى أشناس رقعة يعلمه أن لأمير المؤمنين عنده نصيحة، وأشناس مقيم على مضيق البدندون، فبعث إليه أشناس بأحمد بن الخصيب وأبي سعيد محمد ابن يوسف يسألانه عن النصيحة، فذكر أن لا غير إلا أمير المؤمنين فرجعا فأخبرا أشناس بذلك، فقال: راجعا فاحلفا له: إني حلفت بحياة أمير المؤمنين؛ إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة أن أضربه بالسياط حتى يموت؛ فرجعا فأخبرا أحمد بن الخليل بذلك. فأخرج جميع من عنده، وبقي أحمد بن الخصيب وأبو سعيد فأخبرهما بما ألقى إليه عمرو الفرغاني من أمر العباس، وشرح لهما جميع ما كان عنده، وأخبرهما بخبر الحارث السمرقندي، فانصرفا إلى أشناس فأخبراه بذلك، فبعث أشناس في طلب الحدادين فجاءوا بحدادين من الجند، فدفع إليهما حديداً، فقال اعملا لي قيداً مثل قيد أحمد بن الخليل، وعجلا به الساعة، ففعلا ذلك؛ فلما كان عنده حبسه، وكان حاجب أشناس يبيت عند أحمد بن الخليل مع محمد بن سعيد السعدي. فلما كان تلك الليلة عند العتمة ذهب الحاجب إلى خيمة الحارث السمرقندي فأخرجه منها، وجاء به إلى أشناس فقيده، وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين فحمله الحاحب إليه، واتفق رحيل أشناس صلاة الغداة، فجاء أشناس إلى موضع معسكره، فتلقاه الحارث معه رجل من قبل المعتصم، وعليه خلع، فقال له أشناس: مه، فقال: القيد الذي كان في رجل صار في رجل العباس. وسأل المعتصم الحارث حين صار إليه عن أمره، فأقر أنه كان صاحب خبر العباس وأخبره بجميع أمره بجميع أمره وجميع من بايع العباس من القواد فأطلق المعتصم الحارث وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم وكثرة من سمى منهم. وتحير المعتصم في أمر العباس فدعا به حين خرج إلى الدرب فأطلقه ومناه، وأوهمه أنه قد صفح عنه، وتغدى معه، وصرفه إلى مضربه، ثم دعاه بالليل، فنادمه على النبيذ، وسقاه حتى أسكره؛ واستخلفه ألا يكتمه من أمره شيئاً، فشرح له قصته، وسمى له جميع من كان دب في أمره، وكيف كان السبب في ذلك في كل واحد منهم، فكتبه المعتصم وحفظه، ثم دعا الحارث السمرقندي بعد ذلك، فسأله عن الأسباب، فقص عليه مثل ما قص عليه العباس ثم أمر بعد ذلك بتقييد العباس، ثم قال للحارث: قد رضتك على أن تكذب؛ فأجد السبيل إلى سفك دمك فلم تفعل، فقد أفلت، فقال له: يأمير المؤمنين ولست بصاحب كذب. ثم دفع العباس إلى الأفشين، ثم تتبّع المعتصم أولئك القوّاد، فأخذوا جميعاً، فأمر أن يحمل أحمد بن الخليل على بغل بإكاف بلا وطاء، ويطرح في الشمس إذا نزل، ويطعم في كل يوم رغيفاً واحداً، وأخذ عجيف بن عنبسة فيمن أخذ من القوّاد، فدفع من سائر القواد إلى إيتاخ، ودفع ابن الخليل إلى أشناس، فكان عجيف وأصحابه يحملون في الطريق على بغال بأكف بلا وطاء، وأخذ الشاه بن سهل - وهو الرأس ابن الرأس من أهل قرية من خراسان يقال لها سجستان - فدعا به المعتصم والعباس بين يديه، فقال له: يا بن الزانية، أحسنت إليك فلم تشكر! فقال له الشاه بن سهل: ابن الزانية هذا الذي بين يديك - يعني العباس - لو تركني هذا كنت أنت الساعة لا تقدر أن تقعد في هذا المجلس وتقول لي: يا بن الفاعلة؟ فأمر به المعتصم، فضربت عنقه؛ وهو أوّل من قتل من القواد ومعه صحبه، ودفع عجيف إلى إيتاخ فعلّق عليه حديداً كثيراً وحمله على بغل في محمل بلا وطاء. وأما العبّاس فكان في يدي الأفشين؛ فلما نزل المعتصم منبج - وكان العباس جائعاً - سأل الطعام، فقدّم إليه طعام كثير؛ فأكل فلمّا طلب الماء منع وأدرج في مسحٍ، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته. وأما عمرو الفرغانيّ، فإنه لما نزل المعتصم بنصيبين في بستان، دعا صاحب البستان، فقال له: احفر بئراً في موضع أومأ إليه بقدر قامة، فبدأ صاحب البستان فحفرها، ثم دعا بعمرو والمعتصم جالسٌ في البستان، قد شرب أقداحاً من نبيذ؛ فلم يكلمه المعتصم، ولم يتكلم عمرو حتى مثل بين يديه، فقال: جرّدوه، فجرّد، وضرب بالسياط ضربة الأتراك، والبئر تحفر؛ حتى إذا فرغ من حفرها قال صاحب البستان: قد حفرتها، فأمر المعتصم عند ذلك فضرب وجه عمرو وجسده بالخشب؛ فلم يضرب حتى سقط، ثم قال: جرّوه إلى البئر فاطرحوه فيها، فلم يتكلم عمرو ولم ينطق يومه ذلك، حتى مات فطرح في البئر، وطمّت عليه. وأما عجيف بن عنبسة؛ فلما صار بباعيناثا، فوق بلد قليلاً، مات في المحمل، فطرح عند صاحب المسلحة، وأمر أن يدفن فيها، فجاء به إلى جانب حائط خرب فطرحه عليه فقبر هناك. وذكر عن عليّ بن حسن الرّيداني أنه قال: كان عجيف في يد محمد ابن ابراهيم بن مصعب، فسأله المعتصم عنه؛ فقال له: يا محمد، لم يمت عجيف؟ يا سيّدي اليوم يموت، ثم أتى محمد مضربه، فقال لعجيف يا أبا صالح، أيّ شيء تشتهي؟ قال أسفيدباج وحلوى فالوذج، فأمر أن يعمل له من كلّ طعام؛ فأكل وطلب الماء فمنع؛ فلم يزل يطلب وهو يسوق حتى مات، فدفن بباعيناثا. قال: وأما التركيّ الذي كان ضمن للعباس قتل أشناس متى ما أمره العباس - وكان كريماً على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه في ليل ولا نهار - فإنه أمر بحبسه، فحبسه أشناس قبله في بيت، وطيّن عليه الباب، وكان يلقي إليه في كلّ يوم رغيفاً وكوز ماء؛ فأتاه ابنه في بعض أيامه، فكلمه من وراء الحائط، فقال له، يا بني، لو كنت تقدر لي على سكين كنت أقدر أن أتخلص من موضعي هذا؛ فلم يزل ابنه يتلطف في ذلك حتى أوصل إليه سكيناً فقتل به نفسه. وأما السندي بن بختاشة، فأمر المعتصم أن يوهب لابنه بختاشة - لأن بختاشة لم يكن يتلطخ بشئ من أمر العباس - فقال المعتصم: لا يفجع هذا الشيخ بابنه؛ فأمر بتخلية سبيله. وأما أحمد بن الخليل؛ فإنه دفعه أشناس إلى محمد بن سعيد السعدي، فحفر له بئراً في الجزيرة بسامرا، فسأل عنه المعتصم يوماً من الأيام، فقال لأشناس: ما فعل أحمد بن الخليل؟ فقال له أشناس: هو عند محمد بن سعيد السعدي، قد حفرله بئراً وأطبق عليه، وفتح له فيها كوة ليرمي إليه بالخبز والماء. فقال المعتصم: هذا ما أحسبه قد سمن على هذه الحال؛ فأخبر أشناس محمد بن سعيد بذلك؛ فأمر محمد بن سعيد أن يسقى الماء، ويصب عليه في البئر حتى يموت: ويمتلئ البئر؛ فلم يزل يصب عليه الماء، والرمل ينشف الماء؛ فلم يغرق ولم يمتلئ البئر؛ فأمر أشناس بدفعه إلى غطريف الخجندي، فدفع إليه فمكث عنده أياماً، ثم مات فدفن. وأما هرثمة بن النصر الختلي، فكان والياً على المراغة؛ وكان في عداد من سماه العباس أنه من أصحابه؛ فكتب في حمله في الحديد، فتكلم فيه الأفشين، واستوهبه من المعتصم، فوهبه له فكتب الأفشين كتاباً إلى هرثمة ابن النضر يعلمه أن أمير المؤمنين قد وهبه له، وأنه قد ولاه البلد الذي يصل إليه الكتاب فيه، فورد به الدينور عند العشاء مقيداً، فطرح في الخان، وهو موثق في الحديد، فوافاه الكتاب في جنح الليل، فأصبح وهو والي الدينور. وقتل بافي القواد ومن لم يحفظ اسمه من الأاراك والفراعنة وغيرهم، قتلوا جميعاً. وورد المعتصم سامراً سالماً بأحسن حال، فسمى العباس: اللعين يومئذ، ودفع ولد سندس من ولد المأمون إلى إيتاخ فحبسوا في سرداب من داره ثم ماتوا بعد. وجرح في هذه السنة في شوال إسحاق بن إبراهيم؛ جرحه خادم له. وحج بالناس فيها محمد بن داود. ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن مخالفة مازيار بطبرستان فما كان فيها من ذلك إظهار مازيار بن قارن بن ونداهرمز بطبرستان الخلاف على المعتصم، ومحاربته أهل السفح والأمصار منها ذكر الخبر عن سبب إظهاره الخلاف على المعتصم وفعله ما فعل من الوثوب بأهل السفح: ذكر أن السبب في ذلك، كان أن مازيار بن قارن كان منافراً لآل طاهر، لا يحمل إليهم الخراج؛ وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إلى عبد الله بن طاهر، فيقول: لا أحمله إليه؛ ولكني أحمله إلى أمير المؤمنين؛ فكان المعتصم إذا حمل المازيار إليه الخراج، يأمر: إذا بلغ المال همذان رجلاً من قبله أن يستوفيه ويسلمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليرده إلى خراسان؛ فكانت هذه حاله في السنين كلها. ونافر آل طاهر حتى تفاقم الأمر بينهم وكان الأفشين يسمع من المعتصم أحياناً كلاماً يدل على أنه يريد عزل آل طاهر عن خراسان؛ فلما ظفر الأفشين ببابك، ونزل من المعتصم المنزلة التي لم يتقدمه فيها أحدٌ، طمع في ولاية خراسان، وبلغته منافرة مازيار آل طاهر، فرجا أن يكون ذلك سبباً لعزل عبد الله بن طاهر، فدس الأفشين الكتب إلى المازيار يستمليه بالدهقنة، ويعلمه ما هو عليه من المودة له، وأنه قد وعد ولاية خراسان؛ فدعا ذلك المازيار إلى ترك حمل خراجه إلى عبد الله ابن طاهر، وواتر عبد الله بن طاهر الكتب فيه إلى المعتصم؛ حتى أوحش المعتصم منه وأغضبه عليه، وحمل ذلك المازيار إلى أن أوثب وخالف، ومنع الخراج، وضبط جبال طبرستان وأطرافه. وكان ذلك مما يسر الأفشين ويطعمه في الولاية؛ فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربة مازيار، وكتب الأفشين إلى المازيار يأمره بمحاربة عبد الله بن طاهر، ويعلمه أنه يقوم له عند المعتصم بما يحب، وكاتبه المازيار أيضاً؛ فلا يشك الأفشين أن المازيار سيواقف عبد الله بن طاهر ويقاومه، حتى يحتاج المعتصم إلى أن يوجهه وغيره إليه. فذكر عن محمد بن حفص الثقفي الطبري أن المازيار لما عزم على الخلاف، دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه كرهاً، وأخذ منهم الرهائن، فحسبهم في برج الأصبهذ، وأمر أكرة الضياع بالوثوب بأرباب الضياع وانتهاب أموالهم؛ وكان المازيار يكاتب بابك، ويحرضه ويعرض عليه النصرة. فلما فرغ المعتصم من أمر بابك أشاع الناس أن أمير المؤمنين يريد المسير إلى قرماسين، ويوجه الأفشين إلى الري لمحاربة مازيار؛ فلما سمع المازيار بإرجاف الناس بذلك، أمر أن يمسح البلد، خلا من قاطع على ضياعه بزيادة العشرة ثلاثة، ومن لم يقاطع رجع عليه، فحسب ما عليه من الفضل ولم يحسب له النقصان. ثم أنشأ كتاباً إلى عامله على الخراج، وكان عامله عليه رجلاً يقال له شاذان بن الفضل، نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم؛ إن الأخبار تواترت علينا، وصحت عندا بما يرجف به جهال أهل خراسان وطبرستان فينا، ويولدون علينا من الأخبار ويحملون عليه رءوسهم؛ من التعصب لدولتنا والطعن في تدبيرنا، والمراسلة لأعدائا وتوقع الفتن، وانتظار الدوائر فينا، جاحدين للنعم مستقلين للأمن والدعة والرفاهية والسعة التي آثرهم الله بها، فما يرد الري قائد ولا مشرق ولا مغرب، ولا يأتينا رسول صغير ولا كبير إلا قالوا كيت وكيت، ومدوا أعاقهم نحوه، وخاضوا فيما قد كذب الله أحدوثتهم، وخيب " أمانيهم " فيه مرة بعد مرة، فلاتنهاهم الأولى عن الآخرة، ولا يزجرهم عن ذلك تقية ولا خشية، كل ذلك نغضى عليه، وتجرع مكروهه، استبقاء على كافّتهم، وطلباً للصلاح والسلامة لهم إلحاحاً؛ فلا يزيدهم ؛إستبقاؤنا إلاّ لجاجاً، ولا كفّنا عن تأديبهم إلا إغراء؛ إن أخّرنا عنهم افتتاح الخراج نظراً لهم ورفقاً بهم قالوا: معزول، وإن بادرنا به قالوا: لحادث أمر؛ لا يزدجرون عن ذلك بالشدّة إن أغلطنا، ولا برفق إن أنعمنا؛ واللّه حسبنا وهو ولينا؛ عليه نتوكل وإليه ننيب. وقد أمرنا بالكتاب إلى بندار آمل والرّويان في استغلاق الخراج في عملهما، وأجّلاهما في ذلك إلى سلخ تيرماه؛ فاعلم ذلك، وجرّد جبايتك، واستخرج ما على أهل ناحيتك كملاً، ولا يمضيّن عنك تيرماه، ولك درهم باقٍ؛ فإنك إن خالفت ذلك إلى غيره لم يكن جزاؤك عندنا إلا الصلب؛ فانظر لنفسك، وحام عن مهجتك وشمّر في أمرك، وتابع كتابك إلى العباس. وإياك والتغرير؛ واكتب بما يحدث منك من اإنكماش والتّشمير؛ فإنا قد رجونا أن يكون في ذلك مشغلة لهم عن الأراجيف، ومانع عن التسويف؛ فقد أشاعوا في هذه الأيام أن أمير المؤمنين أكرمه اللّه صائر إلى قرماسي، وموجّه الأفشين إلى الرّيّ. ولعمري لئن فعل أيده اللّه ذلك؛ إنه لممّا يسرّنا اللّه به، ويؤنسنا بجواره، ويبسط الأمل فيما قد عوّدنا من فؤائده وإفضاله، ويكبت أعداءه وأعداءنا؛ ولن يهمل أكرمه اللّه أموره ويرفض ثغوره، والتصرف في نواحي ملكه؛ لأراجيف مرجف بعماله، وقول قائل في خاصّته؛ فإنه لا يسرب أكرمه اللّه جنده إذا سرّب، ولا يندب قواده إذا ندب؛ إلا في المخالف. فاقرأ كتابنا هذا على من بحضرتك من أهل الخراج؛ يبلّغ شاهدهم غائبهم؛ وعنف عليهم في استخراجه، ومن همّ بكسره. فليبد بذلك صحفته؛ لينزل اللّه به ما أنزل بأمثاله؛ فإنّ لهم أسوةً في الوظائف وغيرها بأهل جرجان والرّيّ وما والاهما؛ فإنما خفف الخلفاء عنهم خراجهم، ورفعت الرفائع عنهم التي كانت إليهم في محاربة أهل الجبال ومغازي الديلم الضّلال؛ وقد كفى اللّه أمير المؤمنين أعزّه اللّه ذلك كله، وجعل أهل الجبال والديلمك جنداً وأعواناً، واللّه المحمود. قال: فلما ورد كتاب المازيار على شاذان بن الفضل عامله على الخراج، أخذ الناس بالخراج، فجبى جميع الخراج في شهرين، وكان يجبي في اثني عشر شهراً، في كلّ أربعة أشهر الثلث؛ وإنّ رجلاً يقال له عليّ بن يزداد العطار؛ وهو ممن أخذ منه رهينة، هرب وخرج من عمل المازيار، فأخبر أبو صالح سرخستان بذلك؛ وكان خليفة المازيار على سارية، فجمع وجوه أهل مدينة ستارية، وأقبل يوبّخهم، ويقول: كيف يطمئن الملك إليكم! أم كيف يثق بكم! وهذا عليّ بن يزداد ممن قد حالف وبايع، وأعطى الرهينة ثم نكث وخرج، وترك رهينته؛ فأنتم توفون بيمين، ولا تكرهون الحلف والحنث، فكيف يثق بكم الملك، أم كيف يرجع لكم إلى ماتحبون! فقال بعضهم: نقتل الرهينة حتىلا يعود غيره إلى الهرب، فقال لهم: أتفعلوا ذلك؟ قالوا: نعم؛ فكتب إلى صاحب الرهائن، فأمره أن يوجّه بالحسن بن عليّ بن يزداد وهو رهينة أبيه؛ فلمّا صاروا به إلى سارية ندم الناس على ما قالوا لأبي صالح، وجعلوا يرجعون على الذي أشار بقتله بالتعفيف. ثم جمعهم سرخاستان، وقد أحضر الرهينة، فقال لهم: إنكم قد ضمنتم شيئاً؛ وهذا الرهينة فاقتلوه، فقال له عبد الكريم بن عبد الرحمن الكاتب: أصلحك الله إنك أجلت من خرج من هذا البلد شهرين؛ وهذا الرهينة قبلك؛ نسألك أن تؤجله شهرين فإن رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك. قال: فغضب على القوم، ودعا بصاحب حرسه - وكان يقال له رستم ابن بارويه - فأمره بصلب الغلام. وإن الغلام سأله أن يأذن له أن يصلي ركعتين، فأذن له فطول في صلاته وهو يرعد، وقد مد ه جذع، فجذبوا الغلام من صلاته ومدوه فوق الجذع، وشدوا حلقه معه حتى اختنق، وتوفى فوقه، وأمر سرخستان أهل مدينة سارية أن يخرجوا إلى آمل، وتقدم إلى أصحاب المسالخ في إحضار أهل الخنادق من الأبناء والعرب، فأحضروا ومضى مع أهل سارية إلى آمل، وقال لهم: إي أريد أن أشهدكم على أهل آمل، وأشهد أهل آمل عليكم، وأرد ضياعكم وأموالكم؛ فإن لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من عندنا ضعف ما كان أخذنا منكم. فلما وافوا آمل جمعهم بقصر الخليل بن ونداسنجان، وصير أهل سارية ناحية عن غيرهم ووكل بهم اللوزجان وكتب أسماء جميع أهل آمل حتى لم يخف منهم أحد عليه، ثم عرضهم بعد ذلك على الأسماء حتى اجتمعوا؛ ولم يتخلف منهم أحد، وأحدق الرجال في السلاح بهم وصفوا جميعاً، ووكل بكل واحد منهم رجلين بالسلاح وأمر الموكل بهم أن يحمل رأس كل من كاع عن المشي،وساقهم مكتفّين حتى وافى بهم جبلا يقال له هرمز داباذ، على ثمانية فراسخ اّمل وثمانية فراسخ من مدينة سارية، وكبلهم بالحديد، وحبسهم0وبلغت عدتهم عشرين ألفاً،وذلك في سنة خمس وعشرين ومائتي فيما ذكر عن محمد بن حفص. قال: وكتب إلى الدري ليفعل ذلك بوجوه العرب والأبناء ممن كان معه بمرو، وكبلهم بالحديد وحسبهم، ووكل بهم الرجال في حبسهم؛ فلما تمكن المازيار، واستوى له أمره وأمر القوم، جمع أصحابه، وأمر سرخستان بخريب سور مدينة آمل؛ فخربه بالطبول والمزامير، ثم سار إلى مدينة سارية؛ ففعل بها مث ذلك. ثم وجه مازيار أخاه فوهيار إلى مدينة طميس - وهي على حد جرجان من عمل طبرستان - فخرب سورها ومدينتها، وأباح أهلها، فهرب منهم من هرب، وبلى من بلى. ثم توجه بعد ذلك إلى طميس سرخستان وانصرف عنها قوهيار فلحق بأخيه المازيار فعمل سرخستان سوراً من طميس إلى البحر ومده في البحر مقدار ثلاثة أميال. وكانت الأكاسرة بنته بينها وبين الترك؛ لأن الترك كانت تغير على طبرستان في أيامها، ونزل معسكراً بطميس سرخستان وصير حولها خندقاً وثيقاً وأبراجاً للحرس، وصير عليها باباً وثيقاً؛ ووكل به الرجال الثقات؛ ففزع أهل جرجان وخافوا على أموالهم ومدينتهم؛ فهرب منها نفر إلى نيسابور، وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر وإلى المعتصم؛ فوجه إليه عبد الله بن طاهر عمه الحسن بن الحسين بن مصعب، وضم إليه جيشاً كثيفاً يحفظ جرجان، وأمره أن يعسكر على الخندق؛ فنزل الحسن بن الحسن معسكراً على الخندق الذي عمله سرخستان، وصار بين العسكرين عرض الخندق، ووجه أيضاً عبد الله بن طاهر حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس معسكراً على حد جبال شروين، ووجه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف وضم إليه الحسن بن قارن الطبري القائد ومن كان بالباب من الطبرية، ووجه منصور بن الحسن هار صاحب دنباود إلى مدينة الري ليدخل طبرستان من ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند؛ فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلى بن ربن الكاتب النصراني، ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده؛ إن الخيل قد زحفت إلى من كل جانب؛ وإنما حبستكم ليبعث إلى هذا الرجل فيكم - يعني المعتصم - فلم يفعل؛ وقد بلغني أن الحجاج ابن يوسف غضب على صاحب السند في امرأة أسرت من المسلمين، وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند، وأنفق بيوت الأموال حتى استنفذ المرأة وردها إلى مدينتها؛ وهذا الرجل لا يكترث بعشرين ألفاً، ولا يبعث إلى يسأل فيكم؛ وإني لا أقدم على حربه؛ وأنتم ورائي، فأدوا إلي خراج سنتين، وأخلي سبيلكم؛ ومن كان منكم شاباً قوياً قدمته للقتال؛ فمن وفى لي منكم رددت عليه مآله، ومن لم يف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخاً أو ضعيفاً صيرته من الحفظة والبوابين فقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد - كان يقال إنه لم يشرب الماء منذ عشرين سنة - أنا أؤدي إليك خراج سنتين، وأقوم به، فقال خليفة صاحب الحرس لأحمد بن الصقير: لم لا تتكلم، وقد كنت أحظى القوم عند الأصبهبذ؛ وقد كنت أراك تتغذى معه، وتتكىء على وسادته! وهذا شيء لم يفعله الملك بأحد غيرك؛ فأنت أولى بالقيام بهذا الأمر من موسى قال أحمد: إن موسى لا يقدر عى القيام بجباية درهم واحد؛ وإنما أجابكم بجهل وبما هو عليه وعلى الناس أجمع؛ ولو علم صاحبكم أن عندنا درهماً واحداً لم يحبسنا؛ وإنما حبسنا بعد ما استنظف كل من عندنا من الأموال والذخائر؛ فإن أراد الضياع بهذا المال أعطيناه. فقال له علي بن ربن الكاتب: الضياع للملك لا لكم، فقال له إبراهيم بن مهران: أسألك بالله يا أبا محمد، لما سكت عن هذا الكلام! فقال له أحمد: لم أزل ساكتاً حتى كلمني هذا بما قد سمعت. ثم انصرفت الرسل على ضمان موسى الزاهد، وأعلموا المازيار ضمانه وانضم إلى موسى الزاهد قوم من السعاة، فقالوا: فلان يحتمل عشرة آلاف، وفلان يحتمل عشرين ألفاً وأقل أو أكثر، وجعلوا يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم؛ فلما مضى لذلك أيام، رد مازيار الرسل مقتضياً المال، ومتنجزاً ما كان من ضمان موسى الزاهد؛ فلم ير لذلك أثراً ولا تحقيقاً، وتحقق قول أحمد، وألزمه الذنب. وعلم المازيار أن ليس عند القوم ما يؤدون؛ وإنما أراد أن يلقى الشر بين أصحاب الخراج؛ ومن لا خراج عليه من التجار والصناع. قال: ثم إن سرخاستان كان معه ممن اختار من أبناء القواد وغيرهم من أهل آمل فتيانٌ لهم جلد وشجاعة، فجمع منهم في داره مائتين وستين فتىً ممن يخاف ناحيته، وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة، وبعث إلى الأكرة المختارين من الدهاقين، فقال لهم: إن الأبناء هواهم مع العرب والمسودة؛ ولست آمن غدرهم ومكرهم؛ وقد جمعت أهل الظنة ممن أخاف ناحيته، فاقتلوهم لتأمنوا ولا يكون في عسكركم ممن يخالف هواه هواكم. ثم أمر بكتفهم ودفعهم إلى الأكرة ليلاً، فدفعوهم إليهم، وصاروا بهم إلى قناة هناك، فقتلوهم ورموا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا. فلما ثاب إلى الأكرة عقولهم ندموا على فعلهم، وفزعوا من ذلك؛ فلما علم المازيار أن القوم ليس عندهم ما يؤدونه إليه، بعث إلى الأكرة المختارين الذين قتلوا المائتين والستين فتىً، فقال لهم: إني قد أبحتكم منازل الضياع وحرمهم - إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم؛ فإنها تصير للملك - وقال لهم: صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ثم حوزوا بعد ذلك، ما وهبت لكم من المنازل والحرم، فجبن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به. قال: وكان الموكلون بالسور من أصحاب سرخاستان يتحدثون ليلاً مع حرس الحسن بن الحسين بن مصعب، وبينهم عرض الخندق؛ حتى استأنس بعضهم ببعض، وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم فسلموه، ودخل أصحاب الحسن بن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين ومن سرخاستان؛ فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من الحائط، فدخلوا معهم؛ فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروا. وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب، فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم، ويقول: يا قوم؛ إني أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داوندان، ومضى أصحاب قيس بن زنجويه - وهو من أصحاب الحسن بن الحسين - حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان، وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن العرب قد كسروا السور، ودخلوا بغتةً، فلم تكن له همة إلا الهرب؛ وكان سرخاستان في الحمام، فسمع الصياح، فخرج هارباً في غلالة. وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر على رد أصحابه: اللهم إنهم قد عصوني وأطاعوك؛ اللهم فاحفظهم وانصرهم، ولم يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدرب الذي على السور فكسروه، ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر، ومضى قوم في الطلب. وذكر عن عن زرارة بن يوسف السجزي أنه قال: مررت في الطلب؛ فبينا أنا كذلك؛ إذ صرت إلى موضع عن يسرة الطريق، فوجلت من الممر فيه، ثم تقحمته بالرمح من غير أن أرى أحداً، وصحت: من أنت؟ ويلك! فإذا شيخ جسيم قد صاح " زينهار " - يعني الأمان - قال: فحملت عليه، فأخذته، وشددت كتافه، فإذا هو شهريار أخو أبي صالح سرخاستان، صاحب العسكر قال: فدفعته إلى قائدي يعقوب بن منصور، وحال الليل بيننا وبين الطب؛ فرجع الناس إلى المعسكر، وأتى بشهريار إلى الحسن بن الحسين فضرب عنقه. وأما أبو صالح فمضى حتى صار على خمسة فراسخ من معسكره؛ وكان عليلاً؛ فجهده العطش والفزع، فنزل في غيضة يمنة الطريق إلى سفح جبل، وشد دابته واستلقى، فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر بن ونداميد؛ فنظر إليه نائماً، فقال سرخاستان: يا جعفر؛ شربة ماء، فقد جهدني العطش؛ قال: فقلت: ليس معي إناء أغرف به من هذا الموضع؛ فقال سرخاستان: خذ رأس جعبتي فاسقني به؛ قال جعفر: وملت إلى عداد من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنا فلم لا نتقرب به إلى السلطان؛ ونأخذ لأنفسنا الأمان! فقالوا لجعفر: كيف لنا به؟ قال: فوقفهم عليه، وقال لهم: أعينوني ساعة، وأنا أثاوره، فأخذ جعفر خشبة عظيمة وسرخاستان مستلقٍ، فألقى نفسه عليه، وملكوه وشدوه كتافاً مع الخشبة، فقال لهم أبو صالح: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني؛ فإن العرب لا تعطيكم شيئاً، قالوا له: أحضرها، قال: هاتوا ميزاناً، قالوا: ومن أين ها هنا ميزان؟ قال: فمن أين ها هنا ما أعطيكم! ولكن صيروا معي إلى المنزل، وأنا أعطيكم العهود والمواثيق أني أفي لكم ذلك، وأوفر عليكم، فصاروا به إلى الحسن بن الحسين، فاستقبلهم خيل للحسن بن الحسين، فضربوا رءوسهم، وأخذوا سرخاستان منهم، فهمتهم أنفسهم، ومضى أصحاب الحسن بأبي صالح إلى الحسن؛ فلما وقفوه بين يديه، دعا الحسن قواد طبرستان؛ مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الأزدي وعبد الله بن محمد القطقطي الضبي والفتح بن قراط وغيرهم؛ فسألهم: هذا سرخاستان؟ قالوا: نعم، فقال لمحمد ابن المغيرة؛ قم فاقتله بابنك وأخيك، فقام إليه فضربه بالسيف، وأخذته السيوف فقتل. ذكر خبر أبي شاس الشاعر وكان أبو شاس الشاعر، وهو الغطريف بن حصين بن حنش فتىً من أهل العراق، ربي بخراسان، أديباً فهماً، وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق العرب ومذاهبها، فلما نزل سرخاستان ما نزل به وأبو شاس في معسكره، ومعه دواب وأثقال، هجم عليه قوم البخارية؛ من أصحاب الحسن؛ فانتبهوا جميع ما كان معه، وأصابته جراحات، فبادر أبو شاس فأخذ جرة كانت معه، فوضعها على عاتقه، وأخذ بيده قدحاً، وصاح: الماء للسبيل؛ حتى أصاب غفلة من القوم، فهرب من مضربه، وقد أصابته جراحة، فبصر به غلام - وقد كان مر بمضرب عبد الله بن محمد بن حميد القطقطي الطبري؛ وكان كاتب الحسن بن الحسين - فعرفوه، عرفه خدمه، وعلى عاتقه الجرة وهو يسقي الماء، فأدخلوه خيمتهم، وأخبروا صاحبهم بمكانه، فأدخل عليه، فحمله وكساه، وأكرمه غاية الإكرام، ووصفه للحسن بن الحسين، وقال له: قل في الأمير قصيدة، فقال أبو شاس: والله لقد امحى ما في صدري من كتاب الله من الهول، فكيف أحسن الشعر! ووجه الحسن برأس أبي صالح سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر، ولم يزل من معسكره. وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جبلة مولى عبد الله بن طاهر، كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس؛ فكاتب قارن بن شهريار، ورغبّه في الطاعة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار وهو ابن أخيه، وكان مازيار صيره مع أخيه عبد الله بن قارن، وضمّ إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته؛ فلما استماله حيّان؛ وكان قارن قد ضمن له أن يسلم له الجبال، ومدينة سارية إلى حد جرجان، على أن يملكه عى جبال أبيه وجده إذا وفى له بالضمان، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، سجّل له عبد الله بن طاهر بكل ما سأل، وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يوغل حتى يكون من قارن ما يستدل به على الوفاء؛ لئلا يكون منه مكر؛ فكتب حيان إلى قارن بذلك، فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه؛ فلما أكلوا وضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح الشاك، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن. وبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك، وقال له القوهيار أخوه: في حبسك عشرون ألفاً من المسلمين؛ من بين إسكاف وخياط؛ وقد شغلت نفسك بهم؛ وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك؛ فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأمر مازيار بتخلية جميع من حبسه، ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب شرطته، وعلي بن ربن النصراني كاتبه، وشاذان بن الفضل صاحب خراجه، ويحيى بن الروذبهار جهبذه؛ وكان من أهل السهل عنده، فقال لهم: إن حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل، وقد دخلت العرب إليكم، وأكره أن أشومكم؛ فاذهبوا إلى منازلكم، وخذوا لأنفسكم الأمان. ثم وصلهم، وأذن لهم في الانصراف، فصاروا إلى منازلهم وأخذوا الأمان لأنفسهم. ولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين، وثبوا على عامل مازيار بسارية - وكان يقال مهريستاني بن شهريز - فهرب منهم، ونجا بنفسه، وفتح الناس باب السجن، وأخرجوا من فيه، ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية. وبلغ قوهيار أخا مازيار موافاة حيان سارية، فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذي كان عامل طبرستان من حبسه، وحمله على بغل بسرج، ووجه به إلى حيان ليأخذ له الأمان، ويجعل له جبال أبيه وجده على أن يسلم إليه مازيار، ويوثق له بذلك بضمان محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصقير؛ فلما صار محمد بن موسى إلى حيان، وأخبره برسالة قوهيار إليه، قال له حيان: من هذا؟ يعني أحمد، قال: شيخ البلاد، وبقية الخلفاء والأمير عبد الله بن طاهر به عارف، فبعث حيان إلى أحمد، فأتاه فأمره بالخروج إلى مسلحة خرماباذ مع محمد بن موسى. وكان لأحمد ابن يقال له إسحاق، وكان قد هرب من مازيار؛ يأوي نهاره الغياض، ويصير بالليل إلى ضيعة يقال لها ساواشريان؛ وهي على طريق الجادة من قدح الأصبهذ الذي فيه قصر مازيار. فذكر عن إسحاق، أنه قال: كنت في هذه الضيعة، فمر بي عدة من أصحاب مازيار؛ معهم دواب تقاد وغير ذلك؛ قال: فوثبت على فرس منها هجين ضخم، فركبته عرياً؛ وصرت إلى مدينة سارية، فدفعته إلى أبي، فلما أراد أحمد الخروج إلى خرماباذ ركب ذلك الفرس، فنظر إليه حيانن فأعجبه، فالتفت حيان إلى اللوزجان - وكان من أصحاب قارن - فقال له: رأيت هذا الشيخ على فرس نبيل قل ما رأيت مثله، فقال له اللوزجان: هذا الفرس كان لمازيار، فبعث حيان إلى أحمد يسأله البعثة بالفرس إليه؛ لينظر إليه؛ فبعث به إليه، فلما تأمل النظر وفتشه وجده مشطب اليدين، فزهد فيه، ودفعه إلى اللوزجان، وقال لرسول أحمد: هذا لمازيار، ومال مازيار لأمير المؤمنين؛ فرجع الرسول فأخبر أحمد، فغضب على اللوزجان من ذلك؛ فبعث إليه أحمد بالشتيمة، فقال اللوزجان: مالي في هذا ذنب! ورد الفرس إلى أحمد، ومعه برذون وشهري " فاره " ، فأمر رسوله فدفعهما إليه. وغضب أحمد من فعل حيان به، وقال: هذا لحائك يبعث إلى شيخ مثلي فيفعل به ما فعل! ثم كتب إلى قوهيار: ويحك! لم تغلط في أمرك وتترك مثل الحسن بن الحسين عم الأمير عبد الله بن طاهر، وتدخل في أمان هذا العبد الحائك، وتدفع أخاك، وتضع قدرك، وتحقد عليك الحسن بن الحسين بتركك إياه وميلك إلى عبد من عبيده! فكتب إليه قوهيار: قد غلطت في أول الأمر؛ وواعدت الرجل أن أصير إليه بعد غد؛ ولا آمن إن خالفته أن يناهضني ويحاربني؛ ويستبيح منازلي وأموالي؛ وإن قاتلته فقتلت من أصحابه، وجرت الدماء بيننا وقعت الشحناء؛ ويبطل هذا الأمر الذي التمسته. فكتب إليه أحمد: إذا كان يوم الميعاد فابعث إليه رجلاً من أهل بيتك، واكتب إليه أنه قد عرضت لك علة منعتك من الحركة، وأنك تتعالج ثلاثة أيام؛ فإن عوفيت وإلا صرت إليه محمل، وسنحمله نحن على قبول ذلك منك، والمصير في الوقت. وإن أحمد بن الصقير ومحمد بن موسى بن حفص كتبا إلى الحسن بن الحسين وهو في معسكره بطميس ينتظر أمر عبد الله بن طاهر وجواب كتابه بقتل سرخاستا وفتح طميس، فكتبا إليه أن اركب إلينا لندفع إليك مازيار والجبل؛ وإلا فاتك، فلا تقم. ووجها الكتاب مع شاذان بن الفضل الكاتب، وأمراه أن يعجل السير. فلما وصل الكتاب إلى الحسن ركب من ساعته، وسار مسيرة ثلاثة أيام في ليلة؛ حتى انتهى إلى سارية، فلما أصبح سار إلى خرماباذ - وهو يوم موعد قوهيار - وسمع حيان وقع طبول الحسن، فركب فتلقاه على رأس فرسخ، فقال له الحسن: ما تصنع ها هنا! ولم توجه إلى هذا الموضع، وقد فتحت جبال شروين وتركتها، وصرت إلى ها هنا! فما يؤمنك أن يبدو للقوم، فيغدروا بك، فيتفض عليك جميع ما عملت. ارجع إلى الجبل، فصير مسالحك في النواحي والأطراف، وأشرف على القوم إشرافاً لا يمكنهم الغدر؛ إن هموا به. فقال له حيان: أنا على الرجوع، وأريد أن أحمل أثقالي، وأتقدم إلى رجالي بالرحلة، فقال له الحسن: امض أنت؛ فأنا باعث بأثقالك ورجالك خلفك، وبت الليلة بمدينة سارية حتى يوافوك، ثم تبكر من غد؛ فخرج حيان من فوره كما أمره الحسن إلى سارية، ثم ورد عليه كتاب عبد الله بن طاهر أن يعسكر بلبورة - وهي من جبال وندا هرمز، وهي أحصن موضع من جباله، وكان أكثر مال مازيار بها - وأمره عبد الله ألا يمنع قارن مما يريد من تلك الجبال والأموال. فاحتمل قارن ما كان لمازيار هنالك من المال؛ والذي كان بأسباندرة من ذخائر مازيار، وما كان لسرخاستان يقدح السلتان، واحتوى على ذلك كله. فانتقض على حيان جميع ما كان سنح له سبب ذلك الفرس، وتوفي بعد ذلك حيان بن جبلة. فوجه عبد الله مكانه على أصحابه محمد الحسين بن مصعب، وتقدم إليه عبد الله إلا يضرب على يدي قارن في شيء يريده، وصار الحسن بن الحسين إلى خرماباذ، فأتاه محمد بن موسى بن حفص وأحمد بن الصقير، فتناظروا سراً، فجزاهما خيراً؛ وكتب هو إلى قوهيار، فوافى خرماباذ، وصار إلى الحسن، فبره وأكرمه وأجابه إلى كل ما سأل، واتعدا على يوم؛ ثم صرفه وصار قوهيار إلى مازيار، فأعلمه أنه قد أخذ له الأمان، واستوثق له. وكان الحسين بن قارن وقد كاتب قوهيار من ناحية محمد بن إبراهيم بن مصعب، وضمن له الرغائب عن أمير المؤمنين، فأجابه قوهيار، وضمن له ما ضمن لغيره؛ كل ذلك ليردهم عن الحرب ومال إليه. فركب محمد بن إبراهيم من مدينة آمل، وبلغ الحسن بن الحسين الخبر. فذكر عن إبراهيم بن مهران أنه كان يتحدث عند أبي السعدي، فلما قرب وكان طريقه على باب مضرب الحسن. قال: فلما حاذيت مضربه؛ إذا بالحسن الزوال انصرف يريد منزله. راكب وحده، لم يتبعه إلا ثلاثة غلمان له أتراك، قال: فرميت بنفسي، وسلمت عليه، فقال: اركب؛ فلما ركبت قال: أين طريق آرم؟ قلت: هي على هذا الوادي، فقال لي: امض أمامي، قال: فمضيت حتى بلغت درباً على ميلين من آرم، قال: ففزعت، وقلت: أصلح الأمير! هذا موضع مهول، ولا يسلكه إلا ألف فارس؛ فأرى لك أن تنصرف ولا تدخله. قال: فصاح بي: امض، فمضيت وأنا طائش العقل؛ ولم نر في طريقنا أحداً حتى وافينا آرم؛ فقال لي: أين طريق هرمزداباذ؟ قلت: على هذا الجبل في هذا الشراك، قال: فقال لي: سر إليها، فقلت: أعز الله الأمير! الله الله في نفسك وفينا وفي هذا الخلق الذي معك! قال: فصاح بي: امض يابن اللخناء، قال: فقلت له: أعزك الله! اضرب أنت عنقي؛ فإنه أحب إلي من أن يقتلني مازيار، ويلزمني الأمير عبد الله بن طاهر الذنب. قال: فانتهرني حتى ظننت أنه سيبطش بي، ومضيت وأنا خليع الفؤاد، وقلت في نفسي: الساعة تؤخذ جميعاً، أو نوقف بين يدي مازيار فيوبخني، ويقول: جئت دليلاً علي! فبينا نحن كذلك إذ وافينا هرمزداباذ مع اصفرار الشمس، فقال لي: أين كان سجن المسلمين ها هنا؟ فقلت له: في هذا الموضع. قال: فنزل فجلس ونحن صيام، والخيل تلحقنا متقطعة؛ وذلك أنه ركب من غير علم الناس، فعلموا بعد ما مضى؛ فدعا الحسن بيعقوب بن منصور، فقال له: يا أبا طلحة، أحب أن تصير إلى الطالقانية، فتلطف بحيلك لجيش أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مصعب هنالك ساعتين أو ثلاث ساعات أو أكثر؛ ما أمكنك. وكان بينه وبين الطاالقانية فرسخان أو ثلاثة فراسخ؛ قال إبراهيم: فبينا نحن وقوف بين يدي الحسن؛ إذ دعا بقيس بن زنجويهن فقال له: امض إلى درب لبورة؛ وهو على أقل من فرسخ؛ فابرز بأصحابك على الدرب. قال: فلما صلينا المغرب وأقبل الليل؛ إذا أنا بفرسان بين أيديهم الشمع مشتعلاً مقبلين من طريق لبورة، فقال لي: يا إبراهيم؛ أين طريق لبورة؟ فقلت: أرى نيراناً وفرساناً قد أقبلوا من ذلك الطريق، قال: وأنا داهش لا أقف على ما نحن فيه، حتى قربت النيران منا؛ فأنظر فإذا المازيار مع القوهبار؛ فلم أشعر حتى نزلا، وتقدم المازيار، فسلم على الحسن بالإمرة، فلم يرد عليه، وقال لطاهر بن إبراهيم وأوس البلخي: خذاه إليكما. وذكر عن أخي وميدوار بن خواست جيلان، أنه في تلك الليلة صار مع نفر إلى قوهبار، وقال له: اتق الله، قد خلفت سرواتنا؛ فأذن لي أكشف هؤلاء العرب كلهم؛ فإن الجند حيارى جياع، وليس لهم طريق يهربون، فتذهب بشرفها ما بقي الدهر، ولا تثق بما يعطيك العرب؛ فليس لهم وفاء! فقال قوهيار: لا تفعلوا؛ وإذا قوهيار قد عبى علينا العرب، ودفع مازيار وأهل بيته إلى الحسن لينفرد بالملك؛ ولا يكون أحد ينازعه ويضاده. فلما كان في السحر، وجه الحسن بالمازيار مع طاهر بن إبراهيم وأوس البلخي إلى خرماباذ، وأمرهما أن يمرا به إلى مدينة سارية؛ وركب الحسن، وأخذ على وادي بابك إلى الكانية مستقبلاً محمد بن إبراهيم بن مصعب، فالتقيا ومحمد يريد المصير إلى هرمزداباذ لأخذ المازيار، فقال له الحسن: يا أبا عبد الله، أين تريد؟ قال: أريد المازيار، فقال: هو بسارة؛ وقد صار إلي، ووجهت به إلى هنالك؛ فبقي محمد بن إبراهيم متحيراً. وكان القوهيار قد هم بالغدر بالحسن، ودفع المازيار إلى محمد بن إبراهيم، فسبق الحسن إلى ذلك، وتخوف القوهيار منه أن يحاربه حي رآه متوسطاً الجبل. إن أحمد بن الصقير كتب إلى القوهيار: لا أرى لك التخليط والمناصبة لعبد الله بن طاهر؛ وقد كتب إليه بخبرك وضمانك فلا تكن ذا قلبين؛ فعند ذلك حذره ودفعه إلى الحسن، وصار محمد بن إبراهيم والحسن بن الحسين إلى هرمزداباذ؛ فأحرقا قصر المازيار بها، وأنهبا ماله، ثم صارا إلى معسكر الحسن بخرماباذ، ووجها إلى إخوة المازيار، فحبسوا هناك في داره، ووكل بهم. ثم رحل الحسن إلى مدينة سارية؛ فأقام بها، وحبس المازيار بقرب خيمة الحسن، وبعث الحسن إلى محمد بن موسى بن حفص يسأله عن القيد الذي كان قيده به المازيار؛ فبعث به محمد إليه؛ فقيد المازيار بذلك القيد، ووافى محمد بن إبراهيم الحسن بمدينة سارية ليناظره في مال المازيار وأهل بيته، فكتبا بذلك إلى عبد الله بن طاهر، وانتظر أمره؛ فورد كتاب عبد الله إلى الحسن بتسليم المازيار وإخوته وأهل بيته إلى محمد بن إبراهيم؛ ليحملهم إلى أمير المؤمنين المعتصم؛ ولم يعرض عبد الله لأموالهم، وأمره أن يستصفي جميع ما للمازيار ويحرزه؛ فبعث الحسن إلى المازيار فأحضره، وسأله عن أمواله فذكر أن ماله عند قوم سماهم، من وجوه أهل سارية وصلحائهم عشرة نفر، وأحضر القوهيار، وكتب عليه كتاباً، وضمنه توفير هذه الأموال التي ذكرها المازيار؛ أنها عند خزانة وأصحاب كنوزه؛ فضمن القوهيار ذلك وأشهد على نفسه. ثم إن الحسن أمر الشهود الذين أحضرهم أن يصيروا إلى المازيار؛ فيشهدوا عليه؛ فذكر عن بعضهم، أنه قال: لما دخلنا على المازيار، تخوفت من أحمد بن الصقير أن يفزعه بالكلام، فقلنا له: أحب أن تمسك عنه، ولا تذكر ما كنت أشرب به؛ فسكت احمد عند ذلك، فقال لمازيار: اشهدوا أن جميع ما حملت من أموالي وصحبني ستة وتسعون ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت أحمر، وثمانية أوقار سلال مجلدة، فيها ألوان الثياب، وتاج وسيف من ذهب وجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهراً؛ وقد وضعه بين أيدينا، وقد سلمت ذلك إلى محمد بن الصباح، وهو خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على العسكر وإلى القوهبار. قال: فخرجنا إلى الحسن بن الحسين، فقال: أشهدتهم على الرجل؟ قال: قلنا: نعم، قال: هذا شيء كنت اخترته لي، فأحببت أن يعلم قلته وهوانه عندي. وذكر عن علي بن ربن النصراني الكاتب أن ذلك الحق كان شرى وجوه على المازيار وجده وشهريار ثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان المازيار حمل ذلك كله إلى الحسن بن الحسين؛ على أن يظهر أنه خرج إليه في الأمان، وأنه قد آمنه على نفسه وماله وولده؛ وجعل له جبال أبيه؛ فامتنع الحسن بن الحسين من هذا وعف عنه - وكان أعفّ الناس عن أخذ درهم أو دينار - فلما أصبح أنفذ المازيار مع طاهر بن إبراهيم وعليّ بن إبراهيم الحربيّ، وورد كتاب عبد اللّه بن طاهر في إنفاذه مع يعقوب بن منصور،، وقد ساروا بالمازيار ثلاث مراحل؛ فبعث الحسن فردّه، وأنفذه مع يعقوب بن منصور. ثم أمر الحسن بن الحسين القوهيار أخا المازيار أن يحمل الأموال التي ضمنها، ودفع إليه بغالاً من العسكر، وأمر بإنفاذ جيش معه؛ فامتنع القوهيار، وقال: لا حاجة لي بهم؛ وخرج بالبغال هو وغلمانه؛ فلما ورد الجبل وفتح الخزائن، وأخرج الأموال وعبّاها ليحملها، وثب عليه مماليك المازيار من الديالمة - وكانوا ألفاً ومائتين - فقالوا له: غدرت بصاحبنا، وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله! فأخذوه وكبّلوه بالحديد؛ فلما جنّه الليل قتلوه؛ وانتهبوا تلك الأموال والبغال؛ فانتهى الخبر إلى الحسن، فوجّه جيشاً إلى الذين قتلوا القوهيار، ووجّه قارن جيشاً من قبله في أخذهم؛ فأخذ منهم صاحب قارن عدّة، منهم ابن عمّ للمازيار، يقال له شهريار بن المصمغان - وكان رأس العبيد ومحرّضهم - فوجّه به قارن إلى عبد اللّه بن طاهر، فلما صار بقومس مات، وكان جماعة أولئك الديالمة أخذوا على السّفح والغيضة يريدون الديلم، فنذر ربهم محمد بن ابراهيم بن مصعب، فوجّه من قبله الطبرية وغيرهم حتى عارضوهم، وأخذوا عليهم الطريق، فأخذوا، فبعث بهم إلى مدينة سارية مع عليّ بن إبراهيم حين دخل من شلنبة على طريق الروذبار إلى الوّرّيان. وقيل: إن فساد أمر مازيار وهلاكه كان من قبل ابن عمّ له يقال له كان في يديه جبال طبرستان كلها، وكان في يد المازيار السهل؛ وكان ذلك كالقسمة بينهم يتوارثونه؛ فذكر عن محمد بن حفص الطبريّ أن الجبال بطبرستان ثلاثة: جبل ونداهرمز في وسط جبال طبرستان، والثاني أخيه ونداسيجان بن الأنداد بن قارن، والثالث جبل شروين بن سرخاب ابن باب؛ فلمّا قوى أمر المازيار بعث إلى ابن عمّه ذلك، وقيل هو أخوه القوهيار،، فألزمه بابه، وولّى الجبل والياً من قبله؛ يقال له درّى؛ فلما احتاج المازيار إلى الرجال لمحاربة عبد اللّه بن طاهر؛ دعا بابن عمه أوأخيه القوهيار؛ فقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، وأظهره على أمر الأفشين ومكاتبته له، وقال له: صر في ناحية الجبل، فاحفظ عليّ الجبل. وكتب المازيار إلى الدرّىّ يأمره بالقدوم عليه، فقدم عليه، فضمّ إليه العساكر، ووجهّه في وجه عبد اللّه بن طاهر؛ وظنّ أنه قد توثّق من الجبل بابن عمه أو أخيه القوهيار؛ وذلك أن الجبل لم يظنّ أنه يؤتى منه. لأنه ليس فيه للعساكر والمحاربة طريق لكثرة المضايق والشّجر الذي فيه، وتوثّق من المواضع التي يتخوّف منها بالدرّى وأصحابه، وضمّ إليه المقاتلة وأهل عسكره، فوجّه عبد اللّه بن طاهر عمّه الحسن بن الحسين بن مصعب في جيش كثيف من خراسان إلى المازيار، ووجّه المعتصم محمد إبراهيم بن مصعب، ووجّه معه صاحب خبر يقال له يعقوب بن إبراهيم البوشنجيّ مولى الهادي، ويعرف بقوصرة؛ يكتب بخبر العسكر؛ فوافى محمد بن إبراهيم الحسن بن الحسن، وزحفت العساكر نحو المازيار حتى قربوا منه، والمازيار لا يشك أنه قد توثق من الموضع الذي تلقاه الجبل فيه. وكان المازيار في مدينته في نفر يسير، فدعا ابن عم المازيار الحقد الذي كان في قلبه على المازيار وصنيعه به وتنحيته إياه عن جبله، أن كاتب الحسن ابن الحسن وأعلمه جميع ما في عساكره، وأن الأفشين كاتب المازيار. فأنفذ الحسن كتاب ابن عم المازيار إلى عبد الله بن طاهر فوجه به عبد الله برجل إلى المعتصم، وكاتب عبد الله والحسن بن الحسين ابن عم المازيار - وقيل القوهيار - وضمنا له جميع ما يريد؛ وكان ابن عم المازيار أعلم عبد الله ابن طاهر أن الجبل الذي هو عليه كان له ولأبيه ولآبائه من قبل المازيار، وأن المازيار عند توليه الفضل بن سهل إياه طبرستان انتزع الجبل من يديه، وألزمه بابه، واستخف به، فشرط له عبد الله بن طاهر إن هو وثب بالمازيار، واحتال له أن يصير الجبل في يديه على حسب ما لم يزل، ولا يعرض له فيه؛ ولا يحارب. فرضى بذلك ابن عم المازيار، فكتب له عبد الله بن طاهر بذلك كتاباً، وتوثق له فيه، فوعد ابن عم المازيار الحسن بن الحسين ورجالهم أن يدخلهم الجبل؛ فلما كان وقت الميعاد، أمر عبد الله بن طاهر الحسن بن الحسين أن يزحف للقاء الدرى، ووجه عسكراً ضخماً عليه قائد من قواده في جوف الليل، فوافوا ابن عم المازيار في الجبل، فسلم الجبال إليهم وأدخلهم إليها، وصاف الدرى العسكر الذي بإزائه؛ فلم يشعر المازيار وهو في قصره حتى وقفت الرجالة والخيل على باب قصره، والدرى يحارب العسكر الآخر؛ فحصروا المازيار، وأنزلواه على حكم أمير المؤمنين المعتصم. وذكر عمر بن سعيد الطبري أن المازيار كان يتصيد؛ فوافته الخيل في الصيد؛ فأخذ أسيراً، ودخل قصره عنوة، وأخذ جميع ما فيه، وتوجه الحسن بن الحسين بالمازيار، والدرى يقاتل العسكر الذي بإزائه لم يعلم بأخذ المازيار؛ فلم يشعر إلا وعسكر عبد الله بن طاهر من ورائه، فتقطعت عساكره، فانهزم ومضى يريد الدخول إلى بلاد الديلم، فقتل أصحابه، واتبعوه فلحقوه في نفر من أصحابه، فرجع يقاتلهم فقتل وأخذ برأسه، فبعث به إلى عبد الله بن طاهر وقد صار بالمازيار في يده، فوعده عبد الله ابن طاهر إن هو أظهره على كتب الأفشين أن يسأل أمير المؤمنين الصفح عنه وأعلمه عبد الله أنه قد علم أن الكتب عنده. فأقر المازيار بذلك، فطلبت الكتب فوجدت، وهي عدة كتب فأخذها عبد الله بن طاهرفوجه بها المازيار إلى إسحاق بن إبراهيم، وأمره ألا يخرج الكتب من يده ولا المازيار إلا إلى يد أمير المؤمنين؛ لئلا يحتال للكتب والمازيار، ففعل إسحاق ذلك؛ فأوصلها من يده إلى يد المعتصم؛ فسأل المعتصم المازيار عن الكتب، فلم يقر بها؛ فأمر بضرب المازيار حتى مات؛ وصلب إلى جانب بابك. وكان المأمون يكتب إلى المازيار: من عبد الله المأمون إلى جيل جيلان أصبهبذ أصبهبذان بشوار جرشاه محمد بن قارن مولى أمير المؤمنين. وقد ذكر أن بدء وهي أمر الدرىّ كان أنه لما بلغه بعدما ضمّ إليه المازيار الجيش نزول جيش محمد بن إبراهيم دنباوند، وجّه أخاه جشنس، وضمّ إليه محمداً وجعفراً ابني رستم الكلاريّ ورجالاً من أهل الثغر وأهل الرّويان، وأمرهم أن يصيروا إلى حدّ الرّويان والرّيّ لمنع الجيش؛ وكان الحسن بن قارن قد كاتب محمداً وجعفراً ابني رستم، ورغّبهما؛ وكانا من رؤساء أصحاب الدرّىّ، فلما التقى جيش الدرىّ وجيش محمد بن إبراهيم، انقلب ابنا رستم وأهل الثغري وأهل الرّويان على بزرجشنس أخي الدرّىّ، فأخذوه أسيراً، وصاروا مع محمد بن إبراهيم على مقدمته؛ وكان الدرىّ بموضع يقال له مزن في قصره مع أهله وجميع عسكره. فلما بلغه غدر محمد وجعفر ابني رستم ومتابعة أهل الثغرين والرّويان لهما وأسر أخيه بزرجشنس. اغتمّ لذلك غماًّ شديداً، وأذعن أصحابه، وهمّتهم أنفسهم، وتفرّق عامتّهم يطلبون الأمان، ويحتالون لأنفسهم. فبعث الدرىّ إلى الديالمة فصار ببابه مقدار أربعة آلاف رجل منهم، فرغبهم ومنّاهم. ووصلهم. ثم ركب وحمل الأموال معه، ومضى كأنه يريد أن يستنقذ أخاه ويحارب محمد بن إبراهيم؛ وإما أراد الدخول إلى الديلم، والإستظهار بهم على محمد بن إبراهيم. فاستقبله محمد بن إبراهيم في جيشه؛ فكانت بينهم وقعة صعبة؛ فلما مضى الدرىّ هرب الموّكلون بالسجن، وكسر أهل السجن أقيادهم، وخرجوا هاربين، ولحق كلّ إنسان ببلده. واتّفق خروج أهل سارية الذين كانوا في حبس المازيار وخروج هؤلاء الذين كانوا في حبس الدرّىّ في يوم واحد، وذلك في شعبان لثلاث عشرة ليلة خلت منه سنة خمس وعشرين ومائتين في قول محمد بن حفص. وقال غيره: كان ذلك في سنة أربع وعشرين ومائتين. وذكر عن داود بن قحذم أن محمد بن رستم، قال: لما التقى الدرّى ومحمد ابن إبراهيم بساحل البحر، بين الجبل والغيضة والبحر، والغيضة متّصلة بالديلم، وكان الدرّى شجاعاً بطلاً، فكان يحمل بنفسه على أصحاب محمد حتى يكشفهم؛ ثم يحمل معارضةً من غير هزيمة، يريد دخول الغيضة شدّ عليه رجل من أصحاب محمد بن إبراهيم يقال له فند بن حاجبة، فأخذه أسيراً واسترجع، واتبع الجند أصحابه وأخذ جميع ما كان معه من الأثاث والمال والدوابّ والسلاح، فأمر محمد بن إبراهيم بقتل بزرجشنس أخي الرّدّىّ، ودعى بالدرّىّ فمدّ يده فقطعت من مرفقه، ومدّت رجله فقطعت من الركبة؛ وكذا باليد الأخرى والرّجل الأخرى، فقعد الدرّى على استه؛ ولم يتكلم ولم يتزعزع، فأمر بضرب عنقه. وظفر محمد بن إبراهيم بأصحاب الدرّى فحملهم مكبّلين. وفي هذه السنة ولى جعفر بن دينار اليمن. وفيها تزوّج الحسن بن الأفشين أترنجة بنت أشناس، ودخل بها في العمريّ، قصر المعتصم في جمادى الآخرة، وأحضر عرسها عامة أهل سامراً فحدّثت أنهم كانوا يغلّفون العامة فيها بالغالية في تغار من فضة، وأن المعتصم كان يباشر بنفسه تفقّد من حضرها. وفيها امتنع عبد اللّه الورثانيّ بورثان. ذكر الخبر عن خلاف منكجور الأشروسنيوفيها خالف منكجور الأشروسنيّ قرابة الأفشين بأذربيجان. ذكر الخبر عن سبب خلافه ذكر أن الأفشين عند فراغه من أمر بابك ومنصرفه من الجبال ولى أذربيجان - وكانت من عمله - واليه منكجور هذا، فأصاب في قرية بابك في بعض منازله مالاً عظيماً، فاحتجنه لنفسه؛ ولم يعلم به الأفشين ولا المعتصم؛ وكا على البريد بأذربيجان رجل من الشيعة يقال له عبد اللّه بن عبد الرحمن؛ فكتب إلى المعتصم بخبر ذلك المال، وكتب منكجور يكذب ذلك؛ فوقعت المناظرة بين منكجور وعبد اللّه بن عبد الرحمن؛ حتى همّ منكجور بقتل عبد اللّه بن عبد الرحمن، فاستغاث عبد اللّه بأهل أردبيل، فمنعوه مما أراد به منكجور؛ وبلغ ذلك المعتصم، فأمر الأفشين أن يوجّه رجلاً من قبله بعزل منكجور، فوجّه رجلاً من قوّاده في عسكر ضخم؛ فلما بلغ منكجور ذلك خلع وجمع إليه الصعاليك، وخرج من أردبيل، فرآه القائد فواقعه، فاهزم منكجور، وصار إلى حصن من حصون أذربيجان - التي كان بابك أخرجها - حصين في جبل منيع، فبناه وأصلحه، وتحصنّ فيه؛ فلم يلبث إلا أقلّ من شهر حتى وثب به أصحابه الذين كانوا معه في الحصن، فأسلموه ودفعوه إلى القائد الذي كان يحاربه؛ فقدم به إلى سامراً، فأمر المعتصم بحبسه، فاتّهم الأفشي في أمره. وقيل: إن القائد الذي وجّه لحرب منكجور هذا كان بغاً كبيراً. وفيها مات ياطس الروميّ، وصلب بسامراً إلى جانب بابك. وفيها مات إبراهيم بن المهديّ في شهر رمضان وصلّى عليه المعتصم. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك كان قدوم الورثانيّ على المعتصم في المحرّم بالأمان وفيها قدم بغا الكبير بمنكجور سامراً. وفيها خرج المعتصم إلى السّنّ، واستخلف أشناس. وفيها أجلس المعتصم أشناس على كرسيّ، وتوّجه وشّحه في شهر ربيع الأول. وفيها أحرق غنّام المرتدّ. وفيها غضب المعتصم على جعفر بن دينار، وذلك من أجل وثوبه على من كان معه من الشاكرين، وحبسه عند أشناس خمسة عشر يوماً، وعزله عن اليمن، وولاّها إيتاخ، ثم رضي عن جعفر. وفيها عزل الأفشين عن الحرس ووليه إسحاق بن يحيى بن معاذ. وفيها وجّه عبد اللّه بن طاهر بمازيار، فخرج إسحاق بن إبراهيم إلى الدّسكرة؛ فأدخله سامرّا في الشوال، وأمر بحمله على الفيل، فقال محمد بن عبد الملك الزيات: قد خضب الفيل كعاداته ... يحمل جيلان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه ... إلا لذي شأنٍ من الشأن فأبى مازيار أن يركب الفيل، فأدخل على بغل بإكاف، فجلس المعتصم في دار العامة،، لخمس ليال خلون من ذي القعدة، وأمر فجمع بينه وبين الأفشين؛ وقد كان الأفشين حبس قبل ذلك بيوم، فأقرّ المازيار أنّ الأفشين يكاتبه، ويصوّب له الخلاف والمعصية، فأمر بردّ الأفشين إلى محبسه، وأمر بضرب مازيار، فضرب أربعمائة سوط وخمسين سوطاً، وطلب ماء فسقى، فمات من ساعته. ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الأفشين وحبسهوفيها غضب المعتصم على الأفشين فحبسه. ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه ذكر أن الأفشين كان أيّام حربه بابك ومقامه بأرض الخرّمية؛ لا يأتيه هدية من أهل إرمينية إلا وجّه بها إلى أشروسنة، فيجتاز ذلك بعبد اللّه بن طاهر، فيكتب عبد اللّه إلى المعتصم بخبره؛ فكتب المعتصم إلى عبد اللّه بن طاهر يأمر بتعريف جميع ما يوجّه به الأفشين من الهدايا إلى أشروسنة؛ ففعل عبد اللّه بذلك؛ وكان الأفشين كلّما تهيّأ عنده مال حمّله أوساط أصحابه من الدنانير والهمايين بقدر طاقتهم؛ كان الرجل يحمل من الألف فما فوقه من الدنانير في وسطه؛ فأخبر عبد اللّه بذلك؛ فبينا هو في يوم من الأيام، وقد نزل رسل الأفشين معهم الهدايا نيسابور وجّه إليهم عبد اللّه بن طاهر، وأخذهم ففتّشهم، فوجد في أوساطهم همايين، فأخذها منهم، وقال لهم: من أين لكم هذا المال؟ فقالوا: هذه هدايا الأفشين؛ وهذه أمواله. فقال: كذبتم؛ لو أراد أخي الأفشين أن يرسل بمثل هذه الأموال لكتب إلىّ يعلمني ذلك لآمر بحراسته وبذرقته؛ لأن هذا مال عظيم؛ وإنما أنتم لصوص. فأخذ عبد اللّه بن طاهر المال، وأعطاه الجند قبّله، وكتب إلى الأفشين يذكر له ما قال القوم، وقال: أنا أنكر أن تكون وجّهت بمثل هذا المال إلى أشروسنة، ولم تكتب إليّ تعلمني لأبذرقه؛ فإن كان هذا المال ليس لك فقد أعطيته الجند مكان المال الذي يوجّهه إلىّ أمير المؤمين في كلّ سنة، وإن كا المال لك - كما زعم القوم. فإذا جاء المال من قبل أمير المؤمنين رددته إليك؛ وإن يكن غير ذلك فأمير المؤمنين أحقّ بهذا المال؛ وإنما دفعته إلى الجند لأني أريد أن أو جههم إلى بلاد الترك فكتب إليه الأفشين يعلمه أن ماله ومال أمير المؤمنين واحد. ويسأله إطلاق القوم ليمضوا إلى أشروسنة؛ فأطلقهم عبد الله بن طاهر، فمضوا؛ فكان ذلك سبب الوحشة بين عبد الله بن طاهر وبين الأفشين. ثم جعل عبد الله يتتبع عليه، وكان الأفشين يسمع أحياناً من المعتصم كلاماً يدل على أنه يريد أن يعزل آل طاهر عن خراسان، فطمع الأفشين في ولايتها فجعل يكاتب مازيار، ويبعثه على الخلاف، ويضمن له القيام بالدفع عنه عند السلطان؛ ظناً منه أن مازيار إن خالف احتاج المعتصم إلى أن يوجهه لمحاربته، ويعزل عبد الله بن طاهر ويوليه خراسان؛ فكان من أمر مازيار ما قد مضى ذكره. وكان من أمر منكجور بأذربيجان ما قد وصفنا قبل. فتحقق عند المعتصم - بما كان من أمر الأفشين ومكاتبته مازيار بما كان يكاتبه به - ما كان اتهمه به من أمر منكجور؛ وأن ذلك كان عن رأي الأفشين وأمره إياه به؛ فتغير المعتصم للأفشين لذلك؛ وأحس الأفشين بذلك، وعلم تغير حاله عنده، فلم يدر ما يصنع، فعزم - فيما ذكر - على أن يهئ أطوافاً في قصره، ويحتال في يوم شغل المعتصم وقواده أن يأخذ طريق الموصل، ويعبر الزاب على تلك الأطواف؛ حتى يصير إلى بلاد أرمينية ثم إلى بلاد الخزر، فعسر ذلك عليه، فهيأ سماً كثيراً، وعزم على أن يعمل طعاماً ويدعو المعتصم وقواده فيسقيهم؛ فإن لم يحبه المعتصم استأذن في قواده الأتراك، مثل أشناس وإيتاخ وغيرهم في يوم تشاغل أمير المؤمنين، فإذا صاروا إليه أطعمهم وسقاهم وسمهم؛ فإذا انصرفوا من عنده خرج من أول الليل، وحمل تلك الأطواف والآلة التي يعبر بها على ظهور الدواب حتى يجئ إلى الزاب فيعبر بأثقاله على الأطراف، ويعبر الدواب سباحة كما أمكنه، ثم يرسل الأطواف حتى يعبر في دجلة، ويدخل هو بلاد أرمينية؛ وكانت ولاية أرمينية إليه، ثم يصير هو إلى بلاد الخرز مستأمناً، ثم يدور من بلاد الخزر إلى بلاد الترك، ويرجع من بلاد الترك إلى بلاد أشروسنة، ثم يستميل الخزر على أهل الإسلام؛ فكان في تهيئة ذلك، وطال به الأمر فلم يمكنه ذلك. وكان قواد الأفشين ينوبون في دار أمير المؤمنين كما ينوب القواد؛ فكان واجن الأشروسني قد جرى بينه وبين من قد اطلع على أمر الأفشين حديث؛ فذكر له واجن أن هذا الأمر لا أراه يمكن ولا يتم؛ فذهب ذلك الرجل الذي سمع قول واجن فحكاه للأفشين. وسمع بعض من يميل إلى واجن من خدم الأفشين وخاصته ما قال الأفشين في واجن، فلما انصرف واجن من النوبة في بعض الليل أتاه فأخبره أن قد ألقي ذلك إلى الأفشين، فحذر واجن على نفسه، فركب من ساعته في جوف الليل حتى دار أمير المؤمنين؛ وقد نام المعتصم؛ فصار إلى إيتاخ، فقال: إن لأمير المؤمنين عندي نصيحة فقال له إيتاخ: ألي الساعة كنت ها هنا! قد نام أمير المؤمنين. فقال له واجن: ليس يمكنني أن أصبر إلى غد، فدق إيتاخ الباب على بعض من يعلم المعتصم بالذي قال واجن فقال المعتصم: قل له انصرف الليلة إلى منزله، ويبكر علىّ في غد. فقال واجن: إن انصرفت الليلة ذهبت نفسي، فأرسل المعتصم إلى إيتاخ: بيته الليلة عندك. فبيته إيتاخ عنده؛ فلما أصبح بكربه مع صلاة الغداة، فأوصله إلى المعتصم، فأخبره بجميع ما كان عنده؛ فدعا المعتصم محمد بن حماد بن دنقش الكاتب، فوجهه يدعو الأفشين، فجاء الأفشين في سواد، فأمر المعتصم بأخذ سواده، وحبسه، فحبس في الجوسق؛ ثم بنى له حبساً مرتفعاً، وسماه لؤلؤة داخل الجوسق، وهو يعرف إلى الآن بالأفشين. وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في الإحتيال للحسن بن الأفشين - وكان الحسن قد كثرت كتبه إلى عبد الله بن طاهر في نوح بن أسد - يعلمه تحامله على ضياعه وناحيته، فكتب عبد الله بن طاهر إلى نوح بن أسد يعلمه ما كتب به أمير المؤمنين في أمره، ويأمره بجمع أصحابه والتأهب له؛ فإذا قدم عليه الحسن ابن الأفشين بكتاب ولايته استوثق منه، وحمله إليه. فكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن الأفشين يعلمه أنه عزل نوح بن أسد، وأنه قد ولاه الناحية، ووجه إليه بكتاب عزل نوح بن أسد فخرج الحسن بن الأفشين في قلة من أصحابه وسلاحه؛ حتى ورد على نوح بن أسد، وهو يظن أنه والي الناحية، فأخذه نوح بن أسد وشده وثاقاً. ووجه به إلى عبد الله بن طاهر، فوجه به عبد الله إلى المعتصم. وكان الحبس الذي بنى للأفشين شبيهاً بالمنارة، وجعل في وسطها مقدار مجلسه؛ وكان الرجال ينوبون تحتها كما تدور. وذكر عن هارون بن عيسى بن المنصور، أنه قال: شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبي داود وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب ومحمد بن عبد الملك الزيات فأتى بالأفشين ولم يكن بعد في الحبس الشديد، فأحضر قوم من الوجوه لتبكيت الأفشين بما هو عليه ولم يترك في الدار أحدٌ من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور، وصرف الناس. وكان المناظر له محمد بن عبد الملك الزيات، وكان الذين أحضروا المازيار صاحب طبرستان والموبذ والمرزبان بن تركش - وهو أحد ملوك السغد - ورجلان من أهل السغد؛ فدعا محمد بن عبد الملك بالرجلين، وعليهما ثياب رثة فقال لهما محمد بن عبد الملك: ما شأنكما؟ فكشفا عن ظهورهما وهي عارية من اللحم، فقال له محمد: تعرف هذين؟ قال: نعم، هذا مؤذن وهذا إمام، بينا مسجداً بأشروسنة، فضربت كل واحد منهما ألف سوط؛ وذلك أن بيني وبين ملوك السغد عهداً وشرطاً، أن أترك كل قوم على دينهم وما هم عليه؛ فوثب هذان على كل بيت كان فيه أصنامهم - يعني أهل أشروسنة - فأخرجا الأصنام، واتخذاه مسجداً فضربتهما على هذا ألفاً ألفاً لتعديهما، ومنعهما القوم من بيعتهم. فقال له محمد: ما كتاب عندك قد زينته بالذهب والجواهر والديباج، فيه الكفر بالله؟ قال: هذا كتاب ورثته عن أبى، فيه أدب من آداب العجم؛ وما ذكرت من الكفر؛ فكنت أستمتع منه بالأدب، وأترك ما سوى ذلك، ووجدته محلى، فلم تضطرني الحاجة إلى أخذ الحلية منه؛ فتركته على حاله؛ ككتاب كليلة ودمنة وكتاب مزدك في منزلك؛ فما ظننت أن هذا يخرج من الإسلام. قال: ثم تقدم الموبذ، فقال: إن هذا كان يأكل المخوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنها أرطب لحماً من الذبوحة؛ وكان يقتل شاو سوداء كلّ يوم أربعاء، يضرب وسطها بالسّيف يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها. وقال لي يوماً: إني قد دخلت لهؤلاء لبقوم في كلّ شيء أكرهه؛ حتى أكلت لهم الزيت وركبت الجمل ولبست النعل؛ غير أني إلى هذه الغاية لم تسقط عي شعرة - لم يطّل ولم يختن. فقال الأفشين: خبروني عن هذا الذي يتكلم بهذا الكلام، ثقةٌ هم في دينه؟ - وكان الموبذ مجوسياً أسلم بعد على يد المتوكل ونادمه - قالوا: لا، قال: فما معنى قبولكم شهادة من لا تثقون به ولا تعدلّونه! ثم أقبل على الموبذ، فقال: هل كان بين منزلي ومنزلك باب أو كوّة تطلع عليّ منها وتعرف أخباري منها؟ قال: لان أفليس كنت أدخلك إليّ وأبثك سرى وأخبرك بالأعجمية وميلي إليها وإلى أهلها؟ قال: نعم، قال: فلست بالثقة في دينك ولا بالكريم في عهدك؛ إذا أفشيت عليّ سراًّ أسررته إليك. ثم تنحىّ الموبذ، وتقدم المرزبان بن تركش، فقالوا للأفشين: هل تعرف هذا؟ قال: لا، فقيل للمرزبان: هل تعرف هذا؟ قال: نعم، هذا الأفشين، قالوا له: هذا المرزبان، يا ممخرق، كم تدافع وتموّه! قال له الأفشين: يا طويل اللحية، ما تقول؟ قال: كيف يكتب إليك أهل مملكتك؟ قال: كما كانوا يكتبون إلى أبى وجدي. قال: فقل، قال: لا أقول، فقال المرزبان: أليس يكتبون إليك بكذا وكذا بالأشروسنية؟ قال: بلى، قال: أفليس تفسيره بالعربية " إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان " ، قالك بلى! قال محمد بن عبد الملك: والمسلمو يحتملون أن يقال لهم هذا! فما بقيّت لفرعو حين قال لقومه: " أنا ربّكم الأعلى " ! قال: كانت هذه عادة القوم لأبي وجديّ، ولي قبل أن أدخل في الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد على طاعتهم. فقال له إسحاق بن إبراهيم بم مصعب: ويحك يا خيذر! كيف تحلف باللذه لنا فنصدقك ونصدق يمينك ونجريك مجرى المسلمين وأنت تدعى ما ادّعى فرعون! قال: يا أبا الحسين؛ هذه سورة قرأها عحجيف على عليّ بن هشام، وأنت تقرؤها عليّ فانظر غداً من يقرؤها عليك! قال: ثم قدّم مازيار صاحب طبرستان، فقالوا للأفغشين: تعرف هذا؟ قال: لا، قالوا للمازيار: تعرف هذا؟ قال: عم، هذا الأفشي، فقالوا له: هذا المازيار؟ قال: نعم، قد عرفته الآ، قالوا: هل كاتبته؟ قال:لا، قالوا للمازيار: هل كتب إليك؟ قال: نعم، كاب أخوه خاش إلى أخي قوهيار؛ أنه لم يكن ينصر هذا الدّين الأليض غيري وغيرك وغير بابك؛ فأما بابك فإنه بحمقه قتيل نفسه، ولقد جهدت أن أصرف عه الموت فأبى حمقه إلا أن دلاّه فما وقع فيه، فإن خالفت لم يكن للقوم من يرمونك به غيري ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس؛ فإن وجّهت إليه لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب، والمغاربة، والأتراك، والعربيّ بمنزلة الكلب اطرح له كسرة ثم اضرب رأسه بالدبّوس؛ وهؤلاء الذّباب - يعني المغاربة - إنما هم أكلة رأس، وأولاد الشياطين - يعيني الأتراك - فإنما هي ساعة حتى تنفذ سهامهم، ثم تجول الخيل جولة فتأتي على آخرهم؛ ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم. فقال الأفشين: هذا يدّعي على أخيه وأخي دعوى لا تجب عليّ، ولو كنت كتبت بهذا الكتاب إليه لأستميله إلي ويثق بناحيتي كان غير مستنكر؛ لأني إذا نصرت الخليفة بيدي، كنت بالحيلة أحرى أن أنصره لآخذ بقفاه، وآتي به الخليفة لأحظى به عنده، كما حظي به عبد اللّه بن طاهر عند الخليفة. ثم نحّى المازيار. ولما قال الأفشين للمرزيان التركشيّ ما قال، وقال لإسحاق بن إبراهيم ما قال، زجر ابن أبي داود الأفشين، فقال له الأفشين: أنت يا أبا عبد اللّه ترفع طيلسانك بيدك، فلا تضعه على عاتقك حتى تقتل به جماعة ، فقال له ابن أبي داود: أمطهّر أنت؟ قال: لا، قال:فما منعك من ذلك، وبه تمام الإسلام، والطهور من النجاسة! قال: أو ليس في دين الإسلام استعمال التقيّة؟ قال: بلى، قال: خفت أن أقطع ذلك العضو من جسدي فأموت قال: أنت تطعن بالرمح، وتضرب بالسيف، فلا يمنعك ذلك من أن تكون في الحرب وتجزع من قطع قلفة! قال: تلك ضرورة تعنيني فأصبر عليها إذا وقعت؛ وهذا شيء أستجلبه فلا آمن معه خروج نفسي، ولم أعلم أن في تركها الخروج من الإسلام فقال ابن أبي داود: قد بان لكم أمره يابغاً - لبغا الكبير أبي موسى التركيّ - عليك به! قال: فضرب بيده بغا على منطقته فجذبها، فقال قد كنت أتوقّع هذا منكم قبل اليوم، فقلب بغا ذيل القباء على رأسه، ثم أخذ بمجامع القباء من عند عنقه، ثم أخرجه من باب الوزيريّ إلى محبسه. وفي هذه السنة حمل عبد اللّه بن طاهر الحسن بن الأفشين وأترنجة بنت أشناس إلى سامراً. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر وثوب علىّ بن إسحاق برجاء بن أبي الضحاك فمن ذلك ما كان فيها من ثوب علىّ بن إسحاق بن يحيى بن معاذ - وكان على المعونة بدمشق من قبل صول أرتكين - برجاء بن أبي الضحاك؛ وكان على الخراج، فقتله، وأظهر الوسواس، ثم تكلم أحمد بن أبي داود فيه، فأطلق من محبسه؛ فكان الحسن بن رجاء يلقاه في طريق سامرّا، فقال البحتريّ الطائي: عفا علىّ بن إسحاق بفتكته ... على غرائب تيهٍ كنّ في الحسن أنسته تنقيعه في اللفظ نازلة ... لم تبق فيه سوى التسليم للزمن فلم يكن كابن حجرٍ حين ثار ولا ... أخي كليبٍ ولا سيف بن ذي يزن ولم يقل لك في وترٍ طلبت به ... تلك المكارم لا قعبان من لبن وفيها مات محمد بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين، فصلّى عليه المعتصم في دار محمد. ذكر الخبر عن موت الأفشينوفيها مات الأفشين. ذكر الخبر عن موته وما فعل به عند موته وبعده ذكر عن حمدون بن إسماعيل، أنه قال: لما جاءت الفاكهة الحديثة، جمع المعتصم من الفواكه الحديثة في طبق، وقال لابنه هارون الواثق: اذهب بهذه الفاكهة بنفسك إلى الأفشين، فأدخلها إليه. فحملت مع هارون الواثق حتى صعد بها إليه في البناء الذي له يسمى لؤلؤة؛ فحبس فيه؛ فنظر إليه الأفشين، فافتقد بعض الفاكهة؛ إما الإجلاص وإما الشاهلوج؛ فقال للواثق: لا أله إلا الله، ما أحسنه من طبق ولكن ليس لي فيه إجاص ولا شاهلوج! فقال له الواثق، انصرف أوجه به إليك، ولم يمس من الفاكهة شيئاً؛ فلما أراد الوايق الإنصراف قال له الأفشين: اقرئ سيدي السلام وقل له: أسألك أن توجه إلى ثقة من قبلك يؤدي عني ما أقول، فأمر المعتصم حمدون بن اسماعيل - وكان حمدون في أيام المتوكل في حبس سليمان بن وهب في حبس الأفشين هذا؛ فحدث بهذا الحديث وهو فيه: قال حمدو: فبعث بي المعتصم إلى الأفشين، فقال لي: إنه سيطول عليك فلا تحتبس. قال: فدخلت عليه، وطبق الفاكهة بين يديه لم يمس منة واحدة فما فوقها، فقال لي: اجلس، فجلست فاستمالني بالدهقنة، فقلت: لا تطول، فإ أمير المؤمنين قد تقدم إلي ألا أحتبس عندك، فأوجز فقال: قل لأمير المؤمنين؛ أحسنت إلي وشرفتني وأوطأت الرجال عقبي، ثم قبلت في كلاماً لم يتحقق عندك؛ ولم تتدبره بعقلك؛ كيف يكو هذا، وكيف يجوز لي أن أفعل هذا الذي بلغك! تخبر بأني دسست إلي منكجور أن يخرج، وتقبله وتخبر أني قلت للقائد الذي وجهته إلى منكجور: لا تحاربه، واعذر، وإن أحسست بأحد منا فانهزم من بين يديه؛ أنت رجل قد عرفت الحرب، وحاربت الرجال وسست للعساكر؛ هذا يمكن رأس عسكر يقول لجند يلقون قوماً: افعلوا كذا وكذا؛ هذا ما لا يسوغ لأحد أن يفعله؛ ولو كان هذا يمكن ما كان ينبغي أن تقبله عدو قد عرفت سببه؛ وأنت أولى بي وإنما أنا عبد من عبيدك، وصنيعك؛ ولكن مثلي ومثلك يا أمير المؤمنين مثل رجل ربي عجلاً له حتى أسمنه وكبر، وحسنت حاله، كان أصحابه اشتهوا أن يأكلوا من لحمه، فعرضوا له بذبح العجل فلم يحبهم إلى ذلك، فاتفقوا جميعاً على أن قالوا له ذات يوم: ويحك! لم تربى هذا الأسد؟ هذا سبع، وقد كبر، والسبع إذا كبر إلى جنسه! فقال لهم: ويحك هذا عجل بقر، ما هو سبع، فقالوا: هذا سبع؛ سل من شئت عنه؛ وقد تقدموا إلى جميع من يعرفونه، فقالوا له: إن سألكم عن العجل، فقولوا له: هذا سبع؛ فكلما سأل الرجل إنساناً عنه وقال له: أما ترى هذا العجل ما أحسنه! قال الآخر: هذا سبع؛ هذا أسد، ويحك! فأمر بالعجل فذبح؛ ولكني أنا ذلك العجل، كيف أقدر أن أكون أسداً! الله الله في أمري؛ اصطنعتني وشرفتني وأنت سيدي ومولاي، أسأل الله يعطف بقلبك علي. قال حمدون: فقمت فانصرفت وتركت الطبق على حاله لم يمس منه شيئاً، ثم ما لبثنا إلا قليلاً حتى قيل: إنه يموت أو قد مات؛ فقال المعتصم: أروه ابنه، فأخرجوه فطرحوه بين يديه، فنتف لحيته وشعره، ثم أمر به فحمل إلى منزل إيتاخ. قال: وكان أحمد بن أبي داود دعا به في دار العامة من الحبس فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين أنك يا خيدر، أقلف، قال: نعم، وإنما أراد ابن أبي داود أن يشهد عليه؛ فإن تكشف تسب إلى الخرع؛ وإن لم يتكشف صح عليه أنه أقلف، فقال: نعم، أنا أقلف؛ وحضر الدار ذلك اليوم جميع القواد والناس؛ وكان ابن أبي داود أخرجه إلى دار العامة قبل مصير الواثق إليه بالفاكهة، وقلب مصير حمدون بن اسماعيل إليه. قال حمدون: فقلت له: أنت أقلف كما زعمت؟ فقال الأفشين: أخرجي إلى مثل ذلك الموضع، وجميع القواد والناس قد اجتمعوا، فقال لي ما قال؛ وإنما أراد أن يفضحني؛ إن قلت له: نعم لم يقبل قولي، وقال لي: تكشّف، فيفضحني بي الناس؛ فالموت كا أحبّ إليّ من أن أتكشّف بين أيدي الناس؛ ولكن يا حمدون إن أحببت أن أتكشّف بين يديك حتى تراني فعلت؛ قال حمدون: فقلت له: أنت عندي صدوق؛ وما أريد أن تكشّف. فلما انصرف حمدون فأبلغ المعتصم رسالته، أمر بمنع الطعام منه إلاّ القليل؛ فكان يدفع إليه في كلّ يوم رغيف حتى مات؛ فلما ذهب به بعد موته إلى دار إيتاخ، أخرجوه فصلبوه على باب العامّة ليراه الناس، ثم طرح بباب العامة مع خشبته؛ فأحرق وحول الرّماد، وطرح في دجلة. وكان المعتصم حين أمر بحبسه وجّه سليمان بن وهب الكاتب يحصي جميع ما في دار الأفشين ويكتبه في ليلة من الليالي، وقصر الأفشين بالمطيرة، فوجد في داره بيت فيه تمثال إنسان من خشب، عليه حلية كثيرة وجوهر، وفي أذنيه حجران أبيضان مشتبكان؛ عليهما ذهب، فأخذ بعض من كان مع سليمان أحد الحجرين؛ وظنّ أنه جوهر له قيمة؛ وكان ذلك ليلاً؛ فلما أصبح ونزع عنه شباك الذّهب، وجوده حجراً شبيهاً بالصّدف الذي يسمى الحبرون، من جنس الصّدف الذي يقال له البوق، من صدف أخرج من منزله صور السماجة وغيرها وأصنام وغير ذلك، والأطواف والخشب التي كان أعدّها؛ وكان له متاع بالوزيريّة، فوجد فيه أيضاً صنم آخر، ووجدوا في كتبه كتاباً من كتب المجوس يقال له زراوه وأشياء كثيرة من الكتب؛ فيها ديانته التي كان يدين بها ربه. وكان موت الأفشين في شعبان من سنة ست وعشرين ومائتين. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بأمر أشناس؛ وكان أشناس. حاجاًّ في هذه السنة، فولّى كل بلدة يدخلها فدعى له جميع المنابر التي مر بها من سامراً إلى مكة والمدينة. وكان الذي دعا له على منبر الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى، ودعا منبر فيد هارون بن محمد بن أبي خالد المروروذي، وعلى منبر المدينة محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان وعلى منبر مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى، وسلم عليه في هذه الكور كلها بالإمارة وكانت ولايتها إلى أن يرجع إلى سامراً. ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر خروج أبي حرب المبرقع فمن ذلك ما كان من خروج أبي حرب المبرقع اليماني بفلسطين وخلافه على السلطان. ذكر الخبر عن سبب خروجه وما آل إليه أمره ذكر لي بعض أصحابي ممن ذكر أنه خبير بأمره، أن سبب خروجه على السلطان كان أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها، وفيها إما زوجته وإما أخته، فمانعته ذلك؛ فضربها بسوط كان معه؛ فاتقته بذراعها، فأصاب السوط ذراعها فأثر فيها؛ فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكت إليه ما فعل بها، وأرته الأثر الذي بذراعها من ضربه؛ فأخذ أبو حرب سيفه ومشى إلى الجندي وهو غار، فضربه به حتى قتله؛ ثم هرب وألبس وجهه برقعاً كي لا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردن؛ فطلبه السلطان فلم يعرف له خبر؛ وكان أبو حرب يظهر بالنهار فيقعد على الجبل الذي أوى إليه متبرقعاً؛ فيراه الرائي فيأتيه، فيذكره ويحرضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان وما يأتي إلى الناس ويعيبه؛ فما زال ذلك دأبه حتى استجاب له قوم من حراثى أهل تلك الناحية وأهل القرى؛ وكان يزعم أنه أموى، فقال الذين استجابوا له: هذا هو السفياني؛ فلما كثرت غاشيته وتباعه من هذه الطبقة من الناس، دعا أهل البيوتات من أهل تلك الناحية؛ فاستجاب له منهم جماعة من رؤساء اليمانية؛ منهم رجل يقال له ابن بيهس، كان مطاعاً في أهل اليمن ورجلان آخران من أهل دمشق، فاتصل الخبر بالمعتصم وهو عليل؛ علته التي مات فيها؛ فبعث إليه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف من الجند؛ فلما صار رجاء إليه وجده في عالم من الناس. فذكر الذي أخبرني بقصته أنه كان في زهاء مائة ألف؛ فكره رجاء مواقعته وعسكر بحذائه، وطاوله؛ حتى كان أول عمارة الناس الأرضين وحراثهم، وانصرف من كان من الحراثين مع أبي حرب إلى الحراثة وأرباب الأرضين إلى أرضيهم، وبقي أبو حرب في نفر زهاء ألف أو ألفين؛ ناجزه رجاء الحرب فالتقى العسكران: عسكر رجاء وعسكر المبرقع؛ فلما التقوا تأمل رجاء عسكر المبرقع فقال لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلاً له فروسية غيره، وإنه سيظهر لأصحابه من نفسه بعض ما عده من الرجلة: فلا تعجلوا عليه. قال: وكان الأمر كما قال رجاء؛ فما لبث المبرقع أن حمل على عسكر رجاء، فقال رجاء لأصحابه: افرجوا له؛ فأفرجوا له؛ حتى جاوزهم ثم كر راجعاً فأمر رجاء أصحابه أن يفرجوا له، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ورجع إلى عسكر نفسه؛ ثم أمهل رجاء وقال لأصحابه: إنه سيحمل عليكم مرة أخرى فأفرجوا له؛ فإذا أراد الرجوع فحولوا بينه وبين ذلك، وخذوه. ففعل المبرقع ذلك، فحمل على أصحاب رجاء، فأفرجوا له حتى جاوزهم، ثم كر راجعاً فأحاطوا به؛ فأخذوه فأنزلوه عن دابته. قال: وقد كان قدم على رجاء حين ترك معاجلة المبرقع الحرب من قبل المعتصم مستحث، فأخذ الرسول فقيده إلى أن كان من أمره، وأمر أبي حرب ما كا مما ذكرا، ثم أطلقه. قال: فلما كان يوم قدوم رجاء بأبي حرب على المعتصم، عزله المعتصم على ما فعل برسوله، فقال له رجاء: يا أمير المؤمنين؛ جعلني الله فداك! وجهتني في ألف إلى مائة ألف؛ فكرهت أن أعاجله فأهلك ويهلك من معي ولا نغني شيئاً؛ فتمهلت حتى خف من معه، ووجدت فرصة ورأيت لحربه وجهاً وقياماً؛ فناهضته وقد خف من معه وهو في ضعف؛ ونحن في قوة، وقد جئتك بالرجل أسيراً قال أبو جعفر: وأما غير من ذكرت أنه حدثني حديث أبي حرب على ما وصفت؛ فإنه زعم أن خروجه إنما كان في سنة ست وعشرين ومائتين بالرملة، فقالوا: إنه سفياني، فصار في خمسين ألفاً من أهل اليمن وغيرهم، واعتقد ابن بيهس وآخران معه من أهل دمشق، فوجه إليهم، المعتصم رجاء الحضاري في جماعة كبيرة، فواقعهم بدمشق؛ فقتل من أصحاب ابن بيهس وصاحبيه حواً من خمسة آلاف؛ وأخذ ابن بيهس أسيراً، فتل صاحبيه، وواقع أبا حرب بالرملة، فقتل من أصحابه نحواً من عشرين ألفاً وأسر أبا حرب، فحمل إلى سامرا، فجعل وابن بيهس في المطبق. وفي هذه السنة أظهر جعفر بن مهرجش الكردي الخلاف، فبعث إليه المعتصم في المحرم إيتاخ إلى جبال الموصل لحربه، فوثب بجعفر بعض أصحابه فقتله. وفيها كانت وفاة بشر بن الحارث الحافي في شهر ربيع الأول وأصله من مرو. ذكر الخبر عن وفاة المعتصم والعلة التي مات بهاوفيها كات وفاة المعتصم وذلك - فيما ذكر - يوم الخميس، فقال بعضهم: لثماني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول لساعتين مضتا من النهار. ذكر الخبر عن العلة التي كانت منها وفاته وقدر مدة عمره وصفته ===========================================ج31. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري ذكر أن بدء علته أه احتجم أول يوم من المحرم، واعتل عندها، فذكر عن محمد بن أحمد بن رشيد عن زنام الزامر، قال: قد وجد المعتصم في علته التي توفى فيها إفاقة؛ فقال: هيئوا إلى الزلال لأركب، فركب وركبت معه، فمر في دجلة بإزاء منازله فقال: يا زنام: ازمر لي: يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشى لأطلالك أن تبلى لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى قال:فما زالت أزمر هذا الصوت حتى دعا برطلية، فشرب منها قدحاً وجعلت أزمره وأكرره وقد تناول بين يديه؛ فما زال يبكي وتمسح دموعه فيه وينتحب؛ حتى رجع إلى منزله ولم يتسم شرب الرطليّة. وذكر عن علي بن الجعدانة، قال: لما احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيلة ليست حيلة،حتى أصمت وذكر عن غيره أنه جعل يقول: إني أخذت من بين هذا الخلق. وذكر عنه أنه قال: لو علمت أن عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت. فلما مات دفن بسامراً؛ فكات خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر ويومين. فإن كا مولده سنة ثمانين ومائة فإن عمره كله كان ستاً وأرعي سنة وسبعة أشهر وثمانية عشر يوماً، وإن كان مولده سنة تسع وسبعين ومائة؛ فإن عمره كان سبعاً وأربعين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً. وكان - فيما ذكر - أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعاً مشرب اللون حمرة، حسن العينين. وكان مولده بالخلد. وقال بعضهم: ولد سنة ثمانين ومائة في الشهر الثامن. وهو ثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس، وعمره كان ثمانين وأربعين سنة. ومات عن ثمانية بنين وثمان بنات، وملك ثما سين وثمانية أشهر، فقال محمد بن عبد الملك الزيات. قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيدٍ بالترب والطبن اذهب فنعم الحفيظ كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين لا جبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون وقال مروان بن أبي الجنوب وهو ابن أبي حفصة: أبو إسحاق مات ضحى فمتنا ... وأمسنا بهارون حيينا لئن جاء الخميس بما كرهنا ... لقد جاء الخميس بما هوينا ذكر الخبر عن بعض أخلاق المعتصم وسيره ذكر عن ابن أبي داود أنه ذكر المعتصم بالله، فأسهب في ذكره، وأكثر في وصفه، وأطنب في فضله، وذكر من سعة أخلاقه وكرم أعراقه وطيب مركبه ولين جانبه، وجميل عشرته؛ فقال: قال لي يوماً ونحن بعمورية: ما تقول في البسر يا أبا عبد الله؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ نحن ببلاد الروم والبسر بالعراق؛ قال: صدقت قد وجهت إلى مدينة السلام، فجاءوا بكباستين، وعلمت أنك تشتهيه. ثم قال: يا إيتاخ هات إحدى الكباستين، فجاء بكباسة بسر، فمد ذراعه، وقبض عليها بيده، و قال: كل بحياتي عليك من يدي، فقلت: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين! بل تضعها فأكل كما أريد، قال: لا والله إلا من يدي قال: فوالله ما زال حاسراً عن ذراعه، وماداً يده، وأنا أجتبي من الغدق، وآكل حتى رمى به خالياً ما فيه بسرة. قال: وكنت كثيراً ما أزامله في سفره ذلك؛ إلى أن قلت له يوماً: يا أمير المؤمنين، لو زاملك بعض مواليك وبطانتك فاسترحت مني إليهم مرّة ومنهم إلى مرة أخرى كان ذلك أنشط لقلبك، وأطيب لنفسك وأشدّ لراحتك؛ قال: فإنّ سيما الدمشقيّ يزاملني اليوم فمن يزاملك أنت؟ قلت: الحسن ابن يونس، فأنت وذاك. قال: فدعوت الحسن فزاملني. وتهيأ أن يركب المعتصم بغلاً، فاختار أن يكون منفرداً، قال: فجعل يسير بسير بعيري؛ فإذا أراد أن يكلمني رفع رأسه إلى، وإذا أردت أن أكلمه خفضت رأسي؛ قال: فانتهينا إلى واد ولم نعرف غوره؛ وقد خلقنا العسكر وراءنا، فقال لي: مكانك حتى أتقدم. فأعرف غور الماء وأطلب قلته، واتبع أنت موضع سيري، قال: فتقدم فدخل الوادي وجعل يطلب قلة الماء، فمرة ينحرف عن يمينه، ومرة ينحرف عن شماله، وتارة يمشي لسننه؛ وأنا خلفه متبع لأثره حتى قطعنا الوادي. قال: واستخرجت منه لأهل الشاش ألفى ألف درهم لكرى نهر لهم اندفن في صدر الإسلام؛ فأصر ذلك بهم، فقال لي: يا أبا عبد الله، مالي ومالك؛ تأخذ مالي لأهل الشاش وفرغانة! قلت: هم رعيتك يا أمير المؤمين: والأقصى والأدنى في حسن نظر الإمام سواء.وقال غيره: إنه إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل. وذكر عن الفضل بن مروان أنه قال: لم يكن للمعتصم لذة في تزيين البناء؛ وكانت غايته فيه الإحكام. قال: لم يكن بالنفقة على شيء أسمح منه بالنفقة في الحرب. وذكر محمد بن راشد، قال: قال لي أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم: دعاني أمير المؤمينين المعتصم يوماً، فدخلت عليه وعليه صدرة ومشى ومنطقة ذهب وخف أحمر، فقال لي: يا إسحاق، أحببت أن أضرب معك بالصوالجة؛ فبحياتي عليك إلاّ لبست مثل لباسي؛ فاستعفيته من ذلك فأبى، فلبست مثل لباسه، ثم قدّم إليه فرس محلاّة بحلية الذهب، ودخلنا الميدان، فلما ضرب ساعة، قال لي: أراك كسلان، وأحسبك تكره هذا الزّيّ، فقلت: هو ذاك يا أمير المؤمنين، فنزل وأخذ بيدي، ومضى يمشي وأنا معه إلى أن صار إلى حجرة الحمام، فقال: خذ ثيابي يا إسحاق؛ فأخذت ثيابه حتى تجرد، ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت؛ ثم دخلنا أنا وهو الحمام؛ وليس معنا غلام؛ فقمت عليه ودلكته وتولى أمير المؤمنين المعتصم متى مثل ذلك، وأنا في كل ذلك أستعفيه، فيأبى على، ثم خرج من الحمام فأعطيته ثيابه، ولبست ثيابي، ثم أخذ بيدي ومضى يمشي؛ وأنا معه حتى صار إلى مجلسه فقال: يا إسحاق؛ جئني بمصلي ومخدتين، فجئته بذلك، فوضع المخدتين، ونام على وجهه، ثم قال: هات مصلى ومخدتين، فجئت بهما، فقال: ألقه ونم عليه بحذائي، فحلفت ألا أفعل، فجلست عليه، ثم حضر إيتاخ التركي وأشناس، فقال لهما: امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتما، ثم قال: يا إسحاق، في قلبي أمر أنا مفكر فيه منذ مدة طويلة؛ وإنما بسطتك في هذا الوقت لأفشيه إليك، فقلت: قل يا سيدي يا أمير المؤمنين؛ فإنما أنا عبدك وابن عبدك، قال: نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة أنجبوا، واصطنعت أنا أربعة لم يفلح أحدٌ منهم؛ قلت: ومن الذين اصطنعهم أخوك؟ قال: طاهر بن الحسين؛ فقد رأيت وسمعت، وعبد الله بن طاهر، فهو الرجل الذي لم ير مثله، وأنت، فأنت والله لا يعتاض السلطان منك أبداً، وأخوك محمد بن إبراهيم، وأين مثل محمد! وأنا فاصنعت الأفشين فقد رأيت إلى ما صار أمره، وأشناس ففشل آيه وإيتاخ فلا شيء، ووصيف فلا مغنى فيه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! أجيب على أمانٍ من غضبك. قال: قل، قلت: يا أمير المؤمنين أعزك الله نظر أخوك إلى الأصول؛ فاستعملها، فأنجبت فروعها، واستعمل أمير المؤمنين فروعاً لم تنجب إذ لا أصول لها، قال: يا إسحاق لمقاساة ما مر بي في طول هذه المدة أسهل علي من هذا الجواب. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أنه قال: أتيت أمير المؤمنين المعتصم بالله يوماً وعنده قينة كان معجباً بها، وهي تغنيه، فلما سلمت وأخذت مجلسي، قال لها: خذي فيما كنت فيه، فغنت فقال لي: كيف تراها يا إسحاق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذق وتختله برفق، ولا تخرج من شيء إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدر على النحور، فقال: سأل إسحاق، لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها، وقال لابنه هارون: اسمع هذا الكلام. وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنه قال: قلت للمعتصم في شيء، فقال لي: يا إسحاق؛ إذا نصر الهوى بطل الرأي؛ فقلت له: كنت أحب يا أمير المؤمنين أن يكون معي شبابي؛ فأقوم من خدمتك بما أنويه، قال لي: أو لست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك؟ قلت: بلى، قال: فأنت الآن تبلغ جهدك فسيان إذاً. وذكر عن أبي حسان أنه قال: كانت أم أبي إسحاق المعتصم من مولدات الكوفة يقال لها ماردة. وذكر عن الفضل بن مروان، أنه قال: كانت أم المعتصم ماردة سغدية، وكان أبوها نشأ بالسواد، قال: أحسبه بالبند نيجين. وكان للرشد من ماردة مع أبي إسحاق، أبو إسماعيل، وأم حبيب، وآخران لم يعرف اسماهما. وذكر عن أحمد بن أبي داود أنه قال: تصدق المعتصم ووهب على يدي وبسبي بقيمة مائل ألف ألف درهم. خلافة هارون الواثق أبي جعفر وبويع في يوم توفي المعتصم ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم، وذلك في يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية تسمى قراطيس. وهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان ملكه اثني عشرة سنة. وفيها ملكت بعده امرأته تذورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبي. وحج بالناس فيها جعفر بن المعتصم، وكانت أم الواثق خرجت معه تريد الحج فماتت بالحيرة لأربع خلون من ذي القعدة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى. ؟ثم دخلت سنة ثمان وعشري ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من الواثق إلى أشناس أن توجه وألبسه وشاحين بالجوهر في شهر رمضان. وفيها مات أبو الحسن المائني في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصلي. وفيها مات حبيب بن أوس الطائي أبو تمام الشاعر. وفيها حج سليمان بن عبد الله بن طاهر. وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهماً. وأصاب الناس في الموقف حر شديد ثم مطر شديد فيه برد، فأضر بهم شدة الحر، ثم شدة البرد في ساعة واحدة، ومطروا بمنىً في يوم النحر مطراً شديداً لم يروا مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة قتلت عدة من الحاج. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن حبس الواثق الكتاب وإلزامهم الأموال فمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتاب وإلزامهم أموالاً، فدفع أحمد بن إسرائيل إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس، وأمر بضربه كل يوم عشرة أسواط؛ فضربه - فيما يقل - نحواً من ألف سوط، فأدى ثمانين ألف دينار. وأخذ من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار. وأخذ من أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن إبراهيم بن رباح وكتابه مائة ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير صلحاً مائة ألف وأربعين ألف دينار؛ وذلك سوى ما أخذ من العمال بسبب عمالاتهم. ونصب محمد بن عبد الملك لابن أبي داود وسائر أصحاب المظالم العداوة، فكشفوا وحبسوا، وأجلس إسحاق بن إبراهيم؛ فنظر في أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كل جهد. ذكر الخبر عن السبب الذي بعث الواثق على فعله ما ذكرت بالكتاب في هذه السنة: ذكر عن عزون بن عبد العزيز الأنصاري، أنه قال: كنا ليلةً في هذه السنة عند الواثق، فقال: لست أشتهي الليلة النبيذ؛ ولكن هلموا نتحدث الليلة؛ فجلس في روايه الأوسط الهاروني في البناء الأول الذي كان إبراهيم بن رباح بناه؛ وقد كان في أحد شقي ذلك الرواق قبةٌ مرتفعة في السماء بيضاء، كأنها بيضة إلا قدر ذراع - فيما ترى العين - حولها في وسطها ساج منقوش مغشي باللازورد والذهب، وكانت تسمى قبة المنطقة؛ وكان ذلك الرواق يسمى رواق قبة المنطقة. قال: فتحدثنا عامة الليل، فقال الواثق: من منكم يعلم السبب الذي به وثب جدي الرشيد على البرامكة فأزال نعمتهم؟ قال عزون: فقلت: أنا والله أحدثك يا أمير المؤمنين، كان سبب ذلك أن الرشيد ذكرت له جارية لعون الخياط، فأرسل إليها فاعترضها، فرضي جمالها وعقلها وحسن أدبها، فقال لعون: ما تقول في ثمنها؟ قال: يا أمير المؤمنين، أمر ثمنها واضح مشهور؛ حلفت بعتقها وعتق رقيق جميعاً وصدقة مالي الأيمان المغلظة التي لا مخرج منها لي، وأشهدت علي بذلك العدول ألا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار، ولا أحتال في ذلك بشيء من الحيل، هذه قضيتها. فقال أمير المؤمنين: قد أخذتها منك بمائة ألف دينار ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية، ويأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء؛ إذا اجترأ في ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحرى أن يطلب المال على قدر ذلك؛ فأرسل يخبره أنه لا يقدر على ذلك، فغضب عليه الرشيد، وقال: ليس في بيت مالي مائة ألف دينار فأعاد عليه: لابد منها، فقال يحيى: اجعلوها دراهم، ليراها فيستكرثوها، فلعله يردها، فأرسل بها دراهم، وقال: هذه قيمة مائة ألف دينار، وأمر أن توضع في رواقه الذي يمر فيه إذا أراد المتوضأ لصلاة الظهر. قال: فخرج الرشيد في ذلك الوقت؛ فإذا جبل من بدر، فقال: ما هذا؟ قالوا: ثمن الجارية، لم تحضر دنانير، فأرسل قيمتها دراهم، فاستكثر ذلك ودعا خادماً له، فقال: اضمم هذه إليك، واجعل لي بيت مال لأضم إليه ما أريده وسماه بيت مال العروس، وأمر برد الجارية إلى عون، وأخذ في التفتيش عن المال فوجد البرامكة قد استهلكوه، فأقبل يهم بهم ويمسك؛ فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الأدب من غيرهم فيسامرهم، ويتعشى معهم؛ فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفاً بالأدب، وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العود؛ فحضر ليلةً فيمن حضره، فأعجبه حديثه؛ فأمر خادماً له أن يأتي يحيى بن خالد إذا أصبح، فيأمره أن يعطيه ثلاثي ألف درهم. ففعل، فقال يحيى لأبي العود: أفعل؛ وليس بحضرتنا اليوم مال، غداً يجيء المال، ونعطيك إن شاء الله. ثم دافعه حتى طالت به الأيام، قال: فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتاً يحرضه فيه على البرامكة - وقد شاع في الناس ما كان يهم به الرشيد في أمرهم - فدخل عليه ليلةً، فتحدثوا، فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة. وعدت هندٌ وما كانت تعد ... ليت هنداً أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد فقال الرشيد: أجل والله؛ إنما العاجز من لا يستبد حتى انقضى المجلس، وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادماً يأتيه بأخباره، وأصبح يحيى غادياً على الرشيد، فلما رآه قال: قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعرٍ أنشدنيه بعض من كان عندي ثم كرهت أن أزعجك، فأنشده البيتين، فقال: ما أحسنهما يا أمير المؤمنين! وفطن لما أراد، فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم، فسأله عن إنشاد ذلك الشعر؛ فقال: أبو العود أنشده، فدعا الوزير يحيى بأبي العود، فقال له: إنا كنا قد لويناك بمالك، وقد جاءنا مال ثم قال لبعض خدمه: اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم من بيت مال أمير المؤمنين، وأعطه من عندي عشرين ألف درهم لمطلنا إياه، واذهب إلى الفضل وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحق أن يبر، وكان أمير المؤمنين أمر له بمال فأطلت مطله، ثم حضر المال؛ فأمرت أن يعطى ووصلته من عندي صلة، وقد أحببت أن تصلاه، فسألا: بكم وصله قال: بعشرين ألف درهم؛ فوصله كل واحد منهما بعشرين ألف درهم؛ فانصرف بذلك المال كله إلى منزله. وجدّ الرشيد في أمرهم حتى وثب عليهم وأزال نعمتهم، وقتل جعفراً فقال الواثق: صدق والله وجدي؛ إنما العاجز من لا يستبد! وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها. قال عزون: أحبسه: سيوقع بكتابه، فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتابه، وأخذ إبراهيم بن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم. قال: وأمر الواثق بحبس سلما بن وهب كاتب إيتاخ، وأخذه بمائتي ألف درهم - وقيل دينار - فقيد وألبس مدرعة من مدارع الملاحين، فأدى مائة ألف درهم، وسأل أن يؤخذ بالباقي عشري شهراً، فأجابه الواثق إلى ذلك، وأمر بتخلية سبيله ورده إلى كتابة إيتاخ، وأمره بلبس السواد. وفي هذه السنة ولي شارباميان لإيتاخ اليمن وشخص إليها في شهر ربيع الآخر. وفيها ولي محمد بن صالح بن العباس المدينة. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين ذكر خبر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة فمن ذلك ما كان من توجيه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب الذين عاثوا بالمدينة وما حواليها. ذكر الخبر عن ذلك ذكر أن بدء ذلك كان أن بني سليم كانت تطاول على الناس حول المدينة بالشر وكانوا إذا وردوا سوقاً من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاءوا، ثم ترقى بهم الأمر إلى أن أوقعوا بالحجاز بناس من بني كنانة وبأهلة، فأصابوهم وقتلوا بعضهم، وذلك في جمادى الآخرة في سنة ثلاثين ومائتين، وكان رأسهم عزيزة بن قطاب السلمي. فوجه إليهم محمد بن صالح بن العباس الهاشمي؛ وهو يومئذ عامل المدينة؛ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم حماد بن جرير الطبري - وكان الواثق وجه حماداً مسلحةً للمدينة لئلا يتطرقها الأعراب، في مائتي فارس من الشاكرية - فتوجه إليهم حماد في جماعة من الجند ومن تطوع للخروج من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة؛ فار إليهم فلقيته طلائعهم. وكانت بنو سليم كارهة للقتال ، فأمر حماد بن جرير بقتالهم، وحمل عليهم بموضع يقال له الرويثة من المدينة على ثلاث مراحل؛ وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاءوا من البادية في ستمائة وخمسين، وعامة من لقيهم من بني عوف من بني سليم، ومعهم أشهب بن دويكل بن يحيى بن حمير العوفي وعمه سلمة بن يحيى وعزيزة بن قطاب اللبيدي من بني لبيد بن سليم؛ فكان هؤلاء قوادهم، وكانت خيلهم مائة وخمسين فرساً فقاتلهم حماد وأصحابه؛ ثم أتت بني سليم أمدادها خمسمائة من موضع فيه بدوهم؛ وهو موضع يسمى أعلى الرويثة؛ بينها وبين موضع القتال أربعة أميال؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت سودان المدينة بالناس؛ وثبت حماد وأصحابه وقريش والأنصار، فصلوا بالقتال حتى قتل حماد وعامة أصحابه، وقتل ممن ثبت من قريش والأنصار عددٌ صالح، وحازت بنو سليم الكراع والسلاح والثياب؛ وغلظ أمر بني سليم، فاستباحت القرى والمناهل؛ فيما بينها وبين مكة والمدينة؛ حتى لم يمكن أحداً أن يسلك ذلك الطريق؛ وتطرقوا من يليهم من قبائل العرب. فوجه إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى التركي في الشاكرية والأتراك والمغاربة، فقدمها بغا في شعبان سنة ثلاثين ومائتين، وشخص إلى حرة بني سليم، لأيام بقين من شعبان؛ وعلى مقدمته طردوش التركي، فلقيهم ببعض مياه للحرة؛ وكانت الوقعة بشق الحرة من وراء السوارقية، وهي قريتهم التي كانوا إليها - والسوارقية حصون - وكان جل من لقيه منهم من بني عوف فيهم عزيزة بن قطاب والأشهب - وهما رأسا القواد يومئذ - فقتل بغا منهم نحواً من خمسين رجلاً، وأسر مثلهم؛ فانهزم الباقون، وانكشف بنو سليم لذلك؛ ودعاهم بغا بعد الوقعة إلى الأمان على حكم أمير المؤمنين الواثق، وأقام بالسوارقية فأتوه، واجتمعوا إليه، وجمعهم من عشرة واثنين وخمسة وواحد، وأخذ من جمعت السوارقية من غير بني سليم من أثناء الناس، وهربت خفاف بني سليم إلا أقلها؛ وهي التي كانت تؤذي الناس، وتطرق الطريق، وجلّ من صار في يده ممن ثبت من بني عوف، وكان آخر من أخذ منهم من بني حبشي من بني سليم، فاحتبس عنده من وصف بالشر والفساد؛ وهم زهاء ألف رجل، وخلى سبيل سائرهم؛ ثم رحل عن السوارقية بمن صار في يده من أسارى بني سليم ومستأمنيهم إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين ومائتين، فحبسهم فيها في الدار المعروفة بيزيد بن معاوية، ثم شخص إلى مكة حاجاً في ذي الحجة؛ فلما انقضى الموسم انصرف إلى ذات عرق، ووجه إلى بني هلال من عرض عليهم مثل الذي عرض على بني سليم فأقبلوا، فأخذ من ممردتهم وعتاتهم نحواً من ثلثمائة رجل، وخلّى سائرهم، ورجع من ذات عرق وهي على مرحلة من البستان، بينها وبين مكة مرحلتان. ذكر الخبر عن وفاة عبد الله بن طاهر وفي هذه السنة مات أبو العباس عبد الله بن طاهر بنيسابور يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول بعد موت أشناس التركي بتسعة أيام. ومات عبد الله بن طاهر وإليه الحرب والشرطة والسواد وخراسان وأعمالها والري وطبرستان وما يتصل بها وكرمان وخراج هذه الأعمال كان يوم مات ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولى الواثق أعمال عبد الله بن طاهر كلها ابنه طاهراً. وحجّ في هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فولى أحداث الموسم. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من أمر الفداء الذي جرى على يد خاقان الخادم بين المسلمين والروم في المحرم منها، فبلغت عدة المسلمين - فيما قبل - أربعة آلاف وثلثمائة واثنين وستين إنساناً. ذكر الخبر عن أمر بني سليم وغيرهم من القبائلوفيها قتل من قتل من بني سليم بالمدينة في حبس بغا. ذكر الخبر عن سبب قتلهم وما كان من أمرهم ذكر أن بغا لما صار إليه بنو هلال بذات عرق، فأخذ منهم من ذكرت أنه أخذ منهم، شخص معتمراً عمرة المحرم، ثم انصرف إلى المدينة، فجمع كل من أخذ من بني هلال واحتبسهم عنده مع الذين كان أخذ من بني سليم، وجمعهم جميعاً في دار يزيد بن معاوية في الأغلال والأقياد وكانت بنو سليم حبست قبل ذلك بأشهر. ثم سار بغا إلى بني مرة، وفي حبس المدينة نحو من ألف وثلثمائة رجل من بني سليم وهلال، فنقبوا الدار ليخرجوا، فرأت امرأة من أهل المدينة النقب، فاستصرخت أهل المدينة فجاءوا، فوجدوهم قد وثبوا على الموكلين بهم، فقتلوا منهم رجلاً أو رجلين وخرج بعضهم أو عامتهم؛ فأخذوا سلاح الموكلين بهم، واجتمع عليهم أهل المدينة؛ أحرارهم وعبيدهم - وعامل المدينة يومئذ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشمي - فمنعوهم الخروج، وباتوا محاصريهم حول الدار حتى أصبحوا؛ وكان وثوبهم عشية الجمعة؛ وذلك أن عزيزة بن قطاب قال لهم: إني أتشاءم بيوم السبت؛ ولم يزل أهل المدينة يعتقبون القتال، وقاتلتهم بنو سليم، فظهر أهل المدينة عليهم، فقتلوهم أجمعين، وكان عزيزة يرتجز، ويقول: لابد من زحم وإن ضاق الباب ... إني أنا عزيزة بن القطاب للموت خيرٌ للفتى من العاب ... هذا وربي عملٌ للبواب وقيده في يده قد فكه، فرمى به رجلاً، فخرّ صريعاً. وقتلوا جميعاً، وقتلت سودان المدينة من لقيت من الأعراب في أزقة المدينة ممن دخل يمتاز، حتى لقوا أعرابياً خارجاً من قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه؛ وكان أحد بني أبي بكر بن كلاب من ولد عبد العزيز بن زرارة. وكان بغا غائباً عنهم؛ فلما قدم فوجدهم قد قتلوا شق ذلك عليه، ووجد منه وجداً شديداً. وذكر أن البواب كان قد ارتشى منهم، ووعدهم أن يفتح لهم الباب، فعجلوا قبل ميعاده؛ فكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون: الموت خيرٌ للفتى من العار ... قد أخذ البواب ألف دينار وجعلوا يقولون حين أخذهم بغا: يا بغية الخير وسيف المنتبه ... وجانب الجور البعيد المشتبه من كان منا جانياً فلست به ... افعل هداك الله ما أمرت به فقال: أمرت أن أقتلكم. وكان عزيزة بن قطاب رأس بني سليم حين قتل أصحابه صار إلى بئر، فدخلها، فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقتله، وصفت القتلى على باب مروان بن الحكم؛ بعضها فوق بعض. وحدثني أحمد بن محمد أن مؤذن أهل المدينة أذن ليلة حراستهم بني سليم بليل ترهيباً لهم بطلوع الفجر، وأنهم قد أصبحوا، فجعل الأعراب يضحكون، ويقولون: يا شربة السويق؛ تعلموا بالليل، ونحن أعلم به منكم! فقال رجل من بني سليم: متى كان ابن عباسٍ أميراً ... يصل لصقل نابيه صريف يجور ولا يرد الجور منه ... ويسطو ما لوقعته ضعيف وقد كنا نرد الجور عنا ... إذا انتضيت بأيديا السيوف أمير المؤمنين سما إلينا ... سمو اليلث ثار من الغريف فإن يمنن فعفو الله نرجو ... وإن يقتل فقاتلنا شريف وكان سبب غيبة بغا عنهم أنه توجه إلى فدك لمحاربة من فيها ممن كان تغلب عليها من بني فزارة ومرة؛ فلما شارفهم وجه إليهم رجلاً من فزارة يعرض عليهم الأمان، ويأتيه بأخبارهم، فلما قدم عليهم الفزاري حذرهم سطوته، وزين لهم الهرب فهربوا ودخلوا في البر، ودخلوا فدك إلا نفراً بقوا فيها منهم؛ وكان قصدهم خيبر وجنفاء ونواحيها؛ فظفر ببعضهم، واستأمن بعضهم، وهرب الباقون مع رأس لهم يقال له الرّكاض إلى موضع من البلقاء من عمل دمشق وأقام بغا بجفاء وهي قرية من حدّ عمل الشأم، مما يلي الحجاز نحواً من أربعين ليلة، ثم انصرف إلى المدينة بمن صار في يديه من بني مرّة وفزارة. وفي هذه السنة صار إلى بغا من بطون غطفان وفزارة وأشجع جماعة؛ وكان وجّه إليهم وإلى بني ثعلبة؛ فلمّا صاروا إليه - فيما ذكر - أمر محمد ابن يوسف الجعفريّ فاستحلفهم الأيمان الموكدة ألاّ يتخلّفوا عنه متى دعاهم. ثم شخص إلى ضريّة لطلب بني كلاب ووجّه إليهم رسله فاجتمع إليه منهم - فيما قيل - نحو من ثلاثة آلاف رجل، فاحتبس منهم من أهل الفساد نحواً من ألف رجل وثلثمائة رجل وخلّى سائرهم ثم قدم المدينة في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فحبسهم في دار يزيد بن معاوية، ثم شخص إلى مكة بغا، وأقام بها حتى شهد الموسم، فبقي بنو كلاب في الحبس لا يجري عليهم شيء مدّة غيبة بغا؛ حتى رجع إلى المدينة، فلما صار إلى المدينة أرسل إلى من كان استحلف من ثعلبة وأشجع وفراسة فلم يجيبوه، وتفرّقوا في البلاد، فوجّه في طلبهم فلم يلحق منهم كثير أحد. ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعي على يد الواثقوفي هذه السنة تحرّك ببغداد قومٌ في ربض عمرو بن عطاء فأخذوا على أحمد بن نصر الخزاعيّ البيعة. ذكرالخبر عن سبب حركة هؤلاء القوم وما آل إليه أمرهم وأمر أحمد بن نصر وكان السبب في ذلك أنّ أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعيّ - ومالك بن الهيثم أحد نقباء بني العباس وكان ابنه أحمد يغشاه أصحاب الحديث؛ كيحيى بن معين وابن الدّورقيّ وابن خيثمة، وكات يظهر المباية لم يقول: القرآن مخلوق؛ مع منزلة أبيه كانت من السلطان في دولة بني عباس، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك، مع غلظة الواثق كانت على من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه، وغلبة أحمد بن أبي داود عليه - فحدثني بعض أشياخنا، عمّن ذكره، أنه دخل على أحمد بن نصر في بعض تلك الأيام وعنده جماعة من الناس، فذكر عنده الواثق، فجعل يقول: ألاّ فعل هذا الخنزي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟رن أو قال: هذا الكافر؛ وفشا ذلك من أمره، فخوّف بالسلطان، وقيل له: قد اتّصل أمرك به، فخافه. وكان فيمن يغشاه رجل - فيما ذكر - يعرف بأبي هارون السرّاج وآخر يقال له طالب، وآخر من أهل خرسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة ممّن ظهر له القول بمقالته، فحرّك المطيفون به - يعني أحمد بن نصر - من أصحاب الحديث، وممن ينكر القول بخلق القرآن من أهل بغداد - أحمد، وحملوه على الحركة لإنكار القول بخلق القرآن وقصدوه بذلك دون غيره لما كانت لما لأبيه وجده في دولة بني العباس من الأثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسمع له في سنة إحدى ومائتي لماّ كثر الدعّار بمدينة السلام، وظهر بها الفساد والمأمون بخراسان؛ وقد ذكرنا خبره فيما مضى. وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتاً إلى أن قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين فرجوا استجابة العامة له إذا هو تحرّك للأسباب التي ذكرت. فذكر أنه أجاب من سأله ذلك؛ وأنّ الذي كان يسعى به في دعاء الناس له الرجلان اللذان ذكرت اسميهم قبل. وإ أبا هارون السّراج وطالباً فرّقا في قوم مالا، فأعطيا كلّ رجل منهم ديناراً ديناراً، وواعدهم ليلةً يضربون فيها الطّبل للإجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان؛ فكان طالب بالجانب الغربيّ من مدينة السّلام فيمن عاقده على ذلك، وأبو هارون بالجانب الشرقيّ فيمن عاقده عليه؛ وكان طالب وأبو هارون أعطيا فيمن أعطيا رجلين من بني أشرس القائد دنانير يفرّقانها في جيرانهم، فانتبذ بعضهم نبيذاً، واجتمع عدّة منهم على شربه، فلمّا ثملوا ضربوا بالطبل ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة؛ وكان الموعد لذلك ليلة الخميس في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، لثلاث تخلو منه، وهم يحسبونها ليلة الخميس التي اتّعدوا لها، فأكثروا ضرب الطبل، فلم يجبهم أحد. وكان إسحاق بن إبراهيم غائباً عن بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم فوجّه إليهم محمد بن إبراهيم غلاماً له يقال له رحش فأتاهم فسألهم عن قصّتهم، فلم يظهر له أحد ممن ذكر بضرب الطّبل، فدلّ على رجل يكون في الحمامات مصاب بعينه، يقال له عيسى الأعور، فهدّده بالضرب، فأقرّ على ابني أشرس وعلى أحمد بن نصر بن مالك وعلى آخرين سمّاهم، فتتبّع القوم من ليلتهم؛ فأخذ بعضهم، وأخذ طالباً ومنزله في الرّبض من الجانب الغربي، وأخذ أبا هارون السّراج ومنزله في الجانب الشرقيّ، وتتبّع من سمّاه عيسى الأعور في أيام وليال، فصيّروا في الحبس في الجانب الشرقيّ والغربيّ، كلّ قوم في ناحيتهم التي أخذوا فيها، وقيّد أبو هارون وطالب بسبعين رطلاً من الحديد كلّ واحد منهما، وأصيب في منزل ابني أشرس علمان أخضران فيهما حمرة في بئر، فتولّى إخراجهما رجلٌ من أعوان محمد بن عياش - وهو عامل الجانب الغربيّ، وعامل الجانب الشرقيّ العباس بن محمد بن جبريل القائد الخرساني - ثم أخذ خصىّ لأحمد ابن نصر فتهدّد، فأقرّ بما أقرّ به عيسى الأعور، فمضى إلى أحمد بن نصر وهو في الحمّام، فقال لأعوان السلطان: هذا منزلي؛ فإن أصبتم فيه علماً أو عدّة أو سلاحاً لفتنة فأنتم في حلّ منه ومن دمي؛ ففتش فلم يوجد فيه شيء، فحمل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب وأخذوا خصيّين وابنين له ورجلاً ممن كان يغشاه يقال له اسماعيل بن محمد بن معاوية بن بكر الباهليّ، ومنزله بالجانب الشرقيّ، فحمل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين الواثق وهو بسامرّا على بغال بأكفٍ ليس تحتهم وطاء، فقيّد أحمد بن نصر بزوج قيود، وأخرجوا من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكان الواثق قد أعلم بمكانهم، وأحضر ابن أبي داود وأصحابه، وجلس لهم مجلساً عاماًّ ليمتحنوا امتحاناً مكشوفاً، فحضر القوم واجتمعوا عنده . وكان أحمد بن أبي داود - فما ذكر - كارهاً قتله في الظاهر؛ فلما أتى بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق في الشّغب ولا فيما رفع عليه من إرادته الخروج عليه ولكنه قال له: يا أحمد، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله؟ وأحمد بن نصر مستقتل قد تنور وتطيب قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله قال: فما تقول في ربك أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المومنين جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته " فنحن على الخبر قال: وحدثني سفيان ابن عتيبة بحديث يرفعه " أن قلب ابن آدم بين إصبعي من أصابع الله يقلّبه " ؛ وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يدعو: " يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك " ؛ فقال له إسحاق بن إبراهيم: و؟يلكن انظر ماذا تقولن قال: أنت أمرتني بذلك؛ فأشفق إسحاق من كلامه، وقال: أنا أمرتك بذلكن قال: نعم، أمرتني أن أنصح له إذ كان أمير المؤمنين، ومن نصيحتي له ألاّ يخالف حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فأكثروا، فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضياً على الجانب الغربيّ فعزل؛ وكان حاضراً وكان أحمد بن نصر ودّاً له - :يا أمير المؤمنين؛ هو حلال الدّم، وقال أبو عبد اللّه الأرمّني صاحب ابن أبي داود: اسقني دمه يا أمير المؤمنين، فقال الواثق: القتل يأتي على ما تريد، وقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين كافر يستتاب؛ لعلّ به عاهة أو تغيّر عقل - كأنه كره أن يقتل بسببه - فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت إليه، فلا يقومنّ أحد معي، فإني أحتسب خطاي إليه. ودعا بالصمصامة - سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدي وكان في الخزاة، كان أهدى إلى موسى الهادي فأمر سلماً الخاسر الشاعر أن يصفه له، فوصفه فأجازه - فأخذ الواثق الصمصامة - وهي صفيحة موصولة من أسفلها مسمورة بثلاثة مسمير تجمع بين الصفيحة والصلة - فمشى إليه وهو في وسط الدار، ودعا بنطع فصير في وسطه، وحبل فشد رأسه، ومد الحبل، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم اتضى سيماً الدمشقي سيفه، قضرب عنقه وخر رأسه. وقد ذكر أن بغا الشرابي ضربه ضربة أخرى، وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، فحمل معترضاً حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك، فصلب فيها وفي رجله زوج قيود، وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فصب في الجانب الشرقي أياماً وفي الجانب الغربي أياماً، ثم حول إلى الشرق؛ وحظر على الرأس حظيرة، وضرب عليه فسطاط، وأقيم عليه الحرس، وعرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر؛ وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر المشرك الضال؛ وهو أحمد بن نصر بن مالك؛ ممن قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام ؟عليه الحجة في خلق القرآن وفي التشبيه، وعرض عليه التوبة، ومكنه من الرجوع إلى الحق؛ فأبى إلا المعاندة والتصريح، والحمد لله الذي عجل به إلى ناره وأليم عقابه. وإن أمير المؤمنين سأله عن ذلك؛ فأقر بالتشبيه وتكلم بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه، ولعنه. وأمر أن يتتبع من وسم بصحبة أحمد بن نصر؛ ممن ذكر أنه كان متشايعاً له؛ فوضعوا في الحبوس، ثم جعل نيف وعشرون رجلاً وسموا في حبوس الظلمة؛ ومنعوا من أخذ الصدقة التي يعطاها أهل السجون، ومنعوا من الزوار، وثقلوا بالحديد. وحمل أبو هارون السراج وآخر معه إلى سامراً، ثم ردوا إلى بغداد فجعلوا في المجالس. وكان سبب أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر، أن رجلاً قصاراً كان في الربض جاء إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب فقال: أنا أدلك على أصحاب أحمد بن نصر، فوجه معه من يتبعهم؛ فلما اجتمعوا وجدوا على القصار سبباً حبسوه معهم؛ وكان له في المهرزار نخل فقطع وانتهت منزله؛ وكان ممن حبس بسببه قوم من ولد عمرو بن اسفنديار، فماتوا في الحبس؛ فقال بعض الشعراء في أحمد بن أبي داود: ما إن تحولت من إياد ... صرت عذاباً على العباد أنت كما قلت من إياد ... فارفق بهذا الخلق يا إيادي وفي هذه السنة أراد الواثق الحج؛ فاستعد له، ووجه عمر بن فرج إلى الطريق لإصلاحه، فرجع فأخبره بقلة الماء فبدا له. وحج بالناس فيها محمد بن دواد بن عيسى. وفيها ولى الواثق جعفر بن دينار اليمن فشخص إليها في شعبان. وحج هو وبغا الكبير، وعلى أحداث الموسم بغا الكبير؛ وكان شخوص جعفر إلى اليمن في أربعة آلاف فارس وألفى راجل وأعطى رزق ستة أشهر. وعقد محمد بن عبد الملك الزيات لإسحاق بن إبراهيم بن أبي خميصة مولى قشير من أهل أضاخ فيها على اليمامة والبحرين وطريق مكة، مما يلي البصرة في دار الخلافة؛ ولم يذكر أن أحداً عقد لأحد في دار الخلافة إلا الخليفة غير محمد بن عبد الملك الزيات. وفي هذه السنة قب قوم من اللصوص بيت المال الذي في دار العامة في جوف القصر وأخذوا اثنين وأربعين ألفاً من الدراهم؛ وشيئاً من الدنانير يسيراً، فأخذوا بعد وتتبع أخذهم يزيد الحلواني، صاحب الشرطة خليفة إيتاخ. وفيها خرج محمد بن عمرو الخارجي من بني زيد بن تغلب في ثلاثة عشر رجلاً في ديار ربيعة فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن حميد الطوسي، وكان على حرب الموصل في مثل عدته، فقتل من الخوارج أربعة، وأخذ محمد ابن عمرو أسيراً فبعث به إلى سامراً، فبعث به إلى مطبق بغداد؛ وصبت رءوس أصحابه وأعلامه عند خشبة بابك. وفي هذه السة قدم وصيف التركي من ناحية أصبهان والجبال وفارس؛ وكان شخص في طلب الأكراد لأنهم قد كانوا تطرقوا إلى هذه النواحي، وقدم معه منهم بنحو من خمسمائة فس؛ فيهم غلمان صغار، جمعهم في قيود وأغلال؛ فأمر بحبسهم، وأجيز في وصيف بخمسة وسبعي ألف دينار، وقلد سيفاً وكسى. خبر الفداء بين المسلمين والروموفي هذه السنة، ثم الفداء بين المسلمين وصاحب الروم، واجتمع فيها المسلمون والروم على نهر يقال له اللمس على سلوقية على مسيرة يوم من طرسوس. ذكر الخبر عن سبب هذا الفداء وكيف كان ذكر عن أحمد بن أبي قحطبة صاحب خاقان الخادم - وكان خادم الرشيد، وكان قد نشأ بالثغر - أن خاقان هذا قدم على الواثق، وقدم معه نفر من وجه أهل طرسوس وغيرها يشكون صاحب مظالم كان عليهم، يكنى أبا وهب؛ فأحضر، فلم يزل محمد بن عبد الملك يجمع بينه وبينهم في دار العامة عند انصراف الناس يوم الاثنين والخميس؛ فيمكثون إلى وقت الظهر؛ وينصرف محمد بن عبد الملك وينصرفون، فعزل عنهم وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن، فقالوا بخلقه جميعاً؛ إلا أربعة نفر؛ فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه؛ وأمر لجميع أهل الثغور بجوائز على ما رأى خاقان، وتعجل أهل الثغور إلى ثغورهم، وتأخر خاقا بعدهم قليلاً؛ فقدم على الواثق رسل صاحب الروم - وهو ميخائيل بن توفيل بن مخائيل ابن أليون بن جورجس - يسأله أن يفادى بمن في يده من أسارى المسلمين فوجه الواثق خاقان في ذلك، فخرج خاقان ومن معه في فداء أسارى المسلمين في آخر سنة ثلاثين ومائتين على موعد بين خاقان ورسل صاحب الروم للالتقاء للفداء في يوم عاشوراء؛ وذلك في العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ثم عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء؛ فخرج على سبعة عشر من البرد وكان الرسل الذي قدموا في طلب الفداء قد جرى بينهم وبين ابن الزيات اختلاف في الفداء، قالوا: لا نأخذ في الفداء امرأة عجوزاً ولا شيخاً كبيراً ولا صبياً، فلم يزل ذلك بينهم أياماً حتى رضوا عن كل نفس بنفس. فوجه الواثق إلى بغداد والرقة في شرى من يباع من الرقيق من مماليك، فاشترى من قدر عليه منهم، فلم تتم العدة، فأخرج الواثق من قصره من النساء الروميات العجائز وغيرهن؛ حتى تمت العدة، ووجه ممن مع ابن أبي داود رجلين، يقال لأحدهما يحيى بن آدم الكرخي، ويكنى أبا رملة وجعفر " بن أحمد " بن الحذاء؛ ووجه معهما كاتباً من كتاب العرض، يقال له طالب بن داود، وأمره بامتحانهم هو وجعفر، فمن قال: القرآن مخلوق فودى به، ومن أبى ذلك ترك في أيدي الروم؛ وأمر لطالب بخمسة آلاف درهم؛ وأمر أن يعطوا جميع من قال: إن القرآن مخلوق؛ ممن فودى به ديناراً لكل إنسان من ماله حمل معهم فمضى القوم. فذكر عن أحمد بن الحارث أنه قال: سألت ابن أبي قحطبة صاحب خاقان الخادم - وكان السفير الموجه بين المسلمين والروم، وجه ليعرف عدة المسلمين في بلاد الروم. فأتى ملك الروم وعرف عدتهم قبل الفداء - فذكر أنه بلغت عدتهم ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة؛ فأمر الواثق بفدائهم، وعجل أحمد بن سعيد على البريد ليكون الفداء على يديه، ووجه من يمتحن الأسراء من المسلمين، فمن قال منهم: إن القرآن مخلوق وإن الله عز وجل لا يرى في الآخرة فودى به؛ ومن لم يقل ذلك ترى في أيدي الروم؛ ولم يكن فداء منذ أيام محمد بن زبيدة في سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة. قال: فلما كان يوم عاشوراء، لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، اجتمع المسلمون ومن معهم من العلوج وقائدان من قواد الروم؛ يقال لأحدهما أنفاس وللآخر لمسنوس؛ والمسلمون والمطوعة في أربعة آلاف بين فارس وراجل، فاجتمعوا بموضع يقال له اللمس؛ فذكر عن محمد بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي أن كتاب أبيه أتاه أن من فودى به من المسلمين من كان معهم من أهل ذمتهم أربعة آلاف وستمائة إنسان؛ منهم صبيان ونساء ستمائة؛ ومنهم من أهل الذمة أقل من خمسمائة والباقون رجال من جميع الأفاق. وذكر أبو قحطبة - وكان رسول خاقان الخادم إلى ملك الروم لينظر كم عدد الأسرى ويعلم صحة ما عزم عليه ميخائيل ملك الروم - أن عدد المسلمين قبل الفداء كان ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة وصبي، ممن كان بالقسطينيية وغيرها؛ إلا من أحضره الروم ومحمد بن عبد الله الطرسوسي - وكان عندهم - فأوفده أحمد بن سعيد بن سلم وخاقان مع نفر من وجوه الأسرى على الواثق، فحملهم الواثق على فرس فرس؛ وأعطى لكل رجل منهم ألف درهم. وذكر محمد هذا أنه كان أسيراً في أيدي الروم ثلاثين سنة، وأنه كان أسر في غزاة رامية كان في العلافة فأسر، وكان فيمن فودى به هذا الفداء، وقال: فودى بنا في يوم عاشوراء على هر يقال له اللامس، على سلوقية قريباً من البحر، وأن عدتهم كانت أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفساًً؛ النساء أزواجهن وصبيانهن ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة أو أكثر، فوقع الفداء كل نفس عن نفس صغيراً أو كبيراً، فاستفرغ خاقان جميع من كان في بلد الروم من المسلمين ممن علم موضعه. قال: فلما جمعوا للفداء، وقف المسلمون من جانب النهر الشرقي والروم من الجانب الغربي - وهو مخاضة - فكان هؤلاء يرسلون من هنا رجلاً وهؤلاء من هنا رجلاً، فيلتقيان في وسط النهر، فإذا صار المسلم إلى المسلمين كبر وكبروا؛ وإذا صار الرمي إلى الرم تكلم بكلامهم، وتكلموا شبيهاً بالتكبير. وذكر عن السندي مولى حسين الخادم، أنه قال: عقد المسلمون جسراً على النهر، وعقد الروم جسراً؛ فكنا نرسل الرومي على جسرنا ويرسل الروم المسلم على جسرهم؛ فيصير هذا إلينا وذاك إليهم، وأنكر أن يكون مخاضة. وذكر عن محمد بن كريم أنه قال: لما صرنا في أيدي المسلمين امتحننا جعفر ويحيى،، فقلنا، وأعطينا دينارين دينارين. قال: وكان البطريقان اللذان قدما الأسرى لا بأس بهما في معاشرتهما. قال: وخاف الروم عدد المسلمين لقلتهم وكثرة المسلمين؛ فآمنهم خاقان من ذلك، وضرب بينهم وبين المسلمين أربعين يوماً لا يغزون حتى وصلوا إلى بلادهم ومأمنهم؛ وكان الفداء في أربعة أيام، ففضل مع خاقان ممن كان أمير المؤمين أعد لفداء المسلمين عدة كبيرة وأعطى خاقان صاحب الروم ممن كان قد فضل في يده مائة نفس؛ ليكون عليهم الفضل استظهاراً مكان من يخشى أن يأسروه من المسلمين إلى انقضاء المدة ورد الباقين إلى طرسوس، فباعهم. قال: وكان خرج معنا ممن كان تنصر ببلاد الروم من المسلمين نحوٌ من ثلاثين رجلاً فودي بهم. قال محمد بن كريم: ولما انقضت المدة بين خاقان والروم الأربعون يوماً، غزا أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة،، فأصاب الناس الثلج والمطر فمات منهم قدر مائتي إنسان وغرق منهم في البدنون قوم كثير، وأسر منهم نحو من مائتين؛ فوجد أمير المؤمنين الواثق عليه لذلك وحصل جميع من مات وغرق خمسمائة إنسان؛ وكان أقبل إلى أحمد بن سعيد وهو في سبعة آلاف بطريق من عظمائهم فجبن عنه، فقال له وجوه الناس: إن عسكراً فيه سبعة آلاف لا يتخوف عليه؛ فإن كنت لا تواجه القوم فتطرق بلادهم. فأخذ نحواً من ألف بقرة وعشرة آلاف شاة، وخرج فعزله الواثق، وعقد لنصر بن حمزة الخزاعي يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة. وفي هذه السنة مات الحسن بن الحسين، أخو طاهر بن الحسين بطبرستان في شهر رمضان. وفيها مات الخطاب بن وجه الفلس. وفيها مات أبو عبد الله الأعرابي الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان وهو ابن ثمانين سنة. وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرضي. وفيها مات مخارق المغني، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي، وعمرو بن أبي عمرو الشيباني ومحمد بن سعدان النحوي. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن مسير بغا الكبير إلى حرب بني نمير فمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بني نمير حتى أوقع بهم. ذكر الخبر عن سبب مسيره إليهم وكيف كان الأمر بينه وبينهم: حدثي أحمد بن محمد بن مخلد بمعظم خبرهم؛ وذكر أنه كان مع بغا بني نمير كان أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه فأنشده إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وبنزل فكلم عمارة الواثق في بني نمير، وأخبره بعبثهم وفسادهم في الأرض، وإغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ فكتب الواثق إلى بغا يأمره بحربهم. فذكر أحمد بن محمد أن بغا لما أراد الشخوص من المدينة إليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفري دليلاً له على الطريق، فمضى نحو اليمامة يريدهم، فلقي منهم جماعة بموضع يقال له الشريف؛ فحاربوه، فقتل بغا منهم نيفاً وخمسين رجلاً، وأسر نحواً من أربعين، ثم سار إلى حظيان ثم سار إلى قرية لبني تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة، فنزل بها، ثم تابع إليهم رسله، يعرض عليهم الأمان، ودعاهم إلى السمع والطاعة؛ وهم في ذلك يمتنعون عليه، ويشتمون رسله، ويتفلتون إلى حربه؛ حتى كان آخر من وجه إليهم رجلين؛ أحدهما من بني عدي من تميم والآخر من بني نمير، فقتلوا التميمي وأثبتوا النميري جراحاً، فسار بغا إليهم من مرأة. وكان مسيره إليهم في أول صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فورد بطن نخل، وسار حتى دخل نخيلة وأرسل إليهم أن ائتوني، فاحتملت بنو ضبة من نمير، فركبت جبالها مياسر جبال السود - وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة - فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، فأرسل إليهم سرية فلم تدركهم، فوجه سرايا، فأصابت فيهم وأسرت منهم. ثم إنه أتبعهم بجماعة من معه وهم نحو من ألف رجل سوى من تخلف في العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا له، وحشدوا لحربه؛ وهم يومئذ نحو ثلاثة آلاف، بموضع يقال له روضة الأبان وبطن السر من القرنين على مرحلتين، ومن أضاخ على مرحلة؛ فهزموا مقدمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحواً من مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلاً، وعقروا من إبل عسكره نحواً من سبعمائة بعير ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بغا من الأموال. قال لي أحمد: لقيهم بغا وهجم عليهم، وغلبه الليل، فجعل بغا يناشدهم، ويدعوهم إلى الرجوع وإلى طاعة أمير المؤمنين، ويكلمهم بذلك محمد بن يوسف الجعفري، فجعلوا يقولون له: يا محمد بن يوسف، قد والله ولدناك فما رعيت حرمة الرحم، ثم جئتنا بهؤلاء العبيد والعلوج تقاتلنا بهم! والله لنرينك العبر، ونحو ذلك من القول. فلما دنا الصبح قال محمد بن يوسف لبغا: أوقع بهم من قبل أن يضيء الصبح، فيروا قلة عددنا، فيجترئوا علينا، فأبى بغا عليه؛ فلما أضاء الصبح ونظروا إلى عدد من مع بغا - وكانوا قد جعلوا رجّالتهم أمامهم وفرسانهم وراءهم ونعمهم ومواشيهم من ورائهم - حملوا علينا، فهزمونا حتى بلغت هزيمتنا معسكرنا،وأيقنّا بالهلكة. قال: وكان قد بلغ بغا أن خيلاً لهم بمكان من بلادهم،، فوجّه من أصحابه نحواً من مائتي فارس إليهما. قال: فبينا نحن فيما نحن فيه من الإشراف على العطب، وقد هزم بغا ومن معه إذ خرجت الجماعة التي كان بغا وجّهها من الليل إلى تلك الخيل، وقد أقبلت منصرفة من الموضع الذي وجّهت إليه من العسكر في ظهور بني نمير، وقد فعلوا ما فعلوا ببغا وأصحابه فنفخوا في صفّاراتهم؛ فلما سمعوا نفخ الصّفارات، ونظروا إلى من خرج عليهم في أدبارهم، قالوا: غدر واللّه العبد، وولّوا هاربين، وأسلم فرسانهم رجّالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم. قال لي أحمد بن محمد: فلم يفلت من رجّالتهم كثير أحد؛ حتى قتلوا عن آخرهم؛ وأما الفرسان فطاروا هرّاباً على ظهور الخيل. وأما غير أحمد بن محمد فإنه قال: لم تزل الهزيمة على بغا وأصحابه منذ غدوة إلى انتصاف النهار؛ وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ثم تشاغلوا بالنّهب وعقر الإبل والدوابّ حتى ثاب إلى بغا من كان انكشف من أصحابه، واجتمع من كان تفرّق عنه، فكرّوا على بني نمير، فهومهم وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل. وأقام بغا بموضع الوقعة على الماء المعروف ببطن السّر، حتى جمعت له رءوس من قتل من بني نمير، واستراح هو وأصحابه ثلاثة أيام. فحدثني أحمد بن محمد أن من هرب من فرسان بي نمير من الوقعة أرسلوا إلى بغا يطلبون منه الأمان؛ فأعطاهم الأمان؛ فصاروا إليه، فقيدهم وأشخصهم معه. وأما غيره فإنه قال: سار بغا من موضع الوقعة في طلب من شذ عنه منهم، فلم يدرك إلا الضعيف ممن لم يكن له هوض منهم وبعض المواشي والنعم، ورجع إلى حص باهلة. قال: وإنما قاتل بغا من بني نمير بنو عبد الله بن نمير وبنو بسرة وبلحجاج وبنو قطن وبنو سلاه وبنو شريح وبطون من الخوالف - وهم بني عبد الله بن نمير، ولم يكن في القتال من بني عامر بن نمير إلا القليل - وبنو عامر بن نمير أصحاب نخل وشاء، وليسوا أصحاب خيل، وعبد الله بن نمير هي التي تحارب العرب - فقال عمارة ابن عقيل لبغا: تركت الأعقفين وبطن قو ... وملأت السجون من القماش فحدثني أحمد بن محمد أن الذين دخلوا إلى بغا بالأمان م1 بني نمير لما قيدهم وحبسهم وأشخصهم معه شغبوا في الطريق، وحاولوا كسر قيودهم والهرب، فأمر بإحضارهم واحداً بعد واحد؛ فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر؛ فزعم أحمد أمه حضر ضربهم ولم يطق منهم ناطق يتوجع من الضرب؛ وأنه أحضر منهم شيخ قد علق في عنقه مصحفاً، ومحمد بن يوسف جالس إلى جنب بغا، فضحك منه محمد بن يوسف وقال لبغا: هذا أخبث ما كان - أصلحك الله - حين علق المصحف في عنقه! فضربه أربعمائة أو خمسمائة، فلما توجع وما استغاث وذكر أن فارساً من بني نمير لقى بغا في وقعتهم التي ذكرت أمرها يدعى المجنون، فطعن بعا ورمى المجنون ورجل من الأتراك. فأفلت، وعاش أياماً ثلاثة ثم مات من رميته. قال: ثم قدم عليه واجن الأشروسي الصغدي في سبعمائة رجل مدداً له من الأشروسية الإشتيخنية فوجهه بغا ومحمد بن يوسف الجعفري في أثرهم؛ فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا في البلاد، وصاروا بتبالة وما يليها من حد عمل اليمن وفاتوه؛ فانصرف ولم يصر في يديه منهم إلا ستة نفر أو سبعة، وأقام بحصن باهلة، ووجه إلى جبال بني نمير وسهلها من هلان والسود وغيرها من عمل اليمامة سراياً في محاربة من امتنع ممن قبل الأمان منهم، فقتلوا جماعة وأسروا جماعة، وأقبل عدة من ساداتهم كلهم يطلب الأمان لنفسه والبطن الذي هو منه، فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم؛ ولم يزل مقيماً إلى أن جمع إليه كل من ظن أنه كان في هذه النواحي منهم، وأخذ منهم زهاء ثمانمائة رجل، فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى البصرة، في ذي العقدة من سنة اثنتين ومائتين وكتب إلى صالح العباسي بالمسير بمن قبله في المدينة من بني كلاب وفزارة ومرة وثعلبة وغيرهم واللحاق به؛ فوافاه صالح العباسي ببغداد، وصاروا جميعاً في المحرم إلى سامراً سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت عدة من قدم به بغا وصالح العباسي من الأعراب سوى من مات منهم وهرب. وقتل في هذه الوقائع التي وصفناها ألفى رجل ومائتي رجل من بني نمير ومن بني كلاب ومن مرة وفزارة ومن ثعلبة وطيئ. وفي هذه السنة أصاب الحاج في المرجع عطش شديد في أربعة منازل إلى الربذة، فبلغي عدة دنانير. ومات خلق كثير من العطش. وفيها ولى محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس. وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر. وفيها اشتد البرد في نيسان حتى تجمد الماء لخمس خلون منه. ذكر خبر موت الواثقوفيها مات الواثق. ذكر خبر عن العلة التي كانت بها وفاته ذكر لي جماعة من أصحابنا أن علته التي توفى منها كانت الإستسقاء، فعولج بالإقعاد في تنور مسخن، فوجد لذلك راحة وخفة مما كان به، فأمرهم من غد ذلك اليوم بزيادة في إسخان التنور، ففعل ذلك وقعد فيه أكثر من قعوده في اليوم الذي قبله، فحمى عليه، فأخرج منه، وصير في محفة؛ وحضره الفضل بن اسحاق الهاشمي وعمر بن فرج وغيرهم؛ ثم حضر ابن الزيات وابن أبي داود، فلم يعلموا بموته حتى ضرب بوجهه المحفة، فعلموا أنه قد مات. وقد قيل: إن أحمد بن أبي داود حضره وقد أغمى عليه، فقضى وهو عنده فأقبل يغمضه ويصلح من شأنه. وكانت وفاته لستٍّ بقين من ذي الحجة ودفن في قصره بالهارونيّ. وكان الذي صلّى عليه وأدخله قبره وتولّى أمره أحمد بن أبي داود؛ وكان الواثق أمر أحمد بن أبي داود أن يصلّى بالناس يوم الأضحى في المصلّى، فصلى بهم العيد؛ لأن الواثق كان شديد العلّة فلم يقدر على الحضور إلى المصلّى، ومات من علّته تلك. ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته ذكر من رآه وشاهده أنه كان أبيض مشرباً حمرة، جميلاً ربعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى؛ وفيها نكتة بياض. وتوفّى - فيما زعم بعضهم - وهو ابن ست وثلاثين سنة، وفي قول بعضهم: وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة؛ فقال الذي1 زعموا أنه كا1 اب1 ست وثلاثين: كا1 مولده سنة ست وتسعين ومائة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام. وقال بعضهم: وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة. وكا1 ولد بطريق مكة، وأمه أم ولد روميّة؛ يقال لها قراطيس. واسمه هارو1 وكنيته أبو جعفر. وذكر أنه لما اعتلّ علته التي مات فيها وسقى بطنه أمر بإحضار المنجمّين، فأحضروا؛ وكا1 ممن حضر الحسن بن سهل، أخو الفضل بن سهل، والفضل بن إسحاق الهاشميّ وإسماعيل بن نوبخت ومحمد بن موسى الخوارزميّ المجوسيّ القطربّليّ وسند صاحب محمد بن الهيثم وعامة من ينظر في النجوم، فنظروا في علّته ونجمه ومولده، فقالوا: يعيش دهراً طويلاً، وقدّ روا له خمسين سنة مستقبلة؛ فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات. ذكر بعض أخباره ذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، وقد قعد مجلساً كان أوّل مجلس قعده؛ فكان أوّل ما تغنّى به من الغناء في ذلك المجلس؛ أن تغنّت جارية إبراهيم بن المهديّ: ما درى الحاملون يوم استقلوا ... نعشه للثواء أم للفناء فليقل فيك باكياتك ما شأ ... ن صباحاً ووقت كلّ مساء قال: فبكى واللّه وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنّا فيه، ثم اندفع بعض المغنيين فغنّى: ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل! قال: فازداد واللّه في البكاء؛ وقال: ما سمعت كاليوم قطّ تعزية بأب ونعىّ نفس؛ ثم ارفضّ ذلك المجلس. وذكر عن عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع أن عليّ بن الجهم قال في الواثق بعد أن ولى الخلافة: قد فاز ذو الدّنيا وذو الدّين ... بدولة الواثق هارون أفاض من عدلٍ ومن نائلٍ ... ما أحسن الدنيا مع الدين قد عمّ بالإحسان في فضله ... فالناس في خفض وفي لين ما أكثر الداعي له بالبقا ... وأكثر التالي بآمين وقال عليّ بن الجهم أيضاً فيه: وثقت بالملك الوا ... ثق باللّه النفوس ملكٌ يشقى به الما ... ل ولا يشقى الجليس أنس السيف به واست ... وحش العلق النفيس أسدٌ تضحك عن ... شدّاته الحرب العبوس يا بني العباس يأبى اللّ ... ه إلا أن تسوسوا فغنّت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين، وغنّت في شعر محمد بن كناسة: فيّ انقباضٌ وحشمةٌ فإذا ... جالست أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيّتها ... وقلت ما شئت غير محتشم فغنّته الواثق؛ فاستحسنه؛ فبعث إلى ابن الزيات: ويحك من صالح ابن عبد الوهاب هذا! فابعث فأشخصه؛ وليحمل جاريته؛ فغدا بها صالح إلى الواثق، فأدخلت عليه، فلما تغنّت ارتضاها، فبعث إليه، فقال: قل، فقال: مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين وولاية مصر، فردّها، ثم قال أحمد بن عبد الوهاب أخو صالح في الواثق: أبت دار الأحبّة أن تبينا ... أجدّك ما رأيت لها معينا تقطّع حسرةً من حبّ ليلى ... نفوسٌ ما أثبن ولا جزينا فصنعت فيه قلم جارية صالح، فغنّاه زرزر الكبير للواثق، فقال: لمن ذا؟ فقال: لقلم، فبعث إلى ابن الزيات، فأشخص صالحاً ومعه قلم؛ فلمّا دخلت عليه، قال: هذا لك؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: بارك اللّه عليك! وبعث إلى صالح: اسم وقل قولاً يتهيأ أن تعطاه؛ فبعث إليه: قد أهديتها إلى أمير المؤمنين، فبارك اللّه لأمير المؤمنين فيها. قال: قد قبلتها، يا محمد، عوّضه خمسة آلاف دينار، وسمّاها " اغتباط " فمطله ابن الزيات، فأعادت الصوت وهو: أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدّك هل رأيت لها معينا فقال لها: بارك اللّه عليك وعلى من ربّاك؛ فقالت: يا سيّدي وما ينتفع من رباني، وقد أمرت له بشيء لم يصل إليه! فقال الواثق: يا سمّانة، الدواة؛ فكتب إلى ابن الزّيات: ادفع إلى صالح بن عبد الوهاب ما عوّضناه من ثمن اغتباط خمسة آلاف دينار، وأضعفها. قال صالح: فصرت إلى ابن الزّيات فقرّبني، وقال: هذه الخمسة الأولى؛ خذها، والخمسة آلاف الأخرى أدفعها إليك بعد جمعة؛ فإ سئلت، فقل: إني قبضت المال. قال: فكرهت أن أسأل فأقر بالقبض؛ فاختفيت في منزلي حتى دفع إلي المال، فقال لي سمانة: قبضت المال؟ قلت: نعم، وترك عمل السلطان، وتجربها، حتى توفى. خلافة جعفر المتوكل على الله وفي هذه السة بويع لحعفر المتوكل على الله بالخلافة؛ وهو جعفر بن محمد بن هارون بن عبد الله بن محمد ذي الثفنات بن على السجاد ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها حدثني غير واحد؛ أن الواثق لم توفى حضر الدار أحمد بن أبي داود وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأحمد بن خالد أبو الوزير، فعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق؛ وهو غلام أمرد، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة رصافية، فإذا هو قصير، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله! تولون مثل هذا الخلافة وهو لا يجوز معه الصلاة! قال: فتناظروا فيمن يولونها، فذكروا عدة، فذكر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء أنه قال: خرجت من الموضع الذي كنت فيه فمررت بجعفر المتوكل؛ فإذا هو في قميص وسروال قاعد مع أبناء الأتراك، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: لم ينقطع أمرهم؛ ثم دعوا به، فأخبره بغا الشرابي الخبر، وجاء به، فقال: أخاف أن يكون الواثق لم يمت، قال: فمر به، فنظر إليه مسجى، فجاء فجلس، فألبسه أحمد بن أبي داود الطويلة وعممه وقبله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمني ورحمة الله وبركاته! ثم غسل الواثق وصلى عليه ودفن، ثم صاروا من فورهم إلى دار العامة؛ ولم يكن لقب المتوكل. وذكر أنه كان يوم بويع له ابن ست وعشرين سنة؛ ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر؛ وكان الذي كتب البيعة له محمد بن عبد الملك الزيات؛ وهو إذ ذاك على ديوان الرسائل؛ واجتمعوا بعد ذلك على اختيار لقب له، فقال ابن الزيات: نسميه المنتصر بالله، وخاض الناس فيها حتى لم يشكوا فيها، فلما كان غداة يوم بكر أحمد بن أبي داود إلى المتوكل، فقال: قد رويت في لقب أرجوا أن يكون موافقاً حسناً إن شاء الله، وهو المتوكل على الله؛ فأمر بإمضائه، وأحضر محمد بن عبد الملك، فأمر بالكتاب بذلك إلى الناس، ففذت إليهم الكتب، نسخة ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمر - أبقاك الله - أمير المؤمني أطال الله بقاءه، أ يكون الرسم الذي يجري به ذكره على أعواد منابره، وفي كتبه إلى قضائه وكتابه وعماله وأصحاب دواوينه وغيرهم من سائر من تجري المكاتبة بينه وبينه: " من عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين " ؛ فرأيك في العمل بذلك وإعلامي بوصول كتابي إليك موفقاً إن شاء الله. وذكر أنه لما أمر للأتراك برزق أربعة أشهر وللجند والشاكرية ومن يجري مجراهم من الهاشمين برزق ثمانية أشهر، أمر للمغاربة برزق ثلاثة أشهر، فأبوا أن يقبضوا، فأرسل إليهم: من كان منكم مملوكاً؛ فليمض إلى أحمد بن أبي داود حتى يبيعه؛ ومن كان حراً صيرناه أسوة الجند؛ فرضوا بذلك؛ وتكلم وصيف فيهم حتى رضى عنهم؛ فأعطوا ثلاثة، ثم أجروا بعد ذلك مجرى الأتراك. وبويع للتوكل ساعة مات الواثق بيعة الخاصة وبايعته العامة حين زالت الشمس من ذلك اليوم. وذكر عن سعيد الصغير أن المتوكل قبل أن يستخلف ذكر له ولجماعة معه أنه رأى في المنام أن سكراً سليماناً يسقط عليه من السماء، مكتوباً عليه " جعفر المتوكل على الله " فعبرها علينا، فقلنا: هي والله أيها الأمير أعزك الله الخلافة قال: وبلغ الواثق ذلك فحبسه، وحبس سعيداً معه، وضيق على جعفر بسبب ذلك. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر حبس محمد بن عبد الملك الزيات وفاته فمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه إياه. ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه: أأما السبب في غضبه عليه؛ فإنه كان - فيما ذكر - أنّ الواثق كان استوزر محمد بن عبد الملك الزيات وفوّض إليه الأمور؛ وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل لبعض الأمور، فوكّل عليه عمر بن فرج الرّخّجّي ومحمد بن علاء الخادم؛ فكاا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كلّ! وقت؛ فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلّم عه أخاه الواثق ليرضّى عنه؛ فلمّا دخل عليه مكث واقفاً بين يديه مليّاً لا يكلمه، ثم أشار إليه أن يقعد فقعد؛ فلما فرغ من ظره في الكتب، التفت إليه كالمتهدّدله، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل يا أمير المؤمنين الرضّا عني، فقال لمن حوله: انظروا إلى هذا، يغضب أخاه، ويسألني أن استرضيه له! اذهب فإنك إغذا صلحت رضي عنك؛ فقالم جعفر كيئباً حزيناً لما لقيه به من قبح اللقاء والتقصير به؛ فخرج من عنده؛ فأتى عمر بن فرج ليسألخه أن يختم له صكّة ليقبض أرزاقه، فلقيه عمر بن فرج بالخيبة؛ وأخذ الصكّ، فرمى به إلى صح المسجد. وكا عمر يجلس في مسجد؛ وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضراً، فقالم لينصرف، فقالم معه جعفر، فقال: يا أبا الوزير؛ أرأيت ما صنع بي عمر ابن فرج؟ قال: جعلت فداك! أنا زمامٌ عليه؛ وليس يختم صكّي بأرزاقي إلا بالطلب والترنّق به؛ فابعث إليّ بوكيلك؛ فبعث جعفر بوكيله؛ فدفع إليه عشرين ألفاً، وقال: أنفق هذا حتى يهيّىء اللّه أمرك؛ فأخذها ثم أعاد إلى أبي الوزير رسوله بعد شهر؛ يسأله إعانته، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم؛ ثم صار جعفر من فوره حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبي داود، فدخل عليه، فقالم له أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبّله ولتزمه، وقال: ما جاء بك، جعلت فداك! قال: قد جئت لتسترضي لي أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمة عين وكرامة، فكلّم أحمد بن أبي داود الواثق فيه، فوعده ولم يرض عنه؛ فلما كان يوم الحلبة كلّم أحمد بن أبي داود الواثق، وقال: معروف المعتصم عندي معروف، وجعفر ابنه؛ فقد كلمتك فيه، ووعدت الرضا؛ فبحقّ يا أمير المؤمنين إلاّ رضيت عنه! فرضى عنه من ساعته وكساه، وانصرف الواثق وقد قلّد أحمد بن أبي داود جعفراً بكلامه حتى رضى عنه أخوه شكراً، فأحظاه ذلك عنده حين ملك. وذكر أنذ محمد بن عبد الملك كا كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير المؤمنين، أتاني جفعفر بن المعتصم يسألي أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عه في زيّ المخنثين له شعر قفاً. فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره، ومر من يجزّ شعر قفاه، ثم مر من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله. فذكر عن المتوكل أنه قال: لما أتاني رسوله، لبست سواداً لي جديداً، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عنّي، فقال: يا غلام، ادع لي حجّاماً، فدعى به، فقال: خذ شعره واجمعه، فأخذه على السّواد الجديد. ولم يأته بمنديل؛ فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه. قال المتوكل: فما دخلني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حين أخذني على السواد الجديد؛ وقد جئته فيه طامعاً في الرضا، فأخذ شعري عليه. ولما توفى الواثق أشار محمد بن عبد الملك بابن الواثق، وتكلم في ذلكوجعفر في حجرة غير الحجرة التي يتشاورن فيها، فيمن يعقدون حتى بعث إليه، فعقد له هناك؛ فكان سبب هلاك ابن الزيات. وكان بغا الشرابي الرسول إليه يدعوه، فسلم عليه بالخلافة في الطريق، فعقدوا له وبايعوا؛ فأمهل حتى إذا كان يوم الأرعاء لسبع خلون من صفر؛ وقد عزم المتوكل على مكروه أن يناله به، أمر إيتاخ بأخذه وعذابه؛ فبعث إليه إيتاخ، فظن أنه دعى به، فركب بعد غدائه مبادراً يظن أن الخليفة دعا به، فلما حاذى منزل قيل له: اعدل إلى منزل أبي منصور،فعدل وأوجس في نفسه خيفةً؛ فلما جاء إلى الموضع الذي كان ينزل فيه إيتاخ عدل به يمنة، فأحس بالشر، ثم أدخل حجرة، وأخذ سيفه ومنطقته وقلنسوته ودراعته؛ فدفع إلى غلمانه، وقيل لهم؛ انصرفوا؛ فانصرفوا لا يشكون أنه مقيم عند إيتاخ ليشرب النبيذ. قال: وقد كان إيتاخ أعد له رجلي من وجوه أصحابه، يقال لهما يزيد ابن عبد الملك الحلواني وهرثمة شارباميان؛ فلما حصل محمد بن عبد الملك خرجا يركضان في جندهما وشاكريتهما، حتى أتيا دار محمد بن عبد الملك، فقال لهم غلمان محمد: أين تريدون؟ قد ركب أبو جعفر؛ فهجما على داره، وأخذا جميع ما فيها. فذكر عن ابن الحلواني أنه قال: أتيت البيت الذي كان فيه محمد بن عبد الملك يجلس فيه، فرأيته رث الهيئة قليل المتاع، ورأيت فيه طنافس أربعة وقناني رطليات، فيها شراب؛ ورأيت بيتاً ينام فيه جواريه؛ فرأيت فيه بورياً ومخاد منضدة في جانب البيت؛ على أن جواريه كن يمن فيه بلا فرش. وذكر أن المتوكل وجه في هذا اليوم من قبض ما في منزله من متاع ودواب وجوار وغلمان، فصير ذلك كله في الهاروني، ووجه راشداً المغربي إلى بغداد في قبض ما هنالك من أمواله وخدمه وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت. فأما ما كان بسامراً فحمل إلى خزائن مسرور سمانة، بعد أن اشترى للخليفة؛ وقيل لمحمد بن عبد الملك: وكل ببيع متاعك. وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عجيف، فوكله بالبيع عليه؛ فلم يزل أياماً في حبسه مطلقاً، ثم أمر بتقيده فقيد، وامتنع من الطعام؛ وكان لا يذوق شيئاً، وكان شديد الجزع في حبسه، كثير البكاء قليل الكلام، كثير التفكر، فمكث أياماً ثم سوهر، ومنع من النوم، يساهر وينخس بمسلة، ثم ترك يوماً وليلة، فنام وانتبه؛ واشتهى فاكهة وعنباً؛ فأتى به؛ فأكل ثم أعيد إلى المساهرة، ثم أمر بتنور من خشب فيه مسامير حديد " قيام " فذكر عن ابن أبي داود وأبي الوزير أنهما قالا: هو أول من أمر بعمل ذلك، فعذب به ابن أسباط المصري حتى استخرج منه جميع ما عنده، ثم ابتلى به فعذب به أياماً فذكر عن الدنداي الموكل بعذابه أنه قال: كنت أخرج وأقفل الباب عليه؛ فيمد يديه إلى السماء جميعاً حتى يدق موضع كتفيه؛ ثم يدخل التنور فيجلس، والتور فيه مسامير حديد في وسطه خشبة معترضة يجلس عليها المعذب؛ إذا أراد أن يستريح، فيجلس على الخشبة ساعة، ثم يجئ الموكل به؛ فإذا هو سمع صوت الباب يفنح قام قائماً كما كان؛ ثم شدوا عليه. قال المعذب له: خاتلته يوماً، وأريته أني أقفلت الباب ولم أقفله؛ إنما أغلقته بالقفل، ثم مكثت قليلاً، ثم دفعت الباب غفلة؛ فإذا هو عاقد في التنور على الخشبة، فقلت: أراك تعمل هذا العمل! فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خناقه، فكان لا يقدر على القعود، واستللت الخشبة حتى كانت تكون بين رجليه؛ فما مكث بعد ذلك إلا أياماً حتى مات. واختلف في الذي قتل به، فقيل: بطيح، فضرب على بطنه خمسين مقرعة، ثم قلت فضرب على استه مثلها؛ فمات وهو يضرب؛ وهم لا يعلمون، فأصبح ميتاً قد التوت عنقه، ونتف لحيته. وقيل: مات بغير ضرب. وذكر عن مبارك المغربي أنه قال: ما أظنه أكل في طول حبسه إلا رغيفاً واحداً؛ وكان يأكل العنبة والعنبتين. قال: وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه: يا محمد بن عبد الملك؛ لم يقعك النعمة والدواب الفرة والدار الظيفة والكسوة الفاخرة؛ وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة؛ ذق ما عملت بنفسك! فكان يكرر ذلك على فسه؛ فلما كان قبل موته بيوم؛ ذهب عنه عتاب نفسه؛ فكا لا يزيد على التشهد وذكر الله؛ فلما مات أحضر ابناه سليمان وعبيد الله - كانا مجوسين - وقد طرح على باب من خشب في قميصه الذي حبس فيه؛ وقد اتسخ فقالا: الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق؛ فدفعت جثته إليهما، فعسلاه على الباب الخشب، ودفناه وحفرا له، فلم يعمقا؛ فذكر أن الكلاب نبشته؛ وأكلت لحمه. وكان إبراهيم بن العباس على الأهواز، وكان محمد بن عبد الملك له صديقاً، فوجه إليه محمد أحمد بن يوسف أبا الجهم، فأقامهللناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقال إبراهيم: وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا عدت حرباً عوانا وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا وقال: أصبحت من رأى أبى جعفر ... في هيئة تذر بالصليم من غير ما ذنب ولكنها ... عداوة الزندق للمسلم وأحدر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربي إلى بغداد، لأخذ ماله بها، فوردها، فأخذ روحاً غلامه وكان قهرمانه في يده أمواله يتجر بها، وأخذ عدة من أهل بيته، وأخذ معهم حمل بغل، ووجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحنطة والشعير والدقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت مملوء ثوماً، فكان جميع ما قبض له مع قيمته تسعين ألف دينار، وكان حبس المتوكل إياه يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الأول. ذكر غضب المتوكل على عمر بن فرجوفيها غضب المتوكل على عمر بن فرج؛ وذلك في شهر رمضان، فدفع إلى أسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فحبس عنده، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وصار نجاح بن سلمة إلى منزله؛ فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم، وحضر مسرور سمانة، فقبض جواريه، وقيد عمر ثلاثين رطلاً، وأحضر مولاه نصر من بغداد، فحمل ثلاثين ألف دينار، وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار وأصيب له بالأهواز أربعون ألف دينار، ولأخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار، وحمل من داره من المتاع ستة عشر بعيراً فرشاً، ومن الجوهر قيمة أربعين ألف دينار، وحمل من متاعه وفرشه على خمسين جملاً، كرت مراراً، وألبس فرجية صوف وقيد فمكث بذلك سبعاً، ثم أطلق عنه وقبض قصره، وأخذ عياله، ففتشوا وكن مائة جارية؛ ثم صولح على عشرة آلاف درهم، على أن يرد عليه ما حيز عنه ضياع الأهواز فقط، ونزعت عنه الجبة الصوف والقيد؛ وذلك في شوال. وقال علي بن الجهم بن بدر لنجاح بن سلمة يحرضه على عمر بن فرج: أبلغ نجاحاً فتى الكتاب مألكةً ... تمضى بها الريح إصداراً وإيراد لا يخرج المال عفواً من يدي عمر ... أو يغمد السيف في فوديه إغمادا الرخجيون لا يوفون ما وعدوا ... والرخجيات لا يخلفن معادا وقال أيضاً يهجوه: جمعت أمرين ضاع الحزم بيهما ... تيه الملوك وأفعال المماليك أردت شكراً بلا بر ومرزئةٍ ... لقد سلكت سبيلاً غير مسلوك ظننت عرضك لم يقرع بقارعة ... وما أراك على حالٍ بمتروك وفي هذه السنة أمر المتوكل بإبراهيم بن الجنيد النصراني، أخى أيوب كاتب سماة فضرب له بالأعمدة حتى أقر بسبعين ألف دينار، فوجه معه مباركاً المغربي إلى بغداد حتى استخرجها من منزله، وجئ به فحبس. ذكر غضب المتوكل على أبي الوزير وغيرهوفيها غضب المتوكل على أبي الوزير في ذي الحجة، وأمر بمحاسبته، فحمل نحواً من ستين ألف دينار، وحمل بدور دراهم وحلياً، وأخذ له من متاع اثنين وستين سفطاً واثنين وثلاثين غلاماً وفرشاً كثيراً، وحبس بخيانته محمد بن عبد الملك أخا موسى بن عبد الملك والهيثم بن خالد النصراني وابن أخيه سعدون بن علي، وصولح سعدون على أربعين ألف دينار؛ وأخذت ضياعهم ابنا أخيه عبد الله وأحمد على نيف وثلاثين ألف دينار؛ وأخذت ضياعهم بذلك. وفي هذه السنة استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائي. وفي هذه السنة عزل المتوكل يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضا عن ديوان الخراج الفضل بن مروان، وولاه يحيى بن خاقان الخراساني ولى الأزد وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول في هذا اليوم ديوان زمام النفقات وعزل عنه أبا الوزير. وفيها ولى المتوكل ابنه محمداً المنتصر الحرمين واليمن والطائف، وعقد له يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وفيها فلج أحمد بن أبي داود لست خلون من جمادى الآخرى وفيها قدم يحيى بن هرثمة مكة وهو الي طريق مكة بعلي بن محمد بن علي الرضي بن موسى بن جعفر من المدينة. وفيها وثب ميخائيل بن توفيل على أمة تذورة فشمسها وأدخلها الدير وقتل اللغثيط لأنه اتهمها به؛ وكان ملكها ست سنين. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حلبس؛ جئ به أسيراً من قبل أذربيجان فحبس. ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره ذكر أن السبب في ذلك كان أن المتوكل كان اعتل في هذه السنة؛ وكان مع ابن البعيث رجلٌ يخدمه يسمى خليفة، فأخبره بأن المتوكل قد توفي، وأعد له دواب، فهرب هو وخليفة الذي أخبره الخبر إلى موضعه من أذربيجان، وموضعه منها مرند - وقيل: كانت له قلعتان تدعى إحداهما شاهي والأخرى يكدر - ويكدر خارج البحيرة، وشاهي في وسط البحيرة، والبحيرة قدر خمسين فرسخاً من حد أرمية، إلى رستاق داخرقان بلاد محمد بن الرواد، وشاهي قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قاتم ثم يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرمية وهي بحيرة لا سمك فيها ولا خير. وذكر أن ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بغا الشرابي، وأخذ منه الكفلاء نحواً من ثلاثين كفيلاً، منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني؛ فكان يتردد بسامراً؛ فهرب إلى مرند، فجمع بمرند الطعام، وفيها عيون ماء؛ فرم ما كان وهي من سورها، وأتاه من أراد الفتنة من كل ناحية؛ من ربيعة وغيرهم؛ فصار في نحو من أفين ومائتي رجل. وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصر في طلبه، فولى المتوكل حمدويه بن علي بن الفضل السعدي أذربيجان، ووجهه من سامراً على البريد، فلما صار إليها جمع الجند والشاكرية ومن استجاب له، فصار في عشرة آلاف، فزحف إلى ابن البعيث، فألجأه إلى مدينة مرند - وهي مدينة استدارتها فرسخان وفي داخلها بساتين كثيرة، ومن خارجها كما تدور شجر إلا في موضع أبوابها - وقد جمع فيه ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء، فلما طالت مدته، وجه المتوكل زيرك التركي في مائتي ألف فارس من الأتراك؛ فلم يصنع شيئاً فوجه إليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكرية، فلم يغن شيئاً، فوجه إليه بغا الشرابي في أربعة آلاف ما بين تركي وشاكري ومغربي، وكان حمدويه بن علي وعمر بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مرند، وقطعوا ما حولها من الشجر، فقطعوا نحواً من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغياض، ونصبوا عليها عشرين منجنيقاً،وبنوا بحذاء المدينة ما يستكنون فيه؛ ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثل ذلك؛ وكان معه من علوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرجل لا يقدر على الدنو من سور المدينة، فقتل من أولياء السلطان في حربه في ثمانية أشهر نحو من مائة رجل، وجرح نحو من أربعمائة، وقتل وجرح من أصحابه مثل ذلك. وكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه القتال ويراوحونه؛ وكان السور من قبل المدينة ذليلاً، ومن القرار نحواً من عشرين ذراعاً، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلون بالحبال معهم الرماح فيقاتلون؛ فإذا حمل عليهم من أصحاب السلطان لجئوا إلى الحائط؛ وكانوا ربما فتحوا باباً يقال له باب الماء؛ فيخرج منه العدة يقاتلون ثم يرجعون. ولما قرب بغا الشرابي من مرند بعث - فيما ذكر - عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني، ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث، ولابن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين؛ وإلا قاتلهم، فإن ظفر بهم لم يستبق منهم أحداً، ومن نزل فله الأمان؛ وكان عامة من مع ابن البعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ؛ فنزل منهم قوم كثير بالحبال، ونزل ختن ابن البعيث على أخته أبو الأغر. وذكر عن أبي الأغر هذا أنه قال: ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب حمدويه وزيرك، وخرج ابن البعيث من منزله هارباً يريد أن يخرج من وجه آخر؛ فلحقه قوم من الجند، معهم منصور قهرمانه؛ وهو راكب دابةً، يريد أن يصير إلى نهر عليه رحاً ليستخفي في الرحا، وفي عنقه السيف، فأخذوه أسيراً وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بعدما انتهب الناس: برئت الذمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقي سراري؛ فحصل في يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة، وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين نحوٌ من مائتي رجل، وهرب الباقون؛ فوافاهم بغا الشرابي من غد، فنادى مناديه بالمنع من النهب، فكتب بغا الشرابي بالفتح لنفسه. وخرج المتوكل فيها إلى المدائن في جمادى الأولى. ذكر الخبر عن حج إيتاخ وسببهوحجّ في هذه السنة إيتاخ، وكان والي مكة والمدينة والموسم، ودعي له على المنابر. ذكر الخبر عن سبب حجه في هذه السنة: ذكر أن إيتاخ كان غلاماً خزرياً لسلام الأبرش طباخاً، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان لإيتاخ رجلة وبأس، فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق؛ حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالاً كثيرة، وولاه المعتصم معونة سامرا مع إسحاق بن إبراهيم؛ وكان من قبله رجل، ومن قبل إسحاق رجل؛ وكان من أراد المعتصم أو الواثق قتله فعند إيتاخ يقتل، وبيده يحبس؛ منهم محمد بن عبد الملك الزيات، وأولاد المأمون من سندس، وصالح بن عجيف وغيرهم؛ فلما ولى المتوكل كان إيتاخ في مرتبته؛ إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبريد والحجابة ودار الخلافة؛ فخرج المتوكل بعد ما استوت له الخلافة متنزهاً إلى ناحية القاطول، فشرب ليلة، فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله؛ فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه والتزمه، وقال له: أنت أبي وربيتني، فلما صار المتوكل إلى سامراً دسّ إليه من يشير عليه بالاستئذان للحج، ففعل وأذن له، وصيّره أمير كل بلدة يدخلها، وخلع عليه، وركب جميع القواد معه، وخرج معه من الشاكرية والقواد والغلمان سوى غلمانه وحشمه بشر كثير؛ فحين خرج صيّرت الحجابة إلى وصيف، وذلك يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة. وقد قيل إن هذه القصة من أمر إيتاخ كانت في سة ثلاث وثلاثين ومائتين وإن المتوكل إنما صيّر إلى وصيف الحجابة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن مقتل إيتاخ فمن ذلك مقتل إيتاخ الخزري. ذكر الخبر عن صفة مقتله ذكر عن إيتاخ أنه لما اصرف من مكة راجعاً إلى العراق، وجه المتوكل إليه سعيد بن صالح الحاجب مع كسوة وألطاف، وأمره أن يلقاه بالكوفة أو ببعض طريقه؛ وقد تقدم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه. فذكر عن إبراهيم بن المدبر، أنه قال: خرجت مع إسحاق بن إبراهيم حين قرب إيتاخ من بغداد، وكان يريد أن يأخذ طريق الفرات إلى الأنبار، ثم يخرج إلى سامرا، فكتب إليه إسحاق بن إبراهيم: إن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم، فتأمر لهم بجوائز. قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالياسرية، وقد شحن ابن ابراهيم الجسر بالجند والشاكرية، وخرج في خاصته، وطرح له بالياسرية صفة، فجلس عليها حتى قالوا: قد قرب منك. فركب فاستقبله؛ فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل، فحلف عليه إيتاخ ألا يفعل. قال: وكان إيتاخ في ثلثمائة من أصحابه وغلمانه، عليه قباء أبيض، متقلداً سيفاً بحمائل، فسارا جميعاً؛ حتى إذا صارا عند الجسر تقدمه إسحاق عند الجسر، وعبر حتى وقف على باب خزيمة بن خازم، وقال لإيتاخ: تدخل أصلح الله الأمير! وكان الموكلون بالجسر كلما مر بهم غلام من غلمانه قدموه؛ حتى بقي في خاصة غلمانه، ودخل بين يديه قوم، وقد فرشت له دار خزيمة، وتأخر إسحاق، وأمر ألا يدخل الدار من غلمانه إلا ثلاثة أو أربعة، وأخذت عليه الأبواب، وأمر بحراسته من ناحية الشط، وكسرت كل درجة في قصر خزيمة بن خازم، فحين دخل أغلق الباب خلفه، فنظر فإذا ليس معه إلا ثلاثة غلمان، فقال: قد فعلوها! ولو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على أخذه؛ ولو دخل إلى سامرا، فأراد بأصحابه قتل جميع من خالفه أمكنه ذلك. قال: فأتي بطعام قرب الليل، فأكل فمكث يومين أو ثلاثة، ثم ركب إسحاق في حراقة وأعد لإيتاخ أخرى، ثم أرسل إليه أن يصير إلى الحراقة، وأمر بأخذ سيفه، فحدروه إلى الحراقة، وصيّر معه قوم في السلاح وصاعد إسحاق، حتى صار إلى منزله، وأخرج إيتاخ حين بلغ دار إسحاق، فأدخل ناحية منها، ثم قيد فأثقل بالحديد في عنقه ورجليه، ثم قدّم بابنيه منصور ومظفر، وبكاتبيه سلمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني بغداد. وكان سليمان على أعمال السلطان، وقدامة على ضياع إيتاخ خاصة، فحبسوا ببغداد؛ فأما سليمان وقدامة فضربا، فأسلم قدامة وحبس منصور ومظفر. وذكر عن ترك مولى إسحاق أنه قال: وقفت على باب البيت الذي فيه إيتاخ محبوس، فقال لي: يا ترك، قلت: ما تريد يا منصور؟ قال: أقرئ الأمير السلام، وقل له: قد علمت ما كان يأمرني به المعتصم والواثق في أمرك؛ فكنت أدفع عنك ما أمكنني؛ فلينفعني ذلك عندك؛ أما أنا فقد مر بي شدة ورخاء؛ فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأما هذان الغلامان؛ فإنهما عاشا في نعمة ولم يعرفا البؤس، فصيّر لهما مرقة ولحماً وشيئاً يأكلان منه. قال: ترك فوقفت على باب مجلس إسحاق، قال لي: مالك يا ترك؟ أتريد أن تتكلم بشيء؟ قلت: نعم، قال لي إيتاخ كذا، كذا، قال: وكانت وظيفة إيتاخ رغيفاً وكوزاً من ماء، ويأمر لابنيه بخوان فيه سبعة أرغفة وخمس غرف؛ فلم يزل ذلك قائماً حياة إسحاق، ثم لا أدري ما صنع بهما؛ فأما إيتاخ فقيد وصيّر في عنقه ثمانون رطلاً، وقيدّ ثقيل، فمات يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق على موته أبا الحسن إسحاق بن ثابت بن أبي عباد وصاحب بريد بغداد والقضاة، وأراهم إياه لا ضرب به ولا أثر. وحدثني بعض شيوخنا أن إيتاخ كان موته بالعطش، وأنه أطعم فاستسقى فمنع الماء، حتى مات عطشاً، وبقي ابناه في الحبس حياة المتوكل، فلما أفضى الأمر إلى المنتصر أخرجهما؛ فأما مظفر فإنه لم يعش بعد أن أخرج من السجن إلا ثلاثة أشهر حتى مات؛ وأما منصور فعاش بعده. ذكر خبر أسر ابن البعيث وموتهوفي هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال وبخليفته أبي الأغر وبأخوي ابن البعيث صقر وخالد - وكانا نزلا بأمان - وبابن لابن البعيث، يقال له العلاء؛ خرج بأمان، وقدم من الأسرى بنحو من مائة وثمانين رجلاً، ومات باقيهم قبل أن يصلوا؛ فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال يستشرفهم الناس، فأمر المتوكل بحبسه وحبسهم، وأثقله حديداً. فذكر عن علي بن الجهم، أنه قال: أتى المتوكل بمحمد بن البعيث، فأمر بضرب عنقه، فطرح على نطع، وجاء السيافون فلوحوا له، فقال المتوكل، وغلظ عليه: ما دعاك يا محمد إلى ما صنعت؟ قال: الشقوة، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه؛ وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك؛ وهو العفو؛ ثم اندفع بلا فضل، فقال: أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والصفح بالناس أجمل هل أنا إلا جبلةٌ من خطيةٍ ... وعفوك من نور النبوة يجبل فإنك خير السابقين إلا العلا ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل قال علي: ثم التفت إلى المتوكل، فقال: إن معه لأدباً، وبادرت فقلت: بل يفعل أمير المؤمنين خيرهما ويمن عليك؛ فقال: ارجع إلى منزلك. وحدثني... أنه أنشدني بالمراغة جماعة من أشياخها أشعاراً لابن البعيث بالفارسية، ويذكرون أدبه وشجاعته، وله أخباراً وأحاديث. وحدثني بعض من ذكر أنه شهد المتوكل حين أتى بابن البعيث، وكلمه ابن البعيث بما كلمه به، فتكلم فيه المعتز؛ وهو جالس مع أبيه المتوكل، فاستوهبه فوهب له، وعفي عنه. وكان ابن البعيث حين هرب قال: كم قد قضيت أموراً كان أهملها ... غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم لا تعذليني فيما ليس ينفعني ... إليك عني جرى المقدار بالقلم سأتلف المال في عسرٍ وفي يسرٍ ... إن الجواد الذي يعطي على العدم وكان ابن البعيث حين هرب خلّف في منزله ثلاثة بنين له، يقال لهم: البعيث وجعفر وحلبس، وجواري، فحبسوا ببغداد في قصر الذهب، فتكلم بغا الشرابي بعد موت ابن البعيث - ومات بعد دخوله سامرا بشهر - في أبي الأغر ختنه، فأطلق وأطلقت خالةٌ لابن البعيث، فخرجت من السجن، فماتت فرحاً من يومها، وبقي الباقون في الحبس. وذكر أن ابن البعيث صيّر في عنقه مائة رطل، فلم يزل مكبوباً على وجهه حتى مات. ولما أخذ ابن البعيث أخرج من الحبس من كان محبوساً بسبب كفالته به، وقد كان بعضهم مات في الحبس، فأخرج بعد باقي عياله وصيّر بنوه: حلبس والبعيث وجعفر في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن خاقان، وأجريت عليهم الأنزال. أمر المتوكل مع النصارىوفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب وبتصيير كرتين على مؤخر السروج، وبتصيير زرين على قلانس من لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالفٌ لونهما لون الثوب الظاهر الذي عليه؛ وأن تكون إحدى الرقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلف ظهره؛ وتكون كل واحدة من الرقعتين قدر أربع أصابع، ولونهما عسلياً، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها العسلي، ومن خرج من نسائهم فبرزت فلا تبرز إلا في إزار عسلي، وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزنانير وبمنعهم لبس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعاً صيّر مسجداً، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجداً صيّر فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة؛ تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمعلوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين. وكتب إلى عماله في الآفاق: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فإن الله تبارك وتعالى بعزته التي لا تحاول وقدرته على ما يريد؛ اصطفى الإسلام فرضيه لنفسه، وأكرم به ملائكته، وبعث به رسله، وأيد به أولياءه، وكنفه بالبر، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديان، مبرءاً من الشبهات، معصوماً من الآفات، محبواً بمناقب الخير، مخصوصاً من الشرائع بأطهرها وأفضلها، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها؛ وأكرم أهله بما أحل لهم من حلاله، وحرّم عليهم من حرامه؛ وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه، وأعد لهم من سعة جزائه وثوابه، فقال في كتابه فيما أمر به ونهى عنه، وفيما حض عليه فيه ووعظ: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " ، وقال فيما حرم على أهله مما غمط فيه أهل الأديان من ردىء المطعم والمشرب والمنكح ليزههم عنه وليظهر به دينهم، ليفضلهم عليهم تفضيلاً: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ... " إلى آخر الآية، ثم ختم ما حرّم عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه؛ ممن عند عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم، فقال عز وجل: " اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم ... " الآية، وقال عز وجل: " حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ... " وقال: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان... " الآية، فحرّم على المسلمين من مآكل أهل الأديان أرجسها وأنجسها، ومن شرابهم أدعاه إلى العداوة والبغضاء، وأصده عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزراً، وأولاها عند ذوي الحجمى والألباب تحريماً، ثم حباهم محاسن الأخلاق وفضائل الكرامات؛ فحعلهم أهل الإيمان والأمانة، والفضل والتراحم واليقين والصدق؛ ولم يجعل في دينهم التقاطع والتدابر، ولا الحمية ولا التكبر، ولا الخيانة ولا الغدر، ولا التباغي ولا التظالم؛ بل أمر بالأولى ونهى عن الأخرى، ووعد وأوعد عليها جنته وناره، وثوابه وعقابه؛ فالمسلمون بما اختصهم الله من كرامته، وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذي اختاره لهم، بائنون على الأديان بشرائعهم الزاكية، وأحكامهم المرضية الطاهرة، وبراهينهم المنيرة، وبتطهير الله دينهم بما أحل وحرّم فيه لهم وعليهم، قضاء من الله عز وجل في إعزاز دينه؛ حتماً ومشيئةً منه في إظهار حقه ماضية، وإرادةً منه في إتمام نعمته على أهله نافذة " ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة " ، وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزي في الدنيا والآخرة على الكافرين. وقد رأى أمير المؤمنين - وبالله توفيقه وإرشاده - أن يحمل أهل الذمة جميعاً بحضرته وفي نواحي أعماله ؛ أقربها وأبعدها، وأخصهم وأخسهم على تصيير طيالستهم التي يلبسونها؛ من لبسها من تجارهم وكتابهم، وكبيرهم وصغيرهم، على ألوان الثياب العسلية، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره، ومن قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم، ومن يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم أخذ بتركيب خرقتين صبغهما ذلك الصبغ يكون استدارة كل واحدة منهما شبراً تاماً في مثله، على موضع أمام ثوبه الذي يلبسه، تلقاء صدره، ومن وراء ظهره، وأن يؤخذ الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرة عليها تخالف ألوانها ألوان القلانس؛ ترتفع في أماكنها التي يقع بها، لئلا تلصق فتستسر ولا ما يركب منها على حباك فتخفى؛ وكذلك في سروجهم باتخاذ ركب خشب لها، ونصب أكرٍ على قرابيسها؛ تكون ناتئة عنها، وموفية عليها، لا يرخّص لهم في إزالتها عن قرابيسهم، وتأخيرها إلى جوانبها؛ بل يتفقد ذلك منهم؛ ليقع ما وقع من الذي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهراً يتبينه الناظر من غير تأمل، وتأخذه الأعين من غير طلب، وأن تؤخذ عبيدهم وإماؤهم، ومن يلبس المناطق من تلك الطبقة بشد الزنانير والكساتيج مكان المناطق التي كانت في أوساطهم، وأن توعز إلى عمالك فيما أمر به أمير المؤمين في ذلك إيعازاً تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدم إليهم فيه، وتحذرهم إدهاناً وميلاً، وتتقدم إليهم في إنزال العقوبة بمن خالف ذلك من جميع أهل الذمة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره؛ ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها، وأخذهم بها إن شاء الله. فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره، وأنفذ إلى عمالك في نواحي عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله؛ وأمير المؤمنين يسأل الله ربه ووليه أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه، ويتولى ما ولاه مما لا يبلغ حقه فيه إلا بعونه؛ حفظاً يحمل به ما حمله، وولاية يقضي بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه، وأفضل مزيده؛ إنه كريم رحيم. وكتب إبراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين. فقال علي بن الجهم: العسليات التي فرقت ... بين ذوي الرشدة والغي وما على العاقل إن تكثروا ... فإنه أكثر للفي ظهور محمود بن الفرج النيسابوريوفي هذه السنة ظهر بسامرا رجلٌ يقال له محمود بن الفرج النيسابوري فزعم أنه ذو القرنين، ومعه سبعة وعشرون رجلاً عند خشبة بابك، وخرج من أصحابه بباب العامة رجلان، وببغداد في مسجد مدينتها آخران، وزعما أنه نبي، وأنه ذو القرنين؛ فأتى به وبأصحابه المتوكل، فأمر بضربه بالسياط؛ فضرب ضرباً شديداً، فمات من بعد من ضربه ذلك، وحبس أصحابه؛ وكانوا قدموا من نيسابور، ومعهم شيء يقرءونه، وكان معهم عيالاتهم، وفيهم شيخ يشهد له بالنبوة، ويزعم أنه يوحى إليه، وأن جبريل يأتيه بالوحي، فضرب محمود مائة سوط، فلم ينكر نبوته حين ضرب، وضرب الشيخ الذي كان يشهد له أربعين سوطاً، فأنكر نبوته حين ضرب. وحُمل محمود إلى باب العامة، فأكذب نفسه، وقال: الشيخ قد اختدعني، وأمر أصحاب محمود أن يصفعوه فصفعوه؛ كل واحد منهم عشر صفعات، وأخذ له مصحف فيه كلام قد جمعه ذكر أنه قرآنه، وأن جبريل عليه السلام كان يأتيه به، ثم مات يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي الحجة في هذه السنة ودفن في الجزيرة. ذكر عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثةوفي هذه السنة عقد المتوكل لبنيه الثلاثة: لمحمد وسماه المنتصر، ولأبي عبد الله بن قبيحة - ويختلف في اسمه، فقيل إن اسمه محمد، وقيل: اسمه الزبير ولقبه المعتز - ولإبراهيم وسماه المؤيد بولاية العهد، وذلك - فيما قيل - يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة - وقيل لليلتين بقيتا منه - وعقد لكل واحد منهم لواءين؛ أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل، وضم إلى كل واحد من العمل ما أنا ذاكره. فكان ما ضم إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك إفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنسرين والعواصم والثغور الشأمية والجزرية وديار مضر وديار ربيعة والموصل وهيت وعانات والخابور وقرقيسيا وكور باجرمى وتكريت وطساسيج السواد وكور دجلة والحرمين واليمن وعك وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات بسامر وماه الكوفه وماه البصرة وماسبذان ومهرجان قذق وشهرزور ودراباذ والصامغان وأصبهان وقمّ وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة. وكان ما ضمّ إلى ابنه المعتز كور خراسان وما يضاف إليها، وطبرستان والري وإرمينية وأذربيجان وكور فارس. ضم إليه في سنة أربعين خزن بيوت الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر بضرب اسمه على الدراهم. وكان ما ضم إلى ابنه الؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين، فقال أبو الغص الأعرابي: إن ولاه المسلمين الجله ... محمد ثم أبو عبد الله ثمت إبراهيم آبى الذله ... بورك في بني خليفة الله وكتب بينهم كتاباً نسخته: هذا كتاب كتبه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه ومن حضر من أهل بيته وشيعته وقواده وقضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله، ولأبي عبيد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله؛ بني أميرالمؤمنين؛ في أصالة من رأيه، وعموم من عافية بدنه، واجتماع من فهمه؛ مختاراً لما شهد به، متوخياً بذلك طاعة ربه، وسلامة رعيته واستقامتها وانقياد طاعتها، واتساع كلمتها؛ وصلاح ذات بينها؛ وذلك في ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين ومائتين " أنه جعل " ؛ إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين في حياته والخلافة عليهم من بعده؛ وأمره بتقوى الله التي هي عصمة من اعتصم بها ونجاة من لجأ إليها، وعز من اقتصر عليها؛ فإن بطاعة الله تتم النعمة، وتجب من الله الرحمة، والله غفور رحيم. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين إلى أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، ثم من بعد أبي عبد الله المعتز ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين السمع والطاعة والنصيحة والمشايعة والموالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه، في السر والجهر، والغضب والرضا، والمنع والإعطاء، والتمسك ببيعته، والوفاء بعهده، لا يبغيانه غائلة، ولا يحاولانه مخاتلة، ولا يمالئان عليه عدواً، ولا يستبدان دونه بأمر يكون فيه نقض لما جعل إليه أمير المؤمنين من ولاية العهد في حياته والخلافة من بعده. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين الوفاء بما عقده لهما، وعهد به إليهما من الخلافة بعد محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين، وإبراهيم المؤيد بالله أمير المؤمنين الخليفة من بعد أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، والإتمام على ذلك، وألا يخلعها ولا واحداً منهما، ولا يعقد دونهما ولا دون واحد منهما بيعة لولد، ولا لأحد من جميع البرية، ولا يؤخر منهما مقدماً، ولا يقدم منهما مؤخراً، ولا ينقصهما ولا واحداً منهما شيئاً من أعمالهما التي ولاهما عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين وكل واحد منهما؛ من الصلاة والمعاون والقضاء والمظالم والخراج والضياع والغيمة والصدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما، وما في عمل كل واحد منهما؛ من البريد والطرر وخزن بيوت الأموال والمعاون ودور الضرب وجميع الأعمال التي جعلها أمير المؤمنين، ويجعلها إلى كل واحد منهما، ولا ينقل عن واحد منهما أحداً من احيته من القواد والجند والشاكرية والموالي والغلمان وغيرهم، ولا يعترض عليه في شئ من ضياعه وإقطاعاته وسائر أمواله وذخائره وجميع ما في يده، وما حواه وملكت يده من تالد وطارف، وقديم ومستأنف؛ وجميع ما يستفيده ويستفاد له بنقص، ولا يحرم ولا يجنف، ولا يعرض لأحد من عماله وكتابه وقضاته وخدمه ووكلائه وأصحابه، وجميع أسبابه بمناظرة ولا محاسبة؛ ولا غير ذلك من الوجوه والأسباب كلها، ولا يفسخ فيما وكده أمير المؤمنين لهما في هذا العقد والعهد، بما يزيل ذلك عن جهته، أو يؤخره عن وقته، أو يكون ناقضاً لشئ منه. وجعل عبد الله جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إن أفضت إليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين مثل الشرائط التي اشترطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين بجميع ما سمى فيه ووصف في هذا الكتاب، وعلى ما بين وفسر، مع الوفاء من أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، بما جعله أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين من الخلافة وتسليم ذلك راضياً به ممضياً له؛ مقدماً ما فيه حق الله عليه وما أمره به أمير المؤمنين، غير ناكث ولا ناكب بذلك، ولا مبدل، فإن الله تعالى جده وعز ذكره يتوعد من خالف أمره، وعند عن سبيله في محكم كتابه: " فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذي يبدلونه إن الله سميع عليم " على أن لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، الأمان، وهما مقيمان بحضرته أو أحدهما، أو كانا غائبين عنه؛ أو مجتمعين كانا أو متفرقين ويستمر أبو عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بخراسان وأعمالهما المتصلة بها والمضمومة إليها؛ ويستمر إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بالشأم وأجنادها؛ فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، أ يمضي أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان وأعمالهما المتصلة بها والمضمومة إليها، وأن يسلم له ولايتها وأعمالها كلها وأجنادها والكور الداخلة فيما ولى جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، فلا يعوقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا في شئ من البلدان دون خراسان والكور والأعمال المضمومة إليها، وأن يعجل إشخاصه إليها والياً عليها وعلى جميع أعمالها، مفرداً بها مفوضاً إليه أعمالها كلها؛ لينزل حيث أحب من كور عمله، ولا ينقله عنها، وأن يشخص معه جميع من ضم إليه أمير المؤمنين، ويضم من مواليه وقواده وشاكريته وأصحابه وكتابه وعماله وخدمه ومن اتبعه من صنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وعيالهم وأموالهم، ولا يحبس عنه أحداً، ولا يشرك في شئ من أعماله أحداً، ولا يوجه عليه أميناً ولا كتاباً ولا بريداً، ولا يضرب على يده في قليل ولا كثير. وأن يطلق محمد المنتصر بالله لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروج إلى الشأم وأجنادها فيمن ضم أمير المؤمنين ويضمه إليه من مواليه وقواده وخدمه وجنوده وشاكريته وصحابته وعماله وخدامه ومن اتبعه من صنوف الناس بأهاليهم وأولا دهم وأموالهم، ولا يحبس عنهم أحداً، ويسلم إليه ولايتها دونها، وأن يعجل إشخاصه إلى الشأم وأجنادها والياً عليها، ولا ينقله عنها؛ وأن عليه له فيمن ضم إليه من القواد والموالي والغلمان والجنود والشاكرية وأصناف الناس وفي جميع الأسباب والوجوه مثل الذي اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في خراسان وأعمالهما على ما رسم من ذلك، وبين ولخص، وشرح في هذا الكتاب. ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين - إذا أفضت الخلافة إليه، وإبراهيم المؤيد بالله مقيم الشام - أن يقره بها أو كان بحضرته، أو كا غائباً عنه، أن يمضيه إلى عمله من الشأم، ويسلم إليه أجنادها وولايتها وأعمالها كلها،، ولا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا في شيء من البلدان دونها، وأن يعجّل إشخاصه إليها والياً عليها وعلى جميع أعمالها؛ على مثل الشرط الذي أخذ لأبي عبد اللّه المعتز باللّه ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر باللّه ابن أمير المؤمنين في خراسان وأعمالها؛ على ما رسم ووصف وشرط في شرط في هذا الكتاب؛ لم يجعل أمير المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط؛ من محمد المنتصر باللّه، وأبى عبد اللّه المعتزّ باللّه، وإبراهيم المؤيد باللّه؛ بني أمير المؤمنين، أن يزيل شيئاً مما اشترطا في هذا الكتاب، ووكّدنا، وعليهم جميعاً الوفاء به؛ لا يقبل اللّه منهم إلاّ ذلك، ولا التمسّك إلا بعهد اللّه فيه؛ وكان عهد اللّه مسؤلاً. أشهد اللّه ربّ العالمين جعفر الإمام المتوكل على اللّه أمير المؤمنين ومن حضره من المسلمين بجميع ما في الكتاب على إمضائه إياه؛ على محمد المنتصر باللّه، وأبي عبد اللّه المعتز باللّه، وإبراهيم المؤيد باللّه، بني أمير المؤمنين بجميع ما سمّي ووصف فيه، وكفى باللّه شهيداً ومعيناً لمن أطاعه راجياً، ووفىّ بعهده خائفاً وحسيباًُ؛ ومعاقباً من خالفه معانداً، أو صدف عن أمره مجاهداً. وقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ، وقعت شهادة الشهود بحضرة أمير المؤمنين في كلّ نسخة منها؛ في خزانة أمير المؤمنين نسخة، وعند محمد المنتصر ابن أمير المؤمنين نسخة، وعند أبي عبد اللّه المعتز باللّه ابن أمير المؤمنين نسخة، ونسخة عند إبراهيم المؤيد باللّه ابن أمير المؤمنين. وقد ولى جعفر الإمام المتوكل على اللّه أبا عبد اللّه المعتز باللّه ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وإرمينية وأذربيجان إلى مايلي أعمال خراسان وكورها والأعمال المتّصلة بها والمضمونة إليها، على أن يجعل له على محمد المنتصر باللّه ابن أمير المؤمنين في ذلك الذي جعل له في الحياطة في نفسه، والوثاق في أعماله، والمضمومين إليه وسائر من يستعين به من الناس جميعاً في خراسان والكور المضمومة إليها والمتصلة بها على ما سمّي ووصف في هذا الكتاب. وقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يمدح بني المتوكل الثلاثة: المنتصر، والمعتزّ، والمؤيد: أضحت عرى الإسلام وهي منوطةٌ ... بالنّصر والإعزاز والتأييد بخليفة من هاشمٍ وثلاثةٍ ... كنفوا الخلافة من ولاة عهود قمرٌ توالت حوله أقماره ... يكنفن مطلع سعده بسعود كنفتهم الآباء واكتنفت بهم ... فسعوا بأكرم أنفس وجدود وله في المعتزّ باللّه: أشرق المشرق بالمع ... تزّ باللّه ولاحا إنما المعتز طيبٌ ... بثّ في الناس ففاحا وله أيضاً: اللّه أظهر دينه ... وأعزّه بمحمد واللّه أكرم بالخلا ... فة جعفر بن محمد واللّه أيّد عهده ... بمحمدٍ ومحمد ومؤيّد لمؤيدين ... إلى النبيّ محمّد وفيها كانت وفاة إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر في يوم الثلاثاء لست بقين من ذي الحجة، وقيل كانت وفاته لسبع بقين منه. وصيّر ابنه مكانه، وكسى خمس خلع، وقلّد سيفاً، وبعث المتوكل حين انتهى إليه خبر مرضه بابنه المعتزّ لعيادته مع بغا الشرابيّ وجماعة من القواد والجند. وذكر أن ماء دجلة تغيّر في هذه السنة إلى الصّفرة ثلاثة أيام، ففرح الناس لذلك، ثم صار في لون ماء المدود وذلك في ذي الحجة. وفيها أتى المتوكل بيحيى بن عمر بن حسين بن زيد بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام من بعض النواحي؛ وكان - فيما ذكر - قد جمع قوماً، فضربه عمر بن فرج ثمان عشرة مقرعة، وحبس ببغداد في المطبق. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود. ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث خبر مقتل محمد بن إبراهيم بن مصعب فمن ذلك ما كان من مقتل محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق، أخي إسحاق بن إبراهيم بفارس. ذكر الخبر عن مقتله وكيف قتل حدّثني غير حد، عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم؛ أن أباه إسحاق بلغه عنه أنه أكول لا يملأ جوفه شيء، وأنه أمر باتخاذ الطعام والأكثار منه؛ ثم أرسل إليه فدعاه؛ ثم أمره أن يأكل، وقال له: إني أحب أن أرى أكلك فأكل وأكثر حتى عجب إسحاق منه ثم قدم إليه بعد ما ظنّ أنه شبع وامتلأ من الطعام حملٌ مشويّ، فأكل منه حتى لم يبق منه إلا عظامه؛ فلما فرغ من أكله، قال: يا بنيّ، مال أبيك لا يقوم بطعام بطنك؛ فالحق أمير المؤمنين؛ فإنّ ماله أحمل لك من مالي. فوجّهه إلى الباب وألزمه الخدمة، فكان في خدمة السلطان حياة أبيه، وخليفة أبيه ببابه، حتى مات أبوه إسحاق؛ فعقد له المعتز على فارس، وعقد له المنتصر على اليامة والبحرين وطريق مكة، في المحرم من هذه السنة، وضم إليه المتوكل أعمال أبيه كلها، وزاده المنتصر ولاية مصر؛ وذلك أنه كان - فيما ذكر - حمل إلى المتوكل وأولياءه عهده مما كان في خزائن أبيه من الجواهر والأشياء النفسية ما حظي به عندهم، فرفعوه ورفعوا مرتبته. فلما بلغ محمد بن إبراهيم ما فعل بابن أخيه محمد بن إسحاق تنكر للسلطان، وبلغ المتوكل عنه أمور أنكرها، فأخبرني بعضهم أن تنكر محمد بن إبراهيم إنما كان لابن أخيه محمد بن إسحاق، واعتلاله عليه بحمل خراج فارس إليه. وإن محمداً شكا إلى المتوكل ما كان من تنكر عمه محمد بن إبراهيم في ذلك، فبسط يده عليه، وأطلق له العمل فيه بما أحب، فوفى محمد بن إسحاق الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب فارس، وعزل عمه، وتقدم محمد إلى الحسين بن إسماعيل في قتل عمه محمد بن إبراهيم؛ فذكر أنه لما صار إلى فارس أهدى إليه في يوم النيروز هدايا؛ فكان فيما أهدى إليه حلواء، فأكل محمد بن إبراهيم منها ثم دخل الحسين بن إسماعيل عليه، فأمر بإدخاله إلى موضع آخر وإعادة الخلواء عليه، فأكل أيضاً منها، فعطش فاستسقى، فمنع الماء، ورام الخروج من الموضع الذي أدخل إليه؛ فإذا هو محبوس لا سبيل له إلى الخروج؛ فعاش يومين وليلتين، ومات. فحمل ماله وعياله إلى سامراً على مائة جمل. ولما ورد نعى محمد بن إبراهيم على المتوكل أمر بالكتاب فيه إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بالتعزية فكتب: أما بعد، فإن أمير المؤمنين يوجب لك مع كل فائدة ونعمة تهنئتك بمواهب الله وتعزيتك عن ملمات أقداره؛ وقد مضى الله في محمد بن إبراهيم مولى أمير المؤمنين ما هو قضاؤه في عباده؛ حتى يكون الفناء لهم والبقاء له. وأمير المؤمنين يعزيك عن محمد بما أوجب الله لمن عمل بما أمره به في مصائبه؛ من جزيل ثوابه وأجره؛ فليكن الله وما قربك منه أولى بك في أحوالك كلها؛ فإن مع شكر الله مزيده، ومع التسليم لأمر الله رضاه؛ وبالله توفيق أمير المؤمنين. والسلام. ذكر خبر وفاة الحسن بن سهل وفي هذه السنة توفي الحسن بن سهل في قول بعضهم في أول ذي الحجة منها، وقال قائل هذه المقالة: مات محمد بن إسحاق بن إبراهيم في هذا الشهر لأربع بقين منه. وذكر عن القاسم بن أحمد الكوفي، أنه قال: كنت في خدمة الفتح بن خاقان في سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكان الفتح يتولى للمتوكل أعمالاً، منها أخبار الخاصة والعامة بسامراً والهاروني وما يليها؛ فورد كتاب إبراهيم بن عطاء المتولي الأخبار بسامراً يذكر وفاة الحسن بن سهل، وأنه شرب شربة دواء في صبيحة يوم الخميس لخميس ليال بقين من ذي العقدة من سنة خمس وثلاثين ومائتين أفرطت عليه، وأنه توفى في هذا اليوم وقت الظهر، وأن المتوكل أمر بتجهيز جهازه من خزائنه. فلما وضع على سريره تعلق به جماعة من التجار من غرماء الحسن بن سهل، ومنعوه من دفنه، فتوسط أمرهم يحيى بن خاقان وإبراهيم بن عتاب ورجل يعرف ببرغوث؛ فقطعوا أمرهم، ودفن. فلما كان من الغد ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة محمد بن إسحاق بن إبراهيم بعد الظهر يوم الخميس لخمس خلون من ذي الحجة، فجزع عليه المتوكل جزعاً، وقال: تبارك الله وتعالى! كيف توافيت منية الحسن ومحمد بن إسحاق في وقت واحد! ذكر خبر هدم قبر الحسين بن علي وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق؛ فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه؛ وحرث ذلك الموضع، وزرع ما حواليه. وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيي بن خاقان، وصرف محمد بن الفضل الجرجرائي. وفيها حج محمد المنتصر، وحجت معه جدته شجاع أم المتوكل، فشيعها المتوكل إلى النجف. وفيها هلك أبو سعيد محمد بن يوسف المروزي الكبح فجاءة، ذكر أن فارس بن بغا الشرابي وهو خليفة أبيه، عقد لأبي سعيد هذا، وهو مولى طيء على أذربيجان وأرمينية، فعسكر بالكرخ؛ كرخ فيروز؛ فلما كان لسبع بقين من شوال وهو بالكرخ مات فجاءة، لبس أحد خفيه ومد الآخر ليلبسه فسقط ميتاً، فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان أبوه وليه من الحرب، وولاه بعد ذلك خراج الناحية وضياعها، فشخص إلى الاحية فضبطها ووجه عماله في كل ناحية. وحج المتوكل بالناس في هذه السنة المنتصر محمد بن جعفر المتوكل. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر وثوب أهل إرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فمن ذلك ما كان من وثوب أهل إرمينية بيوسف بن محمد فيها ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به قد ذكرنا فيما مضى قبل سبب استعمال المتوكل يوسف بن محمد هذا إياه على إرمينية؛ فأما سبب وثوب أهل إرمينية به؛ فإنه كان - فيما ذكر أنه لما صار إلى عمله من إرمينية خرج رجل من البطارقة يقال له بقراط بن أشوط؛ وكان يقال له بطريق البطارقة، يطلب الإمارة؛ فأخذه يوسف بن محمد، وقيده وبعث به إلى باب الخليفة، فأسلم بقراط وابنه؛ فذكر أن يوسفلما حمل بقراط بن أشوط اجتمع عليه ابن بقراط بن أشوط وجماعة من بطارقة إرمينية، وكان الثلج قد وقع في المدينة التي فيها يوسف؛ وهي - فيما قيل - طرون؛ فلما سكن الثلج أناخوا عليها من كل ناحية، وحاصروا يوسف ومن معه في المدينة، فخرج يوسف إلى باب المدينة، فقاتلهم فقتلوه وكل من قاتل معه؛ فأما من لم يقاتل معه؛ فإنهم قالوا له: ضع ثيابك، وانج عرياناً فطرح قوم منهم كثير ثيابهم، ونجوا عراة حفاة، فمات أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع قوم منهم ونجوا؛ وكانت البطارقة لما حمل يوسف بقراط بن أشوط تحالفوا على قتله، وذروا ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهو على ابنه بقراط، فنهى سوادة بن عبد الحميد الحجافي يوسف بن أبي سعيد عن المقام بموضعه، وأعلمه بما أتاه من أخبار البطارقة، فأبى أ يفعل، فوافاه القوم في شهر رمضان، فأحدقوا بسور المدينة والثلج ما بين عشرين ذراعاً إلى أقل حول المدينة إلى خلاط إلى دبيل، والدنيا كلها ثلج وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فتوجه إلى كل ناحية منها قوم من أصحابه، فوجه إلى كل طائفة منهم من البطارقة، ممن معهم جماعة، فقتلوهم في يوم واحد، وكانوا قد حاصروه في المدينة أياماً، فخرج إليهم فقاتل حتى قتل، فوجه المتوكل بغا الشرابي إلى إرمينية طالباً بدم يوسف، فشخص إليها من ناحية الجزيرة، فبدأ بأرزون بموسى بن زرارة، وهو " أبو الحر " وله أخوة: إسماعيل وسليمان وأحمد وعيسى ومحمد وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى باب الخليفة، ثم سار فأناخ بجبل الخويثية؛ وهم جمة أهل إرمينية، وقتلة يوسف بن محمد، فحاربهم فظفر بهم، فقتل زهاء ثلاثين ألفاً، وسبي منهم خلقاً كثيراً، فباعهم بإرمينية، ثم سار إلى بلاد الباق فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس وهو صاحب الباق - والباق من كور البسفرجان وبني النشوى، ثم سار إلى مدينة دبيل من إرمينية،،، فأقام بها شهراً، ثم سار إلى تفليس. وفي هذه السنة ولى عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد. وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان، لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، فولى الشرطة والجزية وأعمال السواد وخلافة أمير المؤمنين بمدينة السلام، ثم صار إلى بغداد. وفيها عزل المتوكل محمد بن أحمد بن أبي داود عن المظالم، وولاها محمد ابن يعقوب المعروف بأبي الربيع. وفيها رضى عن ابن أكثم، وكان ببغداد فأشخص إلى سامراً، فولى القضاء على القضاة، ثم ولى أيضاً بالمظالم، وكان عزل المتوكل محمد بن أحمد ابن أبي داود عن مظالم سامراً لعشر بقين من صفر من هذه السنة. ذكر غضب المتوكل على ابن أبي داودوفيها غضب المتوكل على ابن أبي داود؛ وأمر بالتوكل على ضياع أحمد ابن أبي داود لخمس بقين من صفر، وحبس يوم لثلاث خلون من شهر ربيع الأول ابنه أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود في ديوان الخراج، وحبس إخوته عند عبيد الله بن السري خليفة صاحب الشرطة،، فلما كان يوم الإثنين حمل أبو الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف درهم، وأشهد عليهم جميعاً ببيع كل ضيعة لهم؛ وكان أحمد بن أبي داود قد فلج، فلما كان يوم الأربعاء لسبع خلون من شعبان، أمر المتوكل بولد أحمد بن أبي داود، فحدروا إلى بغداد، فقال أبو العتاهية: لو كنت في الرأي منسوباً إلى رشد ... وكان عزمك عزماً فيه توفيق لكان في الفقه شغلٌ لو قنعت به ... عن أن تقول: كلام الله مخلوق ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم ... ما كان في الفرع لولا الجهل والموق وأقيم فيها الخلنجي للناس في جمادى الآخرة. وفيها ولى ابن أكثم قضاء الشرقية حيان بن بشر، وولى سوار بن عبد الله العنبري قضاء الجانب الغربي، وكلاهما أعور، فقال الجماز رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين هما اقتسما العمى نصفين قداً ... كما اقتسما قضاء الجانبين وتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين كأنك قد وضعت عليه دناً ... فتحت بزاله من فرد عين هما فأل الزمان بهلك يحيي ... إذ افتتح القضاء بأعورين خبر إنزال جثة ابن نصر ودفعه إلى أوليائهوفيها أمر المتوكل في يوم الفطر منها بإنزال جثة أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه. ذكر خبر عما فعل به وما كان من الأمر بسبب ذلك ذكر أن المتوكل لما أمر بدفع جتثه إلى أوليائه لدفنه، فعل ذلك، فدفع إليهم؛ وقد كان المتوكل لما أفضت إليه الخلافة، نهى عن الجدال في القرآن وغيره، وفذت كتبه بذلك إلى الآفاق وهم بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته، فاجتمع الغوغاء والرعاع إلى موضع تلك الخشبة، وكثروا وتكلموا، فبلغ ذلك المتوكل، فوجه إليهم نصر من الليث، فأخذ منهم نحواً من عشرين رجلاً فضربهم وحبسهم وترك إنزال أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من أطلقوا؛ فلما دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الذي ذكرت حمله ابن أخيه موسى إلى بغداد، وغسل ودفن، وضم رأسه إلى بدنه، وأخذ عبد الرحمن بن حمزة جسده في منديل مصري، فمضى به إلى منزله، فكفنه وصلى عليه، وتولى إدخاله القبر مع بعض أهله رجلٌ من التجار، ويقال له الأبرازي فكتب صاحب البريد ببغداد - وكان يعرف بابن الكلبي، من موضع بناحية واسط، يقال له الكلبانية - إلى المتوكل بخبر العامة، وما كان من اجتماعها وتمسحها بالجنازة؛ جنازة أحمد بن نصر وبخشبة رأسه؛ فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: كيف دخل ابن الأبرازي القبر على كبرة خزاعة! فقال: يا أمير المؤمنين، كان صديقاً له. فأمر المتوكل إلى محمد بن عبد الله ابن طاهر بمنع العامة من الإجتماع والحركة في مثل هذا وشبهه؛ وكان بعضهم أوصى ابنه عند موته أن يرهب العامة؛ فكتب المتوكل ينهى عن الإجتماع. وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن يحيى الأزمتي. وحج بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وكان والي مكة. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل وإحراقه مدينة تفليس فمن ذلك ما كان من ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية بتفليس وإحراقه مدينة تفليس. ذكر الخبر عما كان من بغا في ذلك ذكر أن بغا لما صار إلى دبيل بسبب قتل القاتلين من أهل إرمينية يوسف ابن محمد، أقام بها شهراً؛ فلما كان يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وجه بغا زيرك التركي، فجاوز الكر - وهو نهر عظيم مثل الصراة ببغداد وأكبر، وهو ما بين المدينة وتفليس في الجانب الغربي وصغدبيل في الجانب الشرقي - وكان معسكراً بغا في الشرقي، فجاوز زيرك الكر إلى مدينة تفليس، ولتفليس خمسة أبواب: باب الميدان، وباب قريس، وباب الصغير، وباب الربض، وباب صغدبيل - والكر نهر ينحدر مع المدينة - ووجه أيضاً أبا العباس الواثي النصراني إلى أهل إرمينية عربها وعجمها، فأتاهم زيرك مما يلي الميدان وأبو العباس مما يلي باب الربض، فخرج إسحاق بن إسماعيل إلى زيرك، فناوشه القتال، ووقف بغا على تل مطل على المدينة مما يلي صغدبيل؛ لينظر ما يصنع زيرك وأبو العباس، فبعث بغا النفاطين فضربوا المدينة بالنار؛ وهي من خشب الصنوبر، فهاجت الريح في الصنوبر، فأقبل إسحاق بن اسماعيل إلى المدينة لينظر؛ فإذا النار قد أخذت في قصره وجواريه، وأحاطت به النار؛ ثم أتاه الأتراك والمغاربة فأخذوه أسيراً، وأخذوا ابنه عمراً، فأتوا بهما بغا، فأمر بغا به، فرد إلى باب الحسك، فضربت عنقه هناك صبراً، وحمل رأسه إلى بغا، وصلبت جيفته على الكر؛ وكان شيخاً محدوداً ضخم الرأس، يخضب بالوسمة، آدم أصلع أحول؛ فنصب رأسه على باب الحسك. وكان الذي تولى قتله غامش خليفة بغا، واحترق في المدينة نحو من خمسين ألف إنسان، وأطفئت النار في يوم وليلة؛ لأنها نار الصنوبر، لا بقاء لها، وصبحهم المغاربة، فأسروا من كان حياً، وسلبوا الموتى. وكانت امرأة إسحاق نازلةً بصغدبيل، وهي حذاء تفليس في الجانب الشرقي، وهي مدينة بناها كسرى أنوشروان؛ وكان إسحاق قد حصنها وحفر خندقها، وجعل فيها مقاتلة من الخويثية وغيرهم. وأعطاهم بغا الأمان على أن يضعوا أسلحتهم، ويذهبوا حيث شاء. وكات امرأة إسحاق ابنة صاحب السرير. ثم وجه بغا - فيما ذكر - زيرك إلى قلعة الجردمان - وهي بين برذعة وتفليس - في جماعة من جنده، ففتح زيرك الجردما، وأخذ بطريقها القطريج أسيراً، فحمله إلى العسكر. ثم نهض بغا إلى عيسى بن يوسف بن أخت اصطفانوس؛ وهو في قلعة كثيش من كورة البيلقان، وبينها وبين البيلقان عشرة فراسخ، وبينها وبين برذعة خمسة عشر فرسخاً، فحاربه، ففتحها، وأخذه وحمله وحمل ابنه معه وأباه، وحمل أبا العباس الواثي - واسمه سنباط بن أشوط - وحمل معه معاوية بن سهل بن سنباط بطريق أران، وحمل آذر نرسى بن إسحاق الخاشني. ذكر مقدم الروم بمراكبهم إلى دمياطوفي هذه السنة جاءت للروم ثلثمائة مركب مع عرفا وابن قطوا وأمرداقه - وهم كانوا الرؤساء في البحر - مع كل واحد منهم مائة مركب، فأاخ ابن قطونا بدمياط، وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة يكون فيها الماء إلى صدر الرجل؛ فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر؛ فجازها قوم فسلموا، وغرق قوم كثير من نساء وصبيان؛ واحتمل من كانت له قوة في السفن؛ فنجوا إلى ناحية الفسطاط، وبينها وبين الفسطاط مسيرة أربعة أيام. وكان والي معونة مصر عبسة بن إسحاق الضبي، فلما قرب العيد ، أمر الجند الذي بدمياط أن يحضروا الفسطاط لتحمل لهم في العيد، وأخلى دمياط من الجند؛ فانتهى مراكب الروم من ناحية شطا التي يعمل فيها الشطوي، فأناخ بها مائة مركب من الشلندية؛ تحمل كل مركب ما بين الخمسين رجلاً إلى المائة؛ فخرجوا إليه وأحرقوا ما وصلوا إليه من دورها وأخصاصها، واحتملوا سلاحاً كان فيها أرادوا حمله إلى أبي حفص صاحب أقريطش نحواً من ألف قناة وآلتها، وقتلوت من أمكنهم قتله من الرجال، وأخذوا من الأمتعة والقند والكتان ما كان عبئ ليحمل إلى العراق، وسبوا من المسلمات والقبطيات نحواً من ستمائة امرأة؛ ويقال إن المسلمات منهن مائة وخمس وعشرون امرأة والباقي من نساء القبط. ويقال إن الروم الذين كانوا في الشلنديات التي أناخت بدمياط كانوا نحواً من خمسة آلاف رجل، فأوقروا سفنهم من المتاع والأموال والنساء، وأحرقوا خزانة القلوع وهي شرع السفن، وأحرقوا مسجد الجامع بدمياط، وأحرقوا كنائس؛ وكان من حزر منهم ممن غرق في بحيرة دمياط من النساء والصبيان أكثر ممن سباه الروم. ثم رحل الروم عنها. وذكر أن ابن الأكشف كان محبوساً في سجن دمياط، حبسه عنبسة، فكسر قيده وخرج؛ فقاتلهم، وأعانه قوم، فقتل من الروم جماعة، ثم صاروا إلى أشتوم تنيس، فلم يحمل الماء سفنهم إليها، فخشوا أن توحل؛ فلما لم يحملهم الماء صاروا إلى أشتومها - وهي مرسى بينه وبين تنيس أربعة فراسخ وأقل، وله سور وباب حديد كان المعتصم أمر بعمله - فخربوا عامته، وأحرقوا ما فيه من المجانيق والعرادات، وأخذوا بابيه الحديد؛ فحملوهما، ثم توجهوا إلى بلادهم، لم يعرض لهم أحد. وخرج المتوكل في هذه السنة يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة من سامرا يريد المدائن، فصار إلى الشماسية يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، فأقام هنالك إلى يوم السبت، وعبر بالعشي إلى قطربل، ثم رجع ودخل بغداد يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت منه فمضى في سوقها وشارعها حتى نزل الزعفرانية، ثم صار إلى المدائن. وغزا الصائفة فيها علي بن يحيى الأرمني. وحجّ بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر . ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين على الأقبية والدراريع في المحرم منها، ثم أمره في صفر بالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمر دون الخيل والبراذين. وفيها في المتوكل علي بن الجهم بن بدر إلى خراسان. وفيها قتل صاحب الصناريه بباب العامة في جمادى الآخرة منها. وفيها أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام. وفيها مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود ببغداد في ذي الحجة. وفيها غزا الصائفة على بن يحيى الأرمني. وحج بالناس فيها عبد الله بن محمد بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد ابن علي، وكان والي مكة. وفيها حج جعفر بن دينار؛ وكان والي طريق مكة مما يلي الكوفة فولى أحداث الموسم. وفيها اتفق شعانين النصارى ويوم النيروز؛ وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي العقدة، فذكر أن النصارى زعمت أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط. ثم دخلت سنة أربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم فما كان فيها من ذلك وثوب أهل حمص بعاملهم على المعونة ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل إليه أمرهم ووثوبهم ذكر أن عاملهم على المعونة قتل رجلاً كان من رؤسائهم؛ وكان العامل يومئذ أبو المغيث الرافعي موسى بن إبراهيم ، فوثب أهل حمص في جمادى الآخرة من هذه السنة، فقتلوا جماعة من أصحابه، ثم أخرجوه وأخرجوا صاحب الخراج من مدينتهم؛ فبلغ ذلك المتوكل؛ فوجه إليهم عتاب بن عتاب، ووجه معه محمد بن عبدويه كراديس الأنباري، وأمره أن يقول لهم: إن أمير المؤمنين قد أبد لكم رجلاً مكان رجل؛ فإن سمعوا وأطاعوا ورضوا؛ فول عليهم محمد بن عبدويه؛ وإن أبوا وثبتوا على الخلاف فأقم بمكانك، واكتب إلي أمير المؤمنين حتى يوجه إليك رجاء، أو محمد بن رجاء الحضاري أو غيره من الخيل لمحاربتهم؛ فخرج عتاب بن عتاب من سامراً يوم الإثنين لخمس بقين من شهر جمادى الآخرة، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فولاه عليهم ففعل فيهم الأعاجيب. وفيها مات أحمد بن أبي داود ببغداد في المحرم بعد ابنه أبي الوليد محمد؛ وكان ابنه محمد توفي قبله بعشرين يوماً في ذي الحجة ببغداد. وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء في صفر، وقبض منه ما كان له ببغداد ومبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، ومن أسطوانة في داره ألفاً دينار وأربعة آلاف جريب بالبصرة. وفيها ولى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي القضاء على القضاة في صفر. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود وحج بن دينار وهو والي الأحداث بالموسم. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم مرة أخرى فمن ذلك ما كان من وثوب أهل حمص بعاملهم على المعونة؛ وهو محمد ابن عبدويه. ذكر الخبرعما كان من أمرهم فيها وما آل إليه الأمر بينهم ذكر أن أهل حمص وثبوا في جمادى الآخرى من هذه السنة بمحمد بن عبدويه عاملهم على المعونة، وأعانهم على ذلك قوم من نصارى حمص، فكتب بذلك إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمده بجند من راتبة دمشق، مع صالح العباسي التركي؛ وهو عامل دمشق وجند من جند الرملة، فأمره أن يأخذ من رؤسائهم ثلاثة نفر فيضربهم بالسياط ضرب التلف؛ فإذا ماتوا صلبهم على أبوابهم، وأن يأخذ بعد ذلك من وجوههم عشرين إنساناً فيضربهم ثلثمائة سوط، كل واحد منهم، ويحملهم في الحديد إلى باب أمير المؤمنين، وأن يخرب ما بها من الكنائس والبيع، وأن يدخل البيعة التي إلى جانب مسجدها في المسجد، وألا يترك في المدينة نصرانياً إلا أخرجه منها، وينادي فيهم قبل ذلك، فمن وجده فيها بعد ثلاثة أحسن أدبه. وأمر لمحمد بن عبدويه بخمسين ألف درهم، وأمر لقواده ووجوه أصحابه بصلات، وأمر لخليفته على بن الحسين بخمسة عشر ألف درهم، ولقواده بخمسة آلاف، وأمر بخلع؛ فأخذ محمد بن عبدويه عشرة منهم؛ فكتب بأخذهم، وأنه قد حملهم إلى دار أمير المؤمنين ولم عشرة منهم؛ فكتب بأخذهم، وأنه قد حملهم إلى دار أمير المؤمنين ولم يضربهم؛ فوجه المتوكل رجلاً من أصحاب الفتح بن خاقان يقال له محمد بن رزق الله، ليرد من الذين وجه بهم ابن عبدويه محمد بن عبد الحميد الحميدي والقاسم بن موسى بن فوعوس إلى حمص، وأن يضربهما ضرب التلف، ويصلبهما على باب حمص، فردهما وضربهما بالسياط حتى ماتا، وصلبهما على باب حمص، وقدم بالآخرين سامراً وهم ثمانية؛ فلما صاروا بنصيبين مات واحد منهم، فأخذ المتوكل بهم رأسه، وقدم بسبعة منهم سامراً وبرأس الميت. ثم كتب محمد بن عبدويه أه أخذ عشرة نفر منهم بعد ذلك، وضرب منهم خمسة نفر بالسياط فماتوا، ثم ضرب خمسة فلم يموتوا. ثم كتب محمد ابن عبدويه بعد ذلك أنه ظفر برجل منهم من المخالفين يقال له عبد الملك بن إسحاق ابن عمارة - وكان فيما ذكر - رأساً من رءوس الفتنة؛ فضربه بباب حمص بالسياط حتى مات، وصلبه على حصن يعرف بتل العباس. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة مطر الناس - فيما ذكر - بسامراً مطراً جوداً في آب. وفيها ولى القضاء بالشرقية في المحرم أبو حسان الزيادي. ذكر الخبر عن ضرب عيسى بن جعفر وما آل إليه أمرهوفيها ضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب خان عاصم ببغداد - فيما قيل - ألف سوط. ذكر الخبر عن سبب ضربه وما كان من أمره في ذلك وكان السبب في ذلك أنه شهد عند أبي حسان الزياديّ قاضي الشرقية عليه أنه شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة، سبعة عشر رجلاً؛ شهاداتهم - فيما ذكر - مختلفة من هذا النحو؛ فكتب بذلك صاحب بريد بغداد إلى عبيد اللّه ابن يحيى بن خاقان، فأنهى عبيد اللّه ذلك إلى المتوكل، فأمر المتوكل أن يكتب إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر يأمره بضرب عيسى هذا بالسياط، فإذا مات رمى به في دجلة، ولم تدفع جيفته إلى أهله. فكتب عبيد اللّه إلى الحسن بن عثمان جواب كتابه إليه في عيسى: بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ أبقاك اللّه وحفظك، وأتّم نعمته عليك؛ وصل كتابك في الرّجل المسمّى عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب الخانات، وما شهد به الشهود عليه من شتم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولعنهم وإكفارهم، ورميهم بالكبائر، ونسبتهم إلى النفاق؛ وغير ذلك مما خرج به إلى المعاندة للّه ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم، وتثبّتك في أمر أؤلئك الشهود وما شهدوا به، وما صحّ عندك من عدالة من عدل منهم، ووضح لك من الأمر فيما شهدوا به، وشرحك ذلك في رقعة درج كتابك؛ فعرضت على أمير المؤمنين أعزّه اللّه ذلك؛ فأمر بالكتاب إلى أبي العباس محمد بن طاهر مولى أمير المؤمنين أبقاه اللّه بما قد نفذ إليه، مما يشبه ما عنده أبقاه اللّه، في نصرة دين اللّه، وإحياء سنّته، والانتقام ممن ألحد فيه، وأن يضرب الرجل حداً في مجمع الناس حد الشتم، وخمسمائة سوط بعد الحد للأمور العظام التي اجترأ عليها، فإن مات ألقى في الماء من غير صلاة ليكون ذلك ناهياً لكل ملحد في الدين، خارج من جماعة المسلمين؛ وأعلمتك ذلك لتعرفه إن شاء اللّه تعالى - والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته. وذكر أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم هذا - وقد قال بعضهم: إن اسمه أحمد بن محمد بن عاصم - لما ضرب ترك في الشمس حتى مات، ثم رمى به في دجلة. وفي هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة. وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدّوابّ والبقر. وفيها أغارت الروم على عين زربة، فأسرت من كان بها من الزّط؛ مع نسائهم وذراريّهم وجواميسهم وبقرهم. خبر الفداء بين المسلمين والروم في هذه السنةوفيها كان الفداء بين المسلمين والروم. ذكر الخبر عن السبب الذي كان ذلك من أجله ذكر أن تذورة صاحبة الروم أمّ ميخائيل، وجّهت رجلاً يقال له جورجس بن قريافس يطلب الفداء لمن في أيدي الروم من المسلمين، وكان المسلمون قد قاربوا عشرين ألفاً، فوجه المتوكل رجلاً من الشيعة يقال له نصر بن الأزهر بن فرج؛ ليعرف صحة من في أيدي الروم من أسارى المسلمين، ليأمر بمفاداتهم؛ وذلك في شعبان من هذه السنة بعد أن أقام عدهم حيناً. فذكر أن تذورة أمرت بعد خروج نصر بعرض من في إسارها من المسلمين على النصرانية؛ فمن تنصرّ منهم كان أسوة من تنصر قبل ذلك، ومن أبى قتله؛ فذكر أنها قتلت من الأسرى اثني عشر ألفاً؛ ويقال إن قنقلة الخصى كان يقتلهم من غير أمرها. ونفذ كتاب المتوكل إلى عمال الثغور الشامية والجزرية أن شنيفاً الخادم قد جرى بينه وبين جورجس رسول عظيم الروم في أمر الفداء قول، وقد اتفق الأمر بينهما، وسأل جورجس هذا هدنة لخمس ليال تخلو من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى سبع ليال بقين من شوال من هذه السنة، ليجمعوا الأسرى، ولتكون مدة لهم إلى انصرافهم إلى مأمنهم. فنفذ الكتاب بذلك يوم الأربعاء لخمس خلون من رجب؛ وكان الفداء يقع في يوم الفطر من هذه السنة. وخرج جورجس رسول ملكة الروم إلى ناحية الثغور يوم السبت لثمان بقين من رجب على سبعين بغلاً اكتريت له، وخرج معه أبو قحطبة المغربي الطرطوسي لينظروا وقت الفطر؛ وكان جورجس قدم معه جماعة من البطاركة وغلمانه بنحو من خمسين إنساناً، وخرج شنيف الخادم للفداء في النصف من شعبان، معه مائة فارس: ثلاثون من الأتراك، وثلاثون من المغاربة، وأربعون من فرسان الشاكرية؛ فسأل جعفر بن عبد الواحد - وهو قاضي القضاة - أن يؤذن له في حضور الفداء، وأن يستخلف رجلاً يقوم مقامه - فأذن له، وأمر له بمائة وخمسين ألفاً معونة وأرزاق ستين ألفاً؛ فاستخلف ابن أبي الشوارب - وهو يومئذ فتىً حدث السن - وخرج فلحق شنيفاً، وخرج أهل بغداد من أوساط الناس، فذكر أن الفداء وقع من بلاد الروم على نهر اللامس، يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان أسرى المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين إنساناً، ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة. وفي هذه السنة جعل المتوكل كورة شمشاط عشراً، ونقلهم من الخراج إلى العشر، وأخرج لهم بذلك كتاباً. ذكر غارة البجة على مصروفي هذه السنة غارت البجة على حرس من أرض مصر، فوجه المتوكل لحربهم محمد بن عبد اللّه القمّيّ. ذكر الخبر عن أمرهم وما آلت إليه حالهم ذكر أن البجة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة، قد ذكرناها فيما مضى قبل من كتابنا هذا؛ وهم جنس من أجناس الحبش بالمغرب، وبالمغرب من السودان - فيما ذكر - البجة وأهل غاتة الغافر وبينور ورعوين والفروية ويكسوم ومكاره أكرم والنوبة والحبش وفي بلاد البجة معادن من ذهب، فهم يقاسمون من يعمل فيها، ويؤدون إلى أعمال السلطان في مصر في كل سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تبر قبل أن يطبخ ويصفى. فلما كان أيام المتوكل امتنعت البجة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية فذكر أن المتوكل ولى بريد مصر رجلاً من خدمه يقال له يعقوب بن إبراهيم الباذغيسى مولى الهادي، وهو المعروف بقوصرة، وجعل إليه بريد مصر والإسكندرية وبرقة ونواحي المغرب، فكتب يعقوب إلى المتوكل أن البجة قد نقضت العهد الذي كان بينها وبين المسلمين وخرجت من بلادها إلى معادن الذهب والجوهر؛ وهي على التخوم فيما بين أرض مصر وبلاد البجة؛ فقتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن لهم في بلادهم، وأنهم لا يأذنون للمسلمين في دخولها؛ وأن ذلك أوحش جميع من كان يعمل في المعادن من المسلمين؛ فانصرفوا عنها خوفاً على أنفسهم وذرايتهم فانقطع بذلك ما كان يؤخذ للسلطان بحق الخمس من الذهب والفضة والجوهر الذي يستخرج من المعادن؛ فاشتد إنكار المتوكل لذلك وأحفظه، وشاور في أمر البجة، فأنهى إليه أنهم قوم أهل بدو وأصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لا يمكن أن يسلك إليهم الجيوش؛ لأنها مفاوز وصحارى، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر؛ في أرض قفر وجبال وعر، لا ماء فيها ولا زرع ولا معقل، ولا حصن؛ وأن من يدخلها من أولياء السلطان يحتاج أن يتزود لجميع المدة التي يتوهم أن يقيمها في بلادهم إلى أن يخرج إلى أرض الإسلام؛ فإن امتد به المقام حتى يتجاوز تلك المدة هلك وجميع من معه، وأخذتهم البجة بالأيدي دون المحاربة، وأن أرضهم لا ترد على السلطان شيئاً من خراج ولا غيره. فأمسك المتوكل عن التوجيه إليهم، وجعل أمرهم يتزيد، وجرأتهم على المسلمين تشتد حتى خاف أهل الصعيد من أرض مصر على أنفسهم وذراريهم منهم؛ فولى المتوكل محمد بن عبد الله المعروف بالقمى محاربتهم، وولاه معاون تلك الكور - وهي فقط والأقصر وإسنا وأرمنت وأسوان - وتقدم إليه في محاربة البجة؛ وأن يكاتب عنبسة بن إسحاق الضبي العامل على حرب مصر. وكتب إلى عنبسة بإعطائه جميه ما يحتاج إليه من الجند والشاكرية المقيمين بمصر. فأزاح عنبسة علته في ذلك، وخرج إلى أرض البجة، وانضم إليه جميع من كان يعمل في المعادن وقوم كثير من المتطوعة؛ فكانت عدة من معه نحواً من عشرين ألف إنسان؛ بين فارس وراجل، ووجه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعة مراكب موقرة بالدقيق والزيت والتمر والسويق والشعير، وأمر قوماً من أصحابه أن يلجوا بها في البحر حتى يوافوه في ساحل البحر من أرض البجة؛ فلم يزل محمد بن عبد الله القمى يسير في أرض البجة حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، وصار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم - واسمه على بابا واسم ابنه لعيسى - في جيش كثير وعدد أضعاف من كان مع القمى من الناس؛ وكانت البجة على إبلهم ومعهم الحراب وإبلهم فرةٌ تشبه بالمهارى في النجابة، فجعلوا يلتقون أياماً متوالية، فيتناوشون ولا يصححون المحاربة، وجعل ملك البجة يتطارد للقمى لكي تطول الأيام طمعاً في نفاذ الزاد والعلوفة التي معهم؛ فلا يكون لهم قوة، ويموتون هزلاً، فيأخذهم البجة بالأيدي. فلما توهم عظيم البجة أن الأزواد قد نفدت، أقبلت السبع المراكب التي حملها القمى حتى خرجت إلى ساحل من سواحل البحر في موضع يعرف بصنجة، فوجه القمى إلى هنالك جماعة من أصحابه يحمون المراكب من البجة، وفرق ما كان فيها على أصحابه، فاتسعوا في الزاد والعلوفة؛ فلما رأى ذلك على بابا رئيس البجة قصد لمحاربتهم، وجمع لهم، والتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ وكانت الإبل التي يحاربون عليها إبلاً زعرة، تكثر الفزع والرعب من كل شئ؛ فلما رأى ذلك القمى جمع أجراس الإبل والخيل التي كانت في عسكره كلها، فجعلها في أعناق الخيل، ثم حمل على البجة، ففرت إبلهم لأصوات الأجراس، واشتد رعبها فحملتهم على الجبال والأودية، فمزقتهم كل ممزق، واتبعهم القمى بأصحابه، فأخذهم قتلاً وأسراً حتى أدركه الليل؛ وذلك في أول سنة إحدى وأربعين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم؛ فلما أصبح القمى وجدهم قد جمعوا جمعاً من الرجالة، ثم صاروا إلى موضع أمنوا به فيه طلب القمى، فوافاهم القمى في الليل في خيله، فهرب ملكهم؛ فأخذ تاجه ومتاعه، ثم طلب على بابا الأمان على أن يرد إلى مملكته وبلاده، فأعطاه القمي ذلك، فأدى إليه الخراج للمدة التي كان منعها - وهي أربع سنين - لكل سنة أربعمائة مثقال، واستخلف على بابا على مملكته ابنه لعيس، وانصرف القمي بعلي بابا إلى باب المتوكل، فوصل إليه في آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكسا على بابا هذا دراعة ديباج وعمامة سوداء، وكسا جمله رحلا مدبجاً وجلال ديباج، ووقف بباب العامة مع قوم من البجة نحو من سبعين غلاماً على الإبل بالرحال، ومعهم الحراب في رءوس حرابهم رءوس القوم الذين قتلوا من عسكرهم؛ قتلهم القمي. فأمر المتوكل أن يقبضوا من القمى يوم الأضحى من سنة إحدى وأربعين ومائتين. وولى المتوكل البجة وطريق ما بين مصر ومكة سعداً الخادم الإيتاخي، فولى سعد محمد بن عبد الله القمى، فخرج القمى بعلي بابا؛ وهو مقيم على دينه؛ فذكر بعضهم أنه رأى معه صنماً من حجارة كهيئة الصبي يسجد له. ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة في جمادى الآخرة وحج بالناس في هذه السنة عبد الله محمد بن داود، وحج جعفربن دينار فيها، وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم. ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر أحداث الزلازل بالبلاد فما كان فيها من ذلك الزلازل الهائلة التي كانت بقومس ورساتيقها في شعبان؛ فتهدمت فيها الدور، ومات من الناس بها مما سقط عليهم من الحيطان وغيرها بشرٌ كثير؛ ذكر أنه بلغت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفساً؛ وكان عظيم ذلك بالدامغان. وذكر أنه كان بفارس وخراسان والشأم في هذه السنة زلازل وأصوات منكرة، وكان باليمن أيضاً مثل ذلك مع خسف بها. ذكر خروج الروم من ناحية شمشاطوفيها خرجت الروم من ناحية شمشاط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد، ثم خرجوا من الثغور الجزرية، فانتهوا عدة قرى، وأسروا نحواً من عشرة آلاف إنسان؛ وكان دخولهم من ناحية أبريق؛ قرية قربياس؛ ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، فخرج قربياس وعمر بن عبد الله الأقطع وقوم من المتطوعة في أثرهم، فلم يلحقوا منهم أحداً، فكتب إلى علي بن يحيى أن يسير إلى بلادهم شاتياً. وفيها قتل المتوكل عطارداً - رجلاً كان نصرانياً فأسلم - فمكث مسلماً سنين كثيرة ثم ارتد فاستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فضربت عنقه لليلتين خلتا من شوال، وأحرق بباب العامة. وفي هذه السنة مات أبو حسان الزيادي قاضي الشرقية في رجب. وفيها مات الحسن بن علي بن الجعد قاضي مدينة المنصور. وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي؛ وهو والي مكة. وحج فيها جعفر بن دينار وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كان شخوص المتوكل إلى دمشق لعشر بقين من ذي العقدة، فضحى ببلد؛ فقال يزيد بن محمد المهلبي حين خرج: أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق فإن تدع العراق وساكنيها ... فقد تبلى المليحة بالطلاق وفيها مات إبراهيم بن العباس، فولى ديوان الضياع الحسن بن مخلد بن الجراح، خليفة إبراهيم في شعبان، ومات هاشم بن ينجور في ذي الحجة. وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى وحج جعفر بن دينار، وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك دخول المتوكل دمشق في صفر؛ وكان من لدن شخص من سامراً إلى أن دخلها سبعة وتسعون يوماً - وقيل سبعة وسبعون يوماً - وعزم على المقام بها، ونقل دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها فتحرك الأتراك في أرزاقهم وأرزاق عيالاتهم، فأمر لهم بما أرضاهم به. ثم استوبأ البلد؛ وذلك أن الهواء بها بارد ندي والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر؛ فلا تزال تشتد حتى يمضي عامة الليل؛ وهي كثيرة البراغيث، وغلت فيها الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة. وفيها وجه المتوكل بغا من دمشق لغزو الروم في شهر ربيع الآخر، فغزا الصائفة، فافتتح صملة، وأقام المتوكل بدمشق شهرين وأياماً، ثم رجع إلى سامراً، فأخذ في منصرفه على الفرات، ثم عدل إلى الأنبار، ثم عدل من الأنبار على طريق الحرف إليها، فدخلها يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة. وفيها عقد المتوكل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار - فيما زعم بعضهم - والصواب عندي أنه عقد له على طريق مكة في سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وفيها أتى المتوكل - فيما ذكر - بحربة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى العنزة؛ ذكر أنها كانت للنجاشي ملك الحبشة، فوهبها للزبير بن العوام، فأهداها الزبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانت عند المؤذنين، وكان يمشي بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين؛ وكانت تركز بين يديه في الفناء فيصلى إليها فأمر المتوكل بحملها بين يديه؛ فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة، ويحمل حربته خليفة صاحب الشرطة. وفيها غضب المتوكل على بختيشوع، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين، فقال أعرابي: يا سخطةً جاءت على مقدار ... ثار له الليث على اقتدار منه وبختيشوع في اغترار ... لما سعى بالسادة الأقمار بالأمراء القادة الأبرار ... ولاة عهد السيد المختار وبالموالي وبني الأحرار ... رمى به في موحش القفار " بساحل البحرين للصغار " وفي هذه السنة اتفق عيد المسلمين الأضحى وشعانين النصارى وعيد الفطر لليهود. وحجّ بالناس فيها عبد الصمد بن موسى. ثم دخلت سنة خمسين وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر بناء الماحوزة ففيها أمر المتوكل ببناء الماحوزة، وسماها الجعفري، وأقطع القواد وأصحابه فيها، وجدّ في بنائها، وتحول إلى المحمدية ليتم أمر الماحوزة، وأمر بنقض القصر المختار والبديع، وحمل ساجهما إلى الجعفري، وأنفق عليها - فيما قيل - أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القراء فقرءوا، وحضر أصحاب الملاهي فوهب لهم ألفي ألف درهم؛ وكان يسميها هو وأصحابه الخاصة المتوكلية، وبنى فيها قصراً سماه لؤلؤة، لم ير مثله في علوه، وأمر بحفر نهر يأخذ رأسه خمسة فراسخ فوق الماحوزة من موضع يقال له كرمي يكون شرباً لما حولها من فوهة النهر إليها، وأمر بأخذ جبلتا والخصاصة العليا والسفلى وكرمى، وحمل أهلها على بيع منازلهم وأرضهم، فأجبروا على ذلك حتى تكون الأرض والمنازل في تلك القرى كلها له، ويخرجهم عنها، وقدّر للنهر من النفقة مائتي ألف دينار، وصيّر النفقة عليه إلى دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا في ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومائتين، وألقى في حفر النهر اثني عشر ألف رجل يعملون فيه؛ فلم يزل دليل يعتمل فيه، ويحمل المال بعد المال ويقسم عامته في الكتاب؛ حتى قتل المتوكل، فبطل النهر، وأخربت الجعفرية، ونقضت ولم يتم أمر النهر. وزلزلت في هذه السنة بلاد المغرب حتى تهدمت الحصون والمنازل والقناطر؛ فأمر المتوكل بتفرقة ثلاثة آلاف درهم في الذين أصيبوا بمنازلهم، وزلزل عسكر المهدي ببغداد فيها، وزلزلت المدائن. وبعث ملك الروم فيها بأسى من المسلمين؛ وبعث يسأل المفاداة بمن عنده؛ وكان الذي قدم من قبل صاحب الروم رسولاً إلى المتوكل شيخاً يدعى أطروبيليس معه سبعة وسبعون رجلاً من أسرى المسلمين، أهداهم ميخائيل بن توفيل ملك الروم إلى المتوكل، وكان قدومه عليه لخمس بقين من صفر من هذه السنة، فأنزل على شنيف الخادم. ثم وجه المتوكل نصر بن الأزهر الشيعي مع رسول صاحب الروم، فشخص في هذه السنة، ولم يقع الفداء إلا في سنة ست وأربعين. وذكر أنه كانت في هذه السنة بأنطاكية زلزلة ورجفة في شوال، قتلت خلفاً كثيراً، وسقط منها ألف وخمسمائة دار، وسقط من سورها نيف وتسعون برجاً، وسمعوا أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفها من كوى المنازل، وهرب ألها إلى الصحارى، وتقطع جبلها الأقرع، وسقط في البحر؛ فهاج البحر في ذلك اليوم؛ وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدرى أين ذهب. وسمع فيها - فيما قيل - أهل تنيس في مصر ضجة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير. وفيها زلزلت بالس والرقة وحران ورأس عين وحمص ودمشق والرها وطرسوس والمصيصة وأذنة وسواحل الشأم. ورجفت اللاذقية، فما بقي منها منزل، ولا أفلت من أهلها إلا اليسير، وذهبت جبلة بأهلها. وفيها غارت مشاش - عين مكة - حتى بلغ ثمن القربة بمكة ثمانين درهماً، فبعثت أم المتوكل فأنفقت عليها. وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل وسوار بن عبد الله وهلال الرازي. ذكر الخبر عن هلاك نجاح بن سلمةوفيها هلك نجاح بن سلمة. ذكر الخبر عن سبب هلاكه حدّثني الحارث بن أبي أسامة ببعض ما أنا ذاكره من أخباره وببعض ذلك غيره؛ أن نجاح بن سلمة كان على ديوان التوقيع والتتبع على العمال، وكان قبل ذلك كاتب إبراهيم بن رباح الجوهري؛ وكان على الضياع؛ فكان جميع العمال يتقونه ويقضون حوائجه؛ ولا يقدرون على منعه من شيء يريده؛ وكان المتوكل ربما نادمه، وكان انقطاع الحسن بن مخلد وموسى بن عبد الملك إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وهو وزير المتوكل؛ وكانا يحملان إليه كل ما يأمرهما به، وكان الحسن بن مخلد على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج؛ فكتب نجاح بن سلمة رقعة إلى المتوكل في الحسن وموسى يذكر أنهما قد خانا وقصرّا فيما هما بسبيله؛ وأنه يستخرج منهما أربعين ألف ألف درهم؛ فأدناه المتوكل وشاربه تلك العشية، وقال: يا نجاح؛ خذل الله من يخذلك، فبكر إلي غداً حتى أدفعهما إليك؛ فغدا وقد رتب أصحابه، وقال: يا فلان خذ أنت الحسن، ويا فلان خذ أنت موسى؛ فغذا نجاح إلى المتوكل، فلقي عبيد الله، وقد أمر عبيد الله أن يحجب نجاح عن المتوكل؛ فقال له: يا أبا الفضل، انصرف حتى ننظر وتنظر في هذا الأمر؛ وأنا أشير عليك بأمرٍ لك فيه صلاح؛ قال: وما هو؟ قال: أصلح بينك وبينهما؛ وتكتب رقعة تذكر فيها أنك شارباً، وأنك تكلمت بأشياء تحتاج إلى معاودة النظر فيها، وأنا أصلح الأمر عند أمير المؤمنين؛ فلم يزل يخدعه حتى كتب رقعة بما أمره به، فأدخلها على المتوكل، وقال: يا أمير المؤمنين قد رجع نجاح عمّا قال البارحة؛ وهذه رقعة موسى والحسن يتقبلان به بما كتبا؛ فتأخذ ما ضمنا عنه، ثم تعطف عليهما، فتأخذ منهما قريباً مما ضمن لك عنهما. فسر المتوكل، وطمع فيما قال له عبيد الله، فقال: ادفعه إليهما؛ فانصرفا به؛ وأمرا بأخذ قلنسوته عن رأسه وكانت خزاّ، فوجد البرد، فقال: ويحك يا حسن! قد وجدت البرد؛ فأمر بوضع قلنسوته على رأسه، وصار به موسى إلى ديوان الخراج، ووجها إلى ابنيه أبي الفرج وأبي محمد، فأخذ أبو الفرج وهرب أبو محمد، ابن بنت حسن بن شنيف، وأخذ كاتبه إسحاق بن سعد بن مسعود القطربلي وعبد الله بن مخلد المعروف بابن البواب - وكان انقطاعه إلى نجاح - فأقر لهما نجاح وابنه بنحو من مائة وأربعين ألف دينار سوى قيمة قصورهما وفرشهما ومستغلاتهما بسامرا وبغداد، وسوى ضياع لهما كثيرة، فأمر بفبض ذلك كله، وضرب مراراً بالمقارع في غير موضع الضرب نحواً من مائتي مقرعة، وغُمز وخُنق، خنقه موسى الفران والمعلوف. فأما الحارث فإنه قال: عصر خصيتيه حتى مات؛ فأصبح ميتاً يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة من هذه السنة، فأمر بغسله ودفنه، فدفن ليلاً؛ وضرب ابنه محمد وعبد الله بن مخلد وإسحاق بن سعد نحواً من خمسين خمسين، فأقر إسحاق بخمسين ألف دينار، وأقرّ عبد الله بن مخلد بخمسة عشر ألف دينار - وقيل عشرين ألف دينار. وكان ابنه أحمد ابن بنت حسن قد هرب فظفر به بعد موت نجاح، فحبس في الديوان، وأخذ جميع ما في دار نجاح وابنه أبي الفرج من متاع، وقبضت دورهما وضياعهما حيث كانت وأخرجت عيالهما، وأخذ وكيله بناحية السواد؛ وهو ابن عياش، فأقر بعشرين ألف دينار. وبعث إلى مكة في طلب الحسن بن سهل بن نوح الأهوازي وحسن بن يعقوب البغدادي، وأخذ بسببه قوم فحبسوا. وقد ذكر في سبب هلاكه غير ما قد ذكرناه، ذكر أنه كان يضاد عبيد الله بن يحيى بن خاقان - وكان عبيد الله متمكناً من المتوكل، وإليه الوزارة وعامة أعماله؛ وإلى نجاح توقيع العامة - فلما عزم المتوكل على بناء الجعفري قال له نجاح - وكان في الندماء - يا أمير المؤمنين؛ أسمى لك قوماً تدفعهم إليّ حتى أستخرج لك منهم أموالاً تبني بها مدينتك هذه؛ إنه يلزمك من الأموال في بنائها ما يعظم قدره، ويجل ذكره. فقال له: سمّهم، فرفع رقعة يذكر فيها موسى بن عبد الملك وعيسى بن فرّخانشاه خليفة الحسن بن مخلد، والحسن بن مخلد وزيدان بن إبراهيم، خليفة موسى بن عبد الملك، وعبيد الله بن يحيى وأخويه: عبد الله بن يحيى وزكرياء، وميمون بن إبراهيم ومحمد بن موسى المنجم وأخاه أحمد بن موسى؛ وعلي بن يحيى بن أبي منصور وجعفراً المعلوف مستخرج ديوان الخراج وغيرهم نحواً من عشرين رجلاً؛ فوقع ذلك من المتوكل موقعاً أعجبه، وقال له: اغد غدوةً، فلما أصبح لم يشك في ذلك. وناظر عبيد الله بن يحيى المتوكل، فقال له: يا أمير المؤمنين، أراد ألا يدع كاتباً ولا قائداً إلا أوقع بهم؛ فمن يقوم بالأعمال يا أمير المؤمنين! وغدا نجاح؛ فأجلسه عبيد الله في مجلسه، ولم يؤذن له، وأحضر موسى بن عبد الملك والحسن بن مخلد، فقال لهما عبيد الله: إنه إ دخل إلى أمير المؤمنين دفعكما إليه فقتلكما وأخذ ما تملكان؛ ولكن اكتبانّ إلى أمير المؤمنين رقعة تقبّلان به فيها بألفي دينار؛ فكتبا رقعة بخطوطهما، وأوصلها عبيد الله بن يحيى، وجعل يختلف بين أمير المؤمنين ونجاح وموسى بن عبد الملك والسحن بن مخلد؛ فلم يزل يدخل ويخرج ويعين موسى والحسن؛ ثم أدخلهما على المتوكل، فضمنا ذلك؛ وخرج معهما فدفعه إليهما جميعاً؛ والناس جميعاً الخواص والعوام؛ وهما لا يشكان أنهما وعبيد الله بن يحيى مدفوعون إلى نجاح؛ للكلام الذي دار بينه وبين المتوكل، فأخذاه، وتولى تعذيبه موسى بن عبد الملك، فحبسه في ديوان الخراج بسامرا، وضربه درراً وأمر المتوكل بكاتبه إسحاق بن سعد - وكان يتولى خاص أموره وأمر ضياع بعض الولد - أن يغرم واحداً وخمسين ألف دينار، وحلّف على ذلك، وقال: إنه أخذ مني في أيام الواثق وهو يخلف عن عمر بن فرج خمسين ديناراً؛ حتى أطلق أرزاقي، فخذوا لكل دينار ألفاً وزيادة ألف فضلاً كما أخذ فضلاً. فحبس ونجّم عليه في ثلاثة أنجم؛ ولم يطلق حتى أدى تعجيل سبعة عشر ألف دينار، وأطلق بعد أن أخذ منه كفلاء بالباقي، وأخذ عبد الله بن مخلد، فأغرم سبعة عشر ألف دينار. ووجه عبيد الله الحسين بن إسماعيل - وكان أحد حجاب المتوكل - وعتاب ابن عتاب عن رسالة المتوكل أن يضرب نجاح خمسين مقرعة إن هو لم يقر ويؤد ما وُصف عليه، فضربه ثم عاوده في اليوم الثاني بمثل ذلك، ثم عاوده في اليوم الثالث بمثل ذلك؛ فقال: أبلغ أمير المؤمنين أني ميت. وأمر موسى بن عبد الملك جعفراً المعلوف ومعه عونان من أعوان ديوان الخراج، فعصروا مذاكيره حتى برد فمات. وأصبح فركب إلى المتوكل فأخبره بما حدث من وفاة نجاح، فقال لهما المتوكل: إني أريد مالي الذي ضمنتاه، فاحتالاه، فقبضا من أمواله وأموال ولده جملة، وحبسا أبا الفرج - وكان على ديوان زمام الضياع من قبل أبي صالح بن يزداد - وقبضا أمتعته كلها وجميع ملكه، وكتبا على ضياعه لأمير المؤمنين، وأخذا ما أخذا من أصحابه؛ فكان المتوكل كثيراً ما يقول لهما كلما شرب: ردّوا علي كاتبي؛ وإلا فهاتوا المال؛ وضمّ توقيع ديوان العامة إلى عبيد الله بن يحيى، فاستخلف عليه يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، ابن عمه، ومكث موسى بن عبد الملك والحسن بن مخلد على ذلك يطالبهما المتوكل بالأموال التي ضمناها من قبل نجاح؛ فما أتى على ذلك إلا يسيراً حتى ركب موسى بن عبد الملك يشيع المنتصر من الجعفري. وهو يريد سامرا إلى منزله الذي ينزله بالجوسق؛ فبلغه معه ساعة، ثم انصرف راجعاً؛ فبينا هو يسير إذ صاح بمن معه: خذوني، فبدروه فسقط على أيديهم مفلوجاً، فحمل إلى منزله، فمكث يومه وليلته، ثم توفي، فصيّر على ديوان الخراج أيضاً عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فاستخلف عليه أحمد بن إسرائيل كاتب المعتز؛ وكان أيضاً خليفته على كتابة المعتز فقال القصافي: ما كان يخشى نجاحٌ صولة الزمن ... حتى أديل لموسى منه والحسن غدا على نعم الأحرار يسلبها ... فراح وهو سليب المال والبدن وفيها ضرب بختيشوع المتطبب مائة وخمسين مقرعة، وأثقل بالحديد، وحبس في المطبق في رجب. غارة الروم على سميساطوفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوا وسبوا نحواً من خمسمائة. وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليها ثلاثين يوماً، فبعث ملك الروم إليهم بطريقاً يضمن لكل رجل منهم ألف دينار، على أن يسلموا إليه لؤلؤة، فأصعدوه إليهم ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوا، فسلموا لؤلوة والبطريق إلى بلكاجور في ذي الحجة؛ وكان البطريق الذي كان صاحب الروم وجهه إليهم يقال له لغثيط، فلما دفعه أهل لؤلؤة إلى بلكاجور. وقيل إن علي بن يحيى الأرمني حمله إلى المتوكل إلى الفتح بن خاقان، فعرض عليه الإسلام فأبى، فقالوا: نقتلك، فقال: أنتم أعلم؛ وكتب ملك الروم يبذل مكانه ألف رجل من المسلمين. وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهو يعرف بالزيني؛ وهو والي مكة. وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم فيها يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع عشرة ليلة خلت من حزيران ولثمان وعشرين من أرديوهشت ماه، فقال البحتري الطائي: إن يوم النيروز عاد إلى العه ... د الذي كان سنه أردشير ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فم ذلك غزو عمر بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة آلاف رأس. وغزوة قربياس، فأخرج خمسة آلاف رأس، وغزو الفضل بن قارن بحراً في عشرين مركباً؛ فافتتح حصن أنطاكية. وغزوة بلكاجور فغنم وسبى. وغزو علي بن يحيى الأرمني الصائفة، فأخرج خمسة آلاف رأس ومن الدواب والرمك والحمير نحواً من عشرة آلاف. وفيها تحول المتوكل إلى المدينة التي بناها الماحوزة، فنزلها يوم عاشوراء من هذه السنة. ذكر خبر الفداء بين الروم والمسلمين في هذه السنةوفيها كان الفداء في صفر على يدي علي بن يحيى الأرمني، بألفين وثلثمائة وسبعة وستين نفساً. وقال بعضهم: لم يتم الفداء في هذه السنة إلا في جمادى الأولى. وذكر عن نصر بن الأزهر الشيعي - وكان رسول المتوكل إلى ملك الروم في أمر الفداء - أنه قال: لما صرت إلى القسطنطينية حضرت دار ميخائيل الملك بسوادي وسيفي وخنجري وقلنسوتي، فجرت بيني وبين خال الملك بطرناس المناظرة - وهو القيّم بشأن الملك - وأبوا أن يدخلوني بسيفي وسوادي، فقلت: أنصرف، فانصرفت فرددت من الطريق ومعي الهدايا نحو من ألف نافجة مسك وثيابٌ حريرٌ وزعفران كثير وطرائف؛ وقد كان أذن لوفود برجان وغيرهم ممن ورد عليه، وحّملت الهدايا التي معي، فدخلت عليه؛ فإذا هو على سرير فوق سرير، وإذا البطارقة حوله قيام، فسلمت ثم جلست على طرف السرير الكبير، وقد هيئ لي مجلس، ووضعت الهدايا بين يديه، وبين يديه ثلاثة تراجمة: غلام فراش كان لمسرور الخادم، وغلام لعباس بن سعيد الجوهري، وترجمان له قديم يقال له سرحون؛ فقالوا لي: ما نبلغه؟ قلت: لا تزيدون على ما أقول لكم شيئاً؛ فأقبلوا يترجمون ما أقول، فقبل الهدايا ولم يأمر لأحد منها بشيء، وقربني وأكرمني، وهيأ لي منزلاً بقربه؛ فخرجت فنزلت في منزلي، وأتاه أهل لؤلؤة برغبتهم في النصرانية، وأنهم معه، ووجهوا برجلين ممن فيها رهينة من المسلمين. قال: فتغافل عني نحواً من أربعة أشهر؛ حتى أتاه كتاب مخالفة أهل لؤلؤة، وأخذهم رسله واستيلاء العرب عليها؛ فراجعوا مخاطبتي، وانقطع الأمر بيني وبينهم في الفداء؛ على أن يعطوا جميع من عندهم وأعطي جميع من عندي؛ وكانوا أكثر من ألف قليلاً؛ وكان جميع الأسرى الذين في أيديهم أكثر من ألفين؛ منهم عشرون امرأة؛ معهن عشرة من الصبيان، فأجابوني إلى المخالفة؛ فاستحلفت خاله، فحلف عن ميخائيل، فقلت: أيها الملك قد حلف لي خالك؛ فهذه اليمين لازمة لك؟ فقال برأسه : نعم، ولم أسمعه يتكلم بكلمة مذ دخلت بلاد الروم إلى أن خرجت منها، إنما يقول الترجمان وهو يسمع، فيقول برأسه: نعم أو لا، وليس يتكلم وخاله المدبر أمره، ثم خرجت من عنده بالأسرى بأحسن حال؛ حتى إذا جئنا موضع الفداء أطلقنا هؤلاء جملة وهؤلاء جملة؛ وكان عداد من صار في أيدينا من المسلمين أكثر من ألفين منهم عدة ممن كان تنصر وصار في أيديهم أكثر من ألف قليلاً؛ وكان قوم تنصروا؛ فقال لهم ملك الروم: لا أقبل منكم حتى تبلغوا موضع الفداء، فمن أراد أن أقبله في النصرانية فليرجع من موضع الفداء؛ وإلا فليضمن ويمض مع أصحابه؛ وأكثر من تنصر أهل المغرب، وأكثر من تنصر بالقسطنطينية؛ وكان هنالك صائغان قد تنصرا، فكانا يحسنان إلى الأسرى؛ فلم يبق في بلاد الروم من المسلمين ممن ظهر عليه الملك إلا سبعة نفر، خمسة أتى بهم من سلقية، أعطيت فداءهم على أن يوجه بهم سلقية، ورجلان كانا من رهائن لؤلؤة، فتركتهما، " و " قلت: اقتلوهما، فإنهما رغبا في النصرانية. ومطر أهل بغداد في هذه السنة واحداً وعشرين يوماً في شعبان ورمضان؛ حتى نبت العشب فوق الأجاجير. وصلى المتوكل فيها صلاة الفطر بالجعفرية، وصلى عبد الصمد بن موسى في مسجد جامعها، ولم يصل بسامرا أحد. وورد فيها الخبر أن سكة بناحية بلخ تنسب إلى الدهاقين مطرت دماً عبيطاً. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي. وحج فيها محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فولى أعمال الموسم. وضحى أهل سامراً فيها يوم الاثنين على الرؤية وأهل مكة يوم الثلاثاء. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الخبر عن مقتل المتوكل فما كان فيها من ذلك مقتل المتوكل. ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف قتل قال أبو جعفر: ذكر لي أن سبب ذلك كان أن المتوكل كان أمر بإنشاء الكتب ضياع وصيف بأصبهان والجبل وإقطاعهما الفتح بن خاقان؛ فكتبت الكتب بذلك، وصارت إلى الخاتم على أن تنفذ يوم الخميس لخمس خلون من شعبان فبلغ ذلك وصيفاً، واستقر عنده الذي أمر به في أمره؛ وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس يوم الجمعة في شهر رمضان في آخر جمعة منه؛ وكان قد شاع في الناس في أول رمضان أن أمير المؤمنين يصلي في آخر جمعة من الشهر بالناس، فاجتمع الناس لذلك واحتشدوا وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا هو ركب. فلما كان يوم الجمعة أراد الركوب للصلاة، فقال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين، إنّ الناس قد اجتمعوا وكثروا؛ من أهل بيتك وغيرهم؛ وبعض متظلم وبعض طالب حاجة؛ وأمير المؤمنين يشكو ضيق الصدر ووعكة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة، ونكون معه جميعاً فليفعل. فقال: قد رأيت ما رأيتما؛ فأمر المنتصر بالصلاة، فلما نهض المنتصر ليركب للصلاة قالا: يا أمير المؤمنين؛ قد رأينا رأياً؛ وأمير المؤمنين أعلى عيناً، قال: وما هو؟ اعرضاه علي، قالا: يا أمير المؤمنين، مر أبا عبد الله المعتز بالله الصلاة لتشرفه بذلك في هذا اليوم الشريف؛ فقد اجتمع أهل بيته؛ والناس جميعاً فقد بلغ الله به. قال: وقد كان ولد للمعتز قبل ذلك بيوم؛ فأمر المعتز، فركب وصلى بالناس، فأقام المنتصر في منزله - وكان بالجعفرية - وكان ذلك مما زاد في إغرائه؛ فلما فرغ المعتز من خطبته قام إليه عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان، فقبلا يديه ورجليه، وفرغ المعتز من الصلاة، فانصرف وانصرفا معه؛ ومعهم الناس في موكب الخلافة، والعالم بين يديه؛ حتى دخل على أبيه وهما معه؛ ودخل معه داود بن محمد بن أبي العباس الطوسي، فقال داود: يا أمير المؤمنين، ائذن لي فأتكلم، قال: قل، والله يا أمير المؤمنين؛ لقد رأيت الأمين والمأمون ورأيت المعتصم صلوات الله عليهم، ورأيت الواثق بالله؛ فوالله ما رأيت رجلاً على منبر أحسن قواماً، ولا أحسن بديهاً، ولا أجهر صوتاً، ولا أعذب لساناً، ولا أخطب من المعتز بالله، أعزه الله يا أمير المؤمنين ببقائك، وأمتعك الله وإيانا بحياته! فقال له المتوكل: أسمعك الله خيراً، وأمتعنا بك؛ فلما كان يوم الأحد؛ وذلك يوم الفطر وجد المتوكل فترة، فقال: مروا المنتصر فليصل بالناس، فقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان: يا أمير المؤمنين؛ قد كان الناس تطلعوا إلى رؤية أمير المؤمنين في يوم الجمعة فاجتمعوا واحتشدوا، فلم يركب أمير المؤمنين؛ ولا نأمن إن هو لم يركب أن يرجف الناس بعلته، ويتكلموا في أمره؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء ويكبت الأعداء بركوبه فعل. فأمرهم بالتأهب والتهيؤ لركوبه؛ فركب فصلى بالناس وانصرف إلى منزله، فأقام يومه ذلك ومن الغد لم يدع بأحد من ندمائه. وذكر أنه ركب يوم الفطر؛ وقد ضربت له المصاف نحواً من أربعة أميال، وترجل بين يديه، فصلى بالناس، ورجع إلى قصره، فأخذ حفنةً من تراب، فوضعها على رأسه، فقيل له في ذلك، فقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتواضع لله عز وجل؛ فلما كان من غد يوم الفطر لم يدع بأحد من ندمائه؛ فلما كان يوم الثالث وهو يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال - أصبح نشيطاً فرحاً مسروراً، فقال: كأني أجد مس الدم، فقال الطيفوري وابن الأبرش - وهما طبيباه: يا أمير المؤمنين، عزم الله لك على الخير؛ افعل، ففعل؛ واشتهى لحم جزور، فأمر به فأحضر بين يديه، فاتخذه بيده. وذكر عن ابن الحفصي المغني أنه كان حاضر المجلس، قال ابن الحفصي: وما كان أحدٌ ممن يأكل " بين يديه " حاضراً غيري وغير عثعث وزنام وبنان غلام أحمد بن يحيى بن معاذ؛ فإنه جاء مع المتنصر. قال: وكان المتوكل والفتح بن خاقان يأكلان معاً، ونحن في ناحية بإزائهم والندماء مفترقون في حجرهم؛ لم يدع بأحد منهم بعد. قال ابن الحفصي: فالتفت إلي أمير المؤمنين، فقال: كل أنت وعثعث بين يدي. ويأكل معكما نصر بن سعيد الجهبذ؛ قال: فقلت: يا سيدي، نصر والله يأكلني، فكيف ما يوضع بين أيدينا! فقال: كلوا بحياتي؛ فأكلنا ثم علقنا أيدينا بحذائه. قال: فالتفت أمير المؤمنين التفاتةً، فنظر إلينا معلقي الأيدي، فقال: مالكم لا تأكلون؟ قلت: يا سيدي، قد نفذ ما بين أيدينا؛ فأمر أن يزاد، فغرف لنا من بين يديه. قال ابن الحفصي: ولم يكن أمير المؤمنين في يوم من الأيام أسر منه في ذلك اليوم. قال: وأخذ مجلسه، ودعا بالندماء والمغنين فحضروا، وأهدت إليه قبيحة أم المعتز مطرف خز أخضر؛ لم ير الناس مثله حسناً، فنظر إليه فأطال النظر، فاستحسنه وكثر تعجبه منه، وأمر به فقطع نصفين، وأمر برده عليها، ثم قال لرسولها: أذكرتني به، ثم قال: والله إن نفسي لتحدثني أني لا ألبسه، وما أحب أن يلبسه أحد بعدي، وإنما أمرت بشقه لئلا يلبسه أحد بعدي، فقلنا له: يا سيدنا، هذا يوم سرور يا أمير المؤمنين نعيذك بالله أن تقول هذا يا سيدنا، قال: وأخذ في الشراب واللهو، ولهج بأن يقول: أنا والله مفارفكم عن قليل، قال: فلم يزل في لهوه وسروره إلى الليل . وذكر بعضهم أن المتوكل عزم هو والفتح أن يصيرا غداءهما عند عبد الله بن عمر البازيار يوم الخميس لخمس ليال خلون من شوال؛ على أن يفتك بالمنتصر؛ ويقتل وصيفاً وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ووجوههم؛ فكثر عبثه يوم الثلاثاء قبل ذلك بيوم - فيما ذكر ابن الحفصي - بابنه المنتصر مرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرةً يتهدده بالقتل . فذكر عن هارون بن محمد بن سليمان الهاشمي أنه قال: حدثني بعض من كان في الستارة من النساء، أنه التفت إلى الفتح، فقال له: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم تلطمه - يعني المنتصر - فقام الفتح ولطمه مرتين؛ يمر يده على قفاه، ثم قال المتوكل لمن حضر: اشهدوا جميعاً أني قد خلعت المستعجل - المنتصر - ثم التفت إليه، فقال: سميتك المنتصر، فسماك الناس لحمقك المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين، لو أمرت بضرب عنقي كان أسهل علي مما تفعله بي، فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بناناً غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، فلما خرج وضعت المائدة بين يدي المتوكل، وجعل يأكلها ويلقم وهو سكران. وذكر عن ابن الحفصي أن المنتصر لما خرج إلى حجرته أخذ بيد زرافة، فقال له: امض معي، فقال: يا سيدي؛ إن أمير المؤمنين لم يقم، فقال: إن أمير المؤمنين قد أخذه النبيذ، والساعة يخرج بغا والندماء؛ وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلي، فإن أوتامش سألني أن أزوج ابنه من ابنتك، وابنك من ابنته، فقال له زرافة، نحن عبيدك يا سيدي، فمرنا بأمرك. وأخذ المنتصر بيده وانصرف به معه. قال: وكان زرافة قد قال لي قبل ذلك: ارفق بنفسك، فإن أمير المؤمنين سكران والساعة يفيق، وقد دعاني تمرة، وسألني أن أسألك أن تصير إليه فنصير جميعاً إلى حجرته. قال: فقلت له: أنا أتقدمك إليه، قال ومضى زرافة مع المنتصر إلى حجرته. فذكر بنان غلام أحمد بن يحيى أن المنتصر قال له: قد أملكت ابن زرافة من ابنة أوتامش وابن أوتامش من ابنة زرافة؟ قال بنان: فقلت للمنتصر: يا سيدي، فأين النثار فهو يحسن الإملاك؟ فقال: غداً إن شاء الله؛ فإن الليل قد مضى. قال: وانصرف زرافة إلى حجرة تمرة، فلما دخل دعا بالطعام فأتي يه، فما أكل إلا أيسر ذلك حتى سمعنا الضجة والصراخ؛ فقمنا، فقال بنان: فما هو إلا أن خرج زرافة من منزل تمرة؛ إذا بغا استقبل المنتصر، فقال المنتصر: ما هذه الضجة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين، قال: ما تقول، ويلك! قال: أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين! كان عبداً لله دعاه فأجابه، قال: فجلس المنتصر؛ وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوكل والمجلس، فأغلق وأغلقت الأبواب كلها، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل. وذكر عن عثعث أنّ المتوكل دعا بالمائدة بعد قيام المنتصر وخروجه ومعه زرافة، وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائماً عند الستر؛ وذلك اليوم كان نوبة بغا الكبير في الدار؛ وكان خليفته في الدار ابنه مسعود - وموسى هذا هو ابن خالة المتوكل، وبغا الكبير يومئذ بسميساط - فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، وأمير المؤمنين لم يرتفع، فقال له بغا: إن أمير المؤمنين أمرني إذا جاوز السبعة ألا أترك في المجلس أحداً، وقد شرب أربعة عشر رطلاً، فكره الفتح قيامهم، فقال له بغا: إن حرم أمير المؤمنين خلف الستارة، وقد سكر، فقوموا جميعاً، فلم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصة؛ منهم شفيع وفرج الصغير ومؤنس وأبو عيسى مارد المحرزي. قال: ووضع الطباخ المائدة بيت يدي المتوكل، فجعل يأكل ويلفم، ويقول لمارد: كل معي حتى أكل بعض طعامه وهو سكران، ثم شرب أيضاً بعد ذلك. فذكر عثعث أن أبا أحمد بن المتوكل أخا المؤيد لأمه - كان معهم في المجلس فقال إلى الخلاء، وقد كان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلها غير باب الشط، ومنه دخل القوم الذي عينوا لقتله، فبصر بهم أبو أحمد، فصاح بهم: ما هذا يا سفل! وإذا بسيوف مسللة، قال: وقد كان تقدم النفر الذين تولوا قتله بغلو التركي وباغر وموسى بن بغا وهارون بن صوارتكين وبغا الشرابي؛ فلما سمع المتوكل صوت أبي أحمد رفع رأسه، فرأى القوم، فقال: يا بغا، ما هذا؟ قال: هؤلاء رجال النوبة التي تبيت على باب سيدي أمير المؤمنين، فرجع القوم ورائهم عند كلام المتوكل لبغا؛ ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم بعد. قال عثعث: فسمعت بغا يقول لهم: يا سفل، أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كراماً؛ فرجع القوم إلى المجلس، فابتدره بغلون فضربه ضربةً على كتفه وأذنه فقده، فقال: مهلاً قطع اللّه يدك! ثم قام وأراد الوثوب به، فاستقبله بيده فأبانها، وشركه باغر، فقال الفتح: ويلكم، أمير المؤمنين! فقال بغا: يا تسكت! فرمى الفتح بنفسه على المتوكل، فبجعه هارون بسيفه، فصاح: الموت! واعتوره هارون وموسى بن بغا بأسيافهما، فقتلاه وقطعاه، وأصابت عثعث ضربة في رأسه. وكان مع المتوكل خادم صغير، فدخل تحت الستارة، فنجا، وتهارب الباقون. قال: وقد كانوا قالوا لوصيف في وقت ما جاءوا إليه: كن معنا فإنا نتخوف ألا يتم ما نريد فنقتل، فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: فأرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحاً، وأحمد، وعبد اللّه، ونصراً، وعبيد اللّه؛ حتى صاروا إلى ما أرادوا. وذكر عن زرقان خليفة زرافة على البوابين وغيرهم أن المنتصر لما أخذ بيد زرافة فأخرجه من الدار ودخل القوم، نظر إليهم عثعث، فقال المتوكل: قد فرغنا من الأسد والحيات والعقارب، وصرنا إلى السيوف؛ وذلك أنه كان ربما أشلى الحية والعقرب أو الأسد؛ فلما ذكر عثعث السيوف، قال له: ويلك! أي شئ تقول؟ فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه، فقام الفتح في وجوههم، فقال لهم: يا كلاب؛ وراءكم وراءكم! فبدر إليه بغا الشرابي، فبعج بطنه بالسيف، وبدر الباقون إلى المتوكل، وهرب عثعث على وجهه. وكان أبو أحمد في حجرته، فلما سمع الضجة خرج فوقع على أبيه، فبادره بغلون فضربه ضربتين؛ فلما رأى السيوف تأخذه خرج وتركهم، وخرج القوم إلى المنتصر، فسلموا عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا على رأس زراقة بالسيوف، فقالوا له: بايع، فبايعه. وأرسل المنتصر إلى وصيف: إن الفتح قتل أبي، فقتله، فاحضر في وجوه أصحابك. فحضر وصيف وأصحابه فبايعوا. قال: وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته لا يعلم بشيء من أمر القوم ينفذ الأمور. وقد ذكر أن امرأة من نساء الأتراك ألقت رقعة تخبر ما عزم عليه القوم. فوصلت الرقعة إلى عبيد الله، فشاور الفتح فيها؛ وكان ذلك وقع إلى أبي نوح عيسى بن إبراهيم كاتب الفتح بن خاقان، فأنهاه إلى الفتح، فاتفق رأيهم على كتمان المتوكل لما رأوا من سروره؛ فكرهوا أن ينغصوا عليه يومه؛ وهان عليهم أمر القوم، وثقوا بأن ذلك لا يجسر عليه أحد ولا يقدر. فذكر أن أبا نوح احتال في الهرب من ليلته، وعبيد الله جالس في عمله ينفذ الأمور، وبين يديه جعفر بن حامد، إذا طلع عليه بعض الخدم، فقال: يا سيدي، ما يجلسك؟ قال: وما ذاك! قال: الدار سيف واحد، فأمر جعفراً بالخروج، فخرج وعاد؛ فأخبره أن أمير المؤمنين والفتح قد قتلا فخرج فيمن معه من خدمه وخاصته، فأخبر أن الأبواب مغلقة، فأخذ نحو الشط، فإذا أبوابه أيضاً مغلقة، فأمر بكسر ما كان مما يلي الشط، فكسرت ثلاثة أبواب حتى خرج إلى الشط، فصار إلى زورق، فقعد فيه ومعه جعفر بن حامد، وغلام له، فصار إلى منزل المعتز، فسأل عنه فلم يصادفه؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قتلني وقتل نفسه، وتلهف عليه، واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الأربعاء من الأباء والعجم والأرمن والزواقيل والأعراب والصعاليك وغيرهم " وقد اختلف في عدتهم " فقال بعضهم: كانوا زهاء عشرين ألف فارس وقال آخرون: كان معه ثلاثة عشر ألف رجل، وقال آخرون: كان معه ثلاثة عشر ألف لجام، وقال المقللون: ما بين الخمسة آلاف إلى العشرة آلاف؛ فقالوا له إنما كنت تصطنعنا لهذا اليوم، فأمر بأمرك، وأذن لنا نمل على القوم ميلة؛ نقتل المنتصر ومن معه من الأتراك وغيرهم. فأبى ذلك وقال: ليس في هذا حيلة، والرجل في أيديهم - يعني المعتز. وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتاباً من كتب الملاحم، فوقفت على موضع من الكتاب فيه: إن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقف عن قراءته وقطعته، فقال لي: ما لك قد وقفت! قلت: خير، قال: لا بد والله من أن تقرأه، فقرأته وحدت عن ذكر الخلفاء؛ فقال المتوكل: ليت شعري من هذا الشقي المقتول! وذكر عن سلمة بن سعيد النصراني أن المتوكل رأى أشوط بن حمزة الأرمني قبل قتله بأيام، فتأفف برؤيته، وأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين؛ أليس قد كنت تحب خدمته؟ قال: بلى، ولكن رأيت في المام منذ ليال كأني قد ركبته، فالتفت إلي وقد صار رأسه مثل رأس البغل، فقال لي: إلي كم تؤذينا! إنما بقى من أجلك تمام خمسة عشر سنة غير أيام. قال: فكان بعدد أيام خلافته. وذكر عن أبي ربعي أنه قال: رأيت في منامي كأن رجلاً دخل من باب الرستن على عجلة ووجهه إلى الصحراء وقفاه إلى المدينة وهو ينشد: يا عين ويلك فاهملي ... بالدمع سحا واسبلي دلت على قرب القيا ... مة قتلة المتوكل وذكر أن حبشي بن أبي ربعي مات قبل قتل المتوكل بسنتين. وذكر عن محمد بن سعيد، قال: قال أبو الوارث قاضي نصيبين: رأيت في النوم آتياً أتاني، وهو يقول: يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان! أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان! وسوف يتبعهم قوم لهم غدروا ... حتى يصيروا كأمس الذاهب الفاني فأتى البريد بعد أيام بقتلهما جميعاً. قال أبو جعفر: وقتل ليلة الأربعاء بعد العتمة بساعة لأربع خلون من شوال - وقيل: بل قتل ليلة الخميس - فكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام. وقتل يوم قتل وهو - فيما قيل - ابن أربعين سنة؛ وكان ولد بفم الصلح في شوال من سنة ست ومائتين. وكان أسمر حسن العينين خفيف العارضين نحيفاً. ذكر الخبر عن بعض أمور المتوكل وسيرتهذكر عن مروان بن أبي الجنوب أبي السمط، أنه قال: أنشدت أمير المؤمنين فيه شعراً، وذكرت الرافضة فيه، فقعد لي على البحرين واليمامة، وخلع على أربع خلع في دار العامة، وخلع على المنتصر وأمر لي بثلاثة آلاف دينار، فنثرت على رأسي، وأمر ابنه المنتصر وسعداً الإيتاخي يلقطانها لي، ولا أمس منها شيئاً؛ فجمعاها، فانصرفت بها. قال: والشعر الذي قال فيه: ملك الخليفة جعفر ... للدين والدنيا سلامة لكم تراث محمدٍ ... وبعدلكم تنفى الظلامه يرجو التراث بنو البنا ... ت وما لهم فيها قلامه والصهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامة ما للذين تنحلوا ... ميراثكم إلا الندامه أخذ الوارثة أهلها ... فغلام لومكم علامه! لو كان حقكم لما ... قامت على الناس القيامة ليس التراث لغيركم ... لا والإله ولا كرامه أصبحت بين محبكم ... والمبغضين لكم علامه ثم نشر على رأسي - بعد ذلك لشعر قلته في هذا المعنى - عشرة آلاف درهم وذكر عن مروان بن أبي الجنوب، أنه قال: لما استخلف المتوكل بعثت بقصيدة - مدحت فيها ابن أبي داود - إلى ابن أبي داود، وكان في آخرها بيتان ذكرت فيهما أمر ابن الزيات وهما: وقيل لي الزيات لاقى حمامه ... فقلت أتاني الله بالفتح والنصر لقد حفر الزيات بالغدر حفرة ... فألقى فيها بالخيانة والغدر قال: فلما صارت القصيدة إلى ابن داود ذكرها للمتوكل، وأنشده البيتين فأمره بإحضاره، فقال: هما باليمامة، كان الواثق نفاه لمودته لأمير المؤمنين. قال: يحمل، قال: عليه دين، قال: كم هو؟ قال: ستة آلاف دينار، قال: يعطاها، فأعطي وحمل من اليمامة، فصار إلى سامراً، وامتدح المتوكل بقصيدة يقول فيها: رحل الشباب وليته لم يرحل ... والشيب حل وليته لم يحلل فلما صار إلى هذين البيتين من القصيدة: كانت خلافة جعفر كنبوة ... جاءت بلا طلبٍ ولا بتنحل وهب الإله له الخلافة مثل ما ... وهب النبوة للنبي المرسل أمر له بخمسين ألف درهم. وذكر عن أبي يحيى بن مروا بن محمد الشني الكلبي، قال: أخبرني أبو السمط مروان بن أبي الجنوب، قال: لما صرت إلى أمير المؤمنين المتوكل على الله مدحت ولاه العهود، وأنشدته: سقى الله نجداً والسلام على نجد ... ويا حبذا نجدٌ على النأي والبعدا نظرت إلى نجدٍ وبغداد دونها ... لعلي أرى نجداً وهيهات من نجد! ونجدُ بها قومٌ هواهم زيارتي ... ولا شئ أحلى من زيارتهم عندي قال: فلما استتمت إنشادها، أمر لي بعشرين ومائة ألف درهم وخمسين ثوباً وثلاثة من الظهر: فرس وبغلة وحمار، فما برحت حتى قلت في شكره: تخير رب الناس جعفراً ... فملكه أمر العباد تخيرا قال: فلما صرت إلى هذا البيت: فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا قال: لا والله، لا أمسك حتى أعرفك بجودي، ولا برحت حتى تسأل حاجة، قلت: يا أمير المؤمنين، الضيعة التي أمرت بإقطاعي إياها باليمامة؛ ذكر ابن المدير أهذا وقف من المعتصم على ولده، ولا يجوز إقطاعها. قال: فإني أقبّلكما في السنة مائة سنة قلت: لا يحسن يا أمير المؤمنين أن يؤدّي درهم في الديوان، قال: فقال ابن المدبر: ليس هذه حاجة، هذه قبالة، قلت: فضياعي التي كانت لي كان الواثق أمر بإقطاعي إياها، فنفاني ابن الزيات، وحال بيني وبينها، فتنفذها لي. فأمر بإنفاذها بمائة درهم في السنة وهي السّيوح. وذكر عن أبي حشيشة أنه كان يقول: كان المأمون يقول: إن الخليفة بعدي في اسمه عين، فكان يظن أنه العباس ابنه فكان المعتصم، وكان يقول: وبعده هاء، فيظنّ أنه هارون، فكان الواثق؛ وكان يقول: وبعده أصفر الساقين؛ فكان يظن أنه أبو الحنائز العباس فكان المتوكل ذلك، فلقد رأيته إذا جلس على السرير يكشف ساقيه؛ فكانا أصفرين؛ كأنما صبغا بزعفران. وذكر عن يحيى بن أكثم، أنه قال: حضرت المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون وكتبه إلى الحسن بن سهل، فقلت بتفضيله وتقريظه ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته ونباهته قولاً كثيراً؛ لم يقع بموافقة بعض من حضر؛ فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ قلت: كان يقول: ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض، ولا مع سنة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وحشة إلى فعل أحد؛ ولا مع البيان والإفهام حجّة لتعلّم، ولا بعد الجحود للبرهان والحقّ إلا السيف لظهور الحجة. فقال له المتوكل: لم أرد منك ما ذهبت إليه من هذا المعنى، قال له يحيى: القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمة، قال: فما كان يقول خلال حديثه؛ فإن المعتصم باللّه يرحمه اللّه كان يقوله، وقد أنسيته؟ فقال: كان يقول: اللّهم إني أحمدك على النّعم التي لا يحصيها أحدٌ غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك. قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئاً أوبشّر بشيء، فقد كان المعتصم باللّه أمر عليّ بن يزداد أن يكتبه لنا؛ فكتبه فعلّمناه ثم أنسيناه؟ قال: كان يقول: إنّ ذكر آلاء اللّه ونشرها نعمه والحديث بها فرض من اللّه على أهلها، وطاعة لأمره فيها، وشكرٌ له عليها؛ فالحمد اللّه العظيم الآلاء، السابغ النّعماء بما هو أهله، ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شكره، الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنا، ولا يحيط به ذكرنا، من ترداف مننه، وتتابع فضله، ودوام طوله، حمد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه. فقال المتوكل: صدقت، هذا هو الكلام بعينه، وهذا كلّه حكم من ذي حنكة وعلم؛ وانقضى المجلس. وقدم في هذه السنة محمد بن عبد اللّه بن طاهر بغداد منصرفاً من مكة في صفر؛ فشكا ما ناله من الغمّ بما وقع من الخلاف في يوم النّحر؛ فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة صفراء من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأن يسار بالخريطة الواردة بسلامة الموسم، وأمر أن يقام على المشعر الحرام وسائر المشاعر الشّمع مكان الّزيت والنفط. وفيها ماتتّ أم المتوكل بالجعفرية لستّ خلون من شهر ربيع الآخر وصلّى عليها المنتصر، ودفنت عند المسجد الجامع. خلافة المنتصر محمد بن جعفر وفيها بويع المنتصر محمد بن جعفر بالخلافة في يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال - وقيل لثلاث خلون منه - وهو ابن خمس وعشرين سنة. وكنيته أبو جعفر بالجعفرية، فأقام بها بعد ما بويع له عشرة أيام، ثم تحّل منه بعياله وقوّاده وجنوده إلى سامرّا. وكان قد بايعه ليلة الأربعاء الذين ذكرناهم قبل، فذكر عن بعضهم، أنه قال: لمّا كان صبيحة يوم الأربعاء، حضر الناس الجعفريّة من القّواد والكتّاب والوجوه والشاكريّة والجند وغيرهم؛ فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً يخبر فيه عن أمير المؤمنين المنتصر؛ أن الفتح بن خاقان قتل أباه جعفراً المتوكل، فقتله به، فبايع الناس، وحضر عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف. وذكر عن أبي عثمان سعيد الضغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدّار مع المنتصر؛ فكان كلّما خرج الفتح خرج معه، وكلّما رجع قام لقيامه وجلس لجلوسه، وخرج في أثره؛ وكلّما ركب أخذ بركابه، وسوّى عليه ثيابه في سرج دابته؛ وكان اتّصل بنا الخبر أن عبيد اللّه بن يحيى قد أعدّ له قوماً في طريقه ليغتالوه عند انصرافه؛ وقد كان المتوكل أسمعه وأحفظه قبل إنصرافه، ووثب به؛ فانصرف على غضب، وانصرفنا معه، فلّما صار إلى داره أرسل إلى ندمائه وخاصّته - وقد كان واعد الأتراك على قتل المتوكل قبل انصرافه إذا ثمل من النبيذ - قال: فلم ألبث أن جاءني الرّسول: أن احضر فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير؛ وهو على الركوبح فوقع في نفسي ما كان دار بيننا أنهم على اغتيال المنتصر؛ وأنه إنما يدعي لذلك؛ فركبت في سلاح وعدّة، وصرت إلى باب الأمير، فإذا هم يموجون؛ وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنه قد فرغ من أمره، فركب فلحقته في بعض الطريق وأنا مرعوب؛ فرأى ما بي، فقال: ليس عليك! إنّ أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا، فمات رحمه اللّه. فأكبرت ذلك، وشقّ عليّ ومضينا وأحمد بن الخصيب وجماعة من القّواد معنا حتى دخلنا الحير، وتتابعت الأخبار بقتل المتوكل، فأخذت الأبواب، ووكّل بها، وقلت: يا أمير المؤمنين، وسلّمت عليه بالخلافة، وقلت: لا ينبغي أن نفارقك لموضع الشّفقة عليك من مواليك في هذا الوقت، قال: أجل؛ فكن أنت من ورائي وسليمان الروميّ. وألقى منديلٌ، فجلس عليهن وأحطنا به، وحضر أحمد بن الخصيب وكاتبه سعيد بن حميد لأخذ البيعة. فذكر عن سعيد بن حميد أن أحمد بن الخصيب، قال له: ويلك يا سعيد! معك كلمتان أو ثلاث تأخذ بها البيعة، قلت: نعم؛ وكلمات. وعملت كتاب البيعة، وأخذتها على من حضر وكلّ من جاء حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله إلى المؤيد، وقال لسعيد الصغير: امض أنت إلى المعتزّ حتى تحضره، قال سعيد الصغير: فقلت: أما ما دمت يا أمير المؤمنين في قلة ممن معك فلا أبرح والله من وراء ظهرك؛ حتى يجتمع الناس. قال أحمد بن الخطيب: ها هنا من يكفيك، فامض؛ فقلت: لا أمضي حتى يجتمع من يكفي؛ فإني الساعة أولى به منك! فلما كثر القواد، وبايعوا، ومضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان؛ فلما صرت إلى باب أبي نوح، والناس يموجون ويذهبون ويحيئون؛ وإذا على الباب جمع كبير في سلاح وعدة، فلما أحسوا بي لحقني فارس منهم؛ فسألني وهو لا يعرفني: من أنت؟ فعميت عليه خبري، وأخبرته أني من بعض أصحاب الفتح، ومضيت حتى صرت إلى باب المعتز، فلم أجد به أحداً من الحرس والبوابين والمكبرين ولا خلقاً من خلق الله حتى صرت إلى الباب الكبير، فدققته دقاً عنيفاً مفرطاً، فأجبت بعد مدة طويلة، فقيل لي: من هذا؟ فقلت: سعيد الصغير؛ رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرسول، وأبطأ علي: وأحسست بالمنكر وضاقت علي الأرض. ثم فتح الباب فإذا ببيدون الخادم قد خرج؛ وقال لي: ادخل وأغلق الباب دوني، فقلت: ذهبت والله نفسي، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن أمير المؤمنين شرق بكأس شربها ومات من ساعته؛ وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر، وأنه أرسلني إلى الأمير أبي عبد الله المعتز بالله ليحضر البيعة. فدخل ثم خرج إلي؛ فقال: ادخل، فدخلت على المعتز؛ فقال لي: ويلك يا سعيد! ما الخبر؟ فأخبرته بمثل ما أخبرت به بيدون، وعزيته وبكيت، وقلت: تحضر يا سيدي، وتكون في أوائل من بايع، فتستدعي بذلك قلب أخيك، فقال لي: ويلك حتى نصبح! فما زلت أفتله في الحبل والغارب؛ ويعينني عليه بيدون الخادم حتى تهيأ للصلاة، ودعا بثيابه فلبسها، وأخرج له دابة، وركب وركبت معه، وأخذت طريقاً غير طريق الجادة، وجعلت أحدثه وأسهل الأمر عليه، وأذكره أشياء يعرفها من أخيه، حتى إذا صرنا إلى باب عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألني عنه، فقلت هو يأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فيئس حينئذ؛ وإذا بفارس قد لحق بنا؛ وصار إلى بيدون الخادم، فساره بشيء لا أعلمه؛ فصاح به بيدون؛ فمضى ثم رجع ثلاثاً؛ كل ذلك يرده بيدون ويصيح به: دعنا؛ حتى وافينا باب الخير فاستفتحه فقيل له؛ من أنت؟ قلت: سعيد الصغير والأمير المعتز، ففتح لي الباب، وصرنا إلى المنتصر؛ فلما رآه قربه وعانقه وعزاه، وأخذ البيعة عليه؛ ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير ففعل به مثل ذلك، وأصبح الناس، وصار المنتصر إلى الجعفري. فأمر بدفن المتوكل والفتح وسكن الناس، فقال سعيد الصغير: ولم أزل أطالب المعتز بالبشرى بخلافة المنتصر وهو محبوس في الدار؛ حتى وهب لي عشرة آلاف درهم. به مثل ذلك، وأصبح الناس، وصار المنتصر إلى الجعفري. فأمر بدفن المتوكل والفتح وسكن الناس، فقال سعيد الصغير: ولم أزل أطالب المعتز بالبشرى بخلافة المنتصر وهو محبوس في الدار؛ حتى وهب لي عشرة آلاف درهم. وفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد أنفسهما، وأظهر خلعهما في القصر الجعفري المحدث. وكانت نسخة البيعة التي أخذت للمنتصر. بسم الله الرحمن الرحيم، تبايعون عبد الله المنتصر بالله أمير المؤمنين بيعة طوع واعتقاد ورضا، ورغبة بإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نياتكم؛ لا مكرهين ولا مجبرين، بل مقرّي عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها من طاعة اللّه وتقواه، وإعزاز دين اللّه وحقه، ومن عموم صلاح عباد اللّه، واجتماع الكلمة، ولم الشعث، وسكون الدهماء، وأمنن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن محمداً الإمام المنتصر باللّه عبد اللّه وخليفته المفترض عليكم طاعته ومناصحته والوفاء بحقه وعقده، لا تشكوّن ولا تدهنون، ولا تميلون ولا ترتابون؛ وعلى السّمع له، والطاعة والمسالمة، والنّصرة والوفاء والاستقامة، والنصيحة في السر والعلانية، والخفوف والوقوف عند كلّ كل ما يأمر به عبد اللّه الإمام المنتصر باللّه أمير المؤمنين؛ وعلى أنّكم أولياء أوليائه، وأعداء أعدائه؛ من خاصٍ وعامً، وأبعد وأقرب، وتتمسكون ببيعته بوفاء العقد، وذمّة العهد؛ سرائركم في ذلك مثل علانيتكم، وضمائركم مثل ألسنتكم؛ راضين بما يرضاه لكم أمير المؤمنين في عاجلكم وآجلكم. وعلى إعطائكم أمير المؤمنين بعد تجديد بيعته هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم؛ صفقة أيمانكم، راغبين طائعين، عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم؛ وعلى ألاّ تسعوا في نقض شيء مما أكد اللّه عليكم، وعلى ألاّ يميل بكم مميل في ذلك عن نصرة وإخلاص، ونصح وموالاة، وعلى ألاّ تبدذلوا، ولا يرجع منكم راجع عن نيّته، وانطوائه إلى غير علانيته، وعلى أن تكون بيعتكم التي أعطيتم بها ألسنتكم وعهودكم بيعة يطلع اللّه من قلوبكم على اجتنابها واعتقادها، وعلى الوفاء بذمتّه بها، وعلى إخلاصكم في نصرتها وموالاة أهلها، لا يشوب ذلك منكم دغل ولا إدهان ولا احتيال ولا تأوّل؛ حتى تلقوا اللّه، موفين بعهده، ومؤدّين حقّه عليكم، غير مستشرفين ولا ناكثين، إذ كان الذين يبايعون منكم أمير المؤمنين إنما يبايعون اللّه؛ يد اللّه فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه أجراً عظيماً. عليكم بذلك وبما أكّدت هذه البيعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيمانكم؛ وبما اشترط عليكم بها من وفاء ونصر، وموالاة واجتهاد ونصح؛ وعليكم عهد اللّه؛ إنّ عهده كان مسئولاً؛ وذمّة رسوله. وأشدّ ما أخذ على أنبيائه ورسله، وعلى أحد من عباده من متأكّد وثائقه، أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيعة، ولا تبدلوا، وأن تطيعوا ولا تعصوا، وأن تخلصوا ولا ترتابوا، وأن تمسكوا بما عاهدتم عليه تمسّك أهل الطاعة بطاعتهم وذوي العهد والوفاء بوفائهم وحقهم؛ لا يلفتكم عن ذلك هوىً ولا مميل، ولا يزيغ بكم فيه ضلال عن هدىً؛ باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل اللّه في هذه البيعة إلا الوفاء بها. فمن نكث منكم ممن بايع أمير المؤمنين هذه البيعة عما أكدّ عليه مسرّاً أو معلناً، أو مصرّحاً أو محتالاً؛ فادّهن فيما أعطى اللّه من نفسه، وفيما أخذت به مواثيق أمير المؤمنين، وعهود اللّه عليه؛ مستعملاً في ذلك الهوينى دون الجدّ، والركون إلى الباطل دون نصرة الحق، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الوفاء منهم بعهودهم؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد ممن خان في ذلك بشيء نقض عهده من مال أو عقار أو سائمة، أو زرع أو ضرع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل اللّه، محرمٌ عليه أن يرجع شيء من ذلك إلى ماله عن حيلة يقدّمها لنفسه، أو يحتال بها. وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ قدرها، فتلك سبيله إلى أن توافيه منيّتهن، ويأتي عليه أجله؛ وكلّ مملوك يملكه اليوم إلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى أحرار لوجه اللّه؛ ونساؤه في يوم يلزمه الحنث، ومن يتزوجه بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق البتة طلاق الحرج والسنة؛ لا مثنويّة فيه ولا رجعة. وعليه المشي إلى بيت اللّه الحرام ورسوله منه بريئان؛ ولا قبل اللّه منه صرفاً ولا عدلاً؛ واللّه عليكم بذلك شهيد، وكفى باللّه شهيداً. وذكر أنه لمّا صبيحة اليوم الذي بويع فيه المنتصر شاع الخبر في الماحوزة - وهي المدينة التي كان جعفر بناها في أهل سامرّاً - بقتل جعفر، وتوافى الجند والشاكريّة بباب العامة بالجعفريذ وغيرهم من الغوغاء والعوامّ، وكثر الناس وتسامعوا، وركب بعضهم بعضاً، وتكلموا في أمر البيعة، فخرج إليهم عتّاب بن عتّاب - وقيل: إنّ الذي خرج إليهم زرافة - فأبلغهم عن المنتصر ما يحبون فأسمعوه؛ فدخل إلى المنتصر فأخبره؛ فخرج وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم: يا كلاب! خذوهم؛ فحملوا على الناس فدفعوهم إلى الثلاثة الأبواب، فازدحم الناس ووقع بعضهم على بعض؛ ثم تفرّقوا عن عدّة ومنهم من قال: كانوا ما بين الثلاثة إلى الستة. وفيها ولّى المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد - مولى بن هاشم، بعد البيعة له بيوم - المظالم، فقال قائل: يا ضيعة الإسلام لمّا ولى ... مظالم الناس أبو عمره صيّر مأموناً على أمةٍ ... وليس مأموناً على بعره وفي ذي الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر عليّ بن المعتصم من سامرّا إلى بغداد ووكل به. وحجّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر غزاة وصيف التركيّ الروم فمن ذلك ما كان من إغزاء المنتصر وصيفاً التركي صائفة أرض الروم. ذكر الخبر عن سبب ذلك، وما كان في ذلك من وصيف: ذكر أنّ السبب في ذلك أنه كان بين أحمد بن الخصيب ووصيف شحناء وتباغض؛ فلمّا استخلف المنتصر، وابن الخصيب وزيره، حرّض أحمد بن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره غازياً إلى الثّغر؛ فلم يزل به حتى أحضره المنتصر، فأمره بالغزو. وقد ذكر عن المنتصر أنه لمّا عزم على أن يغزي وصيفاً الثغر الشأميّ، قال له أحمد بن الخصيب: ومن يجترئ على الموالي حتى تأمر وصيفاً بالشخوص! فقال المنتصر لبعض من الحجبة: ائذن لمن حضر الدار؛ فأذن لهم وفيهم وصيف، فأقبل عليه فقال له: يا وصيف، أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغور، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه! فإما شخصت وإما شخصت؛ فقال وصيف: بل أشخص يا أمير المؤمنين، قال: يا أحمد؛ انظر ما يحتاج إليه على أبلغ ما يكون فأقمه له، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما تعم! قم الساعة لذلك؛ يا وصيف مركاتبك يوافقه على ما يحتاج إليه، ويلزمه حتى يزيح علتك فيه. فقام أحمد بن الخصيب، وقام وصيف، فلم يزل في جهازه حتى خرج، فما أفلح ولا أنجح. وذكر أن المنتصر لما أحضر وصيفاً وأمره بالغزو، قال له، إن الطاغية - يعني ملك الروم - قد تحرك، ولست آمنة أن يهلك كل ما يمر به من بلاد الإسلام، ويقتل ويسبى الذراري؛ فإذا غزوت وأردت الرجعة انصرفت إلى باب أمير المؤمنين من فورك. وأمر جماعة من القواد وغيرهم بالخروج معه وانتخب له الرجال؛ فكان معه من الشاكرية والجند والموالي زهاء عشرة آلاف رجل؛ فكان على مقدمته في بدأته مزاحم بن خاقان؛ أخو الفتح بن خاقان؛ وعلى الساقة محمد بن رجاء، وعلى الميمنة السندي بن بختاشة، وعلى الدراجة نصر بن سعيد المغربي؛ واستعمل على الناس والعسكر أبا عون خليفته؛ وكان على الشرطة بسامراً. وكتب المنتصر عند إغزائه وصيفاً مولاه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر كتاباً نسخته: بسم الرحمن الرحيم: من عبد الله محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين. سلام عليك؛ فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله. أما بعد: فإن الله وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه، اختار الإسلام وفضله، وأتمه وأكمله، وجعله وسيلة إلى رضاه ومثوبته، وسبيلاً نهجياً إلى رحمته، وسبباً إلى مذخور كرامته؛ فقهر له من خالفه، وأذل له من عند عن حقه، وابتغى غير سبيله، وخصه بأتم الشرائع وأكملها، وأفضل الأحكام وأعدلها؛ وبعث به خيرته من خلقه وصفوته من عباده محمداً صلى الله عليه وسلم، وجعل الجهاد أعظم فرائضه منزلة عنده، وأعلاها رتبة لديه وأنجحها وسيلة إليه؛ لأن الله عز وجل أعز دينه، وأذل عتاة الشرك، قال عز وجل آمراً بالجهاد، ومفترضاً له: " انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " وليست تمضى بالمجاهد في سبيل الله حال لا يكابد في الله نصباً ولا أذى، ولا ينفق نفقة ولا يقارع عدواً، ولا يقطع بلداً، ولا يطأ أرضاً؛ إلا وله بذلك أمر مكتوب، وثواب جزيل، وأجر مأمول، قال الله عز وجل: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالحٌ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرةً ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون " ثم أثنى عز وجل بفضل منزلة المجاهدين على القاعدين عنده، وما وعدهم من جزائه ومثوبته، وما لهم من الزلفى عنده، فقال: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً " فبالجهاد اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وجعل جنته ثمناً لهم، ورضوانه جزاء لهم على بذلها؛ وعداً منه حقاً لا ريب فيه وحكماً عدلاً لا تبديل له، قال الله عز وجل: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " وحكم الله عز وجل لإحياء المجاهدين بنصره، والفوز برحمته، وأشهد لموتاهم بالحياة الدائمة، والزلفى لديه، والحظ الجزيل من ثوابه، فقال: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون " وليس من شيء يتقرب به المؤمنون إلى الله عز وجل من أعمالهم، ويسعون به في حط أوزارهم، وفكاك رقابهم، ويستوجبون به الثواب من ربهم، إلا والجهاد عنده أعظم منه منزلة، وأعلى لديه رتبة، وأولى بالفوز في العاجلة والآجلة؛ لأن أهله بذلوا لله أنفسهم، لتكون كلمة الله هي العليا، وسمحوا بها دون من وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبيضتهم، ووقموا بجهادهم العدو. وقد رأى أمير المؤمنين - لما يحبه من التقرب إلى الله بجهاد عدوه، وقضاء حقه عليه فيما استحفظه من دينه، والتماس الزلفى له في إعزاز أوليائه، وإحلال البأس والنقمة بمن حاد عن دينه، وكذب رسله، وفارق طاعته - أن ينهض وصيفاً مولى أمير المؤمنين في هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة والروم، غازياً لما عرّف الله أمير المؤمنين من طاعته ومناصحته ومحمود نقيبته وخلوص نيته، في كل ما قربة من الله ومن خليفته. وقد رأى أمير المؤمنين - والله ولي معونته وتوفيقه - أن تكون موافاة وصيف فيمن أنهض أمير المؤمنين معه من مواليه وجنده وشاكريته ثغر ملطية لاثنتي عشرة ليلة تخلو من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين؛ وذلك من شهور العجم للنصف من حزيران ودخوله بلاد أعداء الله في أول يوم من تموز؛ فاعلم ذلك واكتب إلى أعمالك على نواحي عملك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا؛ ومرهم بقراءته على من قبلهم من المسلمين وترغيبهم في الجهاد، وحثهم عليه واستنفارهم إليه، وتعريفهم ما جعل الله من الثواب لأهله، ليعمل ذوو النيات والحسبة والرغبة في الجهاد على حسب ذلك في النهوض إلى عدوهم والحفوف إلى معاونة إخوانهم والذياد عن دينهم والرمي من وراء حوزتهم بموافاة عسكر وصيف مولى أمير المؤمنين ملطية في الوقت الذي حده أمير المؤمنين لهم إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب أحمد بن الخصيب لسبع ليال خلون من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائتين؛ وصير على ما ذكرناه على نفقات عسكر وصيف والمغانم والمقاسم المعروف بأبي الوليد الجريري البجلي. وكتب معه المنتصر كتاباً إلى وصيف يأمره بالمقام ببلاد الثغر إذا هو انصرف من غزاته أربع سنين، يغزو في أوقات الغزو منها إلى أن يأيته رأى أمير المؤمنين. ذكر خبر خلع المعتز والمؤيد أنفسهماوفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد أنفسهما، وأظهر المنتصر خلعهما في القصر الجعفري المحدث. ذكر الخبر عن خلعهما أنفسهما ذكر أن محمداً المنتصر بالله لما استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن من الحدثان؛ وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي الأمر المعتز، فلا يبقى منا باقية، ويبيد خضراءنا؛ والرأي أن نعمل في خلع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا. فجد الأتراك في ذلك، وألحوا على المنتصر وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ تخلعهما من الخلافة، وتبايع لابنك عبد الوهاب؛ فلم يزالوا حتى فعل، ولم يزل مكرماً المعتز والمؤيد؛ على ميلٍ منه شديد إلى المؤيد؛ فلما كان بعد أربعين يوماً من ولايته؛ أمر بإحضار المعتز والمؤيد بعد انصرافهما من عنده، فأحضرا وجعلا في دار، فقال المعتز للمؤيد: يا أخي، لم ترانا أحضرنا؟ فقال: يا شقي، للخلع! فقال: لا أظنه يفعل بنا ذلك؛ فبيناهم كذلك؛ إذ جاءهم الرسل بالخلع، فقال المؤيد: السمع والطاعة، وقال المعتز: ما كنت لأفعل؛ فإن أردتم القتل فشأنكم، فرجعوا إليه، فأعلموه ثم عادوا بغلظة شديدة، فأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه إلى بيت، وأغلقوا الباب. فذكر عن يعقوب بن السكيت، أنه قال: حدثني المؤيد، قال: لما رأيت ذلك قلت لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب! فقد ضريتم على دمائنا، تثبون على مولاكم هذا الوثوب! اعزبوا قبحكم الله! دعوني أكلمه؛ فكاعوا عن جوابي بعد تسرع كان منهم، وأقاموا ساعة، ثم قالوا لي: القه إن أحببت؛ فظننت أنهم استأمروا، فقمت إليه، فإذا هو في البيت يبكي، فقلت: يا جاهل؛ تراهم قد نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا، ثم تمتنع عليهم! اخلع ويلك لا تراجعهم!؛ قال: سبحان الله! أمرٌ قد مضيت عليه، وجرى في الآفاق أخلعه من عنقي! فقلت: هذا الأمر قتل أباك، فليته لا يقتلك! اخلعه ويلك! فوالله لئن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين. قال: أفعل. قال: فخرجت فقلت: قد أجاب، فأعلموا أمير المؤمنين، فمضوا ثم عادوا فجزوني خيراً، ودخل معهم كاتب قد سماه ، ومعه دواة وقرطاس، فجلس، ثم أقبل على أبي عبد الله، فقال: اكتب بخطك خلعك، فتلكأ، فقلت للكاتب: هات قرطاساً، أملل ما شئت، فأملي علي كتاباً إلى المنتصر، أعلمه فيه ضعفي عن هذا الأمر؛ وأني علمت أنه لا يحل أن أتقلده، وكرهت أن يأثم المتوكل بسببي إذا لم أكن موضعاً له، وأسأله الخلع، وأعلمه أني خلعت نفسي، وأحللت الناس من بيعتي. فكتبت كل ما أراد، ثم قلت: اكتب يا أبا عبد الله، فامتنع، فقلت: اكتب ويلك! فكتب وخرج الكاتب عنا، ثم دعانا فقلت: نجدد ثيابنا أو نأتي في هذه؟ فقال: بل جددا، فدعوت بثياب فلبستها، وفعل أبو عبد الله كذلك، وخرجنا فدخلنا؛ وهو في مجلسه، والناس على مراتبهم، فسلمنا فردوا، وأمر بالجلوس، ثم قال: هذا كتابكما؟ فسكت المعتز، فبدرت فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! هذا كتابي بمسألتي ورغبتي، وقلت للمعتز: تكلم، فقال مثل ذلك، ثم أقبل علينا والأتراك وقوفٌ، وقال: أترياني خلعتكما طمعاً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له! والله ما طمعت في ذلك ساعة قط؛ وإذا لم يكن في ذلك طمع؛ فوالله لأن يليها بنو أبي أحب إلي من أن يليها بنو عمي؛ ولكن هؤلاء - وأما إلى سائر الموالي ممن هو قائم وقاعد - ألحوا عليّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة، فيأتي عليكما، فما ترياني صانعاً! أقتله؟ فوالله ما تفى دماؤهم كلهم بدم بعضكم؛ فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل على. قال: فأكبا عليه، فقبلا يده، فضمها إليه، ثم انصرفا. وذكر أنه لما كان يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين خلع المعتز والمؤيد أنفسهما، وكتب كل واحد منها رقعة بخطه أنه خلع نفسه من البيعة التي بويع بها، وأن الناس في حل من حلها ونقضها؛ وأنهما يعجزان عن القيام بشيء منها، ثم قاما بذلك على رءوس الناس والأتراك والوجوه والصحابة والقضاة، وجعفر بن عبد الواحد قاضي القضاة، والقواد بني هاشم، وولاة الدواوين والشيعة ووجوه الحرس، ومحمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف وبغا الكبير وبغا الصغير، وجميع من حضر دار الخاصة والعامة، ثم انصرف الناس بعد ذلك. والنسخة التي كتباها: بسم الله الرحمن الرحيم: إن أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه قلدني هذا الأمر، وبايع لي وأنا صغير؛ من غير إرادتي ومحبتي؛ فلما فهمت أمري علمت أني لا أقوم بما قلدني، ولا أصلح لخلافة المسلمين، فمن كانت بيعتي في عنقه فهو من نقضها في حل، وقد أحللتكم منها، وأبرأتكم من أيمانكم؛ ولا عهد لي في رقابكم ولا عقد؛ وأنتم برآء من ذلك. وكان الذي قرأ الرقاع أحمد بن الخصيب. ثم قال كل واحد منهما قائماً، فقال لمن حضر: هذه رقعتي وهذا قولي؛ فاشهدوا علي، وقد أبرأتكم من أيمانكم. وحللتكم منها. فقال لهما المنتصر عند ذلك: قد خار الله لكما وللمسلمين، وقام فدخل وكان قد قعد للناس، وأقعدهما بالقرب منه، فكتب كتاباً إلى العمال بخلعهما وذلك في صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين. نسخة كتاب المنتصر بالله إلى أبي العباس محمد بن عبد الله ابن طاهر مولى أمير المؤمنين في خلع أبي عبد الله المعتز وإبراهيم المؤيد من عبد الله محمد الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين؛ أما بعد؛ فإن الله وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه؛ وجعل ولاة الأمر من خلفائه القائمين بما بعث به رسول صلى الله عليه وسلم والذابين عن دينه، والدا عين إلى حقه والممضين لأحكامه، وجعل ما اختصهم به من كرامته قواماً لعباده. وصلاحاً لبلاده، ورحمة غمر بها خلقه، وافترض طاعتهم، ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأوجبها في محكم تنزيله؛ لما جمع فيها من سكون الدهماء. واتساق الأهواء، ولم الشعث، وأمن السبل، ووقم العدو، وحفظ الحريم، وسد الثغور، وانتظام الأمور، فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " فمن الحق على خلفاء الله الذين حباهم بعظيم نعمته، واختصهم بأعلى رتب كرامته، واستحفظهم فيما جعله وسيلة إلى رحمته، وسبباً لرضاه ومثوبته. لأن يؤثروا طاعته في كل حال تصرفت بهم، ويقيموا حقه في أنفسهم والأقرب فالأقرب منهم؛ وأن يكون محلهم من الاجتهاد في كل ما قرب من الله عز وجل حسب موقعهم من الدين وولاية أمر المسلمين. وأمير المؤمنين يسأل الله مسألة رغبة إليه؛ وتذللاً لعظمته، أن يتولاه فيما استرعاه ولاية يجمع له بها صلاح ما قلده، ويحمل عنه أعباء ما حمله، ويعيه بتوفيقه على طاعته؛ إنه سميع قريب. وقد علمت ما حضرت من رفع أبي عبد الله وإبراهيم ابني أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه إلى أمير المؤمنين رقعتين بخطوطهما؛ يذكران فيهما ما عرفهما الله من عطف أمير المؤمنين عليهما، ورأفته بهما، وجميل نظره لهما؛ وما كان أمير المؤمنين المتوكل على الله عقده لأبي عبد الله من ولاية عهد أمير المؤمنين ولإبراهيم من ولاية العهد بعد أبي عبد الله. وإن ذلك العقد كان وأبو عبد الله طفل لم يبلغ ثلاث سنين؛ ولم يفهم ما عقد له ولا وقف على ما قلده، وإبراهيم صغير لم يبلغ الحلم، ولم يجر أحكامها ولا جرت أحكام الإسلام عليهما، وإنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عجزهما عن القيام بما عقد لهما من العهد، وأسند إليهما من الأعمال أن ينصحا لله ولجماعة المسلمين، بأن يخرجا من هذا الأمر الذي عقد لهما أنفسهما، ويعتزلا الأعمال التي قلداها، ويجعلا كل من في عنقه لهما بيعة وعليه يمين في جل؛ إذ كانا لا يقومان بما رشحا له، ولا يصلحان لتقلده وأن يخرج من كان ضم إليهما ممن في نواحيهما من قواد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشاكريته وجميع من مع أولئك القواد بالحضرة وخراسان وسائر النواحي عن رسومهما، ويزال عنهم جميعاً ذكر الضم إليهما، وأن يكونا سوقة من سوق المسلمين وعامتهم، ويصفان ما لم يزالا يذكران لأمير المؤمنين من ذلك؛ ويسألانه فيه، منذ أفضى الله بخلافته إليه، وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد، وخرجا منها، وجعلا كل من ولهما عليه بيعة ويمين من قواد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيته؛ قريبهم وبعيدهم وحاضرهم وغائبهم في حل وسعة من بيعتهم وأيمانهم؛ ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما. وجعلا لأمير المؤمنين على أنفسهما عهد الله؛ وأشد ما أخذ على ملائكته وأنبيائه وعباده من عهد وميثاق، وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الأيمان، بإقامتهما على طاعته ومناصحته وموالاته في السر والعلانية، ويسألان أمير المؤمنين أن يظهر ما فعلاه، وينشره ويحضر جميع أوليائه؛ ليسمعوا ذلك منهما طالبين راغبين طائعين غير مكرهين ولا مجبرين؛ ويقرأ عليهم الرقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما، بما ذكر من وقوع الأمر لهما من ولاية العهد؛ وهما صبيان، وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما، وما سألا من صرفهما عن الأعمال التي يتوليانها وإخراج من كان بهما ممن ضم إليهما في نواحيهما من قواد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشاكريته وجميع من مع أولئك القواد بالحضرة وخراسان وسائر النواحي عن رسومهما وإزالة ذكر الضم إليهما عنهم، وأن يكتب بالكتاب بذلك إلى جميع عمال النواحي. وإن أمير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا ورفعا، وتقدم في إحضار جميع إخوته ومن بحضرته من أهل بيته وقواده ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريته وكتابه وقضاته والفقهاء وغيرهم؛ وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم. وحضر أبو عبد الله وإبراهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكل على الله رضى الله عنه، وقرئت رقعتاهما بخطوطهما بحضرتهما؛ إلى مجلس أمير المؤمنين عليهما وعلى جميع من حضر، وأعادا من القول بعد قراءة الرقعتين مثل الذي كتبا به. ورأى أمير المؤمنين أن يجمع في إجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره، وإمضائه ذلك؛ قضاء حقوق ثلاثة: منها حق الله عز وجل فيما استحفظه من خلافته، وأوجب عليه من النظر لأوليائه فيما يجمع لهم كلمتهم في يومهم وغدهم، ويؤلف بين قلوبهم. ومنها حق الرعية الذين هم ودائع الله عنده حتى يكون المتقلد لأمورهم ممن يراعيهم آناء الليل والنهار بعنايته ونظره وتفقده وعدله ورأفته، ومن يقوم بأحكام الله في خلقه، ومن يضطلع بثقل السياسة وصواب التدبير. ومنها حق أبي عبد الله وإبراهيم فيما يوجبه أمير المؤمنين لهما بإخوتهما وماس رحمهما؛ لأنهما لو أقاما على ما خرجا منه؛ لم يؤمن أن يؤدي ذلك إلى ما يعظم في الدين ضرره. ويعم المسلمين مكروهه؛ ويرجع عليهما عظيم الوزر فيه؛ فخلعهما أمير المؤمنين إذ خلفا أنفسهما من ولاية العهد، وخلعهما جميع اخوة أمير المؤمنين ومن بحضرته من أهل بيته، وخلعهما جميع من حضر من قواد أمير المؤمنين ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريته وكتابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من سائر أولياء أمير المؤمنين؛ الذين كانت أخذت لهما البيعة عليهم. وأمر أمير المؤمنين بإنشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال، ليتقدموا في العمل بحسب ما فيها، ويخلعوا أبا عبد الله وإبراهيم من ولاية العهد؛ إذ كانا قد خلعا أنفسهما من ذلك، وحلالا الخاص والعام، والحاضر والغائب. والداني والقاصي منه؛ ويسقطوا ذكرهما بولاية العهد؛ وذكر ما نسب إليه من نسب ولاية العهد من المعتز بالله والمؤيد بالله من كتبهم وألفاظهم. والدعاء لهما على المنابر؛ ويسقطوا كل ما ثبت في دواوينهم من رسومهما القديمة والحديثة الواقعة على من كان مضموماً إليهما، ويزيلوا ما على الأعلام والمطارد من ذكرهما؛ وما وسمت به دواب الشاكرية والرابطة من أسمائهما. ومحلك من أمير المؤمنين وحالك عنده على حسب ما أخلص لله لأمير المؤمنين من طاعتك ومناصحتك، وموالاتك ومشايعتك؛ ما أوجب الله لك بذلك بسلفك ونفسك، وما عرف الله أمير المؤمنين من طاعتك ويمن نقيبتك، واجتهادك في قضاء الحق. وقد أفردك أمير المؤمنين بقيادتك، وإزالة الضم إلى أبي عبد الله عنك وعمن في ناحيتك بالحضرة وسائر النواحي؛ ولم يجعل أمير المؤمنين بينك وبينه أحد يرؤسك، وخرج أمره بذلك إلى ولاة دوادينه. فاعلم ذلك واكتب إلى عمالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وأوعز إليهم في العمل على حسبه. إن شاء الله، والسلام. وكتب أحمد بن الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين. ذكر الخبر عن وفاة المنتصروفي هذه السنة توفي المنتصر. ذكر الخبر عن العلة التي كانت فيها وفاته والوقت الذي توفي فيه وقدر المدة التي كانت فيها حياته فأما العلة التي كانت بها وفاته؛ فإنه اختلف فيها، فقال بعضهم: أصابته الذبحة في حلقه يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الآخر. وقيل: توفي يوم السبت وقت العصر لأربع خلون من شهر ربيع الآخر؛ وإن علته كانت من ورم في معدته، ثم تصعد إلى فؤاده فمات؛ وإن علته كانت ثلاثة أيام أو نحوها. وحدثني بعض أصحابنا أنه كان وجد حرارة، فدعا بعض من كان يطبب له، وأمره بفضده، ففضده بمبضع مسموم، فكان فيه منيته، وإن الطبيب الذي فضده انصرف إلى منزله، وقد وجد حرارة، فدعا تلميذاً له؛ فأمره بفضده ووضع مباضعه بين يديه ليتخير أجودها؛ وفيها المبضع المسموم الذي فصد به المنتصر؛ وقد نسيه فلم يجد التلميذ في المباضع التي وضعت بين يديه مبضعاً أجود من المبضع المسموم؛ ففصد به أستاذه وهو لا يعلم أمره؛ فلما فصده به نظر إليه صاحبه فعلم أنه هالك؛ فأوصى من ساعته، وهلك من يومه. وقد ذكر أنه وجد في رأسه علة فقطر ابن الطيفوري في أذنه هناً، فورم رأسه وعوجل فمات. وقد قيل: إن ابن الطيفوري إنما سمه في محاجمه. قال أبو جعفر: ولم أزل أسمع الناس حين أفضت إليه الخلافة من لدن ولى إلى أن مات يقولون: إنما مدة حياته ستة أشهر، مدة شيرويه ابن كسرى قاتل أبيه، مستفيضاً ذلك على ألسن العامة والخاصة. وذكر عن يسر الخادم - وكان - فيما ذكر - يتولى بيت المال للمنتصر في أيام إمارته، أنه قال: كان المنتصر يوماً من الأيام في خلافته نائماً في إيوانه، فانتبه وهو يبكي وينتحب، قال: فهبته أن أسأله عن بكائه، ووقفت وراء الباب؛ فإذا عبد الله بن عمر البازيار قد وافى فسمع نحيبه وشهيقه، فقال لي: ما له؟ ويحك يا يسر! فأعلمته أنه كان نائماً فانتبه باكياً، فدنا منه، فقال له: ما لك يا أمير المؤمنين تبكي لا أبكى الله عينك؟! قال: ادن مني يا عبد الله؛ فدنا منه فقال له: كنت نائماً، فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءني، فقال لي، ويلك يا محمد! قتلتني وظلمتني وغبنتي في خلافتي؛ والله لا تمتعت بها بعدي إلا أياماً يسيرة، ثم مصيرك إلى النار. فانتبهت، وما أملك عيني ولا جزعي. فقال له عبد الله: هذه رؤيا؛ وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك ويسرك الله؛ فادع الآن بالنبيذ، وخذ في اللهو، ولا تعبأ بالرؤيا. قال: ففعل ذلك؛ وما زال منكسراً إلى أن توفي. وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرها في الكتاب؛ فأشاروا عليه بقتله؛ فكان من أمره ما ذكرنا بعضه. وذكر عنه أنه لما اشتد به علته؛ خرجت إليه أمه فسألته عن حاله، فقال: ذهبت والله مني الدنيا والآخرة. قال إبراهيم بن جيش: حدثني موسى بن عيسى الكاتب، كاتب عمي يعقوب وابن عمي يزيد، أن المنتصر لما أفضت الخلافة إليه، كان ينكر إذا سكر قتل أبيه المتوكل، ويقول في الأتراك: هؤلاء قتلة الخلفاء، ويذكر من ذلك ما تخوفوه، فجعلوا لخادم له ثلاثين ألف دينار على أن يحتال في سمه، وجعلوا لعلي بن طيفور جملة، وكان المنتصر يكثر أكل الكمثري إذا قدمت إليه الفاكهة، فعمد ابن طيفور إلى كمثراة كبيرة نضيجة، فأدخل في رأسها خلالة، ثم سقاها سماً، فجعلها الخادم في أعلى الكمثرى الذي قدمه إليه، فلما نظر إليها المنتصر أمره أن يقشرها ويطعمه إياها، فقشرها وقطعها، ثم أعطاه قطعة قطعة حتى أتى عليها، فلما أكلها وجد فترة، فقال لابن طيفور: أجد حرارة فقال: يا أمير المؤمنين؛ احتجم تبرأ من علة الدم، وقدر أنه إذا خرج الدم قوي عليه السم. فحجم فحم، وغلظت علته عليه. فتخوف هو والأتراك أن تطول علته، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الحجامة لم يكن فيها ما قدرنا في عافتيك، وتحتاج إلى الفصد؛ فإنه أنجح لما تريد، فقال: أفعل، ففصده بمبضع مسموم، ودهش، فألقاه في مباضعه - وكان أحدّها وأجودهاز ثم إن عليذ بن طيفور، وجد حرارة، فدعها تلميذاً له ليفصده، فنظر في المباضع فلم يجد أحدّ منه ولا أخير ففصده، فكانت منيته فيه. وذكر عن ابن دهقانة أنه قال: كنا في مجلس المنتصر يوماً بعد ما قتل المتوكل، فتحدّث المسدود الطنبوريّ بحديث، فقال المنتصر: متى كان هذا؟ فقال: ليلة لااه ولا زاجر؛ فأحفظ ذلك المنتصر. وذكر عن سعيد بن سلمة النصرانيّ أنه قال: خرج علينا أحمد بن الخصيب مسروراً يذكر أن أمير المؤمنين رأى في ليلة في المنام؛ أنه صعد درجةً حتى انتهى إلى خمس وعشرين مرقاة منها؛ فقيل له: هذا ملكك؛ وبلغ الخبر ابن المنجّم، فدخل عليه محمد بن موسى وعليّ بن يحيى المنجم مهنئين له بالرؤيا، فقال: لم يكن الأمر على ما ذكر لكم أحمد ابن الخصيب؛ ولكني حين بلغت آخر المراقي، قيل لي: قف فهذا آخر عمرك؛ واغتمّ لذلك غمّاً شديداً، فعاش بعد ذلك أياماً تتمذة سنة، ثمّ مات وهو ابن خمس وعشرين سنة. وقيل: توفيّ وهو ابن خمس وعشرين سنة وستة أشهر. وقيل: بل كان عمره أربعاً وعشرين سنة، وكانت مدة خلافته ستة أشهرفي قول بعضهم ويومين. وقيل: كانت ستة أشهر سواء. وقيل: كانت مائة يوم وتسعة وسبعين يوماً. وكان وفاته بسامرّا بالقصر المحدث بعد أن أظهر في إخوته ما أظهر بأربع وأربعين ليلة؛ وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال: فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الربّ الكريم أصير وصلّى عليه أحمد بم محمد بن المعتصم بسامرّا؛ وبها كان مولده. وكان أعين أفتى قصيراً جيّد البضعة. وكان - فيما ذكر - مهيباً. وهو أول خليفة من بني العباس - فيما بعد - عرف قبره؛ وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره. وكانت كيته أبا جعفر واسم أمه حبشية وهي أمّ ولد روميّة. ذكر بعض سيره ذكر أن المنتصر لمّا ولي الخلافة كان أول شيء أحدث من الأمور عزل صالح عن المدينة وتولية عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إياها؛ فذكر عن عليّ بن الحسين، أنه قال: دخلت عليه أودّعه، فقال لي: يا عليّ، إني أوجّهك إلى الحمى ودمي - ومدذ جلد ساعده - وقال: إلى هذا وجّهتك، فاظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم! يعني آل أبي طالب، فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين أيدّه اللّه فيهم إن شاء اللّه؛ فقال: إذاً تسعد بذلك عندي. وذكر عن محمد بن هارون، كاتب محمد بن عليّ برد الخيار وخليفته على ديوان ضياع إبراهيم المؤيد، أنه أصيب مقتولاً على فراشه، به عدّة ضربات بالسيف، فأحضر ولده خادماً أسود كان له وصيفاً، ذكر أن الوصيف أقلرّ على الأسود. فأدخل على المنتصر، وأحضر جعفر بن عبد الواحد، فسئل عن قتله مولاه، فأقرّ به، ووصف فعله به وسسب قتله إياه فقال له المنتصر: ويلك! لم قتلته؟ فقال له الأسود: لما قتلت أنت أباك المتوكل! فسأل الفقهاء في أمره. فأشاروا بقتله، فضرب عقه وصلبه، عند خشبة بابك. وفي هذه السنة حكّم محمد بن عمرو الشاري، وخرج بناحية الموصل، فوجّه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغانيّ، فأخذه أسيراً مع عدة من أصحابه. فقتلوا وصلبوا. وفيها تحرّك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان، فصار إلى هراة. وذكر عن أحمد بن عبد اللّه بن صالح صاحب المصلّى أنه قال: كان لأبي مؤذّن، فرآه بعض أهلنا في المام كأنه أذّن أذاناً لبعض الصّلوات؛ ثم دنا من بيت فيه المنتصر، فنادى: يا محمد، يا منتصر. إنّ ربّك لبالمرصاد. وذكر عن بنان المغنّي - وكان فيما قيل أخصّ الناس بالمنتصر في حياة أبيه وبعد ما ولى الخلافة - أنه قال: سألت المنتصر أن يهب لي ثوب ديباج وهو خليفة؛ فقال: أو خير لك من الثوب الديباج؟ قلت: وما هو؟ قال: تتمارض حتى أعودك؛ فإنه سيهدي لك أكثر من الثوب الديباج؛ فمات في تلك الأيام، ولم يهب لي شيئاً. وفي هذه السنة بويع بالخلافة أحمد بم محمد بن المعتصم. خلافة أحمد بن محمد بن المعتصم وهو المستعين ويكنى أبا العباس ذكر الخبر عن سبب ولايته والوقت الذي بويع له فيه: ذكرأنّ المنتصر لما توفّى؛ وذلك يوم السبت عند العصر لأربع خلون من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومائتين، اجتمع الموالي إلى الهارونيّ يوم الأحد، وفيهم بغا الصغير وبغا الكبير أوتامش ومن معهم، فاستحلفوا قوّاد الأتراك والمغاربة والأشروسنيّة - وكان الذي يستحلفهم عليّ بن الحسين ابن عبد الأعلى الأسكافيّ كاتب بغا الكبير - على أن يرضوا بمن يرضى به بغا الصغير وبغا الكبيرأوتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلف القوم وتشاوروا بينهم، وكرهوا أن يتولّى الخلافة أحدٌ من ولد المتوكل؛ لقتلهم أباه، وخوفهم أن يغتالهم من يتولى الخلافة منهم؛ فأجمع أحمد بن الخصيب ومن حضر من الموالي على أحمد بن محمد بن المعتصم، فقالوا: لا نخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم؛ وقد كانوا قبله دكروا جماعة من بني هاشم؛ فبايعوه وقت العشاء من ليلة الاثنين، لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة؛ وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس. فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش. فلما كان يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر صار إلى دار العامة من طريق العمريّ بين البساتين، وقد ألبسوه الطويلة وزيّ الخلافة؛ وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس، ووافى واجن الأشروسنيّباب العامة من طريق الشارع على بيت المال، فصفّ أصحابه صفين، وقام في الصفّ وهو عدّة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من ولد المتوكل والعباسيين والطالبييّن وغيرهم ممن لهم مرتبة؛ فبيناهم كذلك، وقد مضى من النهار ساعة ونصف؛ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق؛ فإذا نحوٌ من خمسين فارساً من الشاكرية؛ ذكروا أنهم من أصحاب أبي العباس محمد بن عبد اللّه، ومعهم قوم من فرسان طبريّة وأخلاط من الناس ومعهم من الغوغاء والسوقة نحو من ألف رجل؛ فشهروا السلاح، وصاحوا: يا معتزّ يا منصور، وشدّوا على صفذي الأشروسنيّة اللّذين صفّهما واجن، فتضعضعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، ونفر من على باب العامة من المبيضّة مع الشاكريّة، فكثروا، فشدّ عليهم المغاربة والأشروسنيّة، فهزموهم حتى أدخلوهم الدّرب الكبير المعروف بزرافة وعزّون. وحمل قوم منهم على المعتزّية، فكشفوهم؛ حتى جاوزوا بهم دار أخي عزّون بن إسماعيل وهم في مضيق الطريق، فوقف المعتزّية هنالك، ورمى الأشروسنيّة عدّة منهم بالنّشاب، وضربوهم بالسيوف، ونشب الحرب بينهم؛ وأقبلت المعتزّية والغوغاء يكبّرون؛ فوقعت بينهم قتلى كثيرة؛ إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات. ثم انصرف الأتراك وقد بايعوا أحمد بن محمد بن المعتصم؛ وانصرفوا مما يلي العمريّ والبساتين، وأخذ الموالي قبل انصرافهم البيعة على من حضر الدار من الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب. وخرج المستعين من باب العامة منصرفاً إلى الهارونيّ، فبات هنالك. ومضى الأشروسنيّة إلى الهارونيّ، وقد قتل من الفريقين عددٌ كثير، ودخل قوم من الأشروسنيّة دوراً، فظفرت بهم الغوغاء، فأخذوا دروعهم وسلاحهم وجواشنهم ودوابهّم، ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة منصرفين إلى الهارونيّ، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح والدروع والجواشن واللجم المغربية وأكثروا منها؛ وربّما مرّ أحدهم بالجواشن والحراب فأكثر، وانتهبوا في دار أرمش ابن أبي أيوب بحضرة أصحاب الفقّاع تراس خيزران وقناً بلا أسنّة؛ فكثرت الرّماح والتراس في أيدي الغوغاء وأصحاب الحمامات وغلمان الباقليّ، ثم جاءتهم جماعة من الأتراك منهم بغا الضغير من دري زرافة، فأحلّوهم من الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وأمسكوا قليلاً. ثم انصرف الفريقان، وقد كثرت القتلى بينهم؛ وأقبل الغوغاء لا يمرّ أحد من الأتراك من أسافل سامرّا يريد باب العامة إلاّ انتبهوا سلاحه، وقتلبوا جماعة منهم عند دار مبارك المغربي، وعند دار حبش أخي يعقوب قوصرّة في شوارع سامرّا، وعامة من انتهت فيما ذكر هذا السلاح أصحاب الفقّاع والناطف وأصحاب الحمّامات والسقاءون وغوغاء الأسواق؛ فلم يزل ذلك أمرهم إلى نصف النهار، وتحرّك أهل السجن بسامرّا في هذا اليوم فهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر في اليوم الذي بويع له فيه، وكان وصوله إلى محمد في اليوم الثاني، ووافى به لأتامش ومحمد بن عبد اللّه في نزهة له، فوجه الحاجب إليه، وأعلمه مكانه، فرجع من ساعته، وبعث إلى الهاشميين والقواد والجند، ووضع لهم الأرزاق. وورد في هذه السنة على المستعين وفاة طاهر عبد اللّه بن طاهر بخرسان في رجب، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر على خراسان، ولمحمد بن عبد اللّه على العراق، وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد برأسه وأفرده به، وعقد في الجوسق لمحمد بن طاهر بن عبد اللّه ابن طاهر على خراسان والأعمال المضمومة إليها خاصة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة من شعبان. ومرض بغا الكبير في جمادى الآخرة، فعاده المستعين في النصف منها، ومات بغا من يومه، فعقد لموسى ابنه على أعماله وعلى أعمال أبيه كلها. وولى ديوان البريد. وفي هذه السنة وجه ألوجو التركي إلى أبي العمود الثعلبي فقتله يوم السبت بكفر توثي لخمس بقين من شهر ربيع الآخر. وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج؛ فوجه خلفه رسول من الشيعة اسمه شعيب بنفيه إلى برقة، ومنعه من الحج. وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد في جمادى الأولى منها جميع ما كان لهما، خلا شيئاً استثني منه المعتز قيمته مائة ألف دينار، وأخذ له ولإبراهيم غلة بثمانين ألف دينار في السنة؛ فلما كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان ابتيع من المعتز والمؤيد جميع ما لهما من الدور والمنازل والضياع والقصور والفرش والآلة وغير ذلك بعشرين ألف دينار، وأشهدا عليهما بذلك الشهود والعدول والقضاة وغيرهم. وقيل: ابتيع ما لهما من الضياع وترك إلى أبي عبد اللّه ما يكون غلته من العين في السنة عشرين ألف دينار، ولإبراهيم ما تبلغ قيمة غلته في السنة خمسة آلاف دينار؛ فكان ما اتبع من أبي عبد الله بعشرة آلاف ألف دينار وعشر حبات لؤلؤ، ومن إبراهيم بثلاثة آلاف ألف درهم وثلاث حبات لؤلؤ؛ وأشهد عليهما بذلك الفقهاء والقضاة. وكان الشراء باسم الحسن بن مخلد للمستعين، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين وخمساً في حجرة الجوسق، ووكلّ بهما، وجعل أمرهما إلى بغا الصغير؛ وكان الأتراك قد أرادوا حين شغب الغوغاء والشاكرية قتلهما؛ فمنعهم من ذلك أحمد بن الخصيب، وقال: ليس لهما ذنب ولا المشغبة من أصحابهما؛ وإنما المشغبة من أصحاب ابن طاهر، ولكن احبسوهما فحبسا. وفيها غضب الموالى على أحمد بن الخصيب؛ وذلك في جمادى الأولى منها، واستصفى ماله ومال ولده، ونفى إلى إقريطش. وفيها صرف علي بن يحيى عن الثغور الشامية، وعقد له على إرمينية وأذربيجان في شهر رمضان من هذه السنة. وفيها شغب أهل حمص على كيدر بن عبيد الله عامل المستعين عليها فأخرجوه منها، فوجه إليهم الفضل بن قارن، فمكر بهم حتى أخذهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وحمل منهم مائة رجل من عيونهم إلى سامراً، وهدم سورهم. وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشأمي حتى ورد عليه موت المنتصر، ثم دخل بلاد الروم؛ فافتتح حصناً يقال له فرورية، وعقد المستعين فيها لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيراً. وفيها عقد لبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهرجان قذق، وصير المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخزائنه وخاص أموره وقدمه أوتامش على جميع الناس. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فما كان فيها من ذلك غزو جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصناً ومطامير واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المصير إلى ناحية من بلاد الروم؛ فأذن له، فسار ومعه خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك في جمع من الروم عظيم بموضع، يقال له أرز من مرج الأسقف فحاربه بمن معه محاربة شديدة، قتل فيها خلق كثير من الفريقين، ثم أحاطت به الروم وهم خمسون ألفاً، فقتل عمر وألفا رجل من المسلمين؛ وذلك في يوم الجمعة للنصف من رجب. خبر مقتل علي بن يحيى الأرمنيوفيها قتل علي بن يحيى الأرمني ذكر الخبر عن سبب قتلهذكر أن الروم لما قتلت عمر بن عبيد الله خرجوا إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها وعلى حرم المسلمين بها، فبلغ ذلك علي بن يحيى وهو قافل من إرمينية إلى ميافارقين، فنفر إليهم جماعة من أهل ميافارقين والسلسلة، فقتل في نحو من أربعمائة رجل، وذلك في شهر رمضان. شغب الجند والشاكرية ببغدادوشغب الجند والشاكرية ببغداد في هذه السنة في أول يوم من صفر. ذكر الخبر عن السبب في ذلك وكان السبب في ذلك أن الخبر لما اتصل بأهل مدينة السلام وسامراً وسائر ما قرب منهما من مدن الإسلام بمقتل عمر بن عبيد الله الأقطع وعلي بن يحيى الأرمني - وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديداً بأسهما، عظيماً غناؤهما عنهم في الثغور التي هما بها - شق ذلك عليهم، وعظم مقتلهما في صدورهم مع قرب مقتل أحدهما من مقتل الآخر، ومع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتل المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء واستخلافهم من أحبوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر للمسلمين؛ فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير، وانضمت إليها الأبناء والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق؛ وذلك أول يوم من صفر، ففتحوا سجن نصر بن مالك، وأخرجوا من فيه وفي القنطرة بباب الجسر؛ وكان فيها جماعة - فيما ذكر - من رفوع خراسان والصعاليك من أهل الجبال والمحمرة وغيرهم، وقطعوا أحد الجسرين وضربوا الآخر بالنار، وانحدرت سفنه ، وانتهب ديوان قصص المحبسين وقطعت الدفاتر، وألقيت في الماء، وانتبهوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون النصرانين كاتبي محمد بن عبد الله؛ وذلك كله بالجانب الشرقي من بغداد. وكان والي الجانب الشرقي حينئذ أحمد بن محمد بن خالد بن هرثمة. ثم أخرج أهل اليسار من أهل بغداد وسامراً أموالاً كثيرة من أموالهم، فقووا من خف للنهوض إلى الثغور لحرب الروم بذلك؛ وأقبلت العامة من نواحي الجبل وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم؛ فلم يبلغنا أنه كان للسلطان فيما كان من الروم إلى المسلمين من ذلك تغيير، ولا توجيه جيش إليهم لحربهم في تلك الأيام. ولتسع بقين من شهر ربيع الأول، وثب نفر من الناس لا يدري من هم يوم الجمعة بسامراً، ففتحوا السجن بها، وأخرجوا من فيه، فوجه في طلب النفر الذين فعلوا ذلك زراقة في جماعة من الموالي، فوثب بهم العامة فهزموهم، ثم ركب في ذلك أوتامش ووصيف وبغا وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، وألقي على وصيف - فيما ذكر لي - قدر مطبوخ، ويقال: بل رماه قوم من العامة عند السريجة بحجر؛ فأمر وصيف النفاطين، فقذفوا ما هنالك من حوانيت التجار ومنازل الناس بالنار؛ فأنا رأيت ذلك الموضع محتوقاً؛ وذلك بسامراً عند دار إسحاق. وذكر أن المغاربة انتهبت منازل جماعة من العامة في ذلك اليوم؛ ثم سكن الأمر في آخر ذلك اليوم، وعزل بسبب ما كان من العامة والنفر الذين ذكرت في ذلك اليوم من الحركة، أحمد بن جميل عما كان إليه من المعونة بسامراً، وولى مكانه بن سهل الدارج. ذكر خبر قتل أوتامش وكاتبهوفي هذه السن قتل أوتامش وكاتبه شجاع بن القاسم؛ وذلك يوم السبت لأربع عشرة خلون من شهر ربيع الآخر منها. ذكر الخبر عن سبب مقتلهذكر أن المستعين لما أفضت إليه الخلافة، أطلق يد أوتامش وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وأباحهما فعل ما أراد فعله فيها؛ وفعل ذلك أيضاً بأم نفسه، فلم يمنعها من شئ تريده؛ وكان كاتبها سلمة بن سعيد النصراني، وكانت الأموال التي ترد على السلطان من الآفاق إنما يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة الأنفس، فعمد أوتامش إلى ما في بيوت الأموال من الأموال فاكتسحه؛ وكان المستعين قد جعل ابنه العباس في حجر أوتامش؛ فكان ما فضل من الأموال عن هؤلاء الثلاثة الأنفس يؤخذ للعباس، فيصرف في نفقاته وأسبابه - وصاحب ديوان ضياعه يومئذ دليل - فاقتطع من ذلك أمولاً جليلة لنفسه؛ وجعلت الموالي تنظر إلى الأموال تستهلك؛ وهم في ضيقة، وجعل أوتامش وهو صاحب المستعين وصاحب أمره، والمستولي عليه ينفذ أمور الخلافة؛ ووصيف وبغا من ذلك بمعزل، فأغريا الموالي به، ولم يزالا يدبران الأمر عليه حتى أحكما التدبير، فتذمرت الأتراك والفراعنة على أوتامش، وخرج إليه منهم يوم الخميس لاثني عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة أهل الدور والكرخ، فعسكرا وزحفوا إليه وهو في الجوسق مع المستعين. وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره فأقاموا على ذلك من أمرهم يوم الخميس ويوم الجمعة؛ فلما كان يوم السبت دخلوا الجوسق، فاستخرجوا أوتامش من موضعه الذي توارى فيه، فقتل وقتل كاتبه شجاع بن القاسم، وانتهبت دار أوتامش، فأخذ منها - فيما بلغني - أموالٌ جليلة ومتاع وفرش وآلة. ولما قتل أوتامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، ووليه عيسى بن فرخانشاه، وولى صيف الأهواز، وبغا الصغير فلسطين في شهر ربيع الآخر. ثم غضب بغا الصغير وحزبه على أبي صالح بن يزداد، فهرب أبو صالح إلى بغداد في شعبان، وصير المستعين مكانه محمد بن الفضل الجرجرائي؛ فصير ديوان الرسائل إلى سعيد بن حميد رياسة، فقال في ذلك الحمدوني: لبس السيف سعيد بعدما ... عاش ذا طمرين لا نوبة له إن لله لآيات وذا ... آية لله فينا منزله مقتل علي بن الجهموفيها قتل علي بن الجهم بن بدر؛ وكان سبب ذلك أنه توجه من بغداد إلى الثغر، فلما كان بقرب حلب بموضع يقال له خساف؛ لقيته خيل لكلب، فقتله، وأخذ الأعراب ما كان معه، فقال وهو في السياق: أزيد في الليل ليل ... أم سال بالصبح سيل ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل! وكان منزله في شارع الدجيل. وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد بن عمار البرجمي من أهل الكوفة؛ وقد قيل إن في ذلك في سنة خمسين ومائتين. وفيها أصاب أهل الريّ في ذي الحجة زلزلة شديدة ورجفة تهدّمت منها الدور، ومات خلق من أهلها وهرب الباقون من أهلها من المدينة؛ فنزلوا خرجها. ومطر أهل سامرّا يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى؛ وذلك يوم السادس عشر من تمّوز مطرٌ جود برعد وبرق، فأطبق الغيم ذلك اليوم؛ ولم يزل المطر جوداً سائلاً يومئذ إلى إصفرار الشمس ثم سكن. وتحرّكت المغاربة في هذه السنة يوم الخميس لثلاث خلون من جمادى الأولى، وكانوا يجتمعون قرب الجسر بسامرّا، ثم تفرّقوا يوم الجمعة. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمتام وهو والي مكة. ثم دخلت سنة خمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من أحداث ظهور يحبى بن عمر الطالبيّ ثم مقتله فمن ذلك ما كان من ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه؛ المكنى بأبي الحسين بالكوفة، وفيها كان مقتله رضي اللّه عنه. ذكر الخبر عن سبب ظهوره وما آل إليه أمره ذكر أن أبا الحسين يحيى بن عمر - وأمّه أم الحسين فاطمة بنت الحسين ابن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب - نالته ضيقة شديدة، ولزمه دين ضاق به ذرعاً، فلقيّ عمر بن فرج - وهو يتولّى أمر الطالبين - عند مقدمه من خراسان أيام المتوكل، فكلّمه في صلته، فأغلظ عليه عمر القول؛ فقذفه يحيى بن عمر في مجلسه، فحبس، فلم يزل محبوساً إلى أن كفل به أهله، فأطلق، فشخص إلى مدينة السلام، فأقام بها بحال سيّئة، ثم صار إلى سامرّا، فلقي وصيفاً في رزق يجري له، فأغلظ له وصيفٌ في القول، وقال: لأيذ شيء يجري على مثلك! فانصرف عنه. فذكر ابن أبي طاهر أن ابن الصوفيّ الطالبيّ حدّثه، أنه أتاه في الليلة التي كان خروجه في صبيحتها، فبات عنده، ولم يعلمه بشيء مما عزم عليه؛ وأنه عرض عليه الطّعام، وتبيّن فيه أنه جائع، فأبى أن يأكل وقال: إن عشنا أكلنا، قال: فتبيذنت أنه قد عزم على فتكة؛ وخرج من عندي؛ فجعل وجهه إلى الكوفة؛ وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان عاملاً عليها من قبل محمد بن عبد اللّه بن طاهر؛ فجمع يحيى بن عمر جمعاً كثيراً من الأعراب، وضوى إليه جماعة من أهل الكوفة، فأتى الفلّوجة؛ فصار إلى قرية تعرف بالعمد؛ فكتب صاحب البريد بخبره؛ فكتب محمد بن عبد اللّه بن طاهر إلى أيوب بن الحسن وعبد اللّه بن محمود السرخسيّ - وكان عامل محمد بن عبد اللّه على معاون السواد - يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى ابن عمر - وكان على الخراج بالكوفة بدر بن الأصبغ - فمضى يحيى بن عمر في سبعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها، وصار إلى بيت مالها؛ فأخذ ما فيه؛ والذي وجد ألفا دينار وزيادة شيء، ومن الورق سبعون ألف درهم؛ وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجنين وأخرج جميع من كان فيها؛ وأخرج عمّالها عنها، فلقيه عبد اللّه بن محمود السرخسيّ - وكان في عداد الشاكريّة، فضربه يحيى بن عمر ضربةً على قصاص شعره في وجهه أثخنته فانهزم ابن محمود مع أصحابه، وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدوابّ والمال. ثم خرج يحيى بن عمر من الكوفة إلى سوادها، فصار إلى موضع يقال له بستان - أو قريباً منه - على ثلاثة فراسخ من جنبلاء؛ ولم يقم بالكوفة، وتبعته جماعة من الزيديّة، واجتمعت على نصرته جماعة من قرب تلك الناحية من الأعراب وأهل الطّفوف والسيّب الأسفل، وإلى ظهر واسط. ثم أقام بالبستان، فكثر جمعه فوجّه محمد بن عبد اللّه لمحاربته الحسين بن إسماعيل ابن إبراهيم بن مصعب، وضمّ إليه من ذوي البأس والنجدة من قوّاده جماعة؛ مثل خالد بن عمران وعبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس، وأبي السناء الغنويّ، وعبد اللّه بن نصر بن حمزة، وسعد الضّبابيّ، ومن الإسحاقية أحمد ابن محمد بن الفضل وجماعة من خاصة الخراسانية وغيرهم. وشخص الحسين بن إسماعيل، فنزل بإزاء هفندي في وجه يحيى بن عمر، لا يقدم عليه الحسين بن إسماعيل ومن معه؛ وقصد يحيى نحو البحرية - وهي قرية بينها وبين قسيّن خمسة فراسخ، ولو شاء الحسين أن يلحقه لحقه - ثم مضى يحيى بن عمر في شرقيّ السيّب والحسين في غربيّه، حتى صار إلى أحمد أباذ فعبر إلى ناحيى سورا، وجعل الجند لا يلحقون ضعيفاً عجز عن اللحاق بيحيى إلا أخذوه، وأوقعوا بمن صار إلى يحيى بن عمر من أهل تلك القرى. وكان أحمد بن الفرج المعروف بابن الفزاريّ يتولى معوة السيّب لمحمد ابن عبد اللّه، فحمل ما اجتمع عنده منحاصل السيب قبل دخول يحيى بن عمر أحمد أباذ، فلم يظفر به. ومضى يحيى بن عمر نحو الكوفة، فلقيه عبد الرحمن بن الخطاب وجه الفلس، فقاتله بقرب جسر الكوفة قتالاً شديداً، فانهزم عبد الرحمن بن الخطاب، وانحاز إلى ناحية شاهى، ووافاه الحسين بن إسماعيل فعسكر بها، ودخل يحيى بن عمر الكوفة، واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبوه، وتولاه العامة من أهل بغداد - ولا يعلم أهم تولوا من أهل بيته غيره - وبايعه بالكوفة جماعة لهم بصائر وتدبير في تشيّعهم؛ ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم. وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح وأراح أصحابه دوابّهم، ورجعت إليهم أنفسهم، وشربوا العذب من ماء الفرات؛ واتّلت بهم الأمداد والميرة والأموال. وأقام يحيى بن عمر بالكوفة يعدّ العدد، ويطبع السيوف، ويعرض الرجال، ويجمع السلاح. وإن جماعة من الزيديّة ممّن لا علم له بالحرب، أشاروا على يحيى بمعالجة الحسين، وألحت عليه عوّام أصحابه بمثل ذلك، فزحفت إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من رجب؛ ومعهم الهيضم العجلي؛ في فرسان من بني عجل وأناس من بني أسد ورجالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علم ولا تدبير ولا شجاعة، فأسروا ليلتهم؛ ثم صبحوا حسيناً وأصحابه - وأصحاب حسين مستريحون ومستعدون - فثاروا إليهم في الغلس فرموا ساعة، ثم حمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا، ووضع فيهم السيف؛ فكان أول أسير الهيضم بن العلاء بن جمهور العجلي، فانهزم رجالة أهل الكوفة، وأكثرهم عزل بغير سلاح، ضعفي القوى، خلقان الثياب؛ فداستهم الخيل، وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جوشن تبنى، وقد تقطر به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود، فوقف عليه ابن لخالد بن عمران يقال له خير؛ فلم يعرفه، وظن أنه رجل من أهل خراسان، لما رأى عليه الجوشن. وقف عليه أيضاً أبو الغور بن خالد بن عمران، فقال لخير بن خالد: يا أخي، هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبه؛ وهو نازل لا يعرف القصة لانفراج قلبه، فأمر خير رجلاً من أصحابه المواصلين من العرفاء يقال له محسن بن المنتاب، فنزل إليه فذبحه، وأخذ رأسه وجعله في قوصرة، ووجهه مع عمر بن الخطاب أخي عبد الرحمن بن الخطاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر. وادعى قتله غير واحد، فذكر عن العرس بن عراهم أنهم وجدوه باركاً ووجدوا خاتمه مع رجل يعرف بالعسقلاني مع سيفه، وادعى أنه طعنه وسلبه، وادعى سعد الضباني أنه قتله. وذكر عن أبي الحسين خال أبي السناء أنه طعن في الغلس رجلاً في ظهره لا يعرفه، فأصابوا في ظهر أبي الحسين طعنة ولا يدري من قتله، لكثرة من ادعاه، وورد الرأس دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وقد تغير، فطلبوا من يقور ذلك اللحم، ويخرج الحدقة والغلصمة، فلم يوجد وهرب الجزارون وطلب ممن في السجن من الخرمية الذباحين من يفعل له سهل بن الصغدي، فإنه تولى وإخراج دماغه وعينيه وقوره بيديه، وحشي بالصبر والمسك والكافور بعد أن غسل وصير في القطن. وذكر أنهم رأوا بجنبيه ضربة بالسيف منكرة ثم إن محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحمل رأسه إلى المستعين من غد اليوم الذي وافاه فيه، وكتب إليه بالفتح بيده، ونصب رأسه بباب العامة بسامراً، واجتمع الناس لذلك، وكثروا وتذمروا وتولى إبراهيم الديرج نصبه؛ لأن إبراهيم بن إسحاق خليفة محمد بن عبد الله أمره فنصبه لحظة، ثم حط، ورد إلى بغداد لينصب بها بباب الجسر؛ فلم يتهيأ ذلك لمحمد بن عبد الله لكثرة من اجتمع من الناس. وذكر لمحمد بن عبد الله أنهم على أخذه اجتمعوا، فلم ينصبه، وجعله في صندوق في بيت السلاح في داره، ووجّه الحسين ابن إسماعيل بالأسرى ورءوس من قتل معه مع رجل يقال له أحمد بن عصمويه، ممّن كان مع إسحاق بن إبراهيم، فكدّهم وأجاعهم وأساءبهم؛ فأمر بهم فحبسوا في سجن الجديد، وكتب فيهم محمد بن عبد اللّه يسأل الصفح عنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرءوس ولا تنصب، فدفنت في قصر بباب الذهب. وذكر عن بعض الطاهرييّن أنه حضر مجلس محمد بن عبد اللّه وهو يهنأ بمقتل يحيى بن عمرو بالفتح وجماعة من الهاشميين والطالبييّن وغيرهم حضور؛ فدخل عليه داود بن القاسم أبو هاشم الجعفريّ فيمن دخل، فسمعهم يهنّئونه، فقال: أيها الأمير؛ إنك لتهنّئأ بقتل رجل لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيّاً لعزّي به! فما ردّ عليه محمد بن عبد اللّه شيئاً، فخرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول: يا بني كلوه وبيّاً ... إن الحم النبيّ غير مريّ إنّ وتراً يكون طالبه الل ... ه لوترٍ نجاحه بالحريذ وكان المستعين قد وجّه كلباتكين مدداً للحسين ومستظهراً به، فلحق حسيناً بعد ما هزم القوم وقتل يحيى بن عمر، فمضى ومعهم صاحب بريد الكوفة فلقي جماعة ممّن كان مع يحيى بن عمر، ومعهم أسوقة وأطعمة يريدون عسكر يحيى؛ فوضع فيهم السيّف فقتلهم، ودخل الكوفة؛ فأراد أن ينهبها ويضع السيف في أهلها، فمنعه الحسين، وآمن الأسود والأبيض بها؛ وأقام أياماً ثم انصرف عنها. ذكر خبر خروج الحسن بن زيد العلويّ وفي هذه السنة كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن ابن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في شهر رمضان منها. ذكر الخبر عن سبب خروجه: حدثني جماعة من أهل طبرستان وغيرهم؛ أنّ سبب ذلك كان أنّ محمد بن عبد اللّه بن طاهر لمّا جرى على يديه ما جرى من قتل يحيى بن عمر ودخول أصحابه وجيشه الكوفة بعد فراغهم من قتل يحيى، أقطعه المستعين من صوافي السلطان بطبرستان قطائع؛ وأن من تلك القطائع التي أقطعها قطيعة فيما قرب من ثغري طبرستان ممّا يلي الدّيلم؛ وهما كلار وسالوس، كان بحذائها أرض لأهل تلك الناحية فيها مرافق، منها محتطبهم ومراعي مواشيهم ومسرح سارحتهم؛ وليس لأحد عليها ملك؛ وإنما هي صحراء من موتان الأرض؛ غير أنها ذات غياض وأشجار وكلأ. فوجّه - فيما ذكر لي - محمد بن عبد اللّه بن طاهر أخاً لكاتبه بشر بن هارون النصرانيّ يقال له جابر بن هارون، لحيازة ما أقطع هنالك من الأرض، وعامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد اللّه خليفة محمد بن طاهر بن عبد اللّه بن طاهر، أخو محمد بن عبد اللّه بن طاهر، والمستولي على سليمان، والغالب على أمره محمد بن أوس البلخيّ؛ وقد فرّق محمد بن أوس ولده في مدن طبرستان، وجعلهم ولاتها، وضمّ إلى كلّ واحد منهم مدينة منها؛ وهم أحدث سفهاء؛ قد تأذّى بهم وبسففهم من تحت أيديهم من الرعيّة واستنكروا منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبد اللّه أثرهم فيهم؛ بقصص يطول الكتاب بشرح أكثرها. ووتر مع ذلك - فيما ذكر لي - محمد بن أوس الديلم بدخوله إلى ما قرب من بلادهم من حدود طبرستان؛ وهم أهل سلم وموادعة لأهل طبرستان على اغترار من الدّيلم بما يلتمس بدخوله إليهم بغارة، فسبى منهم وقتل، ثم انكفأ راجعاً إلى طبرستان، فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان عليه حنقاً وغيظاً، فلما صار رسول محمد بن عبد اللّه - وهو جابر بن هارون النصرانيّ - إلى طبرستان لحيازة ما أقطعه هنالك محمد، عمد - فيما قيل لي - جابر بن هارون إلى ما أقطع محمد بن عبد اللّه من صوا في السلطان فحازه، وحاز ما اتّصل به من موات الأرض التي يرتفق بها أهل تلك الناحية - فيما ذكر - فكان فيما رام حيازته من ذلك الموات الذي بقرب من الثغريين اللذين يسمى أحدهما كلار والآخر سالوس؛ وكان في تلك الناحية يومئذ رجلان معروفان بالبأس والشجاعة، وكانا مذكورين قديماً بضبط تلك الناحية ممن رامها من الدّيلم، وبإطعام الناس بها وبالإفضال عن من ضوى إليهما؛ يقال لأحدهما محمد وللآخر جعفر؛ وهما ابنا رستم أخوان؛ فأنكرا ما فعل جابر بن هارون من حيازته الموات الذي وصفت أمره، ومانعاه ذلك. وكان ابنا رستم في تلك الناحية مطاعين فاستنهضا من أطاعهما ممّن في ناحيتهما لمنع جابر بن هارون من حيازة ما رام حيازته من الموات الذي هو مرفق لأهل تلك الناحية - فيما ذكر - وغير داخل فيما أقطعه صاحبه محمد بن عبد اللّه، فنهضوا معهما، وهرب جابر بن هارون خوفاً على نفسه منهما وممن قد نهض معهما، لإنكار ما رام جابر النصرانيّ فعله. فلحق بسليمان بن عبد اللّه ابن طاهر، وأيقن محمد وجعفر ابنا رستم ومن نهض معهما في منع جابر عما حاول من حيازة ما حاول حيازته من الموات الذي ذكرت بالشرّ، وذلك أن عامل طبرستان كلّها سليمان بن عبد اللّه؛ وهو أخو محمد بن عبد اللّه بن طاهر وعمّ محمد ابن طاهر بن عبد اللّه عامل المستعين على خراسان وطبرستان والرّيّ والمشرق كله يومئذ. فلما أيقن القوم بذلك، راسلوا جيرانهم من الدّيلم، وذكّروهم وفاءهم لهم بالعهد الذي بينهم وبينهم وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل والسبي، وأنهم لا يأمنون من ركوبه إياهم بمثل الذي ركبهم به، ويسألونهم مظاهرتهم عليه وعلى من معه؛ فأعلمهم الديلم أنّ ما يلي على أرضهم من جميع نواحيها من الأرضيين والبلاد؛ إنما عمّالها إمّا عمال لطاهر؛ وإمّا من يتّخذ آل طاهر إن احتاجوا إلى إنجادهم؛ وإن ما سألوا من معاونتهم لا سبيل لهم إليه إلا بزوال الخوف عنهم من أن يؤتوا من قبل ظهورهم إذا هم اشتغلوا بحرب بين أيديهم من عمال سليمان بن عبد اللّه؛ فأعلمهم الذين سألوهم المظاهرة على حرب سليمان وعماله أنهم لا يغفلون عن كفايتهم ذلك؛ حتى يأمنوا مما خافوا منه، فأجابهم الدّيلم إلى ما سألوهم من ذلك، وتعاقدوا هم وأهل كلار وسالوس على معاونة بعضهم بعضاً على حرب سليمان ابن عبد الله وابن أوس وغيرهم ممن قصدهم بحرب. ثم أرسل ابنا رستم محمد وجعفر - فيما ذكر - إلى رجل من الطالبيين المقيمين كانوا يومئذ بطبرستان، يقال له محمد بن إبراهيم يدعونه إلى البيعة له، فأبى وامتنع عليهم، وقال لهم؛ لكني أدلكم على رجل منا هو أقوم بما دعوتموه إليه مني، فقالوا: من هو؟ فأخبرهم أنه الحسن بن زيد، ودلهم على منزله ومسكنه بالري. فوجه القوم إلى الري عن رسالة محمد بن إبراهيم العلوي إليه من يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان؛ فشخص معه إليها، فوافاهم الحسن بن زيد، وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وسالوس ورويان على بيعته وقتال سليمان بن عبد الله واحدةً؛ فلما وافاهم الحسن بن زيد بايع له ابنا رستم، وجماعة أهل الثغور ورؤساء الديلم: كجايا ولا شام ووهسودان بن جستان، ومن أهل رويان عبد الله بن ونداميد - وكان عندهم من أهل التأله والتعبد - ثم ناهضوا من في تلك النواحي من عمال ابن أوس فطردهم عنها؛ فلحقوا بابن أوس وسليمان بن عبد الله؛ وهما بمدينة سارية، وانضم إلى الحسن ابن زيد مع من بايعه من أهل النواحي التي ذكرت؛ لما بلغهم ظهوره بها حوزية جبال طبرستان كما صمغان وفادسبان وليث بن قباذ، ومن أهل السفح خشكجستان بن إبراهيم بن الخليل بن ونداسفجان، خلا ما كان من سكان جبل فريم؛ فإن رئيسهم كان يومئذ والمتلك عليهم قارن بن شهريار؛ فإنه كان ممتنعاً بجبله وأصحابه، فلم ينقد للحسن بن زيد ولا من معه حتى مات ميتة نفسه، مع موادعة كانت بينهما في بعض الأحوال، ومخاتنة ومصاهرة كفاً من قارن بذلك من فعله عادية الحسن بن ومن معه. ثم زحف الحسن بن زيد وقواده من أهل النواحي التي ذكرت نحو مدينة آمل، وهي أول مدن طبرسان مما يلي كلار وسالوس من السفج - وأقبل ابن أوس من سارية إليها يريد دفعه عنها، فالتقى جيشاهما في بعض نواحي آمل، ونشبت الحرب بينهم. وخالف الحسن بن زيد وجماعة ممن معه من أصحابه موضع معركة القوم إلى ناحية أخرى، فدخلوها فاتصل الخبر بدخوله مدينة آمل بابن أوس؛ وهو مشتغل بحرب من هو في وجهه من رجال الحسن بن زيد؛ فلم يكن له هم إلا النجاء بنفسه واللحاق بسليمان بسارية؛ فلما دخل الحسن بن زيد آمل كثف جيشه، وغلظ أمره، وانقض إليه كل طالب نهب ومريد فتنة من الصعاليك والحوزية وغيرهم؛ فأقام - فيما حدثت - الحسن بن زيد بآمل أياماً؛ حتى جبى الخراج من أهلها، واستعد. ثم نهض بمن معه نحو سارية مريداً سليمان بن عبد الله، فخرج سليمان وابن أوس بمن معهما من جيوشهما؛ فالتقى الفريقان خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فخالف الوجه الذي التقى فيه الجيشان بعض قواد الحسن بن زيد إلى وجه آخر من وجوه سارية، فدخلها برجاله وأصحابه، فانتهى الخبر إلى سليمان بن عبد الله ومن معه من الجند؛ فلم يكن لهم هم غير النجاة بأنفسهم. ولقد حدثني جماعة من أهل تلك الناحية وغيرها، أن سليمان بن عبد الله هرب وترك أهله وعياله وثقله وكل ما كان له بسارية من مال وأثاث وغير ذلك بغير مانع ولا دافع؛ فلم يكن له ناهية دون جرجان. وغلب على ما كان له ولغيره بها من جنده الحسن بن زيد وأصحابه. فأما عيال سليمان وأهله وأثاثه فإنه بلغني أن الحسن بن زيد أمر لهم بمركب حملهم فيه حتى ألحقهم بسليمان وهو بجرجان، وأما ما كان لأصحابه فإن من كان مع الحسن بن زيد من التبع انتهبه، فاجتمع للحسن بن زيد بلحاق سليمان بن عبد الله بجرجان إمرة طبرستان كلها. فلما اجتمعت للحسن بن زيد طبرستان، وأخرج عنها سليمان ابن عبد الله وأصحابه وجه إلى الري خيلاً مع رجل من أهل بيته، يقال له الحسن بن زيد، فصار إليها، فطرد عنها عاملها من قبل الطاهرية، فلما دخل الموجه به من قبل الطالبيين الري هرب منها عاملها، فاستخلف بها رجلاً من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها، فاجتمعت للحسن بن زيد مع طبرستان الري إلى حد همذان، وورد الخبر بذلك على المستعين ومدبر أمره يومئذ وصيف التركي، وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد، وإليه خاتم المستعين ووزارته. فوجه إسماعيل بن فراشة في جمع إلى همذان، وأمره بالمقام بها وضبطها إلى أن يتجاوز إليها خيل الحسن بن زيد؛ ذلك أن ما وراء عمل همذان كان إلى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وبه عماله وعليه صلاحه. فلما استقر بمحمد بن جعفر الطالبي القرار بالري ظهرت منه - فيما ذكر - أمور كرهها أهل الري، فوجه محمد بن طاهر بن عبد الله قائداً له من قبله، يقال له محمد بن مكيال - وهو أخو الشاه بن مكيال - في جمع من الخيل والرجالة إلى الري، فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري؛ فذكر أن محمد بن مكيال أسر محمد بن جعفر الطالبي، وفض جيشه، ودخل الري، فأقام بها، ودعا بها للسلطان؛ فلم يتطاول بها مكثه حتى وجه الحسن بن زيد إليه خيلاً، عليها قائد له من أهل اللازر، يقال له واجن: فلما صار واجن إلى الري خرج إليه محمد بن مكيال، فاقتتلا، فهزم واجن وأصحابه محمد بن ميكال وجيشه، إلتجأ محمد بن مكيال إلى مدينة الري معتصماً بها، فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد. فلما كان يوم عرفة من هذه السنة بعد مقتل محمد بن مكيال، ظهر بالري أحمد بن عيسى بن علي بن حسين الصغير بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله ابن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب؛ فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضا من آل محمد؛ فحاربه محمد بن علي بن طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى، فصار إلى قزوين. وفي هذه السنة غضب علي بن جعفر بن عبد الواحد، لأنه كان بعث إلى الشاكرية، فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنفي إلى البصرة لسبع بقين من شهر ربيع الأول. وفيها أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية، كابن أبي الشوارب والعثمانيين. وأخرج في هذه السنة من الحبس الحسن بن الأفشين. وأجلس فيها العباس بن أحمد بن محمد، فعقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة في جمادى الأولى. وفيها وثب أهل حمص وقومٌ من كلب - عليهم رجل يقال له عطيف بن نعمة الكلبي - بالفضل بن قارن أخي مازيار بن قارن؛ وهو يؤمئذ عامل السلطان على حمص، فقتلوه في رجب؛ فوجه المستعبن إليهم موسى بن بغا الكبير، فشخص موسى من سامرا يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان؛ فلما قرب تلقاه أهلها فيما بينها وبين الرستن، فحاربهم فهزمهم؛ وافتتح حمص من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من رؤساء أهلها، وكان عطيف قد لحق بالبدو. وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمار القاضي يوم الأحد لسبع بقين من شهر رمضان. وفيها مات أحمد بن عبد الكريم الجواري والتيمي قاضي البصرة. وفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرا. وفيها وثبت الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فانتهبوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق. وفيها وجه محمد بن طاهر من خراسان بفيلين كان وجّه بهما إليه من كابل وأصنام وفوائح. وغزا الصائفة فيها بلكاجور. وحجّ بالناس في هذه السنة جعفر بن الفضل بشاشات وهو والي مكة. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر قتل باغر التركي فمما كان فيها من ذلك قتل وصيف وبغا الضغير باغر التركي واضطراب أمر الموالي. ذكر الخبر عن سبب قتلهما باغر ذكر أن سبب ذلك كان أن باغر كان أحد قتلة المتوكل، فزيد لذلك في أرزاقه، وأقطع قطائع؛ فكان مما أقطع ضياع بسواد الكوفة، فتضمن تلك الضياع التي أقطعها باغر هنالك من كاتب كان لباغر يهودي - رجل من دهاقين باروسما ونهر الملك - بألفي دينار في السنة، فعدا رجل بتلك الناحية، يقال له ابن مارمة على وكيل لباغر هنالك، فتناوله أو دس إليه من تناوله، فحبس ابن مارمة، وقيّد، ثم عمل حتى تخلص من الحبس، فصار إلى سامرا؛ فلقي دليل بن يعقوب النصراني وهو يومئذ كاتب بغا الشرابي وصاحب أمره، وإليه أمر العسكر، يركب إليه القواد والعمال؛ لمكانه من بغا. وكان ابن مارمة صديقاً لدليل، وكان باغر أحد قواد بغا، فمنع دليل باغر من ظلم أحمد بن مارمة؛ وانتصف له منه، فأوغر ذلك من فعله بصدر باغر، وباين كل واحد من دليل وباغر صاحبه بذلك السبب، وباغر شجاع بطل معروف القدر في الأتراك، يتوقاه بغا وغيره، ويخافون شره. فذكر أن باغر جاء يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة خمسين ومائتين إلى بغا، وبغا في الحمام، وباغر سكران شديد السكر، وانتظره حتى خرج من الحمام، ثم دخل عليه، فقال له: والله ما من قتل دليل بدّ ثم سبه، فقال له بغا: لو أردت قتل ابني فارس ما منعتك، فكيف دليل النصراني! ولكن أمري وأمر الخلافة في يديه فتنتظر حتى أصير مكانه إنساناً، وشأنك به. ثم وجه بغا إلى دليل يأمره ألا يركب؛ وقيل: بل تلقاه طبيب لبغا، يقال له ابن سرجويه، فأخبره بالقصة، فرجع إلى منزله، فاستخفى، وبعث بغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز، وكان ابن فيروز يكتب له قبل ذلك، فجعله مكان دليل، فيوهم باغر أنه قد عزل دليلاً؛ فسكن باغر، ثم أصلح بغا بين الدليل وباغر، وباغر يتهدد دليلاً بالقتل إذا خلا بأصحابه، ثم تلطف باغر للمستعين، ولزم الخدمة في الدار، وكره المستعين مكانه؛ فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من الأعمال؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تصيروا هذه الأعمال إلى أبي محمد باغر، فقال وصيف: نعم، وبلغت القصة دليلاً، فركب إلى بغا فقال له: أنت في بيتك؛ وهم في تدبير عزلك عن كل أعمالك؛ فإذا عزلت فما بقاؤك إلا أن يقتلوك! فركب بغا إلى دار الخلافة في اليوم الذي نوبته في منزله بالعشي، فقال لوصيف: أردت أن تزيلني عن مرتبتي، وتجيء بباغر فتصيره مكاني؛ وإنما باغر عبدٌ من عبيدي ورجل من أصحابي، فقال له وصيف: ما علمت ما أراد الخليفة من ذلك. فتعاقد وصيف وبغا على تنحية باغر من الدار والاحتيال له، وأرجفوا له أنه يؤمر ويضم إليه جيش سوى جيشه؛ ويخلع عليه، ويُجلس في الدار مجلس بغا ووصيف - وهما يسميان الأميرين - ودافعوه بذلك. وإنما كان المستعين تقرب إليه بذلك ليأمن ناحيته، فأحس هو ومن في ناحيته بالشر، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل أو بعضها مع غيرهم؛ فلما جمعهم ناظرهم ووكد البيعة عليهم كما وكدها في قتل المتوكل، فقالوا: نحن على بيعتنا، فقال: الزموا الدار حتى نقتل المستعين وبغا ووصيفاً، ونجيء بعلي بن المعتصم أو بابن الواثق، فنقعده خليفة حتى يكون الأمر لنا، كما هو لهذين اللذين قد استوليا على أمر الدنيا، وبقينا نحن في غير شيء؛ فأجابوه إلى ذلك، وانتهى الخبر إلى المستعين. فبعث إلى بغا ووصيف؛ وذلك يوم الاثنين، فقال لهما: ما طلبت إليكما أن تجعلاني خليفة؛ وإنما جعلتماني وأصحابكما، ثم نريدان أن تقتلاني! فحلفا له أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر. وقيل: إن امرأة لباغر كانت مطلقة منه، سعت إلى أم المستعين وإلى بغا بذلك، وبكّر دليل إلى بغا، وحضر وصيف إلى منزل بغا ومع وصيف أحمد بن صالح كاتبه؛ فاتفق رأيهم على أخذ باغر واثنين من الأتراك معه وحبسهم حتى يروا رأيهم فيهم، فأحضروا باغر، فأقبل في عدة حتى دخل الدار إلى بغا. فذكر عن بشر بن سعيد المرثدي أنه قال: كنت حاضراً دخوله، فمنع من الوصول إلى بغا ووصيف، وعُطف به إلى حمام لبغا، ودعي له بالقيود؛ فامتنع عليهم؛ فحبسوه في الحمام؛ وبلغ ذلك الأتراك في الهاروني والكرخ والدور، فوثبوا على إسطبل السلطان، فأخذوا ما كان فيه من الدواب فانتهبوها وركبوها، وحضروا الجوسق بالسلاح؛ فلما أمسوا أمر وصيف وبغا رشيد بن سعاد أخت وصيف أن يقتل باغر، فأتاه في عدة؛ فشدخوه بالطبرزينات حتى أسكنوه؛ فلما علم المستعين باجتماعهم، ركب ووصيف وبغا حراقة، وصاروا إلى دار وصيف جميعاً، وتراكض الناس يومهم - وهو يوم الثلاثاء وليلته - بالسلاح جائين وذاهبين؛ فقال لهم وصيف: ترفقوا حتى تنظروا؛ فإن ثبتوا على المقاومة رمينا إليهم برأسه. فلما انتهى قتله إلى الأتراك المشغبة، أقاموا على ما هم عليه من الشغب حتى عملوا أن المستعين وبغا ووصيف قد انحدروا إلى بغداد؛ وقد كان وصيف أعطى قوماً من المغاربة فرساناً ورجالة السلاح والرماح، ووجه بهم إلى هؤلاء المشغبة، وبعث إلى الشاكرية أن يكونوا على عدة إن احتيج إليهم، وسكن الناس عند الظهر، وهدأت الأمور؛ وقد كان عدةٌ من قواد الأتراك صاروا إلى هؤلاء المشغبين وسألوهم الانصراف، فقالوا: يوق يوق، أي لا لا. فذكر عن بشر بن سعيد عن جامع بن خالد - وكان أحد خلفاء وصف من الأتراك - أنه كان المتولى مخاطبتهم مع عدة ممن يعرف التركية، فأعلموهم أن المستعين وبغا ووصيف قد خرجوا إلى بغداد، فأظهروا التندم، وانصرفوا منكسرين؛ فلما انتشر الخبر بخروج المستعين صار الأتراك إلى دور دليل بن يعقوب ودور أهل بيته ممن قرب منه وجيرانه؛ فانتبهوا ما فيها حتى صاروا إلى الخشب والدروندات؛ وقتلوا ما قدروا عليه من البغال، وانتهبوا علف الدواب والخمر التي في خزانة الشراب؛ ودفع عن دار سلمة بن سعيد النصراني جماعة كان وكلهم بها؛ من المصارعين وغيرهم من جيرانهم، ومنعوهم من دخول الدار؛ لأنهم أرادوا دار إبراهيم بن مهران النصراني العسكري، فدفعوهم عنها، وسلم سلمة وإبراهيم من النهب. وقال في قتل باغر والفتنة التي هاجت بسببه بعض الشعراء، ذكر أن قائله أحمد بن الحارث اليمامي: لعمري لئن قتلوا باغراً ... لقد هاج باغر حرباً طحونا وفرّ الخليفة والقائدا ... ن بالليل يلتسمان السفينا وصاحوا بميسان ملاحهم ... فجاءهم يسبق الناظرينا فألزمهم بطن حراقةٍ ... وصرت مجاذيفهم سائرينا وما كان قدر ابن مارمةٍ ... فتسكب فيه الحروب الزبونا ولكن دليلٌ سعى سعيةً ... فأخزى الإله بها العالمينا فحل ببغداد قبل الشروق ... فحل بها منه ما يكرهونا فليت السفينة لم تأتنا ... وغرقها الله والراكبينا وأقبلت الترك والمغربون ... وجاء الفراغنة الدارعونا تسير كراديسهم في السلاح ... يروحون خيلاً ورجلاً ثبينا فقام بحربهم عالمٌ ... بأمر الحروب تولاه حينا فجدد سوراً على الجانب ... ين حتى أحاطهم أجمعينا وأحكم أبوابها المصمتات ... على السور بها المستعينا وهيا مجانيق خطارةً ... تفيت النفوس وتحمي العرينا وعبى فروضاً وجيشية ... ألوف ألوفٍ إذ تحسبونا وعبى المجانيق منظومةً ... على السور حتى أغار العيونا فذكر أنهم لما قدموا بغداد اعتل ابن مارمة، فعاده دليل بن يعقوب، فقال له، ما سبب علتك؟ قال: عقر القيد انتقض علي، فقال دليل: لئن عقرك القيد؛ لقد نقضت الخلافة، وبعثت فتنة. ومات ابن مارمة في تلك الأيام؛ فقال أبو علي اليمامي الحنفي في شخوص المستعين إلى بغداد: ما زال إلا لزوال ملكه ... وحتفه من بعده وهلكه ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، فذكر أنهم أخذوا ملاحاً قد أكرى سفينته، فضربوه مائتي سوط، وصلبوه على دقل سفينته، فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلا سراً أو بمؤنة ثقيلة. وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان وفي هذه السنة هاجت الفتنة ووقعت الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان الذين كانوا بسامرا، فبايع كل من كان بسامرا منهم المعتز، وأقام من ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين. ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة وسبب بيعة من كان بسامرا من الجند المعتز وخلعهم المستعين ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل موافاة المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبغا وأحمد بن صالح بن شيرزاد بغداد؛ وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث ساعات مضين من النهار لأربعة أيام - وقيل لخمسة أيام - خلون من المحرم من هذه السنة؛ فلما وافاها، نزل المستعين على محمدين بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على أعماله، يعرف بسلام؛ فاستعلم ما عنده، ثم انصرف راجعاً إلى منزله بسامرا، فوافى القواد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جلة الكتاب والعمال وبني هاشم، ثم وافى بعد ذلك من قواد الأتراك الذين في ناحية وصيف كلباتكين القائد وطيغج الخليفة، تركي، وابن عجوز الخليفة، نسائي؛ وممن في ناحية بغا بايكباك القائد من غلمان الخدمة مع عدة من خلفاء بغا. وكان - فيما ذكر - وجّه إليهم وصيف وبغا قبل قدومهم رسولاً، يأمرانهم أن يصيروا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التي حذاء دار محمد بن عبد الله بن طاهر، ولا يصيروا إلى الجسر، فيرعبوا العامة بدخولهم، ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة، فنزلوا عن دوابهم، فوجهت إليهم زواريق حتى عبروا فيها، فصعد كلباتكين وبايكباك والقواد من أهل الدور وأرناتجور التركي، فدخلوا على المستعين، فرموا بأنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللاً وخضوعاً، وكلموا المستعين وسألوه الصفح عنهم والرضا، فقال لهم: أنتم أهل بغي وفساد واستقلال للنعم؛ ألو ترفعوا إلي في أولادكم، فألحقتهم بكم؛ وهم نحو من ألفي غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات وهن نحو من أربعة آلاف امرأة في المدركين والمولودين! وكل هذا قد أجبتكم إليه، وأدررت لكم الأرزاق حتى سبكت لكم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها؛ كل ذلك إرادةً لصلاحكم ورضاكم؛ وأنتم تزدادون بغياً وفساداً وتهدداً وإبعاداً!. فتضرعوا، وقالوا: قد أخطأنا، وأمير المؤمنين الصادق في كل قوله، ونحن نسأله العفو عنا والصفح عن زلتنا! فقال المستعين: قد صفحت عنكم ورضيت؛ فقال له بايكباك: فإن كنت قد رضيت عنا وصفحت، فقم فاركب معنا إلى سامرا؛ فإن الأرتاك ينتظرونك؛ فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبي عون، فلكن في حلق بايكباك. وقال له محمد بن عبد الله: هكذا يقال لأمير المؤمنين؛ قم فاركب معنا! فضحك المستعين من ذلك. وقال: هؤلاء قوم عجم؛ ليس لهم معرفة بحدود الكلام. وقال لهم المستعين، تصيرون إلى سامرا؛ فإن أرزاقكم دارة عليكم، وأنظر في أمري ها هنا ومقامي. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا من وردوا عليه من الأتراك خبرهم، وخالفوا فيما رد عليهم تحريضاً لهم على خلعه والاستبدال به، وأجمع رأيهم على إخراج المعتز والبيعة له؛ وكان المعتز والمؤيد في حبس في الجوسق في حجرة صغيرة، مع كل واحد منهما غلام يخدمه؛ موكلٌ بهم رجل من الأتراك يقال له عيسى خليفة بليار ومعه عدة من الأعوان، فأخرجوا المعتز من يومهم، فأخذوا من شعره، وقد كان بويع له بالخلافة؛ وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم. وكان المستعين خلف بسامرا في بيت المال مما كان طمجور وأساتكين القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحواً من خمسمائة ألف دينار؛ وفي بيت مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس بن المستعين قيمة ستمائة ألف دينار؛ فذكر أن نسخة البيعة التي أخذت: بسم الله الرحمن الرحيم. تبايعون عبد الله الإمام المعتز بالله أمير المؤمنين بيع طوع واعتقاد، ورضاً ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نياتكم؛ لا مكرهين ولا مجبرين؛ بل مقرين عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته، وإعزاز حقه ودينه؛ ومن عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة، ولم الشعث، وسكون الدهماء، وأمن العواقب، وعز الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن أبا عبد الله المعتز بالله عبد الله وخليفته المفترض عليكم طاعته ونصيحته والوفاء بحقه وعهده؛ لا تشكون ولا تدهنون، ولا تميلون ولا ترتابون، وعلى السمع والطاعة، والمشايعة والوفاء، والاستقامة والنصيحة في السر والعلانية، والخفوف والوقوف عند كل ما يأمر به عبد الله وأبو عبد الإمام المعتز بالله أمير المؤمنين؛ من موالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه؛ من خاص وعام، وقريب وبعيد، متمسكين ببيعته بوفاء العقد وذمة العهد؛ سرائركم في ذلك كعلانيتكم، وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم، راضين بما يرضى يه أمير المؤمنين بعد بيعتكم هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم صفقةً، راغبين طائعين؛ عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين، وعلى ألا تسعوا في نقض شيء مما أكد عليكم، وعلى ألا يميل بكم في ذلك مميل عن نصرة وإخلاص وموالاة؛ وعلى ألا تبدلوا ولا تغيروا، ولا يرجع منكم راجع عن بيعته وانطوائه على غير علانيته؛ وعلى أن تكون بيعتكم التي أعطيتموها بألسنتكم وعهودكم بيعةً يطلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها. وعلى الوفاء بذمة الله فيها، وعلى إخلاصكم في نصرتها وموالاة أهلها؛ لا يشوب ذلك منكم نفاق ولا إدهان ولا تأول؛ حتى تلقوا الله موفين بعهده، مؤدين حقه عليكم، غير مستريبين ولا ناكثين؛ إذ كان الذين يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعة خلافته وولاية العهد من بعده لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين: " إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً " . عليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البيعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيمانكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونصرة، وموالاة واجتهاد. وعليكم عهد الله إن عهده كان مسئولا، وذمة الله عز وجل وذمة محمد صلى الله عليه وسلم، وما أخذ الله على أبيائه ورسله، وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه؛ أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيعة ولا تبدلوا ولا تميلوا، وأن تمسكوا بما عاهدتم الله عليه تمسك أهل الطاعة بطاعتهم، وذوي الوفاء والعهد بوفائهم، ولا يلفتكم عن ذلك هوى ولا ميلٌ، ولا يزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن هدىً، باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدمين فيه حق الدين والطاعة والوفاء بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل اللّه منكم في هذه البيعة إلاّ الوفاء بها. فمن نكث منكم ممّ بايع أمير المؤمنين وولّى عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه البيعة على ما أخذ عليكم، مسرّاً أو معلناً، مصرّحاً أو محتالاً أو متأوّلاً؛ وادّهن فيما أعطى اللّه من نفسه، وفيما أخذ عليه من مواثيق اللّه وعهوده، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الرّأي؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم ممن خير في ذلك منكم عهده، من مال أو عقار أو سائمة أو زرع أو ضرع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل اللّه، محبوس محرّم عليه أن يرجع شيئاً من ذلك إلى ماليه؛ عن حيلة يقدمها لنفسه، أو يحتال له بها؛ وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ؛ فذلك سبيلها، إلى أن توافيه منيّته، ويأتي عليه أجله. وكلّ مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة؛ ذكر أو أنثى، أحرار لوجه اللّه، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحنث ومن يتزوّج بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق طلاق الحرج؛ لا يقبل اللّه منه إلا الوفغاء بها؛ وهو بريء من اللّه ورسوله، واللّه ورسوله منه بريئان؛ ولا قبل اللّه منه صرفاً ولا عدلاً؛ واللّه عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل. وأحضر - فيما ذكر - البيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النّقرس محمولاً في محفّة؛ فأمر بالبيعة فامتنع؛ وقال للمعتزّ: خرجت إلينا خروج طائع فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها؛ فقال المعتز: أكرهت على ذلك وخفت السيف. فقال أبو أحمد: ما علينا أنك أكرهت؛ وقد بايعنا هذا الرجل؛ فتريد أن نطلّق نساءنا، ونخرج من أموالنا، ولا ندري ما يكون! إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس؛ وإلا فهذا السيف. فقال المعتزّ اتركوه، فردّ إلى منزله من غير بيعة. وكان مم بايع إبراهيم الديرج وعتذاب بن عتّاب، فهرب فصار إلى بغداد، وأما الدّيرج فخلع عليه، وأقرّ على الشرطة، وخلع على سليمان بن يسار الكاتب، وصيّر على ديوان الضياع، وأقام يومه يأملار وينهى وينفّذ الأعمال، ثم توارى في الليل، وصار إلى بغداد. ولما بايع الأتراك المعتزّ ولىّ عما له، فولّى سعيد بن صالح الشرطة، وجعفر ابن دينار الحرس، وجعفر بن محمود الوزارة، وأبا الحمار ديوان الخراج؛ ثم عزل وجعل مكانه محمد بن براهيم منقار، وولى ديوان جيش الأتراك المعروف بأبي عمر، كاتب سيما الشرابيّ، وولّى مقلّداً كيد الكلب أخا أبي عمر بيوت الأموال وإعطاء الأتراك والمغاربة والشاكريّة، وولّى بريد الآفاق والخاتم سيما الساربانيّ، واستكتب أبا عمر؛ فكان في حدّ الوزارة. ولما اتصل بمحمد بن عبد اللّه خبر البيعة للمعتزّ وتوجيه العمال، أمر بقطع الميرة عن أهل سامرّا، وكتب إلى مالك بن طوق في المصير إلى بغداد هو وم معه من أهل بيته وجنده، وإلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلي في جمع أهل بيته ومنع الشسفن أو شيء من الميرة أن ينحدر إلى سامرّا، ومنع أن يصعد شيء من الميرة من بغداد إلى سامراً، وأخذت سفينة فيها أرز وسقط، فهرب الملاح منها وبقيت السفينة حتى غرقت، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصين بغداد؛ فتقدم في ذلك؛ فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء حتى أورده دجلة وم دجلة من باب قطيعة أم جعفر، حتى أورده قصر جميد بن عبد الحميد، ورتب على كل باب قائداً في جماعة من أصحابه وغيرهم وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين جميعاً ومظلات يأوي إليها الفرسان في الحر والأمطار؛ فبلغت النفقة - فيما ذكر - على السورين وحفر الخنادق والمظلات ثلثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار؛ وجعل على باب الشماسية خمس شداخات بعرض الطريق؛ فيها العوارض والألواح والمسامير الطوال الظاهرة، وجعل من خارج الباب الثاسي باب معلق بمقدار الباب ثخين، قد ألبس بصفائح الحديد، وشد بالحبال كي إن وافى أحدٌ ذلك الباب أرسل عليه الباب المعلق، فقتل من تحته، وجعل على الباب الداخل عرادة، وعلى الباب الخارج خمسة مجانيق كبار؛وفيها واحدٌ كبير سموة الغضبان، وست عرادات ترمى بها إلى ناحية رقة الشماسية؛ وصير على باب البردان ثماني عرادات، في كل ناحية أربع، وأربع شداخات وكذلك على كل باب من أبواب بغداد في الجانب الشرقي والغربي، " وجعل على كل باب من أبوابها قواداً برجالهم " وجعل لكل باب من أبوابها دهليزاً بسقائف تسع مائة فارس ومائة راجل؛ ولكل منجنيق وعرادة رجالاً مرتبين يمدون بحباله. ورامياً يرمي إذا كان القتال. وفرض فروضاً ببغداد ومر قوم من أهل خراسان قدموا حجاجاً، فسألوا المعونة على قتال الأتراك فأعينوا. وأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن يفرض من العيارين فرض، وأن يجعل عليهم عريف، ويعمل لهم تراس من البواري المقيرة، وأن يعمل لهم مخال تملأ حجارة. ففعل ذلك وتولى - فيما ذكر - عمل البواري المقيرة محمد بن أبي عون. وكان الرجل منهم يقوم خلف البارية فلا يرى منها. عملت نسائجات، أنفق عليها زيادة على مائة دينار، وكان العريف على أصحاب البواري المثيرة من العيارين رجلاً يقال له ينتويه. وكان الفراغ من عمل السور يوم الخميس لسبع بقين من المحرم. وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة وموضع أن يكون حملهم ما يحملون من الأموال إلى السلطان إلى بغداد، ولا يحملون إلى سامراً شيئاً؛ وإلى عماب المعاون في رد كتب الأتراك. وأمر بالكتاب إلى الأتراك والجند الذين بسامراً يأمرهم بنقض بيعة المعتز ومراجعة الوفاء ببيعتهم إياه، ويذكرهم أياديه عندهم، وينهاهم عن معصيته ونكث بيعته؛ وكان كتابه بذلك إلى سيما الشرابي. ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله بن طاهر مكاتبات ومراسلات يدعو المعتز محمداً إلى الدخول فيما دخل فيه من بايعه بالخلافة وخلع المستعين ويذكره ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من العهد وعقد الخلافة، ودعوة محمد بن عبد الله المعتز إلى ما عليه من الأوبة إلى طاعة المستعين، واحتجاج كل واحد منهما على صاحبه فيما يدعوه إليه من ذلك بما يراه حجة له؛ تركت ذكرها كراهة الإطالة بذكرها. وأمر محمد بن عبد الله بكسر القناطير وبثق المياه بطسوج الأنبار وما قرب منه من طسوج بادرويا، ليقطع طريق الأتراك حين تخوف من ورودهم الأنبار. وكان الذي تولى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعدي. وبلغ محمد بن عبد الله توجيه الأتراك لاستقبال الشمسة التي كانت مع البينوق الفرغاني من يحميها من أصحابه. فوجه محمد ليلة الأربعاء لعشر بقين من المحرم خالد بن عمران وبندار الطبري إلى ناحية الأنبار. ثم وجه بعدها رشيد بن كاوس ، فصادفوا البينوق ومن معه من الأتراك والمغاربة، وطالبهم خالد بن وبندار بالشمسة فصار البينوق وأصحابه مع خالد وبندار إلى بغداد إلى المستعين. وكان محمد بن الحسن بن جياويه الكردي يتولى معونة عكبراء؛ وكان على الراذان رجل من المغاربة قد اجتمع عنده مال، فتوجه إليه ابن جيلويه، ودعاه إلى حمل مال الناحية، فامتنع عليه، ونصب له الحرب؛ فأسر ابن جيلويه المغربي، وحمله إلى باب محمد بن عبد الله ومعه من مال الناحية اثنا عشر ألف دينار وثلاثون ألف درهم، فأمر محمد بن عبد الله لابن جيلويه بعشرة آلاف درهم. وكتب كل ولاحد من المستعين والمعتز إلى موسى بغا وهو مقيم بأطراف الشام قرب الجزيرة وكان خرج إلى حمص لحرب بأهلها - يدعوه إلى نفسه، وبعث كلّ واحد منهما إليه بعدة ألوية يعقدها لمن أحب ويأمره المستعين بالإنصراف إلى مدينة السلام، ويستخلف على عمله من رأى فانصرف إلى المعتز وصار معه. وقدم عبد الله بن بغا الصغير بغداد على أبيه؛ وكان قد تخلف بسامراً حين خرج أبوه منها مع المستعين، وصار إلى المستعين، فاعتذر إليه وقال لأبيه: إنما قدمت إليك لأموت تحت ركابك. وأقام ببغداد أياماً، ثم استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له؛ فأقام فيها إلى الليل، ثم هرب من تحت ليلته، فمضى في الجانب الغربي إلى سامراً مجانياً لأبيه وممالئاً عليه؛ واعتذر إلى المعتز من مصره إلى بغداد، وأخبره أنه إنما صار إليها ليعرف أخبارهم، وليصير إليه فيعرفه صحتها. فقبل ذلك منه، ورده إلى خدمته. وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضم إليه من الأشروسنية وغيرهم جماعة كثيرة، وزاد في أرزاقه ستة عشر ألف درهم في كل شهر. ولم يزل أسد بن داودسياه مقيماً بسامراً، حتى هرب منها، فذكر أن الأتراك بعثوا في طلبه إلى ناحية الموصل والأننار والجانب الغربي في كل ناحية خمسين فارساً، فوافى مدينة السلام؛ فدخل على محمد بن عبد الله فضم إليه من أصحاب إبراهيم الديرج مائة فارس ومائتي راجل، ووكله بباب الأنبار مع عبد الله بن موسى بن أبي خالد. وعقد المعتز لأخيه أبي حمد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرم من هذه السنة - وهي سنة إحدى وخمسين ومائتين - على حرب المستعين وابن طاهر؛ وولاه ذلك، وضم إليه الجيش، وجعل إليه الأمر والنهي، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فعسكر بالقاطول في خمسة آلاف من الأتراك والفراعنة وألفين من المغاربة، وضم المغاربة إلى محمد بن راشد المغربي، فوافوا عكبراء ليلة الجمعة لليلة بقيت من المحرم؛ فصلى أبو أحمد ودعا للمعتز بالخلافة؛ وكتب بذلك نسخاً إلى المعتز؛ فذكر جماعة من أهل عكبراء أنهم رأوا الأتراك والمغاربة وسائر أتباعهم؛ وهم على خوف شديد، يرون أن محمد بن عبد الله قد خرج إليهم فسبقهم إلى حربهم، وجعلوا ينتبهون القرى ما بين عكبراء، وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربي، تخوفاً على أنفسهم وخلوا عن الغلات والضياع؛ فخربت الضياع، وانتهبت الغلات والأمتعة وهدمت المنازل، وسلب الناس في الطريق. ولما وافى أبو أحمد عكبراء ومن معه خرج جماعة من الأتراك الذين كانوا مع بغا الشرابي بمدينة السلام من مواليه والمضمومين إليه، فهربوا ليلاً، فاجتازوا بباب الشماسية؛ وكان على الباب عبد الرحمن بن الخطاب، ولم يعلم بخبرهم؛ وبلغ محمد بن عبد الله ذلك، فأنكره عليه وعنقه، وتقدم في حفظ الأبواب وحراستها والنفقة على من يتولاها. ولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وكل بباب الشماسية. ثم وافى أبو أحمد وعسكره الشماسيّة ليلة الأحد لسبع خلون من صفر، ومعه كاتبه محمد بن عبد اللّه بن بشر بن سعد المرثديّ، وصاحب خبر العسكر من قبل المعتزّ الحسن بن عمرو بن قماش ومن قبله، صاحب خبر له يقال له جعفر بن أحمد البناتي، يعرف بابن الخبازة، فقال رجل من البصريتيّن كان في عسكره ويعرف بباذنجانة: يا بني طاهر أتتكم جنود الل ... ه والموت بينها منثور وجيوشٌ أما مهنّ أبو أحم ... د نعم المولى ونعم النصير ولمّا صار أبو أحمد بباب الشماسيّة ولّى المستعين الحسين بن إسماعيل باب الشماسية، وصيّر من هناك من القّواد تحت يده؛ فلم يزل مقيماً هناك مدّة الحرب إلى أن شخص إلى الأنبار؛ فولّى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ ولثلاث عشرة مضت من صفر؛ صار إلى محمد بن عبد اللّه جاسوس له؛ فأعلمه أن أبا أحمد قد عبّى قوماً يحرقون ظلال الأسواق من جانبي بغداد، فكشطت في ذلك اليوم. وذكر أن محمد بن عبد اللّه وجّه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل، وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربيّ، وأن يرتفعا حتى يجاوزا عسكر أبي أحمد ويجزرا: كم في عسكره؟ فزعم محمد بن موسى أنه حزرهم ألفى إنسان، معهم ألف دابة؛ فلما كان يوم الإثنين لعشر خلون من صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشماسيّة، فوقفوا بالقرب منه؛ فوجّه محمد بن عبد اللّه الحسين بن إسماعيل والشاه بن ميكال وبندار الطبريّ فيمن معهم؛ وعزم على الركوب لمقاتلتهم، فانصرف إليه الشاه، فأعلمه أنه وافى بمن معه باب الشماسيّة. فلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات وقد أقبلت نحوهم انصرفوا إلى معسكرهم؛ فانصرف الشاه والحسين، وترك محمد الركوب يومئذ. فلمّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم بن محمد بن عبد اللّه على توجيه الجيوش إلا القفص ليعرض جنده هنالك، ويرهب بذلك الأتراك؛ وركب معه وصيف وبغا في الدروع، وعلى محمد درع، وفوق الدرع صدرة من درع طاهر؛ وعليه ساعد حديد؛ ومضى معه بالفقهاء والقضاة، وعزم على دعائهم إلى الرجوع عمّا هم عليه من التمادي في الطغيان واللجاج والعصيان، وبعث يبذل لهم الأمان على أن يكون أبو عبد اللّه ولىّ العهد بعد المستعين؛ فإن قبلوا الأمان وإلاّ باكرهم بالقتال يوم الأربعاء لاإثنتي عشرة ليلة تخلو من صفر؛ فمضى نحو باب قطربل، فنزل على شاطىء دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنه التقدّم لكثرة الناس؛ وعارضهم من جانب دجلة الشرقيّ محمد بن راشد المغربيّ. ==============================================ج32. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري قال أبو جعفر: وفيها قدم وفد زبيد على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن معد يكرب في أناس من بني زبيد، فأسلم، وكان عمرو بن معد يكرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس؛ إنك سيد قومك اليوم؛ وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول، إني نبي؛ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه؛ فإن كان نبياً كما يقول؛ فإنه لا يخفى عليك. إذا لقيناه اتبعناه ؛ وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه ذلك قيس بن مكشوح وسفه رأيه. فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقه وآمن به؛ فلما بلغ ذلك قيساً أوعد عمراً، وتحفظ عليه ، وقال: خالفني وترك رأيي! فقال عمرو في ذلك: أمرتك يوم ذي صنعا ... ء أمراً بادياً رشده أمرتك باتقاء الل ... ه والمعروف تاتعده خرجت من المنى مثل ال ... حمار أعاره وتده تمناني على فرس ... عليه جالساً أسده على مفاضة كالنه ... ى أخلص ماءه جدده ترد الرمح مثنى ال ... سنان عوائراً قصده فلو لا قيتني لاقي ... ت ليثاً فوقه لبده تلاقي شنبثاً شثن ال ... براثن ناشزاً كتده يسامي القرن إن قرن ... تيممه فيعتضده فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده فيدمغه فيحطمه ... فيخضمه فيزد رده ظلوم الشرك فيما أحد ... رزت أنيابه ويده متى ما يغد أو يغدى ... به فقبوله برده فيخطر مثل خطر الفح ... ل فوق جرانه زبده فأمسى يعتريه من ال ... بعوض ممنعاً بلده فلا تتمننى وتمن ... غيري ليناً كتده وبوئنىله وطناً ... كثيراً حوله عدده قال: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد؛ وعليهم فروة ابن مسيك المرادي، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو فقال حين ارتد: وجدنا ملك فروة شر ملك ... حماراً ساف منخره بقذر وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر قدوم فروة بن مسيك المرادي وقد كان قدم على رسول الله في هذه السنة - أعني سنة عشر - قبل قدوم عمرو ابن معد يكرب، فروة بن مسيك المرادي مفارقاً لملوك كنده. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال: قدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقاً لملوك كندة ، ومعانداً لهم ؛ وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا ؛ حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له الرزم ؛ وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك ، ففضحهم يومئذ ، وفي ذلك يقول فروة بن مسيك : فإن نغلب فغلابون قدماً ... وإن نهزم فغير مهزمينا وإن نقتل فلا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حيناً فحينا فبيناه يسر به ويرضى ... ولو لبست غضارته سنينا إذ انقلبت به كرات دهر ... فألقى للأولى غبطوا طحينا ومن يغبط بريب الدهر منهم ... يجد ريب الزمان له خؤونا فلو خلد الملوك إذاً خلدنا ... ولو بقي الكرام إذا بقينا فأفني ذا كم سروات قومي ... كما أفني القرون الأولينا ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقاً لملوك كندة قال : لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها يممت راحلتي أؤم محمداً ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها قال : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله - فيما بلغني - : يا فروة ، هل ساءك ما أصاب قومك يومك يوم الرزم ؟ فقال : يا رسول الله ، ومن ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الرزم ؛ لا يسوءه ذلك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيراً . فاستعمله رسول الله على مراد وزبيد ومذحج كلها ؛ وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة ، وكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع ، قالا : حدثنا أبو أسامة ، قال : أخبرنا مجالد ، قال : حدثنا عامر ، عن فروة بن مسيك ، قال : قال رسول الله : أكرهت يومك ويوم همدان ؟ فقلت : إي والله ! أفنى الأهل والعشيرة ؛ فقال : أما إنه خير لمن بقي . قدوم الجارود في وفد عبد القيس وفيها قدم وفد عبد القيس ، فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلي ، أخو عبد القيس في وفد عبد القيس وكان نصرانياً . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، عن الحسن ، قال : لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه ؛ فعرض عليه الإسلام ، ودعاه إليه ، ورغبه فيه ، فقال : يا محمد ، إني قد كنت على دين ؛ وإني تارك ديني لدينك ؛ فتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه . قال : فأسلم وأسلم معه أصحابه ، ثم سألوا رسول الله الحملان ؛ فقال : والله ما عندي ما أحملكم عليه ، فقالوا : يا رسول الله ، إن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس ؛ أفنتبلغ عليها إلى بلادنا ؟ قال : إياكم وإياها ؛ فإنما ذلك حرق النار . قال : فخرج من عنده الجارود راجعاً إلى قومه - وكان حسن الإسلام صلباً على دينه - حتى هلك ؛ وقد أدرك الردة ، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور ، المنذر ابن النعمان بن المنذر ، أقام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام ، فقال : يأيها الناس ؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأنهى من لم يشهد . وقد كان رسول الله بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوي العبدي ، فأسلم فحسن إسلامه ؛ ثم هلك بعد وفاة رسول الله ، وقبل ردة أهل البحرين ، والعلاء أمير عنده لرسول الله على البحرين . قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة وفيها قدم وفد بني حنيفة ؛ حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة ؛ فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب ، فكان منزلهم في دار ابنة الحارث ؛ امرأة من الأنصار ، ثم من بني النجار . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني بعض علمائنا من أهل المدينة ، أن بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ، ورسول الله جالس في أصحابه ، ومعه عسيب من سعف النخل ، في رأسه خوصات ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب ، كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله : لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك ! حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ؛ عن شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة ، قال : كان حديث مسيلمة على غير هذا ؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم ؛ فلما أسلموا ذكروا له مكانه ، فقالوا : يا رسول الله ؛ إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظهما لنا . قال : فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به للقوم ؛ وقال : أما إنه ليس بشركم مكاناً ، يحفظ ضيعة أصحابه ؛ وذلك الذي يريد رسول الله . قال : ثم انصرفوا عن رسول الله وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله ؛ فلما انتهى إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم ، وقال : إني قد أشركت في الأمر معه ، وقال لوفده : ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني : ((أما إنه ليس بشركم مكاناً)) ! ما ذلك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت معه ؛ ثم جعل يسجع السجعات ، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن : ((لقد أنعم الله على الحبلي ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق محشى)) ، ووضع عنهم الصلاة ؛ وأحل لهم الخمر والزنا ، ونحو ذلك . فشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي ، فأصفقت بنو حنيفة على ذلك ، فالله أعلم أي ذلك كان . قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة قال أبو جعفر : وفيها وفد كندة ؛ رأسهم الأشعث بن قيس الكندي ؛ فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ابن شهاب الزهري ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث ابن قيس في ستين راكباً من كندة ، فدخلوا على رسول الله مسجده ، وقد رجلوا جممهم ، وتكحلوا ، عليهم جبب الحبرة ؛ قد كففوها بالحرير ؛ فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألم تسلموا ؟ قالوا : بلى ، قال : فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال : فشقوه منها فألقوه ، ثم قال الأشعث : يا رسول الله ؛ نحن بنو آكل المرار ، وأنت ابن آكل المرار ، فتبسم رسول الله ، ثم قال : ناسبوا بهذا النسب العباس ابن عبد المطلب وربيعة بن الحارث . قال : وكان ربيعة والعباس تاجرين ؛ فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئى من هما ؟ قالا : نحن بنو آكل المرار ؛ يتعززان بذلك ؛ وذلك أن كندة كانت ملوكاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ، ولا ننتفي من أبينا . فقال الأشعث بن قيس : هل عرفتم يا معشر كندة ! والله لا أسمع رجلاً قالها بعد اليوم إلا ضربته حده ثمانين . قال الواقدي : وفيها قدم وفد محارب وفيها قدم وفد الرهاويين . وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران ، فكتب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصلح . قال : وفيها قدم وفد عبس . وفيها قدم وفد صدف ، وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع . قال : وفيها قدم عدي بن حاتم الطائي ، في شعبان . وفيها مات أبو عامر الراهب عند هرقل ، فاختلف كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة في ميراثه ، فقضى به لكنانة بن عبد ياليل . قال : هما من أهل المدر ، وأنت من أهل الوبر . قدوم رفاعة بن زيد الجذامي قال : وفيها قدم وفد خولان ، وهم عشرة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبي ؛ فأهدى لرسول الله غلاماً ، وأسلم فحسن إسلامه ، وكتب له رسول الله إلى قومه كتاباً ، في كتابه : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد ؛ إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم ، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله ؛ فمن أقبل فمن حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين. فلما قدم رفاعة على قومه ، أجابوا وأسلموا، ثم ساروا إلى الحره؛ حرة الرجلاء فنزلوها . فحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن رجال من جذام كانوا بها علماء، أن رفاعة بن زيد، لما قدم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام ، فاستجابوا له، لم يلبث أن أقبل دحيه بن خليفة الكلبي من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله ومعه تجارة له؛ حتى إذا كان بواد من أوديتها، يقال له: شنار؛ أغار على دحية الهنيد بن عوض وابنه عوص بن الهنيد ، الضليعيان - والضليع بطن من جذام - فأصابا كل شيء كان معه؛ فبلغ ذلك نفراً من بني الضبيب قوم رفاعة ممن كان أسلم وأجاب ، فنفروا إلى الهنيد وابنه ، فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال، حتى لقوهم ، فاقتتلوا ، وانتمى يومئذ قرة بن أشقر الضفاري ثم الضليعي ، فقال : أنا ابن لبنى ؛ ورمى النعمان بن أبي جعال بسهم فأصاب ركبته ، فقال حين أصابه : خذها وأنا ابن لبنى - وكانت له أم تدعى لبنى - قال : وقد كان حسان بن ملة الضبيبي قد صحب دحية بن خليفة الكلبي قبل ذلك ؛ فعلمه أم الكتاب ؛ فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه عوص ، فردوه على دحية ؛ فسار دحية حتى قدم على رسول الله ، فأخبره خبره ، واستسقاه دم الهنيد وابنه ؛ فبعث إليهم رسول الله زيد بن حارثة - وذلك الذي هاج غزوة زيد جذاماً ، وبعث معه جيشاً - وقد وجهت غطفان من جذام كلها ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله ؛ فنزلوا بالحرة ؛ حرة الرجلاء ، ورفاعة بن زيد بكراع ربة ولم يعلم ، ومعه ناس من بني الضبيب وسائر بني الضبيب بواد من ناحية الحرة مما يسيل مشرقاً ، وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الأولاج ؛ فأغار بالفضافض من قبل الحرة ، وجمعوا ما وجدوا من مال وأناس ، وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الأحنف ، ورجلاً من بني خصيب ؛ فلما سمعت بذلك بنو الضبيب والجيش بفيفاء مدان ، ركب حسان بن ملة على فرس لسويد بن زيد يقال لها العجاجة ، وأنيف بن ملة على فرس لملة ، يقال لها رغال ، وأبو زيد بن عمرو على فرس له يقال لها شمر ؛ فانطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش ، قال أبو زيد لأنيف بن ملة : كف عنا وانصرف ؛ فإنا نخشى لسانك ، فانصرف فوقف عنهما ، فلم يبعدا منه ؛ فجعل فرسه تبحث بيدها وتوثب ؛ فقال : لأنا أضن بالرجلين منك بالفرسين ؛ فأرخى لها حتى أدركهما ؛ فقالا له : أما إذ فعلت ما فعلت ، فكف عنا لسانك ولا تشأمنا اليوم ، وتواطئوا ألا يتكلم منهم إلا حسان بن ملة ؛ وكانت بينهم كلمة في الجاهلية ؛ قد عرفوها ؛ بعضهم من بعض ؛ إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال : " ثوري " . فلما برزوا على الجيش أقبل القوم يبتدرونهم ؛ فقال حسان : إنا قوم مسلمون ؛ وكان أول من لقيهم رجل على فرس أدهم بائع رمحه يقول معرضه : كأنما ركزه على منسج فرسه جد وأعتق ؛ فأقبل يسوقهم ، فقال أنيف : " ثوري " ، فقال حسان : مهلاً ! فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال له حسان : إنا قوم مسلمون ، فقال له زيد : فاقرأ أم الكتاب ، فقرأها حسان ، فقال زيد بن حارثة : نادوا في الجيش ، إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر ؛ و إذا أخت لحسان ابن ملة - وهي امرأة أبي وبر بن عدي بن أمية بن الضبيب - في الأساري . فقال له زيد : خذها ، فأخذت بحقويه ، فقالت أم الفزر الضليعية : أتنطلقون ببناتكم ، وتذرون أمهاتكم ! فقال أحد بني خصيب : إنها بنو الضبيب ! وسحرت ألسنتهم سائر اليوم ؛ فسمعها بعض الجيش ؛ فأخبر بها زيد بن حارثة ؛ فأمر بأخت حسان ؛ ففكت يداها من حقويه ، فقال لها : اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه ؛ فرجعوا ؛ ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه ، فأمسوا في أهليهم ؛ واستعتموا ذوداً لسويد بن زيد ؛ فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد ؛ وكان ممن ركب إلى رفاعة تلك الليلة أبو زيد بن عمرو وأبو شماس بن عمرو ، وسويد بن زيد ، وبعجة بن زيد ، وبرذع بن زيد ، وثعلبة بن عمرو ، ومخرية بن عدي ، وأنيف بن ملة ، حسان بن ملة ؛ حتى صبحوا رفاعة ابن زيد بكراع ربة بظهر الحرة على بئر هنالك من حرة ليلى ، فقال له حسان بن ملة : إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام يجررن أساري قد غرها كتابك الذي جئت به ! فدعا رفاعة بن زيد بجمل له ؛ فجعل يشكل عليه رحله ؛ وهو يقول : هل أنت حي أو تنادي حيا ثم غدا وهم معه بأمية بن ضفارة أخي الخصيبي المقتول مبكرين من ظهر الحرة ، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال ؛ فلما دخلوا انتهوا إلى المسجد ، ونظر إليه رجل من الناس ، فقال لهم : لا تنيخوا إبلكم فتقطع أيديهن ، فنزلوا عنها وهن قيام ؛ فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ، ألاح إليهم بيده : أن تعالوا من وراء الناس ؛ فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قام رجل من الناس ، فقال : إن هؤلاء يا نبي الله قوم سحرة ؛ فرددها مرتين ؛ فقال رفاعة : رحم الله من لم يجزنا في يومنا هذا إلا خيراً ! ثم دفع رفاعة كتابه إلى رسول الله الذي كان كتبه له ، فقال : دونك يا رسول الله قديماً كتابه ، حديثاً غدره . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ يا غلام وأعلن ؛ فلما قرأ كتابهم واستخبرهم فأخبروه الخبر ، قال رسول الله : كيف أصنع بالقتلى ؟ ثلاث مرات ؛ فقال رفاعة : أنت يا رسول الله أعلم ، لا نحرم عليك حلالاً ، ولا نحل لك حراماً ؛ فقال أبو زيد بن عمرو : أطلق لنا يا رسول الله من كان حياً ، ومن كان قد قتل فهو تحت قدمي هاتين . فقال رسول الله : صدق أبو زيد ، اركب معهم يا علي ، فقال علي : يا رسول الله ؛ إن زيداً لن يطيعني ، قال : خذ سيفي ، فأعطاه سيفه ، فقال علي : ليس لي راحلة يا رسول الله أركبها ، فحمله رسول الله على جمل لثعلبة بن عمرو ، يقال له المكحال ؛ فخرجوا ، فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبر ، يقال لها الشمر ؛ فأنزلوا عنها ، فقال : يا علي ما شأني ؟ فقال له علي : ما لهم عرفوه فأخذوه . ثم ساروا حتى لقوا الجيش بفيفاء الفحلتين ، فأخذوا ما في أيديهم من أموالهم ؛ حتى كانوا ينزعون لبد المرأة من تحت الرحل وفد بني عامر بن صعصعة حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر ؛ فيهم عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس بن مالك بن جعفر ، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ؛ وكان هؤلاء الثلاثة رءوس القوم وشياطينهم . فقدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به ؛ وقد قال له قومه : يا عامر ؛ إن الناس قد أسلموا فأسلم ؛ قال : والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي ؛ أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ! ثم قال لأريد : إذا قدمت على الرجل فإني شاغل عنك وجهه ؛ فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف ؛ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل : يا محمد خالني ؛ قال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ، قال : يا محمد خالني ، قال : وجعل يكلمه فينتظر من أربد ما كان أمره به ، فجعل أربد لا يحير شيئاً ، فلما رأى عامر ما يصنع أربد ، قال : يا محمد خالني ، قال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له . فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله لأملأنها عليك خيلاً حمراً ورجالاً ، فلما ولى قال رسول الله : اللهم اكفنى عامر بن الطفيل ، فلما خرجوا من عند رسول الله قال عامر لأربد : ويلك يا أربد ! أين ما كنت أوصيتك به ! والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف على نفسي عندي منك ، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً . قال : لا تعجل علي لا أبا لك ! والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك ، أفأضربك بالسيف ! قال عامر بن الطفيل : بعث الرسول بما ترى فكأنما ... عمداً نسن على المقانب غارا ولقد وردن بنا المدينة شزباً ... ولقد قتلن بجوها الأنصارا وخرجوا راجعين إلى بلادهم ؛ حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله ؛ وإنه في بيت امرأة من بني سلول ؛ فجعل يقول : يا بني عامر ؛ أغدة كغدة البكر ؛ وموت في بيت امرأة من بني سلول ! ثم خرج أصحابه حين واووه ؛ حتى قدموا أرض بني عامر ؛ فلما قدموا أتاهم قومهم ، فقالوا : ما وراءك يا أربد ؟ قال : لا شيء ؛ والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله ؛ فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين ، معه جمل له يبيعه ؛ فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما . وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه . قدوم زيد الخيل في وفد طيئ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ ؛ فيهم زيد الخيل ، وهو سيدهم ، فلما انتهوا إليه كلموه ؛ وعرض عليهم رسول الله الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن رجال من طيئ : (( ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد الخيل ؛ فإنه لم يبلغ فيه كل ما فيه )) . ثم سماه زيد الخير ؛ وقطع له فيداً وأرضين معه ؛ وكتب له بذلك . فخرج من عند رسول الله راجعاً إلى قومه ، فقال رسول الله : إن ينج زيد من حمى المدينة ! سماها رسول الله باسم غير الحمى وغير أم ملدم فلم يثبته - فلما انتهى من بلاد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى ؛ فمات بها ، فلما أحس زيد بالموت قال : أمر تحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهد فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معها من كتبه التي قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرقتها بالنار . كتاب مسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه وفي هذه السنة كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى أنه أشرك معه في النبوة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ؛ عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله . سلام عليك ؛ فإني قد أشركت في الأمر معك ؛ وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون . فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن شيخ من أشجع قال ابن حميد : أما علي بن مجاهد فيقول : عن أبي مالك الأشجعي ، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي ، عن أبيه نعيم - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما حين قرآ كتاب مسيلمة: فما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال ؛ فقال : أما والله لولا أم الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما . ثم كتب إلى مسيلمة : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب . سلام على من اتبع الهدى ؛ أما بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قال : وكان ذلك في آخر سنة عشر . قال أبو جعفر : وقد قيل : إن دعوى مسيلمة ومن ادعى النبوة من الكذابين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما كانت بعد انصراف النبي من حجه المسمى حجة الوداع ؛ ومرضته التي مرضها التي كانت منها وفاته صلى الله عليه وسلم . حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري ، قال : حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال : حدثني سيف بن عمر - وكتب بذلك إلى السري يقول : حدثنا شعيب ابن إبراهيم التميمي ، عن سيف بن عمر التميمي الأسيدي - قال : حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الأنصاري ، عن عبيد مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي مويهبة مولي رسول الله ، قال : لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام ، فتحلل به السير ، وطارت به الأخبار لتحلل السير بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قد اشتكى ؛ فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة ؛ وجاء الخبر عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعد ما أفاق النبي ، ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي توفاه الله فيه . خروج الأمراء والعمال على الصدقات قال أبو جعفر : وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع البلاد التي دخلها الإسلام عمالاً على الصدقات . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات ، على كل ما أوطأ الإسلام من البلدان ؛ فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء ؛ فخرج عليه العنسي وهو بها ، وبعث زياد بن لبيد أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت على صدقتها ، وبعث عدي بن حاتم على الصدقة ؛ صدقة طئ وأسد ، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة ، وفرق صدقة بني سعد على رجلين منهم ، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين ، وبعث علي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ، ويقدم عليه بجزيتهم .. حجة الوداع فلما دخل ذو القعدة من هذه السنة - أعني سنة عشر - تجهز النبي إلى الحج ، فأمر الناس بالجهاز له . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ؛ عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، لا يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج ؛ حتى إذا كان بسرف ، وقد ساق رسول الله معه الهدى وأشراف من أشراف الناس ، أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدى ، وحضت ذلك اليوم ؛ فدخل علي وأنا أبكي ؛ فقال : مالك يا عائشة ؟ لعلك نفست ! فقلت : نعم ، لوددت أني لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر ، قال : لا تفعلي ؛ لا تقولن ذلك ؛ فإنك تقضين كل ما يقضي الحاج ؛ إلا أنك لا تطوفين بالبيت . قالت : ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ؛ فحل كل من كان لا هدى معه ، وحل نساؤه بعمرة ؛ فلما كان يوم النحر أتيت بلحم بقر كثير ، فطرح في بيتي ، قلت : ما هذا ؟ قالوا : ذبح رسول الله عن نسائه البقر ؛ حتى إذا كانت ليلة الحصبة ، بعثني رسول الله مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر ، لأقضي عمرتي من التنعيم مكان عمرتي التي فاتتني . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى نجران ، فلقيه بمكة ؛ وقد أحرم ؛ فدخل علي على فاطمة ابنة رسول الله ، فوجدها قد حلت وتهيأت ، فقال : مالك يا ابنة رسول الله ؟ قالت : أمرنا رسول الله أن نحل بعمرة ؛ فأحللنا ، قال : ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من الخبر عن سفره ، قال له رسول الله : انطلق فطف بالبيت ، وحل كما حل أصحابك ، فقال : يا رسول الله ، إني قد أهللت بما أهللت به ؛ قال : ارجع فاحلل كما حل أصحابك ، قال : قلت : يا رسول الله ، إني قلت حين أحرمت : اللهم إني أهللت بما أهل به عبدك ورسولك ؛ قال : فهل معك من هدى ؟ قال : قلت : لا ، قال : فأشركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وثبت على إحرامه مع رسول الله ؛ حتى فرغا من الحج ، ونحر رسول الله الهدى عنهما . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، قال : لما أقبل علي بن أبي طالب من اليمن ليلقي رسول الله بمكة تعجل إلى رسول الله ، واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل ، فكسا رجالاً من القوم حللاً من البز الذي كان مع علي بن أبي طالب ؛ فلما دنا جيشه ؛ خرج علي ليلقاهم ؛ فإذا هم عليهم الحلل ، فقال : ويحك ما هذا ! قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس ، فقال : ويلك ! انزع من قبل أن تنتهي إلى رسول الله . قال : فانتزع الحلل من الناس ، وردها في البز ؛ وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم ، عن سليمان بن محمد بن كعب ابن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد ، قال : شكا الناس علي بن أبي طالب ، فقام رسول الله فينا خطيباً ، فسمعته يقول : يأيها الناس ؛ لا يشكوا علياً ، فو الله إنه لأخشى في ذات الله - أو في سبيل الله - من أن يشكي . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه ؛ فأرى الناس مناسكهم ، وأعلمهم سنن حجهم ؛ وخطب الناس خطبته التي بين للناس فيها ما بين ، فحمد الله وأثنى عليه ؛ ثم قال : أيها الناس ، اسمعوا قولي ؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، بهذا الموقف أبداً . أيها الناس ؛ إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ؛ إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وحرمة شهركم هذا ؛ وستلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم . وقد بلغت ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها . وإن كل رباً موضوع ، ولكم رءوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون . قضى الله أنه لا ربا . وإن ربا العباس بن عبد الطلب موضوع كله ، وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع ، وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعاً في بني ليث ، فقتلته بنو هذيل - فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية . أيها الناس ؛ إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ؛ ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم . أيها الناس : " إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله " ، ويحرموا ما أحل الله ؛ وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ؛ و " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم " ، ثلاثة متوالية ؛ ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان . أما بعد أيها الناس ؛ فإن لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقاً ، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، وعليهن ألا يأتين يفاحشة مبينة ؛ فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع ، وتضربوهن ضرباً غير مبرح ، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، واستوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ؛ فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي ؛ فإني قد بلغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً ؛ كتاب الله وسنة نبيه . أيها الناس ، اسمعوا قولي فإني قد بلغت ، واعقلوه . تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لأمرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ؛ فلا تظلموا أنفسكم . اللهم هل بلغت ! قال : فذكر أنهم قالوا : اللهم نعم ، فقال رسول الله : اللهم أشهد . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : كان الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو على عرفة ، ربيعة بن أمية بن خلف ، قال : يقول له رسول الله : قل : أيها الناس ؛ إن رسول الله يقول : هل تدرون أي شهر هذا ! فيقولون : الشهر الحرام ، فيقول : قل لهم : إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا . ثم قال : قل : إن رسول الله ، يقول : أيها الناس ؛ فهل تدرون أي بلد هذا ؟ قال : فيصرخ به ، فيقولون : البلد الحرام ، قال : فيقول : قل : إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة بلدكم هذا . ثم قال : قل : أيها الناس ، هل تدرون أي يوم هذا ؟ فقال لهم ، فقالوا : يوم الحج الأكبر ، فقال : قل : إن الله حرم عليكم أموالكم ودماءكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، أن رسول الله حين وقف بعرفة ، قال : هذا الموقف - للجبل الذي هو عليه - وكل عرفة موقف . وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة : هذا الموقف ، وكل المزدلفة موقف . ثم لما نحر بالمنحر ، قال : هذا المنحر ، وكل مني منحر ؛ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج وقد أراهم مناسكهم ، وعلمهم ما افترض عليهم في حجهم في المواقف ورمى الجمار والطواف بالبيت ، وما أحل لهم في حجهم وما حرم عليهم ؛ فكانت حجة الوداع وحجة البلاغ ؛ وذلك أن رسول الله لم يحج بعدها . ذكر جملة الغزوات قال أبو جعفر : وكانت غزواته بنفسه ستاً وعشرين غزوة ؛ ويقول بعضهم : هن سبع وعشرون غزوة ؛ فمن قال : هي ست وعشرون ، جعل غزوة النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وغزوته من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة ؛ لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله ؛ ولكنه مضى منها إلى وادي القرى ؛ فجعل ذلك غزوة واحدة . ومن قال : هي سبع وعشرون غزوة ، جعل غزوة خيبر غزوة ، وغزوة وادي القرى غزوة أخرى ؛ فيجعل العدد سبعاً وعشرين . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ستاً وعشرين غزوة . أول غزوة غزاها ودان ؛ وهي غزوة الأبواء ، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى ، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر ، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل فيها صناديد قريش وأشرافهم ، وأسر فيها من أسر ، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ؛ ماء لبنى سليم ، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان حتى بلغ قرقرة الكدر ، ثم غزوة غطفان إلى نجد ؛ وهي غزوة ذي أمر ؛ ثم غزوة بحران ؛ معدن بالحجاز من فوق الفرع ، ثم غزوة أحد ، ثم غزوة حمراء الأسد ، ثم غزوة بني النضير ، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ، ثم غزوة بدر الآخرة ، ثم غزوة دومة الجندل ، ثم غزوة الخندق ، ثم غزوة بني قريظة ، ثو غزوة بني لحيان من هذيل ، ثم غزوة ذي قرد ، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ، ثم غزوة الحديبية - لا يريد قتالاً ، فصده المشركون - ثم غزوة خيبر ؛ ثم اعتمر عمرة القضاء ، ثم غزوة الفتح ؛ فتح مكة ، ثم غزوة حنين ، ثم غزوة الطائف ، ثم غزوة تبوك . قاتل منها في تسع غزوات : بدر ، وأحد ، والخندق ، وقريظة ، والمصطلق ، وخيبر ، والفتح ، وحنين ، والطائف . حدثنا الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حشمة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً وعشرين غزوة . ثم ذكر نحو حديث ابن حميد ، عن سلمة . قال محمد بن عمر : مغازي رسول الله معروفة مجتمع عليها ، ليس فيها اختلاف بين أحد في عددها ؛ وهي سبع وعشرون غزوة ؛ وإنما اختلفوا بينهم في تقديم مغزاة قبل مغزاة . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثني محمد بن عمر ، قال : حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري ، عن محمد بن ثابت الأنصاري ، قال : سئل ابن عمر : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : سبعا وعشرين غزوة ، فقيل لابن عمر : كم غزوت معه ؟ قال : إحدى وعشرين غزوة ؛ أولها الخندق ، وفاتني ست غزوات ، وقد كنت حريصاً ، قد عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كل ذلك يردني فلا يجيزني حتى أجازني في الخندق . قال الواقدي : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة ، ذكر من ذلك التسع التي ذكرتها عن ابن إسحاق ؛ وعد معها غزوة وادي القرى ، وأنه قاتل فيها فقتل غلامه مدعم ، رمى بسهم . قال : وقاتل يوم الغابة ، فقتل من المشركين ، وقتل محرز بن نضلة يؤمئذ . ذكر جملة السرايا والبعوث واختلف في عدد سراياه صلى الله عليه وسلم ، حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه - فيما بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله - خمساً وثلاثين بعثاً وسرية : سرية عبيدة بن الحارث إلى أحياء من ثنية المرة ، وهو ماء بالحجاز ، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العيص - وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة - وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخرار من أرض الحجاز ، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة ، وغزوة زيد ابن حارثة القردة ؛ ماء من مياه نجد ، وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع ، وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة ، وغزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق ، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر ، وغزوة علي بن أبي طالب اليمن ، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي - كلب ليث - الكديد ، وأصاب بلملوح ، وغزوة علي بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك ، وغزوة ابن أبي العوجاء السلمى أرض بني سليم ؛ أصيب بها هو وأصحابه جميعاً ، وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة ، وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطناً ؛ ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قتل فيها مسعود بن عروة ، وغزوة محمد بن مسلمة ؛ أخي بني الحارث إلى القرطاء من هوازن ، وغزوة بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك ، وغزوة بشير بن سعد أيضاً إلى يمن وجناب ؛ بلد من أرض خيبر - وقيل يمن وجبار ؛ أرض من أرض خيبر ، وغزوة زيد بن حارثة الجموم ؛ من أرض بني سليم ، وغزوة زيد بن حارثة أيضاً جذام من أرض حسمي - وقد مضى ذكر خبرها قبل - وغزوة زيد بن حارثة أيضاً وادي القرى ، لقي بني فزارة . وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين : إحداهما التي أصاب الله فيها يسير بن رزام - وكان من حديث يسير بن رزام اليهودي أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث إليه رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه ؛ منهم عبد الله بن أنيس حليف بني سلمة ، فلما قدموا عليه كلموه وواعدوه وقربوا له ، وقالوا له : إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك ؛ فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود ؛ فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره وردفه حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام على سيره إلى رسول الله ، ففطن له عبد الله ابن أنيس وهو يريد السيف ؛ فاقتحم به ؛ ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه يسير بمخرش في يده من شوحط ، فأمه في رأسه ، وقتل الله يسيرا ؛ ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلاً واحداً أفلت على راحلته ؛ فلما قدم عبد الله ابن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه . وغزوة عبد الله بن عتيك إلى خيبر ؛ فأصاب بها أبا رافع ؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة وأصحابه - فيما بين بدر وأحد - إلى كعب بن الأشرف فقتلوه ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي - وهو بنخلة أو بعرنة - يجمع لرسول الله ليغزوة ، فقتله . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبد الله بن أنيس ، قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني - وهو بنخلة أو بعرنة - فأته فاقتله ، قال : قلت : يا رسول الله ؛ انعته لي حتى أعرفه ، قال : إذا رأيته أذكرك الشيطان ! إنه آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة . قال : فخرجت متوشحاً سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلاً حيث كان وقت العصر ؛ فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة ، فأقبلت نحوه ، وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة ، فصليت وأنا أمشي نحوه ، أومي برأسي إيماء ؛ فلما انتهيت إليه قال : من الرجل ؟ قلت : رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل ؛ فجاءك لذلك ، قال : أجل ، أنا في ذلك ؛ فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته ؛ ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه . فلما قدمت على رسول الله وسلمت عليه ورآني ، قال : أفلح الوجه ! قال : قلت : قد قتلته . قال : صدقت ! ثم قام رسول الله فدخل بيته ، فأعطاني عصا ، فقال : أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس . قال : فخرجت بها على الناس ، فقالوا : ما هذه العصا ؟ قلت : أعطانيها رسول الله ، وأمرني أن أمسكها عندي ، قالوا : أفلا ترجع إلى رسول الله فتسأله لم ذلك ؟ فرجعت إلى رسول الله ، فقلت : يا رسول الله ، لم أعطيتني هذه العصا ؟ قال : آية ما بيني وبينك يوم القيامة ؛ إن أقل الناس المتخصرون يومئذ ؛ فقرنها عبد الله بسيفه ، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه ، ثم دفنا جميعاً . ثم رجع الحديث إلى حديث عبد الله بن أبي بكر . قال : وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام ، وغزوة كعب بن عمير الغفاري بذات أطلاح من أرض الشأم ، فأصيب بها هو وأصحابه ، وغزوة عيينة بن حصن بني العنبر من بني تميم ؛ وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم ؛ فأغار عليهم ؛ فأصاب منهم ناساً ، وسبى منهم سبياً . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ؛ إن علي رقبة من بني إسماعيل ، قال : هذا سبى بني العنبر يقدم الآن فنعطيك إنساناً فتعتقينه . قال ابن إسحاق : فلما قدم سبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فيهم وفد من بني تميم ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ منهم ربيعة بن رفيع ، وسبرة بن عمرو ، والقعقاع بن معبد ، ووردان بن محرز ، وقيس بن عاصم ، ومالك بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، وحنظلة بن درام ، وفراس بن حابس . وكان ممن سبى من نسائهم يومئذ أسماء بنت مالك ، وكأس بنت أرى ، ونجوة بنت نهد وجميعة بنت قيس ، وعمرة بنت مطر . ثم رجع إلى حديث عبد الله بن أبي بكر . قال : وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي - كلب ليث - أرض بني مرة ؛ فأصاب بها مرداس بن نهيك ؛ حليفاً لهم من الحرقة من جهينة ، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة : من لك بلا إله إلا الله ! وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل ، وغزوة ابن أبي حدرد وأصحابه إلى بطن إضم ، وغزوة ابن أبي حدرد الأسلمى إلى الغابة ، وغزوة عبد الرحمن ابن عوف . وبعث سرية إلى سيف البحر ، وعليهم أبو عبيدة بن الجراح ؛ وهي غزوة الخبط . حدثني الحارث بن محمد ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : قال محمد ابن عمر : كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانياً وأربعين سرية . قال الواقدي : في هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً في رمضان ، فبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة فهدمها . قال : وفيها قدم وبر بن يحنس على الأنباء باليمن ، يدعوهم إلى الإسلام فنزل على بنات النعمان بن بزرج فأسلمن ، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم ، وإلى مركبود وعطاء ابنه ، ووهب بن منبه ، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه . قال : وفيها أسلم باذان ، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه . قال أبو جعفر : وقد خالف في ذلك عبد الله بن أبي بكر من قال : كانت مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً وعشرين غزوة ، من أنا ذاكره : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا زهير ؛ عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال : سمعت منه أن رسول الله غزا تسع عشرة غزوة ، وحج بعد ما هاجر حجة ، لم يحج غير حجة الوداع . وذكر ابن إسحاق حجة بمكة . قال أبو إسحاق : فسألت زيد بن أرقم : كم غزوت مع رسول الله ؟ قال : سبع عشرة . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ؛ أن عبد الله بن يزيد الأنصاري خرج يستسقي بالناس ، قال : فصلى ركعتين ثم استسقى . قال : فلقيت يومئذ زيد بن أرقم ، قال : ليس بيني وبينه غير رجل - أو بيني وبينه رجل - قال : فقلت : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : تسع عشرة غزوة ، فقلت : كم غزوت معه ؟ قال : سبع عشرة غزوة ، فقلت : فما أول غزوة غزا ؟ قال : ذات العسير - أو العشير . وزعم الواقدي أن هذا عندهم خطأ ؛ حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق الهمداني ، قال : قلت لزيد بن أرقم : كم غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : سبع عشرة غزوة ، قلت : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : تسع عشرة غزوة . قال الحارث : قال ابن سعد : قال الواقدي : فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن جعفر ، فقال : هذا إسناد أهل العراق ؛ يقولون هكذا ؛ وأول غزوة غزاها زيد بن الأرقم المريسيع ؛ وهو غلام صغير ، وشهد مؤتة رديف عبد الله بن رواحة ؛ وما غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث غزوات أو أربعا . وروى عن مكحول في ذلك ما حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا ابن عمر ، قال : حدجثني سويد بن عبد العزيز ، عن النعمان بن المنذر ، عن مكحول ، قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة ؛ قاتل من ذلك في ثمان غزوات أولهن بدر وأحد والأحزاب وقريظة . قال الواقدي : فهذان الحديثان : حديث زيد بن الأرقم وحديث مكحول جميعاً غلط . ذكر الخبر عن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني عبد الله بن أبي زياد ، قال : حدثنا زيد بن الحارث ، عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج : حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة بعد ما هاجر ، معها عمرة . حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل أن يحج ، فبلغ ذلك عائشة ، فقالت : اعتمر رسول الله أربع عمر ؛ قد علم ذلك عبد الله بن عمر ، منهن عمرة مع حجته . حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي ، قال : حدثنا أبو حمزة ، عن مطرف ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، قال : سمعت ابن عمر يقول : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر . فبلغ عائشة ، فقالت : لقد علم ابن عمر أنه اعتمر أربع عمر ، منها عمرته التي قرن معها الحجة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ؛ فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة ، فقلنا : كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أربعاً ؛ إحداهن في رجب ، فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه ، فسمعنا استنان عائشة في الحجرة ، فقال عروة بن الزبير : يا أمه ، يا أم المؤمنين ، أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن ! فقالت : وما يقول ؟ قال : يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر : إحداهن في رجب ، فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ! ما اعتمر النبي عمرة إلا وهو شاهد ، وما اعتمر في رجب . ذكر الخبر عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن منهن عاش بعده ومن منهن فارقه في حياته ، والسبب الذي فارقه من أجله ، ومن منهن مات قبله . فحدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا هشام بن محمد ، قال : أخبرني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج خمس عشرة امرأة ؛ دخل بثلاث عشرة ، وجمع بين إحدى عشرة ، وتوفي عن تسع . تزوج في الجاهلية ؛ وهو ابن بضع وعشرين سنة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي ؛ وهي أول من تزوج ، وكانت قبله عند عتيق بن عابد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم ؛ وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن معيص بن لؤي . فولدت لعتيق جارية ، ثم توفي عنها وخلف عليها أبو هالة بن زرارة بن نباش بن زرارة بن حبيب بن سلامة بن غذي بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم ؛ وهو في بني عبد الدار بن قصى . فولدت لأبي هالة هند بن أبي هالة ؛ ثم توفي عنها فخلف عليها رسول الله ، وعندها ابن أبي هالة هند ، فولدت لرسول الله ثمانية : القاسم ، والطيب ، والطاهر ، وعبد الله ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة . قال أبو جعفر : ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتها على خديجة حتى مضت لسبيلها ؛ فلما توفيت خديجة تزوج رسول الله بعدها ؛ فاختلف فيمن بدأ بنكاحها منهن بعد خديجة ، فقال بعضهم : كانت التي بدأ بنكاحها بعد خديجة قبل غيرها عائشة بنت أبي بكر الصديق . وقال بعضهم : بل كانت سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر . فأما عائشة فكانت يوم تزوجها صغيرة لا تصلح للجماع ؛ وأما سودة فإنها كانت امرأة ثيباً ، قد كان لها قبل النبي صلى الله عليه وسلم زوج ؛ وكان زوجها قبل النبي السكران بن عمرو بن عبد شمس ، وكان السكران من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها ؛ فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة . قال أبو جعفر : ولا خلاف بين جميع أهل العلم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بسودة قبل عائشة . ذكر السبب الذي كان في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسودة والرواية الواردة بأولاهما كان عقد عليها رسول الله عقدة النكاح : حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عائشة ، قالت : لما توفيت خديجة ، قالت خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص ، امرأة عثمان بن مظعون وذلك بمكة : أي رسول الله ، ألا تزوج ؟ فقال : ومن ؟ فقالت : إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً ، قال : فمن البكر ؟ قالت : ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر ، قال : ومن الثيب ؟ قالت : سودة بنت زمعة بن قيس ، قد آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه . قال : فاذهبي فاذكريهما على . فجاءت فدخلت بيت أبي بكر ، فوجدت أم رومان ؛ أم عائشة ، فقالت : أى أم رومان ؟ ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة ! قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة ، قالت : وددت ! انتظري أبا بكر ، فإنه آت ، فجاء أبو بكر ، فقالت : يا أبا بكر ، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ! أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة ، قال : وهل تصلح له ، إنما هي ابنة أخيه ! فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له ذلك ، فقال : ارجعي إليه ، فقولي له : أنت أخي في الإسلام ، وأنا أخوك ، وابنتك تصلح لي ؟ فأتت أبا بكر فذكرت ذلك له ، فقال : انتظريني حتى أرجع ، فقالت أم رومان : إن المطعم بن عدي كان ذكرها على ابنه ، ولا والله ما وعد شيئاً قط فأخلف . فدخل أبو بكر على مطعم ، وعنده امرأته أم ابنه الذي كان ذكرها عليه ، فقالت العجوز : يا بن أبي قحافة ، لعلنا إن زوجنا ابننا ابنتك أن تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه ! فأقبل على زوجها المطعم ، فقال : ما تقول هذه ؟ فقال : إنها تقول ذاك . قال : فخرج أبو بكر ، وقد أذهب الله العدة التي كانت في نفسه من عدته التي وعدها إياه ، وقال لخولة : ادعي لي رسول الله ، فدعته فجاء فأنكحه ؛ وهي يومئذ ابنة ست سنين . قالت : ثم خرجت فدخلت على سودة فقلت : أي سودة ، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ! قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلني رسول الله يخطبك عليه ، قالت : فقالت : وددت ! ادخلي علي أبي فاذكري له ذلك ، قالت : وهو شيخ كبير قد تخلف عن الحج ، فدخلت عليه ، فحييته بتحية أهل الجاهلية ، ثم قلت : إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسلني أخطب عليه سودة ، قال : كفء كريم ؛ فماذا تقول صاحبته ؟ قالت : تحب ذلك ، قال : ادعيها إلى ، فدعيت له ، فقال : أي سودة ، زعمت هذه أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسل يخطبك وهو كفء كريم ، أفتحبين أن أزوجكه ؟ قالت : نعم ، قال : فادعيه لي ، فدعته ، فجاء فزوجه ، فجاء أخوها من الحج ؛ عبد بن زمعة ، فجعل يحثى في رأسه التراب ، فقال بعد أن أسلم : إني لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول الله سودة بنت زمعة ؟ قال : قالت عائشة : فقدمنا المدينة ، فنزل أبو بكر السنح في بني الحارث بن الخزرج ، قالت : فجاء رسول الله فدخل بيتنا ، فاجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء ، فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة بين عذقين يرجح بي ، فأنزلتني ثم وفت جميمة كانت لي ، ومسحت وجهي بشيء من ماء ، ثم أقبلت تقودني ، حتى إذا كنت عند الباب وقفت بي حتى ذهب بعض نفسي ، ثم أدخلت ورسول الله جالس على سرير في بيتنا . قالت : فأجلستني في حجره ، فقالت : هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك ؟ ووثب القوم والنساء ، فخرجوا ، فبنى بي رسول الله في بيتي ، ما نحرت جزور ولا ذبحت على شاة ، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين ، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا علي بن نصر ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث - وحدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : حدثني أبي - قال : حدثنا أبان العطار ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، أنه كتب إلى عبد الملك ابن مروان : إنك كتبت إلى في خديجة بنت خويلد تسألني : متى توفيت ؟ وإنها توفيت قبل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بثلاث سنين أو قريباً من ذلك ، ونكح عائشة متوفي خديجة ، كان رسول الله رأى عائشة مرتين ، يقال له : هذه امرأتك ، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة بعد ما قدم المدينة وهي يوم بني بها ابنة تسع سنين . رجع الخبر إلى خبر هشام بن محمد . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر - واسمه عتيق بن أبي قحافة ، وهو عثمان - ويقال عبد الرخمن بن عثمان - بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهي ابنة سبع سنين ؛ وجمع إليها بعد أن هاجر إلى المدينة وهي ابنة تسع سنين في شوال ؛ فتوفي عنها وهي ابنة ثمان عشرة ، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها ، ثم تزوج رسول الله حروف حفصة بنت عمر بن الخطاب ابن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن كعب - وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي ابن سعد بن سهم . وكان بدرياً ، شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلم تلد له شيئاً ، ولم يشهد من بني سهم بدراً غيره . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ؛ وكانت قبله عند أبي سلمة ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ؛ وشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان فارس القوم ، فأصابته جراحة يوم أحد فمات منها ؛ وكان ابن عمة رسول الله ورضيعه ، وأمه برة بنت عبد المطلب ولدت له عمر ، وسلمة ، وزينب ، ودرة ؛ فلما مات كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة تسع تكبيرات ، فلما قيل : يا رسول الله ، أسهوت أم نسيت ؟ قال : لم أسه ولم أنس ؛ ولو كبرت على أبي سلمة ألفاً كان أهلاً لذلك ؛ ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة بخلفه في أهله . فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الأحزاب سنة ثلاث ، وزوج سلمة بن أبي سلمة ابنة حمزة بن عبد المطلب . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام المريسيع جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة - وهو المصطلق بن سعد بن عمرو - سنة خمس ، وكانت قبله عند مالك بن صفوان ذي الشفر بن أبي سرح بن مالك بن المصطلق ؛ لم تلد له شيئاً ؛ فكانت صفية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم المريسيع ، فأعتقها وتزوجها ، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق ما في يده من قومها ، فأعتقهم لها . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ؛ وكانت عند عبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد - وكانت من مهاجرات الحبشة هي وزوجها ، فتنصر زوجها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها ، ومات زوجها على النصرانية ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فيها ، فقال النجاشي لأصحابه : من أولاكم بها ؟ قالوا : خالد بن سعيد بن العاص ، قال : فزوجها من نبيكم ، ففعل وأمهرها أربعمائة دينار . ويقال : بل خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان ، فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها ، فساق عنه النجاشي ، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة ؛ وكانت قبله عند زيد بن حارثة بن شراحيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم تلد له شيئاً ، وفيها أنزل الله عز وجل : " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك " إلى آخر الآية فزوجها الله عز وجل إياه ، وبعث في ذلك جبريل ؛ وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقول : أنا أكرمكن ولياً ، وأكرمكن سفيراً . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير ؛ وكانت قبله تحت سلام بن مشكم بن الحكم بن حارثة بن الخزرج بن كعب بن الخزرج ؛ وتوفي عنها وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فقتله محمد بن مسلمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ضرب عنقه صبراً ، فلما تصفح النبي صلى الله عليه وسلم السبي يوم خيبر ، ألقى رداءه على صفية ، فكانت صفيه يوم خيبر ؛ ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت فأعتقها ؛ وذلك سنة ست . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن ابن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال ؛ وكانت قبله عند عمير ابن عمرو ، من بني عقدة بن غيرة بن عوف بن قسى - وهو ثقيف - لم تلد له شيئاً ، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف في عمرة القضاء ؛ زوجها إياه العباس ابن عبد المطلب ؛ فتزوجها رسول الله . وكل هؤلاء اللواتي ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجهن إلى هذا الموضع ، توفي رسول الله وهن أحياء ، غير خديجة بنت خويلد . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني كلاب بن ربيعة ؛ يقال لها النشاة بنت رفاعة ، وكانوا حلفاء لبني رفاعة من قريظة . وقد اختلف فيها ، وكان بعضهم يسمى هذه سنا وينسبها ، فيقول : سنا بنت أسماء بن الصلت السلمية . وقال بعضهم : هي سبا بنت أسماء بن الصلت من بني حرام من بني سليم . وقالوا : توفيت قبل أن يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونسبها بعضهم فقال : هي سنا بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سمال بن عوف السلمي . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم الشنباء بنت عمرو الغفارية . وكانوا أيضاً حلفاء لبني قريظة ، وبعضهم يزعم أنها قرظية ، وقد جهل نسبها لهلاك بني قريظة ، وقيل أيضاً إنها كنانية ، فعركت حين دخلت عليه ؛ ومات إبراهيم قبل أن تطهر ، فقالت : لو كان نبياً ما مات أحب الناس إليه ؛ فسرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم غزية بنت جابر من بني أبي بكر بن كلاب ، بلغ رسول الله عنها جمال وبسطة ، فبعث أبا أسيد الأنصاري ، ثم الساعدي ، فخطبها عليه ، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم - وكانت حديثة عهد بالكفر - فقالت : إني لم أستأمر في نفسي ، إني أعوذ بالله منك ؟؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : امتنع عائذ الله . وردها إلى أهلها ؛ ويقال : إنها من كندة . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت النعمان بن الأسود ابن شراحيل بن الجون بن حجر بن معاوية الكندي ، فلما دخل بها وجد بها بياضاً فمتعها وجهزها وردها إلى أهلها ؛ ويقال : بل كان النعمان بعث بها إلى رسول الله فسرحته ، فلما دخلت عليه استعاذت منه أيضاً ، فبعث إلى أبيها ، فقال له : أليست ابنتك ؟ قال : بلى ، قال لها : ألست ابنته ؟ قالت : بلى ، قال النعمان : عليكها يا رسول الله ، فإنها وإنها ... وأطنب في الثناء فقال : إنها لم تيجع قط ، ففعل بها ما فعل بالعامرية ، فلا يدري : ألقو لها أم لقول أبيها: " إنها لم تيجع قط " . وأفاء الله عز وجل على رسوله ريحانة بنت زيد ، من بنت قريظة . وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مارية القبطية ، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية ، فولدت له إبراهيم بن رسول الله . فهؤلاء أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهن ست قرشيات . قال أبو جعفر : وممن لم يذكر هشام في خبره هذا ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوجه من النساء : زينب بنت خزيمة - وهي التي يقال لها أم المساكين - من بني عامر بن صعصعة ، وهي زينب بنت خزيمة بن الحارث ابن عبد الله ابن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وكانت قبل رسول الله عند الطفيل بن الحارث بن المطلب ، أخي عبيدة بن الحارث ، توفيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة . وقيل إنه لم يمت عند رسول الله في حياته من أزواجه غيرها وغير خديجة وشراف بنت خليفة ، أخت دحية بن خليفة الكلبي ، والعالية بنت ظبيان . حدثني ابن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : تزوج رسول اله صلى الله عليه وسلم العالية ؛ امرأة من بني أبي بكر كلاب فمتعها ، ثم فارقها ، وقتيلة بنت قيس ابن معد يكرب أخت الأشعث بن قيس ، فتوفى عنها قبل أن يدخل بها ، فارتدت عن الإسلام مع أخيها ، وفاطمة بنت شريح . وذكر عن ابن الكلبي أنه قال : غزية بنت جابر ، هي أم شريك ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زوج كان لها قبله ؛ وكان لها منه ابن يقال له شريك ، فكنيت به ، فلما دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وجدها مسنة ، فطلقها ، وكانت قد أسلمت ؛ وكانت تدخل على نساء قريش فتدعوهن إلى الإسلام . وقيل : إنه تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة بن قبيصة بن الحارث ؛ زوى ذلك عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . وبهذا الإسناد أن ليلى بنت الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر ابن الحارث بن الخزرج ، أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مول ظهره الشمس ، فضربت على منكبه ، فقال : من هذه ؟ قالت : أنا ابنة مبارى الريح ، أنا ليلى بنت الخطيم ، جئتك أعرض عليك نفسي فتزوجني ، قال : قد فعلت ، فرجعت إلى قومها ، فقالت : قد تزوجني رسول الله ، فقالوا : بئسما صنعت ! أنت امرأة غيرى ؛ والنبي صاحب نساء ، استقيليه نفسك ، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : أفلني ، قال : قد أقلتك . وبغير هذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عمرة بنت يزيد ، امرأة من بني رؤاس بن كلاب . ذكر من خطب النبي صلى الله عليه وسلم من النساء ثم لم ينكحهن منهن أم هانئ بنت أبي طالب ، واسمها هند ، خطبها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتزوجها ؛ لأنها ذكرت أنها ذات ولد . وخطب ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر صعصعة إلى ابنها سلمة بن هشام بن المغيرة ، فقال : حتى أستأمرها ، فأتاها فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم خطبك ، فقالت : ما قلت له ؟ قال : قلت له حتى أستأمرها ! قالت : وفي النبي يستأمر ! ارجع فزوجه ؛ فرجع فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه أخبر أنها قد كبرت . وخطب - فيما ذكر - صفية بنت بشامة أخت الأعور العنبري ، وكان أصابها سباء ، فخيرها ، فقال : إن شئت أنا وإن شئت زوجك ، قالت : بل زوجي ؛ فأرسلها . وخطب أم حبيب بنت العباس بن عبد المطلب ، فوجد العباس أخاه من الرضاعة ، أرضعتهما ثويبة . وخطب جمرة بنت الحارث بن أبي حارثة ، فقال أبوها - فيما ذكر : بها شيء ، ولم يكن بها شيء ، فرجع فوجدها قد برصت . ذكر سراري رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مارية بنت شمعون القبطية ، وريحانة بنت زيد القرظية . وقيل : هي من بني النضير . وقد مضى ذكر أخبارهما قبل . ذكر موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد ، وقد ذكرنا خبره فيما مضى . وثوبان - مولي رسول الله ، فأعتقه ، ولم يزل معه حتى قبض ، ثم نزل حمص وله بها دار وقف ؛ ذكر أنه توفي سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية . وقال بعضهم : بل كان سكن الرملة ، ولا عقب له . وشقران - وكان من الحبشة ، اسمه صالح بن عدي ؛ اختلف في أمره . قد ذكر عن عبد الله بن داود الخريبي أنه قال : شقران ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه . وقال بعضهم : شقران من الفرس ، ونسبه فقال : هو صالح بن حول ابن مهر بود . نسب شقران مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول من نسبه إلى عجم الفرس . زعم أنه صالح بن حول بن مهر بوذ بن آذر جشنس بن مهربان بن فيران بن رستم بن فيروز بن ماي بن بهرام بن رشتهري ، وزعم أنهم كانوا من دهاقين الري . وذكر عن مصعب الزبيري أنه قال : كان شقران لعبد الرحمن بن عوف . فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه أعقب ؛ وأن آخرهم مؤبا ، رجل كان بالمدينة من ولده ، كان له بالبصرة بقية . ورويفع - وهو أبو رافع مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اسمه أسلم . وقال بعضهم : اسمه إبراهيم . واختلفوا في أمره ؛ فقال بعضهم : كان للعباس بن عبد المطلب ، فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعتقه رسول الله . وقال بعضهم : كان أبو رافع لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر فورثه بنوه ، فأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم منه ، وقتلوا يوم بدر جميعاً ؛ وشهد أبو رافع معهم بدراً ، ووهب خالد بن سعيد نصيبه منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله . وابنه البهى - اسمه رافع . وأخو البهى عبيدة الله بن أبي رافع - وكان يكتب لعلي بن أبي طالب ، فلما ولى عمرو بن سعيد المدينة دعا البهى ، فقال : من مولاك ؟ فقال : رسول الله ، فضربه مائة سوط ، وقال : مولى من أنت ! قال : مولى رسول الله ، فضربه مائة سوط ؛ فلم يزل يفعل به ذلك كلما سأله : مولى من أنت ؟ قال : مولى رسول الله ؛ حتى ضربه خمسمائة سوط ، ثم قال : مولى من أنت ؟ قال : مولاكم ، فلما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال البهى بن أبي رافع : صحت ولا شلت وضرت عدوها ... يمين هراقت مهجة ابن سعيد هو ابن العاصى مراراً وينتمي ... إلى أسرة طابت له وجدود وسلمان الفارسي - وكنيته أبو عبد الله من أهل قرية أصبهان ؛ ويقال : إنه من قرية رامهرمز ؛ فأصابه أسر من بعض كلب ، فبيع من بعض اليهود بناحية وادي القرى ؛ فكاتب اليهودى ، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى عتق . وقال بعض نسابة الفرس : سلمان من كورس أبور ، واسمه مابه بن بوذخشان بن ده ديره . وسفينة - مواى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لأم سلمة فأعتقته ؛ واشترطت عليه خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ، قيل : إنه أسود ؛ واختلف في اسمه ، فقال بعضهم : اسمه مهران ، وقال بعضهم : اسمه رباح ، وقال بعضهم : هو من عجم الفرس ؛ واسمه سبيه بن مارقيه ، وأنسة . يكني أبا مسرح ، وقيل : أبا مسروح . كان من مولدي السراة ؛ وكان يأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس ، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : أصله من عجم الفرس ؛ كانت أمه حبشية وأبوه فارسياً . قال : واسم أبيه بالفارسية كردوى ابن أشرنيده بن أدوهر بن مهرادر بن كحنكان من بني مهجوار بن يوماست . وأبو كبشة - واسمه سليم ، قيل إنه كان من مولدي مكة ، وقيل : من مولدي أرض دوس ، اتباعه رسول اله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ، فشهد مع رسول الله بدراً وأحداً والمشاهد . توفي في أول يوم استخلف فيه عمر بن الخطاب ، سنة ثلاث عشرة من الهجرة . وأبو مويهبة - قيل : إنه كان من مولدي مزينة ، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه . ورباح الأسود - كان يأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وفضالة - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل - فما ذكر - الشأم . ومدعم - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان عبداً لرفاعة ابن زيد الجذامي ، فوهبه لرسول الله ، فقتل بوادي القرى ، يوم نزل بهم رسول الله ، أتاه سهم غرب فقتله . وأبو ضميرة - كان بعض نسابة الفرس زعم أنه من عجم الفرس ، من ولد كشتاسب الملك ، وأن اسمه واح بن شيرز بن بيرويس بن تاريشمه ابن ماهوش بن باكمهير .. وذكر بعضهم أنه كان ممن صار في قسم رسول الله في بعض وقائعه ، فأعتقه ، وكتب له كتاباً بالوصية ؛ وهو جد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة ، وأن ذلك الكتاب في أيدي ولد ولده وأهل بيته ، وأن حسين بن عبد الله هذا قدم على المهدي ومعه ذلك الكتاب ، فأخذه المهدي فوضعه على عينيه ، ووصله بثلثمائة دينار . ويسار - وكان فيما ذكر نوبياً ؛ كان فيما وقع في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فأعتقه ؛ وهو الذي قتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله . ومهران - حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان له خصى يقال له مابور - كان المقوقس أهداه إليه مع الجاريتين اللتين يقال لإحداهما مارية ، وهي التي تسرى بها والأخرى سيرين وهي التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت ، لما كان من جناية صفوان بن المعطل عليه ، فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن بن حسان . وكان المقوقس بعث بهذا الخصى مع الجاريتين اللتين أهداهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليوصلهما إليه ، ويحفظهما من الطريق حتى تصلا إليه . وقيل : إنه الذي قذفت مارية به ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وأمره بقتله ، فلما رأى علياً وما يريد به تكشف حتى تبين لعلى أنه أجب لا شيء معه مما يكون مع الرجال ، فكف عنه علي . وخرج إليه من الطائف - وهو محاصر أهلها - أعبد لهم أربعة ، فأعتقهم صلى الله عليه وسلم ، منهم أبو بكرة . ذكر من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن عثمان بن عفان كان يكتب له أحياناً ، وأحياناً علي بن أبي طالب ، وخالد بن سعيد ، وأبان بن سعيد ، والعلاء بن الحضرمي . قيل : أول من كتب له أبي بن كعب ؛ وكان إذا غاب أبي كتب له زيد بن ثابت . وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ثم ارتد عن الإسلام ، ثم راجع الإسلام يوم فتح مكة . وكتب له معاوية بن أبي سفيان ، وحنظلة الأسيدي . أسماء خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة ، عن أبيه ، قال : أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرس اتباعه بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواق ، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس ، فسماه رسول الله السكب ؛ وكان أول ما غزا عليه أحد ، ليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره ، وفرس لأبي بردة بن نيار ، يقال له ملاوح . حدثني الحارث ، قال : أخبرنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن المرتجز ، فقال : هو الفرس الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت ؛ وكان الأعرابي من بني مرة . حدثني الحارث قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا أبي بن عباس بن سهل ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس : لزاز ، والظرب ، واللخيف ؛ فأما لزاز فأهداه له المقوقس ، وأما اللخيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء ؛ فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب ، وأما الظرب فأهداه له فروة ابن عمرو الجذامي . وأهدى تميم الدارى لرسول الله فرساً يقال له : الورد ، فأعطاه عمر ؛ فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده ينباع . وقد زعم بعضهم أنه كان له مع ما ذكرت من الخيل فرس يقال له اليعسوب . ذكر أسماء بغال رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : كانت دلدل بغلة النبي صلى الله عليه وسلم أول بغلة رئيت في الأسلام ، أهداها له المقوقس وأهدى له معها حماراً يقال له عفير ؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال : دلدل أهداها له فروة بن عمرو الجذامي . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن زامل بن عمرو ، قال : أهدى فروة بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة يقال لها فضة ؛ فوهبها لأبي بكر ، وحماره يعفور ؛ فنفق منصرفه من حجة الوداع . ذكر أسماء إبله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، قال : كانت القصواء من نعم بني الحريش ، ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمائة درهم ، وأخذها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة ؛ فكانت عنده حتى نفقت ؛ وهي التي هاجر عليها ؛ وكانت حين قدم رسول الله المدينة رباعية ، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني ابن أبي ذئب ، عن يحيى بن يعلى ، عن ابن المسيب ، قال : كان اسمها العضباء ؛ وكان في طرف أذنها جدع . ذكر أسماء لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال أخبرنا محمد بن عمر ن قال : حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع ، قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاح ، وهي التي أغار عليها القوم بالغابة ، وهي عشرون لقحة ، وكانت التي يعيش بها أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن فيها لقاح غزار : الحناء ، والسمراء ، والعريس ، والسعدية ، والبغوم ، واليسيرة ، والريا . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني هارون بن محمد ، عن أبيه ، عن نبهان ؛ مولى أم سلمة ، قال : سمعت أم سلمة ، تقول : كان عيشنا مع رسول الله اللبن - أو قالت أكثر عيشنا - كانت لرسول الله لقاح بالغابة كان قد فرقها على نسائه ، فكانت فيها لقحة تدعى العريس ؛ وكنا منها فيما شئنا من اللبن ، وكانت لعائشة لقحة تدعى السمراء غزيرة ، لم تكن كلقحتى ، فقرب راعيهن اللقاح إلى مرعي بناحية الجوانية ، فكانت تروح على أبياتنا فنؤتى بهما فتحلبان ، فتوجد لقحته أغزر منهما بمثل لبنهما أو أكثر . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا عبد السلام بن جبير ، عن أبيه ، قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقائح تكون بذي الجدر ، وتكون بالجماء ، فكان لبنها يؤوب إلينا ؛ لقحة تدعى مهرة ، أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل وكانت غزيرة ؛ وكانت الريا والشقراء ابتاعهما بسوق النبط من بني عامر ، وكانت بردة ، والسمراء ، والعريس ، واليسيرة ، والحناء ، يحلبن ويراح إليه بلبنهن كل ليلة ؛ وكان فيها غلام للنبي صلى الله عليه وسلم اسمه يسار ، فقتلوه . ذكر أسماء منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني زكرياء بن يحيى ، عن إبراهيم بن عبد الله ، من ولد عتبة بن غزوان ، قال : كانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعاً : عجوة ، وزمزم ، وسقيا ، وبركة ، وورسة ، وأطلال ، وأطراف . حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد ، قال : حدثني أبو إسحاق ، عن عباد بن منصور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أعنز منائح ، يرعاهن ابن أم أيمن . ذكر أسماء سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى ، قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف : سيفاً قلعياً ، وسيفاً يدعى بتاراً ، وسيفاً يدعى الحتف ؛ وكان عنده بعد ذلك المخذم ورسوب ، أصابهما من الفلس . وقيل إنه قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه سيفان ، يقال لأحدهما : القضيب ، شهد به بدراً ، وسيفه ذو الفقار غنمه يوم بدر ، كان لمنبه بن الحجاج . ذكر أسماء قسيه ورماحه صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلي ، قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بني قينقاع ثلاثة أرماح وثلاث قسى : قوس الروحاء ، وقوس شوحط ؛ تدعى البيضاء ، وقوس صفراء تدعى الصفراء من نبع . ذكر أسماء دروعه صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلي ، قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بني قينقاع درعين ؛ درع يقال لها السعدية ، ودرع يقال لها فضة . حدثني الحارث ، قال : حدثني ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني موسى بن عمر ، عن جعفر بن محمود ، عن محمد بن مسلمة ، قال : رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين : درعه ذات الفضول ودرعه فضة ، ورأيت عليه يوم خيبر درعين : ذات الفضول والسعدية . ذكر ترسه صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا عتاب بن زياد ، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر ، قال : سمعت مكحولا يقول : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ترس فيه تمثال رأس كبش ، فكره رسول الله مكانه ، فأصبح يوماً وقد أذهبه الله عز وجل . ذكر أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن عبد الرحمن - يعني المسعودي - عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن أبي موسى ، قال : سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء ، منها ما حفظنا . قال : أنا محمد ، وأحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونبي التوبة والملحمة . حدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : أخبرنا إبراهيم - يعني ابن سعد - عن الزهري ، قال : أخبرني محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي أسماء ؛ أنا محمد ، وأحمد ، والعاقب ، والماحي . قال الزهري : العاقب : الذي ليس بعده أحد والماحي : الذي يمحو الله به الكفر . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال ، أخبرنا سفيان ابن حين ، قال : حدثني الزهري ، عن محمد بن بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا محمد ، وأحمد ، والماحي ، والعاقب ، والحاشر ؛ الذي يحشر الناس على قدمي . قال يزيد : فسألت سفيان : ما العاقب ؟ قال : آخر الأنبياء . ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم حدثني ابن المنني ، قال : حدثني ابن أبي عدي ، عن المسعودي ، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز ، قال : حدثني نافع بن جبير ، عن على أبن أبي طالب ،قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير ، ضخم الرأ س واللحية ، شثن الكفين والقدمين ، ضخم الكراديس مشربا " وجهه الحمرة ، طويل المسربة إذا مشى تكفأ تكفؤا كانمأ ينحط من صبب ،لم أر قبله ولا بعده مثله ؛ صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا مجمع بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الله بن عمران ، عن رجل من الأنصار - لم يسمه - أنه سأل علي بن أبي طالب وهو في مسجد الكوفة محتب بحمالة سيفه ، فقال : انعت لي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له علي : كان رسول الله أبيض اللون مشرباً حمرة ، أدعج سبط الشعر ، دقيق المسربة ، سهل الخدين ، كث اللحية ، ذا وفرة ؛ كأن عنقه إبريق فضة ؛ كان له شعر من لبتة إلى سرته يجري كالقضيب ؛ لم يكن في إبطه ولا صدره شعر غيره ، شثن الكف والقدم ؛ إذا مشى كأنما ينحدر من صبب ؛ وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر ، وإذا التفت التفت جميعاً ؛ ليس بالقصير ولا بالطويل ، ولا العاجز ولا اللئيم ؛ كأن العرق في وجهه اللؤلؤ ؛ ولريح عرقه أطيب من المسك ؛ لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن المقدمي ، قال : حدثنا يحيى بن محمد بن قيس الذي يقال له أبو زكير ، قال : سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين ؛ فأقام بمكة عشراً وبالمدينة عشرآ ، وتوفي على رأس ستين ؛ ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ؛ ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل البائن ، ولا القصير ؛ ولم يكن بالأبيض الأمهق ؛ ولا الآدم ، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط . حدثني ابن المثنى قال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن الجريري ، قال : كنت مع أبي الطفيل نطوف بالبيت ؛ فقال : ما بقي أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري ؛ قال : وقلت : أرأيته ؟ قال : نعم ، قلت : كيف كان صفته ؟ قال : كان أبيض مليحاً مقصداً . ذكر خاتم النبوة التي كانت به صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا الضحاك بن مخلد ، قال : حدثنا عزرة بن ثابت ، قال : حدثنا علباء ، قال : حدثنا أبو زيد ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا زيد ، ادن مني امسح ظهري - وكشف عن ظهره - قال : فمسست ظهره ، ثم وضعت أصبعي على الخاتم فغمزتها ، قال : قلت : وما الخاتم ؟ قال : شعر مجمع كان على كتفيه . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا بشر بن الوضاح أبو الهيثم ، قال : حدثنا أبو عقيل الدورقي عن أبي نضرة ، قال : سألت أبا سعيد الخدري عن الخاتم التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال كانت بضعة ناشزة . ذكر شجاعته وجوده صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس ، وأسمح الناس ، وأشجع الناس ؛ لقد كان فزع بالمدينة ، فانطلق أهل المدينة نحو الصوت ، فإذا هم قد تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس عري لأبي طلحة ، ما عليه سرج ، وعليه السيف . قال : وقد كان سبقهم إلى الصوت ، قال : فجعل يقول : يأيها الناس ، لم تراعوا ، لم تراعوا ! مرتين ، ثم قال : يا أبا طلحة ، وجدناه بحراً ؛ وقد كان الفرس يبطأ ، فما سبقه فرس بعد ذلك . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، وأجود الناس ؛ كان فزع بالمدينة فخرج الناس قبل الصوت ، فاستبرأ الفزع على فرس لأبي طلحة عري ، ما عليه سرج ، في عنقه السيف . قال : وجدناه بحراً - أو قال : وإنه لبحر . ذكر صفة شعره صلى الله عليه وسلم وهل كان يخضب أم لا حدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا معاذ بن معاذ ، قال : حدثنا حريز بن عثمان ، قال أبو موسى : قال معاذ : وما رأيت من رجل قط من أهل الشأم أفضله عليه ، قال : دخلنا على عبد بن بسر ، فقلت له من بين أصحابي : أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أشيخا كان ؟ قال : فوضع يده على عنفقته ، وقال : كان في عنفقته شعر أبيض . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن أبي جحيفة ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنفقته بيضاء ، قيل : مثل من أنت يومئذ يا أبا جحيفة ؟ قال : أبري النبل وأريشها . حدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا خالد ابن الحارث ، قال : حدثنا حميد ، قال : سئل أنس : أخضب رسول الله ؟ قال : فقال أنس : لم يشتد برسول الله الشيب ، ولكن خضب أبو بكر بالحناء والكتم ، وخضب عمر بالحناء . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، قال : سئل أنس : هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لم يرمن الشيب إلا نحو من تسع عشرة أو عشرين شعرة بيضاء في مقدم لحيته . قال : إنه لم يشن بالشيب ، فقيل لأنس : وشين هو ! قال : كلكم يكرهه ؛ ولكن خضب أبو بكر بالحناء والكتم ، وخضب عمر بالحناء . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا معاذ بن معاذ ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس ، قال : لم يكن الشيب الذي بالنبي صلى الله عليه وسلم عشرين شعرة . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا حماد ابن سلمة ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : ما كان في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيب إلا شعرات في مفرق رأسه ؛ وكان إذا دهنه غطاهن. حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سلام بن أبي مطيع ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، قال : دخلت زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجت إلينا شعراً من شعر رسول الله مخضوباً بالحناء والكتم . حدثنا ابن جابر بن الكردي الواسطي ، قال : حدثنا أبو سفيان ، قال : حدثنا الضحاك بن حمرة ، عن غيلان بن جامع ، عن إياد بن لقيط ، عن أبي رمثة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالحناء والكتم؛ وكان يبلغ شعره كتفيه أو منكبيه - الشك من أبي سفيان . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إبراهيم - يعني ابن نافع - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم هانئ ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ضفائر أربع . ذكر الخبر عن بدء مرض رسول الله الذي توفي فيه وما كان منه قبيل ذلك لما نعيت إليه نفسه صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر : يقول الله عز وجل : " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً " . قد مضى ذكرنا قبل ما كان من تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه - في حجته التي حجها المسماة حجة الوداع ، وحجة التمام ، وحجة البلاغ - مناسكهم ووصيته إياهم ، بما قد ذكرت قبل في خطبته التي خطبها بهم فيها . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من سفره ذلك بعد فراغه من حجه إلى منزله بالمدينة في بقية ذي الحجة ، فأقام بها ما بقي من ذي الحجة والمحرم والصقر . ثم دخلت سنة إحدى عشرة ذكر الأحداث التي كانت فيها قال أبو جعفر : ثم ضرب في المحرم من سنة إحدى عشرة على الناس بعثاً إلى الشأم ، وأمر عليهم مولاه وابن مولاه أسامة بن زيد بن حارثة ، وأمره - فيما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عباس بن أبي ربيعة - أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون . فينا الناس على ذلك ابتدئ صلى الله عليه وسلم شكواه التي قبضه الله عز وجل فيها إلى ما أراد به رحمته وكرامته في ليال بقين من ضفر ، أو في أول شهر ربيع الأول . حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري ، قال : حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال : أخبرنا سيف بن عمر ، قال : حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت ابن الجزع الأنصاري ، عن عبيد بن حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، عن أبي مويهبة مولى رسول الله ، قال : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام ، فتحلل به السير ، وضرب على الناس بعثاً ، وأمر عليهم أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ من آبل الزيت من مشارف الشأم الأرض بالأردن ، فقال المنافقون في ذلك ، ورد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه لخليق لها - أي حقيق بالإمارة - وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل ؛ وإن كان لخليقاً لها " . فطارت الأخبار بتحلل السير بالنبي صلى الله عليه وسلم أن النبي قد اشتكى ، فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة ؛ وجاء الخبر عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم . ثم وثب طليحة في بلاد أسد بعد ما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي قبضه الله تعالى فيه . حدثنا ابن سعد ، قال : حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال : أخبرنا سيف ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ؛ قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي توفاه الله به في عقب المحرم . وقال الواقدي : بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه لليلتين بقيتا من صفر . حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثنا سيف ابن عمر ، قال : حدثنا المستنير بن يزيد النخعي ، عن عروة بن غزية الدثيني ، عن الضحاك بن فيروز بن الديلمى ، عن أبيه ، قال : إن أول ردة كانت في الإسلام باليمن كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدي ذي الخمار عبهلة بن كعب - وهو الأسود - في عامة مذحج . خرج بعد الوداع ؛ كان الأسود كاهناً شعبا ذا ، وكان يريهم الأعاجيب ، ويسبى قلوب من سمع منطقه ، وكان أول ما خرج أن خرج من كهف خبان ؛ وهي كانت داره ، وبها ولد ونشأ ؛ فكاتبته مذحج ، وواعدته نجران ؛ فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعد بن العاص وأنزلوه منزلهما ، ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك وهو على مراد ، فأجلاه ونزل منزله ؛ فلم ينشب عبهلة بنجران أن سار إلى صنعاء فأخذها ، وكتب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم من فعله ونزوله صنعاء ؛ وكان أول خبر وقع به عنه من قبل فروة بن مسيك ، ولحق بفروة من تم على الإسلام من مذحج ، فكانوا باأحسية ، ولم يكاتبه الأسود ولم يرسل إليه ، لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه ، وصفا له ملك اليمن . حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرني عمي يعقوب ، قال : حدثني سيف ، قال : حدثنا طلحة بن الأعلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضرب بعث أسامة فلم يستتب لوجع رسول الله ولخلع مسيلمة والأسود ؛ وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة ، حتى بلغه ؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك الشأن وانتشاره ، لرؤيا رآها في بيت عائشة : فقال : إني رأيت البارحة - فيما يرى النائم - أن في عضدي سوارين من ذهب ؛ فكرهتهما فنفختهما ، فطارا ، فأولتهما هذين الكذابين - صاحب اليمامة وصاحب اليمن - وقد بلغني أن أقواماً يقولون في إمارة أسامة ! ولعمري لئن قالوا في إمارته ، لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله ! وإن كان أبوه لخليقاً للإمارة ، وإنه لخليق لها ؛ فأنفذوا بعث أسامة . وقال : لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ! فخرج أسامة فضرب بالجرف ؛ وأنشأ الناس في العسكر ، ونجم طليحة وتمهل الناس ، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستتم الأمر ؛ ينظرون أولهم آخرهم ، حتى توفي الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم . كتب إلى السرى بن يحيى ، يقول : حدثنا شعيب بن إبراهيم التميمي ، عن سيف بن عمر ، قال : حدثنا سعيد بن عبيد أبو يعقوب ، عن أبي ماجد الأسدي ، عن الحضرمي بن عامر الأسدي ، قال : سألته عن أمر طليحة ابن خويلد ؛ فقال : وقع بنا الخبر بوجع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بلغنا أن مسيلمة قد غلب على اليمامة ، وأن الأسود قد غلبب على اليمن ؛ فلم يلبث إلا قليلاً حتى ادعى طليحة النبوة ، وعسكر بسميراء ، واتبعه العوام ؛ واستكثف أمره ؛ وبعث حبال ابن أخيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الموادعة ، ويخبره خبره . وقال حبال : إن الذي يأتيه ذو النون ؛ فقال : لقد سمى ملكاً ، فقال حبال : أنا ابن خويلد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قتلك الله وحرمك الشهادة ! وحدثني عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي يعقوب ، قال : أخبرنا سيف ، قال : وحدثنا سعيد بن عبيد ، عن حريث بن المعلي : أن أول من كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبر طليحة سنان بن أبي سنان ، وكان على بني مالك ؛ وكان قضاعي بن عمرو على بني الحارث . حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف ، قال : أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسل ، قال : فأرسل إلى نفر من الأبناء رسولاً ، وكتب إليهم أن يحاولوه ، وأمرهم أن يستنجدوا رجالاً - قد سماهم - من بني تميم وقيس ؛ وأرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم ، ففعلوا ذلك ؛ وانقطعت سبل المرتدة ، وطعنوا في نقصان وأغلقهم ، واشتغلوا في أنفسهم ، فأصيب الأسود في حياة رسول الله، وقبل وفاته بيوم أو بليلة ، ولظ طليحة ومسيلمة وأشباهم بالرسل ؛ ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله عز وجل والذب عن دينه ، فبعث وبربن يحنس إلى فيروز وجشيش الديلمي وداذويه الإصطخري ؛ وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي القلاع وذي ظلم ، وبعث الأفرع بن عبد الله الحمير إلى ذي زود وذي مران ، وبعث فرأت بن حيان اعجلي إلى قمامة بن أسال ، وبعث أياد بن حنظل التميمة ثم اعمري إلى قيس بن عاصم والبر قان بن بدر ، وبعث سلسل بن شرحبيل إلى سبرة العنبري ووكيع الدارمي وإلى عمرو بن المحجوب العامري ، وإلى عمرو بن الخفاجي من بني عامر ، وبعث ضرار بن الأزور الأسدي إلى عوف الزرقاني من بني الصيداء وسنان الأسدي ثم الغنمي ، وقضاعي الدئلي ، وبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ابن ذي اللحية وابن مشيمصة الجبيري . وحدثت عن هشام بن محمد ، عن أبي مخنف ، قال : حدثنا الصقعب ابن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجع وجعه الذي قبض في آخر صفر في أيام بقين منه ؛ وهو في بيت زينب بنت جحش . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد ، عن محمد ابن إسحاق ، عن عبد الله بن عمر بن علي ، عن عبيد ين جبير ، مولي الحكم ابن أبي العاص ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل ، فقال لي : يا أبا مويهبة ، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع ؛ فانطلق معي ، فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم ، قال : السلام عليكم أهل المقابر ؛ ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ! أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى . ثم أقبل علي فقال : يا أبا مويهبة ، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، خيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة ، فاخترت لقاء ربي والجنة . قال : قلت : يأبي أنت وأمي ! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة . فقال : لا والله يا أبا مويهبة ، لقد اخترت لقاء ربي والجنة ، ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف فبدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجعه الذي قبض فيه . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال :حدثنا محمد ابن إسحاق . وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا علي بن مجاهد ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع ، فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي ، وأنا أقول : وارأساه ! قال : بل أنا والله يا عائشة وارأساه ! ثم قال : ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك ، وصليت عليك ، ودفنتك ! فقلت : والله لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك ، قالت : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتتام به وجعه ؛ وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في بيت ميمونة ، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي ، فأذن له . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين من أهله : أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخط قدماه الأرض ، عاصباً رأسه حتى دخل بيتي . قال عبيد الله : فحدثت هذا الحديث عنها عبد الله بن عباس ، فقال : هل تدري من الرجل ؟ قلت : لا ، قال : علي بن أبي طالب . ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع. ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الوجع ؛ فقال : أهريقوا على من سبع قرب من آبار شتى ؛ حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم ، قالت : فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر ، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول : حسبكم ، حسبكم ! . فحدثني حميد بن الربيع الخراز ، قال : حدثنا معن بن عيسى ، قال : حدثنا الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن إياس الليثي ؛ ثم الأشجعي ، عن القاسم بن يزيد ، عن عبد الله بن قسيط ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن أخيه الفضل بن عباس ، قال : جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إليه فوجدته موعوكاً قد عصب رأسه ، فقال : خذ بيدي يا فضل ، فأخذت بيده ؛ حتى جلس على المنبر ، ثم قال : ناد في الناس . فاجتمعوا إليه ، فقال : أما بعد أيها الناس ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ؛ وإنه قد دنا منى حقوق من بين أظهركم ، فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقيد منه ، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه ؛ ألا وإن الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني ، ؛ ألا وإن أحبكم إلى من أخذ مني حقاً إن كان له ، أو حللني فلقيت الله وأنا أطيب النفس ؛ وقد أرى أن هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مراراً . قال الفضل : ثم نزل فصلى الظهر ، ثم رجع فجلس على المنبر ، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ؛ إن لي عندك ثلاثة دراهم ، قال : أعطه يا فضل ، فأمرته فجلس . ثم قال : أيها الناس ، من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا ، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة . فقام رجل فقال : يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله ، قال : ولم غللتها ؟ قال : كنت إليها محتاجاً ، قال : خذها منه يا فضل . ثم قال : يأيها الناس ، من خشى من نفسه شيئاً فليقم أدع له . فقام رجل فقال : يا رسول الله ، إني لكذاب ، إني لفاحش ، وإني لنؤوم ؛ فقال : اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً ، وأذهب عنه النوم إذا أراد . ثم قام رجل فقال : والله يا رسول ا لله ، إني لكذاب وإني لمنافق ، وما شيء - أو إن شيء - إلا قد جنيته . فقام عمر بن الخطاب ، فقال : فضحت نفسك أيها الرجل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا بن الخطاب ، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ، اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً وصير أمره إلى خير . فقال عمر كلمة . فضحك رسول الله ، ثم قال : عمر معي وأنا مع عمر ، والحق بعدي مع عمر حيث كان . حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن أيوب بن بشير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصباً رأسه ؛ حتى جلس على المنبر ؛ ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد ، واستغفر لهم ؛ وأكثر الصلاة عليهم ، ثم قال : إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله . قال : ففهمها أبو بكر ، وعلم أن نفسه يريد ؛ فبكى ، وقال : بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا ، فقال : على رسلك يا أبا بكر ! انظروا هذه الأبواب الشوارع اللافظة في المسجد فسدوها ؛ إلا ما كان من بيت أبي بكر ؛ فإني لا أعلم أحداً كان أفضل عندي في الصحبة يداً منه . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن بعض آل أبي سعيد بن المعلي ، أن رسول الله قال يومئذ في كلامه هذا : فإني لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ؛ ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده . وحدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثني عمي عبد الله ابن وهب ، قال : حدثنا مالك ، عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على المنبر ، فقال : إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء ، وبين ما عند الله ؛ فاختار ما عند الله ؛ فبكى أبو بكر ثم قال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله ! قال : فتعجبنا له ، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد يخير ، ويقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ! قال : فكان رسول الله هو المخير ؛ وكان أبو بكر أعلمنا به ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر ؛ ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ؛ ولكن أخوة الإسلام ؛ لا تبق خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر . حدثني محمد بن عمر بن الصباح الهمداني ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا مسلم بن جعفر البجلي ، قال : سمعت عبد الملك ابن الأصبهاني عن خلاد الأسدي ، قال : قال عبد الله بن مسعود : نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر ؛ فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة ، فنظر إلينا وشدد ، فدمعت عينه ، وقال : مرحباً بكم ! رحمكم الله ! آواكم الله ! حفظكم الله ! رفعكم الله ! نفعكم الله ! وفقكم الله ! نصركم الله ! سلمكم الله ! رحمكم الله ! قبلكم الله ! أوصيكم بتقوى الله ، وأوصي الله بكم ، وأستخلفه عليكم ، وأؤديكم إليه ؛ إني لكم نذير وبشير ، لا تعلوا على الله في عباده وبلاده ؛ فإنه قال لي ولكم : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " . وقال : " أليس في جهنم مثوى للمتكبرين " . فقلنا : متى أجلك ؟ قال : قد دنا الفراق ، والمنقلب إلى الله ، وإلى سدرة المنتهى . قلنا : فمن يغسلك يا نبي الله ؟ قال : أهلي الأدنى فالأدنى ، قلنا : ففيم نكفنك يا نبي الله ؟ قال : في ثيابي هذه إن شئتم ؛ أو في بياض مصر ، أو حلة يمانية ، قلنا : فمن يصلي عليك يا نبي الله ؟ قال : مهلاً غفر الله لكم ، وجزاكم عن نبيكم خيراً ! فبكينا وبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إذا غسلموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا ، على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعة ، فإن أول من يصلي على جليسي وخليلي جبريل ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة بأجمعها ، ثم ادخلوا على فوجاً فوجاً ، فصلوا علي وسلموا تسليماً ، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة ولا صيحة ، وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتي ، ثم نساؤهم ، ثم أنتم بعد . أفرئوا أنفسكم مني السلام ؛ فإني أشهدكم أني قد سلمت على من بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة . قلنا : فمن يدخلك في قبرك يا نبي الله ؟ قال : أهلي مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم . حدثنا أحمد بن حماد الدولابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن سليمان ابن أبي مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعه ، فقال : ائتوني أكتب كتاباً لا تضلوا بعدي أبداً . فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي أن يتنازع - فقالوا : ما شأنه ؟ أهجر ! استفهموه ؛ فذهبوا يعيدون عليه ، فقال : دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ؛ وأوصي بثلاث ؛ قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم ؛ وسكت عن الثالثة عمداً - أو قال : فنسيتها . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس ! ثم ذكر نحو حديث أحمد بن حماد ، غير أنه قال : ولا ينبغي عند نبي أن ينازع . حدثنا أبو كريب وصالح بن سمال ، قال : حدثنا وكيع ، عن مالك ابن مغول ، عن طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال : ثم نظرت إلى دموعه تسيل على خديه كأنها نظام اللؤلؤ . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتوني باللوح والدواة - أو بالكتف والدواة - أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده . قال : قالوا : إن رسول الله يهجر . حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثني عمي عبد الله ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبد الله ابن كعب بن مالك ؛ أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه ، فقال الناس : يا أبا حسن ، كيف أصبح رسول الله ؟ قال : أصبح بحمد الله بارئاً ، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب ، فقال : ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصا ! وإني أرى رسول الله سيتوفي في وجعه هذا ؛ وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت ؛ فاذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الأمر ؟ فإن كان فينا علمنا ذلك ، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا . قال علي : والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبداً ؛ والله لا أسألها رسول الله أبداً . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : خرج يومئذ علي بن أبي طالب على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه ؛ غير أنه قال في حديثه : أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب ؛ فانطلق بنا إلى رسول الله ؛ فإن كان هذا الأمر فينا علمنا ، وإن كان في غيرنا أمرنا فأوصى بنا الناس ؛ وزاد فيه أيضاً : فتوفى رسول الله حين اشتد الضحى من ذلك اليوم . حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : حدثنا أبي ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرغوا على من سبع قرب من سبع آبار شتى ، لعلى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم . قال محمد ، عن محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : : فصببنا عليه من سبع قرب ، فوجد راحة ، فخرج فصلى بالناس ، وخطبهم ، واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ، ثم أوصى بالأنصار خيراً ، فقال : أما بعد يا معشر المهاجرين ، إنكم قد أصبحتم تزيدون ، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم ، والأنصار عيبتي التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم . ثم قال : إن عبداً من عباد الله قد خير بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله ؛ فلم يفقهها إلا أبو بكر ؛ ظن أنه يريد نفسه ، فبكى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على رسلك يا أبا بكر ! سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر ؛ فإني لا أعلم امرأً أفضل يداً في الصحابة من أبي بكر . حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، عن عائشة ، قالت : لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فقال : لا تلدوني ! فقلنا : كراهية المريض الدواء . فلما أفاق قال : لا يبقى منكم أحد إلا لد ؛ غير العباس فإنه لم يشهد كم . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في حديثه الذي ذكرناه عنه ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت : ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل بيته ، وتتام به وجعه حتى غمر ، واجتمع عنده نساء من نسائه : أم سلمة ، وميمونة ، ونساء من نساء المؤمنين ؛ منهن أسماء بنت عميس ، وعنده عمه العباس بن عبد المطلب ، وأجمعوا على أن يلدوه ، فقال العباس : لألدنه ، قال : فلد ، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من صنع بي هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، عمك العباس ، قال : هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الأرض - وأشار نحو أرض الحبشة - قال : ولم فعلتم ذلك ؟ فقال العباس : خشينا يا رسول الله أن يكون بك وجع ذات الجنب ، فقال : إن ذلك لداء ما كان الله ليعذبني به ، لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمى . قال : فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ عقوبة لهم بما صنعوا . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، أن عائشة حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا : خشينا أن يكون بك ذات الجنب ، قال : إنها من الشيطان ؛ ولم يكن الله ليسلطها علي . حدثت عن هشام بن محمد ، عن أبي مخنف ، قال : حدثني الصقعب ابن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل في وجعه الذي توفي فيه حتى أغمى عليه ؛ فاجتمع إليه نساؤه وابنته وأهل بيته والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وجميعهم ؛ وإن أسماء بنت عميس قالت : ما وجعه هذا إلا ذات الجنب ، فلدوه ، فلددناه ، فلما أفاق ، قال : من فعل بي هذا ؟ قالوا : لدتك أسماء بنت عميس ؛ ظنت أن بك ذات الجنب . قال : أعوذ بالله أن يبليني بذات الجنب ؛ أنا أكرم على الله من ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن عبيد بن السباق ، عن محمد بن أسامة بن زيد ، عن أبيه أسامة ابن زيد ، قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة ، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أصمت فلا يتكلم ، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على ، فعرفت أنه يدعو لي . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما أسمعه ، وهو يقول : إن الله عز وجل لم يقبض نبياً حتى يخيره . حدثنا أبو كيب ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، قال : حدثنا يونس بن عمرو ، عن أبيه ، عن الأرقم بن شرحبيل ، قال : سألت ابن عباس : أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قلت : فكيف كان ذلك ؟ قال : قال رسول الله : ابعثوا إلى علي فادعوه ، فقالت عائشة : لو بعثت إلى أبي بكر ! وقالت حفصة : لو بعثت إلى عمر ! فاجتمعوا عنده جميعاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصرفوا ، فإن تك لي حاجة أبعث إليكم ؛ فانصرفوا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آن الصلاة ؟ قيل : نعم ، قال : فأمروا أبا بكر ليصلى بالناس ، فقالت عائشة : إنه رجل رقيق ، فمر عمر ، فقال : مروا عمر ، فقال عمر : ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد ، فتقدم أبو بكر ، ووجد رسول الله خفة ، فخرج ، فلما سمع أبو بكر حركته تأخر ، فجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه ، فأقامه مكانه ، وقعد رسول الله ، فقرأ من حيث انتهى أبو بكر . حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : و حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع ، قالا : حدثنا الأعمش ، وحدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المرض الذي مات فيه ، أذن بالصلاة ، فقال : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ، فقلت : إن أبا بكر رجل رقيق ، وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق ! قال : فقال : مروا أبا بكر يصلى بالناس ، فقلت مثل ذلك ، فغضب ، وقال : إنكن صواحب يوسف - وقال ابن وكيع : " صواحبات يوسف " - مروا أبا بكر يصلى بالناس ، قال : فخرج يهادي بين رجلين وقدماه تخطان في الأرض ؛ فلما دنا من أبي بكر ، تأخر أبو بكر ؛ فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قم في مقامك ، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى إلى جنب أبي بكر جالساً . قالت : فكان أبو بكر يصلى بصلاة النبي ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر . اللفظ لحديث عيسى بن عثمان . حدثت عن الواقدي ، قال : سألت ابن أبي سبرة : كم صلى أبو بكر بالناس ؟ قال : سبع عشرة صلاة ، قلت : من أخبرك ؟ قال أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وحدثنا ابن أبي سبرة ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن عكرمة ، قال : صلى بهم أبو بكر ثلاثة أيام . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، عن الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن موسى بن سرجس ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت ، وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ، ثم يمسح وجه باماء ثم يقول : اللهم أعني على سكرة الموت ! حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن موسى بن سرجس ، عن القاسم بن محمد عن عائشة ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت . ثم ذكر مثله ؛ إلا أنه قال : أعني على سكرات الموت . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، قال : حدثنا أنس بن مالك ، قال : لما كان يوم الاثنين ، اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح ، فرفع الستر ، وفتح الباب ، فخرج رسول الله ؛ حتى قام بباب عائشة ، فكاد المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه ؛ فرحا به ، وتفرجوا . فأشار بيده : أن اثبتوا على صلاتكم ، وتبسم رسول الله فرحاً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه نلك الساعة ؛ ثم رجع وانصرف الناس ، وهم يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفاق من وجعه ، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصباً رأسه إلى الصبح ؛ وأبو بكر يصلي بالناس ؛ فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الناس ، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكص عن مصلاه ، فدفع رسول الله في ظهره ، وقال : صل بالناس . وجلس رسول الله إلى جنبه ؛ فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر ؛ فلما فرغ من الصلاة ، أقبل على الناس وكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد ؛ يقول : يأيها الناس ، سعرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ! وإني والله لا تمسكون على شيئاً ؛ إني لم أحل لكم إلا ما أحل لكم القرآن ، ولم أحرم عليكم إلا ما حرم عليكم القرآن . فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه ، قال له أبو بكر : يا بني الله ؛ إني أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحب ، واليوم يوم ابنة خارجة ، فآتيها . ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد ، فاضطجع في حجري ، فدخل على رجل من آل بكر في يده سواك أخضر . قالت : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يده نظراً عرفت أنه يريده ، فأخذته فمضغنه حتى ألنته ، ثم أعطيته إياه ؛ قالت : فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قبله ، ثم وضعه ؛ ووجدت رسول الله يثقل في حجري . قالت : فذهبت أنظر في وجهه ، فإذا نظره قد شخص ، وهو يقول : بل الرفيق الأعلى من الجنة ! قالت : قلت : خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق ! قالت : وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن حميد ، قال حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : سمعت عائشة تقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دوري ؛ ولم أظلم فيه أحداً ، فمن سفهى وحداثة سني أن رسول الله قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ؛ وقمت ألتدم مع النساء ، وأضرب وجهي . ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته قال أبو جعفر : أما اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، غير أنه اختلف في أي الأثانين كان موته صلى الله عليه وسلم ؟ فقال بعضهم في ذلك ما حدثت عن هشام بن محمد بن السائب ، عن أبي مخنف ، قال : حدثنا الصقعب بن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز ، قالوا : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار يوم الاثنين ، لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول ، وبويع أبو بكر يوم الاثنين في اليوم الذي قبض فيه النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الواقدي : توفي يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، ودفن من الغد نصف النهار حين زاعت الشمس ، وذلك يوم الثلاثاء . قال أبو جعفر : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بالسنح وعمر حاضر . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب ، فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي وأن رسول الله والله ما مات ؛ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ؛ ثم رجع بعد أن قيل قد مات ؛ والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات . قال : وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وعمر يكلم الناس ؛ فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ؛ ورسول الله مسجى في ناحية البيت ، عليه برد حبرة ، فأقبل حتى كشف عن وجهه ، ثم أقبل عليه فقبله ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً . ثم رد الثوب على وجهه ، ثم خرج وعمر يكلم الناس ، فقال : على رسلك يا عمر ! فأنصت ، فأبى إلا أن يتكلم ، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه ، وتركوا عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ؛ إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ؛ ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية : " وما محمد إلا رسول قد خلت من فبله الرسل.... " إلى آخر الآية . قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ . قال : وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم . قال أبو هريرة : قال عمر : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ؛ ما تحملني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله قد مات . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر زياد بن كليب ، عن أبي أيوب ، عن إبراهيم ، قال : لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر غائباً ، فجاء بعد ثلاث ، ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه ؛ حتى اربد بطنه ؛ فكشف عن وجهه ، وقبل بين عينيه ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ! طبت حياً وطبت ميتاً ! ثم خرج أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات . ثم قرأ : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " . وكان عمر يقول : لم يمت ؛ وكان يتوعد الناس بالقتل في ذلك . فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منا الأمراء ومنكم الوزراء . ثم قال أبو بكر : إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر أو أبا عبيدة ، إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه قوم فقالوا : أبعث معنا أميناً فقال : لأبعثن معكم أميناً حق أمين ؛ فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ؛ وأنا أرضى لكم أبا عبيدة . فقام عمر ، فقال : أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم ! فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار ؛ لا نبايع إلا علياً . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن زياد بن كليب ، قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرقن عليكم أو لنخرجن إلى البيعة . فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف ، فعثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه . حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير ، قال : حدثنا أبو عوانة ، قال : حدثنا داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة ، فجاء فكشف الثوب عن مجهه فقبله ، وقال : فداك أبي وأمي ! ما أطيبك حياً وميتاً ! مات محمد ورب الكعبة ! قال : ثم انطلق إلى المنبر ، فوجد عمر ابن الخطاب قائماً يوعد الناس ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حي لم يمت ؛ وإنه خارج إلى من أرجف به ، وقاطع أيديهم ، وضارب أعناقهم ، وصالبهم . قال : فنكلم أبو بكر ، قال : أنصت . قال : فأبى عمر أن ينصت ، فتكلم أبو بكر ، وقال : إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " . " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ... " ؛ حتى ختم الآية ، فمن كان يعبد محمداً فقد مات إلهه الذي كان يعبده ، ومن كان يعبد الله لا شريك له ، فإن الله حي لا يموت . قال : فخلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : ما علمنا أن هاتين الآيتين نزلتا حتى قرأهما أبو بكر يومئذ ؛ إذ جاء رجل يسعى فقال : هاتيك الأنصار قد اجتمعت في ظلة بني ساعدة ، يبايعون رجلاً منهم ، يقولون : منا أمير ومن قريش أمير ، قال : فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتياهم ؛ فأراد عمر أن يتكلم ، فنهاه أبو بكر ، فقال : لا أعصى خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم مرتين . قال : فتكلم أبو بكر ، فلم يترك شيئاً نزل في الأنصار ، ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره . وقال : لقد علمتم أن رسول الله قال : لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار ، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم . قال : فقال سعد : صدقت ، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء . قال : فقال عمر : ابسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك ؛ فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر ، فأنت أقوى لها منى . قال : وكان عمر أشد الرجلين ، قال : وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال : إن لك قوتى مع قوتك . قال : فبايع الناس واستثبتوا للبيعة ، وتخلف على والزبير ، واخترط الزبير سيفه ، وقال : لا أغمده حتى يبايع على ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فقال عمر : خذوا سيف الزبير ، فاضربوا به الحجر . قال : فانطلق إليهم عمر ، فجاء بهما تعباً ، وقال : لتبايعان وأنتما طائعان ، أو لتبايعان وأنتما كارهان ؟! فبايعا . حديث السقيفة حدثني علي بن مسلم ، قال : حدثنا عباد بن عباد ، قال : حدثنا عباد بن راشد ، قال : حدثنا عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، قال : كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن ، قال : فحج عمر وحججنا معه ، قال : فإني لفي منزل بمنى إذ جاءني عبد الرحمن ابن عوف ، فقال : شهدت أمير المؤمنين اليوم ، وقام إليه رجل فقال : إني سمعت فلاناً يقول : لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلاناً . قال : فقال أمير المؤمنين : إنى لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمرهم . قال : قلت : يا أمير المؤمنين ؛ إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلسك ، وإنى لخائف إن قلت اليوم مقالة ألا يعوها ولا يحفظوها ، ولا يضعوها على مواضعها ، وأن يطيروا بها كل مطير ؛ ولكن أمهل حتى تقدم المدينة ، نقدم دار الهجرة والسنة ، وتخلص بأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار ، فتقول ما قلت متمكناً فيعوا مقالنك ، ويضعوها على مواضعها . فقال : والله لأقومن بها في أول مقام أقومه بالمدينة . قال : فلما قدمنا المدينة ، وجاء يوم الجمعة هجرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن ؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبقنى بالتهجير ، فجلست إلى جنبه عند المنبر ، ركبتى إلى ركبته ؛ فلما زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرج ، فقلت لسعيد وهو مقبل : ليقولن أمير المؤمنين اليوم على هذا المنبر مقالة لم تقل قبله . فغضب وقال : فأى مقالة يقول لم تقل قبله ! فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذنون ، فلما قضى المؤذن أذانه قام عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، فإنى أريد أن أقول مقالة قد قدر أن أقولها ، من وعاها وعقلها وحفظها ، فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته ، ومن لم يعها فإنى لا أحل لأحد أن يكذب علي . إن الله عز وجل بعث محمداً بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله ورجمنا بعده ، وإنى قد خشيت أن يطول بالناس زمان ، فيقول قائل : والله ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وقد كنا نقول : لا ترغبوا عن آبائكم ؛ فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول : لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلاناً ! فلا يغرن امرأً أن يقول : إن بيعة أبى بكر كانت فلتة ؛ فقد كانت كذلك ؛ غير أن الله وقى شرها ؛ وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبى بكر ! وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة ، ونخلفت عنا الأبصار بأسرها ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم ؛ فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً ، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . قالا : فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم . فقلنا : والله لنأتينهم ، قال : فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة . قال : وإذا بين أظهرهم رجل مزمل ، قال : قلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، فقلت : ما شأنه ؟ قالوا : وجع ، فقام رجل منهم ، فحمد الله ، وقال : أما بعد ، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا ؛ وقد دفت إلينا من قومكم دافة قال : فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر . وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر ، وقد كنت أداري منه بعض الحد ، وكان هو أوقر منى وأحلم ؛ فلما أردت أن أتكلم ، قال: على رسلك ! فكرهت أن أعصيه ؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه ، فما ترك شيئاً كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت ؛ إلا قد جاء به أو بأحسن منه . وقال : أما بعد يا معشر الأنصار ؛ فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل ؛ وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ؛ وهم أوسط العرب داراً ونسباً ، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم . فأخذ بيدى وبيد أبي عبيدة بن الجراح . وإني والله ما كرهت من كلامه شيئاً غير هذا الكلمة ؛ إن كنت لأقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلى من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر . فلما قضى أبو بكر كلامه ، قام منهم رجل ، فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ؛ منا أمير ومنكم أمير ؛ يا معشر قريش . قال :فارتفعت الأصوات ، وكثر اللغط ، فلما أشفقت الختلاف ، قلت لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ، وبايعه الأنصار . ثم نزونا على سعد ، حتى قال قائلهم : قتلتم سعد بن عبادة ! فقلت : قتل الله سعداً ! وإنا والله ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر ؛ خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نتابعهم على ما نرضى ، أو نخالفهم فيكون فساد . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، قال : إن أحد الرجلين اللذين لقوا من ؟ الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة ، عويم بن ساعدة والآخر معن بن عدى ؛ أخو بنى العجلان ، فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنهقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من الذين قال الله لهم : " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم المرء منهم عويم بن ساعدة ! وأما معن فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله ، وقالوا : والله لوددنا أنا متنا قبله ؛ إنا نخشى أن نفتتن بعده . فقال معن بن عدي : والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتاً كما صدقته حياً . فقتل معن يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب . حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري ، قال : أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم قال : أخبرني سيف بن عمر ، عن الوليد بن عبد بن أبي ظبية الجلي ، قال : حدثنا الوليد بن جميع الزهري ، قال : قال عمرو بن حرث لسعيد ابن زيد : أشهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، فال : فمتى بويع أبو بكر ؟ قال : يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة . قال : فخالف عليه أحد ؟ قال : لا إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد ، لولا أن الله عز وجل ينقذهم من الأنصار . قال : فهل قعد أحد من المهاجرين ؟ قال : لا ، تتابع المهاجرون على بيعته ، من غير أن يدعوهم . حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف ، عن عبد العزيز بن ساه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : كان على في بيته إذ أتى فقيل له : قد جلس أبو بكر للبيعة ، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء ، عجلاً ، كراهية أن يبطئ عنها ، حتى بايعه . ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله ، ولزم مجلسه . حدثنا أبو صالح الضرار ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : أما آني سمعت رسول الله يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال . وآني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها على ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر . وكان لعلى وجه من الناس حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ؛ فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفيت . قال معمر : فقال رجل للزهري : أفل يبايعه على ستة أشهر ! قال : لا ؛ ولا أحد من بني هاشم ؛ حتى بايعه علي . فلما رأى على انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر : أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر ، فقال عمر : لآتتهم وحدك ، قال أبو بكر : ولله لآتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ! قال : فانطلق أبو بكر ، فدخل على علي ، وقد جمع بنى هاشم عنده ، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ، ولا نفاس عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً ، فاستبددتم به علينا . ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم . فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر . فلما صمت علي تشهد أبو بكر . فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ؛ فه الله لقرابة رسول الله أحب إلى أن أصل من قرابتي ؛ وإني والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير ؛ ولكني سمعت رسول الله يقول : ((لا نورث ؛ ما تركنا فهو صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)) ؛ وإني أعوذ بالله لا أذكر أمراً صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله . ثم قال علي : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ، ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر ، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه . قالت : فأقبل الناس إلى علي فقالوا : أصبت وأحسنت ، قالت : فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الحق والمعروف . حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفي ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا مالك - يعني ابن مغول - عن ابن الحر ، قال : قال أبو سفيان لعلي : ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ! والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً ! قال : فقال علي : يا أبا سفيان ، طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضره بذاك شيئاً ! إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً . حدثني محمد بن عثمان التقفي ، قال : حدثنا أمية بن خالد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، قال : لما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان : ما لنا ولأبي فصيل ؛ إنما هي بنو عبد مناف ! قال : فقيل له : إنه قد ولى ابنك ، قال : وصلته رحم ! حدثت عن هشام ، قال : حدثني عوانة ، قال : لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر ، أقبل أبو سفيان ؛ وهو يقول : والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم ! أين المستضعفان ! أين الأذلان علي والعباس ! وقال : أبا حسن ! ابسط يدك حتى أبايعك ، فأبى علي عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس : ولن يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف معكوس برمته ... وذا يشج فلا يبكي له أحد قال : فزجره علي ، وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ؛ وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً ! لا حاجة لنا في نصيحتك . قال هشام بن محمد : وأخبرني أبو محمد القرشي ، قال : لما بويع أبو بكر ، قال أبو سفيان لعلي والعباس : أنتما الأذلان ! ثم أنشد يتمثل : إن الهوان حمار الأهل يعرفه ... والحر ينكره والرسلة الأجد ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف معكوس برمته ... وذا يشج فلا يبكي له أحد حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، قال : حدثنا أنس بن مالك ، قال : لما بويع أبو بكر في السقيفة ؛ وكان الغد ، جلس أبو بكر على المنبر ، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر ؛ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس ؛ إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي ؛ وما وجدتها في كتاب الله ؛ ولا كانت عهداً عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا ؛ حتى يكون آخرنا ؛ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله ؛ فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له ؛ وإن الله قد جمع أمركم على خيركم ؛ صاحب رسول الله ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ؛ فقوموا فبايعوا . فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة . ثم تكلم أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس ؛ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ؛ فإن أحسنت فأعينوني ؛ وإن أسأت فقوموني . الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوى عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوى منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله . لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله ؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء . أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ؛ فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم . قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله ! حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد إسحاق ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : والله إني لأمشي مع عمر في خلافته ؛ وهو عامد إلى حاجة له ، وفي يده الدرة ، وما معه غيري . قال وهو يحدث نفسه ، ويضرب وحشي قدمه بدرته ، قال إذ التفت إلى فقال : يا بن عباس ، هل تدري ما حملني على مقالتي هذه التي قلت حين توفي الله رسوله ؟ قال : قلت : لا أدري يا أمير المؤمنين ؛ أنت أعلم ، قال : والله إن حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية : " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " ؛ فو الله إني كنت لأظن أن رسول الله سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها ؛ فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت ذكر جهاز رسول اله صلى الله عليه وسلم ودفنه قال أبو جعفر : فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء ؛ وذلك الغد من وفاته صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : إنما دفن بعد وفاته بثلاثة أيام ، وقد مضى ذكر بعض قائلي ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر وكثير بن عبد الله وغيرهما من أصحابه ، عمن يحدثه ؛ عن عبد الله بن عباس ، أن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل ابن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين ولوا غسله ، وإن أوس بن خولي أحد بني عوف ابن الخزرج ؛ قال لعلي بن أبي طالب : أنشدك الله يا علي ؛ وحظنا من رسول الله ! وكان أوس من أصحاب بدر ؛ وقال : ادخل ؛ فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأسنده علي بن أبي طالب إلى صدره ، وكان العباس والفضل وقثم هم الذين يقبلونه معه ؛ وكان أسامة بن زيد وشقران مولياه هما اللذان يصبان الماء ، وعلي يغسله قد أسنده إلى صدره ، وعليه قميصه يدلكه من ورائه ، لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يقول : بأبي أنت وأمي ! ما أطيبك حياً وميتاً ! ولم ير من رسول الله شيء مما يرى من الميت . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى ابن عباد ، عن أبيه عباد ، عن عائشة ، قالت : لما أرادوا أن يغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه ، فقالوا : والله ما ندري أنجرد رسول الله من ثيابه كما نجرد موتانا ، أو نغسله وعليه ثيابه ! فلما اختلفوا ألقي عليهم السنة حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدري من هو : أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه ؛ قالت : فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون عليه الماء فوق القميص ، ويدلكونه والقميص دون أيديهم . قال : فكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن جعفر ابن محمد بن علي بن حسين ، عن أبيه ، عن جده علي بن حسين . قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري ، عن علي بن حسين ، قال : فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب : ثوبين صحاريين وبرد حبرة ؛ أدرج فيها إدراجا . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة ، وكان أبو طلحة زيد ابن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة ، وكان يلحد - فدعا العباس رجلين ، فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة ، وللآخر : اذهب إلى أبي طلحة ؛ اللهم خر لرسولك ؛ قال : فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته ؛ وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه ؛ فقال قائل : ندفنه في مسجده ، وقال قائل : يدفن مع أصحابه ؛ فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((ما قبض نبي إلا يدفن حيث قبض)) ؛ فرفع فراش رسول الله الذي توفي عليه ؛ فحفر له تحته ؛ ودخل الناس على رسول الله يصلون عليه أرسالا ؛ حتى إذا فرغ الرجال أدخل النساء ، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ؛ ثم أدخل العبيد ؛ ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد ، ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن فاطمة بنت محمد بن عمارة ، امرأة عبد الله - يعني ابن أبي بكر - عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء . قال ابن إسحاق : وكان الذي نزل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد قال أوس بن خولي : أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله ! فقال له : انزل فنزل مع القوم ؛ وقد كان شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته ، وبني عليه ؛ قد أخذ قطيفة كان رسول الله يلبسها ويفترشها ؛ فقذفها في القبر ، وقال : والله لا يلبسها أحد بعدك أبداً . قال : فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن إسحاق : وكان المغيرة بن شعبة يدعى أنه أحدث الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول : أخذت خاتمي فألقيته في القبر ، وقلت : إن خاتمي قد سقط ، وإنما طرحته عمداً لأمس رسول الله ، فأكون آخر الناس به عهداً . حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبيه إسحاق بن يسار ، عن مقسم أبي القاسم ، مولى عبد الله بن الحارث ابن نوفل ، عن مولاه عبد الله بن الحارث ، قال : اعتمرت مع علي بن أبي طالب في زمان عمر - أو زمان عثمان - فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب ، فلما فرغ من عمرته رجع وسكبت له غسلا فاغتسل ؛ فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق ؛ فقالوا ، يا أبا الحسن ؛ جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا به ! فقال : أظن المغيرة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم ! قالوا : أجل ، عن ذا جئنا نسألك ! قال : كذب ؛ كان أحدث الناس عهداً برسول الله قثم بن العباس . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن صالح ابن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت : كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء حين اشند به وجعه ، قالت : فهو يضعها مرة على وجهه ، ومرة يكشفها عنه ، ويقول : قاتل الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ! يحذر ذلك على أمته . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن صالح ابن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد اله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة ، قالت : كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يترك بجزيرة العرب دينان . قالت : وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجراً فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل . واختلف في مبلغ سنه يوم توفي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان له يومئذ ثلاث وستون سنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، وبالمدينة عشراً ؛ ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد ، عن أبي جمرة ، عن أبيه ، قال : عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : سمعت سعيد بن المسيب ، يقول : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وأقام بمكة عشراً ، وبالمدينة عشراً ، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين . حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا أبو جمرة الضبعي ، عن ابن عباس ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة ، وأقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه ، وبالمدينة عشراً ، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة . حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنى عمي عبد الله ، قال : حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين . وقال آخرون : كان له يومئذ خمس وستون . ذكر من قال ذلك : حدثني زياد بن أيوب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين . حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن دغفل - يعني ابن حنظلة - أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين سنة . وقال آخرون : بل كان له يومئذ ستون سنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن عروة بن الزبير ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين ، ومات وهو ابن ستين . حدثنا الحسين بن نصر ، قال : أخبرنا عبيد الله ، قال : أخبرنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، قال : حدثتني عائشة وابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشراً . ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللذين توفى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر : حدثنا عبد الرحمن بن الوليد الجرجاني ، قال : حدثنا أحمد بن أبي طيبة ؛ قال : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع ، فأراهم مناسكهم ، فلما كان العام المقبل حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر ؛ وصدر إلى المدينة ، وقبض في ربيع الأول . حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : حدثنا موسى بن داود ، عن ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس ، قال : ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأثنين ، واستنئ يوم الاثنين ، ورفع الحجر يوم الاثنين ، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين ، وقدم المدينة يوم الاثنين ، وقبض يوم الاثنين . حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن شريك ، قال : حدثني أبي ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، قال : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في اثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء . حدثني أحمد بن عثمان ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، أنه دخل عليه فقال لامرأته فاطمة : حدثي محمداً ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن . فقالت : سمعت عمرة تقول : سمعت عائشة تقول : دفن نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء ؛ وما علمنا به حتى سمعنا صوت المساحي . ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفه بني ساعدة حدثنا هشام بن محمد ، عن أبي محنف ، قال : حدثنى عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، فقالوا : نولي هذا الأمر بعد محمد عليه السلام سعد بن عبادة ، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض ؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمه : إني لا أقدر لشكواى أن أسمع القوم كلهم كلامي ؛ ولكن تلق مني قولي فأسمعهموه ؛ فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله ، فيرفع صوته فيسمع أصحابه ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشر الأنصار ؛ لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ؛ إن محمداً عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان ؛ فما آمن به من قومه إلا رجال قليل ؛ وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ؛ ولا أن يعزوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به ؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة ، ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ؛ والجهاد لأعدائه ؛ فكنتم أشد الناس على عدوه منكم ، وأثقله على عدوه من غيركم ؛ حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً ؛ وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً ؛ حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب ؛ وتوفاه الله وهو عنكم راض ؛ وبكم قرير عين . استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس . فأجابوه بأجمعهم : أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ، ونوليك هذا الأمر ، فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضا . ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش ، فقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ؛ ونحن عشيرته وأولياؤه ؛ فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده ! فقالت طائفة منهم : فإنا نقول إذاً : منا أمير ومنكم أمير ؛ ولن نرضى بدون هذا الأمر أبداً . فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أول الوهن ! . وأتى عمر الخبر ، فأقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب عليه السلام دائب في جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلى ، فأرسل إليه : إني مشتغل ؛ فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره ؛ فخرج إليه ، فقال : أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة ، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة ؛ وأحسنهم مفالة من يقول : منا أمير ومن قريش أمير ! فمضيا مسرعين نحوهم ؛ فلقيا أبا عبيدة بن الجراح ؛ فتماشوا إليهم ثلاثتهم ، فلقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة ، فقالا لهم : ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون ، فقالوا : لا نفعل ، فجاءوا وهم مجتمعون . فقال عمر بن الخطاب : أتيناهم - وقد كنت زورت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم - فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق ، فقال لي أبو بكر : رويداً حتى أتكلم ثم انطق بعد بما أحببت . فنطق ، فقال عمر : فما شيء كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه . فقال عبد الله بن عبد الرحمن : فبدأ أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه ؛ ثم قال : إن الله بعث محمداً رسولاً إلى خلقه ، وشهيداً على أمته ، ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ؛ ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ، ولهم نافعة ؛ وإنما هي من حجر منحوت ، وخشب منجور ، ثم قرأ : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " ، وقالوا : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " ؛ فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه ، والإيمان به ، والمؤاساة له ، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ؛ وتكذيبهم إياهم ؛ وكل الناس لهم مخالف ، زار عليهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم ؛ وإجماع قومهم عليهم ؛ فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول ؛ وهم أولياء وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ؛ ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار ، من لا ينكر فضلهم في الدين ، ولاسابقتهم العظيمة في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه ؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم ؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون بمشورة ، ولا نقضى دونكم الأمور . قال : فقام الحباب بن المنذر بن الجموح ، فقال : يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ؛ فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ؛ ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز والثروة ، وأولو العدد والمنعة والتجربة ، ذوو البأس والنجدة ؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ؛ ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ؛ وينتقض عليكم أمركم ؛ فإن أبي هؤلاء إلا ما سمعتم ؛ فمنا أمير ومنهم أمير . فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ! والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم ؛ ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ؛ من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل ، أو متجانف إثم ، ومتورط في هلكة ! فقام الحباب بن المنذر فقال : يا معشر الأنصار ، املكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ؛ فإن أبوا عليكم ما سألتموه ، فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور ؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ؛ فإنه بأسيافكم دان لهذا الذين من دان ممن لم يكن يدين ؛ أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ! أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة ؛ فقال عمر : إذاً يقتلك الله ! قال : بل إياك يقتل ! فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار ؛ إنكم أول من نصر وآزر ؛ فلا تكونوا أول من بدل وغير . فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ؛ إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في هذا الدين ؛ ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا ؛ والكدح لأنفسنا ؛ فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا ؛ فإن الله ولى المنة علينا بذلك ؛ ألا إن محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش ، وقومه أحق به وأولى . وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً ، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم ! فقال أبو بكر : هذا عمر ، وهذا أبو عبيدة ، فأيهما شئتم فبايعوا . فقالا : لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك ؛ فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار ، وخليفة رسول الله على الصلاة ؛ والصلاة أفضل دين المسلمين ؛ فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك ! ابسط يدك نبايعك . فلما ذهبا ليبايعاه ، سبقهما إليه بشير بن سعد ، فبايعه ، فناداه الحباب ابن المنذر : يا بشير بن سعد : عقتك عقاق ؛ ما أحوجك إلى ما صنعت ، أنفست على ابن عمك الإمارة ! فقال : لا والله ؛ ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم . ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد ابن حضير - وكان أحد النقباء : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ؛ ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر . فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم . قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثنى أبو بكر بن محمد الخزاعي ، أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك ، فبايعوا أبا بكر ؛ فكان عمر يقول : ما هو إلا أن رأيت أسلم ، فأيقنت بالنصر . قال هشام ، عن أبي مخنف : قال عبد الله بن عبد الرحمن : فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر ، وكادوا يطئون سعد بن عبادة ، فقال ناس من أصحاب سعد : اتقوا سعداً لا تطئوه ، فقال عمر : اقتلوه قتله الله ! ثم قام على رأسه ، فقال : لقد هممت أن أطأك حتى تنذر عضدك ، فأخذ سعد بليحة عمر ، فقال : والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة ؛ فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر ! الرفق ها هنا أبلغ . فأعرض عنه عمر . وقال سعد : أما والله لو أن بي قوة ما ، أقوى على النهوض ، لسمعت منى في أقطارها وسككها زئيراً يجحرك وأصحابك ؛ أما والله إذاً لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ! احملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه في داره ، وترك أياماً ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك ؛ فقال : أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي ، وأخضب سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي ؛ فلا أفعل ، وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم ، حتى أعرض على ربي ، وأعلم ما حسابي . فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر : لا تدعه حتى يبايع . فقال له بشير بن سعد : إنه قد لج وأبى ؛ وليس بمبايعكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته ؛ فاتركوه فليس تركه بضاركم ؛ إنما هو رجل واحد . فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه ؛ فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم ؛ فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله . حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف ابن عمر ، عن سهل وأبي عثمان ، عن الضحاك بن خليفة ، قال : لما قام الحباب ابن المتذر انتضى سيفه ؛ وقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ؛ أنا أبو شبل في عريسة الأسد ، يعزى إلى الأسد . فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف ، فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد ؛ وتتابع القوم على البيعة ؛ وبايع سعد ؛ وكانت فلتة كفلتات الجاهلية ؛ قام أبو بكر دونها . وقال قائل حين أوطئ سعد : قتلتم سعداً ، فقال عمر : قتله الله ! إنه منافق ، واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه . حدثنا عبيد الله بن سعيد ، قال : حدثني عمي يعقوب ، قال : حدثنا سيف ، عن مبشر ، عن جابر ، قال : قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر : إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة ؛ وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة ، فقالوا : إنا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة ؛ ولكنا أجبرنا على الجماعة ، فلا إقالة فيها ؛ لئن نزعت يداً من طاعة ، أو فرقت جماعة ، لنضربن الذي فيه عيناك . ذكر أمر أبي بكر في أول خلافته حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : حدثنا سيف - وحدثني السري بن يحيى ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر - عن أبي ضمرة ، عن أبيه ، عن عاصم بن عدي ، قال : نادى منادي أبي بكر ، من بعد الغد من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليتم بعث أسامة ؛ ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف . وقام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يأيها الناس ، إنما أنا مثلكم ؛ وإني لا أدري لعكم ستكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ؛ إن الله اصطفى محمداً على العالمين وعصمه من الآفات ؛ وإنما أنا متبع ولست بمبتدع ؛ فإن استقمت فتابعوني ، وإن زغت فقوموني ؛ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ؛ ألا وإن لي شيطاناً يعتريني ؛ فإذا أتاني فاجتنبوني ؛ لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ؛ وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه ؛ فإن استطعتم ألا يمضى هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ؛ ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله ، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال ؛ فإن قوماً نسوا آجالهم ، وجعلوا أعمالهم لغيرهم ؛ فإياكم أن تكونوا أمثالهم . الجد الجد ! والوحا الوحا ! والنجاء النجاء ! فإن وراءكم طالبا حثيثاً ، أجلاً مره سريع . احذروا الموت ، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات . وقام أيضاً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه ؛ فأريدوا الله بأعمالكم ، واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها ، وخطأ ظفرتم به ، وضرائب أديتموها ، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية ؛ لحين فقركم وحاجتكم . اعتبروا عباد الله بمن مات منكم ، وتفكروا فيمن كان قبلكم . أين كانوا أمس ، وأين هم اليوم ! أين الجبارون ! وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب ! قد تضعضع بهم الدهر ، وصاروا رميماً ؛ قد تركت عليهم القالات ؛ الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات . وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ؛ قد بعدوا ونسى ذكرهم ، وصاروا كلا شيء . ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات ، وقطع عنهم الشهوات ، ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلفاً بعدهم ؛ فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا ؛ وإن اغتررنا كنا مثلهم ! أين الوضاء الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ! صاروا تراباً ، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم ! أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب ! قد تركوها لمن خلفهم ؛ فتلك مساكنهم خاوية ، وهم في ظلمات القبور ، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً ! أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم ؛ قد انتهت بهم آجالهم ، فوردوا على ما فدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسعادة فيما بعد الموت . ألا إلا الله لا شريك له ، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً ، ولا يصرف عنه به سوءاً ، إلا بطاعته واتباع أمره . واعلموا أنكم عبيد مدينون ، وإن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته ؛ أما أنه لا خير بخير بعده النار ، ولا شر بشر بعده الجنة . حدثني عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السرى ، قال : حدثنا شعيب ، قال : أخبرنا سيف - عن هشام ابن عروة ، عن أبيه ، قال : لما بويع أبو بكر رضى الله عنه وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه ، قال : ليتم بعث أسامة ؛ وقد ارتدت العرب ؛ إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ؛ ونجم النفاق ، واشرأبت اليهود والنصارى ، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية ، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم ، وكثرة عدوهم . فقال له الناس : إن هؤلاء جل المسلمين والعرب - على ما ترى - قد انتقضت بك ؛ فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين . فقال أبو بكر : والذي نفس أبي بكر بيده ، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يبق في القرى غيري فنفذته ! حدثني عبيد الله ، قال : حدثني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن عطية ، عن أبي أيوب عن علي ، وعن الضحاك عن ابن عباس ، قالا : ثم اجتمع من حول المدينة من القبائل التي غابت في عام الحديبية ، وخرجوا وخرج أهل المدينة في جند أسامة ؛ فحبس أبو بكر من بقي من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم ، فصاروا مسالح حول قبائلهم وهم قليل . حدثنا عبيد الله ، قال : حدثني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما ؛ عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم ؛ وفيهم عمر ابن الخطاب ، وأمر عليهم أسامة بن زيد . فلم يجاوز آخرهم الخندق ، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقف أسامة بالناس ، ثم قال لعمر : ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه ؛ يأذن لي أن أرجع بالناس ؛ فإن معت وجوه الناس وحدهم ؛ ولا آمن على خليفة رسول الله وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن ينخطفهم المشركون . وقالت الأنصار : فإن أبي إلا أن نمضى فأبلغه عنا ، واطلب إليه أن يولى أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة . فخرج عمر بأمر أسامة ، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة ، فقال أبو بكر ، لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : فإن الأنصار أمروني أن أبلغك ، وإنهم يطلبون إليك أن تولى أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة ؛ فوثب أبو بكر - وكان جالساً - فأخذ بلحية عمر ، فقال له : ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب ! استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه ! فخرج عمر إلى الناس فقالوا له : ما صنعت ؟ فقال : امضوا ، ثكلتكم أمهاتكم ! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله ! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم ، فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب ، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر ، فقال له أسامة : يا خليفة رسول الله ، والله لتركبن أو لأنزلن ! فقال : والله لا تنزل ووالله لا أركب ! وما علي أن أغبر قدمى في سبيل الله ساعة ؛ فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له ، وسبعمائة درجة ترتفع له ، وترفع عنه سبعمائة خطيئة ! حتى إذا انتهى قال : إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل ! فأذن له ، ثم قال : يأيها الناس ، قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني : لا تخونوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة ؛ وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع ؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام ؛ فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها . وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب ؛ فاخفقوهم بالسيف خفقاً . اندفعوا باسم الله ، أفناكم الله بالطعن والطاهون . حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - وأخبرنا عبيد الله ، قال : أخبرني عمي ، قال : حدثنا سيف - عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : خرج أبو بكر إلى الجرف ، فاستقرى أسامة وبعثه ، وسأله عمر فأذن له ، وقال له : اصنع ما أمرك به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ابدأ ببلاد قضاعة ثم إيت آبل ، ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تعجلن لما خلفت عن عهده . فمضى أسامة مغذاً على ذي المروة والوادي ، وانتهى إلى ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل ، فسلم وغنم ، وكان فراغه في أربعين يوماً سوى مقامه ومنقلبه راجعاً . فحدثني السري بن يحيى ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - وحدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة ، عن المغيرة بن الأخنس . وعنهما ، عن سيف ، عن عمرو بن قيس ، عن عطاء الخراساني مثله . بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع - فيما بلغنا - لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلها ، وأمره على جميع مخالفيها ، فلم يزل عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حياته ، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها ، ولا أشرك معه فيها شريكاً حتى مات باذام ، فلما مات فرق عملها بين جماعة من أصحابه . فحدثني عبيد الله بن سعد الزهري ، قال : حدثنا عمي ، قال : حدثنا سيف - وحدثني السري بن يحيى ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف - قال : حدثنا سهل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صخر ابن لوذان الأنصاري السلمى - وكان فيمن بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع عمال اليمن في سنة عشر بعد ما حج حجة التمام : وقد مات باذام ، فلذلك فرق عملها بين شهر بن باذام ، وعامر بن شهر الهمداني ، وعبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والطاهر بن أبي هالة ، ويعلى بن أمية ، وعمر بن حزم ، وعلى بلاد حضر موت زياد بن لبيد البياضى وعكاشة بن ثور بن أصغر الغوثي ؛ على السكاسك والسكون ومعاوية ابن كندة ، وبعث معاذ بن جبل معلماً لأهل البلدين : اليمن وحضر موت . حدثني عبيد الله ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف - يعني ابن عمر - عن أبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة ، عن عبادة بن قرص بن عبادة ، عن قرص الليثي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة بعد ما قضى حجة الإسلام ، وقد وجه إمارة اليمن وفرقها بين رجال ، وأفراد كل رجل بحيزه ، ووجه إمارة حضر موت وفرقها بين ثلاثة ، وأفرد كل واحد منهم بحيزه ، واستعمل عمرو بن حزم على نجران ، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورمع وزبيد ، وعامر بن شهر على همدان ، وعلى صنعاء ابن باذام ، وعلى عك والأشعريين الطاهر بن أبي هالة ، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري ، وعلى الجند يعلى بن أمية . وكان معاذ معلماً يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت ؛ واستعمل على أعمال حضر موت ؛ على السكاسك والسكون عكاشة بن ثور ، وعلى بني معاوية بن كندة عبد الله - أو المهاجر - فاشتكى فلم يذهب حتى وجهه أبو بكر . وعلى حضرموت زياد بن لبيد البياضي ، وكان زياد يقوم على عمل المهاجر ؛ فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء عماله على اليمن وحضرموت ؛ إلا من قتل في قتال الأسود أو مات ؛ وهو باذام ، مات ففرق النبي صلى الله عليه وسلم العمل من أجله . وشهر ابنه - يعني ابن باذام - فسار إليه الأسود فقاتله فقتله . وحدثني بهذا الحديث السري ، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سيف . فقال فيه : عن سيف ، عن أبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة . ثم سائر الحديث بإسناده مثل حديث ابن سعد الزهري . قال : حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أول من اعترض على العنسى وكاثره عامر بن شهر الهمداني في ناحيته وفيروز ودا ذويه في ناحيتهما ، ثم تتابع الذين كتب إليهم على ما أمروا به . حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرني سيف ، قال . وحدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن سهل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صخر ، قال : فبينا نحن بالجند قد أقمناهم على ما ينبغي ؛ وكتبنا بيننا وبينهم الكتب ، إذ جاءنا كتاب من الأسود : أيها المتوردون علينا ، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ، ووفروا ما جمعتم ؛ فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه . فقلنا للرسول : من أين جئت ؟ قال : من كهف خبان . ثم كان وجهه إلى نجران ؛ حتى أخذها في عشر لمخرجه ، وطابقه عوام مذحج . فبينا نحن ننظر في أمرنا ، ونجمع جمعنا ، إذ أتينا فقيل : هذا الأسود بشعوب ، وقد خرج إليه شهر بن باذام ؛ وذلك لعشرين ليلة من منجمه . فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون الدبرة ، إذ أتانا أنه قتل شهراً ، وهزم الأبناء ، وغلب على صنعاء لخمس وعشرين ليلة من منجمه . وخرج معاذ هارباً ، حتى مر بأبي موسى وهو بمأرب ، فاقتحما حضرموت ؛ فأما معاذ فإنه نزل في السكون ؛ وأما أبو موسى فإنه نزل في السكاسك مما يلي المفور والمفازة بينهم وبين مأرب ، وانحاز سائر أمراء اليمن إلى الطاهر إلا عمراً وخالداً ؛ فإنهما رجعا إلى المدينة ؛ والطاهر يومئذ في وسط بلاد عك بحيال صنعاء . وغلب الأسود على ما بين صهيد - مفازة حضرموت - إلى عمل الطائف إلى البحرين قبل عدن ، وطابقت عليه اليمن ، وعك بتهامة معترضون عليه ؛ وجعل يستطير استطارة الحريق ، وكان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهراً سوى الركبان ؛ وكان قواده قيس بن عبد يغوث المرادي ومعاوية بن قيس لبجنبي ويزيد بن محرم ويزيد بن حصين الحارثي ويزيد بن الأفكل الأزدي . وثبت ملكه واستغلظ أمره ، ودانت له سواحل من السواحل ؛ حاز عثر والشرجة والحردة وغلافقة وعدن ، والجند ؛ ثم صنعاء إلى عمل الطائف ، إلى الأحسية وعليب ؛ وعامله المسلمون بالبقية ، وعامله أهل الردة بالكفر والرجوع عن الإسلام . وكان خليفته في مذحج عمرو بن معد يكرب ، وأسند أمره إلى نفر ؛ فأما أمر جنده فإلى قيس بن عبد يغوث ، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز وداذويه . فلما أثخن في الأرض اسنخف بقيس وبفيروز وداذويه ، وتزوج امرأة شهر ؛ وهي ابنة عم فيروز ؛ فبينا نحن كذلك بحضرموت - ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود ، أو يبعث إلينا جيشاً ، أو يخرج بحضرموت خارج يدعى بمثل ما ادعى به الأسود ، فنحن على ظهر ، تزوج معاذ إلى بني بكرة ؛ حي من السكون ، امرأة أخوالها بنو زنكبيل يقال لها رملة ، فحدبوا لصهره علينا ، وكان معاذ بها معجباً ، فإن كان ليقول فيما يدعو الله به : اللهم ابعثني يوم القيامة مع السكون ، ويقول أحياناً : اللهم اغفر للسكون - إذ جاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته أو لمصاولته ؛ ونبلغ كل من رجا عنده شيئاً من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . فقام معاذ في ذلك بالذي أمر به ، فعرفنا القوة ووثقنا بالنصر . حدثنا السري ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - وحدثني عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - قال : أخبرنا المستنير ابن يزيد ، عن عروة بن غزية الدثيني ، عن الضحاك بن فيروز - قال السري : عن جشيش بن الديلمى ، وقال عبيد الله : عن جشنس بن الديلمي - قال : قدم علينا وبر بن يحنس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يأمرنا فيه بالقيام على ديننا ، والنهوض في الحرب ، والعمل في الأسود : إما غيلة وإما مصادمة ؛ وأن نبلغ عنه من رأينا أن عنده نجدة وديناً . فعلمنا في ذلك ، فرأينا أمراً كثيفاً ، ورأيناه قد تغير لقيس بن عبد يغوث - وكان على جنده - فقلنا : يخاف على دمه ؛ فهو لأول دعوة ؛ فدعوناه وأنبأناه الشأن ، وأبلغناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فكأنما وقعنا عليه من السماء ، وكان في غم وضيق بأمره ؛ فأجابنا إلى ما أحيينا من ذلك ، وجاءنا وبر بن يحنس ، وكاتبنا الناس ودعوناهم ؛ وأخبره الشيطان بشيء ، فأرسل إلى قيس وقال : يا قيس ، ما يقول هذا ؟ قال : وما يقول ؟ قال : يقول : عمدت إلى قيس فأكرمته ؛ حتى إذا دخل منك كل مدخل ، وصار في العز مثلك ، مال ميل عدوك ؛ وحاول ملكك وأضمر على الغدر ؟ إنه يقول : يا أسود يا أسود ؟! يا سوءة يا سوءة ! اقطف قنته ، وخذ من قيس أعلاه ؛ وإلا سلبك أو قطف قنتك . فقال قيس - وحلف به : كذب وذي الخمار ؛ لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي ؛ فقال : ما أجفاك ! أتكذب الملك ! قد صدق الملك ؛ وعرفت الآن أنك تائب مما اطلع عليه منك . ثم خرج فأتانا ، فقال : يا جشيش ، ويا فيروز ، وياداذويه ؛ إنه قد قال وقلت ؛ فما الرأى ؟ فقلنا : نحن على حذر ؛ فإنا في ذلك ؛ إذ أرسل إلينا ، فقال : ألم أشرفكم على قومكم ، ألم يبلغنى عنكم ! فقلنا : أقلنا مرتنا هذه ، فقال : لا يبلغنى عنكم فأقتلكم ؛ فنجونا ولم نكد ؛ وهو في ارتياب من أمرنا وأمر قيس ؛ ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم ؛ إذ جاءنا اعتراض عامر ابن شهر وذي زود وذي مران وذي الكلاع وذي ظليم عليه ، وكاتبونا وبذلوا لنا النصر ؛ وكاتبناهم وأمرناهم ألا يحركوا شيئاً حتى نبرم الأمر - وإنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران ؛ إلى عربهم وساكني الأرض من غير العرب ؛ فثبتوا فتنحوا وانضموا إلى مكان واحد - وبلغه ذلك ، وأحسن بالهلاك ، وفرق لنا الرأى . فدخلت على آذاذ ؛ وهي امرأته ، فقلت : يا ابنة عم ؛ قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك ؛ قتل زوجك ، وطأطأ في قومك القتل ، وسفل بمن بقي منهم ؛ وفضح النساء ؛ فهل عندك من ممالأة عليه ! فقالت : على أي أمره ؟ قلت : إخراجه ، قالت : أو قتله ، قلت : أو قتله ، قالت : نعم والله ما خلق الله شخصاً أبغض إلى منه ؛ ما يقوم لله على حق ، ولا ينتهي له عن حرمة ؛ فإذا عزمتم فأعلموني أخبركم بمأتى هذا الأمر . فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني ، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه ، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا : الملك يدعوك ، فدخل في عشرة من مذحج وهمدان ، فلم يقدر على قتله معهم - قال السري في حديثه : فقال : يا عيهلة بن كعب بن غوث ، وقال عبيد الله في حديثه : يا عبهلة بن كعب بن غوث - أمنى تحصن بالرجال ! ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة ! إنه يقول : يا سوءة يا سوءة ! إلا تقطع من قيس يده يقطع قنتك العليا ؛ حتى ظن أنه قاتله ؛ فقال : إنه ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله ، فمر بي بما أحببت ؛ فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة أن تقتلني - قال الزهري : فإما قتلتني فموتة ، وقال السري : اقتلني فموتة أهون على من موتات أموتها كل يوم - فرق له فأخرجه ، فخرج علينا فأخبرنا وواطأنا ، وقال : اعلموا عملكم ؛ وخرج علينا في جمع ، فقمنا مثولا له ، وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير ، فقام وخط خطاً فأقيمت من ورائه ، وقام من دونها ، فنحرها غير محبسة ولا معقلة ، ما يقنحم الخط منها شيء ، ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت ؛ فما رأيت أمراً كان أفظع منه ، ولا يوماً أوحش منه . ثم قال : أحق ما بلغني عنك يا فيروز ؟ وبوأ له الحربة - لقد هممت أن أنحرك فأتبعك هذه البهيمة ، فقال : اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء ؛ فلو لم تكن نبياً ما بعنا نصيبنا منك بشيء ؛ فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر آخرة ودنيا ؛ لا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك ؛ فإنا بحيث تحب . فقال : اقسم هذه ؛ فأنت أعلم بمن ها هنا ، فاجتمع إلى أهل صنعاء ، وجعلت آمر للرهط بالجزور ولأهل البيت بالبقرة ، ولأهل الحلة بعدة ، حتى أخذ أهل كل ناحية بقسطهم . فلحق به قبل أن يصل إلى داره - وهو واقف على - رجل يسعى إليه بفيروز ؛ فاستمع له ، واستمع له فيروز وهو يقول : أنا قاتله غداً وأصحابه ؛ فاغد علي ، ثم التفت فإذا به ، فقال : مه ! فأخبره بالذي صنع ، فقال : أحسنت ، ثم ضرب دابته داخلاً ، فرجع إلينا فأخبرنا الخبر ، فأرسلنا إلى قيس ؛ فجاءنا ؛ فأجمع ملؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لتخبرنا بما تأمر ؛ فأتيت المرأة وقلت : ما عندك ؟ فقالت : هو متحرز متحرس ؛ وليس من القصر شيء إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت ؛ فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق ؛ فإذا أمسيتم فانقبوا عليه ؛ فإنكم من دون الحرس ؛ وليس دون قتله شيء . وقالت : إنكم ستجدون فيه سراجاً وسلاحاً . فخرجت فتلقاني الأسود خارجاً من بعض منازله ، فقال لي : ما أدخلك علي ؟ ووجأ رأسي حتى سقطت - وكان شديداً وصاحت المرأة فأدهشته عني ؛ ولولا ذلك لقتلني . وقالت : ابن عمي جاءني زائراً ، فقصرت بي ! فقال : اسكتي لا أبا لك ، فقد وهبته لك ! فتزايلت عني ، فأتيت أصحابي فقلت : النجاء ! الهرب ! وأخبرتهم الخبر ؛ فإنا على ذلك حيارى إذ جاءني رسولها : لا تدعن ما فارقتك عليه ؛ فإني لم أزل به حتى اطمأن ؛ فقلنا لفيروز : ائتها فتثبت منها ؛ فإما أنا فلا سبيل لي إلى الدخول بعد النهي . ففعل ، وإذا هو كان أفطن مني ؛ فلما أخبرته قالت : وكيف ينبغي لنا أن ننقب على بيوت مبطنة ! ينبغي لنا أن نقلع بطانة البيت ؛ فدخلا فاقتلعا البطانة ، ثم أغلقاه ؛ وجلس عندها كالزائر ؛ فدخل عليها الأسود فاستخفته غيرة ، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم ، فصاح به وأخرجه . وجاءنا بالخبر ؛ فلما أمسينا عملنا في أمرنا ؛ وقد واطأنا أشياعنا ، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين ؛ فنقبنا البيت من خارج ، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة ؛ واتقينا بفيروز ؛ وكان أنجدنا وأشدنا - فقلنا : انظر ماذا ترى ! فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة ؛ فلما دنا من باب البيت سمع غطيطاً شديداً ، وإذا المرأة جالسة ؛ فلما قام على الباب أجلسه الشيطان فكلمه على لسانه - وإنه ليغط جالساً . وقال أيضاً : مالي ولك يا فيروز ! فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة ، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل ؛ فأخذ برأسه فقتله ، فدق عنقه ، ووضع ركبته في ظهره فدقه ، ثم قام ليخرج ؛ فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله ، فقالت : أين تدعني ! قال : أخبر أصحابي بمقتله ؛ فأتانا فقمنا معه ؛ فأردنا حز رأسه ؛ فحركه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه ؛ فقلت : اجلسوا على صدره ؛ فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره ، وسمعنا بربرة فألجمته بمئلاة ؛ وأمر الشفرة على حلقه فخار كأشد خوار ثور سمعته قط ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة ، فقالوا : ما هذا ، ما هذا ! فقالت المرأة : النبي يوحى إليه ! فخمد . ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ، ليس غيرنا ثلاثتنا : فيروز وداذويه وقيس ؛ فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا ، ثم ينادى بالأذان ، فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار ، ففزع المسلمون والكافرون ، وتجمع الحرس فأحاطوا بنا ، ثم ناديت بالأذان ، وتوافت خيولهم إلى الحرس ، فناديتهم : أشهد أن محمداً رسول الله ؛ وأن عبهلة كذاب ! وألقينا إليهم رأسه ، فأقام وبر الصلاة ، وشنها القوم غارةً ؛ ونادينا : يا أهل صنعاء ، من دخل عليه داخل فتعلقوا به ، ومن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به . ونادينا بمن في الطريق : تعلقوا بمن استطعتم ! فاختطفوا صبياناً كثيرين ؛ وانتهبوا ما انتهبوا ، ثم مضوا خارجين ؛ فلما برزوا فقدوا منهم سبعين فارساً ركبانا ؛ وإذا أهل الدور والطرق وقد وافونا بهم ؛ وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم أن يتركوا لنا ما في أيديهم ، ونترك لهم ما في أيدينا ؛ ففعلوا فخرجوا لم يظفروا منا بشيء ؛ فترددوا فيما بين صنعاء ونجران ، وخلصت صنعاء والجند ، وأعز الله الإسلام وأهله ؛ وتنافسنا الإمارة ؛ وتراجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم ؛ فاصطلحنا على معاذ بن جبل ، فكان يصلى بنا ، وكتبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر ؛ وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . فأتاه الخبر من ليلته ، وقدمت رسلنا ؛ وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة تلك الليلة ؛ فأجابنا أبو بكر رحمه الله .لا سبيل لي إلى الدخول بعد النهي . ففعل ، وإذا هو كان أفطن مني ؛ فلما أخبرته قالت : وكيف ينبغي لنا أن ننقب على بيوت مبطنة ! ينبغي لنا أن نقلع بطانة البيت ؛ فدخلا فاقتلعا البطانة ، ثم أغلقاه ؛ وجلس عندها كالزائر ؛ فدخل عليها الأسود فاستخفته غيرة ، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم ، فصاح به وأخرجه . وجاءنا بالخبر ؛ فلما أمسينا عملنا في أمرنا ؛ وقد واطأنا أشياعنا ، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين ؛ فنقبنا البيت من خارج ، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة ؛ واتقينا بفيروز ؛ وكان أنجدنا وأشدنا - فقلنا : انظر ماذا ترى ! فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة ؛ فلما دنا من باب البيت سمع غطيطاً شديداً ، وإذا المرأة جالسة ؛ فلما قام على الباب أجلسه الشيطان فكلمه على لسانه - وإنه ليغط جالساً . وقال أيضاً : مالي ولك يا فيروز ! فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة ، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل ؛ فأخذ برأسه فقتله ، فدق عنقه ، ووضع ركبته في ظهره فدقه ، ثم قام ليخرج ؛ فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله ، فقالت : أين تدعني ! قال : أخبر أصحابي بمقتله ؛ فأتانا فقمنا معه ؛ فأردنا حز رأسه ؛ فحركه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه ؛ فقلت : اجلسوا على صدره ؛ فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره ، وسمعنا بربرة فألجمته بمئلاة ؛ وأمر الشفرة على حلقه فخار كأشد خوار ثور سمعته قط ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة ، فقالوا : ما هذا ، ما هذا ! فقالت المرأة : النبي يوحى إليه ! فخمد . ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ، ليس غيرنا ثلاثتنا : فيروز وداذويه وقيس ؛ فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا ، ثم ينادى بالأذان ، فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار ، ففزع المسلمون والكافرون ، وتجمع الحرس فأحاطوا بنا ، ثم ناديت بالأذان ، وتوافت خيولهم إلى الحرس ، فناديتهم : أشهد أن محمداً رسول الله ؛ وأن عبهلة كذاب ! وألقينا إليهم رأسه ، فأقام وبر الصلاة ، وشنها القوم غارةً ؛ ونادينا : يا أهل صنعاء ، من دخل عليه داخل فتعلقوا به ، ومن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به . ونادينا بمن في الطريق : تعلقوا بمن استطعتم ! فاختطفوا صبياناً كثيرين ؛ وانتهبوا ما انتهبوا ، ثم مضوا خارجين ؛ فلما برزوا فقدوا منهم سبعين فارساً ركبانا ؛ وإذا أهل الدور والطرق وقد وافونا بهم ؛ وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم أن يتركوا لنا ما في أيديهم ، ونترك لهم ما في أيدينا ؛ ففعلوا فخرجوا لم يظفروا منا بشيء ؛ فترددوا فيما بين صنعاء ونجران ، وخلصت صنعاء والجند ، وأعز الله الإسلام وأهله ؛ وتنافسنا الإمارة ؛ وتراجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم ؛ فاصطلحنا على معاذ بن جبل ، فكان يصلى بنا ، وكتبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر ؛ وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . فأتاه الخبر من ليلته ، وقدمت رسلنا ؛ وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة تلك الليلة ؛ فأجابنا أبو بكر رحمه الله . حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - عن أبي القاسم الشنوي ، عن العلاء بن زياد ، عن ابن عمر ، قال : أتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسى ليبشرنا ، فقال : قتل العنسى البارحة ، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين ، قيل : ومن هو ؟ قال : فيروز ، فاز فيروز ! حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - عن المستنير ، عن عروة ، عن الضحاك ، عن فيروز ، قال : قتلنا الأسود ، وعاد أمرنا كما كان ؛ إلا أنا أرسلنا إلى معاذ ، فتراضينا عليه ؛ فكان يصلى بنا في صنعاء ؛ فو الله ما صلى بنا إلا ثلاثا ونحن راجون مؤملون ، لم يبق شيء نكرهه إلا ما كان من تلك الخيول التي تتردد بيننا وبين نجران ؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتقضت الأمور ؛ وأنكرنا كثيراً مما كنا نعرف ، واضطربت الأرض . حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف ، عن أبي القاسم وأبي محمد ، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني ، من جند فلسطين ؛ عن عبد الله بن فيروز الديلمي ؛ أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم رسولاً ، يقال له : وبر بن يحنس الأزدى ؛ وكان منزله على داذويه الفارسي ، وكان الأسود كاهناً معه شيطان وتابع له ، فخرج فنزل على ملك اليمن ؛ فقتل ملكها ونكح امرأته وملك اليمن ؛ وكان باذام هلك قبل ذلك ، فخلف ابنه على أمره ، فقتله وتزوجها ، فاجتمعت أنا وداذويه وقيس بن المكشوح المرادي عند وبر بن يحنس رسول نبي الله صلى الله عليه وسلم نأتمر بقتل الأسود . ثم إن الأسود أمر الناس فاجتمعوا في رحبة من صنعاء ، ثم خرج حتى قام في وسطهم ، ومعه حربة الملك ، ثم دعا بفرس الملك فأوجره الحربة ، ثم أرسل فجعل يجري في المدينة ودماؤه تسيل حتى مات . وقام وسط الرحبة ؛ ثم دعا بجزر من وراء الخط فأقامها ، وأعناقها ورءوسها في الخط ما يجزنه . ثم استقبلهن بحربته فنحرهن فتصدعن عنه ؛ حتى فرغ منهن ، ثم أمسك حربته في يده ، ثم أكب على الأرض ، ثم رفع رأسه ، فقال : إنه يقول - يعني شيطانه الذي معه : إن ابن المكشوح من الطغاة ، يا أسود اقطع قنة رأسه العليا . ثم أكب رأسه أيضاً ينظر ، ثم رفع رأسه ، فقال : إنه يقول : إن ابن الديلمى من الطغاة ؛ يا أسود اقطع يده اليمنى ورجله اليمنى ؛ فلما سمعت قوله قلت : والله ما آمن أن يدعو بي ، فينحرني بحربته كما نحر هذه الجزر ؛ فجعلت أستتر بالناس لئلا يراني ، حتى خرجت ولا أدري من حذرى كيف آخذ ! فلما دنوت من منزلي لقيني رجل من قومه ، فدق في رقبتي ، فقال : إن الملك يدعوك وأنت تروغ ! ارجع ؛ فردني ، فلما رأيت ذلك خشيت أن يقتلني . قال : وكنا لا يكاد يفارق رجلا منا أبداً خنجره ، فأدس يدي في خفي ، فأخذت خنجري ، ثم أقبلت وأنا أريد أن أحمل عليه ، فأطعنه به حتى أقتله ، ثم أقتل من معه ، فلما دنوت منه رأى في وجهي الشر ، فقال : مكانك ! فوقفت ، فقال : إنك أكبر من ها هنا وأعلمهم بأشراف أهلها ، فاقسم هذه الجزر بينهم . وركب فانطلق وعلقت أقسم اللحم بين أهل صنعاء ، فأتاني ذلك الذي دق في رقبتي ، فقال : أعطني منها ، فقلت : لا والله ولا بضعة واحدة ؛ ألست الذي دققت في رقبتي ! فانطلق غضبان حتى أتى الأسود ؛ فأخبره بما لقي مني وقلت له . فلما فرغت أتيت الأسود أمشي إليه ، فسمعت الرجل وهو يشكوني إليه ، فقال له الأسود : أما والله لأذبحنه ذبحاً ! فقت له : إني قد فرغت مما أمرتني به ، وقسمته بين الناس . قال : قد أحسنت فانصرف . فانصرفت ، فبعثنا إلى امرأة الملك : إنا نريد قتل الأسود ؛ فكيف لنا ! فأرسلت إلى : أن هلم . فأتيتها ، وجعلت الجارية على الباب لتؤذننا إذا جاء ؛ ودخلت أنا وهي البيت الآخر ، فحفرنا حتى نقبنا نقباً ، ثم خرجنا إلى البيت ، فأرسلنا الستر ، فقلت : إنا نقتله الليلة ، فقالت : فتعالوا ؛ فما شعرت بشيء حتى إذا الأسود قد دخل البيت ؛ وإذا هو معنا ؛ فأخذته غيرة شديدة ، فجعل يدق في رقبتي ، وكفكفته عني ، وخرجت فأتيت أصحابي بالذي صنعت ، وأيقنت بانقطاع الحيلة عنا فيه ؛ إذ جاءنا رسول المرأة ؛ ألا يكسرن عليكم أمركم ما رأيتم ؛ فإني قد قلت له بعد ما خرجت : ألستم تزعمون أنكم أقوام أحرار لكم أحساب ! قال : بلى ، فقلت : جاءني أخي يسلم على ويكرمني ، فوقعت عليه تدق في رقبته ؛ حتى أخرجته ، فكانت هذه كرامتك إياه ! فم أزل ألومه حتى لام نفسه ، وقال : أهو أخوك ؟ فقلت : نعم ، فقال : ما شعرت ؛ فأقبلوا الليلة لما أردتم . قال الديلمي : فاطمأنت أنفسنا ، واجتمع لنا أمرنا ؛ فأقبلنا من الليل أنا وداذويه وقيس حتى ندخل البيت الأقصى من النقب الذي نقبنا ، فقلت : يا قيس ، أنت فارس العرب ، ادخل فاقتل الرجل ، قال : إني تأخذني رعدة شديدة عند البأس ، فأخاف أن أضرب الرجل ضربة لا تغنى شيئاً ؛ ولكن ادخل أنت يا فيروز ، فإنك أشبنا وأقوانا ، قال : فوضعت سيفي عند القوم ، ودخلت لأنظر أين رأس الرجل ! فإذا السراج يزهر ؛ وإذا هو راقد على فرش قد غاب فيها لا أدري أين رأسه من رجليه ! وإذا المرأة جالسة عنده كانت تطعمه رماناً حتى رقد ، فأشرت إليها : أين رأسه ؟ فأشارت إليه ، فأقبلت أمشي حتى قمت عند رأسه لأنظر ، فما أدري أنظرت في وجهه أم لا ! فإذا هو قد فتح عينيه ؛ فنظر إلي ، فقلت : إن رجعت إلى سيفي خفت أن يفوتني ويأخذ عدة يمتنع بها مني ؛ وإذا شيطانه قد أنذره بمكاني وقد أيقظه ، فلما أبطأ كلمني على لسانه ؛ وإنه لينظر ويغط ، فأضرب بيدي إلى رأسه ، فأخذت رأسه بيد ولحيته بيد ؛ ثم ألوي عنقه فدققتها ؛ ثم أقبلت إلى أصحابي ، فأخذت المرأة بثوبي ، فقالت : أختكم نصيحتكم ! قلت : قد والله قتلته وأرحتك منه . قال : فدخلت على صاحبي فأخبرتهما ، قالا : فارجع فاحتز رأسه وائتنا به ، فدخلت فبربر فألجمته فحززت رأسه ، فأتيتهما به ، ثم خرجنا حتى أتينا منزلنا ؛ وعندنا وبر بن يحنس الأزدي ، فقام معنا حتى ارتقينا على حصن مرتفع من تلك الحصون ؛ فأذن وبر بن يحنس بالصلاة ، ثم قلنا : ألا إن الله عز وجل قد قتل الأسود الكذاب ، فاجتمع الناس إلينا فرمينا برأسه ، فلما رأى القوم الذين كانوا معه أسرجوا خيولهم ؛ ثم جعل كل واحد منهم يأخذ غلاماً من أبنائنا معه من أهل البيت الذي كان نازلا فيهم ؛ فأبصرتهم في الغلس مردفي الغلمان ، فناديت أخي وهو أسفل مني مع الناس : أن تعلقوا بمن استطعتم منهم ؛ ألا ترون ما يصنعون بالأبناء ! فتعلقوا بهم ؛ فحبسنا منهم سبعين رجلاً ، وذهبوا منا بثلاثين غلاماً ، فلما برزوا إذا هم يفقدون سبعين رجلا حين تفقدوا أصحابهم ، فأتونا فقالوا : أرسلوا إلينا أصحابنا ، فقلنا لهم : أرسلوا إلينا أبناءنا ، فأرسلوا إلينا الأبناء ، وأرسلنا إليهم أصحابهم . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : إن الله قد قتل الأسود الكذاب العنسي ، قتله بيد رجل من إخوانكم ، وقوم أسلموا وصدقوا ؛ فكنا كأنا على الأمر الذي كان قبل قدوم الأسود علينا وأمن الأمراء وتراجعوا ، واعتذر الناس وكانوا حديثي عهد بالجاهلية . حدثنا عبيد الله ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثنى السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن سهل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صخر ، قال : كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر . وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - وحدثنا عبيد الله قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - عن جابر بن يزيد ، عن عروة ابن غزية ، عن الضحاك بن فيروز ، قال : كان ما بين خروجه بكهف خبان ومقتله نحواً من أربعة أشهر ؛ وقد كان قبل ذلك مستسراً بأمره . حتى بادى بعد . حدثني عمر بن شبة ، قال : حدثنا علي بن محمد ، عن أبي معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء ، عن مشيختهم ، قالوا : أمضي أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول ، وأتى مقتل العنسي في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة ؛ وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة . وقال الواقدي : في هذه السنة - أعني سنة إحدى عشرة - قدم وفد النخع في النصف من المحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأسهم زرارة بن عمرو ، وهم آخر من قدم من الوفود . وفيها : ماتت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الثلاثاء ، لثلاث خلون من شهر رمضان ؛ وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها . وذكر أن أبا بكر بن عبد الله ، حدثه عن إسحاق بن عبد الله ، عن أبان بن صالح بذلك . وزعم أن ابن جريج حدثه عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر ، قال : توفيت فاطمة عليها السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر . قال : وحدثنا ابن جريج ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : توفيت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر . قال الواقدي : وهو أثبت عندنا . قال : وغسلها علي عليه السلام وأسماء بنت عميس . قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت : صلى عليها العباس بن عبد المطلب . وحدثنا أبو زيد ، قال : حدثنا علي ، عن أبي معشر ، قال : دخل قبرها العباس وعلي والفضل بن العباس . قال : وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة ، وكان أصابه بالطائف سهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، رماه أبو محجن ، ودمل الجرح حتى انتقض به في شوال ؛ فمات . وحدثني أبو زيد ، قال : حدثنا علي ، قال : حدثنا أبو معشر ومحمد ابن إسحاق وجويرية بن أسماء بإسناده الذي ذكرت قبل ، قالوا : في العام الذي بويع فيه أبو بكر ملك أهل فارس عليهم يزد جرد . قال أبو جعفر : وفيها كان لقاء أبي بكر رحمه الله خارجة بن حصن الفزارى . حدثني أبو زيد ، قال : حدثنا علي بن محمد بإسناده الذي ذكرت قبل ، قالوا : أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم ؛ وهو الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالمسير إليه ؛ لم يحدث شيئاً ، وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة ، ويمنعون الزكاة . فلم يقبل ذلك منهم وردهم ، وأقام حتى قدم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يوماً من شخوصه - ويقال : بعد سبعين يوماً - فلما قدم أسامة بن زيد استخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال استخلف سناناً الضمري على المدينة - فسار ونزل بذي القصة في جمادى الأولى ؛ ويقال في جمادى الآخرة ؛ وكان نوفل بن معاوية الديلي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيه خارجة بن حصن بالشربة ؛ فأخذ ما في يديه ؛ فرده على بني فزارة ؛ فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر . فأول حرب كانت في الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حرب العنسي ؛ وقد كانت حرب العنسي باليمن ؛ ثم حرب خارجة بن حصن ومنظور بن زبان بن سيار في غطفان ، والمسلمون غارون ، فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بها ، ثم هزم الله المشركين . وحدثني عبيد الله ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن المجالد ابن سعيد ، قال : لما فضل أسامة كفرت الأرض وتضرمت ، وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً . وحدثني عبيد الله ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفصل أسامة ارتدت العرب عوام أو خواص ؛ وتوحى مسيلمة وطليحة ، فاستغلظ أمرهما ؛ واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد ، وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الأفناء فبايعوه ، وقدمت هوازن رجلاً وأخرت رجلاً أمسكوا الصدقة إلا ما كان من ثقيف ولفها ؛ فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والأعجاز ؛ وارتدت خواص من بني سليم ؛ وكذلك سائر الناس بكل مكان . قال : وقدمت رسل النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن واليمامة وبلاد بني أسد ووفود من كان كاتبه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمر أمره في الأسود ومسيلمة وطلحة بالأخبار والكتب ؛ فدفعوا كتبهم إلى أبي بكر ، وأخبروه الخبر ، فقال لهم أبو بكر : لا تبرحوا حتى تجئ رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمر ؛ وانتقاض الأمور . فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي صلى الله عليه وسلم من كل مكان بانتفاض عامة أو خاصة ، وتبسطهم بأنواع الميل على المسلمين ، فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاربهم بالرسل . فرد رسلهم بأمره ، وأتبع الرسل رسلاً ؛ وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة ؛ وكان أول من صادم عبس وذبيان ، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة . حدثني عبيد اله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن أبي عمرو ، عن زيد بن أسلم ، قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعماله على قضاعة ، وعلى كلب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله ، وعلى القين عمرو بن الحكم ، وعلى سعد هذيم معاوية بن فلان الوائلي . وقال السري الوالبي : فارتد وديعة الكلبي فيمن آزره من كلب ، وبقي امرؤ القيس على دينه ، وارتد زميل بن قطبة القيني فيمن آزره من بني القين وبقي عمرو ، وارتد معاوية فيمن آزره من سعد هذيم . فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جد سكينة ابنة حسين - فسار لوديعة ، وإلى عمرو فأقام لزميل ، وإلى معاوية العذري . فلما توسط أسامة بلاد قضاعة ، بث الخيول فيهم وأمرهم أن ينهضوا من أقام على الإسلام إلى من رجع عنه ؛ فخرجوا هراباً ؛ حتى أرزوا إلى دومة ، واجتمعوا إلى وديعة ، ورجعت خيول أسامة إليه ؛ فمضى فيها أسامه . حتى أغار على الحمقتين ، فأصاب في بني الضبيب من جذام ، وفي بني خيليل من لخم ولفها من القبيلين ؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالماً غانماً . فحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة ؛ إلا ما كان من خواص أقوام في القبائل الثلاث ؛ فاجتمعت أسد بسميراء ، وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طيبة ، وطيئ على حدود أرضهم . واجتمعت ثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالأبرق من الربذة ، وتأشب ، إليهم ناس من بني كنانة ؛ فلم تحملهم البلاد ؛ فافترقوا فرقتين ؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق ، وسارت الأخرى إلى ذي القصة ، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القصة من بني أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج . وكان على مرة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان ، وعلى ثعلبة وعبس الحارث ابن فلان ؛ أحد بني سبيع ، وقد بعثوا وفوداً فقدموا المدينة ، فنزلوا على وجوه الناس ، فأنزلوهم ما خلا عباساً فتحملوا بهم على أبي بكر ؛ على أن يقيموا الصلاة ؛ وعلى ألا يؤتوا الزكاة ؛ فعزم الله لأبي بكر على الحق ، وقال : لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه - وكانت عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة - فردهم فرجع وفد من يلى المدينة من المرتدة إليهم ، فأخبروا عشائرهم بقلة من أهل المدينة ، وأطمعوهم فيها ؛ وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفراً :علياً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود ؛ وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد ، وقال لهم : إن الأرض كافرة ؛ وقد رأى وفدهم منكم قلة ؛ وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهاراً ! وأدناهم منكم على بريد . وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم ؛ وقد أبينا عليهم ، ونبذنا إليهم عهدهم ، فاستعدوا وأعدوا . فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل ، وخلفوا بعضهم بذي حسي ، ليكونوا لهم ردءاً ، فوافق الغوار ليلا الأنقاب ؛ وعليها المقاتلة ، ودونهم أقوام يدرجون ، فنبهوهم ؛ وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر ، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ، ففعلوا . وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم ، فانفش العدو ، فاتبعهم المسلمون على إبلهم ؛ حتى بلغوا ذا حسي ؛ فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها ، وجعلوا فيها الحبال ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل ؛ فتدهده كل نحي في طوله ، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها - ولا تنفر الإبل من شيء نفارها من الأنحاء - فعاجت بهم ما يملكونها ؛ حتى دخلت بهم المدينة ؛ فلم يصرع مسلم ولم يصب ؛ فقال في ذلك الخطيل بن أوس أخو الحطيئة ابن أوس : فدى لبنى ذبيان رحلى وناقتي ... عشية يحذى بالرماح أبو بكر ولكن يدهدى بالرجال فهبنه ... إلى قدر ما إن يزيد ولا يحرى ولله أجناد تذاق مذاقه ... لتحسب فيما عد من عجب الدهر ! وأنشده الزهري : ((من حسب الدهر)) . وقال عبد الله الليثي ؛ وكانت بنو عبد مناة من المرتدة - وهم بنو ذبيان - في ذلك الأمر بذي القصة وبذي حمى : أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر ! أيورثها بكراً إذا مات بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر فهلا رددتم وفدنا بزمانه ... وهلا خشيتم حس راغية البكر ! وإن التي سالوكم فمنعتم ... لكالتمر أو أحلى إلى من التمر فظن القوم القوم بالمسلمين الوهن ، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر ؛ فقدموا عليهم اعتماداً في الذين أخبروهم ، وهم لا يشعرون لأمر اله عز وجل الذي أراده ، وأحب أن يبلغه فيهم ، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ ، فعبى الناس ، ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشي ، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب ؛ فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين همساً ولا حساً حتى وضعوا فيهم السيوف ، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم ؛ فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ؛ وقتل حبال واتبعهم أبو بكر ؛ حتى نزل بذي القصة - وكان أول الفتح - ووضع بها النعمان ابن مقرن في عدد ، ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون ؛ فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين ؛ فقتلوهم كل قتلة ؛ وفعل من وراءهم فعلهم . وعز المسلمون بوقعة أبي بكر ، وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة ؛ وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة ، وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي : غداة سعى أبو بكر إليهم ... كما يسعى لموتته جلال أراح على نواهقها علياً ... ومج لهن مهجته حبال وقال أيضاً : أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا ... ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر فما صبروا للحرب عند قيامها ... صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر طرقنا بني عبس بأدنى نباحها ... وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر ثم لم يصنع إلا ذلك ؛ حتى ازداد المسلمون لها ثباتاً على دينهم في كل قبيلة ، وازداد لها المشركون انعكاساً من أمرهم في كل قبيلة ؛ وطرقت المدينة صدقات نفر : صفوان ، الزبرقان ، عدي ؛ صفوان ، ثم الزبرقان ، ثم عدي ؛ صفوان في أول الليل ، والثاني في وسطه ، والثالث في آخره . وكان الذي بشر بصفوان سعد بن أبي وقاص ، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف ، والذي بشر بعدي عبد الله بن مسعود . وقال غيره : أبو قتادة . قال : وقال الناس لكلهم حين طلع : نذير ، وقال أبو بكر : هذا بشير ، هذا حام وليس بوان ؛ فإذا نادى بالخير ، قالوا : طالما بشرت بالخير ! وذلك لتمام ستين يوماً من مخرج أسامة . وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ، وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا ظهركم . ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر ؛ فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك ! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ، ومقامك أشد على العدو ؛ فابعث رجلاً ، فإن أصيب أمرت آخر ، فقال : لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي ؛ فخرج في تعبيته إلى ذي حسي وذي القصة ، والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه ، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق ؛ فاقتتلوا ، فهزم الله الحارث وعوفاً ، وأخذ الحطيئة أسيراً ، فطارت عبس وبنو بكر ؛ وأقام أبو بكر على الأبرق أياماً ؛ وقد غلب بني ذبيان على البلاد . وقال : حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله ! وأجلاها . فلما غلب أهل الردة ؛ ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه ، وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة ؛ وهي كانت منازلهم لينزلوها ، فمنعوا منها فأتوه في المدينة ، فقالوا : علام نمنع من نزول بلادنا ! فقال : كذبتم ، ليست لكم ببلاد ؛ ولكنها موهبي ونقذي ، ولم يعتبهم ، وحمى الأبرق لخيول المسلمين ، وأرعى سائر بلاد الربذة الناس على بني ثعلبة ، ثم حماها كلها لصدقات المسلمين ؛ لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات ، فمنع بذلك بعضهم من بعض . ولما فضت عبس وذبيان أرزوا إلى طليحة وقد نزل طليحة على بزاخة ، وارتحل عن سميراء إليها ، فأقام عليها ؛ وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة : ويوم بالأبارق قد شهدنا ... على ذبيان يلتهب التهابا أتيناهم بداهية نسوف ... مع الصديق إذ ترك العتابا حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع وحرام بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : لما قدم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة ، ومضى حتى انتهى إلى الربذة يلقي بني عبس وذبيان وجماعة من بني عبد مناة ابن كنانة ، فلقيهم بالأبرق ، فقاتلهم فهزمهم الله وفلهم . ثم رجع إلى المدينة ، فلما جم جند أسامة ، وثاب من حول المدينة خرج إلى ذي القصة فنزل بهم - وهو على بريد من المدينة تلقاء نجد - فقطع فيها الجند ، وعقد الألوية ، عقد أحد عشر لواء على أحد عشر جنداً ، وأمر أمير كل جند باستنفار من مر به من المسلمين من أهل القوة ، وتخلف بعض أهل القوة لمنع بلادهم . حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : لما أراح أسامة وجنده ظهرهم وجموا ، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم ، قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية ، فعقد أحد عشر لواء : عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد ؛ فإذا فرغ سار إلى إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له ، ولعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة ، وللمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن عليهم ، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت ، ولخالد بن سعيد بن العاص - وكان قدم على تفيئة ذلك من اليمن وترك عمله - وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشأم ، ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث ، ولحذيفة بن محصن الغلفاني وأمره بأهل دبا ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة ؛ وأمرهما أن يجتمعا وكل واحد منهما في عمله على صاحبه ، وبعث شرجبيل بن حسنة في أثر عكرمة ابن أبي جهل ، وقال : إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة ، وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة ، ولطريفة بن حاجز وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن ، ولسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن ، وللعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين . كتاب أبي بكر إلى القبائل المرتدة ووصيته للأمراء ففصلت الأمراء من ذي القصة ، ونزلوا على قصدهم ، فلحق بكل أمير جنده ، وقد عهد إليهم عهده ، وكتب إلى من بعث إليه من جميع المرتدة . حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ؛ وشاركه في العهد والكتاب قحذم ؛ فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتاباً واحداً : بسم الله الرحمن الرحيم . من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة ؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه . سلام على من اتبع الهدى ، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى ؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، نقر بما جاء به ، ونكفر من أبي ونجاهده . أما بعد ؛ فإن الله تعالى أرسل محمداً بالحق من عنده إلى خلقه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين . فهدى الله بالحق من أجاب إليه ، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذنه من أدبر عنه ؛ حتى صار إلى الإسلام طوعاً وكرهاً . ثم توفي الله رسوله صلى الله عليه وسلم وقد نفذ لأمر الله ، ونصح لأمته ؛ وقضى الذي عليه ، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل ؛ فقال : " إنك ميت وإنهم ميتون " ، وقال : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون " ، وقال للمؤمنين : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " ؛ فمن كان إنما يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد ؛ حي قيوم لا يموت ؛ ولا تأخذه سنة ولا نوم ، حافظ لأمره ، منتقم من عدوه ، يجزيه . وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله ، وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وأن تهتدوا بهداه ، وأن تعتصموا بدين الله ، فإن كل من لم يهده الله ضال ، وكل من لم يعافه مبتلي ، وكل من لم يعنه الله مخذول ، فمن هداه الله كان مهتدياً ، ومن أضله كان ضالاً ؛ قال الله تعالى : " من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً " ، ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقر به ؛ ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولا عدل . وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به ؛ اغتراراً بالله ، وجهالة بأمره ، وإجابة للشيطان ، قال الله تعالى : " وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً " . وقال : " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير " ؛ وإني بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ، وأمرته ألا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله ؛ فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه ؛ ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك ؛ ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه ، وأن يحرقهم بالنار ، ويقتلهم كل قتلة ، وأن يسبى النساء والذرارى ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام ؛ فمن اتبعه فهو خير له ، ومن تركه فلن يعجز الله . وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم ؛ والداعية الأذان ؛ فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم ؛ وإن لم يؤذنوا عاجلوهم ؛ وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم ؛ فإن أبوا عاجلوهم ، وإن أقروا قبل منهم ؛ وحملهم على ما ينبغي لهم . فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود ، وخرجت الأمراء ومعهم العهود : بسم الله الرحمن الرحيم . هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام ، وعهد إليه أن يتقى الله ما استطاع في أمره كله سره وعلانيته ، وأمره بالجد في أمر الله ، ومجاهدة من تولى عنه ، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الإسلام ؛ فإن أجابوه أمسك عنهم ، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ؛ ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم ، فيأخذ ما عليهم ، ويعطيهم الذي لهم ؛ لا ينظرهم ، ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم ؛ فمن أجاب إلى أمر الله عز وجل وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف ؛ وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله ؛ فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل ؛ وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به ، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان ؛ وحيث بلغ مراغمه ،لا يقبل من أحد شيئاً أعطاه إلا الإسلام ؛ فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه ، ومن أبى قاتله ؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران ، ثم قسم ما أفاء الله عليه ، إلا الخمس فإنه يبلغناه ، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد ، وألا يدخل فيهم حشواً حتى يعرفهم ويعلم ما هم ؛ لا يكونوا عيوناً ، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم ، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ، ولا يعجل بعضهم عن بعض ، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول . ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد وبدر بن الخليل وهشام بن عروة ، قالوا : لما أرزت عبس وذبيان ولفها إلى البزاخة ، أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينضموا إليه ، فتعجل إليه أناس من الحيين ، وأمروا قومهم باللحاق بهم ، فقدموا على طليحة ، وبعث أبو بكر عدياً قبل توجيه خالد من ذي القصة إلى قومه ، وقال : أدركهم لا يؤكلوا . فخرج إليهم فقتلهم في الذروة والغارب ، وخرج خالد في أثره ، وأمره أبو بكر أن يبدأ بطيئ على الأكناف ، ثم يكون وجهه إلى البزاخة ، ثم يثلث بالبطاح ، ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدث إليه ، ويأمره بذلك . وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى خيبر ومنصب عليه منها حتى يلاقيه بالأكناف ، أكناف سلمى ؛ فخرج خالد فازوار عن البزاخة ، وجنح إلى أجأ ، وأظهر أنه خارج إلى خيبر ، ثم منصب عليهم ، فقعد ذلك طيئاً وبطأهم عن طليحة ؛ وقدم عليهم عدي ؛ فدعاهم فقالوا : لا نبايع أبا الفصيل أبداً ، فقال : لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم ، ولتكننه بالفحل الأكبر ؛ فشأنكم به . فقالوا له : فاستقبل الجيش فنهنهه عنا حتى نستخرج من لحق بالبزاخة منا ، فإنا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم . فاستقبل عدي خالداً وهو بالسنح ، فقال : يا خالد ، أمسك عني ثلاثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك ؛ وذلك خير من أن تعجلهم إلى النار ؛ وتشاغل بهم ؛ ففعل . فعاد عدي إليهم وقد أرسلوا إخوانهم ؛ فأتوهم من بزاخة كالمدد لهم ؛ ولولا ذلك لم يتركوا ؛ فعاد عدي بإسلامهم إلى خالد ، وارتحل خالد نحو الأنسر يريد جديلة ، فقال له عدي : إن طيئاً كالطائر ، وإن جديلة أحد جناحي طيئ ؛ فأجلني أياماً لعل الله أن ينتقذ جديلة كما انتقذ الغوث ؛ ففعل ، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى بايعوه ؛ فجاءه بإسلامهم ، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب ؛ فكان خير مولود ولد في أرض طيئ وأعظمه عليهم بركة . وأما هشام بن الكلبي ؛ فإنه زعم أن أبا بكر لما رجع إليه أسامة ومن كان معه من الجيش ؛ جد في حرب أهل الردة ، وخرج بالناس وهو فيهم حتى نزل بذي القصة ؛ منزلا من المدينة على بريد من نحو مجد ؛ فعبى هنالك جنوده ، ثم بعث خالد بن الوليد على الناس ، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار ، وأمره إلى خالد ، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة بن حصن ، وهما على بزاخة ؛ ماء من مياه بني أسد ؛ وأظهر أني ألاقيك بمن معي من نحو خيبر ، مكيدة ؛ وقد أوعب مع خالد الناس ؛ ولكنه أراد أن يبلغ ذلك عدوه فيرعبهم . ثم رجع إلى المدينة ، وسار خالد بن الوليد ؛ حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن ، وثابت بن أقرم - أحد بني العجلان حليفاً للأنصار - طليعة ؛ حتى إذا دنوا من القوم خرج طليحة وأخوه سلمة ، ينظران ويسألان : فأما سلمة فلم يمهل ثابتاً أن قتله ، ونادى طليحة أخاه حين رأى أن قد فرغ من صاحبه أن أعني على الرجل ؛ فإنه آكل ؛ فاعتونا عليه ، فقتلاه ثم رجعا ، وأقبل خالد بالناس حتى مروا بثابت بن أقرم قتيلاً ، فلم يفطنوا له حتى وطئته المطئ بأخفافها ، فكبر ذلك على المسلمين ، ثم نظروا فإذا هم بعكاشة بن محصن صريعاً ؛ فجزع لذلك المسلمون ، وقالوا : قتل سيدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم ؛ فانصرف خالد نحو طيئ . قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثني سعد بن مجاهد ، عن المحل ابن خليفة ، عن عدي بن حاتم ، قال : بعثت إلى خالد بن الوليد أن سر إلى فأقم عندي أياماً حتى أبعث إلى قبائل طيئ ، فأجمع لك منهم أكثر ممن معك ، ثم أصحبك إلى عدوك . قال : فسار إلى . قال هشام : قال أبو مخنف : حدثنا عبد السلام بن سويد أن بعض الأنصار حدثه أن خالداً لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعكاشة ، قال لهم : هل لكم إلى أميل بكم إلى حي من أحياء العرب ؛ كثير عددهم ، شديدة شوكتهم ، لم يرتد منهم عن الإسلام أحد ! فقال له الناس : ومن هذا الحي الذي تعني ؟ فنعم والله الحي هو ! قال لهم : طيئ ؛ فقالوا : وفقك الله ، نعم الرأى رأيت ! فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيئ . قال هشام : حدثني جديل بن خباب النبهاني من بني عمرو بن أبي ، أن خالداً جاء حتى نزل على أرك ؛ مدينة سلمى . قال هشام : قال أبو مخنف : حدثني إسحاق أنه نزل بأجأ ، ثم تعبى لحربه ، ثم سار حتى التقيا على بزاخة ، وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريباً يستمعون ويتربصون على من تكون الدبرة . قال هشام عن أبي مخنف : حدثني سعد بن مجاهد ، أنه سمع أشياخاً من قومه يقولون : سألنا خالداً أن نكفيه قيساً فإن بني أسد حلفاؤنا ، فقال : والله ما قيس بأوهن الشوكتين ، اصمدوا إلى أي القبلتين أحببتم ؛ فقال عدي : لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي لجاهدتهم عليه ، فأنا أمتنع من جهاد بني أسد لجلفهم ! لا لعمر الله لا أفعل ! فقال له خالد : إن جهاد الفريقين جميعاً جهاد ؛ لا تخالف رأى أصحابك ، امض إلى أحد الفريقين ، وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط . قال هشام ، عن أبي مخنف : فحدثني عبد السلام بن سويد ، أن خيل طيئ كانت تلقي خيل بني أسد وفزارة قبل قدوم خالد عليهم فيتشامون ولا يقتتلون ، فتقول أسد وفزارة : لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبداً . فتقول لهم خيل طيئ : أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر ! فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : حدثت أن الناس لما اقتتلوا ، قاتل عيينة مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة قتالا شديداً ، وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر ، يتنبأ لهم ، والناس يقتتلون ، فلما هزت عيينة الحرب ، وضرس القتال ، كر على طليحة ، فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا ، قال : فرجع فقاتل حتى إذا ضرس القتال وهزته الحرب كر عليه فقال : لا أبا لك ! أجاءك جبريل بعد ؟ قال : لا والله ، قال : يقول عيينة حلفاً : حتى متى ! قد والله بلغ منا ! قال : ثم رجع فقاتل ، حتى إذا بلغ كر عليه ، فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم ، قال : فماذا قال لك ؟ قال : قال لي : (( إن لك رحاً كرحاه ، وحديثاً لا تنساه )) ، قال : يقول عيينة : أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه ؛ يا بني فزارة هكذا ؛ فانصرفوا ؛ فهذا والله كذاب . فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة يقولون : ماذا تأمرنا ؟ وقد كان أعد فرسه عنده ، وهيأ بعيراً لامرأته النوار ، فلما أن غشوه يقولون : ماذا تأمرنا ؟ قام فوثب على فرسه ، وحمل امرأته ثم نجا بها ، وقال : من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل ؛ ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشأم وارفض جمعه ؛ وقتل الله من قتل منهم ، وبنو عامر قريباً منهم على قادتهم وسادتهم ؛ وتلك القبائل من سليم وهوازن على تلك الحال ؛ فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع ، أقبل أولئك يقولون : ندخل فيما خرجنا منه ، ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا . قال أبو جعفر : وكان سبب ارتداد عيينة وغطفان ومن ارتد من طيئ ما حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري قال : حدثنا شعيب عن سيف - عن طلحة بن الأعلم عن حبيب ابن ربيعة الأسدي ، عن عمارة بن فلان الأسدي ، قال : ارتد طليحة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فادعى النبوة ، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور إلى عماله على بني أسد في ذلك ؛ وأمرهم بالقيام في ذلك على كل من ارتد ، فأشجوا طليحة وأخافوا ، ونزل المسلمون بواردات ، ونزل المشركون بسميراء ، فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان ؛ حتى هم ضرار بالمسير إلى طليحة ، فلم يبق أحد إلا أخذه سلماً ، إلا ضربة كان ضربها بالجراز ، فنباعنه ، فشاعت في الناس . فأتى المسلمون وهم على ذلك بخير موت نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وقال ناس من الناس لتلك الضربة : إن السلاح لا يحيك في طليحة ؛ فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان ، وارفض الناس إلى طليحة واستطار أمره ، وأقبل ذو الخمارين عوف الجذمي حتى نزل بإزائنا ، وأرسل إليه ثمامة بن أوس بن لأم الطائي : إن معي من جديلة خمسمائة ، فإن دهمكم أمر فنحن بالقردودة والأنسر دوين الرمل . وأرسل إليه مهلهل بن زيد : إن معي حد الغوث ؛ فإن دهمكم أمر فنحن بالأكناف بحيال فيد . وإنما تحدبت طي على ذي الخمارين عوف ؛ أنه كان بين أسد وغطفان وطيئ حلف في الجاهلية ، فلما كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت غطفان وأسد على طيئ ، فأزاحوها عن دارها في الجاهلية : غوثها وجديلتها ، فكره ذلك عوف ؛ فقطع ما بينه وبين غطفان ، وتتابع الحيان على الجلاء ، وأرسل عوف إلى الحيين من طيئ ، فأعاد حلفهم ، وقام بنصرتهم ، فرجعوا إلى دورهم ، واشتد ذلك على غطفان ؛ فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عيينة بن حصن في غطفان ، فقال : ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد ؛ وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة ؛ والله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش ؛ وقد مات محمد ، وبقي طليحة . فطابقوه على رأيه ، ففعل وفعلوا . فلما اجتمعت غطفان على المطابقة لطليحة هرب ضرار وقضاعي وسنان ومن كان قام بشيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم في بني أسد إلى أبي بكر ، وارفض من كان معهم ، فأخبروا أبا بكر الخبر ، وأمروه بالحذر ، فقال ضرار بن الأزور : فما رأيت أحداً - ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم - أملأ بحرب شعواء من أبي بكر ؛ فجعلنا نخبره ، ولكأنما نخبره بما له ولا عليه . وقدمت عليه وفود بني أسد وغطفان وهوازن وطيئ ، وتلقت وفود قضاعة أسامة بن زيد ، فحوزها إلى أبي بكر ؛ فاجتمعوا بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين ؛ لعاشر من متوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة ، واجتمع ملأ من أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون ؛ فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلا إلا العباس . ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما أجمع عليه ملؤهم ، إلا ما كان من أبي بكر ، فإنه أبي إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ ، وأبوا ، فردهم وأجلهم يوماً وليلة ؛ فتطايروا إلى عشائرهم . حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن الحجاج ، عن عمرو بن شعيب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث عمرو ابن العاص إلى جيفر ، منصرفه من حجة الوداع ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بعمان ، فأقبل حتى إذا انتهى إلى البحرين وجد المنذر بن ساوي في الموت . فقال له المنذر : أشر علي في مالي بأمر لي ولا علي ، قال : صدق بعقار صدقة تجري من بعدك ، ففعل . ثم خرج من عنده ، فسار في بني تميم ، ثم خرج منها إلى بلاد بني عامر ، فنزل على قرة بن هبيرة ، وقرة يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً ؛ وعلى ذلك بنو عامر كلهم إلا خواص ، ثم سار حتى قدم المدينة ، فأطافت به قريش ، وسألوه فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دبا إلى حيث انتهيت إليكم ، فتفرقوا وتحلقوا حلقاً ، وأقبل عمر بن الخطاب يريد التسليم على عمرو ، فمر بحلقة ، وهم في شيء من الذي سمعوا من عمرو في تلك الحلقة : عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد ؛ فلما دنا عمر منهم سكتوا ، فقال : فيم أنتم ؟ فلم يجيبوه ، فقال : ما أعلمني بالذي خلوتم عليه ! فغضب طلحة ، وقال : تالله يابن الخطاب لتخبرنا بالغيب ! قال : لا يعلم الغيب إلا الله ؛ ولكن أظن قلتم : ما أخوفنا على قريش من العرب وأخلقهم ألا يقروا بهذا الأمر ! قالوا : صدقت ، قال : فلا تخافوا هذه المنزلة ، أنا والله منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم ؛ والله لو تدخلون معاشر قريش حجراً لدخلته العرب في آثاركم ؛ فاتقوا الله فيهم . ومضى إلى عمرو فسلم عليه ، ثم انصرف إلى أبي بكر . حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : نزل عمرو بن العاص منصرفه من عمان - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - بقرة بن هبيرة بن سلمة بن قشير ، وحوله عسكر من بني عامر من أفنائهم ، فذبح له وأكرم مثواه ، فلما أراد الرحلة خلا به قرة ، فقال : يا هذا ، إن العرب لا تطيب لكم نفساً بالإتاوة ، فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع ؛ وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم . فقال عمرو : أكفرت يا قرة ! وحوله بنو عامر ؛ فكره أن يبوح بمتابعتهم فيكفروا بمتابعته ، فينفر في شر ، فقال : لنردنكم إلى فيئتكم - وكان من أمره الإسلام - اجعلوا بيننا وبينكم موعداً . فقال عمرو : أتوعدنا بالعرب وتخوفنا بها ! موعدك حفش أمك ؛ فو الله لأوطئن عليك الخيل . وقدم على أبي بكر والمسلمين فأخبرهم . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ خالد من أمر بني عامر وبيعتهم على ما بايعهم عليه ، أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة ، فبعث بهما إلى أبي بكر ، فلما قدما عليه قال له قرة : يا خليفة رسول الله ، إني قد كنت مسلماً ، ولي من ذلك على إسلامي عند عمرو بن العاص شهادة ؛ قد مر بي فأكرمته وقربته ومنعته . قال : فدعا أبو بكر عمرو بن العاص ، فقال : ما تعلم من أمر هذا ؟ فقص عليه الخبر ، حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصدقة ، قال له قرة : حسبك رحمك الله ! قال : لا والله ؛ حتى أبلغ له كل ما قلت ، فبلغ له ، فتجاوز عنه أبو بكر ، وحقن دمه . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، قال : أخبرني من نظر إلى عيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، ينخسه غلمان المدينة بالجريد ، يقولون : أي عدو الله ، أكفرت بعد إيمانك ! فيقول : والله ما كنت آمنت بالله قط . فتجاوز عنه أبو بكر وحقن له دمه . حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، قال : أخذ المسلمون رجلاً من بني أسد ، فأتى به خالد بالغمر - وكان عالماً بأمر طليحة - فقال له خالد : حدثنا عنه وعما يقول لكم ، فزعم أن مما أتى به : ((والحمام واليمام ، والصرد الصوام ، قد صمن قبلكم بأعوام ، ليبلغن ملكنا العراق والشام)) . حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن أبي يعقوب سعيد بن عبيد ، قال : لما أرزى أهل الغمر إلى البزاخة ، قام فيهم طليحة ، ثم قال : ((أمرت أن تصنعوا رحاً ذات عراً ، يرمى الله بها من رمى ، يهوى عليها من هوى)) ، ثم عبى جنوده ، ثم قال : ((ابعثوا فارسين ، على فرسين أدهمين ، من بني نصر بن قعين ، يأتيانكم بعين )) . فبعثوا فارسين من بني قعين ، فخرج هو وسلمة طليعتين . حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع ، عن عبد الرحمن بن كعب ، عمن شهد بزاخة من الأنصار ، قال : لم يصب خالد على البزاخة عيلا واحداً ، كانت عيالات بني أسد محرزة - وقال أبو يعقوب : بين مثقب وفلج ، وكانت عيالات قيس بين فلج وواسط - فلم يعد أن انهزموا ، فأقروا جميعاً بالإسلام خشية على الذراري ، واتقوا خالداً بطلبته ، واستحقوا الأمان ؛ ومضى طليحة ؛ حتى نزل كلب على النقع ، فأسلم ، ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر ؛ وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسداً وغطفان وعامرا قد أسلموا ؛ ثم خرج نحو مكة معتمراً في إمارة أبي بكر ، ومر بجنبات المدينة ، فقيل لأبي بكر : هذا طليحة ، فقال : ما أصنع به ! خلوا عنه ، فقد هداه الله للإسلام . ومضى طليحة نحو مكة فقضى عمرته ، ثم أتى عمر إلى البيعة حين استخلف ، فقال له عمر : أنت قاتل عكاشة وثابت ! والله لا أحبك أبداً . فقال : يا أمير المؤمنين ، ماتهم من رجلين أكرمهما الله بيدي ، ولم يهنى بأيديهما ! فبايعه عمر ثم قال له : يا خدع ، ما بقي من كهانتك ؟ قال : نفخة أو نفختان بالكير . ثم رجع إلى دار قومه ؛ فأقام بها حتى خرج إلى العراق . ذكر ردة هوازن وسليم وعامر حدثنا السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل وعبد الله ، قالا : أما بنو عامر فإنهم قدموا رجلا وأخروا أخرى ، ونظروا ما تصنع أسد وغطفان ؛ فلما أحيط بهم وبنو عامر على قادتهم وسادتهم ، كان قرة بن هبيرة في كعب ومن لافها ، وعلقمة بن علاثة في كلاب ومن لافها ؛ وقد كان علقمة أسلم ثم ارتد في أزمان النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج بعد فتح الطائف حتى لحق بالشأم ؛ فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أقبل مسرعاً حتى عسكر في بني كعب ، مقدماً رجلاً ومؤخراً أخرى ؛ وبلغ ذلك أبا بكر ، فبعث إليه سرية ، وأمر عليها القعقاع بن عمرو ، وقال : يا قعقاع ، سر حتى تغير على علقمة بن علاثة ، لعلك أن تأخذه لي أو تقتله ؛ واعلم أن شفاء الشق الحوص ، فاصنع ما عندك . فخرج في تلك السرية ؛ حتى أغار على الماء الذي عليه علقمة ؛ وكان لا يبرح أن يكون على رجل ؛ فسابقهم على فرسه ؛ فسبقهم مراكضة ، وأسلم أهله وولده ، فانتسف امرأته وبناته ونساءه ، ومن أقام من الرجال ؛ فاتقوه بالإسلام ، فقدم بهم على أبي بكر ، فجحد ولده وزوجته أن يكونوا مالئوا علقمة ، وكانوا مقيمين في الدار ، فلم يبلغه إلا ذلك ، وقالوا : ما ذنبنا فيما صنع علقمة من ذلك ! فأرسلهم ثم أسلم ، فقبل ذلك منه . حدثنا السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي عمرو وأبي ضمرة ، عن ابن سيرين مثل معانيه . وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون : ندخل فيما خرجنا منه ؛ فبايعهم على ما بايع عليه أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيئ قبلهم ، وأعطوه بأيديهم على الإسلام ، ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيئ إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردتهم . فأتوه بهم ، فقبل منهم إلا قرة بن هبيرة ونفراً معه أوثقهم ، ومثل بالذين عدوا على الإسلام ؛ فأحرقهم بالنيران ورضخهم بالحجارة ، ورمى بهم من الجبال ، ونكسهم في الآبار ، وخزق بالنبال . وبعث بقرة وبالأسارى ، وكتب إلى أبي بكر : إن بني عامر أقبلت بعد إعراض ، ودخلت في الإسلام بعد تربص ؛ وإنى لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئاً حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين ؛ فقتلتهم كل قتلة ، وبعثت إليك بقرة وأصحابه . حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن أبي عمرو ، عن نافع ، قال : كتب أبو بكر إلى خالد : ليزدك ما أنعم الله به عليك خيراً ، واتق الله في أمرك ؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون جد في أمر الله ولا تبنين ، ولا تظفرن بأحد قتل المسلمين إلا قتلته ونكلت به غيره ؛ ومن أحببت ممن حاد الله أو ضاده ؛ ممن ترى أن في ذلك صلاحاً فاقتله . فأقام على البزاخة شهراً يصعد عنها ويصوب ، ويرجع إليها في طلب أولئك ؛ فمنهم من أحرق ، ومنهم من قمطه ورضخه بالحجارة ؛ ومنهم من رمى به من رءوس الجبال . وقدم بقرة وأصحابه ، فلم ينزلوا ولم يقل لهم كما قيل لعيينة وأصحابه ؛ لأنهم لم يكونوا في مثل حالهم ؛ ولم يفعلوا فعلهم قال السري : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل وأبي يعقوب ، قالا : واجتمعت فلال غطفان إلى ظفر ، وبها أم زمل سلمى ابنة مالك بن حذيفة بن بدر ؛ وهي تشبه بأمها أم قرفة بنت ربيعة بن فلان بن بدر ؛ وكانت أم قرفة عند مالك بن حذيفة ، فولدت له قرفة ، وحكمة ، وحراشة ، وزملاً ، وحصيناً ، وشريكاً ، وعبداً ، وزفر ، ومعاوية ، وحملة ، وقيساً ، ولأياً ؛ فأما حكمة فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أغار عيينة بن حصن على سرح المدينة ، قتله أبو قتادة ؛ فاجتمعت تلك الفلال إلى سلمى ؛ وكانت في مثل عز أمها ، وعندها جمل أم قرفة ؛ فنزلوا إليها فذمرتهم ، وأمرتهم بالحرب ، وصعدت سائرة فيهم وصوبت ، تدعوهم إلى حرب خالد ، حتى اجتمعوا لها ، وتشجعوا على ذلك ، وتأشب إليهم الشر داء من كل جانب - وكانت قد سبيت أيام أم قرفة ، فوقعت لعائشة فأعتقتها ، فكانت تكون عندها ، ثم رجعت إلى قومها ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليهن يوماً ، فقال : إن إحداكن تستنبح كلاب الحوءب ؛ ففعلت سلمى ذلك حين ارتدت ؛ وطلبت بذلك الثأر ، فسيرت فيما بين ظفر والحوءب ؛ لتجمع إليها ، فتجمع إليها كل فل ومضيق عليه من تلك الأحياء من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيئ ، فلما بلغ ذلك خالداً - وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر ، وأخذ الصدقة ودعاء الناس وتسكينهم - سار إلى المرأة وقد استكثف أمرها ، وغلط شأنها ؛ فنزل عليها وعلى جماعها ، فاقتتلوا قتالا شديداً ؛ وهي واقفة على جمل أمها ، وفي مثل عزها ، وكان يفال : من نخس جملها فله مائة من الإبل لعزها ، وأبيرت يومئذ بيوتات من جاس - قال أبو جعفر : جاس حي من غنم - وهاربة ، وغنم ، وأصيب في أناس من كاهل ، وكان قتالهم شديداً ؛ حتى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها . وقتل حول جملها مائة رجل ؛ وبعث بالفتح ، فقدم على أثر قرة بنحو من عشرين ليلة . قال السري : قال شعيب ، عن سيف ، عن سهل وأبي يعقوب ، قالا : كان من حديث الجواء وناعر ، أن الفجاءة إياس بن عبد ياليل قدم على أبي بكر ، فقال : أعني بسلاح ، ومرني بمن شئت من أهل الردة ؛ فأعطاه سلاحاً ، وأمره أمره ، فخالف أمره إلى المسلمين ؛ فخرج حتى ينزل بالجواء ، وبعث نجبة بن أبي الميثاء من بني الشريد ، وأمره بالمسلمين ؛ فشنها غارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن ؛ وبلغ ذلك أبا بكر ، فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له وأن يسير إليه ؛ وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسي عوناً ؛ ففعل ، ثم نهضا إليه وطلباه ؛ فجعل يلوذ منهما حتى لقياه على الجواء ؛ فاقتتلوا ، فقتل نجبة ، وهرب الفجاءة ، فلحقه طريفة فأسره . ثم بعث به إلى أبي بكر ، فقدم به على أبي بكر ، فأمر فأوقد له ناراً في مصلى المدينة على حطب كثير ، ثم رمى به فيها مقموطاً . قال أبو جعفر : وأما ابن حميد ؛ فإنه حدثنا في شأن الفجاءة عن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : قدم على أبي بكر رجل من بني سليم ، يقال له الفجاءة ؛ وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف ، فقال لأبي بكر : إني مسلم ؛ وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار ، فاحملني وأعني ؛ فحمله أبو بكر على ظهر ، وأعطاه سلاحاً ، فخرج يستعرض الناس : المسلم والمرتد ، يأخذ أموالهم ، ويصيب من امتنع منهم ؛ ومعه رجل من بني الشريد ، يقال له : نجبة بن أبي الميثاء ، فلما بلغ أبا بكر خبره ، كتب إلى طريفة بن حاجز : إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم ، ويسألني أن أقويه على من ارتد عن الإسلام ، فحملته وسلحته ، ثم انتهى إلى من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس : المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ، ويقتل من خالفه منهم ، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله ، أو تأخذه فتأتيني به . فسار طريفة بن حاجز ، فلما التقى الناس كانت بينهم الرميا بالنبل ، فقتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رمى به ، فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة : والله ما أنت بأولى بالأمر مني ، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره . فقال له طريفة : إن كنت صادقاً فضع السلاح ، وانطلق معي إلى أبي بكر . فخرج معه ، فلما قد ما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز ، فقال : اخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار ؛ فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له ناراً ، فقذفه فيها ، فقال خفاف بن ندبة - وهو خفاف بن عمير - يذكر الفجاءة ، فيما صنع : لم بأخذون سلاحه لقتاله ... ولذاكم عند الأله أثام لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى يسير إلى الصراة شمام حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كانت سليم بن منصور قد انتقض بعضهم ، فرجعوا كفاراً وثبت بعضهم على الإسلام مع أمير كان لأبي بكر عليهم ، يقال له معن بن حاجز ، أحد بني حارثة ، فلما سار خالد بن الوليد إلى طليحة وأصحابه ، كتب إلى معن بن حاجز أن يسير بمن ثبت معه على الإسلام من بني سليم مع خالد ، فسار واستخلف على عمله أخاه طريفة ابن حاجز ، وقد كان لحق فيمن لحق من بني سليم بأهل الردة أبو شجرة ابن عبد العزي ، وهو ابن الخنساء ، فقال : فلو سألت عنا غداة مرامر ... كما كنت عنها سائلا لو نأيتها لقاء بني فهر وكان لقاؤهم ... غداة الجواء حاجة فقضيتها صبرت لهم نفسي وعرجت مهرتي ... على الطعن حتى صار ورداً كميتها إذا هي صدت عن كمي أريده ... عدلت إليه صدرها فهديتها فقال أبو شجرة حين ارتد عن الإسلام : صحا القلب عن مي هواه وأقصرا ... وطاوع فيها العاذلين فأبصرا وأصبح أدنى رائد الجهل والصبا ... كما ودها عنا كذاك تغيرا وأصبح أدنى رائد الوصل منهم ... كما حبلها من حبلنا قد تبترا ألا أيها المدلي بكثرة قومه ... وحظك منهم أن تضام وتقهرا سل الناس عنا كل يوم كريهة ... إذا ما التقينا : دار عين وحسرا ألسنا نعاطى ذا الطماح لجامه ... ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا ! وعاضرة شهباء تخطر بالقنا ... ترى البلق في حافاتها والسنورا فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا ثم إن أبا شجرة أسلم ، ودخل فيما دخل فيه الناس ؛ فلما كان زمن عمر بن الخطاب قدم المدينة . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أنس السلمي ، عن رجال من قومه . وحدثنا السري قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل وأبي يعقوب ومحمد بن مرزوق ، وعن هشام ، عن أبي مخنف ، عن عبد الرحمن بن قيس السلمي ، قالوا : فأناح ناقته بصعيد بني قريظة . قال : ثم أتى عمر وهو يعطي المساكين من الصدقة ويقسمها بين فقراء العرب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أعطني فإني ذو حاجة ، قال : ومن أنت ؟ قال : أبو شجرة بن عبد العزي السلمي ، قال : أبو شجرة ! أي عدو الله ، ألست الذي تقول : فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا قال : ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدواً ، فرجع إلى ناقته فارتحلها ، ثم أسندها في حرة شوران راجعاً إلى أرض بني سليم ، فقال : صن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوماً له ورق ما زال يرهقني حتى خذيت له ... وحال من دون بعض الرغبة الشفق لما رهبت أبا حفص وشرطته ... والشيخ يفزع أحياناً فينحمق ثم ارعويت إليها وهي جانحة ... مثل الطريدة لم ينبت لها ورق أوردتها الخل من شوران صادرة ... إني لأزرى عليها وهي تنطلق تطير مرو أبان عن مناسمها ... كما تنوقد عند الجهبذ الورق إذا يعارضها خرق تعارضه ... ورهاء فيها إذا استعجلتها خرق ينوء آخرها منها بأولها ... سرح اليدين بها نهاضة العنق ذكر خبر بني تميم وأمر سجاج بنت الحارث بن سويد وكان من أمر بني تميم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وقد فرق فيهم عماله ؛ فكان الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والأبناء - فيما ذكر السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب بن عطية بن بلال ، عن أبيه وسهم بن منجاب - وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون ، وصفوان ابن صفوان وسبرة بن عمرو على بني عمرو ؛ هذا على بهدى وهذا على خضم - قبيلتين من بني تميم - ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة على بني حنظلة ؛ هذا على بني مالك ، وهذا على بني يربوع . فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات بني عمرو ، وما ولى منها وبما ولى سبرة ، وأقام سبرة في قومه لحدث إن ناب القوم ، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع . وكان الزبرقان متعتباً عليه ، وقلما جامله إلا مزقه الزبرقان بحظوته وجده . وقد قال قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه : واو يلنا من من ابن العكلية ! والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع ! لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فليسودني فيهم ، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنده . فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون ، ففعل . وعزم الزبرقان على الوفاء ، فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف والأبناء حتى قدم بها المدينة ، وهو يقول ويعرض بقيس : وفيت بأذواد الرسول وقد أبت ... سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها وتحلل الأحياء ونشب الشر ، وتشاغلوا وشغل بعضهم بعضاً . ثم ندم قيس بعد ذلك ، فلما أظله العلاء بن الحضرمي أخرج صدقتها ؛ فتلقاه بها ؛ ثم خرج معه ، وقال في ذلك : ألا أبلغا عني قريشاً رسالةً ... إذا ما أتتها بينات الودائع فتشاغلت في تلك الحال عوف والأبناء بالبطون ؛ والرباب بمقاعس ، وتشاغلت خضم بما لك وبهدى بيربوع ؛ وعلى خضم سبرة بن همرو ، وذلك الذي حلفه عن صفوان والحصين بن نيار على بهدي ، والرباب ؛ عبد الله بن صفوان على ضبة ، وعصمة بن أبير على عبد مناة ، وعلى عوف والأبناء عوف بن البلاد ابن خالد من بني غنم الجشمي ، وعلى البطون سعر بن خفاف ؛ وقد كان ثمامة ابن أثال تأتيه أمداد من بني تميم ؛ فلما حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم ، فأضر ذلك بثمامة بن أثال حتى قدم عليه عكرمة وأنهضه ؛ فلم يصنع شيئاً ؛ فبينا الناس في بلاد تميم على ذلك ، قد شغل بعضهم بعضاً ؛ فمسلمهم بإزاء من قدم رجلا وأخر أخرى وتربص ، وبإزاء من ارتاب ، فجئتهم سجاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة ، وكانت ورهطها في بني تغلب تقود أفناء ربيعة ، معها الهذيل بن عمران في بني تغلب ، وعقة ابن هلال في النمر ، وتاد بن فلان في إياد ، والسليل بن قيس في شيبان ، فأتاهم أمر دهي ، هو أعظم مما فيه الناس ، لهجوم سجاح عليهم ، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة ، والتشاغل بما بينهم . وقال غفيف بن المنذر في ذلك : ألم يأتيك والأنباء تسرى ... بما لاقت سراة بني تميم تداعى من سراتهم رجال ... وكانوا في الذوائب والصميم وألجوهم وكان لهم جناب ... إلى أحياء خالية وخيم وكانت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان - هي وبنو أبيها عقفان - في بني تغلب ، فتنبت بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجزيرة في بني تغلب ، فاستجاب لها الهذيل ، وترك التنصر ؛ وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر . فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة ، فأجابها ، وفثأها عن غزوها ، وحملها على أحياء من بني تميم ، قال : نعم ، فشأنك بمن رأيت ، فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع ، وإن كان ملك فالملك ملككم . فأرسلت إلى بني مالك بن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة ، فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سبرة بن عمرو هراباً قد كرهوا ما صنع وكيع ، وخرج أشباههم من بني يربوع ؛ حتى نزلوا على الحصين بن نيار في بني مازن ، وقد كرهوا ما صنع مالك ؛ فلما جاءت رسلها إلى بني مالك تطلب الموادعة ، أجابها إلى ذلك وكيع ، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح ، وقد وادع بعضهم بعضاً ، واجتمعوا على قتال النس وقالوا : بمن نبدأ ؟ بخضم ، أم ببهدى ، أم بعوف والأبناء ، أم بالرباب ؟ وكفوا عن قيس لما رأوا من تردده وطمعوا فيه ، فقالت : ((أعدوا الركاب ، واستعدوا للنهاب ؛ ثم أغيروا على الرباب ، فليس دونهم حجاب)) . قال : وصمدت سجاح للأحفار حتى تنزل بها ، وقالت لهم : إن الدهناء حجاز بني تميم ؛ ولن تعدو الرباب ؛ إذا شدها المصاب ، أن تلوذ بالدجاني والدهاني ؛ فلينزلها بعضكم . فتوجه الجفول - يعني مالك بن نويرة - إلى الدجاني فنزلها ؛ وسمعت بهذا الرباب فاجتمعوا لها ؛ ضبتها وعبد مناتها ، فولى وكيع وبشر بني بكر من بني ضبة ، وولى ثعلبة بن سعد بن ضبة عقة ، وولى عبد مناة الهذيل . فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بني ضبة ، فهزما ، وأسر سماعة ووكيع وقعقاع ، وقتلت قتلى كثيرة ؛ فقال في ذلك قيس بن عاصم ؛ وذلك أول ما استبان فيه الندم : كأنك لم تشهد سماعة إذ غزا ... وما سر قعقاع وخاب وكيع رأيتك قد صاحبت ضبة كارهاً ... على ندب في الصفحتين وجيع ومطلق أسرى كان حمقاً مسيرها ... إلى صخرات أمرهن جميع فصرفت سجاح والهذيل وعقة بني بكر ، للموادعة التي بينها وبين وكيع - وكان عقة خال بشر - وقالت : اقتلوا الرباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم ، وتحملون لهم دماءهم ؛ وتحمد غب رأيهم أخراهم . فأطلقت لهم ضبة الأسرى ؛ وودوا القتلى ، وخرجوا عنهم . فقال في ذلك قيس يعيرهم صلح ضبة ، إسعاداً لضبة وتأنيباً لهم . ولم يدخل في أمر سجاح عمري ولا سعدى ولا ربي ؛ ولم يطمعوا من جميع هؤلاء إلا في قيس ؛ حتى بدا منه إسعاد ضبة ؛ وظهر منه الندم . ولم يمالئهم من حنظلة إلا وكيع ومالك ؛ فكانت ممالأتهما موادعة على أن ينصر بعضهم بعضا ، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم ؛ وقال أصم التيمي في ذلك : أتتنا أخت تغلب فاستهدت ... جلائب من سراة بني أبينا وأرست دعوة فينا سفاهاً ... وكانت من عمائر آخرينا فما كنا لنرزيهم زبالاً ... وما كانت لتسلم إذ أتينا ألا سفهت حلومكم وضلت ... عشية تحشدون لها ثبينا قال : ثم إن سجاح خرجت في جنود الجزيرة ، حتى بلغت النباح ؛ فأغار عليهم أوس بن خزيمة الهجيمي فيمن تأشب إليه من بني عمرو ، فأسر الهذيل ؛ أسره رجل من بني مازن ثم أحد بني وبر ، يدعى ناشرة . وأسر عقة ؛ أسره عبدة الهجيمي ؛ وتحاجزوا على أن يترادوا الأسرى ، وينصرفوا عنهم ، ولا يجتازوا عليهم ؛ ففعلوا ، فردوها وتوثقوا عليها وعليهما ؛ أن يرجعوا عنهم ، ولا يتخذوهم طريقاً إلا من ورائهم . فوفوا لهم ؛ ولم يزل في نفس الهذيل على المازني ؛ حتى إذا قتل عثمان بن عفان ، جمع جمعاً فأغار على سفار ، وعليه بنو مازن ؛ فقتلته بنو مازن ورموا به في سفار . ولما رجع الهذيل وعقة إليها واجتمع رؤساء أهل الجزيرة قالوا لها : ما تأمريننا ؟ فقد صالح مالك ووكيع قومهما ؛ فلا ينصروننا ولا يزيدوننا على أن نجوز في أرضهم ، وقد عاهدنا هؤلاء القوم . فقالت : اليمامة ؛ فقالوا : إن شوكة أهل اليمامة شديدة ؛ وقد غلظ أمر مسيلمة ؛ فقالت : ((عليكم باليمامة ؛ ودفوا دفيف الحمامة ؛ فإنها غزوة صرامة ؛ لا يلحقكم بعدها ملامة)) . فنهدت لبنى حنيفة ؛ وبلغ ذلك مسيلمة فهابها ؛ وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثمامة على حجر أو شرحبيل بن حسنة ، أو القبائل التي حولهم ، فأهدى لها ؛ ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها . فنزلت الجنود على الأمواه ، وأذنت له وآمنته ؛ فجاءها وافداً في أربعين من بني حنيفة - وكانت راسخة في النصرانية ، قد علمت من علم نصاري تغلب - فقال مسيلمة : لنا نصف الأرض ؛ وكان لقريش نصفها لو عدلت ؛ وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش ؛ فحباك به ، وكان لها لو قبلت . فقالت : ((لا يرد النصف إلا من حنف ، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف )) . فقال مسيلمة : ((سمع الله لمن سمع ، وأطمعه بالخير إذا طمع ؛ ولا زال أمره في كل ما سر نفسه يجتمع . رآكم ربكم فحياكم ، ومن وحشة خلاكم ؛ ويوم دينه أنجاكم . فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار ، لا أشقياء ولا فجار ، يقومون الليل ويصومون النهار ، لربكم الكبار ، رب الغيوم والأمطار)) . وقال أيضاً : ((لما رأيت وجوههم حسنت ، وأبشارهم صفت ، وأيديهم طفلت ؛ قلت لهم : لا النساء تأتون ، ولا الخمر تشربون ؛ ولكنكم معشر أبرار ، تصومون يوماً ، وتكلفون يوماً ؛ فسبحان الله ! إذا جاءت الحياة كيف تحيون ، وإلى ملك السماء ترقون ! فلو أنها حبة خردلة ؛ لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور ، ولأكثر الناس فيها الثبور)) . وكان مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولداً واحدا عقباً لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد ؛ حتى يصيب ابنا ثم يمسك ؛ فكان قد حرم النساء على من له ولد ذكر . قال أبو جعفر : وأما غير سيف ومن ذكرنا عنه هذا الخبر ؛ فإنه ذكر أن مسيلمة لما نزلت به سجاح ، أغلق الحصن دونها ، فقالت له سجاح : انزل ، قال : فنحى عنك أصحابك ، ففعلت . فقال مسيلمة : اضربوا لها قبة وجمروها لعلها تذكر الباه ؛ ففعلوا ، فلما دخلت القبة نزل مسيلمة فقال : ليقف ها هنا عشرة ، وها هنا عشرة ؛ ثم دارسها ، فقال : ما أوحى إليك ؟ فقالت : هل تكون النساء يبتدئن ! ولكن أنت قل ما أوحى إليك ؟ قال : ((ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى )) . قالت : وماذا أيضاً ؟ قال : أوحى إلى : ((أن الله خلق النساء أفراجا ، وجعل الرجال لهن أزواجا ؛ فنولج فيهن قعساً إيلاجا ، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا ، فينتجن لنا سخالا إنتاجاً)) . قالت : أشهد أنك نبي ، قال : هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب ! قالت : نعم ، قال : ألا قومي إلى النيك ... فقد هيى لك المضجع وإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع قالت : بل به أجمع ، قال بذلك أوحى إلى . فأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرفت إلى قومها ، فقالوا : ما عندك ؟ قالت : كان على الحق فاتبعته فتزوجته ، قالوا : فهل أصدقك شيئاً ؟ قالت : لا ، قالوا : ارجعي إليه ، فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق ! فرجعت ، فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن ، وقال : مالك ؟ قالت : أصدقني صداقاً ، قال : من مؤذنك ؟ قالت : شبث بن ربعي الرياحي ، قال : على به ، فجاء فقال : ناد في أصحابك أن مسلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد : صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر . قال : وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب ونظراؤهم . وذكر الكلبي أن مشيخة بني تميم حدثوه أن عامة بني تميم بالرمل لا يصلونهما - فانصرفت ومعها أصحابها ، فيهم الزبرقان ، وعطارد بن حاجب ، وعمرو بن الأهتم ، وغيلان بن خرشة ، وشبث ابن ربعي ، فقال عطارد بن حاجب : أمست نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وقال حكيم بن عياش الأعور الكلبي ، وهو يعير مضر بسجاح ، ويذكر ربيعة : أتوكم بدين قائم وأتيتم ... بمنتسخ الآيات في مصحف طب رجع الحديث إلى حديث سيف . فصالحها على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة ، وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها ؛ فباح لها بذلك ؛ وقال : خلفي على السلف من يجمعه لك ، وانصرفي أنت بنصف العام ؛ فرجع فحمل إليها النصف ، فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة ، وخلفت الهذيل وعقة وزياداً لينجز النصف الباقي ؛ فلم يفجأهم إلا دنو خالد بن الوليد منهم ؛ فارفضوا . فلم تزل سجاح في بني تغلب ؛ حتى نقلهم معاوية عام الجماعة في زمانه ؛ وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد علي عليه السلام يخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي ، وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشأم وأهل البصرة وأهل الجزيرة ؛ وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار ؛ فأخرج من الكوفة قعقلع بن عمرو بن مالك إلى إيليا بفلسطين ، فطلب إليه أن ينزل منازل بني أبيه بني عقفان ، وينقلهم إلى بني تميم ، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة ، وأنزلهم منازل القعقاع وبني أبيه ؛ وجاءت معهم وحسن إسلامها ؛ وخرج الزبرقان والأقرع إلى أبي بكر ، وقالا : اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومنا أحد ، ففعل وكتب الكتاب . وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهوداً منهم عمر . فلما أنى عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد ، ثم قال : لا والله ولا كرامة ! ثم مزق الكتاب ومحاه ، فغضب طلحة ، فأتى أبا بكر ، فقال : أأنت الأمير أم عمر ؟ فقال : عمر ؛ غير أن الطاعة لي . فسكت . وشهدا مع خالد المشاهد كلها حتى اليمامة ، ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل إلى دومة . ذكر البطاح وخبره كتب إلى السري بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب بن عطية بن بلال ، قال : لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ، ارعوى مالك بن نويرة ، وندم وتحير في أمره ، وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا ، فرجعا رجوعاً حسناً ، ولم يتجبرا ، وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالداً ؛ فقال خالد : ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم ؟ فقالا : ثأر كنا نطلبه في بني ضبة ؛ وكانت أيام تشاغل وفرص ، وقال وكيع في ذلك : فلا تحسبا أني رجعت وأنني ... منعت وقد تحنى إلى الأصابع ولكنني حاميت عن جل مالك ... ولاحظت حتى أكحلتني الأخادع فلما أتانا خالد بلوائه ... تخطت إليه بالبطح الودائع ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نويرة ومن تأشب إليه بالبطاح ؛ فهو على حاله متحير شج . كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل ، عن القاسم وعمرو بن شعيب ، قالا : لما أراد خالد السير خرج من ظفر ، وقد استبرأ أسداً وغطفان وطيئاً وهوازن ؛ فسار يريد البطاح دون الحزن ؛ وعليها مالك بن نويرة ، وقد تردد عليه أمره ، وقد ترددت الأنصار على خالد وتخلفت عنه ، وقالوا : ما هذا بعهد الخليفة إلينا ! إن الخليفة عهد إلينا . فقال خالد : إن يك عهد إليكم هذا فقد عهد إلى أن أمضي ، وأنا الأمير وإلى تنتهي الأخبار . ولو أنه لم يأتني له كتاب ولا أمر ؛ ثم رأيت فرصةً ؛ فكنت إن أعلمته فاتتني لم أعلمه حتى أنتهزها ؛ كذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما بحضرتنا ، ثم نعمل به . وهذا مالك بن نويرة بحيالنا ، وأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان ؛ ولست أكرهكم . ومضى خالد ، وندمت الأنصار ، وتذامروا ، وقالوا : إن أصاب القوم خيراً إنه لخير حرمتموه ، وإن أصابتهم مصيبة ليجتنبنكم الناس . فأجمعوا اللحاق بخالد وجردوا إليه رسولا ؛ فأقام عليهم حتى لحقوا به ؛ ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد به أحداً . قال أبو جعفر : فيما كتب به إلى السري بن يحيى ، يذكر عن شعيب ابن إبراهيم أنه حدثه عن سيف بن عمر ، عن خزيمة بن شجرة العقفاني ، عن عثمان بن سويد ، عن سويد بن المثعبة الرياحي ؛ قال : قدم خالد ابن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحداً ، ووجد مالكاً قد فرقهم في أموالهم ، ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره ، وقال : يا بني يربوع ؛ إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين ، وبطأنا الناس عنه فلم نفلح ولم ننجح ، وإني قد نظرت في هذا الأمر ، فوجدت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة ، وإذا الأمر لا يسوسه الناس ؛ فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم ؛ فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر . فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم ، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله . ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام أن يأتوه بكل من لم يجب ، وإن امتنع أن يقتلوه ؛ وكان مما أوصى به أبو بكر : إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا ؛ فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم ؛ وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة ؛ ثم اقتلوهم كل قتلة ؛ الحرق فما سواه ؛ وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم ؛ فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم ؛ وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة . فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من نبي ثعلبة بن يربوع ، من عاصم وعبيد وعرين وجعفر ، فاختلفت السرية فيهم ، وفيهم أبو قتادة ؛ فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا . فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء ؛ وجعلت تزداد برداً ، فأمر خالد منادياً فنادى : ((أدفئوا أسراكم)) ، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا : دثروا الرجل فأدفئوه ، دفئه قتله وفي لغة غيرهم : أدفه فاقتله ، فظن القوم - وهي في لغتهم القتل - أنه أراد القتل ، فقتلوهم ، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً ، وسمع خالد الواعية ؛ فخرج وقد فرغوا منهم ، فقال : إذا أراد الله أمراً أصابه . وقد اختلف القوم فيهم ، فقال أبو قتادة : هذا عملك ، فزبره خالد فغضب ومضى ، حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر ؛ حتى كلمه عمر فيه ، فلم يرض إلا أن يرجع إليه ، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة ، وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال ، وتركها لينقضي طهرها ، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره ، وقال عمر لأبي بكر . أن في سيف خالد رهقاً ، فإن لم يكن هذا حقاً حق عليه أن تقيده ؛ وأكثر عليه في ذلك - وكان أبو بكر لا يقيد من عماله ولا وزعته - فقال : هيه يا عمر ! تأول فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد . وودى مالكاً وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ، ففعل ، فأخبره خبره فعذره وقبل منه ، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك وكتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا ، ففعلوا مثل ذلك . وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء ، فقتلوا . وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ، ويطلب إليه في سبيهم ؛ فكتب له برد السبي ، وألح عليه عمر في خالد أن يعزله ، وقال : إن في سيفه رهقاً . فقال : لا يا عمر ؛ لم أكن لأشيم سيفاً سله الله على الكافرين . كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن خزيمة ، عن عثمان ، عن سوبد ، قال : كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعراً ؛ وإن أهل العسكر أثفوا برءوسهم القدور ، فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً ، فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره ، وقى الشعر البشرة حرها أن يبلغ منه ذلك . وأنشده متمم ؛ وذكر خمصه ؛ وقد كان عمر رآه مقدمه على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أكذاك يا متمم كان ! قال : أما ما أعني فنعم . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ؛ أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه : أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة ، فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا ! وإن لم تسمعوا أذاناً ، فشنوا الغارة ، فاقتلوا ، وحرقوا . وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة ، وقد كان عاهد الله ألا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها ؛ وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل ، فأخذ القوم السلاح . قال : فقلنا : إنا المسلمون ، فقالوا : ونحن المسلمون ، قلنا : فما بال السلاح معكم ! قالوا لنا : فما بال السلاح معكم ! قلنا : فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح ، قال : فوضعوها ؛ ثم صلينا وصلوا . وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال له وهو يراجعه : ما إخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا . قال : أو ما تعده لك صاحباً ! ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه ، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب ، تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر ، وقال : عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ، ثم نزا على امرأته ! وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد ، معتجراً بعمامة له ، قد غرز في عمامته أسهماً ؛ فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ، ثم قال : أرئاء ! قتلت امرأ مسلما ، ثم نزوت على امرأته ! والله لأرجمنك بأحجارك - ولا يكلمه خالد بن الوليد ، ولا يظن إلا أن رأى أبي بكر على مثل رأى عمر فيه - حتى دخل على أبي بكر ، فلما أن دخل عليه أخبره الخبر ، واعتذر إليه فعذره أبو بكر ، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك . قال : فخرج خالد حين رضى عنه أبو بكر ، وعمر جالس في المسجد ، فقال : هلم إلى يا بن أم شملة ! قال : فعرف عمر أن أبا بكر قد رضى عنه فلم يكلمه ، ودخل بيته . وكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسدى . وقال ابن الكلبي : الذي قتل مالك بن نويرة ضرار بن الأزور . ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : كان أبو بكر حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل عجل عكرمة ، فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم ، فنكبوه ، وأقام شرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر ؛ وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره ، قكتب إليه أبو بكر : يا بن أم عكرمة ، لا أرينك ولا تراني على حالها ! لا ترجع فتوهن الناس ؛ امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عمان ومهرة ، وإن شغلا فامض أنت ، ثم تسير وتسير جندك تستبرئون من مررتم به ؛ حتى تلقوا أنتم والمهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت . وكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه أمره ، ثم كتب إليه قبل أن يوجه خالداً بأيام إلى اليمامة : إذا قدم عليك خالد ، ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقضاعة ؛ حتى تكون أنت وعمرو بن العاص على من أبى منهم وخالف . فلما قدم خالد على أبي بكر من البطاح رضي أبو بكر عن خالد ، وسمع عذره وقبل منه وصدقه ورضى عنه ، ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه الناس . وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبراء بن فلان ، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد ، وعلى القبائل ؛ على كل قبيلة رجل . وتعجل خالد حتى قدم على أهل العسكر بالبطاح ، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة ؛ فلما قدم عليه نهض حتى أتى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير . كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي عمرو بن العلاء ، عن رجال ، قالوا : كان عدد بني حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل ؛ في قراها وحجرها ، فسار خالد حتى إذا أظل عليهم أسند خيولاً لعقة والهذيل وزياد ؛ وقد كانوا أقاموا على خرج أخرجه لهم مسيلمة ليلحقوا به سجاح . وكتب إلى القبائل من تميم فيهم ؛ فنفروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب ، وعجل شرحبيل بن حسنة ، وفعل فعل عكرمة ، وبادر خالداً بقتال مسيلمة قبل قدوم خالد عليه ؛ فنكب ، فحاجز ؛ فلما قدم عليه خالد لامه ؛ وإنما أسند خالد تلك الخيول مخافة أن يأتوه من خلفه ؛ وكانوا بأفنية اليمامة . كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ، عمن حدثه ، عن جابر بن فلان ، قال : وأمد أبو بكر خالداً بسليط ؛ ليكون ردءاً له من أن يأتيه أحد من خلفه ؛ فخرج ؛ فلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا ؛ فهربوا ، وكان منهم قريباً ردءاً لهم ؛ وكان أبو بكر يقول : لا أستعمل أهل بدر ؛ أدعهم حتى يلقوا الله بأحسن أعمالهم ؛ فإن الله يدفع بهم وبالصلحاء من الأمم أكثر وأفضل ، مما ينتصر بهم ؛ وكان عمر بن الخطاب يقول : والله لأشركنهم وليواسننى . كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير ، عن أثال الحنفي - وكان مع ثمامة بن أثال - قال : وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح ؛ وكان معه نهار الرجال بن عنفوة ، وكان قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقرأ القرآن ؛ وفقه في الدين ، فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة ، وليشدد من أمر المسلمين ؛ فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة ؛ شهد له أنه سمع محمداً صلى الله عليه وسلم يقول : إنه قد أشرك معه ؛ فصدقوه واستجابوا له ، وأمروه بمكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه ؛ فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئاً إلا تابعه عليه ؛ وكان ينتهى إلى أمره ، وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويشهد في الأذان أن محمداً رسول الله ؛ وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة ، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير ، ويشهد له ، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة ، قال : صرح حجير ؛ فيزيد في صوته ، ويبالغ لتصديق نفسه ، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم ؛ فعظم وقاره في أنفسهم . قال : وضرب حرماً باليمامة ، فنهى عنه ؛ وأخذ الناس به ، فكان محرما فوقع في ذلك الحرم قرى الأحاليف ؛ أفخاذ من بني أسيد ، كانت دراهم باليمامة ؛ فصار مكان دراهم في الحرم - والأحاليف : سيحان المارة ونمر والحارث بنو جرة - فإن أخصبا أغاروا على ثمار أهل اليمامة ، واتخذوا الحرم دغلا ، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم ؛ وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون . فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم ؛ فقال : أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم . ثم قال لهم : ((والليل الأطحم ، والذئب الأدلم . والجذع الأزلم ، ما انتهكت أسيد من محرم)) ؛ فقالوا : أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال ! ثم عادوا للغارة ، وعادوا للعدوى فقال : أنتظر الذي يأتينى ، فقال : ((والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس)) ؛ فقالوا : أما النخيل مرطبة فقد جدوها ، وأما الجدران يابسة فقد هدموها ؛ فقال : اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم . وكان فيما يقرأ لهم فيهم : ((إن بني تميم قوم طهر لقاح ، لا مكروه عليهم ولا إتاوة ، نجاورهم ما حيينا بإحسان ، نمنعهم من كل إنسان ؛ فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن)) . وكان يقول " ((والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها . والشاة السوداء واللبن الأبيض ، إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق ، فما لكم لا تمجعون !)) . وكان يقول : ((يا ضفدع ابنة ضفدع ، نقى ما تنقين ، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين)) . وكان يقول : ((والمبذرات زرعا ، والحاصدات حصداً ، والذاريات قمحاً ، والطاحنات طحناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ؛ واللاقمات لقماً ، إهالة وسمناً ، لقد فضلتم على أهل الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ؛ ريفكم فامنعوه ، والمعتر فآووه ، والباغى فناوئوه)) . قال : وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأم الهيثم فقالت : إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز ؛ فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان)) . فقال : يا نهار ما تقول هذه ؟ فقال : إن أهل هزمان أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فشكوا بعد مائهم ؛ - وكانت آبارهم جرزاً - ونخلهم أنها سحق ، فدعا لهم فجاشت آبارهم ، وانحنت كل نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها ، فحكت به الأرض حتى أنشبت عروقاً ثم قطعت من دون ذلك ، فعادت فسيلا مكمماً ينمى صاعداً . قال : وكيف صنع بالأبار ؟ قال : دعا بسجل ، فدعا لهم فيه ثم تمضمض بفمه منه ، ثم مجه فيه ، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار ، ثم سقوه نخلهم ، ففعل النبي ما حدثتك ، وبقي الآخر إلى انتهائه . فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعا لهم فيه ، ثم تمضمض منه ، ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم . فغارت مياه تلك الآبار ، وخوى نخلهم ؛ وإنما استبان ذلك بعد مهلكه . وقال له نهار : برك على مولودى بني حنيفة ، فقال له : وما التبريك ؟ قال : كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمداً صلى الله عليه وسلم فحنكه ومسح رأسه ؛ فلم يؤت مسيلمة بصبى فحنكه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكه . وقالوا : تتبع حيطانهم كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يصنع فصل فيها . فدخل حائطاً من حوائط اليمامة ، فتوضأ ، فقال نهار لصاحب الحائط : ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقى به حائطك حتى يروى ويبتل ، كما صنع بنو المهرية ، أهل بيت من بني حنيفة - وكان رجل من المهرية قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ وضوءه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره ، ثم نزع وسقى ، وكانت أرضه تهوم فرويت وجزأت فلم تلف إلا خضراء مهتزة - ففعل فعادت يباباً لا ينبت مرعاها . وأتاه رجل فقال : ادع الله لأرضى فإنها مسبخة ؛ كما دعا محمد صلى الله عليه وسلم لسلمى على أرضه . فقال : ما يقول يا نهار ؟ فقال : قدم عليه سلمى ، وكانت أرضه سبخة فدعا له ، وأعطاه سجلا من ماء ومج له فيه ، فأفرغه في بئره ، ثم نزع ، فطابت وعذبت ؛ ففعل مثل ذلك فانطلق الرجل ، ففعل بالسجل كما فعل سلمى ، فغرقت أرضه ، فما جف ثراها ، ولا أدرك ثمرها . وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها ، فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها ؛ وكانوا قد علموا واستبان لهم ؛ ولكن الشقاء غلب عليهم . كتب إلى السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن خليد بن ذفرة النمرى ، عن عمير بن طلحة النمرى ، عن أبيه ، أنه جاء اليمامة ، فقال : أين مسيلمة ؟ قالوا : مه رسول الله ! فقال : لا ، حتى أراه ؛ فلما جاءه ، قال : أنت مسيلمة ؟ قال : نعم ، قال : من يأتيك ؟ قال : رحمن ، قال : أفى نور أو في ظلمة ؟ فقال : في ظلمة ، فقال : أشهد أنك كذاب وأن محمداً صادق ؛ ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر ، فقتل معه يوم عقرباء . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الكلبى مثله ؛ إلا أنه قال : كذاب ربيعة أحب إلى من كذاب مضر . وكتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير ، عن رجل منهم ، قال : لما بلغ مسيلمة دنو خالد ، ضرب عسكره بعقرباء ، واستنفر الناس ، فجعل الناس يخرجون إليه ، وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأراً له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته ، وبادر به الشغل ، فأما ثأره في بني عامر فكانت خولة ابنة جعفر فيهم ، فمنعوه منها ، فاختلجها ؛ وأما ثأره في بني تميم فنعم أخذوا له . واستقبل خالد شرحبيل بن حسنة ، فقدمه وأمر على المقدمة خالد بن فلان المخزومى ، وجعل على المجنبتين زيداً وأبا حذيفة ، وجعل مسيلمة على مجنبتيه المحكم والرجال ، فسار خالد ومعه شرحبيل ، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة ، هجم على جبيلة هجوم - المقلل يقول : أربعين ، والمكثر يقول : ستين - فإذا هو مجاعة وأصحابه ، وقد غلبهم الكرى ، وكانوا راجعين من بلاد بني عامر ، قد طووا إليهم ؛ واستخرجوا خولة ابنة جعفر فهى معهم ، فعرسوا دون أصل الثنية ؛ ثنية اليمامة ، فوجدوهم نياماً وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم ؛ فأنبهوهم ، وقالوا : من أنتم ؟ قالوا : هذا مجاعة وهذه حنيفة ، قالوا : وأنتم فلا حياكم الله ! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بن الوليد ، فأتوه بهم ؛ فظن خالد أنهم جاءوه ليستقبلوه وليتقوه بحاجته ، فقال : متى سمعتم بنا ؟ قالوا : ما شعرنا بك ؛ إنما خرجنا لئأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم ، ولو فطنوا لقالوا : تلقيناك حين سمعنا بك . فأمر بهم أن يقتلوا ، فجادوا كلهم بأنفسهم دون مجاعة بن مرارة ، وقالوا : إن كنت تريد بأهل اليمامة غداً خيراً أو شراً فاستبق هذا ولا تقتله ؛ فقتلهم خالد وحبس مجاعة عنده كالرهينة . كتب إلى السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، وعبد الله بن سعيد عن أبي سعيد عن أبي هريرة ، قال : قد كان أبو بكر بعث إلى الرجال فأتاه فأوصاه بوصيته ، ثم أرسله إلى أهل اليمامة ؛ وهو يرى أنه على الصدق حين أجابه . قالا : قال أبو هريرة : جلست مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط معنا الرجال ابن عنفوة ، فقال : إن فيكم لرجلاً ضرسه في النار أعظم من أحد ، فهلك القوم وبقيت أنا والرجال ، فكنت متخوفاً لها ؛ حتى خرج الرجال مع مسيلمة ، فشهد له بالنبوة ؛فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة ، فبعث إليهم أبو بكر خالداً ، فسار حتى إذا بلغ ثنية اليمامة ، استقبل مجاعة ابن مرارة - وكان سيد بني حنيفة - في جبل من قومه ، يريد الغارة على بني عامر ، ويطلب دماً ، وهم ثلاثة وعشرون فارساً ركباناً قد عرسوا . فبيتهم خالد في معرسهم ، فقال : متى سمعتم بنا ؟ فقالوا : ما سمعنا بكم ؛ إنما خرجنا لنثئر بدم لنا في بني عامر . فأمر بهم خالد فضربت أعناقهم ، واستحيا مجاعة ؛ ثم سار إلى اليمامة ؛ فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد ، فنزلوا بعقرباء ، فحل بها عليهم - وهي طرف اليمامة دون الأموال - وريف اليمامة وراء ظهورهم . وقال شرحبيل بن مسيلمة : يا بنى حنيفة ، اليوم يوم الغيرة ، اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات ، وينكحن غير خطيبات ؛ فقاتلوا عن أحسابكم ، وامنعوا نساءكم . فاقتتلوا بعقرباء ، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا : تخشى علينا من نفسك شيئاً ! فقال : بئس حامل القرآن أنا إذاً ! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت العرب على راياتها ومجاعة أسير مع أم تميم في فسطاطها . فجال المسلمون جولة ، ودخل أناس من بني حنيفة على أم تميم ، فأرادوا قتلها ، فمنعها مجاعة . قال : أنا لها جار ، فنعمت الحرة هى ! فدفعهم عنها ، وتراد المسلمون ، فكروا عليهم ؛ فانهزمت بنو حنيفة ، فقال المحكم بن الطفيل : يا بنى حنيفة ، ادخلوا الحديقة ؛ فإنى سأمنع أدباركم ، فقاتل دونهم ساعة ثم قتله الله ؛ قتله عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ ودخل الكفار الحديقة ، وقتل وحشي مسيلمة ، وضربه رجل من الأنصار فشاركه فيه . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، بنحو حديث سيف هذا ؛ غير أنه قال : دعا خالد بمجاغة ومن أخذ معه حين أصبح ، فقال : يا بنى حنيفة ، ما تقولون ؟ قالوا : نقول : منا نبي ومنكم نبي ؛ فعرضهم على السيف ؛ حتى إذا بقى منهم رجل يقال له سارية بن عامر ومجاعة بن مرارة ، قال له سارية : أيها الرجل ؛ إن كنت تريد بهذه القرية غداً خيراً أو شراً ، فاستبق هذا الرجل - يعنى مجاعة - فأمر به خالد فأوثقه في الحديد ؛ ثم دفعه إلى أم تميم امرأته ، فقال : استوصى به خيراً ، ثم مضى حتى نزل اليمامة على كثيب مشرف على اليمامة ، فضرب به عسكره ، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرحال - قال أبو جعفر ، هكذا قال ابن حميد بالحاء - بن عنفوة بن نهشل ، وكان الرحال رجلاً من بني حنيفة قد كان أسلم ، وقرأ سورة البقرة ، فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أشركه في الأمر ؛ فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة ؛ وكان المسلمون يسألون عن الرحال يرجون أنه يثلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه ، فلقيهم في أوائل الناس متكتباً ، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره ، وعنده أشراف الناس والناس على مصافهم ؛ وقد رأى بارقة في بنى حنيفة : أبشروا يا معشر المسلمين ؛ فقد كفاكم الله أمر عدوكم . واختلف القوم إن شاء الله ؛ فنظر مجاعة وهو خلفه موثقاً في الحديد ، فقال : كلا والله ، ولكنها الهندوانية خشوا عليها من تحطمها ، فأبرزوها للشمس لتلين لهم ؛ فكان كما قال . فلما التقى المسلمون كان أول من لقيهم الرحال بن عنفوة ، فقتله الله . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن شيخ من بنى حنيفة ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً - وأبو هريرة ورحال بن عنفوة في مجلس عنده : ((لضرس أحدكم أيها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحد)) . قال أبو هريرة : فمضى القوم لسبيلهم ، وبقيت أنا ورحال بن عنفوة ، فما زلت لها متخوفاً ؛ حتى سمعت بمخرج رحال ، فأمنت وعرفت أن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حق . ثم التقى الناس ولم يلقهم حرب قط مثلها من حرب العرب ؛ فاقتتل الناس قتالا شديداً ؛ حتى انهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد ، فزال خالد عن فسطاطه ودخل أناس الفسطاط وفيه مجاعة عند أم تميم ، فحمل عليها رجل بالسيف ، فقال مجاعة : مه ، أنا لها جار ، فنعمت الحرة ! عليكم بالرجال ، فرعبلوا الفسطاط بالسيوف . ثم إن المسلمين تداعوا ، فقال ثابت بن قيس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إنى أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعنى المسلمين - ثم جالد بسيفه حتى قتل . وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم : لا تحوز بعد الرحال ، ثم قاتل حتى قتل . ثم قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العرواء حتى يقعد عليه الرجال ؛ ثم ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله ؛ فإذا بال يثور كما يثور الأسد - فلما رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال ، فلما بال وثب ، فقال : أين يا معشر المسلمين ! أنا البراء بن مالك ، هلم إلى ! وفاءت فئة من الناس ، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله ، وخلصوا إلى محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل - فقال حين بلغه القتال : يا معشر بنى حنيفة ، الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات ، وينكحن غير خطيبات ؛ فما عندكم من حسب فأخرجوه . فقاتل قتالا شديداً ؛ ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله . ثم زحف المسلمون حتى ألجئوهم إلى الحديقة ؛ حديقة الموت ؛ وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب ، فقال البراء : يا معشر المسلمين ، ألقونى عليهم في الحديقة . فقال الناس : لا تفعل يا براء ، فقال : والله لتطرحنى عليهم فيها ؛ فاحتمل حتى فتحها للمسلمين ، ودخل المسلمون عليهم فيها ؛ فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله ؛ واشترك في قتله وحشى مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار ، كلاهما قد أصابه ؛ أما وحشى فدفع عليه حربته ، وأما الأنصارى فضربه بسيفه ، فكان وحشى يقول : ربك أعلم أينا قتله ! حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : وحدثنى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الله بن عمر ، قال : سمعت رجلاً يومئذ يصرخ يقول ، قتله العبد الأسود ! كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن عبيد بن عمير ، قال : كان الرجال بحيال زيد بن الخطاب ؛ فلما دنا صفاهما ، قال زيد : يا رجال ، الله الله ! فو الله لقد تركت الدين ، وإن الذي أدعوك إليه لأشرف لك ، وأكثر لدنياك . فأبى ، فاجتلدا فقتل الرجال وأهل البصائر من بني حنيفة في أمر مسيلمة ، فتذامروا وحمل كل قوم في ناحيتهم ؛ فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرهم ، ثم أعروه لهم ، فقطعوا أطناب البيوت ، وهتكوها ، وتشاغلوا بالعسكر ، وعالجوا مجاعة ؛ وهموا بأم تميم ، فأجارها ، وقال : نعم أم المثوى ! وتذامر زيد وخالد وأبو حذيفة ، وتكلم الناس - وكان يوم جنوب له غبار - فقال زيد : لا والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو ألقى الله فأكلمه بحجتى ! عضوا على أضراسكم أيها الناس ، واضربوا في عدوكم ، وامضوا قدماً . ففعلوا ، فردوهم إلى مصافهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عسكرهم ، وقتل زيد رحمه الله . وتكلم ثابت فقال : يا معشر المسلمين ، أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان ، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه ، أرونى كما أريكم ، ثم جلد فيهم حتى حازهم . وقال أبو حذيفة : يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بالفعال . وحمل فحازهم حتى أنفذهم ، واصيب رحمه الله ، وحمل خالد بن الوليد ، وقال لحماته : لا أوتين من خلفى ، حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرصة ويرقب مسيلمة . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مبشر بن الفضيل ، عن سالم بن عبد الله ، قال : لما أعطى سالم الراية يومئذ ، قال : ما أعلمنى لأى شئ أعطيتمونيها ! قلتم : صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات ! قالوا : أجل . وقالوا : فانظر كيف تكون ؟ فقال : بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت ! وكان صاحب الراية قبله عبد الله بن حفص بن غانم . وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت وابن إسحاق : فلما قال مجاعة لبنى حنيفة : ولكن عليكم بالرجال ، إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتفانوا وتفانى المسلمون كلهم ، وتكلم رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال زيد بن الخطاب : والله لا أتكلم أو أظفر أو أقتل ، واصنعوا كما أصنع أنا ؛ فحمل وحمل أصحابه . وقال ثابت بن قيس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! هكذا عنى حتى أريكم الجلاد . وقتل زيد بن الخطاب رحمه الله . كتب إلى السرى ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن مبشر ، عن سالم ، قال : قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع : ألا هلكت قبل زيد ! هلك زيد وأنت حي ! فقال : قد حرصت على ذلك أن يكون ، ولكن نفسى تأخرت ، فأكرمه الله بالشهادة . وقال سهل : قال : ما جاء بك وقد هلك زيد ؟ ألا واريت وجهك عنى ! فقال : سأل الله الشهادة فأعطيها ، وجهدت أن تساق إلى فلم أعطها . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير : إن المهاجرين والأنصار جبنوا أهل البوادى وجبنهم أهل البوادى ، فقال بعضهم لبعض : امتازوا كي نستحيا من الفرار اليوم ، ونعرف اليوم من أين نؤتى ! ففعلوا . وقال أهل القرى : نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم ، فقال لهم أهل البادية : إن أهل القرى لا يحسنون القتال ، ولا يدرون ما الحرب ! فسترون إذا امتزنا من أين يجئ الخلل ! فامتازوا ، فما رئى يوم كان أحد ولا أعظم نكاية مما رئى يومئذ ؛ ولم يدر أى الفريقين كان أشد فيهم نكاية ! إلا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثر منها في أهل البادية ، وأن البقية أبداً في الشدة . ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر المحكم بسهم فقتله وهو يخطب ، فنحره وقتل زيد بن الخطاب الرجال بن عنفوة . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الضحاك بن يربوع ، عن أبيه ، عن رجل من بنى سحيم قد شهدها مع خالد ، قال : لما اشتد القتال - وكانت يومئذ سجالا إنما تكون مرة على المسلمين ومرة على الكافرين - فقال خالد : أيها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حى ، ولنعلم من أين نؤتى ! فامتاز أهل القرى والبوادى ، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر ؛ فوقف بنو كل أب على رايتهم ، فقاتلوا جميعاً ، فقال أهل البوادى يومئذ : الآن يستحر القتل في الأجزع الأضعف ، فاستحر القتل في أهل القرى ، وثبت مسيلمة ، ودارت رحالهم عليه ، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ؛ ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم . ثم برز خالد ، حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى البراز وانتمى ، وقال : أنا ابن الوليد العود ، أنا ابن عامر وزيد ! ونادى بشعارهم يومئذ ، وكان شعارهم يومئذ : يا محمداه ! فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ، وهو يرتجز : أنا ابن أشياخ وسيفى السخت ... أعظم شئ حين يأتيك النغت ولا يبرز له شئ إلا أكله ، ودارت رحا المسلمى وطحنت . ثم نادى خالد حين دنا من مسيلمة - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن مع مسيلمة شيطاناً لا يعصيه ، فإذا اعتراه أزبد كأن شدقيه زبيبتان لايهم بخير أبداً إلا صرفه عنه ، فإذا رأيتم منه عورة ؛ فلا تقيلوه العثرة - فلما دنا خالد منه طلب تلك ، ورآه ثابتاً ورحاهم تدور عليه ؛ وعرف أنها لا تزول إلا بزواله ، فدعا مسيلمة طلباً لعورته ، فأجابه ، فعرض عليه أشياء مما يشتهى مسيلمة ، وقال : إن قبلنا النصف ، فأى الأنصاف تعطينا ؟ فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه مستشيراً ، فينهاه شيطانه أن يقبل ، فأعرض بوجهه مرة من ذلك ؛ وركبه خالد فأرهقه فأدبر ، وزالوا فذمر خالد الناس ، وقال : دونكم لا تقيلوهم ! وركبوهم فكانت هزيمتهم ؛ فقال مسيلمة حين قام ، وقد تطاير الناس عنه ، وقال قائلون : فأين ما كنت تعدنا ؟ فقال : قاتلوا عن أحسابكم ، قال : ونادى المحكم : يا بنى حنيفة ؛ الحديقة الحديقة ! ويأتى وحشى على مسيلمة وهو مزبد متساند لا يعقل من الغيظ ، فخرط عليه حربته فقتله ، واقتحم الناس عليهم حديقة الموت من حيطانها وأبوابها ، فقتل في المعركة ، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هارون ، وطلحة ، عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق أنهم لما امتازوا وصبروا ، وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم ؛ حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت ، فاختلفوا في قتل مسيلمة عندها ، فقال قائلون : فيها قتل ، فدخلوها وأغلقوها عليهم ، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بن مالك ، فقال : يا معشر المسلمين ، احملونى على الجدار حتى تطرحونى عليه ؛ ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى : أنزلونى ، ثم قال : احملونى ؛ ففعل ذلك مراراً ثم قال : أف لهذا خشعا ! ثم قال : احملونى ، فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم ، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا ؛ فأغلق الباب عليهم ، ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار ، فاقتتلوا قتالا شديداً لم يروا مثله ، وأبير من في الحديقة منهم ؛ وقد قتل الله مسيلمة ، وقالت له بنو حنيفة : أين ما كنت تعدنا ! قال : قاتلوا عن أحسابكم ! كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هاوون وطلحة وابن إسحاق ، قالوا : لما صرخ الصارخ أن العبد الأسود قتل مسيلمة ؛ خرج خالد بمجاعة يرسف في الحديد ليريه مسيلمة ، وأعلام جنده ، فأتى على الرجال فقال : هذا الرجال ! ==============================================ج33. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري فلما رجع أبو القاسم وجه موسى زهاء خمسمائة فارس، فوافقوا على باب الحيربين الجوسق والكرخ، فمال إليهم أبو القاسم ورسل القوم ورسل أنفسهم، فدفع رسول موسى إلى موسى كتاب القوم إليه وإلى أصحابه - وفي الجماعة سليمان بن وهب وولده وأحمد بن محمد بن ثوابة وغيرهم من الكتاب - فلما قرأ الكتاب عليهم أعلمهم أبو القاسم أن معه كتاباً من القوم إلى أمير المؤمنين، ولم يدفعه إليهم. فركبوا جميعاً وانصرفوا إلى المهتدي، فوجدوه في الشمس قاعداً على لبد، قد صلى المكتوبة؛ وكسر جميع ما كان في القصر من الملاهي وآلاتها وآلات اللعب والهزل، فدخلوا فأوصلوا إليه الكتب، وخلوا ملياً، ثم أمر المهتدي سليمان بن وهب بإنشاء الكتب على ما سألوا في خمس رقاع، فأنفذها المهتدي في درج كتاب منه بخطه، ودفه إلى أخيه، وكتب القواد إليهم جواب كتابهم، ودفعوه إلى صاحب موسى،فصار إليهم أبو القاسم في وقت المغرب، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقرأ عليهم كتابه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. وفقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه، فهمت كتابكم. حاطكم الله، وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم، فوكلوا من يتنجزها من الدواوين إن شاء الله، وأما ما سألتم من تصير أمركم إلى أحد إخوتي ليوصل إلى أخباركم، ويؤدي إلى حوائجكم؛ فوالله إني لأحب أن أتفقد ذلك بنفسي، وأن أطلع على كل أمركم وما فيه مصلحتكم، وأنا مختار لكم الرجل الذي سألتم، من إخوتي أو غيرهم إن شاء الله؛ فاكتبوا إلي بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم؛ فإني صائر من ذلك إلى ما تحبون إن شاء الله، وفقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه. وأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه؛ فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أبقاكم الله وحفظكم، وأتم نعمته عليكم، فهمنا كتابكم؛ وإنما أنتم إخواننا وبنو عمنا، ونحن صائرون إلى ما تحبون، وقد أمر أمير المؤمنين أعزه الله في كل ما سألتم بما تحبون وأنفذ التوقيعات به إليكم. وأما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيرنا له فهو الأخ وابن العم، وما أردنا من ذلك ما تكرهون؛ فإن وعدكم أن يعطيكم أرزاق ستة أشهر فقد رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعاً، نسأله مثل الذي سألتم. وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على أمير المؤمنين وتفريض الأمر إليه، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، والأمور مفوضة إلى الله وهو مولانا ونحن عبيده وما نعترض عليه في شىء من الأمور أصلاً وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءاً، فمن أراد ذلك فجعل الله دائرة السوء عليه، وأخزاه في دنياه وآخرته. أبقاكم الله وحفظكم، وأتم نعمته عليكم! فلما قرأ الكتابات عليهم، قالوا لأبي القاسم: هذا المساء قد أقبل، ننظر في أمرنا الليلة، ونعود بالغداة لنعرفك رأينا، فافترقوا، وانصرف أبو القاسم إلى أمير المؤمنين. ثم أصبح القوم من غداة يوم الجمعة، فلما كان في آخر الساعة الأولى، ركب موسى بن بغا من دار أمير المؤمنين، وركب الناس معه وهم قدر ألف وخمسمائة رجل؛ حتى خرج من باب الحير الذي يلي القطائع من الجوسق والكرخ، فعسكر هناك، وخرج أبو القاسم أخوالمهتدي، ومعه الكرخي، حتى صار إلى القوم، وهم زهاء خمسمائة فارس وثلاثة آلاف راجل؛ وقد كان أبو القاسم انصرف في الليل ومعه التوقيعات؛ فلما صار بينهم أخرج كتاباً من المهتدي نسخته شبيه بالكتاب الذي في درجة التوقيعات. فلما قرأ الكتاب ضجوا، واختلفت أقاويلهم، وكثر من يلحق بهم من رجالة الموالي من ناحية سامرا في الحير فلم يزل أبو القاسم ينتظر أن ينصرف من عندهم بجواب يحصله يؤديه إلى أميرالمؤمنين، فلم يتهيأ ذلك إلى الساعة الرابعة وانصرفوا، فطائفة يقولون: نريد أن يعز الله أمير المؤمنين، وزيوفر علينا أرزاقنا؛ فإنا قد هلكنا بتأخيرها عنا. وطائفة يقولون: لا نرضى حتى يولى علينا أمير المؤمنين إخوانه، فيكون واحدٌ بالكرخ، وآخر بالدور، وآخر بسامرا، ولا نريد أحداً من الموالي يكون علينا رأساً. وطائفة تقول: نريد أن يظهر صالح بن وصيف - وهي الأقل. فلما طال الكلام بهذا منهم، انصرف أبو القاسم إلى المهتدى بجملة من الخبر، وبدأ بموسى في الموضع الذي هو معسكر فيه؛ فانصرف بانصرافه، فلما صلى المهتدي الجمعة صيّر الجيش إلى محمد بن بغا، وأمره بالمصير إلى القوم مع أخيه أبي القاسم، فركب معه محمد بن بغا في زهاء خمسمائة فارس، ورجع موسى إلى الموضع الذي كان فيه بالغداة، ومضى أبو القاسم ومحمد بن بغا حتى خالطا الجميع به، فقال أبو القاسم لهم: إن أمير المؤمنين يقول: قد أخرجت التوقعات لكم بجميع ما سألتم، ولم يبق لكم مما تحبون شيء إلا وأمير المؤمنين يبلغ في الغاية؛ وهذا أمان لصالح بن وصيف بالظهور. وقرأ عليهم أماناً لصالح، بأن موسى وبابكباك سألا أمير المؤمنين أعزه ذلك، فأجابهما إليه، وأكده بغاية التأكيد، ثم قال: فعلام: اجتماعكم! فأكثروا الكلام؛ فكان الذي حصله عند انصرافه أن قالوا: نريد أن يكون موسى في مرتبة بغا الكبير، وصالح في مرتبة وصيف أيام بغا، وبايكباك في مرتبته الأولى، ويكون الجيش في يد من هو في يده؛ إلى أن يظهر صالح بن وصيف، فيوضع لهم العطاء، وتنتجز لهم الأرزاق بما في التوقعات، فقال: نعم. فانصرف القوم، فلما صاروا على قدر خمسمائة ذراع اختلفوا، فقال قوم: قد رضينا، وقال قوم: لم نرض، وانصرف رسل المهتدي إليه: إن القوم قد تفرقوا؛ وهم على أن ينصرفوا، فانصرف موسى عند ذلك، وتفرق الناس إلى مواضعهم من الكرخ والدور وسامرا. فلما كان غداة يوم السبت، ركب ولد وصيف وجماعة من مواليهم وغلمانهم، وتنادى الناس: السلاح! وانتهب دواب العامة الرجالة؛ رجالة أصحاب صالح بن وصيف. ومضوا فعسكروا بسامرا في طرف وادي إسحاق بن إبراهيم، عند مسجد لجين أن ولد المتوكل وركب أبو القاسم عند ذلك يريد دار المهتدي، فمر بهم في طريقه، فتعلقوا به وبمن كان معه من حشمه وغلمانه، فقالوا له: تؤدي إلى أمير المؤمنين عنا رسالة؟ فقال لهم: قولوا، فخلطوا ولم يتحصل من قولهم شيئاً إلا: إنا نريد صالحاً، فمضى حتى أدى إلى أمير المؤمنين ذلك وإلى موسى، وجماعة القواد حضور. فذكر عمن حضر المجلس أن موسى بن بغا، قال: يطلبون صالحاً مني؛ كأني أنا أخفيته وهو عندي! فإن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه. وتأكد عندهم الخبر باجتماع القوم، وتجلب الناس إليهم، وتهايجوا من دار أمير المؤمنين؛ فركبوا في السلاح، وأخذوا في الحير حتى اجتمعوا ما بين الدكة وظهر المسجد الجامع؛ فاتصل الخبر بالأتراك ومن كان ضوى إليهم، فانصرفوا ركضاً وعدواً لا يلوى فارس على راجل، ولا كبير على صغير حتى دخلوا الدروب والأزقة، ولحقوا بمنازلهم، وزحف موسى وأصحابه جميعاً، فلم يبق بسامرا قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلا ركب معه، ولزموا الحير حتى خرجوا مما يلي الحائطين. ثم خرجوا؛ فأما مفلح وواجن ومن انضم إليهما فسلكوا شارع بغداد حتى بلغوا سوق الغنم، ثم عطفوا إلى شارع أبي أحمد، حتى لحقوا بجيش موسى. وأما موسى وجماعة القواد الذين كانوا معه مثل ياجور وساتكين ويارجوخ وعيسى الكرخي، فإنهم سلكوا على سمت شارع أبي أحمد، حتى صاروا إلى الوادي، وانصرفوا إلى الجوسق؛ فكان تقدير الجيش الذين كانوا مع موسى في هذا اليوم - وهو يوم السبت - أربعة آلاف فارس في السلاح والقسي الموترة والدروع والجواشن والرماح والطبرزينات. وكان أكثر القواد الذين كانوا بالكرخ يطلبون صالحاً مع موسى في هذا الجيش يريدون محاربة من يطلب صالحاً. وقد ذكر عن بعض من تخير أمرهم؛ أن أكثر من كان راكباً مع موسى كان هواه مع صالح، ولم يكن للكرخيين والدوريين في هذا اليوم حركة؛ فلما وصل القوم إلى الجوسق كان أول ما ظهر منهم النداء بأن من لم يحضر دار أمير المؤمنين في غداة يوم الأحد من قواد صالح وأهله وغلمانه وأصحابه أسقط اسمه، وخرب منزله، وضرب وقيد وحذر إلى المطبق؛ ومن وجد بعد ثالثة من هذه الطبقة ظاهراً بعد استتار، فقد حل به مثل ذلك، ومن أخذ دابة لعامي أو تعرض له في طريق؛ فقد حلت به العقوبة الموجعة. وبات الناس ليلة الأحد لثمان خلون من صفر على ذلك؛ فلما كان غداة يوم الاثنين انتهى إلى المهتدي أن مساورا الشاري صار إلى بلد، فقتل بها وحرق، فنادى في مجلسه بالنفير، وأمر موسى ومفلحاً وبايكباك بالخروج، وأخرج موسى مضاربه؛ فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر بطل أمر موسى ومحمد بن بغا ومفلح في الخروج، وقالوا: لا يبرح أحدٌ منا حتى ينقطع أمرنا وأمر صالح؛ وهم مجمعون على ذلك، يخافون من صالح أن يخلفهم بمكروه. وذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت بعض بني وصيف - وهو الذي كان جمع تلك الجموع - يلعب مع موسى وبايكباك بالصوالجة في ميدان بغا الصغير يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر. ثم جد هؤلاء في طلب صالح بن وصيف، فهجم بسببه على جماعة ممن كان متصلاً به قبل ذلك. وممن اتهموه أنه آواه، منهم إبراهيم بن سعدان النحوي وإبراهيم الطالبي وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر الشيعي وأبو الأحوص بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة وأبو يكر ختن أبي حرملة الحجام وشارية المغنية والسرخسي صاحب شرطة الخاصة وجماعة غيرهم. فذكر عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق، قال: حدثني صاحب ربع القبة - وهو ربع تلقاء دار صالح بن وصيف - قال: بينا نحن قعود يوم الأحد، إذا غلام قد خرج من زقاق، وأراه مذعوراً، فأنكرناه، فأردنا مسألته عن شأنه؛ ففاتنا؛ فلم يلبث أن أقبل عيار من موالي صالح بن وصيف يعرف بروزبه، ومعه ثلاثة نفر أو أربعة، فدخلوا الزقاق، فأنكرناهم، فلم يلبثوا أن خرجوا صالح بن وصيف، فسألنا عن الخبر، فإذا الغلام قد دخل داراً في الزقاق يطلب ماءً ليشربه. فسمع الخبر قائلاً يقول بالفارسية: أيها الأمير تنح، فإن غلاماً قد جاء يطلب ماء؛ فسمع الغلام ذلك، وكان بينه وبين هذا العبار معرفة، فجاء فأخبره، فجمع العيار ثلاثة أناسي، وهم عليه فأخرجه. وذكر عن العيار الذي هجم عليه، أنه قال: قال لي الغلام ما قال، فأقبلت ومعي ثلاثة نفر، فإذا بصالح بن وصيف بيده مرآة ومشط، وهو يسرح لحيته، فلما رآني بادر فدخل بيتاً، فخفت أن يكون قصد لأخذ سيف أو سلاح، فتلومت ثم نظرت إليه؛ فإذا هو لجأ إلى زاوية، فدخلت إليه فاستخرجته فلم يزدني على المتضرع شيئاً. قال: فلما تضرع إلي قلت: ليس إلى تركك سبيل؛ ولكني أمر بك على أبواب إخوتك وأصحابك وقوادك وصنائعك؛ فإن اعترض لي منهم اثنان أطلقتك في أيديهم. قال: فأخرجته فما لقيت إلا من هو عوني على مكروهه. فذكر أنه لما أخذ مضى به نحو ميلين، ليس معه إلا أقل من خمسة نفر من أصحاب السلطان. وذكر أنه أخذ حين أخذ، وعليه قميص ومبطنة ملحم وسراويل، وليس على رأسه شيء وهو حاف. وقيل إنه حمل على برذون صنابي والعامة تعدو خلفه وخمسة من الخاصة يمنعون منه؛ حتى انتهوا به إلى دار موسى بن بغا؛ فلما صاروا به إلى دار موسى بن بغا أتاه بايكباك ومفلح وياجور وساتكين وغيرهم من القواد، ثم أخرجوه من باب الحير الذي يلي قبلة المسجد الجامع؛ ليذهبوا به إلى الجوسق، وهو على بغل بإكاف، فلما صاروا به إلى حد المنارة، ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كان يقذه منها، ثم احتزوا رأسه وتركوا جيفته هناك، وصاروا به إلى المهتدي؛ فوافوا به قبيل المغرب وهو في بركة قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دماً، فوصلوا به إليه، وقد قام لصلاة المغرب، فلم يره، فأخرجوه ليصلح، فلما قضى المهتدي صلاته، وخبروه أنهم قتلوا صالحاً، وجاءوا برأسه لم يزدهم على أن قال: واروه؛ وأخذ في تسبيحه. ووصل الخبر إلى منزله، فارتفعت الواعية وباتوا ليلتهم. فلما كان يوم الاثنين لسبع بقين من صفر حمل رأس صالح بن وصيف على قناة، وطيف به، ونودي عليه: هذا جزاء من قتل مولاه، ونصب بباب العامة ساعة ثم نحي، وفعل به ذلك ثلاثة أيام تتابعاً، وأخرج رأس بغا الصغير في وقت صلب رأس صالح يوم الاثنين، فدفع إلى أهله ليدفنوه. فذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت مفلحاً وقد نظر إلى رأس بغا، فبكى وقال: قتلني الله إن لم أقتل قاتلك؛ فلما كان يوم الخميس لأربع بقين من صفر، وجه موسى بالرأس إلى أم الفضل ابنة وصيف، وهي امرأة النوشري، وكانت قبله عند سلمة بن خاقان. فذكر عن بعض بني هاشم أنه قال: هنأت موسى بن بغا بقتل صالح فقال: كان عدو أمير المؤمنين استحق القتل. قال: وهنأت بايكباك بذلك؛ فقال: مالي أنا وهذا! إنما كان صالح أخي، فقال السلولي لموسى إذ قتل صالح بن وصيف. ونلت وترك من فرعون حين طغى ... وجئت إذ جئت يا موسى على قدر ثلاثةٌ باغٍ أخو حسد ... يرميك بالظلم والعدوان عن وتر وصيف بالكرخ ممثول به وبغا ... بالجسر محترقٌ بالجمر والشرر وصالح بن وصيف بعد منعفرٌ ... في الحير جيفته، والروح في سقر وفي مستهل جمادى الأولى من هذه السنة رحل موسى بن بغا وبايكباك إلى مساور، وشيعهم محمد بن الواثق. وفي جمادى الأولى أيضاً منها التقى مساور بن عبد الحميد وعبيدة العمروسي الشاري بالكحيل، وكانا مختلفي الآراء، فظفر مساور بعبيدة فقتله. وفي هذا الشهر من هذه السنة التقى مساور الشاري ومفلح، فحدثت عن مساور، أنه انصرف من الكحيل بعد قتله العمروسي، وقد كلم كثير من أصحابه فلم تندمل كلومهم، ولغبوا من الحرب التي كانت جرت بين الفريقين إلى عسكر موسى ومن ضمه ذلك العسكر وهم حامون، فأوقع بهم؛ فلما يصل إلى ما أراد منهم من الظفر بهم، وكان التقاهم بجبل زيني تعلق هو وأصحابه بالجبل فصاروا إلى ذروته، ثم أوقدوا النيران، وركزوا رماحهم، وعسكر موسى بسفح الجبل ثم هبط مساور وأصحابه من الجبل، من غير الوجه الذي عسكر به موسى، فمضى وموسى وأصحابه يحسبون أنهم فوق الجبل ففاتوهم. ذكر الخبر عن خلع المهتدي ثم موتهوفي رجب من هذه السنة لأربع عشرة ليلة خلت منه خلع المهتدي، وتوفى يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب. ذكر الخبر عن سبب خله ووفاته ذكر أن ساكني الكرخ بسامرا والدور تحركوا لليلتين خلتا من رجب من هذه السنة، يطلبون أرزاقهم فوجه إليهم المهتدي طبايغو الرئيس ليهم وعبد الله أخا المهتدي، فكلمهم فلم يقبلوا منهما، وقالوا: نحن نريد أن نكلم أمير المؤمنين مشافهة. وخرج أبو نصر بن بغا تحت ليلته إلى عسكر أخيه، وهو بالسن بالقرب من الشاري، ودخل دار الجوسق جماعة منهم؛ وذلك يوم الأربعاء، فكلمهم المهتدي بكلام كثير وقطع العطاء عن الناس يوم الأربعاء والخميس والناس متوقفون حتى يعرفوا ما يصنع موسى بن بغا، وكان موسى وضع العطاء في عسكره لشهر، وكان على مناجزة الشاري إذا استوى أصحابه، فوقع الاختلاف، ومضى موسى يريد طريق خراسان. واختلف في سبب الاختلاف الذي جرى، فصار من أجله موسى إلى طريق خراسان، والسبب الذي من أجله خرج المهتدي لحرب من حاربه من الأتراك، فقال بعضهم: كان السبب الذي من أجله تنحى عن وجه الشاري وترك حربه وصار إلى طريق خراسان، أن المهتدي استمال بايكباك، وهو مع موسى مقيم في وجه الشاري مساور، وكتب إليه يأمره أن يضم العسكر الذي مع موسى إلى نفسه، وأن يكون هو الأمير عليهم، وأن يقتل موسى بن بغا ومفلحاً، أو يحملهما إليه مقيدين. فلما وصل الكتاب إلى بايكباك، أخذه ومضى به إلى موسى بن بغا، فقال: إني لست أفرح بهذا؛ وإنما هذا تدبير علينا جميعاً، وإذا فعل بك اليوم شئ فعل بي غداً مثله، فما ترى؟ قال: أرى أن تصير إلى سامرا، فتخبره أنك في طاعته، وناصره لى موسى ومفلح؛ فإنه يطمئن إليك، ثم ندبر في قتله. فقدم بايكباك فدخل على المهتدي، وقد مضوا إلى منازلهم كما قدموا من عند الشاري؛ فأظهر له المهتدي الغضب، وقال: تركت العسكر، وقد أمرتك أن تقتل موسى ومفلحاً، وداهنت في أمرهما! قال: يا أمير المؤمنين، وكيف لي بهما؟ وكيف يتهيأ لي قتلهما؟ وهما أعظم جيشاً مني، وأعز مني! ولقد جرى بيني وبين مفلح شئ في بعض الأمر؛ فما انتصفت منه؛ ولكني قد قدمت بجيشي وأصحابي ومن أطاعني لأنصرك عليهما، وأقوى أمرك؛ وقد بقى موسى في أقل العدد. قال: ضع سلاحك، وأمر بإدخاله داراً، فقال: يا أمير المؤمنين، ليس هذا سبيل مثلي إذا قدم من مثل هذا الوجه؛ حتى أصير إلى منزلي، وآمر أصحابي وأهلي بأمري. قال: ليس إلى ذلك سبيل، أحتاج، أحتاج إلى مناظرتك. فأخذ سلاحه، فلما أبطأ خبره على أصحابه سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك، فقال: اطلبوا صاحبكم قبل أن يحدث به حدث؛ فجاشت الترك، وأحاطوا بالجوسق. فلما رأى ذلك المهتدي وعنده صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور شاوره، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة والإقدام، وقد كان أبو مسلم أعظم شأناً عند أهل خراسان من هذا التركيّ عند أصحابه؛ فما كان إلاّ أن طرح رأسه إليهم حتى سكنوا، وقد كان فيهم من يعبده ويتخّذه ربّاً، فلو فعلت مثل ذلك سكنوا؛ فأنت أشدّ من المنصور إقداماً، وأشجع قلباً. فأمر المهتدي الكرخيّ - واسمه محمد ابن المباشر، وكان حدّاداً بالكرخ يطرق المسامير، فانقطع إلى المهدي ببغداد فوثق به ولزمه - فأمره بضرب عنق بايكباك، فضرب عنقه، والأتراك مصطفون في الجوسق في السلاح، يطلبون بايكباك؛ فأمر المهتدي عتّاب القائد أن يرميهم برأسه فأخذ عتّاب الرأس؛ فرمى به إليهم، فتأخروا وجاشوا، ثم شدّ رجل منهم على عتّاب، فقتله، فوجّه المهتدي إلى الفراعنة والمغاربة والأوكشيّة والأشروسنيّة والأتراك الذين بايعوه على الدرهمين والسويق، فجاءوا، فكانت بينهم قتلى كثيرة، كثر فيها الناس، فقيل: قتل من الأتراك الذين قتلوا نحو من أربعة آلاف، وقيل ألفان وقيل ألف؛ وذلك يوم السبت لثلاث عشرة خلت من رجب من هذه السنة. ثمّ تتامّ القوم يوم الأحد، فاجتمع جميع الأتراك، فصار أمرهم واحداً، فجاء منهم زهاء عشرة آلاف رجل، وجاء طوغيتا أخو بايكباك وأحمد بن خاقان حاجب بايكباك في نحو من خمسمائة؛ مع من جاء مع طوغيتا من الأتراك والعجم، وخرج المهتدي ومعه صالح بن عليّ والمصحف في عنقه، يدعوا الناس إلى أن ينصروا خليفتهم. فلما التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع الهتدي إلى أصحابهم الذين مع أخي بايكباك، وبقي المهتدي في الفرانة والمغاربة ومن خفّ معه من العامة، فحمل عليهم طوغيتا أخو بايكباك حملة ثائر حرّان موتور، فنقض تعبيتهم، وهزمهم، وأكثر فيهم القتل وولّوا منهزمين، ومضى المهتدي يركض منهزماً، والسيف في يده مشهور، وهو ينادي: يا معشر الناس، انصروا خليفتكم؛ حتى صار إلى دار أبي صالح عبد اللّه بن محمد بن يزداد وهي بعد خشبة بابك؛ وفيها أحمد بن جميل صاحب المعونة، فدخلها ووضع سلاحه، ولبس البياض ليعلو داراً وينزل أخرى ويهرب. فطلب فلم يوجد، وجاء أحمد بن خاقان في ثلاثين فارساً يسأل عنه حتى وقف على خبره في دار ابن جميل، فبادرهم ليصعد، فرمى بسهم وبعج بالسيف، ثم حمله أحمد بن خاان على دابة أو بغل، وأردف خلفه سائساً حتى صار عليه ، فجعلوا يصفونه ويبزقون في وجهه، وسألوه عن ثمن ما باع من المتاع والخرثيّ، فأقرّ لهم بستمائة ألف قد أودعها الكرخي الناس ببغداد، وأصابوا عنده خسف الواضحة مغنية، فأخذوا رقعته بستمائة ألف دينار؛ ودفعوه إلى رجل، فوظئ لى خصييه حتى قتله. وقال بعضهم: كان السبب وأوال الخلاف، أن اللاحقين من أولاد الأتراك اجتمعوا، وقالوا: لا نرضى أن يكون علينا رئيس غير أمير المؤمنين، وكتبوا إلى موسى بن بغا وبايكباك؛ وهما في وجه الشاري، فوافى موسى في رجاله حتى صاروا إلى قنطرة في ناحية الوزريرية يوم الجمعة، وعسكر المهتدي في الحير، وقرب منهم، ثم خرج إلى الجوسق، وعليه السلاح؛ فلما كان يوم السبت لثلاث عشرة خلت من رجب، دخل بايكباك طائعاً، ومضى موسى إلى ناحية طريق خراسان في نحو من ألفي رجل، وجاء المهتدي في رجل من الموالي، فقال له: إن بايكباك قد وعد موسى أن يفتك بك في الجوسق، فأخذ المهتدي بايكباك، وأمر بنزع سلاحه وحبسه، فحبس يوم السبت إلى وقت العصر، ثم خرج أهل الكرخ وأهل الدور يطلبونه، وانصرفوا وبكروا يوم الأحد، فلم يتخلف منهم أحد إلا حضر راكباً وراجلاً في السلاح، فلما صاروا إلى الجوسق، صلى المهتدي الظهر، وخرج إليهم في الفراعنة والمغاربة، فتطارد لهم الأتراك، فحملوا عليهم، فلما تبعوهم خرج كمين لهم، فقتل الفراعنة والمغاربة جماعة كبيرة، وهرب المهتدي، ومر على باب أبي الوزير وغلام له يصيح: يا معشر الناس، هذا خليفتكم، وتراكض الأتراك خلفه، فدخل دار أحمد بن جميل، وتسلق المهتدي من دار إلى دار، وأحدق الأتراك بتلك الناحية كلها، فأخرجوه من دار غلام لعبد الله بن عمر البازيار، وحملوه وبه طعنة في خاصرته على برذون أعجف، في قميص وسراويل، وانتهبوا دار الكرخي ودور بني ثوابة وجماعة من الناس؛ فلما كان يوم الاثنين حمل أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان إلى دار يارجوج، والأتراك يدورون في الشوارع، ويحمدون العامة إذ لم يتعرضوا لهم. وقال آخرون: بل كان السبب في ذلك: أن أهل دور سامرا والكرخ تحركوا في يوم الاثنين خلت من رجب من هذه السنة، واجتمعوا بالكرخ وفوقها، فوجه المهتدي إليهم كيغلغ وطبايغو بن صول أرتكين وعبد الله أخا نفسه، فلم يزالوا بهم حتى سكنوا ورجعوا إلى الدار، وبلغ أنا نصر محمد بن بغا الكبير أن المهتدي قد تكلم فيه وفي أخيه موسى، وقال للمواي: إن الأموال عندهم، فتخوفه وإياهم، فهرب في ليلة الأربعاء لثلاث خلون من رجب، فكتب إليه المهتدي أربعة كتب يعطيه فهيا الأمان على نفسه ومن معه، ووصل كتابان إليه وهو بالمحمدية مع أبرتكين بن برنماتكين، ووصل الآخرونإليه مع فرج الصغير، فرثق بذلك، فرجع حتى دخل الدار هو وأخوه حبشون وبكالبا، فحبسوا وحبس معهم كيغلغ، فأفرد أبو نصر عنهم؛ فطلب منه المال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من رجب، ورمى به في بئر من آبار القناة، وأخرج من البئر يوم الاثنين للنصف من رجب ومضى به إلى منزله وقد أراح، فأشترى له ثلثمائة مثقال مسك وستمائة مثقال كافور، وصيرّ عليه فلم تنقطع الرائحة، وصلى عليه الحسن بن المأمون، وكتب المهتدي إلى موسى بن بغا عند حبسه أبا نصر يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والإقبال إلى سامرا في مواليه، وكتب إلى بايكباك في تسلم العسكر والقيام بقتال الشاري، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه، فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرا، وبلغ المهتدي ذلك، وأنهم على خلافه، فجمع الموالي، فحضهم على الطاعة، وأمرهم بلزومه في الدار وترك الإخلال به، وأجرى على كل رجل من الأتراك ومن يجري مجراهم في كل يوم درهمين، وعلى كل رجل من المغاربة درهماً. فاجتمع له من الفريقين وأخذانهم زهاء خمسة عشر ألف إنسان، منهم من الأتراك بالكاملي في الجوسق وغيره من المقاصير. وكان القيم بأمر الدار بعد حبس كيغلغ مسرور البلخي والرئيس من القواد طبايغو، والقيم بحبس من هؤلاء عبد الله بن تكين. وبلغ موسى ومفلحاً وبايكباك حبس أبي نصر وحبشون ومن حبس، فأخذوا حذرهم. وجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدي يوم الخميس، وخرج المهتدي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب بجمعه متوقعاً ورود القوم عليه؛ فلم يأت أحد، فلما كان يوم الجمعة لاثني عشرة خلت من رجب صح الخبر بأن موسى قد عرج عن طريق سامرا إلى ناحية الجبل مع مفلح، ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوج وأسكاتين وعلى بن بارس وسيما الطويل وخطارمش إلى الدار، فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته، وصرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الأتراك، وقالوا: لم يحبس قائدنا؟ ولم قتل أبو نصر؟ فخرج إليهم المهتدي يوم السبت - ولم يكن بينهم حرب - فرجع وخرج يوم الأحد وقد اجتمعوا له، وجمع هو المغاربة والأتراك البرانيين والفراعنة فصير على الميمنة مسروراً البلخي، وعلى الميسرة يارجوج، والمهتدي في القلب مع أسكاتين وطبايغوا وغيرهما من القواد. فلما اجتمعت الشمس، قرب القوم بضهم من بعض، وهاجت الحرب، وطلبوا بايكباك، فرمى إليهم المهتدي برأسه - وكان عتاب بن عتاب أخرجه من بركة قبائه - فلما رأوه شد أخوه طغوتيا في جماعة من خاصته على جمع المهتدي، وعطف الميمنة والميسرة من عسكر المهتدي، فصاروا معهم، وانهزم الباقون عن المهتدي، وقتل جماعة من الفريقين. فذكر عن حبشون بن بغا، أنه قال: قتل سبعمائة وثمانون إنساناً، وتفرق الناس، ودخل المهتدي الدار، فأغلق الباب الذي دخل منه، وخرج من باب المصاف حتى خرج من الباب المعروف بإيتاخ، ثم إلى سويقة مسرور، ثم درب الواث؛ حتى خرج إلى باب العامة، وهو ينادي: يا مشر الناس، أنا أمير المؤمنين؛ قاتلوا عن خليفتكم. فلم تجبه العامة إلى ذلك، وهو يمر في الشار وينادي، فلم يرهم وينصرونه، فصار إلى باب السجن، فأطلق من فيه، وهو يظن أنهم يعينونه، فلم يكن منهم إلا الهرب، ولم يجبه أحد، فلما لم يجيبوه، صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وفيه أحمد بن جميل صاحب الشرطة نازل فدخل عليه، فأخرج من ناحية ديوان الضياع، ثم صير به إلى الجوسق، فحبس فيه عند أحمد بن خاقان، وانتهب دار أحمد ابن جميل. وكان ممن قتل في المعركة من قواد المغاربة نصر بن أحمد الزبيري، ومن قواد الشاكرية عتاب بن عتاب حين جاء برأس بايكباك إليهم، وقتل المهتدي - فيما قيل - في الوقة عدة كثيرة بيده، ثم جرى بينهم وبينه بعد أن حبس كلام شديد، وأراده على الخل فأبى، واستسلم للقتل، فقالوا: إنه كان كتب رقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من القواد؛ أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم بذلك، وأنه متى فعل ذلك بهم أو بأحد منهم ووقفوا عليه فهم في حل من بيعته، والأمر إليهم يقعدون من شاءوا. فاستحلوا بذلك نقض أمره. وقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار، فأخرج من ولد المتوكل جماعة، فصار بهم إلى داره، فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب، وسمي المعتمد على الله، وأشهد يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدي محمد بن الواثق، وأنه سليم ليس به إلا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد في الوقعة؛ إحداهما من سهم والأخرى من ضربة، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدة من إخوة أمير المؤمنين، ودفن في مقبرة المنتصر، ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرا يوم السبت لشر بقين من رجب، فسلم لى المعتمد فخلع عليه، وصار إلى منزله وسكن الناس. وقال بضهم - وذكر أنه كان شاهداً أمرهم: لما كان ليلة الاثنين لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرخ والدور جميعاً، فاجتمعوا، وكان المهتدي يوجه إليهم إذا تحركوا أخاه عبد الله، فوجه إليهم في هذا اليوم عبد الله أخاه كما كان يوجهه، فصار إليهم؛ فوجدهم قد أقبلوا يريدون الجوسق، فكلمهم، وضمن لهم القيام بحوائجهم، فأبوا وقالوا: لا نرج حتى نصير إلى أمير المؤمنين ونشكو إليه قصتنا. فانصرف منهم عبد الله ، وفي الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحبشون وكيغلغ ومسرور البلخي وجماعة، فلما أدى عبد الله إلى المهتدي ما دار بينه وبينهم، أمره بالرجوع إليهم، وأن يأتي بجماعة منهم فيوصلهم إليه، فخرج فتلقاهم قريباً من الجوسق، فأدارهم على أن يقفوا بموضعهم، ويوجهوا معه جماعة منهم فأبوا، فلما تناهى الخبر إلى أبي نصر ومن كان معه في الدار بأن جمعهم قد أقبل، خرجوا جميعاً من الدار مما يلي النزالة، فلم يبق في الدار إلا مسرور البلخي وألطون خليفة كيغلغ، ومن الكتاب عيسى بن فرخانشاه، ودخل الموالي مما يلي القصر الأحمر، فمثلوا الدار زهاء أربة آلاف، فصاروا إلى المهتدي، فشكوا إليه حالهم. وكان اعتمادهم في مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم، ويصم أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين، وأن يؤخذ الأمراء والكتاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان؛ وذكروا أن قدره خمسون ومائة ألف ألف. فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ما سألوا، فأقاموا يومهم ذلك في الدار، فوجه المهتدي محمد ابن مباشر الكرخي، فاشترى لهم الأسوقة، ومضى أبو نصر بن بغا من فوره ذلك؛ حتى عسكر في الحير بالقرب من موضع الحلبة، فلحق به زهاء خمسمائة رجل، ثم تفرقوا عنه في ليلتهم، فلم يبق إلا في أقل من مائة، ومضى فصار إلى المحمدية، وأصبح الموالي في غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون به أولاً، فقيل لهم: إن هذا الأمر الذي تريدونه أمر صعب، وإخراج الأمر عن أيدي هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم؛ فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم بالأموال! فانظروا في أموركم؛ فإن كنتم تصبرون على هذا الأمر حتى يبلغ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين، وإن تكن الأخرى فإن أمير المؤمنين يحسن لكم النظر، فأبوا إلا ما سألوه أولاً فدعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا القول، ولا يرجعوا عنه، وأن يقاتلوا من قاتلهم فيه، وينصحوا لأمير المؤمنين ويوالوه، فأجابوه إلى ذلك، فأخذت عليهم أيمان البيعة، فبايع في ذلك اليوم زهاء ألف رجل وعيسى بن فرخانشاه الذي تجري على يده الأمور، ومقامه مام الوزير، ثم كتبوا إلى أبي نصر كتاباً عن أنفسهم؛ كتبه لهم عيسى بن فرخانشاه، يذكرون فيه إنكارهم خروجه من الدار عن غير سبب، وأنهم إنما قصدوا أمير المؤمنين ليشكوا إليه حاجتهم، وأنهم لما وجدوا الدار فارغة أقاموا فيها، وأنهم إذا عاد ردوه إلى حاله، ولم يهيجوه. وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك إليه، فأقبل من المحمدية بين العصر والعشاء، فدخل الدار، ومعه أخوه حبشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم؛ فقام الموالي في وجوههم معهم السلاح، وقد المهتدي، فوصل إليه أبو نصر ومن معه، فسلم عليه، ودنا فقبل يد المهتدي ورجله والبساط، وتأخر فخاطبه المهتدي بأن قال له: يا محمد: ما عندك فيما يقول الموالي؟ وما يولون؟ قال: يذكرون أنكم احتجنتم الأموال، واستبددتم بالأعمال، فما تنظرون في شيء من أمورهم، ولا فيما عاد لمصلحتهم، فقال محمد: يا أمير المؤمننين؛ وما أنا والأموال! ما كنت كاتب ديوان، ولا جرت على يدي أعمال. فقال له: فأين هي الأموال؟ وهل هي إلا عندك وعند أخيك، وكتابكم وأصحابكم! ودنا الموالي، فتقدم عبد الله بن تكين وجماة من هم، فأخذوا بيد أبي نصر وقالوا: هذا عدو أمير المؤمنين، يقوم بين يديه بسيفٍ، فأخذوا سيفه، ودخل غلام لأبي نصر كان حاضراً يقال له ثيتل، فسل سيفه، وخطا ليمنعهم من أبي نصر، وكانت حظوته تلي الخليفة، فسبقه عبد الله بن تكين، فضرب رأسه بالسيف، فما بقي في الدار أحدٌ إلا سل سيفه، وقام المهتدي، فدخل بيتاً كان بقربه، وأخذ محمد بن بغا، فأدخل حجرة في الدار، وحبس أصحابه الباقون، وأراد القوم قتل الغلام، فمنعهم المهتدي، وقال: إن لي في ذها نظراً. ثم أمر فأعطي قميصاً من الخزانة، وأمر بغسل رأسه من الدم، وحبس. فأصبح الناس يوم الأربعاء وقد كثروا، والبيعة تؤخذ، ثم أمر عبد الله بن الواثق بالخروج إلى الرفيف في ألف رجل من الشاكرية والفراغنة وغيرهم؛ وكان ممن أمر بالخروج من قواد خراسان محمد بن يحيى الواثقي وعتاب بن عتاب وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر وإبراهيم أخو أبي عون ويحيى بن محمد داود ولد نصر بن شيث وعبد الرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون وغيرهم. ثم إن عبد الله بن الواثق بلغه عن هؤلاء القواد أنهم يقولون: إنه ليس بصواب شخوصهم إلى تلك الناحية، فترك الخروج إليها. ثم إنهم أراوا أن يكتبوا إلى موسى ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى من فيه من القواد، فأجمعوا على أن يكتبوا إليهما بذلك كتاباً، وكتبا إلى بعض القواد في تسليم العسكر منهما، وكتبا إلى الصغار بما سأل أصحابهم بسامرا، وما أجيبوا إليه، وأمر بنسخ الكتب التي كتبت إلى القواد، وأن ينظروا؛ فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمرا به من الإقبال إلى الباب في غلمانهم وتسليم العسكر إلى من أمرا بتسليمه إليه. وإلا شدوهما وثاقاً، وحملوهما إلى الباب، ووجهوا هذه الكتب مع ثلاثين رجلاً منهم، فشخصوا عن سامرا ليلة الجمعة لخمس خلون من رجب من هذه السنة، وأجري على من أخذت عليه البيعة في الدار على كل رجل منهم في اليوم درهمان، فكان المتولى لفرقة ذلك عليهم عبد الله بن تكين، وهو خال ولد كنجور. ولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتهم كنجور، وأمر بحبسه بعد أن ناله بالضرب، وموسى حينئذ بالسن، ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو بالحديثة أقبل إلى السن، فاستخرج كنجور من الحبس، واجتمع العسكر بالسن، ووصل إليهم الرسل، وأوصلوا الكتب، وقرءوا بعضها على أهل العسكر، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب؛ وخرج المهتدي في هذا اليوم إلى الحير، وعرض الناس، وسار قليلاً، ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب في الحير، وأصبح الناس يوم الجمعة، وقد انصرف من عسكر موسى زهاء ألف رجل؛ منهم كوتكين وحشنج. ثم خرج المهتدي إلى الحير، ثم صير ميمنته عليها كوتكين، وميسرته عليها حشنج، وصار هو في القلب، ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين. والذي يريد موسى بن بغا أن يولى ناحية ينصرف إليها، والذي يريد القوم من موسى أن يقبل في غلمانه ليناظرهم؛ فلم يتهيأ بينهم في ذلك اليوم شيء. فلما كان ليلة السبت، انصرف من أراد الانصراف عن موسى، ورجع موسى ومفلح يريدان طريق خراسان في زهاء ألف رجل، ومضى بايكباك وجماعة من قواده في ليلتهم مع عيسى الكرخي، فباتوا معه، ثم أصبحوا يوم السبت، وأقبل بايكباك ومن معه حتى دخلوا الدار، فأخذت سيوفهم بايكباك ويارجوخ وأساتكين وأحمد بن خاقان وخطارمش وغيرهم. فوصلوا جميعاً إلى المهتدي، فسلموا، فأمروا بالانصراف إلا بايكباك؛ فإن المهتدي أمر أن يوقف بين يديه، ثم أقبل يعدد عليه ذنوبه، وما ركب من أمر المسلمين والإسلام. ثم إن الموالى اعترضوه، فأدخلوا حجرة في الدار، وأغلقوا ليه الباب، ثم لم يلبث إلا قدر خمس ساعات حتى قتل يوم السبت من الزوال. واستوى الأمر، فلم تكن حركة، ولا تكلم أحد إلا نفر يسير أنكروا أمر بايكباك، ولم يظهروا كل الجزع. فلما كان يوم الأحد، أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم، ووضح عندهم أن التدبير إنما جرى في قتل رؤسائهم حتى يقدم عليهم الفراغنة والمغاربة، فخرجوا من الدار بأجمعهم، وبقيت الدار على الفراغنة والمغاربة، وأنكر الأتراك بناحية الكرخ ذلك، وأضافوا إليه طلب بايكباك لاجتماع أصحاب بايكباك معهم، فأدخل المهتدي إليه جماعة من الفراعنة وأخبرهم بما أنكره الأتراك، وقال لهم: إن كنتم تعلمون أنكم تقومون بهم؛ فما يكره أمير المؤمنين قربكم؛ وإن كنتم بأنفسكم تظنون عجزاً عنهم أرضيناهم بالمصير إلى محبتهم من قبل تفاقم الأمر. فذكر الفراعنة أنهم يقومون بهم ويقهرونهم، إذا اجتمعت كلمتهم وكلمة المغاربة، وعددوا أشياء كثيرة من تقديمهم عليهم، وأرادوا المهتدي لى الخروج إليهم، فلم يزل كذلك إلى الظهر، ثم ركب وأكثر الفرسان الفراعنة وأكثر الرجالة المغاربة، ووجه إليهم وهم بين الكرخ والقطائع والأتراك زهاء عشرة آلاف، وهم في ستة آلاف لم يكن معهم من الأتراك إلا أقل من ألف، وهم أصحاب صالح ابن وصيف وجماعة مع يارجوخ. فلما التقى الزحفان، انحاز يارجوخ بمن معه من الأتراك، وانهزم أصحاب صالح بن وصيف، فرجوا إلى منازلهم وخرج طاشتمر من خلف الدكة، وكانوا جعلوا كميناً، وتصادم القوم، فكانت الحرب بينهم ساعة من النهار، ضرباً وطعناً ورمياً. ثم وقت الهزيمة على أصحاب المهتدي، فثبت وأقبل يدعوهم إلى نفسه، ويقاتل حتى يئس من رجوعهم، ثم انهزم وبيده سيف مشطب، وعليه درع وقباء، ظاهر به حرير أبيض معين، فمضى حتى صار إلى موضع خشبة بابك، وهو يحث الناس على مجاهدة القوم ونصرته؛ فلم يتبعه أحد إلا جماعة من العيارين؛ فلما صاروا إلى باب السجن تعلقوا بلجامه، وسألوه إطلاق من في السجن، فانصرف بوجهه عنهم؛ فلم يتركوه حتى أمر بإطلاقهم، فانصرفوا عنه، واشتغلوا بباب السجن، وبقي وحده، فمر حتى صار إلى موضع دار أبي صالح بن يزداد، وفيهما أحمد بن جميل، فدخل الدار وأغلقت الأبواب، فنزع ثيابه وسلاحه ، وكانت به طنة في وركه، فطلب قميصاً وسراويل، فأعطاه محمد بن جميل، وغسل الدم عن نفسه، وشرب ماء وصلى، فأقبل جماعة من الأتراك مع يارجوخ نحو من ثلاثين رجلاً؛ حتى صاروا إلى دار أبي صالح، فضربوا الباب حتى دخلوها، فلما أحس بهم أخذ السيف وسعى؛ فصد على درجة في الدار، ودخل القوم؛ وقد علا السطح، فأراد بعضهم الصعود لأخذه، فضربه بالسيف فأخطأه، وسقط الرجل عن الدراجة، فرموه بالنشاب، فوقعت نشابة في صدره، فجرحته جراحة خفيفة، وعلم أنه الموت؛ فأعطى بيده، ونزل فرمى بسيفه فأخذوه، فجعلوه على دابة بين يدي أحدهم، وسلكوا الطريق الذي جاء منه، حتى صيروه إلى دار يارجوخ في القطائع، وأنهبوا الجوسق، فلم يبق شئ، وأخرجوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان - وكان محبوساً في الجوسق - وكتبوا إلى موسى بن بغا وسألوه الانصراف إليهم، فأقام المهتدي عندهم لم يحدثوا في أمره شيئاً، فلما كان يوم الثلاثاء بايعوا أحمد بن المتوكل في القطائع، وصاروا به يوم الأربعاء إلى الجوسق فبايعه الهاشميون والخاصة، وأرادوا المهتدي على الخلع في هذه الأيام، فأبى ولم يحبهم، ومات يوم الأربعاء، وأظهروه يوم الخميس لجماعة الهاشميين والخاصة، فكشفوا عن وجهه وغسلوه، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين. وقدم موسى بن بغا يوم السبت لعشر بقين من رجب وركب أحمد بن فتيان إلى دار العامة يوم الاثنين لثمان بقين من رجب، فبايعوه بيعة العامة. فذكر عن محمد بن عيسى القرشي أنه قال: لما صار المهتدي في أيديهم أبى أن يخل نفسه، فخلعوا أصابع يديه ورجليه من كفيه وقدميه، حتى ورمت كفاه وقدماه، وفعلوا به غير شيء حتى مات. وقد ذكر في سبب قتل أبي نصر محمد بن بغا أنه كان خرج من سامرا يريد أخاه موسى، فوجه إليه المهتدي أخاه عبد الله في جماعة من المغاربة والفراغنة، فلحقوه بالرفيف، فجىء به فحبس، وكان قد دخل على المهتدي مسلماً قبل خلافهم، فقال له: يا محمد؛ إنما قدم أخوك موسى في جيشه وعبيده حتى يقتل صالح بن وصيف ويتصرف، قال: يا أمير المؤمنين؛ أيذك بالله! موسى عبدك وفي طاتك؛ وهو مع هذا في وجه عدو كلب، قال: قد كان صالح أنفع لنا منه؛ وأحسن سياسة للملك، وهذا العلوي قد رجع إلى الري، قال: وما حيلته يا أمير المؤمنين؟ قد هزمه وقتل أصحابه وشرد به كل مشرد، فلما انصرف عاد، وهذا فعله أبداً؛ اللهم إلا أن تأمره بالمقام بالري دهره. قال: دع هذا علتك، فإن أخاك ما صنع شيئاً أكثر من أخذ الأموال واحتجانها لنفسه. فأغلظ له أبو نصر، وقال: ينظر فيما صار إليه وإلى أهل بيته وليت الخلافة فيرد، وينظر ما صار إليك وإلى إخوتك فيرد، فأمر به فأخذ وضرب وحبس، وانتهبت داره ودار ابن ثوابة، ثم أباح دم الحسن بن مخلد وابن ثوابة وسليمان بن وهب القطان كاتب مفلح، فهربوا فانتهبت دورهم. ثم جاء المهتدي بالفراعنة والأشروسنية والطبرية والديالمة والإشتاخنية ومن بقي من أتراك الكرخ وولد وصيف، فسألهم النصرة على موسى ومفلح، وضرب بينهم، وقال: قد أخذوا الأموال واستأثروا بالفئ، وأنا أخاف أن يقتلوني، وإن نصرتموني أعطيتكم جميع ما فاتكم، وزدتكم في أرزاقكم. فأجابوه إلى نصره والخلاف على موسى وأصحابه، ولزموا الجوسق، وبايعوه بيعة جديدة وأمر بالسويق والسكر فاشترى لهم، وأجرى على كل رجل منهم كل يوم درهمين، وأطعموا في بض أيامهم الخبز واللحم. وتولى أمر جيشه أحمد بن وصيف وعبد الله بن بغا الشرابي والتفت، معهم بنو هاشم، وجعل يركب في بني هاشم، ويدور في الأسواق، ويسأل الناس النصرة، ويقول: هؤلاء الفساق يقتلون الخلفاء، ويثبون على مواليهم، وقد استأثروا بالفيء، فأعينوا أمير المؤمنين وانصروه. وتكلم صالح بن يعقوب بن المنصور وغيره من بني هاشم، ثم كتب بعد إلى بايكباك يأمره أن يضم الجيش كله إليه، وأنه الأمير على الجيش أجمع، ويأمره بأخذ موسى ومفلح. ولما هلك المهتدي طلبوا أبا نصر بن بغا، وهم يظنون أنه حي، فدلوا على موضعه، فنبش فوجدوه مذبوحاً، فحمل إلى أهله، وحملت جثة بايكباك فدفنت. وكسرت الأتراك على قبر محمد بن بغا ألف سيف، وكذلك يفعلون بالسيد منهم إذا مات. وقيل إن المهتدي لما أبى أن يخلعها، أمروا من عصر خصيته حتى مات؛ وقيل: إن المهتدي لما احتضر قال: أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان وقيل إن محمد بن بغا لم يحدثوا في أمره يوم حبس شيئاً، وطالبوه بالأموال، فدفع إليهم نيفاً وعشرين ألف دينار، ثم قتلوه بعد؛ يعجبوا بطنه، وعصروا حلقه، وألقي في بئر من القناة، فلم يزل هنالك حتى أخرجه الموالي بعد أسرهم المهتدي بيوم، فدفن. وكانت خلافة المهتدي كلها إلى أن انقضى أمره أحد عشر شهراً وخمسة وعشرين يوماً، وعمره ثمان وثلاثون سنة. وكان رحب الجبهة، أجلح، جهم الوجه، أشهل، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيراً، طويل اللحية. وكان ولد بالقاطول. ذكر أخبار صاحب الزنج مع جعلانوفي هذه السنة وافى جعلان البصرة لحرب صاحب الزنج ذكر الخبر عما كان في أمرهما هنالك ذكر أن جعلان لما صار إلى البصرة زحف بعسكره منها، حتى صار بينه وبين عسكر صاحب الزنج فرسخ، فخندق على نفسه ومن معه، فأقام ستة أشهر في خندقه، فوجه الزيني وبريه وبنو هاشم ومن خف لحرب الخبيث من أهل البصرة في اليوم الذي تواعدهم جعلان للقائه، فلما التقوا لم يكن بينهم إلا الرمي بالحجارة والنشاب، ولم يجد جعلان إلى لقائه سبيلاً لضيق الموضع بما فيه من النخل والدغل عن مجال الخيل، وأصحابه أكثرهم فرسان. فذكر عن محمد بن الحسن أن صاحب الزنج قال: لما طال مقام جعلان في خندقه، رأيت أن أخفي له من أصحابي جماعة يأخذون عليه مسالك الخندق، ويبيتونه فيه، ففعل ذلك، وبيته في خندقه، فقتل جماة من رجاله، وريع الباقون روعاً شديداً. فترك جعلان عشكره ذلك، وانصرف إلى البصرة؛ وقد كان الزيني قبل بيات الخبيث جعلان جمع مقاتلة البلالية والسعدية، ثم وجه لهم من ناحية نهر نافذ وناحية هزاردر، فواقعوه من وجهين، ولقيهم الزنج، فلم يثبتوا لهم، وقهرهم الزنج، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وانصرفوا مفلولين، وانحاز جعلان إلى البصرة، فأقام بها وظهر عجزه للسلطان. وفيها صرف جعلان عن حرب الخبيث، وأمر سعيد الحاجب بالشخوص إليها لحربه. وفيها تحول صاحب الزنج من السبخة التي كان ينزلها إلى الجانب الغربي من النهر المعروف بأبي الخصيب. وفيها أخذ صاحب الزنج - فيما ذكر - أربعة وعشرين مركباً من مراكب البحر، كانت اجتمعت تريد البصرة، فلما انتهى إلى أصحابها خبره وخبر من معه من الزنج وقطعهم السبيل، اجتمعت آراؤهم على أن يشدوا مراكبهم بعضها إلى بعض؛ حتى تصير كالجزيرة، يتصل أولها بآخرها، ثم يسيروا بها في دجلة. فاتصل به خبرها، فندب إليها أصحابه، وحرضهم عليها، وقال لهم: هذه الغنيمة الباردة. قال أبو الحسن: فسمعت صاحب الزنج يقول: لما بلغني قرب المراكب مني نهضت للصلاة، وأخذت في الدعاء والتضرع، فخوطبت بأن قيل لي: قد أطلك فتح عظيم، والتفت فلم ألبث أن طلعت المراكب، فنهض أصحابي إليها في الجريبيات؛ فلم يلبثوا أن حووها وقتلوا مقاتلتها، وسبوا ما فيها من الرقيق، وغنموا منها أموالاً ظاماً لا تحصى ولا يعرف قدرها، فأنهب ذلك أصحابه ثلاثة أيام، ثم أمر بما بقي فحيز له. ذكر الخبر عن دخول الزنج الأبلةولخمس بقين من رجب من هذه السنة، دخل الزنج الأبلة، فقتلوا بها خلقاً كثيراً وأحرقوها. ذكر الخبر عنها وعن سبب الوصول إليها ذكر أن صاحب الزنج لما تنحى جعلان عن خندقه بشاطئ عثمان الذي كان فيه، وانحاز إلى البصرة ألح بالسرايا على أهل الأبله، فجعل يحاربهم من ناحية شاطئ عثمان بالرجالة، وبما خف له من السفن من ناحية دجلة، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر معقل. فذكر عن صاحب الزنج، أنه قال: ميلت بين عبادان والأبلة، فملت إلى التوجه إلى عبادان، وندبت الرجالة لذلك، فقيل لي: إن أقرب العدو داراً، وأولاه بألا تتشاغل بغيره عنه أهل الأبلة، فرددت الجيش الذي كنت سيرت نحو عبادان إلى الأبلة. فلم يزالوا يحاربون أهل الأبلة إلى ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب سنة وست وخمسين ومائتين. فلما كان في هذه الليلة اقتحمها الزنج مما يلي دجلة ونهر الأبلة، فقتل بها أبو الأحوص وابنه، وأضرمت ناراً، وكانت مبنية بالساج محفوفة بناء متكاثفاً. فأسرعت فيها النار، ونشأت ريحٌ عاصف، فأطارت شرر ذلك الحريق حتى وصلت بشاطئ عثمان، فاحترق. وقتل بالأبلة خلقٌ كثير، وغرق خلق كثير، وحويت الأسلاب، فكان ما احترق من الأمتعة أكثر مما انتهب. وقتل في هذه الليلة عبد الله بن حميد الطوسي وابنٌ له؛ كانا في شذاة بنهر معقل مع نصير المعروف بأبي حمزة. ذكر خبر استيلاء صاحب الزنج على عبادانوفيها استسلم أهل عبادان لصاحب الزنج فسلموا إليه حصنهم. ذكر الخبر عن السبب الذي دعاهم إلى ذلك ذكر أن السبب في ذلك أن الخبيث لما فل أصحابه من الزنج بأهل الأبلة ما فعلوا، ضعفت قلوبهم وخافوهم على أنفسهم وحرمهم، فأعطوا بأيديهم، وسلموا إليه بلدهم، فدخلها أصحابه، فأخذوا من كان فيها من العبيد، وحملوا ما كان فيها من السلاح إليه؛ ففرقه عليهم. ذكر خبر دخول أصحاب صاحب الزنج الأهوازوفيها دخل أصحابه الأهواز وأسروا إبراهيم بن المدير. ذكر الخبر عن سبب ذلك وكان الخبيث لما أوقع أصحابه بالأبلة، وفعلوا بها ما فعلوا، واستسلم له أهل عبادان، فأخذ مماليكهم، فضمهم إلى أصحابه من الزنج، وفرق بينهم ما أخذ من السلاح الذي كان بها، طمع في الأهواز، فاستنهض أصحابه نحو جبى، فلم يلبث لهم أهلها، وهربوا منهم، فدخلوا فقتلوا وأحرقوا، ونهبوا وأخربوا ما وراءها؛ حتى وافوا الأهواز، وبها يومئذ سعيد بن يكسين والٍ وإليه حربها، وإبراهيم بن محمد بن المدبر وإليه الخراج والضياع؛ فهرب الناس منهم أيضاً فلم يقاتلهم كثير أحد، وانحاز سعيد ابن تكسين فيمن كان معه من الجند، وثبت إبراهيم بن المدبر فيمن كان معه من غلمانه وخدمه فدخلوا المدينة، فاحتووها، وأسروا إبراهيم بن محمد بعد أن ضرب ضربة على وجهه، وحووا كل ما كان يملك من مال وأثاث ورقيق؛ وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشلاة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومائتين. ولما كان من أمره ما كان بالأهواز بعد الذي كان منه بالأبلة، رعب أهل البصرة رعباً شديداً، فانتقل كثير من أهلها عنها، وتفرقوا في بلدان شتى، وكثرت الأراجيف من عوامها. وفي ذي الحجة من هذه السنة وجه صاحب الزنج إلى شاهين بن بسطام جيشاً عليهم يحيى بن محمد البحراني لحربه؛ فلم ينل يحيى من شاهين ما أمل وانصرف عنه. وفي رجب من هذه السنة وافى البصرة سعيد بن صالح المعروف بالحاجب من قبل السلطان لحرب صاحب الزنج. وفيها كانت بين موسى بن بغا الذين كان توجهوا معه إلى ناحية الجبل مخالفين لمحمد بن الواثق وبين مساور بن عبد الحميد الشاري وقعة بناحية خانقين ومساور في جمع كثير وموسى وأصحابه في مائتين، فهزموا مساوراً وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة. خلافة المعتمد على اللهوفيها بويع أحمد بن أبي جعفر المعروف بابن فتيان، وسمى المعتمد على الله، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب. وفيها بعث إلى موسى بن بغا وهو بخانقين بموت محمد بن الواثق وبيعة المعتمد، فوافى سامرا لعشر بقين من رجب. وفيها بعث إلى موسى بن بغا وهو بخانقين بموت محمد بن الواثق وبيعة المعتمد، فوافى سامرا لعشر بقين من رجب. ولليلتين خلتا من شعبان، ولي الوزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وفيها ظهر بالكوفة علي بن زيد الطالبي، فوجه إليه الشاه بن ميكال في عسكر كثيف، فلقيه علي بن زيد في أصحابه، فهزمه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ونجا الشاه. وفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي؛ وهو من أهل فارس، ورجلٌ من أكرادها يقال له أحمد بن الليث بالحرث بن سيما الشرابي عامل فارس، فحارباه، فقتل الحارث، وغلب محمد بن واصل على فارس. وفيها وجه مفلح لحرب مساور الشاري وكنجور لحرب علي بن زيد الطالبي بالكوفة. وفيها غلب جيش الحسن بن زيد الطالبي على الري، في شهر رمضان منها. وفيها شخص موسى بن بغا - لإحدى عشرة ليلةً خلت من شوال منها - من سامرا إلى الري، وشيعه المعتمد. وفيها كانت بين أماجور وابن لعيسى بن الشيخ على باب دمشق وقعة، فسمعت من ذكر أنه حضر أماجور، وقد خرج في اليوم الذي كانت فيه هذه الوقعة من مدينة دمشق مرتاداً لنفسه عسكراً وابن عسكر عيسى بن الشيخ وقائد لعيسى يقال له أبو الصهباء في عسكر لعما بالقرب من مدينة دمشق، فاتصل بهما خبر خروج أماجور، وأنه خرج في نفر من أصحابه يسير، فطمعا فيه، فزحفا بمن معهما إليه، ولا يعلم أماجور بزحوفهما إليه حتى لقياه، والتحمت الحرب بين الفريقين، فقتل أبو الصهباء، وهزم الجمع الذي كان معه ومع ابن عيسى؛ ولقد سمعت من يذكر أن عيسى وأبا الصهباء كانا يومئذ في زهاء عشرين ألفاً من رجالهما، وأن أماجور في مقدار مائتين إلى أربعمائة. وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة منها قدم أبو أحمد بن المتوكل من مكة إلى سامرا. وفيها وجه إلى عيسى بن الشيخ إسماعيل بن عبد الله المرزوي المعروف بأبي النصر ومحمد بن عبيد الله الكريزي القاضي والحسين الخادم المعروف بعرق الموت، بولاية أرمينية، على أن ينصرف عن الشأم آمناً؛ فقبل ذلك وشخص عن الشأم إليها. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور. ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة ذكر خبر مسير يعقوب بن الليث إلى فارس وانصرافه عنها فمن ذلك ما كان من مصير يعقوب بن الليث إلى فارس، وبعثة المعتمد إليه ظغتا وإسماعيل بن إسحاق وأبا سعيد الأنصاري في شعبان منها، وكتاب أبي أحمد بن المتوكل إليه بولاية بلخ وطخارستان إلى ما يلي ذلك من كرمان وسجستان والسند وغيرها، وما جعل له من المال في كل سنة، وقبوله ذلك وانصرافه. وفي ربيع الآخر منها قدم رسول يعقوب بن الليث بأصنام ذكر أنه أخذها من كابل. ولاثنتي عشرة خلت من صفر عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له أيضاً بعد ذلك لسبع خلون من شهر رمضان على بغداد والسواد وواسط وكرر دجلة والبصرة والأهواز وفارس، وأمر أن يولي صاحب بغداد أعماله، وأن يعقد ليارجوخ على البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين مكان سعيد بن صالح، فولي يارجوخ منصور بن جعفر بن دينار البصرة وكور دجلة إلى ما يلي الأهواز. ذكر خبر انهزام الزنج أمام سعيد بن الحاجبوفيها أمر بغراج باستحثاث سعيد الحاجب في المصير إلى دجلة والإناخة بإزاء عسكر صاحب الزنج، ففعل ذلك بغراج - فيما قيل - ومضى سعيد الحاجب لما أمر به من ذلك في رجب من هذه السنة. فذكر أن سعيداً لما صار إلى نهر معقل وجد هنالك جيشاً لصاحب الزنج بالنهر المعروف بالمرغاب - وهو أحد الأنهار المعترضة في نهر معقل - فأوقع بهم فهزمهم، واستنفذ ما في أيديهم من النساء والنهب، وأصابت سعيداً في تلك الوقعة جراحات، منها جراحة في فيه. ثم سار سعيد حتى صار إلى الموضع المعروف بعسكر أبي جعفر المنصور، فأقام به ليلة، ثم سار حتى أناخ بموضع يقال له هطمة من أرض الفرات، فأام هنالك أياماً يعبي أصحابه، ويستعد للقاء صاحب الزنج. وبلغه في أيام مقامه هنالك، أن جيشاً لصاحب الزنج بالفرات، فقصد لهم بجماعة من أصحابه، فهزمهم، وكان فيهم عمران زوج جدة ابن صاحب الزنج المعروف بأنكلاي، فاستأمن عمران هذا إلى بغراج، وتفرق ذلك الجمع. قال محمد بن الحسن: فلقد رأيت المرأة من سكان الفرات تجد الزنجي مستتراً بتلك الأدغال، فتقبض عليه حتى تأتي به عسكر سعيد ما به منهما امتناع. ثم قصد سيد حرب الخبيث فعبر إلى غربي دجلة، فأوقع به وقعات في أيام متوالية، ثم انصرف سعيد إلى معسكره بهطمة، فأقام به يحربه باقي رجب وعامة شعبان. خلاص ابن المدبر من صاحب الزنجوفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الخبيث، وكان سبب تخلصه منه - فيما ذكر - أنه كان محبوساً في غرفة في منزل يحيى بن محمد البحراني، فضاق مكانه على البحراني، فأنزله إلى بيت من أبيات داره، فحبسه فيه، وكان موكلاً به رجلان، ملاصق مسكنهما المنزل الذي فيه إبراهيم، فبذل لهما، ورغبهما، فسربا له سرباً إلى الموضع الذي فيه إبراهيم من ناحيتهما، فخرج هو وابن أخ له يعرف بأبي غالب ورجل من بني هاشم كان محبوساً معهما. ذكر خبر إيقاع صاحب الزنج بسعيد وأصحابهوفيها أصحاب الخبيث بسعيد وأصحابه فقتلوه ومن معه. ذكر الخبر عن هذه الوقعة ذكر أن الخبيث وجه إلى يحيى بن محمد البحراني وهو مقيم بنهر معقل في جيش كثيف يأمره بالتوجه بألف رجل من أصحابه، يرئس عليهم سليمان ابن جامع وأبا الليث، يأمرهما بالقصد لعسكر سعيد ليلاً حتى يوقعا به في وقت طلوع الفجر. ففعل ذلك، فصارا إلى عسكر سعيد، فصادفا منهم غرةً وغفلة، فأوقعا بهم وقعةً، فقتلا منهم مقتلة عظيمة، وأحرق الزنج يومئذ عسكر سعيد، فضعف سعيد ومن معه، ودخل أمرهم خلل للبيات الذي تهيأ عليهم، ولاحتباس الأرزاق عنهم، وكانت سببت لهم من مال الأهواز؛ فأبطأ بها عليهم منصور بن جعفر الخياط، وكان إليه يومئذ حرب الأهواز، وله من ذلك يد في الخراج. ولما كان من أمر سعيد صالح ما كان، أمر بالانصراف إلى باب السلطان وتسليم الجيش الذي معه وما إليه من العمل هنالك إلى منصور بن جعفر؛ وذلك أن سعيداً ترك بعد ما كان من بيات الزنج أصحابه وإحراقهم عسكره؛ فلم يكن له حركة إلى أن صرف عما كان إليه من العمل هنالك. خبر الوقعة بين منصور بن جعفر وصاحب الزنجوفيها كانت وقعة بين منصور بن جعفر الخياط وبين صاحب الزنج، قتل فيها من أصحاب منصور جماعة كثيرة. ذكر الخبر عن صفة هذه الوقعة ذكر أن سعيداً الحاجب لما صرف عن البصرة، أقام بغراخ يحمى أهلها، وجعل منصور يجمع السفن التي تأتي بالميرة، ثم يبذرقها في الشذا إلى البصرة، فضاق بالزنج الميرة، ثم عبأ منصور أصحابه، وجمع إلى الشذا التي كانت معه الشذا الجنابيات والسفن، وقصد صاحب الزنج في عسكره، فصعد قصراً على دجلة، فأحرقه وما حوله، ودخل عسكر الخبيث من ذلك الوجه ووافاه الزنج، وكمنوا له كميناً، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة؛ وألجئ الباقون إلى الماء، فغرق منهم خلق كثير؛ وحمل من الرءوس يومئذ - فيما ذكر - زهاء خمسمائة رأس إلى عسكر يحيى بن محمد البحراني بنهر معقل، وأمر بنصبها هنالك. وفيها ظهر من بغداد بموضع يقال له بركة زلزل، على خناق، وقد قتل خلقاً كثيراً من النساء ودفنهن في دار كان فيها ساكناً، فحمل إلى المعتمد؛ فبلغني أنه أمر بضربه، ألفي سوط وأربعمائة أرزن فلم يمت حتى ضرب الجلادون أنثييه بخشب العقابين، فمات، فرد إلى بغداد فصلب بها ثم أحرقت جثته. خبر مقتل شاهين بن بسطام وهزيمة إبراهيم بن سيماوفيها قتل شاهين بن بسطام وهزم إبراهيم بن سيما ذكر الخبر عن سبب مقتل شاهين وانهزام إبراهيم ذكر أن البحراني كان كتب إلى الخبيث يشير ليه بتوجيه جيش إلى الأهواز للمقام بها، ويرغبه في ذلك، وأن يبدأ بقطع قنطرة أربك؛ لئلا يصل الخيل إلى الجيش. وإن الخبيث وجه علي بن أبان لقطع القنطرة، فليقه إبراهيم بن سيما منصرفاً من فارس؛ وكان بها مع الحارث بن سيما في الصحراء المعروفة بدست أربك، وهي صحراء بين الأهواز والقتطرة. فلما انتهى علي بن أبان إلى القنطرة، أقام مخفياً نفسه ومن معه، فلما أصحرت الخيل، خرجت عليه من جهات، فقتلت من الزنج خلقاً كثيراً وانهزم علي، وتبعته الخيل إلى الفندم، وأصابته طعنة في أخمصه، فأسمك عن التوجه إلى الأهواز، وانصرف على وجهه إلى جبي؛ وصرف سعيد بن بكسين وولي إبراهيم بن سيما، وكاتبه شاهين، فأقبلا جميعاً، إبراهيم بن سيما على طريق الفرات قاصداً لذنابة نهر جبي، وعلي بن أبان بالخيزرانية؛ فأقبل شاهين بن بسطام على طريق نهر موسى، يقدر لقاء إبراهيم في الموضع الذي قصد إليه، وقد اتعدا لمواقعة علي بن أبان، فسبق شاهين. وأتى علي بن أبان رجلٌ من نهر موسى فأخبره بإقبال شاهين إليه؛ فوجه علي نحوه، فالتقيا في وقت العصر على نهر يعرف بأبي العباس - وهو نهر بين نهر موسى ونهر جبي - ونشبت الحرب بينهما، وثبت أصحاب شاهين، وقاتلوا قتالاً شديداً، ثم صدمهم الزنج صدمة صادقة، فولوا منهزمين؛ فكان أول من قتل يومئذ شاهين وابن عم له يقال حيان، وذلك أنه كان في مقدمة القوم، وقتل معه من أصحابه بشر كثير. وأتى علي بن أبان مخبر فأخبره بورود إبراهيم بن سيما؛ وذلك بعد فراغه من أمر شاهين، فسار من فوره إلى نهر جبي، وإبراهيم بن سيما معسكر هنالك لا يعلم خبر شاهين، فوافاه علي في وقت العشاء الآخرة، فأوقع بهم وقعة غليظة قتل فيها جمعاً كثيراً؛ وكان قتل شاهين والإيقاع بإبراهيم فيما بين العصر والعشاء والآخرة. قال محمد بن الحسن: فسمت علي بن أبان يحدث عن ذلك، قال: لقد رأيتني يومئذ، وقد ركبني حمى نافض كانت تعتادني، وقد كان أصحابي حين نالوا ما نالوا من شاهين تفرقوا عني، فلم يصر إلى عسكر إبراهيم بن سيما معي إلا نحو من خمسين رجلاً، فوصلت إلى العسكر، فألقيت نفسي قريباً منه، وجعلت أسمع ضجيج أهل العسكر وكلامهم؛ فلما سكنت حركتهم، نهضت فأوقعت بهم. ثم انصرف علي ابن أبان عن جبسي لما قتل شاهين، وهزم إبراهيم بن سيما، لورود كتاب عليه بالمصير إلى البصرة لحرب أهلها. ذكر خبر دخول الزنج البصرة هذا العاموفيها دخل أصحاب الخبيث البصرة. ذكر الخبر عن سبب وصولهم إلى ذلك وما عملوا بها حين دخلوها ذكر أن سيد بن صالح لما شخص من البصرة ضم السلطان عمله إلى منصور بن جعفر الخياط؛ وكان من أمر منصور وأمر أصحاب الخبيث ما قد ذكرناه قبل، وضعف أمر المنصور، ولم يعد لقتال الخبيث في عسكره، واقتصر على بذرقة القيروانات، واتسع أهل البصرة لوصول المير إليهم؛ وكان انقطاع ذلك عنهم قد أضر بهم، وانتهى إلى الخبيث الخبر بذلك، واتساع أهل البصرة. فعظم ذلك على الخبيث، فوجه علي بن أبان إلى نواحي جبسي، فعسكر بالخيزرانية، وشغل منصور بن جعفر عن بذرقة القيروانات إلى البصرة، فعاد حال أهل البصرة إلى ما كانت عليه من الضيق. وألح أصحاب الخبيث على أهل البصرة بالحرب صباحاً ومساء. فلما كان في شوال من هذه السنة أزمع الخبيث على جمع أصحابه للهجوم على أهل البصرة، والجد في خرابها، وذلك لعلمه بضعف أهلها وتفرقهم، وإضرار الحصار بهم، وخراب ما حولها من القرى؛ وكان قد نظر في حساب النجوم، ووقف على انكساف القمر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة تخلو من الشهر. فذكر عن محمد بن الحسن بن سهل أنه قال: سمعته يقول: اجتهدت في الدعاء على أهل البصرة، وابتهلت إلى الله في تعجيل خرابها، فخوطبت، فقيل لي: إنما البصرة خبزةٌ لك تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة؛ فأولت انكسار نصف الرغيف انكساف القمر المتوقع في هذه الأيام، وما أخلق أمر البصرة أن يكون بعده. قال: فكان يحدث بهذا حتى أفاض فيه أصحابه، وكثر تردده في أسماعهم وإحالته إياه بينم. ثم ندب محمد بن يزيد الدرامي؛ وهو أحد من كان صحبه بالبحرين للخروج إلى الأعراب، وأنفذه فأتاه منهم خلق كثير، فأناخو بالقندل، ووجه إليهم الخبيث سليمان بن موسى الشعراني، وأمرهم بتطرق البصرة، والإيقاع بها، وتقدم إلى سليمان بن موسى في تمرين الأعراب على ذلك؛ فلما وقع الكسوف أنهض على بن أبان، وضم إليه طائفة من الأعراب، وأمره بإتيان البصرة ممايلي بني سعد، وكتب إلى يحيى بن محمد البحراني - وهو يومئذ محاصر أهل البصرة - في إيتانها ممايلي نهر عدي، وضم سائر الأعراب إليه. قال محمد بن الحسن: قال شبل: فكان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان، وبغراج يومئذ بالبصرة في جماعة من الجند، فأقام يقاتلهم يومين، ومال الناس نحوه. وأقبل يحيى بمن معه مما يلي قصر أنس قاصداً نحو الجسر، فدخل على ابن أبان المهلبي وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت، وعادى يحيى البصرة يوم الأحد، فتلقاه بغراج وبرية في جمع فرداه، فرجع فأقام يومه ذلك، ثم غاداهم يوم الاثنين، فدخل وقد تفرق الجند، وهرب بريه، وانحاز بغراج بمن معه، فلم يكن في وجهه أحدٌ يدافعه، ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي، فاستأمنه لأهل البصرة فآمنهم، ونادى منادي إبراهيم بن يحيى: من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبةً حتى ملئوا الرحاب. فلما رأى اجتماعهم انتهز الفرصة في ذلك منهم، فأمر بأخذ السكك والطرق والدروب لئلا يتفرقوا، وغدر بهم، وأمر أصحابه بقتلهم، فقتل كل من شهد ذلك المشهد إلا الشاذ، ثن انصرف يومه ذلك، فأقام بقصر عيسى بن جعفر بالخريبة. قال محمد: وحدثني الفضل بن عدي الدارمي، قال: أنا حين وجه الخائن لحرب أهل البصرة في حيز أهل البصرة مقيم في بني سعد، قال: فأتانا آت في الليل؛ فذكر أنه رأى خيلاً مجتازة تؤم قصر عيسى بالخربية، فقال لي أصحابي: اخرج فتعرف لنا خبر هذه الخيل؛ فخرجت فإذا جماعة من بني تميم وبني أسد، فسألتهم عن حالهم، فزموا أنهم أصحاب العلوي المضمومون إلى علي بن أبان، وأن علياً يوافى البصرة في غد تلك الليلة، وأن قصده لناحية بني سعد، وأن يحيى بن محمد بجمعه قاصد لناحية آل المهلب. فقالوا: قل لأصحابك من بني سعد، إن كنتم تريدون تحصين حرمكم، فبادروا إخراجهم قبل إحاطة الجيش بكم. قال الفضل: فرجعت إلى أصحابي، فأعلمتهم خبر الأعراب فاستعدوا، فوجهوا إلى بريه يعلمونه الخبر، فوافاهم فيمن كان بقي من الخول وجماعة من الجند وقت طلوع الفجر، فساروا حتى انتهوا إلى خندق يعرف ببني حمان، ووافاهم بنو تميم ومقاتلة السعدية، فلم يلبثوا أن طل عليهم، على ابن أبان في جماعة الزنج والأعراب على متون الخيل، فذهل بريه قبل لقاءهالقوم، فرجع إلى منزله، فكانت هزيمة، وتفرق من كان اجتمع من بني تميم، ووافى علي فلم يدفعه أحدٌ، ومر قاصداً إلى المربد، ووجه بريه إلى بني تميم يستصرخهم، فنهض إليه منهم جماعة، فكان القتال بالمربد بحضرة دار بريه، ثم انهزم بريه عن داره، وتفرق الناس لانهزامه، فأحرقت الزنج داره، وانتهبوا ما كان فيها، فأقام الناس يقتلون هناك، وقد ضعف أهل البصرة، وقوى عليهم الزنج، واتصلت الحرب بينهم إلى آخر ذلك اليوم، ودخل على المسجد الجامع فأحرقه، وأدركه فتح غلام أبي شيث في جماعة من البصرتين، فانكشف علي وأصحابه عنهم، وقتل من الزنج قوم، ورجع علي فعسكر في الموضع المعروف بمقبرة بني شيبان، فطلب الناس سلطاناً يقاتلون معه فلم يجدوه، وطلبوا بريهاً، فوجدوه قد هرب، وأصبح أهل البصرة يوم السبت، فلم يأتهم علي بن أبان، وغاداهم يوم الأحد فلم يقف له أحد، وظفر بالبصرة. قال محمد بن الحسن: وحدثني محمد بن سمعان، قال: كنت مقيماً بالبصرة في الوقت الذي دخلها الزنج، وكنت أحضر مجلس إبراهيم بن محمد ابن اسماعيل المعروف ببريه، فحضرته وحضر يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شوال سنة سبع وخمسين ومائتين وعنده شهاب بن العلاء العنبري، فسمعت شهاباً يحدثه أن الخائن قد وجه بالأموال إلى البادية ليعرض بها رجال العرب، وأنه قد جمع جمعاً كثيراً من الخيل، وهو يريد تورد البصرة بهم وبرجالته من الزنج، وليس بالبصرة يومئذ من جند السلطان إلا نيف وخمسون فارساً مع بغراج، فقال بريه لشهاب، إن العرب لا تقدم علي بمساءة؛ وكان بريه مطاعاً في العرب، محبباً إليهم. قال ابن سمعان: فانصرفت من مجلس بريه، فلقيت أحمد بن أيوب الكاتب، فسمعته يحكى عن هارون بن عبد الرحيم الشيعي، وهو يومئذ يلي البصرة، أنه صح عنده أن الخائن جمع لثلاث خلون من شوال في تسعة أنفس؛ فكان وجوه أهل البصرة وسلطانها المقيم بها، من الغبا عن حقيقة خبرالخائن على ما وصفت. وقد كان الحصار عض أهل البصرة، وكثر الوباء بها، واستعرت الحرب فيها بين الحزبين المعروفين بالبلالية والسعدية. فلما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال من هذه السنة، أغارت خيل الخائن على البصرة صبحاً في هذا اليوم، من ثلاثة أوجه من ناحية بني سعد والمربد والحربية؛ فكان يقود الجيش الذي سار إلى المربد علي بن أبان، وقد جعل أصحابه فرقتين، فرقة ولى عليها رفيقاً غلام يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، وأمرهم بالمصير إلى بني سعد، والفرقة الأخرى سار هو فيها إلى المربد، وكان يقود الجبل التي أتت من ناحية الخربية يحيى بن محمد الأزرق البحراني، وقد جمع أصحابه من جهة واحدة، وهو فيهم؛ فخرج إلى كل فرقة من هؤلاء من خف من ضعفاء أهل البصرة، وقد جهدهم الجوع والحصار، وتفرقت الخيل التي كانت مع بغراج فرقتين: فرقة صارت إلى ناحية المربد، وفرقة صارت إلى ناحية الخربية، وقاتل من ورد ناحية بني سعد جماعة من مقاتلة السعدية فتح غلام أبي شيث وصحبه، فلم يغن قليل من أهل البصرة إلى جموع الخبيث شيئاً، وهجم القوم بخيلهم ورجلهم. قال ابن سمعان: فإني يومئذ لفي المسجد الجامع، إذا ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمربد وبني حمدان في وقت واحد،، كأن موقد بها كانوا لى ميعاد؛ وذلك صدر يوم الجمعة، وجل الخطب، وأيقن أهل البصرة بالهلاك، وسعى من كان في المسجد الجامع إلى منازلهم، ومضيت مبادراً إلى منزلي؛ وهو يومئذ في سكة المربد، فلقيني منهزموا أهل البصرة في السكة راجعين نحو المسجد الجامع، وفي أخراهم القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي، وهو علي بن بغل متقلد سيفاً يصيح بالناس، ويحكم! أتسلمون بلدكم وحرمكم! هذا عدوكم قد دخل البلد، فلم يلووا عليه: ولم يسمعوا منه، فمضى وانكشف سكة المربد؛ فصار بين المهزمين والزنج فيها فضاء يسافر فيه البصر. قال محمد: فلما رأيت ذلك دخلت منزلي، وأغلقت بابي، وأشرفت فإذا خيل من الأعراب ورجالة الزنج، تقدمهم رجل على حصان كميت، بيده رمح، عليه عذبة صفراء؛ فسألت بعد أن صير بي إلى مدينة الخائن عن ذلك الرجل، فادعى علي بن أبان أنه ذلك الرجل، وأن الراية الصفراء رايته، ودخل القوم، فغابوا في سكة المربد إلى أن بلغوا باب عثمان، وذلك بعد الزوال ثم انصرفوا، فظن الناس من رعاع أهل البصرة وجهالهم أن القوم قد مضوا لصلاة الجمعة، وكان الذي صرفهم أنهم خشوا أن يخرج عليهم جمع السعدية والبلالية من المربعة، وخافوا الكناء هناك، فانصرفوا وانصرف من كان بناحية زهران وبني حصن؛ وذلك بعد أن أحرقوا وأنهبوا واقتدروا على البلد، وعلموا أنه لا مانع لهم منه، فأغبوا السبت والأحد، ثم عادوا البصرة يوم الاثنين، فلم يجدوا عنها مدافعاً، وجمع الناس إلى باب إبراهيم بن يحيى المهلبي وأعطوا الأمان. قال محمد بن سمعان: فحدثني الحسن بن عثمان المهلبي الملقب بمندلقة - وكان من أصحاب يحيى بن محمد - قال: أمرني يحيى في تلك الليلة الغداة بالمصير إلى مقبرة بني يشكر، وحمل ما كان هناك من التنانير، فصرت إليها، فحملت نيفاً وعشرين تنوراً على رءوس الرجال، حتى أتيت بها دار إبراهيم ابن يحيى، والناس يطنّون أنها تعدّ لاتخاذ طعام لهم؛ وهم من الجوع وشدة الحصار والجهد على أمر عظيم، وكثر الجمع بباب إبراهيم بن يحيى، وجعلوا ينوبون ويزدادون؛ حتى أصبحوا وارتفعت الشمس. قال ابن سمعان: وأنا يومئذ قد انتقلت من سكة المربد من منزلي إلى دار جدّ أمي هشام المعروف بالدافّ، وكانت فير بني تميم، وذلك للذي استفاض في الناس من دخول بني تميم في سلم الخائن؛ فإني لهناك إذ أتى المخبرون بخير الوقعة بحضرة دار إبراهيم بن يحيى، فذكروا أن يحيى بن محمد البخرانيّ أمر الزّنج، فأحاطوا بذلك الجمع، ثم قال: من كان من آل المهلب فليدخل دار إبراهيم بن يحيى، فدخلت جماة قليلة، وأغلقوا الباب دونهم. ثم قيل للزّنج: دونكم الناس فاقتلوهم، ولا تبقوا منهم أحداً. فخرج إليهم محمد بن عبد اللّه المعروف بأبي الليث الأصبهاني، فقال للزّنج: كيلوا - وهي العلامة التي كانوا يعرفونها فيمن يؤمرون بقتله - فأخذ الناس السيف. قال الحسن بن عثمان: فإني لأسمع تشهّدهم وضجيجهم، وهم يقتلون، ولقد ارتفعت أصواتهم بالتشهّد؛ حتى لقد سمعت بالطفّارة، وهم لى بعد من الموضع الذي كانوا به. قال: ولما أتى لى الجمع الذي ذكرنا أبل الزّنج على قتل من أصابوا، ودخل عليّ بن أبان يومئذ، فأحرق المسجد الجامع، وراح إلى الكلاء، فأحرقه من الجبل إلى الجسر، والنار في كلّ ذلك تأخذ في كلّ شيء مرّت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع، ثم ألحّوا بالغدوّ والرّواح على من وجدوا يسوقونهم إلى يحيى بن محمد؛ وهو يومئذ نازلٌ بسيحان؛ فمن كان ذا مال قررّه حتى يستخرج ماله، ويقتله، ومن كان مملقاً قتله. وذكر عن شبل أنه قال: باكر يحيى البصرة يوم الثلاثاء بعد قتل من قتل بباب إبراهيم بن يحيى، فجعل ينادي بالأمان في الناس ليظهروا، فلم يظهر له أحدٌ، وانتهى الخبر إلى الخبيث، فصرف عليّ بن أبان عن البصرة، وأفرد يحيى بها الموافقة ما كان أتى يحيى من القتل إياه ووقوعه لمحبّته، وأنه استقصر ما كان من عليّ بن أبان المهلبيّ من الإمساك عن العيث بناحية بني سعد. وقد كان عليّ بن أبان أوفد إلى الخبيث من بني سعد وفداً، فصاروا إليه، فلم يجدوا عنده خيراً، فخرجوا إلى عبّادان، وأقام يحيى بالبصرة، فكتب إليه الخبيث يأمره بإظهار استخلاف شبل على البصرة ليسكن الناس، ويظهر المستخفي ومن قد عرف بكثرة المال، فإذا ظهروا أخذوا بالدلالة على ما دفنوا وأخفوا من أموالهم. ففعل ذلك يحيى؛ فكان لا يخلو في يوم من الأيام من جماعة يؤتى بهم، فمن عرف منهم باليسار استنظف ما عنده وقتله، ومن ظهرت له خلته عاجله بالقتل؛ حتى لم يدع أحداً ظهر له إلا أتى عليه، وهرب الناس على وجوههم، وصرف الخبيث جيشه عن البصرة. قال محمد بن الحسن: ولما أخرب الخائن البصرة، وانتهى إليه عظيم ما فعل أصحابه فيها، سمعته يقول: دعوت على أهل البصرة في غداة اليوم الذي دخلها أصحابي، واجتهدت في الدعر، وسجدت، وجعلت أدعو في سجودي، فرفعت إلى البصرة، فرأيتها أصحابي يقاتلون فيها، ورأيت بين السماء والأرض رجلاً واقفاً في الهواء في صورة جعفر المعلوف المتولي كان للاستخراج في ديوان الخراج بسامرا، وهو قائم قد خفض يده اليسرى، ورفع يده اليمنى، يريد قلب البصرة بأهلها، فعلمت أن الملائكة تولت إخراجها دون أصحابي، ولو كان أصحابي تولوا ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم الذي يحكى عنها، وإن الملائكة لتنصرني وتؤيدني في حربي، وتثبت من ضعف قلبه من أصحابي. قال محمد بن الحسن: وانتسب الخبيث إلى يحيى بن زيد بن علي بعد إخراجه بالبصرة، وذلك لمصير جماعة من العلوية الذين كانوا بالبصرة إليه، وأنه كان فيمن أتاه منهم علي بن أحمد بن عيسى بن زيد، وعبد الله بن علي في جماعة من نسائهم وحرمهم، فلما جاءوه ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى وانتسب إلى يحبى بن زيد. قال محمد بن الحسن: سمعت الخبيث وقد حضره جماعة من النوفليين، فقال القاسم بن الحسن النوفلي: إنه قد كان انتهى إلينا أنك من ولد أحمد بن عيسى بن زيد، فقال: لست من ولد عيسى، أنا من ولد يحيى بن زيد. وهو في ذلك كاذب، لأن الإجماع في يحيى أنه لم يعقب إلا بنتاً ماتت وهي ترضع. ذكر الخبر عن الحرب بين محمد المولد والزنجوفيها أشخص السلطان محمداً المولد إلى البصرة لحرب صاحب الزنج، فشخص من سامرا يوم الجمعة لليلة خلت من ذي القعدة. ذكر الخبر عما كان من أمر المولد هناك ذكر أن محمداً المعروف بالمولد لما صار إلى هنالك نزل الأبلة، وجاء بريه، فنزل البصرة، واجتمع إلى بريه من أهل البصرة خلق كثير ممن كان هرب؛ وكان يحيى حين انصرف عن البصرة أقام بالنهر المعروف بالغوثي. قال محمد: قال شبل: فلما قدم محمد المولد كتب الخبيث إلى يحيى يأمره بالمصير إلى نهر أوا، فصار إليه بالجيش، وأقام يحارب المولد عشرة أيام، ثم أوطن المولد المقام، واستقر وفتر عن الحرب، فكتب الخبيث إلى يحيى يأمره بتبييته، ووجه إليه الشذا مع المعروف بأبي الليث الأصبهاني، فبيته ونهض المولد بأصحابه، فقاتلهم بقية ليلته ومن غدٍ إلى العصر، ثم ولى منصرفاً، ودخل الزنج عسكره، فغنموا ما فيه، فكتب يحيى إلى الخبيث بخبره، فكتب إليه يأمره باتباعه، فاتبعه إلى الحوانيت، وانصرف، فمر بالجامدة فأوقع بأهلها، وانتهب كل ما كان في تلك الرى، وسفك ما در على سفكه من الدماء، ثم سكر بالجالة، فأقام هناك مدة، ثم عاد إلى نهر معقل. وفيها أخذ محمد المولد سعيد بن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي، وكان قد تغلب على البطائح، هو وأصحابه من باهلة وأفسدوا الطريق. وفها خالف محمد بن واصل السلطان بفارس، وغلب عليها. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلي - وقيل له الصقلي وهو من أهل بيت المملكة، لأن صقلبية - على ميخائيل بن توفيل ملك الروم فقتله، وكان ميخائيل منفرداً بالمملكة أربعاً وعشرين سنة، وتملك الصقلي بعده على الروم. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة فمن ذلك ما كان من الموافاة بسعيد بن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلي باب السلطان، وأمر السلطان بضربه بالسياط، فضرب سبعمائة سوط - فيما قيل - في شهر ربيع الآخر منها، فمات فصلب. وفيها ضرب عنق قاض لصاحب الزنج، كان يقضي له بعبادان، وأعناق أربعة عشر رجلاً من الزنج بباب العامة بسامرا، كانوا أسروا من ناحية البصرة. وفيها أوق مفلح بأعراب بتكريت، ذكر أنهم كانوا مايلوا الشاري مساوراً. وفيها أوقع مسرور البلخي بالأكراد اليعقوبية فهزمهم، وأصاب فيهم. وفيها دخل محمد بن واصل في طاعة السلطان، وسلم الخراج والضياع بفارس إلى محمد بن الحسين بن الفياض. وعقد المعتمد يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول لأبي أحمد أخيه على ديار مضر وقنسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر، فخلع عليه وعلى مفلح، فشخصا نحو البصرة وركب وكوباً، وشيع أبا أحمد إلى بركوار، وانصرف. ذكر الخبر عن قتل منصور بن جعفر الخياطوفيها قتل منصور بن جعفر بن دينار الخياط. ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان أمره ذكر أن الخبيث لما فرغ أصحابه من أمر البصرة، أمر علي بن أبان المهلبي بالمصير إلى جبى لحرب منصور بن جعفر، وهو يومئذ بالأهواز، فخرج إليه، فأقام بإزائه شهراً، وجعل منصور يأتي عسكر علي وهو مقيم بالخيزرانية، ومنصور إذ ذاك في خف من الرجال، فوجه الخبيث إلى علي ابن أبان باثنتي شرة شذاة مشحونة بجلد أصحابه، وولى أمرها المعروف بأبي الليث الأصبهاني، وأمره بالسمع والطاعة لعلي بن أبان، فصار المعروف بأبي الليث إلى علي، فأقام مخالفاً له، مستبداً بالرأي عليه، وجاء منصور كما كان يجئ للحرب، ومعه شذوات، فبدر إليه أبو الليث عن غير مؤامرة منه لعلي بن أبان، فظفر منصور بالشذوات التي كانت معه، وقتل فيها من البيضان والزنج خلقاً كثيراً، وأفلت أبو الليث، فانصرف إلى الخبيث، فانصرف علي بن أبان وجميع من كان معه، فأقاموا شهراً، ثم رجع على لمحاربة منصور في رجاله، فلما استقر على وجه طلائع يأتونه بأخبار منصور وعساكره، وكان لمنصور وال مقيم بكرنا، فبيت علي بن أبان ذلك القائد، فقتله وقتل عامة من كان معه، وغنم ما كان في عسكره، وأصاب أفراساً، وأحرق العسكر، وانصرف من ليلته حتى صار في دنانة نهر جبى. وبلغ الخبر منصوراً، فسار حتى انتهى إلى الخيزرانية، فخرج إليه علي في نفير من أصحابه، وكانت الحرب بينهما منذ ضحى ذلك اليوم إلى وقت الظهر، ثم انهزم منصور، وتفرق عنه أصحابه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من الزنج اتبعوا أثره إلى نهر يعرف بعمر بن مهران، فلم يزل يكر عليهم حتى تقصفت رماحه، ونفدت سهامه، ولم يبق معه سلاح، ثم حمل نفسه على النهر ليعبر، فصاح بحصان كان تحته، فوثب وقصرت رجلاه، فانغمس في الماء. قال شبل: كان سبب تقصير الفرس عن عبور النهر بمنصور، أن رجلاً من الزنج كان ألقى نفسه لما رأى منصوراًقاصداً نحو النهر يريد عبوره فسبقه سباحة، فلما وثب الفرس تلقاه الأسود، فنكص به، فغاصا ماً ثم أطلع منصور رأيه، فنزل إليه غلام من السودان من عرفاء مصلح يقال له أبرون، فاحتز رأسه، وأخذ سلبه، وقتل ممن كان معه جماعة كثيرة، وقتل مع منصور أخوه خلف بن جعفر، فولى يارجوخ ما كان إلى منصور من العمل أصغجون. ذكر الخبر عن قتل مفلحولاثنتي شرة بقيت من جمادى الأولى منها، قتل مفلح بسهم أصابه بغير نصل في صدغه يوم الثلاثاء، فأصبح ميتاً يوم الأربعاء في غد ذلك اليوم، وحملت جثته إلى سامرا، فدفن بها. ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان الوصول إليه قد مضى ذكرى شخوص أبي أحمد بن المتوكل من سامرا إلى البصرة لحرب اللين لما تناهى إليه وإلى المعتمد ما كان من فظيع ما ركب من المسلمين بالبصرة، وما قرب منها من سائر أرض الإسلام، فعاينت أنا الجيش الذي شخص فيه أبو أحمد ومفلح ببغداد، وقد اجتازوا بباب الطاق، وأنا يومئذ نازل هنالك، فسمعت جماة من مشايخ أهل بغداد يقولون: قد رأينا جيوشاً كثيرة من الخلفاء، فما رأينا مثل هذا الجيش أحسن عدة، وأكمل سلاحاً وعتاداً، وأكثر عدداً وجمعاً، وأتبع ذلك الجيش من متسوقة أهل بغداد خلق كثير. وذكر عن محمد بن الحسن أن يحيى بن محمد البحراني كان مقيماً بنهر معقل قبل موافاة أبي أحمد موضع الخبيث، فاستأذنه في المصير إلى نهر العباس؛ فكره ذلك، وخاف أن يوافيه جيش السلطان، وأصحابه متفرقون، فألح عليه يحيى حتى أذن له، فخرج واتبعه أكثر أهل عسكر الخبيث. وكان علي بن أبان مقيماً بجبى في جمع كثير من الزنج، والبصرة قد صارت مغنماً لأهل عسكر الخبيث، فهم يغادونها ويراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها، فليس بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه إلا القليل؛ فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو أحمد في الجيش الذي كان معه فيه مفلح، فوافى جيش عظيم هائل لم يرد على الخبيث مثله؛ فلما انتهى إلى نهر معقل هرب من كان هناك من جيش الخبيث، فلحقوا به مرعوبين، فراغ ذلك الخبيث، فدعا برئيس من رؤساء جيشه الذي كان هناك، فسألهما عن السبب الذي له تركا موضعهما؛ فأخبراه بما عاينا من عظم أمر الجيش الوارد، وكثرة عدد أهله وإحكام عدتهم، وأن الذي عاينا من ذلك لم يكن في قوتهما الوقوف له في العدة التي كانا فيها؛ فسألهما:هل علما من يقود الجيش؟ فقالا: لا قد اجتهدنا في علم ذلك، فلم نجد من يصدقنا عنه. فوجه الخبيث طلائعه في سميريات لترف الخبر، فرجعت رسله إليه بتعظيم أمر الجيش وتفخيمه؛ ولم يقف أحدٌ منهم على من يقوده ويرأسه، فزاد ذلك في جزعه وارتياعه، فبادر بالإرسال إلى علي بن أبان، يعلمه خبر الجيش الوارد، ويأمره بالمصير إليه فيمن معه، ووافى الجيش، فأناخ بإزائه؛ فلما كان اليوم الذي كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء، خرج الخبيث ليطوف في عسكره، ماشياً، ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومن هو مقيم بإزائه من أهل حربه، وقد كانت السماء مطرت في ذلك اليوم مطراً خفيفاً والأرض ثرية عنها الأقدام، فطوف ساعة من أول النهار، ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتاباً إلى علي بن أبان، يعلمه ما قد أطله من الجيش ويأمره بتقديم من قدر على تقديمه من الرجال؛ فإنه لفي ذلك إذ أتاه المكنى أبا دلف - وهو أحد قواد السودان - فقال له: إن القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزنج، وليس في وجوههم من يردهم حتى انتهوا إلى الجبل الرابع. فصاح به وانتهزه، وقال: اغرب عني فإنك كاذب فيما حكيت؛ وإنما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رأيت من الجمع، فانخلع قلبك، ولست تدري ما تقول. فخرج أبو دلف من بين يديه، وأقبل على كاتبه، وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجان بالنداء في الزنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب؛ فأتاه السجان، فأخبره أنه قد ندب الزنج، فخرجوا، وإن أصحابه قد ظفروا بسميريتين، فأمره بالرجوع لنحريك الرجالة، فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً، حتى أصيب مفلح بسهم غرب لا يعرف الرامي به، ووقعت الهزيمة، وقوى الزنج على أهل حربهم، فنالوهم بما نالوهم به من القتل. ووافى الرءوس يومئذ حتى ملأت كل شئ، وجعل الزنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادونها بينهم. وأتى الخائن بأسير من أبناء الفراغنة، فسأله عن رأس الجيش، فأعلمه بمكان أبي أحمد ومفلح، فارتاع لذكر أبي أحمد - وكان إذا راعه أمر كذب به - فقال: ليس في الجيش غير مفلح! لأني لست أسمع الذكر إلا له؛ ولو كان في الجيش من ذكر هذا الأسير لكان صوته أبعد، ولما كان مفلح إلا تابعاً له، ومضافاً إلى صحبته. وقد كان أهل عسكر الخبيث لما خرج عليهم أصحاب أبي أحمد، جزعوا جزعاً شديداً، وهربوا من منازلهم، ولجئوا إلى النهر المعروف بنهر أبي الخصيب ولا جسر يومئذ عليه، فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان، ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة إلا يسيراً، حتى وافاه علي بن أبان في جمع من أصحابه، فوافاه وقد استغنى عنه، ولم يلبث مفلح أن مات، وتحيز أبو أحمد إلى الأبلة، ليجمع ما فرقت الهزيمة منه، ويجدد الاستعداد، ثم صار إلى نهر أبي الأسد فأقام به. قال محمد بن الحسن: فكان الخبيث لا يدري كيف قتل مفلح، فلما بلغه أنه أصيب بسهم، ولم ير أحداً ينتحل رميه ادعى أنه كان الرامي له. قال: فسمعته يقول: سقط بين يدي سهم، فأتاني به واح خادمي، فدفعه إلي، فرميت به فأصبت مفلحاً. قال محمد: وكذب في ذلك، لأني كنت حاضراً ذلك المشهد، وما زال عن فرسه حتى أتاه المخبر بخبر الهزيمة، وأتى بالرءوس وانقضت الحرب. وفي هذه السنة وقع الوباء في الناس في كور دجلة، فهلك فيها خلق كثير في مدينة السلام وسامرا وواسط وغيرها. وفيها قتل خرسخارس ببلاد الروم في جماعة من أصحابه. ذكر خبر أسر يحيى بن محمد البحراني ثم قتلهوفيها أسر يحيى بن محمد البحراني صاحب قائد الزنج، وفيها قتل. ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذكر عن محمد بن سمعان الكاتب أنه قال: لما وافى يحيى بن محمد نهر العباس، لقيه بفوهة النهر ثلثمائة فارساً من أصحاب أصغجون العامل - كان عامل الأهواز في ذلك الوقت، كانوا مرتبين في تلك الناحية - فلما بصر بهم يحيى استقلهم، ورأى كثرة من معه من الجمع مما لا خوف عليه معهم، فلقيهم أصحابه غير مستجنين بشئ يرد عنهم عاديتهم، ورشقتهم أصحاب أصغجون بالسهام، فأكثروا الجراح فيهم. فلما رأى ذلك يحيى عبر إليهم شرين ومائة فارس كانت معه، وضم إليهم من الرجال جمعاً كثيراً، وانحاز أصحاب أصغجون عنهم، وولج البحراني ومن معه نهر العباس؛ وذلك وقت قلة الماء في النهر، وسفن القيروانات جانحة على الطين. فلما أبصر أصحاب تلك السفن بالزنج تركواسفنهم، وحازها الزنج، وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة، ومضوا بها متوجهين نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة، وتركوا الطريق النهج، وذلك للتحاسد الذي كان بين البحراني وعلي بن أبان المهلبي. وإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك الطريق الذي يمر فيها بعسكر علي، فأصغى إلى مشورتهم، وشرعوا له الطريق المؤدي إلى البطيحة التي ذكرنا، فسلكها حتى ولج البطيحة، وسرح الخيل التي كانت معه، وجعل معها أبا الليث الأصبهاني، وأمره بالمصير بها إلى عسكر الذي ورد عليه، وكان الخبيث وجه إلى يحيى البحراني يعلمه ورود الجيش الذي ورد عليه، ويأمره بالتحرز في منصرفه من أن يلقاه أحد منهم، فوجه البحراني الطلائع إلى دجلة فانصرفت طلائعه وجيش أبي أحمد منصرف من الأبلة إلى نهر أبي الأسد، وكان السبب في رجوع الجيش إلى نهر أبي الأسد، أن رافع بن بسطام وغيره من مجاوري نهر العباس وبطيحة الصحناة كتبوا إلى أبي أحمد يعرفونه خبر البحراني وكثرة جمعه، وأنه يقدر أن يخرج من نهر العباس إلى دجلة، فيسبق إلى نهر أبي الأسد ويعسكر به، ويمنعه الميرة، ويحول بينه وبين من يأتيه أو يصدر عنه؛ فرجعت إليه طلائه بخبره، وعظم أمر الجيش عنده، وهيبته منه؛ فرجع في الطريق الذي كان سلكه بمثقة شديدة نالته ونالت أصحابه، وأصابهم وباء من ترددهم في تلك البطيحة، فكثر المرض فيهم، فلما قربوا من نهر العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدمته، فمضى يقود أوائل الزنج، وهم يجرون سفنهم، يريدون الخروج من نهر العباس، وفي النهر للسلطان شذوات وسميريات تحمى فوهته من قبل أصغجون، ومعها جمع من الفرسان والرجالة، فراعه وأصحابه ذلك، فخلوا سفنهم، وألقوا أنفسهم في غربي نهر العباس، وأخذوا على طريق الزيدان ماضين نحو عسكر الخبيث، ويحيى غار بما أصابهم، لم يأته علم شئ من خبرهم، وهو متوسط عسكره، قد وقف على قنطرة قورج العباس في موضع ضيق تشتد فيه جرية الماء، فهو مشرف على أصحابه الزنج، وهم في جر تلك السفن التي كانت معهم، فمنها ما يغرق، ومنها ما يسلم. قال محمد بن سمعان: وأنا في تلك الحال معه واقف، فأقبل علي متعجباً من شدة جرية الماء وشدة ما يلقى أصحابه من تلقيه بالسفن، فقال لي: أرأيت لو هجم لينا عدونا في هذه الحال، من كان أسوأ حالاً منا! فما انقضى كلامه حتى وافى طاشتمر التركي في الجيش الذي أنفذه إليهم أبو أحمد عند رجوعه من الأبلة إلى نهر أبي الأسد، ووقعت الضجة في عسكره. قال محمد: فنهضت مشتوفاً للنظر، فإذا الأعلام الحمر قد أقبلت في الجانب الغربي من نهر العباس ويحيى به؛ فلما رآها الزنج ألقوا أنفسهم في الماء جملة فعبروا إلى الجانب الشرقي وعرى الموضع الذي كان فيه يحيى فلم يبق معه إلا بضعة عشر رجلاً فنهض يحيى عند ذلك، فأخذ درقته وسبفه، واحتزم بمنديل، وتلقى القوم الذين أتوه في النفر الذين معه فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام، وأسرع فيهم الجراح، وجرح البحراني بأسهم ثلاثة في عضدته وساقه اليسرى، فلما رآه أصحابه جريحاً تفروا عنه، فلم يعرف فيقصد له، فرجع حتى دخل بعض تلك السفن، وعبر به إلى الجانب الشرقي من النهر؛ وذلك وقت الضحى من ذلك اليوم، وأثقلت يحيى الجراحات التي أصابته، فلما رأى الزنج ما نزل به اشتد جزهم، وضعفت قلوبهم، فتركوا القتال، وكانت همتهم النجاة بأنفسهم، وحاز السلطان الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربي من النهر؛ فلما حووها أقعدوا في بعض تلك السفن النفاطين، وعبروهم إلى شرقي النهر، فأحرقوها ما كان هناك من السفن التي كانت في أيدي الزنج، وانفض الزنج عن يحيى، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل فيهم ذريع، وأسر كثير؛ فلما أمسوا وأسدف الليل طاروا على وجوههم، فلما رأى يحيى تفرق أصحابه، ركب سميرية كانت لرجل من المقاتلة البيضان، وأقعد معه فيها متطبباً يقال له عباد يعرف بأبي جيش؛ وذلك لما كان به من الجراح، وطمع في التخلص إلى عسكر الخبيث، فسار حتى قرب من فوهة النهر، فبصر ملاحو السميرية بالشذا والسميريات واعتراضها في النهر، فجزعوا من المرور بهم، وأيقنوا أنهم مدركون، فعبروا إلى الجانب الغربي، فألقوه ومن معه على الأرض في زرع كان هناك، فخرج يمشي وهو مثقل؛ حتى ألقى نفسه؛ فأقام بموضعه ليلته تلك، فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عباد المتطبب الذي كان معه، فجعل يمشي متشوقاً لأن يرى إنساناً، فرأى بعض أصحاب السلطان، فأشار إليهم فأخبرهم بمكان يحيى، وأتاه بهم حتى سلمه إليهم. وقد زعم قوم أن قوماً مروا به، فرأوه فدلوا عليه، فأخذ . فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزنج، فاشتد لذلك جزعه، وعظم عليه توجعه. ثم حمل يحيى بن محمد الأزرق البحراني إلى أبي محمد، فحمله أبو أحمد إلى المعتمد بسامرا، فأمر ببناء دكة بالحير، بحضرة مجرى الحلبة فبنيت، ثم رفع للناس حتى أبصروه، فضرب بالسياط. وذكر أنه دخل سامرا يوم الأربعاء لتسع خلون من رجب على جمل، وجلس المعتمد من غد ذلك اليوم - وذلك يوم الخميس - فضرب بين يديه مائتي سوط بثمارها، ثم قطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خبط بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق. قال محمد بن الحسن: لما قتل يحيى البحراني وانتهى خبره إلى صاحب الزنج، قال: عظم علي قتله، واشتد اهتمامي به، فخوطبت فقيل لي: قتله خير لك، إنه كان شرهاً. ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم، قال: ومن شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنا نصيبه؛ فكان فيه عقدان، فوقعا في يدي يحيى، فأخفى عني خطراً، وعرض علي أخسها، واستوهبنيه فوهبته له، فرفع لي العقد الذي أخفاه، فدعوته فقلت: أحضرني العقد الذي أخفيته، فأتاني بالعقد الذي وهبته له، وجحد أن يكون أخذه غيره، فرفع لي العقد، فجعلت أصفه وأنا أراه، فبهت، وذهب فأتاني به، واستهوهبنيه فوهبته له، وأمرته بالاستغفار. وذكر عن محمد بن الحسن أن محمد بن سمعان حدثه أن قائد الزنج قال لي في بعض أيامه: لقد عرضت لي النبوة فأبيتها، فقلت: ولم ذاك؟ قال: لأن لها أعباء خفت ألا أطيق حملها!. ذكر خبر انحياز أبي أحمد بن المتوكل إلى واسطوفي هذه السنة انحاز أبو أحمد بن المتوكل من الموضع الذي كان به من قرب موضع قائد الزنج إلى واسط. ذكر الخبر عن سبب انحيازه ذلك إليها ذكر أن السبب في ذلك كان أن أبا أحمد لما صار إلى نهر أبي الأسد، فأقام به، كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم، وفشا فيهم الموت؛ فلم يزل مقيماً هنالك حتى أبل من نجا منهم من الموت من علته، ثم انصرف راجعاً إلى باذاورد، فعسكر به، وأمر بتجديد الآلات وإطاء من معه من الجند أرزاقهم وإصلاح الشذوات والسميريات والمعابر، وشحنها بالقواد من مواليه وغلمانه، ونهض نحو عسكر الخبيث، وأمر جماعة من قواده بقصد مواضع سماها لهم من نهر أبي الخصيب وغيره، وأمر جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه في الموضع الذي يكون فيه، فمال أكثر القوم حين وقعت الحرب، والتقى الفريقان إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبو أحمد في قلة من أصحابه، فلم يزل عن موضعه إشفاقاً من أن يطمع فيه الزنج، وفيمن بإزائهم من أصحابه وهم بسبخة نهر منكي، وتأمل الزنج تفرق أصحاب أبي أحمد عنه، وعرفوا موضعه، فكثروا عليه، واستعرت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين، وأحرق أصحاب أبي أحمد قصوراً ومنازل من منازل الزنج، واستنقذوا من النساء جمعاً كثيراً، وصرف الزنج جمعهم إلى الموضع الذي كان به أبو أحمد فظهر الموفق على الشذا ، وتوسط الحرب محرضاً أصحابه حتى أتاه من جمع الزنج ما علم أنه لا يقاوم بمثل العدة اليسيرة التي كان فيها، فرأى أن الحزم في محاجزتهم، فأمر أصحابه عند ذلك بالرجوع إلى سفنهم على تؤدة ومهل، فصار أبو أحمد إلى الشذا التي كان فيها بعد أن استقر أكثر الناس في سفنهم، وبقيت طائفة من الناس، ولجئوا إلى تلك الأدغال والمضايق، فانقطعوا عن أصحابهم، فخرج عليهم كمناء الزنج، فاقتطعوهم ووقعوا بهم، فحاموا عن أنفسهم، وقاتلوا قتالاً شديداً، وقتلوا عدداً كثير منالزنج، وأدركتهم المنايا فقتلوا،،، وحملوا إلى قائد الزنج مائة رأس وعشرة أرؤس، فزاد ذلك في عتوه. ثم انصرف أبو أحمد إلى الباذاورد في الجيش، وأقام يعبي أصحابه للرجوع إلى الزنج، فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره؛ وذلك في أيام عصوف الريح، فاحترق السكر ، ورحل أبو أحمد منصرفاً، وذلك في شعبان متن هذه السنة إلى واسط، فلما صار إلى واسط تفرق عنه عامة من كان معه من أصحابه. ولعشر خلون من شبان كانت هذه صعبة هائلة بالصيمرة. ثم سم من غد ذلك اليوم وذلك يوم الأحد، هدة هي أعظم من التي كانت في اليوم الأول، فتهدم من ذلك أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها - فيما قيل - زهاء عشرين ألفاً. وضرب بباب الامة بسامرا رجل يعرف بأبي فقعس، قامت عليه البنة - فيما قيل - بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطاً، فمات وذلك اليوم يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان. ومات يارجوخ يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان، فصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل وحضر جعفر بن المعتمد. وفيها كانت وقعة بي موسى بن بغا وأصحاب الحسن بن زيد، فهزم موسى أصحاب الحسن. وفيها انصرف مسرور البلخي عن مساور الشاري إلى سامرا، ومعه أسراء من الشراة، واستخلف على عسكره بالحديثة جعلان. ثم شخص أيضاً مسرور البلخي إلى ناحية البواريخ، فلقى مساوراً بها، فكانت بينهما وقعة بها أسر مسرور من أصحابه جماعة، ثم انصرف لليال بقيت من ذي الحجة. وفي هذه السنة حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمونه القفاع. وفيها رجع أكثر الحاج من الرعاء خوف العطش، وسلم من سار منهم إلى مكة. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن. ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك منصرف أبي أحمد بن المتوكل من واسط، وقدومه سامرا يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول، واستخلافه على واسط وحرب الخبيث بتلك الناحية محمداً المولد. ذكر الخبر عن مقتل كنجورومن ذلك مقتل كنجور. ذكر الخبر عن سبب مقتله وكان سبب ذلك أنه كان والى الكوفة، فانصرف عنها يريد سامرا بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبى، فحمل إليه - فيما ذكر - مال ليفرق في أصحابه أرزاقهم منه، فلم يقنع بذلك، ومضى حتى ورد عكبراء في ربيع الأول، فتوجه إليه من سامرا عدة من القواد، فيهم: ساتكين وتكين وعبد الرحمن ابن مفلح وموسى بن أتامش وغيرهم؛ فذبحوه ذبحاً، وحمل رأسه إلى سامرا، لليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وأصيب معه نيف وأربعون ألف دينار، وألزم كاتب له نصراني مالاً، ثم ضرب هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة ألف سوط، فمات. وفيها غلب شركب الجمال على مرو وناحيتها وأنهبا. وفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام بقهستان، وولى عماله هراة وبوشنج وباذ غيس، وانصرف إلى سجستان. وفيها فارق عبد الله السجزى يعقوب بن الليث مخالفاً له، وحاضر نيسابور، فوجه محمد بن طاهر إليه الرسل والفقهاء، فاختلفوا بينهما، ثم ولاه الطبسين وقهستان. ذكر خبر دخول المهلبي ويحيى بن خلف سوق الأهوازولست خلون من رجب منها، دخل المهلبي ويحيى بن خلف النهر بطي سوق الأهواز، فقتلوا بها خلقاً كثيراً، وقتلوا صاحب المعونة بها. ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وكيف كان هلاك صاحب الحرب من قبل السلطان فيها ذكر أن قائد الزنج خفي عليه أمر الحريق الذي كان في عسكر أبي أحمد بالباذاورد، فلم يعلم خبره إلا بعد ثلاثة أيام ورد به عليه رجلان من أهل عبادان فأخبره، فعاد للعيث، وانقطعت عنه الميرة، فأنهض على ابن أبان المهلبي، وضم إليه أكثر الجيش، وسار معه سليمان بن جامع، وقد ضم إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحراني وسليمان بن موسى الشعراني، وقد ضمت إليه الخيل وسائر الناس مع علي بن أبان المهلبي والمتولي للأهواز يومئذ رجل يقال له أصغجون، ومعه نيزك في جماعة من القواد، فسار إليهم علي بن أبان في جمعه من الزنج، ونذر به أصغجون، فنهض نحوه في أصحابه، فالتقى العسكران بصحراء تعرف بدرسماران، فكانت الدبرة يومئذ على أصغجون، فقتل يزك في جمع كثير من أصحابه، وغرق أصغجون، وأسر الحسن بن هرثمة المعروف بالشار يومئذ، والحسن بن جعفر المعروف براوشار. قال محمد بن الحسن: فحدثني الحسن بن الشار، قال: خرجنا يومئذ من أصغجون للقاء الزنج؛ فلم يلبث أصحابنا، وانهزموا، وقتل نيزك، وفقد أصغجون، فلما رأيت ذلك نزلت عن فرس محذوف، كان تحتي، وقدرت أن أتناول بذنب جنيبة كانت معي، وأقمحها النهر، فأنجو بها. فسبقني إلى ذلك غلامي، فنجا وتركني، فأتيت موسى بن جعفر لأتخلص معه، فركب سفينة، ومضى فيها، ولم يقم علي، وبصرت بزورق فأتيته فركبته، فكثر الناس علي وجعلوا يطلبون الركوب معي فيتعلقون بالزورق حتى غروقوه، فانقلب، وعلوت ظهره، وذهب الناس عني، وأدركني الزنج، فجعلوا يرمونني بالنشاب، فلما خفت التلف قلت: أمسكوا عن رميي، وألقوا إلي شيئاً أتعلق به، وأصير إليكم، فمدوا إلي رمحاً، فتناولته بيدي وصرت إليهم. وأما الحسن بن جعفر، فإن أخاه حمله لى فرس، وأعده ليسفر بينه بين أمير الجيش، فلما وقعت الهزيمة بادر في طلب النجاة، فعثر به فرسه فأخذ. فكتب لي بن أبان إلى الخبيث بأمر الوقعة، وحمل إليه رءوساً وأعلاماً كثيرة، ووجه الحسن بن الشار والحسن بن جعفر وأحمد بن روح، فأمر بالأسرى إلى السجن، ودخل علي بن أبان الأهواز، فأقام يعيث بها إلى أن ندب السلطان موسى بن بغا لحرب الخبيث. شخوص موسى بن بغا لحرب صاحب الزنجوفيها شخص موسى بن بغا عن سامرا لحره، وذلك لثلاث عشر بقيت من ذي القعدة، وشيعه المعتمد إلى خلف الحائطين، وخلع عليه هناك. وفيها وافى عبد الرحمن بن مفلح الأهواز وإسحاق بن كنداج البصرة وإبراهيم بن سيما باذورد لحرب قائد الزنج من قبل موسى بن بغا. ذكر الخبر عما كان من أمر هؤلاء في النواحي التي ضمت إليهم مع أصحاب قائد الزنج في هذه السنة: ذكر أن ابن مفلح لما وافى الأهواز، أقام بقنطرة أربك عشرة أيام، ثم مضى إلى المهلبي، فواقعه، فهزمه المهلبي وانصرف، واستعد ثم عاد لمحاربته، فأوقع به وقعة غليظة، وقتل من الزنج قتلاً ذريعاً، وأسر أسرى كثيرة، وانهزم علي بن أبان، وأفلت ومن معه من الزنج، حتى وافوا بياناً، فأراد الخبيث ردهم، فلم يرجعوا للذعر الذي خالط قلوبهم. فلما رأى ذلك أذن لهم في دخول عسكره، فدخلوا جميعاً، فأقاموا بمدينته. ووافى عبد الرحمن حصن المهدي ليعسكر به، فوجه إليه الخبيث علي بن أبان، فواقعه فلم يقدر عليه، ومضى علي يريد الموضع المعروف بالدكر، وإبراهيم بن سيما يومئذ بالباذاورد، فواقعه إبراهيم، فهزم علي بن أبان، وعاوده فهزمه أيضاً إبراهيم، فمضى في الليل، وأخذ معه أدلاء؛ فسلكوا به الآجام والأدغال؛ حتى وافى نهر يحيى، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن، فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالي، فلم يصل إلى علي ومن منه لوعورة الموضع الذي كانوا فيه، وامتناعه بالقصب والحلافي، فأضرمه عليهم ناراً، فخرجوه منه هاربين، فأسر منهم أسرى، وانصرف إلى عبد الرحمن بن مفلح بالأسرى والظفر، ومضى علي ابن أبان حتى وافى نسوخاً، فأام هناك فيمن معه من أصحابه، وانتهى الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن مفلح، فصرف وجهه نحو العمود، فوافاه وأقام به. وصار علي بن أبان إلى نهر السدرة، وكتب إلى الخبيث يستمده ويسأله التوجيه إليه بالشذاءات، فوجه إليه ثث عشرة شذاة، فيها جمع كثير من أصحابه، فسار علي ومعه الشذا حتى وافى عبد الرحمن، وخرج إليه عبد الرحمن بمن معه، فلم يكن بينهما قتال، وتواف الجيشان يومهما ذلك؛ فلما كان الليل، انتخب علي بن أبان من أصحابه جماعة يثق بجلدهم وصبرهم، ومضى فيهم ومعه سليمان بن موسى المعروف بالشعراني، وترك سائر عسكره مكانه ليخفى أمره، فصار من وراء عبد الرحمن، ثم بيته في عسكره، فنال منه ومن أصحابه نيلاً، وانحاز عبد الرحمن عنه، وخلى عن أربع شذوات من شذواته فأخذها لي وانصرف، ومضى عبد الرحمن لوجهه حتى وافى الدولاب فأام به، وأعد رجالاً من رجاله، وولى عليهم طاشتمر، وأنفذهم إلى علي ابن أبن. فوافوه بنواحي بياب آزور، فأوقعوا به وقعة، انهزم منها إلى نهر السدرة، وكتب طاشتمر إلى عبد الرحمن بانهزام علي عنه، فأقبل عبد الرحمن بجيشه حتى وافى العمود، فأقام به، واستعد أصحابه للحرب، وهيأ شذواته، وولى عليها طاشتمر، فسار إلى فوهة نهر السدرة، فواقع علي بن أبان وقعة عظيمة، انهزم منها علي، وأخذ منه عشرات شذوات، ورجع علي إلى الخبيث مفلولاً مهزوماً، وسار عبد الرحمن من فوره، فعسكر ببيان،فكان عبد الرحمن ابن مفلح وإبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى عسكر الخبيث، فيوقعان به، ويخيفان من فيه، وإسحاق بن كنداج يومئذ مقيم بالبصرة، قد قطع الميرة عن عسكر الخبيث؛ فكان الخبيث يجمع أصحابه في اليوم الذي يخاف فيه موافاة عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما حتى ينقضى الحرب، ثم يصرف فريقاً منهم إلى ناحية البصرة، فيواقع بهم إسحاق بن كنداج، فأقاموا في ذلك بضعة عشر شهراً إلى أن صرف موسى بن بغا عن حرب الخبيث، ووليها البلخي، وانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث. وفيها غلب الحسن بن زيد لى قومس، ودخلها أصحابه. وفيها كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن سنان القزويني ووهسوذان بن جستان الديلمي، فهزم محمد بن الفضل وهسوذان. وفيها ولي موسى بن بغا الصلابي الري حين وثب كيغلغ على تكين، فقتله فسار إليها. وفيها غلب صاحب الروم على سميساط، ثم نزل على ملطية، وحاصر أهلها، فحاربه أهل ملطية فهزموه، وقتل أحمد بن محمد القابوس نصراً الإقريطشي بطريق البطارقة. وفيها وجه من الأهواز جماعة من الزنج أسروا إلى سامرا، فوثبت العامة بهم سامرا، فقتلوا أكثرهم وسلبوهم. " ذكر الخبر عن دخول يعقوب بن الليث نيسابوروفيها دخل يعقوب بن الليث نيسابور. ذكر الخبر عن الكائن الذي كان منه هناك ذكر أن يعقوب بن الليث صار إلى هراة، ثم قصد نيسابور، فلما قرب منها وأراد دخولها، وجه محمد بن طاهر يشتأذنه في تلقيه، فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقوه، ثم دخل نيسابور لأربع خلون من شوال بالعشى، فنزل طرفاً من أطرافها يعرف بداودباذ، فركل إليه محمد بن طاهر، فدخل عليه في مضربه، فساءله، ثم أقبل على تأنيبه وتوبيخه على تفريطه في عمله، ثم انصرف وأمر عزير بن السري بالتوكيل به، وصرف محمد بن طاهر وولي عزيزاً نيسابور، ثم حبس محمد بن طاهر وأهل بيته. وورد الخبر بذلك على السلطان، فوجه إليه حاتم بن زيرك بن سلام، ووردت كتب يقوب على السلطان لعشر بقين من ذي القعدة، فقعد - فيما ذكر - جعفر بن المعتمد وأبو أحمد بن المتوكل في إيوان الجوسق، وحضر القواد، وأذن لرسل يعقوب. فذكر رسله ما تناهى إلى يعقوب من حال أهل خراسان، وأن الشراة والمخالفين قد غلبوا عليها، وضعف محمد بن طاهر، وذكوا مكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إياه قدومه عليهم واستانتهم، وأنه صار إليها، فلما كان على عشرة فراسخ من نيسابور، سار إليه أهلها، فدفعوها إليه فدخلها. فتكلم أبو أحمد وعبيد الله بن يحيى، وقالا للرسل: إن أمير المؤمنين لا يقار يعقوب على ما فعل، وأنه يأمره بالانصراف إلى العمل الذي ولاه إياه، وأنه لم يكن له أن يفعل ذلك بغير أمره فليرجع، فإنه إن فعل كان من الأولياء، وإلا لم يكن له إلا ما للمخالفين. وصرف إليه رسله بذلك ووصلوا، وخلع على كل واحد منهم خلعة فيها ثلاثة أثواب؛ وكانوا أحضروا رأساً على قناة فيه رقعة فيها: هذا رأس عدو الله عبد الرحمن الخارجي بهراة، ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، قتله يعقوب بن الليث. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس المعروف ببريه. ثم دخلت سنة ستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك قتل رجل من أكراد مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمر، وجده في زورق يريد سامرا، فقتله وحمل رأسه إلى مساور، فطلبت ربيعة بدمه في جمادى الآخرة، فندب مسرور البلخي وجماعة من القواد إلى أخذ الطريق على مساور. وفيها قتل قائد الزنج علي بن زيد العلوي صاحب الكوفة. خبر الوقعة بين يعقوب بن الليث والحسن بن زيد الطائيوفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد الطالبي، فهزمه ودخل طبرستان. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وعن سبب مصير يعقوب إلى طبرستان أخبرني جماعة من أهل الخبرة بيعقوب أن عبد الله السجزي كان يتنافس الرياسة بسجستان، فقهره يعقوب، فتخلص منه عبد الله، فلحق بمحمد بن طاهر بنيسابور، فلما صار يعقوب إلى نيسابور وهرب عبد الله، فلحق بالحسن بن زيد، فشخص يعقوب في أثره بعد ما كان من أمره وأمر محمد بن طاهر ما قد ذكرت قبل، فمر في طريق إلى طبرستان بأسفرائيم وواحيها، وبها رجل كنت أعرفه يطلب الحديث، يقال له بديل الكشي، يظهر التطوع والأمر المعروف، وقد استجاب له عامة أهل تلك الناحية، فلما نزلها يعقوب راسله، وأخبره أنه مثله في التطوع وأنه معه، فلم يزل يرفق به حتى صار إليه بديل، فلما تمكن منه قيده، ومضى به معه إلى طبرستان، فلما صار إلى قرب سارية لقيه الحسن بن زيد. فقيل لي: إن يعقوب بعث إلى الحسن بن زيد يسأله أن يبعث إليه بعبد الله السجزي حتى ينصرف عنه؛ فإنما قصد طبرستان من أجله لا لحربه، فأبى الحسن بن زيد تسليمه إليه، فآذنه يعقوب بالحرب، فالتقى عسكرهما، فلم تكن إلا كلا ولا، حتى هزم الحسن بن زيد، ومضى نحو الشرز وأرض الديلم، ودخل يعقوب سارية، ثم تقدم منها إلى آمل، فجبى أهلها خراج سنة، ثم شخص من آمل نحو الشرز في طلب الحسن بن زيد حتى صار إلى بعض جبال طبرستان، فأدركته فيه الأمطار، وتتابعت عليه - فيما ذكر لي - نحواً من أربعين يوماً، فلم يتخلص من موضعه ذلك إلا بمشقة شديدة. وكان - فيما قيل لي - قد صعد جبلاً، لما رام النزول عنه لم يمكنه ذلك إلا محمولاً على ظهور الرجال، وهلك عامة ما كان معه من الظهر. ثم رام الدخول خلف الحسن بن زيد إلى الشرز، فحدثني بعض أهل تلك الناحية أنه انتهى إلى الطريق الذي أراد سلوكه إليه، فوقف عليه، وأمر أصحابه بالوقوف، ثم تقدم أمامهم يتأمل الطريق، ثم رجع إلى أصحابه، فأمرهم بالانصراف، وقال لهم: إن لم يكن إليه طريق غير هذا فلا طريق إليه. فأخبرني الذي ذكر لي ذلك، أن نساء أهل تلك الناحية قلن لرجالهن: دعوه يدخل هذا الطريق؛ فإنه إن دخل كفينا كم أمره، وعلينا أخذه وأسره لكم. فلما انصرف راجعاً، وشخص عن حدود طبرستان، عرض رجاله، ففقد منهم - فيما قيل لي - أربعين ألفاً، وانصرف عنها، وقد ذهب عظم ما كان معه من الخيل والإبل والأثقال. وذكر أنه كتب إلى السلطان كتاباً يذكر فيه مسيره إلى الحسن بن زيد، وأنه سار من جرجان إلى طميس. فافتتحها. ثم سار إلى سارية، وقد أخرب الحسن بن زيد القناطر، ورفع المعابر، وعور الطريق، وعسكر الحسن بن زيد على باب سارية متحصناً بأودية عظام، ود مالأه خرشاد بن جيلاو، صاحب الديلم، فزحف باقتدار فيم جمع إليه من الطبرية والديالمة والخراسانية والقمية والجبلية والشأمية والجزرية، فهزمته وقتلت عدة لم يبلغها بعهدي عدة، وأسرت سبعين من الطالبيين؛ وذلك في رجب، وسار الحسن بن زيد إلى الشرز ومعه الديلم. وفي هذه السنة اشتد الغلاء في عامة بلاد الإسلام، فانجلى - فيما ذكر - عن مكة من شدة الغلاء من كان بها مجاوراً إلى المدينة وغيرها من البلدان، ورحل عنها العامل الذي كان بها مقيماً وهو بريه، وارتفع السعر ببغداد، فبلغ الكر الشعير عشرين ومائة دينار، والحنطة خمسين ومائة، ودام ذلك شهوراً. وفيها قتلت الأعراب منجور والي حمص، فاستعمل عليها بكتمر. وفيها صار يعقوب بن الليث حين انصرف عن طبرستان إلى ناحية الري، وكان السبب في مصيره إليها - فيما ذكر لي - مصير عبد الله السجزي إلى الصلابي مستجيراً به من يعقوب، لما هزم يعقوب الحسن بن زيد، فلما صار يعقوب إلى خوار الري كتب إلى الصلابي يخيره بين تسليم عبد الله السجزي إليه حتى ينصرف عنه، ويرتحل عن عمله، وبين أن يأذن بحربه. فاختار الصلابي - فيما قيل لي - تسليم عبد الله، فسلمه إليه، فقتله يعقوب، وانصرف عن عمل الصلابي. ذكر خبر مقتل العلاء بن أحمد الأزديوفيها قتل العلاء بن أحمد الأزدي. ذكر الخبر عن سبب مقتله ذكر أن العلاء بن أحمد فلج وتعطل، فكتب السلطان إلى أبي الرديني عمر بن علي بن مر بولاية أذربيجان، وكانت قبل إلى العلاء، فصار أبو الرديني إليها ليتسلمها من العلاء، فخرج العلاء في قبة في شهر رمضان لحرب أبي الرديني، ومع أبي الرديني جماعة من الشراة وغيرهم، فقتل العلاء. فذكر أنه وجه عدة من الرجال في حمل ما خلف العلاء، فحمل من قلعته ما بلغت قيمته ألفي وسبعمائة ألف درهم. وفيها أخذت الروم لؤلؤة من المسلمين. وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي المعروف ببريه. ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من انصراف الحسن بن زيد من أرض الديلم إلى طبرستان وإحراقه شالوس لما كان من ممالأتهم يعقوب وإقطاعه ضياعهم الديالمة. ومن ذلك ما كان من أمر السلطان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بجمع من كان ببغداد من حاج خراسان والري وطبرستان وجرجان، فجمعهم في صفر منها، ثم قرئ عليهم كتاب يعلمون فيه أن السلطان لم يول يعقوب بن الليث خراسان، ويأمرهم بالبراءة منه لإنكاره دخوله خراسان وأسره محمد بن طاهر. وفي هذه السنة توفي عبد الله بن الواثق في عسكر الصفار يعقوب. وفيها قتل مساور الشاري يحيى بن حفص الذي كان يلي خراسان بكرخ جدان في جمادى الآخرة، فشخص مسرور البلخي في طلبه، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل، وتنحى مساور فلم يلحق. وفي جمادى الأولى منها هلك أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري. ذكر خبر وقعة كانت برامهرمز في هذا العاموفيها كانت بين محمد بن واصل وعبد الله بن مفلح وطاشتمر وقعة برامهرمز، فقتل ابن واصل طاشتمر، وأسر ابن مفلح. ذكر الخبر عن هذه الوقعة والسبب فيها: كان السبب في ذلك - فيما ذكر لي - أن ابن واصل قتل الحارث بن سيما وهو عامل السلطان بفارس وتغلب عليها، فضمت إلى موسى بن بغا فارس والأهواز والبصرة والبحرين واليمامة؛ مع ما كان إليه من عمل المشرق؛ فوجه موسى بن بغا عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز، وولاه إياها وفارس، وضم إليه طاشتمر، فاتصل بابن واصل ذلك من فعل موسى، وأن ابن مفلح قد توجه إلى فارس يريده، وكان قبل مقيماً بالأهواز على حرب الخارجي بناحية البصرة. فزحف إليه ابن واصل، فالتقيا برامهرمز، وانضم أبو داود الصعلوك إلى ابن واصل معيناً له على ابن مفلح، فظفر ابن واصل بابن مفلح، فأسره وقتل طاشتمر، واصطلم عسكر ابن مفلح، ثم لم يزل ابن مفلح في يده حتى قتله، وقد كان السلطان وجه إسماعيل بن إسحاق إلى ابن واصل في إطلاق ابن مفلح، فلم يجبه إلى ذلك ابن واصل. ولما فرغ ابن واصل من ابن مفلح أقبل مظهراً أنه يريد واسطاً لحرب موسى بن بغا حتى انتهى إلى الأهواز، وبها إبراهيم بن سيما في جمع كثير. فلما رأى موسى بن بغا شدة الأمر وكثرة المتغلبين على نواحي المشرق، وأنه لا قوام له بهم، سأل أن يعفى من أعمال المشرق، فأعفي منها، وضم ذلك إلى ابن أبي أحمد، ووليه أبو أحمد بن المتوكل، فانصرف موسى بن بغا من واسط إلى باب السلطان مع عماله عن أعمال المشرق. وفيها ولي أبو الساج الأهواز وحرب قائد الزنج، فصار إليها أبو الساج بعد شخوص عبد الرحمن بن مفلح إلى ناحية فارس. وفيها كانت بين عبد الرحمن صهر أبي الساج وعلي بن أبان المهلبي وقعة بناحية الدولاب، قتل فيها عبد الرحمن، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرم، ودخل الزنج الأهواز، فقتلوا أهلها، وسبوا وانتهبوا، وأحرقوا دورها. ثم صرف أبو الساج عما كان إليه من عمل الأهواز وحرب الزنج، وولي ذلك إبراهيم بن سيما، فلم يزل مقيماً في عمله ذلك حتى انصرف عنه بانصراف موسى بن بغا، عما كان إليه من عمل المشرق. وفيها ولي محمد بن أوس البلخي طريق خراسان. ولما ضم عمل المشرق إلى أبي أحمد ولي مسروراً البلخي الأهواز والبصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين في شعبان من هذه السنة، وحرب قائد الزنج. وفيها ولي نصر بن أحمد بن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إليه بولايته ذلك. وفي شوال منها زحف يعقوب بن الليث إلى فارس، وابن واصل مقيم بالأهواز، فانصرف منها إلى فارس، فالتقى هو ويعقوب بن الليث في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفل عسكره، وبعث إلى خرمة إلى قلعة ابن واصل، فأخذ ما كان فيها، فذكر أنه بلغت قيمة ما أخذ يعقوب منها أربعيمن ألف ألف درهم، وأسر مرداساً خال ابن واصل. وفيها أوقع أصحاب يعقوب بن الليث بأهل زم موسى بن مهران الكردي، لما كان من ممالأتهم محمد بن واصل، فقتلوهم، وانهزم موسى بن مهران. وفيها لاثنتي عشرة مضت من شوال منها، جلس المعتمد في دار العامة، فولي ابنه جعفراً العهد، وسماه المفوض إلى الله، وولاه المغرب، وضم إليه موسى بن بغا، وولاه إفريقية ومصر والشأم والجزيرة والموصل وإرمينية وطريق خراسان ومهرجا نقذق وحلوان، وولي أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر، وولاه المشرق، وضم إليه مسروراً البلخي، وولاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقم والكرج والدينور والري وزنجان وقزوين وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والسند، وعقد لكل واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به حدث الموت وجعفر لم يكمل للأمر، أن يكون الأمر لأبي أحمد ثم لجعفر. وأخذت البيعة على الناس بذلك، وفرقت نسخ الكتاب، وبعث بنسخة مع الحسن بن محمد بن أبي الشوارب ليعلقها في الكعبة، فعقد جعفر المفوض لموسى بن بغا على المغرب في شوال وبعث إليه بالعقد مع محمد المولد. وفيها فارق محمد بن زيدويه يعقوب بن الليث، فاعتزل عسكره في آلاف من أصحابه، فصار إلى أبي الساج فقبله، وأقام معه بالأهواز، وبعث إليه من سامرا بخلعة، ثم سأل ابن زيدويه السلطان توجيه الحسين بن طاهر بن عبد الله معه إلى خراسان. وسار مسرور البلخي مقدمة لأبي أحمد من سامرا، لسبع خلون من ذي الحجة، وخلع عليه وعلى أربعة وثلاثين من قواده - فيما ذكر - وشيعه وليا العهد، واتبعه الموفق شاخصاً من سامرا لتسع بقين من ذي الحجة. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ومات الحسن بن محمد بن أبي الشوارب فيها بمكة بعدما حج. ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث رامهرمز فمما كان فيها من ذلك موافاة يعقوب بن الليث رامهرمز في المحرم وتوجيه السلطان إليه إسماعيل بن إسحاق وبغراج، وإخراج السلطان من كان محبوساً من أسباب يعقوب بن الليث من السجن؛ لأنه لما كان من أمره ما كان في أمر محمد بن طاهر، حبس السلطان غلامه وصيفاً ومن كان قبله من أسبابه،فأطلق عنهم بعدما وافى يعقوب رامهرمز؛ وذلك لخمس خلون من شهر ربيع الأول. ثم قدم إسماعيل بن إسحاق من عند يعقوب، وخرج إلى سامرا برسالة من عنده، فجلس أبو أحمد ببغداد، ودعا بجمعة من التجار، وأعلمهم أن أمير المؤمنين أمر بتولية يعقوب بن الليث خراسان وطبرستان وجرجان والري وفارس والشرطة بمدينة السلام؛ وذلك بمحضر من درهم بن نصر صاحب يعقوب وكان المعتمد قد صرف درهماً هذا من سامرا إلى يعقوب بجواب ما كان يعقوب أرسله، يسأله لنفسه، فأرسل معه إليه عمر بن سيما ومحمد بن تركشه، ووافى فيها رسل ابن زيدويه بغداد في شهر ربيع الأول منها برسالة من عنده، فخلع عليه أبو أحمد، ثم انصرف في هذه السنة الذين توجهوا إلى يعقوب بن الليث إلى السلطان، فأعلموه أنه يقول: إنه لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يصير إلى باب السلطان، وارتحل يعقوب من عسكر مكرم، فصار أبو الساج إليه، فقبله وأكرمه ووصله. ولما رجعت الرسل بما كان من جواب يعقوب عسكر المعتمد يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة بالقائم بسامرا، واستخلف على سامرا ابنه جعفراً، وضم إليه محمداً المولد، ثم سار منها يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الآخرة، ووافى بغداد يوم الأربعاء لأربع عشرة خلت من جمادى الآخرة، فاشتقها حتى جازها، وصار إلى الزعفرانية فنزلها، وقدم أخاه أبا أحمد من الزعفرانية. فسار يعقوب بجيشه من عسكر مكرم؛ حتى صار من واسط على فرسخ، فصادف هنالك بثقاً قد بثقه مسرور البلخي من دجلة لئلا يقدر على جوازه، فأقام عليه حتى سده وعبره؛ وذلك لست بقين من جمادى الآخرة، وصار إلى باذبين، ثم وافى محمد بن كثير من قبل يعقوب عسكر مسرور البلخي، فصار بإزائه، فصار مسرور بعسكره إلى النعمانية، ووافى يعقوب واسطاً، فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة. وارتحل المعتمد من الزعفرانية يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة؛ حتى صار إلى سيب بني كوما، فوافاه هنالك مسرور البلخي، وكان مسير مسرور البلخي إليه في الجانب الغربي من دجلة، فعبر إلى الجانب الذي فيه العسكر، فأقام المعتمد بسيب بني كوما أياماً، حتى اجتمعت إليه عساكره، وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول، ثم زحف من دير العاقول نحو عسكر السلطان، فأقام المعتمد بالسيب، ومعه عبيد الله بن يحيى، وأنهض أخاه أبا أحمد لحرب يعقوب، فجعل أبو أحمد موسى بن بغا على ميمنته، ومسروراً البلخي على ميسرته، وصار هو في خاصته، ونخبة رجاله في القلب. والتقى العسكران يوم الأحد لليال خلون من رجب بموضع يقال له اضطربد بين سيب بني كوما ودير العاقول. فشدت ميسرة يعقوب على ميمنة أبي أحمد فهزمتها، وقتلت منها جماعة كثيرة منهم من قوادهم إبراهيم بن سيما التركي وطباغوا التركي ومحمد طغتا التركي والمعرف بالمبرقع المغربي وغيرهم ثم ثاب المنهزمون وسائر عسكر أبي أحمد ثابت، فحملوا على يعقوب وأصحابه، فثبتوا وحاربوا حرباً شديداً، وقتل من أصحاب يعقوب جماعة من أهل البأس؛ منهم الحسن الدرهمي ومحمد بن كثير. وكان على مقدمة يعقوب - والمعروف بلبادة - فأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حلقه ويديه، ولم تزل الحرب بين الفريقين - فيما قيل - إلى آخر وقت صلاة العصر. ثم وافى أبا أحمد الديراني ومحمد بن أوس، واجتمع جميع من في عسكر أبي أحمد، وزد ظهر من كثير ممن مع يعقوب كراهة القتال معه إذ رأوا السلطان قد حضر لقتاله، فحملوا على يعقوب ومن قد ثبت معه للقتال، فانهزم أصحاب يعقوب، وثبت يعقوب في خاصة أصحابه؛ حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب. فذكر أنه أخذ من عسكره من الدواب والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس، ومن الدنانير والدراهم ما يكل عن حمله، ومن جرب المسك أمر عظيم، وتخلص محمد بن طاهر بن عبد الله، وكان مثقلاً بالحديد؛ خلصه الذي كان موكلاً به. ثم أحضر محمد بن طاهر، فخلع عليه عى مرتبته، وقرئ على الناس كتاب فيه: ولم يزل الملعون المارق المسمى يعقوب بن الليث الصفار ينتحل الطاعة، حتى أحدث الأحداث المنكرة؛ ومن مصيره إلى صاحب خراسان، وغلبته إياه عليها، وتقلده الصلاة والإحداث بها، ومصيره إلى فارس مرة بعد نرة، واستيلائه على أموالها، وإقباله إلى باب أمير المؤمنين مظهر المسألة في أمور أجابه أمير المؤمنين منها ما لم يكن يستحقه، استصلاحاً له، ودفعاً بالتي هي أحسن؛ فولاه خراسان والري وفارس وقزوين وزنجان والشرطة بمدينة السلام، وأمر بتكنيته في كتبه، وأقطعه الضياع النفسية، فما زاده ذلك إلا طغياناً وبغياً، فأمره بالرجوع فأبى، فنهض أمير المؤمنين لدفع الملعون حين توسط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر يعقوب أعلاماً على بعضها الصلبان، فقدم أمير المؤمنين أخاه أبا أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين في القلب، ومعه أبو عمران موسى بن بغا في الميمنة وفي جناح الميمنة إبراهيم ابن سيما، وفي الميسرة أبو هاشم مسرور البلخي، وفي جناح الميسرة الديراني، فتسرع وأشياعه في المحاربة، فحاربه حتى أثخن بالجراح، وحتى انتزع أبو عبد الله بن طاهر سالماً من أيديهم، وولوا منهزمين مجروحين مسلوبين، وسلم الملعون كل ما حواه ملكه " كتاباً مؤرخاً بيوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من رجب. ثم رجع المعتمد إلى معسكره وكتب إلى ابن واصل بتولية فارس، وقد كان صار إليها وجمع جماعة. ثم رجع المعتمد إلى المدائن ومضى أبو أحمد ومعه مسرور وساتكين وجماعة من القواد، وبض على ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، وأقطعها مسروراً البلخي، وقدم محمد بن طاهر بن عبد الله بغداد يوم الاثنين لأربع عشرة بيت من رجب وقد رد إليه العمل، فخلع عليه في الرصافة، فنزل دار عبد الله بن طاهر، فلم يعزل حداً، ولم يول وأمر له بخمسمائة ألف درهم. وكانت الوقعة التي كانت بين السلطان والصفار يوم الشعانين. وقال محمد بن علي بن فيد الطائي يمدح أبا أحمد ويذكر أمر الصفار: نعب الغراب عدمته من ناعب ... وصبا فؤادي لادكار حبائبي نادى بينهم فجادت مقلتي ... لزيال أرحلهم بدمعٍ ساكب بانوا بأتراب أوانس كالدمى ... مثل المهاقب البطون كواعب فأولئكن غرائر تيمنني ... بسوالف وقوائم وحواجب لولى عهد المسلمين مناسب ... شرفت وأشرق نورها بمناصب ومراتب في ذروةٍ لا ترتقى ... أكرم بها من ذروة مراتب ولقد أتى الصفار في عددٍ لها ... حسنٌ فوافتهن نكبة ناكب جلب القضاء إليه حتفاً عاجلاً ... سقياً ورعياً للقضاء الجالب أغواه إبليس اللعين بكيده ... واغتره منه بوعدٍ كاذب حتى اذا اختلفوا وظنّ بأنه ... قد عز بين عساكرٍ وكتائب دلفت إليه عساكر ميمونةٌ ... يلقون زحفاً باللواء الغالب في جحفل لجبٍ ترى أبطاله ... من دراعٍ أو رامحٍ أو ناشب وبدا الإمام برايةٍ منصورة ... لمحمد سيف الإله القاضب وولى عهد المسلمين موفقٌ ... وبالله أمضى من شهابٍ ثاقب وكأنه في الناس بدرٌ طالع ... متهلل بالنور بين كواكب لما التقوا بالمشرفية والقنا ... ضرباً وطعن محاربٍ لمحارب ثار العجاج وفوق ذاك غمامةٌ ... غراء تسكب وبل صوبٍ صائب فل الجموع بحزم رأي ثاقب ... منه وأفرد صاحباً عن صاحب لله در موفق ذي بهجةٍ ... ثبت المقام لدي الهياج مواثب يا فارس العرب الذي ما مثله ... في الناس يعرف آخرٌ لنوائب من فادح الزمن العضوض ومن لقا ... جيشٍ لذي غدر خئون غاصب ذكر خبر توجه رجال الزنج إلى البطيحة ودست ميسانوفيها وجه قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودست ميسات ذكر الخبر عن سبب توجيهه إياهم إليها ذكر أن سبب ذلك كان أن المعتمد لما صرف موسى بن بغا عن أعمال المشرق وما كان متصلاً بها، وضمها إلى أخيه أبي أحمد، وضم أبو أحمد عمل كور دجلة إلى مسرور البلخي، وأقبل يعقوب بن الليث مريداً أبا أحمد، وصار إلى واسط، خلت كور دجلة من أسباب السلطان، خلا المدائن وما فوق ذلك. وكان مسرور قد وجه قبل ذلك إلى الباذاوارد مكان موسى بن أتامش جعلان التركي، وكان بإزاء موسى بن أتامش، من قبل قائد الزنج سليمان بن جامع، وقد كان سليمان قبل أن يصرف ابن أتامش عن الباذاورد، قد نال من عسكره؛ فلما صرف ابن تامش وجعل موضعه جعلان، وجه سليمان من قبله رجلاً من البحرانيين يقال له ثعلب بن حفص، فأوقع به، وأخذ منه خيلاً ورجلاً، ووجه قائد الزنج من قبله رجلاً من أهل جبي يقال له أحمد بن مهدي في سميريات، وفيها رماة من أصحابه، فأنفذه إلى نهر المرأة، فجعل الجبائي يوقع بالقرى التي بنواحي المذار - فيما ذكر - فيعيث فيها، ويعود إلى نهر المرأة فيقيم به. فكتب هذا الجبائي إلى قائد الزنج يخبر بأن البطيحة خالية من رجال السلطان، لانصراف مسرور وعساكره عند ورود يعقوب بن الليث واسطاً. فأمر قائد الزنج سليمان بن جامع وجماعة من قواده بالمصير إلى الحوانيت، فأمر رجلاً من الباهليين يقال له عمير بن عمار، كان عالماً بطرق البطيحة ومسالكها، أن يسير مع الجبائي حتى يستقر بالحوانيت. فذكر محمد بن الحسن أن محمد بن عثمان العباداني قال: لما عزم صاحب الزنج على توجيه الجيوش إلى ناحية البطيحة ودستميسان أمر سليمان بن جامع أن يعسكر بالمطوعة وسلمان بن موسى أن يعسكر على فوهة النهر المعروف باليهودي، ففعلا ذلك، وأقاما إلى أن أتاهما إذنه، فنهضا، فكان مسير سليمان بن موسى إلى القرية المعروفة بالقادسية، ومسير سليمان بن جامع إلى الحوانيت والجبائي في السميريات أمام جيش سليمان بن جامع، ووافى أبا التركي دجلة في ثلاثين شذاة، فانحدر يريد عسكر قائد الزنج، فمر بالقرية التي كانت داخلة في سلم الخبيث فنال منها، وأحرق؛ فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى في منعه الرجوع، وأخذ عليه سليمان الطريق، فأقام شهراً يقاتل حتى تخلص فصار إلى البطيحة. وذكر محمد بن عثمان أن جباشاً الخادم زعم أن أبا التركي لم يكن صار إلى دجلة في هذا الوقت، وأن المقيم كان هناك نصير المعروف بأبي حمزة. وذكر أن سليمان بن جامع لما فصل متوجهاً إلى الحوانيت، انتهى إلى موضع يعرف بنهر العتيق. وقد كان الجبائي سار في طريق الماديان، فتلقاه رميس، فواقعه الجبائي، فهزمه، وأخذ منه أربعاً وعشرين سميرية ونيفاً وثلاثين صلغة، وأفلت رميس، فاعتصم بأجمة لجأ إليها، فأتاه قوم من الجوخانيين، فأخرجوه منها فنجا. ووافق المنهزمين من أصحاب رميس خروج سليمان من النهر العتيق، فتلقاهم فأوقع بهم، ونال منهم نيلاً، ومضى رميس حتى لحق بالموضع المعروف ببر مساور، وانحاز إلى سليمان جماعة من مذكوري البلاليين وأنجادهم في خمسين ومائة سميرية، فاستخبرهم عما أمامه، فقالوا: ليس بينك وبين واسط أحدٌ من عمال السلطان وولاته. فاغتر سليمان بذلك، وركن إليه، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي يعرف بالجازرة، فتلقاه رجل يقال له أبو معاذ القرشي، فواقعه، فانهزم سليمان عنه، وقتل أبو معاذ جماعة من أصحابه، وأسر قائداً من قواد الزنج، يقال له القندلي. فانصرف سليمان إلى الموضع الذي كان معسكراً به، فأتاه رجلان من البلالية، فقالا له: ليس بواسط أحد يدفع عنها غير أبي معاذ في الشذوات الخمس التي لقيك بها. فاستعد سليمان وجمع أصحابه وكتب إلى الخبيث كتاباً مع البلالية الذين كانوا استأمنوا إليه وأنقذهم إلا جميعة يسيرة في عشرة سميريات، انتخبهم للمقام معه، واحتبس الاثنين معه اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه به، وصار قاصداً لنهر أبان، فاعترض له أبو معاذ في طريقه، وشبت الحرب بينهما، وعصفت الريح، فاضطربت شذا أبي معاذ، وقوى عليه سليمان وأصحابه، فأدبر عنهم معرداً، ومضى سليمان حتى انتهى إلى نهر أبان، فاقتحمه، وأحرق وأنهب، وسبى النساء والصبيان، فانتهى الخبر بذلك إلى وكلاء كانوا لأبي أحمد في ضياع من ضياعه مقيمين بنهر سنداد، فساروا إلى سليمان في جماعة، فأوقعوا به وقعةً، قتلوا فيها جمعاً كثيراً من الزنج، وانهزم سليمان وأحمد بن مهدي ومن معهما إلى معسكرهما. قال محمد بن الحسن: قال محمد بن عثمان: لما استقر سليمان بن جامع بالحوانيت، ونزل بنهر يعرف بيعقوب بن النضر، وجه رجلاً ليعرف خبر واسط ومن فيها من أصحاب السلطان؛ وذلك بعد خروج مسرور البلخي وأصحابه عنها، لورود يعقوب إياها. فرجع إليه، فأخبره بمسير يعقوب نحو السلطان، وقد كان مسرور قبل شخوصه عن واسط إلى السيب وجه إلى سلميمان رجلاً يقال له وصيف الرحال في شذوات؛ فواقعه سليمان فقتله، وأخذ منه سبع شذوات، وقتل من ظفر به، وألقى القتلى بالحوانيت ليدخل الرهبة في قلوب المجتازين بهم من أصحاب السلطان. فلما ورد على سليمان خبر مسير مسرور عن واسط، دعا سليمان عمير بن عمار خليفته ورجلاً من رؤساء الباهليين يقال له أحمد بن شريك، فشاورهما في التنحي عن الموضع الذي تصل إليه الخيل والشذوات، وأن يلتمس موضعاً يتصل بطريق مني أراد الهرب منه إلى عسكر الخبيث سلكه، فأشارا عليه بالمصير إلى عقر ماور، والتحصن بطهيثا والأدغال التي فيها. وكره الباهليون خروج سليمان بن جامع من بين أظهرهم لغمسهم أيديهم معه، وما خافوا من تعقب السلطان إياهم، فحمل سليمان بأصحابه ماضياً في نهر البرور إلى طهيثا، وأنفذ الجبائي إلى النهر المعروف بالعتيق في السميريات، وأمره بالبدار إليه بما يعرف من خبر الشذا، ومن يأتي فيها ومن أصحاب السلطان، وخلف جماعة من السودان لإشخاص من تخلف من أصحابه، وسار حتى وافى عقر ماور، فنزل الرية المعروفة بقرية مروان بالجانب الشرقي من نهر طهيثا في جزيرة هناك. وجمع إليه رؤساء الباهليين وأهل الطفوف، وكتب إلى الخبيث يعلمه ما صنع، فكتب إليه يصوب رأيه، ويأمره بإنفاذ ما قبله من ميرة ونعم وغنم، فأنفذ ذلك إليه، وسار مسرور إلى موضع معسكر سليمان الأول، فلم يجد هناك كثير شيء، ووجد القوم قد سبقوه إلى نقل ما كان في معسكرهم، وانحدر أبا التركي إلى البطائح في طلب سليمان؛ وهو يظن أنه قد ترك الناحية، وتوجه نحو مدينة الخيث فمضى. فلم يقف لسليمان على أثر، وكر راجعاً، فوجد سليمان قد أنفذ جيشاً إلى الحوانيت ليطرق من شذ من عسكر مسرور، فخالف الطريق الذي خاف أن يؤديه إليهم، ومضى في طريق آخر؛ حتى انتهى إلى مسرور، فأخبره أنه لم يعرف لسليمان خبراً. وانصرف جيش سليمان إليه بما امتاروا، وأقام سليمان، فوجه الجبائي في الشميريات للوقوف على مواضع الطعام والمير والاحتيال في حملها. فكان الجبائي لا ينتهي إلى ناحية فيجد فيها شيئاً من الميرة إلا أحرقه، فساء ذلك سليمان، فنهاه عنه فلم ينته، وكان يقول: إن هذه الميرة مادة لعدونا، فليس الرأي ترك شيء منها. فكتب سليمان إلى الخبيث يشكو ما كان من الجبائي في ذلك، فورد كتاب الخبيث على الجبائي يأمره السمع والطاعة لسليمان، والائتمار له فيما يأمره به. وورد على سلمان أن أغرتمش وخشيشا قد أقبلا قاصدين إليه في الخيل والرجال والشذا والسميريات، يريدان مواقعته. فجزع جزعاً شديداً، وأنفذ الجبائي ليعرف أخبارهما، وأخذ في الاستعداد للقائهما، فلم يلبث أن عاد إليه الجبائي مهزوماً، فأخبره أنهما قد وافيا باب طنج؛ وذلك على نصف فرسخ من عسكر سليمان حينئذ، فأمره بالرجوع والوقوف في وجه الجيش، وشغله عن المصير إلى العسكر إلى أن يلحق به؛ فلما أنفذ الجبائي لما وجه له صعد سليمان سطحاً، فأشرف منه، فرأى الجيش مقبلاً، فنزل مسرعاً، فعبر نهر طهيثا، ومضى راجلاً، وتبعه جمعٌ من قواد السودان حتى وافوا باب طنج، فاستدبر أغرتمش، وتركهم حتى جدوا في المسير إلى عسكره. وقد كان أمر الذي استخلفه على جيشع ألا يدع أحداً من السودان يظهر لأحد من أهل جيش أغرتمش، وأن يخفوا أسخاصهم ما قدروا، ويدعوا القوم حتى يتوغلوا النهر إلى أن يسمعوا أصوات طبوله؛ فإذا سمعوها خرجوا عليهم، وقصدوا أغرتمش. فجاء أغرتمش بجيشه حتى لم يكن بينه وبين العسكر إلا نهر يأخذ من طهيثا يقال له جارورة بني مروان. فانهزم الجبائي في السميريات حتى وافى طهيثا، فخلف سميرياته بها، وعاد راجلاً إلى جيش سليمان، واشتد جزع أهل عسكر سليمان منه، فتفرقوا أيادي سبا، ونهضت منهم شرذمة فيها قائد من قواد السودان يقال له أبو النداء، فتلقوهم فواقعوهم، وشغلوهم عن دخول العسكر، وشد سليمان من وراء القوم، وضرب الزنج بطبولهم، وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم؛ فانهزم أصحاب أغرتمش وشد عليهم من كان بطهيثا من السودان، ووضعوا السيوف فيهم، وأقبل خشيش على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره، فتلقاه السودان، فصرعوه وأخذته سيوفهم، فقتل وحمل رأسه إلى سليمان، وقد كان خشيش حين انتزعوا إليه، قال لهم: أنا خشيش؛ فلا تقتلوني، وامضوا بي إلى أصحابكم. فلم يسمعوا لقوله وانهزم أغرتمش، وكان في آخر أصحابه، ومضى حتى ألقى نفسه إلى الأرض، فركب دابة ومضى، وتبعهم الزنج حتى وصلوا إلى عسكرهم؛ فنالوا حاجتهم منه، وظفروا بشذوات كانت مع خشيش، وظفر الذين اتبعوا الجيش المولى بشذوات كانت مع أغرتمش فيها مال. فلما انتهى الخبر إلى أغرتمش، كر راجعاً حتى انتزعها من أيديهم، ورجع سليمان إلى عسكره، وقد ظفر بأسلاب ودواب، وكتب بخبر الوقعة إلى قائد الزنج؛ وما كان منه فيها. وحمل إليه رأس خشيش وخاتمه، وأقر الشذوات التي أخذها في عسكره. فلما وافى كتاب سليمان ورأس خشيش، أمر فطيف به في عسكره، ونصب يوماً؛ ثم حمله إلى علي بن أبان، وهو يومئذ مقيم بنواحي الأهواز، وأمر بنصبه هناك؛ وخرج سليمان والجبائي معه وجماعة من قواد السودان إلى ناحية الحوانيت متطرفين، فتوافقوا هناك ثلاث عشرة شذاة مع المعروف بأبي تميم أخي المعروف بأبي عون صاحب وصيف التركي، فأوقعوا به، فقتل وغرق، وظفروا من شذواته بإحدى عشرة شذاة. قال محمد بن الحسن: هذا خبر محمد بن عثمان العباداني؛ فأما جباش؛ فزعم أن الشذا التي كانت مع أبي تميم كانت ثمانية، فأفلت منها شذاتان كانتا متأخرتين، فمضتا بمن فيهما وأصاب سلاحاً ونهباً، وأتى على أكثر من كان في تلك الشذوات من الجيش، ورجع سليمان إلى عسكره، وكتب إلى الخبيث بما كان منه من قتل المعروف بأبي تميم؛ ومن كان معه، واحتبس الشذوات في عسكره. وفيها كبس ابن زيدويه الطيب، فأنهبها. وفيها ولي القضاء علي بن محمد بن أبي الشوارب. وفيها خرج الحسين بن طاهر بن عبد الله من بغداد لليال بقين منه، فصار إلى الجبل. وفيها مات الصلابي، وولي الري كيغلغ. ومات صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها. وولي إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقي من بغداد، فجمع له قضاء الجانبين. وفيها قتل محمد بن عتاب بن عتاب، وكان ولي السيبين فصار إليها، فقتله الأعراب. وللنصف من شهر رمضان صار موسى بن بغا إلى الأنبار متوجهاً إلى الرقة. وفيها قتل أيضاً القطان صاحب مفلح، وكان عاملاً بالموصل على الخراج، فانصرف منها، فقتل في الطريق. وعقد فيها لكفتمر علي بن الحسين بن داود كاتب أحمد بن سهل اللطفي على طريق مكة في شهر رمضان. وفيها وقع بين الحناطين والجزارين بمكة قتال قبل يوم التروية بيوم، حتى خاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحج الناس، وقد قتل منهم سبعة عشر رجلاً. وفيها غلب يعقوب بن الليث على فارس وهرب ابن واصل. ذكر خبر الوقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويهوفيها كانت وقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه، فقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسر أبا داود الصعلوك وقد كان صار معهم. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسبب أسر الصعلوك ذكر أن مسرواً البلخي وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية كور الأهواز، فلما وصل إليها نزل السوس، وكان الصفار قد قلد محمد بن عبيد الله بن أزاذ مرد الكردي كور الأهواز، فكتب محمد بن عبيد الله إلى قائد الزنج يطمعه في الميل إليه، وقد كانت العادة جرت بمكاتبة محمد إياه من أول مخرجه، وأوهمه أنه يتولى له كور الأهواز ويداري الصفار حتى يستوي له الأمر فيها، فأجابه الخبيث إلى ذلك على أن يكون علي بن أبان المتولي لها، ويكون محمد بن عبيد الله يخلفه عليها فقبل محمد بن عبيد الله ذلك، فوجه علي بن أبان أخاه الخليل بن أبان، في جمع كثير السودان وغيرهم، وأيدهم محمد بن عبيد الله بأبي الصعلوك، فمضوا نحو السوس، فلم يصلوا إليها؛ ودفهم ابن ليثويه ومن كان معه من أصحاب السلطان عنها، فانصرفوا مفلولين، وقد قتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم جماعة، وسار أحمد بن ليثويه حتى نزل جندى سابور. وسار علي بن أبان من الأهواز منجداً محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثويه، فتلقاه محمد بن عبيد الله في جمع من الأكراد والصعاليك؛ فلما قرب منه محمد بن عبيد الله سارا جميعاً، وجعلا بينهما المسرقان؛ فكانا يسيران عن جانبيه ووجه محمد بن عبيد الله رجلاً من أصحابه في ثلثمائة فارس، فانضم إلى علي بن أبان، فسار علي بن أبان ومحمد بن عبيد الله إلى أن وافيا عسكر مكرم، فصار محمد بن عبيد الله إلى علي بن أبان وحده، فالتقيا وتحادثا، وانصرف محمد إلى عسكره، ووجه إلى علي بن أبان القاسم بن علي ورجلاً من رؤساء الأكراد، يقال له حازم، وشيخاً من أصحاب الصفار يعرف بالطالقاني، وأتوا علياً، فسلموا عليه، ولم يزل محمد وعلي على ألفة، إلى أن وافى على قنطرة فارس، ودخل محمد بن عبيد الله تستر، وانتهى إلى أحمد بن ليثويه تضافر علي بن أبان ومحمد بن عبيد الله على قتاله، فخرج عن جندي سابور، وصار إلى السوس. وكانت موافاة علي قنطرة فارس في يوم الجمعة، وقد وعده محمد بن عبيد الله أن يخطب الخاطب يومئذ، فيدعو لقائد الزنج، وله على منبر تستر، فأقام علي منتظراً ذلك، ووجه بهبوذ بن عبد الوهاب لحضور الجمعة وإتيانه بالخبر؛ فلما حضرت الصلاة قام الخطيب، فدعا للمعتمد والصفار ومحمد بن عبيد الله، فرجع بهبوذ إلى علي بالخبر، فنهض علي من ساعته، فركب دوابه، وأمر أصحابه بالانصراف إلى الأهواز، وقدمهم أمامه، وقدم معهم ابن أخيه محمد بن صالح ومحمد بن يحيى الكرماني خليفته، وكاتبه وأقام حتى إذا جاوزوا كسر قنطرة كانت هناك لئلا يتبعه الخيل. قال محمد بن الحسن: وكنت فيمن انصرف مع المتقدمين من أصحاب علي، ومر الجيش في ليلتهم تلك مسرعين، فانتهبوا إلى عسكر مكرم في وقت طلوع الفجر؛ وكانت داخلة في سلم الخبيث، فنكث أصحابه، وأوقعوا بعسكر مكرم، وناولوا نهباً. ووافى علي بن أبان في أثر أصحابه، فوقف على ما أحدثوا فلم يقدر على تغييره، فمضى حتى صار إلى الأهواز ولما انتهى إلى أحمد بن ليثويه انصراف علي، كر راجعاً حتى وافى تستر، فأوقع بمحمد بن عبيد الله ومن معه، فأفلت محمد، ووقع في يده المعروف بأبي داود الصعلوك، فحمله إلى باب السلطان المعتمد، وأقام أحمد بن ليثويه بتستر. قال محمد بن الحسن: فحدثني الفضل بن عدي الدارمي - وهو أحد من كان من أصحاب قائد الزنج انضم إلى محمد بن أبان أخي علي بن أبان قال: لما استقر أحمد بن ليثويه بتستر، خرج إليه علي بن أبان بجيشه، فنزل قرية يقال لها برنجان، ووجه طلائع يأتونه بأخباره، فرجعوا إليه، فأخبروه أن ابن ليثويه قد أقبل نحوه، أوائل خيله قد وافت قرية تعرف بالباهليين، فزحف علي بن أبان إليه، وهو يبشر أصحابه، ويعدهم الظفر، ويحكى لهم ذلك عن الخبيث. فلما وافى الباهليين تلقاه ابن ليثويه في خيله، وهي زهاء أربعمائة فارس؛ فلم يلبثوا أن أتاهم مدد خيل، فكثرت خيل أصحاب السلطان واستأمن جماعة من الأعراب الذين كانوا مع علي بن أبان إلى ابن ليثويه، وانهزم باقي خيل علي بن أبان، وثبت جمعية من الرجالة، وتفرق عنه أكثرهم، واشتد القتال بين الفريقين، وترجل علي بن أبان، وباشر القتال بنفسه راجلاً، وبين يديه غلام من أصحابه يقال له فتح، يعرف بغلام أبي الحديد، فجعل يقاتل معه. وبصر بعلي أبو نصر سلهب وبدر الرومي المعروف بالشعراني فعرفاه، فأنذر الناس به، فانصرف هارباً حتى لجأ إلى المسرقان، فألقى بنفسه فيه، وتلاه فتح، فألقى نفسه معه، فغرق فتح، ولحق علي بن أبان نصر المعروف بالرومي، فتخلصه من الماء، فألقاه في سميرية ورمى علي بسهم، وأصيب به في ساقه، وانصرف مفلولاً، وقتل من أنجاد السودان وأبطالهم جماعة كثيرة. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد. ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من ظفر عزيز بن السري صاحب يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل وأخذه أسيراً. وفيها كانت بين موسى دالجويه والأعراب بناحية الأنبار وقعة، فهزموه وفلوه، فوجه أبو أحمد ابنه أحمد في جماعة من قواده في طلب الأعراب الذين فلوا موسى دالجويه. وفيها وثب الديراني بابن أوس فبيته ليلاٍ، وفرق جمعه، ونهب عسكره، وأفلت ابن أوس، ومضى نحو واسط. وفيها خرج في طريق الموصل رجلٌ من الفراغنة، فقطع الطريق، فظفر به فقتل. ذكر الوقعة بين ابن ليثويه مع أخي علي بن أبانوفيها أقبل يعقوب بن الليث من فارس، فلما صار إلى النوبندجان انصرف أحمد بن ليثويه عن تستر، وصار فيها يعقوب إلى الأهواز، وقد كان لابن ليثويه قبل ارتحاله عن تستر وقعة مع أخي علي بن أبان، وظفر فيها بجماعة كثيرة من زنوجه. ذكر الخبر عن هذه الوقعة ذكر عن علي بن أبان، أن ابن ليثويه لما هزمه في الوقعة التي كانت بينها في الباهليين، فأصابه ما أصابه فيها، ووافى الأهواز، لم يقم بها، ومضى إلى عسكر صاحبه قائد الزنج، فعالج ما قد أصابه من الجراح حتى برأ، ثم كر راجعاً إلى الأهواز، ووجه أخاه الخليل بن أبان وابن أخيه محمد بن صالح المعروف بأبي سهل، في جيش كثيف إلى ابن ليثويه؛ وهو يومئذ مقيم بعسكر مكرم، فسارا فيمن معهما، فلقيهما ابن ايثويه على فرسخ من عسكر مكرم، قاصداً إليهما، فالتقى الجمعان، وقد كمن ابن ليثويه كميناً. فلما استحر القتال تطارد ابن ايثويه، فطمع الزنج فيه، فتبعوه حتى جاوزا الكمين، فخرج من ورائهم؛ فانهزموا وتفرقوا، وكر عليهم ابن ليثويه، فنال حاجته منهم، ورجعوا مفلولين. فانصرف ابن ليثويه بما أصاب من الرءوس إلى تستر، ووجه علي بن أبان انكلويه مسلحةً إلى المسرقان إلى أحمد بن ليثويه، فوجه إليه ثلاثاً فارساً من جلد أصحابه، وانتهى إلى الخليل بن أبان مسير أصحاب ابن ليثويه إلى المسلحة، فكم لهم فيمن معه، فلما وافوه خرج إليهم، فلم يفلت منهم أحد، وقتلوا عن آخرهم، وحملت رءوسهم إلى علي بن أبان، وهو بالأهواز، فوجهها إلى الخبيث، وحينئذ أتي الصفار الأهواز، وهرب عنها ابن ليثويه. ذكر الخبر عما كان من أمر الصفار هنالك في هذه السنة: ذكر أن يعقوب بن الليث لما صار إلى جندي سابور، نزلها وارتحل عن تلك الناحية كل من كان بها من قبل السلطان، ووجه إلى الأهواز رجلاً من قبله يقال له الحصن بن العنبر، فلما قاربها خرج عنها علي أبان صاحب قائد الزنج، فنزل نهر السدرة، ودخل حصن الأهواز، فأقام بها، وجعل أصحابه علي بن أبان يغير بعضهم على بعض، فيصيب كل فريق منهم من صاحبه، إلى أن استعد علي بن أبان، وسار إلى الأهواز، فأوقع بالحصن ومن معه غليظة، قتل فيها من أصحاب يعقوب خلقاً كثيراً، وأصاب خيلاً، وغنم غنائم كثيرة، وهرب الحصن ومن معه إلى عسكر مكرم، وأقام علي بالأهواز حتى استباح ما كان فيها، ثم رجع عنها إلى نهر السدرة، وكتب إلى بهبوذ يأمره بالإيقاع برجل من الأكراد من أصحاب الصفار كان مقيماً بدورق، فأوقع به بهبوذ، فقتل رجاله وأسره، فمن عليه؛ فكان علي بعد ذلك يتوقعمسير يعقوب إليه فلم يسير، وأمد الحصن ابن العنبر بأخيه الفضل بن العنبر، وأمرهما بالكف عن قتال أصحاب الخبيث، والاقتصار على المقام بالأهواز. وكتب إلى علي بن أبان يسأله المهادنة وأن يقر أصحابه بالأهواز، فأبى ذلك علي دون نقل طعام كان هناك، فتجافى له الصفار عن نقل الطعام ، وتجافى علي للصفار عن علف كان بالأهواز، فنقل علي الطعام، وترك العلف، وتكاف الفريقان، أصحاب علي وأصحاب الصفار. وفيها توفي مساور بن عبد الحميد الشاري. وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان، سقط عن دابته في الميدان من صدمه خادم له، يقال له رشيق، يوم الجمعة لعشر خلون من ذي القعدة، فسال من منخره وأذنه دم، فمات بعد أن سقط بثلاث ساعات، وصلى عليه أبو أحمد بن المتوكل، ومشى في جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد. ثم قدم موسى بن بغا سامرا لثلاث بقين من ذي العقدة، فهرب الحسن بن مخلد إلى بغداد، واستوزر مكانه سليمان بن وهب، لست ليال خلون من ذي الحجة، ثم ولى عبيد بن سليمان كتبه المفوض والموفق إلى ما كان يلي من كتبه موسى بن بغا، ودفعت دار عبيد الله بن يحيى إلى كيغلغ. وفيها خرج أخو شركب الحسين بن طاهر عن نيسابور، وغلب عليها، وأخذ أهلها بإعطائه ثلث أموالهم، وصار الحسين إلى مرو، وبها أخو خوارزم شاه يدعو لمحمد بن طاهر. وفي هذه السنة سلمت الصقالبة لؤلؤة إلى الطاغية. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل. ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك توجيه يعقوب الصفار جيشاً إلى الضيمرة، فتقدمه إليها، وأخذوا صيغون ومضى به إليه أسيراً، فمات عنده. ولإحدى عشرة خلت من المحرم، عسكر أبو أحمد ومعه موسى بن بغا بالقائم، وشيعهما المعتمد،ن ثم شخصا من سامرا لليلتين خلتا من صفر، فلما صار ببغداد، مات بها موسى بن بغا، وحمل إلى سامرا، فدفن بها. وفيها في شهر ربيع الأول ماتت قبيحة أم المعتز. وفيها صار ابن الديراني إلى الدينور، وتعاون ابن عياض ودلف بن عبد العزيز بن أبي دلف عليه، فهزماه وأخذا أمواله وضياعه، ورجع إلى حلوان مفلولاً. خبر أسر الروم لعبد الله بن رشيدوفيها أشرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاوس ذكر الخبر عن سبب أسرهم إياه ذكر أن سبب ذلك كان، أنه دخل أرض الروم في أربعة آلاف من أهل الثغور الشأمية، فصار إلى حصنين والمسكنين، فغنم المسلمون، وقفل، فلما رحل عن البدندون، خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قذيذية وبطريق قرة وكوكب وخرشنة، فأحدقوا بهم، فنزل المسلمون فعرقبوا دوابهم، وقاتلوا، فقتلوا، إلا خمسمائة أو ستمائة، وضعوا السياط في خواصر دوابهم، وخرجوا، فقتل الروم من قتلوا، وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته، وحمل إلى لؤلؤة، ثم حمل إلى الطاغية على البريد. ذكر خبر الوقعة بين محمد المولد وقائد الزنجوفيها ولي محمد المولد واسطاً، فحاربه سليمان بن جامع، وهو عامل على ما يلي تلك الناحية من قبل قائد الزنج، فهزمه وأخرجه عن واسط فدخلها. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها ذكر أن السبب في ذلك كان أن سليمان بن جامع الموجه كان من قبل قائد الزنج إلى ناحية الحوانيت والبطائح، لما هزم جعلان التركي عامل السلطان، وأوقع بأغرتمش، ففل عسكره، وقتل خشيشاً، ونهب ما كان معهم، كتب إلى صاحبه قائد الزنج يستأذنه في المصير إليه، ليحدث به عهداً، ويصلح أموراً من أمور منزله؛ فلما أنفذ الكتاب بذلك، أشار عليه أحمد بن مهدي الجبائي بتطرق عسكر البخاري، وهو يومئذ مقيم ببردودا، فقبل ذلك، وسار إلى بردوذا، فوافى موضعاً يقال له أكرمهر؛ وذلك على خمسة فراسخ من عسكر تكين. فلما وافى ذلك الموصع، قال الجبائي لسليمان: إن الرأي أن تقيم أنت ها هنا، وأمضي أنا في السميريات، فأجر القوم إليك، وأتعبهم فيأتوك وقد لغبوا، فتال حاجتك منهم. ففعل سليمان ذلك، فعبى خيله ورجالته في موضعه ذلك، ومضى أحمد بن مهدي في السميريات مسحراً، فوافى عسكر تكين، فقاتله ساعة، وأعد تكين خيله ورجاله، وتطارد الجبائي له، وأنفذ غلاماً إلى سليمان يعلمه أن أصحاب تكين واردون عليه بخيلهم. فلقي الرسول سليمان، وقد أقبل يقفو أثر الجبائي لما أبطأ عليه خبره. فرده إلى معسكره، ووافى رسول آخر للجبائي بمثل الخبر الأول، فلما رجع سليمان إلى عسكره، أنفذ ثعلب بن حفص البحراني وقائداً من قواد الزنج، يقال له منينا في جماعة من الزنج، فجعلهما كميناً في الصحراء مما يلي ميسرة خيل تكين، وأمرهما إذا جاوزهم خيل تكين أن يخرجوا من ورائهم. فلما علم الجبائي أن سليمان قد أحكم لهم خيله وأمر الكمين، رفع صوته ليسمع أصحاب تكين؛ يقول لأصحابه: غررتموني وأهلكتموني، وقد كنت امرتكم ألا تدخلوا هذا المدخل، فأبيتم إلا لقائي وأنفسكم هذا الملقى الذي لا أرانا ننجو منه. فطمع أصحاب تكين لما سمعوا قوله، وجدوا في طلبه، وجعلوا ينادون: بلبل في قفص. وسار الجبائي سيراً حثيثاً، وأتبعوه يرشقونه بالسهام، حتى جاوزوا موضع الكمين، وقاربوا عسكر سليمان. وهو كامن من وراء الجدر في خيله وأصحابه، فزحف سليمان، فتلقى الجيش، وخرج الكمين من وراء الخيل، وثنى الجبائي صدور سميرياته إلى من في النهر، فاستحكمت الهزيمة عليهم من الوجوه كلها، وركبهم الزنج يقتلونهم ويسلبونهم؛ حتى قطعوا نحواً من ثلاثة فراسخ. ثم وقف سليمان وقال للجبائي: نرجع فقد غنمنا وسلمنا، والسلامة أفضل من كل شيء. فال الجبائي: كلا؛ قد نخبنا قلوبهم، ونفذت حيلتنا فيهم، والرأي أن نكسبهم في ليلتنا هذه، فلعلنا أن نزيلهم عن عسكرهم، ونفض جمعهم. فأتبع سليمان رأي الجبائي، وصار إلى عسكر تكين، فوافاه في وقت المغرب، فأوقع به، ونهض تكين فيمن معه، فقاتل قتالاً شديداً، فانكشف عنه سليمان وأصحابه. ثم وقف سليمان وعبأ أصحابه، فوجه شبلا في خيل من خيله، وضم إليه جمعاً من الرجالة إلى الصحراء، وأمر الجبائي، فسار في السميريات في بطن النهر، وسار هو فيمن معه من أصحابه الخيالة والرجالة، فتقدم أصحابه حتى وافى تكين، فلم يقف له أحد، وانكشفوا جميعاً وتركوا عسكرهم، فغنم ما وجد فيه، وأحرق العسكر، وانصرف إلى معسكره بما أصاب من الغنيمة. ووافى عسكره، فألفى كتاب الخبيث قد ورد بالإذن لع في المصير إلى منزله، فاستخلف الجبائي، وحمل الأعلام التي أصابها من عسكر تكين والشذوات التي أخذها من المعروف بأبي تميم ومن خشيش ومن تكين، وأبل حتى ورد عسكر الخبيث؛ وذلك في جمادى الأولى من سنة أربع وستين ومائتين. ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله تهيأ للزنج دخول واسط وذكر الخبر عن الأحداث الجليلة في سنة أربع وستين ومائتين ذكر أن الجبائي يحيى بن خلف لما شخص سليمان بن جامع من معسكره بعد الوقعة التي أوقعها بتكين إلى صاحب الزنج، خرج في السميريات بالعسكر الذي خلفه سليمان معه إلى مازروان لطلب الميرة، ومعه جماعة من السودان فاعترضه أصحاب جعلان، فأخذوا سفناً كانت معه، وهزموه، فرجع مفلولاً حتى وافى طهيثاً، ووافته كتب أهل القرية، يخبرونه أن منجور مولى أمير المؤمين ومحمد بن علي بن حبيب اليشكري لما اتصل بهما خبر غيبة سليمان بن جامع عن طهيثا، اجتمعا وجمعا أصحابهما، وقصدا القرية، فقتلا فيها وأحرقا وانصرفا، وجلا من أفلت ممن كان فيها، فصاروا إلى القرية المعروفة بالحجابية، فأقاموا فيها. فكتب الجبائي إلى سليمان بخبر ما وردت به كتب أهل القرية، مع ما ناله من أصحاب جعلان، فأنهض قائد الزنج سليمان إلى طهيثا معجلاً، فوافاها، فأظهر أنه يقصد لقتال جعلان، وعبأ جيشه، وقدم الجبائي أمامه في السميريات، وجعل معه خيلاً ورجلاً، وأمره بموافاة مازروان والوقوف بإزاء عسكر جعلان، وأن يظهر الخيل ويرعاها بحيث يراها أصحاب جعلان، ولا يوقع بهم، وركب هو في جيشه أجمع إلا نفراً يسيراً خلفهم في عسكره، ومضى في الأهواز حتى خرج على الهورين المعروفين بالربة والعمرقة، ثم مضى نحو محمد بن علي بن حبيب، وهو يومئذ بموضع يقال له تلفخار، فوافاه فأوقع به وقعة غليظة، تل فيها قتلى كثيرة، وأخذ خيلاً كثيرة وحاز غنائم جزيلة، وقتل أخا لمحمد بن علي، وأفلت محمد، ورجع سليمان، فلما صار في صحراء بين البزاق والقرية وافته خيل لبني شيبان، وقد كان فيمن أصاب سليمان بتلفخار سيد من سادات بني شيبان، فقتله وأسر ابناً له صغيراً، وأخذ حجراً كانت تحته، فانتهى خبره إلى عشيرته، فعارضوا سليمان بهذه الصحراء في أربعمائة فارس، وقد كان سليمان وجه إلى عمير بن عمار خليفته بالطف حين توجه إلى ابن حبيب، فصار إليهى، فحعله دليلاً لعلمه بتلك الطريق، فلما رأى سليمان خيل بني شيبان قدم أصحابه أجمعين إلا عمير بن عمار فإنه انفرد، فظفرت به بنو شيبان فقتلوه، وحملوا رأسه، وانصرفوا. وانتهى الخبر إلى الخبيث، فعظم عليه قتل عمير، وحمل سليمان إلى الخبيث ما كان أصاب من بلد محمد بن علي بن حبيب؛ وذلك في آخر رجب من هذه السنة، فلما كان في شعبان نهض سليمان في جمع من أصحابه؛ حتى وافى قرية حسان، وبها يومئذ قائد من قواد السلطان يقال له جيش ابن حمرتكين، فأوقع به، فأجفل عنه، وظفر بالقرية فانتهبها وأحرق فيها أوخذ خيلاً، وعاد إلى عسكره، ثم خرج لعشر خلون من شعبان إلى الحوانيت، وأصعد الجبائي في السميريات إلى برمساور، فوجد هنالك صلاغاً فيها خيل من خيل جعلان، كان أراد أن يوافى بها نهر أبان. وقد كان خرج إلى ما هناك متصيداً، فأوقع الجبائي بتلك الصلاغ، فقتل من فيها، وأخذ الخيل - وكانت اثنتي عشر فارساً - وعاد إلى طهيثا، ثن نهض سليمان إلى تل رمانا - لثلاث بين من شعبان فأوقع بها، وجلا عنها أهلها، وحاز ما كان فيها، ثم رجع إلى عسكره، ونهض لعشر خلون من شهر رمضان إلى الموضع المعروف بالجازرة، وأبا يومئذ هناك، وجعلا بمازروان. وقد كان سليمان كتب إلى الخبيث في التوجيه إليه بالشذا، فوجه إليه عشر شذوات، مع رجل من أهل عبادان يقال له الصقر بن الحسين، فلما وافى سليمان الصر بالشذا أظهر أنه يريد جعلان، وبادرت الأخبار إلى جعلان بأن سليمان يريد موافاته؛ فكانت همته ضبط عسكره. فلما قرب سليمان موضع أبا مال إليه، فأوقع به، وألفاه غاراً بمجيئه، فنال حاجته، وأصاب ست شذوات. قال محمد بن الحسن: قال جباش: كانت الشذوات ثمانية، وجدها في عسكره، وأحرق شذاتين كانتا على الشط، وأصاب خيلاً وسلاحاً وأسلاباً، وانصرف إلى عسكره، ثم أظهر أنه يريد تكين البخاري، وأعد مع الجبائي وجعفر بن أحمد خال ابن الخبيث الملعون العمروف بأنكلاي سفنا، فلما وافت السفن عسكر جعلان، نهض إليها، فأوقع بها، وحازها وأوقع سليمان من جهة البر، فهزمه إلى الرصافة، واسترجع سفنه، وحاز سبعة وعشرين فرساً ومهرين من خيل جعلان وثلاثة أبغل، وأصاب نهباً كثيراً وسلاحاً، ورجع إلى طهيثا. قال محمد: أنكر جباش أن يكون لتكين في هذا الموضع ذكر، ولم يعرف خبر العباداني في تكين، وزعم أن القصد لم يكن إلا إلى جعلان، وقد كان خبره خفي على أهل عسكره حتى أرجفوا بأنه قد قتل وقتل الجبائي معه، فجزعوا أشد الجزع، ثم ظهر خبره وما كان منه من الإيقاع بجعلان، فسكنوا وقروا إلى أن وافى سليمان، وكتب بما كان منه إلى الخبيث، وحمل أعلاماً وسلاحاً، ثم صار سليمان إلى الرصافة في ذي العقدة، فأوقع بمطر بن جامع، وهو يومئذ ميم بها، فغنم غنائم كثيرة، وأحرق الرصافة، واستباحها، وحمل أعلاماً إلى الخبيث، وانحدر لخمس ليال خلون من ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين إلى مدينة الخبيث، فأقام ليعيد هناك ويقيم في منزله، ووافى مطر بن جامع القرية المعروفة بالحجابية، فأوقع بها، وأسر جماعة من أهلها. وكان الاضي بها من قبل سليمان رجلاً من أهلها يقال له سعيد بن السيد العدوي، فأسر وحمل إلى واسط هو وثعلب بن حفص وأربعة قواد كانوا معه، فصاروا إلى الحرجلية على فرسخين ونصف من طهيثا، ومضى الجبائي في الخيل والرجل لمعارضة مطر، فوافى الناحية وقد نال مطر ما نال منها، فانصرف عنها، وكتب إلى سليمان بالخبر، فوافى سليمان يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة من هذه السنة، ثم صرف جعلان، ووافى أحمد بن ليثويه، فأقام بالشديدية، ومضى سليمان إلى موضع يقال له نهر أبان، فوجد هناك قائداً من قواد ابن ليثويه يقال له طرناج، فأوقع به وقتله. قال محمد: قال جباش: المقتول بهذا الموضع بينك، فأما طرناج فإنه قتل بمازروان. ثم وافى الرصافة ، وبها يومئذ عسكر مطر بن جامع، فأوقع به، فاستباح عسكره، وأخذ منه سبع شذوات، وأحرق شذاتين، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين. قال محمد: قال جباش: كانت هذه الوقعة بالشديدية، والذي أخذ يومئذ ست شذوات، ثم مضى سليمان في خمس شذوات، ورتب فيها صناديد قواده وأصحابه، فواقعه تكين البخاري بالشديدية، وقد كان ابن ليثويه حينئذ صار إلى ناحية الكوفة وجنبلاء، فظهر تكين على سليمان، وأخذ منه الشذوات التي كانت معه بآلتها وسلاحها ومقاتلتها، وقتل في هذه الوقعة جلة قواد سليمان. ثم زحف ابن ليثويه إلى الشيديدية، وضبط تلك النواحي إلى أن ولى أبو أحمد محمداً المولد واسطاً. قال محمد: قال جباش: لما وافى ابن ليثويه الشديدية سار إليه سليمان، فأقام يومين يقاتله، ثم تطارد له سليمان في اليوم الثالث، وتبعه ابن ليثويه فيمن تسرع معه، فرجع إليه سليمان، فألقاه في فوهة بردوداً، فتخلص بعد أن أشفى على الغرق. وأصاب سليمان سبع عشرة دابة من دواب ابن ليثويه. قال: وكتب سليمان إلى الخبيث يستمده، فوجه إليه الخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس، ومعه المذوب، فقصد موافاة هذا المدد إياه لمحاربة محمد المولد، فأوقع به فهرب المولد، ودخل الزنج واسطاً، فقتل بها خلق كثير، وانتهبت وأحرقت، وكان بها إذ ذاك كنجور البخاري، فحامى يومه ذلك إلى وقت العصر، ثم قتل. وكان الذي يقود الخيل يومئذ في عسكر سليمان بن جامع الخليل بن أبان وعبد الله المعروف بالمذوب. وكان الجبائي في قواده من السودان ورجالته منهم، وكان سليمان بن موسى الشعؤراني وأخواه في خيله ورجله مع سليمان بن جامع؛ فكان القوم جميعاً يداً واحدة. ثم انصرف سليمان بن جامع عن واسط، ومضى بجميع الجيش إلى جنبلاء ليعيث ويخرب، ووقع بينه وبين الخيل بن أبان اختلاف، فكتب الخليل بذلك إلى أخيه علي بن أبان، فاستعفى له قائد الزنج من المقام مع سليمان، وأذن للخليل بالرجوع إلى مدينة الخبيث مع أصحاب علي بن أبان وغلمانه، وتخلف المذوب في الأعراب مع سليمان، وأقام بمعسكره أياماً، ثم مضى إلى نهر الأمير، فعسكر به، ووجه الجبائي والمذوب إلى جنبلاء، فأقاما هنالك تسعين ليلة وسليمان معسكر بنهر الأمير. قال محمد: قال جباش: كان سليمان معسكراً بالشديدية. ذكر خبر خروج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا وفي هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا، ومعه الحسن ابن وهب، وشيعه أحمد بن الموفق ومسرور البلخي وعامة القواد؛ فلما صار بسامرا غضب عليه المعتمد وحبسه ويده، وانتهب داره وداري ابنيه وهب وإبراهيم، واستوزر الحسن بن مخلد لثلاث بقين من ذي القعدة، فشخص الموفق من بغداد ومعه عبيد الله بن سليمان، فلما قرب أبو أحمد من سامرا تحول المعتمد إلى الجانب الغربي، فعسكر به، ونزل أبو أحمد ومن معه جزيرة المؤيد، واختلفت الرسل بينهما، فلما كان بعد أيام خلون من ذي الحجة، صار المعتمد إلى حراقة في دجلة، صار إليه أخوه أبو أحمد في زلال، فخلع علي أبي أحمد وعلي مسرور البلخي وكيغلغ وأحمد بن موسى ابن بغا، فلما كان يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة يوم التروية عبر أهل عسكر أبي أحمد إلى عسكر المعتمد، وأطلق سليمان بن وهب؛ ورجع المعتمد إلى الجوسق، وهرب الحسن بن مخلد وأحمد بن صالح ين شيرزاد، وكتب في قبض أموالهما وأموال أسبابهما،وحبس أحمد بن أبي الأصبغ، وهرب القواد المقيمون كانوا بسامرا إلى تكريت، وتغيب أبو موسى بن المتوكل، ثم ظهر، ثم شخص القواد الذين كانوا صاروا إلى تكريت إلى الموصل، ووضعوا أيديهم في الجباية. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي الكوفي. ثم دخلت سنة خمس وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر الوقعة بين أحمد بن ليثويه وسليمان قائد الزنج فمن ذلك ما كان من وقعة كانت بين أحمد بن ليثويه وسليمان بن جامع قائد صاحب الزنج بناحية جنبلاء. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها ذكر أن سليمان بن جامع كتب إلى صاحب الزنج، يخبره بحال نهر يعرف بالزهيري، ويسأله الإذن له في النفقة على إنفاذ كريه إلى سواد الكوفة والبرار، ويعلمه أن المسافة في ذلم قريبة، وأنه متى أنفذه تهيأ له بذلك حمل كل ما بنواحي جنبلاء وسواد الكوفة من الميرة. فوجه الخبليث بذلك رجلاً يقال له محمد بن يزيد البصري، وكتب إلى سليمان بإزاحة علله في المال والإقامة معه في جيشه إلى وقت فراغه، مما وجه له، فمضى سليمان بجميع جيشه حتى أقام بالشريطية نحواً من شهر، وألقى الفعلة في النهر؛ وخلال ذلك ما كان سليمان يتطرق ما حوله من أهل خسر سابور؛ وكانت الميرة تتصل به من ناحية الصين وما والاها إلى أن واقعه ابن ليثويه عامل أبي أحمد على جنبلاء، فقتل له أربعة عشر قائداً. قال محمد بن الحسن: قتل سبعة وأربعين ائداً وخلقاً من الخلق لا يحصى كثرة، واستبيح عسكره، وأحرقت سفنه، وكانت مقيمة في هذا النهر الذي كان مقيماً على إنفاذه، فمضى مفلولاً حتى وافى طهيثاً، فأقام بها، ووافى الجبائي في عقب ذلك، ثم أصعد فأقام بالموضع المعروف ببرتمرتا، واستخلف على الشذوات الاشتيام الذي يقال له الزنجي بن مهربان، وقد كان السلطان وجه نصيراً لتقييد شامرج، وحمله إلى الباب، وتقلد ما كان يتقلده، فوافى نصير الزنجي بن مهربان بعد حمله شامرج مقيداً بنهر برتمرتا، وأخذ منه تسع شذوات، واسترد الزنجي منها ستاً. قال محمد بن الحسن: أنكر جباش أن يكون الزنجي بن مهربان استرد من الشذوات شيئاً، وزعم أن نصيراً ذهب بالشذوات أجمع، وانصرف إلى طهيثاً، وبادر بالكتاب إلى سليمان، ووافاه. فأقام سليمان بطهيثا إلى أن اتصل به خبر إقبال الموفق. وفيها وقع أحمد بن طولون بسيما الطويل بأنطاكية، فحصره بها، وذلك في المحرم منها، فلم يزل ابن طولون مقيماً عليها حتى افتتحها، وقتل سيما. وفيها وثب القاسم بن مماه بدلف بن عبد العزيز بن أبي دلف بأصبهان، فقتله، ثم وثب جماعة من أصحاب دلف على القاسم، فقتلوه ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز. وفيها لحق محمد المولد يعقوب بن الليث، فصار إليه، وذلك في المحرم منها، فأمر السلطان بقبض أمواله وعقاراته. وفيها قتلت الأعراب جعلان المعروف بالعيار بدمما، وكان خرج لبذرقة قافلة، فقتلوه؛ وذلك في جمادى الأولى؛ فوجه السلطان في طلب الذين قتلوه جماعة من الموالي، فهرب الأعراب، وبلغ الذين شخصوا في طلبهم عين التمر، ثم رجعوا إلى بغداد، وقد مات منهم في البرد جماعة؛ وذلك أن البرد اشتد في تلك الأيام ودام أياماً، وسقط الثلج ببغداد. وفيها أمر أبو أحمد بحبس سليمان بن وهب وابنه عبيد الله، فحبسا وعدة من أسبابهم في دار أبي أحمد، وانتهب دور عدة من أسبابه، ووكل بحفظ داري سليمان وابنه عبيد الله، وأمر بقبض ضياعهما وأموالها وأموال أسبابهما وضياعهم خلا أحمد بن سليمان. ثم صولح سليمان وابنه عبيد الله على تسعمائة ألف دينار، وصيرا في موضع يصل إليها من أحبا. وفيها عسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كنداجيق وبنغجور بن أرخوز والفضل بن موسى بن بغا بباب الشماسية، ثم عبروا جسر بغداد، فصاروا إلى السفينتين، وتبعهم أحمد بن الموفق، فلم يرجعوا، ونزلوا صرصر. وفيها استكتب أبو أحمد صاعد بن مخلد؛ وذلك لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وخلع عليه، فمضى صاعد إلى القواد بصرصر، ثم بعث أبو أحمد ابنه أحمد إليهم، فناظرهم فانصرفوا معه فخلع عليهم. وفيها خرج - فيما ذكر - خمسة من بطارقة الروم في ثلاثين ألفاً من الروم إلى أذنة، فصاروا إلى المصلى. وأسروا أرخوز - وكان والي الثغور - ثم عزل، فرابط هناك فأسر، وأسر معه نحوٌ من أربعمائة رجل، وقتلوا ممن نفر إليهم نحواً من ألف وأربعمائة رجل، وانصرفوا اليوم الرابع، وذلك في جمادى الأولى منها. وفي رجب منها عسكر موسى بن أتامش وإسحاق بن كنداجي وبنغجور بن أرخوز بنهر ديالي. وفيها غلب أحمد بن عبد الله الخجستني على نيسابور، وصار الحسين بن طاهر عامل محمد بن طاهر إلى مرو، فأقام بها وأخو شركب الجمال بين الحسين والخجستاني أحمد بن عبد الله. وفيها أخربت طوس. وفيها استوزر إسماعيل بن بلبل. وفيها مات يعقوب بن الليث بالأهواز وخلفه أخوه عمرو بن الليث؛ وكتب عمرو إلى السلطان بأنه سامع له ومطيع؛ فوجه إليه أحمد بن أبي الأصبغ في ذي القعدة. وفيها قتلت جماعة من أعراب بني أسد علي بن مسرور البلخي بطريق مكة قبل مصيره إلى المغيثة، وكان أحمد ولي محمد بن مسرور البلخي طريق مكة، فولاه أخاه علي بن مسرور. وفيها بعث ملك الروم بعبد الله بن رشيد بن كاوس الذي كان عامل الثغور فأسر، إلى أحمد بن طولون مع عدة من أسراء المسلمين وعدة مصاحف هدية منه له. وفيها صارت جماعة من الزنج في ثلاثين سميرية إلى جبل، فأخذوا أربع سفن فيها طعام، ثم انصرفوا. وفيها لحق العباس بن أحمد بن طولون مع من تبعه ببرقة، مخالفاً لأبيه أحمد، وكان أبوه أحمد استخلفه - فيما ذكر - على عمله بمصر لما توجه إلى الشأم؛ فلما انصرف أحمد عن الشأم راجعاً إلى مصر حمل العباس ما في بيت مال مصر من الأموال، وما كان لأبيه هناك من الأثاث وغير ذلك. ثم مضى إلى برقة، فوجه إليه أحمد جيشاً، فظفروا به ورده إلى أبيه أحمد، فحبسه عنده، وقتل لسبب ما كان منه جماعةٌ كانوا شايعوا ابنه على ذلك. وفيها ذخل الزنج النعمانية، فأحرقوا سوقها، وأكثر منازل أهلها، وسبوا، وصاروا إلى جرجرايا، ودخل أهل السواد بغداد. وفيها ولي أبو أحمد عمرو بن الليث خراسان وفارس وأصبهان وسجستان وكرمان والسند، وأشهد له بذلك، ووجه بكتابه إليه بتوليته ذلك مع أحمد ابن أبي الأصبغ، ووجه إليه مع ذلك العهد والعقد والخلع. وفي ذي الحجة منها صار مسرور البلخي إلى النيل، فتنحى عنها عبد الله بن ليثويه في أصحاب أخيه، وقد أظهر الخلاف على السلطان، فصار ومن معه إلى أحمد أباذ، فتبعهم مسرور البلخي يريد محاربتهم؛ فبدر عبد الله بن ليثويه ومن كان معه، فترجلوا المسرور، وانقادوا له بالسمع والطاعة، وعبد الله بن ليثويه نزع سيفه ومنطقته فعلقهما في عنقه، يعتذر إليه، ويحلف أنه حمل على ما فعل، فقبل منه، وأمر فخلع عليه وعلى عدة من القواد معه. ذكر خبر شخوص تكين البخاري إلى الأهوازوفيها شخص تكين البخاري إلى الأهواز مدمة لمسرور البلخي. ذكر الخبر عما كان من أمر تكين بالأهواز حين صار إليها: ذكر محمد بن الحسن أن تكين البخاري ولاه مسرور البلخلي كور الأهواز حين ولاه أبو أحمد عليها، فتوجه تكين إليها، فوافاها، وقد صار إليها علي بن أبان المهلبي، فقصد تستر، فأحاط بها في جمع كثير من أصحابه الزنج وغيرهم؛ فراع ذلك أهلها، وكادوا أن يسلموها، فوافاها تكين في تلك الحال، فلم يضع عنه ثياب السفر؛ حتى واقع علي بن أبان وأصحابه؛ فكانت الدبرة على الزنج، فقتلوا وهزموا وتفرقوا، وانصرف علي فيمن بقي معه مفلولاً مدحوراً، وهذه وقعة باب كودك المشهورة. ورجع تكين البخاري، فنزل تستر، وانضم إليه جمعٌ كثير من الصعاليك وغيرهم، ورحل إليه علي بن أبان في جمع كثير من أصحابه، فنزل شرقي المسرقان، وجعل أخاه في الجانب الغربي في جماعة من الخيل، وجعل رجالة الزنج معه، وقدم جماعة من واد الزنج؛ منهم أنكلويه وحسين المعروف بالحمامي وجماعة وغيرهما، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس. وانتهى الخبر بما دبره علي بن أبان إلى تكين، وكان الذي نقل إليه الخبر غلاماً يقال له وصيف الرومي، وهرب إليه عسكر علي بن أبان، فأخبره بمقام هؤلاء بقنطرة فارس، وأعلمه تشاغلهم بشرب النبيذ وتفرق أصحابهم في جمع الطعام، فسار إليهم تكين في الليل في جمع من أصحابه، فأوقع بهم؛ فقتل من قواد الزنج أنكلويه والحسين المعروف بالحمامي ومفرج المكنى أبا صالح وأندرون، وانهزم الباقون، فلحقوا بالخليل بن أبان، فأعلموه ما نزل بهم؛ وسار تكين على شرقي المسرقان حتى لقي علي بن أبان في جمعه، فلم يقف له علي وانهزم عنه، وأسر غلام لعلي من الخيالة يعرف بجعفرويه، ورجع علي والخليل في جمعهما إلى الأهواز، ورجع تكين إلى تستر، وكتب علي بن أبان إلى تكين يسأله الكف عن قتل جعفرويه. فحبسه، وجرت بين تكين وعلي بن أبان مراسلات وملاطفات، وانتهى الخبر بها إلى مسرور، فأنكرها. وانتهى إلى مسرور أن تكين قد ساءت طاعته، وركن إلى علي بن أبان ومايله. قال محمد بن الحسن: فحدثني محمد بن دينار، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي المأموني الباذغيسي - وكان من أصحاب تكين البخاري - قال: لما انتهى إلى مسرور الخبر بالتياث تكين عليه توقف حتى عرف صحة أمره، ثم سار يريد كور الأهواز وهو مظهرٌ الرضا عن تكين والإحماد لأمره، فجعل طريقه على شابرزان، ثم سار منها حتى وافى السوس، وتكين قد عرف ما نتهى إلى مسرور من خبره، فهو مستوحش من ذلك ومن جماعة كانت تبعته عند مسرور من قواده، فجرت بين مسرور وتكين رسائل حتى أمن تكين، فصار مسرور إلى وادي تستر، وبعث إلى تكين، فعبر إليه مسلماً، فأمر به فأخذ سيفه، ووكل به؛ فلما رأى ذلك جيش تكين انفضوا من ساعتهم، ففرقة منهم صارت إلى ناحية صاحب الزنج، وفرقة صارت إلى محمد بن عبيد الله الكردي. وانتهى الخبر إلى مسرور، فبسط الأمان لمن بقي من جيش تكين، فلحقوا به. قال محمد بن عبد الله بن الحسن المأموني: فكنت أحد الصائرين إلى عسكر مسرور، ودفع مسرور تكين إلى إبراهيم بن جعلان، فأقام في يده محبوساً، حتى وافاه أجله فتوفى. وكان بعض أمر مسرور وتكين الذي ذكرناه في سنة خمس وستين، وبعضه في سنة ست وستين. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحق بن موسى بن عيسى الهاشمي. وفيها كانت موافاة المعروف بأبي المغيرة بن عيسى بن محمد المخزومي متغلباً بزنج معه على مكة. ثم دخلت سنة ست وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من تولية عمرو بن الليث عبيد الله بن عبد الله بن طاهر خلافته علىالشرطة ببغداد وسامرا في صفر، وخلع أبي أحمد عليه، ثم مصير عبيد الله بن عبد الله إلى منزله، فخلع عليه فيه خلعة عمرو بن الليث، وبعث إليه عمرو بعمود من ذهب. وفي صفر منها غلب أساتكين على الري، وأخرج عنها طلمجور العامل كان عليها، ثم مضى هو وابنه أذوكوتكين إلى قزوين، وعليها أبرون أخو كيغلغ، فصالحاه ودخلا قزوين، وأخذا محمد بن الفضل بن سنان العجلي، فأخذا أمواله وضياعه، وقتله أساتكين. ثم رجع إلى الري، فقاتله أهلها فغلبهم ودخلها. وفيها وردت سرية من سرايا الروم تل يسمى من ديار بيعة، فقتلت من المسلمين، وأسرت نحواً من مائتين وخمسين إنساناً، فنفر أهل نصيبين وأهل الموصل، فرجعت الروم. وفيها مات أبو الساج بجند يسابور في شهر ربيع الآخر، منصرفاً عن عسكر عمرو بن الليث إلى بغداد، ومات قبله في المحرم منها سليمان بن عبد الله بن طاهر. وولي عمرو بن الليث فيها أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف أصبهان. وولي فيها محمد بن أبي الساج الحرمين وطريق مكة. وفيها ولي اغرتمش ما كان تكين البخاري يليه من عمال الأهواز، فسار أغرتمش إليها، ودخلها في شهر رمضان، فذكر محمد بن الحسن أن مسروراً وجه أغرتمش وأبا مطر بن جامع لقتال علي بن أبان، فساروا حتى انتهبوا إلى تستر، فأقاموا بها، وواستخرجوا من كان في حبس تكين، وكان فيه جعفرويه في جماعة من أصحاب قائد الزنج، فقتلوا جميعاً. وكان مطر بن جامع المتولي قتلهم، ثم ساروا حتى وافوا عسكر مكرم، ورحل إليهم علي بن أبان، وقدم أمامه إليهم الخليل أخاه، فصار إليهم الخليل، فواقفهم وتلاه علي، فلما كثر عليهم جميع الزنج، قطعوا الجسر وتحاجزوا، وجنهم الليل، فانصرف علي بن أبان في جميع أصحابه، فصار إلى الأهواز، وأقام الخليل فيمن معه بالمسرقان، وأتاه الخبر بأن أغرتمش وأبا ومطر بن جامع قد أقبلوا نحوه، ونزلوا الجانب الشرقي من قنطرة أربك ليعبروا إليه، فكتب الخليل بذلك إلى أخيه علي بن أبان، فرحل علي إليهم حتى وافاهم بالقنطرة، ووجه إلى الخليل يأمره بالمصير إليه، فوافاه وارتاع من كان بالأهواز من أصحاب علي، فقلعوا عسكره، ومضوا إلى نهر السدرة، ونشبت الحرب بين علي بن أبان وقواد السلطان هناك؛ وكان ذلك يومهم، ثم تحاجزوا. وانصرف علي بن أبان إلى الأهواز، فلم يجد بها أحداً، ووجد أصحابه أجمعين قد لحقوا بنهر السدرة، فوجه إليهم من يدرهم، فعسر ذلك عليه فتبعهم، فأقام بنهر السدرة، ورجع قواد السلطان حتى نزلوا عسكر مكرم؛ وأخذ علي بن أبان في الاستعداد لقتالهم. وأرسل إلى بهبوذ بن عبد الوهاب، فأتاه فيمن معه من أصحابه، وبلغ أغرتمش وأصحابه ما أجمع عليه من المسير إليهم علي، فساروا نحوه، وقد جعل علي بن أبان أخاه على مقدمته، وضم إليه بهبوذ وأحمد بن الزرنجي، فالتقى الفريقان بالدولاب. فأمر علي الخليل بن أبان أن يجعل بهبوذ كميناً، فجعله. وسار الخليل حتى لقي القوم، ونشب القتال بينهم، فكان أول نهار ذلك اليوم لصحاب السلطان، ثم جالوا جولة وخرج عليهم الكمين، وأكب الزنج إكبابةً، فهزموهم، وأسر مطر بن جامع، صرع عن فرس كان تحته، فأخذه بهبوذ، فأتى به علياً، وقتل سيما المعروف بصغراج في جماعة من القواد. ولما وافى بهبوذ علياً بمطر، سأله مطر استبقاءه، فأبى ذلك علي، وقال: لو كنت أبقيت على جعفرويه لأبقينا عليك. وأمر به فأدنى إليه، فضرب عنه بيده. ودخل علي بن أبان الأهواز، وانصرف أغرتمش وأبا فيمن أفلت معهما، حتى وافيا تستر، ووجه علي بن أبان بالرءوس إلى الخبيث، فأمر بنصبها على سور مدينته. قال: وكان علي بن أبان بعد ذلك يأتي أغرتمش وأصحابه، فتكون الحرب بينهم سجالاً عليه وله، وصرف الخبيث أكثر جوده إلى ناحية علي بن أبان، فكثروا على أغرتمش، فركن إلى الموادعة، وأحب علي بن أبان مثل ذلك، فتهادنا. وجعل علي بن أبان يغير على النواحي، فمن غاراته مصيره إلى القرية المعروفة ببيروذ، فظهر عليها، ونال منها غنائم كثيرة، فكتب بما كان منه من ذلك إلى الخبيث، ووجه بالغنائم التي أصابها وأقام. وفيها فارق إسحاق بن كنداجيق عسكر أحمد بن موسى بن بغا؛ وذلك أن أحمد بن موسى بن بغا لما شخص إلى الجزيرة ولي موسى بن أتامش ديار ربيعة، فأنكر ذلك إسحاق، وفارق عسكره لسبب ذلك، وصار إلى بلد، فأوقع بالأكراد اليعقوبية فهزمهم، وأخذ أموالهم فقوي بذلك، ثم لقي ابن مساور الشاري فقتله. وفي شوال منها قتل أهل حمص عاملهم عيسى الكرخي. وفيها أسر لؤلؤ غلام أحمد بن طولون موسى بن أتامش؛ وذلك أن لؤلؤاً كان مقيماً برابية بني تميم، وكان موسى بن أتامش مقيماً برأس العين، فخرج ليلاً سكران ليكسبهم، فكمنوا له، فأخذوه أسيراً، وبعثوا به إلى الرقة. ثم لقي لؤلؤ أحمد بن موسى وقواده ومن معهم من الأعراب في شوال، فهزم لؤلؤ، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، ورجع ابن صفوان العقيلي. والأعراب إلى ثقل عسكر أحمد بن موسى لينتهبوه، وأكب عليهم أصحاب لؤلؤ، فبلغت هزيمة المنفلت منهم قرقيسيا، ثم صاروا إلى بغداد وسامرا، فوافوها في ذي القعدة، وهرب ابن صفوان إلى البادية. وفيها كانت بين أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وبكتمر وقعة، وذلك في سوال منها، فهزم أحمد بن عبد العزيز بكتمر فصار إلى بغداد. وفيها أوقع الخجستاني بالحسن بن زيد بجرجان على غرة من الحسن، فهرب منه الحسن، فلحق بآمل، وغلب الخجستاني على جرجان وبعض أطراف طبرستان؛ وذلك في جمادى الآخرة منها ورجب. وفيها دعا الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسن الأصغر العقيقي أهل طبرستان إلى البيعة له؛ وذلك أن الحسن بن زيد عند شخوصه إلى جرجان كان استخلفه بسارية، فلما كان من أمر الخجستاني وأمر الحسن قد أسر؛ ودعا من قبله إلى بيعته، فبايعه قوم، ووافاه الحسن بن زيد فحاربه ثم احتال له الحسن حتى ظفر به فقتله. وفيها نهب الخجستاني أموال تجار أهل جرجان؛ وأضرم النار في البلد. وفيها كانت وقعة بين الخجستاني وعمرو بن الليث، علافيها الخجستاني على عمرو وهزمه، ودخل نيسابور، فأخرج عامل عمرو بها عنها، وقتل جماعة مما كان فيه يميل إلى عمرو بها. ذكر الخبر عن الفتنة بين الجعفرية والعلويةوفيها كانت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفرية والعلوية. ذكر الخبر عن سبب ذلك وكانت سبب ذلك - فيما ذكر - أن القيم بأمر المدينة ووادي القرى ونواحيها كان في هذه السنة إسحاق بن محمد بن يوسف الجعفري، فولى وادي القرى عاملاً من بله، فوثب أهل وادي القرى على عامل إسحاق بن محمد، فقتلوه، وقتلوا أخوين لإسحاق، فخرج إسحاق إلى وادي القرى، فمرض به ومات. فقام بأمر المدينة أخوه موسى بن محمد، فخرج عليه الحسن بن موسى بن جعفر، فأرضاه بثمانمائة دينار، ثم خرج عليه أبو القاسم أحمد بن إسماعيل ابن الحسن بن زيد، ابن عم الحسن بن زيد صاحب طبرستان؛ فقتل موسى، وغلب على المدينة. وقدمها أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد، فضبط المدينة؛ وقد كان غلا بها السعر، فوجه إلى الجار، وضمن للتجار أموالهم، ورفع الجباية؛ فرخص السعر، وسكنت المدينة، فولى السلطان الحسنى المدينة إلى أن قدمها ابن أبي الساج. وفيها ثبت الأعراب على كسوة الكعبة، فانتهبوها، وصار بعضها إلى صاحب الزنج، وأصاب الحاج فيها شدة شديدة. وفيها خرجت الروم إلى ديار بيعة، فاستنفر الناس، فنفروا في برد وقت لا يمكن الناس فيه دخول الدرب. وفيها غزا سيما خليفة أحمد بن طولون على الثغور الشامية في ثلثمائة رجل من أهل طرسوس، فخرج عليهم العدو في بلاد هرقلة، وهم نحو من أربعة آلاف، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل المسلمون من العدو خلقاً كثيراً، وأصيب من المسلمين جماعة كثيرة. وفيها كانت بين إسحاق بن كنداجيق وإسحاق بن أيوب وقعة، هزم فيها ابن كنداجيق إسحاق بن أيوب، فألحقه بنصيبين، وأخذ ما في عسكره، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وتبعه ابن كنداجيق، وصار إلى نصيبين، فدخلها، وهرب إسحاق بن أيوب منه، واستنجد عليه عيسى بن الشيخ وهو بآمد وأبا المغراء بن موسى بن زرارة؛ وهو بأزرن، فتظاهروا على ابن كنداجيق، وبعث السلطان إلى ابن كنداجيق بخلع ولواء على الموصل وديار ربيعة وأرمينية مع يوسف بن يعقوب، فخلع عليه، فبعثوا يطلبون الصلح، ويبذلون له مالاً على أن يقرهم على أعمالهم مائتي ألف دينار. وفيها وافى محمد بن أبي الساج مكة، فحربه ابن المخزومي، فهزمه ابن أبي الساج، واستباح ماله؛ وذلك يوم التروية من هذه السنة. وفيها شخص كيغلغ إلى الجبل، ورجع بكتمر إلى الدينور. ذكر خبر دخول أصحاب قائد الزنج رامهرمزوفيها دخل أصحاب قائد الزنج رامهرمز. ذكر الخبر عن سبب مصيرهم إليها قد ذكرنا قبل ما كان من أمر محمد بن عبيد الله الكردي وعلي بن أبان صاحب الخبيث، حين تلاقيا على صلح منهما، فذكر أن علياً كان قد احتجن على محمد ضغناً في نفسه؛ لما كان في سفره ذلك؛ وكان يرصده بشر، وقد عرف ذلك منه محمد بن عبيد الله، وكان يروم النجاة منه؛ فكاتب ابن الخبيث المعروف بأنكلاي، وسأله مسألة الخبيث ضم ناحيته إليه لتزول يد علي منه، وهاداه، فزاد ذلك علي بن أبان عليه غيظاً وحنقاً؛ فكتب إلى الخبيث يعرفه به، ويصحح عنده أنه مصر على غدره، ويستأذنه في الإيقاع به، وأن يجعل الذريعة إلى ذلك مسألته حمل خراج ناحيته إليه، فأذن له الخبيث في ذلك، فكتب علي إلى محمد بن عبيد الله في حمل المال، فلواه به، ودافعه عنه، فاستعد له علي، وسار إليه، فأوقع برامهرمز، ومحمد بن عبيد الله يومئذ مقيمٌ بها، فلم يكن لمحمد منه امتناع، فهرب ودخل علي رامهرمز، فاستباحها، ولحق محمد بن عبيد الله بأقصى معاقله من أربق والبيلم، وانصرف علي غانماً، وراع ما كان من ذلك من علي محمداً، فكتب يطلب المسألة، فأنهى ذلك علي إلى الخبيث، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك، وإرهاق محمد بحمل المال، فحمل محمد بن عبيد الله مائتي ألف درهم، فأنفذها علي إلى الخبيث، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وعن أعماله. ذكر الخبر عن وقعة أكراد داربان مع صاحب الزنج وفيها كانت وقعةٌ لأكراد الداربان مع زنج الخبيث، هزموا فيها وفلوا. ذكر الخبر عن سبب ذلك: ذكر عن محمد بن عبيد الله بن أزارمرد أنه كتب إلى علي بن أبان بعد حمله إليه المال الذي ذكرنا مبلغه قبل، وكف علي عنه وعن أعماله، يسأله المعونة على جماعة من الأكراد كانوا بموضع يقال له الداربان، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم. فكتب علي إلى الخبيث يسأله الإذن له في النهوض لذلك، فكتب إليه أن وجه الخليل بن أبان وبهبوذ بن عبد الوهاب، وأقم أنت، ولا تنفذ جيشك حتى تتوثق من محمد بن عبيد الله برهائن تكون في يدك منه، تأمن بها من غدره فقد وترته، وهو غير مأمون على الطلب بثأره. فكاتب عليٌ محمد بن عبيد الله بما أمره به الخبيث، وسأله الرهائن، فأعطاه محمد بن عبد الله الأيمان والعهود، ودافعه على الرهائن. فدعا علياً الحرص على الغنائم التي أطمعه فيها محمد بن عبيد الله إلى أن أنفذ الجيش، فساروا ومعهم رجال محمد بن عبيد الله؛ حتى وافوا الموضع الذي قصدوا له، فخرج إليهم أهله، ونشبت الحرب، فظهر الزنج في ابتداء الأمر على الاكراد، ثم صدقهم الأكراد، وخذلهم أصحاب محمد بن عبيد الله، فتصدعوا وانهزموا مفلولين مقهورين؛ وقد كان محمد بن عبيد الله أعد لهم قوماً أمرهم بمعارضتهم إذا انهزموا، فعارضوهم وأوقعوا بهم، ونالوا منهم أسلاباً، وأرجلوا طائفة طائفة منهم عن دوابهم، فأخذوها، فرجعوا بأسوإ حال، فكتب المهلبي إلى الخبيث بما نال أصحابه. فكتب إليه يعنفه، ويقول: قد كنت تقدمت إليك ألا تركن إلى محمد بن عبيد الله، وأن تجعل الوثيقة بينك وبينه الرهائن، فتركت أمري، واتبعت هوالك، فذاك الذي أرد وأردي جيشك. وكتب الخبيث إلى محمد بن عبيد الله، أنه لم يخف علي تدبيرك على جيش علي بن أبان، ولن تعدم الجزاء على ما كان منك. فارتاع محمد بن عبيد الله مما ورد به عليه كتاب الخبيث، وكتب إليه بالتضرع والخضوع، ووجه بما كان أصحابه أصابوا من خيل أصحاب علي حيث عورضوا وهم منهزمون، فقال: إني صرت بجميع من معي إلى هؤلاء القوم الذين أوعوا بالخليل وبهبوذ، فتودعهم وأخفتهم، حتى ارتجعت هذه الخيل منهم، ووجهت بها. فأظهر الخبيث غضباً، وكتب إليه يتهدده بجيش كثيف يرميه به، فأعاد محمد الكتاب بالتضرع والاستكانة، فأرسل إلى بهبوذ، فضمن له مالاص، وضمن لمحمد بن يحيى الكرماني مثل ذلك، ومحمد بن يحيى يومئذ الغالب على علي بن أبان، والمصرف له برأيه، فصار بهبوذ إلى علي بن أبان، وظاهره محمد بن يحيى الكرماني على أمره حتى أصلحا رأى علي في محمد بن عبيد الله وسلاماً في قلبه من الغيظ والحق عليه، ثم مضيا إلى الخبيث. ووافق ذلك ورود كتاب محمد بن عبيد الله عليه، فصوبا وصعدا حتى أظهر لهما الخبيث قبول قولهما، والرجوع لمحمد بن عبيد الله إلى ما أحب، وقال: لست قابلاً منه بعد هذا إلا أن يخطب لي على منابر أعماله. فانصرف بهبوذ والكرماني بما فارقهما عليه الخبيث، وكتبا به إلى محمد بن عبيد الله، فأصدر جوابه إلى كل ما أراده الخبيث، وجعل يراوغ عن الدعاء له علىالمنابر. وأقام علي بعد هذا مدة، ثم استعد لمتوث، وسار إليها؛ فرامها فلم يطقها لحصاتها وكثرة من يدافع عنها من أهلها، فرجع خائباً، فاتخذ سلاليم وآلات ليرقى بها السور، وجمع أصحابه واستعد. وقد كان مسرور البلخي عرف قصد علي متوث، وهو يومئذ مقيمٌ بكور الأهواز. فلما عاود المسير إليها، وسار إليه مسرور، فوافاه قبيل غروب الشمس، وهو مقيم عليها؛ فلما عاين أصحاب علي أوائل خيل مسرور، انهزموا أقبح هزيمة. وتركوا جميع آلاتهم التي كانوا حملوها، وقتل منهم جمع كثير، وانصرف علي بن أبان مدحوراً، ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى تتابعت الأخبار بإقبال أبي أحمد، ثم لم يكن لعلي بعد رجوعه من متوث وقعة حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على أبي أحمد، فانصرف بكتاب ورد عليه من الخبيث يحفزه فيه حفزاً شديداً بالمصير إلى عسكره. وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي الكوفي. ثم دخلت سنة سبع وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان غيها من ذلك حبس السلطان محمد بن طاهر بن عبد الله وعدة من أهل بيته بعقب هزيمة أحمد بن عبد الله الخجستاني عمرو بن الليث وتهمة عمرو بن الليث محمد بن طاهر بمكاتبة الخجستاني والحسين بن طاهر، ودعا الحسين والخجستاني لمحمد بن طاهر على نابر خراسان. ذكر خبر غلبة أبي العباس بن الموفق على سليمان بن جامع وفيها غلب أبو العباس بن الموفق على عامة ما كان سليمان بن جامع صاحب قائد الزنج غلب عليه من قرى كور دجلة كعبدسي ونحوها. ذكر الخبر عن سبب غلبة أبي العباس على ذلك وما كان من أمره وأمر الزنج في تلك الناحية ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن الزنج لما دخلوا واسطاً وكان منهم بها ما قد ذكرناه قبل، واتصل الخبر بذلك إلى أبي أحمد بن المتوكل ندب ابنه أبا العباس للشخوص إلى ناحية واسط لحرب الزنج، فخف لذلك أبو العباس. فلما حضر خروج أبي العباس ركب أبو أحمد إلى بستان موسى الهادي في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ومائتين، فعرض أصحاب أبي العباس، ووقف على عدتهم؛ فكان جميع الفرسان والرجالة عشرة آلاف رجل في أحسن زي وأجمل هيئة وأكمل عدة، ومعهم الشذا والسميريات والمعابر للرجالة؛ كل ذلك قد أحكمت صنعته. فنهض أبو العباس من بستان الهادي، وركب أبو أحمد مشيعاً له حتى نزل الفرك، ثم انصرف. وأقام أبو العباس بالفرك أياماً، حتى تكاملت عدده، وتلاحق أصحابه، ثم رحل إلى المدائن، وأقام بها أيضاً، ثم رحل إلى دير العاقول. قال محمد بن حماد: فحدثني أخي إسحاق بن حماد وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشمي المعروف ببريه، ومحمد بن شعيب الاشتيام، في جماعة كثيرة ممن صحب أبا العباس في سفره - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: لما نزل أبو العباس دير العاقول، ورد عليه كتاب نصير المعروف بأبي حمزة صاحب الشذا والسميريات، وقد كان أمضاه على مقدمته، يعلمه فيه أن سليمان بن جامع قد وافى في خيل ورجالة وشذوات وسميريات، والجبائي يقدمه، حتى نزل الجزيرة التي بحضرة بردودا، وأن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى نهر أبان برجالة وفرسان وسميريات فرحل أبو العباس حتى وافى جرجرايا، ثم فم الصلح، ثم ركب الظهر، فسار حتى وافى الصلح، ووجه طلائعه ليعرف الخبر، فأتاه منهم من أخبره بموافاة القوم وجمعهم وجيشهم، وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا، أسفل واسط. فلما عرف ذلك عدل عن سنن الطريق، واعترض في مسيره، ولقى أصحابه أوائل القوم؛ فتطاردوا لهم حتى طمعوا واغتروا، فأمنعوا في إتباعهم، وجعلوا يقولون لهم: اطلبوا أميراً للحرب؛ فإن أميركم قد شغل نفسه بالصيد. فلما قربوا من أبي العباس بالصلح، خرج عليهم فيمن معه من الخيل والرجل، وأمر فصيح بنصير: إلى أين تتأخر عن هؤلاء الأكلب! ارجع إليهم؛ فرجع نصير إليهم. وركب أبو العباس سميرية، ومعه محمد بن شعيب الاشتيام، وحف بهم أصحابه من جميع جهاتهم، فانهزموا، ومنح الله أبا العباس وأصحابه أكتافهم؛ يقتلونهم ويطردونهم؛ حتى وافوا قرية عبد الله؛ وهي على ستة فراسخ من الموضع الذي لقوهم فيه، وأخذوا منهم خمس شذوات وعدة سميريات، واستأمن منهم قوم، وأسر منهم أسرى، وغرق ما أدرك من سفنهم؛ فكان ذلك أول الفتح على العباس بن أبي أحمد. ولما انقضت الحرب في هذا اليوم، أشار على أبي العباس قواده وأولياؤه، أن يجعل معسكره بالموضع الذي كان انتهى إليه من الصلح؛ إشفاقاً عليه من مقاربة القوم، فأبى إلا نزول واسط. ولما انهزم سليمان بن جامع ومن معه، وضرب الله وجوههم، انهزم سليمان بن موسى الشعراني عن نهر أبان؛ حتى وافى سوق الخميس، ولحق سليمان بن جامع بنهر الأمير؛ وقد كان القوم حين لقوا أبا العباس أجالوا الرأي بينهم، فقالوا: هذا فتىً حدثٌ؛ لم تطل ممارسته الحروب وتدربه بها، فالرأي لنا أن نرميه بحدنا كله، ونجتهد في أول لقية نلقاه في إزالته؛ فلعل ذلك أن يروعه، فيكون سبباً لانصرافه عنا. ففعلوا ذلك، وحشدوا واجتهدوا، فأوقع الله بهم بأسه ونقمته. وركب أبو العباس من غد يوم الوقعة، حتى دخل واسطاً في أحسن زي، وكان يوم جمعة، فأقام حتى صلى بها صلاة الجمعة، واستأمن إليه خلق كثير، ثم انحدر إلى العمر - وهو على فرسخ من واسط - فقدم فيه عسكره، وقال: اجعل معسكري أسفل واسط، ليأمن من فوقه الزنج. وكان نصير المعروف بأبي حمزة والشاه بن مكيال أشارا عليه أن يجعل مقامه فوق واسط، فامتنع من ذلك، وقال لهما: لست نازلاً إلا العمر؛ فانزلا أنتم في فوهة بردوداً. وأعرض أبو العباس عن مشاورة أصحابه واستماع شئ من آرائهم؛ فنزل العمر وأخذ في بناء الشذوات، وجعل يراوح القوم القتال ويغاديهم؛ وقد رتب خاصة غلمانه في سميريات فجعل في كل سميرية اثنين منهم، ثم إن سليمان استعد وحشد وجمع وفرق أصحابه فجعلهم في ثلاثة أوجه: فرقة أتت من نهر أبا، وفرقة من برتماتا، وفرقة من بردودا، فليهم أبو العباس؛ فلم يلبثوا أن انهزموا، فخلفت طائفة منهم بسوق الخميس وطائفة بمازروان، وأخذ قوم منهم في برتماتا وآخرون أخذوا الماديان، وقوم منهم اعتصموا للقوم الذين سلكوا الماديان؛ فلم يرجع عنهم حتى وافى نهر برمساور، ثم انصرف، فجعل يف على القرى والمسالك، ومعه الأدلاء؛ حتى وافى عسكره، فأم به مريحاً نفسه وأصحابه. ثم أتاه مخبرٌ فأخبره أن الزج قد جمعوا واستعدوا لكبس عسكره، وأهم على إتيان عسكره من ثلاثة أوجه، وأهم قالوا: إنه حدث غر يغر بنفسه، وأجمع رأيهم على تكمين الكماء والمصير إليه من الجهات الثلاثة التي ذكرنا، فحذر ذلك، واستعد له، وأقبلوا إليه وقد كمنوا زهاء عشرة آلاف في برتمرتا ونحواً من هذه العدة في قس هثا. ودموا عشرين سميرية إلى العسكر ليغير بها أهله، ويجيزوا المواضع التي فيها كماؤهم؛ فمع أبو العباس الناس من اتباعهم؛ فلما علموا أن كيدهم لم ينفذ، خرج الجبائي وسليمان في الشذوات والسميريات، وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه، فأمر نصيراً المعروف بأبي حمزة أن يبرز للقوم في شذواته، وزل أبو العباس عن فرس كان ركبه، ودعا بشذاة من شذواته وقد كان سماها الغزال، وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافي لهذه الشذاة، وركبها، واختار من خاصة أصحابه وغلمانه جماعة دفع إليهم الرماح، وأمر أصحاب الخيل بالمسير بإزائه على شاطئ النهر، وقال لهم: لا تدعوا المسير ما أمكنكم إلى أن تقطعكم الأنهار، وأمر بتعبير بعض الدواب التي كانت ببردودا، ونشبت الحرب بين الفريين؛ فكانت معركة القتال من حد قرية الرمل إلى الرصافة؛ فكانت الهزيمة على الزج، وحاز أصحاب أبي العباس أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والجبائي في ذلك اليوم بعد أن أشفيا على الهلاك راجلين، وأخذت دوابهما بحلالهما وآلتها، ومضى الجيش أجمع لا يثنى أحد منهم حتى وافوا طهيثاً، وأسلموا ما كان معهم من أثاث وآلة، ورجع أبو العباس، وأقام بمعسكره في العمر، وأمر بإصلاح ما أخذ منهم من الشذا والسميريات وترتيب الرجال فيها، وأقام الزنج بعد ذلك عشرين يوماً، لا يظهر منهم أحد. وكان الجبائي يجئ في الطلائع في كل ثلاثة أيام وينصرف، وحفر آباراً فوق نهر سنداد، وصير فيها سفافيد حديد، وغشاها باليواري، وأخفى مواضعها، وجعلها على سن مسير الخيل ليتهور فيها المجتازون بها؛ وكان يوافى طف العسكر متعرضاً لأهله، فتخرج الخيل طالبة له، فجاء في بعض أيامه وطلبته الخيل كما كانت تطلبه، فطر فرس رجل من واد الفراعنة في بعض تلك الآبار، فوقف أصحاب أبي العباس بما ناله من ذلك على ما دبر الجبائي، فحذر ذلك، وتنكبوا سلوك ذلك الطريق، وألح الزنج في مغاداة العسكر في كل يوم للحرب، وعسكر بنهر الأمير في جمع كثير؛ فلما لم يجد ذلك عليهم أمسكوا عن الحرب قدر شهر. وكتب سليمان إلى صاحب الزنج يسأله إمداده بسميريات؛ لكل واحد منهن أربعون مجدافاً، فوافاه من ذلك في مقدار عشرين يوماً أربعون سميرية، في كل سميرية مقاتلان، ومع ملاحيها السيوف والرماح والتراس، وجعل الجبائي موقفه حيال عسكر أبي العباس، وعادوا التعرض للحرب في كل يوم؛ فإذا خرج إليهم أصحاب أبي العباس انهزموا عنهم، ولم يثبتوا لهم؛ وخلال ذلك ما تأتي طلائعهم، فتقطع القناطر، ترمى ما ظهر لها من الخيل بالنشاب، وتضرم ما وجدت في النوبة من المراكب التي مع نصير بالنار؛ فكانواكذلك قدر شهرين. ثم رأى أبو العباس أن يكمن لهم كميناً في رية الرمل، ففعل ذلك، وقدم لهم السميريات أمام الجيش ليطمعوا فيها، وأمر أبو العباس فأعدت له سميرية ولزيرك سميرية وحمل جماعة من غلمانه الذين اختارهم، وعرفهم بالنجدة في السميريات، فحمل بدراً ومؤنساً في سميرية ورشيقاً الحجاجي ويمناً في سميرية وخفيفاً ويسراً في سميرية، ونذيراً ووصيفاَ في سميرية؛ وأعد خمس عشرة سميرية، وجعل في كل سميرية مقاتلين، وجعلها أمام الجيش. قال محمد بن شعيب الاشتيام: وكنت فيمن تقدم يومئذ، فأخذ الزنج من السميريات المتقدمة عدة؛ وأسروا أسرى، فانطلقت مسرعاً، فناديت بصوت عال: قد أخذ القوم سميرياتنا. فسمع أبو العباس صوتي وهو يتغدى، فنهض إلى سميرته التي كانت أعدت له؛ وتقدم العسكر، ولم ينتظر لحاق أصحابه، فتبعه منهم من خف لذلك. قال: فأدركنا الزنج رأونا ذف الله الرعب في قلوبهم، فألقوا أنفسهم في الماء، وانهزموا فتخلصنا أصحابنا، وحوينا يومئذ إحدى وثلاثين سميرية من سميريات الزنج، وأفلت الجبائي في ثلاث سميريات، ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس كانت في يده حتى دميت إبهامه؛ فانصرف؛ شدة اللغوب. ورجع أبو العباس وأكثر أصحابه بمواضعهم من فوهة بردودا لم يرم أحد منهم؛ فلما وافى عسكره أمر لمن كان في صحبه بالأطواق والخلع والأسورة، وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج، وأمر أبا حمزة أن يجعل مقامه بما معه من الشذا في دجلة بحذاء خسرسابور. ثم إن العباس رأى يتوغل في مازروان حتى يصير إلى القرية المعروفة بالحجاجية، وينتهي إلى نهر الأمير، ويف على تلك المواضع، ويتعرف الطر التي تجتاز فيها سميريات الزنج، وأمر نصيراً فقدمه بما معه من الشذا والسميريات، فسار نصير لذلك؛ فترك طريق مازروان، وقصد ناحية ناحية نهر الأمير، فدعا أبو العباس سميرته، فركبها ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان وهو يرى أن نصيراً أمامه، وقال لمحمد: قدمني في النهر لأعرف خبر نصير. وأمر الشذا والسميريات بالمصير خلفه. قال محمد بن شعيب: فمضينا حتى قاربنا الحجاجية، فعرضت لنا في النهر صلغة فيها عشرة زنوج؛ فأسرعنا إليها، فألقى الزنوج أنفسهم في الماء، وصارت الصلغة في أيدينا، فإذا هي مملوءة شعيراً، وأدركنا فيها زنجياً فأخذناه، فسألناه عن خبر نصير وشذواته فقال: ما دخل هذا النهر شئ من الشذا والسميريات، فأصابتنا حيرة، وذهب الزنج الذين أفلتوا من أيدينا فأعلموا أصحابهم بمكاننا، وعرض للملاحين الذين كانوا معنا غنم فخرجوا لانتهابها. قال محمد بن شعيب: وبقيت مع أبي العباس وحدي، فلم نلبث أن وافاناقائد من قواد الزنج، يقال له منتاب، في جماعة من الزنج من أحد جانبي النهر، ووافانا من الجانب الآخر عشرة من الزنج، فما رأينا ذلك خرج أبو العباس، ومعه قوسه وأسهمه، وخرجت برمح كان في يدي، وجعلت أحميه بالرمح وهو يرمي الزنج، فجرح منهم زنجيين، وجعلوا يثوبون ويكثرون، وأدركنا زيرك في الشذا ومعه الغلمان؛ وقد كان أحاط بنا زهاء ألفي زنجي من جانبي مازروان، وكفى الله أمرهم وردهم بذلة وصغار، ورجع أبو العباس إلى عسكره، وقد غنم أصحابه من الغنم والبقر والجواميس شئيئاً كثيراً، وأمر أبو العباس بثلاثة من الملاحين الذين كانوا معه، فتركوه لانتهاب الغنم، فضربت أعنقاقهم، وأمر لمن بقى بالأرزاق لشهر وأمر بالنداء في الملاحين ألا يبرح أحدٌ من السميريات في وقت الحرب؛ فمن فعل ذلك فقد حل دمه وانهزم الزنج أجمعون حتى لحقوا بطهيثاً وأقام أبو العباس بمعسكره في العمر، وقد بث طلائعه في جميع النواحي، فمكث بذلك حيناً، وجمع سليمان بن جامع عسكره وأصحابه، وتحصن بطهيثاً، وفعل الشعراني مثل ذلك بسوق الخميس؛ وكان بالصينية لهم جيش كثيف أيضاً، يقود أهله رجل منهم يقال له نصر السندي، وجعلوا يخربون كل ما وجدوا إلى خرابه سبيلاً، ويحملون ما قدروا على حمله من الغلات، ويعمرون مواضعهم التي هم مقيمون بها، فوجه أبو العباس جماعة من قواده، منهم الشاه وكمشحور والفضل بن موسى بن بغا، وأخوه محمد على الخيل إلى ناحية الصينية، وركب أبو العباس ومعه نصير وزيرك في الشذا والسميريات، وأمر بخيل فعبر بها من برمساور إلى طريق الظهر. وسار الجيش حتى صار إلى الهرث، فأمر أبو العباس بتغيير الدواب إلى الهرث، فعبرت، فصارت إلى الجانب الغربي من دجلة، وأمر بأن يسلك بها طريق دير العمال. فلما أبصر الزج الخيل دخلتهم منها رهبة شديدة، فلجئوا إلى الماء والسفن، ولم يلبثوا أن وافتهم الشذا والسميريات، فلم يجدوا ملجأ واستسلموا، فقتل منهم فريق، وأسر فريق، وألقى بعضهم نفسه في الماء، فأخذ أصحاب أبي العباس سفنهم؛ وهي مملوءة أرزاً، فصارت في أيديهم، وأخذوا سميرية رئيسهم المعروف بنصر السندي، وانهزم الباقون، فصارت طائفة منهم إلى طهيثا وطائفة إلى سوق الخميس، ورجع أبو العباس غانماً إلى عسكره، وقد فتح الصينية وأجلى الزنج عنها. قال محمد بن شعيب: وبينا نحن في حرب الزنج بالصينية إذ عرض لأبي العباس كركي طائر، فرماه بسهم، فشكه فسقط بين أيدي الزنج، فأخذوه، فلما رأوا موضع السهم منه، وعلموا أنه سهم أبي العباس زاد ذلك في رعبهم؛ فكان سبباً لانهزامهم يومئذ. وقد ذكر عمن لا يتهم أن خبر السهم الذي رمى به أبو العباس الكركي في غير هذا اليوم، وانتهى إلى أبي العباس أن بعبد سي جيشاً عظيماً يرأسهم ثابت بن أبي دلف ولؤلؤ الزنجيان، فصار أبو العباس إلى عبد سي قاصداً للإيقاع بهما ومن معهما في خيا جريدة، قد انتخبت من غلمانه وحماة أصحابه، فوافى الموضع الذي فيه جمعهم في السحر، فأوقع بهم وقعة غليظة، قتل فيها من أبطالهم، وجلد من رجالهم خلق كثير، وانهزموا. وظفر أبو العباس برئيسهم ثابت بن أبي دلف، فم عليه واسبقاه، وضمه إلى بعض قواده، وأصاب لؤلؤاً سهم فهلك منه، واستنفذ يومئذ من النساء اللواتي كن في أيدي الزنج خلق كثير، فأمر أبو العباس بإطلاقهن ورد إلى أهلهن، وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه. ثم رجع أبو العباس إلى معسكره، فأمر أصحابه أن يريحوا أنفسهم ليسير بهم إلى سوف الخميس، ودعا نصيراً فأمره بتعبئة أصحابه للمسير إليها، فقال له نصير: إن نهر سوق الخميس ضيق، فأقم أنت وائذن لي في المسير إليه حتى أعاينه، فأبى أن يدعه حتى يعاينه، ويقف على علم ما يحتاج إليه منه قبل موافاة أبيه أبي أحمد؛ وذلك عند ورود كتاب أبي أحمد عليه بعزمه على الانحدار. قال محمد بن شعيب: فدعاني أبو العباس، فقال لي، إنه لابد لي من دخول سوق الخميس، فقلت: إن كنت لا بد فاعلاً ما تذكر فلا تكثر عدد من تحمل معك في الشذا، ولا تزد على ثلاثة عشر غلاماً عشرة رماة وثلاثة في أيديهم الرماح، فإني أكره الكثرة في الشذا مع ضيق النهر، فاستعد أبو العباس لذلك وسار إليه ونصير بين يديه حتى وافى فم برمساور، فقال له نصير: قدمني أمامك، ففعل ذلك، فدخل نصير في خمس عشرة شذاة. واستأذنه رجل من قواد الموالي يقال له موسى دالجويه في التقدم بين يديه، فأذن له، فسار وسار أبو العباس حتى انتهى به مسيرة إلى بسامي، ثم إلى فوهة براطق ونهر الرق النهر الذي ينفذ إلى رواطا وعبدسى، وهذه الأنهار الثلاثة تؤدي إلى ثلاث طرق مفترقة، فأخذ نصير في طريق نهر براطق وهو النهر المؤدي إلى مدينة سليمان بن موسى الشعراني التي سماها المنيعة بسوق الخميس.وأقام أبو العباس على فوهة هذا النهر، وغاب عنه نصير حتى خفي عنه خبره. وخرج علينا في ذلك الموضع من الزنج خلق كثير، فمنعونا من دخول النهر، وحالوا بينا وبين الانتهاء إلى السور - وبين هذا الموضع الذي انتهينا إليه والسور المحيط بمدينة الشعراني مقدار فرسخين - وأقاموا هناك يحاربوننا، واشتدت الرب بينا وبينهم وهم على الأرض؛ وحن في السفن من أول النهار إلى وقت الظهر، وخفي علينا خبر نصير، وجعل الزنج يهتفون بنا: قد أخذنا نصيراً فماذا تصنعون؟ ونحن تابعوكم حيثما ذهبتم. فاغتنم أبو العباس لما سمع منهم هذا القول، فأستأذنه محمد بن شعيب فيالمسير ليتعرف خبر نصير، فأذن له، فمضى في سميرية بعشرين جذاقاً حتى وافى نصيراً أبا حمزة، وقد قرب من سكر كان الفسقة سكروه، وحده قد أضرم النار فيه وفي مدينتهم، وحارب حرباً شديداً ورزق الظفر بهم، وكان الزنج ظفروا ببعض شذوات أبي حمزة، فقاتل حتى انتزع ما كانوا أخذوا من بين أيديهم، فرجع محمد بن شعيب إلى أبي العباس، فبشره بسلامة نصير ومن معه، وأخبره خبره. فسر بذلك وأسر نصير يومئذ من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العباس بالموضع الذي كان واقفاً به. فلما رجع نصير قال أبو العباس: لست زائلاً عن موضعي هذا حتى أرواحهم القتال في عشي هذا اليوم؛ ففعل ذلك، وأمر بإظهار شذاة واحدة من الشذوات التي كانت معه لهم، وأخفى باقيها عنهم، فطمعوا في الشذاة التي رأوها، فتبعوها، وجعل من كان فيها يسيرو سيراً ضعيفاً حتى أدركوها، فعلقوا بسكانها، وجعل الملاحون يسيرو حتى وافوا المكان الذي كانت فيه الشذوات المكمنة. وقد كان أبو العباس ركب سميرية، وجعل الشذا خلفه، فسار نحو الشذاة التي علق بها الزنج لما أبصرها، فأدركها، والزج ممسكون بسكانها يحيطون بها من جوانبها، يرمون بالنشاب والآجر، وعلى أبي العباس كيز تحته درع. قال محمد: فنزعنا يومئذ من كيز أبي العباس خمساً وعشرين نشابة، ونزعت من لبادةٍ كانت علي أربعين نشابة، ومن لبابيد سائر الملاحي الخمس والعشرين والثلاثين. وأظفر الله أبا العباس بست سميريات من سميريات الزنج، وتخلص الشذا من أيديهم، وانهزموا، ومال أبو العباس وأصحابه نحو الشط، وخرج من الزنج المقاتلة بالسيوف والتراس؛ فانهزموا لا يلوون على شيء للرهبة التي وصلت إلى قلوبهم، ورجع أبو العباس سالماً غانماً، فخلع على الملاحين ووصلهم، ثم صار إلى معسكره بالعمر، فأقام به إلى أن وافى الموفق. ولإحدى عشرة ليلةً خلت من صفر منها، عسكر أبو أحمد بن المتوكل بالفرك، وخرج من مدينة السلام يريد الشخوص إلى صاحب الزنج لحربه؛ وذلك أنه - فيما ذكر - كان اتصل به أن صاحب الزنج كتب إلى صاحبه علي بن أبان المهلبي يأمره بالمصير بجميع من معه إلى احية سليمان بن جامع، ليجتمعا على حرب أبي العباس بن أبي أحمد، وأقام أبو أحمد بالفرك أياماً؛ حتى تلاحق به أصحابه ومن أراد النهوض به إليه، وقد أعد قبل ذلك الشذا والسميريات والمعابر والسفن، ثم رحل من الفرك - فيما ذكر - يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول في مواليه وغلمانه وفرسانه ورجالته فصار إلى رومية المدائن، ثم صار منها، فنزل السيب ثم دير العاقول ثم جرجرايا، ثم قني، ثم نزل جبل، ثم نزل الصلح، ثم نزل على فرسخ من واسط، فأقام هنالك يومه وليلته، فتلقاه ابنه أبو العباس به في جريدة خيل فيها وجوه قواده وجنده، فسأله أبو أحمد عن خبر أصحابه، فوصف له بلاءهم ونصحهم، فأمر أبو أحمد له ولهم بخلع فخلعت عليهم، وانصرف أبو العباس إلى معسكره بالعمر، فأقام يومه. فلما كانت صبيحة الغد رحل أبو أحمد منحدراً في الماء، وتلقاه ابنه أبو العباس بجميع من معه من الجند في هيئة الحرب والزي الذي كانوا يلقون به أصحاب الخائن، فجعل يسير أمامه حتى وافى عسكره بالنهر المعروف بشيرزاد؛ فنزل أبو أحمد، ثم رحل منه يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول؛ فنزل على النهر المعروف بسنداد بإزاء القرية المعروفة بعبد الله، وأمرا ابنه أبا العباس، فنزل شرقي دجلة بإزاء فوهة بردودا، وولاه مقدمته، ووضع العطاء فأعطى الجيش، ثم أمر ابنه بالمسير أمامه بما معه من آلة الحرب إلى فوهة برمساور. فرحل أبو العباس في المختارين من قواده ورجاله، منهم زيرك التركي صاحب مقدمته، ونصير المعروف بأبي حمزة صاحب الشذا والسميريات. ورحل أبو أحمد بعد ذلك في الفرسان والرجالة المتخبين، وخلف سواد عسكره وكثيراً من الفرسان والرجالة بمعسكره؛ فتلقاه ابنه أبو العباس بأسرى ورءوس وقتلى من أصحاب الشعراني؛ وذلك أنه وافى عسكره الشعراني في ذلك اليوم قبل مجيء أبيه أبي أحمد؛ فأوقع به أصحابه؛ فقتل منهم مقتلةً عظيمة، وأسر منهم جماعة؛ فأمر أبو أحمد بضرب أعناق الأسرى فضربت، ونزل أبو أحمد فوهة برمساور، وأقام به يومين، ثم رحل يريد المدينة التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس في يوم الثلاثاء لثماني ليال خلون من شهر ربيع الآخر من هذه السنة بمن معه من الجيش وما معه من آلة الحرب، وسلك في السفن في برمساور، وجعلت الخيل تسير بإزائه شرقي برمساور، حتى حاذى النهر المعروف ببراطق الذي يوصل إلى مدينة الشعراني. وإنما بدأ أبو أحمد بحرب سليمان بن موسى الشعراني قبل حرب سليمان بن جامع من أجل أن الشعراني كان واءه، فخاف إن بدأ بابن جامع أن يأتيه الشعراي من ورائه، ويشغله عمن هو أماه؛ فقصده من أجل ذلك؛ وأمر بتعبير الخيل وتصييرها على جانبي النهر المعروف ببراطق، وأمر انه أبا العباس بالتقدم في الشذا والسميريات، وأتبعه أبو أحمد في أحمد الشذا بعامة الجيش. فلما بصر سليمان ومن معه من الزنج وغيرهم بقصد الخيل والرجالة سائرين على جنبتي النهر ومسير الشذا والسميريات في النهر، وقد لقيهم أبو العباس قبل ذلك، فحاربوه حرباً ضعيفة، انهزموا وتفرقوا. وعلا أصحاب أبي العباس السور، ووضعوا السيوفغ فيمتن لقيهم وتفرق الزنج وأتباعهم، ودخل أصحاب أبي العباس المدينة، فقتلوا فيها خلقاً كثيراً، وأسروا بشراً كثيراً، وحووا ما كا في المدينة، وهرب الشعراني ومن أفات منهم معه، وأتبعهم أصحاب أبي أحمد حتى وافوا بهم البطائح، فغرق منهم خلق كثير، ونجا الباقون إلى الآجام، وأمر أبو أحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم قبل غروب الشمس من يوم الثلاثاء، وانصرف وقد استنفذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأة؛ سوى من ظفر به من الزنجيات اللواتي كن في سوق الخميس. فأمر أبو أحمد بحياطة النساء جميعاً، وحملهن إلى واسط ليدفعن إلى أوليائهن. وبات أبو أحمد بحيال النهر المعروف ببراطق، ثم باكر المدينة من غد، فأذن للناس في حياطة ما فيها من أمتعة الزنج، وأخذا ما كان أجمع، وأمر بهدم سورها وطم خندقها وإحراق ما كان بقى فيها من السفن، ورحل إلى معسكره ببرمساور بالظفر بما بالرساتيق والقرى التي كانت في يد الشعراني وأصحابه من غلات الحطنة والشعير والأرز، فأمر ببيع ذلك، وصرف ثمنه في أعطيات مواليه وغلمانه وجنده وأهل عسكره وانهزم سليمان الشعراني وأخواه ومن أفلت، وسلب الشعراني ولده وما كان بيده من مال، ولحق بالمذار فكتب إلى الخائن بخبره وما نزل به واعتصامه بالمذار. فذكر محمد بن الحسن، أن محمد بن هشام المعروف بأبي واثلة الكرماني قال: كنت بين يدي الخائن وهو يتحدث، إذ ورد عليه كتاب سليمان الشعراني بخبر الوقعة ومانزل به، وانهزامه إلى المذار، فما كان إلا أن أفض الكتاب، فوقعت عينه على موضع الهزيمة حتى انحل وكاء بطنه، ثم نهض لحاجته، ثم عاد، فلما استوى به مجلسه أخذ الكتاب وعاد يقرؤه فلما انتهى إلى الموضع الذي أنهضه، نهض حتى فهل ذلك مراراً. قال: فلم أشك في عظم المصيبة، وكرهت أن أسأله، فلما طال الأمر تجاسرت، فقلت: أليس هذا كتاب سليمان بن موسى؟ قال: نعم، ورد بقاصمة الظهر، أن الذين أناخوا عليه أوقعوا به وقعة لم تبق منه ولم تذر، فكتب كتابه هذا وهو بالمذار، ولم يسلم بشئ غير نفسه. قال: فأكبرت ذلك، والله يعلم مكروه ما أخفى من السرور الذي وصل إلى قلبي، وأمسك مبشراً بدنو الفرج. وصبر الخائن على ما وصل إليه، وجعل بظهر الجلد، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني، ويأمره بالتيقظ في أمره وحفظ ما قبله. وذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد قال: أقام الموفق بعسكره ببرمساور يومين، لتعرف أخبار الشعراني وسليمان بن جامع والوقوف على مستقره، فأتاه بعض من كان وجهه لذلك، فأخبره أنه معسكر بالقرية المعروفة بالحوانيت. فأمر عند ذلك بتعبير الخيل إلى أرض كسكر في غربي دجلة، وسار على الظهر، وأمر بالشذا وسفن الرجالة فحدرت إلى الكثيثة، وخلف سواد عسكره وجمعاً كثيراً من الرجال والكراع بفوهة برمساور، وأمر بغراج بالمقام هناك؛ فوافى أبو أحمد الصينية، وأمر أبا العباس بالمصير في الشذا والسميريات إلى الحوانيت مخفاً لتعرف حقيقة خبر سليمان بن جامع في مقامه بها، وإن وجد منه غرة أوقع به. فسار أبو العباس في عشى ذلك اليوم إلى الحوانيت، فلم يلف سليمان هنالك، وألفى من قواد السودان المشهورين بالبأس والنجدة شبلاً وأبا النداء وهما من قدماء أصحاب الفاسق الذين كان استتبعهم في بدء مخرجه. وكان سليمان بن جامع خلف هذين القائدين في موضعهما لحفظ غلات كثيرة كانت هناك، فحاربهما أبو العباس، وأدخل الشذا موضعاً ضيقاً من النهر، فقتل من رجالهما، وجرح بالسهام خلقاً كثيراً - وكانوا أجلد رجال سليمان بن جامع ونخبتهم الذين يعتمد عليهم - ودامت الحرب بينهم إلى أن حجز الليل بين الفريقين. قال: وقال محمد بن حماد: في هذا اليوم كان من أمر أبي العباس في الكركي الذي ذكره محمد بن شعيب في يوم الصينية، وقد مر به سانحاً، قال: واستأم في هذا اليوم رجلٌ إلى أبي العباس، فسأله عن الموضع الذي فيه سليمان بن جامع، فأخبره أنه مقيم بطهيثا، فانصرف أبو العباس حينئذ إلى أبيه بحقيقة مقام سليمان بمدينته التي سماها المصورة، وهي في الموضع الذي يعرف بطهيثا، وأن معه هنالك جميع أصحابه غير شبل وأبي النداء؛ فإنهما بموضعهما من الحوانيت لما أمروا بحفظه.فلما عرف ذلك أبو أحمد، أمر بالرحيل إلى بردودا؛ إذ كان المسلك إلى طهيثا منه؛ وتقدم أبو العباس في الشذا والسميريات، وأمر من خلفه ببرمساور أن يصيروا جميعاً إلى بردودا. ورحل أبو أحمد في غد ذلك اليوم الذي أمر أبا العباس فيه بما أمره به إلى بردودا، وسار إليها يومين؛ فوافاها يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، فأقام بها يصلح ما يحتاج إلى إصلاحه من أمر عسكره، وأمر بوضع العطاء وإصلاح سفن الجسور ليحدرها معه، واستكثر من العمال والآلات التي تسد بها الأنهار، وتصلح بها الطرق للخيل، وخلف ببردودا بغراج التركي، وقد كان لما عزم على الرجوع إلى بردودا أرسل إلى غلام له يقال له جعلان وكان مخلفاً مع بغراج في عسكره، فأمر بقلع المضارب وتقديمها مع الدواب المخلفة قبله والسلاح إلى بردودا، فأظهر جعلان ما أمر به في وقت العشاء الآخرة، ونادى في العسكر والناس غارون، فألقى في قلوبهم أن ذلك لهزيمة كانت. فخرجوا على وجوههم، وترك الناس أسواقهم وأمتعتهم، ظناً منهم أن العدو قد أظلهم، ولم يلو منهم أحد على أحد، وقصدوا قصد الرجوع إلى عسكرهم ببردودا، وساروا في سواد ليلتهم تلك، ثم ظهر لهم بعد ذلك حقيقة الخبر، فسكنوا واطمأنوا. وفي صفر من هذه السنة كان بين أصحاب كيغلغ التركي وأصحاب أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وقعة بناحية قرماسين، فهزمهم كيغلغ، وصار إلى همذان، فوافاه أحمد بن عبد العزيز فيمن قد اجتمع من أصحابه في صفر، فحاربه فانهزم كيغلغ، وانحاز إلى الصيمرة. وفي هذه السنة لثلاث بقين من شهر ربيع اخر دخل أبو أحمد وأصحابه طهيثما، وأخرجوا منها سليمان بن جامع، وقتل بها أحمد بن مهدي الجبائي. ذكر الخبر عن سبب دخول أبي أحمد وأصحابه طهيثما ومقتل الجبائي ذكر محمد بن الحسن أن محمد بن حماد حدثه أن أبا أحمد لما أعطى أصحابه ببردودا، فأصلح ما أراد إصلاحه من عدة حرب من قصد لحربه في مخرجه، سار متوجهاً إلى طهيثما؛ وذلك يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، وكان مسيره على الظهر في خيله. وحدرت السفن بما فيها من الرجالة والسلاح والالآت، وحدرت المعابر والشذوات والسميريات، إلى أن وافى بها النهر المعروف بمهروذ بحضرة القرية المعروفة بقرية الجوزية، فنزل أبو أحمد هناك، وأمر بعقد الجسر على النهر المعروف بمهروذ، وأقام يومه وليلته. ثم غدا فعبّر الفرسان والأثقال بين يديه على الجسر، ثم عبر بعد ذلك، وأمر القواد والناس بالمسير إلى طهيثما، فصاروا إلى الموضع الذي ارتضاه أبو أحمد لفسه منزلاً على ميلين من مدينة سليمان بن جامع، فأقام هنالك بإزاء أصحاب الخائن يوم الاثنين والثلاثاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، ومطر السماء مطراً جوداً، واشتد البرد أيام مقامه هنالك، فشغل بالمطر والبرد عن الحرب، فلم يحارب هذه الأيام وبقية الجمعة. فلما كان عشية يوم الجمعة ركب أبو أحمد في نفر من قواده ومواليه لارتياد موضع لمجال الخيل، فانتهى إلى قريب من سور سليمان بن جامع، فتلقاه منهم جمع كثير، وخرج عليه كمناء من مواضع شتى، ونشبت الحرب واشتدت؛ فترجل جماعة من الفرسان، ودافعوا حتى خرجوا عن المضايق التي كانوا وغاوها، وأسر من غلمان أبي أحمد وقواده غلام يقال له وصيف علمدار وعدة من قواد زيرك، ورمى أبو العباس أحمد بن مهدي الجبائي بسهم في إحدى مخريه، فخرق كل شيء وصل إليه حتى خالط دماغه، فخر صريعاً، وحمل إلى عسكر الخائن وهو لمآبه، فعظمت المصيبة به عليه؛ إذ كان أعظم أصحابه غنىً عنه، وأشدهم بصيرةً في طاعته، فمكث الجبائي يعالج أياماً، ثم هلك فاشتد جزع الخائن عليه، فصار إليه، فولي غسله وتكفينه والصلاة عليه والوقوف على قبره إلى أن دفن، ثم أقبل على أصحابه فوعظهم، وذكر موت الجبائي. وكانت وفاته في ليلة ذات رعود ةبروق، وقال فيما ذكر: علمت وقت قبض روحه قبل وصول الخبر إليه بما سمع من زجل الملائكة بالدعاء له والترحم عليه. قال محمد بن الحسن: فانصرف إلى أبو واثلة - وكان فيم شهده - فعجل يعجبني مما سمع، وجاءني محمد بن سمعان فأخبرني بمثل خبر محمد ابن هاشم، وانصرف الخائن من دفن الجبائي منكسراً عليه الكآبة. قال محمد بن الحسن: وحدثني محمد بن حماد أبا أحمد انصرف من الوقعة التي كانت عشية يوم الجمعة لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، وكان خبره قد انتهى إلى عسكره، فنهض إليه عامة الجيش، فتلقوه منصرفاً، فردهم إلى عسكره؛ وذلك في وقت المغرب؛ فلما اجتمع أهل العسكر أمروا بالتحارس ليلتهم والتأهب للحرب، فأصبحوا يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر؛ فعبأ أبو أحمد أصحابه، وجعلهم كتائب يتلو بعضها بعضاً؛ فرساناً ورجالة، وأمر بالشذا والسميريات أن يسار بها معه في الهر الذي يشق مدينة طهيثا المعروف بنهر المنذر، وسار نحو الزنج حتى انتهى إلى سور المدينة، فرتب قواد غلمانه في المواضع التي يخاف خروج الزنج عليه منها، وقدم الرجالة أمام الفرسان، ووكل بالمواضع التي يخاف خروج الكمناء منها ونزل فصلى أربع ركعات، وابتهل إلى الله عز وجل في النصر له وللمسلمين. ثم عاد بسلاحه فلبسه، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم إلى السور وتخصيص الغلمان على الحرب، ففعل ذلك؛ وقد كان سليمان بن جامع أعد أمام سور مدينته التي سماها المنصورة خندقاً، فلما انتهى إليه الغلمان تهيبوا عبوره، وأحجموا عنه، فحرضهم قوادهم وترجلوا معهم، فاقتحموا متجاسرين عليه، فعبروه، واتهوا إلى الزنج وهم مشرفو من سور مدينتهم، فوضعوا السلاح فيهم، وعبرت شرذمة من الفرسان الخندق خوضاً. فلما رأى الزج خبر هؤلاء القوم الذين لقوهم وكرهم عليهم ولوا منهزمين، وأتبعهم أصحاب أبي أحمد، ودخلوا المدينة من جوانبها، وكان الزنج قد حصوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق منها سوراً يمتنعون به، فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق إذا انتهوا إليه، وجعل أصحاب أبي أحمد يكشفونهم في كل موقف وقفوه، ودخلت الشذا والسميريات مدينتهم من النهر المشقق لها بعد انهزامهم، فجعلت تغرق كل ما مرت لهم به من شذاة وسميرية، وأتبعوا من بحافتي النهر، يقتلون ويؤسرون، حتى أجلوا عن المدينة وعما اتصل بها، وكان زهاء ذلك فرسخاً، فحوى أبو أحمد ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع في نفر من أصحابه فاستحر القتال فيهم والأسر، واستنفذ أبو أحمد من نساء أهل واسط وصبياهم ومما اتصل بذلك من القرى ونواحي الكوفة زهاء عشرة آلاف. فأمر أبو أحمد بحياطتهم والإنفاق عليهم، وحملوا إلى واسط، ودفعوا إلى أهليهم، واحتوى أبو أحمد وأصحابه على كل ما كان في تلك المدينة من الذخائر والأموال والأطعمة والمواشي، وكان ذلك شيئاً جليل القدر، فأمر أبو أحمد ببيع ما أصاب من الغلات وغير ذلك، وحمله إلى بيت ماله، وصرفه في أعطيات من في عسكره من مواليه، وجنوده، فحملوا من ذلك ما تهيأ لهم حمله، وأسر من نساء سليمان وأولاده عدة، واستنفذ يومئذ وصيف علمدار ومن كان أسر معه عشية يوم الجمعة، فأخرجوا من الحبس، وكان الأمر أعجل الزنج عن قتلهم، ولجأ جمع كثير ممن أفلت إلى الآجام المحيطة بالمدينة، فأمر أبو أحمد فعقد جسر على هذا النهر المعروف بالمذر، فعبر الناس إلى غريبة، وأقام أبو أحمد بطهيثا سبعة عشر يوماً، وأمر بهدم سور المدينة وطم خنادقها، ففعل ذلك، وأمر بتتبع من لجأ إلى الآجام، وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلاً، فتسارع الناس إلى طلبهم؛ فكان إذا أتى بالواحد منهم عفا عنه، وخلع عليه وضمه إلى قواد غلمانه لما دبر من استمالتهم وصرفهم عن طاعة صاحبهم، وندب أبو أحمد نصيراً في الشذا والسميريات لطلب سليمان بن جامع والهرب معه من الزنج وغيرهم، وأمره بالجد في اتباعهم حتى يجاوز البطائح، وحتى يلج دجلة المعروفة بالعوراء، وتقدم في فتح الكور التي كان الفاسق أحدثها، ليقطع بها الشذا عن دجلة فيما بينه وبين النهر المعروف بأبي الخصيب، وتقدم أهلها، وأمره بتتبع من بقي في الآجام من الزنج حتى يظفر بهم. وفي شهر ربيع الآخر منها ماتت أم حبيب بت الرشيد. ورحل أبو أحمد بعد إحكامه ما أراد إحكامه إلى معسكره ببردودا، مزمعاً على التوجه نحو الأهواز ليصلحها؛ وقد كان اظطرب أمر المهلبي وإيقاعه بمن وقع عليه من الجيوش التي كانت بها وغلبته على أكثر كورها، وقد كان أبو العباس تقدمه في مسيره ذلك، فلما زافى بردودا أقام أياماً، وأمر بإعداد ما يحتاج إليه من المسير على الظهر إلى كور الأهواز، وقدم من يصلح الطريق والمنازل ويعد فيها المير للجيوش التي معه، ووافاه قبل أن ترحل عن واسط زيرك منصرفاً عن طهيثا؛ بعد أن تراجع إلى النواحي التي كان بها الزنج أهلها، وخلفهم آمنين. فأمره أبو أحمد بالاستعداد والانحدار في الشذا والسميريات في نخبة أصحابه وأنجادهم، ليصير بهم إلى دجلة العوراء، فتجتمع يده ويدي أبي حمزة على نفض دجلة واتباع المنهزمين من الزنج والإيقاع بكل من لقوا من أصحاب الفاسق، إلى أن ينتهي بهم السير إلى مدينته بنهر أبي الخصيب، وأن رأوا موضع حرب حاربوه في مدينته، وكتبوا بما كان منهم إلى أبي أحمد ليرد عليهم من أمره ما يعلمون بحبسه، واستخلف أبو أحمد على من خلف في عسكره بواسط ابنه هارون، وأزمع على الشخوص فيمن خلف من رجاله وأصحابه، ففعل ذلك بعد أن تقدم إلى ابنه هارون في أن يحدر الجيش الذي خلفه معه في السفن إلى مستقره بدجلة إذا وافى كتابه بذلك. وفي يوم الجمعة لليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة - وهي سنة سبع وستين ومائتين، ارتحل أبو أحمد من واسط شاخصاً إلى الأهواز وكورها، فنزل باذبين ثم جوخى ثم الطيب ثم قرقوب ثم درستان ثم على وادي السوس، وقد كان عقد له عليه جسر، فأقام من أول النهار إلى آخر وقت الظهر، حتى عبر أهل عسكره أجمع، ثم سار حتى وافى السوس، فنزلها - وقد كان أمر مسروراً - وهو عامله على الأهواز - بالقدوم عليه، فوافاه في جيشه وقواده من غد اليوم الذي نزل فيه السوس، فخلع عليه وعليهم، وأقام السوس ثلاثاً. وكان مم أسر بطهيثا من أصحاب الفاسق أحمد بن موسى بن سعيد البصري المعروف بالقلوص، وكان أحد عدده وقدماء أصحابه أسر بعد أن أثخن جراحاً كانت منها ميته، فلما هلك أمر أبو أحمد باحتراز رأسه ونصبه على جسر واسط. وكان ممن أسر يومئذ عبد الله بن محمد بن هشام الكرماني؛ وكان الخبيث اغتصبه أباه، فوجهه إلى طهيثا، وولاه القضاة ةالصلاة بها وأسر من السودان جماعة كان يعتمد عليهم، أهل نجدة وبأس وجلد، فلما اتصل به الخبر بما نال هؤلاء اتقض عليه تدبيره، وضلت حيله، فحلمه فرط الهلع على أن كتب إلى المهلبي وهو يومئذ مقيم بالأهواز في زهاء ثلاثين ألفاً مع رجل كان صحبه، يأمره بترك كل ما قبله من المير والأثاث، والإقبال إليه؛ فوصل الكتاب إلى المهلبي وقد أتاه الخبر بإقبال أبي أحمد إلى الأهواز وكورها، فهو لذلك طائر العقل، فترك جميع ما كان قبله، واستخلف عليه محمد بن يحيى ابن سعيد الكرنبائي، فدخل قلب الكرنبائي من الوحل، فأخلى ما استخلف عليه، وتبع المهلبي؛ وبجبى والأهواز ونواحيها يومئذ من أصناف الحبوب والتمر والمواشي شئ عظيم، فخرجوا عن ذلك كله. وكتب أيضاً الفاسق إلى بهبوذ بن عبد الوهاب. وإليه يومئذ عمل الفدم والباسيان وما اتصل بهما من القرى التي بين الأهواز وفارس، وهو مقيم بالفندم يأمره بالقدوم عليه؛ فترك بهبوذ ما كان قله من الطعام والتمر - وكان ذلك شيئاً عظيماً - فحوى جميع ذلك أبو أحمد، فكان ذلك قوة له على الفاسق، وضعفاً للفاسق. ولما فصل المهلبي عن الأهواز تفرق أصحابه في القرى التي بينها وبين عسكر الخبيث فانتهبوها، وأجلوا عنها أهلها، وكانوا في سلمهم وتخلف خلق كثير ممن كان مع المهلبي من الفرسان والرجالة عن اللحاق به، فأقاموا بواحي الأهواز، وكتبوا يسألون أبا أحمد الأمان لما انتهى إليهم من عفوة عمن ظفر به من أصحاب الخبيث بطهيثا، ولحق المهلبي ومن اتبعه من أصحابه بنهر أبي الخصيب. وكان الذي دعا الفاسق إلى أمر المهلبي وبهبوذ بسرعة المصير إليه خوفه موافاة أبي أحمد وأصحابه إياه على الحال التي كانوا عليها من الوجل وشدة الرعب مع انقطاع المهلبي وبهبوذ فيمن كان معهما عنه، ولم يكن الأمر كما قدر. وأقام أبو أحمد حتى أحرز ما كان المهلبي وبهبوذ خلفاه، وفتحت السكور التي كان الخبيث أحدثها في دجلة، وأصلحت له طرقه ومسالكه ورحل أبو أحمد عن السوس إلى جند يسابور، فأقام بها ثلاثاً وقد كانت الأعلاف ضاقت على أهل العسكر، فوجه في طلبها، وحملها ورحل عن جند يسابور إلى تستر، وأمر بجباية الأموال من كور الأهواز، وأنفذ إلى كل كورة قائداً ليروج بذلك حمل الأموال. ووجه أحمد بن أبي الأصبغ إلى محمد ابن عبيد الله الكردي، وقد كان خائفاً أن يأتيه صاحب الفاسق قبل موافاة أبي أحمد كور الأهواز، وأمره بإيناسه وإعلامه ما عليه رأيه من العفو عنه، والتغمد لزلته، وأ يتقدم إليه في تعجيل حمل الأموال والمسير إلى سوق الأهواز، وأمر مسروراً البلخي عامله بالأهواز بإحضار من معه من الموالي والغلمان والجند ليعرضهم، ويأمر بإعطائهم الأرزاق وينهضهم معه لحرب الخبيث. فأحضرهم وعرضوا رجلاً رجلاً، وأعطوا. ثم رحل إلى عسكر مكرم، فجعله مزلاً اجتازه. ورحل منه فوافى الأهواز، وهو يرى أنه تقدمه إليها من الميرة ما يحمل عساكره. فغلظ الأمر في ذلك اليوم، واضطرب له الناس اضطراباً شديداً، وأقام ثلاثة أيام ينتظر ورود المير؛ فلم ترد، فساءت أحوال الناس، وكاد ذلك يفرق جماعتهم، فبحث أبو أحمد عن السبب المؤخر ورودها، فوجد الجند قد كانوا قطعوا قنطرة قديمة أعجمية كانت بين سوق الأهواز ورام هرمز يقال لها قنطرة أربك، فامتنع التجار ومن يحمل الميرة من تطرقه لقطع تلك القنطرة. فركب أبو أحمد إليها وهي على فرسخين من سوق الأهواز، فجمع من كان بقي في العسكر من السودان، وأمرهم بنقل الحجارة والصخر لإصلاح هذه القنطرة وبذل لهم الأموال الرغيبة، فلم يرم حتى أصلحت في يومه ذلك، وردت إلى ما كانت عليه؛ فسلكها الناس. ووافت القوافل بالمير، فحيى أهل العسكر، وحسنت أحوالهم. وأمر أبو أحمد بجمع السفن لعقد الجسر على دجيل، فجمعت من كور الأهواز وأخذ في عقد الجسر، وأقام بالأهواز أياماً حتى أصلح أصحابه أمورهم، وما احتاجوا من آلاتهم، وحسنت أحوال دوابهم، وذهب عنها ما كان نالها من الضر بتخلف الأعلاف، ووافت كتب القوم الذين كانوا تخلفوا عن المهلبي، وأقاموا بسوق الأهواز يسألونه الأمان، فآمنهم فأتاه نحو من ألف رجل، فأحسن إليهم، وضمهم إلى قواد غلمانه، وأجرى لهم الأرزاق، وعقد الجسر على دجيل، فرحل بعد أن قدم جيوشه، فعبر الجسر وعسكر بالجانب الغربي من دجيل في الموضع المعروف بقصر المأمون، فأقام هنالك ثلاثاً وأصابت الناس في هذا الموضع من الليل زلزلة هائلة، وقى الله شرها، وصرف مكروهها. وقد كان أبو أحمد قبل عبور الجسر المعقود عى دجيل قدم أبا العباس ابنه إلى الموضع الذي كان عزم على نزوله من دجلة العوراء، وهو الموضع المعروف بنهر المبارك من فرات البصرة، وكتب إلى ابنه هارون بالانحدار في جميع الجيش المتخلف معه إلى هر المبارك أيضاً لتجتمع العساكر هناك، فرحل أبو أحمد عن قصر المأمون، فنزل بقورج العباس، ووافاه أحمد بن أبي الأصبغ هنالك بما صالح عليه محمد بن عبيد الله وبهدايا أهداها إليه من دواب وضوار وغير ذلك. ثم رحل عن القورج، فنزل بالجعفرية، ولم يكن بهذه القرية ماء إلا من آبار كان أبو أحمد تقدم بحفرها في عسكره، وأنفذلذلك سعداً الأسود مولى عبيد الله بن محمد بن عمار من قورج العباس، فحفرت، فأقام بهذا الموضع يوماً وليلة، وألفى هناك ميراً مجموعة، واتسع الناس بها، وتزودوا منها. ثم رحل إلى الموضع المعروف بالبشير، وألفى فيه غديراً من المطر، فأقام به يوماً وليلة، ورحل في آخر الليل يريد نهر المبارك، فوافاه بعد صلاة الظهر، وكان منزلاً بعيد المسافة؛ وتلقاه ابناه أبو العباس وهارون في طريقه، فسلما عليه، وسارا بسيره، حتى ورد نهر المبارك، وذلك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومائتين. وكان لزيرك ونصير في الذي كان أبو أحمد وجه فيه زيرك من تتبع فل الخبيث من طهيثا أثر فيما بين فصول أبي أحمد من واسط إلى حال مصيره إلى نهر المبارك؛ وذلك ما ذكره محمد بن الحسن عن محمد بن حماد، قال: لما اجتمع زيرك ونصير بدجلة العوراء انحدرا حتى وافيا الأبلة، فاستأمن إليهما رجل من أصحاب الخبيث، فأعلمهما أن الخبيث قد أنفذ عدداً كثيراً من السميريات والزواريق والصغ مشحونة بالزنج، يرأسهم رجل من أصحابه، يقال له محمد بن إبراهيم يكنى أبا عيسى، ومحمد بن إبراهيم هذا رجل من أهل البصرة، كان جاء به رجل من الزنج عند خراب البصرة يقال له يسار، كان على شرطة الفاسق، فكان يكتب ليسار على ما كان يلي حتى مات، وارتفعت حال أحمد بن مهدي الجبائي عند الخبيث، فولاه أكثر أعماله، وضم محمد بن إبراهيم هذا إليه، فكان كاتبه إلى أن هلك الجبائي - فطمع محمد بن إبراهيم هذا في مرتبته، وأن يحله الخبيث محل الجبائي، فنبذ الدواة والقلم، ولبس آلة الحرب، وتجرد للقتال، فأنهضه الخبيث في هذا الجيش، وأمره بالاعتراض في دجلة لمدافعة من يردها من الجيوش، فكان في دجلة أحياناً، وأحياناً يأتي بالجمع الذي معه إلى النهر المعروف بنهر يزيد، ومعه في ذلك الجيش شبل بن سالم وعمرو المعروف بغلام بوذى وأجلاد من السودان وغيرهم، فاستأمن رجل كان في ذلك الجيش إلى زيرك ونصير، وأخبرهما خبره، وأعلمهما أن محمد بن إبراهيم على القصد لسواد عسكر نصير، ونصير يومئذ معسكر بنهر المرأة، وأنهم على أن يسلكوا الأنهار المعترضة على نهر معقل وبثق شيرين، حتى يوافوا الموضع المعروف بالشرطة، ليخرجوا من وراء العسكر فيكبوا علىىطرفيه؛ فرجع نصير عند وصول هذا الخبر إليه من الأبلة مبادراً إلى معسكره، وسار زيرك قاصداً لبثق شيرين، حتى صار من مؤخرة في موضع يعرف بالميشان؛ وذلك أنه قدر أن محمد بن إبراهيم ومن معه يأتون عسكر نصير من ذلك الطريق؛ فكان ذلك كما ظن، ولقيهم في طريقهم فوهب الله له العو عليهم بعد صبر منهم، ومجاهدة شديدة؛ فانهزموا ولجئوا إلى النهر الذي كانوا وضعوا الكمين فيه، وهو نهر يزيد، فدل زيرك عليهم، فتوغلت عليهم سميرية وشذواته، فقتل منهم طائفة، وأسر طائفة، وكان ممن ظفر به منهم محمد بن إبراهيم المكنى أبا عيسى وعمرو المعروف بغلام بوذى، وأخذ ما كان معه من السميريات، وذلك نحو من ثلاثين سميرية، وأفلت شبل في الذين نجوا، فلحق بعسكر الخبيث، وخرج زيرك من بثق شيرين ظافراً السفن، فانصرف زيرك من دجلة العوراء إلى واسط؛ وكتب إلى أبي أحمد بما كان من حربه والنصر والفتح. وكان فيمن كان من زيرك في ذلك وصول الجزع إلى كل من كان بدجلة وكورها من أتباع الفاسق، فاستأمن إلى أبي حمزة وهو مقيم بنهر المرأة منهم زهاء ألفي رجل - فيما قيل - فكتب بخبرهم إلى أبي أحمد، فأمره بقبولهم وإقرارهم على الأمان وإجراء الأرزاق عليهم، وخلطهم بأصحابه ومناهضته العدو بهم. وكان زيرك مقيماً بواسط إلى حين ورود كتاب أبي أحمد على ابنه هارون بالمصير بالجيش المتخلف معه إلى نهر المبارك، فانحدر زيرك مع هارون، وكتب أبو أحمد إلى نصير وهو بنهر المرأة يأمره بالإقبال إليه إلى نهر المبارك، فوافاه هنالك؛ وكان أبو العباس عند مصيره إلى نهر المبارك انحدر إلى عسكر الفاسق في الشذا والسميريات، فأوقع به في مدينته بنهر أبي الخصيب. وكانت الحرب بينه وبينهم من أول النهار إلى آخر وقت الظهر، واستأمن إليه قائد من قواد الخبيث المضمومين كانوا إلى سليمان بن جامع، يقال له منتاب، ومعه جماعة من أصحابه؛ فكان ذلك مما كسر الخبيث وأصحابه، وانصرف أبو العباس بالظفر، وخلع على منتاب ووصله وحمله، ولما لقي أبو العباس أباه أعلمه خبر منتاب، وذكر له خروجه إليه بالأمان، فأمر أبو أحمد لمنتاب بخلعة وصلة وحملان، وكان منتاب أول من استأمن من قواد الزنج. ولما نزل أبو أحمد نهر المبارك يوم السبت للنصف من رجب سنة سبع وستين ومائتين، كان أول ما عمل به في أمر الخبيث - فيما ذكر محمد بن الحسن بن سهل، عن محمد بن حماد بن إسحاق بن حماد بن زيد - أن كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان والأمصار، واستحلال الفروج والأموال، وانتحال ما لم يجعله الله له أهلاً من النبوة والرسالة، ويعلمه أن التوبة له مبسوطة، والأمان له موجود؛ فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التي يسخطها الله، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه؛ وكان له به الحظ الجزيل في دنياه. وأنفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث، والتمس الرسول إيصاله، فامتنع أصحاب الخبيث من إيصال الكتاب، فألقاه الرسول إليهم، فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث، فقرأه فلم يزده ما كان فيه من الوعظ إلا فوراً وإصراراً، ولم يجب عن الكتاب بشيء، وأقام على اغتراره، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبره بما فعل، وترك الخبيث الإجابة عن الكتاب. وأقام أبو أحمد يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء متشاغلاً بعرض الشذا والسميريات وترتيب قواده ومواليه وغلمانه فيها، وتخير الرماة وترتيبهم في الشذا والسميريات، فلما كان يوم الخميس سار أبو أحمد في أصحابه، ومعه ابنه أبو العباس إلى مدينة الخبيث التي سماها المختارة من نهر أبي الخصيب، فأشرف عليها وتأملها، فرأى من منعتها وحصانتها بالسور والخنادق المحيطة بها وما عور من الطرق المؤدية إليها وأعد من المجانيق والعرادات والقسي الناوكية وسائر الآلات على سورها ما لم ير مثله ممن تقدم من منازعي السلطان، ورأى من كثرة عدد مقاتلتهم واجتماعهم ما استغلظ أمره. فلما عاين أصحابه أبا أحمد، ارتفعت أصواتهم بما ارتجت له الأرض، فأمر أبو أحمد عند ذلك ابنه أبا العباس بالتقدم إلى سور المدينة ورشق من عليه بالسهام، ففعل ذلك ودنا حتى ألصق شذواته بمسناة قصر الخائن، وانحازت الفسقة إلى الموضع الذي دنت منه الشذا، وتحاشدوا، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم وعراداتهم ومقاليعهم، ورمى عوامه بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذا على موضع إلا رأى فيه سهماً أو حجراً، وثبت أبو العباس، فرأى الخائن وأشياعه من جدهم واجتهادهم وصبرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهم. فأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروحوا عن أنفسهم ويداووا جراحهم، ففعلوا ذلك. واستأمن إلى أبي أحمد في تلك الحال مقاتلان من مقاتلة السميريات، فأتوه بسميريتهما وما فيها من الآلات والملاحين، فأمر للمقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلاة، ووصلهما، وأمر للملاحين بخلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعاً بصلاته، وأمر بإدنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم؛ فكان ذلك من أنجع المكايد التي كيد بها الفاسق. فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان إليهم، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه، فابتدروه مسرعين نحوه، راغبين فيما شرع لهم منه. فصار إلى أبي أحمد في ذلك اليوم عدد من أصحاب السميريات، فأمر فيهم بمثل ما أمر به في أصحابهم. فلما رأى الخبيث ركون أصحاب السميريات إلى الأمان واغتنامهم له أمر برد من كان منهم في دجلة إلى نهر أبي الخصيب، ووكل بفوهة النهر من يمنعهم من الخروج، وأمر بإظهار شذواته، وندب لهم بهبوذ بن عبد الوهاب وهو من أشد حماته بأساً، وأكثرهم عدداً وعدة، فانتدب بهبوذ لذلك في أصحابه، وكان ذلك في وقت إقبال المد وقوته، وقد تفرقت شذوات أبي أحمد، ولحق أبو حمزة فيما معه منها بشرقي دجلة، فأقام هنالك وهو يرى أن الحرب قد انقضت، واستغني عنه. فلما ظهر بهبوذ فيما معه من الشذوات أمر أبو أحمد بتقديم شذواته، وأمر أبا العباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشذا، وتقدم إلى قواده وغلمانه بالحمل معه؛ وكان الذي صلي بالحرب من الشذوات التي مع أبي العباس وزيرك من الشذوات التي رتب فيها قواد الغلمان اثنتي عشرة شذاة. فنشبت الحرب، وطمع أصحاب الفاسق في أبي العباس وأصحابه لقلة عدد شذواتهم. فلما صدموا انهزموا. ووجه أبو العباس ومن معه في طلب بهبوذ، فألجئوه إلى فناء قصر الخبيث، وأصابته طعنتان، وجرح بالسهام جراحات، وأوهنت أعضاؤه بالحجارة، وخلي ما كان عليه مع أصحابه، فأولجوه نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت، وقتل يومئذ ممن كان مع بهبوذ قائد من قواده ذو بأس ونجدة وتقدم في الحرب، يقول له عميرة، وظفر أصحاب أبي العباس بشذاة من شذوات بهبوذ، فقتل أهلها، وغرقوا، وأخذت الشذاة، وصار أبو العباس ومن معه بشذواتهم بعد أن أتاهم أمر أبي أحمد بذلك، وبإلحاق الشذا بشرقي دجلة وصرف الجيش. فلما رأى الفاسق جيش أبي أحمد مصرفاً أمر من كان انهزم في شذواته إلى نهر أبي الخصيب بالظهور ليسكن بذلك روعة أصحابه، وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة. فأمر أبو أحمد جماعة من غلمانه بأن يثبتوا صدور شذواتهم إليهم؛ ويقصدوهم. فلما رأوا ذلك ولوا منهزمين مذعورين، وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم، فاستأمن أهلها إلى أبي أحمد، ونكسوا علماً أبيض كان معهم، فصاروا إليه في شذاتهم، فأومنوا وحبوا ووصلوا وكسوا. فأمر الفاسق عند ذلك برد شذواتهم إلى النهر ومنعها من الخروج، وكان ذلك في آخر النهار، وأمر أبو أحمد أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم بنهر المبارك. واستأمن إلى أبي أحمد في هذا اليوم عند منصرفه خلق كثير من الزنج وغيرهم، فقبلهم، وحملهم في الشذا والسميريات، وأمر أن يخلع عليهم ويوصلوا ويحبوا، وتكتب أسمائهم في المضمومين إلى أبي العباس. وسار أبو أحمد، فوافى عسكره بعد العشاء الأخيرة، فأقام به يوم الجمعة والسبت والأحد، ثم عزم على نقل عسكره إلى حيث يقرب منه عليه القصد لحرب الخبيث، فركب الشذا في يوم الاثنين لست ليال بقين من رجب سنة سبع وستين ومائتين، ومعه أبو العباس والقواد من مواليه وغلمان، فيهم زيرك ونصير حتى وافى النهر المعروف بنهر جطي في شرقي دجلة، وهو حيال النهر المعروف باليهودي، فوقف عليه، وقدر فيه ما أراد وانصرف، وخلف به أبا العباس وزيرك ونصيراً، وعاد إلى معسكره. فأمر فنودي في الناس بالرحيل إلى الموضع الذي اختار من نهر جطي، وتقدم في قود الدواب بعد أصلحت لها الطرق، وعقدت القناطر على الأنهار، وغدا في يوم الثلاثاء لخمس بقين من رجب في جميع عساكره حتى نزل نهر جطي، فأقام به إلى يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين ومائتين، ولم يحارب في شيء من هذه الأيام، وركب في هذا اليوم في الخيل والرجالة، ومعه جميع الفرسان، وجعل الرجالة والمطوعة في السفن والسميريات، على كل رجل منهم لأمته وزيه، وسار حتى وافى الفرات، ووازى عسكر الفاسق وأبو أحمد من أصحابه وأبتاعه في زهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون، والفاسق يومئذ في زهاء ألف إنسان، كلهم يقاتل أو يدافع؛ فمن ضارب بسيف، وطاعن برمح، ورامٍ بقوس، وقاذف بمقلاع، ورام بعرادة أو منجنيق؛ وأضعفهم أمر الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتنون بالنعير والصياح، والنساء يشركنهم في ذلك. فأقام أبو أحمد في هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى، وأمر فنودي أن الأمان مبسوط للناس؛ أسودهم وأحمرهم إلا الخبيث، وأمر بسهام فعلقت فيها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به، ووعد الناس فيها الإحسان، ورمى بها إلى عسكر الخبيث، فمالت إليه قلوب أصحاب المارق بالرهبة والطمع فيما وعدهم من إحسانه وعفوه؛ فأتاه في ذلك اليوم جمع كثير يحملهم الشذا إليه، فوصلهم وحباهم. ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطي، ولم يكن في هذا اليوم حرب. وقدم عليه قائدان من مواليه؛ أحدهما بكتمر والآخر جعفر بن بغلاغز، في جمع من أصحابهما فكان ورودهما زائداً في قوة من مع أبي أحمد. ورحل أبو أحمد عن نهر جطي إلى معسكر قد كان تقدم في إصلاحه، وعقد القناطر على أنهاره، وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بإزاء مدينة الفاسق؛ فكان نزوله هذا المعسكر في يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وستين ومائتين، وأوطن هذا المعسكر، وأقام به، ورتب قواده ورؤساء أصحابه مراتبهم فيه، فجعل نصيراً صاحب الشذا والسميريات في جيشه في أول العسكر وآخره بالموضع الموازي النهر المعروف بجوى كور، وجعل زيرك التركي صاحب مقدمة أبي العباس في أصحابه موازياً ما بين نهر أبي الخصيب وهو النهر الموسوم بنهر الأتراك والنهر المعروف بالمغيرة، ثم تلاه علي بن جهشيار حاجبه في جيشه. وكانت مضارب أبي أحمد وابنيه حيال الموضع المعروف بدير جابيل، وأنزل راشداً مولاه في مواليه وغلمانه الأتراك والخزر والروم والديالمة والطبرية والمغاربة والزنج على النهر المعروف بهطمة، وجعل صاعد بن مخلد وزيره في جيشه من الموالي والغلمان فويق عسكر راشد، وأنزل مسروراً البلخي في جيشه على النهر المعروف بسندادان، وأنزل الفضل ومحمداً، لبني موسى ابن بغا في جيشهما على النهر المعروف بهالة، وتلاهما موسى دالجويه في جيشه وأصحابه، وجعل بغراج التركي على ساقته نازلاً على نهر جطي، وأوطنوه، وأقاموا به. ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة جمعه ما علم أنه لابد له من الصبر عليه ومحاصرته وتفريق أصحابه عنه؛ يبذل الأمان لهم، والإحسان إلى من أناب منهم، والغلطة على من أقام على غيه منهم، واحتاج إلى الاستكثار من الشذا وما يحارب به في الماء. فأمر بإنفاذ الرسل في حمل المير في البر والبحر وإدرارها إلى معسكره بالمدينة التي سماها الموفقية، وكتب إلى عماله في النواحي في حمل الأموال إلى بيت ماله في هذه المدينة. وأنفذ رسولاً إلى سيراف وجنابا في بناء الشذا والاستكثار منها لما احتاج إليه من ترتيبها في المواضع التي يقطع بها المير عن الخائن وأشياعه. وأمر بالكتاب إلى عماله في النواحي بإنفاذ كل من يصلح للإثبات في الديوان، ويرغب في ذلك، وأقام ينتظر شهراً أو نحوه؛ فوردت المير متتابعةً يتلو بعضها بعضاً، وجهز التجار صنوف التجارات والأمتعة وحملوها إلى المدينة الموفقية، واتخذت بها الأسواق، وكثر بها التجار والمتجهزون من كل بلد، ووردتها مراكب البحر؛ وقد كانت انقطعت لقطع الفاسق وأصحابه سبلها قبل ذلك بأكثر من عشر سنين، وبنى أبو أحمد مسجد الجامع، وأمر الناس بالصلاة فيه، واتخذ دور الضرب، فضرب فيها الدنانير والدراهم، فجمعت مدينة أبي أحمد جميع المرافق، وسيق إليها صنوف المنافع حتى كان ساكنوها لا يفقدون بها شيئاً مما يوجد في الأمصار العظيمة القديمة، وحملت الأموال، وأدر للناس العطاء في أوقاته، فاتسعوا وحسنت أحوالهم، ورغب الناس جميعاً في المصير إلى المدينة الموفقية والمقام فيها. وكان الخبيث بعد ليلتين من نول أبي أحمد مدينته الموفقية أمر بهبوذ بن عبد الوهاب، فعبر والناس غارون في سميريات إلى طرف عسكر أبي حمزة، فأوقع به، وقتل جماعة من أصحابه، وأسر جماعة، وأحرق كوخات كانت لهم قبل أن يبني الناس هنالك. فأمر أبو أحمد نصيراً عند ذلك بجمع أصحابه، وألا يطلق لأحد مفارقة عسكره، وأن يحرس أقطار عسكره بالشذا والسميريات والزواريق فيها الرجالة إلى آخر ميان روذان والقندل وأبرسان، للإيقاع بمن هنالك من أصحاب الفاسق. وكان بميان روذان من قواده أيضاً إبراهيم بن جعفر الهمذاني في أربعة آلاف من الزنج، ومحمد بن أبان المعروف بأبي الحسن أخو علي بن أبان بالقندل في ثلاثة آلاف، والمعروف بالدور في أبرسان في ألف وخمسمائة من الزنج والجبائيين، فبدأ أبو العباس بالهمذاني فأوقع به، وجرت بينهما حروب، قتل فيها خلق كثير من أصحاب الهمذاني، وأسر منهم جماعة، وأفلت الهمذاني في سميرية قد كان أعدها لفسه، فلحق فيها بأخي المهلبي المكنى بأبي الحسن، واحتوى أصحاب أبي العباس على ما كان في أيدي الزنج وحملوه إلى عسكرهم. وقد كان أبو أحمد تقدم إلى ابنه أبي العباس في بذل الأمان لمن رغب فيه، وأن يضمن لمن صار إليه الإحسان، فصار إليه طائفة منهم في الأمان فآمنهم، فصار بهم إلى أبيه، فأمر لكل واحد منهم من الخلع والصلات على أقدارهم في أنفسهم، وأن يوقفوا بإزاء نهر أبي الخصيب ليعاينهم أصحابهم. وأقام أبو أحمد يكايد الخائن ببذل الأمان لمن صار إليه من الزنج وغيرهم، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم، وقطع المير والمنافع عنهم؛ وكانت ميرة الأهواز وما يرد من صنوف التجارات منها ومن كورها ونواحي أعمالها يسلك به النهر المعروف ببيان، فسرى بهبوذ في جلد رجاله ليلة من الليالي، وقد نمي إليه خبر قيروان ورد بصنوف من التجارات والمير وكمن النخل؛ فلما ورد القيروان خرج إلى أهله، وهم غارون، فقتل منهم وأسر، وأخذ ما أحب أن يأخذ من الأموال. وقد كان أبو أحمد أنفذ لبذرقة ذلك القيروان رجلاً من أصحابه في جمع، فلم يكن للموجه لذلك ببهبوذ طاقة، لكثرة عدد من معه وضيق الموقع على الفرسان، وأنه لم يكن بهم فيه عناء. فلما انتهى ذلك إلى أبي أحمد، غلظ عليه ما نال الناس في أموالهم وأنفسهم وتجاراتهم، وأمر بتعويضهم، وأخلف عليهم مثل الذي ذهب لهم، ورتب الشذا على فوهة بيان وغيره من الأنهار التي لا يتهيأ للفرسان سلوكها في بنائها والإقبال بها إليه، فورد عليه منها عددٌ صالح، فرتب فيها الرجال، وقلد أمرها أبا العباس ابنه، وأمره أن يوكل بكل موضع يرد إلى الفسقة منه ميرة، فانحدر أبو العباس لذلك إلى فوهة البحر في الشذوات، ورتب في جميع تلك المسالك القواد، وأحكم الأمر فيه غاية الإحكام. وفي شهر رمضان منها كانت وقعة بين إسحق بن كنداج وإسحاق بن أيوب وعيسى بن الشيخ وأبي المغراء وحمدان الشاري ومن تأشب إليهم من قبائل ربيعة وتغلب وبكر واليمن، فهزمهم ابن كنداج إلى نصيبين، وتبعهم إلى قريب من آمد، واحتوى على أموالهم، ونزلوا آمد، فكانت بينه وبينهم وقعات. ذكر خبر مقتل صندل الزنجيوفي شهر رمضان منها قتل صندل الزنجي، وكان سبب قتله أن أصحاب الخبيث عبروا لليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكر - أعني سنة سبع وستين ومائتين - يريدون الإيقاع بعسكر نصير وعسكر زيرك، فنذر بهم الناس، فخرجوا إليهم، فردوهم خائبين، وظفروا بصندل هذا. وكان - فيما ذكروا - يكشف وجوه الحرائر المسلمات ورءوسهن ويقلبهن تقليب الإماء، فإن امتنعت منهم امرأة ضرب وجهها ودفعها إلى بعض علوج الزنج يبيعها بأوكس الثمن. فلما أتي به أبو أحمد، أمر به فشد بين يديه، ثم رمي بالسهام، ثم أمر به فقتل. ذكر خبر استئمان الزنج إلى أبي أحمدوفي شهر رمضان من هذه السنة استأمن إلى أبي أحمد خلق كثير من عند الزنج. ذكر سبب ذلك وكان السبب في ذلك أنه كان - فيما ذكر - استأمن إلى أبي أحمد رجلٌ من مذكوري أصحاب الخبيث ورؤسائهم وشجعانهم، يقال له مهذب، فحمل في الشذا إلى أبي أحمد، فأتي به في وقت إفطاره، فأعلمه أنه جاء متنصحاً راغباً في الأمان، وأن الزنج على العبور في ساعتهم تلك إلى عسكره للبيات، وأن الذين ندب الفاسق لذلك أنجادهم وأبطالهم؛ فأمر أبو أحمد بتوجيه من يحربهم إليهم ومن يمنعهم من العبور وأن يعارضوا بالشذا. فلما علم الزنج أن قد نذر بهم انصرفوا منهزمين، فكثر المستأمنة من الزنج وغيرهم وتتابعوا؛ فبلغ عدد من وافى عسكر أبي أحمد منهم إلى آخر شهر رمضان سنة سبع وستين ومائتين خمسة آلاف رجل من بين أبيض وأسود. وفي شوال من هذه السنة ورد الخبر بدخول الخجستاني نيسابور وانهزام عمرو بن الليث وأصحابه، فأساء السيرة في أهلها، وهدم دور آل معاذ بن مسلم، وضرب من قدر عليه منهم واقتطع ضياعهم، وترك ذكر محمد بن طاهر، ودعا له على منابر ما غلب عليه من مدن خراسان وللمعتمد، وترك الدعاء لغيرهما. ذكر خبر الإيقاع بالزنج في هذا العاموفي شوال من هذه السنة كانت لأبي العباس وقعة بالزنج، قتل فيها منهم جمع كثير. ذكر سبب ذلك وكان السبب في ذلك - فيما بلغني - أن الفاسق انتخب من كل قيادة من أصحابه أهل الجلد والبأس منهم، وأمر المهلبي بالعبور بهم ليبيت عسكر أبي أحمد، ففعل ذلك، وكانت عدة من عبر من الزنج وغيرهم زهاء خمسة آلاف رجل أكثرهم من الزنج، وفيهم نحو من مائتي قائد، فعبروا إلى شرقي دجلة، وعزموا على أن يصير القواد منهم إلى آخر النخل مما يلي السبخة، فيكونوا في ظهر عسكر أبي أحمد، ويعبر جماعة كثيرة منهم في الشذا والسميريات والمعابر قبالة عسكر أبي أحمد، فإذا نشبت الحرب بينهم انكب من كان عبر من قواد الخبيث، فصار إلى السبخة على عسكر أبي أحمد الموفق، وهم غارون مشاغيل بحرب من بإزائهم، وقدر أن يتهيأ له في ذلك ما أحبه. فأقام الجيش في الفرات ليلتهم، ليغادوا الإيقاع بالعسكر. فاستأمن إلى أبي أحمد غلام كان معهم من الملاحين، فأنهى إليه خبرهم وما اجتمعت عليه آراؤهم، فأمر أبو أحمد أبا العباس والقواد والغلمان بالنهوض إليهم؛ وقصد الناحية التي فيها أصحاب الخبيث، وأنفذ جماعة من قواد غلمانه في الخيل إلى السبخة التي في مؤخر النخل بالفرات، لتقطعهم عن الخروج إليها، وأمر أصحاب الشذا والسميريات، فاعترضوا في دجلة، وأمر الرجالة بالزحف إليهم من النخل. فلما رأى الفجار ما أتاهم من التدبير الذي لم يحتسبوه كروا راجعين في الطريق الذي أقبلوا منه طالبين التخلص، فكان قصدهم لجويث بارويه، وانتهى خبر رجوعهم إلى الموفق، فأمر ابا العباسوزيرك بالانحدار في الشذوات يسبقونهم إلى النهر؛ ليمنعوهم من عبوره. وأمر غلاماً من غلمانه، يقال له ثابت، له قيادة على جمع كثير من غلمانه السودان أن يحمل أصحابه في المعابر والزواريق وينحدر معهم إلى الموضع الذي فيه أعداء الله للإيقاع بهم حيث كانوا، فأدركهم ثابت في أصحابه بجويث بارويه، فخرج إليهم فحاربهم محاربة طويلة، وثبتوا له، واستقبلوا جمعه وهو من أصحابه في زهاء خمسمائة رجل، لأنهم لم يكونوا تكاملوا وطمعوا فيه، ثم صدقهم وأكب عليهم، فمنحه الله أكتافهم؛ فمن مقتول وأسير وغريق وملجج في الماء بقدر اقتداره على السباحة التقطته الشذا والسميريات في دحلة والنهر، فلم يفلت من ذلك الجيش إلا أقله. وانصرف أبو العباس بالفتح، ومعه ثابت وقد علقت الرءوس في الشذوات وصلب الأسارى فيها، فاعترضوا بهم مدينتهم ليرهبوا بهم أشياعهم؛ فلما أبلسوا وأيقنوا بالبوار، وأدخل الأسارى والرءوس إلى الموفقية، وانتهى إلى أبي أحمد أن صاحب الزنج موه على أصحابه، وأوهمهم أن الرءوس المرفوعة مثلٌ مثلت لهم ليراعوا، وأن الأسارى من المستأمنة. فأمر الموفق عند ذلك أبا العباس بجمع الرءوس والمسير بها إلى إزاء قصر الفاسق والقذف بها في منجنيق في سفينة إلى عسكره، ففعل أبو العباس ذلك، فلما سقطت الرءوس في مدينتهم، عرف أولياء القتلى رءوس أصحابهم، فظهر بكاؤهم، وتبين لهم كذب الفاجر وتمويهه. وفي شوال من هذه السنة كانت لأصحاب ابن أبي الساج وقعة بالهيصم العجلي، قتلوا فيها مقدمته، وغلبوا على عسكره فاحتووه. ذكر خبر الوقعة مع الزنج بنهر ابن عمروفي ذي القعدة منها كانت لزيرك وقعة مع جيش لصاحب الزنج بنهر ابن عمر، قتل زيرك منهم فيها خلقاً كثيراً. ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة ذكر أن صاحب الزنج كان أمر باتخاذ شذوات، فعملت له، فضمها إلى ما كان يحارب به، وقسم شذواته ثلاثة أقسام بين بهبوذ ونصر الرومي وأحمد بن الزرنجي، وألزم كل واحد منهم غرم ما يصنع على يديه منها وكانت زهاء خمسين شذاة، ورتب فيها الرماة وأصحاب الرماح، واجتهدوا في إكمال عدتهم وسلاحهم، وأمرهم بالمسير في دجلة والعبور إلى الجانب الشرقي والتعرض لحرب أصحاب الموفق، وعدة شذوات الموفق يومئذ قليلة، لأنه لم يكن وافاه كل ما كان أمر باتخاذه، وما كان عنده منها فمتفرق في فوهة الأنهار التي يأتي الزنج منها المير. فغلظ امر أعوان الفاجر، وتهيأ له أخذ شذاة بعد شذاة الموفق، وأحجم نصير المعروف بأبي حمزة عن قتالهم والإقدام عليهم، كما كان يفعل لقلة ما معه من الشذا، وأكثر شذوات الموفق يومئذ مع نصير، وهو المتولي لأمرها. فارتاع لذلك أهل عسكر الموفق، وخافوا أن يقدم على عسكرهم الزنج بما معهم من فضل الشذا، فورد عليهم في هذه الحال شذوات كان الموفق تقدم في بنائها بجنابا، فأمر أبا العباس بتلقيها فيما معه من الشذا حتى يوردها العسكر، إشفاقاً من اتعراض الزنج عليها في دجلة، فسلمت، وأتى بها حتى إذا وافت عسكر نصير، فبصر بها الزنج طمعوا فيها، فأمر الخبيث بإخراج شذواته، وأمر أصحابه بمعارضتها والاجتهاد في اقتطاعها، فنهضوا لذلك. فتسرع غلام من غلمان أبي العباس شجاع يقال له وصيف يعرف بالحجراي، في شذوات كن معه، فشد على الزنج فانكشفوا، وتبعهم حتى وافى بهم نهر أبي الخصيب، وانقطع عن أصحابه، فكروا عليه شذواتهم، وانتهى إلى مضيق، فعلقت مجاديف بعض شذواته بمجاديف بعض شذواتهم، فجنحت وتقصفت بالشط، وأحاط به الآخرون واكتنفوه من جوانبه، وانحدر عليه الزنج من السور، فحاربهم بمن كان معه حرباً شديداً حتى قتلوا. وأخذ الزنج شذواتهم، فأدخلوها نهر أبي الخصيب. ووافى أبو العباس بالشذوات الجنابية سالمة بما فيها من السلاح والرجال، فأمر أبو أحمد أبا العباس بتقلد أمر الشذوات كلها والمحاربة بها، وقطع مواد المير عنهم من كل جهة. ففعل ذلك، فأصلحت الشذوات، ورتب فيها المختارون من الناشبة والرامحة؛ حتى إذا أحكم أمرها أجمع، ورتبها في المواضع التي كانت تقصد إليها شذوات الخبيث، وتعيث فيها، أقبلت شذواته على عادتها التي كانت قد جرت عليها. فخرج إليهم أبو العباس في شذواته، وأمر سائر أصحاب الشذا أن يحملوا بحملته، ففعلوا ذلك وخالطوهم، وطفقوا يرشقونهم بالسهام، ويطعنونهم بالرماح، ويقذفونهم بالحجارة؛ وضرب الله وجوههم، فولوا منهزمين، وتبعهم أبو العباس وأصحابه حتى أولجوهم نهر أبي الخصيب، وغرق لهم ثلاث شذوات، وظفر بشذاتين من شذواتهم بما فيها من المقاتلة والملاحين. فأمر ابو العباس بضرب أعناق من ظفر به منهم. فلما رأى الخبيث ما نزل بأصحابه، امتنع من إخراج الشذا عن فناء قصره، ومنع أصحابه أن يجاوزوا بها الشط إلا في الأوقات التي يخلو دجلة فيها من الشذوات الموفق. فلما أوقع بهم أبو العباس هذه الوقعة اشتد جزعهم، وطلب وجوه أصحاب الخبيث الأمان فأومنوا، فكان ممن استأمن من وجوههم - فيما ذكر - محمد ذكر بن الحارث العمي، وكان إليه حفظ عسكر منكى والسور الذي يلي عسكر الموفق، وكان خروجه ليلاً مع عدة من أصحابه، فوصله الموفق بصلات كثيرة، وخلع عليه، وحمله على عدة دواب بخليتها وآلتها، وأسى له الرزق، وكان محمد بن الحارث حاول إخراج زوجته معه، وهي إحدى بنات عمه، فعجزت المرأة عن اللحاق به، فأخذها الزنج فردوها إلى الخبيث، فحبسها مدة، ثم أمر بإخراجها والنداء عليها في السوق، فبيعت؛ ومنهم أحمد المعروف بالبرذعي. وكان - فما قيل - من أشجع رجال الخبيث الذين كانوا في حيز المهلبي ومن قواده الزنج مدبد وابن أنكلويه ومنينة، فخلع عليهم جميعاً، ووصلوا بصلات كثيرة، وحملوا على الخيل، وأحسن إلى جميع ما جاءوا به معهم من أصحابهم، وانقطعت عن الخبيث مواد الميرة، وسدت عليه وعلى من أقام معه المذاهب. وأمر شبلا وأبا النداء - وهما من رؤساء قواده وقدماء أصحابه الذين كان يعتمد عليهم ويثق بمناصحتهم - بالخروج في عشرة آلاف من الزنج وغيرهم، والقصد لنهر الدير ونهر المرأة ونهر أبي الأسد، والخروج من هذه الأنهار إلى البطيحة للغارة على المسلمين، وأخذ ما وجدا من طعام وميرة ليقطع عن عسكر الموفق ما يرده من الميرة وغيرها من مدينة السلام وواسط ونواحيها. فندب الموفق لقصدهم حين انتهى إليه خبر مسيرهم مولاه زيرك صاحب مقدمة أبي العباس، وأمره بالنهوض في أصحابه إليهم، وضم إليه من اختار من الرجال، فمضى في الشذوات والسميريات، وحمل الرجالة في الزواريق والسفن الخفاف حثيثاً، حتى صار إلى نهر الدير، فلم يعرف لهم هنالك خبراً، فصار منه إلى بثق شيرين. ثم سلك في نهر عدي حتى خرج إلى نهر ابن عمر، فالتقى به جيش الزنج في جمع راعته كثرته، فاستخار الله في مجاهدتهم، وحمل عليهم في ذوي البصائر والثبات من أصحابه، فقذف الله الرعب في قلوبهم، فانفضوا، ووضع فيهم السلاح، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم مثل ذلك، وأسر خلقاً كثيراً، وأخذ من سفنهم ما أمكنه أخذه، وغرق منها ما أمكن تغريقه؛ فكان ما أخذ من سفنهم نحواً من أربعمائة سفينة، وأقبل بمن معه من الأسارى وبالرءوس إلى عسكر الموفق. خبر عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج لحربهوفي ذي الحجة لست بقين منه عبر الموفق بنفسه إلى مدينة الفاسق وجيشه لحربه. ذكر السبب الذي من أجله كان عبوره إليها: وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن الرؤساء من أصحاب الفاسق، لما رأوا ما قد حل بهم من البلاء من قتل من يظهر منهم وشدة الحصار على من لزم المدينة؛ فلم يظهر منهم أحد، وحال من خرج منهم بالأمان من الإحسان إليه، والصفح عن جرمه، مالوا إلى الأمان، وجعلوا يهربون في كل وجه، ويخرجون إلى أبي أحمد في الأمان كلما وجدوا إليه السبيل فملىء الخبيث من ذلك رعباً، وأيقن الهلاك، فوكل بكل ناحية كان يرى أن فيها طريقاً للهرب من عسكره أحراساً وحفظة، وأمرهم بضبط تلك النواحي، ووكل بفوهة الأنهار من يمنع السفن من الخروج منها، واجتهد في سد كل مسلك وطريق وثلمة؛ لئلا يطمع في الخروج عن مدينته. وأرسل جماعة من قواد الفاجر صاحب الزنج إلى الموفق يسألونه الأمان، وأن يوجه لمحاربة الخبيث جيشاً ليجدوا إلى المصير إليه سبيلاً، فأمر الموفق أبا العباس بالمصير في جماعة من أصحابه إلى الموضع المعروف بنهر الغربي، وعلي بن أبان حينئذ يحوط ذلك النهر؛ فنهض أبو العباس في المختارين من أصحابه، ومعه الشذا والسميريات والمعابر، فقصد النهر الغربي، وانتدب المهلبي وأصحابه لحربه، فاستعرت الحرب بين الفريقين، وعلا أصحاب أبي العباس، وقهر الزنج، وأمد الفاسق المهلبي بسليمان بن جامع في جمع من الزنج كثير، واتصلت الحرب يومئذ من أول النهار إلى وقت العصر؛ وكان الظفر في ذلك اليوم لأبي العباس وأصحابه، وصار إليه القوم الذين كانوا طلبوا الأمان من قواد الخبيث، ومعهم جمع كثير من الفرسان وغيرهم من الزنج، فأمر أبو العباس عند ذلك أصحابه بالرجوع إلى الشذا والسفن، وانصرف فاجتاز في منصرفه بمدينة الخبيث، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بنهر الأتراك، فرأى أصحابه من قلة عدد الزنج في هذا الموضع من النهر ما طمعوا له فيمن كا هناك، فقصدوا نحوهم، وقد انصرف أكثر أصحابهم إلى المدينة الموفقية، فقربوا إلى الأرض، وصعدوا وأمنعوا في دخول تلك المسالك، وعلت جماعةٌ منهم السور، وعليه فريق من الزنج وأشياعهم، فقتلوا من أصابوا منهم هنالك، ونذر الفاسق بهم، فاجتمعوا لحربهم، وأنجد بعضهم بعضاً. فلما رأى أبو العباس اجتماع الخبثاء وتحاشدهم وكثرة من ثاب إلى ذلك الموضع منهم، مع قلة عدد من هنالك من أصحابه، كر راجعاً إليهم فيمن كان معه في الشذا، وأرسل إلى الموفق يستمده، فوافاه لمعونته من خف لذلك من الغلمان في الشذا والسميريات، فظهروا على الزنج وهزموهم؛ وقد كان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أصحاب أبي العباس على الزنج، وغل في النهر مصاعداً في جمع كثير؛ فانتهى إلى النهر المعروف بعبد الله، واستدبر أصحاب أبي العباس وهم في حربهم، مقبلين على من بإزائهم ممن يحاربهم، فيمنعون في طلب من انهزم عنهم من الزنج. فخرج عليهم من ورائهم، وخفقت طبوله، فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج، فأصيب جماعة من غلمان الموفق وغيرهم من جنده، وصار في أيدي الزنج عدة أعلام ومطارد، وحامى أبو العباس عن الباقين من أصحابه، فسلم أكثرهم فانصرف بهم؛ فأطعت هذه الوقعة الزنج وتباعهم، وشدت قلوبهم، فأجمع الموفق على العبور بجيشه أجمع لمحاربة الخبيث، وأمر أبا العباس وسائر القواد والغلمان بالتأهب للعبور، وأمر بجمع السفن والمعابر وتفريقها عليهم، ووقف على يوم بعينه أراد العبور فيه، فعصفت رياحٌ منعت من ذلك، واتصل عصوفها أياماً كثيرة؛ فأمهل الموفق حتى انقضى هبوب تلك الرياح، ثم أخذ في الاستعداد للعبور ومناجزة الفاجر. فلما تهيأ له ما أراد من ذلك عبر يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة من سنة سبع وستين ومائتين في أكثف جمع وأكمل عدة، وأمر بحمل خيل كثيرة في السفن، وتقدم إلى أبي العباس في المسير في الخيل ومعه جميع قواده الفرسان ورجالتهم، ليأتي الفجرة من ورائهم من مؤخر النهر المعروف بمنكى، وأمر مسروراً البلخي مولاه بالقصد إلى نهر ليضطر الخبيث بذلك إلى تفريق أصحابه، وتقدم إلى نصير المعروف بأبي حمزة ورشيق غلام أبي العباس وهو من أصحابه - وشذواته في مثل العدة التي فيها نصر - بالقصد لفوهة نهر أبي الخصيب والمحاربة لما يظهر من شذوات الخبيث، وقد كان استكثر منها، وأعد فيها المقاتلة وانتخبهم. وقصد أبو أحمد بجميع من معه لركن من أركان مدينة الخبيث قد كان حصنه بابنه المعروف بأنكلاي، وكنفه بعلي بن أبان وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمذاني وحفه بالمجانيق والعرادات والقسي الناكية، وأعد فيه الناشبة وجمع فيه أكثر جيشه. فلما التقى الجمعان أمر الموفق غلمانه: الناشبة والرامحة والسودان، بالدنو من الركن الذي فيه جمع الفسقة، وبينه وبينهم النهر المعروف بنهر الأتراك؛ وهو نهر عريض غزير الماء. فلما انتهوا إليه أحجموا عنه، فصيح بهم، وحرضوا على العبور فعبروا سباحة، والفسقة يرمونهم بالمجانيق والعرادات والمقاليع والحجارة عن الأيدي، وبالسهام عن القسي الناوكية، وقسي الرجل وصنوف الآلات التي يرمى عنها؛ فصبروا على جميع ذلك حتى جاوزوا النهر، وانتهوا إلى السور، ولم يكن لحقهم من الفعلة من كان أعد لهدمه. فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من سلاحهم ويسر الله ذلك، وسهلوا لأنفسهم السبيل إلى علوه، وحضرهم بعض السلاليم التي كانت أعدت لذلك، فعلوا الركن، ونصبوا هنالك علماً من أعلام الموفق، وأسلم الفسقة سورهم، وخلوا عنه بعد أن حوربوا عليه أشد حرب، وقتل من الفريقين خلقٌ كثير، وأصيب غلامٌ من غلمان الموفق يقال له ثابت بسهم في بطنه فمات، وكان من قواد الغلمان وجلتهم. ولما تمكن أصحاب الموفق من سور الفسقة، أحرقوا ما كان عليه من منجنيق وعرادة وقوس ناوكية، وخلوا عن تلك الناحية وأسلموها. وقد كان أبو العباس قصد بأصحابه في الخيل النهر المعروف بمكنى، فمضى علي بن أبان المهلبي في أصحابه، قاصداً لمعارضته ودفعه عما صمد له، والتقيا، فظهر أبو العباس عليه وهزمه، وقتل جميعاً كثيراً من أصحابه، وأفلت المهلبي راجعاً، وانتهى أبو العباس إلى الموضع الذي قدر أن يصل منه إلى مدينة الفاسق من مؤخر نهر منكى، وهو يرى أن المدخل من ذلك الموضع سهلٌ، فدخل إلى الخندق فوجده عريضاً ممتنعاً، فحمل أصحابه على أن يعبروه بخيولهم، وعبره الرجالة سباحةً حتى وافوا السور، فثلموا فيه ثلماً اتسع لهم منه الدخول فدخلوا، فلقي أوائلهم سليمان بن جامع، وقد أقبل للمدافعة عن تلك الناحية لما انتهى إليه انهزام المهلبي عنها، فحاربوه، وكان إمام القوم عشرة من غلمان الموفق، فدافعوا سليمان وأصحابه؛ وهم خلق كثير، وكشفوهم مراراً كثيرة، وحاموا عن سائر أصحابهم حتى رجعوا إلى مواضعهم. وقال محمد بن حماد: لما غلب أصحاب الموفق على الموضع الذي كان الفاسق حرسه بابنه والمذكورين من أصحابه وقواده، وشعثعوا من السور الذي أفضوا إليه ما أمكنهم تشعيثه، وافاهم الذين كانوا أعدوا للهدم بمعاولهم وآلاتهم، فثلموا في السور عدة ثلم، وقد كان الموفق أعد لخندق الفسقة جسراً يمد عليه، فمد عليه، وعبر جمهور الناس. فلما عاين الخبثة ذلك، ارتاعوا فانهزموا عن سور لهم ثان قد كانوا اعتصموا به، ودخل أصحاب الموفق مدينة الخائن، فولى الفاجر وأشياعه منهزمين، وأصحاب الموفق يتبعونهم ويقتلون من انتهوا منهم؛ حتى انتهوا إلى النهر المعروف بابن سمعان، وصارت دار ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق، وأحرقوا ما كان فيها وهدموها، ووقف الفجرة على نهر ابن سمعان وقوفاً طويلاً، ودافعوا مدافعة شديدة، وشد بعض غلمان الموفق على علي بن أبان المهلبي، فأدبر عنه هارباً فقبض على مئزره، فخلى عن المئزر، ونبذه إلى الغلام، ونجا بعد أن أشفى على الهلكة، وحمل أصحاب الموفق على الزنج حملةً صادقة، فكشفوهم عن النهر المعروف بابن سمعان، حتى وافوا بهم طرف ميدان الفاسق، وانتهى إليه خبر هزيمة أصحابه ودخول أصحاب الموفق مدينته من أقطارها، فركب في جمع من أصحابه، فتلقاه أصحاب الموفق، وهم يعرفونه في طرف ميدانه، فحملوا عليه، فتفرق عنه أصحابه ومن كان معه وأفردوه، وقرب منه بعض الرجالة حتى ضرب وجه فرسه بترسه؛ وكان ذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفق أصحابه بالرجوع إلى سفنهم، فرجعوا سالمين، قد حملوا من رءوس الخبثاء شيئاً كثيراً، ونالوا كلالذي أحبوا منهم من قتل وجراح وتحريق منازل وأسواق، وقد كان استأمن إلى أبي العباس في أول النهار عدد من قواد الفاجر وفرسانه، فاحتاج إلى التوقف على حملهم في السفن، وأظلم الليل، وهبت ريح شمال عاصف، وقوى الجزر، فلصق أكثر السفن بالطين. وحرض الخبيث أشياعه واستنجدهم، فبانت منهم جماعة، وشدوا على السفن المتخلفة، فنالوا منها نيلاً، وقتلوا فيها نفراً؛ وقد كان بهبوذ بإزاء مسرور البلخي وأصحابه في هذا اليوم في نهر الغربي، فأوقع بهم، وقتل جماعة منهم، وأسر أسارى، وصارت في يده دواب من دوابهم، فكسر ذلك نشاط أصحاب الموفق. وقد كان الخبيث أخرج في هذا اليوم جميع شذواته إلى دجلة محاربين فيها رشيقاً، وضرب منها رشيق على عدة شذوات، وغرق منها وحرق، وانهزم الباقون إلى نهر أبي الخصيب. وذكر أنه نزل في هذا اليوم بالفاسق وأصحابه ما دعاهم إلى التفرق والهرب على وجوههم نحو نهر الأمير والقندل وإبرسان وعبادان وسائر القرى، وهرب يومئذ أخوا سليمان بن موسى الشعراني: محمد وعيسى، فمضيا يؤمان البادية، حتى انتهى إليهما رجوع أصحاب الموفق، فرجعا، وهرب جماعة من العرب الذين كانوا في عسكر الفاسق، وصاروا إلى البصرة، وبعثوا يطلبون الأمان من أبي أحمد، فآمنهم، ووجه إليهم السفن، فحملهم إلى الموفقية، وأمر أن يخلع عليهم، ويوصلوا، ويجري عليهم الأرزاق والأنزال، ففعل ذلك بهم. وكان فيمن رغب في الأمان من جلة قواد الفاجر ريحان بن صالح المغربي، وكانت له رياسة وقيادة، وكان يتولى حجبة ابن الخبيث المعروف بأنكلاي، فكتب ريحان يطلب الأمان لنفسه ولجماعة من أصحابه، فأجيب إلى ذلك، وأنفذ إليه عدد كثير من الشذا والسميريات والمعابر مع زيرك القائد صاحب مقدمة أبي العباس، فسلك النهر المعروف باليهودي؛ حتى وافى الموضع المعروف بالمطوعة، فألفى به ريحان ومن معه من أصحابه، وقد كان الموعد تقدم في موافاة ذلك الموضع زيرك ريحان ومن معه، فوافى بهم دار الموفق، فأمر لريحان بخلع وحمل على عدة من أفراس بآلتها، وأجيز بجائزة سنية، وخلع على أصحابه، وأحيزوا على أقدراهم، وضم إلى أبي العباس، وأمر بحمله وحمل أصحابه والمصير بهم إلى إزاء الخبيث، فوقفوا هنالك في الشذا، فرفعوا خروج ريحان وأصحابه في الأمان، وما صاروا إليه من الإحسان، فأستامن في ساعتهم تلك من أصحاب ريحان الذين كانوا تخلفوا وغيرهم جماعة، فألحقوا في البر والإحسان بأصحابهم، وكان خروج ريحان بعد الوقعة التي كانت يوم الأربعاء في يوم الأحد لليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وستين ومائتين. وفي هذه السنة أقبل محمد بن عبد الله الخجستاني يريد العراق بزعمه؛ حتى صار إلى سمنان، وتحصن منه أهل الري وحصنوا مدينتهم، ثم انصرف من سمان راجعاً إلى خراسان. وفيها انصرف خلق كثير من طريق مكة في البدأة لشدة الحر، ومضى خلق كثير، فمات ممن مضى خلق كثير من شدة الحر، وكثير منهم من العطش، وذلك كله في البدأة، وأوقعت فزارة فيها بالتجار، فأخذوا - فيما ذكر - منهم سبعمائة حمل بز. وفيها اجتمع بالموسم عامل لأحمد بن طولون في خيله وعامل لعمرو بن الليث في خيله، فنازع كل واحد منهما صاحبه في ركز علمه على يمين المنبر في مسجد إبراهيم خليل الرحمن، وادعى كل واحد منهما أن الولاية لصاحبه، وسلا السيوف، فخرج معظم الناس من المسجد، وأعان موالي هارون ابن محمد من الزنج صاحب عمرو بن الليث، فوقف حيث أراد، وقصر هارون - وكان عامل مكة - الخطبة وسلم الناس، وكان المعروف بأبي المغيرة المخزومي حيئذ يحرس في جمعية. وفيها نفي الطباع عن سامرا. وفيها ضرب الخجستاني لنفسه دنانير ودراهم ووزن الدينار منها عشرة دوانيق، ووزن الدرهم ثمانية دوانيق، عليه: " الملك والقدرة لله، والحول والقوة بالله، لا إله إلا الله محمد رسول الله: وعلى جانب منه: " المعتمد على الله باليمن والسعادة " وعلى الجانب الآخر " " الوافى أحمد بن عبد الله " . وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي. ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ذكر خبر استئمان جعفر بن إبراهيم إلى أبي أحمد الموفق فمن ذلك ما كان من استئمان جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان إلى أبي أحمد الموفق في يوم الثلاثاء في غرة المحرم منها، وذكر أن السبب كان في ذلك الوقعة التي كانت لأبي أحمد في آخر ذي الحجة من سنة سبع وستين ومائتين التي ذكرناها قبل؛ وهرب ريحان بن صالح المغربي من عسكر الفاجر وأصحابه ولحاقه بأبي أحمد، فنخب قلب الخبيث لذلك؛ وذلك أن السجان كان - فيما قيل - أحد ثقاته، فأمر أبو أحمد للسجان هذا بخلع وجوائز وصلات وحملان وأرزاق، وأقيمت له أنزال، وضم إلى أبي العباس، وأمره بحمله في الشذاة إلى إزاء قصر الفاسق؛ حتى رآه وأصحابه، وكلمهم السجان، وأخبرهم أنهم في غرور من الخبيث، وأعلمهم ما قد وقف عليه من كذبه وفجوره؛ فاستأمن في هذا اليوم الذي حمل فيه السجان من عسكر الخبيث خلق كثير من قواده الزنج وغيرهم، وأحسن إليهم، وتتابع الناس في طلب الأمان والخروج من عند الخبيث، ثم أقام أبو أحمد بعد الوقعة التي ذكرت أنها كانت لليلة بقيت من ذي الحجة من سنة سبع وستين ومائتين، لا يعبر إلى الخبيث لحرب، يجم بذلك أصحابه إلى شهر ربيع الآخر. وفي هذه السنة صار عمرو بن الليث إلى فارس لحرب عامله محمد بن الليث عليها؛ فهزمه عمرو، واستباح عسكر، وأفلت محمد بن الليث في نفر، ودخل عمرو إصطخر، فانتهبها أصحابه، ووجه عمرو في طلب محمد بن الليث فظفر به، وأتى به أسيراً، ثم صار عمرو إلى شيراز فأقام بها. وفي شهر ربيع الأول منها زلزلت بغداد لثمان خلون منه، وكان بعد ذلك ثلاثة أيام مطر شديد، ووقعت بها أربع صواعق. وفيها زحف العباس بن أحمد بن طولون لحرب أبيه، فخرج إليه أبوه أحمد إلى الاسكندرية، فظفر به ورده إلى مصر فرجع معه إليها. ذكر خبر عبور الموفق إلى مدينة الزنجولأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر منها عبر أبو أحمد الموفق إلى مدينة الفاجر، بعد أن أوهى قوته في مقامه بمدينة الموفقية، بالتضييق عليه والحصار، ومنعه وصول المير إليه؛ حتى استأمن إليه خلق كثير من أصحابه؛ فلما أراد العبور إليها أمر - فيما ذكر - ابنه العباس بالقصد للموضع الذي كان قصده من ركن مدينة الخبيث الذي يحوطه بابنه وجلة أصحابه وقواده، وقصد أبو أحمد موضعاً من السور فيما بين النهر المعروف بمنكى والنهر المعروف بابن سمعان، وأمر صاعداً وزيره بالقصد لفوهة النهر المعروف بجرى كور، وتقدم إلى زيرك في مكانفته، وأمر مسروراً البلخي بالقصد لنهر الغربي، وضم إلى كل واحد منهم من الفعلة جماعة لهدم ما يليهم من السور، وتقدم إلى جميعهم ألا يزيدوا على هدم السور، وألا يدخلوا مدينة الخبيث. ووكل بكل ناحية من النواحي التي وجه إليها القواد شذوات فيها الرماد، وأمرهم أن يحموا بالسهام من يهدم السور من الفعلة والرجالة الذين يخرجون للمدافعة عنهم، فثلم في السور ثلم كثيرة، ودخل أصحاب أبي أحمد مدينة الفاجر من جميع تلك الثلم، وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم، فهزمهم أصحاب أبي أحمد، وأتبعوهم حتى وغلوا في طلبهم، واختلفت بهم طرق المدينة، وفرقت بينهم السكك والفجاج، فانتهوا إلى أبعد من الموضع الذي كانوا وصلوا إليه في المرة التي قبلها، وحرقوا وقتلوا. ثم تراجع أصحاب الخبيث، فشدوا على أصحاب أبي أحمد، وخرج كمناؤهم من نواح يهتدون لها ولا يعرفونها الآخرون، فتحير من كان داخل المدينة من أصحاب أبي أحمد، ودافعوا عن أنفسهم، وتراجعوا نحو دجلة حتى وافاها أكثرهم، فمنهم من دخل السفينة، ومنهم من قذف نفسه في الماء، فأخذه أصحاب الشذا، ومنهم من قتل وأصاب أصحاب الخبيث أسلحة وأسلاباً، وثبت جماعة من غلمان أبي أحمد بحضرة دار ابن سمعان، ومعهم راشد وموسى بن أخت مفلح، في جماعة من قواد الغلمان كانوا آخر من ثبت من الناس، ثم أحاط بهم الزنج وكثروهم، وحالوا بينهم وبين الشذا، فدافعوا عن أنفسهم وأصحابهم، حتى وصلوا إلى الشذا فركبوها. وأقام نحو من ثلاثين غلاماً من الديلمة في وجوه الزنج وغيرهم، يحمون الناس، ويدفعون عنهم حتى سلموا، وقتل الثلاثون من الديلمة عن آخرهم، بعد ما نالوا من الفجار ما أحبوا، وعظم على الناس ما نالهم في هذه الوقعة، وانصرف أبو أحمد بمن معه إلى مدينته الموفقية، وأمر يجمعهم وعذلهم على ما كان منهم من مخالفة أمره، والافتيات عليه في رأيه وتدبيره، وتوعدهم بأغلظ العقوبة إن عادوا لخلاف أمره بعد ذلك، وأمر بإحصاء المفقودين من أصحابه فأحصوا له، فأتى بأسمائهم، وأقر ما كان جارياً على أولادهم وأهاليهم، فحسن موقع ذلك منهم، وزاد في صحة نياتهم لما رأو من حياطته خلف من أصيب في طاعته. ذكر وقعة أبي العباس بمن كان يمد الزنج من الأعرابزفيها كانت لأبي العباس وقعة بقوم من الأعراب الذين كانوا يميرون الفاسق اجتاحهم فيها. ذكر الخبر عن السبب الذي كانت من أجله هذه الوقعة ذكر أن الفاسق لما خرب البصرة ولاها رجلاً من قدماء أصحابه يقال له أحمد بن موسى بن سعيد المعروف بالقلوص؛ فكان يتولى أمرها، وصارت فرصة للفاسق يردها الأعراب والتجار، ويأتونها بالمير وأنواع التجارات، ويحمل ما يردها إلى عسكر الخبيث، حتى فتح أبو أحمد طهيثا، وأسر القلوص، فولى الخبيث ابن أخت القلوص - يقال له ملك بن بشران - البصرة وما يليها. فلما نزل أبو أحمد فرات البصرة خاف الفاجر إيقاع أبي أحمد بمالك هذا، وهو يومئذ نازل بسيحان على نهر يعرف بنهر ابن عتبة. فكتب إلى مالك يأمره بنقل عسكره إلى النهر المعروف بالديناري، وأن ينفذ جماعة ممن معه لصيد السمك وإدرار حمله إلى عسكره، وأن يوجه قوماً إلى الطريق التي يأتي منها الأعراب من البادية، ليعرف ورود من يرد منهم بالمير، فإذا وردت رفقة من الأعراب خرج إليها بأصحابه، حتى يجمل ما تأتي به إلى الخبيث؛ ففعل ذلك مالك ابن أخت القلوص، ووجه إلى البطيحة رجلين من أهل قرية بسمى، يعرف أحدهما بالريان والآخر الخليل، كانا مقيمين بعسكر الخبيث، فنهض الخليل والريان وجمعا جماعة من أهل الطف، وأتيا قرية بسمى، فأقاما بها يحملان السمك من البطيحة أولاً أولاً إلى عسكر الخبيث في الزواريق الصغار التي تسلك بها الأنهار الضيقة والأرخنجان التي لا تسلكها الشذا والسميريات، فكانت مواد سمك البطيحة متصلة إلى عسكر الخبيث بمقام هذين الرجلين بحيث ذكرنا؛ واتصلت أيضاً مير الأعراب وما كانوا يأتون به من البادية، فاتسع أهل عسكره، ودام ذلك إلى أن استأمن إلى الموفق رجل من أصحاب الفاجر الذين كانوا مضمومين إلى القلوص، يقال له علي بن عمر، ويعرف بالنقاب، فأخبر بخبر مالك بن بشران ومقامه بالنهر المعروف بالديناري، وما يصل إلى عسكر الخبيث بمقامه هناك من سمك البطيحة وجلب الأعراب. فوجه الموفق زيرك مولاه في الشذا والسميرايات إلى الموضع الذي به ابن أخت القلوص، فأوقع به وبأهل عسكره، فقتل منهم فريقاً وأسر فريقاً، وتفرق أهل ذلك العسكر، وانصرف مالك إلى الخبيث مفلولاً، فرده الخبيث في جمع إلى مؤخر النهر المعروف باليهودي، فعسكر هنالك بموضع قريب من النهر المعروف بالفياض، فكانت المير تتصل بعسكر الخبيث مما يلي سبخة الفياض، فانتهى خبر مالك ومقامه بمؤخر نهر اليهودي ووقع المير من تلك الناحية إلى عسكر الفاجر إلى الموفق، فأمر ابنه أبا العباس بالمصير إلى نهر الأمير، والنهر المعروف بالفياض لتعرف حقيقة ما انتهى إليه من ذلك، فنفذ الجيش، فوافق جماعة من الأعراب يرأسهم رجل قد أورد من البادية إبلاً وغنماً وطعاماً، فأوقع بهم أبو العباس، فقتل منهم جماعة وأسر الباقين، ولم يفلت من القوم إلا رئيسهم؛ فإنه سبق على حجر كانت تحته، فأمعن هرباً، وأخذ كل ما كان أولئك الأعراب أتوا به من الإبل والغنم والطعام؛ وقطع أبو العباس يد أحد الأسرى وأطلقه، فصار إلى معسكر الخبيث، فأخبرهم بما نزل به، فريع مالك بن أخت القلوص بما كان من إيقاع أبي العباس بهؤلاء الأعراب؛ فاستأمن إلى أبي أحمد، فأومن وحبى وكسى وضم إلى أبي العباس وأجريت له الأرزاق، وأقيمت له الأنزال. وأقام الخبيث مقام مالك رجلاً كان من أصحاب القلوص، ويقال له أحمد بن الجنيد وأمره أن يعسكر بالموضع المعروف بالدهرشير ومؤخر نهر أبي الخصيب، وأن يصير في أصحابه إلى ما يقبل من سمك البطيحة، فيحمله إلى عسكر الخبيث، وتأدى إلى أبي أحمد خبر أحمد بن الجنيد، فوجه قائداً من قواد الموالي يقال له الترمدان في جيش، فعسكر بالجزيرة المعروفة بالروحية، فانقطع ما كان يأتي إلى عسكر الخبيث من سمك البطيحة، ووجه الموفق شهاب بن العلاء ومحمد بن الحسن العنبريين في خيل لمنع الأعراب من حمل المير إلى عسكر الخبيث، وأمر بإطلاق السوق لهم بالبصرة، وحمل ما يريدون امتياره من التمر؛ إذ كان ذلك سبب مصيرهم إلى عسكر الخبيث، فتقدم شهاب ومحمد لما أمر به، فأقاما بالموضع المعروف بقصر عيسى؛ فكان الأعراب يوردون إليهما ما يجلبونه من البادية ويمتارون التمر مما قبلهما. ثم صرف أبو أحمد الترمدان عن البصرة، ووجه مكانه قائداً من قواد الفراعنة، يقال له قيصر بن أرخوز إخشاد فرغانة، ووجه نصيراً المعروف بأبي حمزة في الشذا والسميريات، وأمره بالمقام بفيض البصرة ونهر دبيس وأن يخترق نهر الأبلة ونهر معقل ونهر غربي، ففعل ذلك. قال محمد بن الحسن: وحدثني محمد بن حماد، قال: لما انقطعت المير عن الخبيث وأشياعه بمقام نصير وقيصر بالبصرة، ومنعهم الميرة من البطيحة والبحر بالشذا، صرفوا الحيلة إلى سلوك نهر الأمير إلى القندل، ثم سلوك المسيحي إلى الطريق المؤدية إلى البر والبحر؛ فكانت ميرهم من البر والبحر، وامتيارهم سمك البحر من هذه الجهة، فانتهى ذلك إلى الموفق، فأمر رشيقاً غلام أبي العباس باتخاذ عسكر بجويث بارويه في الجانب الشرقي من دجلة بإزاء نهر الأمير، وأن يحفر له خندقاً حصيناً، وأمر أبا العباس أن يضم إلى رشيق من خيار أصحابه خمسة آلاف رجل وثلاثين شذاة، وتقدم إلى رشيق في ترتيب هذه الشذاة على فوهة نهر الأمير، وأن يجعل على كل خمس عشرة شذاة منها نوبة يلج فيها نهر الأمير، حتى ينتهي إلى المعترض الذي كان الزنج يسلكزنه إلى دبا والقندل والنهر المعروف بالمسيحي؛ فيكون هناك؛ فإن طلع عليهم من الخبثاء طالع أوقعوا به؛ فإذا انقضت نوبتهم انصرفوا وعاقبهم أصحابهم المقيمون على فوهة النهر ففعلوا مثل هذا الفعل فعسكر رشيق في الوضع الذي أمر بترتيبه به، فانقطعت طرق الفجرة التي كانوا يسلكونها إلى دبا والقندل والمسيحي؛ فلم يكن لهم سبيل إلى بر ولا بحر، فضاقت عليهم المذاهب، واشتد عليهم الحصار. وفيها أوقع أخو شركب بالخجستاني وأخذ منه. وفيها وثب ابن شبث بن الحسن، فأخذ عمر بن سيما والي حلوان. وفيها انصرف أحمد بن أبي الأصبغ من عند عمرو بن الليث، وكان عمرو قد وجهه إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فقدم معه بمال، فوجه عمرو مما صودر عليه ثلثمائة ألف دينار وهدية فيها خمسون منا مسكاً وخمسون مناً عنبراً، ومائتا من عوداً، وثلثمائة ثوب وشئ وغيره، وآنية ذهب وفضة ودواب وغلمان يقيمة مائتي ألف دينار؛ فكان ما حمل وأهدى بقيمة خمسمائة ألف دينار. وفيها ولى كيغلغ الخليل بن ريمال حلوان، فنالهم بالمكاره بسبب عمر ابن سيما وأخذهم بجريرة ابن شيث، فضمنوا له خلاص ابن سيما وإصلاح أمر ابن شيث. ذكر خبر إيقاع رشيق بمن أعان الزنج من تميم وفيها أوقع رشيق غلام أبي العباس بن الموفق بقوم من بني تميم، كانوا أعانوا الزنج على دخول البصرة وإحراقها؛ وكان السبب في ذلك أنه كان انتهى إليه أن قوماً من هؤء الأعراب قد جلبوا ميرة من البر إلى مدينة الخبيث؛ طعاماً وإبلاً وغنماً وأنهم في مؤخر نهر الأمير ينتظرون سفناً تأتيهم من مؤخر عسكر الفاجر تحملهم وما معهم. فسرى إليهم رشيق في الشذا فوافى الموضع الذي كانوا حلوا به وهو الهر المعروف بالإسحاقي فأوقع بهم وهم غادرون فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم وهو تجار كانوا خرجوا من عسكر الخبيث لجلب الميرة، وحوى ما كان معهم من أصناف المير والشاة والإبل والحمير التي كانوا عليها الميرة. فحمل الأسرى والرءوس في الشذا وفي سفن كانت معه إلى الموفقية، فأمر الموف فعلقت الرءوس في الشذ، وصلب الأسارى هنالك؛ وأظهر ما صار إلى رشيق وأصحابه، وطيف بذلك في أقطار العسكر، ثم أمر بالرءوس والأسارى فاجتيز بهم على عسكر الخبيث حتى عوفوا ما كان من رشيق من الإيقاع بجالبي المير إليهم، ففعل ذلك. وكان فيمن ظفر به رشيق رجل من الأعراب، كان يسفر بين صاحب الزنج والأعراب في جلب الميرة فأمر به الموفق فقطعت يده ورجله وألقي في عسكر الخبيث. ثم أمر بضرب أعناق الأسارى فضربت، وسوغ أصحاب رشيق ما أصابوا من أموالهم وأمر لرشيق بخلع وصلة، ورده إلى عسكره، فكثر المستأمنون إلى رشيق. فأمر أبو أحمد بضم من خرج منهم إلى رشيق إليه، فكثروا حتى كان كأكثر العساكر جمعاً، وانقطعت عن الخبيث وأصحابه المير من الوجوه كلها وانسد عليهم كل مسلك كان لهم، فأضر بهم الحصار وأضعف أبدانهم؛ فكان الأسير منهم يؤسر والمستأمن يستأمن، فسأل عن عهده بالخبز؛ فيعجب من ذلك؛ ويذكر أن عهده بالخبز مذ سنة وسنتين، فلما صار أصحاب الخائن إلى هذه الحال. رأى الموفق أن يتابع الإيقاع بهم، ليزيدهم بذلك ضراً وجهداً، فخرج إلى أبي أحمد في هذا الوقت في الأمان خلق كثير، واحتاج من كان مقيماً في حيز الفاسق إلى الحيلة لقوته، فنفرقوا في القرى والأنهار النائية عن معسكرهم في طلب القوت، فتأدى الخب بذلك إلى أبي أحمد، فأمر جماعة من قواد غلمانه السودان وعرفائهم بأن يقصدوا المواضع التي يعتادها الزنج، وأن يستميلوهم ويستدعوا طاعتهم، فمن أبى الدخول منهم في ذلك قتلوه وحملوا رأسه، وجعل لهم جعلاً؛ فحرصوا وواظبوا على الغدو والرواح؛ فكانوا لا يخلون في يوم من الأيام من جماعة يجلبونهم، ورءوس يأتون بها، وأسارى يأسرونهم. قال محمد بن الحسن: قال محمد بن حماد: ولما كثر أسارى الزنج عند الموفق، أمر باعتراضهم، فمن كان منهم ذا قوة وجلد ونهوض بالسلاح من عليه؛ وأحسن إليه، وخلطه بغلمانه السودان، وعرفهم ما لهم عنده من البر والإحسان، ومن كان منهم ضعيفاً لاحراك به، أو شيخاً فانياً لا يطيق حمل السح، أو مجروحاً جراحة قد أزمنته، أمر بأن يكسى ثوبين ويوصل بدراهم، ويزود ويحمل إلى عسكر الخبيث؛ فيلقى هناك بعد ما يؤمر بوصف ما عاين من إحسان الموفق إلى كل من يصير إليه؛ وأن ذلك رأيه في جميع من يأتيه مستأمناً ويأسره منهم، فتهيأ له من ذلك ما أراد من استمالة أصحاب صاحب الزنج؛ حتى استشعروا الميل إلى ناحيته والدخول في سلمه وطاعته؛ وجعل الموفق وابنه أبو العباس يغاديان حرب الخبيث ومن معه، ويراوحانها بأنفسهما ومن معهما، فيقتلان ويأسران ويجرحان، وأصاب أبا العباس في بعض تلك الوقعات سهم جرحه فبرأ منه. ذكر الخبر عن قتل بهبوذ بن عبد الوهابوفي رجب من هذه السنة قتل بهبوذ صاحب الخبيث. ذكر الخبر عن سبب مقتله ==========================================ج34. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري ذكر أن أكثر أصحاب الفاسق غارات، وأرشدهم تعرضاً لقطع السبيل وأخذ الأموال، كان بهبوذ بن عبد الوهاب، وكان قد جمع من ذلك مالاً جليلاً، وكان كثير الخروج في السميريات الخفاف، فيخترق الأنهار المؤدية إلى دجلة، فإذا صادف سفينة لأصحاب الموفق أخذها فأدخلها النهر الذي خرج منه، فإن تبعه تابع حتى توغل في طلبه خرج عليه من النهر قوم من أصحابه قد أعد لهم لذلك، فاقتطعوه وأوقعوا به؛ فلما كثر ذلك وتحرز منه ركب شذاة، وشبهها بشذوات الموفق، ونصب عليها مثل أعلامه، وسار بها في دجلة، فإذا ظفر بغرة من أهل العسكر أوقع بهم، فقتل وأسر، ويتجاوز إلى نهر الأبلة ونهر معقل وبثق شيرين ونهر الدير فيقطع السبل، ويعبث في أموال السابلة ودمائهم، فرأى الموفق عندما انتهى إليه من أفعال بهبوذ أن يسكر جميع الأنهار التي يخف سكرها، ويرتب الشذاة على فةهة الأنهار العظام، ليأمن عبث بهبوذ وأشياعه، ويأمن سبل الناس ومسالكهم، فلما حرست هذه المسالك وسكر ما أمكن سكره من الأنهار، وحيل بين بهبوذ وبين ما كان يفعل، أقام منتهزاً فرصة في غفلة أصحاب الشذا الموكلين بفوهة نهر الأبلة، حتى وجد ذلك اجتاز من مؤخر نهر أبي الخصيب في شذوات مثل أصحاب الموفق وسميرياتهم، ونصب عليها مثل أعمهم، وشحنها بجلد أصحابه وشجعانهم، واعترض بها في معترض يؤدي إلى النهر المعروف باليهودي، ثم سلك نهر نافذ حتى خرج منه إلى نهر الأبلة، وانتهى إلى الشذوات والسميريات المرتبة لحفظ النهر، وأهلها غارون غافلون، فأوقع بهم، وقتل جمعاً، وأسر أسرى وأخذ ست شذوات، وكر راجعاً في نهر الأبلة وانتهى الخبر بما كان من يهود إلى الموفق فأمر أبا العباس بمعارضته في الشذا من النهر المعروف باليهودي ورجا أن يسبقه إلى المعترض قيفطعه عن الطريق المؤدي إلى مأمنه. فوافى أبو العباس الموضع المعروف بالمطوعة، وقد سبق بهبوذ فولج النهر المعروف بالسعيدي؛ وهو نهر يؤدي إلى نهر أبي الخصيب. وبصر أبو العباس بشذوات بهبوذ، وطمع في ادراكها فجد في طلبها فأدركها ونشبت الحرب فقتل أبو العباس من أصحاب بهبوذ جمعاً وأسر جمعاً، وأستأمن إليه فريق منهم، وتلقى من أشياعه خلق كثير فعاووه ودافعوا عنه دفعاً شديداً، وقد كان المال جزر، فجرت شذواته في الطين في المواضع التي نضب الماء عنها من تلك الأنهار والمعترضات، فأفلت بهبوذ والباقون من أصحابه بجريعة الذقن. وأقام الموفق على حصار الخبيث ومن معه، وسد المسالك التي كانت المير تأتيهم منها، وكثر المستأمنون منهم، فأمر الموفق لهم بالخلع والجوائز، وحملوا على الخيل الجياد بسروجها ولجمها وآلتها، وأجريت لهم الأرزاق، وانتهى الخبر إلى الموفق بعد ذلك أن الضر والبؤس قد أحوج جماعةً من أصحاب الخبيث إلى التفرق في القرى لطلب القوت من السمك والتمر، فأمر ابنه أبا العباس بالمصير إلى تلك القرى والنواحي والإسراع إليها في الشذا والسميريات، وما خف من الزواريق وأن يستصحب جلد أصحابه وشجعانهم وأبطالهم ليحول بين هؤلاء الرجال والرجوع إلى مدينة صاحب الزنج؛ فتوجه أبو العباس لذلك، وعلم الخبيث بمسير أبي العباس له، فأمر بهبوذ أن يسير في أصحابه في المعترضات والأنهار الغامضة ليخفى خبره، إلى أن يوافى القندل وأبراسان ونواحيها، فنهض بهبوذ لما أمره به الخبيث من ذلك فاعترضت له في طريقه سميرية من سميريات أبي العباس، فيها غلمان من غلمانه الناشبة في جماعة الزنج، فقصد بهبوذ لهذه السميرية طامعاً فيها، فحاربه أهلها، فأصابته طعنة في بطنه من يد غلام من مقاتلة السميرية أسود، فهوى إلى الماء، فابتدره أصحابه، فحملوه، وولوا منهزمين إلى عسكر الخبيث، فلم يصلوا به إليه؛ حتى أراح الله منه؛ فعظمت الفجيعة به على الفاسق وأوليائه، واشتد عليه جزعهم، وكان قتله الخبيث من أعظم الفتوح، وخفى هلاكه على أبي أحمد؛ حتى استأمن رجلٌ من الملاحين، فأنهى إليه الخبر، فسر بذلك، وأمر بإحضار الغلام الذي ولي قتله، فأحضر، فوصله وكساه وطوقه، وزاد في أرزاقه، وأمر لجميع من كان في تلك السميرية بجوائز وخلع وصلات. وفي هذه السنة كان أول شهر رمضان منها يوم الأحد، وكان الأحد الثاني من السعانين وفي الأحد الثالث الفصح، وفي الأحد الرابع النيروز، وفي الأحد الخامس انسلاخ الشهر. وفيها ظفر أبو أحمد بالذوائبي، وكان ممايلاً لصاحب الزنج. وفيها كانت وقعة بين يدكوتكين بن إستاتكين وأحمد بن عبد العزيز، فهزمه يدكوكتين وغلبه على قم. وفيها وجه عمرو بن الليث قائداً بأمر أبي أحمد إلى محمد بن عبيد الله بن أزار مرد الكردي، فأسره القائد وحمله إليه. وفي ذي القعدة منها خرج رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشمي بالشام يقال له بكاريين سلمية وحلب وحمص؛ فدعا لأبي أحمد، فحاربه ابن عباس الكلابي، فانهزم الكلابي، ووجه إليه لؤلؤ صاحب ابن طولون قائداً يقال له بوذن في عسكر وجيش كثيف، فرجع وليس معه كثر أحد. وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على ابن طولون. وفيها قتل صاحب الزنج ابن ملك الزنج، وكان بلغه أنه يريد اللحاق بأبي أحمد. وفيها قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني، قتله غلام له في ذي الحجة. وفيها قتل أصحاب ابن أبي الساج محمد بن علي بن حبيب اليشكري بالقرية ناحية واسط، ونصيب رأسه ببغداد. وفيها حارب محمد بن كمشجور علي بن الحسين كفتمر، فأسر ابن كمشجور كفتمر ثم أطلقه، وذلك في ذي الحجة. وفيها أسر العلوي الذي يعرف بالحرون، وذلك أنه اتعرض الخريطة التي يوجه بها بخبر الموسم فأخذها، فوجه خليفة ابن أبي الساج على طريق مكة من أخذ الحرون، ووجهه إلى الموفق. وفيها كان مصير أبي المغيرة المخزومي إلى مكة، وعاملها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي، فجمع هارون جمعاً نحواً من ألفين، فامتنع بهم منه فصار المخزومي إلى عين مشاش فعورها، وإلى جدة، فنهب الطعام، وحرق بيوت أهلها، فصار الخبز بمكة أوقيتان بدرهم. وفيها خرج ابن الصقلبية طاغية الروم، فأناخ على ملطية، وأعانهم أهل مرعش والحدث، فانهزم الطاغية، وتبعوه إلى السريع. وغزا الصائفة من ناحية الثغور الشامية خلف الفرغاني عامل ابن طولون، فقتل من الروم بضعة عشر ألفاً، وغنم الناس، فبلغ السهم أربعين ديناراً. وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي، وابن أبي الساج على الأحداث والطريق. ثم دخلت سنة تسع وستين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من إدخال العلوي المعروف بالحرون عسكر أبي أحمد في المحرم على جمل، وعليه قباء ديباج وقلنسوة طويلة، ثم حمل في شذاة، ومضى به حتى وقف به حيث يراه صاحب الزنج، ويسمع كلام الرسل. وفي المحرم منها قطع الأعراب على قافلة من الحاج بين توز وسميراء، فسلبوهم واستاقوا نحواً من خمسة آلاف بعير بأحمالها وأناساً كثيرين. وفي المحرم منها في ليلة أربع عشرة انخسف القمر وغاب منخسفاً، وانكسفت الشمس يوم الجمعة لليلتين بقيتا من المحرم وقت المغيب، وغابت منكسفة، فاجتمع في المحرم كسوف الشمس والقمر. وفي صفر منها كان ببغداد وثوب العامة بإبراهيم الخليجي، فانتهبوا داره؛ وكان السبب في ذلك أن غلاماً له رمى امرأة بسهم فقتلها، فاستعدى السلطان عليه؛ فبعث إليه في إخراج الغلام، فامتنع ورمى غلمانه الناس، فقتلوا جماعة وجرحوا جماعة؛ فمنعهم من أعوان السلطان رجلان، فهرب وأخذ غلمانه، ونهب منزله ودوابه، فجمع محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر - وكان على الجسر من قبل أبيه - دواب إبراهيم، وما قدر عليه مما نهب له، وأمر عبيد الله بتسليم ذلك إليه، وأشهد عليه برده عليه. وفيها وجه ابن أبي الساج بعدما صار إلى الطائف منصرفاً من مكة إلى جدة جيشاً، فأخذوا للمخزومي مركبين فيهما مالٌ وسلاح. وفيها أخذ رومي بن حسنج ثلاثة نفر من قواد الفراغنة، يقال لأحدهم صديق، والآخر طخشي، وللثالث طغان، فقيدهم، وجرح صديق جراحات وأفلت. وفيها كان وثوب خلف صاحب أحمد بن طولون في شهر ربيع الأول منها بالثغور الشأمية؛ وهو عامله عليها، بيازمان الخادم مولى الفتح بن خاقان فحبسه، فوثبت جماعة من أهل الثغر بخلف، وتخلصوا يازمان، وهرب خلف، وتركوا الدعاء لابن طولون، ولعنوه على المنابر؛ فبلغ ذلك ابن طولون فخرج من مصر، حتى صار إلى دمشق، ثم صار إلى الثغور الشأمية، فنزل أذنة، وسد يازمان وأهل طرسوس أبوابها، خلا باب الجهاد وباب البحر، وبثقوا الماء، فجرى إلى قرب أذنة وما حولها، فتحصنوا بها، فأقام ابن طولون بأذنة، ثم انصرف فرجع إلى أنطاكية، ثم مضى إلى حمص، ثم إلى دمشق فأقام بها. وفيها خالف لؤلؤ غلام ابن طولون مولاه؛ وفي يده حين خالفه حمص وحلب وقنسرين وديار مضر، وسار لؤلؤ إلى بالس فنهبها، وأسر سعيداً وأخاه ابني العباس الكلابي. ثم كاتب لؤلؤ أبا أحمد في المصير إليه ومفارقة ابن طولون، ويشترط لنفسه شروطاً، فأجابه أبو أحمد إلى ما سأله؛ وكان مقيماً بالرقة، فشخص عنها، وحمل جماعة من أهل الرافقة وغيرهم معه، وصار إلى قرقيسيا، وبها ابن صفوان العقيلي، فحاربه فأخذ لؤلؤ قرقيسيا، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق، وهرب ابن صفوان، وأقبل لؤلؤ يريد بغداد. ذكر خبر إصابة الموفقوفيها رمي أبو أحمد الموفق بسهم - رماه غلام رومي، يقال له قرطاس - للخبيث بعدما دخل أبو أحمد مدينته التي كان بناها لهدم سورها، وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن الخبيث بهبوذ لما هلك، طمع الزنج فيما كان بهبوذ قد جمع من الكنوز والأموال، وكان قد صح عنده أن ملكه قد حوى مائتي ألف دينار وجوهراً وذهباً وفضة لها قدر، فطلب ذلك بكل حيلة، وحرص عليه، وحبس أولياءه وقرابته وأصحابه، وضربهم بالسياط، وأثار دوراً من دوره، وهدم أبنيةً؛ طمعاً في أن يجد في شيء منها دفيناً، فلم يجد من ذلك شيئاً؛ وكان فعله الذي فعله بأولياء بهبوذ في طلب المال أحد ما أفسد قلوب أصحابه، ودعاهم إلى الهرب منه والزهد في صحبته، فأمر الموفق بالنداء في أصحاب بهبوذ بالأمان، فنودي بذلك، فسارعوا إليه راغبين فيه، فألحقوا في الصلات والجوائز والخلع والأرزاق بنظرائهم. ورأى أبو أحمد لما كان يتعذر عليه من العبور إلى عسكر الفاجر في الأوقات التي تهب فيها الرياح وتحرك فيها الأمواج في دجلة أن يوسع لنفسه وأصحابه موضعاً في الجانب الغربي من دجلة ليعسكر به فيما بين دير جابيل ونهر المغيرة، وأمر بقطع النخل وإصلاح موضع الخندق، وأن يحف بالخنادق، ويحصن بالسور ليأمن بيات الفجار واغتيالهم إياه، وجعل على قواده نوائب؛ فكان لكل واحد منهم نوبة يغدو إليها برجاله، ومعه العمال في كل يوم لإحكام أمر العسكر الذي عزم على اتخاذه هنالك، فقابل الفاسق ذلك بأن جعل على علي بن أبان المهلبي وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمذاني نوباً، فكان لكل واحد منهم يوم ينوب فيه. وكان ابن الخبيث المعروف بأنكلاي يحضر في كل يوم نوبة سليمان، وربما حضر في نوبة إبراهيم. ثم أقامه الخبيث مقام إبراهيم بن جعفر، وكان سليمان بن جامع يحضر معه في نوبته، وضم إليه الخبيث سليمان بن موسى الشعراني وأخويه، وكانوا يحضرون بحضوره، ويغيبون بغيبته. وعلم الخبيث أن الموفق إذا جاوره في محاربته، وقرب على من يريد اللحاق به المسافة فيما يحاول من الهرب إليه، مع ما يدخل قلوب أصحابه من الرهبة بتقارب العسكرين أن في ذلك انتقاض تدبيره، وفساد جميع أموره؛ فأمر أصحابه بمحاربة من يعبر من القواد في كل يوم، ومنعهم من إصلاح ما يحاولون إصلاحه من أمر عسكرهم الذي يريدون الانتقال إليه، وعصفت الرياح في بعض تلك الأيام وبعض قواد الموفق في الجانب الغربي لما كان يعبر له. فانتهز الفاسق الفرصة في انفراد هذا القائد وانقطاعه عن أصحابه، وامتناع دجلة بعصوف الريح من أن يرام عبورها، فرمى القائد المقيم في غربي دجلة بجميع جيشه، وكاثره برجاله، ولم تجد الشذوات التي كانت تكون مع القائد الموجه سبيلاً إلى الوقوف بحيث كانت تقف لحمل الرياح إياها على الحجارة، وما خاف أصحابها عليها من التكسر، فقوي الزنج على ذلك القائد وأصحابه، فأزالوهم من موضعهم، وأدركوا طائفةً منهم، فثبتوا فقتلوا عن آخرهم؛ ولجأت طائفاٌ إلى الماء، فتبعهم الزنج، فأسروا منهم أسارى، وقتلوا منهم نفراً، وأفلت أكثرهم، وأدركوا سفنهم، فألقوا أنفسهم فيها، وعبروا إلى المدينة الموفقية، فاشتد جزع الناس لما تهيأ للفسقة، وعظم بذلك اهتمامهم. وتأمل أبو أحمد فيما كان دبر من النزول في الجانب الغربي من دجلة أنه أكدى، وما لا يؤمن من حيلة الفاسق وأصحابه في انتهاز فرصة، فيوقع بالعسكر بياتاً، أو يجد مساغاً إلى شيء مما يكون له فيه متنفس؛ لكثرة الأدغال في ذلك الموضع وصعوبة المسالك، وأن الزنج على التوغل إلى المواضع الوحشة أقدر، وهو عليهم أسهل من أصحابه. فانصرف عن رأيه في نزول غربي دجلة، وجعل قصده لهدم سور الفاسق وتوسعه الطرق والمسالك منها لأصحابه، فأمر عند ذلك أن يبدأ بهدم السور مما يلي النهر المعروف بمنكى؛ فكان تدبير الخبيث في ذلك توجيه ابنه المعروف بأنكلاي وعلي بن أبان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك؛ كل واحد منهم في نوبته في ذلك اليوم، فإذا كثر عليهم أصحاب الموفق اجتمعوا جميعاً لمدافعة من يأتيهم. فلما رأى الموفق تحاشد الخبثاء وتعاونهم على المنع من الهدم للسور، أزمع على مباشرة ذلك وحضوره ليستدعى به جد أصحابه واجتهادهم، ويزيد في عنايتهم ومجاهدتهم؛ ففعل ذلك، واتصلت الحرب، وغلظت على الفريقين؛ وكثر القتلى والجراح في الحزبين كليهما، فأقام الموفق أياماً يغادي الفسقة ويراوحهم؛ فكانوا لا يفترون من الحرب في يوم من الأيام، وكان أصحاب أبي أحمد لا يستطيعون الولوج على الخبثة لقنطرتين كانتا على نهر منكى كان الزنج يسلكونهما في وقت استعار الحرب، فينتهون منهما إلى طريق يخرجهم في ظهور أصحاب أبي أحمد، فيناولون منهم، ويحجزونهم عن استتمام ما يحاولون من هدم السور، فرأى الموفق إعمال الحيلة في هدم هاتين القنطرتين ليمنع الفسقة عن الطريق الذي كانوا يصيرون منه إلى استدبار أصحابه في وقت احتدام الحرب؛ فأمر قواداً من قواد غلمانه بقصد هاتين القنطرتين، وأن يختلوا الزنج، وينتهزوا الفرصة في غفلتهم عن حراستهما؛ وتقدم إليهم في أن يعدوا لهما من الفؤوس والمناشير والآلات التي يحتاج إليها لقطعهما ما يكون عوناً لهم على الإسراع فيما يقصدون له من ذلك. فانتهى الغلمان إلى ما أمروا به، وصاروا إلى نهر منكى وقت نصف النهار، فبرز لهم الزنج، فبادروا وتسرعوا، فكان ممن تسرع إليهم أبو النداء في جماعة من أصحابه يزيدون على الخمسمائة، ونشبت الحرب بين أصحاب الموفق والزنج، فاقتتلوا صدر النهار، ثم ظهر غلمان أبي أحمد على الفسقة فكشفوهم عن القنطرتين، فأصاب المعروف بأبي النداء سهمٌ في صدره وصل إلى قلبه فصرعه، وحامى أصابه على جيفته فاحتملوها، وولوا منهزمين، وتمكن قواد غلمان الموفق من قطع القنطرتين، فقطعوهما وأخرجوهما إلى دجلة، وحملوا خشبهما إلى أبي أحمد، وانصرفوا على حال سلامة، وأخبروا الموفق بقتل أبي النداء وقطع القنطرتين، فعظم سروره وسرور أهل العسكر بذلك، وأمر لرامي أبي النداء بصلة وافرة. وألح أبو أحمد على الخبيث وأشياعه بالحرب، وهدم من السور ما أمكنهم به الولوج عليهم، فشغلوهم بالحرب في مدينتهم عن المدافعة عن سورهم، فأسرع الهدم فيه، وانتهى منه إلى داري ابن سمعان وسليمان بن جامع، فصار ذلك أجمع في أيدي أصحاب الموفق، لا يستطيع الفسقة دفعهم عنه ولا منعهم من الوصول إليه، وهدمت هاتان الداران، وانتهب ما فيهما، وانتهى أصحاب الموفق إلى سوق لصاحب الزنج كان اتخذها مظلة على دجلة، سماها الميمونة، فأمر الموفق زيرك صاحب مقدمة أبي العباس بالقصد لهذه السوق، فقصد بأصحابه لذلك، وأكب عليها فهدمت تلك السوق وأخربت، فقصد الموفق الدار التي كان صاحب الزنج اتخذها للجبائي فهدمها، وانتهب ما كان فيها وفي خزائن الفاسق كانت متصلة بها. وأمر أصحابه بالقصد إلى الموضع الذي كان الخبيث اتخذ فيه بناء سماه مسجد الجامع، فاشتدت محاماة الفسقة عن ذلك والذب عنه؛ بما كان الخبيث يحضهم عليه، ويوهمهم أنه يجب عليهم من نصرة المسجد وتعظيمه؛ فيصدقون قوله في ذلك، ويتبعون فيه رأيه. وصعب على أصحاب الموفق ما كانوا يرمون من ذلك؛ وتطاولت الأيام بالحرب على ذلك الموضع. والذي حصل مع الفاسق يومئذ نخبة أصحابه وأبطالهم والموطنون أنفسهم على الصبر معه، فحاموا جهدهم؛ حتى لقد كانوا يقفون الموقف فيصيب أحدهم السهم أو الطعنة أو الضربة فيسقط، فيجذبه الذي إلى جنبه ويقف موقفه إشفاقاً من أن يخلو موقف رجل منهم؛ فيدخل الخلل على سائر أصحابه. فلما رأى أبو أحمد صبر هذه العصبة ومحاماتها، وتطاول الأيام بمدافعتها، أمر أبا العباس بالقصد لركن البناء الذي سماها الخبيث مسجداً، وأن يندب لذلك أنجاد أصحابه وغلمانه، وأضاف إليهم الفعلة الذين كانوا أعدوا للهدم، فإذا تهيأ لهم هدم شيء أسرعوا فيه، وأمر بوضع السلاليم على السور فوضعوها، وصعد الرماة فجعلوا يرشقون بالسهام من وراء السور من الفسقة، ونظم الرجال من حد الدار المعروفة بالجبائي إلى الموضع الذي رتب فيه أبا العباس، وبذل الموفق الأموال والأطوقة والأسورة لمن سارع إلى هدم سور الفاسق وأسواقه ودور أصحابه، فتسهل ما كان يصعب بعد محاربة طويلة وشدة، فهدم البناء الذي كان الخبيث سماه مسجداً، ووصل إلى منبره فاحتمل، فأتي به الموفق، وانصرف به إلى مدينته الموفقية جذلاً مسروراً. ثم عاد الموفق لهدم السور فهدمه من حد الدار المعروفة بأنكلاي إلى الدار المعروفة بالجبائي. وأفضى أصحاب الموفق إلى دواوين من دواوين الخبيث وخزائن من خزائنه؛ فانتهبت وأحرقت وكان ذلك في يوم ذي ضباب شديد، قد ستر بعض الناس عن بعض؛ فما يكاد الرجل يبصره صاحبه. فظهر في هذا اليوم للموفق تباشير الفتح، فإنهم لعلي ذلك؛ حتى وصل سهمٌ من سهام الفسقة إلى الموفق، رماه به غلام رومي كان مع الفاسق يقال له قرطاس، فأصابه في صدره، وذلك في يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الأولى سنة تسع وستين ومائتين، فستر الموفق ما ناله من ذلك السهم، وانصرف إلى المدينة مع الموفقية، فعولج في ليلته تلك من جراحته، وبات ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم الجراح، يشد بذلك قلوب أوليائه من أن يدخلها وهم أو ضعف، فزاد ما حمل نفسه عليه من الحركة في قوة علته، فغلظت وعظم أمرها حتى خيف عليه، واحتاج إلى علاجه بأعظم ما يعالج به الجراح؛ واضطرب لذلك العسكر والجند والرعية، وخافوا قوة الفاسق عليهم؛ حتى خرج عن مدينته جماعةٌ ممن كان مقيماً بها، لما وصل إلى قلوبهم من الرهبة، وحدثت في حال صعوبة العلة عليه حادثة في سلطانه، فأشار عليه مشيرون من أصحابه وثقاته بالرحلة عن معسكره إلى مدينة السلام، ويخلف من يقوم مقامه؛ فأبى ذلك، وخاف أن يكون فيه ائتلاف ما قد تفرق من شمل الخبيث. فأقام على صعوبة علته عليه، وغلظ الأمر الحادث في سلطانه؛ فمن الله بعافيته، وظهر لقواده وخاصته؛ وقد كان أطال الاحتجاب عنهم، فقويت بذلك منتهم، وأقام متماثلاً مودعاً نفسه إلى شعبان من هذه السنة، فلما أبل وقوي على النهوض لحرب الفاسق، تيقظ لذلك، وعاود ما كان مواظباً عليه من الحرب، وجعل الخبيث لما صح عنده الخبر عما أصاب أبا أحمد يعد أصحابه العدات، ويمنيهم الأماني الكاذبة، وجعل يحلف على منبره - بعدما اتصل به الخبر بظهور أبي أحمد وركوبه الشذا - أن ذلك باطلٌ لا أصل له، وأن الذي رأوه في الشذا مثال موه لهم وشبه لهم. ذكر عزم المعتمد على اللحاق بمصروفيها في يوم السبت للنصف من جمادى الأولى، شخص المعتمد يريد اللحاق بمصر، وأقام يتصيد بالكحيل، وقدم صاعد بن مخلد من عند أبي أحمد؛ ثم شخص إلى سامرا في جماعة من القواد في جمادى الآخرة، وقدم قائدان لابن طولون - يقال لأحدهما أحمد بن جبغويه وللآخر محمد بن عباس الكلابي - الرقة، فلما صار المعتد إلى عمل إسحاق بن كنداج - وكان العامل على الموصل وعامة الجزيرة - وثب ابن كنداج بمن شخص مع المعتمد من سامرا يريد مصر، وهم تينك وأحمد بن خاقان وخطارمش، فقيدهم وأخذ أموالهم ودوابهم ورقيقهم. وكان قد كتب إليه بالقبض عليهم وعلى المعتمد، وأقطع إسحاق بن كنداج ضياعهم وضياع فارس بن بغا. وكان سبب وصوله إلى القبض على من ذكرت، أن ابن كنداج لما صار إلى عمله، وقد نفذت إليه الكتب من قبل صاعد بالقبض عليهم، أظهر أنه معهم، وعلى مثل رأيهم في طاعة المعتمد؛ إذ كان الخليفة، وأنه غير جائز له الخلاف عليه. وقد كان من مع المعتمد من القواد حروا المعتمد المرور به، وخوفوه وثوبه بهم؛ فأبى إلا المرور به - فيما ذكر - وقال لهم: إنما هو مولاي وغلامي، وأريد أن أتصيد؛ فإن في الطريق إليه صيداً كثيراً. فلما صاروا في عمله، لقيهم وسار معهم كي يرد المعتمد - فيما ذكر - منزلاً قبل وصوله إلى عمل ابن طولون، فلما أصبح ارتحل التباع والغلمان الذين كانوا مع المعتمد ومن شخص معه من سامرا، وخلا ابن كنداج بالقواد الذين مع المعتمد، فقال لهم: إنكم قد قربتم من عمل ابن طولون والمقيم بالرقة من قواده؛ وأنتم إذا صرتم إلى ابن طولون؛ فالأمر أمره، وأتم من تحت يده ومن جنده؛ أفترضون بذلك؛ وقد علمتم أنه إنما هو كواحد منكم! وجرت بينه وبينهم في ذلك مناظرة حتى تعالى النهار، ولم يرتحل المعتمد بعد لاشتغال القواد بالمناظرة بينهم بين يديه، ولم يجتمع رأيهم بعد على شيء. فقال لهم ابن كنداج: قوموا بنا حتى نتناظر في هذا في غير هذا الموضع، وأكرموا مجلس أمير المؤمنين عن ارتفاع الصوت فيه. فأخذ بأيديهم، وأخرجهم من مضرب المعتمد فأدخلهم مضرب نفسه؛ لأنه لم يكن بقي مضرب إلا قد مضى به غير مضربه؛ لما كان من تقدمه إلى فراشيه وغلمانه وحاشيته وأصحابه في ذلك اليوم ألا تبرحوا إلا ببراحه. فلما صاروا إلى مضربه دخل عليه وعلى من معه من القواد جلة غلمانه وأصحابه، وأحضرت القيوم، وشد غلمانه على كل من كان شخص مع المعتمد من سامرا من القواد، فقيدوهم؛ فلما قيدوا وفرغ من أمرهم مضى إلى المعتمد، فعذله في شخوصه عن دار ملكه وملك آبائه وفراقه أخاه على الحال التي هو بها من حرب من يحاول قتله وقتل أهل بيته وزوال ملكهم، ثم حمله والذين كانوا معه في قيودهم حتى وافى بهم سامرا. وفيها قام رافع بن هرثمة بما كان الخجستاني غلب عليه من كور خراسان وقراها؛ وكان رافع بن هرثمة قد اجتبى عدةً من كور خراسان خراجها سلفاً لبضع عشرة سنة، فأفقر أهلها وخربها. وفيها كانت وقعة بين الحسينيين والحسنيين والجعفريين، فقتل من الجعفريين ثمانية نفر، وعلا الجعفريون فتخلصوا الفصل بن العباس العباسي العامل على المدينة. وفي جمادى الآخرة عقد هارون بن الموفق لابن أبي الساج على الأنبار وطريق الفرات ورحبة طوق، وولى أحمد بن محمد الطائي الطوفة وسوادها المعاون والخراج، فصير المعاون باسم علي بن الحسين المعروف بكفتمر، فلقي أحمد بن محمد الهيصم العجلي فيها، فاهزم الهيصم واستباح الطائي أمواله وضياعه. ولأربع خلون من شعبان منها رد إسحاق بن كنداج المعتمد إلى سامرا فنزل الجوسق المطل على الحير. ولثمان خلون من شعبان خلع على ابن كنداج، وقلّد سيفين بحمائل: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وسمي ذا السيفين، وخلع عليه بعد ذلك بيومين قباء ديباج ووشاحان، وتوج بتاج، وقلد سيفاً كل ذلك مفصص بالجوهر، وشيعه إلى منزله هارون بن الموفق وصاعد بن مخلد والقواد، وتغدوا عنده. ذكر الخبر عن إحراق قصر صاحب الزنجوفي شعبان من هذه السنة أحرق أصحاب قصر الفاسق، وانتهبوا ما فيه. ذكر الخبر عن سبب ذلك وسبب وصولهم إليه: ذكر محمد بن الحسن، أن أبا أحمد لما برأ الجرح الذي كان أصابه، عاد للذي كان عليه من مغاداة الفاسق الحرب ومراوحته؛ وكان الخبيث قد أعاد بناء بعض الثلم التي ثلمت في السور، فأمر الموفق بهدم ذلك، وهدم ما يتصل به، وركب في عشية من العشايا في أول وقت العصر؛ وقد كانت الحرب متصلة في ذلك اليوم مما يلي نهر منكى، والفسقة مجتمعون في تلك الناحية قد شغلوت أنفسهم بها، وظنوا أنهم لا يحاربون إلا فيها، فوافى الموفق وقد أعد الفعلة، وقرب على نهر منكى وناوش الفسقة فيه؛ حتى إذا استعرت الحرب أمر الجذافين والاشتيامين أن يحثوا السير حتى ينتهوا إلى النهر المعروف بجوى كور، وهو نهر يأخذ من دجلة أسفل من النهر المعروف بنهر أبي الخصيب؛ ففعلوا ذلك؛ فوافى جوى كور، وقد خلا من المقاتلة والرجال، فقرب وأخرج الفعلة، فهدموا من السور ما كان يلي ذلك النهر، وصعد المقاتلة وولجوا النهر؛ فقتلوا فيه مقتلةً عظيمة، وانتهوا إلى قصور من قصور الفسقة، فانتهبوا ما كان فيها وأحرقوها، واستنفذوا عدداً من النساء اللواتي كن فيها، وأخذوا خيلاً من خيل الفجرة، فحملوها إلى غربي دجلة، فانصرف الموفق في وقت غروب الشمس بالظفر والسلامة، وغاداهم الحرب والقصد لهدم السور، فأسرع فيه حتى اتصل بدار المعروف بأنكلاي؛ وكانت متصلة بدار الخبيث؛ فلما أعيت الحيل الخبيث في المنع من هدم السور، ودفع أصحاب الموفق عن ولوج مدينته، أسقط في يديه؛ ولم يدر كيف يحتال لحسم ذلك، فأشار عليه علي بن أبان المهلبي بإجراء الماء على السباخ التي يسلكها أصحاب الموفق لئلا يجدوا إلى سلوكها سبيلاً، وأن يحفر خنادق في مواضع عدة يعوقهم بها عن دخول المدينة، فإن حملوا أنفسهم على اقتحامها فوقعت عليهم هزيمة، لم يسهل عليهم الرجوع إلى سفنهم؛ ففعلوا ذلك في عدة مواضع من مدينتهم، وفي الميدان الذي كان الخبيث جعله طريقاً حتى انتهت تلك الخنادق إلى قريب من داره. فرأى الموفق بعدما هيأ الله له من هدم سور مدينة الفاسق ما هيأ أن جعل قصده لطم الخنداق والأنهار والمواضع العورة كي تصلح فيها مسالك الخيل والرجالة. فرام ذلك، فحامى عنه الفسقة. ودامت الحرب وطالت ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمرٌ عظيم؛ حتى لقد عد الجرحى في بعض تلك الأيام زهاء ألفي جريح؛ وذلك لتقارب الفريقين في وقت القتال، ومنع الخنادق كل فريق منهم عن إزالة من بإزائه عن موضعهم. فلما رأى ذلك الموفق قصد لإحراق دار الخبيث والهجوم عليها من دجلة، وكان يعوق عن ذلك كثرة ما أعد الخبيث من المقاتلة والحماة عن داره؛ فكانت الشذا إذا قربت من قصره رموا من سوره ومن أعلى القصر بالحجارة والنشاب والمقاليع والمجانيق والعرادات، وأذيب الرصاص، وأفرغ عليهم؛ فكان إحراق داره يتعذر عليهم لما وصفنا؛ فأمر الموفق بإعداد ظلال من خشب للشذا وإلباسها جلود الجواميس، وتغطية ذلك بالخيش المطلي بصنوف العقاقير والأدوية التي تمنع النار من الإحراق، فعمل ذلك، وطليت به عدة شذوات ورتب فيها جميعاً شجعاء غلمانه: الرامحة والناشبة، وجمعاً من حذاق النفاطين وأعدهم لإحراق دار الفاسق صاحب الزنج. فاستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان كاتب الخبيث ووزيره في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة تسع وستين ومائتين، وكان سبب استئمانه - فيما ذكر محمد بن الحسن - أنه كان ممن امتحن بصحبته، وهو لها كارهٌ على علم منه بضلالته. قال: وكنت له على ذلك مواصلاً، وكنا جميعاً ندبر الحيلة في التخلص، فيتعذر علينا، فلما نزل بالخبيث من الحصار ما نزل، وتفرق عنه أصحابه، وضعف أمره؛ شمر في الحيلة للخلاص، وأطلعني على ذلك، وقال: قد طبت نفساً بألا أستصحب ولداً و أهلاً، وأن أنجوا وحيداً؛ فهل لك في مثل ما عزمت عليه؟ فقلت له، الرأي لك ما رأيت؛ إذ كنت إنما تخلف ولداً صغيراً لا سبيل للخائن عليه إلى أن يصول به، أو أن يحدث عليك فيد حدثاً يلزمك عاره، فأما أنا معي نساء يلزمني عارهن، ولا يسعني تعرضهن لسطوة الفاجر، فامض شأنك؛ فأخبره عني بما علمت من نيتي في مخالفة الفاجر وكراهة صحبته، وإن هيأ الله لي الخلاص بولدي، فأنا سريع اللحاق بك، وإن جرت المقادير فينا بشيء كنا معاً وصبرنا. فوجه محمد بن سمعان وكيلاً له يعرف بالعراقي، فأتى عسكر الموفق، فأخذ له ما أراد من الأمان، وأعد له الشذا، فوافته في السبخة في اليوم الذي ذكرنا، فصار إلى عسكر الموفق. وأعاد الموفق محاربة الخبيث والقصد للإحراق من غد اليوم الذي استأمن فيه محمد بن سمعان؛ وهو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة تسع وستين ومائتين، في أحسن زي، وأكمل عدة، ومعه الشذوات المطلية بما وصفنا، وسائر شذواته وسميرياته، فيها مواليه وغلمانه والمعابر التي فيها الرجالة، فأمر الموفق ابنه أبا العباس بالقصد إلى دار محمد ابن يحيى المعروف بالكرنبائي، وهي بإزاء الخائن في شرقي النهر المعروف بأبي الخصيب، يشرع على النهر وعلى دجلة، وتقدم إليها في إحراقها وما يليها من منازل قواد الخائن، وشغلهم بذلك عن إنجاده ومعاونته، وأمر المرتبين في الشذا المظلة بالقصد، لما كان مطلاً على دجلة من رواشين الخبيث وأبنيته، ففعلوا ذلك، وألصقوا شذواتهم بسور القصر، وحاربوا الفجرة أشد حرب ونضحوهم بالنيران، وصبر الفسقة وقاتلوا، فرزق الله النصر عليهم، فتزحزحوا عن تلك الرواشين والأبنية التي كانوا يحامون عليها، وأحرقها غلمان الموفق، وسلم من كان في الشذا مما كان الخبثاء يكيدونهم به من النشاب والحجارة وصب الرصاص المذاب وغير ذلك بالظلال التي كان اتخذها على الشذا، فكان ذلك سبباً لتمكنها من دار الخبيث. وأمر الموفق من كان في الشذا بالرجوع فرجعوا، فأخرج من كان فيها من الغلمان، ورتب فيها آخرين، وانتظر إقبال المد وعلوه، فلما تهيأ ذلك عادت الشذوات المظلة إلى قصر الخبيث، فأمر الموفق من كان فيها بإحراق بيوت كانت تشرع على دجلة من قصر الفاسق، ففعلوا ذلك، فاضطرمت النار في هذه البيوت، واتصلت بما يليها من الستارات التي كان الخبيث ظل بها داره، وستور كانت على أبوابه، فقويت النار عند ذلك على الإحراق، وأعجلت الخبيث ومن كان معه عن التوقف على شئ مما كان في منزله من أمواله وذخائره وأثاثه وسائر أمتعته، فخرج هارباً، وترك ذلك كله. وعلا غلمان الموفق قصر الخبيث مع أصحابهم؛ فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من الأمتعة الفاخرة والذهب والفضة والجوهر والحلي وغير ذلك، واستنفذوا جماعة من النساء اللواتي كان الخبيث استرقهن، ودخل غلمان الموفق سائر دور الخبيث ودور ابنه أنكلاي، فأضرموها ناراً، وعظم سرور الناس بما هيأ الله لهم في هذا اليوم، فأقام جماعة يحاربون الفسقة في مدينتهم وعلى باب قصر الخبيث، مما يلي الميدان، فأثخنوا فيهم القتل والجراح والأسر، وفعل أبو العباس في دار المعروف بالكرنبائي وما يتصل بها من الإحراق والهدم والنهب مثل ذلك. وقطع أبو العباس يومئذ سلسلة حديد عظيمة وثيقة كان الخبيث قطع بها نهر أبي الخصيب ليمنع الشذا من دخوله، وحازها، فحملت في بعض شذواته وانصرف الموفق بالناس صلاة المغرب بأجمل ظفر، وقد نال الفاسق في ذلك اليوم في نفسه وماله وولده وما كان غلب عليه من نساء المسلمين مثل الذي أصاب المسلمين منه من الذعر والجلاء وتشتيت الشمل والمصيبة في الأهل والولد، وجرح ابنه المعروف بأنكلاي في هذا اليوم جراح شديدة في بطنه أشفى منه على التلف. ذكر الخبر عن غرق نصير المعروف بأبي حمزةوفي غد هذا اليوم وهو يوم الأحد لعشر بقين من شعبان من هذه السنة غرق نصير. ذكر سبب غرقه: ذكر محمد بن الحسن أنه لما كان غد هذا اليوم باكر الموفق محاربة الخبيث، وأمر نصيراً المعروف بأبي حمزة بالقصد لقنطرة كان الخائن عملها بالسياج على النهر المعروف بأبي الخصيب، دون الجسرين اللذين اتخدهما عليه، وأمر زيرك بإخراج أصحابه مما يلي دار الجبائي لمحاربة من هناك من الفجرة، وأخرج جمعاً من قوادها مما يلي دار أنكلاي لمحاربتهم أيضاً، فتسرع نصير، فدخل نهر أبي الخصيب في أول المد في عدة من شذواته، فحملها المد فألصقها بالقنطرة، ودخلت عدة من شذوات موالي الموفق وغلمانه ممن لم يكن أمر بالدخول، فحملهم المد فألقاهم على شذوات نصير، فصكت الشذوات بعضها بعضاً؛ حتى لم يكن للاشتيامين والجذافين فيها حيلة ولا عمل. ورأى الزنج ذلك، فاجتمعوا على الشذوات، وأحاطوا بها من جانبي نهر أبي الخصيب، فألقى الجذافون أنفسهم في الماء ذعراً ووجلاً، ودخل الزنج الشذوات ، فقتلوا بعض المقاتلة، وغرق أكثرهم، وحاربهم نصير في شذواته حتى خاف الأسر، فقذف نفسه في الماء فغرق، وأقام الموفق في يومه يحارب الفسقة، وينهب ويحرق منازلهم، ولم يزل باقي يومه مستعلياً عليهم؛ وكان ممن حامى على قصر الخائن يومئذ وثبت في أصحابه سليمان بن جامع، فلم تزل الحرب بين أصحاب الموفق وبينه، وهو مقيم بموضعه لم يزل عنه إلى أن خرج في ظهره كمين من غلمان الموفق السودان، فانهزم لذلك، واتبعه الغلمان يقتلون أصحابه، ويأسرون منهم، وأصابت سليمان في هذا الوقت جراحة في ساقه، فهوى لفيه في موضع؛ قد كان الحريق ناله ببعض جمر فيه، فاحترق بعض جسده، وحامى عليه جماعة من أصحابه، فنجا بعد أن كاد الأسر يحيط به، وانصرف الموفق ظافراً سالماً، وضعفت الفسقة، واشتد خوفهم لما رأوا من إدبار أمرهم، وعرضت لأبي علة من وجع المفاصل؛ فأقام فيهم بقية شعبان وشهر رمضان وأياماً من شوال ممسكاً عن حرب الفاسق. فلما استبل من علته وتماثل، أمر بإعداد ما يحتاج إليه للقاء الفسقة، فتأهب لذلك جميع أصحابه. وفي هذه السنة كانت وفاة عيسى بن الشيخ بن السليل. وفيها لعن ابن طولون المعتمد في دار العامة، وأمر بلعنه على المنابر، وصار جعفر المفوض إلى مسجد الجامع يوم الجمعة، ولعن ابن طولون وعقد لإسحاق ابن كنداج على أعمال ابن طولون، وولي من باب الشماسية إلى إفريقية وولي شرطة الخاصة. وفي شهر رمضان منها كتب أحمد بن طولون إلى أهل الشأم يدعوهم إلى نصر الخليفة، ووجد فيجٌ يريد ابن طولون معه كتب من خليفته، جواب بأخبار، فأخذ جواب فحبس وأخذ له مال ورقيق ودواب. ولإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها عقد جعفر المفوض لصاعد بن مخلد على شهرزور وداباذ والصامغان وحلوان وماسبذان ومهرجا نقذف وأعمال الفرات، وضم إليه قواد موسى بن بغا خلا أحمد بن موسى وكيغلغ وإسحاق بن كنداجيق وأساتكين، فعقد صاعد للؤلؤ على ما عهد له عليه من ذلك المفوض يوم السبت لثمان بقين من شوال، وبعث إلى ابن أبي الساج بعقد من قبله على العمل الذي كان يتولاه، وكان يتولى الأنبار وطريق الفرات ورحبة طوق بن مالك من قبل هارون بن الموفق، وكان شخص إليها في شهر رمضان، فلما ضم ذلك إلى صاعد أقره صاعد على ما كان إليه من ذلك. وفي آخر شوال منها دخل ابن الساج رحبة طوق بن مالك بعد أن حاربه أهلها، فغلبهم وهرب أحمد بن مالك بن طوق إلى الشأم. ثم صار ابن أبي الساج إلى قرقيسياء؛ فدخلها وتنحى عنها ابن صفوان العقيلي. ذكر الخبر عن الوقعة التي كانت بين الموفق وبين الزنجوفي يوم الثلاثاء لعشر خلون من شوال من هذه السنة، كانت بين أبي أحمد وبين الزنج وقعة في مدينة الفاسق أثر فيها آثاراً، وصل بها إلى مراده منها. ذكر السبب في هذه الوقعة وما كان فيها: ذكر محمد بن الحسن أن الخبيث عدو الله كان في مدة اشتغال الموفق بعلته أعاد القنطرة التي كانت شذوات نصير لججت فيها، وزاد فيها ما ظن أنه قد أحكمها، ونصب دونها أدقال ساج وصل بعضها ببعض، وألبسها الحديد، وسكر أمام ذلك سكراً بالحجارة ليضيق المدخل على الشذا، وتحتد جرية الماء في النهر المعروف بأبي الخصيب فيهاب الناس دخوله، فندب الموفق قائدين من قواد غلمانه في أربعة آلاف من الغلمان، وأمرهما أن يأتيا نهر الخصيب؛ فيكون أحدهما في شرقيه والآخر في غربيه؛ حتى يوافيا القنطرة التي أصلحها الفاجر وما عمل في وجهها من السكر فيحاربا أصحاب الخبيث حتى يجلياهم عن القنطرة، وأعد معهما النجارين والفعلة لقطع القطرة والبدود التي كانت جعلت أمامها، وأمر بإعداد سفن محشوة بالقصب المنصوب عليه النفط، لتدخل ذلك النهر المعروف بأبي الخصيب، وتضرم ناراً لتحترق بها القنطرة في وقت المد. فركب الموفق في هذا اليوم في الجيش حتى وافى فوهة نهر أبي الخصيب، وأمر بإخراج المقاتلة في عدة مواضع من أعلى عسكر الخبيث وأسفله، ليشغلهم بذلك عن التعاون على المنع عن القنطرة، وتقدم القائدان في أصحابهما، وتلقاهما أصحاب الخائن من الزنج وغريهم، ويقودهم ابنه أنكلاي وعلي بن المهلبي وسليمان بن جامع، فاشتكت الحرب بين الفريقين، ودامت، وقاتل الفسقة أشد قتال، محاماةً عن القنطرة، وعلموا ما عليهم في قطعها من الضرر، وأن الوصول إلى ما بعدها من الجسرين العظيمين اللذين كان الخبيث اتخذهما على نهر أبي الخصيب سهل مرامه، فكثر القتل والجراح بين الفريقين، واتصلت الحرب إلى وقت صلاة العصر. ثم إن غلمان الموفق أزالوا الفسقة عن القنطرة وجاوزوها، فقطعها النجارون والفعلة، ونقضوها وما كان اتخذ من البدود التي ذكرناها. وكان الفاسق أحكم هذه القنطرة والبدود إحكاماً تعذر على الفعلة والنجارين الإسراع في قطعها، فأمر الموفق عند ذلك بإدخال السفن التي فيها القصب والنفط، وضربها بالنار وإرسالها مع المار؛ ففعل ذلك، فوافت السفن القنطرة فأحرقتها، ووصل النجارون إلى ما أرادوا من قطع البدود فقطعوها، وأمكن أصحاب الشذا دخول النهر فدخلوه، وقوي نشاط الغلمان بدخول الشذا؛ فكشفوا أصحاب الفاجر عن مواقفهم حتى بلغوا بهم الجسر الأول الذي يتلو هذه القنطرة، وقتل من الفجرة خلق كثير، واستأمن فريق منهم؛ فأمر الموفق أن يخلع عليهم في ساعتهم تلك، وأن يوقفوا بحيث يراهم أصحابهم ليرغبوا في مثل ما صاروا إليه؛ وانتهى الغلمان إلى الجسر الأول، وكان ذلك قبيل المغرب، فكر الموفق أن يظلم الليل، والجيش موغل في نهر أبي الخصيب، فيتهيأ للفجرة بذلك انتهاز فرصة، فأمر الناس بالانصراف، فانصرفوا سالمين إلى المدينة الموفقية، وأمر الموفق بالكتاب إلى النواحي بما هيأ الله له من الفتح والظفر؛ ليقرأ بذلك على المنابر، وأمر بإثابة المحسنين من غلمانه على قدر غنائهم وبلائهم وحسن طاعتهم؛ ليزدادوا بذلك جداً واجتهاداً في حرب عدوهم. ففعل ذلك، وعبر الموفق في نفر من مواليه وغلمانه في الشذوات والسميريات وما خف من الزواريق إلى فوهة نهر أبي الخصيب؛ وقد كان الخبيث ضيقها ببرجين عملهما بالحجارة ليضيق المدخل وتحتد الجري، فإذا دخلت الشذا النهر لججت فيه؛ ولم يسهل السبيل إلى إخراجها منه؛ فأمر الموفق بقطع ذينك البرجين، فعمل فيهما نهار ذلك اليوم؛ ثم انصرف العمال وعادوا من غد لاستتمام قلع ما بقي من ذلك؛ فوجدوا الفجرة قد أعادوا ما قلع منهما في ليلتهم تلك؛ فأمر بنصب عرادتين قد كانتا أعدتا في سفينتين، نصبتا حيال نهر أبي الخصيب، وطرحت لهما الأناجر حتى استقرتا؛ ووكل بهما من أصحاب الشذا، وأمر بقطع هذين البرجين، وتقدم إلى أصحاب العرادتين في رمي كل من دنا من أصحاب الفاسق؛ لإعادة شيء من ذلك في ليل أو نهار؛ فتحامى الفجرة الدنو من الموضع، وأحجموا عنه، وألح الموكلون بقلع هذه الحجارة بعد ذلك، حتى استتموا ما أرادوا، واتسع المسلك للشذا في دخول النهر والخروج منه. خبر انتقال صاحب الزنج إلى شرقي نهر أبي الخصيبوفي هذه السنة تحول الفاسق من غربي نهر أبي الخصيب إلى شرقيه وانقطعت عنه الميرة من كل وجهة. ذكر الخبر عن حاله وحال أصحابه وما آل إليه أمرهم عند انتقاله من الجانب الغربي ذكر أن الموفق لما أخرب منازل صاحب الزنج وحرقها، لجأ إلى التحصن في المنازل الواغلة في نهر أبي الخصيب، فنزل منزلاً كان لأحمد بن موسى المعروف بالقلوص، وجمع عياله وولده حوله هناك، ونقل أسواقه إلى السوق القريبة من الموضع الذي اعتصم به؛ وهي سوق كانت تعرف بسوق الحسين، وضعف أمره ضعفاً شديداً وتبين للناس زوال أمره، فتهيبوا جلب الميرة إليه، فانقطعت عنه كل مادة، فبلغ عنده الرطل من خبز البر عشرة دراهم؛ فأكلوا الشعير، ثم أكلوا أصناف الحبوب، ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كانوا يتبعون الناس؛ فإذا خلا أحدهم بامرأة أو صبي أو رجل ذبحه وأكله، ثم صار قوي الزنج يعدو على ضعفهم؛ فكان إذا خلا به ذبحه وأكل لحمه؛ ثم أكلوا لحوم أولادهم، ثم كانوا ينبشون الموتى، فيبيعون أكفانهم ويأكلون لحومهم، وكان لا يعاقب الخبيث أحداً ممن فعل شيئاً من ذلك إلا بالحبس، فإذا تطاول حبسه أطلقه. وذكر أن الفاسق لما هدمت داره وأحرقت، وانتهب ما فيها، وأخرج طريداً سليباً من غربي نهر أبي الخصيب تحول إلى شرقيه، فرأى أبو أحمد أن يخرب عليه الجانب الشرقي لتصير حال الخبيث فيه كحاله في الغربي في الجلاء عنه، فأمر ابنه أبا العباس بالوقوف في جمع من أصحابه في الشذا في نهر أبي الخصيب، وأن يختار من أصحابه وغلمانه جمعاً، يخرجهم في الموضع الذي كانت فيه دار الكرنبائي من شرقي نهر أبي الخصيب، ويخرج معهم الفعلة لهدم كل ما يلقاهم من دور أصحاب الفاجر ومنازلهم، ووقف الموفق على قصر المعروف بالهمذاني - وكان الهمذاني يتولى حياطة هذا الموضع، وهو أحد قادة جيوش الخبيث وقدماء أصحابه - وأمر الموفق جماعة من قواده ومواليه فقصدوا لدار الهمذاني، ومعهم الفعلة؛ وقد كان هذا الموضع محصناً بجمع كثير من أصحاب الخبيث من الزنج وغيرهم، وعليه عرادات ومجانيق منصوبة وقسي ناوكية، فاشتبكت الحرب وكثر القتلى والجراح إلى أن كشف أصحاب الموفق الخبثاء، ووضعوا فيهم السلاح، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وفعل أصحاب أبي العباس مثل ذلك بمن مر بهم من الفسقة. والتقى أصحاب الموفق وأصحاب أبي العباس؛ فكانوا يداً واحدة على الخبثاء، فولوا منهزمين، وانتهوا إلى دار الهمذاني، وقد حصنها ونصب عليها العرادات، وحفها بأعلام بيض من أعلام الفاجر، مكتوب عليها اسمه، فتعذر على أصحاب الموفق تسور هذه الدار لعلو سورها وحصانتها، فوضعوا عليها السلاليم الطوال، فلم تبلغ آخره، فرمى بعض غلمان الموفق بكلاليب كانوا أعدوها، وجعلوا فيها الحبال لمثل هذا الموضع، فأثبتوها في أعلام الفاسق وجذبوها، فانقلبت الأعلام منكوسة من أعلى السور؛ حتى صارت في أيدي أصحاب الموفق، فلم يشك المحامون عن هذه الدار أن أصحاب أبي أحمد قد علوها، فوجلوا فانهزموا، وأسلموها وما حولها، وصعد النفاطون فأحرقوا ما كان عليها من المجانيق والعرادات، وما كان فيها للهمذاني من متاع وأثاث، وأحرقوا ما كان حولها من دور الفجرة، واستنفذوا في هذا اليوم من نساء المسلمين المأسورات عدداً كثيراً، فأمر الموفق بحملهن في الشذا والسميريات والمعابر إلى الموفقية والإحسان إليهن. ولم تزل في هذا اليوم قائمة من أول النهار إلى بعد صلاة العصر، واستأمن يومئذ جماعةٌ من أصحاب الفاسق وجماعة من خاصة غلمانه الذين كانوا في داره يلون خدمته والوقوف على رأسه؛ فآمنهم الموفق وأمر بالإحسان إليهم، وأن يخلع عليهم، ويوصلوا وتجرى لهم الأرزاق، وانصرف الموفق، وأمر أن تنكس أعلام الفاسق في صدور الشذوات ليراها أصحابه، ودلت جماعة من المستأمنة الموفق على سوق عظيمة كانت للخبيث في ظهر دار الهمذاني متصلةً بالجسر الأول المعقود على نهر أبي الخصيب، كان الخبيث سماها المباركة، وأعلموه أنه إن تهيأ له إحراقها لم يبق لهم سوق، وخرج عنهم تجارهم الذين بهم قوامهم؛ واستوحشوا لذلك. واضطروا إلى الخروج في الأمان. فعزم الموفق عند ذلك على قصد هذه السوق وما يليها بالجيوش من ثلاثة أوجه؛ فأمر أبا العباس بقصد جانب من هذه السوق مما يلي الجسر الأول؛ وأمر راشداً مولاه بقصدها مما يلي دار الهمذاني، وأمر قواداً من قواد غلمانه السودان بالقصد لها من نهر أبي شاكر، ففعل كل فريق ما أم به، ونذر الزنج بمسير الجيوش إليهم، فنضهوا في وجوههم، واستعرت الحرب وغلظت، فأمد الفاجر أصحابه. وكان المهلبي وأنكلاي وسليمان بن جامع في جميع أصحابهم بعد أن تكاملوا ووافتهم أمداد الخبيث بهذه السوق يحامون عنها، ويحاربون فيها أشد حرب. وقد كان أصحاب الموفق في أول خروجهم إلى هذا الموضع وصلوا إلى طرف من أطراف هذه السوق، فأضرموه ناراً فاحترق، فاتصلت النار بأكثر السوق، فكان الفريقان يتحاربون والنار محيطة بهم؛ ولقد كان ما علا من ظلال يحترق فيقع على رءوس المقاتلة؛ فربما أحرق بعضهم، وكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس وإقبال الليل. ثم تحاجزوا، وانصرف الموفق وأصحابه إلى سفنهم، ورجع الفسقة إلى طاغيتهم بعد أن احترق السوق، وجلا عنها أهلها ومن كان فيها من تجار عسكر الخائن وسوقتهم، فصاروا في أعلى مدينته بما تخلصوا به من أموالهم وأمتعتهم. وقد كانوا تقدموا في نقل جل تجارتهم وبضائعهم من هذه السوق خوفاً من من مثل الذي نالهم في اليوم الذي أظفر الله فيه الموفق بدار الهمداني وهيأ له إحراق ما أحرق حولها. ثم إن الخبيث فعل في الجانب الشرقي من حفر الخنادق وتعوير الطرق ما كان فعل في الجانب الغربي بعد هذه الوقعة، واحتفر خندقاً عريضاً من حد جوى كور إلى نهر الغربي، وكان أكثر عنايته بتحصين ما بين دار الكرنبائي إلى النهر المعروف بجوى كور؛ لأنه كان في هذا الموضع جل منازل أصحابه ومساكنهم، وكان من حد جوى كور إلى نهر الغربي بساتين ومواضع قد أخلوها، والسور والخندق محيطان بها، وكانت الحرب إذا وقعت في هذا الموضع قصدوا من موضعهم إليه للمحاماة عنه والمنع فيه، فرأى الموفق عند ذلك أن يخرب باقي السور إلى نهر الغربي، ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة. وكان الفاسق في الجانب الشرقي من نهر الغربي في عسكر فيه جمع من الزنج وغيرهم متحصنين بسور منيع وخنادق، وهم أجلد أصحاب الخبيث وشجعانهم، فكانوا عما قرب من سور نهر الغربي؛ وكانوا يخرجون في ظهور أصحاب الموفق في وقت الحرب على جوى كور وما يليه، فأمر الموفق بقصد هذا الموضع ومحاربة من فيه وهدم سوره وإزالة المتحصنين به، فتقدم عند ذلك إلى أبي العباس وعدة من قواد غلمانه ومواليه في التأهب لذلك، ففعلوا ما أمؤروا به، وصار الموفق بمن أعده إلى نهر الغربي، وأمر بالشذا فنظمت من حد النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع المعروف بالدباسين، وخرج المقاتلة على جنبي نهر الغربي، ووضعت السلاليم على السور. وقد كانت لهم عليه عدة عرادات، ونشبت الحرب، ودامت مذول النهار إلى بعد الظهر، وهدم من السور مواضع، وأحرق ما كان عليه من العرادات، وتحاجز الفريقان، وليس لأحدهما فضل على صاحبه إلا ما وصل إليه أصحاب الموفق من هذه المواضع التي هدموها وإحراق العرادات، ونال الفريقين من ألم الجراح أمر غليظ موجع. فانصرف الموفق وجميع أصحابه إلى الموفقية، فأمر بمداواة الجرحى، ووصل كل امرئ على قدر الجراح التي أصابته؛ وعلى ذلك كان أجرى التدبير في جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله الله. وأقام الموفق بعد هذ الوقعة مدة، ثم رأى معادوة هذا الموضع والتشاغل به دون المواضع، لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه وصبرهم، وأنه لا يتهيأ ما يقدر فيما بين الغربي وجوى كور إلا بعد إزالة هؤلاء، فأعد ما يحتاج إليه من آلات الهدم، واستكثر من الفعلة، وانتخب المقاتلة الناشبة والرامحة والسودان أصحاب السيوف، وقصد هذا الموضع على مثل قصده له المرة الأولى، فأخرج الرجالة في المواضع التي رأى إخراجهم فيها، وأدخل عدداً من الشذا النهر، ونشبت الحرب ودامته، وصبر الفسقة أشد صبر، وصير لهم أصحاب الموفق. واستمد الفلسفة طاغيتهم، فوافاهم المهلبي وسليمان بن جامع في جيشهما، فقويت قلوبهم عند ذلك، وحملوا على أصحاب الموفق، وخرج سليمان كميناً مما يلي جوى كور، فأزالوا أصحاب الموفغق حتى انتهوا إلى سفنهم، وقتلوا منهم جماعة وانصرف الموفق ولم يبلغ كل الذي أراد، وتبين أنه قد كان يجب أن يحارب الفسقة من عدة مواضع، ليفرق جمعهم، فيخف وطؤهم على من يقصد لهذا الموضع الصعب، وينال منه ما يجب، فعزم على معاونتهم، وتقدم إلى أبي العباس وغيره من قواده في العبور واختيار أنجاد رجالهم، ووكل مسروراً مولاه بالنهر المعروف بمنكى، وأمره أن يخرج رجاله في ذلك الموضع وما يتصل به من الجبال والنخل، لتشتغل قلوب الفجرة، وليروا أن عليهم تدبيراً من تلك الجهة، وأمر أبا العباس بإخراج أصحابه على جوى كور، ونظم الشذا على هذه الموضع المعروف بالدباسين؛ وهو أسفل نهر الغربي، وصار الموفق إلى نهر الغربي، وأمر قواده وغلمانه أن يخرجوا في أصحابهم فيحاربوا الفسقة في حصنهم ومعقلهم، وألا ينصرفوا عنهم حتى يفتح الله لهم، أو يبلغ إرادته منهم. ووكل بالسور من يهدمه، وتسرع الفسقة كعادتهم، وأطمعهم ما تقدم من الوقعتين اللتين ذكرناهما، فثبت لهم غلمان الموفق، وصدقوهم اللقاء؛ فأنزل الله عليهم نصره، فأزالوا الفسقة عن مواقفهم، وقوى أصحاب الموفق، فحملوا عليهم حملة كشفوهم بها، فانهزموا وخلوا عن حصنهم، وصار في أيدي غلمان الموفق فهدموه، وأحرقوا منازلهم، وغنموا ما كان فيها، واتبعوا المنهزمين منهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا، واستنفذوا من هذا الحصن من النساء المأسورات خلقاً كثيراً، فأمر الموفق بحملهن والإحسان إليهن، وأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم ففعلوا، وانصرف إلى عسكره بالموفقية، وقد بلغ ما حاول من هذا الموضع. ذكر خبر دخول الموفق مدينة صاحب الزنجوفيها دخل الموفق مدينة الفاسق، وأحرق منازله من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب. ذكر الخبر عن سبب وصوله إلى ذلك ذكر أن أبا أحمد لما أراد ذلك بعد هدمه سور داره ذلك، أقلام يصلح المسالك في جنبتي نهر أبي الخصيب وفي قصر الفاسق، ليتسع على المقاتلة الطريق في الدخول والخروج للحرب، وأمر بقلع باب قصر الخبيث الذي كان انتزعه من حصن أروخ بالبصرة، فقلع وحمل إلى مدينة السلام، ثم رأى القصد لقطع الجسر الأول الذي كان على نهر أبي الخصيب، لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضاً عند وقوع الحرب في نواحي عسكرهم، فأمر بإعداد سفينة كبيرة تملأ قصباً قد سقى النفط، وأن ينصب في وسطه السفينة دقل طويل يمعها من مجاوزة الجسر إذا لصقت به، وانتهز الفرصة في غفلة الفسقة وتفرقهم. فلما وجد ذلك في آخر النهار قدّمت السفينة فجرّها الشذا حتى وردت النهر، وأشعل فيها النيران، وأرسلت وقد قوى المدّ، فوافت القنطرة، ونذر الزّنج بها، وتجمعوا وكثروا حتى ستروا الجسر وما يليه، وجعلوا يقذفون السفينة بالحجارة والآجرّ، ويهيلون عليها التراب، ويصبّون الماء، وغاص بعضهم فنقبها؛ وقد كانت أحرقت من الجسر شيئاً يسيراً، فأطفأه الفسقة، وغرّقوا السفينة وحازوها؛ فصارت في أيديهم. فلما رأى أبو أحمد فعلهم ذلك، عزم على مجاهدتهم على هذا الجسر حتى يقطعه، فسمى لذلك قائدين من قوّاد غلمانه، وأمرهما بالعبور في جميع أصحابهما في السلاح الشاك والّلأمة الحصينة والآلات المحكمة، وإعداد النفاطين والآلات التي تقطع بها الجسور، فأمر أحد القائدين أن يقصد غربيّ النهر، وجعل الآخر في شرقيّه، وركب الوفق في مواليه وخدّامه وغلمانه الشذّوات والسّميريّات، وقصد فوّهة نهر أبي الخصيب؛ وذلك في غداة يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شوّال سنة تسع وستين ومائتين، فسبق إلى الجسر القائد الذي كان أمر بالقصد له من غربيّ نهر أبي الخصيب، فأوقع بمن كان موكّلاً به من أصحاب الفاسق، وقتلت منهم جماعة، وضرب الجسر بالنار وطرح عليه القصب وما كان أعدّ له من الأشياء المحرقة، فانكشف من كان هنالك من أعوان الخبيث، ووافى بعد ذلك من كان أمر بالقصد للجسر من الجانب الشرقيّ، ففعلوا ما أمروا به من إحراقه. وقد كان الخبيث أمر ابنه أنكلاي وسليمان بن جامع بالمقام في جيشهما للمحاماة عن الجسر، والمنع من قطعه؛ ففعلا ذلك، فقصد إليهما من كان بإزائهما، وحاربوهم حرباً غليظاً حتى انكشفا، وتمكنوا من إحراق الجسر فأحرقوه، وتجاوزوه إلى الحظيرة التي كان يعمل فيها شذوات الفاسق وسميريّاته وجميع الآلات التي كان يحارب بها، فأحرق ذلك عن آخره إلا شيئاً يسيراً من الشذّوات والسميريات كان في النهر، وانهزم أنكلاي وسليمان بن جامع، والنتهى غلمان إلى سجن كان للخبيث في غربيّ نهر أبي الخصيب، فحامى عنه الزّنج ساعة من النهار حتى أخرجوا منه جماعة، وغلبهم عليه غلمان الموفقّ، فتخلّصوا من كان فيه من الرجال والنساء، وتجاوز من كان في الجانب الشرقيّ من غلمان الوفق، بعد أن أحرقوا ما ولّوا من الجسر إلى الموضع المعروف بدار مصلح؛ وهو من قدماء قوّاد الفاسق، فدخلوا داره وأنهبوا، وسبوا ولده ونساءه، وأحرقوا ما تهيأ لهم إحراقه في طريقهم، وبقيت من الجسر في وسط منه أدقال قد كان الخبيث أحكمها، فأمر الموفق أبا العباس بتقديم عدّة من الشّذا إلى ذلك الموضع، ففعل ذلك؛ فكان فيمن تقدّم زيرك في عدد من أصحابه، فوافى هذه الأدقال، وأخرجوا إليها قد كانوا أعدّوهم لها معهم الفئوس والمناشير، ودخلت شذوات الموفق النهر، وسار القائدان في جميع أصحابعهما على حافتيه فهزم أصحاب الفاجر في الجانبين، وانصرف الموفق وجميع أصحابه سالمين، واستنقذ خلق كثير. وأتى الموفق بعدد كثير من رءوس الفسقة، فأثاب من أتاه بها، وأحسن إليه ووصله. وكان انصرافه في هذا اليوم على ثلاث ساعلت من النهار، بعد أن انحاز الفاسق وجميع أصحابه من الزنج وغيرهم إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، وأخلوا غربيه، واحتوى عليه أصحاب الموفق، فهدموا ما كان يعوق عن محاربة الفجرة من قصور الفاسق وقصور أصحابه، ووسعوا مخترقات ضيقة كانت على نهر أبي الخصيب، فكان ذلك مما زاد في رعب أصحاب الخائن. ومال جميع كثير من قواده وأصحابه الذين كان يرى أنهم يقارقونه إلى طلب الأمان، فبذل ذلك لهم، فخرجوا أرسالاً، فقبلوا، وأحسن إليهم وألحقوا بنظرائهم في الأرزاق والصلات والخلع. ثم إن الموفق واظب على ادخال الشذا النهر، وتقحمه في غلمانه، وأمر بإحراق ما على حافتيه من منازل الفجرة وما في بطنه من السفن، وأحب تمرين أصحابه على دخول النهر وتسهيل سلوكه لهم لما كان يقدر من إحراق الجسر الثاني، والتوصل إلى أقصى مواضع الفجرة. فبينا الموفق في بعض أيامه - التي ألح فيها على حرب الخبيث وولوج نهر أبي الخصيب - واقف في موضع من النهر؛ وذلك في يوم الجمعة، إذ استأمن إليه رجل من أصحاب الفاجر، وأتاه بمنبر كان للخبيث في الجانب الغربي، فأمره بنقله إليه، ومعه قاض كان للخبيث في مدينته؛ فكان ذلك مما فت في أعضادهم؛ وكان الخبثث جمع ما كان بقي له من السفن البحرية وغيرها، فجعلها عند الجسر الثاني، وجمع قواده وأصحابه وأنجاد رجاله هنالك؛ فأمر الموفق بعض غلمانه بالدنو من الجسر وإحراق ما تهيأ إحراقه من المراكب البحريه التي تليه، وأخذ ما أمكن أخذه منها، ففعل ذلك المأمورون به من الغلمان، فزاد فعلهم في تحرز الفاجر ومحاماته عن الجسر الثاني، فألزم نفسه ووجميع أصحابه حفظه وحراسته خوفاً من أن تتهيأ حيلة، فيخرج الجانب الغربي عن يده، ويوطئه أصحاب الموفق، فيكون ذلك سبباً ستئصاله، فأقام الموفق بعد إحراق الجسر الأول أياماً يعبر بجمع بعد جمع من غلمانه إلى الجانب الغربي من نهر أبي الخصيب، فيحرقون ما بقي من منازل الفجرة، ويقربون من الجسر الثاني فيحاربهم عليه الزنج. وقد كان تخلف منهم جمع في منازلهم في الجانب الغربي المقاربة للجسر الثاني، وكان غلمان الموفق يأتون هذا الموضع ويقفون على الطرق والمسالك التي كانت تخفي عليهم من عسكر الخبيث، فلما وقف الموفق على معرفة غلمانه وأصحابه بهذه الطريق واهتدائهم لسلوكها، عزم على القصد لإحراق الجسر الثاني ليحوز الجانب الغربي من عسكر الخبيث، وليتهيأ لأصحابه مساواتهم على أرض واحدة، لا يكون بينهما فيها حائل غير نهر أبي الخصيب، فأمر الموفق عند ذلك أبا العباس بقصد الجانب الغربي في أصحابه وغلمانه، وذلك في يوم السبت لثمان بقين من شوال سنة تسع وستين ومائتين، وتقدم إليه أن يجعل خروجه بأصحابه في موضع البناء الذي كان الفاجر سماه مسجد الجامع، وأن يأخذ الشارع المؤدي إلى الموضع الذي كان الخبيث اتخذه مصلى يحضره في أعياده؛ فإذا انتهى إلى موضع المصلى عطف منه إلى الجبل المعروف بجبل المكتنى بأبي عمرو أخي المهلبي، وضم إليه من قواد غلمانه الفرسان والرجالة زهاء عشرة آلاف، وأمره أن يرتب زيرك صاحب مقدمته في أصحابه في صحراء المصلى، ليأمن خروج كمين إن كان للفسقة من ذلك الموضع، وأمر جماعة من قواد الغلمان أن يتفرقوا في الجبال التي فيها بين الجبل المعروف بالمكتنى بأبي عمرو وبين الجبل المعروف بالمكتنى أبا مقاتل الزنجي، حتى توافوا جميعاً من هذه الجبال موضع الجسر الثاني في نهر أبي الخصيب، وتقدم إلى جماعة من الغلمان المضمومين إلى أبي العباس أن يخرجوا في أصحابهم بين دار الفاسق ودار ابنه أنكلاي، فيكون مسيرهم على شاطئ نهر أبي الخصيب وما قاربه؛ ليتصلوا بأوائل الغلمان الذين يأتون على الجبال، ويكون قصد الجميع إلى الجسر. وأمرهم بحمل الآلات من المعول والفؤوس والمناشير مع جمع من النفاطين لقطع ما يتهيأ قطعه، وإحراق ما يتهيأ إحراقه، وأمر راشداً موه بقصد الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب في مثل العدة التي كانت مع أبي العباس وقصد الجسر ومحاربة من يدافع عنه، ودخل أبو أحمد نهر أبي الخصيب في الشذا، وقد أعد منها شذوات رتب فيها من أنجاد غلمانه الناشبة والرامحة من ارتضاه، وأعد معهم من اآلات التي يقطع بها الجسر ما يحتاج إليه لذلك؛ وقدمهم أمامه في نهر أبي الخصيب، واشتبكت الحرب في الجانبين جميعاً بين الفريقين، واشتد القتال. وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ومن معه أنكلاي ابن الفاسق في جيشه، وسليمان بن جامع في جيشه، وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد ومن معه الفاجر صاحب الزنج والمهلبي في باقي جيشهم، فكانت الحرب في ذلك اليوم إلى مقدار ثث ساعات من النهار. ثم انهزمت الفسقة لا يلوون على شئ، وأخذت السيوف منهم مأخذها، وأخذ من رءوس الفسقة ما لم يقع عليه إحصاء لكثرته؛ فكان الموفق إذا أتى برأس من الرءوس أمر بإلقائه في نهر أبي الخصيب، ليدع المقاتلة الشغل بالرءوس، ويجدوا في اتباع عدوهم، وأمر أصحاب الشذا الذين رتبهم في نهر أبي الخصيب بالدنو من الجسر وإحراقه، ودفع من تحامى عنه من الزنج بالسهام؛ ففعلوا ذلك وأضرموا الجسر ناراً، ووافى أنكلاي وسليمان في ذلك الوقت جريحين مهزومين، يريدان العبور إلى شرقي نهر أإبي الخصيب، فحالت النار بينهما وبين الجسر، فألقوا أنفسهما ومن كان معهما من حماتهم في نهر أبي الخصيب، فغرق منهم خلق كثير وأفلت أنكلاى وسليمان بعد أن أشفيا على الهك، واجتمع على الجسر من الجانبين خلق كثير، فقطع عد أن ألقيت عليه سفينة مملوءة قصباً مضروماً بالنار فأعانت على قطعه وإحراقه، وتفرق الجيش في نواحي مدينة الخبيث من الجانبين جميعاً، فأحرقوا من دروهم وقصورهم وأسواقهم شيئاً كثيراً، واستنفذوا من النساء المأسورات والأطفال ما لا يحصى عدده، وأمر الموفق المقاتلة بحملهم في سفنهم والعبور إلى الموفقية. وقد كان الفاجر سكن بعد إحراق قصره منازلة الدار المعروفة بأحمد بن موسى القلوص الدار المعروفة بمالك ابن أخت القلوص؛ فقصد جماعة من غلمان الموفق المواضع التي كان الخبيث يسكنها فدخلوها، وأحرقوا منها مواضع، وانتهبوا منها ما كان سلم للفاسق من الحريق الأول، وهرب الخبيث ولم يرقف في ذلك اليوم على مواضع أمواله، واستنفذ في هذا اليوم نسوة علويات كن محتبسات في موضع قريب من داره التي كان يسكنها، فأمر الموفق بحملهن إلى عسكره، وأحسن إليهن، ووصلهن، وقصد جماعة من غلمان الموفق من المستأمنة المضمومين إلى أبي العباس سجناً كان الفاسق اتخذه في الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، ففتحوه وأخرجوا منه خلقاً كثيراً ممن كان أسر من العساكر التي كانت تحارب الفاسق وأصحابه، ومن سائر الناس غيرهم. فأخرج جميعهم في قيودهم وأغلالهم حتى أتى بهم الموفق، فأمر بفك الحديد عنهم وحملهم عنهم إلى الموفقية، وأخرج في ذلك اليوةم كل ما كان بقي في نهر أبي الخصيب من شذاً ومراكب بحرية وسفن صغار وكبار وحراقات وزلات وغير ذلك من أصناف السفن من النهر إلى دجلة، وأباحها الموفق أصحابه وغلمانه مع ما فيها من السلب والنهب الذي حازوا في ذلك اليوم من عسكر الخبيث، وكان ذلك قدر جليل وخطر عظيم. وفيها كان إحدار المعتمد إلى واسط، فسار في ذي القعدة وأنزل دار زيرك. وفيها سأل أنكلاي ابن الفاسق أبا أحمد الموفق الأمان، وأرسل إليه في ذلك رسولاً وسأل أشياء فأجابه الموفق إلى كل ما سأله، ورد إليه رسوله، وعرض للموفق بعقب ذلك ما شغله عن الحرب. وعلم الفاسق أبو أنكلاي بما كان من ابنه فعذله - فيما ذكر - على ذلك، حتى ثناه عن رأيه في طلب الأمان، فعاد للجد في قتال أصحاب الموفق، ومباشرة الحرب نفسه. ذكر طلب رؤساء صاحب الزنج الأمان وفيها وجه أيضاً سليمان بن موسى الشعراني - وهو أحد رؤساء أصحاب الفاسق - من يطلل الأمان له من أبي أحمد، فمنعه أبو أحمد ذلك، لما كان سلف منه من العبث وسفك الدماء، ثم اتصل به أن جماعة من أصحاب الخبيث قد استوحشوا لمنعه ذلك الشعراني، فأجابه أبو أحمد إلى إعطائه الأمان؛ استصلاحاً بذلك غيره من أصحاب الفاسق، وأمر بتوجيه الشذا إلى الموضع الذي واعدهم الشعراني، ففعل ذلك، فخرج الشعراني وأخوه وجماعة من قواده، فحملهم في الشذا، وقد كان الخبيث حرس به مؤخر نهر أبي الخصيب، فحمله أبو العباس إلى الموفق، فمن عليه، ووفى له بأمانه، وأمر به فوصل ووصل أصحابه، وخلع عليهم، وحمل على عدة أفراس بسروجها وآلتها، ونزله وأصحابه أنزالاً سنية، وضمه وإياهم إلى أبي العباس، وجعله في جملة أصحابه، وأمره بإظهاره في الشذا لأصحاب الخائن ليزدادوا ثقة بأمانه؛ فلم يبرح الشذا من موضعها من نهر أبي الخصيب حتى استأمن من جمع كثير من قواد الزنج وغيرهم، فحملوا إلى أبي أحمد، فوصلهم وألحقهم في الخلع والجوائز بمن تقدمهم. ولما استأمن الشعراني اختل ما كان الخبيث يضبط به من مؤخره عسكره، ووهي أمره وضعف؛ فقلد الخبيث ما كان إلى الشعراني من حفظ ذلك شبل بن سالم، وأنزله مؤخر نهر أبي الخصيب، فلم يمس الموفق من اليوم الذي أظهر فيه الشعراني لأصحاب الخبيث حتى وافاه رسول شبل بن سالم يطلب الأمان، ويسأل أن يرقف شذوات عند دار ابن سمعان؛ ليكون قصده فيمن يصحبه من قواده ورجاله في الليل إليها. فأعطى الأمان، ورد إليه رسوله، ووقفت له الشذا في الموضع الذي سأل أن توقف له؛ فوافاها في آخر الليل ومعه عياله وولده وجماعة من قواده ورجاله، وشهر أصحابه سلاحهم؛ وتلقاهم قوم من الزنج قد كان الخبيث وجههم لمنعه من المصير إلى الشذا. وقد كان خبره انتهى إليه، فحاربهم شبل وأصحابه، وقتلوا منهم نفراً؛ فصاروا إلى الشذا سالمين، فصيرهم بهم إلى قصر الموفق بالموفقية، فوافاه وقد ابتلج الصبح؛ فأمر الموفق أن يوصل شبل بصلة جزيلة، وخلع عليه خلعاً كثيرة، وحمله على عدة أفراس بسروجها ولجمها. وكان شبل هذا من عدد الخبيث وقدماء أصحابه وذي الغناء والبلاء في نصرته، ووصل أصحاب شبل، وخلع عليهم، وأسنيت له ولهم الأرزاق والأنزال، وضموا جميعاً إلى قائد من قواد غلمان الموفق، ووجه به وبأصحابه في الشذا، فوقفوا بحيث يراهم الخبيث وأشياعه. فعظم ذلك على الفاسق وأوليائه، لما رأو من رغبة رؤسائهم في اغتنام الأمان، وتبين الموفق من مناصحة شبل وجودة فهمه ما دعاه إلى أن يستكفيه بعض الأمورالتي يكيد بها الخبيث؛ فأمره بتبيت عسكر الخبيث في جمع أمر بضمهم إليه من أبطال الزنج المستأمنة، وأفرده وإياهم بما أمرهم به من البيات، لعلمهم بالمسالك في عسكر الخبيث. فنفذ شبل لما أمر به، فقصد موضعاً كان عرفه، فكسبه في السحر، فوافى به جمعاً كثيفاً من الزنج في عدة، من قوادهم وحماتهم، قد كان الخبيث رتبهم في الدفع عن الدار المعروفة بأبي عيسى، وهي منزل الخبيث حينئذ، فأوقع بهم وهم غارون، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر جمعاً من قواد الزنج، وأخذ لهم سلاحاً كثيراً، وانصرف ومن كان معه سالمين، فأتى بهم الموفق، فأحسن جائزتهم، وخلع عليهم، وسور جماعة منهم. ولما أوقع أصحاب شبل بأصحاب الخائن هذه الوقعة ذعرهم ذلك ذعراً شديداً، وأخافهم ومنعهم النوم، فكانوا يتحارسون في كل ليلة، ولا تزال النفرة تقع في عسكرهم لما استشعروا من الخوف، ووصل إلى قلوبهم من الوحشة؛ حتى لقد كان ضجيجهم وتحارسهم يسمع بالموفقية. ثم أقام الموفق بعد ذلك ينفذ السرايا إلى الخبثة ليلاً ونهاراً من جانبي نهر أبي الخصيب، ويكدهم بالحرب، ويسهر ليلهم، ويحول بينهم وبين طلب أقواتهم، وأصحابه في ذلك يتعرفون المسالك، ويتدربون بالوغول في مدينة الخبيث وتقحمها، ويصرون من ذلك على ما كانت الهيبة تحول بينهم وبينه؛ حتى إذا ظن الموفق أن قد بلغ أصحابه ما كانوا يحتاجون إليه، صح عزمه على العبور إلى محاربة الفاسق في الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، فجلس مجلساً عاماً، وأمر بإحضار قواد المستأمنة ووجوه فرسانهم ورجالتهم من الزنج والبيضان، فأدخلوا إليه، ووقفوا بحيث يسمعون كمه. ثم خاطبهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم، وما كان الفاسق دين لهم من معاصي الله؛ وأن ذلك قد كان أباح له دماءهم، وأنه قد غفر له الزلة، وعفا عن الهفوة، وبذل الأمان، وعاد على من لجأ إليه بفضله، فأجزل الصلات، وأسنى الأرزاق، وألحقهم بالأولياء وأهل الطاعة؛ وأن ما كان منه من ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته؛ وأنهم لن يأتوا شيئاً يتعرضون به لطاعة ربهم والاستدعاء لرضا سلطانهم، أولى بهم من الجد والاجتهاد في مجاهدة عدو الله الخائن وأصحابه، وأنهم من الخبرة بمسالك عسكر الخبيث ومضايق طرق مدينته والمعاقل التي أعدها للهرب إليها على ما ليس عليه غيرهم؛ فهم أحرياء أن يمحضوه نصيحتهم ويجتهدوا في الولوج على الخبيث، والتوغل إليه في حصوته، حتى يمكنهم الله منه ومن أشياعه؛ فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد، وإن من قصر منهم استدعى من سلطانه إسقاط حاله وتصغير منزلته، ووضع مرتبته. فارتفعت أصواتهم جميعاً بالدعاء للوفق والإقرار بإحسانه. وبما هم عليه من صحة الضمائر في السمع والطاعة والجد في مجاهدة عدوه، وبذل دمائهم ومهجهم في كل ما يقر بهم منه، وأن ما دعاهم إليه قد قوى نيتهم، ودلهم على ثقته بهم وإحلاله إياهم محل أوليائه، وسألوه أن يفردهم بناحية يحاربون فيها، فيظهر من حسن نياتهم ونكايتهم في العدو ما يعرف به إخلاصهم وتورعهم عما كانوا عليه من جهلهم فأجابهم الموفق إلى ما سألوا، وعرفهم حسن موقع ما ظهر له من طاعتهم، وخرجوا من عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول وجميل الوعد. خبر دخول الموفق مدينة صاحب الزنج وتخريب دارهوفي ذي القعدة من هذه السنة دخل الموفق مدينة الفاسق بالجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب فخرب داره، وانتهب ما كان فيها. ذكر الخبر عن هذه الوقعة ذكر أن أبا أحمد لما عزم على الهجوم على الفاسق في مدينته بالجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، أمر بجمع السفن والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره؛ إذ كان ما في عسكره مقصراً عن الجيش لكثرته، وأحصى ما في الشذا والسميريات والرقيات التي كانت تعبر فيها الخيل، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح، ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة، سوى سفن أهل العسكر التي يحمل فيها الميرة، ويركبها الناس في حوائجهم، وسوى ما كان لكل قائد ومن يحضر من أصحابه من السميريات والجريبيات والزواريق التي فيها الملاحون الراتبة، فلما تكاملت له السفن والمعابر، ورضى عددها، تقدم إلى أبي العباس وإلى قواد مواليه وغلمانه في التأهب والاستعداد للقاء عدوهم، وأمر بتفرقة السفن والمعابر إلى حمل الخيل والرجالة، وتقدم إلى أبي العباس في أن يكون خروجه في جيشه في الجانب الغري من نهر أبي الخصيب، وضم إليه قواداً من قواد غلمانه في زهاء ثمانية آلاف من أصحابهم، وأمره أن يعمد مؤخر عسكر الفاسق حتى يتجاوز دار المعروف بالمهلبي، وقد كان الخبيث حصنها وأسكن بقربها خلقاً كثيراً من أصحابه؛ ليأمن على مؤخر عسكره، وليصعب على من يقصده المسلك إلى هذا الموضع. فأمر أبو أحمد أبا العباس بالعبور بأصحابه إلى الجانب الغربي من نهر أبي الخصيب، وأن يأتي هذه الناحية من ورائها، وأمر راشداً مولاه بالخروج في الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب في عدد كثير من الفرسان والرجالة زهاء عشرين ألفاً، وأمر بعضهم بالخروج في ركن دار المعروف بالكرنبائي كاتب المهلبي، وهي على قرنة نهر أبي الخصيب في الجانب الشرقي منه، وأمرهم أن يجعلوا مسيرهم على شاطئ النهر حتى يوافوا الدار التي نزلها الخبيث، وهي الدار المعروفة بأبي عيسى. وأمر فريقاً من غلمانه بالخروج على فوهة النهر المعروف بأبي شاكر، وهو أسفل من نهر أبي الخصيب، وأمر آخرين منهم بالخروج في أصحابهم على فوهة النهر المعروف بجوى كور، وأوعز إلى الجميع في تقديم الرجالة أمام الفرسان، وأن يزحفوا بجميعهم نحو الخائن؛ فإن أظفرهم الله به وبمن فيها من أهله وولده وإلا قصدوا دار المهلبي ليلقاهم هناك من أمر العبور مع أبي العباس، فتكون أيديهم يداً واحدة على الفسقة. فعمل أبو العباس وراشد وسائر قواد الموالي والغلمان بما أمروا به، فظهروا جميعاً، وأبرزوا سفنهم في عشية يوم الاثنين لسبع ليال خلون من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين، وسار الفرسان يتلو بعضهم بعضاً، ومشت الرجالة وسارت السفن في دجلة منذ صلاة الظهر من يوم الاثنين إلى آخر وقت عشاء اخرة من ليلة الثلاثاء، فانتهوا إلى موضع من أسفل العسكر؛ وكان الموفق أمر بإصلاحه وتنظيفه وتنقية ما فيه من خراب ودغل، وطم سواقيه وأنهاره حتى استوى واتسع، وبعدت أقطاره. واتخذ فيه قصراً وميداناً لعرض الرجال والخيل بإزاء قصر الفاسق، وكان غرضه في ذلك إبطال ما كان الخبيث يعد به أصحابه من سرعة انتقاله عن موضعه؛ فأراد أن يعلم الفريقين أنه غير راحل حتى يحكم الله بينه وبين عدوه؛ فبات الجيش ليلة الثلاثاء في هذا الموضع بإزاء عسكر الفاسق؛ وكان الجميع زهاء خمسين ألف رجل من الفرسان والرجالة في أحسن زي وأكمل هيئة، وجعلوا يكبرون ويهللون، ويقرءون القرآن، ويصلون، ويوقدون النار. فرأى الخبيث من كثرة الجمع والعدة والعدد ما بهر عقله وعقول أصحابه؛ وركب الموفق في عشية يوم الاثنين الشذا، وهي يومئذ مائة وخمسون شذاة قد شحنها بأنجاد غلمانه ومواليه الناشبة والرامحة، ونظمها من أول عسكر الخائن إلى آخره؛ لتكون حصناً للجيش من ورائه، وطرحت أناجرها بحيث تقرب من الشط، وأفرد منها شذوات اختارها لنفسه، ورتب فيها من خاصة قواد غلمانه ليكونوا معه عند تقحمه نهر أبي الخصيب؛ وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة آلاف، وأمرهم أن يسيروا على جانبي نهر أبي الخصيب بمسيره، ويقفوا بوقوفه، ويتصرفوا فيما رأى أن يصرفهم فيه في وقت الحرب. وغدا الموفق يوم الثلاثاء لقتال الفاسق صاحب الزنج، وتوجه كل رئيس من رؤساء قواده نحو الموضع الذي أمر بقصده، وزحف الجيش نحو الفاسق وأصحابه، فتلقاهم الخبيث في جيشه، واشتبكت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين، وحامى الفسقة عما كانوا اقتصروا عليه من مدينتهم أشد محاماة، واستماتوا، وصبر أصحاب الموفق، وصدقوا القتال؛ فمن الله عليهم بالنصر، وهزم الفسقة، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا من مقاتلتهم وأنجادهم جمعاً كثيراً. وأتي الموفق بالأسارى، فأمر بهم فضربت أعناقهم في المعركة، وقصد بجمعه لدار الفاجر فوافاها، وقد لجأ الخبيث إليها، وجمع أنجاج أصحابه للمدافعة عنها؛ فلما لم يغنوا عنها شيئاً أسلمها، وتفرق أصحابه عنها، ودخلها غلمان الموفق، وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وأثاثه؛ فانتبهوا ذلك كله، وأخذوا حرمه وولده الذكور والإناث؛ وكانوا أكثر من مائة بين امرأة وصبي، وتخلص الفاسق ومضى هارباً نحو دار المهلبي، لا يلوى على أهل ولا مال، وأحرقت داره وما بقي فيها من متاع وأثاث، وأتي الموفق بنساء الخبيث وأولاده، فأمر بحملهم إلى الموفقية والتوكيل بهم، والإحسان إليهم. وكان جماعة من قواد أبي العباس عبروا نهر أبي الخصيب، وقصدوا الموضع الذي أمروا بقصده من دار المهلبي، ولم ينتظروا إلحاق أصحابهم بهم، فوافوا دار المهلبي، وقد لجأ إليها أكثر الزنج بعد انكشافهم عن دار الخبيث؛ المهلبي من حرم المسلمين وأولاده منهن، وجعل كل من ظفر بشيء انصرف به إلى سفينته في نهر أبي الخصيب. وتبين الزنج قلة من بقي منهم وتشاغلهم بالنهب، فخرجوا عليهم من عدة مواضع قد كانوا كمنوا فيها، فأزالوهم عن مواضعهم؛ فانكشفوا، وأتبعهم الزنج حتى وافوا نهر أبي الخصيب وقتلوا من فرسانهم ورجالتهم جماعةً يسيرة، وارتجعوا بعض ما كانوا من النساء والمتاع. وكان فريق من غلمان الموفق وأصحابه الذين قصدوا دار الخبيث في شرقي نهر أبي الخصيب تشاغلوا بالنهب وحمل الغنائم إلى سفنهم؛ فأطمع ذلك الزنج فيهم، فأكبوا عليهم، فكشفوهم واتبعوا آثارهم إلى الموضع المعروف بسوق الغنم من عسكر الزنج، فثبتت جماعة من قواد الغلمان في أنجاد أصحابهم وشجعانهم، فردوا وجوه الزنج حتى ثاب الناس، وتراجعوا إلى مواقفهم، ودامت الحرب بينهم إلى وقت صلاة العصر فأمر أبو أحمد عند ذلك غلمانه أن يحملوا على الفسقة بأجمعهم حملةً صادقة، ففعلوا ذلك، فانهزم الزنج وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى دار الخبييث؛ فرأى الموفق عند ذلك أن يصرف غلمانه وأصحابه على إحسانهم، فأمرهم بالرجوع، فانصرفوا على هدر وسكون؛ فأقام الموفق في النهر ومن معه في الشذا يحميهم؛ حتى دخلوا سفنهم، وأدخلوها خيلهم، وأحجم الزنج عن اتباعهم لما نالهم في آخر الوقعة. وانصرف الموفق ومعه أبو العباس وسائر قواده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق، واستنقذوا جمعاً من النساء اللواتي كان غلب عليهن من حرم المسلمين كثيراً، جعلن يخرجن في ذلك اليوم أرسالاً إلى فوهة نهر أبي الخصيب، فيحملن في السفن إلى الموفقية إلى انقضاء الحرب. وكان الموفق تقدم إلى أبي العباس في هذا اليوم أن ينفذ قائداً من قواده في خمس شذوات إلى مؤخر عسكر الخبيث بنهر أبي الخصيب، لإحراق بيادر ثم جليل قدرها، كان الخبيث يقوت أصحابه منها من الزنج وغيرهم، ففعل ذلك وأحرق أكثره. وكان إحراق ذلك من أقوى الأشياء على ادخال الضعف على الفاسق وأصحابه، إذ لم يكن لهم معول في قوتهم غيره؛ فأمر أبو أحمد بالكتاب بما تهيأ له على الخبيث وأصحابه في هذا اليوم إلى الآفاق ليقرأ على الناس، ففعل ذلك. وفي يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي الحجة من هذه السنة وافى عسكر أبي أحمد صاعد بن مخلد كاتبه منصرفاً إليه من سامرا، ووافى معه بجيش كثيف قيل إن عدد الفرسان والرجال الذين قدموا كان زهاء عشرة آلاف، فأمر الموفق بإراحة أصحابه وتجديد أسلحتهم وإصلاح أمورهم؛ وأمرهم بالتأهب لمحاربة الخبيث. فأقام أياماً بعد قدومه لما أمر به. فهم في ذلك من أمرهم؛ إذ ورد كتاب لؤلؤ صاحب ابن طولون مع بعض قواده، يسأله فيه الإذن له في القدوم عليه؛ ليشهد عليه حرب الفاسق. فأجابه إلى ذلك، فأذن له في القدوم، وأخر ما كان عزم عليه من مناجرة الفاجر انتظاراً منه قدوم لؤلؤ؛ وكان لؤلؤ مقيماً بالرقة في جيش عظيم من الفراغنة والأتراك والروم والبربر والسودان وغيرهم، من نخبة أصحاب ابن طولون؛ فلما ورد على لؤلؤ كتاب أبي أحمد بالإذن له في القدوم عليه، شخص من ديار مضر حتى ورد مدينة السلام في جميع أصحابه، وأقام بها مدة، ثم شخص إلى أبي أحمد فوافاه بعسكره يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبعين ومائتين، فجلس له ابو أحمد، وحضر ابنه أبو العباس وصاعد والقواد على مراتبهم؛ فأدخل عليه لؤلؤ في زي حسن، فأمر أبو العباس أن ينزل معسكراً كان أعد بإزاء نهر أبي الخصيب، فنزله في أصحابه، وتقدم إليه في مباكرة المصير إلى دار الموفق، ومعه قواده وأصحابه للسلام عليه. فغدا لؤلؤ يوم الجمعة لثلاث خلون من المحرم، وأصحابه معه في السواد، فوصل إلى الموفق وسلّم عليه فقربه وأدناه، ووعده وأصحابه خيراً، وأمر أن يخلع عليع وعلى خمسين ومائة قائد من قواده، وحمله على خيل كثيرة بالسروج واللجم المحلاة بالذهب والفضة، وحمل بين يديه من أصناف الكسي والأموال في البدور، ما يحمله مائة غلام؛ وأمر لقواده من الصلات والحملان والكسي على قدر محل كل إنسان منهم عنده، وأقطعة ضياعاً جليلة القدر، وصرفه إلى عسكره بإزاء نهر أبي الخصيب بأجمل حال، وأعدت له ولأصحابه الأنزال والعلوفات، وأمره برفع جرائد لأصحابه بمبلغ أرزاقهم على مراتبهم؛ فرفع ذلك؛ فأمر لكل إنسان منهم بالضعف مما كان يجري له وأمر لهم بالعطاء عند رفع الجرائد، ووفوا ما رسم لهم. ثم تقدم إلى لؤلؤ في التأهب والاستعداد للعبور إلى غربي دجلة لمحاربة الفاسق وأصحابه؛ وكان الخبيث لما غلب على نهر أبي الخصيب، وقطعت القناطر والجسور التي كانت عليه أحدث سكراً في النهر من جانبيه، وجعل في وسط السكر باباً ضيقاً ليحتد فيه جرية الماء، فيمتنع الشذا من دخوله في الجزر، ويتعذر خروجها منه في المد، فرأى أبو أحمد أن حربه لا تتهيأ له إلا بقلع هذا السكر، فحاول ذلك، فاشتدت محاماة الفسقة عنه، وجعلوا يزيدون فيه في كل يوم وليلة، وهو متوسط دورهم، والمؤونة لذلك تسهل عليهم وتغلظ على من حاول قلعه. فرأى أبو أحمد أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ، ليضروا لمحاربة الزنج، ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم، فأمر لؤلؤاً أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر، وأمر بإحضار الفعلة لقلعه، ففعل. فرأى الموفق من نجدة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم الجراح وثبات العدة اليسيرة منهم، في وجوه الجمع الكثير من الزنج ما سره. فأمر لؤلؤاً بصرف أصحابه إشفاقاً عليهم، وضناً بهم، فوصلهم الموفق، وأحسن إليهم، وردهم إلى معسكرهم، وألح الموفق على هذا السكر؛ فكان يحارب المحامين عنه من أصحاب الخبيث بأصحاب لؤلؤ وغيرهم، والفعلة يعلمون في قلعه، ويحارب الفاجر وأشياعه من عدة وجوه، فيحرق مساكنهم، ويقتل مقاتلتهم، ويستأمن إليه الجماعة من رؤسائهم. وكانت قد بقيت للخبيث وأصحابه أرضون من ناحية نهر الغربي، كان لهم فهيها مزارع وخضر وقنطرتان على هر الغربي، يعبرون عليها إلى هذه الأرضين، فوقف أبو العباس على ذلك فقصد لتلك الناحية، واستأذن الموفق في ذلك، فأذن له، وأمره باختيار الرجال، وأن يجعلهم شجعاء أصحابه وغلمانه؛ ففعل أبو العباس ذلك، وتوجه نحو نهر الغربي، وجعل زيرك كميناً في جمع من أصحابه في غربي النهر، وأمر رشيقاً غلامه أن يقصد في جمع كثير من أنجاد رجاله ومختاريهم للنهر المعروف بنهر العميسيين؛ ليخرج في ظهور الزنج وهم غارون، فيوقع بهم في هذه الأرصين. وأمر زيرك أن يخرج في وجوههم إذا أحس بانهزامهم من رشيق. وأقام أبو العباس في عدة شذوات قد انتخب مقاتلتها واختارهم في فوهة نهر الغربي، ومعه من غلمانه البيضان والسودان عدد قد رضيه؛ فلما ظهر رشيق للفجرة في شرقي نهر الغربي، راعهم فأقبلوا يريدون العبور إلى غربيه ليهربوا إلى عسكرهم؛ فلما عاينهم أبو العباس اقتحم النهر بالشذوات، وبث الرجالة على حافيته، فأدركوهم ووضعوا السيف فيهم، فقتل منهم في النهر وعلى ضفتيه خلق كثير، وأسر منهم أسرى. وأفلت آخرون، فتلقاهم زيرك في أصحابه فقتلوهم، ولم يفلت منهم إلا الشريد، وأخذ أصحاب أبي العباس من أسلحتهم ما ثقل عليهم حمله؛ حتى ألقوا أكثره. وقطع أبو العباس القنطرتين، وأمر بإخراج ما كان فيهما من البدود والخشب إلى دجلة وانصرف إلى الموفق بالأسارى والرءوس، فطيف بها في العسكر، وانقطع عن الفسقة ما كانوا يرتفقون به من المزارع التي كانت بنهر الغربي. وفي ذي الحجة من هذه السنة. أعني سنة تسع وستين ومائتين - أدخل عيال صاحب الزنج وولده بغداد. وفيها سمي صاعد ذا الوزارتين. وفي ذي الحجة منها كانت وقعة بين قائدين وجيش معهما لابن طولون كان أحدهما يسمى محمد بن السراج والآخر منهما يعرف بالغنوي، كان ابن طولون وجههما، فوافيا مكة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة في أربعمائة وسبعين فارساً وألفي راجل؛ فأعطوا الجزارين والحناطين دينارين دينارين، والرؤاسء سبعة سبعة، وهارون بن محمد عامل مكة إذ ذاك ببستان ابن عامر، فوافى مكة جعفر بن الباغمردي لثلاث خلون من ذي الحجة في نحو من مائتي فارس، وتلقاه هارون في مائة وعشرين فارساً ومائتي أسود وثلاثين فارساً من أصحاب عمرو بن الليث ومائتي راجل ممن قدم من العراق، فقوي بهم جعفر فالتقوا هم وأصحاب ابن طولون، وأعان جعفراً حاج أهل خراسان، فقتل من أصحاب ابن طولون ببطن مكة نحو مائتي رجل، وانهزم الباقون في الجبال، وسلبوا دوابهم وأموالهم، ورفع جعفر السيف، وحوى جعفر مضرب الغنوي. وقيل: إنه كان فيه مائتا ألف دينار، وآمن المصريين والحناطين والجزارين، وقرئ كتاب في المسجد الحرام بلعن ابن طولون، وسلم الناس وأموال التجار. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي ولم يبرح إسحاق بن كنداج - وقد ولي المغرب كله في هذه السنة - سامرا حتى انقضت السنة. ثم دخلت سنة سبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة ففي المحرم منها كانت وقعة بين أبي أحمد وصاحب الزنج أضعفت أركان صاحب الزنج. ذكر الخبر عن قتل صاحب الزنج وأسر معهوفي صفر منها قتل الفاجر، وأسر سليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمذاني واستريح من أسباب الفاسق. ذكر الخبر عن هاتين الوقعتين قد ذكرنا قبل أمر السكر الذي كان الخبيث أحدثه، وما كان من أمر أبي أحمد وأصحابه في ذلك. ذكر أن أبا أحمد لم يزل ملحاً على الحرب على ذلك السكر حتى تهيأ له فيه ما أحب، وسهل المدخل للشذا في نهر أبي الخصيب في المد والجزر، وسهل لأبي أحمد في موضعه الذي كان مقيماً فيه كل ما أراده من رخص الأسعار وتتابع المير وحمل الأموال إليه من البلدان ورغبى الناس في جهاد الخبيث ومن معه من أشياعه؛ فكان ممن صار إليه من الموعه أحمد بن دينار عامل إيذج ونواحيها من كور الأهواز في جمع كثير من الفرسان والرجالة؛ فكان يباشر الحرب بنفسه وأصحابه إلى أن قتل الخبيث. ثم قدم بعده من أهل البحرين - فيما ذكر - خلق كثير؛ زهاء ألفى رجل، يقودهم رجل من عبد القيس، فجلس لهم أبو أحمد ودخل إليه رئيسهم ووجوههم؛ فأمر أن يخلع عليهم؛ واعترض رجالهم أجمعين. وأمر بإقامة الأنزال لهم، وورد بعدهم زهاء ألف رجل من كورفارس، يرأسهم شيخ من المطوعة يكنى أبا سلمة، فجلس لهم الموفق، فوصل إليه هذا الشيخ ووجوه أصحابه، فأمر لهم بالخلع، وأقر لهم بالإنزال، ثم تابعت المطوعة من البلدان، فلما تيسر له ما أراد من السكر الذي ذكرنا، عزم على لقاء الخبيث، فأمر بإعداد السفن والمعابر وإصلاح آلة الحرب في الماء وعلى الظهر، واختار من يثق ببأسه ونجدته في الحرب فارساً وراجلاً؛ لضيق المواضع التي كان يحارب فيها وصعوبتها وكثرة الخنادق والأنهار بها؛ فكانت عدة من تخير من الفرسان زهاء ألفي فارس، ومن الرجالة خمسين ألفاً أو يزيدون، سوى من عبر من المطوعة وأهل العسكر، ممن ديوان له، وخلف بالموفقية من لم يتسع السفن بحمله جماً كثيراً أكثرهم من الفرسان. وتقدم الموفق إلى أبي العباس في القصد للموضع الذي كان صار إليه في يوم الثلاثاء لعشر خلون من ذي العقدة سنة تسع وستين ومائتين من الجانب الشرقي بإزاء دار المهلبي في أصحابه وغلمانه ومن ضمهم إليه من الخيل والرجالة والشذا وأمر صاعد بن مخلد بالخروج على النهر المعروف بأبي شاكر في الجانب الشرقي أيضاً، ونظم القواد من مواليه وغلمانه من فوهة نهر أبي الخصيب إلى نهر الغربي. وكان فيمن خرج من حد دار الكرنبائي إلى نهر أبي شاكر راشداً ولؤلؤ، مولياً الموفق، في جمع من الفرسان والرجالة زهاء عشرين ألفاً، يتلو بعضهم يعضاً، ومن نهر أبي شاكر إلى النهر المعروف بجوى كور جماعة من قواد الموالي والغلمان، ثم من نهر جوى كور إلى نهر الغربي مثل ذلك، وأمر شبلا أن يقصد في أصحابه ومن ضم إليه إلى نهر الغربي، فيأتي منه مؤازياً لظهر دار المهلبي، فيخرج من ورائها عند اشتباك الحرب، وأمر الناس أن يزحف بجميعهم إلى الفاسق، لا يتقدم بعضهم بعضاً؛ وجعل لهم أمارة الزحف؛ تحريك علم أسود أمر بنصه على دار الكرنبائي بفوهة نهر أبي الخصيب في موضع منها مشيد عال، وأن ينفخ لهم ببوق بعيد الصوت، وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من المحرم سنة سبعين ومائتين، فجعل بعض من كان على النهر المعروف بجوى كور يزحف قبل ظهور العلامة؛ حتى قرب من دار المهلبي، فلقيه وأصحابه الزنج فردوهم إلى مواضعهم، وقتلوا منهم جمعاً، ولم يشعر سائر الناس بما حدث على هؤلاء المتسرعين للقتال لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم بعض. فلما خرج القواد ورجالهم من المواضع التي أمروا بالخروج منها، واستوى الفرسان والرجالة في أماكنهم، أمر الموفق بتحريك العلم والنفخ في البوق، ودخل النهر في الشذا، وزحف الناس يتلو بعضهم بعضاً، فلقيهم الزنج قد حشدوا وجموا واجترءوا بما تهيأ لهم على من كان تسرع إليهم، فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة، فأزالوهم عن مواضعم بعد كرات كانت بين الفريقين، صرع فيها منهم جمع كثير. وصبر أصحاب أبي أحمد، فمن الله عليهم بالنصر، ومنحهم أكتاف الفسقة، فولوا منهزمين، وأتبعهم أصحاب الموفق، يقتلون ويأسرون. وأحاط أصحاب أبي أحمد بالفجرة من كل موضع، فقتل الله منهم في ذلك اليوم ما لا يحيط به الإحصاء، وغرق منهم في النهر المعروف بجوى كور مثل ذلك، وحوى أصحاب الموفق مدينة الفاسق بأسرها، واستنفذوا من كان فيها من الأسرى من الرجال والنساء والصبيان، وظفروا بجميع عيال علي بن أبان المهلبي وأخويه الخليل ومحمد ابني أبان وسليمان بن جامع وأولادهم، وعبر بهم إلى المدينة الموفقية. ومضى الفاسق في أصحابه ومعه المهلبي وابنه أنكلاي وسليمان بن جامع وقواد من الزنج وغيرهم هراباً، عامدين لموضع قد كان الخبيث رآه لنفسه ومن معه ملجأ إذا غلبوا على مدينته؛ وذلك على النهر المعروف بالسفياني. وكان أصحاب أبي أحمد حين انهزم الخبيث، وظفروا بما ظفروا به، أقاموا عند دار المهلبي الواغلة في نهر أبي الخصيب، وتشاغلوا بانتهاب ما كان في الدار وإحراقها وما يليها، وتفرقوا في طلب النهب؛ وكل ما بقي للفاسق وأصحابه مجموعاً في تلك الدار. وتقدم أبو أحمد في الشذا قاصداً للنهر المعروف بالسفياني، ومعه لؤلؤ في أصحابه الفرسان والرجالة، فانقطع عن باقي الجيش، فظنوا أنه قد انصرف، فانصرفوا إلى سفنهم بما حووا، وانتهى الموفق فيمن معه إلى معسكر الفاسق وأصحابه وهم منهزمون؛ فأتبعهم لؤلؤ وأصحابه حتى عبروا النهر المعروف بالسفياني، فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه، وعبر أصحابه خلفه، ومضى الفاسق حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريري، فوصل إليه لؤلؤ وأصحابه، فأوقعوا به وبمن معه، فكشفوهم، فولوا هاربين وهم يتبعونهم، حتى عبروا النهر المعروف بالقريري، وعبر لؤلؤ أصحابه خلفهم وألجئوهم إلى النهر المعروف بالمساوان، فعبروه واعتصموا بجبل وراءه. وكان لؤلؤ وأصحابه الذين انفردوا بهذا الفعل دون سائر الحيش، فانتهى بهم الجد في طلب الفاسق وأشياعه إلى ذها الموضع الذي وصفنا في آخر النهار، فأمره الموفق بالانصراف محمود الفعل، فحمله الموفق معه في الشذا، وجدد له من البر والكرامة ورفع المرتبة، لما كان منه في أمر الفسقة حسب ما كان مستحقاً. ورجع الموفق في الشذا في نهر أبي الخصيب وأصحاب لؤلؤ يسايرونه. فلما حاذى دار المهلبي، لم ير بها أحداً من أصحابه، فعلم أنهم قد انصرفوا، فاشتد غيظه عليهم، وسار قاصداً لصقره، وأمر لؤلؤ بالمضي بأصحابه إلى عسكره، وأيقن بالفتح لما رأى من أمارته، واستبشر الناس جميعاً بما هيأ الله من هزيمة الفاسق وأصحابه وإخراجهم عن مدينتهم، واستباحة كل ما كان لهم من مال وذخيرة وسلاح، واستنفاذ جميع من كان في أيديهم من الأسرى. وكان في نفس أبي أحمد على أصحابه من الغيظ لمخالفتهم أمره، وتركهم الوقوف حيث وقفهم، فأمر بجمع قواد مواليه وغلمانه ووجوههم؛ فجمعوا له، فوبخهم على ما كان منهم وعجزهم، وأغلظ لهم، فاعتذروا بما توهموا من انصرافه، وأنهم لم يعلموا بمسيره إلى الفاسق وانتهائه إلى حيث انتهى من عسكره؛ وأنهم لو علموا ذلك لأسرعوا نحوه، ولم يبرحوا موضعهم حتى تحالفوا وتعاقدوا على ألا ينصرف منهم أحداً إذا توجهوا نحو الخبيث حتى يظفرهم الله به؛ فإن أعياهم ذلك أقاموا بمواضعهم حتى يحكم الله بينهم وبينه. وسألوا الموفق أن يأمر برد السفن التي يعبرون فيها إلى الموفقية عند خروجهم منها للحرب، لتنقطع أطماع الذين يريدون الرجوع عن حرب الفاسق من ذلك، فجزاهم أبو أحمد الخير على تنصلهم من خطئهم، ووعدهم الإحسان، وأمرهم بالتأهب للعبور، وأن يعظوا أصحابهم بمثل الذي وعظوا به. وأقام الموفق بعد ذلك يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لإصلاح ما يحتاج إليه؛ فلما كمل ذلك تقدم إلى من يثق إليه من خاصته وقواد غلمانه ومواليه، بما يكون عليه عملهم في وقت عبورهم. وفي عشي يوم الجمعة، تقدم إلى أبي العباس وقواد غلمانه ومواليه بالنهوض إلى مواضع سماها لهم؛ فأمر أبا العباس بالقصد في أصحابه إلى الموضع المعروف بعسكر ريحان، وهو بين النهر المعروف بالسفياني والموضع الذي لجأ إليه، وأن يكون سلوكه بجيشه في النهر المعروف بنهر المغيرة؛ حتى يخرج بهم في معترض نهر أبي الخصيب، فيوافي بهم عسكر ريحان من ذلك الوجه، وأنفذ قائداً من قواد غلمانه السودان، وأمره أن يصير إلى نهر الأمير فيعترض في المنصف منه، وأمر سائر قواده وغلمانه بالمبيت في الجانب الشرقي من دجلة بإزاء عسكر الفاسق متأهبين للغدو على محاربته. وجعل الموفق يطوف في الشذا على القواد ورجالهم في عشي يوم الجمعة وليلة السبت، ويفرقهم في مراكزهم والمواضع التي رتبهم فيها من عسكر الفاسق، ليباكروا المصير إليها على ما رسم لهم. وغدا الموفق يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، فوافى نهر أبي الخصيب في الشذا، فأقام بها حتى تكامل عبور الناس وخروجهم عن سفنهم، وأخذ الفرسان والرجالة مراكزهم، وأمر بالسفن والمعابر فردت إلى الجانب الشرقي، في الزحف إلى الفاسق، وسار يقدمهم حتى وافى الموضع الذي قدر أن يثبت الفسقة فيه لمدافعة الجيش عنهم. وقد كان الخائن وأصحابه لخبثهم رجعوا إلى المدينة يوم الاثنين بعد انصراف الجيش عنها، وأقاموا بها، وأملوا أن تتطاول بهم الأيام، وتندفع عنهم المناجزة، فوجد الموفق المتسرعين من فرسان غلمانه ورجالتهم قد سبقوا أعظم الجيش، فأوقعوا بالفاجر وأصحابه وقعةً أزالوهم بها عن مواقفهم؛ فانهزموا وتفرقوا لا يلوي بعضهم على بعض، وأتبعهم الجيش يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم، وانقطع الفاسق في جماعة من حماته من قواد الجيش ورجالهم، وفيهم المهلبي. وفارقه ابنه أنكلاي وسليمان بن جامع، فقصد لكل فريق ممن سمينا جمع كثيف من موالي الموفق وغلمانه الفرسان والرجالة، ولقي من كان رتبة الموفق من أصحاب أبي العباس في الموضع المعروف بعسكر الريحان المنهزمين من أصحاب الفاجر، فوضعوا فيهم السلاح. ووافى القائد المرتب في نهر الأمير، فاعترض الفجرة، فأوقع بهم. وصادف سليمان بن جامع فحاربه، فقتل جماعة من حماته، فظفر بسليمان فأسره، فأتى به الموفق بغير عهد ولا عقد، فاستبشر الناس بأسر سليمان، وكثر التكبير والضجيج، وأيقنوا بالفتح إذ كان أكثر أصحابه غناء عنه. وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمذاني - وكان أحد أمراء جيوشه - وأسر نادر الأسود المعروف بالحفار، وهو أحد قدماء أصحاب الفاجر - فأمر الموفق بالاستيثاق منهم وتصييرهم في شذاة لأبي العباس. ففعل ذلك. ثم إن الزنج الذين انفردوا مع الفاسق عطفوا على الناس عطفة أزالوهم بها عن مواقفهم، ففتروا لذلك، وأحس الموفق بفتورهم، فجد في طلب الخبيث، وأمعن في نهر أبي الخصيب، فشد ذلك من قلوب مواليه وغلمانه، وجدوا في الطلب معه. وانتهى الموفق إلى نهر أبيالخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر؛ ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كف زعم أنها كفه، فقوي الخبر عنده بعض القوة. ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرس، ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قواد المستأمنة، فعرفوه، فخر لله ساجداً على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقواد موالي الموفق وغلمانه شكراً لله، وأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله، فارتفعت أصواتهم بالحمد لله. وذكر أن أصحاب الموفق لما أحاطوا بالخبيث، ولم يبق معه من رؤساء أصحابه إلا المهلبي، ولي عنه هارباً وأسلمه. وقصد النهر المعروف بنهر الأمير، فقذف نفسه فيه يريد النجاة، وقبل ذلك ما كان ابن الخبيث أنكلاي فارق أباه، ومضى يؤم النهر المعروف بالديناري، فأقام فيه متحصناً بالأدغال والآجام، وانصرف الموفق ورأس الخبيث منصوب بين يديه على قناة في شذاة، يخترق بها نهر أبي الخصيب، والناس في جنبتي النهر ينظرون إليه حتى وافى دجلة، فخرج إليها فأمر برد السفن التي كان عبر بها في أول النهار إلى الجانب الشرقي من دجلة، فردت ليعبر الناس فيها. ثم سار ورأس الخبيث بين يديه على القناة وسليمان بن جامع والهمداني مصلوبان في الشذا، حتى وافى قصره بالموفقية، وأمر أبا العباس بركوب الشذا وإقرار الرأس وسليمان والهمداني على حالهم والسير بهم إلى نهر جطى، وهو أول عسكر الموفق، ليقع عليهم عيون الناس جميعاً في العسكر؛ ففعل ذلك وانصرف إلى أبيه أبي أحمد. فأمر بحبس سليمان والهمداني وإصلاح الرأس وتنقيته. وذكر أنه تتابع مجئ الزنج الذين كانوا أقلموا مع الخبيث وآثروا صحبته، فوافى ذلك اليوم زهاء ألف منهم، ورأى الموفق بذل الأمان، لما رأى من كثرتهم وشجاعتهم، لئ تبقى منهم بقية تخاف معرتها على الإسلام وأهله، فكان من وافى من قواد الزنج ورجالهم في بقية يوم السبت وفي يوم الأحد الاثنين زهاء خمسة آلاف زنجي، وكان قد قتل في الوقعة وغرق وأسر منهم خلق كثير لا يرقف على عددهم، وانقطعت منهم قطعة زهاء ألف زنجي مالوا نحو البر، فمات أكثرهم عطشاً، فظفر الأعراب بمن سلم منهم واسترقوهم. وانتهى إلى الموفق خبر المهلبي وأنكلاي ومقامهما بحيث أقاما مع من تبعهما من جلة قواد الزنج ورجالهم، فبث أنجاد غلمانه في طلبهم، وأمرهم بالتضيق عليهم؛ فلما أيقنوا بأن لا ملجأ أعطوا بأيديهم، فظفر بهم الموفق وبمن معهم، حتى لم يشذ أحد. وقد كانوا على نحو العدة التي خرجت إلى الموفق بعد قتل الفاجر في الأمان، فأمر الموفق بالاستيثاق من المهلبي وأنكلاي وحبسهما، ففعل. وكان فيمن هرب من عسكر الخبيث يوم السبت ولم يركن إلى الأمان قرطاس الذي كان رمى الموفق بالسهم، فانتهى به الهرب إلى رامهرمز، فعرفه رجل قد كان رآه في عسكر الخبيث فدل عليه عامل البلد. فأخذه وحمله في وثاق، فسأل أبو العباس إياه أن يوليه قتله فدفعه إليه فقتله. ذكر خبر استئمان درمويه الزنجي إلى أبي أحمدوفيها استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد، وكان درمويه هذا - فيما ذكر - من أنجاد الزنج وأبطالهم، وكان الفاجر وجهه قبل هلاكه بمدة طويلة إلى أواخر نهر الفهرج، وهي من البصرة في غربي دجلة، فأقام هنالك بموضع وعر كثير النخل والدغل والآجام متصل بالبطيحة، وكان درمويه ومن معه هنالك يقطعون على السابلة في زواريق خفاف وسميريات اتخذوها لأنفسهم، فإذا طلبهم أصحاب الشذا ولجوا الأنهار الضيقة. واعتصموا بمواضع الأدغال منها، وإذا تعذر عليهم مسالك نهر منها لضيقها خرجوا من سفنهم وحملوها على ظهورهم، ولجئوا إلى هذه المواضع الممتنعة،. وفي خلال ذلك يغيرون على قرى البطيحة وما يليها، فيقتلون ويسلبون من ظفروا به فمكث درمويه ومن معه يفعلون هذه الأفعال إلى أن قتل الفاجر وهم بموضعهم الذي وصفنا أمره، لا يعملون بشيء مما حدث على صاحبهم. فلما فتح بقتل الخبيث موضعه، وأمن الناس وانتشروا في طلب المكاسب وحمل التجارات، وسلكت السابلة دجلة، أوقع درمويه بهم، فقتل وسلب، فأوحش الناس ذلك، واشرأب لمثل ما فيه درمويه جماعة من شرار الناس وفساقهم، وحدثوا أنفسهم بالمصير إليه وبالمقام معه على مثل ما هو عليه، فعزم الموفق على تسريح جيش من غلمانه السوان ومن جرى مجراهم من أهل البصر بالحرب في الأدغال ومضايق الأنهار، وأعد لذلك صغار السفن وصنوف السلاح؛ فبينا هو في ذلك وافى رسول لدرمويه يسأل الأمان له على نفسه وأصحابه، فرأى الموفق أن يؤمنه ليقطع مادة الشر الذي كان فيه الناس من الفاجر وأشياعه. وذكر أن سبب طلب درمويه الأمان كان أنه كان فيمن أوقع به يومٌ ممن خرج من عسكر الموفق إلى منازلهم بمدينة السلام، فيهم نسوة، فقتلهم وسلبهم، وغلب على النسوة اللاتي من معهم؛ فلما صرن في يده بحثهن عن الخبر فأخبرته بقتل الفاسق والظفر بالمهلبي وأنكلاي وسليمان بن جامع وغريهم من رؤءا أصحاب الفاسق وقواده ومصير أكثرهم إلى الموفق في الأمان وقبوله إياهم وإحسانه إليهم؛ فأسقط في يده، ولم ير لنفسه ملجأ إلا التعوذ بالأمان ومسألة الموفق الصفح عن جرمه، فوجه في ذلك، فأجيب إليه. فلما ورد عليه الأمان خرج وجميع من معه حتى وافى عسكر الموفق، فوافت منهم قطعة حسنة كثيرة العدد لم يصبها بؤس الحصار وضره مثل ما أصاب سائر أصحاب الخبيث، لما كان يصل إليهم من أموال الناس وميرهم. فذكر أن درمويه لما أومن وأحسن إليه وإلى أصحابه، أظهر كل ما كان في يده وأيدهم من أموال الناس وأمتعتهم، ورد كل شيء منه إلى أهله رداً ظاهراً مكشوفاً، فووفق بذلك على إنابته، فخلع عليه وعلى وجوه أصحابه وقواده، ووصلوا. فضمنهم الموفق إلى قائد من قواد غلمانه، وأمر الموفق أن يكتب إلى أمصار الإسلام بالنداء في أهل البصرة والأبلة وكودر دجلة وأهل الأهواز وكورها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزنج بقتل الفاسق، وأن يؤمروا بالرجوع إلى أوطانهم. ففعل ذلك، فسارع الناس إلى ما أمروا به، وقدموا المدينة الموفقية من جميع النواحي. وأقام الموفق بعد ذلك بالموفقية ليزداد الناس بمقامه أمناً وإيناساً، وولي البصرة والأبلة وكور دجلة رجلاً من قواد مواليه قد كان حمد مذهبه، ووقف على حسن سيرته، يقال له العباس بن تركس؛ فأمره بالانتقال إلى البصرة والمقام بها. وولي قضاء البصرة والأبلة وكور دجلة وواسط محمد بن حماد. وقدم ابنه أبا العباس إلى مدينة السلام، ومعه رأس الخبيث صاحب الزنج ليراه الناس، فاستبشروا، فنفذ أبو العباس في جيشه حتى وافى مدينة السلام يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، فدخلها في أحسن زي، وأمر برأس الخبيث فسير به بين يديه على قناة، واجتمع الناس لذلك. وكان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لأربع بقي من شهر رمضان سنة خمس خمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، فكانت أيامه من لدن خرج إلى اليوم الذي قتل فيه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وكان دخوله الأهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومائتين، وكان دخوله البصرة وقتله أهلها وإحراقه لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ومائتين، فقال - فيما كان من أمر الموفق، وأمر المخذول - الشعراء أشعاراً كثيرة، فمما قيل في ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي: أقول وقد جاء البشير بوقعةٍ ... أعزت من الإسلام ما كان واهيا جزى الله خير الناس للناس بعدما ... أبيح حماهم خير ما كان جازيا تفرد إذ لم ينصر الله ناصرٌ ... بتجديد دينٍ كان أصبح باليا وتشديد ملك قد وهى بعد عزه ... وإدراك ثاراٍ تبير الأعاديا ورد عمارات أزيلت وأخربت ... ليرجع فيء قد تخرم وافيا ويرجع أمصارٌ أبيحت وأحرقت ... مراراً فقد امست قواءً عوافيا ويشفي صدور المومنين بوقعةٍ ... يقر بها منا العيون البواكيا ويتلى كتاب الله في كل مسجدٍ ... ويلقى دعاء الطالبين خاسيا فأعرض عن أحبابه ونعيمه ... وعن لذة الدنيا وأقبل غازيا في قصيدة طويلة. ومن ذلك قوله: أين نجوم الكاذب المارق ... ما كان بالطب ولا الحاذق صبحه بالنحس سعدٌ بدا ... لسيدٍ في قوله صادق فخر في مأزقه مسلما ... إلى أسود الغاب في المازق وذاق من كأس شربة ... كريهة الطعم على الذائق وقال فيه يحيى بن خالد: يابن الخلائف من أرومة هاشمٍ ... والغامرين الناس بالإفضال والذائدين عن الحريم عدوهم ... والمعلمين لكل يوم نزال ملكٌ أعاد الدين بعد دروسه ... واستنقذ الأسرى من الأغلال أنت المجير من الزمان إذا سطا ... وإليك يقصد راغبٌ بسؤال أطفأت نيران النفاق وقد علت ... يا واهب الآمال والآجال لله درك من سليل خلائفٍ ... ماضي العزيمة طاهر السربال أفنيت جمع المارقين فأصبحوا ... متلددين قد أيقنوا بزوال أمطرتهم عزمات رأيٍ حازمٍ ... ملأت قلوبهم من الأهوال لما طغى الرجس اللعين قصدته ... بالمشرفي وبالقنا الجوال وتركته والطير يحجل حوله ... متقطع الأوداج والأوصال يهوي إلى حر الجحيم وقعرها ... بسلاسل قد أوهنته ثقال هذا بما كسبت يداه وما جنى ... وبما أتى من سيء الأعمال أقررت عين الدين ممن قاده ... وأدلته من قاتل الأطفال صال الموفق بالعراق فأفزعت ... من بالمغارب صولة الأبطال وفيه يقول أيضاً يحيى بن خالد بن مروان: أبن لي جواباً أيها المنزل القفر ... فلازال منهلاً بساحاتك القطر أبن لي عن الجيران أن تحملوا ... وهل عادت الدنيا، وهل رجع السفر! وكيف تجيب الدار بعد دروسها ... ولم يبق من أعلام ساكنها سطر منازل أبكاني مغاني أهلها ... وضاقت بي الدنيا وأسلمني الصبر كأنهم قومٌ رغا البكر فيهم ... وكان على الأيام في هلكهم نذر وعاثت صروف الدهر فيهم فأسرعت ... وشرٌ ذوي الأصعاد ما فعل الدهر فقد طابت الدنيا وأينع نبتها ... بيمن ولي العهد وانقلب الأمر وعاد إلى الأوطان من كان هارباً ... ولم يبق للملعون في موضع إثر بسيف ولي العهد طالت يد الهدى ... وأشرق وجه الدين واصطلم الكفر وجاهدهم في الله حق جهاده ... بنفسٍ لها طول السلامة والنصر وهي طوبلة وقال يحيى بن محمد: عني اشتغالك إني عنك في شغل ... لا تعذلي من به وقرٌ عن العذل لا تعذلي في ارتحالي إنني رجلٌ ... وقفٌ على الشد والأسفار والرحل فيم المقام إذا ما ضاق بي بلدٌ ... كأنني لحجال العين والكلل ما استيقظت همةٌ لم تلف صاحبها ... يقظان قد جانبته لذة المقل ولم يبت أمناً من لم يبت وجلاً ... من أين يبيت له جار على وجل وهي أيضاً طويلة. وفي هذه السنة في شهر ربيع الأول منها، ورد مدينة السلام الخبر أن الروم نزلت بناحية باب قلمية على ستة أميال من طرسوس؛ وهم زهاء مائة ألف، يرأسهم بطريق البطارقة أندرياس، ومعه أربعة أخر من البطارقة، فخرج إليهم يازمان الخادم ليلاً، فبيتهم، فقتل بطريق البطارقة وبطريق القباذين وبطريق الناطلق، وأفلت بطريق قرة وبه جراحات، وأخذ لهم سبعة صلبان من ذهب وضفة، فيها صليبهم الأعظم من ذهب مكلل بالجوهر، وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل، ومن السروج نحو من ذلك، وسيوف محلاة بذهب وفضة وآنية كثيرة، ونحو من عشرة آلاف علم ديباج، وديباج كثير وبزيون ولحف سمور، وكان النفير إلى أندرياس يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول، فكبس ليلاً وقتل من الروم خلق كثير، فزعم بعضهم أنه قتل منهم سبعون ألفاً. وفيها توفي هارون بن أبي أحمد الموفق بمدينة السلام يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى. ولست خلون من شعبان منها، ورد الخبر بموت أحمد بن طولون مدينة السلام - فيما ذكر . وقال بعضهم: كانت وفاته يوم الاثنين لثمان عشرة مضت من ذي القعدة منها. وفيها مات الحسن بن يزيد العلوي بطبرستان، إما في رجب، وإما في شعبان. وللنصف من شعبان دخل المعتمد بغداد، وخرج من المدينة حتى نزل بحذاء قطربل في تعبية، ومحمد بن طاهر يسير بين يديه بالحربة، ثم مضى إلى سامرا. وفيها كان فداء أهل ساتيدما على يدي يازمان في سلخ رجب منها. وفي يوم الأحد لتسع بقين من شعبان من هذه السنة شغب أصحاب أبي العباس بن الموفق بغداد على صاعد بن مخلد وهو وزير الموفق، فطلبوا الأرزاق، فخرج إليهم أصحاب صاعد ليدفعوهم، فصارت رجالة أبي العباس إلى رحبة الجسر، وأصحاب صاعد داخل الأبواب بسوق يحيى، واقتتلوا، فقتل بينهم قتلى، وجرحت جماعة، ثم حجز بينهم الليل، وبكروا من الغد، فوضع لهم العطاء واصطلحوا. وفي شوال منها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداج وابن دعباش، وكان ابن دعباش على الرقة وأعمالها، وعلى الثغور والعواصم من قبل ابن طولون، وابن كنداج على الموصل من قبل السلطان. وفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربي منها من نهر عيسى من الياسرية بثقٌ، فغرق الدباغين وأصحاب الساج بالكرخ، ذكر أنه دق سبعة آلاف دار ونحوها. وقتل في هذه السنة ملك الروم المعروف بابن الصقلبي. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. الجزء العاشر بسم الله الرحمن الرحيم ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين وأولها يوم الاثنين للتاسع والعشرين من حزيران، ولخمس وتسعين ومائة وألف من عهد ذي القرنين. ذكر الخبر عما كان فيه الأحداث الجليلةفمن ذلك ما كان فيها من ورود الخبر في غرة صفر بدخول محمد وعلي ابني الحسين بن جعفر بن موسى بن محمد بن علي بن حسين المدينة وقتلهما جماعة من أهلها ومطالبتهما أهلها بمال، وأخذهما من قوم منهم مالاً. وأن أهل المدينة لم يصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جمع؛ لا جمعة ولا جماعة، فقال أبو العباس بن الفضل العلوي: أخربت دار هجرة المصطفى الب ... ر فأبكى إخرابها المسلمينا عين أبكى مقام جبريل والقب ... ر فبكى والمنبر الميمونا وعلى المسجد الذي أسه التق ... وى خلاء أضحى من العابدينا وعلى طيبة التي بارك الل ... ه عليها بخاتم المرسلينا قبح الله معشراً أخربوها ... وأطاعوا متبراً ملعونا وفيها أدخل على المعتمد من كان حضر بغداد من حاج خراسان، فأعلمهم أنه قد عزل عمرو بن الليث عما كان قلده، ولعنه بحضرتهم، وأخبرهم أنه قد قلد خراسان محمد بن طاهر؛ وكان ذلك لأربع بقين من شوال.وأمر أيضاً بلعن عمر بن اليث على المنابر ،ولثمان بقين من شعبان من هذه السنة شخص صاعد بن مخلد من معسكر أبي أحمد بواسط إلى فارس لحرب عمرو بن الليث.ولعشر خلون من شهر رمضان منها عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة وطريق مكة.وفيها كانت بين أبي العباس بن الموفق وبين خمارويه بن أحمد بن طولون وقعة بالطواحين، فهزم أبو العباس خمارويه، فركب خماروية حماراً هارباً منه إلى مصر، ووقع أصحاب أبي العباس في النهب. ونزل أبو العباس مضرب خمارويه، ولا يرى أنه بقي له طالب، فخرج عليه كمين لخمارويه كان كمنه لهم خمارويه، وفيهم سعد الأعسر وجماعة من قواده وأصحابه، وأصحاب أبي العباس قد وضعوا السلاح ونزلوا. فشد كمين خمارويه عليهم فانهزموا، وتفرق القوم، ومضى أبو العباس إلى طرسوس في نفر من أصحابه قليل، وذهب كل ما كان في العسكرين؛ عسكر أبي العباس وعسكر خمارويه من السلاح والكراع والأثاث والأموال، وانتهب ذلك كله؛ وكانت هذه الوقعة يوم السادس عشر من شوال من هذه السنة - فيما قيل. وفيها وثب يوسف بن أبي الساج - وكان والي مكة - على غلام للطائي يقال له بدر، وخرج والياً على الحاج فقيده، فحارب ابن أبي الساج جماعة من الجند، وأغاثهم الحاج، حتى استنقذوا غلام الطائي، وأسروا ابن أبي الساج، فقيد وحمل إلى مدينة السلام، وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام. وفيها خربت العامة الدير العتيق الذي وراء نهر عيسى، وانتهبوا كل ما كان فيه من متاع، وقلعوا الأبواب والخشب وغير ذلك، وهدموا بعض حيطانه وسقوفه؛ فصار إليهم الحسين بن إسماعيل صاحب شرطة بغداد من قبل محمد بن طاهر، فمنعهم من هدم ما بقي منه؛ وكان يتردد إليه أياماً هو والعامة؛ حتى يكاد يكون بين أصحاب السلطان وبينهم قتال، ثم بنى ما كانت العامة هدمته بعد أيام، وكانت إعادة بنائه - فيما ذكر - بقوة عبدون بن مخلد، أخي صاعد بن مخلد. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسي. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتينأولها يوم الجمعة للثامن عشر من حزيران، سنة ست وتسعين ومائة وألف لذي القرنين. ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداثفمما كان فيها من ذلك إخراج أهل طرسوس أبا العباس بن الموفق من طرسوس؛ لخلاف كان وقع بينه وبين يازمان؛ فخرج عنها يريد بغداد للنصف من المحرم من هذه السنة. وفيها توفي سليمان بن وهب في حبس الموفق يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من صفر. وفيها تجمعت العامة، فهدموا ما كان بني من البيعة يوم الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الآخر. وفيها حكم شار في طريق خراسان، وصار إلى دسكرة الملك، فقتل وانتهب. وفيها ورد الخبر مدينة السلام بدخول حمدان بن حمدون وهارون الشاري مدينة الموصل، وصلى الشاري بهم في مسجد الجامع. وفيها قدم أبو العباس بن الموفق منصرفاً من وقعته مع ابن طولون بالطواحين لتسع بقين من جمادى الآخرة. وفيها نقب المطبق من داخله، وأخرج الذوائبي العلوي ونفسان معه، وكانوا قد أعدت لهم دواب توقف في كل ليلة ليخرجوا فيركبوها هاربين. فنذر بهم، وغلقت أبواب مدينة أبي جعفر المنصور، فأخذ الذوائبي ومن خرج معه، وركب محمد بن طاهر، وكتب بالخبر إلى الموفق وهو مقيم بواسط، فأمر أن تقطع يد الذوائبي ورجله من خلاف، فقطع في مجلس الجسر بالجانب الغربي، ومحمد بن طاهر واقف على دابته، وكوى يوم الاثنين لثلاث خلون من جمادى الآخرة. وفيها قدم صاعد بن مخلد من فارس، ودخل واسط في رجب، فأمر الموفق جميع القواد أن يستقبلوه، فاستقبلوه، وترجلوا له، وقبلوا كفه. وفيها قبض الموفق على صاعد بن مخلد بواسط وعلى أسبابه، وانتهب منازلهم يوم الاثنين لتسع خلون من رجب، وقبض على ابنيه أبي عيسى وأبي صالح ببغداد، وعلى أخيه عبدون وأسبابه بسامراً، وذلك كله في يوم واحد، وهو اليوم الذي قبض فيه على صاعد، واستكتب الموفق إسماعيل بن بلبل، واقتصر به على الكتابة دون غيرها. ووردت الأخبار فيها أن مصر زلزلت في جمادى الآخرة زلازل أخربت الدور والمسجد الجامع، وأنه أحصى في يوم واحد بها ألف جنازة. وفيها غلا السعر ببغداد؛ وذلك أن أهل سامراً منعوا - فيما ذكر - سفن الدقيق من الانحدار إليها، ومنع الطائي أرباب الضياع من دياس الطعام وقسمه، يتربص بذلك غلاء الأسعار، فمنع أهل بغداد الزيت والصابون والتمر وغير ذلك من حمله إلى سامراً، وذلك في النصف من شهر رمضان. وفيها ضجت العامة بسبب غلاء السعر، واجتمعت للوثوب بالطائي، فانصرفوا من مسجد الجامع للنصف من شوال إلى داره بين باب البصره وباب الكوفة، وجاءوه من ناحية الكرخ، فأصعد الطائي أصحابه على السطوح، فرموهم بالنشاب، وأقام رجاله على بابه وفي فناء داره بالسيوف والرماح، فقتل بعض العامة، وجرحت منهم جماعة، ولم يزالوا يقاتلونهم إلى الليل، فلما كان الليل انصرفوا، وباكروه من غد، فركب محمد بن طاهر، فسكن الناس وصرفهم عنه. وفيها توفي إسماعيل بن بريه الهاشمي، يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها. ولثمان بقين منها توفي عبيد بن عبد الله الهاشمي. وفيها كانت للزنج بواسط حركة، فصاحوا: أنكلاى، يا منصور! وكان أنكلاى والمهلبى وسليمان بن جامع والشعراني والهمداني وآخر معهم من قواد الزنج محتبسين في دار محمد بن عبد الله بن ظاهر بمدينة السلام في دار البطيخ، في يد غلام من غلمان الموفق، يقال له: فتح السعيدي، فكتب الموفق إلى فتح أن يوجه برءوس هؤلاء الستة، فدخل إليهم، فجعل يخرج الأول فالأول منهم، فذبحهم غلام له، وقلع رأس بالوعة في الدار، وطرحت أجسادهم فيها، وسد رأسها، ووجه رءوسهم إلى الموفق. وفيها ورد كتاب الموفق على محمد بن طاهر في جثث هؤلاء الستة المقتولين، فأمره بصلبها بحضرة الجسر، فأخرجوا من البالوعة، وقد انتفخوا، وتغيرت روائحهم، وتقشر بعض جلودهم، فحملوا في المحامل: المحمل بين الرجلين؛ وصلب ثلاثة منهم في الجانب الشرقي، وثلاثة في الجانب الغربي، وذلك لسبع بقين من شوال من هذه السنة، وركب محمد بن طاهر حتى صلبوا بحضرته. وفيها صلح أمر رسول الله صلى الله علية وسلم، وعمرت، وتراجع الناس إليها. وفيها غزا الصائفة يازمان. وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بين عيسى بن موسى الهاشمي. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كانت وقعة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف وعمرو بن الليث الصفار يوم السادس عشر من شهر ربيع الأول. وفيها كانت أيضاً وقعة بين إسحاق بن كنداج ومحمد بن أبي الساج بالرقة، فانهزم إسحاق؛ وكان ذلك يوم الثلاثاء لتسع خلون من جمادى الأولى. وفيها قدمت رسل يازمان من طرسوس، فذكروا أن ثلاثة بنين لطاغية الروم وثبوا عليه، فقتلوه وملكوا أحدهم عليهم. وفيها قيد أبو أحمد لؤلؤاً القادم عليه بالأمان من عند ابن طولون، واستصفى ماله، لثمان بقين من ذي القعدة من هذه السنة. وذكر أن الذي أخذ من ماله كان أربعمائة ألف دينار. وذكروا عن لؤلؤ أنه قال: ما عرفت لنفسي ذنباً استوجبت به ما فعل بي إلا كثرة مالي. وفيها كانت بين محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداج وقعة أخرى لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة؛ وكانت الدبرة فيها على ابن كنداج. وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس. ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك شخوص أبي أحمد إلى كرمان لحرب عمرو بن الليث لاثني عشرة بقيت من شهر ربيع الأول. وفيها غزا يازمان، فبلغ المسكنين، فأسر وغنم، وسلم المسلمون، وذلك في شهر رمضان منها. وفيها دخل صديق الفرعاني دور سامراً، فأغار على أموال التجار، وأكثر العيث في الناس، وكان صديق هذا يخفر أولاً الطريق، ثم تحول لصاً خارباً يقطع الطريق. وحج بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمي. ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من توجيه الطائي جيشاً إلى سامراً بسبب ما أحدث صديق بها وإطلاقه أخاه من السجن؛ وكان أسيراً عنده، وذلك في المحرم من هذه السنة: ثم خرج الطائي إلى سامراً، وأرسل صديقاً ووعده ومناه وأمنه، فعزم على الدخول إليه في الأمان، فحذره ذلك غلام له يقال له هاشم، وكان - فيما ذكر - شجاعاً، فلم يقبل منه، ودخل سامراً مع أصحابه، وصار إلى الطائي، فأخذه الطائي، ومن دخل معه منهم، فقطع يد صديق ورجله ويد هاشم ورجله وأيدي جماعة من أصحابه وأرجلهم وحبسهم، ثم حملهم في محامل إلى مدينة السلام، وقد أبرزت أيديهم وأرجلهم المقطعة ليراها الناس، ثم حبسوا. وفيها غزا يازمان في البحر، فأخذ للروم أربعة مراكب. وفيها تصعلك فارس العبدي، فعاث بناحية سامراً، وصار إلى كوخها، فانتهب دور آل حسنج، فشخص الطائي إليه، فلحقه بالحديثة، فاقتتلا، فهزمه الطائي وأخذ سواده، وصار الطائي إلى دجلة، فدخل طيارة ليعبرها، فأدركه أصحاب العبدي فتعلقوا بكوثل الطيار، فرمى الطائي بنفسه في دجلة، فعبرها سباحة، فلما خرج منها نفض لحيته من الماء، وقال: أيش ظن العبدي؟ أليس أنا أسبح من سمكة! ثم نزل الطائي الجانب الشرقي والعبدي بإزائه في الجانب الغربي. وفي انصراف الطائي قال علي بن محمد بن منصور بن نصر بن بسام: قد أقبل الطائي، لا أقبلا ... قبح في الأفعال ما أجملا كأنه من لين ألفاظه ... صبية تمضغ جهد البلا وفيها أمر أبو أحمد بتقييد الطائي وحبسه، ففعل ذلك لأربع عشرة خلت من شهر رمضان، وختم على كل شيء له، وكان يلي الكوفة وسوادها وطريق خراسان وسامراً والشرطة ببغداد، وخراج بادوريا وقطربل ومسكن وشيئاً من ضياع الخاصة. وفيها حبس أبو أحمد ابنه أبا العباس، فشغب أصحابه، وحملوا السلاح، وركب غلمانه، واضطربت بغداد لذلك،فركب أبو أحمد لذلك حتى بلغ باب الرصافة، وقال لأصحاب أبي العباس وغلمانه فيما ذكر: ما شأنكم؟ أترونكم أشفق على ابني مني! هو ولدي، واحتجت إلى تقويمه. فانصرف الناس ووضعوا السلاح، وذلك يوم الثلاثاء لست خلون من شوال من هذه السنة. وحج بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمي. ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ضم الشرطة بمدينة السلام إلى عمرو بن الليث، وكتب فيها على الأعلام والمطارد والترسة - التي تكون في مجلس الجسر - اسمه، وذلك في المحرم. ولأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول من هذه السنة شخص أبو أحمد من مدينة السلام إلى الجبل، وكان سبب شخوصه إليها - فيما ذكر - أن الماذرائي كاتب اذكوتكين، أخبره أن له هنالك مالاً عظيماً، وأنه إن شخص صار ذلك إليه، فشخص إليه فلم يجد من المال الذي أخبره به شيئاً، فلما لم يجد ذلك شخص إلى الكرج، ثم إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، فتنحى له أحمد بن عبد العزيز عن البلد بجيشه وعياله، وترك داره بفرشها لينزلها أبو أحمد إذا قدم. وقدم محمد بن أبي الساج على أبي أحمد قبل شخوصه من مضربه بباب خراسان هارباً من ابن طولون، بعد وقعات كانت بينهما، ضعف في آخر ذلك ابن أبي الساج عن مقاومته، لقلة من معه وكثرة من مع ابن طولون من الرجال، فلحق بأبي أحمد فانضم إليه، فخلع أبو أحمد عليه، وأخرجه معه إلى الجبل. وفيها ولى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر شرطة بغداد، من قبل عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر. وفيها ورد الخبر بانفراج تل بنهر الصلة - ويعرف بتل بني شقيق - عن سبعة أقبر فيها أبدان صحيحة، عليها أكفان جدد لينة، لها أهداب، تفوح منها رائحة المسك، أحدهم شاب له جمة، وجبهته وأذناه وخداه وأنفه وشفتاه وذقنه وأشفار عينيه صحيحة، وعلى شفتيه بلل، كأنه قد شرب ماء؛ وكأنه قد كحل، وبه ضربة في خاصرته، فردت عليه أكفانه. وحدثني بعض أصحابنا أنه جذب من شعر بعضهم، فوجده قوى الأصل نحو قوة شعر الحي، وذكر أن التل انفرج عن هذه القبور عن شبه الحوض من حجر في لون المسن، عليه كتاب لا يدري ما هو! وفيها أمر بطرح المطارد والأعلام والترسة التي كانت في مجالس الشرطة التي عليها اسم عمرو بن الليث، وإسقاط ذكره، وذلك لإحدى عشرة خلت من شوال. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي، وكان والياً على مكة والمدينة والطائف. ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك دعاء يازمان بطرسوس لخمارويه بن أحمد بن طولون؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن خمارويه وجه إليه بثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسين ومائة دابة وخمسين ومائة ممطر وسلاح، فلما وصل إليه دعا له، ثم وجه إليه بخمسين ألف دينار.وفي أول شهر ربيع الآخر كان بين وصيف خادم ابن أبي الساج والبرابرة أصحاب أبي الصقر شر؛ فاقتتلوا، فقتل من غلمان الخادم أربعة غلمان ومن البرابرة سبعة؛ فكانت الحرب بينهم بباب الشأم إلى شارع باب الكوفة، فركب إليهم أبو الصقر، فكلمهم فتفرقوا، ثم عادوا للشر بعد يومين، فركب إليهم أبو الصقر فسكنهم. وفيها ولي يوسف بن يعقوب المظالم، فأمر أن ينادي: من كانت له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله أو أحد من الناس فليحضر. وتقدم إلى صاحب الشرطة ألا يطلق أحداً من المحبسين إلا من رأى إطلاقه يوسف، بعد أن يعرض عليهم قصصهم. وفي أول يوم من شعبان قدم قائد من قواد ابن طولون في جيش عظيم من الفرسان والرجاله بغداد. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن هارون الهاشمي. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك الحرب التي كانت بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى، أبن أخت مفلح أربعة أيام تباعاً، ثم اصطلحوا؛ وقد قتل بينهم بضعة عشر رجلاً، وذلك في أول المحرم، ثم وقع في الجانب الشرقي حرب بين النصريين وأصحاب يونس، قتل فيها رجل، ثم افترقوا. وفيها انحدر وصيف خادم ابن أبي الساج إلى واسط بأمر أبي الصقر لتكون عدة له - فيما ذكر - ذلك أنه اصطنعه وأصحابه، وأجازه بجوائز كبيرة، وأدر على أصحابه أرزاقهم، وكان قد بلغه قدوم أبي أحمد، فخافه على نفسه لما كان من إتلافه ما كان في بيوت أموال أبي أحمد؛ حتى لم يبق شيء بالهبة التي يهب؛ والجوائز التي كان يجيز، والخلع التي كان يخلع على القواد، وإنفاقه على القواد، فلما نفذ ما في بيت المال، طالب أرباب الضياع بخراج سنة مبهمة عن أرضيهم، وحبس منهم بذلك جماعة؛ وكان الذي يتولى له القيام بذلك الزغل، فعسف على الناس في ذلك. وقدم أبو أحمد قبل أن يستوظف أداء ذلك منهم، فشغل عن مطالبة الناس بما كان يطالبهم به. وكان انحدار وصيف في يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من المحرم. ولليلتين بقيتا من المحرم منها طلع كوكب ذو جمة، ثم صارت الجمة ذؤابة. ذكر الخبر عن مرض أبي أحمد الموفق ثم موتهوفيها أنصرف أبو أحمد من الجبل إلى العراق، وقد اشتد به النقرس حتى لم يقدر على الركوب، فاتخذ له سرير عليه قبة، فكان يقعد عليه، ومعه خادم يبرد رجله بالأشياء الباردة، حتى بلغ من أمره أنه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت علة رجله داء الفيل، وكان يحمل سريره أربعون حمالاً يتناوب عليها عشرون عشرون، وربما اشتد بهم أحياناً، فيأمرهم أن يضعوه. وذكر أنه قال يوماً للذين يحملونه: قد ضجرتم بحملي، بودي أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي وأكل وأني في عافية. وأنه قال في مرضه هذا: أطبق دفتري على مائة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالاً مني. وفي يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم منها وافى أبو أحمد النهروان، فتلقاه أكثر الناس فركب الماء فسار في النهروان، ثم في نهر ديالى، ثم في دجلة إلى الزعفرانية، وصار ليلة الجمعة إلى الفرك، ودخل داره يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر. ولما كان في يوم الخميس لثمان خلون من صفر، شاع موته بعد انصراف أبي الصقر من داره، وقد كان تقدم في حفظ أبي العباس، فغلقت عليه أبواب دون أبواب، وأخذ أبو الصقر ابن الفياض معه إلى داره، وكان يبقى بناحيته. وأقام أبو الصقر في داره يومه ذلك، وإزداد الإرجاف بموت أبي أحمد، وكانت اعترته غشية، فوجه أبو الصقر يوم الجمعة إلى المدائن، فحمل منها المعتمد وولده، فجيء بهم إلى داره، وأقام أبو الصقر في داره ولم يصر إلى دار أبي أحمد؛ فلما رأى غلمان أبي أحمد المائلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي العباس الذين كانوا حضوراً ما قد نزل بأبي أحمد، كسروا أقفال الأبواب المغلقة على أبي العباس. فذكر عن الغلام الذي كان مع أبي العباس في الحجرة أنه قال لما سمع أبو العباس صوت أقفال تكسر قال: ليس يريد هؤلاء إلا نفسي. وأخذ سيفاً كان عنده، فاستله، وقعد مستوفزاً والسيف في حجره، وقال لي: تنح أنت، والله لا وصلوا إلي وفي شيء من الروح. قال: فلما فتح الباب كان أول من دخل عليه وصيف موشكير - وهو غلام أبي العباس - فلما رآه رمى السيف من يده، وعلم أنهم لم يقصدوا إلا الخير، فأخرجوه حتى أقعدوه عند أبيه، وهو بعقب غشيته. فلما فتح أبو أحمد عينيه، وأفاق رآه، فأدناه وقربه. ووافى المعتمد - ذلك اليوم الذي وجه إليه في حمله، وهو يوم الجمعة نصف النهار قبل صلاة الجمعة - مدينة السلام، لتسع خلون من صفر، ومعه ابنه جعفر المفوض إلى الله ولي العهد وعبد العزيز ومحمد وإسحاق بنوه، فنزل على أبي الصقر. ثم بلغ أبا الصقر أن أبا أحمد لم يمت، فوجه إسماعيل بن إسحاق يتعرف له الخبر؛ وذلك يوم السبت. وجمع أبو الصقر القوات والجند، وشحن داره وما حولها بالرجال والسلاح، ومن داره إلى الجسر كذلك، قطع الجسرين، ووقف قوم على الجسر في الجانب الشرقي يحاربون أصحاب أبي الصقر، فقتل بينهم قتلى، وكانت بينهم جراحات. وكان أبو طلحة أخو شركب مع أصحابه مقيمين بباب البستان، فرجع إسماعيل، فأعلم أبا الصقر أن أبا أحمد حي، فكان أول من مضى إليه من القواد محمد بن أبي الساج، عبر من نهر عيسى، ثم جعل الناس يتسللون؛ منهم من يعبر إلى باب أبي أحمد، ومنهم من يرجع إلى منزله، ومنهم من يخرج من بغداد؛ فلما رأى أبو الصقر ذلك، وصحت عنده حياة أبي أحمد، انحدار هو وابناه إلى دار أبي أحمد؛ فما ذاكره أبو أحمد شيئاً مما جرى، ولا ساء له عنه. وأقام في دار أبي أحمد. فلما رأى المعتمد أنه بقي في الدار وحده، نزل هو وبنوه وبكتمر، فركبوا زورقاً، ثم لقيهم طيار أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، فحملهم في طياره، ومضى بهم إلى داره، وهي دار علي بن جهشيار برأس الجسر فقال له المعتمد: أريد أن أمضي إلى أخي فأحدره ومن معه من بيته إلى دار أبي أحمد. وانتهبت دار أبي الصقر وكل ما حوته حتى خرج حرمه حفاة بغير إزار، وانتهبت دار محمد بن سليمان كاتبه، ودار ابن الواثقي انتهبت وأحرقت، وانتهبت دور أسبابه، وكسرت أبواب السجون، ونقبت الحيطان، وخرج كل من كان فيها، وخرج كل من كان في المطبق، وانتهبت مجلسا الجسر، وأخذ كل ما كان فيهما، وانتهبت المنازل التي تقرب من دار أبي الصقر. وخلع أبو أحمد على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر، فركبا جميعاً، والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطاق، ومضى أبو الصقر مع أبي العباس إلى داره؛ دار صاعد. ثم انحدر أبو الصقر في الماء إلى منزله وهو منتهب، فأتوه من دار الشاه بحصير فقعد عليه، فولي أبو العباس غلامه بدار الشرطة، واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقي، وعيسى النوشري على الجانب الغربي؛ وذلك لأربع عشرة خلت من صفر منها. وفيها في يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر، كانت وفاة أبي أحمد الموفق ودفن ليلة الخميس في الرصافة عند قبر والدته، وجلس أبو العباس يوم الخميس للناس للتعزية. ذكر الخبر البيعة للمعتضد بولاية العهد وفيها بايع القواد والغلمان لأبي العباس بولاية العهد بعد المفوض، ولقب بالمعتضد بالله، في يوم الخميس، وأخرج للجند العطاء، وخطب يوم الجمعة للمعتمد، ثم للمفوض، ثم لأبي العباس المعتضد؛ وذلك لسبع ليال بقين من صفر. وفيها في يوم الاثنين لأربع بقين من صفر قبض على أبي الصقر وأسبابه وانتهب منازلهم، وطلب بنو الفرات - وكان إليهم ديوان السواد - فاختفوا، وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها، وولي الوزارة. وفيها بعث محمد بن أبي الساج إلى الواسط ليرد غلامه وصيفاً إلى مدينة السلام، ومضى وصيف إلى الأهواز. وأبى الانصراف إلى بغداد، وأنهى طيب، وعاث بالسوس. وفيها ظفر بأبي أحمد بن محمد بن الفرات. فحبس وطولب بأموال، وظفر معه بالزغل، فحبس، وظفر معه بمال وفيها وردت الأخبار بقتل علي بن الليث، أخي الصفار، قتله رافع بن هرثمة، كان لحق به، وترك أخاه. ووردت الأخبار فيها عن مصر أن النيل غار ماؤه وغلت الأسعار عندهم. ذكر ابتداء أمر القرامطةوفيها وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة، وكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة ومقامه بموضع منه يقال له النهرين، يظهر الزهد والتقشف، ويسف الخوص، ويأكل من كسبه، ويكثر الصلاة، فأقام على ذلك مدة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين، وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفترضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة، حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت الرسول، فلم يزل على ذلك يقعد إليه الجماعة فيخبرهم من ذلك بما تعلق قلوبهم، وكان يقعد إلى بقال في القرية، وكان بالقرب من البقال نخل إشتراه قوم من التجار، فاتخذوا حظيرة جمعوا فيها ما صرموا من حمل النخل، وجاءوا إلى البقال فسألوه أن يطلب لهم رجلاً يحفظ عليهم ما صرموا من النخل، فأومي لهم إلى هذا الرجل، وقال: إن أجابكم إلى حفظ سمرتكم، فإنه بحيث تحبون، فناظروه على ذلك، فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة؛ فكان يحفظ لهم، ويصلي أكثر نهاره ويصوم، ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر، فيفطر عليه ويجمع نوى ذلك التمر. فلما حمل التجار مالهم من التمر، صاروا إلى البقال، فحاسبوا أجيرهم هذا على أجرته، فدفعوها إليه، فحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر، وحط من ذلك ثمن النوى الذي كان دفعه إلى البقال؛ فسمع التجار ما جرى بينه وبين البقال في حق النوى، فوثبوا عليه فضربوه، وقالوا: ألم ترض إن أكلت تمراً حتى بعت النوى! فقال لهم البقال: لا تفعلوا، فأنه لم يمس تمركم؛ وقص عليهم قصته، فندموا على ضربهم إياه، وسألوه أن يجعلهم في حل، ففعل. وإزداد بذلك نبلاً عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زهده. ثم مرض. فمكث مطروح على الطريق، وكانت في القرية رجل يحمل على أثوار له، أحمر العينين شديدة حمرتهما، وكان أهل القرية يسمونه كرميتا لحمرة عينيه، وهو بالنبطية أحمر العينين، فكلم البقال كرميتا هذا، في أن يحمل هذا العلي إلى منزله، ويوصي أهله بالإشراف عليه والعناية به، ففعل وأقام عنده حتى برء، ثم كان يأوي إلى منزله ودعا أهل القرية إلى أمره، ووصف لهم مذهبه، فأجابهم أهل القرية تلك الناحية، وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه ديناراً ويزعم أنه يأخذ ذلك للإمام؛ فمكث بذلك يدعو أهل تلك القرية فيجيبونه. واتخذ منهم إثنى عشر نقيباً، أمرهم أن يدعو الناس إلى دينهم، وقال لهم: أنتم كحواري عيسى ابن مريم؛ فاشتغل أكرة تلك الناحية عن أعمالهم بما رسم لهم من الخمسين الصلاة التي ذكر أنها مفترظة عليهم. وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير أكرته في العمارة، فسأل عن ذلك، فأخبر أن إنساناً طرء عليهم، فأظهر لهم مذهباً من الدين، وأعلمهم أن الذي أفترضه الله عليهم خمسون صلاة في اليوم والليلة، فقد شغلوا بها عن أعمالهم، فوجه في طلبه، فأخذ وجيء به إليه، فسأله عن أمره، فأخبره بقصته، فحلف أنه يقتله. فأمر به فحبس في البيت، وأقفل عليه الباب ووضع المفتاح تحت وسادته، وتشاغل بالشرب، وسمع بعض من في داره من الجواري بقصته، فرقت له. فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته وفتحت الباب وأخرجته، وأقفلت الباب، وردت المفتاح إلى موضعه فلما أصبح الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده، وشاع بذلك الخبر، ففتن به أهل تلك الناحية، وقالوا: رفع ثم ظهر في موضع أخر. ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم فسألوه عن قصته، فقال: ليس يمكن أحداً أن يبدأني بسوء، ولا يقدر على ذلك مني، فعظم في أعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج إلى ناحية الشأم، فلم يعرف له خبر، وسمي باسم الرجل الذي كان في منزله صاحب الأثوار كرميته، ثم خفف فقالوا: قرمط. ذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمن حدثه، أنه حضر محمد بن داود بن الجراح، وقد دعا بقوم من القرامطة من الحبس، فسألهم عن زكرويه، وذلك بعد ما قتله، وعن قرمط وقصته، وأنهم أوموا له إلى شيخ منهم، وقالوا له: هذا سلف زكرويه، وهو أخبر الناس بقصته، فسله عما تريد، فسأله فأخبره بهذه القصة. وذكر عن محمد بن داود أنه قال: قرمط رجل من سواد الكوفة، كان يحمل غلات السواد على أثوار له، يسمى حمدان ويلقب بقرمط. ثم فشا أمر القرامطة ومذهبهم، وكثروا بسواد الكوفة، ووقف الطائي أحمد بن محمد على أمرهم، فوظف على كل رجل منهم في كل سنة ديناراً، وكان يجبي من ذلك مالاً جليلاً، فقدم قوم الكوفة فرفعوا إلى السلطان أمر القرامطة، وأنهم قد أحدثوا ديناً غير الإسلام، وأنهم يرون السيف على أمة محمد إلا من بايعهم على دينهم، وأن الطائي يخفي أمرهم على السلطان. فلم يلتفت إليهم ولم يسمع منهم، فانصرفوا، وأقام رجل منهم مدة طويلة بمدينة السلام، يرفع ويزعم أنه لا يمكنه الرجوع إلى بلده خوفاً من الطائي. وكان فيما حكموا عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم أن جاءوا بكتاب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " يقول الفرج بن عثمان؛ وهو من قرية يقال لها نصرانة، داعية إلى المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل. وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان، وقال له: إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك الروح القدس، وإنك يحيى بن زكرياء. وعرفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وأن الاذان في كل صلاة أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله؛ مرتين أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحاً رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله؛ وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح؛ وهي من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية. والقبلة إلى بيت المقدس، والحج إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء، والسورة الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتخذ لأوليائه بأوليائه. قل إن الأهلة مواقيت للناس؛ ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب الشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي. اتقون يا أولي الألباب؛ وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي، وامتحن خلقي؛ فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي، وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري، وكذب رسلي، أخلدته مهاناً في عذابي، وأتممت أجلى، وأظهرت أمري؛ على ألسنة رسلي؛ وأنا الذي لم يعل علي جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته؛ وليس الذي أصر على أمره ودوام على جهالته، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين، وبه مؤمنين: أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون! يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلى، الله أعلى، الله أعظم، الله أعظم. ومن شرائعه أن الصوم يومان في السنة، وهما المهرجان والنوروز؛ وأن النبيذ حرام والخمر حلال؛ ولا غسل من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من حاربه وجب قتله، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذت منه الجزية ولا يؤكل كل ذي ناب، و لا كل ذي مخلب. وكان مصير قرمط إلى سواد الكوفة قبل قتل صاحب الزنج؛ وذلك أن بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه أنه قال: قال لي قرمط: صرت إلى صاحب الزنج، ووصلت إليه، وقلت له: إني على مذهب، وورائي مائة ألف سيف؛ فناظرني، فإن اتفقنا على المذهب ملت بمن معي إليك، وإن تكن الأخرى انصرفت عنك. وقلت له: تعطيني الأمان؟ ففعل. قال: فناظرته إلى الظهر، فتبين لي في آخر مناظرتي إياه أنه على خلاف أمري، وقام إلى الصلاة، فانسللت، فمضيت خارجاً من مدينته، وصرت إلى سواد الكوفة. ذكر خبر غزو الروم ووفاة يازمان في هذه الغزوةولخمس بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة، دخل أحمد العجيفي مدينة طرسوس، وغزا مع يازمان غزاة الصائفة، فبلغ سلندو. وفي هذه الغزاة مات يازمان، وكان سبب موته أن شظية من حجر منجنيق أصاب أضلاعه وهو مقيم على حصن سلندو؛ فارتحل المعسكر؛ وقد كانوا أشرفوا على فتحه، فتوفي في الطريق من غده يوم الجمعة، لأربع عشرة ليلة خلت من رجب، وحمل إلى طرسوس على أكتاف الرجال فدفن هناك. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي. ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من أمر السلطان بالنداء بمدينة السلام؛ ألا يقعد على الطريق ولا في مسجد الجامع قاص ولا صاحب نجوم ولا زاجر؛ وحلف والوراقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة. وفيها خلع جعفر المفوض من العهد لثمان بقين من المحرم. وفي ذلك اليوم بويع للمعتضد بأنه ولى العهد من بعد المعتمد، وأنشئت الكتب بخلع جعفر وتوليه المعتضد، ونفذت إلى البلدان، وخطب يوم الجمعة للمعتضد بولاية العهد، وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال والولاة؛ بأن أمير المؤمنين قد ولاه العهد، وجعل إليه ما كان الموفق يليه من الأمر والنهي والولاية والعزل. وفيها قبض على جرادة، كاتب أبي الصقر لخمس خلون من شهر ربيع الأول، وكان الموفق وجهه إلى رافع بن هرثمة، فقدم مدينة السلام قبل أن يقبض علية بأيام. وفيها انصرف أبو طلحة منصور بن مسلم من شهرزور لست بقين من جمادى الأولى - وكانت ضمت إليه - فقبض عليه وعلى كاتبه عقامة، وأودعا السجن؛ وذلك لأربع بقين من جمادى الأولى. ذكر خبر الفتنة بطرسوسوفيها كانت الملحمة بطرسوس بين محمد بن موسى ومكنون غلام راغب مولى الموفق؛ في يوم السبت لتسع بقين من جمادى الأولى؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن طغج بن جف، لقي راغباً بحلب، فأعلمه أن خمارويه بن أحمد يحب لقاءه، ووعده عنه بما يحب؛ فخرج راغب من حلب ماضياً إلى مصر في خمسة غلمان له، وأنفذ خادمه مكنوناً مع الجيش الذي كان معه وأمواله وسلاحه إلى طرسوس. فكتب طغج إلى محمد بن موسى الأعرج يعلمه أنه قد أنفذ راغباً، وأن كل ما معه من مال وسلاح وغلمان مع غلامه مكنون، قد صار إلى طرسوس، وأنه ينبغي له أن يقبض عليه ساعة يدخل وعلى ما معه. فلما دخل مكنون طرسوس وثب به الأعرج، فقبض عليه ووكل بما معه، فوثب أهل طرسوس على الأعرج، فحالوا بينه وبين المكنون، وقبضوا على الأعرج فحبسوه في يد مكنون، وعلموا أن الحيلة قد وقعت براغب؛ فكتبوا إلى خمارويه بن أحمد يعلمونه بما فعل الاعرج، وأنهم قد وكلوا به، وقالوا: أطلق راغباً لينفذ إلينا حتى نطلق الاعرج، فأطلق خمارويه راغباً، وأنفذه إلى طرسوس، وأنفذ معه أحمد بن طغان والياً على الثغور، وعزل عنهم الأعرج، فلما وصل راغب إلى طرسوس أطلق محمد بن موسى الأعرج، ودخل طرسوس أحمد بن طغان والياً عليها وعلى الثغور ومعه راغب، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شعبان. خبر وفاة المعتمد: وفيها توفي المعتمد ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، وكان شرب على الشط في الحسنى يوم الأحد شراباً كثيراً، وتعشى فأكثر، فمات ليلاً، فكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وستة أيام - فيما ذكر. خلافة المعتضدوفي صبيحة هذه الليلة بويع لأبي العباس المعتضد بالله بالخلافة، فولى غلامه بدراً الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن الشاد بن ميكال الحرس، وحجبة الخاصة والعامة صالحاً المعروف بالأمين، فاستخلف صالح خفيفاً السمرقندي. ولليلتين خلتا من شعبان فيها قدم المعتضد رسول عمرو بن الليث الصفار بهدايا، وسأل ولاية خراسان، فوجه المعتضد عيسى النوشري مع الرسول، ومعه خلع ولواء عقدة له على خراسان، فوصلوا إليه في شهر رمضان من هذه السنة، وخلع عليه، ونصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام. وفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد، وقام بما كان إليه من العمل وراء نهر بلخ أخوه إسماعيل بن أحمد. وفيها قدم الحسين بن عبد الله بن المعروف بابن الحصاص من مصر رسولاً لخمارويه بن أحمد بن طولون، ومعه هدايا من العين عشرون حملاً على بغال وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طراز وعشرون رجلاً على عشرين نجيباً، بسروج محلاة بحلية فضة كثيرة، ومعهم حراب فضة، وعليهم أقبية الديباج والمناطق المحلاة وسبع عشرة دابة، بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقي بفضة، وسبع وثلاثون دابة بجلال مشهرة، وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرافة، يوم الاثنين لثلاث خلون من شوال، فوصل إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى سبعة نفر معه. وسفر ابن الحصاص في تزويج ابنة خمارويه من علي بن المعتضد، فقال المعتضد: أنا أتزوجها، فتزوجها. وفيها ورد الخبر بأخذ أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين من محمد بن إسحاق بن كنداج. وفيها مات إبراهيم بن محمد بن المدبر، وكان يلي ديوان الضياع، فولى مكانه محمد بن عبد الحميد، وكان موته يوم الأربعاء لثلاث أو أربع عشرة بقيت من شوال. وفيها عقد لراشد مولى الموفق على الدينور، وخلع علية يوم السبت لسبع بقين من شوال، ثم خرج راشد إلى عمله يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة. وفي يوم النحر منها ركب المعتضد إلى المصلى الذي اتخذه بالقرب من الحسنى، وركب معه القواد والجيش، فصلى بالناس، فذكر عنه أنه كبر في الركعة الأولى ست تكبيرات، وفي الركعة الثانية تكبيرة واحدة، ثم صعد المنبر، فلم تسمع خطبته، وعطل المصلى العتيق فلم يصل فيه. وفيها كتب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف بمحاربة رافع بن هرثمة ورافع الرى، فزحف إليه أحمد، فالتقوا يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة؛ فانهزم رافع بن هرثمة، وخرج عن الرى، ودخلها ابن عبد العزيز. وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي؛ وكانت آخر حجة حجها، وحج بالناس ست عشرة سنة، من سنة أربع وستين إلى هذه السنة. ثم دخلت سنة ثمانين ومائتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدي ومحمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيلمة - وكان شيلمة هذا مع صاحب الزنج إلى آخر أيامه. ثم لحق بالموفق في الأمان فأمنه - وكان سبب أخذه إياهما أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، وأعلمه أنه يدعو إلى رجل لم يوقف على اسمه، وأنه قد استفسد جماعة من الجند وغيرهم، وأخذ معه رجل صيدناني وابن أخ له في المدينة، فقرره المعتضد فلم يقر بشيء، وسأله عن الرجل الذي يدعو إليه، فلم يقر بشيء، وقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، ولو عملتني كردناك لما أخبرتك به؛ فأمر بنار فأوقدت، ثم شد على خشبة من خشب الخيم، وأدير على النار حتى تقطع جلده، ثم ضربت عنقه، وصلب عند الجسر الأسفل في الجانب الغربي. وحبس ابن المهتدي إلى أن وقف على براءته، فأطلق، وكان صلبه لسبع خلون من المحرم. فذكر أن المعتضد قال لشيلمة: قد بلغني أنك تدعو إلى ابن المهتدي، فقال: المأثور عني غير هذا، وإني أتولى آل ابن أبي طالب - وقد كان قرر ابن أخيه فأقر - فقال له: قد أقر ابن أخيك، فقال له: هذا غلام حدث تكلم بها خوفاً من القتل، ولا يقبل قوله. ثم أطلق ابن أخيه والصيدناني بعد مدة طويلة. ذكر خبر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهمولليلة خلت من صفر يوم الأحد شخص المعتضد من بغداد يريد بني شيبان، فنزل بستان بن هارون، ثم سار يوم الأربعاء منه، واستخلف على داره وبغداد صالحاً الأمين حاجبه، فقصد الموضع الذي كانت شيبان تتخذه معقلاً من أرض الجزيرة؛ فلما بلغهم قصده إياهم؛ ضموا إليهم أموالهم وعيالاتهم. ثم ورد كتاب المعتضد أنه أسرى إلى الأعراب من السن، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الزابين، وأخذ النساء والذراري، وغنم أهل المعسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله، وأخذ من غنمهم وإبلهم ما كثر في أيدي الناس حتى بيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وأمر بالنساء والذراري أن يحفظوا حتى يحدروا إلى بغداد. ثم مضى المعتضد إلى الموصل، ثم رجع إلى بغداد، فلقيه بنو شيبان يسألونه الصفح عنهم، وبذلوا له الرهائن، فأخذ منهم خمسمائة رجل - فيما قيل. ورجع المعتضد يريد مدينة السلام، فوافاه أحمد بن أبي الاصبغ بما فارق عليه أحمد ابن عيسى بن الشيخ من المال الذي أخذه من مال إسحاق بن كنداج. وبهدايا ودواب وبغال في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول. وفي شهر ربيع الأول ورد خبر بأن محمد بن أبي الساج افتتح المراغة بعد حصار شديد وحرب غليظة كانت بينهم، وأنه أخذ عبد الله بن الحسين بعد أن آمنه وأصحابه، فقيده وحبسه، وقرره بجميع أمواله، ثم قتله بعد. وفي شهر ربيع الآخر ورد خبر بوفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف. وكانت وفاته في آخر شهر ربيع الأول، فطلب الجند أرزاقهم، وانتهبوا منزل إسماعيل بن محمد المنشيء، وتنازع الرئاسة عمر وبكر ابنا عبد العزيز، ثم قام بالأمر عمر، ولم يكتب إليه المعتضد بالولاية. وفيها افتتح محمد بن ثور عمان، وبعث برءوس جماعة من أهلها. وذكر أن جعفر بن المعتمد توفي في يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الآخر منها؛ وأنه كان مقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر، وقد كان المعتضد نادمه مراراً. وفيها انصرف المعتضد إلى بغداد من خرجته إلى الأعراب. وفيها، في جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث نيسابور؛ في جمادى الأولى منها. وفيها وجه يوسف بن أبي الساج وثلاثين نفساً من الخوارج، من طريق الموصل، فضربت أعناق خمسة وعشرين رجلاً منهم، وصلبوا، وحبس سبعة منهم في الحبس الجديد. وفيها دخل أحمد بن أبا طرسوس لغزاة الصائفة، لخمس خلون من رجب من قبل خمارويه، ودخل بعده بدر الحمامي، فغزوا جميعاً مع العجيفي أمير طرسوس حتى بلغوا البلقسور. وفيها ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه - فيما ذكر - مدينة ملكهم، وأسره إياه وأمرأته خاتون ونحواً من عشرة ألاف، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وغنم من الدواب دواب كثيرة لا يوقف على عددها، وأنه أصاب الفارس من المسلمين من الغنيمة في المقسم ألف درهم. ولليلتين بقيتا من شهر رمضان منها، توفي راشد مولى الموفق بالدينور، وحمل في تابوت إلى بغداد. ولثلاث عشرة خلت من شوال منها مات مسرور البلخي. وفيها - فيما ذكر - في ذي الحجة ورد كتاب من دبيل بانكساف القمر في شوال لأربع عشرة خلت منها، ثم تجلى في آخر الليل، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة والدنيا مظلمة عليهم؛ فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء شديدة، فدامت إلى ثلث الليل؛ فلما كان ثلث الليل زلزلوا، فأصبحوا وقد ذهبت المدينة فلم ينج من منازلها إلا اليسير، قدر مائة دار، وأنهم دفنوا إلى حين كتب الكتاب ثلاثين ألف نفس يخرجون من تحت الهدم، ويدفنون، وأنهم زلزلوا بعد الهدم خمس مرات. وذكر عن بعضهم أن جملة من أخرج من تحت الهدم خمسون ومائة ألف ميت. وحج بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن هارون المعروف بابن ترنجة. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من موافاة ترك بن العباس عامل السلطان على ديار مضر مدينة السلام لتسع خلون من المحرم بنيف وأربعين نفساً من أصحاب أبي الأغر صاحب سميساط، على جمال، عليهم برانس ودراريع حرير. فمضى بهم إلى دار المعتضد، ثم ردوا إلى الحبس الجديد فحبسوا به، وخلع على ترك، وانصرف إلى منزله. وفيها ورد الخبر بوقعة كانت لوصيف خادم ابن أبي الساج بعمر بن عبد العزيز بن أبي دلف وهزيمته إياه، ثم صار وصيف إلى مولاه محمد ابن أبي الساج، في شهر ربيع الآخر منها. وفيها دخل طغج بن جف طرسوس لغزاة الصائفة من قبل خمارويه يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة - فيما قيل - وغزا، فبلغ طرايون، وفتح ملورية. ولخمس ليال بقين من جمادى الآخرة مات أحمد بن محمد الطائي بالكوفة، ودفن بها في موضع يقال له مسجد السهلة. وفيها غارت المياه بالري وطبرستان. ولليلتين خلتا من رجب منها شخص المعتضد إلى الجبل، فقصد ناحية الدينور، وقلد أبا محمد على بن المعتضد الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور، وقلد كتبته أحمد بن أبي الاصبغ، ونفقات عسكره والضياع بالري الحسين بن عمرو الضراني، وقلد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أصبهان ونهاوند والكرج، وتعجل للانصراف من أجل غلاء السعر وقلة الميرة، فوافى بغداد يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر رمضان. وفيها أتستأمن الحسن بن علي كوره عامل رافع على الرى إلى علي بن المعتضد في زهاء ألف رجل ، فوجهه إلى أبيه المعتضد. وفيها دخل الأعراب سامراً فأسروا ابن سيما أنف في ذي القعدة منها وانتهبوا. ذكر خبر الوقعة بين الأكراد والأعرابولست ليال بقين من ذي القعدة خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموصل عامداً لحمدان بن حمدون؛ وذلك أنه بلغه أنه مايل هارون الشاري الوازقي، ودعا له. فورد كتاب المعتضد من كرخ جدان على نجاح الحرمي الخادم بالوقعة بينه وبين الأعراب والأكراد؛ وكانت يوم الجمعة سلخ ذي القعدة: " بسم الله الرحمن الرحيم " . كتابي هذا وقت العتمة ليلة الجمعة، وقد نصر الله - وله الحمد - على الأكراد والأعراب، وأظفرنا بعالم منهم وبعيالاتهم؛ ولقد رأيتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عاماً أولاً، ولم تزل الأسنة والسيوف تأخذهم، وحال بيننا وبينهم الليل، وأوقدت النيران على رءوس الجبال، ومن غد يومنا، فيقع الاستقصاء، وعسكري يتبعني إلى الكرخ. وكان وقاعنا بهم وقتلنا إياهم خمسين ميلاً، فلم يبق منهم مخبر والحمد لله كثيراً، فقد وجب الشكر لله علينا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم كثيراً. وكانت الأعراب والأكراد لما بلغهم من خروج المعتضد، تحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا، وعبوا عسكرهم ثلاثة كراديس؛ كردوساً دون كردوس، وجعلوا عيالاتهم وأولادهم في أخر كردوس، وتقدم المعتضد عسكره في خيل جريدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق في الزاب منهم خلق كثير، ثم خرج إلى الموصل عامداً لقلعة ماردين، وكانت في يد حمدان ابن حمدون، فلما بلغه مجيء المعتضد هرب وخلف ابنه بها، فنزل عسكر المعتضد على القلعة، فحاربهم من كان فيها يومهم ذلك؛ فلما كان من الغد ركب المعتضد، فصعد القلعة حتى وصل إلى الباب، ثم صاح: يا بن حمدون، فأجابه: لبيك! فقال له: افتح الباب، ويلك! ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر من دخل فنقل ما في القلعة من المال والاثاث، ثم أمر بهدمها فهدمت، ثم وجه خلف حمدان بن حمدون، فطلب أشد الطلب، وأخذت أموال كانت له مودعة. وجيء بالمال إلى المعتضد، ثم ظفر به. ثم مضى المعتضد إلى مدينة يقال لها الحسنية، وفيها رجل يقال له شداد، في جيش كثيف، ذكر أنهم عشرة آلاف رجل، وكان له قلعة في المدينة فظفر به المعتضد، فأخذه فهدم قلعته. وفيها ورد الخبر من طريق مكة أنه أصاب الناس في المصعد برد شديد ومطر جود وبرد أصيب فيه أكثر من خمسمائة إنسان. وفي شوال منها غزا المسلمون الروم، فكانت بينهم الحرب اثني عشر يوماً، فظفر المسلمون وغنموا غنيمة كثيرة وانصرفوا. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين ذكر الاحداث التي كانت فيها ذكر أمر النيروز المعتضدي فمن ذلك ما كان من أمر المعتضد في المحرم منها بإنشاء الكتب إلى جميع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النيروز الذي هو نيروز العجم، وتأخير ذلك إلى اليوم الحادي عشر من حزيران، وسمي ذلك النيروز المعتضدي، فأنشئت الكتب بذلك من الموصل والمعتضد بها، وورد كتابه بذلك على يوسف بن يعقوب يعلمه أنه أراد بذلك الترفيه على الناس، والرفق بهم، وأمر أن يقرأ كتابه على الناس، ففعل. وفيها قدم ابن الجصاص من مصر بابنه أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون التي تزوجها المعتضد، ومعها أكثر عمومتها، فكان دخولهم بغداد يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم، وأدخلت للحرم ليلة الأحد، ونزلت في دار صاعد ابن مخلد؛ وكان المعتضد غائباً بالموصل. وفيها منع الناس من عمل ما كانوا يعملون في نيروز العجم من صب الماء ورفع النيران وغير ذلك. ذكر أمر المعتضد مع حمدان بن حمدونوفيها كتب المعتضد من الموصل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه؛ فأما إسحاق بن أيوب فسارع إلى ذلك، وأما حمدان بن حمدون فتحصن في قلاعه، وغيب أمواله وحرمه. فوجه إليه المعتضد الجيوش مع وصيف موشكير ونصر القشوري وغيرهما؛ فصادفوا الحسن بن علي كوره وأصحابه منيخين على قلعة لحمدان، بموضع يعرف بدير الزعفران من أرض الموصل، وفيها الحسين بن حمدان. فلما رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين طلب الأمان فأومن. صار الحسين إلى المعتضد، وسلم القلعة فأمر بهدمها، وأغذ وصيف موشكير السير في طلب حمدان؛ وكان قد صار بموضع يعرف بباسورين بين دجلة ونهر عظيم، وكان الماء زائداً، فعبر أصحاب وصيف إليه ونذر بهم، فركب وأصحابه ودافعوا عن أنفسهم، حتى قتل أكثرهم، فألقى حمدان نفسه في زورق كان معداً له في دجلة، ومعه كاتب له نصراني يسمى زكرياء بن يحيى، وحمل معه مالاً، وعبر إلى الجانب الغربي من دجلة من أرض ديار ربيعة، وقدر اللحاق بالأعراب لما حيل بينه وبين أكراده الذين في الجانب الشرقي، وعبر في أثره نفر يسير من الجند فاقتصوا أثره، حتى أشرفوا على دير كان قد نزله؛ فلما بصر بهم خرج من الدير هارباً ومعه كاتبه، فألقيا أنفسهما في زورق، وخلفا المال في الدير، فحمل إلى المعتضد، وانحدر أصحاب السلطان في طلبه على الظهر وفي الماء، فلحقوه، فخرج عن الزورق خاسراً إلى ضيعة له بشرقي دجلة، فركب دابة لوكيله، وسار ليلة أجمع إلى أن وافى مضرب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضد، مستجيراً به، فأحضره إسحاق مضرب المعتضد، وأمر بالاحتفاظ به، وبث الخيل في طلب أسبابه، فظفر بكاتبه وعدة من قراباته وغلمانه، وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم في الدخول في الأمان؛ وذلك في آخر المحرم من هذه السنة. وفي شهر ربيع الأول منها قبض على بكتمر بن طاشتمر، وقيد وحبس، وقبض ماله وضياعه ودوره. وفيها انتقلت ابنة خمارويه بن أحمد إلى المعتضد لأربع خلون من شهر ربيع الآخر، ونودي في جانبي بغداد ألا يعبر أحد في دجلة يوم الأحد، وغلقت أبواب الدروب التي تلي الشط، ومد على الشوارع النافذة إلى دجلة شراع، ووكل بحافتي دجلة من يمنع أن يظهروا في دورهم على الشط. فلما صليت العتمة وافت الشذا من دار المعتضد، وفيها خدم معهم الشمع، فوقفوا بإزاء دار صاعد، وكانت أعدت أربع حراقات شدت مع دار صاعد، فلما جاءت الشذا أحدرت الحراقات، وصارت الشذا بين أيديهم؛ وأقامت الحرة يوم الاثنين في دار المعتضد، وجليت عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر ربيع الأول. وفيها شخص المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموالاً لابن أبي دلف وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف يطلب منه جوهراً كان عنده، فوجه به إليه، وتنحى من بين يديه. وفيها أطلق لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج المعتضد، وحمل على دواب وبغال. وفيها وجه يوسف بن أبي الساج إلى الصيمرة مدداً لفتح القلانسي، فهرب يوسف بن أبي الساج بمن أطاعه إلى أخيه محمد بالمراغة، ولقي مالاً للسلطان في طريقه فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إمام الهدى أنصاركم آل طاهر ... بلا سبب يجفون والدهر يذهب وقد خلطوا صبرا بشكر ورابطوا ... وغيرهم يعطي ويحيي ويهرب وفيها وجه المعتضد الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الرى إلى أبي محمد أبنه. وفيها وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار، ليفرقها على أهله ببغداد والكوفة؛ ومكة والمدينة، فسعى به، فأحصر دار بدر، وسئل عن ذلك، فذكر أن يوجه إليه في كل سنة بمثل هذا المال، فيفرقه على من يأمره بالتفرقة عليه من أهله. فأعلم بدر المعتضد ذلك، وأعلمه أن الرجل في يديه والمال، واستطلع رأيه وما يأمر به. فذكر عن أبي عبد الله الحسني أن المعتضد قال لبدر: يا بدر، أما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: ألا تذكر أني حدثتك أن الناصر دعاني، فقال لي: أعلم أن هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل على بن أبي طالب! ثم قال: رأيت في النوم كأني خارج من بغداد أريد ناحية النهروان في جيشي، وقد تشوف الناس إلي، إذ مررت برجل واقف على تل يصلي، لا يلتفت إلي، فعجبت منه ومن قلة اكتراثه بعسكري، مع تشوف الناس إلى العسكر، فأقبلت إليه حتى وقفت بين يديه، فلما فرغ من صلاته قال لي: اقبل، فأقبلت إليه، فقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا علي بن أبي طالب؛ خذ هذه المسحاة، فاضرب بها الأرض - لمسحاة بين يديه - فأخذتها فضربت بها ضربات، فقال لي: أنه سبيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها، فأوصهم بولدي خيراً. قال بدر: فقلت: بلى يا أمير المؤمنين، قد ذكرت. قال: فأطلق المال، وأطلق الرجل وتقدم إليه إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يوجه به إليه ظاهراً، وأن يفرق محمد بن ورد ما يفرقه ظاهراً، وتقدم بمعونة محمد على ما يريد من ذلك. وفي شعبان لإحدى عشرة بقيت منها، توفي أبو طلحة المنصور بن مسلم في حبس المعتضد. وفيها لثمان خلون من شهر رمضان منها، وافى عبيد الله بن سليمان الوزير بغداد قادماً من الرى، فخلع عليه المعتضد. ولثمان بقين من شهر رمضان منها، ولدت ناعم جارية أم قاسم بنت محمد ابن عبد الله للمعتضد ابناً سماه جعفر، فسمى المعتضد هذه الجارية شغب. وفيها قدم إبراهيم ابن أحمد الماذرائي لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة من دمشق على طريق البر، فوافى بغداد في أحد عشر يوماً، فأخبر المعتضد أن خمارويه بن أحمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه من الخاصة،وقيل: إن قتله كان لثلاث خلون من ذي الحجة. وقيل أن إبراهيم وافى بغداد من دمشق سبعة أيام، وقتل من خدمه الذين اتهموا بقتله نيف وعشرون خادماً. وكان المعتضد كان قد بعث مع ابن الجصاص إلى خمارويه بهدايا، وأودعه إليه رسالة، فشخص ابن الجصاص لما وجه له، فلما بلغ سامراً بلغ المعتضد مهلك خمارويه، فكتب إليه يأمره بالرجوع إليه فرجع، ودخل بغداد لسبع بقين من ذي الحجة. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الاحداث خبر هارون الشاري والظفر به فمن ذلك ما كان من شخوص المعتضد لثلاث عشرة بقيت من المحرم منها - بسبب الشاري هارون - إلى ناحية الموصل، فظفر به، وورد كتاب المعتضد بظفره به إلى مدينة السلام يوم الثلاثاء لتسع خلون من شهر ربيع الأول. وكان سبب ظفره به أنه وجه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعة من الفرسان والرجالة من أهل بيته وغيرهم من أصحابه إليه؛ وذكر أن الحسين بن حمدان قال للمعتضد: إن أنا جئت به أمير المؤمنين فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، فقال: اذكرها، قال: أولها إطلاق أبي، وحاجتان أسأله إياهما بعد مجيء به إليه. فقال له المعتضد: لك ذلك فامض، فقال الحسين: أحتاج إلى ثلاثمائة فارس أنتخبهم، فوجه المعتضد معه ثلاثمائة فارس مع موشكير، فقال: أريد أن يأمره أمير المؤمنين ألا يخالفني فيما أمره به، فأمر المعتضد موشكير بذلك. فمضى الحسين حتى انتهى إلى مخاضة دجلة، فتقدم إلى وصيف ومن معه بالوقوف على المخاضة، وقال له: ليس لهارون طريق إن هرب غير هذا، فلا تبرحن من هذا الموضع حتى يمر بك هارون؛ فتمنعه العبور، وأجيئك أنا، أو يبلغك أني قد قتلت. ومضى حسين في طلب هارون فلقيه وواقعه، وكانت بينهما قتلى، وانهزم الشاري هارون، وأقام وصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامنا بهذا المكان القفر، وقد أضر ذلك بنا، ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشاري فيكون الفتح له دوننا؛ والصواب أن نمضي في أثارهم. فأطاعهم ومضى. وجاء هارون الشاري منهزما إلى موضع المخاضة، فعبر، وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفاً وأصحابه بالموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف هارون خبراً، ولا رأى له أثراً، وجعل يسأل عن هارون حتى وقف عبوره، فعبر في أثره، وجاء إلى حي من أحياء العرب، فسألهم عنه فكتموه أمره، فأراد أن يوقع بهم، وأعلمهم أن المعتضد في أثره؛ فأعلموه أنه اجتاز بهم، فأخذ بعض دوابهم، وترك دوابه عندهم - وكانت قد كلت وأعيت - واتبع أثره، فلحقه بعد أيام والشاري في نحو من مائة، فناشده الشاري، وتوعده، فأبى إلا محاربته، فحاربه؛ فذكر أن حسين ابن حمدان رمى بنفسه عليه، فابتدره أصحاب حسين فأخذوه، وجاء به إلى المعتضد سلماً بغير عقد ولا عهد، فأمر المعتضد بحل قيود حمدان بن حمدون، والتوسعة عليه والإحسان إليه أن يقدم فيطلقه ويخلع عليه؛ فلما أسر الشاري وصار في يد المعتضد، انصرف راجعاً إلى مدينة السلام، فوافاها لثمان بقين من شهر ربيع الأول، فنزل باب الشماسية، وعبأ الجيش هنالك، وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان، وطوقه بطوق من ذهب، وخلع على جماعة من رؤساء أهله، وزين الفيل بثياب الديباج، واتخذ للشاري على الفيل كالمحفة، وأقعد فيها، وألبس دراعه الديباج، وجعل على رأسه برنس حرير طويل. ولعشر بقين من جمادى الأولى منها، أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع النواحي برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث، وصرف عمالها؛ فنفذت الكتب بذلك، وقرئت على المنابر. وفيها خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور، فخالفه رافع بن هرثمة إليها، فدخلها وخطب بها لمحمد بن زيد الطالبي وأبيه، فقال: اللهم أصلح الداعي إلى الحق؛ فرجع عمرو إلى نيسابور، فعسكر خارج المدينة، وخندق على عسكره لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فأقام محاصراً أهل نيسابور. وفي يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الأخرى منها، وافى بغداد محمد ابن إسحاق ابن كنداجيق وخاقان المفلحي ومحمد بن كمشجور المعزوف ببندقة وبدر بن جف أخو طغج وابن حسنج في جماعة من القواد من مصر في الأمان. وذكر أن سبب مجيئهم إلى المعتضد في الأمان كان أنهم أرادوا أن يفتكوا بجيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، فسعى بهم إليه، وكان راكباً وكانوا في موكبه، وعلموا أنه قد وقف على أمرهم، فخرجوا من يومهم وسلكوا البرية، وتركوا أموالهم وأهاليهم، فتاهوا أياماً، ومات منهم جماعة من العطش وخرجوا على طريق مكة فوق الكوفة بمرحلتين أو ثلاثة. ووجه السلطان محمد بن سليمان صاحب الجيش إلى الكوفة حتى كتب أسماؤهم، وأقيمت لهم الوظائف من الكوفة فلما قربوا من بغداد، خرجت إليهم الوظائف والخيم والطعام،ووصلوا إلى المعتضد يوم دخلوا، فخلع عليهم وحمل كل قائد منهم على دابة بسرجه ولجامه، وخلع على الباقين، وكان عددهم ستين رجلاً. وفي يوم السبت لأربع عشرة بقيت منها شخص الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الجبل لحرب ابن أبي دلف بأصبهان. خبر حصر الصقالبة القسطنطينية: وفيها - فيما ذكر - ورد كتاب من طرسوس أن الصقالبة غزت الروم في خلق كثير، فقتلوا منهم وخربوا لهم قرى كثيرة حتى وصلوا إلى قسطنطينية وألجئوا الروم إليها، وأغلقت أبواب مدينتهم، ثم وجه طاغية الروم إلى ملك الصقالبة أن ديننا ودينكم واحد؛ فعلام نقتل الرجال بيننا! فأجابه ملك الصقالبة أن هذا ملك آبائي، ولست منصرفاً عنك إلا بغلبة أحدنا صاحبه؛ فلما لم يجد ملك الروم خلاصاً من صاحب الصقالبة، جمع من عنده من المسلمين، فأعطاهم السلاح، وسألهم معونته على الصقالبة، ففعلوا، وكشفوا الصقالبة،فلما رأى ذلك ملك الروم خافهم على نفسه، فبعث إليهم فردهم، وأخذ منهم السلاح وفرقهم في البلدان، حذراً من أن يجنوا عليه. خلاف جند جيش بن خمارويه عليه: وللنصف من رجب من هذه السنة ورد الخبر من مصر أن الجند من المغاربة والبربر وثبوا على جيش بن خمارويه، وقالوا: لا نرض بك أميراً علنياً فتنح عنا حتى نولي عمك، فكلمهم كاتبه علي بن أحمد الماذرائي، وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم ذلك، فانصرفوا وعادوا من غد، فعدا جيش على عمه الذي ذكروا أنهم يؤمرونه، فضرب عنقه وعنق عم له آخر، ورمى بأرؤسهما إليهم، فهجم الجند على جيش بن خمارويه، فقتلوه وقتلوا أمه وانتهبوا داره، وانتهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه. وفي رجب منها أمر المعتضد بكري دجيل والاستقصاء عليه، وقلع صخر في فوهته كان يمنع الماء، فجبني بذلك من أرباب الضياع والإقطاعات أربعة آلاف دينار، وكسر - فيما ذكر - وأنفق عليه، وولى ذلك كاتب زيرك وخادم من خدم المعتضد. ذكر الفداء بين المسلمين والروم وفي شعبان منها، كان الفداء بين المسلمين والروم على يدي أحمد بن طغان، وذكر أن الكتاب الوارد بذلك من طرسوس كان فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " : أعلمك أن أحمد بن طغان نادي في الناس يحضرون الفداء يوم الخميس لأربع خلون من شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وأنه قد خرج إلى لامس - وهو معسكر المسلمين - يوم الجمعة لخمس خلون من شعبان، وأمر الناس بالخروج معه في هذا اليوم، فصلى الجمعة، وركب من مسجد الجامع ومعه راغب ومواليه، وخرج معه وجوه البلد والموالي والقواد والمطوعة بأحسن زي، فلم يزل الناس خارجين إلى لامس إلى يوم الاثنين لثمان خلون من شعبان، فجرى الفداء بين الفريقين اثني عشر يوماً؛ وكانت جملة من فودى به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس، وأطلق المسلمون يوم الثلاثاء لسبع بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم، وأطلق الروم فيه يحيى بن عبد الباقي رسول المسلمين المتوجه في الفداء، وانصرف الأمير ومن معه. وخرج - فيما ذكر أحمد بن طغان بعد انصرافه من هذا الفداء في هذا الشهر في البحر، أوخلف دميانه على علمه على طرسوس، ثم وجه بعده يوسف ابن الباغمردي على طرسوس ولم يرجع هو إليها. ذكر أمر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف وأخيه بكر وفي يوم الجمعة لعشر خلون من شهر رمضان من هذه السنة قرىء كتاب على المنبر بمدينة السلام في مسجد جامعها؛ بأن عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف صار إلى بدر وعبيد الله بن سليمان في الأمان يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سامعاً مطيعاً منقاداً لأمير المؤمنين، مذعناً بالطاعة والمصير معهما إلى بابه، وأن عبيد الله بن سلمان خرج إليه فتلقاه، وصار به إلى مضرب بدر، وأخذ عليه وعلى أهل بيته وأصحابه البيعة لأمير المؤمنين، وخلع عليه بدر وعلى الرؤساء من أهل بيته، فانصرفوا إلى مضرب قد أعد لهم، وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز في الأمان على بدر وعبيد الله بن سليمان، فولياه عمل أخيه عمر، على أن يخرج إليه ويحاربه، فلما دخل عمر في الأمان قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في طاعة السلطان؛ وإنما كنا وليناك عمله على أنه عاص، والآن فأمير المؤمنين أعلى عيناً فيما يرى من أمركما، فامضيا إلى بابه. وولى عيسى النوشري أصبهان، وأظهر أنه من قبل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز في أصحابه، فكتب بذلك إلى المعتضد، فكتب إلى بدر يأمره بالمقام بموضعه إلى أن يعرف خبر بكر وما إليه يصير أمره؛ فأقام وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان إلى محمد علي بن المعتضد بالرى، ولحق بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف بالأهواز، فوجه المعتضد في طلبه وصيفاً موشكير، فخرج من بغداد في طلبه حتى بلغ حدود فارس، وقد كان لحقه - فيما ذكر - ولم يواقعه، وباتا؛ وكل واحد منهما قريب من صاحبه، فارتحل بكر بالليل فلم يتبعه وصيف، ومضى بكر إلى أصبهان، ورجع وصيف إلى بغداد، فكتب المعتضد إلى بدر يأمره بكر وعربه، فتقدم بدر إلى عيسى النوشري بذلك، فقال بكر بن عبد العزيز: عني ملامك ليس حين ملام ... هيهات أحدث زائداً للوام طارت غيايات الصبا عن مفرقي ... ومضى أوان شراستي وعرامي ألقى الأحبة بالعراق عصيهم ... وبقيت نصب حوادث الأيام وتقاذفت بأخي النوى ورمت به ... مرمى البعيد الأرحام وتشعب العرب الذين تصدعوا ... فذببت عن أحسابهم بحسامي فيه تماسك ما وهي من أمرهم ... والسمر عند تصادم الأقوام فلأقرعن صفاة دهر نابهم ... قرعاً يهد رواسي الأعلام ولأضربن الهام دون حريمهم ... ضرب القدار نقيعة القدام ولأتركن الواردين حياضهم ... بقرارة لمواطىء الأقدام يا بدر إنك لو شهدت مواقفي ... والموت يلحظ والصفاح دوامي لذممت رأيك في إضاعة حرمتي ... ولضاق ذرعك في اطراح ذمامي حركتني بعد السكون وإنما ... حركت من حصني جبال تهام وعجمتني فعجمت مني مرجماً ... خشن المناكب كل يوم زحام قل للأمير أبي محمد الذي ... يخلو بغرته دجى الإظلام أسكنتني ظل العلا فسكنته ... في عيشة رغد وعز نامي حتى إذا حلئت عنه نابني ... ما نابني وتنكرت أيامي فلأشكرن جميل ما أوليتني ... ما غردت في الأيك ورق حمام هذا أبو حفص يدي وذخيرتي ... للنائبات وعدتي وسنامي ناديته فأجابني، وهززته ... فهززت حد الصارم الصمصام من رام أن يغضي الجفون على القذى ... أو يستكين يروم غير مرام ويخيم حين يرى الأسنة شرعاً ... والبيض مصلته لضرب الهام وقال بكر بن عبد العزيز يذكر هرب النوشري منبين يديه ويعير وصيفا بالأحجام عنه ويتهدد بدراً: قالت البيض قد تغير بكر ... وبدا بعد وصله منه هجر ليس كالسيف مونس حين يعرو ... حادث معضل ويفدح أمر أوقدوا الحرب بيننا فاصطلوها ... ثم حاصوا، فأين منها المفر! وبغوا شرنا فهذا أوان ... قد بدا شره ويتلوه شر قد رأى النوشري لما التقينا ... من إذا أشرع الرماح يفر جاء في قسطل لهام فصلنا ... صولة دونها الكماة تهر ولواء الموشجير أفضى إلينا ... رويت عند ذاك بيض وسمر غر بدراً حلمي وفضل أناتي ... واحتمالي، وذاك مما يغر سوف يأتينه شوذاب قب ... لاحقات البطون جون وشقر يتبارين كالسعالي عليها ... من بني وائل أسود تكر لست بكراً إن لم أدعهم حديثاً ... ما سرى كوكب وما كر دهر وفي يوم الجمعة لسبع خلون من شوال من هذه السنة مات علي بن محمد ابن أبي الشوارب، فحمل إلى سامراً من يومه في تابوت، وكانت ولايته للقضاء على مدينة أبي جعفر ستة أشهر. وفي يوم الاثنين لأربع من شوال منها دخل بغداد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف قادماً من أصبهان، فأمر المعتضد - فيما ذكر - القواد باستقباله، فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقواد، وقعد له المعتضد، فوصل إليه، وخلع عليه، وحمله على دابة بسرج ولجام محلى بذهب، وخلع معه على ابنين له وعلى ابن أخيه أحمد بن عبد العزيز وعلى نفسين من قواده، وأنزل في الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله عند رأس الجسر؛ وكانت قد فرشت له. وفي هذه السنة قرىء على القواد في دار المعتضد كتاب ورد من عمرو بن الصفار بن الليث الصفار؛ بأنه واقع رافع بن هرثمة وهزمه، وأنه مر هارباً، وأنه على أن يتبعه. وكانت الوقعة لخمس بقين من شهر رمضان، وقرىء الكتاب يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة. وفي يوم الأحد لثلاث عشرة بقين من ذي القعدة، وردت خريطة - فيما ذكر - من عمرو بن الليث على المعتضد،وهو في الحلبة، فانصرف إلى دار العامة، وقرىء الكتاب على القواد من عمرو بن الليث يخبر فيه أنه وجه في أثره رافع بعد الهزيمة محمد بن عمرو البلخي مع قائد آخر من قواده، وقد كان رافع صار إلى طوس فواقعوه، فانهزم واتبعوا أثره، فلحق بخوارزم، فقتل بخوارزم، فأرسل بخاتمه مع الكتاب، وذكر أنه قد حمل الرسول في أمر الرأس ما يخبر به السلطان. وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة منها قرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة. ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن هرثمة يوم الخميس لأربع خلون من المحرم على المعتضد، فأمر بنصبه في المجلس بالجانب الشرقي إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربي، ونصبه هنالك إلى الليل، ثم رده إلى دار السلطان. وخلع على الرسول وقت وصوله إلى المعتضد بالرأس. وفي يوم الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمة بين راغب ودميانة بطرسوس، وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن راغباً مولي الموفق ترك الدعاء لخمارويه بن أحمد، ودعا لبدر مولى المعتضد، فوقع بينه وبين أحمد بن طغان الخلاف؛ فلما انصرف ابن طغان من الفداء الذي في سنة ثلاث وثمانين ومائتين ركب البحر ولم يدخل طرسوس، ومضى وخلف دميانة للقيام بأمر طرسوس؛ فلما كان في صفر من هذه السنة، وجه يوسف الباغمردي ليخلفه إلى طرسوس؛ فلما دخلها وقوى به دميانة، كرهوا ما يفعله راغب من الدعاء لبدر، فوقعت بينهم الفتنة، وظفر بهم راغب، فحمل دميانة وابن الباغمردي وابن اليتيم مقيدين إلى المعتضد. ولعشر بقين من صفر في يوم الاثنين من هذه السنة وردت خريطة من الجبل، بأن عيسى النوشري أوقع ببكر بن عبد العزيز بن أبي دلف في حدود أصبهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، وأفلت في نفر يسير. وفي يوم الخميس لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول منها، خلع على أبي عمر يوسف بن يعقوب، وقلد قضاء مدينة أبي جعفر المنصور مكان علي ابن محمد بن أبي الشوارب، وقضاء قطر بل ومسكن وبزرجسابور والرذانين. وقعد للخصوم في هذا اليوم في المسجد الجامع، ومكثت مدينة أبي جعفر من لدن مات ابن أبي الشوارب إلى أن وليها أبو عمر بغير قاض، وذلك خمسة أشهر وأربعة أيام. وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه في هذه السنة، أخذ خادم نصراني لغالب النصراني متطبب السلطان يقال له وصيف، فرفع إلى الحبس، وشهد عليه أنه شم النبي صلى الله عليه وسلم فحبس، ثم اجتمع من غد هذا اليوم ناس من العامة بسبب هذا الخادم، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه. بسبب ما شهد عليه؛ فلما كان يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت منه اجتمع أهل باب الطاق إلى قنطرة البردان وما يليها من الأسواق، وتداعوا، ومضوا إلى باب السلطان، فلقيهم أبو الحسين ابن الوزير، فصاحوا به، فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد، فكذبوه وأسمعوه ما كره، ووثبوا بأعوانه ورجاله حتى هربوا منهم، ومضوا إلى دار المعتضد بالثريا، فدخلوا من الباب الأول والثاني فمنعوا من الدخول، فوثبوا على من منعهم، فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم، فأخبروه. فكتب به إلى المعتضد، فأدخل إليه منهم جماعة، وسألهم عن الخبر فذكروه له، فأرسل معهم خفيفاً السمرقندي إلى يوسف القاضي، وتقدم إلى خفيف أن يأمر يوسف بالنظر في أمر الخادم، وأن ينهي إليه ما يقف عليه من أمره، فمضى معهم خفيف إلى يوسف، فكادوا يقتلونه ويقتلون يوسف لما دخلوا عليه مما ازدحموا، حتى أفلت يوسف منهم، ودخل باباً وأغلقه دونهم، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذكر، ولا كان للعامة في أمره اجتماع. وفي هذا الشهر من هذه السنة قدم - فيما ذكر - قوم من أهل طرسوس على السلطان يسألونه أن يولى عليهم وال، ويذكرون أن بلدهم بغير وال؛ وكانت طرسوس قبل في يدي ابن طولون، فأساء إليهم، فأخرجوا عامله عن البلد، وأرسلهم في ذلك، ووعدهم الإحسان، فأبوا أن يتركوا له غلاماً يدخل بلدهم، وقالوا: من جاءنا من قبلك حاربناه، فكف عنهم. وفي يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - فيما ذكر - ظهرت ظلمة بمصر، وحمرة في السماء شديدة؛ حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر، فيراه أحمر، وكذلك الحيطان وغير ذلك، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله ويتضرعون إليه. وفي يوم الأربعاء لثلاث خلون من جمادى الأولى، ولإحدى عشرة ليلة خلت من حزيران، نودي في الأرباع والأسواق ببغداد بالنهي عن وقود النيران ليلة النيروز، وعن صب الماء في يومه، ونودي بمثل ذلك في يوم الخميس، فلما كان عشية يوم الجمعة نودي على باب سعيد بن يكسين صاحب الشرطة بالجانب الشرقي من مدينة السلام، بأن أمير المؤمنين قد أطلق للناس في وقود النيران وصب الماء، ففعلت العامة من ذلك ما جاوز الحد، حتى صبوا الماء على أصحاب الشرطة في مجلس الجسر - فيما ذكر. وفيها أغريت العامة بالصياح بمن رأوا من الخدم السود: يا عقيق فكانوا يغضبون من ذلك، فوجه المعتضد خادماً أسود عشية الجمعة برقعة إلى ابن حمدون النديم؛ فلما بلغ الخادم رأس الجسر من الجانب الشرقي صاح به صائح من العامة: يا عقيق! فشم الخادم الصائح، وقنعه، فاجتمعت جماعة من العامة على الخادم فنكسوه وضربوه، وضاعت الرقعة التي كانت معه. فرجع إلى السلطان فأخبره بما صنع به، فأمر المعتضد طريفاً المخلدي الخادم بالركوب والقبض على كل من تولع بالخدم وضربه بالسياط. فركب طريف يوم السبت لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى في جماعة من الفرسان والرجالة، وقدم بين يديه خادماً أسود؛ فصار إلى باب الطاق لما أمر به من القبض على من صاح بالخادم: يا عقيق، فقبض فيما ذكر بباب الطابق على سبعة أنفس؛ ذكر أن بعضهم كان بزياً؛ فضربوا بالسياط في مجلس الشرطة بالجانب الشرقي. وعبر طريف ومضى إلى الكرخ، ففعل مثل ذلك، وأخذ خمسة أنفس فضربهم في مجلس الشرطة بالشرقية، وحمل الجميع على جمال، ونودي عليهم: هذا جزاء من أولع بخدم السلطان، وصاح بهم: يا عقيق، وحبسوا يومهم، وأطلقوا بالليل. وفي هذه السنة عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس، فخوفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إلى ذلك من قوله. وذكر أن أول شيء بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان، إلا أن يسألوا عن شهادة إن كانت عندهم، وبمنع القصاص من القعود على الطرقات، وعملت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام في الأرباع والمحال والأسواق، فقرئت يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ثم منع يوم الجمعة لأربع بقين منها القصاص من القعود في الجامعين، ومنع أهل الحلق في الفتيا أو غيرهم من القعود في المسجدين، ومنع الباعة من القعود في رحابهما. وفي جمادى الآخرة نودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاص أو غيره، ومنع القصاص وأهل الحلق من القعود. وفي يوم الحادي عشر - وذلك يوم الجمعة - نودي في الجامعين بأن الذمة برية ممن اجتمع من الناس على مناظره أو جدل، وأن من فعل ذلك أحل بنفسه الضرب، وتقدم إلى الشراب والذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحموا على معاوية، ولا يذكروه بخير. ذكر كتاب المعتضد فيشأن بني أميةوتحدث الناس أن الكتاب الذي أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر، فلما صلى الناس بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرأ. فذكر أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية، فأخرج له من الديوان، فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وذكر أنها نسخة الكتاب الذي أنشىء للمعتضد بالله: " بسم الله الرحمن الرحيم " الحمد لله العلي العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المنفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته وحكمته؛ الذي يعلم سوابق الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافية، ولا يغرب عنه مثقال ذرة في السموات العلا، ولا في الارضين السفلى؛ قد أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، وضرب لكل شيء أمداً، وهو العليم الخبير، والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعة مطيعهم، وماضى أمره في عصيان عاصيهم؛ فبين لهم ما يأتون وما يتقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذرهم مسالك الهلكة، وظاهر عليهم الحجة، وقدم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم، وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه وأهل طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم. والحمد لله الذي اصطفى محمداً رسوله من جميع بريته، وأختاره لرسالته، وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذن له بالنصر والتمكين، وأيده بالعز والبرهان المتين، فاهتدى به من اهتدى واستنقذ به من استجاب له من العمى، وأضل من أدبر وتولى، حتى أظهر الله أمره، وأعز نصره، وقهر من خالفه، وأنجز له وعده، وختم به رسله، وقبضه مؤدياً لأمره، مبلغاً لرسالته، ناصحاً لأمته، مرضياً مهتدياً إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين، وعباده الفائزين؛ فصلى الله عليه أفضل صلاة وأتمها، وأجلها وأعظمها، وأزكاها وأطهرها، وعلى آله الطيبين. والحمد لله الذي جعل أمير المؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين ورثة خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين بالدين، والمقومين لعبادة المؤمنين، والمستحفظين ودائع الحكمة، ومواريث النبوة، والمستخلفين في الأمة، والمنصورين بالعز والمنعة، والتأييد والغلبة؛ حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم، وفساد قد لحقهم في معتقدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتهم، على غير معرفة ولا روية، وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة، إلى الأهواء المبتدعة، قال قال الله عز وجل: " بسم الله الرحمن الرحيم " ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين " صدق الله العظيم " خروجاً عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة وإيثاراً للفرقة، وتشتيتاً للكلمة وإظهاراً لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، وأخرجه من الملة، وأوجب عليه اللعنة، وتعظيماً لمن صغر الله حقه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه، من بني أمية الشجرة الملعونة، ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة، وأسبغ عليهم به النعمة؛ من أهل بيت البركة والرحمة، قال الله عز وجل: " بسم الله الرحمن الرحيم " يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم " صدق الله العظيم " . فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى في ترك إنكاره حرجاً عليه في الدين، وفساداً لمن قلده الله أمره من المسلمين، وإهمالاً لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجة على الشاكين، وبسط اليد على العاندين. وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله عز وجل لما ابتعث محمداً بدينه، وأمره أن يصدع بأمره، بدأ بأهله وعشيرته، فدعاهم إلى ربه، وأنذرهم وبشرهم، ونصح لهم وأرشدهم، فكان من استجاب له وصدق قوله واتبع أمره نفر من يسير من بني أبيه، من بين مؤمن بما أتى به من ربه، وبين ناصر له وإن لم يتبع دينه، وإعزازاً له، وإشفاقاً عليه، لماضى علم الله فيمن اختار منهم، ونفذت مشئته يستودعه إياه من خلافته وإرث نبيه؛ فمؤمنهم مجاهد بنصرته وحميته، يدفعون من نابذه، وينهرون من عاره وعانده، ويتوثقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له من سمح بنصرته، ويتجسسون له أخبار أعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين؛ حتى بلغ المدى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله، والإيمان به، بأثبت بصيرة، وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة، وأهل بيت الدين - أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً - ومعدن الحكمة، وورثة النبوة وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة، وألزم العباد لهم الطاعة. وكان ممن عانده ونابذه، وكذبه وحاربه من عشيرته، العدد الأكثر، والسواد الأعظم؛ يتلقونه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذية والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدونه عن من قصده، وينالون بالتعذيب من اتبعه. وأشدهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة، وأولهم في كل حرب ومناصبة، لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها، في كل مواطن الحرب، من بدر وأحد والخندق والفتح أبو سفيان بن حرب وأشياعه من بني أمية، الملعونين في كتاب الله، ثم الملعونين على لسان رسول الله في عدة مواطن، وعدة مواضع، لماضى علم الله فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مجاهداً، ودفع مكابداً، وأقام منابذاً حتى قهره السيف، وعلا أمر الله وهم كارهون؛ فتقول الإسلام غير منطو عليه، وأسر الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وميز لهم المؤلفة قلوبهم، فقبله وولده على علم منه؛ فمما لعنهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل به كتاباً قوله: " بسم الله الرحمن الرحيم " والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً " صدق الله العظيم " . ولا اختلاف بين أحد انه أراد بها بني أمية. ومنه قول الرسول عليه السلام وقد رآه مقبلاً على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به: لعن الله القائد والراكب والسائق. ومنه ما يرويه الرواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت " بسم الله الرحمن الرحيم " الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " صدق الله العظيم " . ومنه ما يروون من وقوفه على ثنية أحد بعد ذهاب بصره، وقوله لقائده: ها هنا ذببنا محمداً وأصحابه. ومنه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم فوجم لها، فما رئى ضاحكاً بعدها، فأنزل الله: " بسم الله الرحمن الرحيم " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " صدق الله العظيم " ؛ فذكروا أنه رأى نفراً من بني أمية ينزون على منبره. ومنه طرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بن أبي العاص لحكايته إياه، وألحقه الله بدعوة رسوله آية باقية حين رآه يتخلج، فقال له: كن كما أنت، فبقي على ذلك سائر عمره، إلى ما كان من مروان في افتتاحه أول فتنة كانت في الإسلام، واحتقابه لكل دم حرام سفك فيها أو أريق بعدها. ومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر: " بسم الله الرحمن الرحيم " ليلة القدر خير من ألف شهر " صدق الله العظيم " ، من ملك بني أمية. ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه، فدافع بأمره، واعتل بطعامه، فقال النبي: " لا أشبع الله بطنه " ، فبقي لا يشبع، ويقول: والله ما أترك الطعام شبعاً؛ ولكن إعياء. ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يطلع من هذا الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي " ، فطلع معاوية. ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " . ومنه الحديث المرفوع المشهور أنه قال: " إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ينادي: يا حنان يا منان، الآن وقد عصيت قبل وكنت كن المفسدين. ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكاناً، وأقدمهم إليه سبقا، وأحسنهم فيه أثراً وذكراً؛ علي بن أبي طالب، ينازعه حقه بباطله، ويجاهد أنصاره بضلاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو أبوه يحاولانه، من إطفاء نور الله وجحود دينه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون. يستهوى أهل الغباوة، ويمون على أهل الجهالة بمكره وبغيه، الذين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر عنهما، فقال لعمار: " تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار " ، مؤثراً للعاجلة، كافراً بالآجلة، خارجاً من ربقة الإسلام، مستحلاً للدم الحرام، حتى سفك في فتنته، وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذابين عن دين الله والناصرين لحقه، مجاهداً لله، مجتهداً في أن يعصي الله فلا يطاع، وتبطل أحكامه فلا تقام، ويخالف دينه فلا يدان. وأن تغلو كلمة الضلالة، وترتفع دعوة الباطل؛ وكلمة الله هي العليا، ودينه المنصور، وحكمه المتبع النافذ، وأمره الغالب، وكيد من حادة المغلوب الداحض؛ حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتبعها، وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها، وسن سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها؛ واغتره الإملاء، واستدرجه الإمهال، والله له بالمرصاد. ثم أوجب الله له به اللعنة، قتل من قتل صبراً من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة؛ مثل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي، فيمن قتل من أمثالهم، في أن تكون له العزة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله عز وجل يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً " صدق الله العظيم " . ومما استحق به اللعنة من الله ورسوله ادعاؤه زياد بن سمية، جرأه على الله؛ والله يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " صدق الله العظيم " . ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " ملعون من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير موالية " ، ويقول: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، فخالف حكم الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم جهاراً، وجعل الولد لغير الفراش، والعاهر لا يضره عهره، فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيرها منسفور وجوه ما قد حرمه الله، وأثبت بها قربي قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الإسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهه. ومنه إيثاره بدين الله، ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبر الخمير، صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدد والرهبة، وهو يعلم سفهه ويطلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكرانه وفجوره وكفره. فلما تمكن منه ما مكنه منه، ووطأة له، وعصى الله ورسوله فيه، بثأرات المشركين وطوائلهم عند المسلمين، فأوقع بأهل الحرة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش؛ مما ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عبد نفسه وغليله، وظن أن قد انتقم من أولياء الله، وبلغ النوى لأعداء الله، فقال مجاهراً بكفره ومظهراً بشركه: ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل قد قتلنا القوم من ساداتكم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل فأهلوا واستهلوا فرحاً ... ثم قالوا: يا يزيد لا تسل لست من خندف إن لم أنتقم ... من بني أحمد ما كان فعل ولعت هاشم بالملك فلا ... خبر جاء ولا وحي نزل هذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله. ثم من أغلظ ما انتهك، أعظم ما اخترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراء على الله، وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوماً من كفار أهل الترك والديلم، لا يخاف من الله نقمة، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمره، واجتث أصله وفرعه، وسلمه ما تحت يده، وأعد له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته. هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه، واتخاذ مال الله دولاً بينهم، وهدم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيق عليه، ورميهم إياه بالنيران، لا يألون له إحراقاً وإخراباً، ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكاً، ولمن لجأ إليه قتلاً وتنكيلاً، ولمن أمنه الله به إخافة وتشريداً؛ حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب، واستحقوا من الله الإنتقام، وملئوا الأرض بالجور والعدوان، وعموا عباد الله بالظلم والاقتسار، وحلت عليهم السخطة، ونزلت بهم من الله السطوة، أتاح الله لهم من عترة نبيه، وأهل وراثته من استخلصهم منهم بخلافته؛ مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين، فسفك الله بهم دماءهم مرتدين، كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين؛ وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين. ومكن الله المستضعفين، ورد الله الحق إلى أهله المستحقين، كما قال جل شأنه: " بسم الله الرحمن الرحيم " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " صدق الله العظيم " . واعلموا أيها الناس، أن الله عز وجل إنما أمر ليطاع، ومثل ليتمثل، وحكم ليقبل، وألزم الأخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليتبع؛ وإن كثيراً ممن ضل فالتوى، وانتقل من أهل الجهالة والسفاه ممن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؛ وقد قال الله عز وجل: " بسم الله الرحمن الرحيم " فقتلوا أثمة الكفر " صدق الله العظيم " . فانتهوا معاشر الناس عما يسخط الله عليكم، ورجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوا من الله بما اختار لكم، والزموا ما أمركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتبعوا الصراط المستقيم، والحجة البينة، والسبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة؛ الذين هداكم الله بهم بديئاً، واستنقذكم بهم من الجور والعدوان أخيراً، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعز بدولتهم، وشملكم الصلاح في أديانكم ومعايشكم في أيامهم، والعنوا من لعنه الله ورسوله،وفارقوا من لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته. اللهم إلعن أبا سفيان بن حرب، ومعاوية ابنه، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم وولده؛ اللهم إلعن أثمة الكفر، وقادة الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول، ومغيري الأحكام، ومبدلي الكتاب وسفاكي الدم الحرام. اللهم إنا نتبرأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك، كما قلت: " بسم الله الرحمن الرحيم " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله " صدق الله العظيم " . يأيها الناس اعرفوا الحق تعرفوا أهله، وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها، فإنه إنما يبين عن الناس أعمالهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم؛ فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم وكيد من يكيدكم، وطاعة من تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم. أيها الناس، بنا هداكم الله، ونحن المستحفظون فيكم، أمر الله ونحن ورثة رسول الله القائمون بدين الله، فقفوا عند ما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به؛ فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأثمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى، وأمير المؤمنين يستعصم الله أكبر، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم، وفي دينه عليكم؛ حتى تلقون به مستحقين طاعته، مستحقبين لرحمته، والله حسب أمير المؤمنين فيكم، وعليه توكله، وبالله على ما قلده من أموركم استعانته، ولا حول لأمير المؤمنين ولا حول ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم. وكتب أبو القاسم عبدي الله بن سليمان في سنة أربع وثمانين ومائتين. وذكر أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد؛ فمضى يوسف بن يعقوب، فكلم المعتضد في ذلك، وقال له: يا أمير المؤمنين؛ إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة. فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعت سيفي فيها، فقال: يا أمير المؤمنين، فما تصنع بالطالبين الذين هم في كل ناحية يخرجون، ويميل إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم؛ وفي الكتاب إطراؤهم، أو كما قال، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأثبت حجة منهم اليوم. فأمسك المعتضد فلم يرد عليه جواباً، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء. وفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من رجب منها شخص جعفر بن بغلاغز إلى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخلع ولواء لولايته على الرى وهدايا من قبل المعتضد. وفي هذه السنة لحق عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف بمحمد بن زيد العلوي بطبرستان، فأقام بدر وعبيد الله بن سليمان ينتظران أمر بكر إلام يؤول وعلى إصلاح الجبل. وفيها - فيما ذكر - فتحت من بلاد الروم قرة، على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب، وذلك في يوم الجمعة من رجب. وفي ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من شعبان - أو ليلة الخميس فيما ذكر - ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثريا، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه الشخص بالسيف ضربة قطع بها منطقته، ووصل السيف إلى بدن الخادم، ورجع الخادم منصرفاً عنه هارباً، ودخل الشخص في زرع البستان، فتوارى فيه، فطلب باقي ليلته ومن غد، فلم يوقف على أثر، فاستوحش المعتضد لذلك، وكثر الناس في أمره رجماً بالظنون، حتى قالوا: إنه من الجن، ثم عاد هذا الشخص للظهور بعد ذلك مراراً كثيرة، حتى وكل المعتضد بسور داره، وأحكم السور ورأسه، وجعل عليه كالبرابخ؛ لئلا يقع عليه الكلاب إن رمي به، وجيء باللصوص من الحبس ونوظروا في ذلك، وهل يمكن أحد للدخول إليه بنقب أو تسلق. وفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان من هذه السنة، وجه كرامة بن مر من الكوفة بقوم مقيدين، ذكر أنهم من القرامطة، فأقروا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنه كان يكاتبهم، وأنه أحد رؤسائهم، فقبض على أبي هاشم، وقيد وحبس في المطامير. وفي يوم السبت لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنة جمع المجانين والمعزمون، ومضى بهم إلى دار المعتضد في الثريا بسبب الشخص الذي كان يظهر له، فأدخلوا الدار، وصعد المعتضد علية له، فأشرف عليهم؛ فلما رآهم صرعت امرأة كانت معهم من المجانين واضطربت، وتكشفت، فجر وانصرف عنهم، ووهب لكل واحد منهم خمسة دراهم - فيما ذكر - وصرفوا. وقد كان قد وجه إلى المعزمين قبل أن يشرف عليهم من يسألهم عن خبر الشخص الذي ظهر له: هل يمكنهم أن يعلموا علمه؟ فذكر قوم منهم أنهم يعزمون على بعض المجانين، فإذا سقط سأل الجني عن خبر ذلك الشخص وما هو، فلما رأى المرأة التي صرعت أمر بصرفهم. وفي ذي القعدة منها ورد الخبر من أصبهان، بوثوب الحارث بن عبد العزيز ابن أبي دلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم الموكل كان به فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أخذه فقيده، وحمله إلى قلعة لآل أبي دلف بالزز، فحسبه فيها، وكان كل ما لآل أبي دلف من مال ومتاع نفيس وجوهر في القلعة، وشفيع مولاهم موكل بحفظ ذلك وحفظ القلعة، ومعه جماعة من غلمان عمر وخاصته، فلما استأمن عمر إلى السلطان، وهرب بكر عاصياً للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع، فكلمه أبو ليلى في إطلاقه فأبى، وقال: لا أفعل فيك وفيما في يدي إلا بما يأمرني به عمر. فذكر عن جارية لأبي ليلى أنها قالت: كان مع أبي ليلى في الحبس غلام صغير يخدمه، وآخر يدخل ويخرج في حوائجه ولا بيت عنده، ويبيت عنده الغلام الصغير، فقال أبو ليلى لغلامه الذي يخرج في حوائجه: احتل لي في مبرد تدخله إلي، ففعل وأدخله في شيء من طعامه. وكان شفيع الخادم يجيء في كل ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى حتى يراه، ثم يقفل عليه باب البيت هو بيده ويمضي فينام، وتحت فراشه سيف مسلول. وكان أبو ليلى قد سأل أن تدخل إليه جارية، فأدخلت إليه جارية حدثة السن، فذكر عن ذلفاء جارية أبي ليلى عن هذه الجارية أنها قالت: برد أبو ليلى المسمار الذي في القيد، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء. قالت: وجاء شفيع الخادم عشية من العشايا إلى أبي ليلى، فقعد معه يحدثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحاً، ففعل، ثم قام الخادم لحاجته. قالت: فأمرني أبو ليلى، ففرشت فراشه، فجعل عليه ثياباً في موضع الإنسان من الفراش، وغطى على الثياب باللحاف، وأمرني أن أقعد عند رجل الفراش، وقال لي: إذا جاء شفيع لينظر إلي ويقفل الباب، فسألك عني فقولي: هو نائم. وخرج أبو ليلى من البيت، فاختفى في جوف فرش ومتاع في صفة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش، وسأل الجارية فأخبر أنه قد نام، فأقفل الباب؛ فلما نام الخادم ومن معه في الدار التي في قلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع، وشد عليه فقتله، فوثب الغلمان الذين كانوا ينامون حوله فزعين، فاعتزلهم أبو ليلى والسيف في يده، وقال لهم: أنا أبو ليلى قد قتلت شفيعاً، ولئن تقدم إلي منكم أحد لأقتلنه وأنتم آمنون؛ فاخرجوا من الدار حتى أكلمكم بما أريد، ففتحوا باب القلعة، وخرجوا، وجاء حتى قعد على باب القلعة، واجتمع الناس ممن كان في القلعة، فكلمهم ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الإيمان. فلما أصبح نزل من القلعة، ووجه إلى الأكراد وأهل الزموم، فجمعهم وأعطاهم، وخرج مخالفاً على السلطان. وقيل إن قتله الخادم كان في ليلة السبت لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة، وقيل أنه ذبح الخادم ذبحاً بسكين كان أدخلها إليه غلامه، ثم أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به إلى الغلمان. وفي هذه السنة - وهي سنة أربع وثمانين ومائتين - كان المنجمون يوعدون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأن إقليم بابل لا يسلم منه إلا اليسير، وأن ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون والآبار، فقحط الناس فلم يروا فيها من المطر إلا اليسير، وغارت المياه في الأنهار،والعيون والآبار، حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستقوا ببغداد مرات. ولليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة كانت - فيما ذكر - وقعة بين عيسى النوشري وبين أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه - فيما ذكر - فنحره، فسقط على دابته، وانهزم أصحابه، وأخذ رأسه فحمل إلى أصبهان. وحج الناس في هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي المعروف بأترجة. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مدرك الطائي في جماعة من طيىء على الحاج بالأجفر الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من المحرم، فحاربه الجني الكبير، وهو أمير القافلة، فظفر الأعراب بالقافلة؛ فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتجارات، وأخذوا جماعة من النساء الحرائر والممالك. وقيل إن الذي أخذوا من الناس بقيمة ألفي ألف دينار. ولسبع بقين من المحرم منها قرىء على جماعة من حاج خراسان في دار المعتضد بتوليه عمرو بن الليث الصفار ما وراء نهر بلخ، وعزل إسماعيل بن أحمد عنه. ولخمس خلون من صفر منها ورد مدينة السلام وصيف كامه مع جماعة من القواد من قبل بدر مولى المعتضد وعبيد الله بن سليمان من الجبل، معهم رأس الحارث بن عبد العزيز بن أبي دلف المعروف بأبي ليلى، فمضوا به إلى دار المعتضد بالثريا، فاستوهبه أخوه فوهبه، واستأذنه في دفنه فأذن له، وخلع على عمر بن عبد العزيز في هذا اليوم وعلى جماعة من القواد القادمين. وفيها - فيما ذكر - كتب صاحب البريد من الكوفة، يذكر أن ريحاً صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة في ليلة الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول، فلم تزل إلى وقت صلاة المغرب، ثم استحالت سوداء، فلم يزل الناس في تضرع إلى الله. وإن السماء مطرت بعقب ذلك مطراً شديداً برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ ونواحيها حجارة بيض وسود مختلفة الألوان، في أوساطها ضغطة شبه أفهار العطارين، فأنفذ منها حجراً، فأخرج إلى الدواوين والناس حتى رأوه. ولتسع بقين منه شخص ابن الإخشاد أميراً على طرسوس من بغداد مع النفر الذين كانوا قدموا منها يسألون أن يولى عليهم وال. وخرج أيضاً في هذا اليوم من بغداد فاتك مولى المعتضد للنظر في أمور العمال بالموصل وديار ربيعة وديار مضر والثغور والشأمية والجزرية وإصلاح الأمور بها إلى ما كان يتقلده من أعمال البريد بهذه النواحي. وفي هذه السنة ورد الخبر - فيما ذكر - من البصرة أن ريحاً ارتفعت بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الأول صفراء، ثم استحالت خضراء ثم سواد، ثم تتابعت الأمطار بما لم يروا مثلها، ثم وقع برد كبار كان وزن البردة الواحدة مائة وخمسين درهماً - فيما قيل - وأن الريح أقلعت من نهر الحسين خمسمائة نخلة أو أكثر، ومن نهر معقل مائة نخلة عدداً. وفيها كانت وفاة الخليل بن ريمال بحلوان. ولخمس خلون من جمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان أن بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف توفي بطبرستان من علة أصابته، ودفن هنالك. فأعطى بالذي جاء بالخبر - فيما ذكر - ألف دينار. وفيها ولى المعتضد محمد بن أبي الساج أعمال أذربيجان وأرمينية، وكان قد تغلب عليها وخالف، وبعث إليه بخلع وحملان. وفيها ورد الخبر لثلاث خلون من شعبان أن راغباً الخادم مولى الموفق غزا في البحر، فأظفره الله بمراكب كثيرة، وبجميع من فيها من الروم، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الروم الذين كانوا في المراكب، وأحرق المراكب، وفتح حصوناً كثيرة من حصون الروم، وانصرفوا سالمين. وفي ذي الحجة منها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عيسى بن شيخ وقيام ابنه محمد بن أحمد بن عيسى بما كان في يد أبيه بآمد، وما يليها على سبيل التغلب. ولإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة منها خرج المعتضد من بغداد قاصداً إلى آمد، وخرج معه ابنه أبو محمد والقواد والغلمان، واستخلف ببغداد صالحاً الامين الحاجب، وقلده النظر في المظالم وأمر الجسرين وغير ذلك. وفيها وجه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومن معه من قواد المصريين إلى المعتضد وضيف قاطرميز، يسألونه مقاطعتهم عما في أيديهم من مصر والشأم، وأجرى هارون على ما كان يجري عليه أبوه، فقدم وصيف بغداد، فرده المعتضد، ووجه معه عبد الله بن الفتح ليشافههم برسائل، ويشترط عليهم شروطاً، فخرجا لذلك في آخر هذه السنة. وفيها غزا ابن الإخشاد بأهل طرسوس وغيرهم في ذي الحجة، وبلغ سلندو. وفتح عليه، وكان انصرافه إلى طرسوس في سنة ست وثمانين ومائتين. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من توجيه محمد بن أبي الساج ابنه معروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينة بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم - فيما ذكر - يوم الثلاثاء، لسبع خلون من المحرم منها، معه هدايا من الدواب والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد. وفي شهر ربيع الأخر منها ورد الخبر أن المعتضد بالله وصل إلى آمد، فأناخ بجنده عليها، وأغلق محمد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينة آمد، وعلى من فيها من أشياعه. ففرق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم، وذلك لأيام بقيت من شهر ربيع الأول، ثم جرت بينهم حروب، ونصب عليهم المجانيق، ونصب أهل آمد على سورهم المجانيق، وتراموا بها. وفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى وجه محمد بن أحمد ابن عيسى إلى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الأمان، فوجه إلى ذلك فخرج محمد بن أحمد بن عيسى في هذا اليوم ومن معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعد لهم، وتحول المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى ابن شيخ ودوره؛ وكتب بذلك كتاباً إلى مدينة السلام مؤرخاً بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الأولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام، وقرىء على المنبر بالجامع. وفيها انصرف عبد الله بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد من مصر بأجوبة كتبه إلى هارون بن خمارويه، وأعلمه أن هارون قد بذل أن يسلم أعمال قنسرين والعواصم، ويحمل إلى بيت المال ببغداد في كل سنة أربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، وأنه يسأل أن يجدد له ولاية مصر والشأم، وأن يوجه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك؛ فأجابه إلى ما سأل، وأنفذ إليه بدراً القدامي وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد إلى مصر بذلك وتسلم عمال المعتضد أعمال قنسرين والعواصم من أصحاب هارون في جمادى الأولى، وأقام المعتضد بآمد بقية جمادى الأولى وثلاثة وعشرين يوماً من جمادى الآخرة. ثم ارتحل منها يوم السبت لسبع بقين منها نحو الرقة، وخلف ابنه علياً بآمد مع جيوش ضمهم إليه لضبط الناحية وأعمال قنسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مضر. وكان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، وقلد الحسين بن عمرو النظر في أمور هذه النواحي ومكاتبة العمال بها، وأمر المعتضد بهدم سور آمد فهدم. وفيها وافت هدية عمرو بن الليث الصفار من نيسابور إلى بغداد، فكان مبلغ المال الذي وجه أربعة ألاف ألف دينار، وعشرين من الدواب، بسروج ولجم محلاة مغرقة ومائة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب وبزاة، وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة. وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة؛ وكان خروجه - فيما ذكر - في أول هذه السنة، وكثر أصحابه في جمادى الآخرة، وقوى أمره، فقتل من حوله من أهل القرى، ثم صار إلى موضع يقال له القطيف، وبينه وبين البصرة مراحل، فقتل من بها. وذكر أنه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي - وكان يتقلد معاون البصرة وكور دجلة في ذلك الوقت - إلى السلطان بما اتصل به من عزم هؤلاء القرامطة؛ فكتب إليه وإلى محمد بن هشام المتولي أعمال الصدقات والخراج والضياع بها، في عمل سور على البصرة، فقدرت النفقة على ذلك أربعة عشر ألف دينار، فأمر بالإنفاق عليه فبني. وفي رجب من هذه السنة صار إلى الأنبار جماعة من أعراب بني شيبان، فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشي. فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كمشجور المتولي المعاون بها، فلم يطقهم. فكتب إلى السلطان يخبره بأمورهم. فوجه من مدينة السلام نفيساً المولدي وأحمد بن محمد الزرنجي والمظفر بن حاج مدداً له في زهاء ألف رجل؛ فصاروا إلى موضع الأعراب، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبة من الأنبار، فهزمهم الأعراب، وقتلوا أصحابهم وغرق أكثرهم في الفرات، وتفرقوا. فورد كتاب ابن حاج يوم الاثنين بقين من رجب بخبر هذه الوقعة وهزيمة الأعراب إياهم، فأقام الأعراب يعيشون في الناحية، ويتخفرون القرى، فكتب إلى المعتضد بخبرهم، فوجه إليهم لقتالهم من الرقة العباس بن عمرو الغنوي وخفيفاً الأذكوتكيني وجماعة من القواد. فصار هؤلاء القواد إلى هيت في آخر شعبان من هذه السنة. وبلغ الأعراب خبرهم، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجهوا نحو عين التمر، فنزلوهما ودخل القواد الأنبار، فأقاموا بها، وعاث الأعراب بعين التمر ونواحي الكوفة؛ مثل عيثهم بنواحي الأنبار، وذلك بقين شعبان وشهر رمضان. وفيها وجه المعتضد إلى راغب مولى أبي أحمد وهو بطرسوس، يأمره بالمصير إليه بالرقة، فصار إليه وهو بها، فلما وصل إليه تركه في عسكره يوماً ثم أخذه من الغد فحبسه؛ وأخذ جميع ما كان معه؛ ورد الخبر بذلك مدينة السلام يوم الاثنين لتسع خلون من شعبان، ثم مات راغب بعد أيام، وقبض على مكنون غلام راغب وعلى أصحابه، وأخذ ماله بطرسوس يوم الثلاثاء لست بقين من رجب، وكان المتولي أخذهم ابن الإخشاد. ولعشر بقين من شهر رمضان منها وجه المعتضد مؤنساً الخازن إلى الأعراب بنواحي الكوفة وعين التمر، وضم إليه العباس بن عمرو وخفيفاً الاذكرتكيني وغيرهما من القواد، فسار مؤنس ومن معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوى فوجد الأعراب قد ارتحلوا عن موضعهم، ودخل بعضهم إلى برية طريق مكة وبعضهم إلى برية الشأم، فأقام بموضعه أياماً، ثم شخص إلى مدينة السلام. وفي شوال منها قلد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمد بن داود ابن الجراح، وعزل عنه أحمد بن محمد بن الفرات، وقلد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وعزل عنه ابن الفرات. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمد بن أحمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعة من أهله وتقييده إياهم، وحبسه لهم في دار ابن طاهر؛ وذلك أنه صار بعض أقربائه - فيما ذكر - إلى عبيد الله بن سليمان، فأعلمه أن محمداً على الهرب في جماعة من أصحابه وأهله، فكتب بذلك عبيد الله إلى المعتضد، فكتب إليه المعتضد يأمره بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الأربعاء لأربع خلون من المحرم منها. وفي هذا الشهر من هذه السنة ورد كتاب أبي الأغر على السلطان أن طيئاً تجمعت له، وحشدوا واستعانوا بمن قدروا عليه من الأعراب، واعترضوا قافلة الحاج، فواقعوهم لما جاوزوا المعدن منصرفين إلى مدينة السلام من مكة ببضعة عشر ميلاً، وأقبل إليهم فرسان الأعراب ورجالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وإبلهم؛ وكانت رجالتهم أكثر من ثلاثة ألاف، فالتحمت الحرب بينهم، ولم تزل الحرب بينهم يومهم أجمع، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجة، فلما جنهم الليل باينوهم؛ فلما أصبحوا غادوهم الحرب غداة يوم الجمعة إلى حين انتصاف النهار. ثم أنزل الله النصر على أوليائه وولى الأعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرقهم، وأنه سار هو وجميع الحاج سالمين، وأنفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى، وهو أحد وجوه بني عمه والمتولي كان للقبض على صالح بن مدرك. وفي يوم السبت لثلاث بقين من المحرم وافى أبو الأغر مدينة السلام، وبين يديه رأس صالح بن مدرك، ورأس جحنش، ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أسارى من بني عم صالح، فمضى إلى دار المعتضد، فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب، ونصبت الرءوس على رأس الجسر الأعلى بالجانب الشرقي، وأدخل الأسرى المطامير. ولأربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزهه ببراز الروز إلى بغداد، وأمر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الروز، فحمل إليه الآلات، وابتدأ في عمله. وفي شهر بيع الأول منها غلظ أمر القرامطة بالبحرين، فأغاروا على نواحي هجر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي يسأل المدد، فوجه إليه في آخر هذا الشهر بثماني شذوات، فيها ثلثمائة رجل، وأمر المعتضد باختيار جيش لينفذه إلى البصرة. وفي يوم الأحد لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، قعد بدر مولى المعتضد في داره، ونظر في أمور الخاصة والعامة من الناس والخراج والضياع والمعاون. وفي يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الآخر، مات محمد بن عبد الحميد الكاتب المتولى ديوان زمام المشرق والمغرب. وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة منه ولي جعفر بن محمد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه إلى الديوان وقعد فيه. وفي شهر ربيع الأخر منها ولي المعتضد بن عباس بن عمرو الغنوي اليمامة والبحرين ومحاربة أبي سعيد الجنابي ومن معه من القرامطة، وضم إليه زهاء ألفي رجل، فعسكر العباس بالفرك أياماً حتى اجتمع إليه أصحابه، ثم مضى إلى البصرة، ثم شخص منها إلى البحرين واليمامة. وفيها - فيما ذكر - وافى العدو باب قلمية من طرسوس، فنفر أبو ثابت وهو أمير طرسوس بعد موت ابن الإخشاد - وكان استخلفه على البلد حين غزا - فمات وهو على ذلك؛ فبلغ في نفيره إلى نهر الريحان في طلب العدو، فأسر أبو ثابت وأصيب الناس؛ فكان ابن كلوب غازياً في درب السلامة؛ فلما قفل من غزاته جمع المشايخ من أهل الثغر ليتراضوا بأمير يلي أمورهم، فاتفق رأيهم على علي بن الأعرابي، فولوه أمرهم بعد اختلاف من ابن أبي ثابت. وذكر أن أباه استخلفه، وجمع جمعاً لمحاربة أهل البلد حتى توسط الأمر ابن كلوب، فرضى ابن ثابت؛ وذلك في شهر ربيع الآخر، وكان النغيل حينئذ غازياً ببلاد الروم، فانصرف إلى طرسوس، وجاء الخبر أن أبا ثابت حمل إلى القسطنطينية من حصن قونية، ومعه جماعة من المسلمين. وفي شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذي كان إليه المعاون بديار ربيعة، فقلد ما كان إليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر. وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الأولى، ورد كتاب - فيما ذكر - على السلطان بأن إسماعيل بن أحمد أسر عمراً الصفار، واستباح عسكره؛ وكان من خبر عمرو وإسماعيل، ان عمراً سأل السلطان أن يوليه ما وراء النهر، فولاه ذلك، ووجه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع، واللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل بن أحمد: إنك قد وليت دنيا عريضة، وإنما في يدي ما وراء النهر، وأنا ثغر؛ فاقنع بما في يدك، واتركني مقيماً بهذا الثغر. فأبى إجابته إلى ذلك؛ فذكر له أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال: لو أشاء أن أسكره ببدر الأموال وأعبره لفعلت؛ فلما أيس إسماعيل من انصرافه عنه جمع من معه والتناء والدهاقين، وعبر النهر إلى الجانب الغربي؛ وجاء عمرو فنزل بلخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة - فيما ذكر - فأبى إسماعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هزم فولى هارباً، ومر بأجمة في طريقه، قيل له أنها أقرب، فقال لعامة من معه: امضوا في الطريق الواضح. ومضى في نفر يسير، فدخل الأجمة، فوحلت دابته؛ فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى من معه، ولم يلووا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل، فأخذوه أسيراً. ولما وصل الخبر إلى المعتضد بما كان من أمر عمرو وإسماعيل، مدح إسماعيل - فيما ذكر - وذم عمراً. ولليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، ورد الخبر على السلطان أن وصيفاً خادم ابن أبي الساج، هرب من برذعة، ومضى إلى ملطية مراغماً لمحمد بن أبي الساج في أصحابه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور، ليقوم بها، فكتب إليه المعتضد يأمره بالمصير إليه، ووجه إليه رشيقاً الحرمي. ولسبع خلون من رجب من هذه السنة توفيت ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون، زوجة المعتضد، ودفنت داخل قصر الرصافة. ولعشر خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة أنفس وجههم وصيف خادم ابن أبي الساج إلى المعتضد، يسأله أن يوليه الثغور، يوجه إليه الخلع، فذكر أن المعتضد أمر بتقرير الرسل بالسبب الذي من أجله فارق وصيف صاحبه ابن أبي الساج، وقصد الثغور، فقرروا بالضرب، فذكروا أنه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه، على أنه متى صار إلى الموضع الذي هو به متى لحق به صاحبه، فصار جميعاً إلى مضر وتغلباً عليها، وشاع ذلك في الناس وتحدثوا به. ولإحدى عشرة خلت من رجب من هذه السنة ولي حامد بن العباس الخراج والضياع بفارس؛ وكانت في يد عمرو بن الليث الصفار، ودفعت كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس، وكان حامد مقيماً بواسط، لأنه كان يليها وكور دجلة، وكتب إلى عيسى النوشري وهو بإصبهان بالمصير إلى فارس والياً على معونتها. خروج العباس بن عمرو الغنوي من البصرة: وفي هذه السنة كان خروج العباس بن عمرو الغنوي - فيما ذكر - من البصرة بمن ضم إليه من الجند، مع من خف معه من مطوعة البصرة نحو أبي سعيد الجناني ومن انضوى إليه من القرامطة، فلقيهم طلائع لأبي سعيد، فخلف العباس سواده، وسار نحوهم، فلقي أبا سعيد ومن معه مساء، فتناوشوا القتال، ثم حجز بينهم الليل، فانصرف كل فريق منهما إلى موضعهم. فلما كان الليل انصرف من كان مع العباس من أعراب بني ضبة - وكانوا زهاء ثلثمائة - إلى البصرة، ثم تبعهم مطوعة البصرة؛ فلما أصبح العباس غادي القرامطة الحرب، فاقتتلوا قتالاً شديداً. ثم إن صاحب ميسرة العباس - وهو نجاح غلام أحمد بن عيسى بن شيخ - حمل في جماعة من أصحابه زهاء مائة رجل على ميمنة أبي سعيد؛ فوغلوا فيهم، فقتل وجميع من معه، وحمل الجنابي وأصحابه على أصحاب العباس، فانهزموا، فاستأسر العباس، وأسر من أصحابه زهاء سبعمائة رجل، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكر العباس؛ فلما كان من غد يوم الوقعة أحضر الجنابي من كان أسر من أصحاب العباس، فقتلهم جميعاً، ثم أمر بحطب فطرح عليهم، وأحرقهم. وكانت هذه الوقعة - فيما ذكر - في آخر رجب، وورد خبرها بغداد لأربع خلون من شعبان. وفيها - فيما ذكر - صار الجنابي إلى هجر، فدخلها وآمن أهلها؛ وذلك بعد منصرفه من وقعة العباس، وانصرف فل أصحاب العباس بن عمرو يريدون البصرة، ولم يكن أفلت منهم إلا القليل بغير أزواد ولا كساً، فخرج إليهم من البصرة جماعة بنحو من أربعمائة راحلة، عليها الأطعمة والكسا والماء، فخرج عليهم - فيما ذكر - بنو أسد، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها، وقتلوا جماعة ممن كان مع تلك الرواحل ومن أفلت من أصحاب العباس؛ وذلك في شهر رمضان فاضطربت البصرة لذلك اضطراباً شديداً وهموا بالإنتقال عنها، فمنعهم أحمد بن محمد الواثقي المتولي لمعاونها من ذلك، وتخوفوا هجوم القرامطة عليهم. ولثمان خلون من شهر رمضان منها - فيما ذكر - وردت خريطة على السلطان من الأبلة بموافاة العباس بن عمرو في مركب من مراكب البحر، وأن أبا سعيد الجنابي أطلقه وخادماً له. ولإحدى عشرة خلت من شهر رمضان، وافى العباس بن عمرو مدينة السلام وصار إلى دار المعتضد بالثريا، فذكر أنه بقي عند الجنابي أياماً بعد الوقعة، ثم دعا به، فقال له: أتحب أن أطلقك؟ ، قال: نعم، قال: امض وعرف الذي وجه بك إلى ما رأيت. وحمله على رواحل، وضم إليه رجالاً من أصحابه، وحملهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء، وأمر الرجال الذين وجههم معه أن يؤدوه إلى مأمنه، فساروا به حتى وصل إلى بعض السواحل، فصادف به مركباً، فحمله، فصار إلى الأبلة، فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله. وفي يوم الخميس لإحدى عشرة خلت من شوال ارتحل المعتضد من مضربه بباب الشماسية في طلب وصيف خادم ابن أبي الساج، وكتم ذلك، وأظهر أنه يريد ناحية ديار مضر. وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت منه، ورد الخبر - فيما ذكر - على السلطان أن القرامطة بالسواد من أهل جنبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائي، فقتلوا من المسلمين جمعاً فيهم النساء والصبيان، وأحرقوا المنازل. ولأربع عشرة خلت من ذي القعدة نزل المعتضد كنيسة السوداء في طلب وصيف الخادم، فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، حتى تلاحق به الناس، وأراد الرحيل في طريق المصيصة، فأتته العيون أن الخادم يريد عين زربة، فأحضر الركاضة الثغريين وأهل الخبرة، فسألهم عن أقصد الطريق إلى عين الزربة، فقطعوا به جيحان غداة الخميس لسبع عشرة خلت من ذي القعدة، فقدم ابنه علياً ومعه الحسن بن علي كوره، وأتبعه بجعفر بن سعر، ثم أتبع جعفراً محمد بن كمشجور، ثم أتبعه خاقان المفلحي، ثم مؤنس الخادم، ثم مؤنس الخازن، ثم مضى في آثارهم مع غلمان الحجر، ومربعين زربة؛ وضرب لهم بها مضرب، وخلف بها خفيفاً السمرقندي مع سواده، وسار هو قاصداً للخادم في أثر القواد، فلما كان بعد صلاة العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم، ووفوا به المعتضد، فسلمه إلى مؤنس الخادم وهو يومئذ صاحب شرطة العسكر، وأمر ببذل الأمان لأصحاب الخادم والنداء في العسكر ببراءة الذمة ممن وجد في رحله شيء من نهب عسكر الخادم، ولم يرده على أصحابه؛ فرد الناس على كثير منهم ما انتهبوا من عسكرهم. وكانت الوقعة وأسر وصيف الخادم - فيما قيل - يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة، وكان من اليوم الذي ارتحل المعتضد فيه من مضربه بباب الشماسية إلى أن قبض على الخادم ستة وثلاثون يوماً. ولما قبض المعتضد على الخادم انصرف - فيما ذكر - إلى عين زربة، فأقام بها يومين، فلما كان في صبيحة الثالث؛ اجتمع إليه أهل الزربة، وسألوه أن يرحل عنهم لضيق الميرة ببلدهم، فرحل عنها في اليوم الثالث، فنزل المصيصة بجميع عساكره إلا أبا الأغر خليفة بن المبارك؛ فإنه كان وجهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلا يصير إلى مرعش وناحية ملطية، وكان الخادم قد أنفذ عياله وعيال أصحابه إلى مرعش، وبلغ أصحاب الخادم الذين كانوا قد هربوا ما بذل لهم من الأمان، وما أمر برده عليهم من أمتعتهم، فلحقوا بعسكر المعتضد داخلين في أمانه. وكان نزول المعتضد بالمصيصة - فيما قيل - يوم الأحد لعشر بقين من ذي القعدة، فأقام بها إلى الأحد الآخر، وكتب إلى وجوه أهل طرسوس في المصير إليه، فأقبلوا إليهم منهم النغيل - وكان من رؤساء الثغر - وابن له، ورجل يقال له ابن المهندس، وجماعة معهم، فحبس هؤلاء مع آخرين، وأطلق أكثرهم. فحمل الذين حبسهم معه إلى بغداد، وكان قد وجد عليهم لأنهم - فيما ذكر - كانوا كاتبوا وصيفاً الخادم، وأمر المعتضد بإحراق جميع المراكب البحرية التي كان المسلمون يغزون فيها جميع آلاتها. وذكر أن دميانة غلام يازمان هو الذي أشار عليه لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس، فأحرق ذلك كله، وكان في المراكب نحو من خمسين مركباً قديماً قد أنفق عليها أموال جليلة لا يعمل مثلها في هذا الوقت فأحرقت، فأضر ذلك بالمسلمين، وكسر ذلك أعضادهم، وقوي به الروم، وأمنوا أن يغزوا في البحر. وقلد المعتضد الحسن بن علي كوره الثغور الشأمية بمسألة من أهل الثغور واجتماع كلمتهم عليه، ورحل المعتضد - فيما قيل - من المصيصة فنزل فندق الحسين، ثم الإسكندرية، ثم بغراس ثم إنطاكية، لليلتين خلتا من ذي الحجة. فأقام بها إلى أن نحر، وبكر في ثاني النحر بالرحيل، فنزل أرتاح ثم الأثارب ثم حلب، فأقام بها يومين، ثم رحل إلى الناعورة، ثم إلى خساف وصفين هنالك في الجانب الجزري، وبيت مال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الجانب الآخر، ثم إلى يالس، ثم إلى دوسر، ثم إلى بطن دامان، ثم إلى الرقة، فدخلها لثمان بقين من ذي الحجة، فأقام بها إلى أن بقي ليلتان منه. ذكر الخبر عن مقتل محمد بن زيد العلويولخمس بقين من شوال ورد الخبر على السلطان بأن محمد بن زيد العلوي قتل. ذكر الخبر عن سبب مقتله ذكر أن محمد بن زيد خرج لما اتصل به الخبر عن أسر إسماعيل بن أحمد عمرو بن الليث في جيش كثيف نحو خراسان، طامعاً فيها، ظناً منه أن إسماعيل بن أحمد لا يتجاوز عمله الذي كان يتولاه أيام ولاية عمرو بن الليث الصفار خراسان، وأنه لا دافع له عن خراسان، إذ كان عمرو قد أسر، ولا عمل للسلطان به؛ فلما صار إلى جرجان واستقر به كتب إليه يسأله الرجوع إلى طبرستان، وترك جرجان له، فأبى عليه ابن زيد، فنذب إسماعيل - فيما ذكر لي - خليفة كان يرفع بن هرثمة أيام ولاية رافع خراسان يدعى محمد بن هارون، لحرب محمد بن زيد، فانتدب له، فضم إليه جمعاً كثيراً من رجاله وجنده، ووجهه إلى ابن زيد لحربه، فشخص محمد بن هارون نحو ابن زيد، فالتقيا على باب جرجان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر محمد بن هارون. ثم إن محمد بن هارون رجع، وقد انتفضت صفوف العلوي، فانهزم عسكر محمد بن زيد، وولوا هاربين، وقتل منهم - فيما ذكر - بشر كثير، وأصابت ابن زيد ضربات، وأسر ابنه زيد، وحوى محمد بن هارون عسكره وما كان فيه. ثم مات محمد بن زيد بعد هذه الوقعة بأيام من الضربات التي كانت فيه، فدفن على باب جرجان، وحمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد وشخص محمد بن هارون إلى طبرستان. وفي يوم السبت لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة أوقع بدر غلام الطائي بالقرامطة على غرة منهم بنواحي روذميستان وغيرها، فقتل منهم - فيما ذكر - مقتلة عظيمة، ثم تركهم خوفاً على السواد أن يخرب؛ إذ كانوا فلاحية وعماله، وطلب رؤساءهم في أماكنهم، فقتل من ظفر به منهم؛ وكان السلطان قد قوى بدراً بجماعة من جنده وغلمانه بسببهم للحدث الذي كان منهم. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من ورد الخبر على السلطان - فيما ذكر - بوقوع الوباء بأذربيجان، فمات منه خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى، فكفنوا في الأكسية واللبود، ثم صاروا إلى أن لم يجدوا من يدفن الموتى، فكانوا يتركونهم مطروحين في الطرق. وفيها دخل أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث فارس، وأخرجوا منها عمال السلطان، وذلك لاثنتي عشرة بقيت من صفر منها. وفيها توفي محمد بن أبي الساج الملقب بأذربيجان، فاجتمع غلمانه وجماعة من أصحابه، فأمروا عليهم ديوداد بن محمد، واعتزلهم يوسف بن أبي الساج لهم. ولليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر ورد كتاب صاحب البريد بالأهواز، يذكر فيه أن أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث صاروا إلى سنبيل يريدون الأهواز. وفي أول جمادى الأولى أدخل عمرو بن الليث عبد الله بن الفتح - الموجه كان إلى إسماعيل بن أحمد - بغداد وأشناس غلام إسماعيل بن أحمد. وذكر لي أن إسماعيل بن أحمد خيره بين المقام عنده أسيراً وبين توجيهه إلى باب أمير المؤمنين، فاختار توجيهه فوجهه. ولليلتين خلتا من جمادى الآخرى، ورد - فيما ذكر - كتاب صاحب البريد الأهواز منها، يذكر أن كتاب إسماعيل بن أحمد ورد على طاهر بن محمد بن عمرو يعلمه أن السلطان ولاه سجستان، وأمره بالخروج إليها، وأنه خارج إليه إلى فارس ليوقع به، ثم ينصرف إلى سجستان، وأن طاهراً خرج لذلك، وكتب إلى ابن عمه وكان مقيماً بأرجان في عسكره يأمره بالإنصراف إليه إلى فارس بمن معه. وفيها ولى المعتضد مولاه بدراً فارس، وأمره بالشخوص إليها لما بلغه من تغلب طاهر بن محمد عليها، وخلع عليه لتسع خلون من جمادى الآخرة، وضم إليه جماعة من القواد، فشخص في جيش عظيم من الجند والغلمان. ولعشر خلون من جمادى الآخرة منها خرج عبد الله بن الفتح وأشناس غلام إسماعيل إلى إسماعيل بن أحمد بن سامان بخلع من المعتضد حملها إليه وببدنه وتاج وسيف من ذهب، مركب على جميع ذلك جوهر وبهدايا وثلاثة آلاف ألف درهم، يفرقها في جيش من جيوش خراسان، يوجه إلى سجستان لحرب من بها من أصحاب طاهر بن محمد بن عمرو. وقد قيل: إن المال الذي وجهه إليه المعتضد كان عشرة آلاف ألف درهم، وجه ببعض ذلك من بغداد، وكتب بباقيه إلى عمال الجبل، وأمروا أن يدفعوه إلى الرسل. وفي رجب منها وصل بدر مولى المعتضد إلى ما قرب من أرض فارس، فتنحى عنها من كان بها من أسباب طاهر بن محمد بن عمرو، فدخلها أصحاب بدر، وجي عماله الخراج به. ولليلتين خلتا من شهر رمضان منها، ذكر أن كتاب بن حاج عامل مكة ورد يذكر فيه أن بني يعفر أوقعوا برجل كان تغلب على صنعاء، وذكر أنه علوي وأنهم هزموه، فلجأ إلى مدينة تحصن بها، فصاروا إليه فأوقعوا به، فهزموه أيضاً، وأسروا ابناً له، وأفلت هو في نحو من خمسين نفساً، ودخل بنو يعفر صنعاء وخطبوا بها للمعتضد. وفيها أوقع يوسف بن أبي الساج وهو في نفر يسير بابن أخيه ديوداد بن محمد، ومعه جيش أبيه محمد بن أبي الساج، فهرب عسكره، فبقي ديوداد في جماعة قليلة، فعرض عليه يوسف المقام معه، فأبى وأخذ طريق الموصل فوافى بغداد يوم الخميس لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة، فكانت الوقعة بينهما بناحية أذربيجان. وفيها غزا نزار بن محمد عامل الحسن بن علي كوره الصائفة، ففتح حصوناً كثيرة للروم، وأدخل طرسوس مائة علج ونيفاً وستين علجاً من القوامسة والشمامسة وصلباناً كثيراً وأعلاماً لهم، فوجهها كروه إلى بغداد. ولاثنتي عشرة خلت من ذي الحجة وردت كتب التجار من الرقة أن الروم وافت في مراكب كثيرة، وجاء قوم منهم على الظهر إلى ناحية كيسون، فاستاقوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألف نفس إنسان؛ ما بين رجل وامرأة وصبي، فمضوا بهم، وأخذوا فيهم قوماً من أهل الذمة. وفيها قرب أصحاب أبي سعيد الجنابي من البصرة، واشتد جزع أهل البصرة منهم حتى هموا بالهرب منها والنقلة عنها، فمنعهم من ذلك واليهم. وفي آخر ذي الحجة منها قتل وصيف خادم ابن أبي الساج، فحملت جثته فصلبت في الجانب الشرقي. وقيل إنه مات ولم يقتل، فلما مات احتز رأسه. وحج بالناس فيها هارون بن محمد المكنى أبا بكر. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين ذكر الخبر عن الكائن فيها من الأمور فمن ذلك ما كان من انتشار القرامطة بسواد الكوفة، فوجه إليهم شبل غلام أحمد بن محمد الطائي، وتقدم إليه في طلبهم، وأخذ من ظفر به منهم وحملهم إلى باب السلطان. وظفر برئيس لهم يعرف بابن أبي فوارس، فوجه به معهم، فدعا به المعتضد لثمان بقين من المحرم، فساءله، ثم أمر به فقلعت أضراسه، ثم خلع بمد إحدى يديه - فيما ذكر - ببكرة، وعلق في الأخرى صخرة، وترك على حالة تلك من نصف النهار إلى المغرب، ثم قطعت يداه ورجلاه من غد ذلك اليوم، وضربت عنقه، وصلب بالجانب الشرقي، ثم حملت جثته بعد أيام إلى الياسرية، فصلب مع من صلب هنالك من القرامطة. ولليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، أخرج من كانت له دار وحانوت بباب الشماسية عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا أقفاصكم واخرجوا؛ وذلك أن المعتضد كان قد قدر أن يبني لنفسه داراً يسكنها، فخط موضع السور، وحفر بعضه، وابتدأ في بناء دكة على دجلة، كان المعتضد أمر ببنائها لينتقل فيقيم فيها إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر. وفي ربيع الآخر منها ليلة الأمير توفي المعتضد، فلما كان في صبيحتها أحضر دار السلطان يوسف بن يعقوب وأبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز وأبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب، وحضر الصلاة عليه الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان، وأبو خازم وأبو عمر والحرم والخاصة، وكان أوصى أن يدفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، فحفر له فيها، فحمل من قصره المعروف بالحسنى ليلاً، فدفن في قبره هنالك. ولسبع بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - وهي سنة تسع وثمانين ومائتين - جلس القاسم بن عبيد الله بن سليمان في دار السلطان في الحسنى، وأذن للناس، فعزوه بالمعتضد، وهنئوه بما جدد له من أمر المكتفي، وتقدم إلى الكتاب والقواد في تجديد البيعة للمكتفي بالله، فقبلوا. خلافة المكتفى بالله: ولما توفي المعتضد القاسم بن عبيد الله بالخبر إلى المكتفى كتباً، وأنفذها من ساعته؛ وكان المكتفى مقيماً بالرقة، فلما وصل الخبر إليه أمر الحسين بن عمرو النصراني كاتبه يومئذ بأخذ البيعة على من في عسكره، ووضع العطاء لهم، ففعل ذلك الحسين، ثم خرج شاخصاً من الرقة إلى بغداد، ووجه إلى النواحي بديار ربيعة وديار مضر ونواحي المغرب من يضبطها. وفي يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الأولى دخل المكتفى إلى داره بالحسني؛ فلما صار إلى منزله، أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم. وفي هذا اليوم كنى المكتفى بلسانه القاسم بن عبيد الله وخلع عليه. وفي هذا اليوم مات عمرو بن الليث الصفار، ودفن في غد هذا اليوم بالقرب بالقرب من القصر الحسني، وقد كان المعتضد - فيما ذكر - عند موته بعد ما امتنع من الكلام أمر صافياً الحرمي بقتل عمرو بالإيماء والإشارة، ووضع يده على رقبته وعلى عينه، أراد ذبح الأعور فلم يفعل ذلك صافي لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته، وكره قتل عمرو، فلما دخل المكتفى بغداد سأل - فيما قيل - القاسم بن عبيد الله عن عمرو: أحي هو؟ قال: نعم، فسر بحياته. وذكر أنه يريد أن يحسن إليه، وكان عمرو يهدى إلى المكتفى ويبره براً كثيراً أيام مقامه بالرى فأراد مكافأته، فذكروا أن القاسم بن عبيد الله كره ذلك، ودس إلى عمرو من قتله. وفي رجب منها ورد الخبر لأربع بقين منه أن جماعة من أهل الرى كاتبوا محمد بن هارون الذي كان إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان استعمله على طبرستان بعد قتله محمد بن زيد العلوي، فخلع محمد بن هارون وبيض، فسألوه المصير إلى الرى ليدخلوه إليها؛ وذلك أن أوكر تمش التركي المولي عليهم كان - فيما ذكر - قد أساء السيرة فيهم، فحاربه، فهزمه محمد بن هارون وقتله، وقتل ابنين له وقائداً من قواد السلطان يقال له أبرون أخو كيغلغ، ودخل محمد بن هارون الرى واستولى عليها. وفي رجب من هذه السنة زلزلت بغداد، ودامت الزلزلة فيها أياماً وليالي كثيرة. ذكر الخبر عن مقتل بدر غلام المعتضدوفي هذه السنة كان مقتل بدر غلام المعتضد. ذكر سبب قتله ذكر أن سبب ذلك كان أن القاسم بن عبيد الله كان هم بتصيير الخلافة من بعد المعتضد في غير ولد المعتضد، وأنه كان ناظر بدراً في ذلك، فامتنع بدر عليه وقال: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي الذي هو ولي نعمتي فلما رأى القاسم ذلك وعلم أنه لا سبيل إلى مخالفة بدر؛ إذ كان بدر صاحب جيش المعتضد، والمستولي على أمره، والمطاع في خدمه وغلمانه، اضطغنها على بدر. وحدث بالمعتضد حدث الموت وبدر بفارس، فعقد القاسم للمكتفى عقد الخلافة، وبايع له وهو بالرقة، لما كان بين المكتفى وبين بدر من التباعد في حياة والده. وكتب القاسم إلى المكتفى لما بايع غلمان أبيه له بالخلافة، وأخذ عليهم البيعة بما فعل من ذلك، فقدم بغداد المكتفى وبدر بعد بفارس، فلما قدمها القاسم في هلاك بدر؛ حذراً على نفسه - فيما ذكر - من بدر أن يقدم على المكتفى، فيطلعه على ما كان القاسم هم به، وعزم عليه في حياة المعتضد من صرف الخلافة عن ولد المعتضد إذا مات. فوجه المكتفى - فيما ذكر - محمد بن كمشجور وجماعة من القواد برسائل، وكتب إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بالمصير إلى ما قبله ومفارقة بدر وتركه، فأوصلت الكتب إلى القواد في شر، ووجه إليه يانس خادم الموفق، ومعه عشرة آلاف ألف درهم ليصرفها في عطاء أصحابه لبيعة المكتفى، فخرج بها يانس. فذكر أنه لما صار بالأهواز، وجه إليه بدر من قبض المال منه فرجع يانس إلى مدينة السلام؛ فلما وصلت كتب المكتفى إلى القواد المضمومين إلى بدر، فارق بدراً جماعة منهم، وانصرفوا عنه إلى مدينة السلام؛ منهم العباس بن عمرو الغنوي وخاقان المفلحي ومحمد بن إسحاق بن كنداج وخفيف الأذكوتكيني وجماعة غيرهم. فلما صاروا إلى مدينة السلام دخلوا على المكتفى، فخلع - فيما ذكر - على نيف وثلاثين رجلاً منهم، وأجاز جماعة من رؤسائهم؛ كل رجل منهم بمائة ألف درهم، وأجاز آخرين بدون ذلك، وخلع على بعضهم، ولم يجزه بشيء. وانصرف بدر في رجب؛ عامداً المصير إلى واسط. واتصل بالمكتفى إقبال بدر إلى واسط، فوكل بدار بدر، وقبض على جماعة من غلمانه وقواده؛ فحبسوا، منهم نحرير الكبير، وعريب الجبلي، ومنصور، ابن أخت عيسى النوشري. وأدخل المكتفي على نفسه القواد، وقال لهم: لست أؤمر عليكم أحداً، ومن كانت له منكم حاجة فليلق الوزير، فقد تقدمت إليه بقضاء حوائجكم. وأمر بمحو اسم بدر من التراس والاعلام، وكان عليها مولى المعتضد بالله، وكتب بدر إلى المكتفى كتاباً دفعه إلى زيدان السعيدي، وحمله على الجمازات. فلما وصل الكتاب إلى المكتفى أخذه، ووكل بزيدان هذا، وأشخص الحسن بن علي كوره في جيش إلى ناحية واسط. وذكر أنه قدمه المكتفى على مقدمته. ثم أحدر محمد بن يوسف مع المغرب لليلة بقيت من شعبان من هذه السنة برسالة إلى بدر، وكان المكتفى أرسل إلى بدر حين فصل من عمل فارس يعرض عليه ولاية أي النواحي شاء؛ إن شاء أصبهان وإن شاء الرى، وإن شاء الجبال، ويأمره بالمصير إلى حيث أحب من هذه النواحي مع من أحب من الفرسان والرجالة، يقيم بها والياً عليها. فأبى ذلك بدر، وقال: لا بد لي من المصير إلى باب مولاي. فوجد القاسم بن عبيد الله مساغاً للقول فيه، وقال للمكتفى: يا أمير المؤمنين، قد عرضنا عليه أن نقلده أي النواحي شاء أن يمضي إليها، فأبى إلا المجيء إلى بابك، وخوفه غائلته، وحرض المكتفى على لقائه ومحاربته، واتصل الخبر ببدر أنه قد وكل بداره، وحبس غلمانه وأسبابه، فأيقن بالشر، ووجه من يحتال في تخليص ابنه هلال وإحداره إليه، فوقف القاسم بن عبيد الله على ذلك، فأمر بالحفظ به، ودعا أبا خازم القاضي على الشرقية وأمره بالمضي إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه وإعطائه الأمان من أمير المؤمنين، على نفسه وماله وولده، فذكر أن أبا خازم قال له: أحتاج سماع ذلك من أمير المؤمنين حتى أؤديه إليه عنه، فقال له: انصرف حتى أستأذن لك في ذلك أمير المؤمنين. ثم دعا بأبي عمر محمد بن يوسف، فأمره بمثل الذي أمر به أبا خازم، فسارع إلى إجابته إلى ما أمره به، ودفع القاسم بن عبيد الله إلى أبي عمر كتاب أمان عن المكتفى، فمضى به نحو بدر، فلما فصل بدر عن واسط ارفض عنه أصحابه وأكثر غلمانه؛ مثل عيسى النوشري وختنه يانس المستأمن وأحمد بن سمعان ونحرير الصغير، صاروا إلى مضرب المكتفى في الأمان. فلما كان بعد مضى ليلتين من شهر رمضان من هذه السنة، خرج المكتفى من بغداد إلى مضربه بنهر ديالى، وخرج معه جميع جيشه، فعسكر هنالك، وخلع على من صار إلى مضربه من الجماعة الذين سميت، وعلى جماعة من القواد والجند. ووكل بجماعة منهم، ثم قيد تسعة منهم، وأمر بحملهم مقيدين إلى السجن الجديد؛ ولقى - فيما ذكر - أبو عمر محمد بن يوسف بدراً بالقرب من واسط، ودفع إليه الأمان وخبره عن المكتفى بما قال له القاسم بن عبيد الله، فصاعد معه في حراقة بدر، وكان قد سيره في الجانب الشرقي وغلمانه الذين بقوا معه في جماعة من الجند وخلق كثير من الأكراد وأهل الجبل يسيرون معه بمسيرة على شط دجلة، فاستقر الأمر بين بدر وأبي عمر على أن يدخل بدر بغداد سامعاً ومطيعاً، وعبر بدر دجلة، فصار إلى النعمانية، وأمر غلمانه وأصحابه الذين يقوا معه أن ينزعوا سلاحهم، وألا يحاربوا أحداً، وأعلمهم ما ورد به عليه أبو عمر من الأمان؛ فبينا هو يسير إذ وافاه محمد بن إسحاق بن كنداج في شذاً، ومعه جماعة من الغلمان، فتحول إلى الحراقة، وسأله بدر عن الخبر، فطيب نفسه، وقال له قولاً جميلاً، وهم في كل ذلك يؤمرونه؛ وكان القاسم بن عبيد الله وجهه، وقال له: إذا اجتمعت مع بدر، وصرت معه في موضع واحد؛ فأعلمني. فوجه القاسم، وأعلمه؛ فدعا القاسم بن عبيد الله لؤلؤاً أحد غلمان السلطان، فقال له: قد ندبتك لأمر، فقال: سمعاً وطاعة؛ فقال له: امض وتسلم بدراً من ابن كنداجيق، وجئني برأسه. فمضى في طيار حتى استقبل بدراً ومن معه بين سيب بني كوما وبين اضطربد، فتحول من الطيار إلى الحراقة، وقال لبدر: قم، فقال: وما الخبر؟ قال: لا بأس عليك، فحوله إلى طياره، ومضى به حتى صار به إلى جزيرة بالصافية، فأخرجه إلى الجزيرة، وخرج معه، ودعا بسيف كان معه فاستله، فلما أيقن بدر بالقتل سأله أن يمهله حتى يصلي ركعتين، فأمهله، فصلاهما، ثم قدمه فضرب عنقه، وذلك في يوم الجمعة قبل الزوال لست خلون من شهر رمضان، ثم أخذ رأسه ورجع إلى طياره؛ وأقبل راجعاً إلى معسكر المكتفى بنهر ديالى ورأس بدر معه، وتركت جثته مكانها، فبقيت هنالك. ثم وجه عياله من أخذ جثته سراً، فجعلها في تابوت، وأخفوها عندهم، فلما كان أيام الموسم حملوها إلى مكة، فدفنوها بها - فيما قيل - وكان أوصى بذلك، وأعتق قبل أن يقتل مماليكه كلهم، وتسلم السلطان ضياع بدر ومستغلاته ودوره وجميع ماله بعد قتله. وورد الخبر على المكتفى بما كان من قتل بدر، لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنة، فرحل منصرفاً إلى مدينة السلام، ورحل معه من كان معه من الجند، وجيء برأس بدر إليه، فوصل إليه قبل ارتحاله من موضع معسكره، فأمر به فنظف، ورفع في الخزانة، ورجع أبو عمر القاضي إلى داره يوم الاثنين كئيباً حزيناً، لما كان منه في ذلك، وتكلم الناس فيه، وقالوا: هو السبب في قتل بدر، وقالوا فيه أشعاراً، فمما قيل فيه منها: قل لقاضي المدينة المنصور ... بم أحللت أخذ رأس الأمير! بعد إعطائه المواثيق والعه ... د وعقد الأيمان في منشور أين أيمانك التي شهد الل ... ه على أنها يمين فجور أن كفيك لا تفارق كفي ... ه إلى أن ترى مليك السرير يا قليل الحياء يا أكذب الأ ... مة يا شاهداً شهادة زور ليس هذا فعل القضاة ولا يح ... سن أمثاله ولاة الجسور أي أمر ركبت في الجمعة الزه ... راء من شهر خير خير الشهور قد مضى من قتلت في رمضان ... صائماً بعد سجدة التعفير يا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور بدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياة هذا الوزير فأعد الجواب للحكم العا ... دل من بعد منكر ونكير أنتم كلكم فدا لأبي خا ... زم المستقيم كل الأمور ولسبع خلون من شهر رمضان، حمل زيدان السعيدي الذي كان قدم رسولاً من قبل بدر إلى المكتفى مع التسعة الأنفس الذين قيدوا من قواد بدر، وسبعة أنفس أخر من أصحاب بدر قبض عليهم بعدهم في سفينة مطبقة عليهم، وأحدروا مقيدين إلى البصرة، فحبسوا في سجنها. وذكر أن لؤلؤاً الذي ولى قتل بدر غلاماً من غلمان محمد بن هارون الذي قتل محمد بن زيد بطبرستان وأكرتمش بالرى، قدم مع جماعة من غلمان محمد بن هارون على السلطان في الأمان. وفي ليلة الاثنين لأربع عشرة بقيت من شهر رمضان منها قتل عبد الواحد بن أبي أحمد الموفق - فيما ذكر - وكانت والدته - فيما قيل - وجهت معه إلى دار مؤنس لما قبض عليه دابة له، ففرق بينه وبين الداية فمكثت يومين أو ثلاثة، ثم صرفت إلى منزل مولاتها، فكانت والدة عبد الواحد إذا سألت عن خبره قيل لها: إنه في دار المكتفى؛ وهو في عافية. وكانت طامعة في حياته، فلما مات المكتفى أيست منه وأقامت عليه مأتماً. ذكر باقي الكائن من الأمور الجليلة في سنة تسع وثمانين ومائتين فمما كان من ذلك فيها لتسع بقين من شعبان منها، ورد كتاب من إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان على السلطان بخبر وقعة كانت بين أصحابه وبين ابن جستان الديملي بطبرستان، وأن أصحابه هزموه، وقرىء بذلك كتابه بمسجدي الجامع ببغداد. وفيها لحق رجل يقال له إسحاق الفرغاني من أصحاب بدر لما قتل بدر إلى ناحية البادية في جماعة من أصحابه على الخلاف على السلطان؛ فكانت بينه هنالك وبين أبي الأغر وقعة، هزم فيها أبو الأغر، وقتل من أصحابه ومن قواده عدة، ثم أشخص مؤنس الخازن في جمع كثيف إلى الكوفة لحرب إسحاق الفرغاني. ولسلخ ذي القعدة خلع على خاقان المفلحي، وولى معونة الرى، وضم إليه خمسة آلاف رجل. وفيها ظهر بالشام رجل جمع جموعاً كثيرة من الأعراب وغيرهم، فأتى بهم دمشق، وبها طغج بن جف من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون على المعونة، وذلك في آخر هذه السنة، فكانت بين طغج، وبينه وقعات كثيرة قتل فيها - فيما ذكر - خلق كثير. ذكر خبر هذا الرجل الذي ظهر بالشام وما كان من سبب ظهوره بها ذكر أن زكرويه بن مهرويه الذي ذكرنا أنه كان داعياً قرمط لما تتابع من المعتضد توجيه الجيوش إلى من بسواد الكوفة من القرامطة، وألح في طلبهم، وأثخن فيهم القتلى، ورأى أنه لا مدفع عن أنفسهم عند أهل السواد ولا غناء، سعى في استغواء من قرب من الكوفة من أعراب أسد وطييء وتميم وغيرهم من قبائل الأعراب، ودعاهم إلى رأيه؛ وزعم لهم أن من بالسواد من القرامطة يطابقونهم على أمره إن استجابوا له. فلم يستجيبوا له، وكانت جماعة من كلب تخفر الطريق على البر بالسماوة فيما بين الكوفة ودمشق على طريق تدمر وغيرها، وتحمل الرسل وأمتعة التجار على إبلها، فأرسل زكرويه أولاده إليهم، فبايعوهم وخالطوهم، وانتموا إلى علي بن أبي طالب وإلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، وذكروا أنهم خائفون من السلطان، وأنهم ملجئون إليهم، فقبلوهم على ذلك، ثم دبوا فيهم بالدعاء إلى رأى القرامطة؛ فلم يقبل ذلك أحد منهم - أعنى من الكلبيين - إلا الفخذ المعروفة ببني العليص ابن ضمضم بن عدي بن جناب ومواليهم خاصة، فبايعوا في آخر سنة تسع وثمانين ومائتين بناحية السماوة ابن زكرية المسمى بيحيى والمكنى أبا القاسم، ولقبوه الشيخ، على أمر احتال فيهم، ولقب به نفسه، وزعم لهم أنه أبو عبد الله ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد. وقد قيل: إنه زعم أنه محمد بن عبد الله بن يحيى. وقيل إنه زعم أنه محمد ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب. وقيل إنه لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يسمى عبد الله، وزعم لهم أن أباه المعروف بأبي محمود داعية له، وأن له بالسواد والمشرق والمغرب مائة ألف تابع، وأن ناقته التي يركبها مأمورة، وأنهم إذا اتبعوها في مسيرها ظفروا. وتكهن لهم، وأظهروا عضداً له ناقصة، وذكر أنها آية، وانحارت إليه جماعة من بني الأصبغ، وأخلصوا له وتسموا بالفاطميين، ودانوا بدينه، فقصدهم سبك الديلمي مولى المعتضد بالله بناحية الرصافة في غربي الفرات من ديار مضر، فاغتروه وقتلوه، وحرقوا مسجد الرصافة، واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى أصعدوا إلى أعمال الشأم التي كان هارون بن خمارويه قوطع عليها، وأسند أمرها هارون إلى طغج بن جف، فأناح عليها وهزم كل عسكر لقيه لطغج حتى حصره في مدينة دمشق، فأنفذ المصريون إليه بدراً الكبير غلام ابن طولون، فاجتمع مع طغج على محاربته، فواقعوهم قريباً من دمشق، فقتل الله عدو الله يحيى بن زكرويه. وكان سبب قتله - فيما ذكر - أن بعض البرابرة زرقه بمزراق واتبعه نفاط، فزرقه بالنار فأحرقه؛ وذلك في كبد الحرب وشدتها، ثم دارت على المصريين الحرب، فانحازوا، فاجتمعت موالى بني العليص إلى بني العليص ومن معهم من الأصبغيين وغيرهم على نصب الحسين بن زكرويه أخي الملقب بالشيخ فنصبوا أخاه، وزعم لهم أنه أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد، وهو ابن نيف وعشرين سنة، وقد كان الملقب بالشيخ حمل موالى بني العليص على صريحهم، فقتلوا جماعة منهم، واستذلوهم، فبايعوا الحسين ابن زكرويه المسمى بأحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد أخيه، فأظهر شامة في وجهه ذكر أنها آيته، وطرأ إليه ابن عمه عيسى بن مهرويه المسمى عبد الله، وزعم أنه عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فلقبه المدثر، وعهد إليه؛ وذكر أنه المعنى في السورة التي يذكر فيها المدثر، ولقب غلاماً من أهله المطوق، وقلده قتل أسرى المسلمين، وظهر على المصريين، وعلى جند حمص وغيرها من أهل الشأم، وتسمى بأمره المؤمنين على منابرها، وكان ذلك كله في سنة تسع وثمانين، وفي سنة تسعين. وفي اليوم التاسع من ذي الحجة من هذه السنة صلى الناس في قمص الصيف ببغداد، فهبت ريح الشمال عند العصر، فبرد الهواء حتى احتاج الناس بها من شدة البرد إلى الوقود والاصطلاء بالنار، ولبس المحشو والجباب، وجعل البرد حتى جمد الماء. وفيها كانت وقعة بين إسماعيل بن أحمد بالرى ومحمد بن هارون وابن هارون - فيما قيل - حينئذ في نحو من ثمانية آلاف، فانهزم محمد بن هارون وتقدم أصحابه، وتبعه من أصحابه نحو من ألف، ومضوا نحو الديلم، فدخلها مستجيراً بها، ودخل إسماعيل بن أحمد الرى، وصار زهاء ألف رجل - فيما ذكر - ممن انهزم من أصحابه إلى باب السلطان. وفي جمادى الآخرة منها لأربع خلون منها ولي القاسم بن سيما غزو الصائفة بالثغور الجزرية، وأطلق له من المال اثنا وثلاثون ألف دينار. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ثم دخلت سنة تسعين ومائتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمما كان فيها من ذلك التوجيه المكتفى رسولاً إلى إسماعيل بن أحمد لليلتين خلتا من المحرم منها بخلع، وعقد ولاية له على الرى، وبهدايا مع عبد الله ابن الفتح. ولخمس بقين من المحرم منها ورد - فيما ذكر - كتاب علي بن عيسى من الرقة، يذكر فيه أن القرمطي بن زكرويه المعروف بالشيخ، وافى الرقة في جمع كثير، فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان ورئيسهم سبك غلام المكتفى، فواقعوه، فقتل سبك، وانهزم أصحاب السلطان. ولست خلون من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن طغج بن جف أخرج من دمشق جيشاً إلى القرمطي، عليهم غلام له يقال له بشير، فواقعوهم القرمطي، فهزم الجيش وقتل بشيراً. ولئلات عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلع على أبي الأغر ووجه به لحرب القرمطي بناحية الشأم، فمضى إلى حلب في عشرة آلاف رجل. ولإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع لآخر على أبي العشائر أحمد بن نصر وولي طرسوس، وعزل عنها مظفر بن حاج لشكاية أهل الثغور إياه. وللنصف من جمادى الأولى من هذه السنة، وردت كتب التجار إلى بغداد من دمشق مؤرخه لسبع بقين من ربيع الآخر يخبرون فيها أن القرمطي الملقب بالشيخ قد هزم طغج غير مرة، وقتل أصحابه إلا القليل، وأنه قد بقي في قلة، وامتنع من الخروج، وإنما تجتمع العامة، ثم تخرج للقتال، وأنهم قد أشرفوا على الهلكة، فاجتمعت جماعة من تجار بغداد في هذا اليوم، فمضوا إلى يوسف بن يعقوب، فأقرءوه كتبهم، وسألوه المضى إلى الوزير ليخبره خبر أهل دمشق، فوعدهم ذلك. ولسبع بقين من جمادى الأولى أحضر دار السلطان أبو خازم ويوسف وابنه محمد، وأحضر صاحب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث، فقوطع على مال فارس، ثم عقد المكتفى لطاهر على أعمال فارس، وخلع على صاحبه، وحملت إليه خلع مع العقد. وفي جمادى الأولى هرب من مدينة السلام القائد المستأمن المعروف بأبي سعيد الخوارزمي، وأخذ نحو طريق الموصل، فكتب إلى عبد الله المعروف بغلام نون، وكان يتقلد المعاون بتكريت والأعمال المتصلة بها إلى حد سامراً وإلى الموصل في معارضته وأخذه، فزعموا أن عبد الله عارضه، فاختدعه أبو سعيد حتى اجتمعا جميعاً على غير حرب، ففتك به أبو سعيد فقتله، ومضى أبو سعيد نحو شهرزور، فاجتمع هو وابن أبي الربيع الكردي، وصاهره، واجتمعا على عصيان السلطان. ثم إن أبا سعيد قتل بعد ذلك، وتفرق من كان اجتمع إليه. ولعشر خلون من جمادى الآخرة، شخص أبو العشائر إلى عمله بطرسوس، وخرج معه جماعة من المطوعة للغزو، ومعه هدايا من المكتفى إلى ملك الروم. ولعشر بقين من جمادى الآخرة خرج المكتفى بعد العصر عامداً سامراً، مريداً البناء بها للانتقال إليها، فخلع يوم الخميس لخمس بقين من جمادى الآخرة، ثم انصرف إلى مضارب قد ضربت له بالجوسق، فدعا القاسم بن عبيد الله والقوام بالبناء، فقدروا له البناء وما يحتاج إليه من المال للنفقة عليه، فكثروا عليه في ذلك، وطولوا مدة الفراغ مما أراد بناءه، وجعل القاسم يصرفه عن رأيه في ذلك، ويعظم أمر النفقة في ذلك وقدر مبلغ المال، فثناه عن عزمه، ودعا بالغداء، فتغدى ثم نام، فلما هب من نومه ركب إلى الشط، وقعد في الطيار، وأمر القاسم بن عبيد الله بالانحدار. ورجع أكثر الناس من الطريق قبل أن يصلوا إلى سامراً حين تلقاهم الناس راجعين. ولسبع خلون من رجب خلع على ابني القاسم بن عبيد الله، فولى الأكبر منهما ضياع الولد والحرم والنفقات، والأصغر منهما كتبة أبي أحمد بن المكتفى؛ وكانت هذه الأعمال إلى الحسين بن عمرو النصراني، فعزل بهما، وكان القاسم بن عبيد الله اتهم الحسين بن عمرو أنه قد سعى به إلى المكتفى. ثم إن الحسين بن عمرو كاشف القاسم بن عبيد الله بحضرة الله المكتفى، فلم يزل القاسم يدبر عليه، ويغلظ قلب المكتفى عليه، حتى وصل إلى ما أراد من أمره. وفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شعبان قرىء كتابان في الجامعين بمدينة السلام بقتل يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، قتله المصريون على باب دمشق؛ وكانت الحرب اتصلت بينه وبين من حاربه من أهل دمشق وجندها ومددهم من أهل مصر، وكسر لهم جيوشاً، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وكان يحيى بن زكرويه هذا يركب برجاله، ويلبس ثياباً واسعة ويعتم عمه أعرابية، ويلتثم، ولم يركب دابة من لدن ظهر إلى أن قتل، وأمر أصحابه ألا يحاربوا أحداً؛ وإن أتى عليهم حتى يبتعث الجمل من قبل نفسه؛ وقال لهم: إذا فعلتم ذلك لم تهزموا. وذكر أنه كان إذا أشار بيده إلى ناحية من النواحي التي فيها محاربوه، انهزم أهل الناحية، فاستغوى بذلك الأعراب، ولما كان في اليوم الذي قتل فيه يحيى بن زكرويه الملقب بالشيخ، وانحازوا إلى أخيه الحسين بن زكرويه، فطلب أخاه الشيخ في القتلى، فوجده، فواراه وعقد الحسين بن زكرويه لنفسه، وتسمى بأحمد بن عبد الله، وتكنى بأبي العباس. وعلم أصحاب بدر بعد ذلك بقتل الشيخ، فطلبوه في القتلى فلم يجدوه، ودعا الحسين بن زكرويه إلى مثل ما دعا إليه أخوه أكثر أهل البوادي وغيرهم من سائر الناس، واشتدت شوكته وظهر. وصار إلى دمشق، فذكر أن أهلها صالحوه على خراج دفعوه إليه، ثم انصرف عنهم، ثم سار إلى أطراف حمص، فتغلب، عليها، وخطب له على منابرها، وتسمى بالمهدي، ثم سار إلى مدينة حمص، فأطاعه أهلها، وفتحوا له بابها خوفاً منه على أنفسهم فدخلها، ثم سار منها إلى حماة ومعرة النعمان وغيرهما، فقتل أهلها، وقتل النساء والأطفال ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها حتى لم يبق منهم - فيما قيل - إلا اليسير، ثم سار إلى سلمية فحاربه أهلها ومنعوه الدخول، ثم وادعهم وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها، فدخلها، فبدأ بمن فيها من بني هاشم، وكان بها منهم جماعة فقتلهم، ثم ثني بأهل سلمية فقتلهم أجمعين. ثم قتل البهائم، ثم قتل صبيان الكتاتيب، ثم خرج منها؛ وليس بها عين تطرف - فيما قيل - وسار فيها حوالي ذلك من القرى يقتل ويسبي ويحرق ويخيف السبيل. فذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسن أنه قال: جاءتني امرأة بعد ما أدخل القرمطي صاحب الشامة وأصحابه بغداد، فقالت لي: إني أريد أن تعالج شيئاً في كتفي، قلت: وما هو؟ قالت: جرح، قلت: أنا كحال؛ وها هنا امرأة تعالج النساء، وتعالج الجراحات، فانظري مجيئها. فقعدت، ورأيتها مكروبة كئيبة باكية، فسألتها عن حالها، وقلت: ما سبب جراحتك؟ فقالت: قصتي تطول، فقلت: حدثني بها وصادقني، وقد خلا من كان عندي، فقالت: كان لي ابن غاب عني، وطالت غيبته، وخلف علي أخوات له، فضقت واحتجت. واشتقت إليه، وكان شخص إلى ناحية الرقة، فخرجت إلى الموصل وإلى بلد وإلى الرقة؛ كل ذلك أطلبه، وأسأل عنه؛ فلم أدل عليه، فخرجت عن الرقة في طلبه، فرقعت في عسكر القرمطي، فجعلت أطوف وأطلبه؛ فبينا أنا كذلك إذ رأيته فتعلقت به، فقلت: ابني! فقال: أمي! فقلت: نعم، قال ما فعل أخواتي؟ قلت: بخير، وشكوت ما نالنا بعده من الضيق، فمضى بي إلى منزله، وجلس بين يدي، وجعل يسائلني عن أخبارنا، فخبرته، ثم قال: دعيني من هذا وأخبريني ما دينك؟ فقلت: يا بني أما تعرفني! فقال: وكيف لا أعرفك! فقلت: ولم تسألني من ديني وأنت تعرفني وتعرف ديني! فقال: كل ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه الآن، فأعظمت ذلك وعجبت منه، فلما رآني كذلك خرج وتركني. ثم وجه إلي بخبر ولحم وما يصلحني، وقال: اطبخيه، فتركنه ولم أمسه، ثم عاد فطبخه، وأصلح أمر منزله، فدق الباب داق؛ فخرج إليه فإذا رجل يسأله، ويقول له: هذه القادمة عليك تحسن أن تصلح من أمر النساء شيئاً؟ فسألني فقلت: نعم، فقال: امضي معي، فمضيت فأدخلني داراً، وإذا امرأة تطلق، فقعدت بين يديها، وجعلت أكلمها، فلا تكلمني، فقال لي الرجل الذي جاء بي إليها: ما عليك من كلامها، أصلحي أمر هذه، ودعى كلامها، فأقمت حتى ولدت غلاماً، وأصلحت من شأنه، وجعلت أكلمها وأتلطف بها وأقول لها: يا هذه، لا تحتشميني؛ نقد وجب حقي عليك، أخبريني خبرك وقصتك ومن والد هذا الصبي، فقالت: تسألينني عن أبيه لتطالبيه بشيء يهبه لك! فقلت: لا، ولكن أحب أن أعلم خبرك، فقالت لي: إني امرأة هاشمية - ورفعت رأسها؛ فرأيت أحسن الناس وجهاً - وإن هؤلاء القوم أتونا، فذبحوا أبي وأمي وإخوتي وأهلي جميعاً، ثم أخذني رئيسهم فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أخرجني، فدفعني إلى أصحابه، فقال: طهروها فأرادوا قتلي، فبكيت. وكان بين يديه رجل من قواده، فقال: هبها لي، فقال: خذها، فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه، فسلوا سيوفهم، وقالوا: لا نسلمها إليك؛ وإما أن تدفعها إلينا، وإلا قتلناها. وأرادو قتلي، وضجوا، فدعاهم رئيسهم القرمطي، وسألهم عن خبرهم فخبروه، فقال: تكون لكم أربعتكم، فأخذوني، فأنا مقيمة معهم أربعتهم، والله ما أدرى ممن هو هذا الولد منهم! قالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي: هنية فهنأته بالمولود، فأعطاني سبيكة فضة، وجاء آخر وآخر، أهنىء كل واحد منهم، فيعطيني سبيكة فضة؛ فلما كان في السحر جاء جماعة مع رجل وبين يديه شمع، وعليه ثياب خز تفوح منه رائحة المسك، فقالت لي: هنيه، فقمت إليه، فقلت: بيض الله وجهك، والحمد لله الذي رزقك هذا الابن، ودعوت له، فأعطاني سبيكة فيها ألف درهم، وبات الرجل في بيت، وبت مع المرأة في بيت، فلما أصبحت قلت للمرأة: يا هذه، قد وجب عليك حقي، فالله الله في، خلصيني! قالت: مم أخلصك؟ فخبرتها خبر ابني، وقلت لها: إني جئت راغبة إليه، وإنه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضعاف خلفتهن بأسوأ حال، فخلصيني من ها هنا لأصل إلى بناتي. فقالت: عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم، فسليه ذلك، فإنه يخلصك. فأقمت يومي إلى أن أمسيت؛ فلما جاء تقدمت إليه، وقبلت يده ورجله، وقلت: يا سيدي قد وجب حقي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضعفاء فقراء، فإن أذنت لي أن أمضي فأجيئك ببناتي حتى يخدمنك ويكن بين يديك! فقال: وتفعلين؟ قلت: نعم، فدعا قوماً من غلمانه. فقال: امضوا معها حتى تبلغوا بها موضع كذا وكذا، ثم اتركوها وارجعوا. فحملوني على دابة، ومضوا بي. قالت: فبينما نحن نسير. وإذا أنا بابني يركض، وقد سرنا عشرة فراسخ - فيما خبرني به القوم الذين معي - فلحقني وقال: يا فاعلة، زعمت أنك تمضين وتجيئين ببناتك! وسل سيفه ليضربني؛ فمنعه القوم، فلحقني طرف السيف، فوقع في كتفي، وسل القوم سيوفهم. فأرادوه، فتنحى عني. وساروا بي حتى بلغوا بي الموضع الذي سماه لهم صاحبهم. فتركوني ومضوا، فتقدمت إلى ها هنا وقد طفت لعلاج جرحي، فوصف لي هذا الموضع، فجئت إلى ها هنا. قالت: ولما قدم أمير المؤمنين بالقرمطي وبالأسارى من أصحابه خرجت لأنظر إليهم؛ فرأيت ابني فيهم على جمل؛ عليه برنس وهو يبكي وهو فتى شاب، فقلت له: لا خفف الله عنك ولا خلصك! قال المتطبب: فقمت معها إلى المتطببة لما جاءت، وأوصيتها بها، فعالجت جرحها وأعطتها مرهماً، فسألت المتطببة عنها بعد منصرفها، فقالت: قد وضعت يدي على الجرح، وقلت: انفحي، فنفحت فخرجت الريح من الجرح من تحت يدي، وما أراها تبرأ منه، فمضت فلم تعد إلينا. ولإحدى عشرة بقيت من شوال من هذه السنة، قبض القاسم بن عبيد الله على الحسين بن عمرو النصراني، وحبسه، وذلك أنه لم يزل يسعى في أمره إلى المكتفى، ويقدح فيه عنده؛ حتى أمره بالقبض عليه، وهرب كاتب الحسين ابن عمرو حين قبض على الحسين المعروف بالشيرازي، فطلب وكبست منازل جيرانه، ونودي: من وجده فله كذا وكذا، فلم يوجد. ولسبع بقين منه صرف الحسين بن عمرو إلى منزله، على أن يخرج من بغداد. وفي يوم الجمعة التي بعدها خرج الحسين بن عمرو وحدر إلى ناحية واسط على وجه النفي، ووجد الشيرازي كاتبه لثلاث خلون من ذي القعدة. ولليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة أمر المكتفى بإعطاء الجند أرزاقهم والتأهب للشخوص لحرب القرمطي بناحية الشأم، فأطلق للجند في دفعة واحدة مائة ألف دينار؛ وذلك أن أهل مصر كتبوا إلى المكتفى يشكون ما لقوا ابن زكرويه المعروف بصاحب الشامة، وأنه قد أخرب البلاد، وقتل الناس، وما لقوا من أخيه قبله ومن قتلهما رجالهم، وأنه لم يبق منهم إلا العدد اليسير. ولخمس خلون خلت من شهر رمضان أخرجت مضارب المكتفى، فضربت بباب الشماسية. ولسبع خلون منه خرج المكتفى في السحر إلى مضربه بباب الشماسية، ومعه قواده وغلمانه وجيوشه. ولاثني عشرة ليلة من شهر رمضان، رحل المكتفى من مضربه بباب الشماسية في السحر، وسلك طريق الموصل. وللنصف من شهر رمضان منها مضى أبو الأغر إلى حلب، فنزل وادي بطنان قريباً من حلب، ونزل معه جميع أصحابه، فنزع - فيما ذكر - جماعة من أصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادي يتبر دون بمائة، وكان يوماً شديد الحر؛ فبيناهم كذلك إذ وافى جيش القرمطي المعروف بصاحب الشامة، وقد بدرهم المعروف بالمطوق، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقاً كثيراً وانتهب العسكر، وأفلت أبو الأغر في جماعة من أصحابه، فدخل حلب، وأفلت معه مقدار ألف رجل، وكان في عشرة آلاف بين فارس وراجل، وكان قد ضم إليه جماعة ممن كان على باب السلطان من قواد الفراعنة ورجالهم، فلم يفلت منهم إلا اليسير. ثم صار أصحاب القرمطي إلى باب حلب، فحاربهم أبو الأغر ومن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والأموال والأمتعة بعد حرب كانت بينهم، ومضى المكتفى بمن معه من الجيش حتى انتهى إلى الرقة، فنزلها، وسرح الجيوش إلى القرمطي جيشاً بعد جيش. ولليلتين خلتا من شوال ورد مدينة السلام كتاب أبو القاسم بن عبيد الله، يخبر فيه أن كتاباً ورد عليه من دمشق من بدر الحمامي صاحب ابن طولون، يخبر فيه أنه واقع القرمطي صاحب الشامة، فهزمه ووضع في أصحابه السيف، ومضى من أفلت منهم نحو البادية، وأن أمير المؤمنين وجه في أثره الحسين بن حمدان بن حمدون وغيره من القواد. وورد أيضاً في هذه الأيام - فيما ذكر - كتاب من البحرين من أميرها ابن بانوا، يذكر فيه أنه كبس حصناً للقرامطة، فظفر بمن فيه. ولثلاث عشرة خلت من ذي القعدة منها - فيما ذكر - ورد كتاب آخر من ابن بانوا من البحرين، يذكر فيه أنه واقع قرابة لأبي سعيد الجنابي، وولى عهده من بعده على أهل طاعته، فهزمه. وكان مقام هذا المهزوم بالقطيف فوجد بعدما انهزم أصحابه قتيلاً بين القتلى، فاحتز رأسه، وأنه دخل القطيف فافتتحها. ومن كتب صاحب الشامة إلى بعض عماله: " بسم الله الرحمن الرحيم " من عبد الله أحمد بن عبد الله المهدي المنصور بالله لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حرم الله، المختار من ولد رسول الله أمير المؤمنين وإمام المسلمين، ومذل المنافقين خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتت المخالفين، والقيم بسنة سيد الرسلين، وولد خير الوصيين، صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته الطيبين، وسلم كثيراً، وإلى جعفر بن حميد الكردي: سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلى على جدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما بعد؛ فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك، وأظهروه من الظلم والعيث والفساد في الأرض، فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى ما هناك من جيوشنا من ينقم الله به أعدئه الظالمين، والذين يسعون في الأرض فساداً، وأنفذنا عطيراً داعيتنا وجماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص، وأمددناهم بالعساكر، ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك لطلب أعداء الله حيث كانوا، نحن نرجو أن يجرينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم؛ فينبغي أن تشد قلبك وقلوب من معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذي لم يزل في كل مرق عن الطاعة وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية، وما يتجدد فيها، ولا تخف عني شيئاً من أمرها إن شاء الله. سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله جدي محمد رسول الله، وعلى أهل بيته وسلم كثيراً. نسخة كتاب عامل له إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم " لعبد الله أحمد الإمام المهدي المنصور بالله، ثم الصدر كله على مثال نسخة صدر كتابه إلى عامله الذي حكينا في الكتاب الذي قبل هذا الكتاب، إلى ولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين وسلم كثيراً. ثم بعد ذلك من عامر بن عيسى العنقائي. سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وادام الله عزه وتأييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، وأسبغ نعمه عليه، وزاد في إحسانه إليه، وفضله لديه. فقد كان وصل كتاب سيدي أمير المؤمنين أطال الله بقاؤه، يعلمه فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصورة مع قائد من قواده إلى ناحيتنا لمجاهدة أعداء الله بني الفصيص والخائن ابن دحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وبأسبابهم وضياعهم، ويأمرني أدام الله عزه عند نظري في كتابه بالنهوض في كل من قدرت عليه من أصحابي وعشائري للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كل ما يومون إليه ويأمرون به، وفهمته، ولم يصل إلي هذا الكتاب أعز الله أمير المؤمنين حتى وافت جيوش المنصورة؛ فنالت طرفاً من ناحية ابن دحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن أحمد الداعية ليلقوه بمدينة أفامية. ثم ورد علي كتاب مسرور بن أحمد في درجة الكتاب الذي اقتصصت ما فيه في صدر كتابي هذا، يأمرني فيه بجمع من تهيأ من أصحابي وعشيرتي والنهوض إلى ما قبلته، ويحذرني التخلف عنه. وكان ورود كتابه علي وقت صح عندنا نزول المارق سبك عبد مفلح مدينة عرقة في زهاء ألف رجل، ما بين فارس وراجل. وقد شارف بلدنا، وأطل على ناحيتنا، وقد وجه أحمد بن الوليد عبد أمير المؤمنين أطال الله بقاؤه إلى جميع أصحابه، ووجهت إلى جميع أصحابي، فجمعناهم إلينا ووجهنا العيون إلى ناحية عرقة لنعرف أخبار هذا الخائن، وأين يريد، فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجوا أن يظفر الله به، ويمكن منه بمنه وقدرته. ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق في هذه الناحية، وإشرافه على بلدنا لما تأخرت في جماعة أصحابي عن النهوض إلى مدينة أفامية، لتكون يدي مع أيدي القواد المقيمين بها لمجاهدة من بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. وأعلمت سيدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه السبب في تخلفي عن مسرور بن أحمد، ليكون على علم منه. ثم إن أمرني أدام الله عزه بالنفوذ إلى أفامية كان نفوذي برأيه، وامتثلت ما يأمرني به إن أشاء الله. أنم الله على أمير المؤمنين نعمة وأدام عزه وسلامته، وهنأه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين الاختيار. وفيها وجه القاسم بن عبيد الله الجيوش إلى صاحب الشامة، وولي حربه محمد بن سليمان الكاتب الذي كان إليه ديوان الجيش، وضم جميع القواد إليه، وأمرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرقة في جيش كثيف، وكتب إلى من تقدمه من القواد بالسمع والطاعة. وفيها ورد رسولاً صاحب الروم؛ أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفداء بمن يده من المسلمين أسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم إليه، فأجبنا إلى ما سألا، وخلع عليهما. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس ابن محمد. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة ذكر خبر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة فمن ذلك ما كان من أمر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة. ذكر الخبر عن هذه الوقعة قال أبو حعفر: قد مضى ذكرى شخوص المكتفى مدينة السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره إلى الرقة، وبثه جيوشه فيما بين حلب وحمص، وتوليه حرب صاحب الشامة محمد بن سليمان الكاتب وتصييره أمر جيشه وقواده إليه؛ فلما دخلت هذه السنة كتب وزيره القاسم بن عبيد الله إلى محمد ابن سليمان وقواد السلطان يأمره وإياهم بمناهضة ذي الشامة وأصحابه، فساروا إليه حتى صاروا إلى موضع بينهم وبين حماة - فيما قيل - اثنا عشرة ميلاً، فلقوا به أصحاب القرمطي في يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم، وكان القرمطي قدم أصحابه وتخلف هو في جماعة من أصحابه، ومعه مال قد كان جمعه، وجعل السواد وراءه، فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان وأصحاب القرمطي، واشتدت، فهزم أصحاب القرمطي، وقتلوا، وأسر من رجالهم بشر كثير، وتفرق الباقون في البوادي، وتبعهم أصحاب السلطان ليلة الأربعاء لسبع خلون من المحرم. فلما رأى القرمطي ما نزل بأصحابه من الفلول والهزيمة حمل - فيما قيل - أخاً له يكنى أبا الفضل مالاً، وتقدم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع، فيصير إليه، وركب هو وابن عمه المسمى المدثر والمطوق صاحبه وغلام له رومي. وأخذ دليلاً، وسار يريد الكوفة عرضاً في البرية، حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدالية من أعمال طريق الفرات، فنفذ ما كان معهم من الزاد والعلف، فوجه بعض ما كان معه ليأخذ له ما يحتاجون إليه، فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طوق لشراء حاجه، فأنكروا زيه، وسئل عن أمره فمجمج، فأعلم المتولى مسلحة هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بأبي خبزة خليفة أحمد بن محمد بن كمشرد عامل أمير المؤمنين المكتفى على المعاون بالرحبة وطريق الفرات. فركب في جماعة، وسأل هذا الرجل عن خبره، فأخبره أن الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر. فمضى إليهم، فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه، فتوجه بهم ابن كشمرد وأبو خبزة إلى المكتفى بالرقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا جميع من قدروا عليه من أولياء القرمطي وأشياعه، وكتب محمد بن سليمان إلى الوزير بالفتح: " بسم الله الرحمن الرحيم " قد تقدمت كتبي إلى الوزير أعزه الله في خبر القرمطي اللعين وأشياعه؛ بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله. ولما كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرم رحلت من الموضع المعروف بالقراونة، نحو موضع يعرف بالعليانة، في جميع العسكر من الأولياء، وزحفنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك؛ فلم أبعد أن وافاتي الخبر بأن الكافر القرمطي أنفذ النعمان ابن أخي إسماعيل بن النعمان أحد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلق من الرجالة، وإنه نزل بموضع يعرف بتمتع، بينه وبين حماة اثنا عشرة ميلاً، فاجتمع إليه جميع من كان بمعرة النعمان وبناحية الفصيصي وسائر النواحي من الفرسان والرجالة، فأسررت ذلك عن القواد والناس جميعاً ولم أظهره، وسألت الدليل الذي كان معي عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر أنه ستة أميال، فتوكلت على الله عز وجل، وتقدمت إليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعاً، وسرنا حتى وافيت الكفرة، فوجدتهم على تعبئة، ورأينا طلائهم. فلما نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا إليهم، فاقترفوا ستة كراديس، وجعلوا على ميسرتهم - على ما أخبرني من ظفرت به من رؤسائهم - مسروراً العليصي وأبا الحمل وغلام هارون العليصي، وأبا العذاب ورجاء وصافي وأبا يعلى العلوي، في ألف وخمسمائة فارس، وكمنوا كميناً في أربعمائة فارس ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في قلب النعمان العليصي والمعروف بأبي الحطي، والحمارى وجماعة من بطلانهم في ألف وأربعمائة فارس وثلاثة آلاف راجل، وفي ميمنتهم كليباً العليصي والمعروف بالسديد العليصي والحسين بن العليصي وأبا الجراح العليصي وحميد العليصي، وجماعة من نظرائهم في ألف وأربعمائة فارس، وكمنوا مائتي فارس؛ فلم يزالوا زفاً إلينا ونحن نسير نحوهم غير متفرقين، متوكلين على الله عز وجل. وقد استحثت الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم. فلما رأى بعضنا بعضاً حمل الكردوس الذي كان في ميسرتهم ضرباً بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنة، فاستقبلهم الحسين - بارك الله عليه وأحسن جزاءه - بوجهه وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضرباً للوجوه، فصرع من الكفار الفجرة ستمائة فرس في أول وقعة، وأخذ أصحاب الحسين خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضة، وولوا مدبرين مفلولين واتبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حملة وحملة، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة؛ حتى أفناهم الله عز وجل، فلم يفلت منهم إلا أقل من مائتي رجل. وحمل الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويمن الخادم ومن كان معهما من بني شيبان وبني تميم، فاستقبلوهم بالرماح حتى كسروها فيهم؛ واعتنق بعضهم بعضاً، فقتل من الفجرة جماعة كثيرة. وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحاً لخليفة في ثلثمائة فارس، وجميع أصحاب الخليفة؛ وهو يعاركون بني شيبان وتميم، فقتل من الكفرة مقتلة عظيمة، واتبعوهم، فأخذ بنو شيبان منهم ثلثمائة فرس ومائة طوق، وأخذ أصحاب خليفة مثل ذلك؛ وزحف النعمان ومن معه في القلب إلينا، فحملت ومن معي، وكنت بين القلب والميمنة، وحمل خاقان القشوري بن كمشجور ومن كان معهم في الميمنة، ووصيف موشكير ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وابنا كيغلغ والمبارك القمى وربيعة بن محمد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحي الكبير ووصيف البكتمري وبشر البكتمري ومحمد بن قراطغان. وكان في جناح الميمنة جميع من حمل على من في القلب ومن انقطع ممن كان حمل الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجالتهم حتى قتلوا أكثر من خمسة أميال. ولما أن تجاوزت المصاف بنصف ميل خفت أن يكون من الكفار مكيدة في الإحتيال على الرجالة والسواد، فوقفت إلى أن لحقوني. وجمعتهم وجمعت الناس، إلي وبين يدي المطرد المبارك، مطرد أمير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الأول، وحمل الناس. ولم يزل عيسى النوشري ضابطاً للسواد من مصاف خلفهم مع فرسانه ورجالته على ما رسمته له، لم يزل من موضعه إلى أن رجع الناس جميعاً إلي من كل موضع، وضربت مضربي في الموضع الذي وقفت فيه؛ حتى نزل الناس جميعاً، ولم أزل واقفاً إلى أن صليت المغرب، حتى استقر العسكر بأهله، ووجهت في الطلائع ثم نزلت؛ وأكثرت حمد الله على ما هنأنا به من النصر، ولم يبق أحد من قواد أمير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركة في المناصحة لها إلا بلغوها؛ بارك الله عليهم جميعاً! ولما استراح الناس خرجت القواد جميعاً لنقيم خارج المعسكر إلى أن يصبح الناس خوفاً من حيلة تقع، وأسأل الله تمام النعمة وإيزاع الشكر؛ وأنا - أعز الله سيدنا الوزير - راحل إلى حماة، ثم أشخص إلى سلمية بمن الله تعالى وعونه، فمن بقي من هؤلاء الكفار فهم بسلمية؛ فإنه قد صار إليها منذ ثلاثة أيام، وأحتاج إلى أن يتقدم الوزير بالكتاب إلى جميع القواد وسائر بطون العرب من بني شيبان وتغلب وبني تميم، يجزيهم جميعاً الخير على ما كان في هذه الوقعة؛ فما بقي أحد منهم - صغير ولا كبير - غاية، والحمد لله على ما تفضل به، وإياه أسأل تمام النعمة. ولما تقدمت في جمع الرءوس، وجد رأس أبي الحمل ورأس أبي العذاب وأبي البغل. وقيل أن النعمان قد قتل؛ وقد تقدمت في طلبه، وأخذ رأسه وحمله مع الرءوس إلى حضرة أمير المؤمنين إن شاء الله. وفي يوم الاثنين الأربع بقين من المحرم، أدخل صاحب الشامة إلى الرقة ظاهراً للناس فالج، عليه برنس حرير ودراعه ديباج، وبين يديه المدثر والمطوق على جملين. ثم إن المكتفى خلف عساكره مع محمد بن سليمان، وشخص في خاصته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرقة إلى بغداد، وحمل معه القرمطي والمدثر والمطوق وجماعة من أسارى الوقعة، وذلك في أول صفر من هذه السنة. فلما صار إلى بغداد عزم - فيما ذكر - على أن يدخل القرمطي مدينة السلام مصلوباً على دقل، والد قل على ظهر فيل؛ فأمر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل، وإن كانت أقصر من الدقل؛ وذلك مثل باب الطاق وباب الرصافة وغيرهما. ثم استمسج المكتفى - فيما ذكر - فعل ما كان عزم عليه من ذاك، فعمل له دميانة - غلام يازمان - كرسياً، وركب الكرسي على ظهر الفيل، وكان ارتفاعه عن ظهر الفيل ذراعين ونصف الذراع - فيما قيل - ودخل المكتفى مدينة السلام بغداد صبيحة يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربع الأول، وقدم الأسرى بين يديه على جمال مقيدين، عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، والمطوق في وسطهم، غلام ما خرجت لحيته، قد جعل في فيه خشبة مخروطة، وشدت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنه لما أدخل الرقة كان يشم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق عليهم، ففعل ذلك لئلا يشم إنساناً. ثم أمر المكتفى ببناء دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي، تكسيرها عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً، وارتفاعها نحو من عشرة أذرع، وبنى لها درج يصعد منها إليها. وكان المكتفى خلف مع محمد بن سليمان عساكره بالرقة عند منصرفه إلى مدينة السلام، فتلقط محمد بن سليمان من كان في تلك الناحية من قواد القرمطي وقضاته وأصحاب شرطة، فأخذهم وقيدهم، وانحدر والقواد الذين تخلفوا معه إلى مدينة السلام على طريق الفرات، فوافى باب الأنبار ليلة الخميس لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ومعه جماعة من القواد، منهم خاقان المفلحي ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما: فأمر القواد الذين ببغداد بتلقي محمد بن سليمان والدخول معه، فدخل بغداد وبين يديه نيف وسبعون أسيراً، حتى صار إلى الثريا، فخلع عليه، وطوق بطوق من ذهب وسور بسوارين من ذهب، وخلع على جميع القواد القادمين معه، وطوقوا وسوروا وصرفوا إلى منازلهم، وأمر بالأسرى إلى السجن. وذكر عن صاحب الشامة أنه أخذ وهو في حبس المكتفى سكرجة من المائدة التي تدخل إليه فكسرها، وأخذ شظية منها فقطع بها بعض عروق نفسه، فخرج منه دم كثير، ثم شد يده. فلما وقف المولي خدمته على ذلك سأله: لم فعل ذلك؟ فقال: هاج بي الدم فأخرجته. فترك حتى صلح، ورجعت إليه قوته. ولما كان يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الأول أمر المكتفى القواد والغلمان بحضور الدكة التي أمر ببنائها، وخرج من الناس خلق كثير لحضورها، فحضروها، وحضر أحمد بن محمد الواثقي وهو يومئذ يلي الشرطة بمدينة السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدكة، فقعدا عليها، وحمل الأسرى الذين جاء بهم المكتفى معه من الرقة والذين جاء بهم محمد بن سليمان ومن كان في السجن من القرامطة الذين جمعوا الكوفة، وقوم من أهل بغداد كانوا على رأى القرامطة، وقوم من الرفوغ من سائر البلدان من غير القرامطة - وكانوا قليلاً - فجيء بهم على جمال، وأحضروا الدكة، ووقفوا على جمالهم، ووكل بكل رجل منهم عونان، فقيل: إنهم كانوا ثلثمائة ونيفاً وعشرين، وقيل ثلثمائة وستين، وجيء بالقرمطي الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة؛ ومعه ابن عمه المعروف بالمدثر على بغل في عمارية، وقد أسبل عليها الغشاء، ومعهما جماعة من الفرسان والرجالة، فصعد بهما إلى الدكة وأقعدا، وقدم أربعة وثلاثون إنساناً من هؤلاء الأسارى، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وضربت أعناقهم واحداً بعد واحد، كان يأخذ الرجل فيبطح على وجهه فيقطع يمنى يديه، ويحلق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يسرى يديه، ثم يمنى رجليه، ويرمى بما قطع منه إلى أسفل، ثم يقعد فيمد رأسه، فيضرب عنقه، ويرمى برأسه وجثته إلى أسفل. وكانت جماعة من هؤلاء الأسرى قليلة يضجون ويستغيثون، ويحلفون أنهم ليس من القرامطة. ===========================================ج35. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : تاريخ الرسل والملوك المؤلف : الطبري فلما فرغ من قتل هؤلاء الأربعة والثلاثين النفس - وكانوا من وجوه أصحاب القرمطي - فيما ذكر - وكبرائهم قدم المدثر، فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، ثم قدم القرمطي فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى فغشي عليه، ثم أخذ خشب فأضرمت فيه النار، ووضع في خواصره وبطنه، فجعل يفتح عينيه ثم يغمضهما؛ فلما خافوا أن يموت ضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وكبر من على الدكة وكبر سائر الناس. فلما قتل انصرف القواد ومن كان حضر ذلك الموضع للنظر إلى ما يفعل بالقرمطي. وأقام الواثقي وجماعة من أصحابه في ذلك الموضع إلى وقت العشاء الآخرة، حتى ضرب أعناق باقي الأسرى الذين أحضروا الدكة؛ ثم انصرف. فلما كان من غد هذا اليوم حملت رءوس القتلى من المصلى إلى الجسر، وصلب بدن القرمطي في طرف الجسر الأعلى ببغداد، وحفرت لأجساد القتلى في يوم الأربعاء آبار إلى جانب الدكة، وطرحت فيها وطمت، ثم أمر بعد أيام بهدم الدكة ففعل. ولأربع عشرة خلت من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما منصرفاً عن عمله بطريق الفرات، ومعه رجل من بني العليص من أصحاب القرمطي صاحب الشامة؛ دخل إليه بأمان، وكان أحد دعاة القرمطي، يكنى أبا محمد. وكان سبب دخوله في الأمان أن السلطان راسله ووعده الإحسان إن هو دخل الأمان؛ وذلك أنه لم يكن بقي من رؤساء القرامطة بنواحي الشأم غيره، وكان من موالي بني العليص، فر وقت الوقعة إلى بعض نواحي الغامضة، فأفلت. ثم رغب الدخول في الأمان والطاعة خوفاً على نفسه، فوافى هو ومن معه مدينة السلام، وهم نيف وستون رجلاً، فأمنوا وأحسن إليهم، ووصلوا بمال حمل إليهم، وأخرج هو ومن معه إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، وأجريت لهم الأرزاق، فلما وصل القاسم بن سيما إلى عمله وهم معه، وأقاموا معه مدة، ثم أجمعوا على الغدر بالقاسم بن سيما، وئلتمروا به، ووقف على ذلك من عزمهم، فبادرهم ووضع السيف فيهم فأبارهم، وأسر جماعة منهم، فارتدع من بقي من بني العليص ومواليهم، وذلوا، ولزموا أرض السماوة وناحيتها مدة حتى راسلهم الخبيث زكرويه، وأعلمهم أن مما أوحى إليه، أن المعروف بالشيخ وأخاه يقتلان، وأن إمامه الذي يوحى إليه يظهر ويظفر. وفي يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى زوج المكتفى ابنه محمداً ويكنى أبا أحمد بابنه أبي الحسين القاسم بن عبيد الله على صداق مائة ألف دينار. وفي آخر جمادى الأولى من هذه السنة ورد - فيما ذكر - كتاب من ناحية جبي، يذكر فيه أن جبي وما يليها جاءها سيل في واد من الجبل، فغرق نحواً من ثلاثين فرسخاً، وغرق في ذلك خلق كثير، وغرقت المواشي والغلات، وخرجت المنازل والقرى، وأخرج من الغرقى ألف ومائتا نفس، سوى من لم يلحق منهم. وفي يوم الأحد غرة رجب خلع المكتفى على محمد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعة من وجوه القواد، منهم محمد ابن إسحاق بن كنداجيق، وخليفة بن المبارك المعروف بأبي الأغر وابنا كيغلغ، وبندقة بن كمشجور وغيرهم من القواد، وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وخرج محمد بن سليمان والخلع عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسية، وعسكر هنالك، وعسكر معه جماعة القواد الذين أخرجوا وبرزوا، وكان خروجهم ذلك قاصدين لدمشق ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه؛ لما تبين للسلطان من ضعفه وضعف من معه وذهاب رجاله بقتل من قتل منهم القرمطي. ثم رحل لست خلون من رجب محمد بن سليمان من باب الشماسية ومن ضم إليه من الرجال، وهم زهاء عشرة آلاف رجل، وأمر بالجد في المسير. ولثلاث بقين من رجب قرىء في الجامعين بمدينة السلام كتاب ورد من إسماعيل بن أحمد من خراسان، يذكر فيه أن الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم وخلق كثير، وأنه كان في عسكرهم سبعمائة قبة تركية، ولا يكون ذلك إلا للرؤساء منهم، فوجه إليه برجل من قواده في جيش ضمه إليه، ونودي في الناس بالنفير، فخرج من المطوعة ناس كثير، ومضى صاحب العسكر نحو الترك بمن معه، فوافاهم المسلمون وهم غارون، فكبسوهم مع الصبح، فقتل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستبيح عسكرهم، وانصرف المسلمون إلى موضعهم سالمين غانمين. وفي شعبان منها ورد الخبر أن صاحب الروم وجه عشرة صلبان معها مائة ألف رجل إلى الثغور، وأن جماعة منهم قصدت نحو الحدث، فأغاروا وسبوا من قدروا عليه من المسلمين، وأحرقوا. وفي شهر رمضان منها ورد كتاب من القاسم بن سيما من الرحبة على السلطان. يذكر فيه أن الأعراب الذين استأمنوا إلى السلطان وإليه من بني العليص ومواليهم ممن كان مع القرمطي نكثوا وغدروا، وأنهم عزموا على أن يكبسوا الرحبة في يوم الفطر، عند اشتغال الناس بصلاة العيد، فيقتلوا من يلحقون، وأن يحرقوا وينهبوا، وإني أوقعت عليهم الحيلة حتى قتلت منهم وأسرت خمسين ومائة نفس، سوى من غرق منهم في الفرات، وإني قادم بالأسرى وفيهم جماعة من رؤسائهم وبرءوس من قتل منهم. وفي آخر شهر رمضان من هذه السنة ورد كتاب من أبي معدان من الرقة - فيما قيل - باتصال الأخبار به من طرسوس أن الله أظهر المعروف بغلام زرافة في غزاة غزاها الروم في هذا الوقت بمدينة تدعى أنطاكية، وزعموا أنها تعادل قسطنطينية، وهذه المدينة على ساحل البحر، وأن غلام زرافة فتحها بالسيف عنوة، وقتل - فيما قيل - خمسة آلاف رجل، وأسر شبيهاً بعدتهم، واستنقذ من الأسارى أربعة آلاف إنسان. وأنه أخذ للروم ستين مركباً، فحملها ما غنم من الفضة والذهب والمتاع والرقيق، وأنه قدر نصيب كل رجل حضر هذه الغزاة، فكان ألف دينار. فاستبشر المسلمون بذلك. وبادرت بكتابي هذا ليقف على ذلك. وكتب يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان. وأقام الحج للناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس ابن محمد. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما كان توجيه نزار بن محمد من البصرة إلى السلطان ببغداد رجلاً ذكر أنه أراد الخروج على السلطان، وصار إلى واسط، وأن نزاراً وجه في طلبه من قبض عليه بواسط، وأحدره إلى البصرة، وأنه أخذ بالبصرة قوماً، ذكر أنهم بايعوه. فوجه نزار جميعهم في سفينة إلى بغداد، فوقفوا في فرضة البصريين، فحمل هذا الرجل الفالج، وبين يديه ابن له صبي على جمل، ومعه تسعة وثلاثون إنساناً على جمال، وعلى جماعتهم برانس حرير ودراريع الحرير، وأكثرهم يستغيث ويبكي، ويحلف أنه بريء، وأنه لا يعرف مما ادعى عليه شيئاً، وجازوا بهم في التمارين وباب الكرخ والخلد حتى وصلوا إلى دار المكتفى، فأمر بردهم، وحبسهم في السجن المعروف بالجديد. وفي المحرم منها أغار أندر ونقس الرومي على مرعش ونواحيها، فنفر أهل المصيصة وأهل طرسوس، فأصيب أبو الرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين. وفي المحرم منها صار محمد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه، ووجه المكتفى دميانة غلام يازمان من بغداد، وأمره بركوب البحر والمضي إلى مصر ودخول النيل، وقطع المواد عمن بمصر من الجند، فمضى ودخل النيل حتى وصل إلى الجسر، فأقام به، وضيق عليهم. وزحف إليهم محمد بن سليمان في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القواد الذين بها، فكان أول من خرج إليه بدر الحمامي - وكان رئيس القوم - فكسرهم ذلك، ثم تتابع من يستأمن إليه من قواد المصريين وغيرهم؛ فلما رأى ذلك هارون وبقية من معه، زحفوا إلى محمد بن سليمان، فكانت بينهم وقعات - فيما ذكر - ثم وقع أصحاب هارون في بعض الأيام عصبية فاقتتلوا، فخرج هارون ليسكتهم، فرماه بعض المغاربة بزانة فقتله. وبلغ محمد بن سليمان الخبر، فدخل هو ومن معه الفسطاط، واحتوى على دور آل طولون وأسبابهم، وأخذهم جميعاً وهم بضعة عشر رجلاً، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح، وكانت الوقعة في صفر من هذه السنة. وكتب محمد بن سليمان في إشخاص جميع آل طولون وأسبابهم من القواد، وألا يترك أحداً منهم بمصر ولا بالشأم، وأن يبعث بهم إلى بغداد. ففعل ذلك. ولثلاث خلون خلت من شهر ربيع الأول منها سقط الحائط الذي على رأس الجسر الأول من الجانب الشرقي من الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطي، وهو مصلوب بقرب ذلك الحائط، فطحنه، فلم يوجد بعد منه شيء. وفي شهر رمضان منها ورد الخبر على السلطان بأن قائداً من قواد المصريين يعرف بالخليجي، يسمى إبراهيم، خلف عن محمد بن سليمان في آخر حدود مصر مع جماعة استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى إلى مصر مخالفاً للسلطان، وصار معه عيسى النوشري محاربته، وكان عيسى النوشري العامل على المعونة بها يومئذ، فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجي، فانحاز عنه إلى الإسكندرية وأخلى مصر فدخلها الخليجي. وفيها ندب السلطان لمحاربة الخليجي وإصلاح أمر المغرب فاتكاً مولى المعتضد، وضم إليه بدراً الحمامي، وجعله مشيراً عليه فيما يعمل به، وضم إليه جماعة من القواد وجنداً كثيراً. ولسبع خلون من شوال منها خلع على فاتك وبدر الحمامي لما ندبا إليه من الخروج إلى مصر، وأمرا بسرعة الخروج، ثم شخص فاتك وبدر الحمامي لاثنتي عشرة خلت من شوال. وللنصف من شوال منها دخل طرسوس رستم بن بردوا والياً عليها وعلى الثغور الشأمية. وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، وأول يوم من ذلك كان لست بقين من ذي القعدة منها، فكان جملة من فودى به من المسلمين - فيما قيل - ألفاً ونحو مائتي نفس. ثم غدر الروم، فانصرفوا، ورجع المسلمون بمن بقي معهم من أسارى الروم، فكان عهد الفداء والهدنة من أبي العشائر والقاضي ابن مكرم؛ فلما كان من أمر أندر ونقس ما كان من غاترته على أهل مرعش وقتله أبا الرجال وغيره، عزل أبو العشائر وولى رستم، فكان الفداء على يديه، وكان المتولى أمر الفداء من قبل الروم يدعى أسطانة. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس ابن محمد. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بقين من صفر؛ بأن الخليجي المتغلب على مصر، واقع أحمد بن كيغلغ وجماعة من القواد بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فندب للخروج إليه جماعة من القواد المقيمين بمدينة السلام، فيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا. ولسبع خلون من شهر ربيع الأول منها، وافى مدينة السلام قائد من قواد طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث بن الصفار مستأمناً، يعرف بأبي قابوس، مفارقاً عسكر السجزية، وذلك أن طاهر بن محمد - فيما ذكر - تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سجستان للصيد والنزهة، فغلب على الأمر بفارس الليث ابن علي بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، ودبر الأمر في عمل طاهر والاسم له، فوقع بينهم وبين أبي قابوس تباعد، ففارقهم وصار إلى باب السلطان، فقبله السلطان، وخلع عليه وعلى جماعة معه وحباه وأكرمه، فكتب طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث إلى السلطان، يسأله رد أبي قابوس إليه، ويذكر أنه استكفاه بعض أعمال فارس، وأنه جبى المال، وخرج به معه، ويسأل إن لم يرد إليه أن يحسب له ما ذهب به من مال فارس مما صودر عليه؛ فلم يجبه السلطان إلى شيء من ذلك. ذكر الخبر عن ظهور أخي الحسين بن زكرويه: وفي هذا الشهر من هذه السنة ورد الخبر أن أخاً للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدالية من طريق الفرات في نفر، وأنه اجتمع إليه نفر من الأعراب والمتلصصة، فسار بهم نحو دمشق على طريق البر، وعاث بتلك الناحية، وحارب أهلها، فندب للخروج إليه الحسين بن حمدان بن حمدون، فخرج في جماعة كثيرة من الجند، وكان مصير هذا القرمطي إلى دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة. ثم ورد الخبر أن هذا القرمطي صار إلى طبرية فامتنعوا من إدخاله، فحاربهم حتى دخلها، فقتل عامة من بها من الرجال والنساء، ونهبها، وانصرف إلى ناحية البادية. وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأن الداعية الذي بنواحي اليمن صار إلى مدينة صنعاء، فحاربه أهلها، فظفر بهم، فقتل أهلها، فلم ينفلت منهم إلا القليل، وتغلب على سائر مدن اليمن. عاد الخبر إلى ما كان من أمر أخي ابن زكرويه فذكر عن محمد بن داود بن الجراح أنه قال: أنفذ زكرويه بن مهرويه بعد ما قتل ابنه صاحب الشامة رجلاً كان يعلم الصبيان بقرية تدعى الزابوقة من عمل الفلوجة، يسمى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمى نصراً ليعمى أمره، فدار على أحياء كلب يدعى على رأيه، فلم يقبله منهم أحد سوى رجل من بني زياد، يسمى مقداد بن الكيال، فإنه استغوى له طوائف من الأصبغيين المنتميين إلى الفواطم وسواقط من العليصيين وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشأم، وعامل السلطان على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهو مقيم بمصر على حرب ابن خليج، الذي كان خلف محمد بن سليمان، ورجع إلى مصر، فغلب عليها، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا، وسار إلى مدينتي بصرى وأذرعات من كورتي حوران والبثنية، فحارب أهلها ثم آمنهم. فلما استسلموا قتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم، واستصفى أموالهم، ثم سار يؤم دمشق، فخرج إليه جماعة ممن كان مرسوماً بتشحينها من المصريين كان خلفهم أحمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل، فظهروا عليهم، وأثخنوا فيهم. ثم اعتروهم ببذل الأمان لهم، فقتلوا صالحاً، وفضوا عسكره، ولم يطمعوا في مدينة دمشق، وكانوا قد صاروا إليها، فدافعهم أهلها عنها، فقصدوا نحو طبرية مدينة جند الأردن، ولحق بهم جماعة افتتنت من الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي عامل أحمدبن كيغلغ على الأردن، فكسروه وبذلوا الأمان له، ثم غدروا به، فقتلوه ونهبوا مدينة الأردن، وسبوا النساء، وقتلوا طائفة من أهلها، فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوهاً من القواد، فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبرية، فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة، وتبعهم الحسين يطلبهم في برية السماوة، وهم يتنقلون من ماء إلى ماء، ويعورونه حتى لجئوا إلى الماءين المعروفين بالدمعانة والحالة، وانقطع الحسين من اتباعهم لعدمه الماء، فعاد إلى الرحبة. وأسرىالقرامطة مع غاويهم المسمى نصراً إلى قرية هيت، فصبحوها وأهلها غارون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب رضها، وقتل من قدر عليه من أهلها، وأحرق المنازل، وانتهب السفن التي في الفرات في غرضتها، وقتل من أهل البلد - فيما قيل - زهاء مائتي نفس ما بين رجل وامرأة وصبي، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع، وأوقر - فيما قيل - ثلاثة آلاف راجلة، كانت معه زهاء مائتي كر حنطة بالمعدل ومن البر والعطر والسقط جميع ما احتاج إليه، وأقام بها بقية اليوم الذي دخلها والذي بعده، ثم رحل عنها بعد المغرب إلى البرية. وإنما أصاب ذلك من ربضها، وتحصن منه أهل المدينة بسورها، فشخص محمد بن إسحاق بن كنداجيق إلى هيت في جماعة من القواد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطي، ثم تبعه بعد أيام مؤنس الخازن. وذكر عن محمد بن داود، أنه قال: إن القرامطة صبحوا هيت وأهلها غارون، فحماهم الله منه بسورها، ثم عجل السلطان محمد بن إسحاق بن كنداجيق نحوهم، فلم يقيموا بها إلا ثلاثاً، حتى قرب محمد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو الماءين، فنهض محمد نحوهم، فوجدهم قد عوروا المياه بينه وبينهم، فأنفذت إليه من الحضرة الإبل والروايا والزاد. وكتب إلى الحسين ابن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبة إليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم، فلما أحس الكلبيون بإشراف الجند عليهم، ائتمروا بعدو الله المسمى نصراً، فوثبوا عليه، وفتكوا به، وتفرد بقتله رجل منهم يقال له الذئب ابن القائم، وشخص إلى الباب متقرباً بما كان منه، ومستأمناً لبقيتهم، فأسنيت له الجائزة، وعرف له ما أتاه، وكف عن طلب قومه، فمكث أياماً ثم هرب، وظفرت بطلائع محمد بن إسحاق برأس المسمى بنصر، فأحتزوه وأدخلوه مدينة السلام، واقتتلت القرامطة بعده، حتى وقعت بينهما الدماء، فصار مقدام بن الكيال إلى ناحية طيىء مفلتاً بما احتوى عليه من الحطام، وصارت فرقة منهم كرهت أمورهم إلى بني أسد المقيمين بنواحي عين التمر، فجاوروهم وأرسلوا إلى السلطان وفداً يعتذرون مما كان منهم، ويسألون إقرارهم في جوار بني أسد، فأجيبوا إلى ذلك، وحصلت على الماءين بقية الفسقة المستبصرة في دين القرامطة. وكتب السلطان إلى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث أصولهم، فأنفذ زكرويه إليهم داعية له من أكره أهل السواد يسمى القاسم بن أحمد بن علي، ويعرف بأبي محمد، من رستاق نهر تلحانا، فأعلمهم أن فعل الذئب بن القائم قد أنفره عنهم، وثقل قلبهم عليهم؛ وأنهم قد ارتدوا عن الدين، وأن وقت ظهورهم قد حضر. وقد بايع له بالكوفة أربعون ألف رجل، وفي سوادها أربعمائة ألف رجل، وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في كتابه في شأن موسى كليمه صلى الله عليه وسلم، وعدوه فرعون إذ يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى " صدق الله العظيم " . وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم، ويظهروا الإنقلاع نحو الشأم، ويسيروا نحو الكوفة حتى يصبحوها في غداة يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومائتين، فإنهم لا يمنعون منها، وأنه يظهر لهم، وينجز لهم وعده الذي كانت رسله تأتيهم به، وأن يحملوا القاسم بن أحمد معهم. فامتثلوا أمره، ووافوا باب الكوفة، وقد انصرف الناس عن مصلاهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها، وكان الذين وافوا باب الكوفة في هذا اليوم - فيما ذكر - ثمانمائة فارس آو نحوها، رأسهم الذبلاني ابن مهروبه من أهل الصوءر. وقيل إنه من أهل جنبلاء، عليهم الدروع والجواشن والآلة الحسنة، ومعهم جماعة من الرجالة على الرواحل، فأوقعوا بمن لحقوه من العوام، وسلبوا جماعة، وقتلوا نحواً من عشرين نفساً. وبادر الناس إلى الكوفة فدخلوها، وتنادوا السلاح. فنهض إسحاق بن عمران في أصحابه، ودخل مدينة الكوفة من القرامطة زهاء مائة فارس من الباب المعروف بباب كندة، فاجتمعت العوام وجماعة من أصحاب السلطان، فرموهم بالحجارة وحاربوهم، وألقوا عليهم الستر، فقتل منهم زهاء عشرين نفساً، وأخرجوهم من المدينة، وخرج إسحاق بن عمران ومن معه من الجند، فصافوا القرامطة الحرب. وأمر إسحاق بن عمران أهل الكوفة بالتحارس لئلاً يجد القرامطة غرة منهم، فيدخلوا المدينة، فلم يزل بينهم إلى وقت العصر يوم النحر، ثم انهزمت القرامطة نحو القادسية، وأصلح أهل الكوفة سورهم وخندقهم، وقاموا مع أصحاب السلطان يحرسون مدينتهم ليلاً ونهاراً. وكتب إسحاق بن عمران إلى السلطان يستمده، فندب للخروج إليه جماعة من قواده، منهم طاهر بن علي بن وزير ووصيف بن صوار تكين التركي والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الأفشيني وجني الصفواني ورائق الخزري. وضم إليه جماعة من غلمان الحجر وغيرهم. فشخص أولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، ولم يرأس واحد منهم؛ كل واحد منهم رئيس على أصحابه. وأمر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الأعراب بجمع الأعراب من البوادي بديار مضر وطريق الفرات ودقوقاء وخانيجار وغيرها من النواحي، لينهضوا إلى هؤلاء القرامطة إذ كان أصحاب السلطان متفرقين في نواحي الشأم ومصر، فمضت الرسائل بذلك إليهم، فحضروا. ثم ورد الخبر فيها بأن الذين شخصوا مدداً لإسحاق بن عمران خرجوا إلى زكرويه في رجالهم، وخلفوا إسحاق بن عمران بالكوفة مع من معه من رجاله ليضبطها، وصاروا إلى موضع بينه وبين القادسية أربعة أميال، يعرف بالصوءر وهي في البرية في العرض، فلقيهم زكرويه هنالك فصافوه يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة. وقد قيل كانت الوقعة يوم الأحد لعشر بقين منه، وجعل أصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحواً من ميل، ولم يخلفوا أحداً من المقاتلة عنده، واشتدت الحرب بينهم. وكانت الدبرة أول هذا اليوم على القرمطي وأصحابه حتى كادوا أن يظفروا بهم، وكان زكرويه قد كمن عليهم كميناً من خلفهم، ولم يشعروا به. فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد فانتهبه، ورأى أصحاب السلطان السيف من ورائهم، فانهزموا أقبح هزيمة، ووضع القرمطي وأصحابه السيف في أصحاب السلطان، فقتلوهم كيف شاءوا، وصبر جماعة من غلمان الحجر من الخزر وغيرهم، وهم زهاء مائة غلام، وقاتلوا حتى قتلوا حميعاً بعد نكاية شديدة نكوها في القرامطة، واحتوت القرامطة على سواد أصحاب السلطان فحازوه، ولم يفلت من أصحاب السلطان إلا من كان في دابته فضل فنجا به، أو من أثخن بالجراح، فطرح نفسه في القتلى، فتحامل بعد انقضاء الوقعة حتى دخل الكوفة. وأخذ للسلطان في هذا السواد، مما كان وجه به مع رجاله من الجمازات، عليها السلاح والآلة زهاء ثلثمائة جمازة، ومن البغال خمسمائة بغل. وذكر أن مبلغ من قتل من أصحاب السلطان في هذه الوقعة سوى غلمانهم والحمالين ومن كان في السواد ألف وخمسمائة رجل، فقوى القرمطي وأصحابه بما أخذوا في هذه الوقعة، وتطرف بيادر كانت إلى جانبه، فأخذ منها طعاماً وشعيراً، وحمله على بغال السلطان إلى عسكره، وارتحل من موضع الوقعة نحواً من خمسة أميال في العرض إلى موضع يقرب من الموضع المعروف بنهر المثنية، وذلك أن روائح القتلى آذتهم. وذكر عن محمد بن داود بن الجراح أنه قال: وافى باب الكوفة الأعراب الذين كان زكرويه راسلهم، وقد انصرف المسلمون عن مصلاتهم مع إسحاق بن عمران، فتفرقوا من جهتين، ودخلوا أبيات الكوفة، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد داعية زكرويه قبة، قالوا: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوا: يال ثاراث الحسين! يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينة السلام، وشعارهم: يا أحمد يا محمد - يعنون ابن زكرويه المقتولين. وأظهروا الأعلام البيض، وقدروا أن يستغووا رعاع الكوفيين بذلك القوا، فأسرع إسحاق بن عمران ومن معه المبادرة نحوهم، ودفعهم وقتل من ثبت له منهم، وحضر جماعة من آل أبي طالب، فحاربوا مع إسحاق بن عمران، وحضر جماعة من العامة؛ فحاربوا. فانصرف القرامطة خاسئين، وصاروا إلى قرية تدعى العشيرة من آخر عمل طسوج السالحين ونهر يوسف مما يلي البر من يومهم، وأنفذوا إلى عدو الله زكرويه بن مهرويه من استخرجه من نقير في الأرض، كان متطمراً فيه سنين كثيرة بقرية الدرية وأهل قرية الصوءر يتلفونه على أيديهم، ويسمونه ولى الله. فسجدوا له لما رأوه، وحضر معه جماعة من دعاته وخاصته، وأعلمهم أن القاسم بن أحمد أعظم الناس عليهم منة، وأنه ردهم إلى الدين بعد خروجهم منه، وأنهم إذا امتثلوا أنجز مواعيدهم، وبلغهم آمالهم. ورمز لهم رموزاً؛ وذكر فيها آيات القرآن، نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه، واعترف لزكرويه حميع من رسخ حب الكفر إلى قلبه؛ من عربي ومولى ونبطي وغيرهم أنه رئيسهم المقدم، وكهفهم وملاذهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل. وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيد، ولا يبرزونه لمن في عسكرهم، والقاسم يتولى الأمور دةنه، ويمضيها على رأيه إلى مؤاخر سقى الفرات من عمل الكوفة، وأعلمهم أن أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام هنالك نيفاً وعشرين يوماً؛ يبث رسله في السواديين مستلحقين، فلم يلحق بهم من السواديين إلا من لحقته الشقوه، وهم زهاء خمسمائة رجل بنسائهم وأولادهم، وسرب إليه السلطان الجنود، وكتب إلى كل من كان نفذ نحو الأنبار وهيت لضبطها خوفاً من معاودة المقيمين، كانوا بالماءين إليها بالانصراف نحو الكوفة، فعجل إليهم جماعة من القواد منهم، بشر الأفشيني وجنى الصفواني ونحرير العمري، ورائق فتى أمير المؤمنين والغلمان الصغار المعروفين بالحجرية، فأوقعوا بأعداء الله بقرب قرية الصوءر، فقتلوا رجالتهم وجماعة من فرسانهم، وأسلموا بيوتهم في أيديهم، فدخلوها، وتشاغلوا بها، فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم. وذكر عن بعض من ذكر أنه حضر مجلس محمدبن داود بن الجراح، وقد أدخل إليه قوم من القرامطة، منهم سلف زكرويه، فكان مما حدثه أن قال: كان زكرويه مختفياً في منزلي في سرداب في داري عليه باب حديد، وكان لنا تنور ننقله، فإذا جاءنا الطلب وضعنا التنور على باب السرداب، وقامت امرأة تسجره؛ فمكث كذلك أربع سنين، وذلك في أيام المعتضد. وكان يقول: لا أخرج والمعتضد في الأحياء. ثم انتقل من منزلي إلى دار قد جعل فيها بيت وراء باب الدار، إذا فتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل فلا يرى باب البيت الذي هو فيه، فلم يزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ أنفذ الدعاة، وعمل في الخروج. ولما ورد خبر الوقعة التي كانت بين القرمطي وأصحاب السلطان بالصوءر على السلطان والناس، أعظموه، وندب للخروج إلى الكوفة من ذكرت من القواد، وجعلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كنداج، وضم إليه جماعة من أعراب بني شيبان والنمر زهاء ألفي رجل، وأعطوا الأرزاق. ولاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى قدم بغداد من مكة جماعة نحو العشرة، فصاروا إلى باب السلطان، وسألوه توجيه جيش إلى بلدهم، لأنهم على خوف من الخارج بناحية اليمن أن يطأ بلدهم، وإذ كان قد قرب منها بزعمهم. وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب، قرىء على المنبر ببغداد كتاب ورد على السلطان، وأن أهل صنعاء وغيرهم من مدن اليمن اجتمعوا على الخارجي الذي تغلب عليها، فحاربوه وهزموه، وفلوا جموعه، فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن، ثم خلع السلطان لثلاث خلون من شوال على مظفر ابن حاج، وعقد له على اليمن، فخرج ابن حاج لخمس خلون من ذي القعدة، ومضى إلى عمله باليمن، فأقام بها حتى مات. ولسبع بقين من رجب من هذه السنة، أخرج مضرب المكتفى، فضرب بباب الشماسية على أن يخرج إلى الشأم بسبب ابن الخليج، فوردت خريطة لست بقين منه من مصر من قبل فاتك، يذكر أنه والقواد زحفوا إلى الخليجي، وكانت بينهم حروب كثيرة، وأن آخر حرب جرت بينهم وبينه قتل فيها أكثر أصحابه، ثم انهزم الباقوان، فظفروا بهم، واحتووا على معسكرهم، فهرب الخليجي حتى دخل الفسطاط، فاستر بها عند رجل من أهل البلد، ودخل الأولياء الفسطاط. فلما استقروا بها دل على الخليجي، وعلى من كان استر معه ممن شايعه، فقبض عليهم وحبسهم قبله، فكتب إلى فاتك في حمل الخليجي ومن أخذ معه إلى مدينة السلام، فردت مضارب المكتفى التي أخرجت إلى باب الشماسية، ووجه في رد خزائنه، فردت. وقد كانت جاوزت تكريت. ثم وجه فاتك الخليجي من مصر وجماعة ممن أسر معه مع بشر مولى محمد بن أبي الساج إلى مدينة السلام. فلما كان يوم الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنة أدخل مدينة السلام من باب الشماسية، وقدم بين يديه إحدى وعشرون رجلاً على جمال، وعليهم برانس ودراريع حرير، منهم ابنا بينك - فيما قيل - وابن أشكال الذي كان صار إلى السلطان من عسكر عمرو الصفار في الأمان، وصندل المزاحمي الخادم الأسود. فلما وصل الخليجي إلى المكتفى، فنظر إليه أمر بحبسه في الدار، وأمر بحبس الآخرين في الحديد، فوجه بهم إلى ابن عمرويه، وكانت إليه الشرطة ببغداد، ثم خلع المكتفى على وزيره العباس بن الحسن خلعاً، لحسن تدبيره في هذا الفتح، وخلع على بشر الأفشيني. ولخمس خلون من شوال أدخل بغداد رأس القرمطي المسمى نصراً الذي كان انتهب هيت منصوباً على قناة. ولسبع خلون من شوال ورد الخبر مدينة السلام أن الروم أغاروا على قورس، فقاتلهم أهلها، فهوموهم، وقتلوا أكثرهم، وقتلوا رؤساء بني تميم، ودخلوا المدينة، وأحرقوا مسجدها، واستاقوا من بقي من أهلها. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة فمما كان فيها من ذلك دخول ابن كيغلغ طرسوس غازياً في أول المحرم، وخرج معه رستم، وهي غزاة رستم الثانية، فبلغوا سلندو، ففتح الله عليهم، وصاروا إلى آلس، فحصل في أيديهم نحو من خمسة آلاف رأس، وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة، وانصرفوا سالمين. خبر زكرويه بن مهرويه القرمطي: ولاثنتي عشرة خلت من المحرم ورد الخبر مدينة السلام أن زكرويه بن مهرويه القرمطي ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاج، وأنه وافى موضعاً بينه وبين واقصة أربعة أميال. وذكر عن محمد بن داود أنهم مضوا في البر من جهة المشرق، حتى صاروا بالماء المسمى سلمان، وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه يريد الحاج ينتظر القافلة الأولى، ووافت القافلة واقصة لست - أو سبع - خلون من المحرم، فأنذرهم أهل المنزل، وأخبرهم أن بينهم وبينهم أربعة أميال. فارتحلوا ولم يقيموا، فنجوا. وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الربعي وسيما الإبراهيمي، فلما أمعنت القافلة في السير صار القرمطي إلى واقصة، فسألهم عن القافلة فأخبروه أنها لم تقم بواقصة، فاتهمهم بإنذارهم إياهم، فقتل من العلافين بها جماعة، وأحرق العلف، وتحصن أهلها في حصنهم، فأقام بها أياماً، ثم ارتحل عنها نحو زبالة. وذكر عن محمد بن داود أنه قال: إن العساكر سارت في طلب زكرويه نحو عيون الطف، ثم انصرف عنه لما علمت بمكانه بسلمان، ونفذ علان بن كشمرد مع قطعة من فرسان الجيش متجردة على طريق جادة مكة نحو زكرويه، حتى نزلوا السبال، فمضى نحو واقصة حتى نزلها بعد أن جازت القافلة الأولى، ومر زكرويه في طريقه بطوائف بني أسد، فأخذها من بيوتها معه، وقصد الحاج المنصرفين إلى مكة، وقصد الجادة نحوهم. ووافى الخبر الطير من الحوفة لأربع عشر بقيت من المحرم من هذه السنة بأن زكرويه اعترض قافلة الخراسانية يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرم بالعقبة من طريق مكة، فحاربوه حرباً شديداً، فساءلهم: وقال: أفيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاج، فقال لهم: فامضوا فلست أريدكم. فلما سارت القافلة تبعها فأوقع بها، وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت، واختلطت القافلة، وأكب أصحاب الخبيث على الحاج يقتلونهم كيف شاءوا، فقتلوا الرجال والنساء، وسبوا من النساء من أرادو، واحتووا على ما كان في القافلة، وقد كان لقي بعض من أفلت من هذه القافلة علان بن كشمرد، فسأله عن الخبر، فأعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانية، وقال له: ما بينك وبين القوم إلا قليل، والليلة أو في غد توافى القافلة الثانية، فإن رأوا علما للسلطان قويت أنفسهم. والله الله فيهم! فرجع علان من ساعته، وأمر من معه بالرجوع، وقال: لا أعرض أصحاب السلطان للقتل، ثم أصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانية. وقد كان السلطان كتب إلى رؤساء القافلتين الثانية والثالثة ومن كان فيهما من القواد والكتاب مع جماعة من الرسل الذين تنكبوا طريق الجادة بخبر الفاسق وفعله بالحاج، ويأمرهم بالتحرز منه، والعدول عن الجادة نحو واسط والبصرة، أو الرجوع إلى فيد أو إلى المدينة، إلى أن يلحق بهم الجيوش. ووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا، ولم يلبثوا. وتقدم أهل القافلة الثانية وفيها المبارك القمى وأحمد بن نصر العقيلي وأحمد بن علي بن الحسين الهمداني، فوافوا الفجرة، وقد رحلوا عن واقصة، وعوروا مياهها، ومثلوا بركها وبئارها بجيف الإبل والدواب التي كانت معهم، مشققة بطونها، ووردوا منزل العقبة في يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من المحرم، فحاربهم أصحاب القافلة الثانية. وكان أبو العشائر مع أصحابه في أول القافلة ومبارك القمى فيمن معه في ساقتها، فجرت بينهم حرب شديدة حتى كشفوهم، وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجرة من ساقتهم غرة، فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، إلا من استعبدوه. ثم أنفذوا إلى ما دون العقبة بأميال فوارس لحقوا المفلتة من السيف، فأعطوهم الأمان، فرجعوا فقتلوهم أجمعين، وسبوا من النساء ما أحبوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة. وقتل المبارك القمى والمظفر ابنه، وأسر أبو العشائر، وجمع القتلى، فوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتل العظيم. ثم قطعت يدا أبي العشائر ورجلاه، وضربت عنقه، وأطلق من النساء من لم يرغبوا فيه، وأفلت من الجرحى قوم وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا؛ فمنهم من مات، ومنهم من نجا وهم قليل. وكان نساء القرامطة يطفن مع صبيانهم في القتلى يعرضون عليهم الماء، فمن كلمهم أجازوا عليه. وقيل أنه كان في القافلة من الحاج زهاء عشرين ألف رجل، قتل جميعهم غير نفر يسير ممن قوى على العدو، فنجا بغير زاد ومن وقع في القتل وهو مجروح، وأفلت بعد، أو من استعبدوه لخدمتهم. وذكر أن الذي أخذوا من المال والأمتعة الفاخرة في هذه القافلة قيمة ألفي ألف دينار. وذكر عن بعض الضرابين أنه قال: وردت علينا كتب الضرابين بمصر أنكم في هذه السنة تستغنون، قد وجه آل ابن طولون والقواد المصريون الذين أشخصوا إلى مدينة السلام، ومن كان في مثل حالهم في حمل ما لهم بمصر إلى مدينة السلام، وقد سبكوا آنية الذهب والفضة والحلى نقاراً، وحمل إلى مكة ليوافوا به مدينة السلام مع الحاج، فحمل، في القوافل الشاخصة إلى مدينة السلام، فذهب ذلك كله. وذكر أن القرامطة بينا هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الاثنين، إذ أقبلت قافلة الخراسانية، فخرج إليهم جماعة من القرامطة، فراقعوهم، فكان سبيلهم سبيل هذه. فلنا فرغ زكرويه من أهل القافلة الثانية من الحاج. وأخذ أموالهم، واستباح حريمهم، رحل من وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بها بالجيف من الناس والدواب. وكان ورد خبر قطعة على القافلة الثانية من قوافل السلطان مدينة السلام في عشية يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من المحرم، فعظم ذلك على الناس جميعاً وعلى السلطان، وندب الوزير العباس بن الحسن بن أيوب محمد بن داود بن الجراح الكاتب المتولي دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة، والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطي. فخرج من بغداد لإحدى عشرة بقيت من المحرم، وحمل معه أموالاً كثيرة لإعطاء الجند. ثم سار زكرويه إلى زبالة فنزلها، وبث الطلائع أمامه ووراءه خوفاً من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسية أن يلحقوه، ومتوقعاً ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار. ثم سار إلى الثعلبية، ثم إلى الشقوق، وأقام بها بين الشقوق والبطان في طرف الرمل في موضع يعرف بالطليح، ينتظر القافلة الثالثة، وفيها من القواد نفيس المولدي وصالح الأسود، ومعه الشمسة والخزانة. وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهراً نفيساً. وفي هذه القافلة، كان إبراهيم ابن أبي الأشعث - وإليه كان قضاء مكة والمدينة وأمر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه - وميمون بن إبراهيم الكاتب - وكان إليه أمر ديوان زمام الخراج والضياع - وأحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الهزلج، والفراتبن أحمد بن محمد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن - وكان يتولى بريد الحرمين - وعلي بن العباس النهيكي. فلما صار أهل هذه القافلة إلى فيد بلغهم خبر الخبيث زكرويه وأصحابه، وأقاموا بفيد أياماً ينتظرون تقوية لهم من قبل السلطان. وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق إلى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعد. ثم سار زكرويه إلى فيد وبها عامل السلطان، يقال له حامد بن فيروز، فالتجأ منه حامد إلى أحد حصنيها في نحو من مائة رجل كانوا معه في المسجد، وشحن الحصن الأخر بالرجال، فجعل زكرويه يراسل أهل فيد، ويسألهم أن يسلموا إليه عاملهم ومن فيها من الجند، وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم. فلم يجيبوه إلى ما سأل. ولما لم يجيبوه حاربهم، فلم يظفر منهم بشيء. قال: فلما رأى أنه لا طاقة له بأهلها، تنحى فصار إلى النباح، ثم إلى حفير أبي موسى الأشعري. وفي أول شهر ربيع الأول أنهض المكتفى وصيف صوارتكين - ومعه من القواد جماعة - فنفذوا من القادسية على طريق خفان، فلقيه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأول، فاقتتلوا يومهم، ثم حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون، ثم عادوهم الحرب، فقتل جيش السلطان منهم مقتلة عظيمة، وخلصوا إلى عدو الله زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مول ضربة اتصلت بدماغه. فأخذ أسيراً وخلفته وجماعة من خاصته وأقربائه، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته، واحتوى الجند على ما في عسكره. وعاش زكرويه خمسة أيام ثم مات، فشق بطنه، ثم حمل بهيئته، وانصرف بمن كان بقي حياً في يديه من أسرى الحاج. وفيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من العدو أربعة آلاف رأس سبي ودواب ومواشي كثيرة ومتاعاً. ودخل بطريق من البطارقة إليه في الأمان، وأسلم. وكان شخوصه من طرسوس لهذه الغزاة في أول المحرم من هذه السنة. وفيها كاتب أندور نقس البطريق السلطان يطلب الأمان، وكان على حرب أهل الثغور من قبل صاحب الروم، فأعطى ذلك، فخرج، وأخرج نحواً من مائتي نفس من المسلمين كانوا أسرى في حصنه، وكان صاحب الروم قد وجه إليه من يقبض عليه، فأعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه أسرى السلاح، وأخرج معهم بعض بنيه، فكبسوا البطريق الموجه إليه للقبض عليه ليلاً؛ فقتلوا ممن معه خلقاً كثيراً، وغنموا ما في عسكره. وكان رستم قد خرج في أهل الثغور في جمادى الأولى قاصداً أندرونقس ليتخلصه، فرافى رستم قونية بعقب الوقعة. وعلم البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا، ووجه أندرونقس ابنه إلى رستم، ووجه رستم كاتبه وجماعة من البحرين، فباتوا في الحصن، فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميع من معه من أسارى المسلمين، ومن صار إليهم منهم، ومن وافقه على رأيه من النصارى، وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر المسلمين، وخرب المسلمون قونية، ثم قفلوا إلى طرسوس وأندرونقس وأسارى المسلمين ومن كان مع أندرونقس من النصارى. وفي جمادى الآخرة منها كانت بين أصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعة من أصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوقعة التي أصابه فيها ما أصابه، وأخذوا طريق الفرات. يريدون الشأم، فأوقع بهم الوقعة، فقتل جماعة منهم، وأسر جماعة من نسائهم وصبيانهم. وفيها وافى رسل ملك الروم أحدهم خال ولده اليون وبسيل الخادم، ومعهم جماعة باب الشماسية بكتاب منه إلى المكتفى يسأله الفداء بمن في بلاده من المسلمين، من في بلاد الإسلام من الروم، وأن يوجه المكتفى رسولاً إلى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين في بلاده، وليجتمع هو معه على أمر يتفقان عليه، ويتخلف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع إليه الأسرى من الروم في الثغور ليصيرهم مع صاحب السلطان إلى موضع الفداء. فأقاموا بباب الشماسية أياماً، ثم أدخلوا بغداد ومعهم هدية من صاحب الروم عشرة من أسارى المسلمين، فقبلت منهم. وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل. وفيها أخذ رجل بالشأم - زعم أنه السفياني - فحمل هو وجماعة معه من الشأم إلى باب السلطان، فقيل إنه موسوس. وفيها أخذ الأعراب بطريق مكة رجلين يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم، وذكر أن المعروف بالمنتقم منهما أخو امرأة زكرويه، فدفعوهما إلى نزار بالكوفة، فوجههما نزار إلى السلطان، فذكر عن الأعراب أنهما كانا صار إليهما يدعوانهم إلى الخروج على السلطان. وفيها وجه الحسين بن حمدان من طريق الشأم رجلاً يعرف بالكيال مع ستين رجل من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا إليه من أصحاب زكرويه. وفيها وصل إلى بغداد أندورنقس البطريق. وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كليب والنمر وأسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب. وفيها حاصر أعراب طيىء وصيف بن صوارتكين بفيد، وكان وجه أميراً على الموسم، فحوصر ثلاثة أيام، ثم خرج إليهم، فواقعوهم فقتل منهم قتلى، ثم انهزمت الأعراب ورحل وصيف من فيد بمن معه من الحاج. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن إبراهيم المسمعي عن مدينة أصبهان إلى قرية من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم - فيما ذكر - إليه مظهراً الخلاف على السلطان. فأمر بدر الحمامي بالشخوص إليه، وضم إليه جماعة من القواد ونحو من خمسة آلاف من الجند. وفيها كانت وقعة للحسين بن موسى على أعراب طيىء الذين كانوا حاربوا وصيف بن صوارتكين على غرة منهم، فقتل من رجالهم - فيما قيل - سبعين، وأسر من فرسانهم جماعة. وفيها توفي أبو إبراهيم إسماعيل بن احمد عامل خراسان وما وراء النهر في صفر منها، لأربع عشرة خلت منه، وقام ابنه أحمد بن إسماعيل بن أحمد في عمل أبيه مقامه، وولى أعمال أبيه. وذكر أن المكتفى لأربع ليال خلون من شهر ربيع الآخر قعد، فقعد بيده لواء ودفعه إلى طاهرين علي بن وزير، وخلع عليه وأمره بالخروج باللواء إلى أحمد بن إسماعيل. وفيها وجه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب إلى عبد الله بن إبراهيم المسمعي، وكتب إليه يخوفه عاقبة الخلاف إليه، فتوجه إليه، فلما صار إليه ناظره، فرجع إلى طاعة السلطان، وشخص في نفر من غلمانه، واستخلف على عمله بأصبهان خليفة، وعه منصور بن عبد الله، حتى صار إلى باب السلطان، فرضى عنه المكتفى ووصله وخلع عليه وعلى ابنه. وفيها أوقع الحسين بن موسى بالكردي المتغلب كان على نواحي الموصل، فظفر بأصحابه، واستباح عسكره وأمواله، وأفلت الكردي فتعلق بالجبال فلم يدرك. وفيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيساً من رؤسائهم يعرف بالحكيمي. وفيها لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة أمر خاقان المفلحي بالشخوص إلى أذربيجان لحرب يوسف بن أبي الساج، وضم إليه نحو أربعة آلاف رجل من الجند. ولثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول أبي مضر زيادة الله بن الأعلف، ومعه فتح الأعجمي، ومعه هدايا وجه بها إلى المكتفى. وفيها تم الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة؛ وكانت عدة من فودى به من الرجال والنساء ثلاثمائة آلاف نفس. وفي ذي القعدة لاثنتي ليلة خلت منها توفى المكتفى بالله، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً، وكان يوم توفى ابن اثنتين وثلاثين سنة يومئذ، وكان ولد سنة أربع وستين ومائتين، ويكنى أبا محمد، وأمه أم ولد تركية تسمى جيجك. وكان ربعة جميلاً، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر الحمة، وافر اللحية. خلافة المقتدر بالله: ثم بويع جعفر عبد المعتضد بالله؛ ولما بويع جعفر بن المعتضد لقب المقتدر بالله وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد عشرين يوماً. وكان مولده ليلة الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكنيته أبو الفضل، وأمه أم ولد يقال لها شغب، فذكر كان في بيت المال يوم بويع خمسة عشر ألف ألف دينار. ولما بويع المقتدر غسل المكتفى وصلي عليه، ودفن في موضع من دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وفيها كانت بين عج بن حاج والجند وقعة في اليوم الثاني من أيام منى، قتل فيها جماعة، وجرح منهم، بسبب طلبهم جائزة بيعة المقتدر، وهرب الناس الذين كانوا بمنى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب أبي عدنان ربيعة بن محمد بمنى. وكان أحد أمراء القوافل، وأصاب المنصرفين من مكة في منصرفهم في الطريق من القطع والعطش أمر غليظ، مات من العطش - فيما قيل - منهم جماعة. وسمعت بعض من يحكي أن الرجل كان يبول في كفه، ثم يشربه. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعة من القواد والكتاب والقضاة على خلع المقتدر، وتناظرهم فيمن يجعل في موضعه، فاجتمع رأيهم على عبد الله بن المعتز وناظره في ذلك، فأجابهم إلى ذلك على ألا يكون في سفك ذلك دم ولا حرب، فأخبروه أن الأمر يسلم عفواً، وأن جميع من وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضوا به. فبايعهم على ذلك، وكان الرأس في ذلك محمد بن داود ابن الجراح وأبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، وواطأ محمد بن داود بن الجراح جماعة من القواد على الفتك بالمقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتز، وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم. فلما رأى العباس أمره مستوثقاً له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك، فحينئذ وثب به الأخرون فقتلوه، وكان الذي تولى قتله بدر الأعجمي والحسين بن حمدان ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول. ولما كان من غد هذا اليوم - وذلك يوم الأحد - خلع المقتدر القواد والكتاب وقضاة بغداد، وبايعوا عبد الله بن المعتز، ولقبوه الراضي بالله. وكان الذي أخذ له البيعة على القواد وتولى استحلافهم والدعاء بأسماءهم محمد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش. وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوه إلى انتصاف النهار. وفيه انتفضت الجموع التي كان محمد بن داود جمعها لبيعة ابن المعتز عنه؛ وذلك أن الخادم الذي يدعى مؤنساً حمل غلماناً من غلمان الدار في شذوات، فصاعد بها وهم فيها في دجلة فلما حاذوا الدار التي فيها ابن المعتز ومحمد بن داود صاحاو بهم، ورشقوهم بالنشاب، فتفرقوا، وهرب من في الدار من الجند والقواد والكتاب، وهرب ابن المعتز، ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتز بالمقتدر، فاعتذروا بأنه منع من المصير إليه، واختفى بعضهم فأخذوا وقتلوا وانتهب العامة دور ابن داود بن الحسن؛ وأخذ ابن المعتز فيمن أخذ. وفي يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الأول منها سقط الثلج ببغداد من غدوة إلى قدر صلاة العصر، حتى صار في الدور والسطوح منه نحو من أربعة أصابع، وذكر أنه لم ير ببغداد مثل ذلك قط. وفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول منها، سلم محمد بن يوسف القاضي ومحمد بن عمرويه وأبو المثنى وابن الحصاص والأزرق كاتب الجيش في جماعة غيرهم إلى مؤنس الخازن، فترك أبا المثنى في دار السلطان، ونقل الآخرين إلى منزله، فافتدى بعضهم نفسه، وقتل بعضهم، وشفع في بعض فأطلق. وفيها كانت وقعة بين طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث وسبكرى غلام عمرو بن الليث، فأسر سبكرى طاهراً، ووجهه مع أخيه يعقوب بن محمد إلى السلطان. وفيها وجه القاسم بن سيما مع جماعة من القواد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون، فشخص لذلك حتى صار إلى قرقيسيا والرحبة والدالية، وكتب إلى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه، فالتقى هو وأخوه بموضع يعرف بالأعمى بين تكريت والسودقانية بالجانب الغربي من دجلة، فانهزم عبد الله، وبعث الحسين يطلب الأمان، فأعطى ذلك. ولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافى الحسين بن حمدان بغداد، فنزل باب حرب، ثم صار إلى دار السلطان من غد ذلك اليوم، فخلع عليه وعقد له على قم وقاشان. ولست بقين من جمادى الآخرة، خلع على ابن دليل النصراني كاتب يوسف ابن أبي الساج ورسوله، وعقد ليوسف بن أبي الساج على المراغة وأذربيجان، وحملت إليه الخلع، وأمر بالشخوص إلى عمله. وللنصف من شعبان منها خلع على مؤنس الخادم، وأمر بالشخوص إلى طرسوس لغزو الصائفة، فنفذ لذلك وخرج في عسكر كثيف وجماعة من القواد وغلمان الحجر. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك من غزو مؤنس الخادم الصائفة بلاد الروم من ثغر ملطية في جيش كثيف، ومعه أبو الأغر السلمي وظفر بالروم، وأسر أعلاجاً في آخر سنة ست وتسعين ومائتين، وورد الخبر بذلك على السلطان لست خلون من المحرم. وفيها صار الليث بن علي بن الليث الصفار إلى فارس في جيش، فتغلب عليها، وطرد سبكري، وذلك بعد ما ولى السلطان سبكري بعد ما بعث سبكري طاهر بن محمد إلى السلطان أسيراً، فأمر المقتدر مؤنساً الخادم بالشخوص إلى فارس لحرب الليث بن علي، فشخص إليها في شهر رمضان منها. وفيها وجه أيضاً المقتدر القاسم بن سيما لغزوة الصائفة ببلاد الروم في جمع كثير من الجند في شوال منها. وفيها كانت بين مؤنس الخادم والليث بن علي بن الليث وقعة هزم فيها الليث، ثم أسر وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، واستأمن منهم إلى مؤنس جماعة كثيرة، ودخل أصحاب السلطان النوبندجان، وكان الليث قد تغلب عليها. وأقام الحج فيها للناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله ابن العباس بن محمد. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما أرض الروم الصائفة. وفيها وجه المقتدر وصيف كامه الديلمي في جيش وجماعة من القواد لحرب سبكري غلام عمرو بن الليث. وفيها كانت بين سبكري ووصيف كامه وقعة هزمه فيها وصيف، وأخرجه من عمل فارس، ودخل وصيف كامه ومن معه فارس، واستأمن إليه من أصحاب سبكري جماعة كثيرة، فأسر رئيس عسكره المعروف بالقتال، ومضى سبكري هارباً إلى أحمد بن إسماعيل بن أحمد بما معه من الأموال والذخائر فأخذ ما معه إسماعيل بن أحمد، وقبض عليه فحبسه. وفيها كانت بين أحمد بن إسماعيل بن أحمد ومحمد بن علي بن الليث وقعة بناحية بست والرخج، أسره فيها أحمد بن إسماعيل. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك. ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من غزو رستم بن بردوا الصائفة من ناحية طرسوس، وهو وإلى الثغور من قبل بني نفيس، ومعه دميانة، فحاصر حصن مليح الأرمني، ثم رحل عنه، وأحرق أرباض ذي الكلاع. وفيها ورد رسول أحمد بن إسماعيل بن أحمد بكتاب منه إلى السلطان يخبر فيه أنه فتح سجستان، وأن أصحابه دخلوها، وأخرجوا من كان بها من أصحاب الصفار، وأن المعدل بن علي بن الليث صار إليه بمن معه من أصحابه في الأمان، وكان المعدل يومئذ مقيماً بزرنج، فصار إلى أحمد بن إسماعيل وهو مقيم ببست والرخج، فوجه به ابن إسماعيل وبعياله ومن معه إلى هراة، وبين سجستان وبست الرخج ستون فرسخاً، فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الاثنين لعشر خلون من صفر. وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغر - وهو أيضاً أحد قواد زكرويه - مستأمناً. وفي ذي الحجة منها غضب على علي بن محمد بن الفرات لأربع خلون منه، وحبس ووكل بدوره ودور أهله وأخذ كل ما وجد له ولهم، وانتهت دوره ودور بني إخوته وأهلهم، واستوزر محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك. ثم دخلت سنة ثلثمائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على برقة، وهي من عمل مصر، إلى ما خلفها بأربع فرسخ، ثم ما بعد ذلك من عمل المغرب بخير خارجي خرج عليه، وأنه ظفر بعسكره، وقتل خلقاً من أصحابه، ومعه آذان وأنوف من قتله في خيوط وأعلام الخارجي. وفي هذه السنة كشرت الأمراض والعلل ببغداد في الناس، وذكر أن الكلاب والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدواب والبهائم، فإذا عضت إنساناً أهلكته. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي. ثم دخلت سنة إحدى وثلثمائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك عزل المقتدر محمد بن عبيد الله عن الوزارة وحبسه إياه مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد وتصييره علي بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيراً. وفيها كثر أيضاً الوباء ببغداد، فكان بها منه نوع سموه حنيناً، ومنه نوع سموه الماسرا؛ فأما الحنين فكانت سليمة، وأما الماسرا فكانت طاعوناً قتالة. وفيها أحضر دار الوزير علي بن عيسى رجل - ذكر انه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمد - مشعوذ، ومعه صاحب له، سمعت جماعة من الناس يزعمون أنه يدعى الربوبية فصلب هو وصاحبة ثلاثة أيام، كل يوم من ذلك من أوله إلى انتصافه، ثم ينزل بهما، فيؤمر بهما إلى الحبس، فحبس مدة طويلة، فافتتن به جماعة منهم نصر القشوري وغيره، إلى أن ضج الناس، ودعوا على من يعيبه، وفحش أمره، وأخرج من الحبس، فقطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه، ثم أحرق بالنار. وفيها غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه أنه فتح حصوناً كثيرة، وقتل من الروم خلقاً كثيراً. وفيها قتل أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر؛ قتله غلام له تركي - أخص غلمانه به - ذبحاً، وهو غلامان معه، ودخلوا عليه في قبته، ثم هربوا فلم يدركوا. وفيها وقع الإختلاف بين نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وعم أبيه إسحاق بن أحمد، فكان مع نصر بن أحمد غلمان أبيه وكتابه وجماعة من قواده والأموال والكراع السلاح، وانحاز بعد قتل أبيه إلى بخارى وإسحاق بن أحمد بسمرقند وهو عليل من نقرس به، فدعا الناس بسمرقند إلى مبايعته على الرئاسة عليهم، وبعث كل واحد منهما إلى السلطان كتبه خاطباً على نفسه، عمل إسماعيل بن أحمد، وأنفذ إسحاق كتبه - فيما ذكر - إلى عمران المرزباني لإيصالها إلى السلطان، ففعل ذلك، وأنفذ نصر بن أحمد ابن إسماعيل كتبه إلى حماد ابن أحمد؛ ليتولى إيصالها إلى السلطان، ففعل. وفيها كانت وقعة بين نصر بن إسماعيل وأصحابه من أهل بخارى وإسحاق بن أحمد عم أبيه وأصحابه من أهل سمرقند، لأربع عشرة بقيت من شعبان منها، هزم فيها نصر وأصحابه إسحاق وأهل سمرقند ومن كان قد انضم إليه من أهل النواحي، وتفرقوا عنه هاربين، وكانت هذه الوقعة بينهم على باب بخارى. وفيها زحف أهل بخارى إلى أهل سمرقند بعدما هزموا إسحاق بن أحمد ومن معه، فكانت بينهم وقعة أخرى ظفر فيها أيضاً أهل بخارى بأهل سمرقند، فهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ودخلوا سمرقند قسراً، وأخذوا إسحاق بن أحمد أسيراً، وولوا ما كان إليه من عمل ابناً لعمرو بن نصر بن أحمد. وفيها أصحاب ابن البصرى من أهل المغرب بالرقة، وطرد عنها عامل السلطان. وولى أبو بكر محمد بن علي بن أحمد بن أبي زنبور الماذرائي أعمال مصر وخراجها. وفيها قتل أبو سعيد الجنابي كان بناحية البحرين وهجر، قتله - فيما قيل - خادم له. وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد، وفشا الموت في أهلها، وكان أكثر ذلك - فيما قيل - في الحربية وأهل الأرباض. وفيها وافى قائد من قواد ابن البصرى في البرابرة والمغاربة الإسكندرية. وفيها ورد كتاب تكين عامل السلطان من مصر يسأله المدد. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك. ثم دخلت سنة اثنتين وثلثمائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من إشخاص الوزير بن عيسى بن عبد الباقي في ألفي فارس فيها لغزو الصائفة، معونة لبشر خادم ابن أبي الساج وهو والى طرسوس من قبل السلطان، فلم يتيسر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد وثلج. وفيها تنحى الحسن بن علي العلوي الأطروس بعد غلبته على طبرستان عن آمل، وصار إلى سالوس فأقام بها. ووجه صعلوك صاحب الرى إلى جيشاً، فلم يكن لجيشه بها ثبات، وعاد الحسن بن علي إليها، ولم ير الناس مثل عدل الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق. وفيها دخل حباسة صاحب ابن البصرى الإسكندرية، وغلب عليها، وذكر أنه وردها في مائتي مركب في البحر. وفيها وافى حباسة صاحب ابن البصرى موضعاً من فسطاط مصر على مرحلة، يقال لها سفط، ثم رجع منه إلى وراء ذلك، فنزل منزلاً بين الفسطاط والإسكندرية. وفيها شخص مؤنس الخادم إلى مصر لحرب حباسة، وقوي بالرجال والسلاح والمال. وفيها لسبع بقين من جمادى الأولى قبض على الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص وعلى ابنية، واستصفى كل شيء له، ثم حبس وقييد. وفيها كانت وقعة بمصر بين أصحاب السلطان وحباسة وأصحابه لست بقين من جمادى الأولى منها، فقتل من الفريقين جماعة، وجرحت منهم جماعة، ثم أخرى ذلك بيوم نحو التي كانت في هذه، ثم ثالثة بعد ذلك في جمادى منها. ولأربع عشرة بقيت من عشرة من جمادى الآخرة، ورد كتاب بوقعة كانت بينهم، هزم أصحاب السلطان فيها المغاربة. وفيها ورد كتاب من بشر عامل السلطان على طرسوس على السلطان، يذكر فيه غزوة أرض الروم، وما فتح فيها من الحصون، وما غنم وسبي، وأنه أسر من البطارقة مائة وخمسين، وأن مبلغ السبي نحو من ألفي رأس. ولإحدى عشرة بقيت من رجب ورد الخبر من مصر أن أصحاب السلطان لقوا حباسة وأهل المغرب يقاتلونهم. فكانت الهزيمة على المغاربة، فقتلوا منهم وأسروا سبعة آلاف رجل، وهرب الباقون مفلولين، وكانت الوقعة يوم الخميس بسلخ جمادى الآخرة. وفيها انصرف حباسة ومن معه من المغاربة عن الإسكندرية راجعين إلى المغرب بعد ما ناظر - فيما ذكر - حباسة عامل السلطان بمصر على الدخول إليه بالأمان، وجرت بينهما في ذلك كتب. وكان انصرافه - فيما ذكر - لإختلاف حدث بين أصحابه في الموضع الذي شخص منه. وفيها أوقع يانس الخادم بناحية وادي الذئاب، وما قرب من ذلك الموضع بمن هنالك من الأعراب، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وذكر أنه قتل منهم سبعة آلاف رجل، ونهب بيوتهم، وأصاب في بيوتهم من أموال التجار وأمتعتهم التي كانوا أخذوها بقطع الطريق عليهم ما لا يحصى كثرته. ولست خلون من ذي الحجة هلكت بدعة مولاة المأمون. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك. وفي اليوم الثاني العشرين من ذي الحجة منها خرج أعراب من الحاجر على ثلاثة فراسخ مما يلي البر على المنصرفين من مكة، فقطعوا عليهم الطريق، وأخذوا ما معهم من العين واستاقوا من جمالهم ما أرادوا، وأخذوا - فيما قيل - مائتين وثمانين امرأة حرائر سوى من أخذوا من المماليك والإماء. 
أقسام الكتاب.1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 ..

من اول ج1.الي اخر ج14. كتاب : الآداب الشرعية المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ

  من  اول  ج1.الي  اخر ج14.كتاب : الآداب الشرعية المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَن...