من اول ج1.الي اخر ج15. والتالي بمشيئة الله من اول ج16. كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الأول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر، والدائم بلا زوال، والقائم على كل شيء بغير انتقال، والخالقِ خلقه من غير أصلٍ ولا مثال فهو الفردُ الواحد من غير عدد، وهو الباقي بعد كل أحد، إلى غير نهاية ولا أمد. له الكبرياءُ والعظمة، والبهاء والعزة، والسلطان والقدرة، تعالى عن أن يكون له شريك في سلطانه أو في وحدانيته نديد، أو في تدبيره مُعين أو ظهير، أو أن يكون له ولد، أو صاحبة أو كُفء أحد، لا تحيط به الأوهام، ولا تحويه الأقطار، ولا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.
أحمده على آلائه، وأشكره على نعمائه، حمد من أفرده بالحمد، وشكر من رجا بالشكر منه المزيد، وأستهديه من القول والعمل لما يقربني منه ويرضيه، وأومنُ به إيمانً مخلص له التوحيد، ومفرد له التمجيد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده النجيب، ورسوله الأمين، اصطفاه لرسالته، وابتعثه بوحيه، داعياً خلقه إلى عبادته، فصدع بأمره، وجاهد في سبيله، ونصح لأمته، وعبده حتى أتاه اليقين من عنده، غير مقصر في بلاغ، ولا وانٍ في جهاد، صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها، وسلّم.
أما بعد، فإنّ الله جل جلاله، وتقدست أسماؤه، خلقّ خلقه من غير ضرورة كانت به إلى خلقهم، وأنشأهم من غير حاجة كانت به إلى إنشائهم، بل خلق من خصّه منهم بأمره ونهيه، وامتحنه بعبادته، ليعبدوه فيجود عليهم بنعمه، وليحمدوه على نعمه فيزيدهم من فضله ومننه، ويسبغ عليهم فضله وطوله، كما قال عز وجل: " وما خلقت الجن والإنس إلى ليعبدون. ما أزيد منهم من رزق وما أريدُ أن يطعمونِ إنَّ الله هوَ الرزاقُ ذو القوةِ المتين " .
فلم يزده خلقهُ إياهم - إذ خلقهم - في سلطانه على ما لم يزل قبل خلقه إياهم مثقالَ ذرة، ولا هو إن أفناهم وأعدمهم ينقصه إفناؤه إياهم ميزان شعرة، لأنه لا تغيره الأحوال ، ولا يدخلُه الملال، ولا ينقصُ سلطانه الأيام والليال، لأنه خالق الدهور والأزمان، فعم جميعهم في العاجل فضله وجودهُ، وشملهم كرمه وطوله فجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، وخصهم بعقول يصلون بها إلى التمييز بين الحق والباطل، ويعرفون بها المنافع والمضار، وجعل لهم الأرض بساطاً ليسلكوا منها سبُلاً فجاجاً، والسماء سقفاً محفوظاً وبناء مسموكاً، وأنزل لهم منها الغيث بالإدرار، والأرزاق بالمقدار، وأجرى لهم فيها قمر الليل وشمس النهار يتعاقبان بمصالحهم دائبين، فجعل لهم الليل لباساً، والنهار معاشاً، وخالف - منّاً منه عليهم وتطولاً - بين قمر الليل وشمس النهار، فمحا آية الليل وجعل أية النهار مبصرةً، كما قال جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا أية الليلِ وجعلنا أية النهار مبصرةً لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناهُ تفصيلاً " .
وليصلوا بذلك إلى العلم بأوقات فروضهم التي فرضها عليهم في ساعات الليل والنهار والشهور والسنين، من الصلوات والزكوات والحج والصيام وغير ذلك من فروضهم، وحين حل ديونهم وحقوقهم، كما قال عز وجل: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيتُ للناس والحج " ، وقال: " هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدرهُ منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلقَ الله ذلك إلى بالحق يفصلُ الآياتِ لقومٍ يعلمونَ. إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقونَ " .
إنعاماً منه بكل ذلك على خلقه، وتفضلاً منه به عليهم وتطولا، فشكره على نعمه التي أنعمها عليهم من خلقه خلق عظيم، فزاد كثيراً منهم من آلائه وأياديه، على ما ابتدأهم به من فضله وطوله، كما وعدهم جل جلاله بقوله: " وإذا تأذنَ ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنِّ عذابي لشديدٌ " ، وجمع لهم إلى الزيادة التي زادهم في عاجل دنياهم، الفوز بالنعيم المقيم، والخلود في جنات النعيم، في آجل آخرتهم. وأخر لكثير منهم الزيادة التي وعدهم فمدهم إلى حين مصيرهم إليه. ووقت قدومهم عليه، توفيراً منه كرامته عليهم يوم تبلى السرائر. وكفر نعمه خلق منهم عظيم، فجحدوا آلاءه وعبدوا سواه، فسلب كثراً منهم ما ابتدأهم به من الفضل والإحسان، وأحل بهم النقمة المهلكة في العاجل، وذخر لهم العقوبة المخزية في الآجل، ومتع كثيراً منهم بنعمه أيام حياتهم استدراجاً منه لهم، وتوقيراً منه عليهم أو زارهم، ليستحقوا من عقوبته في الآجل ما قد أعد لهم.
نعوذ بالله من عمل يقرب من سخطه، ونسأله التوفيق لما يدنى من رضاه ومحبته.
قال أبو جعفر: وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان، من لدن ابتدأ ربنا جلّ جلاله خلق خلقه إلى حال فنائهم، من انتهى إلينا خبره ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمه، من رسول له مرسل، أو ملك مسلط، أو خليفة مستخلف، فزاده إلى ما ابتدأه به من نعمه في العاجل نعماً، وإلى ما تفضل به عليه فضلاً، ومن أخر ذلك له منهم، وجعله له عنده ذخراً. ومن كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتدأه به من نعمه، وعجل له نقمه. ومن كفر منهم نعمه فمتعه فما أنعم به عليه إلى حين وفاته وهلاكه، مقروناً وذكرُ كل من أنا ذاكره منهم في كتابي هذا بذكر زمانه، وجمل ما كان من حوادث الأمور في عصره وأيامه إذ كان الاستقصاء في ذلك يقصر عنه العمر وتطولُ به الكبت، مع ذكرى مع ذلك مبلغ مدة أكله، وحين أجله، بعد تقديمي أمام ذلك ما تقديمه بنا أولى، والابتداء به قبله أحجى، من البيان عن الزمان: ما هو؟ وكم قدر جميعه، وابتداء أوله، انتهاء آخره؟ وهل كان قبل خلق الله تعالى إياه شيء غيره؟ وهل هو فانٍ؟ وهل بعد فنائه شيء غير وجه المسبح الخلاق، تعالى ذكره؟ وما الذي كان قبل خلق الله إياه؟ وما هو كائن بعد فنائه وانقضائه؟ وكيف كان ابتداء خلق الله تعالى إياه، وكيف يكون فناؤه؟ والدلالة على أن لا قديم إلا الله الواحد القهار، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى بوجيزٍ من الدلالة غير طويل، إذ لم نقصد بكتابنا هذا قصد الاحتجاج لذلك، بل لما ذكرنا من تأريخ الملوك الماضين وجمل من أخبارهم، وأزمان الرسل والأنبياء ومقادير أعمارهم، وأيام الخلفاء السالفين وبعض سيرهم، ومبالغ ولاياتهم، والكائن الذي كان من الأحداث في أعصارهم، ثم أنا متبع آخر ذلك كله - إن شاء الله أيد منه بعون وقوة - ذكر صحابة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأسمائهم وكناهم ومبالغ أنسابهم ومبالغ أعمارهم، ووقت وفاة كل إنسان منهم، والموضع الذي كانت به وفاته. ثم متبعهم ذكر من كان بعدهم من التابعين لهم بإحسان، على محو ما شرطنا من ذكرهم. ثم ملحق بهم ذكر من كان بعدهم من الخلف لهم كذلك، وزائد في أمورهم للإبانة ممن حمدت منهم روايته، وتقبلت أخباره، ومن رفضت منهم روايته ونبذت أخباره، ومن وهن منهم نقله، وضعف خبره. وما السببُ الذي من أجله نُبذ منهم خبره، والعلة التي من أجلها وهن من وهن منهم نقله.
وإلى الله عز وجل أنا راغب في العون ما أقصده وأنويه، والتوفيق لما ألتمسه وأبغيه، فإنه ولي الحول والقوة، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم تسليماً.
وليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كلّ ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أبناء الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم، إلا بإخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا.
القول في الزمان ما هوقال أبو جعفر: فالزمانُ هو ساعات الليل والنهار، وقد تعال ذلك للطويل من المدة والقصر منها، والعرب تقول: " أتيتك زمانَ الحجاج أمير، وزمن الحجاج أمير " - تعنى به: إذ الحجاج أمير. وقول: " أتيتك زمان الصرام " وزمن الصرام - تعني به وقت الصرام. ويقولن أيضاً: " أتيتك أزمان الحجاج أمير " فيجمعون الزمان، يريدون بذلك أن يجعلوا كل وقت من أوقات إمارته زماناً من الأزمنة كما قال الراجز:
جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شرازم بضحك منه التواق
فجعل القميص أخلاقاً، يريد بذلك وصف كل قطعة منه بالأخلاق، كما يقولون: أرض سباسب، ونحو ذلك.
ومن قولهم للزمان: زمن قولُ أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وكنت أمرأً زمناً بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن
يريد بقوله: زمناً وزماناً فالزمان اسم لما ذكرت من ساعات الليل والنهار على ما قد بينت ووصفت.
القول في كم قدر جميع الزمان
من ابتدائه إلى انتهائه وأوله إلى آخره
اختلف السلف قبلنا من أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: قدر جميع ذلك سبعة آلاف سنة.
ذكر من قال ذلك حدثنا بان حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا يحيى بن يعقوب، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومائتا سنة، وليأتين عليها مئون من سنين ليس عليها موحد.
وقال آخرون: قدر جميع ذلك ستة آلاف سنة.
ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو هشام، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن الأعمش، قال: قال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة.
حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا سماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بم معقل، أنه سمع وهباً يقول: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة، وإني لأعرف كل زمان منها، ما كان فيه من الملوك والأنبياء. قلت لوهب بن منبه: كم الدنيا؟ قال: ستة آلاف سنة.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما دل على صحته الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار وعلي بن سهل، قالا: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: " أجلكم من أجل من كان قبلكم، من صلاة العصر إلى مغرب الشمس " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس " .
حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثني عمار بن محمد، ابن أخت سفيان الثوري، أبو اليقظان، عن ليث بن أبي سليم، عن مغيرة بن حكيم، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: " وما بقي لأمتي من الدنيا إلى كمقدار الشمس إذا صُليت العصر " .
حدثني محمد بن عوف، قال: حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا شريك، قال: سمعتُ سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم والشمس مرتفعة على قعيقعان بعد العصر، فقال: " ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من هذا النهار فيما مضى منه " .
حدثنا ابن بشار ومحمد بن المثنى - قال ابن بشار: حدثني خلف بن موسى، وقال ابن المثنى: حدثنا خلف بن موسى - قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه يوماً - وقد كادت الشمس أن تغيب، ولم يبقى منها إلا شق يسير - فقال: " والذي نفس محمد بيده ما بقي من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه، وما ترون من الشمس إلا اليسير " .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عنيننة، عن علي بن زيد، عن أبي نضر، عن أبي سعيد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس: " إنما مثلُ ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه " .
حدثنا هناد بن السرى وأبو هشام الرفاعي، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " - وأشار بالسبابة والوسطى.
حدثنا أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي بنحوه.
حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو الأحوص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة، قالك كأني أنظر إلى إصبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأشار بالمسبحة والتي تليه - وهو يقول: " بعثت أنا والساعة كهذه من هذه " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثني يحيى بن واضح، قال: حدثنا فطر، عن أبي خالد الوالبي عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت من الساعة كهاتين " - وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى. حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث، قال حدثنا أنس بن مالك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " . قال شعبة: سمعت قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى، قال: لا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " .
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وزاد في حديثه: وأشار بالوسطى والسبابة.
حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ماذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أنتم و الساعة كهاتين " وأشار بإصبعيه.
حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر به الساعة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أنتم والساعة كتين " .
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمر وبن آبي سلمة، عن الأوزاعي، قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بين عبد الملك، فذكر مثله.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: حدثني معبد، حدث أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين " ، وقال بإصبعيه: هكذا.
حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " : السبابة والوسطى. قال أبو موسى: وأشار وهب بالسبابة والوسطى.
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي التياح وقتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " ، وقرن بين إصبعيه.
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، قال: حدثنا سهل بن سعد، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بإصبعيه هكذا، الوسطى والتي تلي الإبهام: " بعثت أنا والساعة كهاتين " .
حدثنا محمد بن يزيد الآدمي، قال: حدثنا أبو ضمرة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه ولسم قال: " بعثت والساعة كهاتين " - وضم بين إصبعيه الوسطى، والتي تلي الإبهام - وقال: " ما مثلي ومثل الساعة إلى كفرسي رهان " ، ثم قال: " ما مثلي ومثل الساعة إلا كمثل رجل بعثه قوم طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه: أتيتم، أتيتم، أنا ذاك أنا ذاك " .
حدثنا أبو كريب، قال حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " ، وجمع بني إصبعيه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة هكذا " وقرن بين إصبعيه: الوسطى والتي تلي الإبهام.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت أنا والساعة كهاتين " وجمع بين إصبعية.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو نعيم، عن بشير بن المهاجر، قال: حدثني عبد الله بين بريدة، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعثت أنا والساعة جميعاً، إن كادت لتسبقني " .
حدثني محمد بن عمر بن هياج، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبيدة بن الأسود، عن مجالد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد الفهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت في نفس الساعة، سبقتُها كما سبقت هذه هذه " لإصبعيه السبابة والوسطى، ووصف لنا أبو عبد الله، وجمعهما.
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا المسعودي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن أبي جبيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثتُ مع الساعة كهاتين " ، - وأشار بإصبعيه الوسطى والسبابة - " كفضل هذه على هذه " .
حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن شبيل بن عوف، عن أبي جبيرة، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " جئت أنا والساعة هكذا " - قال الطبري: وأرانا تميم، وضم السبابة والوسطى وقال لنا: أشار يزيد بإصبعيه السبابة والوسطى وضمهما - وقال: " سبقتُها كما سبقت هذه هذه في نفس من الساعة " ، أو في نفس الساعة " .
فمعلوم إذ كان اليوم أوله طلوع الفجر وآخره غروب الشمس، وكان صحيحاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ما رويناه عنه قبل، أنه قال بعد ما صلى العصر: " ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلى كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه " .
وأنه قال لأصحابه: " بعثت أنا والساعة كهاتين " - وجمع بين السبابة والوسطى - " سبقتها بقدر هذه من هذه " ، يعني الوسطى من السبابة، وكان قدر ما بين أوسط أوقات صلاة العصر - وذلك إذا صار ظل كل شيء مثليه - على التحري إنما يكون قدر نصف سبع اليوم، يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً، وكذلك فضل ما بين الوسطى والسبابة، إنما يكون نحواً من ذلك وقريباً منه.
وكان صحيحاً مع ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب قال حدثني معاوية بن صالح بن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، أنه سمع أبا ثعلبة الخشي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم " ، وكان معنى قول النبي ذلك أن " لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم " الذي مقداره ألف سنة - كان بيناً أن أولى القولين - اللذين ذكرتُ من مبلغ قدر مدة جميع الزمان، اللذين أحمدهما عن ابن عباس، والآخر منهما عن كعب - بالصواب، وأشبههما بما دلت عليه الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولُ ابن عباس، الذي روينا عنه أنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحاً أنه أخبر عن الباقي من ذلك في حيانه أنه نصف يوم، وذلك خمسمائة عام، إذا كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر اليوم الواحد منها ألف عام - كان معلوماً أن الماضي من الدنيا إلى وقت قول النبي صلى الله عليه وسلم ما رويناه عن أبي ثعلبة الخشي عنه، كان قدر ستة آلاف سنة وخمسمائة سنة، أو نحواً من ذلك وقريباً منه. والله أعلم.
فهذا الذي قلنا - في قدر مدة أزمان الدنيا، من مبدأ أولها إلى منهى آخرها - من أثبت ما قيل في ذلك عندنا من القول، للشواهد الدالة التي بيناها على صحة ذلك، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ يدل على صحة قول من قال: إن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، لو كان صحيحاً سنده لم نعدُ القوم به إلى غيره، وذلك ما حدثني به محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا عبد الصمت ابن عبد الوارث، حدثنا زبان، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحقب ثمانون عاماً، اليوم منها سدس الدنيا " .
فبين من هذا الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، وذلك أن اليوم الذي هو من أيام الآخرة إذا كان مقداره ألف سنة من سني الدنيا، وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا، كان معلوماً بذلك أن جميعها ستة أيام من أيام الآخرة، وذلك ستة آلاف سنة.
وقد زعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم - على ما في التوراة مما هو فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة، وذلك في التوراة التي هي في أيديهم اليوم - أربعة آلاف سنة وستمائة واثنتان وأربعون سنة، وقد ذكروا تفصيل ذلك بولادة رجل رجل، ونبي نبي، وموته من عهد آدم إلى هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وسأذكر تفصيلهم ذلك إن شاء الله، وتفصيل غيرهم ممن فصله من علماء أهل الكبت وغيرهم من أهل العلم بالسير وأخبار الناس إذا انتهيت إليه إن شاء الله.
أما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذي ادعته اليهود من ذلك باطل، وأن الصحيح من القوم في قدر مدة أيام الدنيا - من لتدن خلق الله آدم إلى وقت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سياق ما عنهم في التوراة التي هي في أيديهم - خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر. وذكروا تفصيل ما ادعوه من ذلك بولادة نبي نبي، وملك ملك، ووفاته من عهد آدم إلى وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن اليهود إنما تقصوا ما تقصوا من عدد مسني ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى دفعاً منهم لنبوة عيسى بن مريم عليه السلام إذا كانت صفته ووقت مبعثه مثبتة في التوراة، وقالوا: لم يأت الوقت الذي وقت لنا في التوراة أن الذي صفته صفة عيسى يكون فيه، وهم ينتظرون - بزعمهم - خروجه ووقته.
وأحسب أن الذي ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدخال الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود، فإن كان ذلك هو عبد الله بني صياد، فهو من نسل اليهود.
وأما المجوس فإنهم يزعمون أن قدر مدة الزمان من لدن ملك جيومرت إلى وقت هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلفة سنة ومائة سنة وتسع وثلاثون سنة، وهم لا يذكرون مع ذلك نسباً يعرف فوق جيومرت، ويزعمون أنه آدم أبو البشر، صلى الله عليه وسلم وعلى جميع أنبياء الله ورسله.
ثم أهلُ الأخبار بعد في أمره مختلفون، فمن قائل منهم فيه مثل قول المجوس، ومن قائل منهم أنه تسمى بآدم بعد أن ملك الأقاليم السبعة، وأنه إنما هو جامر بن يافت بن نوح، كان بنوح لعيه السلام براً ولخدمته ملازماً، وعليه حدباً شفيقاً، فدعا الله له ولذريته نوح - لذلك من بره به وخدمته له - بطول العمر والتمكين في البلاد، والنصر على من ناوأه وإياهم، واتصال الملك له ولذريته، ودوامه له ولهم، فاستجيب له فيه، فأعطى جيومرت ذلك وولده، فهو أبو الفرس، ولم يزل الملك فيه وفي ولده إلى أن زال عنهم بدخول المسلمين مدائن كسرى، وغلبه أهل الإسلام إياهم على ملكهم.
ومن قائل غير ذلك، وسنذكر إن شاء الله ما انتهى إلينا من القول فيه إذا انهينا إلى ذكرنا تأريخ الملوك ومبالغ أعمارهم، وأنسابهم وأسباب ملكهم.
القول في الدلالة على حدوث الأوقات
والأزمان والليل والنهار
قد قلنا قبل إن الزمان إنما هو اسم لساعات الليل والنهار، وساعات الليل والنهار إنما هي مقادير من جرى الشمس والقمر في الفلك، كما قال الله عز وجل: " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابقُ النهار وكل في فلك يسبحون " .
فإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليل والنهار، وكانت ساعات الليل والنهار إنما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك، كان بيقين معلوماً أن الزمان محدث والليل والنهار محدثان، وأن محدث ذلك الله الذي تفرد بإحداث جميع خلقه، كما قال: " وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون " .
ومن جهل حدوث ذلك من خلق الله فإنه لن يجهل اختلاف أحوال الليل والنهار، بأن أحدهما يرد على الخلق - وهو الليل - بسواد وظلمة، وأن الآخر منهما يرد عليهم بنور وضياء، ونسخٍ لسواد الليل وظلمته، وهو النهار.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في وقت واحد في جزء واحد - كان معلوماً يقيناً أنه لا بد من أن يكون أحدهما كان قبل الآخر منهما، وأيهما كان منهما قبل صاحبه فإن الآخر منهما كان لا شك بعده، وذلك إبانة ودليل على حدوثهما، وأنهما خلقان لخالقهما.
ومن الدلالة أيضاً على حدوث الأيام والليالي أنه لا يوم إلى وهو بعد يوم كان قبله، وقبل يوم كائن بعده، فمعلوم أن ما لم يكن ثم كان، أنه محدث مخلوق، وأن له خالقاً ومحدثاً.
وأخرى، أنا الأيام والليالي معدودة، وما عد من الأشياء فغير خارج من أحد العددين: شفع أو وتر، فإن يكن شفعاً فإن أولهما اثنان، وذلك تصحيح القول بأن لها ابتداء وأولاً، وإن كان وتراً فإن أولها واحد، وذلك دليل على أن لها ابتداء وأولاً، وما كان له ابتداء فإنه لا بد له من مبتدئ، وهو خالقه.
القول في
هل كان الله خلق قبل خلقه الزمان
والليل والنهار شيئاً غير ذلك من الخلق
قد قلنا قبل: إن الزمان إنما هو ساعات الليل والنهار، وإن الساعات إنما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال هناد: وقرأت سائر الحديث على أبي بكر - أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والحراب، فهذه أربعة، ثم قال: " قل أثنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، لمن سأل قال: وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة، إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الساعات الآجال من يحيا ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو أتممت: قالوا: ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فنزل: " ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوبٍ، فاصبر على ما يقولون " .
حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصدائي، قالا، حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق أدم بعد العصر من يوم الجمعة، آخر خلق خلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " .
حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثني محمد بن زيد، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرني ابن سلام وأبو هريرة، فذكرا عن النبي صلى الله عليه وسلم الساعة التي في يوم الجمعة، وذكرا أنه قالها، قال عبد الله بن سلام: أنا أعلم أي ساعة هي، بدأ الله في خلق السموات والأرض يوم الأحد في آخر ساعة من يوم الجمعة، فهي في آخر ساعة من يوم الجمعة. حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يوم الأحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلق الله فيه الأرض وبسطها، قالوا فالاثنين؟ قال: خلق الله فيه آدم، قالوا: فالثلاثاء؟ قال: خلق فيه الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله، قالوا: فيوم الأربعاء؟ قال: الأقوات، قالوا: فيوم الخميس؟ قال: خلق السموات، قالوا: فيوم الجمعة؟ قال: خلق الله في ساعتين الليل والنهار، ثم قالوا: السبت - وذكروا الراحة - قال: سبحان الله! فأنزل الله: " ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مستا من لغوب " .
فقد بين هذان الخبران اللذان رويناهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر خلقا بعد خلق الله أشياء كثيرة من خلقه، وذلك أن حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله خلق الشمس والقمر، وكان ذلك كله ولا ليل ولا نهار، إذ كان الليل والنهار إنما هو اسم لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر درج الفلك.
إذا كان صحيحاً أن الأرض والسماء وما فيهما، سوى ما ذكرنا، قد كانت ولا شمس ولا قمر - كان معلوماً أن ذلك كله كان ولا ليل ولا نهار.
وكذلك حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عنه أنه قال: " خلق الله النور يوم الأربعاء " يعني بالنور الشمس إن شاء الله.
فإن قال لنا قائل: قد زعمت أن اليوم إنما هو اسم لميقات ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم زعمت الآن أن الله خلق الشمس والقمر بعد أيام من أول ابتدائه خلق الأشياء التي خلقها، فأثبت مواقيتَ، وسميتها بالأيام، ولا شمس ولا قمر، وهذا إن لم تأت ببرهان على صحته، فهو كلام ينقض بعضه بعضاً! قيل: إن الله سمى ما ذكرته أياماً، فسميته بالاسم الذي سماه به، وكان وجه تسمية ذلك أياماً، ولا شمس ولا قمر، نظير قوله عز وجل: " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً " ولا بكرة ولا عشي هنالك، إذ كان لا ليل في الآخرة ولا شمس ولا قمر، كما قال عز وجل: " ولا يزال الذين كفروا في مريةٍ منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم " .
فسمى تعالى ذكره يوم القيامة يوماً عقيماً، إذ كان يوماً لا ليل بعد مجيئه، وإنما أريد بتسمية ما سمي أياماً قبل خلق الشمس والقمر قدرُ مدة ألف عام من أعوام الدنيا، التي العام منها اثنا عشر شهراً من شهور أهل الدنيا، التي تعد ساعاتها وأيامها بقطع الشمس والقمر درج الفلك، كما سمي بكرة وعشياً لما يرزقه أهل الجنة في قدر المدة التي كانوا يعرفون ذلك من الزمان في الدنيا بالشمس ومجراها في الفلك، ولا شمس عندهم ولا ليل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم.
ذكر بعض من حضرنا ذكره ممن قال ذلك: حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني الحجاج، عن أبي جريج، عن مجاهد أنه قال: يقضي الله عز وجل أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة، ثم كذلك حتى يمضي ألف سنة، ثم يقضي أمر كل شيء ألفاً، ثم كذلك أبداً، قال: " في يوم كان مقداره ألف سنة " قال: اليوم أن يقول لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة: " كن فيكون " ولكن سماه يوماً، سماه كما شاء كل ذلك عن مجاهد، قال: وقوله تعالى: " وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون " قال: هو هو سواء.
وبنحو الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبر، بأن الله جل جلاله خلق الشمس والقمر بعد خلقه السموات والأرض وأشياء غير ذلك، ورد الخبر عن جماعة من السلف أنهم قالوه.
ذكر الخبر عمن قال ذلك منهم:حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا ابن يمان، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس: " فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين " .
قال: قال الله عز وجل للسموات: " أطلعي شمسي وقمري، وأطلعي نجومي " .
وقال للأرض: " شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك " ، فقالتا: أتينا طائعين.
حدثنا بشر بن معاذ: قال حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " وأوحى في كل سماء أمرها " ، خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها.
فقد بينت هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن ذكرناها عنه أن الله عز وجل خلق السموات والأرض قبل خلقه الزمان والأيام والليالي، وقبل الشمس والقمر. والله أعلم.
القول في الإبانة عن فناء الزمان والليل والنهار
وأن لا شيء يبقى غير الله تعالى ذكره
والدلالة على صحة ذلك قول الله تعالى ذكره: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " وقوله تعالى: " لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجه " فإن كان كل شيء هالك غير وجهه - كما قال جل وعز - وكان الليل والنهار ظلمة أو نوراً خلقهما لمصالح خلقه، فلا شك أنهما فانيان هالكان، كما أخبر، وكما قال: " إذا الشمس كورت " يعني بذلك أنها عميت فذهب ضوءها، وذلك عند قيام الساعة، وهذا ما لا يحتاج إلى الإكثار فيه، إذ كان مما يدين بالإقرار به جميع أهل التوحيد من أهل الإسلام وأهل التوراة والإنجيل والمجوس، وإنما ينكره قومً من غير أهل التوحيد، لم نقصد بهذا الكتاب قصد الإبانة عن خطأ قولهم. فكل الذين ذكرنا عنهم أنهم مقرون بفناء جميع العالم حتى لا يبقى غير القديم الواحد، مقرون بأن الله عز وجل محييهم بعد فنائهم، وباعثهم بعد هلاكهم، خلا قوم من عبدة الأوثان، فإنهم يقرون بالفناء، وينكرون البعث.
القول في الدلالة على أن الله عز وجل القديم الأول
قبل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره
فمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسم إلا متفرق أو مجتمع، وأنه لا مفترق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمع منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أنّ اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن، وأن الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن.
وإذا كان الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، وكان حكم ما لم يشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدث بتأليف مؤلف له إن كان مجتمعاً، وتفريق مفرق له إن كان مفترقاً وكان معلوماً بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعاً ومفرقه إن كان مفترقاً من لا يشبهه، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذي لا يشبهه شيء، وهو على كل شيء قدير - فبين بما وصفنا أن بارئ الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء وأن الليل والنهار والزمان والساعات محدثات وأن محدثها الذي يدبرها ويصرفها قبلها، إذ كان من المحال أن يكون شيء يحدث شيئاً إلى ومحدثه قبله، وأن في قوله تعالى ذكره: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت " ، لأبلغُ الحجج، وأدل الدلائل - لمن فكر بعقل، واعتبر بفهم - على قدم بارئها، وحدوث كل ما جانسها، وأن لها خالقاً لا يشبهها.
وذلك أن كل ما ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية من الجبال و الأرض و الإبل فإن ابن آدم يعالجه ويدبره بتحويل وتصريف وحفر ونحت وهدم، غير ممتنع عليه شيء من ذلك. ثم إن ابن آدم مع ذلك غير قادر على إيجاد شيء من ذلك من غير أصل، فمعلوم أن العاجز عن إيجاد ذلك لم يحدث نفسه، وان الذي هو غير ممتنع ممن أراد تصريفه وتقليبه لم يوجده من هو مثله، ولا هو أوجد نفسه، وأن الذي أنشأه وأوجد عينه هو الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يمتنع عليه إحداث شيء شاء إحداثه، وهو الله الواحد القهار.
فإن قال قائل: فما تنكر أن تكون الأشياء التي ذكرت من فعل قديمين؟ قيل: أنكرنا ذلك لوجودنا اتصال التدبير وتمام الخلق، فقلنا: لو كان المدبر اثنين، لم يخلوا من اتفاق أو اختلاف، فإن كانا متفقين فمعناهما واحد، وإنما جعل الواحد اثنين من قال بالاثنين. وإن كانا مختلفين كان محالاً وجودُ الخلق على التمام والتدبير على الاتصال. لأن المختلفين فعل كل واحد منهما خلاف فعل صاحبه بأن أحدهما إذا أحيا أمات الأخر وإذا أوجد أحدهما أفنى الآخر فكان محالاً وجود شيء من الخلق على ما وجد عليه من التمام والاتصال وفي قول الله عز وجل ذكره: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " ، وقوله عز وجل: " ما انخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون " أبلغ حجة، وأوجز بيان، وأدل دليل على بطول ما قاله المبطلون من أهل الشرك بالله، وذلك أن السموات والأرض لو كان فيها إله غير الله، لم يخلُ أمرهما مما وصفت من اتفاق واختلاف. وفي القول باتفاقهما فساد القول بالتثنية، وإقرار بالتوحيد، وإحالة في الكلام بأن قائله سمي الواحد اثنين. وفي القول باختلافهما، القول بفساد السموات والأرض، كما قال ربنا جل وعز: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " لأن أحدهما كان إذا أحدث شيئاً وخلقه كان من شأن الآخر إعدامه وإبطاله، وذلك أن كل مختلفين فأفعالهما مختلفة، كالنار التي تسخن، والثلج الذي يبرد ما أسخنته النار.
وأخرى، أن ذلك لو كان كما قاله المشركون بالله لم يخلُ كل واحد من الاثنين اللذين أثبتوهما قديمين من أن يكونا قويين أو عاجزين، فإن كانا عاجزين فالعاجز مقهور وغير كائن إلهاً. وإن كانا قويين فإن كل واحد منهما بعجزه عن صاحبه عاجز، والعاجز لا يكون إلها. وإن كان كل واحد منهما قوياً على صاحبه، فهو بقوة صاحبه عليه عاجز، تعالى ذكرهُ عما يشرك المشركون!
فتبين إذاً أن القديم بارئ الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شيء، وهو الكائن بعد كل شيء، والأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، وأنه كان ولا وقت ولا زمان، ولا ليل ولا نهار، ولا ظلمة ولا نور. إلا نور وجهه الكريم. ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر ولا نجوم، وأن كل شيء سواه محدث مدبر مصنوع، انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا معين ولا ظهير، سبحانه من قادر قاهر! وقد حدثني علي بن سهل الرملي، قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنكم تسألون بعدي عن كل شيء، حتى يقول القائل: هذا الله خلق كل شيء فمن ذا خلقه! " .
حدثني علي، حدثنا زيد، عن جعفر، قال: قال يزيد بن الأصم حدثني نجبة بن صبيغ، قال: كنت عند أبي هريرة فسألوه عن هذا فكبر وقال: ما حدثني خليلي بشيء إلا قد رأيته - أو أنا أنتظره. قال جعفر: فبلغني أنه قال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله خالق كل شيء، والله كان قبل كل شيء، والله كائن بعد كل شيء.
فإذا كان معلوماً أن خالق الأشياء وبارئها كان ولا شيء غيره، وأنه أحدث الأشياء فدبرها، وأنه قد خلق صنوفاً من خلقه قبل خلق الأزمنة والأوقات، وقبل خلق الشمس والقمر اللذين يجريهما في أفلاكهما، وبهما عرفت الأوقات والساعات، وأرخت التأريخات، وفصل بين الليل والنهار، فلنقل: فيم ذلك الخلق الذي خلق قبل ذلك؟ وما كان أوله؟
القول في ابتداء الخلق ما كان أولهصح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا أبن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح - وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح - عن أيوب بن زياد، قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبي عبادة بن الصامت: يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن " .
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب، قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: اخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " وإن أول شيء خلق الله القلم، وأمره أن يكتب كل شيء " .
حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.
حدثني محمد بن معاوية الأنماطي، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا عبد الواحد بن سليم، قال: سمعت عطاء، قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أي بني، اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: " إن أول ما خلق الله عز وجل خلق القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، قال: فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الأبد " .
وقد اختلف أهل السلف قبلنا في ذلك، فنذكر أقوالهم، ثم نتبع البيان عن ذلك إن شاء الله تعالى.
فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
ذكر من قال ذلك:حدثني واصل بن عبد الأعلى الأسدي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله من شيء القلم فقال له: اكتب فقال، وما أكتب يا رب؟ قال: أكتب القدر، قال فجري القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات.
حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي عباس نحوه.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: أولُ ما خلق الله من شيء القلم، فجرى بما هو كائن.
حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش عن أبي ظبيان - أو مجاهد - ، عن ابن عباس بنحوه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، قال: حدثنا معمر، حدثنا الأعمش أن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق القلم.
حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحا مسلم بن صبيح، عن ابن عباس، قال: إن أول شيء خلق ربي عز وجل القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
وقال آخرون: بل أول شيء خلق الله عز وجل من خلقه النورُ والظلمة.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال ابن إسحاق: كان أول ما خلق الله عز وجل النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ ابن عباس، للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل، أنه قال: أول شيء خلق الله القلم.
فإن قال لنا قائل: فإنك قلت: أولى القولين - اللذين أحدهما أن أول شيء خلق الله من خلقه القلم، والآخر أنه النور والظلمة - قولُ من قال: إن أول شيء خلق الله من خلقه القلم، فما وجهُ الرواية عن ابن عباس التي حدثكموها ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد، قال: قلت لابن عباس: إن ناساً يكذبون بالقدر، فقال: إنهم يكذبون بكتاب الله، لآخذن بشعر أجدهم فلأنفضن به، إن الله تعالى ذكره كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فكان أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه؟.
وعن ابن إسحاق، التي حدثكموها ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يقول الله عز وجل: " وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء، فكان كما وصف نفسه عز وجل، إذ ليس إلا الماء عليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، فكان أولُ ما خلق الله النور والظلمة؟ قيل: أما قولُ ابن عباس: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء قبل أن يخلق شيئاً، فكان أول ما خلق الله القلم - إن كان صحيحاً عنه أنه قاله - فهو خبر منه أن الله خلق القلم بعد خلقه عرشه، وقد روى عن ابي هاشم هذا الخبر شعبةُ، ولم يقل فيه ما قال سفيان، من أن الله عز وجل كان على عرشه، فكان أول ما خلق القلم، بل روى ذلك كالذي رواه سائر من ذكرنا من الرواة عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله عز وجل القلم.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد ، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أبو هاشم، سمع مجاهداً قال: سمعت عبد الله - لا يدري ابن عمر أو ابن عباس - قال: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اجرِ، فجرى القلم بما هو كائن، وإنما يعمل الناس اليوم فيما قد فرغ منه.
وكذلك قول ابن إسحاق الذي ذكرناه عنه معناه أنّ الله خلق النورَ والظلمة بعد خلقه عرشه، والماء الذي عليه عرشه. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولاً بحقيقته وصحته، وقد روينا عنه عليه السلام أنه قال: " أولُ شيء خلقه الله عز وجل القلم " من غير استثناء منه شيئاً من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله صلى الله عليه وسلم: " إن أول شيء خلقه الله القلم " كل شيء، وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشاً ولا ماء ولا شيئاً غير ذلك.
فالرواية التي رويناها عن أبي ظبيان وأبي الضحا، عن ابن عباس، أولى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم، إذ كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان، على ما قد ذكرت من اختلافهما فيها.
وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قولهُ الذي قاله في ذلك إلى أحد، وذلك من الأمور التي لا يدركُ علمها إلى بخير من الله عز وجل، أو خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرت الرواية فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول في الذي ثنى خلق القلمثم إن الله جل جلاله خلق بعد القلم - وبعد أن أمره فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة - سحاباً رقيقاً، وهو الغمام الذي ذكره جل وعز ذكره في محكم كتابه فقال: " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظللٍ من الغمامِ " ، وذلك قبل أن يخلق عرشه، وبذلك ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن وكيع ومحمد بن هارون القطان، قالا: حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: " كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: " في عماء، فوقه هواء، وتحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء " .
حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شميل، قال: حدثنا المسعودي، أخبرنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن ابن حصين - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: أتى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه، فجعل يبشرهم ويقولون: أعطنا، حتى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا من عنده. وجاء قوم آخرون، فدخلوا عليه فقالوا: جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتفقه في الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال: فاقبلوا البشرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا، قالوا: قبلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان الله لا شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر قبل كل شيء، ثم خلق سبع سموات " . ثم أتاني آت فقال: تلك ناقتك قد ذهبت، فخرجتُ ينقطع دونها السراب، ولوددتُ أني تركتها.
حدثني أبو كريب، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن جامع ابن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقبلوا البشرى يا بني تميم " ، فقالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فقال: " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن " ، فقالوا " قد قبلنا، فأخبرنا عن هذا الأمر كيف كان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان الله عز وجل على العرش، وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح كل شيء يكون " . قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، هذه ناقتك قد حلت عقالها، فقمت، فإذا السراب ينقطع بيني وبينها، فلا أدري ما كان بعد ذلك.
ثم اختلف في الذي خلق تعالى ذكره بعد العماء، فقال بعضهم: خلق بعد ذلك عرشه.
ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سنان حدثنا أبو سلمة، قال: حدثنا حيان ابن عبيد الله، عن الضحاك بن مزاحم، قال، قال ابن عباس: إن الله عز وجل خلق العرش أول ما خلق، فاستوى عليه.
وقال آخرون: خلق الله عز وجل الماء قبل العرش، ثم خلق عرشه فوضعه على الماء.
ذكر من قال ذلك:حدثنا موسى بن هارون الهمذاني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدى في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذاني عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالوا: إن الله عز وجل كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئاً غير ما خلق قبل الماء.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن العرش كان قبل أن يخلق السموات والأرض قبض من صفاة الماء قبضة ثم فتح القبضة فارتفعت دخاناً على الماء، فلما أراد أن يخلق السموات والأرض ثم قضاهن سبع سموات في يومين، ودحا الأرض في يومين، وفرغ من الخلق اليوم السابع.
وقد قيل: إن الذي خلق ربنا عز وجل بعد القلم الكرسي، ثم خلق بعد الكرسي العرش، ثم بعد ذلك خلق الهواء والظلمات، ثم خلق الماء، فوضع عرشه عليه.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الماء قبل العرش، لصحة الخبر الذي ذكرتُ قيل عن أبي رزين العقيلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حين سئل: أين كان ربنا عز وجل قبل أن يخلق خلقه؟ قال: " كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء " ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله خلق عرشه على الماء. ومحال إذا كان خلقه على الماء أن يكون خلقه عليه، والذي خلقه غيرُ موجود، إما أن يكون قبله أو معه فإذا كان كذلك فالعرش لا يخلو من أحد أمرين خلق بعد خلق الله الماء، وإما أن يكون خلق هو والماء معاً، فإما أن يكون خلقه قبل خلق الماء، فذلك غير جائز صحته على ما روي عن أبي رزين، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل: إن الماء كان على متن الريح حين خلق عرشه عليه، فإن كان ذلك كذلك، فقد كان الماء والريح خلقاً قبل العرش.
ذكر من قال كان الماء على متن الريححدثني ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله عز وجل: " وكان عرشه على الماء " : على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح. حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الأعمش عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله عز وجل: " وكان عرشه على الماء " على أي شيء كان الماء قال: على متن الريح حدثنا القاسم بن الحسن، حدثنا الحسين بن داود، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
قال: والسموات والأرض وكل ما فيهن من شيء يحيط بها البحار، ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل - فيما قيل - الكرسي.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد أنه سمع وهباً يقول - وذكر من عظمته - فقال: إن السموات والأرض والبحار لفي الهيكل، وإن الهيكل لفي الكرسي، وإن قدميه عز وجل لعلى الكرسي، وهو يحمل الكرسي، وقد عاد الكرسي كالنعل قي قدميه.
وسئل وهب: ما الهيكل؟ قال شيء من أطراف السموات محدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط.
وسئل وهب عن الأرضين: كيف هي؟ قال: هي سبع أرضين ممهدة جزائر، بين كل أرضين بحر، والبحر محيط بذلك كله، والهيكل من وراء البحر.
وقد قيل: إنه كان بين خلقه القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام.
ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا مبشر الحلبي، عن أرطاة بن المنذر، قال:سمعتُ ضمرة يقول: إن الله خلق القلم، فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من الخلق، فلما أراد جل جلاله خلق السموات والأرض خلق - فيما ذكر - أياماً ستة، فسمى كل يوم منهن باسم غير الذي سمى به الآخر.
وقيل: إن اسم أحد تلك الأيام الستة أبجد، واسم الآخر منهن هوز، واسم الثالث منهن حطّي واسم الرابع منهم كلمن، واسم الخامس منهن سعفص واسم السادس منهن قرشت.
ذكر من قال ذلك: حدثني الحضرمي، قال: حدثنا مصرف بن عمر واليامي، حدثنا حفص ابن غياث، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من كندة، قال: سمعت الضحاك ابن مزاحم يقول: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، ليس منها يوم إلا له اسم: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت.
وقد حدث به عن حفص غير مصرف وقال: عنه، عن العلاء بن المسيب، قال حدثني شيخ من كندة قال: لقيت الضحاك بن مزاحم، فحدثني قال: سمعت زيد بن أرقم قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، لكل يوم منها اسم: أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت.
وقال آخرون: بل خلق الله واحداً فسماه الأحد، وخلق ثانياً فسماه الاثنين، وخلق ثالثاً فسماه الثلاثاء، ورابعاً فسماه الأربعاء، وخامساً فسماه الخميس.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق يوماً واحداً فسماه الأحد، ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء، ثم خلق خامساً فسماه الخميس. وهذان القولان غير مختلفين، إذ كان جائزاً أن تكون أسماء ذلك بلسان العرب على ما قاله عطاء، وبلسان آخرين، على ما قاله الضحاك بن مزاحم.
وقد قيل إن الأيام سبعة لا ستة.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه: يقول: الأيام سبعة.
وكلا القولين - اللذين روينا أحدهما عن الضحاك وعطاء، من أن الله خلق الأيام الستة، والآخر منهما عن وهب بن منبه من أن الأيام سبعة - صحيح مؤتلف غير مختلف، وذلك أن معنى قول عطاء والضحاك في ذلك كان أن الأيام التي خلق الله فيهن الخلق من حين ابتدائه في خلق السماء والأرض وما فيهن إلى أن فرغ من جميعه ستة أيام، كما قال جل ثناؤه: " وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام " ، وأن معنى قول وهب بن منبه في ذلك كان أن عدد الأيام التي هي أيام الجمعة سبعة أيام لا ستة.
واختلف السلف في اليوم الذي ابتدأ الله عز وجل فيه في خلق السموات والأرض، فقال بعضهم: ابتدأ في ذلك يوم الأحد.
ذكر من قال ذلك: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الشيباني، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال عبد الله بن سلام: إن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق، فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين.
حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله عز وجل بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب، قال: بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين.
حدثني محمد بن أبي منصور الآملي، حدثنا علي بن الهيثم، عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله تعالى: " وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام " قال: من أيام الآخرة، كل يوم مقداره ألف سنة، أبتدأ الخلق يوم الأحد.
حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال: بدأ الخلق يوم الأحد.
وقال آخرون: اليوم الذي ابتدأ الله فيه في ذلك يوم السبت.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد ابن أبي إسحاق، قال: يقول أهل التوراة: ابتدأ الله الخلق يوم الأحد: وقال أهل الإنجيل: أبتدأ الله الخلق يوم الاثنين. ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابتدأ الله الخلق يوم السبت.
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال كل فريق من هذين الفريقين اللذين قال أحدهما: ابتدأ الله الخلق في يوم الأحد، وقال الآخر منهما: ابتدأ في يوم السبت، وقد مضى ذكرنا الخبرين، غير أنا نعيد من ذلك في هذا الموضع بعض ما فيه من الدلالة على صحة قول كل فريق منهما.
فأما الخبر عنه بتحقيق ما قال القائلون: كان ابتداء الخلق يوم الأحد، فما حدثنا به هناد بن السري قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال هناد: وقرأت سائر الحديث - أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: " خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين " .
وأما الخبر عنه بتحقيق ما قاله القائلون من أن ابتداء الخلق كان يوم السبت، فما حدثني القاسم بن بشر بن معروف والحسين بن علي الصدائي، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه بيدي، فقال: " خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد " .
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: اليوم الذي ابتدأ الله تعالى ذكره فيه خلق السموات والأرض يوم الأحد، لإجماع السلف من أهل العلم على ذلك.
فأما ما قال ابن إسحاق في ذلك، فإنه إنما استدل - بزعمه - على أن ذلك كذلك، لأن الله عز ذكره فرغ من خلق جميع خلقه يوم الجمعة، وذلك اليوم السابع، وفيه استوى على العرش، وجعل ذلك اليوم عيداً للمسلمين، ودليله على ما زعم أنه استدل به على صحة وقوله فيما حكينا عنه من ذلك هو الدليل على خطئه فيه، وذلك أن الله تعالى أخبر عباده في غير موضع من محكم تنزيله، أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فقال " الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون " . وقال تعالى ذكره: " قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أئتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم " .
ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن اليومين اللذين ذكرهما الله تبارك وتعالى في قوله: " فقضاهن سبع سموات في يومين " داخلان في الأيام الستة اللاتي ذكرهن قبل ذلك، فمعلوم إذا كان الله عز وجل إنما خلق السموات والأرضين وما فيهن في ستة أيام، وكانت الأخبار مع ذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن آخر ما خلق الله من خلقه آدم، وأن خلقه إياه كان في يوم الجمعة، أن يوم الجمعة الذي فرغ فيه من خلق خلقه داخل في الأيام الستة التي أخبر الله تعالى ذكره أنه خلق خلقه فيهن لأن ذلك لو لم يكن داخلاً في الأيام الستة كان إنما خلق خلقه في سبعة أيام، لا في ستة، وذلك خلاف ما جاء به التنزيل، فتبين إذاً - إذا كان الأمر كالذي وصفنا في ذلك - أن أول الأيام التي ابتدأ الله فيها خلق السموات والأرض وما فيهن من خلقه يوم الأحد، إذ كان الآخر يوم الجمعة، وذلك ستة أيام، كما قال ربنا جل جلاله.
فأما الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه بأن الفراغ من الخلق كان يوم الجمعة، فسنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام الستة
التي ذكر الله في كتابه أنه خلق فيهن السموات والأرض وما بينهما
اختلف السلف من أهل العلم في ذلك: فقال بعضهم ما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام، أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقواتَ والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
حدثني موسى بن هارون، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: جعل - يعنون ربنا تبارك وتعالى - سبع أرضين في يومين: الأحد والاثنين، وجعل فيها رواسي أن تميد بكم، وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها، وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: الخميس والجمعة.
حدثنا تميم بن المنصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب ابن غلاب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: خلق الله الأرض في يومين. والأحد والاثنين.
ففي قول هؤلاء خلقت الأرض قبل السماء، لأنها خلقت عندهم في الأحد والاثنين.
وقال آخرون: خلق الله عز وجل الأرض قبل السماء بأقواتها من غير أن يدحوها، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك.
ذكر من قال ذلك:
حدثني علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله عز وجل حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله تعالى: " والأرض بعد ذلك دحاها " .
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها " يعني أنه خلق السموات والأرض، فلما فرغ من السماء قبل أن يخلق أقوات الأرض بث أقوات الأرض فيها بعد خلق السماء، وأرسى الجبال - يعني بذلك دحوها - ولم تكن تصلح أقواتُ الأرض ونباتها إلا بالليل والنهار، فذلك قوله عز وجل: " والأرض بعد ذلك دحاها " ، ألم تسمع أنه قال: " أخرج منها ماءها ومرعاها " ؟ قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك عندنا ما قاله الذين قالوا: إن الله خلق الأرض يوم الأحد، وخلق السماء يوم الخميس، وخلق النجوم والشمس والقمر يوم الجمعة لصحة الخبر الذي ذكرنا قبل عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. وغير مستحيل ما روينا في ذلك عن ابن عباس من القول، وهو أن يكون الله تعالى ذكره خلق الأرض ولم يدحها، ثم خلق السموات فسواهن، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، بل ذلك عندي هو الصواب من القول في ذلك، وذلك أن معنى الدحو غير معنى الخلق، وقد قال الله عز وجل: " أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها مرعاها والجبال أرساها " .
فإن قال قائل فإنك قد علمت أن جماعة من أهل التأويل قد وجهت قول الله: " والأرض بعد ذلك دحاها " إلى معنى " مع ذلك دحاها " فما برهانك على صحة ما قلت، من أن ذلك بمعنى بعد التي هي خلاف قبل؟ قيل: المعروف من معنى بعد في كلام العرب هو الذي قلنا من أنها بخلاف معنى قبل لا بمعنى مع ولا بمعنى مع، وإنما توجه معاني الكلام إلى الأغلب عليه من معانيه المعروفة في أهله، لا إلى غير ذلك.
وقد قيل: إن الله خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان، قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان، قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، ومنه دحيت الأرض.
وإذا كان الأمر كذلك كان خلق الأرض قبل خلق السموات، ودحو الأرض وهو بسطها بأقواتها ومراعيها ونباتها، بعد خلق السموات، كما ذكرنا عن ابن عباس.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثني مهران، عن أبي سنان، عن أبي بكر قال: جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا: ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السموات والملائكة يوم الخميس، إلى ثلاث ساعات بقين من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم. قالوا: صدقت إن أتممت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون، فغضب، فأنزل الله تعالى: " وما مسنا من لغوبٍ، فاصبر على ما يقولون " .
فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت من أن الله تعالى خلق الأرض قبل السماء، فما معنى قول ابن عباس الذي حدثكموه واصل ابن عبد الأعلى الأسدي، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى من شيء القلم، فقال له: أكتب، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكبت القدر، قال: فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون، فدحيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض.
حدثني واصل، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس نحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: أول ما خلق الله تعالى القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السموات، ثم خلق النون، فبسطت الأرض على ظهر النون، فتحرك النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض. قال: وقرأ: " ن والقلم وما يسطرون " .
حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان - أو مجاهد - عن ابن عباس بنحوه، إلا أنه قال: ففتقت منه السموات.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني سليمان، عن ابي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله تعالى القلم فقال: اكبت، فقال: ما أكبت؟ قال: اكبت القدر، قال: فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. ثم خلق النون، ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون، فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، قال: فإنها لتفخر على الأرض.
حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس قال: أول شيء خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكبت، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه.
قيل: ذلك صحيح على ما روى عنه وعن غيره من معنى ذلك مشروحاً مفسراً غير مخالف شيئاً مما رويناه عنه في ذلك.
فإن قال: وما الذي روى عنه وعن غيره من شرح ذلك الدال على صحة كل ما رويت لنا في هذا المعنى عنه؟ قيل له: حدثني موسى بن هارون الهمذاني وغيره، قالوا: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط بن نصر عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذاني عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سمواتٍ " قال: إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماءً، ثم أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر الله عز وجل في القرآن: " ن والقلم " - والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة، والصخرة على الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: " وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم " .
قال أبو جعفر: فقد أنبأ قولُ هؤلاء الذين ذكرتُ: إن الله تعالى أخرج من الماء دخاناً حين أراد أن يخلق السموات والأرض، فسما عليه - يعنون بقولهم: فسما عليه علا على الماء، وكل شيء كان فوق شيء عالياً عليه فهو له سماء - ثم أيبس بعد ذلك الماء، فجعله أرضاً واحدة أن الله خلق السماء غير مسواة قبل الأرض، ثم خلق الأرض.
وإن كان الأمر كما قال هؤلاء، فغير محال أن يكون الله تعالى أثار من الماء دخانا فعلاّه على الماء، فكان له سماء، ثم أيبس الماء فصار الدخان الذي سما عليه أرضاً، ولم يدحها، ولم يقدر فيها أقواتها، ولم يخرج منها ماءها ومرعاها،حتى استوى إلى السماء، التي هي الدخان الثائر من الماء العالي عليه، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض التي كانت ماء فيبسه ففتقه، فجعلها سبع أرضينن، وقدر فيها أقواتها، و " أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها " ، كما قال عز وجل. فيكون كل الذي روي عن ابن عباس في ذلك - على ما رويناه - صحيحاً معناه.
وأما يوم الاثنين فقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما خلق فيه، وما روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل.
وأما ما خلق في يوم الثلاثاء والأربعاء فقد ذكرنا أيضاً بعض ما روي فيه، ونذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر منه قبل.
فالذي صح عندنا أنه خلق فيهما ما حدثني به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم: وخلق الجبال فيها - يعني في الأرض - وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول الله عز وجل: " قل أئنكم لتفكرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين " ، يقول: من سأل. فهكذا الأمر، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صلاح، قال: حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام، قال: إن الله تعالى خلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء.
حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلق الجبال يوم الثلاثاء. فذلك قول الناس: هو يوم ثقيل.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله تعالى خلق يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر، والماء، والمدائن، والعمران، والخراب. حدثنا بذلك هناد، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الجبال يوم الأحد، والشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، حدثني به القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصدائي، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والخبرُ الأولُ أصح مخرجاً، وأولى بالحق، لأنه قول أكثر السلف.
وأما يوم الخميس فإنه خلق فيه السموات، ففتقت بعد أن كانت رتقاً، كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدى، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم استوى إلى السماء وهي دخان " ، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس وجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة.
وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض " وأوحى في كل سماء أمرها " قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائك، والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لم يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظاً، تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. فذلك حين يقول: " خلق السموات والأرض في ستة أيام " ، ويقول " كانتا رتقاً ففتقناهما " .
حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، قال: حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام، قال: إن الله تعالى خلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها أدم على عجل، فتلك الساعةُ التي تقوم فيها الساعة.
حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن غالب بن غلاب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلق مواضع الأنهار والشجر يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحوش والهوام والسباع يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، ففرغ من خلق كل شيء يوم الجمعة.
وهذا الذي قاله من ذكرنا قوله، من أن الله عز وجل خلق السموات والملائكة وآدم في يوم الخميس والجمعة، هو الصحيح عندنا، للخبر الذي حدثنا به هناد بن السري قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: هناد، وقرأت سائر الحديث - قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال، من يحيا ومن يموت، وفي الثاني ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود وأخرجه منها في آخر ساعة.
حدثني القاسم بن بشر بن معروف، والحسين بن علي الصدائي، قالا: حدثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب ابن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: " وبث فيها - يعني في الأرض - الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر خلق في آخر ساعة، من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " .
فإذا كان الله تعالى ذكره خلق الخلق من لدن ابتداء خلق السموات والأرض إلى حين فراغه من خلق جميعهم في ستة أيام، وكان كل يوم من الأيام الستة التي خلقهم فيها مقدارهُ ألف سنة من أيام الدنيا، وكان بين ابتدائه في خلق ذلك القلم الذي أمره بكتابة كل ما هو كائن إلى قيام الساعة ألف عام، وذلك يوم من أيام الآخرة التي قدر اليوم الواحد منها ألف عام من أيام الدنيا - كان معلوماً أن قدر مدة ما بين أول ابتداء ربنا عز وجل في خلق ما خلق من خلقه إلى الفراغ من آخرهم سبعة آلاف عام. يزيد إن شاء الله شيئاً أو ينقص شيئاً، على ما قد روينا من الآثار والأخبار التي ذكرناها، وتركنا ذكر كثير منها كراهة إطالة الكتاب بذكرها.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً أن مدة ما بين فراغ ربنا تعالى ذكره - من خلق جميع خلقه إلى وقت فناء جميعهم بما قد دللنا قبل، واستشهدنا من الشواهد، وبما سنشرح فيما بعد - سبعة آلاف سنة، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً - كان معلوماً بذلك أن مدة ما بين أول خلقٍ خلقه الله تعالى إلى قيام الساعة وفناء جميع العالم، أربعة عشر ألف عام من أعوام الدنيا، وذلك أربعة عشر يوماً من أيام الآخرة، سبعة أيام من ذلك - وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا - مدة ما بين أول ابتداء الله جل وتقدس في خلق أول خلقه إلى فراغه من خلق آخرهم - وهو آدم أبو البشر صلوات الله عليه، وسبعة أيام أخر، وهي سبعة آلاف عام من أعوام الدنيا، من ذلك مدة ما بين فراغه جل ثناؤه من خلق آخر خلقه - وهو آدم - إلى فناء آخرهم وقيام الساعة، وعود الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يكون غير القديم البارئ الذي له الخلقُ الأمر الذي كان قبل كل شيء فلا شيء كان قبله، والكائن بعد كل شيء فلا شيء يبقى غير وجهه الكريم.
فإن قال قائل: وما دليلك على أن الأيام الستة التي خلق الله فيهن خلقه كان قدر كل يوم منهن قدر ألف عام من أعوام الدنيا دون أن يكون ذلك كأيام أهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم، وإنما قال الله عز وجل في كتابه: " الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام " ، فلم يعلمنا أن ذلك كما ذكرت، بل أخبرنا أنه خلق ذلك في ستة أيام، والأيام المعروفة عند المخاطبين بهذه المخاطبة هي أيامهم التي أول اليوم منها طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومن قولك: إن خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله إنما هو موجه إلى الأشهر والأغلب عليه من معانيه، وقد وجهتَ خبرَ الله في كتابه عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام إلى غير المعروف من معاني الأيام، وأمرُ الله عز وجل إذا أراد شيئاً أن يكونه أنفذُ وأمضى من أن يوصف بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، مقدارهن ستة آلاف عام من أعوام الدنيا، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، وذلك كما قال ربنا تبارك وتعالى: " وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " .
قيل له: قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا إنا إنما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار والأخبار عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول والفكر، إذ أكثره خبرٌ عما مضى من الأمور، وعما هو كائن من الأحداث، وذلك غير مدرك علمه بالاستنباط الاستخراج بالعقول.
فإن قال: فهل من حجة على صحة ذلك من جهة الخبر؟ قيل: ذلك ما لا نعلم قائلاً من أئمة الدين قال خلافه.
فإن قال: فهل من رواية عن أحد منهم بذلك؟ قيل: علم ذلك عند أهل العلم من السلف كان أشهر من أن يحتاج فيه إلى رواية منسوبة إلى شخص منهم بعينه، وقد روي ذلك عن جماعة منهم مسمين بأعيانهم.
فإن قال: فاذكرهم لنا.
قيل: حدثنا ان حميد، قال حدثنا حكام: عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، فكل يوم من هذه الأيام كألف سنة مما تعدون أنتم.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: " في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون " قال: الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض.
حدثنا عبدة، حدثني الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون " : يعني هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهن السموات والأرض وما بينهما.
حدثني المثنى، حدثنا علي، عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: " وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام " .
قال: من أيام الآخرة، كل يوم كان مقداره ألف سنة، ابتدأ في الخلق يوم الأحد، واجتمع الخلق يوم الجمعة.
حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح: عن كعب، قال: بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والأثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفرغ منها يوم الجمعة، قال: فجعل مكان كل يوم ألف سنة.
حدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال: يوم من الستة الأيام، كألف سنة مما تعدون.
فهذا هذا. وبعد، فلا وجه لقول قائل: وكيف يوصف الله تعالى ذكره بأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام قدر مدتها من أيام الدنيا ستة آلاف سنة، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، لأنه لا شيء يتوهمه متوهم في قول قائل ذلك إلا وهو موجود في قول قائل: خلق ذلك كله في ستة أيام مدتها مدة ستة أيام من أيام الدنيا، لأن أمره جل جلاله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
القول في الليل والنهار أيهما خلق قبل صاحبه
وفي بدء خلق الشمس والقمر وصفتهما إذ كانت الأزمنة بهما تعرف
قد قلنا في خلق الله عز ذكره ما خلق من الأشياء قبل خلقه الأوقات والأزمنة، وبينا أن الأوقات والأزمنة إنما هي ساعات الليل والنهار، وأن ذلك إنما هو قطع الشمس والقمر درجات الفلك فلنقل الآن: بأي ذلك كان الابتداء، بالليل أم بالنهار؟ إذ كان الاختلاف في ذلك موجوداً بين ذوي النظر فيه، بأن بعضهم يقول فيه: خلق الله الليل قبل النهار، ويستشهد على حقيقة قوله ذلك بأن الشمس إذا غابت وذهب ضوءها الذي هو نهار هجم الليل بظلامه، فكان معلوماً بذلك أن الضياء هو المتورد على الليل، وأن الليل إن لم يبطله النهار المتورد عليه هو الثابت، فكان بذلك من أمرهما دلالة على أن الليل هو الأول خلقاً، وأن الشمس هو الآخر منهما خلقاً، وهذا قولٌ يروي عن ابن عباس.
حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل: هل الليل كان قبل النهار؟ قال: أرأيتم حين كانت السموات والأرض رتقاً، هل كان بينهما إلا ظلمة! ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الليل قبل النهار، ثم قال: " كانتا رتقاً ففتقناهما " .
حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد ابن عبد الله اليزني، قال: لم يكن عقبة بن عامر إذا رأى الهلال - هلال رمضان - يقوم تلك الليله حتى يصوم يومها، ثم يقوم بعد ذلك. فذكرتُ ذلك لابن حجيرة فقال: الليل قبل النهار أم النهار قبل الليل؟ وقال آخرون: كان النهار قبل الليل، واستشهدوا لصحة قولهم هذا بأن الله عز ذكره كان ولا ليل ولا نهار ولا شيء غيره، وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه بعدما خلقه حتى خلق الليل.
ذكر من قال ذلك:حدثني علي بن سهل، حدثنا الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله الفهري أن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليلٌ ولا نهار، نور السموات من نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم هذه عنده اثنتا عشرة ساعة.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: كان الليل قبل النهار، لأن النهار هو ما ذكرتُ من ضوء الشمس، وإنما خلق الله الشمس وأجراها في الفلك بعد ما دحا الأرض فبسطها، كما قال عز وجل: " أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها " ، فإذا كانت الشمس خلقت بعد ما سمكت السماء، وأغطش ليلها، فمعلوم أنها كانت - قبل أن تخلق الشمس، وقبل أن يخرج الله من السماء ضحاها - مظلمة لا مضيئة.
وبعد، فإن في مشاهدتنا من أمر الليل والنهار ما نشاهده دليلاً بيناً على أن النهار هو الهاجم على الليل لأن الشمس متى غابت فذهب ضوءها ليلاً أو نهاراً أظلم الجو، فكان معلوماً بذلك أن النهار هو الهاجم على الليل بضوئه ونوره. والله أعلم.
فأما القول في بدء خلقهما فإن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقت خلق الله الشمس والقمر مختلف.
فأما ابن عباس فروي عنه أنه قال: خلق الله يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، حدثنا بذلك هناد بن السري، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خلق الله النور يوم الأربعاء " ، حدثني بذلك القاسم بن بشر والحسين بن علي، قالا: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأي ذلك كان، فقد خلق الله قبل خلقه إياهما خلقاً كثيراً غيرهما، ثم خلقهما عز وجل لما هو أعلم به من مصلحة خلقه، فجعلهما دائبي الجرى، ثم فصل بينهما، فجعل إحداهما آية الليل، والأخرى آية النهار، فمحا آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبب اختلاف حالتي آية الليل وآية النهار أخبار أنا ذاكر منها بعض ما حضرني ذكره. وعن جماعة من السلف أيضاً نحو ذلك.
فمما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ما حدثني محمد بن أبي منصور الآملي، حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا عمر بن صبح أو نعمي البلخي، عن مقاتل بن حيان، عن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبي ذر الغفاري، قال: كنتُ آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحنُ نتماشى جميعاً نحو المغرب، وقد طفلت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت، قال: قلتُ: يا رسول الله، أين تغربُ؟ قال: تغرب في السماء، ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يارب، من أين تأمرني أن أطلع، أمن مغربي أم من مطلعي؟ قال: فذلك قوله عز وجل: " والشمس تجري لمستقرٍ لها " حيث تحبس تحت العرش، " ذلك تقديرُ العزيز العليم " قال: يعني بذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جبرئيل بحلة ضوء من نور العرش، على مقادير ساعات النهار، في طوله في الصيف، أو قصره في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحلة كما يلبس أحدكم ثيابه، ثم تنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فكأنها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثم لا تكسى ضوءاً، وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله عز وجل: " إذا الشمس كورت " .
قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبرائيل عليه السلام يأتيه بالحلة من نور الكرسي. قال: فذلك قوله عز وجل: " جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً " . قال أبو ذر: ثم عدلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا المغرب. فهذا الخبر عن رسول الله ينبئ أن سبب اختلاف حالة الشمس والقمر إنما هو أن ضوء الشمس من كسوة كسيتها من ضوء العرش، وأن نور القمر من كسوة كسيها من نور الكرسي.
فأما الخبر الآخر الذي يدل على غير هذا المعنى، فما حدثني محمد ابن أبي منصور، قال: حدثنا خلف بن واصل، قال: حدثنا أبو نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا بن عباس، سمعتُ العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر. قال: وكان متكئاً فاحتفز ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم أنه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران، فيقذفان في جهنم. قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شقة ووقعت أخرى غضباً، ثم قال: كذب كعب! كذب كعب! كذب كعب! ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، الله أجل وأكرم من أن يعذب على طاعته، ألم تسمع لقول الله تبارك وتعالى: " وسخر لكم الشمس والقمر دائبين " ، وإنما يعني دؤبهما في الطاعة، فكيف يعذب عبدين يثني عليهما، إنهما دائبان في طاعته! قاتل الله كعب الحبر وقبح حبريته! ما أجرأه على الله وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين لله! قال: ثم استرجع مراراً، وأخذ عويداً من الأرض، فجعل ينكته في الأرض، فظل كذلك ما شاء الله، ثم إنه رفع رأسه، ورمى بالعويد فقال: ألا أحدثكم بما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما؟ فقلنا: بلى رحمك الله! فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال: إن الله تبارك وتعالى لما أبرم خلقه إحكاماً فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً، فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أنه يطمسها ويحولها قمراً، فإنه دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض.
قال: فلو ترك الله الشمسين كما كان خلقهما في بدء الأمر لم يكن يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، وكان لا يدري الأجير إلى متى يعمل، ومتى يأخذ أجره. ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ولا تدري المرأة كيف تعتد، ولا يدري المسلمون متى وقت الحج، ولا يدري الديان متى تحل ديونهم، ولا يدري الناس متى ينصرفون لمعايشهم، ومتى يسكنون لراحة أجسادهم.
وكان الرب عز وجل. أنظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جبرئيل عليه السلام فأمر جناحه على وجه القمر - وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات، فطمس عنه الضوء، وبقي فيه النور، فذلك قوله عز وجل: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا أية النهار مبصرة " . قال: فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه فهو أثرُ المحو. ثم خلق الله للشمس عجلة من ضوء نور العرش لها ثلثمائة وستون عروة، ووكل بالشمس وعجلتها ثلثمائة وستين ملكاً من الملائكة من أهل السماء الدنيا، قد تعلق كل ملك منهم بعروة من تلك العرا، ووكل بالقمر وعجلته ثلثمائة وستين ملكاً من الملائكة من أهل السماء، قد تعلق بكل عروة من تلك العرا ملك منهم.
ثم قال: وخلق الله لهما مشارق ومغارب في قطري الأرض وكنفى السماء ثمانين ومائة عين في المغرب، طينة سوداء، فذلك قوله عز وجل: " وجدها تغربُ في عين حمئةٍ " إنما يعني حمأة سوداء من طين، وثمانين ومائة عين في المشرق مثل ذلك طينة سوداء تفور غلياً كغلي القدر إذا ما اشتد غليها. قال: فكل يوم وكل ليلة لها مطلعٌ جديد، ومغرب جديد ما بين أولها مطلعاً، وآخرها مغرباً أطول ما يكون النهار في الصيف إلى آخرها مطلعاً، وأولها مغرباً أقصر ما يكون النهار في الشتاء، فذلك قوله تعالى: " رب المشرقين ورب المغربين " يعني آخرها هاهنا وآخرها ثم، وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب، ثم جمعهما فقال: " برب المشارق والمغارب " ، فذكر عدة تلك العيون كلها.
قال: وخلق الله بحراً، فجرى دون السماء مقدار ثلاث فراسخ، وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله عز وجل لا يقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جارٍ في سرعة السهم ثم انطلاقه في الهواء مستوياً، كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخنس في لجة غمر ذلك البحر، فذلك قوله تعالى: " كل في فلك يسبحون " ، والفلك دوران العجلة في لجة غمر ذلك البحر. والذي نفس محمد بيده، لو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت كل شيء في الأرض، حتى الصخور والحجارة، ولو بدا القمر في ذلك لافتتن أهلُ الأرض حتى يعبدوه من دون الله، إلا من شاء الله أن يعصم من أوليائه.
قال ابن عباس: فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يأبى أنت وأمي يا رسول الله! ذكرت مجرى الخنس مع الشمس والقمر، وقد أقسم الله بالخنس في القرآن إلى ما كان من ذكرك، فما الخنس؟ قال: يا علي، هن خمسة كواكب، البرجيس، وزحل وعطارد، وبهرام، والزهرة، فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الجاريات، مثل الشمس والقمر، العاديات معهما، فأما سائر الكواكب فمعلقات من السماء كتعليق القناديل من المساجد، وهي تحوم مع السماء دوراناً بالتسبيح والتقديس والصلاة لله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك، فانظروا إلى دوران الفلك مرة هاهنا ومرة هاهنا، فذلك دوران السماء، ودوران الكواكب معها كلها سوى هذه الخمسة، ودورانها اليوم كما ترون، وتلك صلاتها، ودورانها إلى يوم القيامة في سرعة دوران الرحا من أهوال يوم القيامة وزلازله، فذلك قوله عز وجل: " يوم تمور السماء موراً، وتسيرُ الجبالُ سيراً، فويل يومئذٍ للمكذبين " .
قال: فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجلتها ومعها ثلثمائة وستون ملكاً ناشري أجنحتهم، يجرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات الليل وساعات النهار ليلاً كان أو نهاراً، فإذا أحب الله أن يبتلي الشمس والقمر فيرى العباد آية من الآيات فيستعتبهم رجوعاً عن معصيته وإقبالاً على طاعته، خرت الشمس من العجلة فتقع في غمر ذلك البحر وهو الفلك، فإذا أحب الله أن يعظم الآية ويشدد تخويف العباد وقعت الشمس كلها فلا يبقى منها على العجلة شيء، فذلك حين يظلم النهار وتبدو النجوم، وهو المنهى من كسوفها. فإذا أراد أن يجعل أية دون آية وقع منها النصف أو الثلث أو الثلثان في الماء ويبقى سائر ذلك على العجلة، فهو كسوف دون كسوف، وبلاء للشمس أو للقمر، وتخويف للعباد، واستعتاب من الرب عز وجل، فأي ذلك كان صارت الملائكة الموكلون بعجلتها فرقتين: فرقة منها يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجلة، والفرقة الأخرى يقبلون على العجلة فيجرونها نحو الشمس، وهم في ذلك يقرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله على قدر ساعات النهار أو ساعات الليل، ليلاً كان أو نهاراً، في الصيف كان ذلك أو في الشتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع، لكيلا يزيد في طولهما شيء، ولكن قد ألهمهم الله علم ذلك، وجعل لهم تلك القوة، والذي ترون من خروج الشمس أو القمر بعد الكسوف قليلاً قليلاً من غمر ذلك البحر الذي يعلوهما، فإذا أخرجوها كلها اجتمعت الملائكة كلهم، فاحتملوها حتى يضعوها على العجلة، فيحمدون الله على ما قواهم لذلك، ويتعلقون بعرا العجلة، ويجرونها في الفلك بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغوا بها المغرب، فإذا بلغوا بها المغرب أدخلوها تلك العين، فتسقط من أفق السماء في العين.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعجب من خلق الله: وللعجب من القدرة فيما لم نر أعجب من ذلك، وذلك قول جبرئيل عليه السلام لسارة " أتعجبين من أمر الله " وذلك أن الله عز وجل خلق مدينتين: إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، أهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عاد من نسل مؤمنيهم، وأهل التي بالمغرب من بقايا ثمود من نسل الذين آمنوا بصالح، اسم التي بالمشرق بالسريانية مرقيسيا وبالعربية جابلق واسم التي بالمغرب بالسريانية برجيسيا وبالعربية جابرس ولكل مدينة منهما عشرة آلاف باب، ما بين كل بابين فرسخ، ينوب كل يوم على كل باب من أبواب هاتين المدينتين عشرة آلاف رجل من الحراسة، عليهم السلاح، لا تنوبهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فوالذي نفس محمد بيده، لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاثة أمم: منسك، وتافيل، وتاريس، ومن دونهم يأجوج ومأجوج.
وإن جبرئيل عليه السلام أنطلق بي إليهم ليلة أسرى بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فدعوتُ يأجوج ومأجوج إلىعبادة الله عز وجل فأبوا أن يجيبوني، ثم انطلق بي إلى أهل المدينتين، فدعوتهم إلى دين الله عز وجل وإلى عبادته فأجابوا وأنابوا، فهم في الدين إخواننا، من أحسن منهم فهو مع محسنكم، ومن أساء منهم فأولئك مع المسيئين منكم. ثم انطلق بي إلى الأمم الثلاث، فدعوتهم إلى دين الله وإلى عبادته فأنكروا ما دعوتهم إليه، فكفروا بالله عز وجل وكذبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج وسائر من عصى الله في النار، فإذا ما غربت الشمس رفع بها من سماء إلى سماء في سرعة طيران الملائكة، حتى يبلغ بها إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش فتخر ساجدة، وتسجد معها الملائكة الموكلون بها، فيحدرُ بها من سماء إلى سماء، فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الفجر، فإذا انحدرت من بعض تلك العيون، فذاك حين يضئ الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذاك حين يضيء النهار.
قال: وجعل الله عند المشرق حجاباً من الظلمة على البحر السابع، مقدار عدة الليالي منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تصرم، فإذا كان عند الغروب أقبل ملك قد وكل بالليل فيقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبلُ المغرب، فلا يزال يرسل من الظلمة من خلل أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها ثم ينشر جناحيه، فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء، ويجاوزان ما شاء الله عز وجل خارجاً في الهواء، فيسوق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيخ والتقديس والصلاة الله حتى يبلغ المغرب، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق، فضم جناحيه، ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه، ثم يقبض عليها بكف واحدة نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمة الليل. فإذا ما نقل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، وانقضت الدنيا، فضوء النهار من قبل المشرق، وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما، إلى السماء السابعة العليا، إلى محبسهما تحت العرش، حتى يأتي الوقت الذي ضرب الله لتوبة العباد، فتكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف، فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد.
فإذا كان ذ لك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش، فكلما سجدت وأستأذنت: من أين تطلع؟ لم يحر إليها جواب، حتى يوافيها القمر ويسجد معها، ويستأذن: من أين يطلع؟ فلا يحار إليه جواب، حتى يحبسهما قدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض، وهم حينئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين، في هوان من الناس وذلة من أنفسهم، فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالي، ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلاه فيصلي ورده، كما كان يصلي قبل ذلك، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فينكر ذلك ويظن فيه الظنون من الشر ثم يقول: فلعلي خففت قراءتي، أو قصرت صلاتي، أو قمت قبل حيني! قال: ثم يعود أيضاً فيصلي ورده كمثل ورده، الليلة الثانية، ثم يخرج فلا يرى الصبح، فيزيده ذلك إنكاراً، ويخالطه الخوف، ويظن في ذلك الظنون من الشر ثم يقول: فلعلي خففت قراءتي، أو قصرت صلاتي، أو قمت من أول الليل! ثم يعود أيضاً الثالثة وهو وجل مشفق لما يتوقع من هول تلك الليلة، فيصلي أيضاً مثل ورده، الليلة الثالثة، ثم يخرج فإذا هو بالليل مكانه والنجوم قد استدارت وصارت إلى مكانها من أول الليل. فيشفق عند ذلك شفقة الخائف العارف بما كان يتوقع من هول تلك الليلة فيستلحمه الخوف، ويستخفه البكاء، ثم ينادي بعضهم بعضاً، وقبل ذلك كانوا يتعارفون ويتواصلون، فيجتمع المتهجدون من أهل كل بلدة إلى مسجد من مساجدها، ويجأرون إلى الله عز وجل بالبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، والغافلون في غفلتهم،حتى إذا ما تم لهما مقدارُ ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين، أتاهما جبرئيل فيقول: إن الرب عز جل يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور. قال: فيبكيان عند ذلك بكاء يسمعه أهل سبع سموات من دونهما وأهل سرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يخالطهم من خوف الموت، وخوف يوم القيامة.
قال: فبينا الناس ينتظرون طلوعهما من المشرق إذا هما قد طلعا خلف أقفيهم من المغرب أسودين مكورين كالغرارتين، ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك، فيتصايح أهلُ الدنيا وتذهل الأمهات عن أولادها، والأحبة عن ثمرة قلوبها، فتشتغل كل نفس بما أتاها. قال: فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك لهم عبادة. وأما الفاسقون والفجار فإنه لا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب ذلك عليهم خسارة. قال: فيرتفعان مثل البعيرين القرينين، ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقاً، حتى إذا بلغا سرة السماء - وهو منصفها - أتاهما جبرئيل فأخذ بقرونهما ثم ردهما إلى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما من تلك العيون، ولكن يغربهما في باب التوبة.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله! فما باب التوبة؟ قال: يا عمر، خلق الله عز وجل باباً للتوبة خلف المغرب، مصراعين من ذهب، مكللاً بالدر والجوهر، ما بني المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عاماً للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحاً من لدن آدم إلى صبيحة تلك الليلة إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب، ثم ترفع إلى الله عز وجل.
قال معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! وما التوبة النصوح؟ قال: إن يندم المذنب على الذنب الذي أصابه فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال: فيرد جبرئيل بالمصراعين فيلأم بينهما ويصيرهما كأنه لم يكن فيما بينهما صدع قط، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل بعد ذلك توبة، ولم ينفع بعد ذلك حسنة يعملها في الإسلام إلا من كان قبل ذلك محسناً، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري قبل ذلك، قال فذلك قوله عز وجل: " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفعُ نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً " .
فقال أبي بن كعب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك! وكيف بالناس والدنيا! فقال: يا أبي، إن الشمس والقمر بعد ذلك يكسيان النور والضوء، ويطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا إليه من فظاعة الآية، فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الأنهار، ويغرسوا فيها الشجر، ويبنوا فيها البنيان. وأما الدنيا فإنه لو أنتج رجل مهراً لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور.
فقال حذيفة بن اليمان: أنا وأهلي فداؤك يا رسول الله! فكيف هم عند النفخ في الصور! فقال: يا حذيفة، والذي نفس محمد بيده، لتقومن الساعة ولينفخن في الصور والرجل قد لط حوضه فلا يسقى منه، ولتقومن الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه، ولا يتبايعانه. ولتقومن الساعة والرجل قد رفع لقمته إلى فيه فلا يطعمها، ولتقومن الساعة الرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فلا يشربه، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: " وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون " .
فإذا نفخ في الصور، وقامت الساعة، وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد، إذ يدعو الله عز وجل بالشمس والقمر، فيجاء بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزال وبلبال، ترعد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافة الرحمن، حتى إذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين، فيقولان: إلهنا قد علمت طاعتنا ودؤبنا في عبادتك، وسرعتنا للمضي في أمرك أيام الدنيا، فلا تعذبنا بعبادة المشركين إيانا، فإنا لم ندع إلى عبادتنا، ولم نذهل عن عبادتك! قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: صدقتما، وإني قضيت على نفسي أن أبدئ وأعيد، وإني معيدكما فيما بدأتكما منه، فارجعا إلى ما خلقتما منه، قالا: إلهنا، ومم خلقتنا؟ قال: خلقتكما من نور عرشي، فارجعا إليه. قال: فيلتمع من كل واحد منهما برقة تكاد تخطف الأبصار نوراً، فتخلط بنور العرش فذلك قوله عز وجل: " يبديء ويعيد " .
قال عكرمة: فقمت مع النفر الذين حدثوا به، حتى أتينا كعباً فأخبرناه بما كان من وجد ابن عباس من حديثه، وبما حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام كعب معنا حتى أتينا ابن عباس، فقال: قد بلغني ما كان من وجدك من حديثي، وأستغفر الله وأتوب إليه، وإني إنما حدثت عن كتاب دارسٍ قد تداولته الأيدي، ولا أدري ما كان فيه من تبديل اليهود، وإنك حدثت عن كتاب جديد حديث العهد بالرحمن عز وجل وعن سيد الأنبياء وخير النبيين، فأنا أحب أن تحدثني الحديث فأحفظه عنك، فإذا حدثت به كان مكان حديثي الأول.
قال عكرمة: فأعاد عليه ابن عباس الحديث، وأنا أستقريه في قلبي باباً باباً، فما زاد شيئاً ولا نقص، ولا قدم شيئاً ولا أخر، فزادني ذلك في ابن عباس رغبة، وللحديث حفظاً.
ومما روى عن السلف في ذلك ما حدثناه ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال: قال ابن الكواء لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين، ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن " فمحونا آية الليل " ! فهذه محوه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا طلق، عن زائدة عن عاصم، عن عليّ بن ربيعة، قال: سأل ابن الكواء علياً عليه السلام فقال: ما هذا السواد في القمر؟ فقال علي: " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً " ، هو المحو.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: كنت عند علي عليه السلام، فسأله ابن الكواء عن السواد الذي في القمر فقال: ذاك آية الليل محيت.
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال:حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عمران بن حدير، عن رفيع، أبي كثيرة، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سلوا عما شئتم، فقال ابن الكواء فقال: ما السواد الذي في القمر، فقال: قاتلك الله! هلا سألت عن أمر دينك وآخرتك! ثم قال ذاك محو الليل.
حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال: حدثنا ابن عفير، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن حيّيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رجلاً قال لعليّ رضي الله عنه: ما السوادُ الذي في القمر؟ قال: إن الله يقول: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " .
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل " ، قال: هو السواد بالليل.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، " فمحونا آية الليل " ، السواد الذي في القمر.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، قال: ذكر ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " ، قال: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، " فمحونا آية الليل " ، قال: السواد الذي في القمر، كذلك خلقه الله.
حدثنا القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " ، قال: ليلاً ونهاراً كذلك خلقهما الله عز وجل.
قال ابن جريج: وأخبرنا عبد الله بن كثير، قال: " فمحونا آية الليل جعلنا آية النهار مبصرة " ، قال: ظلمة الليل وسد ف النهار.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قوله عز وجل: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل " ، كنا نحدث أن محو آية الليل سوادُ القمر الذي فيه، " وجعلنا آية النهار مبصرة " ، منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " ، قال: ليلاً ونهاراً، كذلك جعلهما الله عز وجل.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين، فجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة يبصر بها، ومحا آية الليل التي هي القمر بالسواد الذي فيه.
وجائز أن يكون الله تعالى ذكره خلقهما شمسين من نور عرشه، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما.
وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التي تكساها من ضوء العرش، ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي.
ولو صح سند أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به، ولكن في أسانيدهما نظرا فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر، غير أنا بيقين نعلم أن الله عز وجل خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما، فخالف بينهما، فجعل أحدهما مضيئاً مبصراً به، والأخر ممحو الضوء.
وإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر في كتابنا هذا، وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما، مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والأرض وصفة ذلك، وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب، لأن قصدنا في كتابنا هذا ذكرُ ما قدمنا الخبر عنه أنا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتأريخ الملوك والأنبياء والرسل، على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب، وكانت التأريخات والأزمنة إنما توقث بالليالي والأيام التي إنما هي مقادير ساعات جري الشمس والقمر في أفلاكهما على ما قد ذكرنا في الأخبار التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما كان قبل خلق الله عز ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار.
وإذ كنا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله عز وجل في إنشاء ما أراد إنشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار، وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربها عز وجل والمطيعة ربها منهم، وأزمان الرسل والأنبياء، وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصح التأريخات، وتعرف به الأوقات والساعات، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تدرك معرفة ساعات الليل وأوقاته، وبالآخر تدرك علم ساعات النهار وأوقاته. فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكاً، وأنعم عليه فكفر نعمته، وجحد ربوبيته، وعنا على ربه واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه وأذله. ثم نتبعه ذكر من استن في سنته، واقتفى فيه أثره، فأحل الله به نقمته، وجعله من شيعته، وألحقه به في الخزي والذل. ونذكر من كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، أو من الرسل والأنبياء إن شاء الله عز وجل.
فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله.
وكان الله عز وجل قد أحسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذكر، وجعله مع ذلك من خزان الجنة، فاستكبر على ربه وادعى الربوبية، ودعا من كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطاناً رجيماً،وشوه خلقه، وسلبه ما كان حوله، ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن أبتاعه وشيعته في الآخرة نار جهنم، نعوذ بالله من غضبه، ومن عمل يقرب من غضبه،ومن الحور بعد الكور.
ونبدأ بذكر جمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان الله عز وجل أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه، وادعائه ما لم يكن له ادعاؤه، ثم نتبع ذلك ما كان من الأحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه، والسبب الذي به زال عنه ما كان فيه من نعمة الله عليه، وجميل آلائه وغير ذلك من أموره، إن شاء الله مختصراً.
ذكر الأخبار الواردة عن إبليس
بأنه كان له ملك السماء الدنيا والأرض وما بين ذلك
حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح مولى التوءمة وشريك بن أبي نمر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس، قال: إن من الملائمة قبيلة من الجن وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض.
حدثنا موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: جعل إبليس على سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً.
حدثني عبدان المروزي، حدثني الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان،قال: سمعت الضحاك ابن مزاحم يقول في قوله عز وجل: " فسجدوا إلا إبليس كان من الجن " ، قال: كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوءمة، عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلا يقال لهم الجن، فكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فمسخه الله شيطاناً رجيماً.
ذكر الخبر عن غمط عدو الله نعمة ربه
واستكباره عليه وادعائه الربوبية
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ومن يقل منهم إني إله من دونه " قال: قال، ابن جريج: من يقل من الملائكة إن إله من دونه، فلم يقله إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " ، وإنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس لما قال ما قال، لعنه الله وجعله رجيماً، فقال: " فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم " ، قال: هي خاصة لإبليس.
القول في الأحداث التي كانت في أيام ملك إبليس
وسلطانه والسبب الذي به هلك وادعى الربوبية
فمن الأحداث التي كانت في ملك عدو الله - إذ كان لله مطيعاً - ما ذكر لنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدثناه أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، قال: وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت،قال: وخلق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضاً، قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة وهم هذا الحي الذين يقال لهم الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، وقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد، قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه.
حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، قال: فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقتلهم، فكانت الدماء وكان الفساد في الأرض.
ذكر السبب الذي به هلك عدو الله
وسولت له نفسه من أجله الاستكبار على ربه عز وجل
اختلف السلف من الصحابة والتابعين في ذلك، وقد ذكرنا أحد الأقوال التي رويت في ذلك عن ابن عباس، وذلك ما ذكر الضحاك عنه، أنه لما قتل الجن الذين عصوا الله، وأفسدوا في الأرض وشردهم، أعجبته نفسه ورأى في نفسه أن له بذلك من الفضيلة ما ليس لغيره.
والقول الثاني من الأقوال المروية في ذلك عن ابن عباس، أنه كان ملك سماء الدنيا وسائسها، وسائس ما بينها وبين الأرض، وخازن الجنة، مع اجتهاده في العبادة، فأعجب بنفسه، ورأى أن له بذلك الفضل، فاستكبر على ربه عز وجل.
ذكر الرواية عنه بذلك: حدثنا موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لما فرغ الله عز وجل من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره كبر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيةٍ، هكذا حدثني موسى بن هارون.
وحدثني به أحمد بن أبي خيشمة، عن عمرو بن حماد، قال: لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه أطلع الله عز وجل على ذلك منه، فقال الله للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً وأكثرهم علماً، فذلك الذي دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جناً.
وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس - أو مجاهد أبي الحجاج - عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال: كان ملكاً من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون الجن من بين الملائكة.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا شيبان، قال: حدثنا سلام ابن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
والقول الثالث من الأقوال المروية عنه أنه كان يقول: السبب في ذلك أنه كان من بقايا خلق خلقهم الله عز وجل، فأمرهم بأمر فأبوا طاعته.
ذكر الرواية عنه بذلك: حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقاً فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا لا نفعل، قال: فبعث الله عليهم ناراً تحرقهم، ثم خلق خلقاً آخر فقال: إني خالق بشراً من طين فاسجدوا لآدم، فأبوا، فبعث الله عليهم ناراً فأحرقهم، قال: ثم خلق هؤلاء فقال: ألا تسجدوا لآدم! قالوا: نعم، قال: وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.
وقال آخرون: بل السبب في ذلك أنه كان من بقايا الجن الذين كانوا في الأرض، فسفكوا فيها الدماء، وأفسدوا فيها، وعصوا ربهم، فقاتلتهم الملائكة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو سعيد اليحمدي إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثني سوار بن الجعد اليحمدي، عن شهر بن حوشب، قوله: " كان من الجن " ، قال: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
حدثني علي بن الحسن، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثني سنيد بن داود قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد ابن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبي إبليس، وكان صغيراً، وكان مع الملائكة يتعبد معهم، فلما أمروا أن يسجدوا لآدم سجدوا وأبى إبليس، فلذلك قال الله عز وجل: " إلا إبليس كان من الجن " . قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال كما قال الله عز وجل: " وإذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " ، وجائز أن يكون فسوقه عن أمر ربه كان من أجل أنه كان من الجن، وجائز أن يكون من أجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده كان في عبادة ربه،وكثرة علمه، وما كان أوتى من ملك السماء الدنيا والأرض وخزن الجنان. وجائز أن يكون كان لغير ذلك من الأمور، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبرٍ تقوم به الحجة، ولا خبر في ذلك عندنا كذلك، والاختلاف في أمره على ما حكينا ورويناه.
وقد قيل: إن سبب هلاكه كان من أجل أن الأرض كان فيها قبل آدم الجن، فبعث الله إبليس قاضياً يقضي بينهم، فلم يزل يقضي بينهم بالحق ألف سنة حتى سمى حكماً، وسماه الله به، وأوحى إليه اسمه، فعند ذلك دخله الكبر، فتعظم وتكبر، وألقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حكماً البأس والعداوة والبغضاء، فاقتتلوا عند ذلك في الأرض ألفي سنة فيما زعموا، حتى إن خيولهم تخوض في دمائهم، قالوا: و ذلك قول الله تبارك وتعالى: " أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد " ، وقول الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ! فبعث الله تعالى عند ذلك ناراً فأحرقتهم، قالوا: فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرج إلى السماء، فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهداً لم يعبده شيء من خلقه مثل عبادته، فلم يزل مجتهداً في العبادة حتى خلق الله آدم، فكان من أمره ومعصيته ربه ما كان.
القول في خلق آدم عليه السلام
وكان مما حدث في أيام سلطانه وملكه خلق الله تعالى ذكره أبانا آدم أبا البشر، وذلك لما أراد جل جلاله أن يطلع ملائكته على ما قد علم من انطواء إبليس على الكبر ولم يعلمه الملائكة، وأراد إظهار أمره لهم حين دنا أمره للبوار، وملكه وسلطانه للزوال، فقال عز ذكره لما أراد ذلك للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " ، فأجابوه بأن قالوا له: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ! فروي عن ابن عباس أن الملائكة قالت ذلك كذلك للذين قد كانوا عهدوا من أمر الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل ذلك، فقالوا لربهم جل ثناؤه لما قال لهم: " إني جاعل في الأرض خليفة " أتجعلُ فيها من يكون فيها مثل الجن الذين كانوا فيها، فكانوا يسفكون فيها الدماء ويفسدون فيها ويعصونك، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، فقال ا لرب تعالى ذكره لهم: " إني أعلم ما لا تعلمون " ، يقول: أعلم ما لا تعلمون من انطواء إبليس على التكبر، وعزمه على خلافه أمري، وتسويل نفسه له بالباطل واغتراره، وأنا مبدٍ ذلك لكم منه لتروا ذلك منه عياناً.
وقيل أقوال كثيرة في ذلك، قد حكينا منها جملاً في كتابنا المسمى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضع.
فلما أراد الله عز وجل أن يخلق آدم عليه السلام أمر بتربته أن تؤخذ من الأرض، كما حدثنا أبو كريب، قال حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: ثم أمر - يعني الرب تبارك وتعالى - بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب اللزج الطيب - من حمأ مسنون، منتن، قال: وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدى - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قالت الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " يعني من شأن إبليس، فبعث الله جبرئيل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني شيئاً وتشيني، فرجع ولم يأخذ، وقال: يا رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها. فرجع، فقال كما قال جبرئيل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع، ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو أدم مختلفين، فصعد به فبل التراب حتى عاد طيناً لازباً - واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم ترك حتى تغير وأنتن، وذلك حين يقول: " من حمأ مسنونٍ " ، قال منتن.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث رب العزة عز وجل إبليس، فأخذ من أديم الأرض، من عذبها وملحها، فخلق منه آدم، ومن ثم سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض، ومن ثم قال إبليس: " أأسجد لمن خلقت طيناً " ، أي هذه الطينة أنا جئت بها.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض.
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مسعر، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: خلق آدم من أديم الأرض فسمي آدم.
حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن علي رضي الله عنه، قال: إن آدم خلق من أديم الأرض، فيه الطيب والصالح والرديء، فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح والرديء.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن عوف - وحدثنا محمد بن بشار وعمر بن شبة، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عوف. وحدثنا ابن بشار، قال حدثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب الثقفي، قالوا: حدثنا عوف. وحدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا عنبسة، عن عوف الأعرابي - عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنوا آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب، ثم بلت طينته حتى صارت طيناً لازباً، ثم تركت حتى صارت حمأ مسنوناً، ثم تركت حتى صارت صلصالاً كما قال الله تعالى: " ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون " .
وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق آدم من ثلاثة: من صلصال، ومن حمأ، ومن طين لازب. فأما اللازب فالجيد، وأما الحمأ فالحمئة، وأما الصلصال فالتراب المدقق، ويعني تعالى ذكره بقوله: " من صلصالٍ " ، من طين يابس له صلصلة، والصلصلة: الصوت.
وذكر أن الله تعالى ذكره لما خمر طينة آدم تركها أربعين ليلة، وقيل أربعين عاماً جسداً ملقى.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أمر الله تبارك وتعالى بتربة آدم فرفعت، فخلق آدم من طين لازب من حمأ مسنون. قال: وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب، قال: فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوت، قال: فهو قول الله تبارك وتعالى: " من صلصال كالفخار " ، يقول كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل في دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئاً للصلصلة، ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله للملائكة: " إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " ، فخلقه الله عز وجل بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول حين يتكبر تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه! فخلقه بشراً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعاً إبليس، فكان يمر به فيضر به فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة، فذلك حين يقول: " من صلصال كالفخار " ، ويقول: لأمر ما خلقت. ودخل من فيه وخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربك صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكته.
وحدثنا عن الحسن بن بلال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سلميان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: خمر الله تعالى طينة آدم عليه السلام أربعين يوماً، ثم جمعه بيديه، فخرج طيبه بيمينه، وخبيثه بشماله، ثم مسح يديه إحداهما على الأخرى، فخلط بعضه ببعض، فمن ثم يخرج الطيب من الخبيث، والخبيث من الطيب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يقال - والله أعلم: خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين يوماً قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالاً كالفخار، ولم تمسه نار، قال: فلما مضى له من المدة مامضى وهو طين صلصال كالفخار، وأراد عز وجل أن ينفخ فيه الروح، تقدم إلى الملائكة فقال لهم: إذا نفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
فلما نفخ فيه الروح أتته الروح من قبل رأسه، فيما ذكر عن السلف قبلنا أنهم قالوه.
ذكر من قال ذلك:
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فلما بلغ الحين الذي أراد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له قلما نفخ فيه الروح في رأسه عطس فقالت: الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله عز وجل له: رحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: " خلق الإنسان من عجل " ، " فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون في الساجدين " ، " أبى واستكبر وكان من الكافرين " ، فقال الله له: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " لما خلقتُ بيدي، قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين، قال الله له: " فاهبط منها فما يكون لك " - يعني ما ينبغي لك - " أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين " ، والصغار الذل.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال قلما نفخ الله عز وجل فيه - يعني في آدم - من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهض فلم يقدر فهو قول الله عز وجل " خلق الإنسان من عجل " ، قال: ضجراً لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، بإلهام الله، فقال: يرحمك الله يا آدم، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر، لما كان حدث به نفسه من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد، وأنا خير منه وأكبر سناً، وأقوى خلقاً، " خلقتني من نار وخلقته من طين " ، يقول إن النار أقوى من الطين، قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله تعالى، أيئسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً عقوبة لمعصيته.
حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فيقال - والله أعلم - : إنه لما أنتهى الروح إلى رأسه عطس فقال: الحمد لله، قال: فقال له ربه: يرحمك ربك، ووقعت الملائكة حين استوى سجوداً له، حفظاً لعهد الله الذي عهد إليهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به، وقام عدو الله إبليس من بينهم، فلم يسجد متكبراً متعظماً بغياً وحسداً، فقال: " يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيدي " إلى قوله: " لأملأن جهنم منكَ وممن تبعك منهم أجمعين " ، قال: فلما فرغ الله تعالى من إبليس ومعاتبته وأبى إلا المعصية أوقع الله عليه اللعنة، وأخرجه من الجنة.
حدثني محمد بن خلف، قال: حدثنا آدم بن أبي أياس، قال: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان، قال: حدثني محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي، عليه السلام، قال أبو خالد: وحدثني الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو خالد: وحدثني داود بن أبي هند عن الشعبي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله لعيه وسلم. قال أبو خالد: وحدثني ابن أبي ذباب الدوسي، قال: حدثني سعيد المقبري، ويزيد بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خلق الله عز وجل آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملأ من الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطس فقال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم. فأتاهم فقال: السلام عليك، فقالوا له: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه عز وجل فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم. فلما أظهر إبليس من نفسه ما كان له مخفياً فيها من الكبر والمعصية لربه، وكانت الملائكة قد قالت لربها عز وجل حين قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. فقال لهم ربهم: إني أعلم ما لا تعلمون، تبين لهم ما كان عنهم مستتراً، وعلموا أن فيهم من منه المعصية لله عز وجل والخلاف لأمره.
ثم علم الله عز وجل آدم الأسماء كلها، واختلف السلف من أهل العلم قبلنا في الأسماء التي علمها آدم: أخاصاً من الأسماء عُلم، أم عاماً؟ فقال بعضهم: علم اسم كل شيء.
ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر ابن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: علم الله تعالى آدم الأسماء كلها، وهي الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
حدثني احمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس، في قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال: علمه اسم كل شيء، حتى الفسوة والفسية.
حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجرمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس في قول الله عز وجل: " وعلم آدم الأسماء كلها " قال: علمه اسم كل شيء حتى الهنة والهنية، والفسوة والضرطة.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى ابن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " وعلم آدم الأسماء كلها " قال: ما خلق الله تعالى كله.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد: " وعلم آدم الأسماء كلها " قال: علمه اسم كل شيء.
حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: علمه اسم كل شيء، حتى البعير والبقرة والشاة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله عز وجل: " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال: علمه اسم كل شيء: هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا، وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " .
حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله عز وجل: " وعلم آدم الأسماء كلها " حتى بلغ " إنك أنت العليم الحكيم " ، قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه وألجأه إلى جنسه.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا حجاج، عن جرير بن حازم ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالا: علمه اسم كل شيء، هذا الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن،والوحش، وجعل يسمي كل شيء برسمه.
وقال آخرون: بل إنما علم اسماً خاصاً من الأسماء، قالوا: والذي علمه أسماء الملائكة.
ذكر من قال ذلك:حدثني عبدة المروزي، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله تعالى: " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال: أسماء الملائكة.
وقال آخرون مثل قول هؤلاء في أن الذي علم آدم من الأسماء اسماً خاصاً من الأشياء، غير أنهم قالوا الذي علم من ذلك أسماء ذريته.
ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: حدثنا أبن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله عز وجل: " وعلم آدم الأسماء كلها " ، قال: أسماء ذريته، فلما علم الله آدم الأسماء كلها عرض الله عز وجل أهل الأسماء على الملائكة، فقال لهم: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " ، وإنما قال ذلك عز وجل للملائكة - فيما ذكر - لقولهم إذ قال لهم: " إني جاعل في الأرض خليفة " : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " فعرض - بعد أن خلق آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح، وعلمه أسماء كل شيء - مما خلق من الخلق - عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أني إن جعلت منكم خليفتي في الأرض أطعتموني وسبحتموني وقدسمتموني ولم تعصوني، وإن جعلته من غيركم أفسد فيها وسفك، فإنكم إن لم تعلموا ما أسماؤهم وأنتم مشاهدوهم ومعاينوهم، فأنتم بألا تعلموا ما يكون من أمركم - إن جعلتُ خليفتي في الأرض منكم، أو من غيركم إن جعلته من غيركم، فهم عن أبصاركم غيب لا ترونهم ولا تعاينونهم ولم تخبروا بما هو كائن منكم ومنهم - أحرى.
وهذا قول روي عن جماعة من السلف
ذكر بعض من روى ذلك عنه
حدثني موسى بن هارون، قال حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " إن كنتم صادقين " أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " إن كنتم صادقين " ، إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة.
وقد قيل: إن الله جل جلاله قال ذلك للملائكة لأنه جل جلاله لما ابتدأ في خلق آدم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه، فلما خلق آدم عليه السلام وعلمه أسماء كل شيء عرض الأشياء التي علم آدم أسماءها عليهم، فقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في قيلكم: إن الله لم يخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه، وأكرم عليه منه.
ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله: " وإذ قال ربك الملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ، فاستشار الملائكة في خلق آدم عليه السلام فقالوا " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكرهُ إلى الله عز وجل من سفك الدماء والفساد في الأرض، " ونحن نسبح بحمدك ونقدسُ لك قال إني أعلمُ مالا تعلمون " فكان في علم الله عز وجل أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.
قال: وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله تعالى بخالق خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم عليه السلام - وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة - فقال الله تعالى: " ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين " .
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا: قال الله عز وجل للملائكة: " إني جاعل في الأرض خليفة " قال لهم: إني فاعل، فعرضوا برأيهم، فعلمهم علماً وطوى منهم علماً علمه لا يعلومونه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " - وقد كانت الملائكة علمت من علم الله تعالى أنه لا ذنب عند الله تعالى أعظم من سفك الدماء - " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون " ، فلما أخذ تعالى في خلق آدم عليه السلام همست الملائكة فيما بينهم، فقالوا: ليخلق ربنا عز وجل ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه، فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيراً منه، فنحن أعلم منه، لأنا كنا قبله، وخلقت الأمم قبله، فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا، فعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء، إن كنتم صادقين أتى لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالا: ففزع القوم إلى التوبة، وإليها يفزع كل مؤمن، فقالوا: " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " . لقولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم منا، قال: علمه أسم كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة، قال: " ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، قال: أما ما أبدوا فقولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، وأما ما كتموا فقولهم بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم.
حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " إلى قوله: " إنك أنت العليم الحكيم " ، قال: وذلك حين قالوا: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " إلى قوله " ونقدس لك " . قال: فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم: لن يخلق الله تعالى خلقاً إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم عليه، فأراد الله تعالى أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم أدم، وعلمه الأسماء كلها، وقال للملائكة: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " إلى " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، فكان الذي أبدوا حين قالوا: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ، وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم، فعرفوا أن الله عز وجل فضل عليهم آدم في العلم والكرم.
فلما ظهر للملائكة من استكبار إبليس ما ظهر، ومن خلافه أمر ربه ما كان مستتراً عنهم من ذلك، عاتبه ربه على ما أظهر من معصيته إياه لعنه بتركه السجود لآدم، فأصر على معصيته، وأقام على غيه وطغيانه - لعنه الله - فأخرجه من الجنة، وطرده منها، وسلبه ما كان أتاه من ملك السماء الدنيا والأرض، وعزله عن خزن الجنة فقال له جل جلاله: " فأخرج منها " ، يعني من الجنة " فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين " ، وهو بعد في السماء لم يهبط إلى الأرض.
وأسكن الله عز وجل حينئذ آدم جنته، كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخرج إبليس من الجنة حين لعن وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشياً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي، فقال الله تعالى: " يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله تعالى من معاتبة إبليس أقبل على آدم عليه السلام وقد علمه الأسماء كلها، فقال: " يا آدم أنبئهم بأسمائهم " إلى " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، قال: ثم ألقى السنة على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم - عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانها لحماً، وآدم عليه السلام نائم لم يهب من نومته، حتى خلق الله تعالى من ضلعه تلك زوجه حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون والله أعلم: لحمي ودمي وزوجي، فسكن إليها، فلما زوجه الله عز وجل وجعل له سكناً من نفسه، قال له قبلاً: " يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " .
حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجبح، عن مجاهد في قوله عز وجل: " وخلق منها زوجها " . قال: حواء من قصيري آدم، وهو نائم فاستيقظ فقال أثا بالنبطية، امرأة.
حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " وخلق منها زوجها " يعني حواء، خلقت من آدم من ضلع من أضلاعه.
القول في ذكر امتحان الله تعالى أبانا آدم
عليه السلام
وابتلائه إياه بما امتحنه به من طاعته، وذكر ركوب آدم معصية ربه بعد الذي كان أعطاه من كرامته وشريف المنزلة عنده، ومكنه في جنته من رغد العيش وهنيئه، وما أزال ذلك عنه، فصار من نعيم الجنة ولذيذ رغد العيش إلى نكد عيش أهل الأرض وعلاج الحرائة والعمل بالمساحي والزراعة فيها.
فلما أسكن الله عز وجل آدم عليه السلام وزوجه أطلق لهما أن يأكلا كل ما شاء أكله من كل ما فيها من ثمارها، غير ثمر شجرة واحدة ابتلاءً منه لهما ذلك، وليمضي قضاء الله فيهما وفي ذريتهما، كما قال عز وجل: " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلاً منها رغداً حيثُ شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " ، فوسوس لهما الشيطان حتى زين لهما أكل ما نهاهما ربهما عن أكله من ثمر تلك الشجرة، وحسن لها معصية الله في ذلك، حتى أكلا منها، فبدت لهما من سوأتهما ما كان موارى عنهما منها.
فكان وصول عدو الله إبليس إلى تزيين ذلك لهما ما ذكر في الخبر الذي حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لما قال الله عز وجل لآدم: " اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " ، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فمنعه الخزنة، فأتى الحية، وهي دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرت الحية على الخزنة فدخلت وهم لا يعلمون، لما أراد الله عز وجل من الأمر، فكلمه من فمها ولم يبال كلامه، فخرج إليه فقال: " يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " ، يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله تبارك وتعالى أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبداً. وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين، وإنما أراد بذلك أن يبدي لهما ما تواري عنهما من سوءاتهما بهتك لباسهما، وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك،وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كل، فإني قد أكلتُ، فلم يضرني، فلما أكل بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ليث ابن أبي سليم، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس، قال: إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دواب الأرض: أيها تحمله حتى تدخل به الجنة حتى يكلم آدم وزوجه، فكل الدواب أبى ذلك عليه، حتى كلم الحية، فقال لها: أمنعك من بني آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتني الجنة، فجعلته بين نابين من أنيابها ثم دخلت به، فكلمهما من فمها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله تعالى وجعلها تمشي على بطنها، قال: يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وجدتموها، وأخفروا ذمة عدو الله فيها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مهرب، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله تعالى آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية، وكان للحية أربع قوائم، كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلى آدم، فقالت: أنظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوأتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم، أين أنت؟ قال: أنا هذا يا رب قال: ألا تخرج قال: أستحي منك يا رب ملعونة الأرض التي خلقت منها لعنة حتى يتحول ثمارها شوكاً! قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرة كانت أفضل من الطلح والسدر. ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي، فإنك لا تحملين حملاً إلا حملته كرهاً، فإذا أردت أن تصغي ما في بطنك حتى غر عبدي، قال: أشرفت على الموت مراراً وقال: للحية أنت التي دخل الملعون في بطنك حتى غر عبدي ملعونة أنت لعنة حتى تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحداً منهم أخذتٍ بعقبه، وحيث لقيك شدخ رأسك.
قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله تعالى آدم وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رغداً حيث شاءا، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حواء، ووسوس إلى آدم فقال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " قال: فقطعت حواء الشجرة فدميت الشجرة، وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما، " وطفقا يخصفانِ عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين " لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية، قال للحية: لم أمرتها؟ قالت أمرني إبليس، قال: ملعون مدحور! أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال، وأما أنتِ يا حية، فأقطع قوائمك فتمشين جرياً على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدو.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني محدث أن الشيطان دخل ا لجنة في صورة دابة ذات قوائم، فكان يرى أنه البعير، قال: فلعن، فسقطت قوائمه فصار حية.
حدثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: وحدثني أبو العالية، قال: إن من الإبل ما كان أولها من الجن. قال: فأبيحت له الجنة كلها - يعني آدم - إلا الشجرة، وقبل لهما: " لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " ، قال: فأتى الشيطان حواء فبدأ بها، فقال: نهيتما عن شيء؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرة، فقال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " . قال فبدت حواء فأكلت منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال: وكانت شجرة، من أكل منها أحدث، قال: لا ينبغي أن يكون في الجنة حدث، قال: " فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه " ، قال: فأخرج آدم من الجنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم أن آدم عليه السلام حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة، وما أعطاه الله منها، قال: لو أنا خلدنا! فاغتمز فيها من الشيطان لما سمعها منه، فأتاه من قبل الخلد.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح عليهما نياحة أخزنتهما حين سمعاها، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما، ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ وقال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " ، أي تكونا ملكين أو تخلدان، أي إن لم تكونا ملكين في نعمة الجنة فلا تموتان يقول الله عز وجل: " فدلاهما بغرور " .
حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله سبحانه وتعالى: " فوسوس " : وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسنها في عين آدم، قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت لا: إلا أن تأتي ها هنا، فلما أتى قالت: لا، إلا أن تأكل من هذه الشجرة، قال: فأكلا منها، فبدت لهما سوءاتهما. قال: وذهب آدم هارباً في الجنة، فناداه ربه: يا آدم، أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن حياءً منك، قال: يا آدم، أني أتيت؟ قال: من قبل حواء يا رب، فقال الله عز وجل: فإن لها على أن أدميها في كل مرة، كما أدمت هذه الشجرة، وأن أجعلها سفيهة، وقد كنت خلقتها حيلة وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً، وقد كنت جعلتها تحمل يسراً وتضع يسراً. قال ابن زيد: ولولا البلية التي أصابت حواء لكان نساء أهل الدنيا لا يحضن، ولكن حليمات، ولكن يحملن يسراً ويضعن يسراً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها، فأكل منها. فلما واقع آدم وحواء الخطيئة، أخرجهما الله تعالى من الجنة وسلبهما ما كانا فيه من النعمة والكرامة، وأهبطهما وعدوهما إبليس والحية إلى الأرض، فقال لهم ربهم: اهبطوا بعضكم لبعض عدو.
وكالذي قلنا في ذلك قال السلف من أهل العلم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السدي، قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: " اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدو " ، قال: آدم وحواء وإبليس والحية.
حدثنا سفيان بن وكيع، وموسى بن هارون، قالا: حدثنا عمرو ابن حماد، عن أسباط، عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " ، فلعن الحية فقطع قوائمها، وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب، وأهبط إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية.
حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: " اهبطوا بعضكم لبعض عدو " ، قال: آدم وحواء وإبليس والحية.
القول في قدر مكث آدم في الجنة
ووقت خلق الله عز وجل إياه ووقت إهباطه إياه من السماء إلى الأرض
قد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله عز وجل خلق آدم عليه السلام يوم الجمعة، وأنه أخرجه فيه من الجنة، وأهبطه إلى الأرض فيه، وأنه فيه تاب عليه، وفيه قبضه.
ذكر الأخبار عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم بذلك
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عبادة، عن سعد بن عبادة، عن رسول اله صلى الله عليه وسلم، قال: " إن في الجمعة خمس خلال فيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها ربه شيئاً إلا أعطاه الله إياه، ما لم يسأل إثماً أو قطيعة، وفيه: تقوم الساعة، وما من ملك مقرب، ولا سماء ولا جبل ولا أرض ولا ريح، إلا مشفق من يوم الجمعة " .
حدثني محمد بن بشار ومحمد بن معمر، قالا: حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن أبي لبابة بن عبد المنذر، أن البني صلى الله عليه وسلم قال: " سيد الأيام يوم الجمعة، وأعظمها وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم النحر، وفيه خمس خلال: خلق الله تعالى فيه آدم، وآهبطه فيه إلى الأرض، وفيه توفي الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد شيئاً إلا أعطاه إياه ما لم يكن حراماً. وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا رياح ولا بحر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة، أن تقوم فيه الساعة " .
واللفظ لحديث ابن بشار.
حدثنا محمد بن معمر، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا زهير ابن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن عبادة، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير: فقال: " فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفي آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله إياه، ما لم يسأل مأثماً أو قطيعة، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا ريح إلا هن يشفقن من يوم الجمعة " .
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير يوم طلعت الشمس عليه يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة وأخرج منها " .
حدثني بحر بن نصر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سيد الأيام يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة " .
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا شعيب بن الليث، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم تطلع الشمس على يوم مثل يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أخرج من الجنة، وفيه أعيد فيها " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور ومغيرة، عن زياد بن كليب أبي معشر، عن إبراهيم، عن القرثع الضي - وكان القرثع من القراء الأولين - قال: قال سلمان: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، يقولها ثلاثاً: " يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ فيه جمع أبوك " ، أو " أبوكم " .
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا شيبان ، عن يحيى، عن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة يحدث أنه سمع كعباً يقول: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة.
حدثني الحسين بن يزيد الأدمي، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، قال: إن أول يوم طلعت فيه شمسه يوم الجمعة، وهو أفضل الأيام: فيه خلق الله تعالى ذكره آدم، خلقه على مثل صورته، فلما فرغ عطس آدم فألقى الله تعلى عليه الحمد، فقال الله: يرحمك ربك.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، عن أبي كدينة، عن مغيرة، عن زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن القرثع، عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدري ما يوم الجمعة؟ هو يوم جمع فيه أبوك " ، أو " أبوكم آدم " عليه السلام.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال سلمان. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا سلمان، أتدري ما يوم الجمعة؟ " مرتين أو ثلاثاً، قال: " هو اليوم الذي جمع فيه أبوكم آدم " ، أو " جمع فيه أبوكم " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حسن بن عطية، قال: حدثنا قيس، عن الأعمش، عن إبراهيم. عن القرثع، عن سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدري ما الجمعة " ؟ أو قال: كذا، " فيها جمع أبوكم آدم " .
حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة، عن منصور، عن إبراهيم، عن القرثع، عن سلمان، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: لا، قال: " فيه جمع أبوك " .
ذكر الوقت الذي فيه خلق آدم عليه السلام
من يوم الجمعة والوقت الذي أهبط إلى الأرض
اختلف في ذلك، فروي عن عبد الله بن سلام وغيره في ذلك ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا بن إدريس، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة - يقللها - لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها خيراً إلا آتاه الله إياه " ، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، قال الله عز وجل: " خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي وعبدة بن سلمان وأسد بن عمرو، عن محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وذكر فيه كلام عبد الله بن سلام بنحوه.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله عز وجل: " خلق الإنسان من عجل " ، قال: قول آدم حين خلق بعد كل شيء آخر النهار من يوم الجمعة، خلق الخلق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.
حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: " خلق الإنسان من عجل " ، قال: آدم حين خلق بعد كل شيء، ثم ذكره نحوه، غير أنه قال في حديثه: استعجل بخلقي، قد غربت الشمس.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " خلق الإنسان من عجل، قال: على عجل خلق آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين - يريد يوم الجمعة وخلقه على عجلة وجعله عجولاً.
وقد زعم بعضهم أن الله عز وجل أسكن آدم وزوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة، وقيل لثلاث ساعات مضين منه، وأهبطه إلى الأرض لسبع ساعات مضين من ذلك اليوم، فكان مقدار مكثهما في الجنة خمس ساعات منه. وقيل: كان ذلك ثلاث ساعات. وقال بعضهم: أخرج آدم عليه السلام من الجنة الساعة التاسعة أو العاشرة.
ذكر من قال ذلك:قال أبو جعفر: قرأتُ على عبدان بن محمد المروزي، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أنس عن أبي العالية، قال: أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فقال لي: نعم، لخمسة أيام مضين من نيسان.
فإن كان قائل هذا القول أراد الله أو تبارك وتعالى أسكن أدم وزوجته الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من أيام أهل الدنيا التي هي على ما هي به اليوم، فلم يبعد قوله من الصواب في ذلك، لأن الأخبار إذا كانت واردة عن السلف من أهل العلم، بأن آدم خلق في آخر ساعة من اليوم السادس من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة وسنيننا. فمعلوم أن الساعة الواحدة من ساعات اليوم الواحد منها ألف سنة من سنينا. فمعلوم أن الساعة الواحدة من ساعات ذلك اليوم ثلاثة وثمانون عاماً من أعوامنا، وقد ذكرنا أن آدم بعد أن خمر ربنا عز وجل طينته بقي قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين عاماً، وذلك لا شك أنه عني به من أعوامنا وسنيننا، ثم من بعد أن نفخ فيه الروح إلى أن تناهى أمره، وأسكن الفردوس، وأهبط إلى الأرض - غير مستنكر أن يكون كان مقداره من سنيننا قدر خمس وثلاثين سنة. فإن كان أراد أنه أسكن الفردوس لساعتين مضتا من نهار يوم الجمعة من الأيام التي مقدار اليوم الواحد منها ألف سنة من سنيننا، فقد قال غير الحق، وذلك أن جميع من حفظ له قول من ذلك من أهل العلم، فإنه كان يقول إن آدم نفخ فيه الروح في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس من ذلك اليوم. ثم الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن الله تبارك وتعالى أسكنه الجنة فيه، وفيه أهبطه إلى الأرض. فإن كان ذلك صحيحاً. فمعلوم أن آخر ساعة من نهار يوم من أيام الآخرة ومن الأيام التي اليوم الواحد منها مقداره ألف سنة من سنيننا، إنما هي ساعة بعد مضي إحدى عشرة ساعة. وذلك ساعة من اثنتى عشرة ساعة، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر من سنيننا، فآدم صلوات الله عليه إذ كان الأمر كذلك، إنما خلق لمضي إحدى عشرة ساعة من نهار يوم الجمعة من الأيام التي اليوم الواحد منها ألف سنة من سنينا، فمكث جسداً ملقى لم ينفخ فيه الروح أربعين عاماً من أعوامنا. ثم نفخ فيه الروح. فكان مكثه في السماء بعد ذلك ومقامه في الجنة، إلى أن أصاب الخطيئة وأهبط إلى الأرض ثلاثاً وأربعين سنة من سنيننا وأربعة أشهر، وذلك ساعة من ساعات يوم من الأيام الستة التي خلق الله تعالى فيها الخلق.
وقد حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: خرج آدم من الجنة بين الصلاتين: صلاة الظهر وصلاة العصر، فأنزل إلى الأرض وكان مكثه في الجنة نصف يوم يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة سنة، من يوم كان مقداره اثنتى عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا، وهذا أيضاً قول خلاف ما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن السلف من علمائنا.
القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء
إليه من الأرض حين أهبط إليها
ثم إن الله عز وجل أهبط آدم قبل غروب الشمس من اليوم الذي خلقه فيه وذلك يوم الجمعة - من السماء مع زوجته، وأنزل آدم - فيما قال علماء سلف أمة نبينا صلى الله عليه وسلم - بالهند.
ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك منهم:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: أهبط الله عز وجل آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند.
حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عمران بن عيينة، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إن أول ما أهبط الله تعالى آدم أهبطه بدهنا أرض الهند.
حدثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: أهبط آدم إلى الهند.
حدثني ابن سنان، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أطيب أرضٍ في الأرض ريحاً أرض الهند، أهبط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الحنة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى اجتمعا، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، وتعارفا بعرفات، فلذلك سميت عرفات، واجتمعا بجمع فلذلك سميت جمعاً. قال: وأهبط آدم على جبل بالهند يقال له بوذ.
حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القتّ، قال: قال لي مجاهد: لقد حدثنا عبد الله بن عباس آن آدم نزل حين نزل بالهند.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وأما أهل التوراة فإنهم قالوا: أهبط آدم بالهند على جبل يقال له واسم، عند واد يقال له بهيل بين الدهنج والمندل: بلدين بأرض الهند. قالوا: وأهبطت حواء بجدة من أرض مكة.
وقال آخرون: بل أهبط آدم بسر نديب، على جبل يدعى بوذ، وحواء بجدة من أرض مكة، وإبليس بميسان، والحية بأصبهان. وقد قيل: أهبطت الحية بالبرية، وإبليس بساحل بحر الأبلة.
وهذا مما لا يوصل إلى علم صحته إلى بخبر يجيئ مجيء الحجة، ولا يعلم خبرٌ في ذلك ورد كذلك، غير ما ورد من خبر هبوط آدم بأرض الهند، فإن ذلك مما لا يدفع صحته علماء الإسلام وأهل التوراة والإنجيل، والحجة قد ثبتت بأخبار بعض هؤلاء.
وذكر أن الجبل الذي أهبط عليه آدم عليه السلام ذروته من أقرب ذراً جبال الأرض إلى السماء، وأن آدم حين أهبط عليه كانت رجلاه عليه ورأسه في السماء يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم، فكان آدم يأنس بذلك، وكانت الملائكة تهابه، فنقص من طول آدم لذلك.
ذكر من قال ذلك:حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله عز وجل آدم من الجنة كان رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله تعالى في دعائها وفي صلاتها، فخفضه إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى عز وجل في دعائه وصلاته، فوجه إلى مكة فصار موضع قدمه قرية، وخطوته مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله تعال ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله تعالى الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة حتى بعث الله تعالى إبراهيم الخليل عليه السلام فبناه، فذلك قوله تعالى " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " .
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم، فكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم، إني أهبط لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلي عند عرشي. فانطلق إليه آدم عليه السلام، فخرج ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوة مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك، فأتى آدم عليه السلام البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما خط من طول آدم عليه السلام إلى ستين ذراعا أنشأ يقول: رب، كنتُ جارك في دارك، ليس لي رب غيرك ولا رقيب دونك، آكل فيها رغداً، وأسكن حيث أحببت ، فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس، فكنت أسمع أصوات الملائكة، وأراهم كيف يحفون بعرشك، وأجد ريح الجنة وطيبها، ثم أهبطتني إلى الأرض، وحططتني إلى ستين ذراعاً، فقد انقطع عني الصوت والنظر، وذهب عني ريح الجنة، فأجابه الله عز وجل: لمعصيتك يا آدم فعلتُ ذلك بك، فلما رأى الله تعالى عري آدم حواء أمره أن يذبح كبشاً من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل من الجنة، فأخذ كبشاً فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء، ونسجه هو وحواء، فنسج أدم جبة لنفسه، وجعل لحواء درعاً وخماراً، فلبسا ذلك وأوحى الله تعالى إلى آدم إن لي حرماً بحيال عرشي، فانطلق فابن لي فيه بيتاً ثم حف به كما رأيت ملائكي يحفون بعرشي، فهنالك أستجيبُ لك ولولدك، من كان منهم في طاعتي، فقال آدم: أي رب، فكيف لي بذلك، لست أقوى عليه ولا أهتدي له! فقيض الله له ملكاً، فانطلق به نحو مكة، فكان آدم إذ أمر بروضة ومكان يعجبه قال للملك: انزل بنا ها هنا، فيقول له الملك: مكانك، حتى قدم مكة، فكان كل مكان نزل به صار عمراناً، وكل مكان تعداه صار مفاوز وقفاراً، فبنى البيت من خمسة أجبل: من طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجودي، وبنى قواعده من حراء، فلما فرغ من بنائه خرج به الملكُ إلى عرفات، فأراه المناسك كلها التي تفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة، فطاف بالبيت أسبوعاً، ثم رجع إلى أرض الهند، فمات على بوذ.
حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القت، قال: قال لي مجاهد: لقد حدثني عبد الله ابن عباس أن آدم عليه السلام نزل حين نزل بالهند، ولقد حج منها أربعين حجة على رجليه، فقلت له: يا أبا الحجاج، ألا كان يركب؟ قال: فأي شيء كان يحمله! فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيام، وإن كان رأسه ليبلغ السماء، فاشتكت الملائكة نفسه، فهمزه الرحمن همزة، فتطأطأ مقدار أربعين سنة.
حدثني صالح بن حرب أبو معمر مولى بني هاشم، قال: حدثنا ثمامة بن عبيدة السلمى، قال: أخبرنا أبو الزبير، قال: قال نافع: سمعت ابن عمر، يقول: إن الله تعالى أوحى إلى أدم عليه السلام وهو ببلاد الهند: أن حج هذا البيت. فحج أدم من بلاد الهند، فكان كلما وضع قدمه صار قرية، وما بين خطوتيه مفازة، حتى انتهى إلى البيت فطاف به، وقضى المناسك كلها، ثم أراد الرجوع إلى بلاد الهند فمضى، حتى إذا كان بمأزمى عرفات، تلقته الملائكة، فقالوا: برحجك يا آدم! فدخله من ذلك عجب، فلما رأت الملائكة ذلك منه قالوا: يا آدم، إنا قد حججنا هذا البيت قبل أن تخلق بألفي سنة، قال: فتقاصرت إلى آدم نفسه.
وذكر أن آدم عليه السلام أهبط إلى الأرض، وعلى رأسه إكليل من شجر الجنة، فلما صار إلى الأرض، ويبس الإكليل، تحات ورقه فنبت منه أنواع الطيب.
وقال بعضهم: بل كان ذ لك ما أخبر الله عنهما، أنهما جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، فلما يبس ذلك الورق الذي خصفاه عليهما تحات فنبت من ذلك الورق أنواع الطيب. والله أعلم.
وقال آخرون: بل لما علم آدم أن الله عز وجل مهبطه إلى الأرض، جعل لا يمر بشجرة من شجر الجنة إلا أخذ غصناً من أغصانها فهبط إلى الأرض وتلك الأغصان معه، فلما يبس ورقها تحات، فكان ذلك أصل الطيب.
ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو همام، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القتّ قال: قال لي مجاهد: لقد حدثني عبد الله ابن عباس، أن آدم حين خرج من الجنة كان لا يمر بشيء إلا عبث به، فقيل للملائكة: دعوه فليتزود منها ما شاء، فنزل حين نزل بالهند، وإن هذا الطيب الذي يجاء به من الهند مما خرج به آدم من الجنة.
ذكر من قال:كان على رأس آدم عليه السلام حين أهبط من الجنة إكليل من شجر الجنة: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: خرج آدم من الجنة، فخرج منها ومعه عصا من شجر الجنة، وعلى رأسه تاج أو إكليل من شجر الجنة، قال: فأهبط إلى الهند، ومنه كل طيب بالهند.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: هبط آدم عليه - يعني على الجبل الذي هبط عليه - ومعه ورق من ورق الجنة، فبثه في ذلك الجبل، فمنه كان أصل الطيب كله، وكل فاكهة لا توجد إلا بأرض الهند.
وقال آخرون: بل زوده الله من ثمار الجنة، فثمارنا هذه من تلك الثمار.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي وعبد الوهاب ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قسامة بن زهير، عن الأشعري، قال: إن الله تبارك وتعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال آخرون: إنما علق بأشجار الهند طيب ريح آدم عليه السلام.
ذكر من قال إنما صار الطيب بالهند
لأن آدم حين أهبط إليها علق بأشجارها طيب رحيه
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل آدم عليه السلام معه ريح الجنة، فعلق بشجرها وأوديتها وامتلأ ما هنالك طيباً، فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح الجنة.
وقالوا: أنزل معه من طيب الجنة.
وقال: أنزل معه الحجر الأسود، وكان أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى، وكان من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ومر ولبان، ثم أنزل عليه بعد ذلك العلاة والمطرقة والكلبتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل، فقال: هذا من هذا، فجعل يكسر أشجاراً قد عتقت ويبست بالمطرقة، ثم أوقد على ذلك الغصن حتى ذاب، فكان أول شيء ضربه مدية، فكان يعمل بها ثم ضرب التنور، وهو الذي ورثه نوح، وهو الذي فار بالعذاب بالهند.
وكان آدم حين هبط يمسح رأسه السماء، فمن ثم صلع، وأورث ولده الصلع ونفرت من طوله دواب البر، فصارت وحشاً من يومئذ، وكان آدم عليه السلام وهو على ذلك الجبل قائم يسمع أصوات الملائكة،ويجد ريح الجنة، فحط من طوله ذلك إلى ستين ذراعاً، فكان ذلك طوله إلى أن مات. ولم يجمع حسنُ آدم عليه السلام لأحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام.
وقيل: إن من الثمار التي زود الله عز وجل آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ثلاثين نوعاً: عشرة منها في القشور وعشرة لها نوى، وعشرة لا قشور لها ولا نوى. فأما التي في القشور منها فالجوز، واللوز، والفستق، والبندق، والخشخاش، والبلوط، والشاهبلوط، والرانج، والرمان، والموزُ. وأما التي لها نوى منها فالخوخ، والمشمش، والإجاص، والرطب، والغبيراء، والنبق، والزعرور، والعناب، والمقل، والشاهلوج. وأما التي لا قشور لها ولا نوى فالتفاح، والسفرجل، والكمثرى، والعنب، والتوت، والتين، والأترج، والخرنوب، والخيار، والبطيخ.
وقيل: كان مما أخرج آدم معه من الجنة صرة من حنطة، وقيل: إن الحنطة إنما جاءه بها جبرئيل عليه السلام بعد أن جاع آدم، واستطعم ربه، فبعث الله إليه مع جبرئيل عليه السلام بسبع حبات من حنطة، فوضعها في يد آدم عليه السلام، فقال آدم لجبرئيل: ما هذا؟ فقال له جبرئيل: هذا الذي أخرجك من الجنة، وكان وزن الحبة منها مائة ألف درهم وثمانمائة درهم، فقال آدم ما أصنع بهذا؟ قال: انثره في الأرض ففعل، فأنبته الله عز وجل من ساعته، فجرت سنة في ولده البذر في الأرض، ثم أمره فحصده، ثم أمره فجمعه وفركه بيده، ثم أمره أن يذريه، ثم أتاه بحجرين فوضع أحدها على الآخر فطحنه، ثم أمره أن يعجنه، ثم أمره أن يخبزه ملةً، وجمع له جبرئيل عليه السلام الحجر والحديد فقدحه، فخرجت منه النار، فهو أول من خبز الملة.
وهذا القول الذي حكيناه عن قائل هذا القول، خلاف ما جاءت به الروايات عن سلف أمة نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المثنى بن إبراهيم حدثني أن إسحاق حدثه، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، وعن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوءاتهما أضفارهما،وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ورق التين يلصقان بعضها إلى بعض، فانطلق آدم مولياً في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة فناداه: يا آدم، أمني تفر؟ قال: لا، ولكني استحيتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمتُ عليك! قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبتُ أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال - وهو قول الله تبارك وتعالى: " وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " - قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، فلا تنال العيش إلا كداً. قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان فيها رغداً، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد،وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصده، ثم داسه، ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحدث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو الذي قال الله عز وجل: " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " ، فكان ذلك شقاؤه.
فهذا الذي قاله هؤلاء هو أولى بالصواب، وأشبه بما دل عليه كتاب ربنا عز وجل، وذلك أن الله عز ذكره لما تقدم إلى آدم وزوجته حواء بالنهي عن طاعة عدوهما، قال لآدم: " يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " ، فكان معلوماً أن الشقاء الذي أعلمه أنه يكون إن أطاع عدوه إبليس، هو مشقة الوصول إلى ما يزيل الجوع والعري عنه، وذلك هي الأسباب التي بها يصل أولاده إلى الغذاء، من حراثة وبذر وعلاج وسقي، وغير ذلك من الأسباب الشاقة المؤلمة. ولو كان جبرئيل أتاه بالغذاء الذي يصل إليه ببذره دون سائر المؤن غيره، لم يكن هناك من الشقاء الذي توعده به ربه على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن كبير خطب، ولكن الأمر كان - والله أعلم - على ما روينا عن ابن عباس وغيره.
وقد قيل: إن أدم عليه السلام نزل معه السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.
ذكر من قال ذلك:حدثنا أبن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام: السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.
ثم إن الله عز ذكره فيما ذكر أنزل آدم من الجبل الذي أهبطه عليه إلى سفحه، وملكه الأرض كلها، وجميع ما عليها من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك، وأن آدم عليه السلام لما نزل من رأس ذلك الجبل، وفقد كلام أهل السماء، وغابت عنه أصوات الملائكة، ونظر إلى سعة الأرض وبسطتها، ولم ير فيها أحداً غيره، استوحش فقال: يا رب، أما لأرضك هذه عامر يسبحك غيري!
فأجيب بما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد ابن معقل، أنه سمع وهباً يقول: إن آدم لما أهبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحداً غيره قال: يا رب، أما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدس لك غيري! قال الله: إني سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي ويقدسني، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري، ويسبح فيها خلقي، ويذكر فيها أسمي، وسأجعل من تلك البيوت بيتاً أخصه بكرامتي، وأوثره باسمي، وأسميه بيتي أنطقه بعظمتي، وعليه وضعت جلالي. ثم أنا مع ذلك في كل شيء ومع كل شيء، أجعل ذلك البيت حرماً آمناً يحرمُ بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي، ومن أخاف أهله فيه فقد أخفر ذمتي، وأباح حرمتي. أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركاً، يأتونه شعثاً غبراً على كل ضامر، من كل فج عميق، يرجون بالتلبية رجيجاً، ويثجون بالبكاء ثجيجاً، ويعجون بالتكبير عجيجاً، فمن اعتمده ولا يريد غيره فقد وفد إلي وزارني وضافني، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كلاً بحاجته. تعمره يا آدم ما كنت حياً، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن.
ثم أمر آدم عليه السلام - فيما ذكر - أن يأتي البيت الحرام الذي أهبط له إلى الأرض، فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول عرش الله، وكان ذلك ياقوتة واحدة، أو درة واحدة كما حدثني الحسن ين يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبان، أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه، فبوأه الله عز وجل لإبراهيم فبناه، وقد ذكرتُ الأخبار الواردة بذلك فيما مضى قبل.
فذكر أن آدم عليه السلام بكى واشتد بكاؤه على خطيئته، وندم عليها، وسأل الله عز وجل قبول توبته، وغفران خطيئته، فقال في مسألته إياه: ما سأل من ذلك، كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " قال: أي رب، ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال أي رب، ألم تنفح في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن تبتُ وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى، قال: فهو قوله تعالى: " فتلقى آدم من ربه كلمات " .
حدثني بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله تعالى " فتلقى آدم من ربه كلمات " ذكر لنا أنه قال: يا رب: أرأيت إن أنا تبتُ وأصلحت! قال: إذا أرجعك إلى الجنة، قال: وقال الحسن: إنهما قالا: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " .
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان وقيس، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله عز وجل: " فتلقى آدم من ربه كلمات " قال: قوله: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " .
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: أخبرنا أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباسن قال: أنزل آدم معه حين أهبط من الجنة الحجر الأسود، وكان أشد بياضاً من الثلج، وبكى آدم وحواء على ما فاتهما - يعني من نعيم الجنة - مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ثم أكلا وشربا، وهما يؤمئذ على بوذ، الجبل الذي أهبط عليه آدم ولم يقرب حواء مائة سنة.
حدثنا أبو همام، قال: حدثني أبي، قال: حدثني زياد بن خيثمة، عن أبي يحيى بائع القت، قال: قال لي مجاهد، ونحن جلوس في المسجد: هل ترى هذا؟ قلتُ: يا أبا الحجاج، الحجر؟ قال: كذلك تقول؟ قلت: أو ليس حجراً؟ قال: فوالله لحدثني عبد الله بن عباس أنها ياقوتة بيضاء خرج بها آدم من الجنة، كان يمسح بها دموعه، و أن آدم لم ترقأ دموعه منذ خرج من الجنة حتى رجع إليها ألفي سنة، وما قدر منه إبليس على شيء، فقلت له: يا أبا الحجاج، فمن أي شيء اسود؟ قال: كان الحيض يلمسنه في الجاهلية، فخرج آدم عليه السلام من الهند يؤم البيت الذي أمره الله عز وجل بالمصير إليه، حتى أتاه، فطاف به، ونسك المناسك، فذكر أنه ألتقى هو وحواء بعرفات، فتعارفا بها، ثم ازدلف إليها بالمزدلفة، ثم رجع إلى الهند مع حواء، فاتخذا مغارة يأويان إليها في ليلهما ونهارهما، وأرسل الله إليهما ملكاً يعلمهما ما يلبسانه ويستتران به، فزعموا أن ذلك كان من جلود الضأن والأنعام والسباع. وقال بعضهم: إنما كان ذلك لباس أولادهما، فأما آدم وحواء فإن لباسهما كان ما كانا خصفاً على أنفسهما من ورق الجنة. ثم إن الله عز ذكره مسح ظهر آدم عليه السلام بنعمان من عرفة، وأخرج ذريته، فنثرهم بين يديه كالذر، فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، كما قال عز وجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " .
وقد حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً، وقال: " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة " إلى قوله: " بما فعل المبطلون " .
حدثني عمران بن موسى القزاز، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال:حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " ، قال: مسح ربنا ظهر آدم، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذه - وأشار بيده - فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
حدثنا ابن وكيع ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله عز وجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " ، قال: مسح ظهر آدم فخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان، هذا الذي وراء عرفة، وأخذ ميثاقهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، واللفظ لحديث يعقوب.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أهبط آدم حين أهبط فمسح الله ظهره، فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم تلى: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " ، فجف القلم من يومئذ بما هو كائن إلى يوم القيامة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " ، قال: لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام أخذ ذريته من ظهره مثل الذر، فقبض قبضتين، فقال لأصحاب اليمين: أدخلوا الجنة بسلام، وقال للآخرين: ادخلوا النار ولا أبالي.
حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا روح بن عبادة وسعد بن عبد الحميد بن جعفر عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " ، فقال عمر:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه واستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العلم؟ قال: " إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عملٍ من عمل أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعملٍ أهل النار حتى يموت على عملٍ من عمل أهل النار فيدخله النار " .
وقيل: إنه أخذ ذرية آدم عليه السلام من ظهره بدحنا.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قال: لما خلق الله عز وجل آدم مسح ظهره بدحنا فأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، قال: فيرون يومئذ، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: أخرج الله ذرية آدم من صلبه في السماء قبل أن يهبطه إلى الأرض، وبعد أن أخرجه من الجنة.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى " ، قال: أخرج الله آدم من الجنة ولم يهبطه من السماء، ثم إنه مسح من آدم صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية كهيئة الذر بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم: أدخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه كهيئة الذر سوداً، فقال: أدخلوا النار ولا أبالي. فذلك حين يقول: " أصحاب اليمين " و " أصحاب الشمال " . ثم أخذ الميثاق فقال: ألست بربكم؟ قالوا بلى، فأعطاه طائفة طائعين، وطائفة على وجه التقية.
ذكر الأحداث التي كانت في عهد آدم
عليه السلام بعد أن أهبط إلى الأرض
فكان أول ذلك قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل، وأهل العلم يختلفون في اسم قابيل، فيقول بعضهم: هو قين بن آدم، ويقول بعضهم: هو قايين ابن آدم.ويقول بعضهم: هو قاين: ويقول بعضهم: هو قابيل.
واختلفوا أيضاً في السبب الذي من أجله قتله:
فقال بعضهم في ذلك ما حدثني به موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان لا يولد لآدم مولودٌ إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان، يقال لهما قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوجها، فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قرباناً إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما وأتى مكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم، هل تعلم أن لي بيتاً في الأرض؟ قال: اللهم لا، قال: فإن لي بيتاً بمكة فأته، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال: فأبت، فقال لقابيل، فقال نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قربا قرباناً، وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحق بها منك هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي، فلما قربا، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل فغضب، وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل: " إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت لي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك " ، إلى قوله: " فطوعت له نفسه قتل أخيه " ، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنمه في جبل وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، فمات وتركه بالعراء، لا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه قال: " يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي " ، فهو قوله عز وجل: " فبعث الله غراباً يبحثُ في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه " . فرجع آدم فوجد ابنه قد قتل آخاه، فذلك حين يقول الله عز وجل: " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال " - إلى آخر الآية - " إنه كان ظلوماً جهولاً " . يعني قابيل حين حمل أمانة آدم، ثم لم يحفظ له أهله.
وقال آخرون: كان السبب في ذلك أن آدم كان يولد له من حواء في كل بطن ذكر وأنثى فإذا بلغ الذكر منهما زوج منه ولده الأنثى التي ولدت مع أخيه الذي ولد في البطن الآخر، قبله أو بعده.
فرغب قابيل بتوءمته عن هابيل.
كما حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجمرة، وهو متقنع متوكئ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصواف، وقف يحدثني عن ابن عباس، قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توءمها، وينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد في كل بطن رجل وامرأة، فولدت امرأة وسيمة وولدت امرأة قبيحة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، قال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قرباناً فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله، فلم يزل ذلك الكبش محبوساً عند الله عز وجل حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصفا، في ثبير، عند منزل سمرة الصواف، وهو على يمينك حين ترمي الجمار.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول، أن آدم عليه السلام كان يغشي حواء في الجنة قبل أن تصيب الخطيئة، فحملت له بقين بن آدم وتوءمته، فلم تجد عليهما وحماً لا وصباً، ولم تجد عليهما طلقاً حين ولدتهما، ولم تر معهما دماً لظهر الجنة، فلما أكلا من الشجرة وأصابا المعصية، وهبطا إلى الأرض واطمأنا بها تغشاها، فحملت بهابيل وتوءمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب، ووجدت حين ولدتهما الطلق ورأت معهما الدم، وكانت حواء - فيما يذكرون - لا تحمل إلا توءماً ذكراً وأنثى، فولدت حواء لآدم أربعين ولداً لصلبه من ذكر وأنثى في عشرين بطناً، وكان الرجل منهم أي أخواته شاء تزوج إلا توءمته التي تولد معه، فإنها لا تحل له، وذلك أنه لم يكن نساء يومئذ إلا أخواتهم وأمهم حواء.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول أن آدم أمر ابنه قيناً أن ينكح توءمته هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توءمته قينا، فسلم لذلك هابيل ورضي وأبى ذلك قين وكره تكرماً عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال، نحن ولادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي - ويقول بعض أهل العلم من أهل الكتاب الأول: بل كانت أخت قين من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه، وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان - فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك فأبى قين أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه يا بني فقرب قرباناً، ويقرب أخوك هابيل قرباناً فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها، وكان قين على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قين قمحاً، وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه - وبعضهم يقول: قرب بقرة - فأرسل الله جل وعز ناراً بيضاء، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قين. وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله الله عز وجل، فلما قبل الله قربان هابيل - وكان في ذلك القضاء له بأخت قين - غضب قين، وغلب غليه الكبر واستحوذ عليه الشيطان، فاتبع أخاه هابيل، وهو في ماشيته فقتله، فهما اللذان قص الله خبرهما في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: " واتل عليهم " يعني أهل الكتاب " نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما " إلى آخر القصة، قال: فلما قتله سقط في يديه، ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أول قتيل من بني آدم: " فبعث الله غراباً يبحثُ في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي " إلى قوله: " ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون " .
قال: ويزعم أهل التوراة أن قيناً حين قتل أخاه هابيل، قال الله له: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيباً، فقال الله له: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض! الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها، فتلقت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعاً تائهاً في الأرض، فقال قين: عظمت خطيئتي من أن تغفرها، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض وأتوارى من قدامك، وأكون فزعاً تائهاً في الأرض، وكل من لقيني، قتلني. فقال الله عز وجل: ليس ذلك كذلك، فلا يكون كل من قتل قتيلاً يجزى بواحد سبعة، ولكن من قتل قيناً يجزى سبعة، وجعل الله في قين آية لئلا يقتله كل من وجده، وخرج قين من قدام الله عز وجل من شرقي عدن الجنة.
وقال آخرون في ذلك: إنما كان قتل القاتل منهما أخاه أن الله عز وجل أمرهما بتقريب قربان، فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، فبغاه الذي لم يتقبل قربانه فقتله.
ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، قال إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وأنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة بها نفسه، وأن صاحب الحرث قرب، شر حرثه: الكوزر والزوان، غير طيبة بها نفسه، وأن الله عز وجل تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه وقال: إيم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن ينبسط إلى أخيه.
وقال آخرون بما حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس، قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قرباناً! وكان الرجلُ إذا قرب قرباناً فرضية الله عز وجل أرسل إليه ناراً فأكلته، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قرباناً، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس، وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك ورد علي قرباني! فلا والله لا ينظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني، فقال: لأقتلنك، فقال له أخوه ما ذنبي! إنما يتقبل الله من المتقين.
وقال آخرون: لم تكن قصة هذين الرجلين في عهد آدم، ولا كان القربان في عصره، وقالوا: إنما كان هذان رجلين من بني إسرائيل، وقالوا: إن أول ميت مات في الأرض آدم عليه السلام، لم يمت قبله أحد.
ذكر من قال ذلكحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو، عن الحسن، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن قال الله عز وجل فيهما: " واتل عليهما نبأ ابني آدم بالحق " من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كانا القربان من بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات.
وقال بعضهم: إن آدم غشي حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوءمته قليماً في بطن واحد، ثم هابيل وتوءمته في بطن واحد، فلما شبوا أراد آدم عليه السلام أن يزوج أخت قابيل التي ولدت معه في بطن واحد من هابيلن فامتنع من ذلك قابيل، وقربا بهذا السبب قرباناً فتقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل، فحسده قابيل، فقتله عند عقبة حرى ثم نزل قابيل من الجبل، آخذاً بيد أخته قليما، فهرب بها إلى عدن من أرض اليمن.
حدثني بذلك الحارس، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما قتل قابيل أخاه هابيل أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل بوذ إلى الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوباً لا تأمن من تراه، فكان لا يمر به أحد من ولده إلا رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى،ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت يا أبتاه أباك، فرفع الأعمى يده، فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لي! قتلت أبي برميتي، وقتلت ابني بلطمتي! وذكر في التوراة أن هابيل قتل وله عشرون سنة، وأن قابيل كان له يوم قتله خمس وعشرون سنة.
والصحيح من القول عندنا أن الذي ذكر الله في كتابه أنه قتل أخاه من ابني آدم هو ابن آدم لصلبه، لنقل الحجة أن ذلك كذلك، وأن هناد بن السري حدثنا، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع جميعاً عن الأعمش. - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش - عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها " ، وذلك لأنه أول من سن القتل.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي - وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي - جميعاً عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن البني صلى الله عليه وسلم نحوه.
فقد بين هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحة قول من قال: إن اللذين قص الله في كتابه قصتهما من ابني آدم كانا ابنيه لصلبه، لأنه لا شك أنهما لو كانا من بني إسرائيل - كما روي عن الحسن - لم يكن الذي وصف منهما بأنه قتل أخاه أول من سن القتل، إذ كان القتل في بني آدم قد كان قبل إسرائيل وولده.
فإن قال قائل: فما برهانك على أنهما ولدا آدم لصلبه، وأن لم يكونا من بني إسرائيل؟ قيل: لا خلاف بين سلف علماء أمتنا في ذلك، إذا فسد قول من قال: كانا من بني إسرائيل.
وذكر أن قابيل لما قتل أخاه هابيل بكاه آدم عليه السلام فقال - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم، فقال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح
قال: فأجيب آدم عليه السلام:
أبا هابيل قد قتلا جميعاً ... وصار الحي كالميت الذبيح
وجاء بشرةٍ قد كان منها ... على خوفٍ فجاء بها يصيح
وذكر أن حواء ولدت لآدم عليه السلام عشرين ومائة بطن، أولهم قابيل وتوءمته قليما، وآخرهم عبد المغيث وتوءمته أمة المغيث.
وأما ابن إسحاق فذكر عنه ما قد ذكرتُ قبل، وهو أن جميع ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطناً، وقال: قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فكان من بلغنا اسمه خمسة عشر رجلاً وأربع نسوة، منهم قين وتوءمته، وهابيل وليوذا وأشوث بنت آدم وتوءمتها، وشيث وتوءمته، وحزورة وتوءمها، على ثلاثين ومائة سنة من عمره. ثم أباد بن آدم وتوءمته، ثم بالغ بن آدم وتوءمته، ثم أثاثى بن أدم وتوءمته، ثم توبة بن آدم وتوءمته، ثم بنان ابن آدم وتوءمته، ثم شبوبة بن آدم وتوءمته، ثم حيان بن آدم وتوءمته، ثم ضرابيس بن آدم وتؤءمته، ثم هدز بن آدم وتوءمته، ثم يحود بن آدم وتوءمته، ثم سندل بن آدم وتوءمته، ثم بارق بن آدم وتوءمته، كل رجل منهم تولد معه امرأة في بطنه الذي يحمل به فيه.
وقد زعم أكثر علماء الفرس أن جيو مرت هو أدم، وزعم بعضهم أنه ابن آدم لصلبه من حواء.
وقال فيه غيرهم أقوالاً كثيرة، يطول بذكر أقوالهم الكتاب، وتركنا ذكر ذلك إذ كان قصدنا من كتابنا هذا ذكر الملوك وأيامهم، وما قد شرطنا في كتابنا هذا أنا ذاكروه فيه،ولم يكن ذكرُ اختلاف المختلفين في نسب ملك من جنس ما أنشأنا له صنعة الكتاب، فإن ذكرنا من ذلك شيئاً فلتعرف من ذكرنا، ليعرفه من لم يكن به عارفاً، فأما ذكر الاختلاف في نسبة فإنه غير المقصود به في كتابنا هذا.
وقد خالف علماء الفرس فيما قالوا من ذلك آخرون من غيرهم ممن زعم أنه آدم، ووافق علماء الفرس على اسمه وخالفه في عينه وصفته، فزعم أن جيومرت الذي زعمت الفرس أنه آدم عليه السلام إنما هو جامر بن يافث ابن نوح، وأنه كان معمراً سيداً نزل جبل دنباوند من جبال طبرستان من أرض المشرق، وتملك بها وبفارس، ثم عظم أمره وأمر ولده، حتى ملكوا بابل وملكوا في بعض الأوقات الأقاليم كلها، وأن جيومرت منع من البلاد ما صار إليه، وابتنى المدن والحصون وعمرها، وأعد السلاح، واتخذ الخيل، وأنه تجبر في آخر عمره، وتسمى بآدم، وقال: من سماني بغير هذا الاسم ضربتُ عنقه، وأنه تزوج ثلاثين امرأة، فكثر منهن نسله، وأن ماري ابنه وماريانة أخته ممن كان ولد له في آخر عمره، فأعجب بهما وقدمهما، فصار الملوك بذلك السبب من نسلهما، وأن ملكه اتسع وعظم.
وإنما ذكرت من أمر جيومرت في هذا الموضوع ما ذكرت، لأنه لا تدافع بين علماء الأمم أن جيومرت هو أبو الفرس من العجم، وإنما اختلفوا فيه: هل هو آدم أبو البشر على ما قاله الذين ذكرنا قولهم أم هو غيره؟ ثم مع ذلك فلأن ملكه وملك أولاده لم يزل منتظماً على سياق، متسقاً بأرض المشرق وجبالها إلى أن قتل يزد جرد بن شهريار من ولد ولده بمرور - أبعده الله - أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه، فتأريخ ما مضى من سنى العالم على أعمار ملوكهم أسهل بياناً، وأوضح مناراً منه على أعمار ملوك غيرهم من الأمم، إذ لا تعلم أمة من الأمم الذين ينتسبون إلى آدم عليه السلام دامت لها المملكة، واتصل لهم الملك، وكانت لهم ملوك تجمعهم، ورؤس تحامى عنهم من ناوأهم، وتغالب بهم من عازَّهم، وتدفع ظالمهم عن مظلومهم، وتحملهم من الأمور على ما فيه حظهم على اتصال ودوام ونظام، يأخذ ذلك آخرهم عن أولهم، وغابرهم عن سالفهم سواهم، فالتأريخ على أعمار ملوكهم أصحّ مخرجاً، وأحسن وضوحاً.
وأنا ذاكر ما انتهى إلينا من القول في عمر آدم عليه السلام وأعمار من كان بعده من ولده الذين خلفوه في النبوة والملك، على قول من خالف قول الفرس الذين زعموا أنه جيومرت، وعلى قول من قال: إنه هو جيومرت أبو الفرس، وذاكر ما اختلفوا فيه من أمرهم إلى الحال التي اجتمعوا عليها، فاتفقوا على من ملك منهم في زمان بعينه أنه كان هو الملك في ذلك الزمان إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم سائق ذلك كذلك إلى زماننا هذا.
ونرجع الآن إلى الزيادة في الإبانة عن خطأ قول من قال: إن أول ميت كان في أول الأرض آدم، وإنكاره الذين قص الله نبأهما في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً " ، أن يكونا من صلب آدم من أجل ذلك.
فحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي عليه السلام قال: " كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه عبد الحارث، فعاش لها ولد فسمته عبد الحارث، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان " .
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت حواء تلد لآدم فتعبدهم الله عز وجل وتسميهم: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم عليه السلام، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت له ذكراً فسمياه عبد الحارث، ففيه أنزل الله عز ذكره، يقول الله عز وجل: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة " ، إلى قوله: " جعلا له شركاء فيما آتاهما " إلى آخر الآية.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن سعيد بن جبير: " فلما أثقلت دعوا الله ربهما " إلى قوله: " فتعالى الله عما يشركون " .
قال: ولما حملت حواء في أول ولد ولدته حين أثقلت أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حواء، ما هذا في بطنك؟ فقالت: ما أدري من؟ فقال: أين يخرج؟ من أنفك؟ أو من عينك؟ أو من أذنك؟ قالت: لا أدري، قال: أرأيت إن خرج سليماً أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم، قال: سميه عبد الحارث - وقد كان يسمى إبليس لعنه الله الحارث - فقالت: نعم، ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي: كذا وكذا، فقال: إن ذاك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، ثم أتاها إبليس لعنه الله فأعاد عليها، فقالت: نعم، فلما وضعته أخرجه الله سليماً فسمته عبد الحارث، فهو قوله: " جعلا له شركاء فيما آتاهما " إلى قوله: " فتعالى الله عما يشركون " .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير وابن فضيل، عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير، قال: قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم عليه السلام أشرك! ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا؟ من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سوياً - قال ابن وكيع: زاد ابن فضيل: " لم يضرك ولم يقتلك " - أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت - زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم.
حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: فولدت - يعني حواء - غلاماً، فأتاها إبليس فقال: سموه عبدي، وإلا قتلته، قال له آدم: قد أطعتك وأخرجتني من الجنة، فأبى أن يطيعه، فسماه " عبد الرحمن " فسلط عليه إبليس لعنه الله فقتله، فحملت بآخر فلما ولدته، قال: سميه عبدي وإلا قتلته، قال له آدم عليه السلام: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة. فأبى فسماه صالحاً، فقتله، فلما كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه عبد الحارث، وكان اسم إبليس الحارث، - وإنما سمي إبليس حين أبلس تحير - فذلك حين يقول الله عز وجل: " جعلا له شركاء فيما آتاهما " - يعني في الأسماء.
فهؤلاء الذين ذكرت الرواية عنهم بما ذكرت، من أنه مات لآدم وحواء أولاد قبلهما، ومن لم نذكر أقوالهم ممن عددهم أكثر من عدد من ذكرت قوله والرواية عنه، قالوا خلاف قول الحسن الذي روى عنه أنه قال: أول من مات آدم عليه السلام.
وكان آدم مع ما كان الله عز وجل قد أعطاه من ملك الأرض والسلطان فيها قد نبأه، وجعله رسولاً إلى ولده، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة كتبها آدم عليه السلام بخطه، علمه إياها جبرئيل عليه السلام.
وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده، فجلست إليه فقال لي: " يا أبا ذر، إن للمسجد تحية وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما " ، فلما ركعتهما جلست إليه فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: " خيرُ موضوع، استكثر أو استقل " ، ثم ذكر قصة طويلة قال فيها: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً " ، قال: قلت: يا رسول الله، كم المرسل من ذلك؟ قال " ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً " ، يعني كثيراً طيباً، قال: قلت يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: " آدم " ، قال: قلت يا رسول الله، وآدم نبي مرسل؟ قال: " نعم خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلاً " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد ابن إسحاق، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن أبي ذر قال: قلت، يا نبي الله، أنبياً كان آدم؟ قال: " نعم، كان نبياً، كلمه الله قبلا " .
وقيل: إنه كان مما أنزل الله تعالى على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة.
ذكر ولادة حواء شيثاً
ولما مضى لآدم صلى الله عليه وسلم من عمره مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل قابيل هابيل بخمس سنين، ولدت له حواء ابنه شيثاً، فذكر أهل التوراة أن شيثاً ولد فرداً بغير توأم، وتفسير شيث عندهم هبة الله ومعناه أنه خلف من هابيل.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثني ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولدت حواء لآدم شيئاً وأخته عزورا، فسمى هبة الله، اشتق له من هابيل، قال لها جبرئيل حين ولدته: هذا هبة الله بدل هابيل، وهو بالعربية شِث، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث، وإليه أوصى آدم، وكان آدم يوم ولد له شيث ابن ثلاثين ومائة سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: لما حضرت آدم الوفاة - فيما يذكرون والله أعلم - دعا ابنه شيثاً فعهد إليه عهده، وعلمه ساعات الليل والنهار، وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منهن، فأخبره أن لكل ساعة صنفاً من الخلق فيها عبادته، وقال له: يا بني إن الطوفان سيكون في الأرض يلبث فيها سبع سنين. وكتب وصيته، فكان شيث - فيما ذكر - وصى أبيه آدم عليه السلام، وصارت الرياسة من بعد وفاة آدم لشيث، فأنزل الله عليه فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين صحيفة.
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزل الله عز وجل؟ قال: " مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة " .
وإلى شيث أنسابُ بني آدم كلهم اليوم، وذلك أن نسل سائر ولد آدم غير نسل شيث، انقرضوا وبادوا فلم يبقى منهم أحد، فأنساب الناس كلهم اليوم إلى شيث عليه السلام.
وأما الفرس الذين قالوا إن جيومرت هو آدم، فإنهم قالوا: ولد الجيومرت ابنه ميشى، وتزوج ميشى أخته ميشانه فولدت له سيامك بن ميشى، وسيامي ابنة ميشى، فولد لسيامك بن ميشى بن جيومرت أفرواك، وديس، وبراسب، وأجوب، وأوراش بنو سيامك، وأفري، ودذي، ويرى وأوراشى بنات سيامك، أمهم جميعاً سيامي بنت ميشى، وهي أخت أبيهم.
وذكروا أن الأرض كلها سبعة أقاليم، فأرض بابل وما يوصل إليه مما يأتيه الناس براً أو بحراً فهو إقليم واحد، وسكانه نسل ولد أفرواك بن سيامك وأعقابهم، وأما الأقاليم الستة الباقية التي لا يوصل إليها اليوم براً أو بحراً فنسلُ سائر ولد سيامك،من بنيه وبناته.
فولد لأفرواك بن سيامك من أفري بنت سيامك هوشنك بيشداذ الملك، وهو الذي خلف جده جيومرت في الملك، وأول من جمع له ملك الأقاليم السبعة، وسنذكر أخباره إن شاء الله إذا أنتهينا إليه. وكان بعضهم يزعم أن أوشهنج هذا، هو ابن آدم لصلبه من حواء.
وأما هشام الكلبي فإنه فيما حدثتُ عنه قال: بلغنا والله أعلم - أول ملك ملك الأرض أو شهنق بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال: والفرس تدّعيه وتزعم أنه كان بعد وفاة آدم بمائتي سنة، قال: وإنما كان هذا الملك فيما بلغنا بعد نوح بمائتي سنة، فصيره أهل فارس بعد آدم بمائتي سنة، ولم يعرفوا ما كان قبل نوح.
وهذا الذي قاله هشام قول لا وجه له، لأن هوشهنك الملك في أهل المعرفة بأنساب الفرس أشهر من الحجاج بن يوسف في أهل الإسلام، وكل قوم فهم بآبائهم وأنسابهم ومآثرهم أعلم من غيرهم، وإنما يرجع في كل أمر التبس إلى أهله.
وقد زعم بعض نسابة الفرس أن أوشهنج بيشداذ الملك هذا هو مهلائيل، وأن أباه فرواك هو قينان أبو مهلائيل، وأن سيامك هو أنوش أبو قينان، وأن ميشى هو شيث أبو أنوش، وأن جيومرت هو آدم صلى الله عليه وسلم.
فإن كان الأمر كما قال، فلا شك أن أوشهنج كان في زمان آدم رجلاً، وذلك أن مهلائيل فيما ذكر في الكتاب الأول كانت ولادة أمه دينة ابنة براكيل ابن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم إياه بعد ما مضى من عمر آدم صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة سنة وخمس وتسعون سنة، فقد كان له حين وفاة آدم ستمائة سنة وخمس سنين، على حساب ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر آدم أنه كان عمره ألف سنة.
وقد زعمت علماء الفرس أن ملك أوشهنج هذا كان أربعين سنة. فإن كان الأمر في هذا الملك كالذي قاله النسابة الذي ذكرت عنه ما ذكرت فلم يبعد من قال: إن ملكه كان بعد وفاة آدم صلى الله عليه وسلم بمائتي سنة.
ذكر وفاة آدم عليه السلاماختلف في مدة عمره، وابن كم كان يوم قبضه الله عز وجل إليه.
فأما الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها واردة بماحدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان، قال: حدثني محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن البني صلى الله عليه وسلم 0 قال أبو خالد: وحدثني الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو خالد: وحدثني داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو خالد: وحدثني ابن أبي ذباب الدوسي، قال: حدثنا سعيد المقبري ويزيد بن هرمز، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطس فقال: الحمد الله، فقال له ربه: يرحمك ربك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم، فأتاهم فقال لهم: السلام عليكم قالوا له: وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه، فقال له: خذ واختر، قال: اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين، ففتحها له، فإذا فيها صورة آدم وذريته كلهم، فإذا كل رجل مكتوب عنده أجله، وإذا آدم قد كتب له عمر ألف سنة، وإذا قوم عليهم النور، فقال: يا رب من هؤلاء الذين عليهم النور، فقال: هؤلاء الأنبياء والرسل الذين أرسل إلى عبادي، وإذ فيهم رجل هو أضوءهم نوراً، ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة، فقال: يا رب ما بال هذا، من أضوئهم نوراً ولم يكتب له من العمر إلا أربعون سنة؟ فقال: ذاك ما كتب له، فقال: يا رب، أنقص له من عمري ستين سنة " . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أسكنه الله الجنة ثم أهبط إلى الأرض كان يعد أيامه، فلما أتاه ملك الموت ليقبضه قال له آدم: عجلت علي يا ملك الموت! فقال: ما فعلت، فقال: قد بقي من عمري ستون سنة، فقال له ملك الموت: ما بقي من عمرك شيء، قد سألت ربك أن يكتبه لابنك داود، فقال: ما فعلت " . فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فنسي آدم، فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته، فيومئذ وضع الله الكتاب،وأمر بالشهود " .
حدثني ابن سنان، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أول من جحد آدم عليه السلام ثلاث مرات، وإن الله تبارك وتعالى لما خلقه مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة، فجعل يعرضهم على آدم، فرأى فيهم رجلاً يزهر، فقال: أي رب، أي نبي هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال: أي رب، كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي رب، زده في عمره، قال: لا، إلا أن تزيده أنت من عمرك، وكان عمر آدم آلف سنة، فوهب له من عمره أربعين عاماً، فكتب الله عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه، قال: إنه قد بقي من عمري أبعون سنة، قالوا:إنك قد وهبتها لأبنك داود، قال: ما فعلت ولا وهبت له شيئاً، فأنزل الله عليه الكتاب وأقام عليه الملائكة شهوداً، فأكمل لآدم ألف سنة، وأكمل لداود مائة سنة " .
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله عز وجل: " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " إلى قوله: " قالوا بلى شهدنا " ، قال ابن عباس: إن الله عز وجل لما خلق آدم مسح ظهره، وأخرج ذريته كلهم كهيئة الذر، فأنطقهم فتكلموا، وأشهدهم على أنفسهم، وجعل مع بعضهم النور، وأنه قال لآدم: هؤلاء ذريتك أخذ عليهم الميثاق: أني أنا ربهم لئلا يشركوا بي شيئاً، وعلى رزقهم. قال آدم: فمن هذا الذي معه النور؟ قال: هو داود، قال: يا رب، كم كتبت له من الآجل؟ قال: ستين سنة، قال:كم كتبت لي؟ قال: ألف سنة، وقد كتبت لكل إنسان منهم: كم يعمر، وكم يلبث، قال: يا رب زده، قال: هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك، قال: نعم، وقد جف القلم عن سائر بني آدم، فكتب له من أجل آدم أربعين سنة فصار أجله مائة سنة، فلما عمر تسعمائة سنة وستين سنة جاءه ملك الموت، فلما آن رآه آدم قال: مالكَ؟ قال له: قد استوفيت أجلك، قال له آدم: إنما عمرت تسعمائة سنة وستين سنة، وبقي لي أربعون سنة، فلما قال ذلك للملك، قال الملك: قد أخبرني بها ربي، قال:فارجع إلى ربك فسله، فرجع الملك إلى ربه فقال: مالك؟ قال: يا رب رجعتُ إليك لما كنت أعلم من تكرمتك إياه، قال الله عز وجل: أرجع فأخبره، أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة.
حدثنا بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " ، قال: أخرجهم من ظهر آدم، وجعل لآدم عمر ألف سنة، قال: فعرضوا على آدم، فرأى رجلاً من ذريته له نور، فأعجبه فسأله عنه فقال: هو داود، وقد جعل عمره ستين سنة فجعل له من عمره أربعين سنة فلما احتضر أدم عليه السلام جعل يخاصمهم في الأربعين السنة، فقيل له: إنك قد أعطيتها داود قال: فجعل يخاصمهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله عز وجل: " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم " قال: أخرج ذريته من ظهره في صورة كهيئة الذر، فعرضهم على آدم بأسمائهم وأسماء آبائهم وآجالهم، قال: فعرض عليه روح داود في نور ساطع، فقال: من هذا؟ قال: هذا من ذريتك، نبي خلقته، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: زيدوه من عمري أربعين سنة، قال: والأقلام رطبة تجري، وأثبتت لداود عليه السلام الأربعون، وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكملها إلا الأربعين سنة بعث إليه ملك الموت قال: يا آدم أمرتُ أن أقبضك، قال: ألم يبقى من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الموت إلى ربه عز وجل فقال: إن آدم يدعي من عمره أربعين سنة، قال: أخبر آدم أنه جعلها لابنه داود. والأقلام رطبة، وأثبتت لداود الأربعون.
حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا أبو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، بنحوه.
وذكر أن آدم عليه السلام مرض قبل موته أحد عشر يوماً، وأوصى إلى ابنه شيث عليه السلام وكتب وصيته، ثم دفع كتاب وصيته إلى شيث، وأمره أن يخفيه من قابيل وولده، لأن قابيل قد كان قتل هابيل حسداً منه حين خصه آدم بالعلم، فاستخفى شيث وولده بما عندهم من العلم، ولم يكن عند قابيل وولد ه علم ينتفعون به.
ويزعم أهل التوراة أن عمر آدم عليه السلام كله كان تسعمائة سنة وثلاثين سنة.
وحدثنا الحارث قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام ابن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان عمر آدم تسعمائة سنة وستاً وثلاثين سنة، والله أعلم.
والأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلماء من سّلفنا ما قد ذكرت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق بذلك.
وقد ذكرت الأخبار الواردة عنه أنه قال: كان عمره ألف سنة، وأنه بعد ما جعل لأبنه داود من ذلك ما جعل له، أكمل الله له عدة ما كان أعطاه من العمر قبل أن يهب لداود ما وهب له من ذلك، ولعل ما كان جعل من ذلك آدم عليه السلام لداود عليه السلام لم يُحسب من عمر آدم في التوراة، فقيل: كان عمره تسعمائة وثلاثين سنة.
فإن قال قائل: فإن الأمر وإن كان كذلك، فإن آدم إنما كان جعل لأبنه داود من عمره أربعين سنة، فكان ينبغي أن يكون في التوراة تسعمائة سنة وستون، ليوافق ذلك ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أن الذي كان جعل آدم لأبنه داود من عمره ستون سنة، وذلك في رواية لأبي هريرة عنه، وقد ذكرناها قبل، فإن يكن ذلك كذلك، فالذي زعموا أنه في التوراة من الخبر عن مدة حياة آدم عليه السلام موافق لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أنه قال: لما كتب آدم الوصية مات صلوات الله عليه، واجتمعت عليه الملائكة من أجل أنه كان صفى الرحمن، فقبرته الملائكة، وشيث وإخوته في مشارق الفردوس، عند قرية هي أول قرية كانت في الأرض، وكسفت عليه الشمس والقمر سبعة أيام ولياليهن، فلما اجتمعت عليه الملائكة وجمع الوصية، جعلها في معراج، ومعها القرن الذي أخرج أبونا آدم من الفردوس، لكيلا يغفل عن ذكر الله عز وجل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، قال: سمعته يقول: بلغني أن آدم عليه السلام حين مات بعث الله إليه بكفنه وحنوطه من الجنة، ثم وليت الملائكة قبره ودفنه حتى غيبوه.
حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا روح بن أسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وتراً، وألحدوا له، وقالت هذه سنة آدم في ولده " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن ذكوان، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أبي ابن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أباكم آدم كان طوالا كالنخلة السحوق، ستين ذراعاً، كثير الشعر، مواري العورة، وأنه لما أصاب الخطيئة بدت له سوءته فخرج هارباً من الجنة فتلقاه شجرة، فأخذت بناصيته، وناداه ربه: أفراراً مني يا آدم! قال: لا والله يا رب ولكن حياءً منك مما قد جنيت، فأهبطه الله إلى الأرض، فلما حضرته الوفاة بعث الله إليه بحنوطه وكفنه من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة ذهبت لتدخل دونهم إليه، فقال: خلي عني وعن رسل ربي، فإني ما لقيت ما لقيتُ إلا منك، ولا أصابني ما أصابني إلا فيك. فلما قبض غسلوه بالسدر والماء وتراً، وكفنوه في وتر من الثياب، ثم لحدوا له فدفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده.
حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قال أبي: - وزعم قتادة عن صاحب له حدث عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان آدم رجلاً طوالا كأنه نخلة سحوق " .
حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما مات آدم عليه السلام قال شيث لجبرئيل صلى الله عليهما: صلّ على آدم، قال: تقدم أنت فصل على أبيك، وكبر عليه ثلاثين تكبيرة، فأما خمس فهي الصلاة، وأما خمس وعشرون فتفضيلاً لآدم صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف في موضع قبر آدم عليه السلام، فقال ابن إسحاق ما قد مضى ذكره، وأما غيره فإنه قال: دفن بمكة في غار أبي قبيس، وهو غار يقال له غار الكنز.
وروي عن ابن عباس في ذلك، ما حدثني به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس وكانت وفاته يوم الجمعة، وقد مضى ذكرنا الرواية بذلك، فكرهنا إعادته.
وروي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مات آدم عليه السلام على بوذ - قال أبو جعفر يعني الجبل الذي أهبط عليه - وذكر أن حواء عاشت بعده سنة ثم ماتت رحمهما الله، فدفنت مع زوجها في الغار الذي ذكرت، وأنهما لم يزالا مدفونين في ذلك المكان، حتى كان الطوفان، فاستخرجهما نوح، وجعلهما في تابوت، ثم حملهما معه في السفينة، فلما غاضت الأرض الماء ردهما إلى مكانهما الذي كانا فيه قبل الطوفان، وكانت حواء قد عزلت - فيما ذكر - ونسجت وعجنت وخبزت، وعملت أعمال النساء كلها.
ونرجع الآن إلى قصة قابيل وخبره وأخبار ولده وأخبار شيث وخبر ولده - إذا كنا قد أتينا من ذكر آدم وعدوه إبليس وذكر أخبارهما، وما صنع الله بإبليس إذ تجبر وتعظم وطغى على ربه عز وجل فأشر وبطر نعمته التي أنعمها الله عليه، وتمادى في جهله وغيه، وسأل ربه النظرة، فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم، وما صنع الله بآدم صلوات الله عليه إذ خطئ ونسي عهد الله من تعجيل عقوبته له في خطيئته، ثم تغمده إياه بفضله ورحمته، إذ تاب إليه من زلته فتاب عليه وهداه، وأنقذه من الضلالة والردى - حتى تأتي على ذكر من سلك سبيل كل واحد منهما، ثم تابع آدم عليه السلام على منهاجه وشيعة إبليس والمقتدين به في ضلالته، إن شاء الله، وما كان من صنع الله تبارك وتعالى بكل فريق منهم.
فأما شيث عليه السلام فقد ذكرنا بعض أمره، وأنه كان وصي أبيه آدم عليه السلام في مخلفيه بعد مضيه لسبيله، وما أنزل الله عليه من الصحف.
وقيل: إنه لم يزل مقيماً بمكة بحج ويعتمر إلى أن مات، وأنه كان جمع ما أنزل الله عز وجل عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم عليه السلام، وعمل بما فيها، وأنه بنى الكعبة بالحجارة والطين.
وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا: لم تزل القبة التي جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان، وإنما رفعها الله عز وجل حين أرسل الطوفان. وقيل: إن شيثاً لما مرض أوصى ابنه أنوش ومات، فدفن مع أبويه في غار أبي قبيس، وكان مولده لمضي مائتي سنة وخمس وثلاثين سنة، من عمر آدم عليه السلام. وكانت وفاته وقد أتت له تسعمائة سنة واثنتا عشرة سنة وولد لشيث أنوش، بعد أن مضى من عمره ستمائة سنة وخمس سنين، فيما يزعم أهل التوراة.
وأما ابن إسحاق، فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عنه: نكح شيث بن آدم أخته حزورة ابنة آدم، فولدت له يانش بن شيث، ونعمة ابنة شيث، وشيث يومئذ ابن مائة سنة وخمس سنين، فعاش بعد ما ولد له يانش ثمانمائة سنة وسبع سنين.
وقام أنوش بعد مضي أبيه شيث لسبيله بسياسة الملك، وتدبير من تحت يديه من رعيته مقام أبيه شيث، ولم يزل - فيما ذكر - على منهاج أبيه، لا يوقف منه على تغيير ولا تبديل. وكان جميعُ عمر أنوش - فيما ذكر أهل التوراة - تسعمائة سنة وخمس سنين.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد شيث أنوش ونفراً كثيراً، وإليه أوصى شيث، ثم ولد لأنوش بن شيث بن آدم ابنه قينان من أخته نعمة ابنة شيث بعد مضي تسعين سنة من عمر أنوش، ومن عمر آدم ثلثمائة سنة وخمس وعشرين سنة.
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: نكح يانش بن شيث أخته نعمة ابنة شيث، فولدت له قينان، ويانش يومئذ ابن تسعين سنة، فعاش يانش بعدما ولد له قينان ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش يانش تسعمائة سنة وخمس سنين. ثم نكح قينان بن يانش - وهو ابن سبعين سنة - دينة ابنه براكيل بن محويل بن خنوح بن قين بن آدم، فولدت له مهلائيل بن قينان، فعاش قينان بعد ما ولد له مهلائيل ثمانمائة سنة وأربعين سنة، فكان كل ما عاش قينان تسعمائة سنة وعشر سنين.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد أنوش قينان، ونفراً كثيراً، وإليه الوصية، فولد قينان مهلائيل ونفراً معه، وإليه الوصية، فولد مهلائيل نرد - وهو اليارد - ونفراً معه، وإليه الوصية، فولد يرد أخنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم ونفراً معه، فولد أخنوخ متوشلخ ونفراً معه وإليه الوصية، فولد متوشلخ لمك ونفراً معه وإليه الوصية.
وأما التوراة فما ذكر أهل الكتاب أنه فيها أن مولد مهلائيل بعد أن مضت من عمر آدم ثلاثمائة سنة وخمس وتسعون سنة، ومن عمر قينان سبعون سنة.
ونكح مهلائيل بن قينان - وهو ابن خمس وستين سنة وفيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - خالته سمعن ابنة براكيل ابن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، فولدت له يرد بن مهلائيل، فعاش مهلائيل بعد ما ولد له يرد ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، فولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش مهلائيل ثمانمائة سنة وخمساً وتسعين سنة، ثم مات.
وأما التوراة فإنه ذكر أن فيها أن يرد ولد لمهلائيل بعد ما مضي من عمر آ دم أربعمائة سنة وستون سنة، وأنه كان على منهاج أبيه قينان، غير أن الأحداث بدت في زمانه.
ذكر الأحداث التي كانت في أيام بني آدم
من لدن ملك شيث بن آدم إلى أيام يرد
ذكر أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار، لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضاً ناراً تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: إن قيناً نكح أخته أشوث بن آدم، فولدت له رجلاً وامرأة: خنوخ بن قين، وعذب بنت قين، فنكح خنوخ بن قين أخته عذب بنت قين، فولدت له ثلاثة نفر وامرأة: عيرد بن خنوخ ومحويل بن خنوخ وأنوشيل بن خنوخ، وموليث بنت خنوخ، فنكح أنوشيل بن خنوخ موليث ابنة خنوخ، فولدت لأنوشيل رجلاً اسمه لامك، فنكح لامك امرأتين: اسم إحداهما عدي واسم الآخر صلى، فولدت له عدي تولين بن لامك، فكان أول من سكن القباب، واقتنى المال، وتوبيش، وكان أول من ضرب بالونج والنج، وولدت رجلاً اسمه توبلقين، فكان أول من عمل النحاس والحديد، وكان أولادهم جبابرة وفراعنة، وكانوا قد أعطوا بسطة في الخلق، كان الرجل فيما يزعمون يكون ثلاثين ذراعاً. قال: ثم انقرض ولد قين، ولم يتركوا عقباً إلا قليلاً، وذرية آدم كلهم جهلت أنسابهم وانقطع نسلهم، إلا ما كان من شيث بن آدم فمنه كان النسل، وأنسابُ الناس اليوم كلهم إليه دون أبيه آدم، فهو أبو البشر، إلا ما كان من أبيه وإخوته ممن لم يترك عقباً.
قال: ويقول أهل التوراة: بل نكح قين أشوث، فولدت له خنوخ، فولد لخنوخ عيرد، فولد عيرد محويل، فولد محويل أنوشيل، فولد أنوشيل، لامك، فنكح لامك عدي وصلى، فولدتا له من سميتُ، والله أعلم.
فلم يذكر ابن إسحاق من أمر قابيل وعقبه إلا ما حكيتُ.
وأما غيره من أهل العلم بالتوراة فإنه ذكر أن الذي اتخذ الملاهي من ولد قابين رجل يقال له توبال، اتخذ في زمان مهلائيل بن قينان آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان والطنابير والمعازف، فانهمك ولد قاين في اللهو، وتناهى خبرهم إلى من بالجبل من نسل شيث، فهو منهم مائة رجل بالنزول إليهم، وبمخالفة ما أوصاهم به آباؤهم، وبلغ ذلك يارد، فوعظهم ونهاهم، فأبوا إلا تمادياً، ونزلوا إلى ولد قاين، فأعجبوا بما رأوا منهم، فلما أرادوا الرجوع حيل بينهم وبين ذلك لدعوة سبقت من آبائهم، فلما أبطئوا بمواضعهم، ظن من كان في نفسه زيغ ممن كان بالجبل أنهم أقاموا اعتباطاً، فتساللوا ينزلون عن الجبل، ورأوا اللهو فأعجبهم، ووافقوا نساء من ولد قايين متسرعات إليهم، وصرن معهم، وانهمكوا في الطغيان، وفشت الفاحشة وشرب الخمر.
قال أبو جعفر: وهذا القول غير بعيد من الحق، وذلك أن قول قد روي عن جماعة من سلف علماء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم نحو منه، وإن لم يكونوا بينوا زمان من حدث ذلك في ملكه، سوى ذكرهم أن ذلك كان فيما بين آدم ونوح صلى الله عليهما وسلم.
ذكر من روي ذلك عنه:
حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا داود - يعني ابن أبي الفرات - قال: حدثنا علباء بن أحمر، ابن عكرمة عن ابن عباس، أنه تلا هذه الآية: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " .
قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم، كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام فآجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتخذ إبليس لعنه الله شيئاً مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال، قال: وينزل الرجال لهن. وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن، فنزلوا عليهن، فظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله عز وجل: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن أبي غنيمة، عن أبيه، عن الحكم: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " ، قال: كان بين آدم ونوح ثمانمائة سنة،وكان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء،ورجالهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها، فأنزلت هذه الآية: " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى " .
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً ببوذ.
ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد، فأوصى ألا يناكح بنو شيث بني قابيل، فجعل بنو شيث آدم في مغارة، وجعلوا عليه حافظاً، لا يقربه أحد من بني قابيل، وكان الذين يأتونه ويستغفر لهم من بني شيث، فقال مائة من بين شيث صباح: لو نظرنا إلى ما فعل بنو عمنا! يعنون بني قابيل، فهبطت المائة إلى نساء صباح من بني قابيل، فاحتبس النساء والرجال، ثم مكثوا ما شاء الله، ثم قال مائة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخوتنا! فهبطوا من الجبل إليهم، فاحتبسهم النساء، ثم هبط بنو شيث كلهم، فجاءت المعصية، وتناكحوا واختلطوا، وكثر بنو قابيل ملئوا الأرض، وهم الذين غرقوا أيام نوح.
وأنا نسابو الفرس فقد ذكرت ما قالوا في مهلائيل بن قينان، وأنه هو أوشهنج الذي ملك الأقاليم السبعة، وبينت قول من خالفهم في ذلك من نسابي العرب.
فإن كان الأمر فيه كالذي قاله نسابو الفرس، فإني حدثت عن هشام ابن محمد بن السائب، أنه هو أول من قطع الشجر، وبنى البناء، وأول من استخرج المعادن وفطن الناس لها، وأمر أهل زمانه باتخاذ المساجد، وبين مدينتين كانتا أول ما بني على ظهر الأرض من المدائن، وهما مدينة بابل التي بسواد الكوفة، ومدينة السوس. وكان ملكه أربعين سنة.
وأما غيره فإنه قال: هو أول من استنبط الحديد في ملكه، فاتخذ منه الأدوات للصناعات، وقدر المياه في مواضع المنافع، وحض الناس على الحراثة والزراعة والحصاد واعتمال الأعمال، وأمر بقتل السباع الضارية، واتخاذ الملابس من جلودهم والمفارش، وبذبح البقر والغنم والوحش والأكل من لحومها، وأن ملكه كان أربعين سنة، وأنه بنى مدينة الري. قالوا وهي أول مدينة بنيت بعد مدينة جيومرت التي كان يسكنها بدنباوند من طبرستان.
وقالت الفرس: إن أوشهنج هذا ولد ملكاً، وكان فاضلاً محموداً في سيرته وسياسة رعيته، وذكروا أنه أول من وضع الأحكام والحدود، وكان ملقياً بذلك، يدعي فيشداذ ومعناه بالفارسية أولُ من حكم بالعدل، وذلك أن فاش معنا أول، وأن داذ عدل وقضاء، وذكروا أنه نزل الهند، وتنقل في البلاد، فلما استقام أمره واستوثق له الملك عن جده جيومرت، وإنه عذاب ونقمة على مردة الإنس والشياطين. وذكروا أنه قهر إبليس وجنوده، ومنعهم الاختلاط بالناس، وكتب عليهم كتاباً في طرس أبيض أخذ عليهم فيه المواثيق ألا يعرضوا لأحد من الإنس، وتوعدهم على ذلك، وقتل مردتهم وجماعة من الغيلان، فهربوا من خوفه إلى المفاوز والجبال والأودية، وأنه ملك الأقاليم كلها، وأنه كان بين موت جيومرت إلى مولد أوشهنج وملكه مائتا سنة وثلاث وعشرون سنة.
وذكروا أن إبليس وجنوده فرحوا بموت أوشهنج، وذلك أنهم دخلوا بموته مساكن بني آدم، ونزلوا إليهم من الجبال والأودية.
ونرجع الآن إلى ذكر يرد - وبعضهم يقول هو يارد - وفولد يرد لمهلائيل من خالته سمعن ابنة باركيل بن محويل بن خنوخ بن قين، بعد ما مضي من عمر آدم أربعمائة وستون سنة، فكان وصى أبيه وخليفته فيما كان والد مهلائيل أوصى إلى مهلائيل، واستخلفه عليه بعد وفاته، وكانت ولادة أمه إياه بعد ما مضى من عمر أبيه مهلائيل - فيما ذكروا - خمس وستون سنة، فقام من بعد مهلك أبيه من وصية أجداده وآبائه بما كانوا يقومون به أيام حياتهم.
ثم نكج يرد - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، وهو ابن مائة سنة واثنتين وستين سنة - بركنا ابنة الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم. فولدت له أخنوخ بن يرد - وأخنوخ إدريس النبي، وكان أول بني آدم أعطي النبوة - فيما زعم ابن إسحاق - وخط بالقلم، فعاش يرد بعد ما ولد له أخنوخ ثمانمائة سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش يرد تسعمائة سنة واثنتين وستين سنة ثم مات.
وقال غيره من أهل التوراة: ولد ليرد أخنوخ - وهو إدريس - فنبأه الله عز وجل، وقد مضى من عمر آدم ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة.وهو أول من خط بعد آدم وجاهد في سبيل الله، وقطع الثياب وخاطها، وأول من سبى من ولد قابيل، فاسترق منهم، وكان وصي والده يرد فيما كان آباؤه أوصوا به إليه، وفيما أوصى به بعضهم بعضاً، وذلك كله من فعله في حياة آدم.
قال: وتوفي آدم عليه السلام بعد أن مضى من عمر أخنوخ ثلاثمائة سنة وثماني سنين، تتمةُ تسعمائة وثلاثين سنة التي ذكرنا أنها عمر آدم. قال: ودعا أخنوخ قومه ووعظهم، وأمرهم بطاعة الله عز وجل ومعصية الشيطان، وألا يلابسوا ولد قابيل، فلم يقبلوا منه، وكانت العصابة بعد العصابة من ولد شيث تنزل إلى ولد قايين.
قال: وفي التوراة: إن الله تبارك وتعالى رفع إدريس بعد ثلاثمائة سنة وخمس وستين سنة مضت من عمره، وبعد خمسمائة سنة وسبع وعشرين سنة مضت من عمر أبيه، فعاش أبوه بعد ارتفاعه أربعمائة وخمساً وثلاثين سنة تمام تسعمائة واثنتين وستين سنة، وكان عمر يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وولد أخنوخ وقد مضت من عمر يارد مائة واثنتان وستون سنة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: في زمان يرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.
وقد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر " ، أربعة - يعني من الرسل - سريانيون: أدم، وشيث، ونوح، وأخنوخ، وهو أول من خط بالقلم، وأنزل الله تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة " .
وقد زعم بعضهم أن الله بعث إدريس إلى جميع أهل الأرض في زمانه، وجمع له علم الماضين، وأن الله عز وجل زاده مع ذلك ثلاثين صحيفة، وقال: فذلك قول الله عز وجل: " إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى " .
وقال: يعني بالصحف الأولى الصحف التي أنزلت على ابن آدم هبة الله وإدريس عليهما السلام.
وقال بعضهم: ملك بيوراسب في عهد إدريس، وقد كان وقع إليه كلام من كلام آدم صلوات الله عليه، فاتخذه، في ذلك الزمان سحراً، وكان بيوراسب يعمل به، وكان إذا أراد شيئاً من جميع مملكته أو أعجبته دابة أو امرأة نفخ بقصبة كانت له من ذهب، وكان يجيء إليه كل شيء يريده، فمن ثم تنفخ اليهود في الشبورات.
وأما الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد موت أو شهنج طهمورث بن ويونجهان ابن خبانداذ بن خيايذار بن أوشهنج.
وقد اختلف في نسب طهمورث إلى أوشهنج، فنسبه بعضهم النسبة التي ذكرت. وقال بعض نسابة الفرس: هو طهمورث بن أيونكهان بن أنكهد ابن أسكهد بن أوشهنج.
وقال هشام بن محمد الكلبي - فيما حدثتُ عنه: ذكر أهل العلم أن أول ملوك بابل طهمورث، قال: وبلغنا - والله أعلم - أن الله أعطاه من القوة ما خضع له إبليس وشياطينه، وأنه كان مطيعاً لله، وكان ملكه أربعين سنة.
وأما الفرس فإنها تزعم أن طهمورث ملك الأقاليم كلها، وعقد على رأسه تاجاً، وقال يوم ملك: نحن دافعون بعون الله عن خليقته المردة الفسدة.
وكان محموداً في ملكه، حدباً على رعيته، وأنه ابتنى سابور من فارس ونزلها، وتنقل في البلدان، وأنه وثب بإبليس حتى ركبه، فطاف عليه في أداني الأرض وأقاصيها، وأفزعه ومردة أصحابه حتى تطايروا وتفرقوا عليه، وأنه أول من اتخذ الصوف والشعر للباس والفرش، وأول من اتخذ زينة الملوك من الخيل والبغال والحمير، وأمر باتخاذ الكلاب لحفظ المواشي وحراستها من السباع والجوارح للصيد، وكتب بالفارسية، وأن بيوراسب ظهر في أول سنة من ملكه، ودعا إلى ملة الصابئين.
ثم رجعنا إلى ذكر أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام.
ثم نكح - فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: أخنوخ بن يرد هدانة - ويقال: أدانة - ابنة باويل ابن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، وهو ابن خمس وستين سنة، فولدت له متوشلخ بن أخنوخ، فعاش بعد ما ولد له متوشلخ ثلاثمائة سنة. وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش أخنوخ ثلاثمائة سنة وخمساً وستين سنة ثم مات.
وأما غيره من أهل التوراة فإنه قال فيما ذكر عن التوراة: ولد لأخنوخ بعد ستمائة سنة وسبع سنين وثمانين سنة خلت من عمر آدم متوشلخ، فاستخلفه أخنوخ على أمر الله، وأوصاه ببيته قبل أن يرفع، وأعلمهم أن الله عز وجل سيعذب ولد قابين ومن خالطهم ومال إليهم ونهاهم عن مخالطتهم، وذكر أنه كان أول من ركب الخيل، لأنه اقتفى رسم أبيه في الجهاد، وسلك في أيامه في العلم بطاعة الله طريق آبائه. وكان عمر أخنوخ إلى أن رفع ثلاثمائة سنة وخمساً وستين سنة. وولد له متوشلخ بعد ما مضي من عمره خمس وستون سنة.
ثم نكح - فيما حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق - متوشلخ بن أخنوخ عربا ابنة عزرائيل بن أنوشيل بن خنوخ بن قين بن آدم، وهو ابن مائة سنة وسبع وثلاثين سنة. فولدت له لمك بن متوشلخ، فعاش بعدما ولد له لمك سبعمائة سنة، فولد له بنون وبنات، وكان كل ما عاش متوشلخ تسعمائة سنة وتسع عشرة سنة. ثم مات ونكح لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بتنوس ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم عليه السلام.
وهو ابن مائة سنة وسبع وثمانين سنة فولدت له نوحاً النبي صلى الله عليه وسلم فعاش لمك بعدما ولد نوح خمسمائة سنة وخمساً وتسعين سنة، وولد له بنون وبنات، فكان كل ما عاش سبعمائة سنة وثمانين سنة، ثم مات، ونكح نوح ابن لمك عمذرة ابنة براكيل بن محويل بن خنوخ بن قيم بن آدم، وهو ابن خمسمائة سنة، فولدت له بنيه: سام، وحام، ويافث، بني نوح.
وقال أهل التوراة: ولد لمتوشلخ بعد ثمانمائة سنة وأربع وسبعين سنة من عمر آدم لمك، فأقام على ما كان عليه أباؤه: من طاعة الله وحفظ عهوده. قالوا: فلما حضرت متوشلخ الوفاة استخلف لمك على أمره، وأوصاه بمثل ما كان آباؤه يوصون به. قالوا: وكان لمك يعظ قومه، وينهاهم عن النزول إلى ولد قايين فلا يتعظون، حتى نزل جميع من كان في الجبل إلى ولد قايين.
وقيل: إنه كان لمتوشلخ ابن آخر غير لمك، يقال له صابئ - وقيل: إن الصابئين به سموا صابئين - وكان عمر متوشلخ تسعمائة وستين سنة، وكان مولد لمك بعد أن مضى من عمر متوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة. ثم ولد لمك نوحاً بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة، وذلك لألف سنة وست وخمسين سنة مضت من يوم أهبط الله عز وجل آدم إلى مولد نوح عليه السلام، فلما أدرك نوح قال له لمك: قد علمت أنه لم يبق في هذا الموضع غيرنا، فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة، فكان نوح يدعو إلى ربه، ويعظ قومه فيستخفون به، فأوحى الله عز وجل إليه أنه قد أمهلهم، فانظرهم ليراجعوا ويتوبوا مدة، فانقضت المدة قبل أن يتوبوا وينيبوا.
وقال أخرون غير من ذكرت قوله: كان نوح في عهد بيوراسب،وكان قومته يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى الله عز وجل تسعمائة وستة وخمسين سنة، كلما مضى قرن تبعهم قرن، على ملةٍ واحدة من الكفر، حتى أنزل الله عليهم العذاب فأفناهم.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد متوشلخ لمك ونفراً معه، وإليه الوصية، فولد لمك نوحاً، وكان للمك يوم ولد نوح اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينهى عن منكر، فبعث الله إليهم نوحاً، وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة سنة وخمسين سنة.
وأما علماء الفرس فإنهم قالوا: ملك بعد طهمورث جم الشيذ - والشيذ معنا عندهم الشعاع، لقبوه بذلك فيما زعموا لجماله - وهو جم بن ويونجهان، وهو أخو طمهورث. وقيل إنه ملك الأقاليم السبعة كلها، وسخر له ما فيها من الجن والإنس، وعقد على رأسه التاج. وقال حين قعد في ملكه: إن الله تبارك وتعالى قد أكمل بهاءنا وأحسن تأييدنا، وسنوسع رعيتنا خيراً. وإنه ابتدع صنعة السيوف والسلاح، ودل على صنعة الإبريسم والقز وغيره مما يغزل، وأمر بنسج الثياب وصبغها، ونحت السروج والأكف وتذليل الدواب بها.
وذكر بعضهم أنه توارى بعد ما مضى من ملكه ستمائة سنة وست عشرة سنة وستة أشهر، فخلت البلادُ من سنة، وأن أمر لمضي سنة من ملكه إلى سنة خمس منه بصنعة السيوف والدروع والبيض وسائر صنوف الأسلحة وآلة الصناع من الحديد. ومن سنة خمسين من ملكه إلى سنة مائة بعزل الإبريسم والقز والقطن والكتان وكل ما يستطاع غزله وحياكة ذلك وصبغته ألواناً وتقطيعه أنواعاً ولبسه. ومن سنة مائة إلى سنة خمسين ومائة صنف الناس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة فقهاء، وطبقة كتاباً وصناعاً وحراثين، واتخذ طبقة منهم خدماً، وأمر كل طبقة من تلك الطبقات بلزوم العلم الذي ألزمها إياه. ومن سنة مائة وخمسين إلى سنة خمسين ومائتين حارب الشياطين والجن وأثخنهم وأذلهم وسخروا له وانقادوا لأمره. ومن سنة خمسين ومائتين إلى سنة ست عشرة وثلاثمائة وكل الشياطين بقطع الحجارة والصخور من الجبال، وعمل الرخام والجص والكلس،والبناء بذلك، وبالطين البنيان والحمامات، وصنعة النورة، والنقل من البحار والجبال والمعادن والفلوات كل ما ينتفع به الناس، والذهب والفضة وسائر ما يذاب من الجواهر، وأنواع الطيب والأدوية فنفذوا في كل ذلك لأمره. ثم أمر فصنعت له عجلة من زجاج، فصفد فيها الشياطين وركبها، وأقبل عليها في الهواء من بلده، من دنبساوند إلى بابل في يوم واحد، وذلك يوم هرمزأز فروردين ماه، فاتخذ الناس للأعجوبة التي رأوا من إجرائه ما أجرى على تلك الحال نوروز، وأمرهم باتخاذ ذلك اليوم وخمسة أيام بعده عيداً، والتنعم والتلذذ فيها، وكتب إلى الناس اليوم السادس، وهو خرداذوروز يخبرهم أنه قد سار فيهم بسيرة ارتضاها الله، فكان من جزائه إياه عليهم أن جنبهم الحر والبرد والأسقام والهرم الحسد، فمكث الناس ثلاثمائة سنة بعد الثلاثمائة والست عشرة سنة التي خلت من ملكه، لا يصيبهم شيء مما ذكر أن الله جل وعز وجنبهم إياه.
ثم إن جماً بطر بعد ذلك نعمة الله عنده، وجمع الإنس والجن، فأخبرهم أنه وليهم ومالكهم والدافع بقوته عنهم الأسقام والهرم والموت، وجحد إحسان الله عز وجل إليه، وتمادى في غيه فلم يحر أحد ممن حضره له جواباً، وفقد مكانه بهاءه وعزه، وتخلت عنه الملائكة الذين كان الله أمرهم بسياسة أمره، فأحس بذلك بيوراسب الذي يسمى الضحاك فابتدر إلىجم لنتهسه فهرب منه، ثم ظفر به بيوراسب بعد ذلك، فامتلخ أمعاءه واشترطها ونشره بمنشاره وقال بعض علماء النفس: إن جماً لم يزل محمود السيرة إلى أن بقي من ملكه مائة سنة فخلط حينئذ، وادعى الربوبية، فلما فعل ذلك اضطرب عليه أمره، ووثب عليه أخوه اسفتور وطلبه ليقتله، فتوارى عنه، وكان في تواريه ملكاً ينتقل من موضع إلى موضع، ثم خرج عليه بيوراسب فغلبه على ملكه، ونشره بالمنشار.
وزعم بعضهم أن ملك جم كان سبعمائة سنة وست عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرين يوماً.
وقد ذكرت عن وهب بن منبه، عن ملك من ملوك الماضين قصة شبيهة بقصة جم شاذ الملك، ولولا أن تاريخه خلاف تاريخ جم لقلت إنها قصة جم.
وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه، أنه قال: إن رجلاً ملك وهو فتى شاب، فقال: إني لأجد للملك لذة طعماً، فلا أدري: أكذلك كل الناس أم أنا وجدته من بينهم؟ فقيل له بل الملك كذلك، فقال: ما الذي يقيمه لي؟ فقيل له: يقيمه لك أن تطيع الله فلا تعصيه. فدعا ناساً من خيار من كان في ملكه فقال لهم: كونوا بحضرتي في مجلسي، فما رأيتم أنه طاعة الله عز وجل فأمرني أن أعمل به، وما رأيتم أنه معصية لله فازجروني عنه أنزجر، ففعل ذلك هو وهم، واستقام له ملكه بذلك أربعمائة سنة مطيعاً لله عز وجل. ثم إن إبليس انتبه لذلك فقال: تركت رجلاً يعبد الله ملكاً أربعمائة سنة! فجاء فدخل عليه فتمثل له برجل، ففزع منه الملك، فقال: من أنت؟ قال إبليس: لا ترع، ولكن اخبرني من أنت؟ قال الملك: أنا رجل من بين آدم، فقال له إبليس: لو كنت من بني آدم لقدمت كما يموت بنو آدم ألم تر كم مات من الناس وذهب من القرون! لو كانت منهم لقد مت كما ماتوا، ولكنك إله. فادع الناس إلى عبادتك. فدخل ذلك في قلبه. ثم صعد المنبر، فخطب الناس فقال: أيها الناس، إن قد كنت أخفيت عنكم أمراً بان لي إظهاره، لكم تعلمون أني ملكتكم منذ أربعمائة سنة، ولو كنت من بني آدم لقد مت كما ماتوا، ولكني إله فاعبدوني. فأرعش مكانه، وأوحى الله إلى بعض من كان معه فقال: أخبره أني قد استقمت له ما استقام لي، فإذا تحول عن طاعتي إلى معصيتي فلم يستقم لي، فبعزتي حلفتُ لأسلطن عليه بخت ناصر، فليضربن عنقه، وليأخذن ما في خزائنه، وكان في ذلك الزمان لا يسخط الله على أحد إلا سلط عليه بخت ناصر، فلم يتحول الملك عن قوله، حتى سلط الله عليه بخت ناصر، فضرب عنقه، وأوقر من خزائنه سبعين سفينة ذهباً.
قال أبو جعفر: ولكن بين بخث ناصر وجم دهر طويل،إلا أن يكون الضحاك كان يدعي في ذلك الزمان بخت ناصر.
وأما هشام بن الكلبي فإني حدثت عنه أنه قال: ملك بعد طهمورث جم، وكان أصبح أهل زمانه وجهاً، وأعظمهم جسماً، قال: فذكروا أنه غير ستمائة سنة تسع عشرة سنة مطيعاً لله مستعلياً أمره مستوثقه له البلاد. ثم إنه طغى وبغى، فسلط الله عليه الضحاك، فسار إليه في مائتي ألف، فهرب جم منه مائة سنة، ثم إن الضحاك ظفر به فنشره بمنشار. قال: فكان جميع ملك جم، منذ ملك إلى أن قتل سبعمائة وستع عشرة سنة.
وقد روي عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على ملة الحق، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بعث إليهم نوح عليه السلام، وقالوا: إن أول نبي أرسله الله إلى قوم بالإنذار والدعاء إلى توحيده نوح عليه السلام.
ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: قوله عز وجل: " كان الناس أمة واحدة " ، قال: كانوا على الهدى جميعاً فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أول نبي بعث نوح عليه السلام.
ذكر الأحداث التي كانت في عهد نوح
عليه السلام
قد ذكرنا اختلاف المختلفين في ديانة القوم الذي أرسل إليهم نوح عليه السلام، وأن منهم من يقول: كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله، من ركوب الفواحش وشرب الخمور والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عز وجل، وأن منهم من يقول: كانوا أهل طاعة بيوراسب، وكان بيوراسب أول من ظهر القول بقول الصابئين، وتبعه على ذلك الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام، وسأذكر إن شاء الله خبر بيوراسب فيما بعد.
فأما كتاب الله فإنه ينبئ عنه أنهم كانوا أهل أوثان، وذلك أن الله عز وجل يقول مخبراً عن نوح: " قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً. ومكروا مكراً كباراً، وقالوا لا تدرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً، ولا يغوثُ ويعوق نسراً، وقد أضلوا كثيراً " . فبعث الله إليهم نوحاً مخوفهم بأسه، ومحذرهم سطوته، وداعياً لهم إلى التوبة والمراجعة إلى الحق، والعمل بما أمر الله به رسله وأنزله في صحف آدم وشيث وأخنوخ. ونوح يوم ابتعثه الله نبياً إليهم - فيما ذكر - ابن خمسين سنة.
وقيل أيضاً ما حدثنا به نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عون بن أبي شداد، قال: إن الله تبارك وتعالى أرسل نوحاً إلى قومه وهو إبن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلى خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بعث الله نوحاً إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة.
قال أبو جعفر: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً كما قال الله عز وجل يدعوهم إلى الله سراً وجهراً، يمضي قرن بعد قرن، فلا يستجيبون له، حتى مضى قرون ثلاثة على ذلك من حاله وحالهم، فلما أراد الله عز وجل إهلاكهم دعا عليهم نوح عليه السلام فقال: " رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً " ، فأمر الله تعالى ذكره أن يغرس شجرة فغرسها، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم أمره بقطعها من بعد ما غرسها بأربعين سنة، فيتخذ منها سفينة،كما قال الله له: " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا " ، فقطعها وجعل يعملها.
وحدثنا صالح بن مسمار المروزي والمثنى بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني فائد مولى عبيد الله ابن علي بن أبي رافع، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال " لو رحم الله أحداً من قوم نوح لرحم أم الصبي " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلى خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله عز وجل، حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة فيمرون فيسألونه فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري! فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه - وكانت تحبه حباً شديداً - فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغث ثلثي الجبل، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها ، حتى ذهب به الماء، فلو رحم الله منهم أحداً الرحمن أم الصبي " .
حدثني ابن أبي منصور، قال: حدثنا علي بن الهيثم، عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك، قال: قال سلمان الفارسي: عمل نوح السفينة أربعمائة سنة، وأنتب الساج أربعين سنة، حتى كان طوله ثلاثمائة ذراع، والذراع إلى المنكب.
فعمل نوح بوحي الله إليه، وتعليمه إياه، عملها فكانت إن شاء الله كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون دراعاً، وبابها في عرضها.
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال الحواريون العيسى بن مريم: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها! فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا قبر حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: ثم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، وقد شاب، فقال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت؟ قال: لا،ولكني مت وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شبتُ. قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفار يخرز السفينة يقرضه، أوحى الله إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت، قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت. قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها، دعا لها أن تكون من أنس وأمان، فمن ثمن تألف البيوت. قال: فقالت الحواريون: يا رسول الله، ألا تنظلق به إلى أهلنا، فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لارزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد تراباً.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: اخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نجر نوح السفينة بجبل بوذ، من ثم تبدى الطوفان، قال: وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح، وعرضها خمسين ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً، وخرج منها من الماء ستة أذرع، وكانت مطبقة، وجعل لها ثلاثة أبواب، بعضها أسفل من بعض.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن عبيد بن عمير الليثي، أنه كان يحدث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به - يعني قوم نوح بنوح - فيخنقونه حتى يغشي عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
قال ابن إسحاق: حتى إذا تمادوا في المعصية، وعظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليهم منه البلاء، وانتظر النجل بعد النجل، فلا يأتي قرن إلا كانت أخبث من الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا، هكذا مجنوناً! لا يقبلون منه شيئاً، حتى شكا ذلك منأمرهم نوح إلى الله عز وجل، فقال كما قص الله عز وجل علينا في كتابه: " رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً، فلم يزدهم دعائي إلى فراراً " إلى أخر القصة، حتى قال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً " ، إلى آخر القصة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله عز وجل واستنصره عليهم أوحى الله إليه أن " اصنع الفلك بأعييننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون " . فأقبل نوح على عمل الفلك، ولها عن قومه، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو، وجعل قومه يمرون به، وهو في ذلك من عمله، فيسخرون منه، ويستهزئون به فيقول: " إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم " . قال: ويقولون - فيما بلغني - : يا نوح قد صرت نجاراً بعد النبوة! قال: وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم.
قال: ويزعم أهل التوراة أن الله عز وجل أمره أن يصنع الفلك خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعاً وعرضه خمسين ذراعاً، وطوله في السماء ثلاثين ذراعاً، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلا ووسطاً وعلواً، وأن يجعل فيه كواً، ففعل نوح كما أمره الله عز وجل، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه: " إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل " . وقد جعل التنور آية فيما بينه وبينه، فقال: إذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها في كل زوجين اثنين واركب. فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله تعالى به - وكان قليلاً كما قال - وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح والشجر، ذكراً وأنثى. فحمل فيه بنية الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناس من كان آمن به فكانوا عشرة نفر: نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره الله به من الدواب، وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافراً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن دينار، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: سمعته يقول: كان أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الذرة، وأخر ما حمل الحمار، فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس لعنه الله بذنبه فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك! ادخل، فينهض فلا يستطيع، حتى قال نوح، ويحك! ادخل وإن كان الشيطان معك، قال كلمة زلت عن لسانه، فلما قالها نوح خلي الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله! قال: ألم تقل: " ادخل وإن كان الشيطان معك! " قال: أخرج عني يا عدو الله، فقال: مالك بد من أن تحملني، فكان - فيما يزعمون - في ظهر الفلك، فلما اطمأن نوح في الفلك وأدخل فيه كل من آمن به، وكان ذلك في الشهر من السنة التي دخل فيها نوح بعد ستمائة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر، فلما دخل وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغوط الأكبر، وفتحت أبواب السماء، كما قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر " . فدخل نوح ومن معه الفلك وغطاه عليه وعلى من معه بطبقة، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن احتمل الماء الفلك أربعون يوماً وأربعون ليلة. ثم احتمل الماء كما يزعم أهل التوراة وكثر واشتد وارتفع، يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وجعلناه على ذات ألواح ودسر، تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر " .
والدسر: االمسامير، مسامير الحديد، فجعلت الفلك تجري به وبمن معه في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه الذي هلك فيمن هلك، وكان في معزل حين رأى نوح من صدق موعود ربه ما رأى، فقال: " يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين " ، وكان شقياً قد أضمر كفراً، " قال سأوي إلى جبل يعصمني من الماء " ، وكان عهد الجبال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظن أن ذلك كما كان يكون، قال نوح: " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين " .
وكثر الماء وطغى، وارتفع فوق الجبال - كما يزعم أهل التوراة - خمسة عشر ذراعاً، فباد ما على وجه الأرض من الخلق من كل شيء فيه الروح أو شجر، فلم يبق شيء من الخلائق إلا نوح ومن معه في الفلك، وإلا عوج بن عنق - فيما يزعم أهل الكتاب - فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء ستة أشهر وعشر ليال.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أرسل الله المطر أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأقبلت الوحوش حين أصابها المصر والدواب والطير كلها إلى نوح، وسخرت له، فحمل منها كما أمره الله عز وجل: " من كل زوجين اثنين " ، وحمل معه جسد آدم، فجعله حاجزاً بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء. وأخرج الماء نصفين، فذلك قول الله عز وجل " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر " ، يقول: منصب، " وفجرنا الأرض عيوناً " ، يقول: شققنا الأرض، " فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر " فصار الماء نصفين: نصف من السماء ونصف من الأرض، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً، فسارت بهم السفينة، فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعاً، ورفع البيت الذي بناه آدم عليه السلام، رفع من الغرق، - وهو البيت المعمور والحجر الأسود - على أبي قبيس، فلما دارت بالحرم ذهب في الأرض تسير بهم، حتى انتهت إلى الجودي - وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل - فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السبع، فقيل بعد السبعة الأشهر: " بعداً للقوم الظالمين " ، فلما استقرت على الجودي " قيل يا أرض ابلعي ماءك " ، يقول: أنشفي ماءك الذي خرج منك، " ويا سماء أقلعي " ، يقول: احبسي ماءك، " وغيض الماء " نشفته الأرض، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، فآخر ما بقي من الطوفان في الأرض ماء بحسمي بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان ثم ذهب.
وكان التنور الذي جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبني نوح فوران الماء منه تنورا كان لحواء من حجارة، وصار إلى نوح.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن أبي محمد، عن الحسن، قال: كان تنوراً من حجارة، كان لحواء حتى صار إلى نوح، قال: فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.
وقد اختلف في المكان الذي كان به التنور الذي جعل الله فوران مائة آية، ما بينه وبين نوح، فقال بعضهم: كان بالهند.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر أبي عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس: في " وفار التنور " . قال: فار بالهند.
وقال آخرون: كان ذلك بناحية الكوفة.
ذكر من قالك ذلك: حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن مجاهد، قال: نبع الماء من التنور، فعلمت به امرأته فأخبرته، قال: وكان ذلك في ناحية الكوفة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم: قال: حدثنا علي بن ثابت، عن السري بن إسماعيل، عن الشعبي، أنه كان يحلف بالله، ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة.
واختلف في عدد من ركب الفلك من بنين آدم، فقال بعضهم: كانوا ثمانين نفساً.
ذكر من قال لك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حثنا زيد بن الحباب، قال: حدثين حسين بن واقد الخراسياني، قال: حدثنا أبو نهيك، قال: سمعت ابن عباس يقول: كان في سفينة نوح ثمانون رجلاً، أحدهم جرهم.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريح: قال ابن عباس: حمل نوح معه في السفينة ثمانين إنساناً.
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: قال سفيان: كان بعضهم يقول: كانوا ثمانين - يعني القليل الذين قال الله عز وجل: " وما آمن معه إلا قليل " .
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: حمل نوح في السفينة بنيه: سام، وحام، ويافث، وكنائنه، نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعين من بين شيث، ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة.
وقال بعضهم: بل كانوا ثمانية أنفس.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه لم يتم في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانية.
حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنيمة، عن أبيه، عن الحكم: " وما آمن معه إلا قليلٌ " ، قال: نوح، وثلاثة بنيه، وأربع كنائنه.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج، قال: قال ابن جريح: حدثتُ أن نوحاً حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه، وامرأة نوح، فهم ثمانية بأزواجهم، وأسماءُ بنيه: يافث، وحام، وسام. فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا نوح أن تغير نطفته، فجاء بالسودان.
وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس.
ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: حدثني عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش: " وما آمن معهُ إلا قليل " قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن، وثلاثة بنين له.
وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حمل بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة أناسي ممن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم. وأرسل الله تبارك وتعالى الطوفان لمضي ستمائة سنة من عمر نوح - فيما ذكره أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم - ولتتمة ألفي سنة ومائتي سنة وست وخمسين من لدن أهبط آدم إلى الأرض.
وقيل: إن الله عز وجل أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب، وإن نوحاً أقام في الفلك إلى أن غاض الماء واستوت الفلك على جبل الجودي بقردي، في اليوم السابع عشر من الشهر السادس. فملما خرج نوح منها اتخذ بناحية قردى من أرض الجزيرة موضعاً، وابتنى هناك قرية سماها ثمانين، لأنه كان بنى فيها بيتاً لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون فهي إلى اليوم تسمى سوق ثمانين.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن صالح، عن ابن عباس، قال: هبط نوح عليه السلام إلى قرية، فبنى كل رجل منهم بيتاً، فسميت سوق ثمانين، فغرق بن قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام.
قال أبو جعفر: فصار هو وأهله فيه، فأوحى الله إليه أنه لا يعيدُ الطوفان إلى الأرض أبداً.
وقد حدثني عباد بن يعقوب الأسدي، قال: حدثنا المحاربي، عن عثمان ابن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفي أ ول يوم من رجب ركب نوح السفينة، فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر، فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكراً لله عز وجل " .
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: كانت السفينة أعلاها الطير، ووسطها الناس، وأسفلها السباع. وكان طولها في السماء ثلاثين ذراعاً ودفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر ليال مضين من رجب، وأرست على الجودي يوم عاشوراء، ومرت بالبيت، فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم، فقال لمن معه: من كان منكم صائماً فليتم صومه، ومن كان منكم مفطراً فليصم.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنها - يعني الفلك - استقلت بهم في عشر خلون من رجب، فكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت على الجودي شهراً، وأهبط بهم في عشر خلون من المحرم يوم عاشوراء.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: ما كان زمان نوح شبر من الأرض إلا إنسان يدعيه.
ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثني نصر بن علي الجهضمي، قال: أخبرنا نوح بن قيس، قال: حدثنا عون بن أبي شداد، قال: عاش - يعني نوحاً - بعد ذلك - يعني بعد الألف سنة إلا خمسين عاماً التي لبثها في قومه - ثلاثمائة وخمسين سنة.
وأما ابن إسحاق، فإن ابن حميد حدثنا، قال: حدثنا سلمة، عنه، قال: وعمر نوح - فيما يزعم أهل التوراة - بعد أن أهبط من الفلك ثلاثمائة سنة وثمانياً وأربعين سنة، قال: فكان جميعُ عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم قبضه الله عز وجل إليه.
وقيل: إن ساماً ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة. وقال بعض أهل التوراة: لم يكن التناسل، ولا ولد لنوح ولدٌ إلا بعد الطوفان، وبعد خروج نوح من الفلك.
============================================2.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
قالوا: إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه، غير أنهم بادوا وهلكوا، فلم يبق لهم عقب، وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون سائر ولد آدم، كما قال الله عز وجل: " وجعلنا ذريته هم الباقون " .
وقيل: إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعاً، كان أحدهما يقال له كنعان، قالوا: وهو الذي غرق في الطوفان، والآخر منهما يقال له عابر، مات قبل الطوفان.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ولد لنوح سام، وفي ولده بياض وأدمة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرق، والعرب تسميه يام، وذلك قول العرب: إنما هام عمنا يام، وأم هؤلاء واحدة.
فأما فأما المجوس فإنهم لا يعرفون لطوفان ويقولون لم يزل الملك فينا من عهد جيومرت، وقالوا: جيومرت هو آدم بتوارثه آخر من أول إلى عهد فيروز بن يزدجرد بن شهريار، قالوا: ولو كان لذلك صحة كان نسب القوم قد انقطع، وملك القوم قد اضمحل، وكان بعضهم يقر بالطوفان ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه. وأن مساكن ولد جيومرت كانت بالمشرق، فلم يصل ذلك إليهم.
قال أبو جعفر: وقد أخبر الله تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف ما قالوا، فقال وقوله الحق " ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون، ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين " ، فأخبر عز ذكره أن ذرية نوح هم الباقون دون غيرهم.
وقد ذكرتُ اختلاف الناس في جيومرت ومن يخالف الفرس في عينه، ومن هو، ومن نسبه إلى نوح عليه السلام.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن عثمة، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " وجعلنا ذريته هم الباقين " . وقال: " سام وحام ويافث " .
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: " وجعلنا ذريه هم الباقين " ، قال: فالناس كلهم من ذرية نوح.
حدثنى علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قلا: حدثني معاوية. عن علي، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وجعلنا ذريته هم الباقين " .
يقول: لم يبق إلا ذرية نوح.
وروي عن علي بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهري. وعن محمد بن صالح، عن الشعبي قالا: لما هبط آدم من الجنة، انتشر ولده أرخ بنوه من هبط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً فأرخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق، فهلك من هلك ممن كان على وجه الأرض. فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض قسم الأرض بين ولده أثلاثاً: فجعل لسام وسطاً من الأرض، ففيها بين المقدس، والنيل، والفرات، ودجلة، وسيحان، وجيحان، فيشون، وذلك ما بني فيشون إلى شرق النيل، وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال. وجعل لحام فسمة غربي النيل، فما وراءه إلى منخر ريح الدبور. وجعل قسم يافث في فيشون فما وراءه إلى منخر ريح الصبا، فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم، ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان، ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم، ومن مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي ذكر عن الشعبي من التاريخ ينبغي أن يكون على تاريخ اليهود، فأما أهل الإسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة، ولم يكونوا يؤرخون بشيء من قبل ذلك، غير أن قريشاً كانوا - فيما ذكر - يؤرخون قبل الإسلام بعام الفيل، وكان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة، كتاريخهم بيوم جبلة، وبالكلاب الأول، والكلاب الثاني.
وكانت النصارى تؤرخ بعهد الإسكندر ذي القرنين، وأحسبهم على ذلك من التاريخ إلى اليوم.
وأما الفرس فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم، وهم اليوم فيما أعطى يؤرخون بعهد يزدجرد بن شهريار، لأنه كان آخر من كان من ملوكهم له ملك بابل والمشرق.
ذكر بيوراسب، وهو الأزدهاقوالعرب تسميه الضحاك فتجعل الحرف الذي بين السين والزاي في الفارسية ضاداً، والهاء حاءً، والقاف كافاً، وإياه عني حبيب بن أوس بقوله:
ما نال ما قد نال فرعون ولا ... هامان في الدنيا ولا قارون
بل كان كالضحاك في سطواته ... بالعالمين، وانت أفريدون
وهو الذي افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانئ في قوله:
وكان منا الضحاك يعبده ال ... خابل والجن في مساربها
قال: واليمن تدعيه.
حدثت عن هشام بن محمد بن السائب - فيما ذكر من أمر الضحاك هذا - قال: والعجم تدعي الضحاك وتزعم أن جماً كان زوج أخته من بعض أشراف أهل بيته، وملكه على اليمن، فولدت له الضحاك.
قال: واليمن تدعيه، وتزعم أنه من أنفسها، وأنه الضحاك بن علوان بن عبيد بن عويج، وأنه ملك على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج، وهو أول الفراعنة، وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم الخليل الرحمن عليه السلام.
وأما الفرس فإنها تنسب الأزدهاق هذا غير النسب الذي ذكر هشام عن أهل اليمن، وتذكر أنه بيوراسب بن أرونداسب بن زينكاو بن ويروشك ابن تاز بن فرواك بن سيامك بن مشا بن جيومرت.
ومنهم من ينسبه هذه النسبة، غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول: هو الضحاك بن أندرماسب بن زنجدار بن وندريسج بن تاج بن فرياك بن ساهمك بن تاذي بن جيومرت.
والمجوس تزعم أن تاج هذا هو أبو العرب، ويزعمون أن أم الضحاك كانت ودك بنت ويونجهان، وأنه قتل أباه تقرباً بقتله إلى الشياطين، وأنه كان كثير المقام ببابل، وكان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار، وللآخر نفورا.
وقد ذكر عن الشعبي أن كان يقول: هو " قرشت " مسخه الله " ازدهاق " .
ذكر الرواية عنه بذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن يحيى بن العلاء، عن القاسم بن سلمان، عن الشعبي، قال: أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، كانوا ملوكاً جبابرة، فتفكر قرشت يوماً، فقال تبارك الله أحسن الخالقين! فمسخه الله فجعله اجدهاق، وله سبعة أرؤس، فهو الذي بد نباوند، وجميع أهل الأخبار من العرب والعجم تزعم أنه ملك الأقاليم كلها، وأنه كان ساحراً فاجراً.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ملك الضحاك بعد جم - فيما يزعمون، والله أعلم - ألف سنة، وتزل السواد في قرية يقال لها نرس في ناحية طريق الكوفة، وملك الأرض كلها، وسار بالجور والعسف، وبسط يده في القتل، وكان أول من سن الصلب والقطع، وأول من وضع العشور، وضرب الدراهم، وأول من تغنى وغنى له، قال: ويقال إنه خرج في منكبه سلعتان فكانتا تضربان عليه، فيشتد عليه الوجع حتى يطليهما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك في كل يوم رجلين ويطلي سلعتيه بدماغيهما، فإذا فعل ذلك سكن ما يجد، فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء، واجتمع إليه بشر كثير، فلما بلغ الضحاك خبره راعه، فبعث إليه: ما أمرك؟ وما تريد؟ قال: ألست تزعم أنك ملك الدنيا، وأن الدنيا لك! قال: بلى، قال: فليكن كلبك على الدنيا، ولا يكونن علينا خاصة، فإنك إنما تقتلنا دون الناس. فأجابه الضحاك إلى ذلك، وأمر بالرجلين اللذين كان يقتلهما في كل يوم أن يقسما على الناس جميعاً ولا يخص بهما مكان دون مكان.
قال: فبلغنا أن أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذي رفع اللواء، وأن ذلك اللواء لم يزل محفوظاً عند ملوك فارس في خزائنهم، وكان فيما بلغنا جلد أسد، فألبسه ملوك فارس الذهب والديباج تيمناً به.
قال: وبلغنا أن الضحاك هو نمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه ولد في زمانه، وأنه صاحب الذي أراد إحراقه.
قال: وبلغنا أن أفريدون - هو من نسل جم الملك الذي كان من قبل الضحاك، ويزعمون أنه التاسع من ولده، وكان مولده بدنباوند، خرج حتى ورد منزل الضحاك وهو عنه غائب بالهند، فحوى على منزله وما فيه، فبلغ الضحاك ذلك، فأقبل وقد سلبه الله قوته، وذهبت دولته، فوثب به أفريدون فأوثقه وصيره بجبال. دنباوند، فالعجم تزعم أنه إلى اليوم موثق في الحديد يعذب هناك.
وذكر غيرُ هشام أن الضحاك لم يكن غائباً عن مسكنه، ولكن أفريدون ابن أثفيان جاء إلى مسكن له في حصن يدعى زرنج ماه مهروز مهر، فنكح امرأتين له: تسمى إحداهما: أروناز والأخرى سنوار. فوهل بيوراسب لما عاين ذلك، وخر مدلها لا يعقل، فضرب أفريدون هامته بجرز له ملتوي الرأس، فزاده ذلك وهلاً وعزوب عقل، ثم توجه به أفريدون إلى جبل دنباوند، وشده هنالك وثاقاً، وأمر الناس باتخاذ مهرماه مهرروز - وهو المهرجان اليوم الذي أوثق فيه بيوراسب - عيداً، وعلا أفريدون سرير الملك.
وذكر عن الضحاك أنه قال يوم ملك وعقد عليه التاج: نحن ملوك الدنيا، المالكون لما فيها.
والفرس تزعم أن الملك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنج وجم وطهمورث، وأن الضحاك كان غاصباً وأنه غصب أهل الأرض بسحره وخبثه، وهول عليهم الحيتين اللتين كانتا على منكبيه، وأنه بنى بأرض بابل مدينة سماها حوب، وجعل النبط أصحابه وبطانته، فلقي الناسُ منه كل جهد، وذبح الصبيان.
ويقول كثير من أهل الكتب: إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه، كل واحدة منهما كرأس الثعبان، وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب. ويذكر على طريق التهويل أنهما حيتان يقتضيانه الطعام، وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاع كما يتحرك العضو من الإنسان عند التهابه بالجوع والغضب. ومن الناس من يقول: كان ذلك حيتين، وقد ذكرتُ ما وري عن الشعبي في ذلك، والله أعلم بحقيقته وصحته.
وذكر بعضُ أهل العلم بأنساب الفرس وأمورهم أنّ الناس لم يزالوا من بيوراسب هذا في جهد شديد، حتى إذا أراد الله إهلاكه وثب به رجل من العامة من أهل أصبهان يقال له كابي، وبسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه. وقيل: إنه لما بلغ الجزع من كابي هذا على ولده أخذ عصاً كانت بيده، فعلق بأطرافها جراباً كان معه، ثم نصب ذلك العلم، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته، فأسرع إلى إجابته خلق كثير، لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجور، فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك العلم، فعظموا أمره، وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الأكبر الذي يتبركون به،وسموه درفش كابيان، فكانوا لا يسيرونه إلا في الأمور العظام، ولا يرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجهوا في الأمور العظام.
وكان من خبر كابي أنه شخص عن أصبهان بمن تبعه والتف إليه في طريقه، فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه، قذف في قلب الضحاك منه الرعب، فهرب عن منازله، وخلي مكانه، وانفتح للأعاجم فيه ما أرادوا، فاجتمعوا إلى كابي وتناظروا، فأعلمهم كابي أنه لا يتعرض للملك، لأنه ليس من أهله، وأمرهم أن يملكوا بعض ولد جم، لأنه ابن الملك الأكبر أو شهنق بن فرواك الذي رسم الملك، وسبق القيام به، وكان أفريدون بن أثفيان مستخفياً في بعض النواحي من الضحاك، فوافى كابي ومن كان معه، فاستبشر القوم بموافاته، وذلك أنه كان مرشحاً للملك برواية كانت لهم في ذلك، فملكوه، وصار كابي والوجوه لأفريدون أعواناً على أمره، فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك، واحتوى على منازل الضحاك، اتبعه فأسره بدنباوند في جبالها.
بعض المحبوس تزعم أنه جعله جبيساً في تلك الجبال، موكلاً به قوم من الجن.
ومنهم من يقول: إنه قتله، وزعموا أنه لم يسمع من أمور الضحاك شيء يستحسن غير شيء واحد، وهو أن بليته لما اشتدت ودام جوره وطالت أيامه، عظم على الناس ما لقوا منه، فتراسل الوجوه في أمره، فأجمعوا على المصير إلى بابه، فوافى بابه الوجوه والعظماء من الكور والنواحي، فتناظروا في الدخول عليه والتظلم إليه، والتأتي لاستعطافه، فاتفقوا على أن يقدموا للخطاب عنهم كابي الأصبهاني، فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا وكان متقدم لهم، فمثل بين يديه، وأمسك عن السلام، ثم قال: أيها الملك، أي السلام أسلم عليك؟ أسلام من يملك هذه الأقاليم كلها، أم سلام من يملك هذا الإقليم الواحد؟ يعني بابل، فقال له الضحاك: بل سلام من يملك هذه الأقاليم كلها، لأني ملك الأرض. فقال له الأصبهاني: فإذا كنت تملك الأقاليم كلها، وكانت يدك تنالها أجمع، فما بالنا قد خصصنا بمؤنتك وتحاملك وإساءتك من بين أهل الأقاليم! وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا بيننا وبين الأقاليم؟ وعدد عليه أشياء كان يمكنه تخفيفها عنهم، وجرد له الصدق والقول في ذلك، فقدح في قلب الضحاك قوله، وعمل فيه حتى انخزل وأقر بالإساءة، وتألف القوم ووعدهم ما يحبون، وأمرهم بالإنصراف لينزلوا ويتدعوا، ثم يعودوا ليقضي حوائجهم، ثم ينصرفوا إلى بلادهم.
وزعمو أن أمه ودك كانت شراً منه وأردى، وأنها كانت في وقت معاتبة القوم إياق بالقرب منه تتعرف ما يقولونه، فتغتاظ وتنكره، فلما خرج القوم دخلت مستشيطة منكرة على الضحاك إحتماله القوم، وقالت له، قد بلغني كل ما كان وجرأة هؤلاء القوم عليك حتى قرعوك بكذا،وأسمعوك كذا، أفلا دمرت عليهم ودمدمتهم أوقطعت أيديهم! فلما أكثرت على الضحاك قال لها مع عتوه: يا هذه، إنك لم تفكري في شيء إلا وقد سبقتُ إليه، إلا أن القوم بدهوني بالحق وقرعوني به، فلما هممت بالسطوة بهم والوثوب عليهم تخيل الحق فمثل بيني وبينهم بمنزلة الجبل، فما أمكنني فيهم شيء. ثم سكتها وأخرجها، ثم جلس لأهل النواحي بعد أيام، فوفى لهم بما وعدهم، وردهم وقد لان لهم، وقضى أكثر حوائجهم، ولا يعرف للضحاك - فيما ذكر - فعلة استحسنت منه غير هذه.
وقد ذكر أن عمر الأجدهاق هذا كان ألف سنة، وأن ملكه منها كان ستمائة سنة، وأنه كان في باقي عمره شبيهاً بالملك لقدرته ونفوذ أمره. وقال بعضهم: إنه ملك ألف سنة، وكان عمره ألف سنة ومائة سنة، إلى أن خرج عليه أفريدون فقهره وقتله.
وقال بعض علماء الفرس: لا نعلم أحداً كان أطول عمراً - ممن لم يذكر عمره في التوراة - من الضحاك هذا، ومن جامر بن يافث بن نوح أبي الفرس، فإنه ذكر أن عمره كان ألف سنة.
وإنما ذكرنا خبر بيوراسب في هذا الموضع، لأن بعضهم زعم أن نوحاً عليه السلام كان في زمانه، وأنه إنما كان أرسل إليه وإلى من كان في مملكته، ممن دان بطاعته واتبعه على ما كان عليه من العتو والتمرد على الله، فذكرنا إحسان الله وأياديه عند نوح عليه السلام بطاعته ربه وصبره على ما لقي منه من الأذى والمكروه في عاجل الدنيا، بأن نجاه ومن آمن معه واتبعه من قومه، وجعل ذريته هم الباقين في الدنيا، وأبقى له ذكره بالثناء الجميل، مع ما ذخر له عنده في الآجل من النعيم المقيم والعيش الهنئ، وإهلاكه الآخرين بمعصيتهم إياه وتمردهم عليه، وخلافهم أمره، فسلبهم ما كانوا فيه من النعيم، وجعلهم عبرة وعظة للغابرين، مع ما ذخر لهم عنده في الآجل من العذاب الأليم.
ونرجع الآن إلى ذكر نوح عليه السلام والخبر عنه وعن ذريته، إذ كانوا هم الباقين اليوم كما أخبر الله عنهم، وكان الآخرون الذين بعث نوح إليهم خلا ولده ونسله قد بادوا وذريتهم، فلم يبق منهم ولا من أعقابهم أحد.
قد ذكرنا قبلُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله الله عز وجل: " وجعلنا ذريته هم الباقين " : إنهم سام، وحام، ويافث.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: إن سام بن نوح أبو العرب وفارس والروم، وإن حام أبو السودان، وإن يافث أبو الترك وأبو بأجوج ومأجوج، وهو بنو عم الترك.
وقيل: كانت زوجة يافث أربسيسة بنت مرازيل بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم عليه السلام، فولدت له سبعة نفرا وامرأة.
فمن ولدت له من الذكور جومر بن يافث وهو - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - أبو يأجوج ومأجوج، ومارح بن يافث ووائل بن يافث، وحوان بن يافث،وتوبيل بن يافث وهوشل بن يافث، وترس بن يافث، وشبكة بنت يافث. قال: فمن بني يافث كانت يأجوج ومأجوج الصقالية والترك فيما يزعمون. وكانت امرأة حام بن نوح نحلب بنت مارب بن الدرمسيل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم. فولدت له ثلاثة نفر: كوش بن حام بن نوح، وقوط بن حام بن نوح، وكنعان بن حام. فنكح كوش بن حام بن نوح قرنبيل ابنة بتاويل ابن ترس بن يافث، فولده له الحبشة والسند والهند فيما يزعمون.ونكح قوط بن حام بن نوح بخت ابنة بتاويل ابن ترس بن يفاث بن نوخ، فولدت له القبط - قبط مصر - فيما يزعمون ونكح كنعان بن حام بن نوحل أرتيل أبنة بتاويل بن ترس بن يافث بن نوح، فولدت له الأساود: نوبة،وفزان، والزنج، والزغاوة، وأجناس السودان كلها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في الحديث قال: ويزعم أهل التوراة أن ذلك لم يكن إلا عن دعوة نوح على ابنه حام، وذلك أن نوحا نام فانكشف عن عورته، فرآها حام فلم يغطها، ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوباً فوارياً عورته، فلما وهب من نومته علم ما صنع حام وسام ويافث، فقال: ملعون كنعان بن حام، عبيداً يكونون لإخوته، وقال: يبارك الله ربي في سام، ويكون حام عبد أخويه، ويقرض الله يافث، ويحل في مساكن حام ويكون كنعان عبداً لهم. قال: وكانت امرأة سام ابن نوح صليب ابنة بتاويل بن محويل بن خنوخ بن قين بن آدم، فولدت له نفراً: أرفخشد بن سام، وأشوذ بن سام، ولاوذ بن سام، وعويلم بن سام، وكان لسام إرم بن سام، قال: ولا أدري إرم لأم أرفخشد وإخوته أم لا؟ حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام بن محمد، قال: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها، وهي بين الفرات والصراة، وكانت اثنى عشر فرسخاً في اثنى عشر فرسخاً، وكان بابها موضع دوران اليوم، فوق جسر الكوفة يسرة إذا عبرت، فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف، وهم على الإسلام.
ورجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فنكح لاوذ بن سام بن نوح شبكة ابنة يافث بن نوح، فولدت له فارس وجرجان وأجناس فارس، وولد للاوذ مع الفرس طسم وعمليق، ولا أدري أهو لأم الفرس أم لا؟ فعمليق أبو العماليق.كلهم أمم تفرقت في البلاد، وكان أهل المشرق وأهل عمان وأهل الحجاز وأهل الشام، وأهل مصر منهم، ومنهم كانت الجبابرة بالشام الذين يقال لهم الكنعانيون، ومنهم كانت الفراعنة بمصر، وكان أهل البحرين وأهل عمان منهم أمة يسمون جاسم، وكان ساكني المدينة منهم، بنوهف وسعد بن هزان، وبنو مطر، وبنو الأزرق. وأهل نجد منهم بديل وراحل وغفار، وأهل تيماء منهم. وكان ملك الحجاز منهم بتيماء أسمه الأرقم، وكانوا ساكني نجد مع ذلك، وكان ساكني الطائف بنو عبد ضخم، حي من عبس الأول.
قال: وكان بنو أميم بن لاوذ بن سام بن نوح أهل وبار بأرض الرمل، رمل عالج، وكانوا قد كثروا بها وربلوا، فأصابهم من الله عز وجل نقمة من معصية أصابوها، فهلكوا وبقيت منهم بقية، وهو الذين يقال لهم النسناس.
قال:وكان طسم بن لاوذ ساكن اليمامة وما حولها، قد كثروا بها وربلوا إلى البحرين، فكانت طسم والعماليق وأميم وجاسم قوماً عرباً، لسانهم الذي جبلوا عليه لسان عربي. وكانت فارس من أهل المشرق ببلاد فارس، يتكلمون بهذا اللسان الفارسي.
قال: وولد إرم بن سام بن نوح عوص بن إرم، وغاثر بن إرم، وحويل بن إرم. فولد عوص بن إرم غاثر بن عوص وعاد بن عوص، وعبيل ابن عوص. وولد غاثر بن إرم ثمود بن غاثر، وجديس بن غاثر. وكانوا قوماً عرباً يتكلمون بهذا اللسان المضري، فكانت العرب تقول لهذه الأمم: العرب العاربة، لأنه لسانهم الذي جبلوا عليه، ويقولون لبني إسماعيل بن إبراهيم: العرب المتعربة، لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم. فعاد وثمود والعماليق وأميم وجاسم وجديس وطسم هم العرب، فكانت عاد بهذه الرمل إلى حضرموت واليمن كله، وكانت ثمود بالحجر بني الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، ولحقت جديس بطسم، فكانوا معهم باليمامة وما حولها إلى البحرين،واسم اليمامة إذ ذاك جو، وسكنت جاسم عُمان فكانوا بها.
وقال غير ابن إسحاق: إن نوحاً دعا لسام بأن يكون الأنبياء والرسل من ولده، ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده، وبدأ بالدعاء ليافث وقدمه في ذلك على سام، ودعا على حام بأن يتغير لونه، ويكون ولده عبيداً لولد سام ويافث.
قال: وذكر في الكتب أنه رق على حام بعد ذلك فدعا له بأن يرزق الرأفة من إخوته، ودعا من ولد ولده لكوش بن حام ولجامر بن يافث بن نوح، ذلك أن عدة من ولد الولد لحقوا نوحاً فخدموه، كما خدمه ولده لصلبه، فدعا لعدة منهم.
قال: فولد لسام عابر وعليم وأشوذ وأرفخشد ولاوذ وإرم، وكان مقامه بمكة. قال: فمن ولد أرفخشد الأنبياء والرسل وخيار الناس، والعرب كلها، والفراعنة بمصر. ومن ولد يافث بن نوح ملوك الأعاجم كلها من الترك والخزر وغيرهم، والفرس الذي آخرُ من ملك منهم يزدجرد بن شهريار بن أبرويز، ونسبه ينتهي إلى جيومرت بن يافث بن نوح!
قال: ويقال إن قوماً من ولد لاوذ بن سام بن نوح وغيره من إخوته نزعوا إلى جامر هذا، فأدخلهم جامر في نعمته وملكه، وأن منهم ماذي بن يافث، وهو الذي تنسب السيوف الماذية إليه. قال:وهو الذي يقال إن كيرش الماذوي قتل بلشصر بن أولمرودخ بن بختنصر من ولده.
قال: ولد حام بن نوح، النوبة، والحبشة، وفزان، والهند والسند، وأهل السواحل في المشرق والمغرب.
قال: ومنهم نمرود، وهو نمرود بن كوش بن حام.
قال: وولد لأرفخشد بن سام ابنة قينان، ولا ذكر له في التوراة، وهو الذي قيل أنه لم يستحق أن يذكر في الكتب المنزلة، لأنه كان ساحراً، وسمى نفسه إلهاً، فسيقت المواليد في التوراة على ارفخشد بن سام ثم على شالخ بن فقنان بن أرفخشد من غير أن يذكر قينان في النسب، لما ذكر من ذلك.
قال: وقيل في شالخ: إنه شالخ بن أرفخشد من ولد لقينان. وولد لشالخ عابر. وولد لعابر ابنان: أحدهما فالغ، ومعناه بالعربية قاسم - وإنما سمي بذلك لأن الأرض قسمت والألسن تبلبلت في أيامه - وسمي الآخر قحطان.
فولد لقحطان يعرب ويقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ، فنزلا أرض اليمن، وكان قحطان أول من ملك اليمن، وأول من سلم عليه " أبيت اللعن " ، كما كان يقال للملوك. وولد لفالغ بن عابر أرغوا - وولد لأرغوا ساروغ، وولد لساروغ ناحورا، وولد لنا حورا تارخ - واسمه بالعربية أزر - وولد لتارخ إبراهيم صلوات الله عليه. وولد لأرفخشد أيضاً نمرود بن أرفخشد، وكان منزله بناحية الحجر. وولد للاوذ بن سام طسم وجديس ، وكان منزلهما اليمامة.
وولد للاوذ أيضاً عمليق بن لاوذ، وكان منزله الحرم وأكناف مكة، ولحق بعض ولده بالشام، فمنهم كانت العماليق، ومن العماليق الفراعنة بمصر.
وولد للاوذ أيضاً أميم بن لاوذ بن سام، وكان كثير الولد، فنزع بعضهم إلى جامر بن يافث بالمشرق. وولد لإرم بن سام عوص بن إرم، وكان منزله الأحقاف. وولد لعوص عاد بن عوص.
وأمام حام بن نوح، فولد له كوش ومصرايم وقوط وكنعان، فمن ولد كوش نمرود المتجبر الذي كان ببابل، وهو نمرود بن كوش بن حام، وصارت بقية ولد حام بالسواحل من المشرق والمغرب والنوبة والحبشة وفزان.
قال: ويقال: إن مصرايم ولد القبط والبربر، وإن قوطاً صار إلى أرض السند والهند فنزلها، وإن أهلها من ولده.
وأما يافث بن نوح فولد له جامر وموعج وموادي وبوان وثوبال وماشج وتيرش. ومن ولد جامر ملوك فارس. ومن ولد تيرش الترك والخزر. ومن ولد ماشج الأشبان. ومن ولد موعج يأجوج ومأجوج، وهم في شرقي أرض الترك والخزر. ومن ولد بوان الصقالبة وبرجان والأشبان، كانوا في القديم بأرض الترك والخزر. ومن ولد بوان الصقالية وبرجان والأشبان، كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع بها من وقع من ولد العيص وغيرهم، وقصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة: سام وحام ويافث أرضاً، فسكنوها ودفعوا غيرهم عنها.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه: قال: الهند والسند بنو توقير بن يقطن بن عابر بن شالخ ابن أرفخشد بن سام بن نوح. ومكران بن البند، وجرهم، اسمه هذرم بن عابر بن سبأ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ. ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ ابن أرفخشد بن سام بن نوح، في قول من نسبة إلى غير إسماعيل. والفرس بنو فارس بن تيرش بن ناسور بن نوح. النبط بنو نبيط بن ماش ابن إرم بن سام بن نوح. وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرم بن سام ابن نوح. وعمليق - وهو عريب - وطسم وأميم بنو لوذ بن سام بن نوح وعمليق هو أبو العمالقة، ومنهم البربر وهم بنو ثميلا بن مارب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صنهاجة وكتامة، فإنهما بنو فريقيش بن قيس بن صيفي بن سبأ.
ويقال: إن عمليق أول من تكلم بالعربية حين ظعنوا من بابل، فكان يقال لهم ولجرهم: العرب العاربة، وثمود وجديس ابنا عابر بن إرم بن سام ابن نوح، وعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح، والروم بنو لنطي ابن يونان، وبن يافث بن نوح. ونمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وهو صاحب بين، وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه.
قال: وكان يقال لعاد في دهرهم عادُ إرم، فلما هلكت عاد قيل لثمود إرم، فلما هلكت ثمود قيل لسائر بني إرم: إرمان، فهم النبط، فكل هؤلاء كان على الإسلام وهم ببابل، حتى ملكهم نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوا وكلامهم السريانية، ثم أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لساناً، ولبني حام ثمانية عشر لساناً، ولبني يافث ستة وثلاثون لساناً، ففهم الله العربية عاداً وعبيل وثمود وجديس وعمليق وطسم وأميم وبني يقطن بنعابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.
وكان الذي عقد لهم الألوية ببابل بوناظر بن نوح، وكان نوح فيما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس: تزوج امرأة بني قابيل، فولدت له غلاماً، فسماه بوناظر، فولده بمدينة بالمشرق يقال لها معلون شمسا، فنزل بنو سام المجدل سرة الأرض، وهو ما بين ساتيدما إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم. ونزل بنو حام مجرى الجنوب والد بور، ويقال لتلك الناحية الداروم، وجعل الله فيهم أدمة وبياضاً قلياً، وأعمر بلادهم وسماءهم، ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأئل والأراك والعثر والغار والنخل، وجرت الشمس والقمر في سمائهم. ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا، وفيهم الحمرة والشقرة، وأخلى الله أرضهم فاشتد بردها، وأخلى سماءهم، فليس يجري فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدي والفرقدين، فابتلوا بالطاعون. ثم لحقت عاد بالشحر، فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث فلحقتهم بعد مهرةُ بالشحر. ولحقت عبيل بموضع يثرب، فأخروجوا منها عبيل، فنزلوا موضع الجحفة، فأقبل السيل فأجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفة. ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا ثم، ولحقت طسم وجديس باليمامة فهلكوا، ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها، وهي بني اليمامة والشحر، ولا يصلُ إليها ا ليوم أحد، غلبت عليها الجن. وإنما سميت أبار بأبار بن أميم. ولحقت بن يقطن بنو عابر باليمن، فسميت اليمن حيث تيامنوا إليها، ولحق قوم من بني كنعان بالشأم فسميت الشأم حيث تشاءموا إليها، وكانت الشأم يقال لها أرض بني كنعان، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها، ونفوهم عنها، فكانت الشأم لبني إسرائيل، ثم وثبت الروم على بني إسرائيل فقتلوهم، وأجلوهم إلى العراق إلا قليلاً منهم، ثم جاء العرب فغلبوا على الشأم، وكان فالغ وهو فالغ بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح - هو الذي قسم الأرض بين بني نوح كما سمينا.
وأما الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن علماء سلفنا في أنساب الأمم التي هي في الأرض اليوم، فعلى ما حدثني أحمد بن بشير بن أبي عبد الله الوراق، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش " .
حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسمل، قال: " ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو الزنج، ويافث أبو الروم " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش " .
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثني روح، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ولد نوح سام وحام ويافث " . قال عبد الله: قال روح: أحفظ يافث، وسمعت مرة يافت.
وقد روي هذا الحديث عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة وعمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ولد نوح ثلاثة، وولد كل واحد ثلاثة: سام، حام، ويافث.
فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير. وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وليس في واحد من هؤلاء خير، وولد حام القبط والسودان والبربر.
وروي عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن عطاء، عن أبيه، قال: ولد حام كل أسود جعد الشعر، وولد يافث كل عظيم الوجه صغير العينين، وولد سام كل حسن الوجه حسن الشعر. قال: وعاد نوح على حام ألا يعدو شعر ولده أانهم، وحيثما لقى ولده ولد سام استعبدوهم.
وزعم أهل التوراة أن سام ولد لنوح بعد أن مضى من عمره خمسمائة سنة، ثم ولد لسام أرفخشد بعد أن مضى من عمر سام مائة سنة وسنتان، فكان جميع عمر سام - فيما زعموا - ستمائة سنة. ثم ولد لأرفخشد فينان، وكان عمر أرفخشد أربعمائة وثمانياً وثلاثين سنة. وولد قينان لأفرفخشد بعد أن مضى من عمره خمس وثلاثون سنة، ثم ولد لقينان شالخ بعد أن مضى من عمره تسع وثلاثون سنة، ولم يذكر مدة عمر قينان في الكتب فيما ذكر لما ذكرنا من أمره قبل. ثم ولد لشالخ عابر بعد أن مضى من عمره ثلاثون سنة، وكان عمر شالخ كله أربعمائة سنة وثلاثاً وثلاثين سنة.
ثم ولد لعابر فالغ وأخوه قحطان، وكان مولد فالغ بعد الطوفان بمائة وأربعين سنة، فلما كثر الناس بعد ذلك مع قرب عهدهم بالطوفان هموا ببناء مدينة تجمعهم فلا يتفرقون، أو صرح علاٍ يحرزهم من الطوفان إن كان مرة أخرى فلا يغرقون، فأراد الله عز وجل أن يوهن أمرهم، ويخلف ظنهم ويعلمهم أن الحول والقوة له، فبدد شملهم، وشتت جمعهم، وفرق ألسنتهم. وكان عمر عابر أربعمائة سنة وأربعاً وسبعين سنة.
ثم ولد لفالغ أرغوا،وكان عمر فالغ مائتين وتسعاً وثلاثين سنة، وولد أرغوا لفالغ وقد مضى من عمره ثلاثون سنة، ثم ولد لأرغوا ساروغ، وكان عمر أرغوا مائتين وتسعاً وثلاثين سنة، ثم ولد لأرغوا ساروغ، وكان عمر أرغوا مائتين وتسعاً وثلاثين سنة، وولد له ساروغ بعد ما مضى من عمره اثنتان وثلاثون سنة. ثم ولد لساروغ ناحور، وكان عمر ساروغ مائتين وثلاثين سنة. وولد له ناحور، وقد مضى من عمره ثلاثون سنة.
ثم ولد لناحور تارخ أبو إبراهيم، صلوات الله عليه، وكان هذا الإسم اسمه الذي سماه أبوه، فلما صار مع نمرود قيماً على خزانة آلهته سماه آزر. وقد قيل: إن أزر ليس باسم أبيه، وإنما هو اسم صنم، فهذا قول يروي عن مجاهد. وقد قيل إنه عيب عابه به بمعنى معوج، بعد ما مضى من عمر ناحور سبع وعشرون سنة، وكان عمر ناحور كله مائتين وثمانياً وأربعياً سنة.
وولد لتارخ إبراهيم، وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة، وكان بعضُ أهل الكتاب يقول: كان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستون سنة، وذلك بعد خلق آدم بثلاثة آلاف وثلاثمائة سنة وسبع وثلاثين سنة.
وولد لقحطان بن عابر يعرب، فولد يعرب يشجب بن يعرب، فولد يشجب سبأ بن يشجب، فولد سبأ حمير بن سبأ وكهلان بن سبأ وعمرو ابن سبأ، والأشعر بن سبأ وأنمار بن سبأ ومر بن سبأ عاملة بن سبأ. فولد عمرو ابن سبأ عدي بن عمرو، فولد عدي لخم بن عدي وجذام بن عدي.
وقد زعم بعض نسابي الفرس أن نوحاً هو أفريدون الذي قهر الأزدهاق، وسلبه ملكه. وزعم بعضهم أن أفريدون هو ذو القرنين صاحب إبراهيم عليه السلام الذي قضى له ببئر السبع، الذي ذكر الله في كتابه. وقال بعضهم: هو سليمان بن داود.
وإنما ذكرته في هذا الموضع لما ذكرت فيه من قول من قال: إنه نوح، وإن قصته شبيهة بقصة نوح في أولاد له ثلاثة، وعدله وحسن سيرته، وهلاك الضحاك على يده. وأنه قيل إن هلاك الضحاك كان على يد نوح وأن نوحاً إنما كان أرسل - في قول من ذكرت عنه أنه قال: كان هلاك الضحاك على يدي نوح - حين أرسل إلى قومه، وهم كانوا قوم الضحاك.
فأما الفرس فإنهم ينسبونه النسبة التي أنا ذاكرها، وذلك أنهم يزعمون أن أفريدون من ولد جم شاذ الملك الذي قتله الأزدهاق، على ما قد بينا من أمره قبل، وان بينه جم عشرة آباء.
وقد حدثت عن هشام بن محمد بن السائب، قال: بلغنا أن أفريدون - وهو من نسل جم الملك الذي كان من قبل الضحاك، قال: ويزعمون أنه التاسع من ولده، وكان مولده بدنباوند - خرج حتى ورد منزل الضحاك، فأخذه وأوثقه، وملك مائتي سنة، ورد المظالم، وأمر الناس بعبادة الله والإنصاف والإحسان، ونظر إلى ما كان الضحاك غصب الناس من الأرضين وغيرها، فرد ذلك كله على أهله، إلا ما لم يجد له أهلاً، فإنه وقفه على المساكين والعامة.
قال: ويقال إنه أول من سمي الصوافي، وأول من نظر في الطب والنجوم، وإنه كان له ثلاثين بنين: اسم الأكبر سلم، والثاني طوج، والثالث إبرج، وأن افريدون تخوف ألا يتفق بنوه، وأن يبغي بعضهم على بعض، فقسم ملكه بنيهم ثلاثاً، وجعل ذلك في سهام كتب أسماءهم عليها، وأمر كل واحد منهم فأخذ سهماً، فصارت الروم وناحية المغرب لسلم، وصارت الترك والصين لطوج، وصارت للثالث - وهو إيرج - العراق والهند، فدفع التاج والسرير إليه، ومات أفريدون، فوثب إيرج أخواه فقتلاه، وملكا الأرض بينهما ثلاثمائة سنة.
قال: والفرس تزعم أن لأفريدون عشرة آباء، كلهم يسمي أثفيان باسم واحد. قالوا: وإنما فعلوا ذلك فعلوا ذلك خوفاً من الضحاك على أولادهم، لرواية كانت عندهم، بأن بعضهم يغلب الضحاك على ملكه،ويدرك منه ثأر جم، وكانوا يعرفون ويميزون بألقاب لقبوها، فكان يقال للواحد منهم: أثفيان صاحب البقر الحمر، وأثفيان صاحب البقر البلق، وأثفيان صاحب البقر الكدر. وهو أفريدون بن أثفيان بوكاو - وتفسيره صاحب البقر الكثير - بن أثفيان نيككاو - وتفسيره صاحب البقر الجياد، بن أثفيان سيركاو - وتفسيره صاحب البقر السمان العظام - بن أثفيان بوركاو - وتفسيره صاحب البقر التي بلون حمير الوحش - بن أثفيان أخشين كاو - وتفسيره صاحب البقر الصفر - بن أثفيان سياه كاو - وتفسيره صاحب البقر السود - بن أثفيان اسبيذكاو - وتفسيره صاحب البقر البيض - بن أثفيان كيروكاو - وتفسيره صاحب البقر الرمادية - بن أثفيان رمين - وتفسيره كل ضرب من الألوان والقطعان - بن أثفيان بنفر وسن، بن جم الشاذ.
وقيل: إن أفريدون أول من سمي بالكيية فقيل له: كي أفريدون، وتفسير الكيية أنها بمعنى التنزيه، كما يقال: روحاني، يعنون به أن أمره أمر مخلص منزه يتصل بالروحانية. وقيل إن معنى " كي " اي طلب الدخل، ويزعم بعضهم أن " كي " من البهاء، وأن البهاء يغشى أفريدون حين قتل الضحاك، وتذكر العجم من الفرس أنه كان رجلاً جسيماً وسيماً بهياً مجرباً، وأن أكثر قتاله كان بالجرز، وأن جرزه كان رأسه كرأس الثور، وأن ملك ابنه إبرج العراق ونواحيها كان في حياته، وأن أيام إيرج داخله في ملك أفريدون، وأنه ملك الأقاليم كلها، وتنقل في البلدان، وأنه لما جلس على سريره يوم الملك قال: نحن القاهرون بعون الله وتأييده للضحاك، القامعون للشيطان وأحزابه، ثم وعظ الناس، فأمرهم بالتناصف وتعاطي الحق وبذل الخير بينهم، وحثهم على الشكر والتمسك به، ورتب سبعة من القوهياربين - وتفسير ذلك محولو الجبال سبع مراتب - وصير إلى كل واحد منهم ناحية من دنباوند وغيرها على شبيه بالتمليك. قالوا: فلما ظفر بالضحاك قال له الضحاك: لا تقتلني بجدك جم، فقال له أفريدون منكراً لقوله: لقد سمت بك همتك، وعظمت في نفسك حين قدرتها لهذا، وطمعت لها فيه! وأعلمه أن جده كان أعظم قدراً من أن يكون مثله كفئاً له في القود، وأعلمه أنه يقلته بثور كان في دار جده.
وقيل إن أفريدون أول من ذلل الفيلة وامتطاها، ونتج البغال، واتخذ الإوز والحمام، وعالج الدرباق، وقاتل الأعداء فقتلهم ونفاهم، وأنه قسم الأرض بين أولاده الثلاثة: طوج وسلم وإيزج، فملك طوجاً ناحية الترك والخزر والصين، فكانوا يسمونها صين بغا، وجمع إليها النواحي التي اتصلت بها، وملك سلماً ابنه الثاني الروم والصقالية والبرجان وما في حدود ذلك، وجعل وسط الأرض وعامرها - وهو إقليم بابل، وكانوا يسمونها خنارث بعد أن جمع إلى ذلك ما اتصل به من السند والهند والحجاز وغيرها - لأيرج وهو الأصغر من بنيه الثلاثة، وكان أحبهم إليه. وبهذا السبب سمي إقليم بابل إيرانشهر، وبه أيضاً نشبت العداوة بين ولد أفريدون وأولادهم بعد، وصار ملوك خنارث والترك والروم إلى المحاربة ومطالبة بعضهم بعضاً بالدماء والترات.
وقيل: إن طوجاً وسلماً لما علما بأن أباهما قد خص إيرج وقدمه عليهما أظهرا له البغضاء، ولم يزل التحاسد ينمي بينهم إلى أن وثب طوج وسلم على أخيمها إيرج. فقتلاه متعاونين عليه، وأن طوجا رماه بوهق فخنقه، فمن أجل ذلك استعملت الترك الوهق، وكان لإيرج ابنان، يقال لهما وندان وأسطوية، وابنة يقال لها خوزك، ويقال خوشك، فقتل سمل وطوج الابنين مع ابيهما، وبقيت الإبنة.
وقيل: إن اليوم الذي غلب فيه أفريدون الضحاك كان روزمهر من مهرماه، فاتخذ الناس ذلك اليوم عيداً لارتفاع بلية الضحاك عن الناس، وسماه المهرجان، فقل: إن أفريدون كان جباراً عادلاً في ملكه، وكان طوله تسعة أرماح، كل رمح ثلاثة أبواع، وعرض حجرته ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، وأنه كان يتبع من كل بقي بالسودان من آل نمرود والنبط، وقصدهم حتى أتى على وجوههم، ومحا أعلامهم وآثارهم، وكان ملكه خمسمائة سنة.
ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم
خليل الرحمن عليهما السلام
قد ذكرنا قبلُ ما كان من أمر نوح عليه السلام وأمر ولده واقتسامهم الأرض بعده، ومساكن كل فريق منهم، وأي ناحية سكن من البلاد. وكان ممن طغا وعتا على الله عز وجل بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولاً فكذبوه وتمادوا في غيهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح: أحدهما عاد ابن عوص بن إرم ابن سام بن نوح، وهي عاد الأولى، الثاني ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهم كانوا العرب العاربة.
فأما عاد فإنّ الله عز وجل أرسل إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود ابن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. ومن أهل الأنساب من يزعم أن هوداً هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكانوا أهل أوثان ثلاثة يعبدونها، يقال لإحداها: صداء، وللآخر صمود، وللثالث الهباء. فدعاهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة دون غيره، وترك ظلم الناس، فكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة! فلم يؤمن بهودٍ منهم إلا قليلٍ، فوعظهم هود إذ تمادوا في طغيانهم، فقال لهم: " أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون، إني أخافُ عليكم عذاب يوم عظيم " . فكان جوابهم له أن قالوا: " سواء علينا أو عظت أم لم تكن من الواعظين " . وقالوا له: " يا هود ما جئتنا ببنيةٍ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعضُ آلهتنا بسوء " ، فحبس الله عنهم - فيما ذكر - القطر سنين ثلاثاً، حتى جهدوا، فأوفدوا وفداً ليستسقوا لهم.
فكان من قصتهم ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري، قال: قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمررت بامرأة بالربذة، فقالت: هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلتُ: نعم، فحملتها حتى قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وإذا بلالُ متقلد السيف، وإذا رايات سود، قال: قلت: ما هذا؟ قالوا: عمر بن العاص قدم من غزوته، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منبره أتيته فاستأذنته، فأذن لي، فقلتُ. يا رسول الله، إن بالباب امرأة من بني تميم، قد سألتني أن أحملها إليك، قال: يا بلال، ائذن لها، قال: فدخلت، فلما جلست قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت الدبرة عليهم، فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم فعلت، قال:تقول المرأة فأين تضطر مضرك يا رسول الله؟ قال: قلت: مثلي مثل معزى حملت حتفاً، قال: قلت: أو حملتك تكونين على خصماً! أعوذ بالله أن أكون كوفد عاد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما وفد عاد؟ قال: قلت: على الخبير سقطت، إن عاداً قحطت، فبعثت من يستسقي لها، فمروا على بكر بن معاوية بمكة يسقيهم الخمر،وتغنيهم الجرادتان شهراً، ثم بعثوا رجلاً من عنده، حتى أتى جبال مهرة، فدعا، فجاءت سحابات، قال: وكلما جاءت قال: إذهبي إلى كذا، حتى جاءت سحابة فنودي منها: خذها رماداً رمددا، لا تدع من عاد أحداً قال: فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب.
قال أبو كريب: قال أبو بكر بعد ذاك في حديث عاد، قال: فأقبل الذي أتاهم، فأتى جبال مهرة فصعد فقال: اللهم إني لم أجئك لأسير فأفاديه، ولا لمريض أشفيه، فأسق عاداً ما كنت مسقيه! قال: فرفُعت له سحابات. قال: فنودي منها: أختر، فجعل يقول: اذهبي إلى بني فلان اذهبي إلى بني فلان. قال: فمرت آخرها سحابة سوداء، فقال: اذهبي إلى عاد. قال: فنودي منها: خذها رماداً رمدداً، لا تدع من عاد أحداً. قال:وكتمهم والقوم عند بكر بن معاوية يشربون. قال: وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده، وأنهم في طعامه. قال: فأخذ في الغناء وذكرهم.
حدثنا أبو كريب، قال حدثنا زيد بن حباب، قال: حدثنا سلام أبو المنذر النحوي، قال، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري، قال: خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فقدمتُ المدينة - قال أبو جعفر: أظنه أنا قال: " فإذا رايات سود " - قال: قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجهاً. قال: فجلست حتى فرغ، قال: فدخل منزله - أو قال رحله - فاستأذنتُ عليه، فأذن لي. قال: فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قال: قلت: نعم، وكانت الدبرة عليهم، وقد مررت بالربذة، فإذا عجوز منهم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت، فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزاً، فحميت العجوزُ واستوفزت، وقالت: فأين تضطر مضرك يا رسول الله؟ قال: قلت: أنا كما قالوا: " معزي حملت حتفاً " ، حملتُ هذه ولا أشعر أنها كائنة لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال: وما وافد عاد؟ قلت: على الخبير سقطت، قال: وهو يستطعمني الحديث قلت: إن عادا ً قحطوا فبعثوا " قيلاً " وافداً، فنزل على بكر، فسقاه الخمر شهراً، وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج إلى جبال مهرة، فنادى: إني لم أجئ لمريض فأدوايه ولا لأسير فأفاديه، اللهم أسق عاداً ما كنت تسقيه! فمرت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً. قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد، فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلا قدر ما يجري في خاتمي. قال أبو وائل: وكذلك بلغني.
وأما ابن إسحق فإنه قال كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه: أن عاداً لما أصابهم من القحط ما أصابهم قالوا: جهزوا منكم وفداً إلى مكة فيستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عتر ولقيم بن هزال بن هزيل بن عتيل ابن صد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير - وكان مسلماً يكتم إسلامه - وجلهمة بن الخبيري، خال معاوية بن بكر أخا أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صد بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه، حتى بلغ عدةُ وفدهم سبعين رجلاً، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وصهره. وكانت هزيلة ابنة بكر أختَ معاوية بن بكر لأبيه وأمه كلهدة ابنة الخيبري عند لقيم بن هزال بن عتيل بن صد بن عاد الأكبر، فولدت له عبيد بن لقيم بن هزال وعمرو بن لقيم بن هزال وعامر بن لقيم بن هزال وعمير بن لقيم بن هزال، فكانوا في أخوالهم بمكة عند آل معاوية بن بكر، وهم عاد الأخيرة التي بقيت من عاد الأولى. فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهراً بشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان - قينتان لمعاوية بن بكر - ولكان مسيرهم شهراً، ومقامهم شرهاً، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شق ذلك عليه فقال: هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي، وهو ضيق نازلون علي، والله ما أدري: كيف أصنع بهم! أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من و راءهم من قومهم جهداً وعطشاً، أو كما قال. فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعراً نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم! فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك:
ألا يا قيلُ، ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماماً
فيسقي أرض عادٍ، إن عاداً ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد، فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخيرٍ ... فقد أمست نساؤهم غيامى
وإن الوحش تأتيهم جهاراً ... ولا تخشى لعادي سهاماً
وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفدٍ قومٍ ... ولا لقوا التحية والسلام!
فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير: إنكم لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وأنبتم إليه سقيتم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جلهمة بن الخيبري، خال معاوية بن بكر حين سمع قوله، وعرف أنه قد تبع دين هود آمن به:
أبا سعد فإنك من قبيلٍ ... ذوي كرمٍ وأمك من ثمود
فإنا لن نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريدُ
أتأمرنا لنترك آل رفدٍ ... وزمل وآل صدٍ والعبود
ونترك دين آباء كرم ... ذوي رأي ونتبع دين هود
ورفد وزمل وصد قبائل من عاد، والعبود منهم. ثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا. ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولو إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية، حتى أدركهم بها قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له. فلما انتهى إليهم قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون. فقال: اللهم أعطني سؤلي وحدي، ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد. وكان قيل بن عتر رأس وفد عاد.وقال وفد عاد: " اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله " . وقد كان تخلف عن وفد عاد لقمان بن عاد، وكان سيد عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهم إن جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي. وقال قيل بن عتر حين دعا: يا إلهنا، إن كان هود صادقاً فاسقنا فإنا قد هلكنا. فأنشأ الله سحائب ثلاثاً: بيضاء وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل، اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب. فقال: قد اخترتُ السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماءً، فناداه مناد: اخترت رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، لا والداً تترك ولا ولداً، إلا جعلته همداً، إلى بني اللوذية المهدي وبنو اللوذية بنو لقيم بن هزال بن هزيل بن هزيلة ابنة بكر، كانوا سكاناً بمكة مع أخوالهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد.
وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيثُ. ولما رأوها استبشروا بها، وقالوا: " هذا عارض ممطرنا " ، يقول الله عز وجل: " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر بها " ، أي كل شيء أمرت به. فكان أول من أبصر ما فيها أنها ريخ - فيما يذكرون - امرأة من عاد يقال لها مهدد، لما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحاً فيها كشهبُ النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم " سبع ليال وثمانية أيام حسوماً " ، كما قال الله: والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عادٍ أحداً إلا هلك.
فاعتزل هود - فيما ذكر - ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه منها إلا ما تلين عليه الجلود، وتلتذ الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر وأبيه، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذا أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مسى ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا: فأين فارقت هودا وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكوا فيما حدثهم، فقالت هزيلة ابنة بكر: صدق ورب مكة. ومثوب بن يعفر بن أخي معاوية بن بكر معهم. وقد كان قيل - فيما يزعمون والله أعلم - لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل بن عتر حين دعوا بمكة: قد أعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيل إلى الخلد، فإنه لا بد من الموت، فقال مرثد بن سعد: يا رب، أعطني براً وصدقاً، فأعطي ذلك، وقال لقمان بن عاد: أعطني عمراً، فقيل له: أختر لنفسك، إلا إنه لا سبيل إلى الخلد: بقاء أيعار ضأن عفر، في جبل وعر، لا يلقي به إلا القطر، أم سبعة أنسر إذا مضى نسر حلوت إلى نسر؟ فاختار لقمان لنفسه النسور، فعمر - فيما يزعمون - عمر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته، فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره، فلم يزل يفعل ذلك، حتى أتى على السابع. وكان كل نسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة، فلما لم يبق غير السابع قال ابن أخ للقمان: أي عم، ما بقي من عمرك إلا عمر هذا النسر، فقال له لقمان: أي ابن أخي: هذا لبد - ولبد بلسانهم الدهر - فلما أدرك نسر لقمان، وانقضى عمره، طارت النسور غداةً من رأس الجبل، ولم ينهض فيها لبد، وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه، إنا هي بعينه. فلما لم ير لقمان لبداً نهض مع النسور، نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لبد، فوجد لقمان في نفسه وهناً لم يكن يجده قبل ذلك، فلما انتهى إلى الجبل رأى نسره لبداً واقعاً من بين النسور، فناداه: انهض لبد، فذهب لبد لينهض فلم يستطع، عريت قوادمه وقد سقطت، فماتا جميعاً.
وقيل لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له في السحاب: اختر لنفسك كما اختار صاحباك فقال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي، فقيل: إنه الهلاك، قال: لا أبالي، لا حاجة لي في البقاء بعدهم. فأصابه ما أصاب عاداً من العذاب فهلك، فقال مرثد بن سعد بن عفير حين سمع من قول الراكب الذي أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك:
عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشاً ما تبلهم السماء
وسير وفدهم شرهاً ليسقوا ... فأردفهم مع العطش العماء
بكفرهم بربهم جهاراً ... على آثار عادهم العفاء
ألا نزع الإله حلوم عادٍ ... فإن قلوبهم فقر هواء
من الخبر المبين أن يعوه ... وما تغني النصيحة والشفاء
فنفسي وابنتاي وأم ولدي ... لنفس نبينا هودٍ فداء
أتانا والقلوب مصمدات ... على ظلم، وقد ذهب الضياء
لنا صم يقال له صمود ... يقابله صداء والبهاء
بأبصرهُ الذين له أنابوا ... وأدرك من يكذبه الشقاء
فإني سوف ألحق آل هودٍ ... وإخوته إذا جن المساء
وقيل: إن رئيسهم وكبيرهم في ذلك الزمان الخلجان.
حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا أبي، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريحُ على عاد من الوادي، قال سبعة رهط منهم، أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقوم على شفير الوادي فنردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله، ثم ترمي به فتندق عنقه، فتركهم كما قال الله عز وجل: " صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ " حتى لم يبق منهم إلا الخلجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه، فهزه فاهتز في يده، ثم أنشأ يقول:
لم يبق إلى الخلجان نفسه ... نالك من يوم دهاني أمسه
بثابت لوط شديد وطسه ... لو لم يجئني جئته أجسه
فقال له هود: ويحك يا خلجان! أسلم تسليم، فقال له: وما لي عند ربك إن أسلمت؟ قال: الجنة، قال: فما هؤلاء الذين أراهم في هذا السحاب كأنهم البخت، قال هود: تلك ملائكة ربي، قال: فإن أسلمت أيعيذني ربك منهم؟ قال: ويلك! هل رأيت ملكاً يعيذ من جنده! قلا: لو فعل ما رضيت، قال: ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه، أو كلاماً هذا معناه.
قال أبو جعفر: فأهلك الله الخلجان، وأفنى عاداً خلا من بقي منهم، ثم بادوا بعد، ونجى الله هوداً ومن آمن به. وقيل: كان عمر هودٍ مائة سنة وخمسين سنة.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: " وإلى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره " إن عاداً أتاهم هود فوعظهم وذكرهم بما قص الله في القرآن، فكذبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب فقال له: " إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به " ، وإن عاداً أصابهم حين كفروا قحط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهداً شديداً، وذلك أن هوداً دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها تبادروا إلى البيوت، حتى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم " في يوم نحس " ، والنحس هو الشؤم " مستمر " استمر عليهم بالعذاب. " سبع ليال وثمانية أيام حسوماً " ، حسمت لك شيء مرت به، حتى أخرجتهم من البيوت، قال الله تبارك وتعالى: " تنزع الناس " عن البيوت، " كأنهم أعجاز نخل منقعرٍ " ، انقعر من أصوله. " خاوية " خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيراً سوداً، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله عز وجل: " فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم " .
ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبهم، ثم يعلمواكم كان مكيالها؟ فذلك قوله " فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتيةٍ " .
والصرر: ذات الصوت الشديد.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهباً يقول: إن عاداً لما عذبهم الله بالريح التي عذبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم عليهم بيوتهم، فمن لم يكن في بيتٍ هبت به الريح حتى تقطعه بالجبال، فهلكوا بذلك كلهم.
وأما ثمود فإنهم عتوا على ربهم، وكفروا به، وأفسدوا في الأرض، فبعث الله إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود ابن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، رسولاً يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة.
وقيل: صالح، هو صالح بن أسف بن كماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر ابن إرم بن سام بن نوح.
فكان من جوابهم له أن قالوا له: " يا صالحُ قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريبٍ " . وكان الله عز وجل قد مدّ لهم في الأعمار، وكانوا يسكنون الحجر إلى وادي القرى، بين الحجاز الشام، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمردهم وطغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى الله إلى مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له: إن كنت صادقاً فأتنا بآية.
فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال: قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين. قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هضبة من الأرض، فإذا هي تتمخص كما تتمخض الحامل، ثم تفرجت فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح عليه السلام: " هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم " . " لها شربُ ولكم شربُ يومٍ معلومٍ " فلما ملوها عقروها، فقال لهم: " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب " . قال عبد العزيز: وحدثني رجل آخر أن صالحاً قال لهم: إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حمراً، واليوم الثاني صفراً، واليوم الثالث سوداً، فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدوا.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة، قال: قلنا له: حدثنا حديث ثمود، قال: أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمود. كانت ثمود قوم صالح عمرهم الله عز وجل في الدنيا، فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فيتهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً فرهين، فنحتوها وجابوها وجوفوها، وكانوا في سعة من معايشهم، فقالوا: يا صالح، ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله فدعا ربه، فأخرج لهم الناقة فكان شربها يوماً وشربهم يوماً معلوماً، فإذا كان يوم شربها خلوا عنها وعن الماء، وحلبوهاً لبناً، ملئوا كل إناء ووعاء وسقاء، فإذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئاً، فملئوا كل إناء ووعاء وسقاء، فأوحى الله عز وجل إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم، فقالوا: ما كنا لنفعل، قال: إلا تعقروها أنتم أو شك أن يولد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ما علامةُ ذلك المولود؟ فوالله لا نجده إلى قتلناه، قال: فإنه غلام أشقرُ أزرق أصهب أحمر، قال: فكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفئاً، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه: مايمنعك أن تزوج ابنك؟ قال: لا أجد له كفئاً، قال: فإن ابنتي كفء له، وأنا أزوجك، فزوجه فولد منهما ذلك المولود.
وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولودٌ فيكم اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شرطاً كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجدوا المرأة تمخض نظروا ما ولدها؟ فإن كن غلاماً قتلنه، وإن كانت جارية أعرضن عنها، فلما وجدوا ذتك المولود صرخ النسوة، وقلن: هذا الذي يريد رسول الله صالح، فأراد الشرط أن يأخذوها، فحال جداه بينه وبينهم. وقالوا: إن أراد صالح هذا قتلناه، وكان شر مولود، وكان يشب في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جديه، فصاروا تسعة، وكان صالح عليه السلام لا ينام معهم في القرية، بل كان في مسجد يقال له مسجد صالح، فيه يبيت بالليل، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، فإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه.
قال حجاج: قال ابن جريج: لما قال لهم صالح عليه السلام: إنه سيولد غلام يكون هلاكهم على يديه، قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم، فقتلوهم إلا واحداً، قال: فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنا لم نقتل أولادنا لكان لكل واحد منا مثل هذا، هذا عمل صالح! فأثمروا بينهم بقتله، وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانية، ثم نرجع من ليلة كذا وكذا فنرصد عند مصلاه فنقتله، فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن. فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأنزل الله عز وجل عليهم الصخرة فرضختهم فأصبحوا رضخاً، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم، فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله، أما رضي صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم! فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة أجمعون، فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر.
قال أبو جعفر: ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأرادوا أن يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على سرب على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانية وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيتناهم، فأمر الله عز وجل الأرض فاستوت عليهم، قال: فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة، وهو على حوضها قائمة، فقال الشقي لأحدهم: ائتها فاعقرها، فأتاها، فتعاظمه ذلك، فأضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك، فجعل لا يبعث أحداً إلى تعاظمه أمرها، حتى مشى إليها وتطاول فضرب عرقوبيها، فوقعت تركض، فأتى رجلٌ منهم صالحاً فقال: أدرك الناقة فقد عقرت. فأقبل: فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه: يا نبي الله، إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا، قال: انظروا هل تدركون فصيلها! فإن أدركتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب! فخرجوا يطلبونه، فلما رأى الفصيل أمه تضطرب أتى جبلاً - يقال له القارة - قصيراً فصعده وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله عز وجل إلى الجبل، فطال في السماء حتى ما تناله الطير، قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم استقبل صالحاً، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى، فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم، تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب، إلا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فلما أصبحوا إذا وجوهم كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومٌ من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوهم محمرة، كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: الا قد مضى يومان من الأجل، وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعاً: ألا قد حضركم العذاب، فتكفنوا وتحنطوا، وكان حنوطهم الصبر والمقسر، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض، فجعلوا يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة، وإلى الأرض مرة، لا يدرون من حيث يأتيهم العذاب، من فوقهم من السماء، أو من تحت أرجلهم من الأرض خشعاً وفرقاً، فلما أصبحوا اليوم الربع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوتٌ في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله من بين المشارق والمغارب منهم، إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله، منعه حرم الله من عذاب الله قيل: ومن هو يا رسول الله؟ قال: أبو رغال، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود لأصحابه: " لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم " ، وأراهم مرتقى الفصيل، حين ارتقى في القارة قال ابن جريج: وأخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمران، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود قال: " لا يدخلن على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم " .
قال ابن جريج: قال جابر بن عبد الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى على الحجر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فتشرب ماءهم يوم وردها " .
حدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعي، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خشيم، قال: حدثنا أبو الطفيل قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم عزاة تبوك، نزل الحجر فقال: " أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سالوا نبيهم ان يبعث لهم آية، فبعث الله تعالى ذكره لهم الناقة آية، فكانت تلجُ عليهم يوم وردها من هذا الفج فتشرب ماءهم، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزودون من مائهم قبل ذلك لبناً، ثم تخرج من ذلك الفج. فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعداً من الله غير مكذوب، فأهلك الله من كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلى رجلاً واحداً كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، قالوا: ومن ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: أبو رغال.
فأما أهل التوراة فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة، وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه.
قال: ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذي قيل في عاد وثمود وأمورهم بعض ما قيل. ما يعلم به من ظن خلاف ما قلنا في شهرة أمرهم في العرب صحة ذلك.
ومن أهل العلم من يزعمون أن صالحاً عليه السلام توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنه أقام في قومه عشرين سنة.
قال أبو جعفر: نرجع الآن إلى:
ذكر إبراهيم
خليل الرحمن عليه السلام وذكر من كان في عصره من ملوك العجم
إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التي مضت قبل ذلك. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح.
واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والموضع الذي ولد فيه، فقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقال بعضهم:كان مولده ببابل من أرض السواد، وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثي. وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء بناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوئي. وقال بعضهم: كان مولده بحران، لكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل. وقال عامة السلف من أهل العلم: كان مولد إبراهيم عليه السلام في عهد نمرود بن كوش. ويقول عامة أهل الأخبار: كان نمرود عاملاً للازدهاق الذي زعم بعض من زعم أن نوحاً عليه السلام كان مبعوثاً إليه على أرض بابل وما حولها. وأما جماعة من سلف من العلماء فإنما يقولون: كان ملكاً برأسه، واسمه الذي هو اسمه فيما قيل: زرهي بن طهماسلفان.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق - فيما ذكر لنا والله أعلم - أن آزر كان رجلاً من أهل كوثي، من قرية السواد سواد الكوفة، وكان إذا ذاك ملك المشرق لنمرود الخاطئ، وكان يقال له الهاصر، وكان ملكه - فميا يزعمون - قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل، قال: وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس.
قال: ويقال لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك: نمرود بن أرغوا، وذي القرنين، وسليمان بن داود.
وقال بعضهم: نمرود هو الضحاك نفسه.
حدثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا والله أعلم أن الضحاك هو نمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحرقه.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي صالح وعن أبي مالك، عن ابن عابس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان ابن كوش بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبخت نصر: مؤمنان وكافران.
وقال ابن إسحاق فيما حدثين ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: فلما أراد الله عز وجل أن يبعث إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن حجة على قومه ورسولاً إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هود وصالح، فلما تقارب زمان إبراهيم الذي أراد الله تعالى ذكره ما أراد، أتى أصحابُ النجوم نمرود، فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن غلاماً يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارق دينكم، ويكسر أوثانكم، في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا، فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود، بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته، فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية - حدثة فيما يذكر - لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل لا تلد امرأة غلاماً في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريباً منها، فولدت فيها إبراهيم عليه السلام، واصلحت من شانه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حياً يمص إبهامه. ويزعمون - والله أعلم - أن الله جعل رزق إبراهيم عليه السالم فيها ما يجيئه من مصه، وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل، فقالت: ولدت غلاماً فمات. فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم - فيما يذكرون - على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، ولم يمكث إبراهيم عليه السلام في المغارة إلى خمسة عشر شهراً، حتى قال لأمه: أخرجيني أنظر، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي، مالي إله غيره، ثم نظر في السماء ورأى كوكباً، فقال: " هذا ربي " ، ثم اتبعه ينظر إلى ببصره حتى غاب " فملا أفل قال لا أحب الآفلين " ، ثم اطلع للقمر فرآه بازغاً فقال: " هذا ربي " ثم اتبعه ببصره حتى غاب " فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " . فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئاً هو أعظم نوراً من كل شيء رآه قبل ذلك، فقال: " هذا ربي هذا أكبر، فما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين " .
ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم يبادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه، فأخبرته أم إبراهيم عليه السلام أنه ابنه، فأخبرته بما كانت صنعت في شأنه، فسر بذلك آزر وفرح فرحاً شديداً، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم عليه السلام فيما يذكرون فيقول من يشتري ما يضره ولا ينفعه! فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤوسها، قال، وقال: اشربي - اتسهزاء بقومه، وبما هم عليه من الضلالة - فشا عيبه إياها، واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته. من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك. ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يبادي قومه بخلاف ما هم عليه وبأمر الله والدعاء إليه " نظر نظره في النجوم، فقال إني سقيم " ، يقول الله عز وجل: " فتولوا عنه مدبرين " وقوله: " إني سقيم " أن طعين، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذي يريد، فلما خرجوا عنه خالف إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرب لها طعاماً، ثم قال: ألا تأكلون! مالكم لا تنطقون! تعييراً في شأنها واستهزاء بها.
وقال في ذلك غير ابن إسحاق، ماحدثين موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنه طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس والقمر، ففزع من ذلك فزعاً شديداً، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عنه، فقالوا: يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك - وكان مسكنه ببابل الكوفة - فخرج من قريته إلى قرية أخرى، فأخرج الرجال وترك النساء، وأمر ألا يولد مولود ذكر إلا ذبحه، فذبح أولادهم. ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عيها إلا آزر أبا إبراهيم، فدعاه فأرسله.
فقال له: انظر لا تواقع أهلك، فقال له آزر: أنا أضن بديني من ذلك، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها، فقربها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها أور، فجعلها في سرب، فكان يتعاهدها بالطعام والشراب وما يصلحها. وإن الملك لما طال عليه الأمر قال: قول سحرة كذابين، ارجعوا إلى بلدكم، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه، ونسي الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إن لي ابناً قد خبأته، أفتخافون عليه الملك إن أنا جئت به؟ قالوا: لا، فأت به. فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعل يسأله أباه: ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بعير، وعن البقرة أنها بقرة، وعن الفرس أنه فرس، وعن الشاة أنها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم ربّ، وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري، فقال: " هذا ربي " ، فلم يلبث أن غاب، فقال " لا أحب الآفلين " ، أي لا أحب رباً يغيب. قال ابن عباس: وخرج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع، فقال: " هذا ربي، فلما أفل " يقول: غاب، " قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " ، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة، قال: " هذا ربي هذا أكبر " ، فلما غابت قال الله له: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين. ثم أتى قومه فدعاهم فقال: " يا قوم إني بريء مما تشركون لرب العالمين. إني وجهت وجهي للذي فطر المسوات والأرض حنيفاً " . يقول مخلصاً: فجعل يدعو قومه وينذرهم. وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولده فيبيعونها، وكان يعطيه فينادي: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه فقال: " يا أبتِ لم تعبدُ ما لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يغني عنك شيئاً " قال: " أراغب أنت عن آلهي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً " . قال: أبداً، ثم قال له أبوه: يا إبراهيم، إن لنا عيداً لو قد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال " إني سقيم " ، يقول: أشتكي رجلي، فتوظئوا رجليه، وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقى ضعفي الناس: " تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هو في بهو عظيم، مستقل باب البهو صنم عظمي إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا طعاماً فوضعوه بني يدي الآلهة، قالوا: إذا كان حينُ نرجع رجعنا، وقد باركت الآلهة في طعامنا فأكلنا. فلما نظر إليه إبراهيم عليه السلام، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضرباً باليمين، فأخذ حديدة فبقر كل صنم في حافتيه، ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم، ونظروا إلى آلهتهم، قالوا: " ومن فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " .
قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث إسحاق.
ثم أقبل عليهم كما قال الله عز وجل: " ضرباً باليمين " . ثم جعل يكسرهن بفأس في يده، حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهن، فلما رجع قومه رأوا ما صنع بأصنامه، فراعهم ذلك، فأعظموه وقالوا: من فعل بألهتنا إنه لمن الظالمين. ثم ذكروا فقالوا: " قد سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " يعنون فتى يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحداً يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها. وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه، فقالوا: " فأتوا به على أعين الناس لعلم يشهدون " ، أي ما يصنع به.
فكان جماعة من أهل التأويل، فمنهم قتادة والسدي يقولون في ذلك لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل ذلك، وقالوا: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق:
قال: فلما أى به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود، قالوا: " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " ، غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن، فارعووا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسرهن إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال. ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضر ولا تنفع ولا تبطش: طعلمت ما هؤلاء ينطقون " ، أي لا يتكلمون فيخبرونا: من صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدي فنصدقك، يقول الله عز وجل: " ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " ، اي نكسوا رؤسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم: " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أفٍ كم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " قال: وحاجة قومه عند ذلك في الله جل ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبرونه أن آلهتم خير مما يعبد، فقال: " أتحاجوني في الله وقد هدانِ " ، إلى قوله: " فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون " يضرب لهم الأمثال، ويصرف لهم العبر، ليعلموا أن الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه.
قال أبو جعفر: ثم إن نمرود - فيما يذكرون - قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته، وتذكره من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ " قال إبراهيم ربي الذي يحيى ويميتُ " ، فقال نمرود: فأنا " أحيى وأميتُ " ، فقال له إبراهيم: كيف تحيى وتميت؟ قال: آخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي، فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته، فقال له إبراهيم عند ذلك: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب " ، فعرف أنه كما يقول، فبهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئاً، وعرف أنه لا يطيق ذلك. يقول الله عز وجل: " فبهت الذي كفر " ، يعني وقعت عليه الحجة.
قال: ثم إن نمرود وقومه أجمعوا في إبراهيم فقالوا: " حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد، قال: تلوتُ هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال: أتدري يا مجاهد، من الذي أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار؟ قال: قلت: لا، قال: رجل من أعراب فارس، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، وهل للفرس أعراب؟ قال: نعم، الكردُ هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار.
حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " حرقوه وانصروا آلهتكم " قال: قالها رجل من أعراب فارس - يعني الأكراد.
وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال: إن اسم الذي قال حرقوه " هينون " ، فخسف الله به الأرض. فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
قال: فأمر نمرود، بجمع الحطب، فجمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب، حتى أن كانت المرأة من قرية إبراهيم - فيما يذكر - لتنذر في بعض ما تطلب مما تحب أن تدرك: لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم التي يحرق بها احتساباً في دينها، حتى إذا أرادوا أن يلقوه فيها قدّموه وأشعلوا في كل ناحية من الحطب الذي جمعوا له، حتى إذا اشعلت النار، واجتمعوا لقذفه فيها، صاحت السماء والأرض وما فيها من الخلق إلا الثقلين - فيما يذكرون - إلى الله عز وجل صيحة واحدة: أي ربنا! إبراهيم ليس في أرضك أحدٌ يعبدك غيره، يحرق بالنار فيك! فأذن لنا في نصرته، فيذكرون - والله أعلم - أن الله عز وجل حين قالوا ذلك قال: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، فإن لم يدعُ غيري فأنا وليه، فخلو بيني وبينه، فأنا أمنعه، فلما ألقوه فيها قال: " يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " ، فكانت كما قال الله عز وجل.
وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: " قالوا ابنوا له بنياناً فألقوهُ في الجحيم " ، قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له خطباً حتى أن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا! إبراهيم حين رفع رأسه إلى المساء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل! فقذفوه في النار، فناداها فقال: " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " . وكان جبرئيل هو الذي ناداها. وقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، ظنت أنها تعنى. فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا وهو ورجل آخر معه، وإذ رأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظلّ، وأنزل الله ناراً وانتفع بها بنو آدم، فأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه.
ثم رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
قال: وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم، فقعد فيها إلى جنبه يؤنسه، فمكث نمرود أياماً لا يشك إلا أن النار قد أكلت إبراهيم وفرغت منه، ثم ركب فمر بها وهي تحرق ما جمعوا لها من الحطب، فنظر إليها، فرأى إبراهيم جالساً فيها إلى جنبه رجلٌ مثله، فرجع من مركبه ذلك، فقال لقومه: لقد رأيتُ إبراهيم حياً في النار، ولقد شبه علي، ابنوا لي صرحاً يشرف بي على النار حتى أشتثبت، فبنوا له صراحاً، فأشرف عليه فاطلع منه إلى النار، فرأى إبراهيم جالساً فيها، ورأى الملك قاعداً إلى جنبه في مثل صورته، فناداه نمرود: يا إبراهيم، كبيرٌ إلهك الذي بلغت قدرته وعزته أن حال بين ما أرى وبينك، حتى لم تضرك يا إبراهيم، هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا، قال: فقم واخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال: يا إبراهيم، من الرجل الذي رأيتُ معك في مثل صورتك قاعداً إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل، أرسله إلى ربي ليكون معي فيها ليؤنسني، وجعلها علي برداً وسلاماً. فقال نمرود - فيما حدثت - : يا إبراهيم، إني مقرّب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من عزته وقدرته، ولما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده، إني ذابح له أربعة آلاف بقرة. فقال له إبراهيم: إذاً لا يقبل الله منك ما كنتَ على شيء من دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني! فقال: يا إبرهيم، لا أستطيع ترك ملكي،ولكني سوف أذبحها له، فذبحها نمرود، ثم كف عن إبراهيم، ومنعه الله عز وجل منه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وحده يرشحُ جبينه، فقال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه قال: جاء جبرئيل إلى إبراهيم عليه السلام وهو يوثق، ويقمط ليلقى في النار، قال: يا إبراهيم، ألك حاجة قال: أما إليك فلا.
حدثني أحمد بن المقدام، قال: حدثني المعتمر، قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة، عن إبي سليمان، قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه.
قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: واستجاب لإبراهيم عليه السلام رجالٌ من قومه حين رأوا ما صنع الله به على خوف من نمرود وملئهم، فآمن له لوط - وكان ابن أخيه - وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارخ، فهاران أبو لوط، وناحور أبو بتويل، وبتويل أبو لابان، وربقا ابنة بتويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب، وليا وراحيل زوجتا يعقوب ابنتا لابان. وآمنت به سارة هي ابن عمه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عم إبراهيم، وكانت لها أخت يقال لها ملكا امرأة ناحور.
وقد قيل: إن سارة كانت ابنة ملك حرّان.
ذكر من قال ذلك:
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشأم، فلقي إبراهيم سارة، وهي ابنة ملك حرّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على ألا يغيرها، ودعا إبراهيم أباه آزر إلى دينه، فقال له: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ فأبى أبوه الإجابة إلى ما دعاه إليه.
ثم إن إبراهيم ومن كان معه من أصحابه الذين اتبعوا أمره أجمعوا لفراق قومهم، فقالوا: " إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم " ، أيها المعبودون من دون الله " وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً " أيها العابدون " حتى تؤمنوا بالله وحده " . ثم خرج إبراهيم مهاجراً إلى ربه وخرج معه لوط مهاجراً وتزوج سارة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه، والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، وبها فرعون من الفراعنة الأولى. وكانت سارة من أحسن الناس فيما يقال، وكانت لا تعصى إبرهيم شيئاً، وبذلك أكرمهم الله عز وجل، فلما وصفت لفرعون ووصف له حسنها وجمالها أرسل إلى إبراهيم، فقال: ما هذه المرأة التي معك؟ قال: هي أختي وتخوف إبراهيم إن قال هي أمرأتي أن يقتله عنها. فقال لإبراهيم: زينها، ثم أرسلها إلي حتى أنظر إليها، فرجع إبراهيم إلى سارة وأمرها فتهيأت، ثم أرسلها إليه، فأقبلت حتى دخلت عليه، فلما قعدت إليه تناولها بيده، فيبست إلى صدره، فلما رأى ذلك فرعون أعظم أمرها، وقال: ادعي الله أن يطلق عني، فوالله لا أريبك ولأحسن إليك، فقالت: اللهم إن كان صادقاً فأطلق يده، فأطلق الله يده، فردها إلى إبراهيم، ووهب لها هاجر، جارية كانت له قبطية.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: " لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: " إني سقيم " ، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " . وبينا هو يسير في الأرض جبار من الجبابرة، إذا نزل منزلاً، فأتى الجبار رجل فقال: إن في أرضك - أول قال: ها هنا - رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فجاء فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي، قال: اذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة، فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك اختي في كتاب الله، فإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، قال: فانطلق بها وقام إبراهيم عليه السلام يصلي قال: فلما دخلت عليه فرآها أهوى إليها وذهب يتناولها، فأخذ أخذاً شديداً، فقال: ادعي الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل فأهوى إليه فذهب يتناولها فأخذ أخذا شديداً، فقال: ادعي الله ولا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم فعل ذلك الثالثة، فأخذ، فذكر مثل المرتين فأرسل. قال: فدعا ادنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت بها، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، فقال: مهيم فقالت: كفى الله كيد الفاجر الكافر! وأخدم هاجر " .
قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث هذا الحديث يقول: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لم يقل إبراهيم شيئاً قط " لم يكن " إلا ثلاثاً: قوله " إني سقيم " لم يكن به سقم، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " ، وقوله لفرعون حين سأله عن سارة فقال: من هذه المرأة معك؟ قال: أختي، قال: فما قال إبراهيم عليه السلام شيئاً قط " لم يكن إلا ذلك " .
حدثني سعيد بن يحيى الأموي. قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، قال: حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث... " ثم ذكر نحوه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لم يكذب إبراهيم غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: " إني سقيم " ، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " ، وقوله في سارة: هي أختي " . حدثني ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن المسيب بن رافع، عن أبي هريرة قال: ما كذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات: قوله: " إني سقيم " ، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " ، وإنما قال موعظة، وقوله حين سأله الملك فقال: أختي - لسارة - وكانت امرأته.
حدثني يعقوب، قال: حدثني ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات: ثنتان في الله، وواحدة في ذات نفسه، وأما الثنتان فقوله: " إني سقيم " ، وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " وقصته في سارة.وذكر قصتها وقصة الملك.
قال أبو جعفر: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق.
قال: وكانت هاجر جارية ذات هيئة، فوهبتها سارة لإبراهيم، وقالت: إني أراها امرأة وضيئة فخذها، لعل الله يرزقك منها ولداً، وكانت سارة قد منعت الولد فلا تلد لإبراهيم حتى أسنّت، وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهبَ له من الصالحين، وأخرت الدعوة حتى كبر إبراهيم وعقمت سارة، ثم إن إبراهيم وقع على هاجر، فولدت له إسماعيل عليهما السلام.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا فتحتم مصر فاستوصوا باهلها خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق قال: سألت الزهري: ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم؟ قال: كانت هاجر أم إسماعيل منهم. فيزعمون - والله أعلم - أن سارة حزنت عند ذلك على ما فاتها من الولد حزناً شديداً، وقد كان إبراهيم خرج من مصر إلى الشأم، وهاب ذلك الملك الذي كان بها، واشفق من شره حتى قدمها، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشأم، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة. وأقرب من ذلك، فبعثه الله عز وجل نبياً، وأقام إبراهيم فيما ذكر لي بالسبع، فاختفر به بئراً واتخذ به مسجداً، فكان ماء تلك البئر معيناً طاهراً فكانت غنمه تردها. ثم إن إهلها آذوه فيها ببعض الأذى، فخرج منها حتى نزل بناحية من أرض فلسطين بين الرملة وإيليا، ببلد يقال له قط - أوقط - فلما خرج من بين أظهرهم نضب الماء فذهب.
واتبعه أهل السبع، حتى أدركوه وندموا على ماصنعوا، وقالوا: اخرجنا من بين أظهرنا رجلاً صالحاً، فسألوه أن يرجع إليهم، فقال: ما أنا براجع إلى بلد أخرجت منه، قالوا له: فإن الماء الذي كنت تشرب منه ونشرب معك منه قد نضب فذهب، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه، فقال: اذهبوا بها معكم، فإنكم لو قد أوردتموها البئر، قد ظهر الماء، حتى يكون معيناً طاهراً كما كان، فاشربوا منها، فلا تغترفن منها امرأة حائض، فخرجوا بالأعنز، فلما وقفت على البئر ظهر إليها الماء، فكانوا يشربون منها وهي على ذلك حتى أتت امرأة طامث، فاغترفت، فنكص ماؤها إلى الذي هو عليه اليوم، ثم ثبت.
قال: وكان إبراهيم يضيف من نزل به، وكان الله عز وجل قد أوسع عليه، وبسط له في الرزق والمال والخدم، فلما أراد الله عز وجل هلاك قوم لوط، بعث إليه رسله يأمرونه بالخروج من بين أظهرهم، وكانوا قد عملوا من الفاحشة ما لم يسبقهم به أحدٌ من العالمين، مع تكذيبهم نبيهم، وردّهم عليه ما جاءهم به من النصيحة من ربهم، وأمرت الرسل أن ينزلوا على إبراهيم، وأن يبشروه وسارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فلما نزلوا على إبراهيم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى شق ذلك عليه - فيما يذكرون - لا يضيفه أحد، ولا يأتيه، فلما رآهم سر بهم رأى ضيفاً لم يضفه مثلهم حسناً وجمالاً، فقال: لا يخدم هؤلاء القوم أحد إلا أنا بيدي، فخرج إلى أهله، فجاء كما قال الله عز وجل: " بعجل سمين " قد حنذه - والحناذ: الإنضاج يقول الله جل ثناؤه: " جاء بعجل حنيذٍ " وقرّبه غليهم، فأمسكوا أيديهم عنه، " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم واوجس منهم خيفة " حين لم يأكلوا من طعامه، " قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط. وامرأته " سارة " قائمة فضحكت " لما عرفت من أمر الله عز وجل، ولما تعلم من قوم لوط، فبشروها " بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " بابن، وبابن ابن، فقالت - وصكت وجهها، يقال ضربت على جبينها: " يا ويلتي أألد وأنا عجوز " إلى قوله: " إنه حميدٌ مجيدٌ " . وكانت سارة يومئذ - فيما ذكر لي بعض أهل العلم - ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة، فلما ذهب عن إبراهيم الورع وجاءته البشرى بإسحاق ويعقوب ولد من صلب إسحاق وأمنَ ما كان يخاف، قال: " الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميعُ الدُّعاء " .
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، قال: ألقى إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين، فلما دعت سارة بما أراد بإسحاق مرضت يوميت وماتت اليوم الثالث، وقيل: مات سارة وهي ابنة مائة وسبع وعشرين سنة.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم، فتضيفوه، فلما رآهم إبراهيم أجلهم، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين فذبحه، ثم شواه في الرضف وهو الحنيذ حين شواه، وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول جل ثناؤه: " وامرأته قائمة وهو جالس " في قراءة ابن مسعود، فلما قربه إليهم قال: ألا تأكلون! قالوا: ابراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن قال: فإن لهذا ثمن قالوا: وماثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبرئيل إلى ميكائيل، فقال: حق لهذا أن يتخذه به خليلاً، " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه " يقول: لا تأكلون، " نكرهم وأوجس منهم خيفة " ، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجباً لأضيافنا! هؤلاء إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهو لا يأكلون طعامنا!.
ذكر أمر بناء البيتقال: ثم إن الله عز وجل أمر إبراهيم بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق - فيما ذكر - ببناء بيت له يعبد فيه، ويذكر. فلم يدر إبراهيم في أي موضع يبنى، إذ لم يكن بيّن له ذلك، فضاق بذلك ذرعاً، فقال بعض أهل العلم: بعث الله إليه السكينة لتدله على موضع البيت فمضت به السكينة، ومع إبراهيم هاجر زوجته وابنه إسماعيل، وهو طفل صغير.
وقال بعضهم: بل بعث الله إليه جبرئيل عليه السلام، حتى دله على موضعه وبني له ما ينبغي أن يعمل.
ذكر من قال: الذي بعثه الله إليه لذلك السكينة:
حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة: أن رجلاً قام إلى علي بن أبي طالب، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أو بيت وضع في البركة مقام إبراهيم،ومن دخله كان آمناً، وإن شئت أنبأتك كيف بني. إن الله عز وجل أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتاً في الأرض فضاق إبراهيم بذلك ذرعاً، فأرسل عز وجل السكينة، وهي ريح خجوج ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوت على موضع البيت كتطوي الحية، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام بنني شئياً، فقال إبراهيم: أبغني حجراً كما أمرك، فانطلق الغلام يلتمس له حجراً، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت، من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتابي به من لم يتكل على بنائك، أتابي به جبرئيل من السماء. فأتماه.
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: حثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي عليه السلام قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الراس، فكلمه، وقال: يا إبراهيم ابن على ظلي - أو على قدري - ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال إلى الله، قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا، قال: فعطش إسماعيل عطشاً شديداً، فصعدت هاجر الصفا، فنظرت فلم تر شيئاً، ثم أتت المردة فنظرت فلم تر شيئاً ثم رجعت إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئاً.. حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل، مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبرائيل، فقال: من أنتِ؟ قالت: أنا هاجر، أم ولد إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: وكلكما إلى كافٍ، قال: ففحص الغلام الأرض بإصبعه، فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء، فقال: دعيه، فإنها رواء.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل: أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله عز وجل ريحاً يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة على أساس البيت الأول، وابتعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول عز وجل: " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " .
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عم سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي ابن ابي طالب عليه السلام أنه كان يقول: لما أمر الله إبراهيم بعمارة البيت والآذان بالحج في الناس خرج من الشأم ومعه ابنه إسماعيل، وأم إسماعيل هاجر، وبعث الله معه السكينة، وهي ريح لها لسان تكلم به، يغدو معها إبراهيم إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلى مكة، فلما أتت موضع البيت استدارت به، ثم قالت لإبراهيم: ابن علي، ابن علي، ابن علي، فوضع إبراهيم الأساس ورفع البيت هو وإسماعيل، حتى انتهيا إلى موضع الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني، ابغ لي حجراً أجعله علماً للناس، فجاءه بحجر، فلم يرضه وقال: ابغي غير هذا، فذهب إسماعيل ليلتمس له حجراً، فجاءه وقد أتى بالركن، فوضعه في موضعه، فقال: يا أبت، من جاءك بهذا الحجر؟ قال: من لم يكلني إليك يا بني.
وقال آخرون: إن الذي خرج مع إبراهيم من الشام لدلالته على موضع البيت جبرئيل عليه السلام، وقالوا: كان إخراجه هاجر وإسماعيل إلى مكة لما كان من غيرة سارة بسبب ولادة هاجر منه إسماعيل.
ذكر من قال ذلك:
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه أن سارة قالت لإبراهيم: تسر هاجر، فقد أنذت لك فوطئها، فحملت بإسماعيل، ثم إنه وقع على سارة فحملت بإسحاق، فلما ولدته وكبر اقتتل هو وإسماعيل، فغضبت سارة على أم إسماعيل، وغارت عليها، فأخرجتها، ثم إنها دعتها فأدخلتها. ثم غضبت أيضاً فأخرجتها ثم أدخلتها، وحلفت لتقطعن منها بضعة، فقالت أقطع أنفها، أقطع أذنها فيشينها ذلك، ثم قالت: لا بل أخفضها، فقطعت ذلك منها، فاتخذت هاجر عند ذلك ذيلا تعفى به عن الدم، فلذلك خفضت النساء، واتخذت ذيولاً ثم قالت: لا تساكني في بلد. وأوحى الله إلى إبرهيم أن يأتي مكة، وليس يومئذ بمكة بيت، فذهب بها إلى مكة وابنها فوضعهما، وقالت هاجر: إلى من تركتنا ها هنا؟ ثم ذكر خبرها، وخبر ابنها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم أن الله عز وجل لما بوأ لإبراهيم مكان البيت ومعالم الحرم، فخرج وخرج معه جبرئيل يقال: كان لا يمر بقرية إلا قال: بهذه أمرت يا جبرئيل؟ فيقول: جبرئيل امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمرُ، وبها أناس يقال لهم العماليق، خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبرئيل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر، فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشاً فقال: " ربنا إن أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم " إلى " لعلهم يشكرون " . ثم انصرف إلى أهله بالشأم وتركهما عند البيت، قال: فظمئ إسماعيل ظمأ شديداً، فالتمست له أمه ماء فلم تجده، فاستسمعت: هل تسمع صوتاً؟ لتلتمس له شراباً، فسمعت كالصوت عند الصفا، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئاً، ثم سمعت صوتاً نحو المروة، فأقبلت حتى قامت عليه فلم تر شيئاً، ويقال: بل قامت على الصفا تدعوا الله وتستغيثه لإسماعيل، ثم عمدت إلى المروة ففعلت ذلك. ثم إنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل حيث تركته، فأقبلت إليه تشتد، فوجدته يفحص الماء بيده من عين قد انفجرت من تحت يده، فشرب منهأن وجاءتها أم إسماعيل فجعلتها حسياً، ثم استقت منها في قربتها تذخره لإسماعيل، فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم معيناً طاهراً ماؤها أبداً. قال مجاهد: ولم نزل نسمع أن زمزم هزمة جبرئيل بعقبه لإسماعيل حين ظمئ.
حدثني يعقوب بن إبراهيم والحسن بن محمد، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: نبئتُ عن سعيد بن جبير أنه حدث عن ابن عباس أن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم إسماعيل، وأن أول من أحدث من نساء العرب جر الذيول لأم إسماعيل. قال: لما فرّت من سارة أرخت ذيلها لتعفى أثرها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما على موضع البيت، فوضعهما ثم رجع، فاتبعته فقالت: إلى أي شيء تكلنا؟ إلى طعام تكلنا؟ إلى شراب تكلنا؟ لا يرد عليها شيئاً، فقالت الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا، قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء، أقبل على الوادي فقال: " ربنا إن أسكنت من ذريتي بوادٍ غير زرع عند بيتك المحرم... " الأية. قال: ومع الإنسانة شنةٌ فيها ماء، فنفذ الماء، فعطشت فانقطع لبنُها، فعطش الصبى فنظرت: أي الجبال أدنى إلى الأرض، فصعدت الصفا فتسمعّت: هل تسمع صوتاً، أو ترى. أنيساً؟ فلم تسمع شئياً فانحدرت، فلما أتت على الوادي سعت - وما تريد السعي - كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أي الجبال أدنى إلى الأرض، فصعدت المروة، فتسمعت: هل تسمع صوتاً أو ترى أنيساً؟ فسمعت صوتاً، فقالت كالإنسان الذي يكذب سمعه: صه! حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني، فقد هلكت وهلك من معي، فجاء الملك بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففارت عيناً، فعجلت الإنسانة تفرغ في شنتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله أم إسماعيل، لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً " .
وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنها عين يشرب ضيفان الله منها، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتاً هذا موضعه.
قال: ومرت رفقة من جرهم تريد الشأم، فرأو الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة، فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم، قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت، فماتت وتزوج إسماعيل امرأة منهم، فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دل عليه فلم يجده، ووجد امرأة له فظة غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وأنه يقول لك: إني لا أرضى لك عتبة بابك فحولها، وانطلق. فلما جاء إسماعيل أخبرته فقال: ذلك أبي، وأنت عتبة بابي. فطلقها، وتزوج امرأة أخرى منهم، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل فلم يجده ووجد امرأة له سلهة طليقة فقال لها: أين انطلق زوجك؟ فقالت: انطلق إلى الصيد، قال: فما طعامكم؟ قالت اللحم والماء، قال: اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم، ثلاثاً. وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه، قولي له جاء ها هنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: قد رضيتُ لك عتبة بابك، فأثبتها، فلما جاء إسماعيل أخبرته، قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد من البيت.حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سيعد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء إبراهيم نبي الله بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكة في موضع زمزم، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم، إنما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها زرع ولا ضرع ولا أنيس ولا ماء ولا زاد؟ قال: ربي أمرني، قال: فإنه لن يضيعنا، قال: فلما قفا إبراهيم قال: " ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن " يعني من الحزن " وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء " . فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض الأرض بعقبه فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذ لاخٍ - يعني عمبق - فصعدت الصفا، فأشرفت لتنظر: هل ترى شيئاً؟ فلم تر شيئاً، فانحدرت فبلغت الوادي، فسعت فيه حتى خرجت منه، فاتت المروة فصعدت فاستشرفت: هل ترى شيئاً؟ فلم تر شيئاً، ففعلت ذلك سبع مرات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يدحض الأرض بعقبه، وقد نبعت العين وهي زمزم، فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، وكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، فأقرغته في سقائها، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحمها الله! لو تركتها لكانت عيناً سائحة تجري إلى يوم القيامة " .
قال: وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا. ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجر، فقالوا: لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت: نعم! فكانوا معها حتى شب إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم، قال: فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، وقدم إبراهيم - وقد ماتت هاجر - إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ها هنا، ذهب يتصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد، ثم يرجع، فقال إبراهيم هل عندك ضيافة؟ هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي وما عندي أحد، قال إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له، فليغير عتبة بابه، وذهب إبراهيم وجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه فقال لامرآته: هل جاءك أحد؟ قالت: جائني شيخ صفته كذا - وكذا المتسخفة بشأنه - قال:فما قال لك؟ قالت قال لي أقرئي زوجك السلام. وقولي له: فليغير عبتة بابه، فطلقها وتزوج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنت له واشترطت عليه ألا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيد و يجيء الآن إن شاء الله، فانزل يرحمك الله! قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، قال: هل عندك خبرا او بر أو شعير أو تمر؟ قال: فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله براً وشعيراً وتمراً، فقالت: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه عليه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر، فغسلت شقه الأيسر، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت:نعم شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً، فقال لي: كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه على المقام، قال: وما قال لك؟ قالت: قال لي: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، قال ذلك إبراهيم، فلبث ما شاء الله أن يلبث وأمره الله عز وجل ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل، فلما بنياه قيل: " أذن في الناس بالحج " ، فجعل لا يمر بقوم إلا قال: يا أيها لاناس، إنه قد بني لكم بيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد، لا صخرة ولا شجرة ولا شيء إلا قال: لبيك اللهم لبيك. قال: وكان بين قوله: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم " ، وبين قوله: " الحمد الله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق " كذا وكذا عاماً، لم يحفظ عطاء.
حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أو علي الحنفي، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعت كثير بن كثير يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء - يعني إبراهيم - فوجد إسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم، فقال إبراهيم: يا إسماعيل، إن ربك قد أمرني أن أبني له بيتاً، فقال له إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك، فقال إبراهيم: قد أمرك أن تعينني عليه قال: إذاً أفعل: قال: فقام معه، فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان " ربنا تقبل منا إنك أنت السميعُ العليم " ، فلما ارتفع النبيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر، وهو مقام إبراهيم، فجعل يناوله ويقولان: " تقبل منا إنك أنت السميع العليم " .
فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذي أمره الله عز وجل ببنائه، أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج، فقال له: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كال ضامر يأتين من كل فج عميقٍ " . فقال إبراهيم - فيما ذكر لنا - ما حدثنا به ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، قال: فسمعه ما بين السماء والأرض: أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما بنى إبراهيم البيتَ أوحى الله عز وجل إليه: أن أذن في الناس بالحج، قال: فقال إبراهيم: الا إن ربكم قد اتخذ بيتاً، وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء، من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء: لبيك الله لبيك! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين ابن واقد، عن أبي الزبير، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: " وأذن في الناس بالحج " ، قال: قام إبراهيم عليه السلام خليل الله على الحجر فنادى: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك! حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن سلمة، عن مجاهد، قال: قيل لإبراهيم: أذن في الناس بالحج، فقال: يا ربّ، كيف أقول؟ قال: لبيك اللهم لبيك، قال: فكانت أول التلبية.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر ابن عبد الله بن عروة، أنّ عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثي: كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج؟ قال: بلغني أنه لما رفع هو وإسماعيل قواعد البيت، وانتهى إلى ما أراد الله من ذلك، وحضر الحج استقبل اليمن، قدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب: أن لبّيك اللهمّ لبيك! ثم استقبل المشرق فدعا إلى الله وإلى حج بيته فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم إلى المغرب فدعا إلى الله وإلى حج بيته، فأجيب: أن لبيك اللهم لبيك! ثم إلى الشأم فدعا إلى الله عز وجل وإلى حج بيته فأجيب أن لبيك ا للهم لبيك، ثم خرج بإسماعيل وهو معه يوم التروية، فنزل به منى ومن معه من المسلمين، فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بهم حتى أصبح، فصلى بهم صلاة الفجر، ثم غدا بهم إلى عرفة، فقال بهم هنالك، حتى إذا مالت الشمس جمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، ثم راح بهم إلى الموقف من عرفة، فوقف بهم على الأراك، وهو الموقف من عرفة الذي يقف عليه الإمام يريه ويعلمه، فلما غرب الشمس دفع به وبمن معه حتى أتى المزدلفة، فجمع فيها بين الصلاتين، المغرب والعشاء الآخرة، ثم بات بها وبمن معه، حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة، ثم وقف به على قزح من المزدلفة فيمن معه، وهو الموقف الذي يقف به الإمام حتى أسفر دفع به وبمن معه يريه ويعلمه كيف يصنع، حتى رمى الجمرة الكبرى، وأراه المنحر من منى، ثم نحر وحلق، ثم أفاض به من منى ليريه كيف يطوف، ثم عاد به إلى منى ليريه كيف يرمي الجمار، حتى فرغ له من الحج وأذن في الناس.
قال أبو جعفر: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن بعض أصحابه أن جبرئيل هو الذي كان يري إبراهيم المناسك إذا حج.
ذكر الرواية بذلك عن رسول الله: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى - وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى - قال: أخبرنا ابن أبي ليلى، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتى جبرئيل إبراهيم يوم التروية فراح به إلى منى، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر بمنى، ثم غدا به إلى عرفات، فأنزله الأراك - أو حيث ينزل الناس - فصلى به الصلاتين جميعاً: الظهر والعصر، ثم وقف به حتى إذا كان كأعجل ما يصلي أحدٌ من الناس المغرب، أفاض حتى فاض أتى به جميعاً، فصلى به الصلاتين جميعاً المغرب والعشاء، ثم أقام حتى إذا كان كأعجل ما يصلي أحد من الناس الفجر صلى به، ثم وقف حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين الفجر أفاض به إلى منى، فرمى الجمرة، ثم ذبح وحلق، ثم أفاض إلى البيت، ثم أوحى الله عز وجل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.
ثم إن لله تعالى ذكره ابتلى خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه.
واختلف السلف من علماء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه، فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو إسماعيل بن إبراهيم، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا القولين، لو كان فيهما صحيح لم نعدهُ إلى غيره، غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هو إسحاق " أوضح وأبين منه على صحة الأخرى.
والرواية التي رويت عنه أنه قال: " هو إسحاق " حدثنا بها أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر فيه: " وفديناه بذبح عظيمٍ " قال: " هو إسحاق " .
وقد روي هذا الخبر عن غيره من وجه أصلح من هذا الوجه، غير أنه موقوف على العباس غير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب: " وفديناه بذبحٍ عظيم " قال: " هو إسحاق " وأما الرواية التي رويت عنه أنه هو إسماعيل، فما حدثنا محمد بن عمار الرازي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، قال: حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، عن أبيه، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي، قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عد على مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسمل، فقيل له: وما الذبيحان يا رسول الله؟ فقال: " إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمز نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده " ، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل وإسماعيل الثاني.
ونذكر الآن من قال من السلف إنه إسحاق، ومن قال إنه إسماعيل.
ذكر من قال هو إسحاق: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب: " وفديناه بذبح عظيم " قال: هو إسحاق.
حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، قال: حدثنا ابن إدريس، عن داود ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الذي أرم بذبحه إبراهيم هو إسحاق.
حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: الذبيح هو إسحاق.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: " وفديناه بذبح عظيم " قال: هو إسحاق.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شبعة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، فقال: أنا فلان ابن فلان ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن الزهري، عن العلاء بن جارية الثقفي، عن أبي هريرة، عن كعب، في قوله: " وفديناه بذبح عظيم " قال: من ابنه إسحاق.
حدثنا ابن حيمد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، حليف بني زهرة، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أن الذي أمر بذبحه إبراهيم من أبنيه إسحاق.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، أخبره أن كعباً قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي؟ قال أبو هريرة: بلى، قال كعب: لما أري إبراهيم ذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن أحداً منهم أبداً، فتمثل الشيطان لهم رجلاً يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت: غدا لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به، قالت سارة: فلم غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه، قالت سارة: ليس من ذلك شيء، لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله، قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قالت سارة: فهذا حسن بأن يطيع ربه إن كان أمره بذلك.
فخرج الشيطان من عند سارة حتى أدرك إسحاق وهو يمشي على أثر أبيه، فقال له: أي أصبح أبوك غادياً بك؟ قال: غدا بي لبعض حاجته، قال الشيطان: لا والله، ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك. قال إسحاق: ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى، قال: لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال إسحاق: فوالله لئن أمره بذلك ليطيعنه، فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال: أي أصبحت غادياً بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلى لتذبحه، قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك، قال: فوالله لئن كان أمرني ربي لأفعلن، قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق أعفاه الله، وفداه بذبح عظيم. قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بني، فإن الله قد أعفاك، فأوحى الله إلى إسحاق: إني أعطيك دعوة أستجيب لك فيها، قال إسحاق: اللهم فإني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة.
حدثني عمرو بن علي، قال، حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، قال: قال موسى: يا ربّ، يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فيم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما ذدتُه بلاء زادني حسن ظن.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن زيد ابن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابيه قال: قال موسى: اي رب بم أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما أعطيتهم؟ فذكر نحوه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابط، قال: هو إسحاق.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان عن سفيان، عن ابي سنان الشيباني، عن ابن أبي الهذيل، قال: الذبيح هو إسحاق.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا سفيان بن عقبة، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق،عن أبي ميسرة، قال: قال يوسفُ للملك في وجهه ترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله! حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي سنان، عن ابن الهذيل، قال: قال يوسف للملك، فذكره نحوه.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن إبراهيم عليه السلام أري في المنام فقيل له: أوف نذرك الذي نذرت: إن رزقك الله غلاماً من سارة أن تذبحه.
حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا زكرياء وشعبة عن أبي إسحاق، عن مسروق في قوله: " وفديناه بذبح عظيمٍ " قال هو إسحاق.
ذكر من قال هو إسماعيل: حدثنا أبو كريب وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن إسرائيل، عن ثوير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: الذبيح إسماعيل.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا بيان، عن الشعبي، عن ابن عباس: " وفديناه بذبح عظيم " ، قال: إسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو حمزة محمد بن ميمون السكري عن عطاء بن السائب،عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الذي أمر بذبحه إبراهيم إسماعيل.
حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن علي بن زيد، عن عمار مولي بني هاشم، وعن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: هو إسماعيل، يعني: " وفديناه بذبح عظيم " .
حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا داود، عن الشعبي، قال: قال ابن عباس: وهو إسماعيل.
وحدثي به يعقوب مرة أخرى، قال: حدثنا ابن علية، قال: سئل داود بن أبي هند: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فزعم أن الشعبي قال: قال: ابن عباس: هو إسماعيل.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن بيان، عن الشعبي، عن ابن عباس، أنه قال: في الذي، فداه الله بذبح عظيم، قال: هو إسماعيل.
حدثنا يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا ليث، عن مجاهد عن ابن عباس، قوله: " وفديناه بذبح عظيم " ، قال: هو إسماعيل.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، أنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود.
وحدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: الذي فداه الله عز وجل قال: هو إسماعيل.
حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا حجاج، عن حماد، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس مثله. حدثني إسحاق بن شاهين، قال: حدثني خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه إسماعيل.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثني عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن عامر أنه قال في هذه الآية " وفديناه بذبح عظيم " ، قال: هو إسماعيل، قال: وكان قرنا الكبش منوطين بالكعبة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، قال: رأيتُ قرني الكبش في الكعبة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، قال: هو إسماعيل.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هو إسماعيل.
حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عون، عن الحسن: " وفديناه بذبح عظيم " قال: هو اسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله عز وجل إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجدُ ذلك في كتاب الله عز وجل في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه، أنه إسماعيل، وذلك أن الله عز وجل يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: " وبشرناه بإسحاق نبياً من الصاحلين " ويقول: " فبشرناها بإسحاق من وراء إسحاقَ يعقوب " ، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق، وله فيه من الله من الموعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي، أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، وهو خليفة إذ كان معه بالشآم، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهودياً فأسلم، فحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء اليهود. فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك، قال محمد بن كعب القرظي: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: أي انبي إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، والله يا أمير المؤمنين، إن يهود لتعلم بذلك، ولكنها يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره على ما أمر به، فهو يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، لأن إسحاق أبوهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول ذلك كثيراً.
وأما الدلالة من القرآن التي قلنا إنها على أن ذلك إسحاق أصح، فقوله تعالى مخبراً عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجراً إلى ربه إلى الشام مع زوجته سارة، فقال: " إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين " ، وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل، ثم أتبع ذلك ربنا عز وجل الخبر عن إجابته دعاءه، وتبشيره إياه بغلام حليم، ثم عن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي، ولا يعلم في كتاب ذكر لتبشير إبراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق، وذلك قوله: " وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " وقوله: " فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليمٍ. فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم " ثم ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير إبراهيم بغلام، فإنما ذكر تبشير الله إياه به من زوجته سارة، فالواجب أن يكون ذلك في قوله: " فبشرناه بغلام حليم " نظير ما في سائر سور القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة.
وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يكن يأمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد أتته البشارة من الله قبل ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده، فإنها علة غير موجبة صحةً ما قال، وذلك أن الله إنما أمر إبراهيم بذبح إسحاق بعد إدراك إسحاق السعي. وجائز أن يكون يعقوب ولد له قبل أن يؤمر أبوه بذبحه، وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقاً في الكعبة، وذلك غيرُ مستحيل أن يكون حمل من الشأم إلى الكعبة فعلق هنالك.
؟
ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه
الذي أمر بذبحه فيما كان أمر به من ذلك والسبب الذي من أجله أمر إبراهيم
بذبحه
والسبب في امر الله عز وجل إبراهيم بأنه الذي أمره بذبحه فيما ذكر أنه إذ فارق قومه هارباً بدينه مهاجراً إلى ربه متوجهاً إلى الشأم من أرض العراق دعا الله أن يهب له ولداً ذكراً صالحاً من سارة فقال: " رب هب لي من الصالحين " يعني بذلك ولداً صالحاً من الصالحين كما أخبر الله تعالى عنه فقال: " وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين " . فلما نزل به أضيافه من الملائكة الذين كانوا أرسلوا إلى المؤتفكة قوم لوط بشروه بغلام حليم عن أمر الله تعالى إياهم بتبشيره، فقال إبراهيم إذ بشر به: هو إذاً لله ذبيحٌ. فلما ولد الغلام وبلغ السعي قيل له: أوفٍ بنذرك الذي نذرت لله.
ذكر من قال ذلك:
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك. وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن عبد الله - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال جبرئيل عليه السلام لسارة: أبشرى بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربت جبينها عجباً، فذلك قوله: " فصكت وجهها " . وقالت: " أألدُ وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد " . قالت سارة لجبرائيل: ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر، فقال إبراهيم: هو إذاً لله ذبيح، فلما كبر إسحاق أتى إبراهيم في النوم فقيل له: أوف بنذرك الذي نذرت، إن رزقك الله غلاماً من سارة أن تذبحه. فقال لإسحاق: انطلق فقرب قرباناً إلى الله. وأخذ سكيناً وحبلاً، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام: يا أبت، أين قربانك؟ قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى. قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، قال له إسحاق: اشدد رباطي حتى لا أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ، وإذا أتيتَ سارة فاقرأ عليها السلام. فأقبل عليه إبراهيم عليه السالم يقبله وقد ربطه وهو يبكي، وإسحاق يبكي، حتى استنفع الدموع تحت خد إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم يحك السكين، وضرب الله عز وجل صفيحة من نحاس على حلق إسحاق، فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه، وحز في قفاه قوله عز وجل " فلما أسلما وتله للجبينٍ " . يقول: سلما لله الأمر، فنودي: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق. التفت، فإذا بكبش، فأخذه وخلي عن ابنه، فأكب على ابنه يقبله وهو يقول: يا بني اليوم وهبت لي، فذلك قوله عز وجل: " وفديناه بذبح عظيم " . فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان إبراهيم فيما يقال إذا زارها - يعني هاجر - حمل على البراق يغدو من الشأم فيقبل بمكة، ويروح من مكة، فيبيت عند أهله بالشأم، حتى إذا بلغ معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أرى في المنام أن يذبحه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن إبراهيم حين أمر بذبح ابنه قال له: يا بني خذ الحبل والمدية، ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب ليحطب أهلك منه، قبل أن يذكر له شيئاً مما أمر به.
فملا وجه على الشعب اعترضه عدو الله إبليس ليصده عن أمر الله في صورة رجل، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أيد هذا الشعب لحاجة لي فيه، فقال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بنيك هذا، فأنت تريد ذبحه، فعرفه إبراهيم، فقال: إليك عني، أي عدوّ الله، فوالله لأمضينّ لأمر ربي فيه، فلما يئس عدو الله إبليس من إبراهيم اعترض إسماعيل وهو وراء إبراهيم يحمل الحبل والشفرة، فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: يحطب أهلنا من هذا الشعب، قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه، فسمعاً وطاعة. فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى هاجر أم إسماعيل وهي في منزلها، فقال لها: يا أم إسماعيل، هل تدرين أين ذهب إبراهيم بإسماعيل؟ قالت: ذهب به يحطبنا من هذا الشعب، قال: ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحمُ به وأشد حباً له من ذلك، قال: إنه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: إن كان ربه أمره بذلك فتسليماً لأمر الله. فرجع عدوّ الله بغيظه لم يصب من آل إبراهيم شيئاً مما أراد، وقد امتنع منه إبراهيم وآل إبراهيم بعون الله، وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة. فلما خلا إبراهيم بابنه في - الشعب وهو فيما يزعمون شعب ثبير - قال له: يا بني، إني أرى في المنام أني أذبحك قال: يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
قال ابن حميد: قال سلمة: قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم: إن إسماعيل قال له عند ذلك: يا أبت إن أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصبك مني شيء فينقص أجري، إن الموت شديد، وإني لا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسه، واشحذ شفرتك حتى تجهز علي فتريحني، وإذا أنت أضجعتني لتذبحني فكبني لوجهي على جبيني ولا تضجعني لشقي، فإني أخشى إن أنت نظرت في وجهي أن تدركك رقة تحولُ بينك وبين أمر الله فيّ، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فإنه عسى أن يكون هذا أسلى لها عني، فافعل. قال: يقول له إبراهيم: نعم العونُ أنت يا بني على أمر الله. قال: فربطه كما أمره إسماعيل فأوثقه، ثم شحذ شفرته ثم تله للجبين واتقى النظر في وجهه، ثم أدخل الشفرة لحلقه فقلبها الله لقفاها في ديه، ثم اجتذبها إليه ليفرغ منه، فنودي: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه، يقول الله عز وجل، " فلما أسلما وتله للجبين " ، وإنما تتل الذبائح على خدودها، فكان مما صدق عندنا هذا الحديث عن إسماعيل في إشارته على أبيه بما أشار إذ قال: كبني على وجهي قوله: " وتلهُ للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبينُ. وفديناه بذبح عظيم " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة بن دعامة، عن جعفر بن إياس، عن عبد الله بن عباس، قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعاها قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم إليه فاتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فو الذي نفس ابن عباس بيده، لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقد وخش - يعني قد يبس.
حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثني حجاج، عن حماد، عن ابي عاصم الغنوي، عن ابي الطفيل، قال: قال ابن عباس: إن إبراهيم لما أمر بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى فسابقه، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبرئيل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم تله للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا فاخله عني، فأكفني فيه، فالتفت إبراهيم عليه السلام فإذا هو بكبش أعين أبيض أقرن فذبحه، فقال ابن عباس: لقد رأيتنا نتبع هذا الضرب من الكباش.
حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثني أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " وتله للجبين " ، قال:وضع وجهه للأرض قال: لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، فلا تجهز علي، أربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي للأرض.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي عليه السلام: " وفديناه بذبح عظيم " ، قال: كبش أبيض أقرن أعين مربوط بسمر في ثبير.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: اخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: " وفديناه بذبح عظيم " ، قال: كبش قال عبيد بن عمير: ذبح بالمقام، وقال مجاهد: ذبح بمنى في المنحر.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابن خشيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليه السلام هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: " وفديناه بذبحٍ عظيم " ، قال: كان الكبش الذي ذبحه إبراهيم رعى في الجنة أربعين سنة، وكان كبشاً أملح، صوفه مثل العن الأحمر.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن رجل، عن ابي صالح، عن ابن عباس: " وفديناه بذبحٍ عظيم " ، قال: كان وعلاً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو ابن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل إلا بتيس كان من الأروى، أهبط عليه من ثبير، وما يقول الله: " وفديناه بذبح عظيم " لذبيحته فقط، ولكنه الذبح على دينه، فتلك السنة إلى يوم القيامة، فاعلموا أن الذبيحة تدفع ميتة السوء، فضحوا عباد الله.
وقد قال أمية بن أبي الصلت في السبب الذي من أجله أمر إبراهيم بذبح ابنه شعراً، ويحقق بقيله ما قال في ذلك الرواية التي رويناها عن السدي، وأن ذلك كان من إبراهيم عن نذرٍ منه، فأمره الله بالوفاء به، فقال:
ولإبراهيم الموفى بالنذ ... ر احتساباً وحامل
ابكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراهُ في معشر أقيال
أي بني إني نذرتك لل ... ه شحيطاً فاصبر فدى لك خالي
واشدد الصفد لا أحيدُ عن الس ... كين حيد الأسير ذي الأغلال
وله مدية تخايل في اللح ... م جذام حنية كالهلال
بينما يخلع السرابيل عنه ... فكهُ ربه بكبشٍ جلال
فخذن ذا فأرسل ابنك إني ... للذي قد فعلتما غير قال
والد يتقي وآخرُ مولو ... د فطارا منه بسمع فعالِ
ربما تجزعُ النفوس من الأم ... ر له فرجةُ كحل العقالِ
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين - يعني ابن واقد - عن زيد - ، عن عكرمة: قوله عز وجل: " فلما أسلما " : قال: أسلما جميعاً لأمر الله، رضي الغلام بالذبح ورضى الأب بأن يذبحه.
قال: يا أبت اقذفني للوجه كيلا تنظر إليّ فترحمني، وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع، ولكن أدخل الشفرة من تحتي، وامض لأمر الله، فذلك قوله تعالى: " فلما أسلما وتلهُ للجبين " ، فلما فعل ذلك ناديناه " أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين " .
ذكر ابتلاء الله إبراهيم بكلماتوكان ممن امتحن الله به إبراهيم عليه السلام وابتلاه به - بعد ابتلائه إياه بما كان من أمره وأمر نمرود بن كوش، ومحاولته إحراقه بالنار وابتلائه بما كان من أمره إياه بذبح ابنه، بعد أن بلغ مع السعي ورجا نفعه ومعونته على ما يقربه من ربه عز وجل ورفعه القواعد من البيت، ونسكه المناسك - ابتلاؤه جل جلالهُ بالكلمات التي أخبر الله عنه أنه ابتلاه بهن فقال: " وإذا ابتلى إبرهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن " .
وقد اختلف السلف من علماء الأمة في هذه الكلمات التي ابتلاه الله بهن فأتمهنّ، فقال بعضهم: ذلك ثلاثون سهماً، وهي شرائع الإسلام.
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا داود، عن عكرمة: عن ابن عباس في قوله تعالى: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " ، قال: قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم عليه السلام، ابتلاه الله تعالى بكلمات فأتمهن، قال: فكتب الله تعالى له البراءة فقال: " وإبراهيم الذي وفى " : عشر منها في الأحزاب، وعشر منها في براءة، وعشر منها في المؤمنين، وسأل سائل، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهماً.
حدثنا إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم عليه السلام، ابتلى بالإسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال: " وإبراهيم الذي وفى " ، فذكر عشراً في براءة " التائبون العابدون الحامدون " وعشر في الأحزاب: " إن المسلمين والمسلمات... " وعشراً في سورة " المؤمنين " إلى قوله تعالى: " والذين هم على صلواتهم يحافظون " ، وعشراً في سأل سائل: " والذين هم على صلاتهم يحافظون " .
وحدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا خارجة بن مصعب، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الإسلام ثلاثون سهماً، وما ابتلى أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، قال الله تعالى: " وإبراهيم الذي وفى " ، فكتب الله له براءة من النار.
وقال آخرون: ذلك عشر خصال من سنن الإسلام، خمس منهن في الرأس وخمس في الجسد.
ذكر من قال ذلك:
حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: " وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " ، قال: ابتلاه الله عز وجل بالطهارة: خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وعسر أثر الغائط والبول بالماء.
حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر عن الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بزة، عن ابن عباس بمثله، غير أنه لم يذكر أثر البول.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلميان بن حرب، قال: حدثنا أبو هلال، قال: حدثنا قتادة في قوله تعالى: " وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال: ابتلاه بالختان، وحلق العانة وغسل القبل والدبر، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. قال أبو هلال: ونسيت خصلة.
حدثني عبدان المروزي، قال: حدثنا عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن مطر، عن أبي الجلد، قال: ابتلي إبراهيم عليه السلام بعشرة اشياء هن في الإنسان سنة: المضمضة والاستنشاق وقص الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر والفرج.
وقال آخرون نحو قول هؤلاء، غير أنهم قالوا: ست من العشر من جسد الإنسان، وأربع منهن في المشاعر.
ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس في قوله عز وجل: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، قال: ست في الإنسان وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة، وأربع في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفاء والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال آخرون: بل ذلك قوله: " إني جاعلك للناس إماماً " ، ومناسك الحج ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " منهن إني جاعلك للناس إماماً آيات المنسك حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن إدريس قال: سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، مولى أم هانئ في قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " ، قال: منهن " إني جاعلك للناس إماماً " ، ومنهن آيات النسك " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " .
حدثني محمد بن عمرو، قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال: قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماماً، قال: نعم، " قال ومن ذريتي قال لا ينالُ عهدي الظالمين " ، قال: تجعل البيت مثابة للناس، قال: نعم، قال: وتجعل هذا البلد أمناً، قال: نعم، قال: وتجعلنا مسملين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، قال: نعم، قال: وترينا مناسكنا وتتوب علينا، قال: نعم، قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم؟ قال: نعم.
حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج: فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة.
حدثنا ابن وكيع، قال:حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن نجيح، عن مجاهد: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بلكمات فأتمهن " ، قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: " إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينالُ عهدي الظالمين " .
حدثني المثنى بن إبراهيم، قلا: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: أخبرني به عكرمة، قال: فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم: " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم " .
حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " قال الكلمات: " إني جاعلك للناس إماماً " ، وقوله: " وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا " ، وقوله: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وقوله: " وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل. " الأية، وقوله: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. " الآية. قال فذلك كله من الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم.
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، قال: منهن " إني جاعلك للناس إماماً " ، ومنهن: " وإذ يرفعُ إبراهيم القواعد من البيتِ " ، ومنهن الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكن البيت، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث في ذريتهما.
وقال آخرون: بل ذلك مناسك الحج خاصة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلم بن قتيبة، قال: حدثنا عمر بن نبهان، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال: مناسك الحج.
حدثت بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان ابن عباس يقول في قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات قال: هي المناسك.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قال: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: إن الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم في المناسك.
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا إسرائيل، عن إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، قال: مناسك الحج.
حدثني ابن المثنى، قال: حدثني الحماني، قال: حدثنا شريك، عن إبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال: ابن عباس: أبتلاه بالمناسك.
وقال آخرون: بل ابتلاه بأمور، منهن الختان.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " ، قال: منهن الختان.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبي يقول... فذكر مثله.
حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ الشعبي - وسأله أبو إسحاق عن قوله عز وجل: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " - قال: منهن الختان يا أبا إسحاق.
وقال آخرون: ذلك الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلى بهن أجمع فصبر عليهن.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: قلتُ للحسن: " وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " ، قال: ابتلاه بالكوكب فرضى عنه، وابتلاه بالقمر فرضى عنه، وابتلاه بالشمس فرضى عنه، وابتلاه بالنار فرضى عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسنُ يقول: إن الله ابتلاه بأمرٍ فصبر عليه، ابتلاه بالكواكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أنه ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما كان من المشركين، وابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله تعالى، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " ، قال: ابتلاه بذبح ولده، وبالنارو بالكوكب، وبالمشمس، وبالقمر.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سلم بن قتيبة، قال: حدثنا أبو هلال عن الحسن: " وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات " ، قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس وبالقمر، فوجده صابراً.
حدثنا أحمد بن إسحاق بن المختار، قال: حدثني غسان بن الربيع، قال: حدثنا عبد الرحمن - وهو ابن ثوبان - عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اختتن إبراهيم بعد ثمانية سنة بالقدوم " .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم خبران: أحدهما: ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الحسن بن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإبراهيم الذي وفى " قال: " أتدرون ما وفى؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " وفي عمل يومه أربع ركعات في النهار " .
والآخر منهما ما حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله " الذي وفى " ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون... " حتى ختم الآية.
فلما عرف الله تعالى من إبراهيم الصبر على كل ما ابتلاه به، والقيام بكل ما ألزمه من فرائضه، وإيثاره طاعته على كل شيء سواها، اتخذه خليلاً، وجعله لمن بعده من خلقه إماماً، واصطفاه إلى خلقه رسولاً، وجعل في ذريته النبوة والكتاب والرسالة، وخصهم بالكتب المنزلة، والحكم البالغة، وجعل منهم الأعلام والقادة والرؤساء والسادة، كلما مضى منهم نجيبٌ خلفه سيد رفيع، وأبقى لهم ذكراً في الآخرين، فالأمم كلها تتولاه وتثنى عليه، وتقول بفضله إكراماً من الله له بذلك في الدنيا، وما ادخر له في الآخرة من الكرامة أجل وأعظم من أن يحيط به وصف واصف.
أمر نمرود بن كوش بن كنعانونرجع الآن إلى الخبر عن عدو الله وعدو إبراهيم الذي كذب بما جاء به من عند الله، وردَّ عليه النصيحة التي نصحها له جهلاً منه، واغتراراً بحلم الله تعالى عنه، نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وما آل إليه أمره في عاجل دنياه حين تمرد على ربه، مع إملاء الله إياه، وتركه تعجيل العذاب له على كفره به، ومحاولته إحراق خليله بالنار حين دعاه إلى توحيد اللهو البراءة من الآلهة والأوثان، وأن نمرود لما تطاول عتوه وتمرده على ربه مع إملاء الله تعالى له - فيما ذكر - أربعمائة عام، لا تزيده حجج الله التي يحتج بها عليه، وعبره التي يريها إياه إلا تمادياً في غيه، عذبه الله - فيما ذكر - في عاجل دنياه قدر إملائه إياه من المدة بأضعف خلقه، وذلك بعوضة سلطها عليه توغلت في خياشيمه فمكث أربعمائة سنة يسب بها في حياته الدنيا.
ذكر الأخبار الواردة عنه بما ذكرت من جهله وما أحل الله به من نقمته: حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، أن أول جبار كان في الأرض نمرود، وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتارُ مع من يمتارُ، فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟ قالوا: أنت،حتى مرّ به إبراهيم، قال: من ربك؟ قال: " ربي الذي يحيى ويميتُ قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر " .
قال: فرده بغير طعام، قال: فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب أعفر، فقال: هلا أخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم! فأخذ منه، فأتي أهله. قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هي بأجود طعام رآه أحدٌ، فصنعت له منه، فقربته إليه - وكان عهد أهله ليس عندهم طعام - فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعلم أن الله قد رزقه، فحمد الله.
ثم بعث إلى الجبار ملكاً: أن آمن بي وأتركك على ملكك، قال: فهل رب غيري؟ فجاءه الثانية فقال له ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: اجمع جموعك على ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملك، ففتح عليه باباً من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضة فدخله في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه المطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه. وكان جباراً أربعمائة عام فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه وأماته الله، وهو الذي بنى صرحاً إلى السماء، فأتى الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله: " فأتى الله بنيانهم من القواعد "
حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أمر الذي حاج إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج - يعني من مدينته - قال: فأخرج فلقي لوطاً على باب المدينة - وهو ابن أخيه - فدعاه فآمن به، وقال: " إني مهاجر إلى ربي " ، وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة أفرخُ من فراخ النسور، فرباهن باللحم والخمر، حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، قرنهن بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلاً من لحم لهنّ، فطرن به، حتى إذا ذهبن في السماء أشرف ينظر إلى الأرض، فرأى الجبال تدب كدبيب النمل، ثم ربع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكة من ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، ففزع فألقى اللحم فاتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن وقد أقبلن منقضاتٍ وسمعن حفيفهن فزعت الجبال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولم يفعلن، وذلك قوله عز وجل: " وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال " ،وهي في قراءة ابن مسعود: " وإن كاد مكرهم " فكان طيرانهن به من بيت المقدس، ووقوعهن في جبل الدخان، فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بناء الصرح، فبنى حتى إذا أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر - يزعمه - إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد: " فخر عليهم السقفُ من فوقهم وأتاهم العذابُ من حيث لا يشعرون " ، يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فنتفض بهم. ثم سقط فتبلبلت ألسن الناس، من يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك السريانية.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن يعقوب، عن حفص بن حيمد - أبو جعفر - عن سعيد بن جبير: " وإن كان مكرهم لنزول منه الجبالُ " ، قال: نمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجعُل وجعل معه رجلاً، ثم أمر بالنسور فاحتملته، فلما صعد قال لصاحبه: اي شيء ترى؟ قال: أرى الماء والجزيرة - يعني الدنيا - ثم صهد وقال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: ما نزداد من السماء إلا بعداً، قال: اهبط، وقال غيره: نودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ فسمع الجبال حفيف النسور، وكانت ترى أنه أمر من السماء فكادت تزول، فهو قوله تعالى: " وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال " .
حثدنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: حدثنا عبد الرحمن بن دانيل، أن علياً عليه السلام قال في هذه الآية: " وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال " ، قال: أخذ ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلطا واستعلما فشبا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت، وجوعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصاً على رأسه اللحم، فطارا، وجعل يقول لصاحبه: أنظر ماذا ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب، فقال: صوب، فصوبها، فهبطا. قال فهو قوله عز وجل: " وإن كان مكرهم لنزول منه الجبال " . قال أبو إسحاق: ولذلك هي في قراءة عبد الله: " وإن كاد مكرهم " .
فهاذ ما ذكر من خبر نمرود بن كوش بن كنعان.
وقد قال جماعة: إن نمرود بن كوش بن كنعان هذا ملك مشرق الأرض ومغربها، وهذا قول يدفعه أهل العلم بسير الملوك وأخبار الماضين، وذلك أنهم لا يدفعون ولا ينكرون أن موالد إبراهيم كان في عهد الضحاك بن أندرماسب الذي قد ذكرنا بعض أخباره فيما مضى، وأن ملك شرق الأرض وغربها يومئذ كان الضحاك. وقد قال بعض من أشكل عليه أمر نمرود ممن عرف زمان الضحاك وأسبابه فلم يدر كيف الأمر في ذلك مع سماعه ما انتهى إليه من الأخبار عمن روي عنه قال: ملك الأرض كافران ومؤمنان، فأما الكافران فنمرود وبختنصر، وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين. وقول القائلين من أهل الأخبار إن الضحاك كان هو ملك شرق الأرض وغربها في عهد إبراهيم نمرود: هو الضحاك. وليس الأمر في ذلك عند أهل العلم بأخبار الأوائل، والمعرفة بالأمور السوالف، كالذي ظن، لأن نسب نمرود في النبط معروف، ونسب الضحاك في عجم الفرس مشهور، ولكن ذوي العلم بأخبار الماضين وأهل المعرفة بأمور السالفين من الأمم ذكروا أن الضحاك كان ضم إلى نمرود السواد وما اتصل به يمنة ويسرة، وجعله وولده عماله على ذلك، وكان هو ينتقل في البلاد، وكان وطنه الذي هو وطنه ووطن أجداده دنباوند، من جبال طبرستان، وهنالك رمي به أفريدون حين ظفر به وقهره موثقاً بالحديد. وكذلك بختنصر كان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربي دجلة من قبل لهراسب، وذلك أن لهراسب كان مشتغلاً بقتال الترك، مقيماً بإزائهم ببلخ، وهو بناها - فيما قيل - لما تطاول مكثه هنالك لحرب الترك، فظن من لم يكن عالماً بأمور القوم بتطاول مدة ولايتهم أمر الناحية لمن ولوا له أنهم كانوا هم الملوك. ولم يدع أحدٌ من أهل العلم بأمور الأوائل وأخبار الملوك الماضية وأيام الناس فيما نعلمه أن أحداً من النبط كان ملكاً برأسه على شبر من الأرض، فيكف يملكُ شرق الأرض وغربها! ولكن العلماء من أهل الكتاب وأهل المعرفة بأخبار الماضين ومن قد عانى النظر في كبت التأريخات، يزعمون أن ولاية نمرود إقليم بابل من قبل الأزدهارق بيوراسب دامت أربعمائة سنة، ثم لرجل من نسله من بعد هلاك نمرود، يقال له نبط بن قعود مائة سنة، ثم لداوص بن نبط من بعد نبط ثمانين سنة، ثم من بعد داوص بن نبط لبالش بن داوص مائة وعشرين سنة، ثم لنمرود بن بالش من بعد بالش سنة وأشهراً. فذلك سبعمائة سنة وسنة وأشهر، وذلك كله في أيام الضحاك، فلما ملك أفريدون وقهر الأزدهاق قتل نمرود بن بالش وشر النبط وطردهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، لما كان منهم من معاونتهم بيوراسب على أموره، وعمل نمرود وولده له.
وقد زعم بعض أهل العلم أن بيوراسب قد كان قبل هلاكه تنكر لهم. وتغير عما كان لهم عليه.
ذكر لوط بن هاران وقومهونعود الآن إلى ذكر الخبر عن بقية الأحداث التي كانت في أيام إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
وكان من الكائن أيام حياته من ذلك ما كان من أمر لوط بن هاران ابن تارخ، ابن أخي إبراهيم عليهما السلام وأمر قومه من سدوم. وكان مع أمره فيما ذكر أنه شخص من أرض بابل مع عمه إبراهيم خليل الرحمن، مؤمناً به، متبعاً له على دينه، مهاجراً إلى الشام، ومعهما سارة بنت ناحور. وبعضهم يقول: هي سارة بنت هيبال بن ناحور. وشخص معهم - فيما قيل - تارخ أبو إبراهيم مخالفاً. لإبراهيم في دينه، مقيماً على كفره حتى صاروا إلى حران، فمات تارخ وهو آزر أبو إبراهيم بحران على كفره.
من فراعنتها، ذكر أنه كان سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. وقد قيل إن فرعون مصر يومئذ كان آخا للضحاك، كان الضحاك وجهه إليها عاملاً عليها من قبله - وقد ذكرتُ بعض قصته مع إبراهيم فيما مضى قبل - ثم رجعوا عوداً على بدئهم إلى الشأم. وذكر أن إبراهيم نزل فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطاً الأردن، وأن الله تعالى أرسل لوطاً إلى أهل سدوم، وكانوا أهل كفرٍ بالله وركوب فاحشة، كما أخبر الله عن قوم لوط: " إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر " .
وكان قطعهم السبيل - فيما ذكر إتيانهم الفاحشة إلى من ورد بلدهم.
ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: " وتقطعون السبيل " ، قال: السبيل طريق المسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العلم الخبيث.
وأما إتيانهم ما كانوا يأتونه من المنكر في ناديهم، فإن أهل العلم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: كانوا يحذفون من مر بهم.
وقال بعضهم: كانوا يتضارطون في مجالسهم.
وقال بعضهم: كان بعضهم ينكح بعضاً فيها.
ذكر من قال كانوا يحذفون من مر بهم: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عمر ابن أبي زائدة، قال: سمعتُ عكرمة يقول في قوله: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كانوا يؤذون أهل الطريق، يحذفون من مر بهم.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرمة، قال: الحذف.
حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كانوا كل من مر بهم خذفوه، وهو المنكر.
ذكر من قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم: حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، قال: حدثنا محمد بن ربيعة، قال: حدثنا روح بن غطيف الثقفي، عن عمرو بن مصعب، عن عروة بن مصعب، عن عروة ابن الزبير، عن عائشة في قوله تعالى: " ويأتون في ناديكم المنكر " ، قالت: الضراط.
ذكر من قال كان يأتي بعضهم بعضاً في مجالسهم: حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كان بعضهم يأتي بعضاً في مجالسهم.
حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا ثابت بن محمد الليثي، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد في قوله: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد مثله حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: المجالس، والمنكر إتيانهم الرجال.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وتأتون في ناديكم المنكر " قال: ناديهم المجالس ، والمنكر عملهم الخبيث الذي كانوا يعلمونه، كانوا يعترضون الراكب فيأخذونه فيركبونه، وقرأ: " أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون " وقرأ: " ما سبقكم بها من أحد من العالمين " .
وقد حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيج، عن عمرو بن دينار: قوله: " ما سبقكم بها من أحد من العالمين " ، ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عند قول من قال: عني بالمنكر الذي كانوا يأتونه في ناديهم في هذا الموضع حذفهم من مر بهم وسخريتهم منه، للخبر الوارد بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي حدثناه أبو كريب وابن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أم هانئ عن رسول الله صلىالله عليه وسلم في قوله تعالى: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، وهو المنكر الذي كانوا يأتونه.
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: حدثنا سليمان بن حيان، قال أخبرنا أبو يونس القشيري، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أم هانئ، قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، قال: كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم.
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال: حدثنا سماك بن حرب، عن باذام أبي صالح، مولى أم هانئ، عن أم هانئ، قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: " وتأتون في ناديكم المنكر " ، فقال: كانوا يجلسون بالطريق فيحذفون أبناء السبيل ويسخرون منهم، فكان لوط عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله، وينهاهم بأمر الله إياه عن الأمور التي كرهها الله تعالى لهم من قطع السبيل وركوب الفواحش وإتيان الذكور في الأدبار، ويتوعدهم - على إصرارهم على ما كانوا عليه مقيمن من ذلك وتركهم التوبة منه - العذاب الأليم فلا يزجرهم عن ذلك وعيده ولا يزيدهم وعظه إلا تمادياً وعتواً واستعجالاً لعذاب الله، إنكاراً منهم وعيده، ويقولون له: " ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين " ، حتى سأل لوط ربه عز وجل النصرة عليهم لما تطاول عليه أمره وأمرهم وتماديهم في غيهم، فبعث الله عز وجل لما أراد خزيهم وهلاكهم ونصرة رسوله لوط عليهم جبرائيل عليه السلام وملكين آخرين معه.
وقد قيل: إن الملكين الآخرين كان أحدهما ميكائيل والآخر إسرافيل فأقبلوا - فيما ذكر - مشاةً في صورة رجال شباب.
ذكر بعض من قال ذلك: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: وبعث الله الملائكة لتُهلك قوم لوط، فأقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فكان من أمرهم وأمر إبراهيم ما قد مضى ذكرنا إياه في خبر إبراهيم وسارة. فلما ذهب عن إبراهيم الروع جاءته البشرى، وأطلعته الرسل على ما جاءوا له، وأنّ الله أرسلهم لهلاك قوم لوط ناظرهم وحاجهم في ذلك كما أخر الله عنه فقال: " فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط " .
وكان جداله إياهم في ذلك - فيما بلغنا - ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، قال: حدثنا جعفر، عن سعيد " يجادلنا في قوم لوط " قال: لما جاءه جبرئيل ومن معه، قالوا لإبراهيم: " إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين " . قال لهم إبراهيم: أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها مائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمناً؟ قالوا: لا، قال: أفتهلكون قريةً فيها أربعة عشر مؤمناً؟ قالوا: لا، وكان إبراهيم يعدهم عشر بأمرأة لوط، فسكت عنهم، واطمأنت نفسه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الحماني، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الملك لإبراهيم: إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " يجادلنا في قوم لوط " قال: بلغنا أنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيهم خمسون لن نعذبهم، قال: وأربعون؟ قالوا: وأربعون، قال: وثلاثون؟ قالوا: وثلاثون، حتى بلغ عشرة، قالوا: وإن كانوا عشرة؟ قال: ما من قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير، فلما علم إبراهيم حال قوم لوط بخبر الرسل قال للرسل: " إن فيها لوطاً " إشفاقاً منه عليه، فقالت الرسل: " نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين " .
ثم مضت رسل الله نحو أهل سدوم، قرية قوم لوط، فلما انتهوا إليها ذكر أنهم لقوا لوطاً في أرض له يعلم فيها، وقيل إنهم لقوا عند نهرها ابنة لوط تستقي الماء.
ذكر من قال لقوا لوطاً: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة أنه لما جاءت الرسل لوطاً أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم - والله أعلم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه فقالوا: إنا مضيفوك الليلة. فانطلق بهم فلما مشى ساعة التفت فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناساً أخبث منهم. قال: فمضى معهم ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم، فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته انطلقت فأنذرتهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو ابن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أتت الملائكة لوطاً وهو في مزرعة له، وقال الله تعالى: إن شهد لوط عليهم أربع شهادات، فقد أذنت لكم في هلكتهم، فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نضيفك الليلة، قال: وما بلغكم أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ فقال: أشهد بالله أنها لشر قرية في الأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرّات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منزله.
ذكر من قال إنما لقيت حين دنت ؟من سدوم
ابنة لوط دون لوطحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عيه وسلم، قال: لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها - وكانت له ابنتان: اسم الكبرى ريثا واسم الصغرى رعزيا - فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم فإنكم لا تدخلوا حتى أتيكم فرقت عليه من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه، أرادك فتيان على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لا يأخذهم قوم فيفضحوهم - وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً - فقالوا له: خل عنا فلنضف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثلهم ومثل وجوههم حسناً قط، فجاءه قومه يهرعون إليه.
قال أبو جعفر: فلما أتوه قال لهم لوط: يا قوم اتقوا الله " ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد " ، هؤلاء بناتي هن أطهر لكم مما تريدون. فقالوا له: أو لم ننهك أن تضيف الرجال! لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد! فلما لم يقبلوا منه شيئاً مما عرضه عليهم قال: " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديدٍ " . يقول عليه السلام: لو أن لي أنصاراً ينصرونني عليكم أو عشيرة تمنعني منكم، لحُلت بينكم وبين ما جئتم تريدونه من أضيافي! حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهباً يقول: قال لوط له: " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " ، فوجد عليه الرسل وقالوا: إن ركنك لشديد، فلما يئس لوط من إجابتهم إياه إلى شيء مما دعاهم إليه وضاق بهم ذرعاً، قالت الرسل له حينئذ " يا لوط إنا رسل ربك لئن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطعٍ من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم " ، فذكر أن لوطاً لما علم أن أضيافه رسل الله وأنها أرسلت بهلاك قومه قال لهم: أهلكوهم الساعة.
ذكر من روي ذلك عنه أنه قال من أهل العلم: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: مضت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، فلما أتوا لوطاً وكان من أمرهم ما ذكر الله قال جبرئيل للوط: يا لوط، إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين. فقال لهم لوط: أهلكوهم الساعة، فقال جبرئيل عليه السلام: " إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريبٍ " فأنزلت على لوط " أليس الصبح بقريب " .
قال: وأمره أن يُسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منهم أحدٌ إلا امرأته، قال: فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبرئيل جناحه في أرضهم فقلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عاليها سافلها، وأمر عليهم حجارة من سجيل، قال:وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت: واقوماه! فأدركها حجر فقتلها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال: كان لوط أخذ على امرأته ألا تذيع شيئاً من سر أضيافه، قال: فلما دخل عليه جبرئيل ومن معه ورأتهم في صورة لم تر مثلها قط انطلقت تسعى إلى قومها، فأتت النادي فقالت بيدها هكذا، فأقبلوا يهرعون مشياً بن الهرولة والجمز، فلما انتهوا إلى لوط قال لهم لوط ما قال الله تعالى في كتابه. قال جبرئيل: يا ولط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، قال: فقال بيده، فطمس أعينهم، قال: فجعلوا يطلبونهم، يلتمسون الحيطان وهم لا يبصرون.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة، قال: لما بصرت بهم - يعني بالرسل - عجوز السوء، امرأته، انطلقت فأنذرتهم فقالت: قد تضيف لوطاً قومٌ ما رأيت قوماً أحسن منهم وجوهاً - قال: ولا أعلمه إلا قالت: وأشد بياضاً وأطيب ريحاً منهم - قال: فأتوه " يهرعون إليه " ، كما قال الله عز وجل، فأصفق لوط الباب. قال: فجعلوا يعالجونه، قال: فاستأذن جبرئيل ربه عز وجل في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عمياناً يترددون في أخبث ليلة، ليلة أنت عليهم قط، فأخبروه إنا رسل بك، فأسر بأهلك بقطعٍ من الليل، قال: ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته، ثم سمعت الصوت فالتفتت، فأرسل الله تعالى عليها حجراً فأهلكها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو ابن قيس المائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: انطلقت امرأته - يعني امرأة لوط - حين رأتهم - يعني حين رأت الرسل - إلى قومها فقالت: إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلهم قط أحسن وجوهاً، ولا أطيب ريحاً. فجاءوا يهرعون إليه فبادرهم لوط إن أن يزحمهم على الباب فقال: " هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين " ، فقالوا: " أو لم ننهك عن العالمين " ، فدخلوا على الملائكة فتناولتهم الملائكة، فطمست أينهم فقالوا: يا لوط جئتنا بقوم سحرة، سحرونا كما أ نت حتى نصبح. قال: فاحتمل جبرئيل قريات لوط الأربع، في كل قرية مائة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض حتى سمع أهل السماء الدنيا أصوات ديكتهم ثم قلبهم، فجعل الله عاليها سافلها.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور. وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، جميعاً عن معمر، عن قتادة، قال: قال: حذيفة: لما دخلوا عليه ذهبت عجوزه، عجوز السوء، فأتت قومها فقالت: قد تضيف لوطاً الليلة قوماً قط أحسن وجوهاً منهم، قال: فجاءوا يهرعون إليه، فقام ملك فلز الباب - يقول: فسده - فاستأذن جبرئيل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبرئيل بجناحه، فتركهم عمياناً، فباتوا بشر ليلة، ثم قالوا: إن رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحداً إلا امرأتك، قال: فبلغنا أنها سمعت صوتاً، فالتفتت فأصابهم حجر وهي شاذة من القوم معلوم مكانها.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه: لما قال لوط: " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركنٍ شديد " ، بسط حينئذ إسرائيل جناحه ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم في آثار بعض عمياناً، يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض، فذلك قوله تعالى: " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم " وقالوا للوط: " إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد " ، يقول: سر بهم فامضوا حيث تؤمرون، فأخرجهم الله تعالى إلى الشأم. وقال لوط: أهلكوهم الساعة. فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصبح، أليس الصبح بقريب! فلما كان السحر خرج لوط وأهله معه إلا امرأته، وذلك قوله تعالى: " إلا آل لوطٍ نجيناهم بسحرٍ " .
حدثنا المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم سوء قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما رأى الله ذلك منهم بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم، فكان من أمره وأمرهم ما ذكره الله تعالى في كتابه، فلما بشروا سارة بالولد قاموا، وقام معهم إبراهيم يمشي، فقال: أخبروني لم بعثتم؟ وما خطبكم؟ قالوا: إنا أرسلنا قوم سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء، قد استغنوا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون رجلاً صالحاً؟ قالوا:إذاً لا نعذبهم، فلم يزل ينقص حتى قال أهل البيت، قالوا: فإن كان فيهم بيت صالح، قال: فلوط وأهل بيته، قالوا: إن امرأته هواها معهم، فلما يئس إبراهيم انصرف ومضوا إلى أهل سدوم فدخلوا على لوط، فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قومٌ لم نر قوماً قطّ أحسن منهم ولا أجمل، فتسامعوا بذلك، فغشوا دار لوط من كل ناحية، وتسوروا عليه الجدران، فلقيهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون في ضيفي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطرُ لكم.، قالوا: لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانهن، فقال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، فوجد عليه الرسل فقالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، فمسح أحدهم أعينهم بجناحه، فطمس أبصارهم، فقالوا: سحرنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه، فكان من أمرهم ما قد قص الله تعالى في القرآن، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحيه حتى بلغ أسفل الأرضين، فقلبها فنزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا فأهلكهم الله، ونجى لوطاً وأهله إلا امرأته.
حدثنا أبو كريب، قلا: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، قال: أخذ جبرئيل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم كفأها.
وحدثنا أبو كريب مرة أخرى، عن مجاهد، فقال: أدخل جبرئيل جناحيه تحت الأض السفلى من قوم لوط، ثم أخذهم بالجناح الأيمن وأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان يقول: " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها، قال: لما أصبحوا غدا جبرئيل على قريتهم ففتقها من أركانها ثم أدخل جناحيه، ثم حملها على خوافي جناحيه.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، قال: وحدثني هذا ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر، قال: ولم يسمعه أبن أبي نجيح من مجاهد قال: فحملها على خوافي جناحيه بما فيها، ثم صعتد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها، فكان أول ما سقط منها شرافها، فذلك قوله تعالى: " فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أ ن جبرئيل عليه السلام أخذ بعروة القرية الوسطى ثم ألوى بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعتهم الحجارة. قال قتادة: وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: وذكر لنا أن جبرئيل أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلى جو السماء حتى سمعت الملائكة ضواغي كلابهم ثم دمر بعضها على بعض، ثم أبتع شذان القوم صخراً، قال: وهي ثلاث قرى يقال لها سدوم، وهي بين المدينة والشأم، قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف، قال: وذكر لنا أن إبراهيم كان يشرف ثم يقول: سدوم يوماً هالك.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه: لما أصبحوا - يعني قوم لوط - نزل جبرئيل عليه السلام واقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء الدنيا، حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك حين يقول: " والمؤتفكة أهوى " ، المنقلبة حيت أهوى بها جبرئيل عليه السلام الأرض فاقتلعها بجناحيه، فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله تعالى عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذاً في الأرض، وهو قول الله تعالى: " فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل " ، ثم تتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله تعالى: " وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن الله تعالى بعث جبرئيل إلى المؤتفكة قرية قوم لوط التي كان لوط فيهم، فاحتملها بجناحيه ثم أصعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها ثم أتبعها الله عز وجل بالحجارة، يقول الله تعالى: " فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل " ، فأهلكها الله تعالى وما حولها من المؤتفكات، وكن خمس قريات: صبعة، وصعرة وعمرة، ودوما، وسدوم هي القرية العظمى، ونجى الله تعالى لوطاً ومن معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك.
ذكر وفاة سارة بنت هاران
وهاجر أم إسماعيل وذكر أزواج إبراهيم عليه السلام وولده
قد ذكرنا فيما مضى قبل ما قيل في مقدار عمر سارة أم إسحاق، فأما موضع وفاتها فإنه لا يدفع أهلُ العلم من العرب والعجم أنها كانت بالشأم.
وقيل: إنها ماتت بقرية الجبابرة من أرض كنعان في حبرون، فدفنت في مزرعة اشتراها إبراهيم. وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة.
فأما الخبر فبغير ذلك ورد. حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل.
ثم إن إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل، فقال لسارة: ائذني لي أنطلق إلى ابني فأنظر إليه، فأخذت عليه عهداً ألا ينزل حتى يأتيها، فركب البراق، ثم أقبل وقد ماتت أم إسماعيل، وتزوج إسماعيل امرأة من جرهم.
وإن إبراهيم عليه السلام كثر ماله ومواشيه. وكان سبب ذلك فيما حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي قد ذكرناه قبل، أن إبراهيم عليه السلام احتاج - وقد كان له صديق يعطيه ويأتيه - فقالت له سارة: لو أتيت خلتك فأصبت لنا منه طعاماً! فركب حماراً له، ثم أتاه، فلما أتاه تغيب منه، واستحيا إبراهيم أن يرجع إلى أهله خائباً، فمر على بطحاء، فلما منها خرجه، ثم أرسل الحمار إلى أهله، فأقبل الحمار وعليه حنطة جيدة، ونام إبراهيم عليه السلام فاستيقظ، وجاء إلى أهله، فوجد سارة قد جعلت له طعاماً، فقالت: ألا تأكل؟ فقال: وهل من شيء؟ فقالت: نعم من الحنطة التي جئت بها من عند خليلك، فقال: صدقت من عند خليلي جئت بها، فزرعها فنبتت له، وزكا زرعه وهلكت زروع الناس، فكان أصلُ ماله منها، فكان الناس يأتونه فيسألونه فيقول: من قال: لا إله إلا الله فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال فأخذ، ومنهم من أبى فرجع، وذلك قوله تعالى: " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً " . فلما كثر مال إبراهيم ومواشيه احتاج على السعة في المسكن والمرعى، وكان مسكنه ما بين قرية مدين - فيما قيل - والحجاز إلى أرض الشأم، وكان ابن أخيه لوط نازلاً معه، فقاسم ماله لوطاً، فأعطى لوطاً شطره فيما قيل، وخيره مسكناً يسكنه ومنزلاً ينزله غير المنزل الذي هو به نازل، فاختار لوط ناحية الأردن فصار إليها، وأقام إبراهيم عليه السلام بمكانه، فصار ذلك فيما قيل سبباً لآثاره بمكة وإسكانه إياها إسماعيل، وكان ربما دخل أمصار الشأم.
ولما ماتت سارة بن هاران زوجة إبراهيم تزوج إبراهيم بعدها - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - قطورا بنت يقطن، امرأة من الكنعانيين، فولدت له ستة نفر: يقسان بن إبراهيم، وزمران بن إبراهيم، ومديان بن إبراهيم، ويسبق بن إبراهيم، وسوح بن إبراهيم، وبسر بن إبراهيم، فكان جميع بني إبراهيم ثمانية بإسماعيل وإسحاق، وكان إسماعيل يكره أكبر ولده. قال: فنكح يقسان بن إبراهيم رعوة بنت زمر بن يقطن بن لوذان بن جرهم بن يقطن بن عابر، فولدت له البربر ولفها. وولد زمران بن إبراهيم المزامير الذين لا يعقلون. وولد لمديان أهل مدين قوم شعيب بن ميكائيل النبي، فهو وقومه من ولده بعثه الله عز وجل إليهم نبياً.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، قال: كان أبو إبراهيم من أهل حران، فأصابته سنة من السنين، فأتى هرمز جرد بالأهواز، ومعه امرأته أم إبراهيم، واسمها توتا بنت كرينا بن كوثي، من بني أرفخشد بن سام بن نوح.
وحدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر الأسلمي عن غير واحد من أهل العلم قال: اسمها أنموتا من ولد أفراهم بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وكان بعضهم يقول: اسمها انمتلي بنت يكفور.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، عن أبيه، قال: نهر كوثي كراه كرينا جد إبراهيم من قبل أمه، وكان أبوه على أصنام الملك نمرود، فولد إبراهيم بهر مزجرد، ثم انتفل إلى كوثي من أرض بابل، فلما بلغ إبراهيم وخالف قومه، دعاهم إلى عبادة الله، وبلغ ذلك الملك نمرود فحبسه في السجن سبع سنين، ثم بني له الحير بجص، وأوفد له الحطب الجزل، وألقى فيه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل! فخرج منها سليماً لم يكلم.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما هرب إبراهيم من كوثي، وخرج من النار ولسانه يومئذ سرياني، فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه فقيل: عبراني، أي حيث عبر الفرات، وبعث نمرود في أثره، وقال: لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقوا إبراهيم عليه السلام فتكلم بالعبرانية، فتركوه ولم يعرفوا لغته.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه قال: فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم فجاءته سارة، فوهبت له نفسها فتزوجها، خرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فأتى حران، فأقام بها زماناً، ثم أتى الأردن فأقام بها زماناً، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زماناً، ثم رجع إلى الشأم فنزل السبع أرض بين إيليا وفلسطين واحتفر بئراً، وبنى مسجداً. ثم إن بعض أهل البلد آذاه فتحول من عندهم، فنزل منزلاً بني الرملة وإيليا، فاحتفر به بئراً أقام به، وكان قد وسع عليه من المال والخدم، وهو أول من أضاف الضيف، وأول من ثرد الثريد، وأول من رأى الشيب.
قال: وولد لإبراهيم عليه السلام إسماعيل وهو أكبر ولده - وأمه هاجر وهي قبطية، وإسحاق، وكان ضرير البصر، وأمه سارة ابنة بتويل بن ناخور بن ساروع بن أرغوا بن فالغ بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح - ومدن، ومدين، ويقسان، وزمران، وأسبق، وسوح، وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة.
فأما يقسان فلحق بنوه بمكة، وأقام مدن ومدين بأرض مدين، فسميت به، ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإبراهيم: يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك، وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة! فقال: بذلك أمرت، قال: فعلمهم اسماً من أسماء الله تبارك وتعالى، فكانوا يستسقون به ويستنصرون، فمنهم من نزل خراسان، فجاءتهم الخرز فقالوا: ينبغي للذي علمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض، أو ملك الأرض، قال: فسموا ملوكهم خاقان.
قال أبو جعفر: ويقال في يسبق: يسباق، وفي سوح: ساح.
وقال بعضهم: تزوج إبراهيم بعد سارة امرأتين من العرب، إحدهما قنطورا بنت يقطان، فولدت له ستة بنين، وهو الذين ذكرنا، والأخرى منهما حجور بنت أرهير، فولدت له خمسة بنين: كيسان، وشورخ، وأميم، ولوطان، ونافس.
ذكر وفاة إبراهيم عليه السلامفلما أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم صلى الله عليه وسلم، أرسل إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم.
فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي بالإسناد الذي ذكرته قبل: كان إبراهيم كثير الطعام يطعم الناس، ويضيفهم، فبينا هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشي في الحرة، فبعث إليه بحمار، فركبه حتى إذا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه، فيدخلها عينه وأذنه ثم يدخلها فاه، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره. وكان إبراهيم قد سأل ربه عز وجل ألا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت، فقال الشيخ حين رأى من حاله ما رأى: بالك يا شيخ تصنع هذا؟ قال: يا إبراهيم، الكبر، قال: ابن كم أنت؟ فزاد على عمر إبراهيم سنتين، قال إبراهيم: إنما بيني وبينك سنتان، فإذا بلغت ذلك صرت مثلك! قال: نعم، قال إبراهيم: الله أقبضني إليك قبل ذلك، فقام الشيخ فقبض روحه، وكان ملك الموت.
ولما مات إبراهيم عليه السلام - وكان موته وهو ابن مائتي سنة، وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة - دفن عند قبر سارة في مزرعة حبرون.
وكان مما أنزل الله تعالى على إبراهيم عليه السلام من الصحف فيما قيل عشر صحائف، كذلك حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: أخبرني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزل الله؟ قال: مائة كتاب وأربع كتب: أنزل الله عز وجل على آدم عليه السلام عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل جل وعز التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالاً كلها.
أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر.
وكانت فيها أمثال: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكر فيها في صنع الله عز وجل، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب. على العاقل ألا يكون ظاعناً إلا في ثلاث: تزود لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه. ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وكان لإبراهيم - فيما ذكر - أخوان يقال لأحدهما هاران - وهو أبو لوط، وقيل إن هاران هو الذي بنى مدينة حران، وإليه نسبت - والآخر منهما ناحورا وهو أبو بتويل وبتويل هو أبو لابان ورفقا ابنة بتويل، ورفقا امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب ابنة بتويل، ولياً وراحيل امرأتا يعقوب ابنتا لابان.
ذكر خبر ولد إسماعيل
ابن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام
قد مضى ذكرنا سبب مصير إبراهيم بابنه إسماعيل، وأمه هاجر إلى مكة وإسكانه إياهما بها. ولما كبر إسماعيل تزوج امرأة من جرهم، فكان من أمرها ما قد تقدم ذكره، ثم طلقها بأمر أبيه إبراهيم بذلك، ثم تزوج أخرى يقال لها السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وهي التي قال لها إبراهيم إذا قدم مكة،وهي زوجة إسماعيل: قولي لزوجك إذا جاء: قد رضيتُ لك عتبة بابك.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولد لإسماعيل ابن إبراهيم اثنا عشر رجلاً، وأمه السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي: نابت بن إسماعيل، وقيدر بن إسماعيل، أدبيل بن إسماعيل، ومبشا بن إسماعيل، ومسمع بن إسماعيل، ودوما بن إسماعيل، وماس بن إسماعيل، وأدد بن إسماعيل، ووطور بن إسماعيل، ونفيس بن إسماعيل، وطما بن إسماعيل، وقيدمان بن إسماعيل.
قال: وكان عمر إسماعيل فيما يزعمون ثلاثين ومائة سنة، ومن نابت وقيدر نشر الله العرب، ونبأ الله عز وجل إسماعيل، فبعثه إلى العماليق - فيما قيل - وقبائل اليمن.
وقد ينطق أسماء أولاد إسماعيل بغير الألفاظ التي ذكرت عن ابن إسحاق، فيقول بعضهم في قيدر:، قيدار، وفي أدبيل: أدبال، وفي مبشا: مبشام، وفي دما: ذوما ومسا، وحداد، وتيم، ويطور،ونافس، وقادمن.
وقيل: إن إسماعيل لما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق وزوج ابنته من العيص بن إسحاق، وعاش إسماعيل فيما ذكر مائة وسبعاً وثلاثين سنة، ودفن في الحجر عند قبر أمه هاجر.
حدثني عبدة بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا خالد بن عبد الرحمن المخزومي، عن مبارك بن حسان صاحب الأنماط، عن عمر بن عبد العزيز، قال: شكا إسماعيل إلى ربه تبارك وتعالى حر مكة فأوحى الله تعال إليه: إني فاتح لك باباً من الجنة يجري عليك روحها إلى يوم القيامة، وفي ذلك المكان تدفن.
ونرجع الآن إلى:
ذكر إسحاق
ابن ابراهيم عليهما السلام وذكر نسائه وأولاده
إذا كان التأريخ غيرَ متصل على سياق معروف لأمة بعد الفرس غيرهم؛ وذلك أن الفرس كان مُلْكهم متصلاً دائماً من عهد جيومرت الذي قد وصفت شأنه وخبره، إلى أن زال عنهم بخير أمة أخرجت للناس، أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وكانت النبوة والملك متصلين بالشأم ونواحيها لولد إسرائيل بن إسحاق إلى أن زال عنهم بالفرس والروم بعد يحيى بن زكرياء وبعد عيسى بن مريم عليهما السلام. وسنذكر إذا نحن انتهينا إلى الخبر عن يحيى وعيسى عليهما السلام سبب زوال ذلك عنهم إن شاء الله.
فأما سائر الأمم غير الفرس، فإنه غير ممكن الوصول إلى علم التأريخ بهم؛ إذ لم يكن لهم ملك متَّصل في قديم الأيام وحديثه إلا ما لا يمكن معه سياق التأريخ عليه وعلى أعمار ملوكهم، إلا ما ذكرنا من ولد يعقوب إلى الوقت الذي ذكرت، فإن ذلك وإن كانت مدته انقطعت بزواله عنهم؛ فإن قدر مدة زواله عنهم إلى غايتنا هذه معلوم مبلغه. وقد كان لليمن ملوك لهم ملْك، غير أنه كان غيرَ متصل، وإنما كان يكون منهم الواحد بعد الواحد، وبين الأول والآخر فترات طويلة، لا يقِف على مبلغها العلماء، لقلة عنايتهم كانت بها ومبلغ عمر الأول منهم والآخر، إذا لم يكن من الأمر الدائم، فإن دام منه شيء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عامل لغيره في الموضع الذي هو به لا يملكه بنفسه، وذلك كدوامه لآل نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم؛ فإنهم كانوا على فرْج ثغر العرب للفرس من الحيرة إلى حدّ اليمن طولاً وإلى حدود الشأم وما اتصل بذلك عرضاً، فلم يزل ذلك دائماً لهم من عهد أردشير بابكان إلى أن قتل كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان النعمانَ بن المنذر، فنقل عنهم ما كان إليهم من العمل على ثغر العرب إلى إياس بن قَبيصة الطائيّ.
فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: نكح إسحاق بن إبراهيم رفقا بنت بتويل بن إلياس، فولدت له عيص بن إسحاق، ويعقوب بن إسحاق، يزعمون أنهما كانا تَوْءَمَيْن وأن عيصاً كان أكبرهما. ثم نكح عيص بن إسحاق ابنةَ عمه بسمة ابنة إسماعيل بن إبراهيم، فولدت له الروم بن عيص، فكل بني الأصفر من ولده. وقال: وبعض الناس يزعم أن الأشبان من ولده، ولا أدري أمن ابنة إسماعيل أم لا.
ونكح يعقوب بن إسحاق - وهو إسرائيل - ابنة خاله ليّا ابنة لبان بن بتويل بن إلياس، فولدت له روبيل بن يعقوب، وكان أكبَر ولده، وشمعون بن يعقوب، ولاوى بن يعقوب، ويهوذا بن يعقوب، وزبالون بن يعقوب، ويسحر بن يعقوب، ودينة ابنة يعقوب. وقد قيل في يسحر إن اسمه " يشحر " . ثم توفيت ليا بنت لبان فخلف يعقوب على أختها راحيل بنت لبان بن بتويل بنت إلياس، فولدت له يوسف بن يعقوب، وبنيامين بن يعقوب - وهو بالعربية شداد - وولد له من سُرِّيَّتيْن؛ اسم إحداهما زلفة، واسم الأخرى بلهة، أربعة نفر: دان بن يعقوب، ونفثالى بن يعقوب، وجاد بن يعقوب، وأشر بن يعقوب، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلاً.
وقد قال بعض أهل التوراة إن رفقا زوجة إسحاق هي ابنة ناهر بن آزر عمّ إسحاق، وإنها ولدت له ابناه عيصاً ويعقوب في بطن واحد، وإن إسحاق أمر ابنه يعقوب ألاّ امرأةً من الكنعانيين، وأمره أن ينكح امرأة من بنات خاله لبان بن ناهر، وأن يعقوب لما أراد النكاح مضى إلى خاله لبان ابن ناهر خاطباً، فأدركه الليل في بعض الطريق، فبات متوسِّداً حجراً، فرأى فيما يرى النائم أن سلماً منصوباً إلى باب من أبواب السماء عند رأسه، والملائكة تنزل وتعرج فيه، وأن يعقوب صار إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل، وكانت له ابنتان: ليا وهي الكبرى، وراحيل وهي الصغرى، فقال له: هل من مال أزوجك عليه؟ فقال يعقوب: لا، إلا أني أخدُمك أجيراً حتى تستوفيَ صداق ابنتك، فإنّ صداقها أن تخدمني سبع حجج. قال يعقوب: فزوجني راحيل وهي شرطي، ولها أخدُمك، فقال له خاله: ذلك بيني وبينك، فرعَى له يعقوب سبع سنين، فلما وفّى له شرطه دفع إليه ابنته الكبرى ليا، وأدخلها عليه ليلاً، فلما أصبح وجد غير ما شرط، فجاءه يعقوب وهو في نادي قومه فقال له: غررتّني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين، ودلّست عليّ غير امرأتي، فقال له خاله: يا ابن أختي، أردت أن تُدخِل على خالك العار والسُّبَّة، وهو خالُك ووالدك، ومتى رأيتَ يزوّجون الصغرى قبل الكبرى! فهلمَّ فاخدُمني سبع حجج أخرى، فأزوّجك أختَها - وكان الناس يومئذ يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة - فرعى له سبعاً، فدفع إليه راحيل، فولدت له ليا أربعة أسباط: روبيل، ويهوذا، وشمعان، ولاوى. وولدت له راحيل يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما، وكان لابان دفع إليه ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمَتَيْن فوهبتا الأمتين ليعقوب، فولدت كلُّ واحدة منهما له ثلاثة رهط من الأسباط، وفارق يعقوب خاله، وعاد حتى نازل أخاه عيصاً.
وقال بعضهم: ولد ليعقوب دان ونفثالى من زلفة جارية راحيل؛ وذلك أنها وهبتها له وسألته أن يطلب منها الولد حين تأخر الولد عنها، وأن ليا وهبت جاريتها بلهة ليعقوب منافسة لراحيل في جاريتها، وسألتْه أن يطلب منها الولد، فولدن له جاد. وأشير، ثم ولد له من راحيل بعد اليأس يوسف وبنيامين، فانصرف يعقوب بولده هؤلاء وامرأتيه المذكورتين إلى منزل أبيه من فلسطين على خوف شديد من أخيه العيص، فلم ير منه إلا خيراً، وكان العيص فيما ذكر لحق بعمه إسماعيل، فتزوج إليه ابنته بسمة وجملها إلى الشام، فولدت له عدة أولاد فكثروا حتى غلبوا الكنعانيين بالشأم، وصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية ثم إلى الروم. وكان العيص فيما ذكر يسمَّى آدم لأدْمته. قال: ولذلك سمى ولد الأصفر، وكانت ولادة رفقا بنت بتويل لإسحاق بن إبراهيم ابنيه العيص ويعقوب - بعد أن خلا من عمر إسحاق ستون سنة - توءمين في بطن واحد، والعيص المتقدم منهما خروجاً من بطن أمه، فكان إسحاق فيما ذكر يختص العيص، وكانت رفقا أمهما تميل إلى يعقوب، فزعموا أن يعقوب ختل العيص في قربان قرّباه بأمر أبيهما بعدما كبرت سنُّ إسحاق، وضعف بصره، فصار أكثر دعاء إسحاق ليعقوب، وتوجهت البركة نحوه بدعاء أبيه إسحاق له، فغاظ ذلك العيص وتوعّده بالقتل، فخرج يعقوب هارباً منه إلى خاله لابان ببابل، فوصله لابان زوّجه ابنيته ليا وراحيل، وانصرف بهما وبجاريتهما وأولاده الأسباط الاثني عشر وأختهم دينا إلى الشأم إلى منزل آبائه، وتألف أخاه العيص حتى نزل له البلاد وتنقل في الشأم، حتى صار إلى السواحل. ثم عبر إلى الروم فأوطنها، وصار الملوك من ولده وهم اليونانية - فيما زعم هذا القائل.
حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا أسباط، عن السديّ، قال: تزوج إسحاق امرأة فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها، فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص، فقال عيص: والله لئن خرجتَ قبلي لأعترضنّ في بطن أمي لأقتلنّها، فتأخر يعقوب، وخرج عيص قبله، وأخذ يعقوب بعقب عيص، فخرج فسمى عيصاً لأنه عصى، فخرج قبل يعقوب، وسمى يعقوب لأنه خرج أخذاً بعقِب عيص، وكان يعقوب أكبرهما في البطن، ولكنَّ عيصاً خرج قبله، وكبر الغلامان، فكان عيص أحبَّهما إلى أبيه، وكان يعقوب أحبهما إلى أمه، وكان عيص صاحب صيد، فلما كبر إسحاق وعميّ، قال لعيص: يا بنيّ أطْعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلاً أشعر، وكان يعقوب رجلاً أجْرَد، فخرج عيص يطلب الصيد، وسمعت أمه الكلام فقالت ليعقوب: يا بنيّ، اذهب إلى الغنم فاذبح منها شاة ثم اشوه، والبس جلده وقدمه إلى أبيك، وقل له: أنا ابنك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه كُلْ، قال: مَنْ أنت؟ قال: أنا ابنك عيص، قال: فمسَّه، فاقل: المسُّ مسُّ عيص، والريح ريح يعقوب، قالت أمه: هو ابنك عيص فادع له، قال: قدم طعامك، فقدّمه فأكل منه، ثم قال ادن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك، وقام يعقوب، وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به، فاقل: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنّه، قال: يا بني قد بقيت لك دعوة، فهلم أدع لك بها، فدعا له فقال: تكونَ ذريتُك عدداً كثيراً كالتراب ولا يملكهم أحدٌ غيرهم، وقالت أم يعقوب ليعقوب: الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتلك عيص، فانطلق إلى خاله، فكان يسري بالليل ويكمن بالنهار، ولذلك سمى إسرائيل، وهو سريّ الله، فأتى خالَه وقال عيص: أما إذ غلبتني على الدعوى فلا تغلبني على القبر، أن أدفّن عند آبائي " إبراهيم وإسحاق، فقال: لئن فعلتَ لتُدفننّ معه.
ثم إن يعقوب عليه السلام هوى ابنَة خاله - وكانت له ابنتان - فخطب إلى أبيهما الصغرى منهما، فأنكحهما إياه على أن يَرعى غنمه إلى أجل مسمّى، فلما انقضى الأجل زفّ إليه أختها ليا، قال يعقوب: إنما أردت راحيل، فقال له خاله: إنا لا ينكح فينا الصغير قبل الكبير، ولكن ارعَ لنا أيضاً وانكحها، ففعل. فلما انقضى الأجل زوّجه راحيل أيضاً، فجمع يعقوب بينهما، فذلك قول الله: " وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قّدْ سَلَفَ " .
يقول: جمع يعقوب بين ليا وراحيل، فحملت ليا فولدت يهوذا، وروبيل وشمعون. وولدت راحيل يوسف، وبنيامين، ماتت راحيل في نفاسها ببنيامين، يقول: من وجع النفاس - الذي ماتت فيه - .
وقطع خال يعقوب ليعقوب قطيعاً من الغنم، فأراد الرجوع إلى بيت المقدس، فلما ارتحلوا لم يكن له نفقة، فقالت امرأة يعقوب ليوسف: خذ من أصنام أبي لعلنا نستنفق منه فأخذ، وكان الغلامان في حجْر يعقوب، فأحبهما وعطف عليهما ليُتْمهما من أمهما، وكان أحبَّ الخلق إليه يوسف عليه السلام، فلما قدموا أرض الشأم، قال يعقوب لراع من الرعاة: إن أتاكم أحدٌ يسألكم: مَنْ أنتم؟ فقولوا نحن ليعقوب عبد عيص، فلقيهم عيص فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن ليعقوب عبد عيص، فكفّ عيص عن يعقوب، ونزل يعقوب ورأى يوسف في المنام كأنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم ساجدين له، فحدث أباه بها فقال: " يا بُنيّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إخوتِك فيكِيْدُوا لكَ كيداً إنّ الشيطان لِلإنسانِ عَدُوٌ مُبين " .
ذكر أيوب عليه السلامومن ولده - فيما قيل - أيوب بني بالله؛ وهو فيما حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمّن لا يُتّهم، عن وهب بن منبّه، أن أيوب كان رجلاً من الروم، وهو أيوب بن موص بن رازح بن عيص إسحاق بن إبراهيم.
وأما غير ابن إسحاق فإنه يقول: هو أيوب بن موص بن رغويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم.
وكان بعضهم يقول: هو أيوب بن موص بن رعويل. ويقول: كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم أحرقه نمرود، وكانت زوجته التي أمر بضربها بالضِّعْث ابنةً ليعقوب بن إسحاق، يقال: لها ليا؛ كان يعقوب زوّجها منه.
وحدثني الحسين بن عمرو بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا غياث بن إبراهيم، قال: ذكر - والله أعلم - أن عدوّ الله إبليس لقِيَ امرأة أيوب - وذكر أنها كانت ليا بنت يعقوب - فقال: يا ليا ابنة الصدّيق وأخت الصدّيق. وكانت أم أيوب ابنة للوط بن هاران؟ وقيل: إن زوجته التي أمِر بضربها بالضِّعْث هي رحمة بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكانت لها البَثَنيَّة من الشام كلها بما فيها، وكان - فيما ذكر - عن وهب بن منبه في الخبر الذي حدثنيه محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم أبو هشام، قال: حدثني عبد الصمد ابن معقل، قال: سمعت وهب بن منبّه يقول: إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه، فأدركه البغيُ والحسد، فسأل الله أن يسلِّطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلَّطه الله على ماله دون جسده وعقله، وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم، وكان لأيوب البَثَنيَّة من الشام كلّها بما فيها بين شرقها وغربها، وكان بها ألف شاة برعاتها، وخمسمائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدّان أتان، لكل أتان ولد؛ بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. فلما جمعهم إبليس، قال: ماذا عنكم من القوة والمعرفة؟ فإنّي قد سُلِّطت على مال أيوب؛ فهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال. فقال كلُّ مَنْ عنده قوة على إهلاك شيء ما عنده. فأرسلهم فأهلَكوا ماله كلّه، وأيوب في كلّ ذلك يحمد الله ولا يَثنيه شيء أصيب به من ماله عن الجدّ في عبادة الله تعالى والشكر له على ما أعطاه، والصبر على ما ابتلاه به. فلما رأى ذلك من أمره إبليس لعنه الله سأل الله تعالى أن يسلّطه على ولده، فسلّطه عليهم، ولم يجعل له سلطاناً على جسده وقلبه وعقله، فأهلك ولده كلّهم، ثم جاء إليه متمثلاً بمعلّمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحاً مشدوخاً يُرقِّقه حتى رقّ أيوب فبكى، فقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فسُرّ بذلك إبليس، واغتنمه من أيوب عليه السلام.
ثم إنّ أيوب تاب واستغفر، فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبة فبدروا إبليس إلى الله عزّ وجلّ. فلما لم يثن أيوب عليه السلام ما حلّ به من المصيبة في ماله وولده عن عبادة ربه، والجدّ في طاعته، والصبر على ما ناله، سأل الله عزّ وجلّ إبليسُ أن يسلِّطه على جسده، فسلطه على جسده خلا لسانَه وقلبه وعقله؛ فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطاناً، فجاءه وهو ساجد، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فصار من جملة أمره إلى أن أنتن جسده، فأخرجه أهلُ القرية من القرية إلى كُناسة خارج القرية لا يقربه أحد إلا زوجته. وقد ذكرت اختلاف الناس في اسمها ونسبها قبل.
ثم رجع الحديث إلى حديث وهب بن منبّه: وكانت زوجته تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، وكان قد أتبعه ثلاثة نفر على دينه، فلما رأوا ما نزل به من البلاء رفضوه واتهموه من غير أن يتركوا دينه؛ يقال لأحدهم بلدد، وللآخر اليفز وللثالث صافر. فانطلقوا إليه وهو في بلائه فبكّتوه، فلما سمع أيوب عليه السلام كلامّهم أقبل على ربِّه يستغيثه ويتضرّع إليه، فرحمه ربّه ورفع عنه البلاء، وردَّ عليه أهله ومَاله ومثلهم معهم، وقال له: " ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَاْبٌ " ؛ فاغتسل به فعاد كهيئته قبل البلاء في الحسن والجمال.
فحدثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدثنا فُضيل بن عياض، عن هشام، عن الحسن، قال: لقد مكث أيوب عليه السلام مطروحاً على كُناسة لبني إسرائيل سَبع سنين وأشهراً، ما يسأل الله عزّ وجلّ أن يكشف ما به، قال: فما على وجه الأرض أكرم على الله من أيوب، فيزعمون أن بعض الناس قال: لو كان لربِّ هذا فيه حاجة ما صنع به هذا! فعند ذلك دعا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني ابن عُلَيّة، عن يونس، عن الحسن، قال: بقيّ أيوب عليه السلام على كُناسة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهراً اختلف فيها الرواة.
فهذه جملة من خبر أيوب صلى الله عليه وسلم، وإنما قدمنا ذكر خبره وقصته قبل خبر يوسف وقصته لما ذكر من أمره، وأنه كان نبيَّاً في عهد يعقوب أبي يوسف عليهم السلام.
وذُكر أن عُمْر أيوب كان ثلاثاً وتسعين سنة، وأنه أوصى عند موته إلى ابنه حومل، وأن الله عزّ وجلّ بعث بعده ابنه بشر بن أيوب نبيّاً، وسماه ذا الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده، وأنه كان مقيماً بالشأم عُمْرَه حتى مات، وكان عمرُه خمساً وسبعين سنة، وأن بشراً أوصى إلى ابنه عبدان، وأن الله عزّ وجلّ بعث بعده شُعَيْبَ بن صيفون بن عيفا بن نابت بن مدين ابن ابراهيم إلى أهل مدين.
وقد اختُلف في نسب شُعَيْب فنسبه أهل التوراة النسب الذي ذكرت.
وكان ابن إسحاق يقول: هو شعيب بن ميكائيل من ولد مدين، حدثني بذلك ابن حُميد، عن ابن إسحاق.
وقال بعضهم: لم يكن شعيب من لد إبراهيم، وإنما هو من ولد بعض مَنْ كان آمن بإبراهيم واتبعه على دينه، وهاجر معه إلى الشأم، ولكنه ابن بنت لوط؛ فجده شعيب ابنة لوط.
ذكر خبر شعيب عليه السلاموقيل إن اسم شعيب يزون، وقد ذكرت نسبه واختلاف أهل الأنساب في نسبه، وكان - فيما ذكر - ضرير البصر.
حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسديّ، قال: حدثنا أسيد بن زيد الجصاص، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جُبَيْر في قوله: " وَإِنَّا لَنَراكَ فِيْنَا ضَعِيْفاً " ، قال: كان أعمى.
حدثنا أحمد بن الوليد الرَّمليّ، قال: حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق ابن المنذر وعبد الملك بن يزيد، قالوا: حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله.
حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن الصباح، قالا: سمعنا شريكاً يقول في قوله: " وإنَّا لَنَرَاكَ فينَا ضَعِيْفاً " ، قال: أعمى.
حدثني أحمد بن الوليد، قال: حدثنا سعدويه، قال: حدثنا عباد، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، مثله.
حدثني المثنى، قال: حدثنا الحِمّانيّ قال: حدثنا عبّاد، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: " وإنَّا لَنَرَاكَ فينَا ضَعِيْفاً " ، قال: كان ضرير البصر.
حدثني العباس بن أبي طالب، قال: حدثنا إبراهيم بن مهدي المِصيصيّ، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: " وإنَّا لَنَرَاكَ فينَا ضَعِيْفاً " ، قال: كان ضعيف البصر.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعَيْم، قال: حدثنا سفيان، قوله تعالى: " وإنَّا لَنَرَاكَ فينَا ضَعِيْفاً " ، قال: كان ضعيف البصر. قال سفيان: وكان يقال له خطيب الأنبياء، وإن الله تبارك وتعالى بعثه نبيّاً إلى أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة - والأيكة الشجر الملتف - وكانوا أهل كفر بالله وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد لأموالهم، وكان الله عزّ وجلّ وسَّع عليهم في الرزق، وبسط لهم في العيش استدراجاً منه لهم، مع كفرهم به، فقال لهم شعيب عليه السلام: " يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنْقُضُوا المِكْيَالَ وَالمِيْزَانَ إنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وإنِّي أَخَاْفُ عَلَيْكُمْ عَذَاْبَ يَوْمٍ مُحِيْطٍ " .
فكان من قول شعيب لقومه وجواب قومه له ما ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة - إذا ذكره قال: " ذاك خطيب الأنبياء " ، لحسْن مراجعته قومَه فيما يرادّهم به.
فلما طال تماديهم في غَيِّهم وضلالهم، ولم يردّهم تذكير شُعيب إياهم، وتحذيرهم عذاب الله - لهم - وأراد الله تبارك وتعالى هلاكهم، سلط عليهم - فيما حدثني الحارث - قال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صَغيرة، قال: حدثني يزيد الباهليّ، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن هذه الآية: " فَأخَذَهُمْ عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ إنَّهُ كَانَ عَذَاْبَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ " ، فقال عبد الله بن عباس: بعث الله وَبَدةً وحرَّاً شديداً، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عليهم أجواف البيوت فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هرّاباً إلى البرّية فبعث الله عزّ وجلّ سحابة، فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ولذة، فنادى بعضُهم بعضاً، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم ناراً، قال عبد الله ابن عباس: فذاك عذابُ يوم الظلة؛ " إنَّهُ كَانَ عَذَاْبَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ " .
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني جرير بن حازم أنه سمع قتادة يقول: بُعث شعيب إلى أمتين: إلى قومه أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، وكانت الأيكة من شجر ملتفّ، فلما أراد الله عزّ وجلّ أن يعذّبهم بعث عليهم حرَّاً شديداً، ورفع لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بَرْدها، فلما كانوا تحتها أمطرت عليهم ناراً، قال: فذلك قوله تعالى: " فَأخَذَهُمْ عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ " .
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو سفيان، عن معمَر بن راشد، قال: حدثني رجل من أصحابنا عن بعض العلماء، قال: كانوا - يعني قوم شعيب - عطَّلوا حدَّاً، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطَّلوا حدَّاً فوسع الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلما عطَّلوا حدَّاً وسع الله عليهم في الرزق، حتى إذا أراد الله هلاكهم سلَّط عليهم حرَّاً لا يستطيعون أن يتقارُّوا، ولا ينفعهم ظل ولا ماء، حتى ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلة فوجد روْحاً، فنادى أصحابَه: هلمُّوا إلى الرُّوح، فذهبوا إليه سراعاً؛ حتى إذا اجتمعوا ألهبها الله عليهم ناراً، عذاب يوم الظلة.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية في قوله تعالى " " فَأخَذَهُمْ عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ " ، قال: أصابهم حرُّ قلقلهم في بيوتهم، فنشأت سحابة كهيئة الظُّلَّةِ فابتدروها، فلما ناموا تحتها أخذتهم الرّجفة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: " عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ " ، قال: ظلال العذاب.
حدثني القاسم، حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: " فَأخَذَهُمْ عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ " ، قال: أظلّ العذابُ قوم شُعيب. قال ابن جريج: لما أنزل الله تعالى عليهم أول العذاب أخذهم منه حرٌّ شديد، فرفع الله لهم غمامة، فخرج إليها طائفة منهم ليستظلوا بها، فأصابهم منها برد ورَوْح وريح طيبة، فصبّ الله عليهم من فوقهم من تلك الغمامة عذاباً، فذلك قوله: " عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ إنَّهُ كَانَ عَذَاْبَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ " .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " فَأخَذَهُمْ عَذَاْبُ يَوْم الظُّلَّةِ إنَّهُ كَانَ عَذَاْبَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ " ، قال: بعث الله عز وجلّ إليهم ظلة من سحاب، وبعث الله إلى الشمس فأحرقت ما على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة؛ حتى إذا اجتمعوا كلُّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمَى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقْلّى.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تُمَيْلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر، قال: مَنْ حدثك من العلماء، ما عذاب يوم الظلة، فكذّبه.
حدثني محمود بن خداش، حدثنا حماد بن خالد الخياط، قال، حدثنا داوود بن قيس، عن زيد بن أسلم في قوله عزّ وجلّ: " أصَلاَتكَ تَأْمُرُكَ أنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِيْ أمْوَالِنَا مَا نَشَاء " ، قال: كان مما ينهاهم عنه حذف الدراهم - أو قال: قطع الدراهم، الشكّ من حماد.
حدثنا سهل بن موسى الرازيّ، قال: حدثنا ابن أبي فُدَيْك، عن أبي مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: بلغني أن قومَ شعيب عذَّبوا في قطع الدراهم، ثم وجدت ذلك في القرآن: " أصَلاَتكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِيْ أمْوَالِنَا مَا نَشَاء " .
حدثنا انن وكيع، قال: حدثنا زيد بن حُبَاب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظيّ؛ قال: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، فقلوا: " يا شعيبُ أصَلاَتكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِيْ أمْوَالِنَا مَا نَشَاء " .
ونرجع الآن إلى:
ذكر يعقوب وأولادهذكروا والله أعلم أن إسحاق بن إبراهيم عاش ما بعد ما ولد له العيص ويعقوب مائة سنة، ثم توفي وله مائة وستون سنة فقبّره ابناه: العيص ويعقوب عند قبر أبيه إبراهيم في مزرعة حَيْرون، وكان عمر يعقوب بن إسحاق كله مائة وسبعاً وأربعين سنة، وكان ابنه يوسف قد قُسِم له ولأمِّه من الحسن ما لم يقسم لكثير من أحد من الناس.
وقد حدثني عبد الله بن محمد وأحمد بن ثابت الرازيان، قالا: حدثنا عفان بن مسلم، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت - البناني - عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " أعطى يوسف وأمّه شَطْر الحسن " .
وأن أمه راحيل لما ولدتْه دفعه زوجها يعقوب إلى أخته تحضنه، فكان من شأنه وشأن عمّته التي كانت تحضنه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها صارت مِنْطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكِبَر، فكان من اختانها مَن وليها كان له سلَماً لا ينازَع فيه، يصنع فيه ما شاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد كان حضنْته عمته، فكان معها وإليها، فلم يجب أحد شيئاً من الأشياء حبَّها إياه، حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، ووقعت نفس يعقوب عليه، فقال: يا أخيَّة سلِّمي إلى يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: والله ما أنا بتاركته؛ قال: فوالله ما أنا بتاركه. قالت: فدعه عندي أياماً أنظر إليه وأسكن عنه، لعل ذلك يسلّيني عنه - أو كما قالت - فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى مِنطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت مِنطقة إسحاق، فانظروا مِنْ أخذها ومن أصابها، فالتُمست ثم قالت: كَشَّفوا أهل البيت، فكشَّفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لَسَلَم أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك، إن كان فعل ذلك فهو سَلمَ لك، ما أستطيع غير ذلك فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت. قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: " إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " .
قال أبو جعفر: فلما رأت إخوة يوسف شدة حبّ والدهم يعقوب إياه في صباه وطفولته وقلّة صبره عنه حسدوه على مكانه منه، وقال بعضهم لبعض: " لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحبُّ إلَى أَبِيْنا مِنَّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ " . يعنون بالعصبة الجماعة، وكانوا عشرة: " إنَّ أَبَانَا لَفِيْ ضَلاَلٍ مُبِيْنٍ " .
ثم كان من أمره وأمر يعقوب ما قد قصَّ الله تبارك وتعالى في كتابه من مسألتهم إياه إرساله إلى الصحراء معهم، ليسعى وينشط ويلعب، وضمانِهم له حفظَه، وإعلام يعقوب إياهم حزنَه بمغيبه عنه، وخوفه عليه من الذئب، وخداعهم والدهم بالكذب من القول والزور عن يوسف، ثم إرساله معهم وخروجهم به وعزمهم حين برزوا به إلى الصحراء على إلقائه في غيابة الجب، فكان من أمره حينئذ - فيما ذكر - ما حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزيّ، عن أسباط، عن السديّ قال: أرسله - يعني يعقوبُ يوسفَ - معهم، فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا إلى البريّة أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب! لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء! فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً ألا تقتلوه! فانطلقوا به إلى الجبّ ليطرحوه، فجعلوا يُدْلونه في البئر فيتعلق بشفيرها، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردُّوا عليّ قميصي أتوارى به في الجبّ! فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً تؤنسك، قال: إني لم أر شيئاً، فدلُّوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماء، فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها، فقام عليها، فلما ألقَوْه في الجبّ جعل يبكي، فنادوْه، فظنّ أنّها رحمة أدركتهم، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فقام يهوذا، فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثِقاً ألاّ تقتلوه، وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
ثم خبره تبارك وتعالى عن وحيه إلى يوسف عليه والسلام وهو في الجب ليُنبَشِّنَّ إخوته الذين فعلوا به ما فعلوا بفعلهم ذلك وهم لا يَشعُرونَ بالوحي الذي أوحى إلى يوسف. كذلك روى ذلك عن قتادة. حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " وَأَوْحَيْنا إليه لَنُنَبِّنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذَا " ، قال: أوحي إلى يوسف وهو في الجبّ أن ينبّئهم بما صنعوا به " وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ " بذلك الوحي.
حدثني المثنّى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة بنحوه، إلا أنه قال: أن سينبِّئهم.
وقيل معنى ذلك: وهم لا يشعرون أنه يوسف، وذلك قول يروى عن ابن عباس؛ حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا صدقة بن عبادة الأسديّ، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول ذاك، وهو قول ابن جريج.
ثم خبره تعالى عن إخوة يوسف ومجيئهم إلى أبيه عشاءً يبكون، يذكرون له أن يوسف أكله الذئب، وقول والدهم: " بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيْلٌ " .
ثم خبّره جلاله عن مجيء السيارة، وإرسالهم واردهم، وإخراج الوارد يوسف وإعلامه أصحابه به بقوله: " يَا بُشْراي هَذَا غُلاَمٌ " يبشرهم.
حدثنا بشْر بن مُعًاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: " يَا بُشْراي هَذَا غُلاَمٌ " ، تباشروا به حين أخرجوه - وهي بئر بأرض بيت المقدس معلوم مكانها.
وقد قيل: إنما نادى الذي أخرج يوسف من البئر صاحباً له يسمى بُشْرى، فناداه باسمه الذي هو اسمه. كذلك ذكر عن السُّدِّيّ. حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا خلف بن هشام، قال: يحيى بن آدم، عن قيس بن الربيع، عن السديّ في قوله: " يَا بُشْراي " ، قال: كان اسم صاحبه بشرى.
حدثني المثنّى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: حدثنا الحكم بن ظهير، عن السّديّ في قوله: " يَا بُشْراي هَذَا غُلاَمٌ " ، قال: اسم الغلام بشرى، كما تقول: يا زيد.
ثم خبره عزّ وجلّ عن السيارة وواردهم الذي استخرج يوسف من الجبّ إذ اشتروه من إخوته " بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودةٍ " ، على زُهْد فيه وإسرارهم إياه بضاعة، خيفة ممن معهم من التجار مسألتهم الشركة فيه، إن هم علموا أنهم اشتروه.
كذلك قال في ذلك أهل التأويل: حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: " وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً " ، قال: صاحب الدلو ومن معه قالوا لأصحابهم: إنا استبضعناه خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه، وتبعهم إخوته يقولون للمُدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبَق، حتى وقفوه بمصر فقال: مَن يبتاعني ويبشّر! فاشتراه الملك، والملك مُسلم.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد بنحوه؛ غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به، واتبعهم إخوته، يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر.
حدثنا ابن وكيع ، قال، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السديّ: " وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً " ، قال: لما اشتراه الرجلان فرِقوا من الرفقة أن يقولوا: اشتريناه فيسْألونَهم الشركة فيه فقالوا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة، استبضعناه أهل الماء، فذلك قوله: " وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً " .
فكان بيعهم إياه ممن باعوه منه بثمن بخس، وذلك الناقص القليل من الثمن الحرام.
وقيل إنهم باعوه بعشرين درهماً، ثم اقتسموها - وهم عشرة - درهَمين درهمين، وأخذوا العشرين معدودة بغير وزن؛ لأن الدراهم حينئذ - فيما قيل - إذا كانت أقلَّ من أوقية وزنها أربعون درهماً لم تكن توزن، لأن أقلّ أوزانهم يومئذ كانت أوقية.
وقد قيل: إنهم باعوه بأربعين درهماً. وقيل: باعوه باثنين وعشرين درهماً.
وذكر أن بائعه الذي باعه بمصر كان مالك بن دعر بن يوبب ابن عفقان بن مديان بن إبراهيم الخليل عليه السلام. حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
وأما الذي اشتراه بها وقال: " لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ " ؛ فإن اسمه - فيما ذكر عن ابن عباس - قُطْفير. حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان اسم الذي اشتراه قطفير.
وقيل إن اسمه أطفير، بن رُوحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الرَّيان بن الوليد، رجل من العماليق، كذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
فأما غيره فإنه قال: كان يومئذ الملك بمصر وفرعونها الرَّيان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح.
وقد قال بعضهم: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتَّبع يوسف على دينه، ثم مات ويوسف بعدُ حيٍّ، ثم ملك بعده قابوس بن مُصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام، وكان كافراً، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل.
وذكر بعضُ أهل التوراة أن في التوراة: أن الذي كان من أمر يوسف وإخوته والمصير به إلى مصر، وهو ابن سبع عشرة سنة يومئذ، وأنه قام في منزل العزيز الذي اشتراه ثلاث عشرة سنة، وأنه لما تمّتْ له ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر؛ الوليد بن الرّيان، وأنه مات يوم مات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين وأوصى إلى أخيه يهوذا، وأنه كان بين فراقه يعقوب واجتماعه معه بمصر اثنتان وعشرون سنة، وأم مقام يعقوب معه بمصر بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة، وأن يعقوب صلى الله عليه وسلم أوصى إلى يوسف عليه السلام.
وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنساناً من أهله، فلما اشترى أطفير يوسف، وأتى به منزله، قال لأهله واسمها - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - راعيل: " أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا " فيكفينا إذا هو بلغ وفهم الأمور بعضَ ما نحن بسبيله من أمورنا: " أَوَ نَتَّخِذَهُ وَلَداً " ، وذلك أنه كان - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق - رجلاً لا يأتي النساء، وكانت امرأته راعيل حسناء ناعمة في مُلك ودنيا، فلما خلا من عمْر يوسف عليه السلام ثلاث وثلاثون سنة أعطاه الله عزّ وجلّ الحكم والعلم.
حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: " آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً " : قال: العقل والعلم قبل النبوة.
" وَرَاوَدَتْهُ " حين بلغ من السنّ أشدّه :الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ " - وهي راعيل امرأة العزيز أطفير - " وَغَلَّقَتِ اْلأَبْوَابَ " عليه وعليها للّذي أرادت منه، وجعلت - فيما ذكر - تذكر ليوسف محاسنه تشوقه بذلك إلى نفسها.
ذكر من قال ذلك.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا " ، قال: قالت له يا يوسف: ما أحسن شعرَك! قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، يا يوسف ما أحسن عينيك! قال: هي أولُ ما يسيل إلى الأرض من جَسدي، قالت: يا يوسف ما أحسنَ وجهك! قال: هو للتراب يأكله، فلم تزل حتى أطعمته فهمّت به وهمّ بها. فدخلا البيتَ وغلقت الأبواب، وذهب ليحلّ سراويله فإذا هو بصورة يعقوب قائماً في البيت قد عضّ على إصبعه يقول: يا يوسف لا تواقعها، فإنما مثَلُك ما لم تواقعها مثلُ الطير في جوِّ السماء لا يطاق، ومثلك إن واقعتَها مثَله إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثَلك ما لم تواقعها مثل الثور الصَّعْب الذي لا يعمل عليه، ومثَلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج يشتدّ، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلْفه فخرقته حتى أخرجته منه، وسقط وطرحه يوسف، واشتدّ نحو الباب.
وقد حدثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى، قالوا: حدثنا ابن عيينة عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليْكة، عن ابن عباس: سئل عن همّ يوسف ما بلغ؟ قال: حلّ الهيمان، وجلس منها مجلس الحائز.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن أبي مُلَيكة، قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقتْ له وجلس بين رجليها ينزع ثيابَه، فصرف الله تعالى عنه ما كان همّ به من السوء بما رأى من البرهان الذي أراه الله، فذلك - فيما قال بعضُهم - صورة يعقوب عاضّاً على إصبعه.
وقال بعضهم: بل نودي من جانب البيت: أتزني فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطير ولا ريش له! وقال بعضهم: رأى في الحائط مكتوباً: " وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وِسَاءَ سَبِيلاً " فقام حين رأى بُرْهان ربه هارباً يريد باب البيت، فراراً مما أرادته، واتبعته راعيل فأدركتْه قبل خروجه من الباب، فجذبته بقميصه من قِبَل ظهره، فقدّت قميصَه وألفى يوسف وراعيل سيّدها - وهو زوجها أطفير - جالساً عند الباب، مع ابن عمّ لراعيل.
كذلك حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ،: " وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى البَابِ " . قال: كان جالساً عند الباب وابن عمها معه، فلما رأته قالت: " مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَاْدَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلاَّ أنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ " ؛ إنه راودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي فأبيت فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي رَاوَدَتني عَنْ نَفْسي، فأبيت وفررت منها، فإن كان القميص " قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبين " ، وإن كان القميص " قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ " ، فأتى بالقميص، فوجده قدّ من دبر، قال: " إنَّهُ مِنْ كَيْدَكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيْمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ مِنَ الْخَاطِئِيْنَ " .
حدثني محمد بن عمارة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن نوْف الشامي، قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره حتى قالت: " مَا جَزَاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عذابٌ ألِيْمٌ " ، قال: فغضب وقال: " هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي " .
وقد اختلف في الشاهد الذي شهد من أهلها " إنْ كَانَ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبين " ، فقال بعضهم، ما ذكرت عن السديّ.
وقال بعضهم: كان صبيّاَ في المهد، وقد روى في ذلك عن رسول الله ما حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: " تكلم أربعة وهم صغار " ، فذكر فيهم شاهد يوسف.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تكلّم أربعة وهم صغار: ابنُ ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم.
وقد قيل إن الشاهد كان هو القميص وقدّه من دبره.
ذكر بعض من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: " وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا " .
قال: قميصه مشقوق من دُبره فتلك الشهادة، فلما رأى زوجُ المرأة قميص يوسف قُدَّ من دبر قال لراعيل زوجته: " إنَّهُ مِنْ كَيْدَكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيْمٌ " ، ثم قال ليوسف: أعرض عن ذكر ما كان منها من مراودتها إياك عن نفسها فلا تذكره لأحد، قال لزوجته: " اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ مِنَ الْخَاطِئِيْنَ " .
وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز بمِصر ومراودتها إياه على نفسها فلم ينكتم، وقلن: " امْرَأَةُ الْعَزِيْزِ تُرَاْوِدُ فتاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبَّاً " ، قد وصل حبّ يوسف إلى شغاف قلبها فدخل تحته حتى غلب على قلبها. وشغاف القلب: غلافه وحجابه.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: " قَدْ شَغَفَهَا حُبَّاً " ، قال: والشغاف جلْدة على القلب يقال لها لسان القلب؛ يقول: دخل الحبّ الجلد حتى أصاب القلب، فلما سمعت امرأة العزيز بمكرهنّ وتحدُّثهن بينهنّ بشأنها وشأن يوسف، وبلغها ذلك أرسلت إليهنّ وأعتدت لهن مُتكأ يتَّكئن عليه إذا حضرنها من وسائد. وحضرنها فقدّمت إليهنّ طعاماً وشراباً وأترُجاَ، وأعطتْ كُلَّ واحدة منهن سكيناً تقطع به الأترجّ.
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا محمد بن الصلت، قال: حدثنا أبو كُدَيْنةَ، عن حُصَيْن، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيْناً " ، قال: أعطتهن أترُجّاً، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً.
فلما فعلت امرأةُ العزيز ذلك بهنَّ، وقد أجلست يوسف في بيت ومجلس غير المجلس الذي هنَّ فيه جلوس، قالت ليوسف: " اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ " ، فخرج يوسف عليهنّ، فلما رأينه أجللنه وأكبرنه وأعظمنه، وقطَّعن أيديهن بالسكاكين التي في أيديهنّ، وهن يحسبن أنهنّ يقطعن بها الأترجّ، وقلن: معاذ الله ما هذا إنس، " إنْ هَذا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيْمٌ " . فلما حلّ بهنّ ما حلَّ من قطع أيديهن من أجل نظرة نظرنها إلى يوسف وذهاب عقولهنّ، وعرفتهن خطأ قيلهنَّ: " امْرَأَةُ العزِيْزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ " ، وإنكارهن ما أنكرن من أمرها أقرّت عند ذلك لهنّ بما كان من مراودتها إياه على نفسها، فقالت: " فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّني فِيْهِ ولَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَن نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ " ، بعدما حلّ سراويله.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: " قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّني فِيْهِ ولَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَن نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ " ، تقول: بعدما حلّ السراويل استعصم، لا أدري ما بدا له ثم قالت لهنّ: " وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ " منْ إتْيانهَا " لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونا مِنَ الصَّاغِرِيْنَ " ، فاختار السجن على الزنا ومعصية ربه، فقال: " رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلّيَّ مِمَّا يّدْعُونَنِي إلَيْهِ " .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ: " قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلّيَّ مِمَّا يّدْعُونَنِي إلَيْهِ " من الزنا، واستغاث بربه عزّ وجلّ فقال: " وإلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ من الجَاْهِلِيْنَ " . فأخبر الله عزّ وجلّ أنه استجاب له دعاءه، فصرّف عنه كيدهنّ ونجاه من ركوب الفاحشة، ثم بدا للعزيز من بَعْد ما رأى من الآيات ما رأى من قَدّ القميص من الدُّبر، وخمش في الوجه، وقطع النسوة أيديهنّ وعلمه ببراءة يوسف مما قُرف به في ترك يوسف مطلقاً.
وقد قيل: إن السبب الذي من اجله بدا له في ذلك، ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط عن السديّ: " ثم بّدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حّتَّى حِيْنٍ " ، قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبد العبرانيّ قد فضَحني في الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قول الله عزّ وجلّ: " ثُمَّ بّدّا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رأوا الآيات ليسجنُنه حَتَّى حين " فذكر أنهم حبسوه سبع سنين.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا المحاربيّ، عن داود، عن عكرمة: " لَيَسْجُنُنَّهُ حّتَّى حِيْنٍ " ، قال: سبع سنين؛ فلما حبس يوسف في السجن صاحبه العزيز، أُدخِل معه السجن الذي حبس فيه فتيان من فتيان الملك صاحب مصر الأكبر؛ وهو الوليد بن الريَّان؛ أحدهما كان صاحب طعامه، والآخر كان صاحب شرابه.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: حبسه الملك، وغضب على خبّازه؛ بلغه أنه يريد أن يَسُمَّه فحبسه، وحبس صاحب شرَابه؛ ظن أنه مالأه على ذلك، فحبسهما جميعاً، فذلك قول الله عزّ وجلّ: " وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ " .
فلما دخل يوسف قال فيما حدثني به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما دخل يوسف السجن، قال: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هَلُمَّ فلنجرّب هذا العبد العبرانيّ، فتراءيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، فقال الخباز: " إنِّي أرَانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِيْ خُبْزاَ تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ " ، وقال الآخر: " إنِّي أرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً، " نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إنَّا نَرَاك مِنَ المُحْسِنِيْنَ " .
فقيل: كان إحسانه ما حدثنا به إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا خلف بن خليفة، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: " إنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِيْنَ " : ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان وَسَّع له، فقال لهما يوسف: " لاَ يَأْتِيكُما طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ " في يومكما هذا " إلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ " في اليقظة. فكرة صلى الله عليه أن يعبِّر لهما ما سألاه عنه، وأخذ في غير الذي سألا عنه لما في عبارة ما سألا عنه من المكروه على أحدهما فقال: " يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبَابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ " .
وكان اسم أحد الفتيين اللذين أدخلا السجن محلب - وهو الذي ذكر أنه رأى فوق رأسه خبزاً - واسم الآخر نبو، وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمراً، فلم يَدَعاه والعدول عن الجواب عما سألاه عنه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه فقال: " أمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراَ " - وهو الذي ذكر أنه رأى كأنه يعصر خمراً، " وَأَمَّا اْلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ " . فلما عبّر لهما ما سألاه تعبيره، قالا: ما رأينا شيئاً.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عمارة - يعني ابن القعقاع - عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف في الرؤيا إنما كانا تحالما ليختبراه، فلما أوّل رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب، فقال: " قُضِيَ اْلأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْيَانِ " ثم قال لنبو - وهو الذي ظن يوسف أنه ناج منهمَا: " اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ " يعني عند الملك، وأخبره أني محبوس ظلماً، " فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ " ، غفلة عرضت ليوسف من قبَل الشيطان.
فحدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن بسطام بن مسلم، عن مالك بن دينار، قال: قال يوسف للساقي: " اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ " ، قال: قيل: يا يوسف، اتخذتَ من دوني وكيلاً؟ لأطيلنَّ حبسَك. فبكى يوسف وقال: يا ربّ أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة، فويل لإخوتي! حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو لم يقل يوسف - يعني الكلمة التي قال - ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله عزّ وجلّ " .
فلبث في السجن، فيما حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمران أبو الهُدَيل الصنعانيّ، قال: سمعت وهباً يقول: أصاب أيوب البلاء سبعَ سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعّذب بختنصَّر فحوّل في السباع سبع سنين.
ثم إن ملك مصر رأى رؤيا هالته.
فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن أسباط، عن السديّ، قال: إن الله عزّ وجلّ أرىَ الملك في منامه رؤيا هالتْه، فرأى: " سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٌ وَأُخَرَ يَابِساتٍ " ، فجمع السحرة، والكهنة والحازة والقافة، فقصّها عليهم، فقالوا " أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وما نحنُ بتأويل الأحلام بعالمين، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا " من الفتيين وهو نبو، " وادَّكَر " حاجة يوسف " بعد أمَّةٍ " ، يعني بعد نسيان: " أَنا أنبِّئكم بتتأوِيلِهِ فأرْسِلُونِ " ، يقول فأطلقون. فأرسلوه فأتى يوسف فقال: " أيها الصِّديق أَفْتِنَا فِيْ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٌ وَأُخَرَ يَابِساتٍ " ؛ فإن الملك رأى ذلك في نومه.
فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: قال ابن عباس: لم يكن السجنُ في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: " أَفْتِنَا فِيْ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ... " الآيات.
فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، " أَفْتِنَا فِيْ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ " فالسمان المخاصيب، والبقرات العجاف هُنَّ السنون المحول الجدوب. قوله: " وسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٌ وَأُخَرَ يَابِساتٍ " أما الخضر فهنّ السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الحدون المحول.
فلما أخبر يوسف نبو بتأويل ذلك، أتى نبو الملك، فأخبره بما قال له يوسف، فعلم الملك أن الذي قال يوسف من ذلك حقّ، قال: ائتوني به.
فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ائتوني به، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك أبى يوسف الخروج معه، وقال: " ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رّبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ " .
قال السديّ: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول: هذا الذي راود امرأتي. فلما رجع الرسول إلى الملك من عند يوسف جمع الملك أولئك النسوة، فقال لهنّ: ما خطبكن إذ راودتنّ يوسف عن نفسه! قلن - فيما حدثنا ابن وكيع، قال: حدّثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ قال: لما قال الملك لهنّ: " مَا خَطْبُكُنَّ إذ رَاوَدتُنَّ يوسفَ عَن نفسِهِ قُلْنَ حَاشَ لله ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء " ؛ ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت، فقالت امرأة العزيز حينئذ: " الآنَ حَصْحَصَ الحقُّ أنا رَاوَدتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ " . فقال يوسف: ذلك هذا الفعل الذي فعلت من ترديدي رسول الملك بالرسالات التي أرسلت في شأن النسوة، ليعلم أطفير سيدي " أنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ " في زوجته راعيل، " وأنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدِ الْخَائِنِيَنَ " .
فلما قال ذلك يوسف قال له جَبْرئيل: ما حدّثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما جمع الملك النسوة، فسألهنّ: هل راودتنّ يوسفَ عن نفسه؟ " قُلْنَ حَاشَ لله ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء قالتِ امرأةُ العزيز الآنَ حَصْحَصَ الحقُّ أنا رَاوَدتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ " قال يوسف: " ذلك ليعلمَ أنِّي لم أخُنْهُ بالغيب وأنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدِ الْخَائِنِيَنَ " . قال: فقال له جَبْرئيل: ولا يوم هممت بها؟ فقال: " وَمَا أُبرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمَّارةٌ بالسُّوء " .
فلما تبين للملك عذرُ يوسف وأمانته قال: " ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لنفسِي فَلَمَّا " أُتِي به " كَلَّمَهُ قَالَ إنَّكَ الْيوْمَ لديْنَا مَكينٌ أمين " . فقال يوسف للملك: " اجْعَلْنِي على خَزَائِنِ الأَرْضِ " .
فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ " قال: كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام، فسلّم سلطانه كلَّه إليه، وجعل القضاء إليه أمره، وقضاؤه نافذ.
حدثنا ابن حميد قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبيّ في قوله: : " اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ " ، قال: على حفظ الطعام. " إنِّي حَفِيْظٌ عَليمٌ " يقول: إني حفيظ لما استودعتني، علم بسني المجاعة، فولاه الملك ذلك.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قال يوسف للملك: : " اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيْظٌ عَليمٌ " قال الملك: قد فعلت، فولاه - فيما يذكرون - عمل إطفير، وعزّل إطفير عما كان عليه، يقول الله تبارك وتعالى: " وكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يتبوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ برَحْمًتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيْعَ أجْرَ المحسنِين " قال: فذُكر لي - والله أعلم - أن إطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الرّيان بن الوليد زوّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين! قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصدّيق لا تلمني، فإني كنت امرأةً - كما ترى - حسناء جميلة ناعمة، في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبَتْني نفسي على ما رأيت. فيزعمون أنه وجدها عذراء، وأصابها فولدت له رجلين: أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: : " وكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يتبوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ " قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحبَ أمرها، وكان يلي البيع والتجارة وأمرها كله، فذلك قوله: : " وكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يتبوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ " .
فلما وليَ يوسف للملك خزائن أرضِه واستقرَّ به القرار في عمله، ومضت السنون السبع المخصبة التي كان يوسف أمرَ بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيه، ودخلت السنون المجدبة وقَحط الناس، أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد، ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذي كانوا فيه، فوجه يعقوب بنيه.
فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك أخا يوسف بنيامين، فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، فلما نظر إليهم قال: أخبروني: ما أمرُكم؟ فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم، قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاماً، قال: كذبتم، أنتم عيون! كم أنتم؟ قالوا: عشرة، قال: أنتم عشرة آلاف، كلُّ رجل منكم أمير ألف. فأخبروني خبركم، قالوا: إنا إخوة، بنو رجل صدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحب أخاً لنا، وإنه ذهب معنا إلى البريّة فهلك فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى مَنْ سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه. قال: فكيف تخبرونني أن أباكم صدِّيق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير! ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه: " فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلاَ تَقْرَبُونِ، قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإنَّا لَفَاْعِلُونَ " .
قال: فضعوا بعضَكم رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان يوسف حين رأى ما أصاب الناس من الجهد قد آسى بينهم، فكان لا يحمّل للرجل إلا بعيراً واحداً، ولا يحمّل الواحد بعيريْن تقسيطاً بين الناس، وتوسيعاً عليهم، فقدم عليه إخوته قدِم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون لما أراد الله تعالى أن يبلغ بيوسف فيما أراد. ثم أمر يوسف بأن يوقِر لكلّ رجل من إخوته بعيرَه، فقال لهم: ائتوني بأخيكم من أبيكم، لأحمَّل لكم بعيراً آخر، فتزدادوا به حمل بعير: " ألا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِ الْكَيْلَ " فلا أبخسه أحداً، " وأَنَا خَيْرُ المُنْزِلِينَ " . وأنا خيرُ من أنزل ضيفاً على نفسه بهذه البلدة، فأنا أضيفكم " فإِنْ لَمْ تَأْتُونِي " بأخيكم من أبيكم فلا طعامَ لكم عندي أكيله، ولا تقربوا بلادي. وقال لفتيانه الذين يكيلون الطعام لهم: " اجْعَلوا بضَاعَتَهُمْ " - وهي ثمن الطعام الذي اشتروه به - " في رِحَالِهِمْ " .
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " اجْعَلوا بضَاعَتَهُمْ في رِحَالِهِمْ " ، أي ورقهم، فجعلوا ذلك في رحالهم وهم لا يعلمون.
فلما رجع بنو يعقوب إلى أبيهم، قالوا: ما حدثنا به ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا، إن ملكَ مصر أكرمنا كرامةً؛ لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك؛ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوا بلادي أبداً. قال يعقوب: " هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاَ وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ " . قال: فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملِك مصر فأقرءوه مني السلام وقولوا له: إن أبانا يصلِّي عليك، ويدعو لكَ بما أوليتَنا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرجوا حتى إذا قدموا على أبيهم، وكان منزلهم - فيما ذكر لي بعض أهل العلم - بالعربات من أرض فلسطين بغَوْر الشأم. وبعضهم يقول: بالأولاج من ناحية الشِّعب أسفل من حِسْمي فلسطين، وكان صاحب بادية، له إبل وشاء. فلما رجع إخوة يوسف إلى والدهم يعقوب قالوا له: يا أبانا مُنع منا الكيل فوق حمل أباعرنا، ولم يكل لكلِّ واحد منا إلا كيل بعير، فأرسل معنا أخانا بنيامين يكتَلْ لنفسه، وإنا له لحافظون، فقال لهم يعقوب: " هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إلاَّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاَ وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ " .
ولما فتح ولد يعقوب الذين كانوا خرجوا إلى مصر للميرة متاعَهم الذي قدموا به من مصر، وجدوا ثمن طعامهم الذي اشتروه به رُدَّ إليهم، فقالوا لوالدهم: " يَا أبَانَا مَا نَبْغِي هذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إليْنا وَنَمِيرُ أهْلَنَا وَنَحْفَظُ أخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ " أخر على أحمال إبلنا.
وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، " وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ " ، قال لكل رجل منهم حمل بعير، فقالوا أرسل معنا أخانا نزداد حمل بعير. قال ابن جريج: قال مجاهد: كيل بعير حمل بعير حمار. قال: وهي لغة؛ قال الحارث: قال القاسم: يعني مجاهد أن الحمار يقال له في بعض اللغات " بعير " .
فقال يعقوب: " لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونَ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأتُنَّني بِهِ إلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ " يقول: إلا أن تهلكوا جميعاً، فيكون حينئذ ذلك لكم عذراً عندي، فلما وثقوا له بالأيمان قال يعقوب: " اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيْلٌ " .
ثم أوصاهم بعد ما أذن لأخيهم من أبيهم بالرحيل معهم، ألا تدخلوا من باب واحد من أبواب المدينة خوفاً عليهم من العين، وكانوا ذوي صورة حسنة، وجمال وهيئة، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرّقة، كما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ " ، قال: كانوا قد أوتوا صورة وجمالاً، فخشي عليهم الناس، فقال الله تبارك وتعالى: " وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوْهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا " ، - وكانت الحاجة التي في نفس يعقوب فقضاها - ما تخوف على أولاده أعين الناس لهيئتهم وجمالهم.
ولما دخل إخوة يوسف على يوسف ضمّ إليه أخاه لأبيه وأمه، فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: " وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ أوَى إلَيْهِ أَخَاهُ " ، قال: عرف أخاه، قال: وأنزلهم منزلاً، وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل جاءهم بمثل فَقال: ليَنَمْ كلّ أخوين منكم على مِثال، فلما بقي الغلام وحده قال يوسف: هذا ينام معي في على فراشي، فبات معه، فجعل يوسفَ يَشمُّ ريحه، ويضمه إليه حتى أصبح؛ وجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا إن نجونا منه.
وأما ابن إسحاق فإنه ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما دخلوا - يعني ولد يعقوب - على يوسف قالوا: هذا أخونا الذي أمرَتنا أن نأتيَك به، قد جئناك به. فذكر لي أنه قال لهم: قد أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، أو كما قال.
ثم قال: إني أراكم رجالاً، وقد أردت أن أكرمكم، فدعا صاحب ضيافته فقال: أنزل كلَّ رجلين على حدة، ثم أكرمْهما وأحسنْ ضيافَتَهما. ثم قال: إني أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثانٍ، فسأضمه إليّ فيكون منزله معي، فأنزلهم رجلين رجلين إلى منازل شتى، وأنزل أخاه معه فأواه إليه، فلما خلا به قال: إني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بشيء فعلوه بنا فيما مضى؛ فإن الله قد أحسن إلينا فلا تعلمهم مما أعلمتك؛ يقول الله عزّ وجلّ: " وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ أوَى إلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إنِّي أَنَا أخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بما كانوا يعملون " ، يقول له: " فَلاَ تَبْتَئِسْ " ، فلا تحزن.
فلما حمّل يوسف إبل إخوته ما حمَّلها من الميرة وقضى حاجتهم ووفّاهم كيلهم، جعل الإناءَ الذي كان يكيل به الطعام - وهو الصُّواع - في رحل أخيه بنيامين.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا عبد الواحد، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: الصُّواع والسقاية سواء، هما الإناء الذي يشرب فيه، وجعل ذلك في رَحْل أخيه، والأخ لا يشعر فيما ذكر.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: " فَلَمَّا جّهَّزَهُمْ بِجِهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيْهِ " ، والأخ لا يشعر، فلما ارتحلوا أذّن مؤذن قبل أن ترتحلوا العير: " إنَّكُمْ لَسَارقُونِ " .
حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حمّل لهم بعيراً بعيراً، وحمل لأخيه بنيامين بعيراً باسمه كما حمل لهم، ثم أمر بسقاية الملك - وهو الصُّواع - وزعموا أنها كانت من فضة، فجُعلت في رحل أخيه بنيامين، ثم أمهلهم حتى إذا انطلقوا فأمعنوا من القرية، أمر بهم فأدرِكوا واحتُبِسوا، ثم نادى منادٍ: أيتها العير إنكم لسارقون، قفوا. وانتهى إليهم رسوله فقال لهم - فيما يذكرون - : ألم نكرم ضيافتكم، ونوفِّكم كيلَكم، ونحسن منزلَكم، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم، وأدخلناكم علينا في بيوتنا، وصار لنا عليكم حرمة! أو كما قال لهم. قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال: سقاية الملك فقدناها، ولا يُتَّهموا عليها غيركم. قالوا: " تَاللهِ لقدْ علِمْتُمْ ما جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي اْلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِين " . وكان مجاهد يقول. كانت العير حميراً.
حدثني بذلك الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا سفيان، قال: أخبرَني رجل، عن مجاهد: وكان فيما نادى به منادي يوسف: مَنْ جاء بصُواع الملك فله حمْلُ بعير من الطعام، وأنا بإيفائه ذلك زعيم - يعني " كفيل " - وإنما قال القوم: : " لقدْ علِمْتُمْ ما جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي اْلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِين " ، لأنهم ردوا ثمن الطعام الذي كان كيل لهم المرة الأولى في رحالهم. فردوه إلى يوسف، فقالوا: لو كنا سارقين لم نردد ذلك إليكم - وقيل إنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، فلذلك قالوا ذلك - فقيل لهم: ما جزاء من كان سرق ذلك؟ فقالوا: جزاؤه في حُكمنا بأن يسلِّم لفعله ذلك إلى مّنْ سرقه حتى يسترقّه.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: " قالوا فما جَزَاؤه إن كنتمْ كاذِبين، قالوا جزاؤه مَنْ وُجدَ فِي رَحْلِهِ فهوَ جزاؤه " تأخذونه، فهو لكم. فبدأ يوسف بأوعية القوم قبل وعاء أخيه بنيامين، ففتّشها ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه أخّر تفتيشه.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثّماً مما قَرفَهم به، حتى بقيَ أخوه - وكان أصغر القوم - قال: ما أرى هذا أخذ شيئاَ. قالوا: بلى فاستبرئه، ألاَ وقد علموا حيث وضعوا سقايتهم. " ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعاءِ أخيه كذلك كِدْنا ليوسفَ ما كانَ لِيأخُذَ أخاه في دِينِ المَلِكِ " . يعني في حكم الملك، ملك مصر، وقضائه لأنه لم يكن من حكم ذلك الملك وقضائه أن يُسْترَقّ السارق بما سرق، ولكنّه أخذه بكيد الله له حتى أسلمه رفقاؤه وإخوته بحكمهم عليه وطيب أنفسهم بالتسليم.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: قوله: " ما كانَ لِيأخُذَ أخاه في دِينِ المَلِكِ " إلا بعلَّة كادها الله له، فاعتلَّ بها يوسف، فقال إخوة يوسف حينئذ: " إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " - يعنون بذلك يوسف.
وقد قيل إن يوسف كان سرق صنماً لجده أبِي أمّه، فكسره، فعيّروه بذلك.
ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن عمرو البصريّ، قال: حدثنا الفيض بن الفضل، قال: حدثنا مسْعَر، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جبير: " إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " ، قال: سرق يوسف صنماً لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق، فكان إخوته يعيبونه بذلك.
وقد حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي قال: كان بنو يعقوب على طعام، إذ نظر يوسف إلى عَرْق فخبأه فعيّروه بذلك " إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " ، فأسرّ في نفسه يوسف حين سمع ذلك منهم، فقال: " أنتم شَرٌّ مَكَاناً والله أعلمُ بما تَصِفون " به أخا بنيامين من الكذب، ولم يُبْدِ ذلك لهم قولاً.
فحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما استخرِجت السرِقة من رحْل الغلام انقطعت ظهورُهم، وقالوا: يا بنَي راحيل، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذتَ هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البريّة، وَضَع هذا الصُّواع في رَحْلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فقالوا: لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها. فلما دخلوا على يوسف دعا بالصُّواع، فنقر فيه ثم أدناه من أذنه، ثم قال: إن صُواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلاً، وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه. فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثم قال: أيها الملك، سل صُواعك هذا عن أخي أين هو؟ فنقره، ثم قال: هو حيّ، وسوف تراه. قال: فاصنع بي ما شئت، فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني. قال: فدخل يوسف فبكى ثم توضأ، ثم خرج فقال بنيامين: أيها الملك، إني أريد أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحقِّ من الذي سرقه فجعله في رحلي. فنقره، فقال: إن صواعي هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسأَلني: مَنْ صاحبي؟ فقد رأيتَ مع من كنت! قالوا: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقوا، فغضب روبيل وقال: أيها الملك، والله لتتركنا أو لأصيحنَّ صيحة لا تبقى بمصر حامل إلا ألقتْ ما في بطنها، وقامت كل شعرة في جسد روبيل، فخرجت من ثيابه. فقال يوسف لابنه: قم إلى جنب روبيل فمسّه - وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسَّه الآخر ذهب غضبه - فقال روبيل: مِنْ هذا؟ إن في هذا البلد لَبَزراً من بزْر يعقوب، فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: أيها الملك، لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله. قال يوسف: أنت إذن كنت صادقاً.
قال: ولما احتبس يوسف أخاه بنيامين، فصار بحكم إخوته أولى به منهم، ورأوا أنه لا سبيلَ لهم إلى تخليصه صاروا إلى مسألته تخليتَه ببذل منهم يعطونه إياه، فقالوا: " يَا أَيُّهَا الْعَزِيْزُ إنَّ لَهُ أباً شَيخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكَانَهُ إنا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِيْنَ " في أفعالك. فقال لهم يوسف: " مَعَاذَ الله أن نَأْخُذَ إلاَّ مِنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إنَّا إذاً لَظَالِمونَ " أن نأخذ بريئاً بسقيم! فلما يئس إخوة يوسف من إجابة يوسف إياهم ما سألوا من إطلاق أخيه بنيامين وأخذ بعضهم مكانه، خلّصوا نجيّاً لا يفترق منهم أحد، ولا يختلط بهم غيرهم. فقال كبيرهم: - وهو روبيل، وقد قيل إنه شمعون - : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله أن نأتيه بأخينا بنيامين إلاّ أن يحاط بنا أجمعين! ومن قبل هذه المرة ما فرطتم في يوسف " فَلَنْ أَبْرَحَ اْلأَرْضَ " التي أنا بها " حَتَّى يَأذَنَ لِي أبِي " في الخروج منها وترك أخي بنيامين بها " أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاْكِمِيْنَ " - وقد قيل معني ذلك: أو يحكم الله لي بحرب مَنْ منعني من الانصراف بأخي - " ارجعوا إلى أبيكم فقُولُوا يَا أَبَانَا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ " ، فأسلمناه بجريرته، " وَمَا شَهِدْنَا إلاَّ بما علمنا " ؛ لأن صُواع الملك لم يوجد إلا في رحله، " وما كنا للغيب حافظين " ، يعنون بذلك أنا إنما ضمّنا لك أن نحفظه مما لنا إلى حفظه سبيل، ولم نكن نعلم أنه يسرق فيُستَرقّ بسرقته، واسأل أهل القرية التي كنا فيها فسرق ابنك فيها، والقافلة التي كنا فيها مقبلة من مصر معنا عن خبر ابنك، فإنك تخبر بحقيقته ذلك.
فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه خبر بنيامين، وتخلُّف روبيل قال لهم: بل سوَّلتْ لكم أنفسكم أمراً أردتموه، فصبرٌ جميل لا جزع فيه على ما نالني منْ فقد ولدي، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً بيوسف وأخيه وروبيل.
ثم أعرض عنهم يعقوب وقال: " يا أسَفاً عَلَى يُوسُفَ " يقول الله عزّ وجلّ: " وابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيْم " ، مملوء من الحزن والغيظ. فقال له بنوه الذين انصرفوا إليه من مصر حين سمعوا قوله ذلك: تالله لا تزال تذكر يوسف فلا تفتر، من حبّه وذكره حتى تكون دنفَ الجسم، مخبُولَ العقل من حبّه وذكره، هرِماً بالياً أو تموت! فأجابهم يعقوب فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله لا إليكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون من صدق رؤيا يوسف؛ أنَّ تأويلها كائن، وأني وأنتم سنسجد له.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكّام، عن عيسى بن يزيد، عن الحسن، قال: قيل: ما بلغ وَجْد يعقوب على ابنه؟ قال وجْد سبعين ثَكْلى، قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، قال: وما ساء ظنّه بالله ساعة قطّ من ليل ولا نهار.
وحدثنا ابن حميد مرّة أخرى، قال: حدثنا حَكّام، عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن المبارك بن مجاهد، عن رجل من الأزد، عن طلحة بن مُصرِّف الياميّ، قال: أنبئت أن يعقوب ابن إسحاق دخل عليه جار له فقال: يا يعقوب، مالي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنّ ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف وذكره. فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي! قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي. قال: فإني قد غفرت لك، فكان من ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلِيّ، حدثنا أبو أسامة، عن هشام عن الحسن، قال: كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره. قال الحسن: والله ما عَلى الأرض خليفةٌ أكرم على الله من يعقوب.
ثم أمر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسّس الخبر عن يوسف وأخيه، فقال لهم: اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله، يفرج به عنا وعنكم الغمَّ الذي نحن فيه. فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه: " أيُّها العزيزُ مَسَّنَا وأهلَنا الضُّرُّ وجِئْنَا ببضاعةٍ مُزْجَاةٍ فأوفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ علينا إنّ اللهَ يجزِي المتصدِّقين " . وكانت بضاعتهم المزجاة التي جاؤوا بها معهم - فيما ذكر - دراهم رديّة زُيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة. وكان بعضهم يقول: كانت حلَق الغرارة والحبل ونحو ذلك. وقال بعضهم: كانت سمناَ وصوفاً. وقال بعضهم: كانت صنوبراً وحبة الخضراء. وقال بعضهم: كانت قليلة دون ما كانوا يشترون به قبل، فسألوا يوسف أن يتجاوز لهم ويُوفِيَهم بذلك من كيل الطعام مثل الذي كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك، ولا ينقصهم. فقالوا له: " فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللهَ يَجْزِي المتصدِّقينَ " .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ: " وتَصَدَّقْ عَلَيْنَا " ، قال: بفضل ما بين الجياد والرديّة. وقد قيل: إن معنى ذلك: وتصدق علينا برد أخينا إلينا " إنَّ اللهَ يَجْزِي المتصدِّقينَ " .
حدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر أنهم لما كلّموه بهذا الكلام، غلبتْه نفسه فارفضّ دمعُه باكياً، ثم باح لهم بالذي كان يكتم منهم، فقال: " هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأخِيهِ إذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ " . ولم يعن بذكر أخيه ما صنعه هو فيه حين أخذه، ولكن التفريق بينه وبين أخيه إذ صنعوا بيوسف ما صنعوا. فلما قال لهم يوسف ذلك قالوا له: ها أنت يوسف! قال: " أَنَا يُوسُفُ وهذا أخي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا " بأن جمع بيننا بعد تفريقكم بيننا، " إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أجْرَ المُحْسِنِيْنَ " .
حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: لما قال لهم يوسف: " أَنَا يُوسُفُ وهذا أخِي " اعتذروا وقالوا: " تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإنْ كُنَّا لَخَاطِئِيْنَ " . قال لهم يوسف: " لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ " . فلما عرّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: قال يوسف: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عميَ من الحزن فقال: " اذْهَبُوا بِقَمِيْصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أجْمَعِيْنَ، ولَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ " عِير بني يعقوب، قال يعقوب: " إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ " .
فحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن شريح، عن أبي أيوب الهوزنيّ، حدّثه، قال: استأذنت الريح بأن تأتيَ يعقوب بريح يوسف حين بعث بالقميص إلى أبيه قبل أن يأتيَه البشير، ففعلت، فقال يعقوب: " إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن ابن سنان، عن ابن أبي الهذيل، عن ابن عباس في " ولَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ قال أبوهُم إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ " قال: هاجت ريحٌ فجاءت بريح يوسف من مسيرة ثمان ليال، فقال: " إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ " .
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد: عن قتادة، عن الحسن، قال: ذُكِر لنا أنه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخاً، يوسف بأرض مصر ويعقوب بأرض كنعان، وقد أتى زمان طويل.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج. قوله: " إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ " وقد كان فارقه قبل ذلك سبعاً وسبعين سنة. ويعني قوله " " لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ " لولا أن تسفّهوني فتنسبوني إلى الهرم وذهاب العقل. فقال له مَنْ حضره من ولده حينئذ: تالله إنك من ذكر يوسف وحبّه " لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيْمِ " - يعنون في خطئك القديم. " فلما أن جَاءَ الْبَشِيْرُ " - يعني البريد الذي أبرده يوسف إلى يعقوب - يبشر بحياة يوسف وخبره، وذكر أن البشير كان يهوذا بن يعقوب.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السُّديّ، قال: قال يوسف: " اذْهَبُوا بِقَمِيْصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أجْمَعِيْنَ " . قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطّخاً بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره بأنه حيّ، فأقرّ عينه كما أحزنته؛ فهو كان البشير.
فلما أن جاء البشيرُ يعقوبَ بقميص يوسف ألقاه على وجهه، فعاد بصيراً بعد العمى، فقال لأولاده: " ألم أَقُلْ لَكُمْ إنَّي أعلمُ من اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " .
وذلك أنه كان قد علم - من صدق تأويل رؤيا يوسف التي رآها أنّ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدون - ما لم يكونوا يعلمون. فقالوا ليعقوب: " يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنَّا كُنَّا خَاطِئِيْنَ " . فقال لهم يعقوب: " سوفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي " . قيل: إنه أخّر الدعاء لهم إلى السَّحَر. وقيل إنه أخّر ذلك إلى ليلة الجمعة.
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذيّ، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: " قال يعقوب: " سوفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي " ، يقول حتى تأتيَ ليلة الجمعة " .
فلما دخل يعقوب وولده وأهاليهم على يوسف آوى إليه أبويه، وكان دخولهم عليه قبل دخولهم مصر - فيما قيل - لأن يوسف تلقاهم. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال: حملوا إليه أهليهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر كلّم يوسف الملك الذي فوقه فخرج هو والملك يتلقونهم، فلما بلغوا مصر قال: " ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ الله آمِنِين " . فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن فرقد السبَخيّ، قال: لما ألقِيَ القميص على وجهه ارتدَّ بصيراً، وقال: ائتوني بأهلكم أجمعين، فحمل يعقوب وإخوة يوسف، فلما دنا يعقوب أخبرَ يوسف أنه قد دنا منه، فخرج يتلقاه. قال: وركب معه أهلُ مصر - وكانوا يعظَِمونه - فلما دنا أحدهما من صاحبه - وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من وَلده، يقال له يهوذا - قال: فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، فقال: لا، هذا ابنك يوسف، قال: فلما دنا واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدؤه بالسلام، فمنع ذلك، وكان يعقوب أحقَّ بذلك منه وأفضل. فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، فلما أن دخلوا مصر رفه أبويه على السرير وأجلسهما عليه.
وقد اختلف في اللذين رفعهما يوسف على العرش، وأجلسهما عليه، فقال بعضهم: كان أحدهما أبوه يعقوب، والآخر أمه راحيل. وقال آخرونَ: بلْ كان الآخر خالته ليا وكانت أمه قد كانت ماتت قبل ذلك. وخرّ له يعقوب وأمه وولده يعقوب سجَّداً.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً " قال: كانت تحية الناس أن يسجد بعضهم لبعض، وقال يوسف لأبيه: " يا أبت هذا تأويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقَّاً:، يعني بذلك: هذا السجود منكم، يدل على تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل، صنع إخوتي بي ما صنعوا، وتلك الكواكب الأحد عشر والشمس والقمر " قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقَّاً " . يقول: قد حقق الرؤيا بمجيء تأويلها.
وقيل كان بين أن أرِيَ يوسف رؤياه هذه ومجيء تأويلها أربعون سنة.
ذكر بعض من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا معتَمر، عن أبيه، قال: حدثنا أبو عثمان، عن سلمان الفارسيّ، قال: كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة.
وقال بعضهم: كان بين ذلك ثمانون سنة.
ذكر بعض من قال ذلك: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفيّ، قال: حدثنا هشام، عن الحسن، قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزنُ قلبَه ودموعُه تجري على خدَّيه، وما على الأرض يومئذ أحبُّ إلى الله عزّ وجلّ من يعقوب.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا داود بن مِهْران، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، قال: ألْقيَ يوسف في الجبّ، وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، ثم عاش بعد ما جمع الله شمله، ورأى تأويل رؤياه ثلاثاً وعشرين سنة، فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة.
وقال بعض أهل الكتاب: دخل يوسف مصر وله سبع عشرة سنة، فأقام في منزل العزيز ثلاث عشرة سنة، قلما تمت له ثلاثون سنة استوزره فرعون ملك مصر، واسمه الريان بن الوليد بن ثروان بن أراشة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وأنّ هذا الملك آمن، ثم مات، ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو ابن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. وكان كافراً، فدعاه يوسف إلى الإيمان بالله فلم يستجب إليه، وأن يوسفَ أوصّى إلى أخيه يهوذا، ومات وقد أتت له مائة وعشرون سنة، وأنّ فِراق يعقوب إياه كان اثنتين وعشرين سنة، وأن مقام يعقوب معه بمصر كان بعد موافاته بأهله سبع عشرة سنة، وأن يعقوب لما حضرتْه الوفاة أوصى إلى يوسف - وكان دخول يعقوب مصر في سبعين إنساناً من أهله. وتقدم إلى يوسف عند وفاته أن يحمّل جسده حتى يدفنه بجنب أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك به ومضى به حتى دفته بالشأم، ثم انصرف إلى مصر، وأوصى يوسف أن يحمَل جسده حتى يدفَن إلى جنب آبائه، فحمل موسى تابوت جسده عند خروجه من مصر معه.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لي - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانيَ عشرة سنة.
قال: وأهلُ الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأنّ يعقوب بَقيَ مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه. قال: وقبر يوسف - كما ذكر لي في - صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء.
وقال بعضهم: عاش يوسف بعد موت أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة. قال: وفي التوراة أنه عاش مائة سنة وعشرين سنين.
وولد ليوسف أفراييم بن يوسف ومنشا بن يوسف، فولد لإفراييم نون، فولد لنون إفراييم يوشع بن نون وهو فتى موسى، وولد لمنشا موسى بن منشا.
وقيل: إن موسى بن منشا نبّئ قبل موسى بن عمران.
ويزعم أهل التوراة أنه الذي طلب الخضر.
قصة الخضر
وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع عليهم السلام
================================================3.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
قال أبو جعفر: كان الخضر ممن كان في أيام أفريدون الملك بن أثفيان في قول عامّة أهل الكتاب الأوّل، وقبل موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم. وقيل إنه كان على مقدمة ذي القَرْنين الأكبر، الذي كان أيام إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قضى له ببئر السبع - وهي بئر كان إبراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردنّ - وإنّ قوماً من أهل الأردنّ ادّعوا الأرض التي كان احتفر بها إبراهيم بئره، فحاكمهم إبراهيم إلى ذي القرنين الذي ذكر أن الخَضِر كان على مقدمته أيامَ سَيْره في البلاد، وإنه بلغ مع ذي القرنين نهرَ الحياة، فشرب من مائه وهو لا يعلم، ولا يعلم به ذو القرنين ومن معه، فخلِّد، فهو حيّ عندهم إلى الآن.
وزعم بعضهم أنه من ولد مَن كان آمن بإبراهيم خليل الرحمن، واتبعه على دينه، وهاجر معه من أرض بابل حين هاجر إبراهيم منها. وقال: اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال: وكان أبوه ملكاً عظيماً.
وقال: آخرون ذو القرنين الذي كان على عهد إبراهيم صلى الله عليه وسلم هو أفريدون بن أثفيان، قال: وعلى مقدمته كان الخضر.
وقال عبد الله بن شوذب فيه ما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال: حدثنا محمد بن المتوكل، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شَوْذب، قال: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل، يلتقيان في كلّ عام بالموسم.
وقال ابن إسحاق فيه ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: بلغني أنه استخلف الله عزّ وجلّ في بني إسرائيل رجلاً منهم، يقال له ناشية بن أموص، فبعث الله عزّ وجلّ لهم الخضر نبيَّاً. قال: واسم الخضر - فيما كان وهب بن منبّه يزعم عن بني إسرائيل - أو رميا بن خلقيا، وكان من سبْط هارون بن عمران. وبين هذا الملك الذي ذكره ابن إسحاق وبين أفريدون أكثر من ألف عام.
وقول الذي قال: إن الخضر كان في أيام أفريدون وذي القرنين الأكبر وقبل موسى بن عمران أشبه بالحق إلا أن يكون الأمر كما قاله مًنْ قال إنه كان على مقدمة ذي القرنين صاحب إبراهيم، فشرب ماء الحياة، فلم يبعث في أيام إبراهيم صلى الله عليه وسلم نبيّاً، وبعث أيام ناشية بن أموص؛ وذلك أنّ ناشية بن أموص الذي ذكر ابن إسحاق أنه كان ملكاً على بني إسرائيل، كان في عهد بشتاسب بن لهراسب، وبين بشتاسب وبين أفريدون من الدهور والأزمان ما لا يجهله ذو علم بأيام الناس وأخبارهم، وسأذكر مبلغ ذلك إذا انتهينا إلى خبر بشتاسب إن شاء الله تعالى.
وإنما قلنا: قول من قال: كان الخضر قبل موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم أشبهُ بالحق من القول الذي قاله ابن إسحاق وحكاه عن وهب بن منبّه، للخبر الذي رَوَىَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب، أنّ صاحب موسى بن عمران - وهو العالم الذي أمره الله تبارك بطلبه إذ ظن أنه لا أحدَ في الأرض أعلم منه - هو الخضر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلمَ خلق الله بالكائن من الأمور الماضية، والكائن منها الذي لم يكن بعد.
والذي روى أبيّ بن كعب في ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال كذبَ عدو الله، حدثنا أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن موسى قام في بني إسرائيل خطيباً فقيل: أيّ الناس أعلم. فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إليه، فقال: بل عبدٌ لي عند مجمع البحرين، فقال: يا ربّ، كيف به؟ قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مكْتل فحيث تفقده فهو هناك. قال: فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدتَ هذا الحوت فأخبرني. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة، فرقّد موسى فاضطرب الحوت في المكتل، فخرج فوقع في البحر، فأمسك الله عنه جَرْية الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سرَباً، وكان لهما عجباً. ثم انطلقا، فلما كان حين الغذاء قال موسى لفتاه: " آتِنَا غَذَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هذَا نَصَباً " قال: ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز حيث أمَره الله، قال: فقال: " أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ فإني نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أذْكُرَهُ وَاُتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباً " قال: فقال: " ذَلكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً " . قال: يقّصان آثارهما. قال: فأتيا الصخرة فإذا رجل نائم مسجَّى بثوبه، فسلّم عليه موسى فقال: وأنَّى بأرضنا السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى، إني على علْم من علم الله، علَّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علّمكه الله لا أعلمه، قال: فإني أتبعك على أن تعلمني ممَّا عُلمْتَ رُشْداً. " قال فَإِنِ اُتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً " . فانطلقا يمشيان على الساحل، فإذا بملاح في سفينة، فعرف الخضر، فحمله بغير نَوْل، فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر - أو فنقد - في الماء، فقال الخضر لموسى: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما نقر - أو نقد - هذا العصفور من البحر.
قال أبو جعفر: أنا أشكُّ، وهو في كتابي هذا " نقر " قال: فبينما هم في السفينة لم يُفجأ موسى إلا وهو يتد وتداً أو ينزع تخْتاً منها، فقال له يا موسى: حمَلنا بغير نَوْل وتخرقها لتُغْرقَ أهْلها! " لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً، قَالَ أَلَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْراً لاَ تُؤاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ " - قال: فكانت الأولى من موسى نسياناً - قال: ثم خرجا فانطلقا يمشيان، فأبصرا غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، فقال له موسى: " أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً، أَلَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْراً، قَالَ إنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذراً " .
فانطلقا حتى أتيا أهلَ قرية استطعما أهلها، فلم يجدا أحداً يطعمهم ولا يسقيهم، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه بيده - قال: مسحه بيده - فقال له موسى: لم يُضيفونا ولم ينزلونا، " لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً " . " قَالَ هذا فِراقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لوددت أنه كان صبَر حتى يقصّ علينا قصصهم " .
حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى عليه السلام الذي سأل السبيلَ إلى لقائه، فهل سمعت رسول الله يذكر شأنه؟ قال: نعم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بينا موسى عليه السلام في ملأِ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد اعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى إلى موسى: بَلى عبدنا الخَضِر، فسأل موسى السبيلَ إلى لقائه، فجعل الله الحوت آية، وقال له: إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت، - في البحر فقال فتى موسى لموسى: " أرأيْت إذْ أوَيْنا إلى الصخرةِ فإني نسيتُ الحوتَ " - ، وقال موسى: " ذلك ما كُنّا نَبْغِ فارتدَّا على آثارهما قصَصاً " ، فوجدا الخضر، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه " .
حدثني محمد بن مرزوق قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا عبد الله بن عمر النيمريّ، عن يونس بن يزيد، قال: سمعت الزهريّ يحدث قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فذكر نحو حديث العباس عن أبيه.
حدثنا محمد بن مسعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قوله: " وإذْ قال موسى لفتاهُ لا أبْرَحُ حتى أبْلُغَ مجْمَعَ البحرينِ... " الآية، قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر نزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله عزّ وجلّ عليه: أن ذكِّرهم بأيام الله. فخطب قومه، فذكَر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكَّرهم إذ أنجاهم الله من آل فرعون، وذكّرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم الله في الأرض، فقال: وكلم الله موسى نبيكم تكليماً، واصطفاني لنفسه، وأنزل على محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة. فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا ذكرها وعرّفها إياهم، فقال له رجل من بني إسرائيل: هو كذلك يا نبيّ الله، وقد عرفْنا الذي تقول، فهل على الأرض أحدٌ أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا، فبعث الله عزّ وجلّ جبرئيل عليه السلام إلى موسى عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى إن على شطّ البحر رجلاً أعلم منك - قال ابن عباس: هو الخضر - فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى الله إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتاً فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شطّ البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فثمّ تجد العبد الصالح الذي تطلب.
فلما طال سفر موسى نبي الله صلى الله عليه وسلم ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: " أرأيت إذْ أويْنا إلى الصخرةِ فإني نسيت الحوتَ، وما أنسانيه إلا الشيطانُ أنْ أذكُره " لك. قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سرباً. فأعجب ذلك موسى فرجع حتى أتي الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدّم عصاه يفرج بها عنه الماء، يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من الماء إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله صلى الله عليه يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها، فسلّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون هذا السلام بهذه الأرض! ومن أنت؟ قال: أنا موسى، فقال له: الخضر صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحَّب به وقال: ما جاء بك؟ جئت على أن تعلّمني مما علمت رشداً، قال: " إنك لن تستطيعَ معيَ صبراً " ، يقول: لا تطيق ذلك، قال موسى: " ستجدُني إنْ شاء اللهُ صابراَ ولا أعصي لك أمراً " . قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه، فذلك قوله: " حتى أُحْدِثَ لك منه ذِكْراً " . فركبا في السفينة يريدان أن يتعديا إلى البرّ، فقال الخضر، فخرق السفينة فقال له موسى: :أخرقْتَها لتُغرِقَ أهلها لقد جئتَ شيئاً إمْراً " ... ثم ذكر بقية القصّة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القُمّيّ، عن هارون بن عنترة عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه السلام ربه عزّ وجلّ فقال: أي ربّ؛ أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال أيّ ربٍّ، أيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علْم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو تردّه عن ردّي، قال: ربّ فهل في الأرض أحد - قال أبو جعفر أظنه قال: أعلم مني؟ قال: نعم، قال: ربّ، فمن هو؟ قال: الخضر، قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل، عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت، قال: فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكره الله عز وجل وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلّم كلُّ واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تستصحبني، قال: لن تطيق صحبتي، قال: بلى، قال: فإن صحبتي " فلا تسألني عن شيء حتى أحْدِثَ لك منه ذِكْراً، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقَها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً، قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معيّ صبراً، قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا تُرهقْني من أمري عُسْراً، فانطلقا حتى إذا لقيا غُلاماً فقتله قال أقتلْتَ نَفْساً زاكيةً بغير نفْسٍ لقد جئت شيئاً نُكْراً " ، إلى قوله: " لاتّخذت عليه أجراً " .
قال: فكان قول موسى في الجدار لنفسه " لاتّخذت عليه أجراً " ولطلب شيء من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز وجل. " قال هذا فراق بيني وبينك سأُنبِّئك بتأويلِ ما لم تستطعْ عليه صبراً " ، فأخبره بما قال الله: " أما السفينة فكانت لمساكينَ... " الآية، " وأما الغلام.... " الآية، " وأما الجدارُ... " الآية. قال: فسار به في البحر حتى انتهى به إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماءً منه، قال: وبعث ربك الخُطّاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخُطّاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقلّ ما رزأ! قال: يا موسى فإنّ علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخُطّاف من هذا الماء. وكان موسى عليه السلام قد حدّث نفسه أنه ليس أحدُ أعلمَ منه، أو تكلم به؛ فمن ثَمّ أمِر أن يأتي الخضر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفرٌ من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس إن نَوْفاً ابن امرأة كعب، ذكر عن كعب أن موسى النبي عليه السلام الذي طلب العالم إنما هو موسى بن منشا. قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوْفٌ يقول هذا؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوْفاً يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم، قال: كذب نوْف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى نبيّ إسرائيل سأل ربه تبارك وتعالى فقال: أيّ رب، إن كان في عبادك أحدٌ أعلم مني فادللني عليه، فقال له: نعم في عبادي مٍنْ هو أعلم منك، ثم نعَت له مكانه، وأذن له في لقائه، فخرج موسى عليه السلام ومعه فتاه، ومعه حوت مليح قد قيل له: إذا حَيِيَ هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركتَ حاجتهم.
فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء وذلك الماء، ماء الحياة، مَنْ شرب منه خُلِّد، ولا يقاربه شيء ميت إلا أدركته الحياة وحيي. فلما نزلا منزلاً ومسّ الحوتُ الماء حيي، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فانطلق فلما جاوزا بمنقلة قال موسى لفتاه: " آتِنا غَذاءَنا لقد لَقَينا منْ سفرِنا هذا نصَباً " . قال الفتى وذكر: " أرأيت إذ أويْنا إلى الصخرة فإني نسيتُ الحوتَ وما أنسانيه إلا الشيطان أنْ أذكُرَه واتخذ سبيلَه في البحر عجباً " . قال ابن عباس: وظهر موسى على الصخرة حتى انتهيا إليه، فإذا رجل متلفّف في كساء له، فسلم عليه موسى، فرد عليه السلام، ثم قال له: ومنْ أنت؟ قال: أنا موسى ابن عمران، قال: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم أنا ذلك، وما جاء بك إلى هذه الأرض؛ أنْ لك في قومك لشُغْل! قال له موسى: جئتك لتعلّمني مما عُلّمت رشداً، قال: إنك لن تستطيع معي صبراً، وكان رجلاً يعمل على الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: " وكيف تصبر على ما لم تُحط به خُبْراً " ، أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تُحط من علم الغيب بما أعلم. " قال ستجدني إنْ شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمْراً " وإن رأيتُ ما يخالفني. قال: " فإن اتَّبعْتَني فلا تسألني عن شيءٍ حتى أحْدِثَ لك منه ذِكْراً " ، أي فلا تسألني عن شيء وإن أنكرته حتى أحدث لك منه ذكراً، أي خبراً. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرّضان الناس، يلتمسان منْ يحملهما حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما شيء من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلما اطمأنّا فيها، ولجّجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً ومطْرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبّقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، قال له موسى: فأيّ أمر أفظع من هذا! " أخرقتها لتُغرِق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً " ! حملونا وآوونا إلي سفينتهم، وليس في البحر سفينة مثلها، فلم خرقتها! قال: " ألم أقلْ إنك لن تستطيعَ معيَ صبْراً، قال لا تؤاخذْني بما نسيت " ، أي بما تركت من عهدك " ولا ترهِقْني منْ أمْري عُسراً " . ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا أهلَ قرية، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلامٌ ليس في الغلمان غلام أظرفُ ولا اترفُ ولا أوضأ منه، فأخذ بيده وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله. قال: فرأى موسى أمراً فظيعاً لا صبْرَ عليه، صبيّ صغير قتله بغير جناية ولا ذنب له! فقال: " أقتلت نفْساً زاكية بغير نفسٍ " ، أي صغيرة بغير نفس، " لقد جئت شيئاً نُكراً، قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معيَ صبراً، قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تُصاحبْني قد بلغتَ منْ لدُنِّي عُذراً " ، أي قد أعذرت في شأني. " فانطلقا حتى أتيا أهلَ قرية استطعما أهلَها فأَبْوا أن يُضيفوهما فوَجَدا فيها جداراً يريدُ أن ينقضَّ فأقامه:، فهدمه ثم قعد يبينه، فضجر موسى مما رآه يصنع من التكلف لما ليس عليه صبر، فقال: " لو شئت لاتخذت عليه أجراً " أي قد استطعمناهم فلم يُطعمونا، واستضفناهم فلم يُضيفونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عمله " قال هذا فِراقٌ بيني وبينكً سأُنبِّئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً، أما السفينة فكانت لمساكينَ يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملِكٌ يأخذ كل سفينةٍ - وفي قراءة أبيّ بن كعب: كلَّ سفينة صالحة - غصباً " ، وإنما عبتها لأردّه عنها، فسلمتْ منه حين رأى العيب الذي صنعتُ بها. " وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخَشَيْنا أن يُرهقَهما طُغيَاناً وكُفْراً، فأردنا أن يُبْدِلُهُما ربُّهُما خيراً منهُ زكاةً وأقربَ رُحْماً، وأما الجدارُ فكان لغُلامين يتيمين في المدينةِ وكان تحته كنزٌ لهُما وكان أبُهُما صالحاً " - إلى - " ما لم تستطع عليه صبراً " . فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علماً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه! فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من ماء الخلد فخلِّد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن شعبة، عن قتادة، قوله: " فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتَهما " ، ذُكر لنا أن نبي الله موسى لما قطع البحر وأنجاه الله من آل فرعون، جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال: أنتم خيرُ أهل الأرض وأعلمُهم قد أهلك الله عدوكم، وأقطعكم البحر وأنزل عليكم التوراة، قال: فقيل له: إن ها هنا رجلاً هو أعلم منك قال: فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه، فتزودا مملوحة في مكتل لهما، وقيل لهما: إذا نسيّماً ما معكما لقيتما رجلاً عالماً يقال له الخضر، فلما أتيا ذلك المكان، رد الله إلى الحوت روحَه فسرَّب له من الجُدّ حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فجعل لا يسلك فيه طريقاً إلا صار ماء جامداً، قال: ومضى موسى وفتاه، يقول الله عز وجل: :فلما جاوزوا قال لفتاه آتنا غَذاءنا لقد لقِينا من سفرنا هذا نصَباً " - إلى قوله - : " وعلّمناه منْ لدُنّا عِلماً " ، فلقيا رجلاً عالماً يقال له الخِضر، فذُكر لنا أن نبيّ الله قال: إنما سمي الخِضر خضراً لأنه قعد على فروة بيضاء فاهتزّت به خضراء.
فهذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن السلف من أهل العلم تنبئ عن أن الخِضرَ كان قبل موسى وفي أيامه، ويدلّ على خطأِ قول من قال: إنه أورميا بن خلقيا، لأن أورميا كان في أيام بختنصّر، وبين عهدي موسى وبختنصّر من المدة ما لا يشكل قدرها على أهل العام بأيام الناس وأخبارهم؛ وإنما قدمنا ذكره وذكر خبره لأنه كان في عهد أفريدون فيما قيل؛ وإن كان قد أدرك على هذه الأخبار التي ذكرت من أمره وأمر موسى وفتاه أيام منُوشهر وملكه، وذلك أن موسى إنما نُبّئ في عهد منوشهر، وكان ملك منوشهر بعد ما ملك جده أفريدون، فكلّ ما ذكرنا من أخبار مَن ذكرنا أخباره من عهد إبراهيم إلى الخبر عن الخضر عليهما السلام، فإن ذلك كله - فيما ذكر - كان في ملك بِيُورَاسب وأفريدون، وقد ذكرنا فيما مضى قبل أخبارَ أعمارهما ومبلغهما ومدة كل واحد منهما.
ونرجع الآن إلى الخبر عن:
منوشهر
وأسبابه والحوادث الكائنة في زمانه
ثم ملك بعد أفردون بن أثفيان بركاو مِنوشِهر، وهو من ولد ابرَج بن أفريدون.
وقد زعم بعضهم أن فارس سميت بمنوشهر هذا، وهو منوشهر كيازيه - فيما يقول نسابة الفرس - بن منشخورنر بن منشخوا ربغ ابن ويرك بن سروشنك بن أبوك بن بتك بن فرزشك بن زشك ابن فركوزك بن كوزك بن إيرَح بن أفريدون بن أثفيان بركاو.
وقد ينطق بهذه الأسماء بخلاف هذه الألفاظ.
وقد يزعم بعض المجوس أن أفريدون وطئ ابنةً لابنه أيرَح، يقال لها كوشك، فولدت له جارية يقال لها فركوشك، ثم وطئ فركوشك هذه فولدت له جارية يقال لها زوشك، ثم وطئ زوشك هذه، فولدت له جارية يقال لها بيتك، ثم وطئ بيتك هذه فولدت له جارية يقال هل إيرك، ثم وطئ إيرك فولدت له إيزك، ثم وطئ إيزك فولدت له ويرك، ثم وطئ ويرك فولدت له منشخرفاغ. ويقول بعضهم: منشخواربغ وجارية يقال لها: منشجرك، وأن منشخرفاغ وطئ منشجرك فولدت له منشخرنر، وجارية يقال لها منشراروك، وأن منشخرنر وطئ منشراروك فولدت له منوشهر.
فيقول بعضهم كان مولده بدُنْباوند.
ويقول بعض: كان مولده بالرّيّ، وإن منشخرنر ومنشراروك لما ولد لهما منوشهر أسرّا أمره خوفاً من طوج وسَلْم عليه، وإن منوشهر لما كبر صار إلى جده أفريدون، فلما دخل عليه توسّم فيه الخير، وجَعل له ما كان جعل لجده إيرج من المملكة، وتوجّه بتاجه.
وقد زعم بعض أهل الأخبار أن منوشهر هذا هو منوشهر بن منشخرنر ابن أفريقيس بن إسحاق بن إبراهيم؛ وأنه انتقل إليه الملك بعد أفريدون وبعد أن مضى ألف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وعشرون سنة، من عهد جيومرت، واستشهد لحقيقة ذلك بأبيات لجرير بن عطية، وهو قوله.
وأبناءُ إسحاقَ اللُّيوثُ إذا ارْتدَوا ... حمائل موتٍ لابسين السَّنوَّرا
إذا انتسبوا عدوّاً الصبهبذ منهمُ ... وكسرى وعدواً الهُرمُوانَ وقَيْصَرا
وكان كتابٌ فيهِمُ ونُبُوةٌ ... وكانوا بإصْطخْرَ الملوكَ وتُستَرا
فيجمعُنا والغُرَّ أبناء فارس ... أبٌ لا نُبالي بعْدَه مَنْ تأخّرا
أبُونا خليلُ اللهِ، واللهُ ربُّنا ... رضينا بما أعطى الإلهُ وقدّرا
وأما الفرس فإنها تنكر هذا النسب، ولا تعرف لها مُلْكاً إلا في أولاد أفريدون، ولا تقرُّ بالملك لغيرهم، وترى أن داخلاً إن كان دخل عليهم في ذلك من غيرهم في قديم الأيام - قبل الإسلام - ، فإنه دخل فيه بغير حق.
وحدّثت عن هشام بن محمد، قال: مَلك طوج وسلْمِ الأرضَ بينهما بعد قتلهما أخاهما إبرَج ثلاثمائة سنة، ثم ملك منوشهر بن إيرَج بن أفريدون مائة وعشرون سنة، ثم إنه وثب به ابن لابن طوج التركي - على رأس ثمانين سنة - فنفاه عن بلاد العراق اثنتي عشرة سنة، ثم أديل منه منوشهر، فنفاه عن بلاده، وعاد إلى ملكه، وملك بعد ذلك ثمانياً وعشرين سنة.
قال: وكان منوشهر يُوصف بالعدل والإحسان، وهو أول من خَندق الخنادق، وجمع آلة الحرب، وأول مَنْ وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا، وجعل أهلها له خَولاً وعبيداً، وألبسهم لباس المذلّة، وأمرهم بطاعته. قال: ويقال إن موسى النبي صلى الله عليه وسلم ظهر في سنة ستين من ملكه.
وذكر غير هشام أن منوشهر لما ملك تُوِّج بتاج الملك وقال يوم ملك: نحن مقوّون مقاتلينا، ومُعدّوهم للانتقام لأسلافنا، ودفع العدو عن بلادنا. وأنه سار نحو بلاد الترك طالباً بدم جده إيرَج بن أفريدون، فقتل طوج بن أفريدون وأخاه سَلْماً، وأدرك ثأره وانصرف، وأن فرَاسياب بن فشنج ابن رستم بن ترك - الذي تنسب إليه الأتراك، بن شهراسب. ويقال: ابن إرشسب بن طوج بن أفريدون الملك. وقد يقال لفشك فشنج بن زاشمين - حارب منوشهر، بعد أن مضى لقتله طوجاً وسَلْماً سنوت سنة، وحاصره بطبرِستان.
ثم إن منوشهر وفَراسياب اصطلحا على أن يجعلا حدَّ ما بين مملكتيهما منتهى رمْية سهم رجل من أصحاب منوشهر يدعى أرِشبّاطير - وربما خفف اسمه بعضهم فيقول: إيرش - فحيث ما وقع سهمه من موضع رميته تلك مما يلي بلاد الترك فهو الحدُّ بينهما لا يجاوز ذلك واحد منهما إلى الناحية الأخرى. وإن أرشباطير نزع بسهم في قوسه، ثم أرسله - وكان قد أعطى قوة وشدة - فبلغت رميته من طبرِستان إلى نهر بلْخ ووقع السهم هنالك، فصار نهر بلْخ حدَّ ما بين الترك وولد طوج وولد إيرج وعمل الفرس، فانقطع بذلك من رمية أرشباطير حروب ما بين فراسياب ومنوشهر.
وذكروا أن منوشهر اشتقّ من الصّراة ودِجلة ونهر بلْخ أنهاراً عظاماً. وقيل إنه هو الذي كرا الفُرات الأكبر، وأمر الناس بحراثة الأرض وعمارتها، وزاد في مهنة المقاتِلة الرمي، وجعل الرئاسة في ذلك لأرشباطير لرميتِه التي رماها.
وقالوا: إن منوشهر لما مضى من ملكه خمس وثلاثون سنة تناولت الترك من أطراف رعيته، فوبّخ قومه وقال لهم: أيها الناس، إنكم لم تلدوا الناس كلهم، وإنما الناس ناسٌ ما عقلوا من أنفسهم ودفعوا العدو عنهم، وقد نالت الترك من أطرافكم، وليس ذلك إلا من ترككم جهاد عدوكم، وقلة المبالاة، وإن الله تبارك وتعالى أعطانا هذا الملك ليبلوَنا أنشكرُ فيزيدنا، أم نكفر فيعاقبنا! ونحن أهل بيت عز ومعدن الملك لله؛ فإذا كان غداً فاحضروا، قالوا: نعم واعتذروا، فقال: انصرفوا، فلما كان من الغد أرسلَ إلى أهل المملكة وأشراف الأساورة، فدعاهم وأدخل الرؤساء من الناس، ودعا موْبذ موبذان، فأقعد على كرسيّ مقابل سريره، ثم قام على سريره، وقام أشراف أهل بيت المملكة وأشراف الأساورة على أرجلهم، فقال: اجلسوا فإني إنما قمت لأسمِعَكم كلامي. فجلسوا فقال: أيها الناس، إنما الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بدّ مما هو كائن، وإنه لا أضعف من مخلوق طالباً كان أو مطلوباً، ولا أقوى من خالق، ولا أقدر ممن طلبته في يده، ولا أعجز ممن هو في يد طالبه، وإن التفكّر نور، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، وقد ورد الأول ولا بد للآخر من اللحاق بالأول، وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء بعد ذهاب أصله! وإن الله عز وجل أعطانا هذا الملك فله الحمد، ونسأله إلهام الرشد والصدق واليقين، وإن للملك على أهل مملكته حقّاً، ولأهل مملكته عليه حقاً، فحق الملك على أهل المملكة أن يُطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوّه، وحقهم على الملك أن يعطيَهم أرزاقهم في أوقاتها، إذ لا معتَمد لهم على غيرها، وإنها تجارتهم، وحق الرعية على الملك أن ينظر لهم، ويرفُق بهم، ولا يحملهم على ما لا يطيقون، وإن أصابتهم مصيبة تنقص من ثمارهم من آفة من السماء أو الأرض أن يُسقط عنهم خراج ما نقص، وإن اجتاحتهم مصيبة أن يعوّضهم ما يقوّيهم على عماراتهم، ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر ما لا يجحف بهم في سنة أو سنتين، وأمْر الجند للملك بمنزله جناحي الطائر، فهم أجنحة الملك متى قُص من الجناح ريشة كان ذلك نقصاناً منه؛ فكذلك الملك إنما هو بجناحه وريشه. ألا وإن الملك ينبغي أن يكون فيه ثلاث خصال: أولها أن يكون صدوقاً لا يكذب، وأن يكون سخياً لا يبخل، وأن يملك نفسه عند الغضب؛ فإنه مسلَّط ويده مبسوطة، والخراج يأتيه، فيبتغي ألا يستأثر عن جنده ورعيته بما هم أهل له، وأن يكثر العفو؛ فإنه لا ملكَ أبقى من ملك فيه العفو، ولا أهلَك من ملك فيه العقوبة. ألا وإن المرء إن يخطئ في العفو فيعفو، خير من أن يخطئ في العقوبة. فينبغي للملك أن يتثبّت في الأمر الذي فيه قتل النفس وبوارها. وإذا رفع إليه من عامل من عماله ما يستوجب به العقوبة فلا ينبغي له أن يحابيَه، وليجمع بينه وبين المتظلّم؛ فإن صحّ عليه للمظلوم حتى خرج إليه منه، وإن عجز عنه أدى عنه الملكُ وردّه إلى موضعه، وأخذه بإصلاح ما أفسد؛ فهذا لكم علينا. ألا ومَن سفك دماً بغير حق، أو قطع يداً بغير حق، فإني لا أعفو عن ذلك إلا أن يعفُوَ عنه صاحبُه فخذوا هذا عني. وإن الترك قد طعمت فيكم فاكفونا، فإنما تكفون أنفسكم، وقد أمرت لكم بالسلاح والعدة وأنا شريككم في الرأي، وإنما لي من هذا الملك اسمه مع الطاعة منكم. ألا وإن الملك ملك إذا أطيع، فإذا خولف فذلك مملوك ليس بملك. ومهما بلغنا من الخِلاف فإنا لا نقبله من المبُلِغ له حتى نتيقّنه، فإذا صحت معرفة ذلك وإلا أنزلناه منزلة المخالف. ألاَ وإن أكمل الأداة عند المصيبات الأخْذ بالصبر والراحة إلى اليقين؛ فمن قُتِل في مجاهدة العدوّ رجوتُ له الفوز برضوان الله. وأفضل الأمور التسليم لأمر الله والراحة إلى اليقين والرضا بقضائه، وأين المَهْرب مما هو كائن! وإنما يتقلّب في كفّ الطالب، وإنما هذه الدنيا سَفٍر لأهلها لا يحلّون عّقْد الرحال إلا في غيرها؛ وإنما بُلغتهم فيها بالعواريّ، فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم لمن القضاءُ له! ومن أحقّ بالتسليم لمن فوقه ممن لا يجد مهرباً إلا إليه، ولا معوّلاً إلا عليه! فثقوا بالغلَبة إذا كانت نياتكم أن النصر من الله، وكونوا على ثقة من دَرَك الطلِبة إذا صحت نياتكم. واعلموا أن هذا الملك لا يقوم إلا بالاستقامة وحسن الطاعة وقمع العدوّ وسدّ الثغور والعدل للرعية وإنصاف المظلوم
فشفاؤكم عندكم، والدواءُ الذي لا داء فيه الاستقامة، والأمر بالخير والنهي عن الشرّ، ولا قوّة إلا بالله. انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم، ومتى عدلتم فيها رغبوا في العمارة، فزاد ذلك في خراجكم، وتبين في زيادة أرزاقكم، وإذا حِفْتم على الرعية زهدوا في العمارة، وعطّلوا أكثر الأرض فنقص ذلك من خراجكم، وتبيّن في نقص أرزاقكم، فتعاهدوا الرعية بالإنصاف؛ وما كان من الأنهار والبثوق مما نَفقة ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل أن يكثر، وما كان من ذلك على الرعيّة فعجزوا عنه فأقرضوهم من بيت مال الخراج، فإذا حان أوقات خراجهم، فخذوا من خراج غَلاّتهم على قدر ما لا يجحف ذلك بهم، رُبْع في كلّ سنة أو ثلث أو نصف، لكيلا يشقّ ذلك عليهم. هذا قولي وأمري يا موبذ موبذان، الزم هذا القول، وخذ في هذا الذي سمعت في يومك؛ أسمعتم أيها الناس! فقالوا: نعم، قد قلت فأحسنت، ونحن فاعلون إن شاء الله: ثم أمر بالطعام فوضع فأكلوا وشربوا، ثم خرجوا وهم له شاكرون. وكان مُلكه مائة وعشرين سنة.كم عندكم، والدواءُ الذي لا داء فيه الاستقامة، والأمر بالخير والنهي عن الشرّ، ولا قوّة إلا بالله. انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم، ومتى عدلتم فيها رغبوا في العمارة، فزاد ذلك في خراجكم، وتبين في زيادة أرزاقكم، وإذا حِفْتم على الرعية زهدوا في العمارة، وعطّلوا أكثر الأرض فنقص ذلك من خراجكم، وتبيّن في نقص أرزاقكم، فتعاهدوا الرعية بالإنصاف؛ وما كان من الأنهار والبثوق مما نَفقة ذلك من السلطان فأسرعوا فيه قبل أن يكثر، وما كان من ذلك على الرعيّة فعجزوا عنه فأقرضوهم من بيت مال الخراج، فإذا حان أوقات خراجهم، فخذوا من خراج غَلاّتهم على قدر ما لا يجحف ذلك بهم، رُبْع في كلّ سنة أو ثلث أو نصف، لكيلا يشقّ ذلك عليهم. هذا قولي وأمري يا موبذ موبذان، الزم هذا القول، وخذ في هذا الذي سمعت في يومك؛ أسمعتم أيها الناس! فقالوا: نعم، قد قلت فأحسنت، ونحن فاعلون إن شاء الله: ثم أمر بالطعام فوضع فأكلوا وشربوا، ثم خرجوا وهم له شاكرون. وكان مُلكه مائة وعشرين سنة.
وقد زعم هشام بن الكلبي فدا حدِّثت عنه أن الرائش بن قيس بن صيفيّ ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان كان من ملوك اليمن بعد يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ وإخوته، وأن الرائش كان ملكه باليمن أيام ملك منوشهر، وإنه إنما سمي الرائش - واسمه الحارث بن أبي شدد - لغنيمة غنمها من قوم غزاهم فأدخلها اليمن، فسُمي لذلك الرائش، وأنه غزا الهند فقتل بها وسبى وغنم الأموال، ورجع إلى اليمن ثم سار منها، فخرج على جبلَيْ طيئ ثم على الأنبار، ثم على الموصل، وأنه وجّه منها خيله وعليها رجل من أصحابه، يقال له: شمر بن العطاف، فدخل على الترك أرض أذْرَبيجان وهي في أيديهم يومئذ، فقتل المقاتلة وسبى الذريّة، وزَبَر ما كان من مسيره في حجَريْن، فهما معروفان ببلاد أذربيجان. قال: وفي ذلك يقول امرؤ القيس:
ألم يُخبرْك أنّ الدهرَ غولٌ ... خَتورُ العهدِ يلتقِمُ الرّجالا
أزالَ عنِ المصانع ذا ريَاش ... وقد ملك السُّهولةَ والجِبالا
وأنشب في المخالب ذا منارٍ ... وللزّرّاد قد نصب الحِبالا
قال: وذو منار الذي ذكره الشاعر هو ذو منار بن رائش، الملك بعد أبيه، واسمه أبْرهة بن الرائش، وإنما سمّى ذا منار لأنه غزا بلاد المغرب فوغل فيها براً وبحراً، وخاف على جيشه الضلال عند فقوله، فبنى المنار ليهتدوا بها. قال: ويزعم أهلُ اليمن أنه كان وجّه ابنه العبد بن أبرهة في غزوته هذه إلى ناحية من أقاصي بلاد المغرب، فغنم وأصاب مالاً وقدم عليه بَنسْناس لهم خِلَق وحشيّة منكرة، فذعر الناس منهم، فسموه ذا الأذعار.
قال: فأبرهة أحدُ ملوكهم الذين توغلوا في الأرض؛ وإنما ذكرتُ منْ ذكرت من ملوك اليمن في هذا الموضع لما ذكرت من قول من زعم أن الرائش كان ملكاً باليمن أيام منوشهر، وأن ملوك اليمن كانوا عمالاً لملوك فارس بها، ومن قبَلهم كانت ولايتهم بها.
ذكر نسب موسى بن عمران
وأخباره وما كان في عهده وعهد منوشهر بن منشخورنر الملك من الأحداث
قد ذكرنا أولاد يعقوب إسرائيل الله وعددهم وموالدهم. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم أن لاوى بن يعقوب نكح نابتة ابنة ماري بن يشخر، فولدت له عَرشون بن لاوى ومرزي بن لاوى - ومردي بن لاوى - وقاهث ابن لاوى. فنكح قاهث بن لاوى فاهى ابنة مسين بن بتويل بن إلياس. فولدت له يصهر بن قاهث، فتزوج يصهر شميث ابنة بتاديت بن بركيا ابن يقسان بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران يحيب ابنة شمويل بن بركيا ين يقسان بن إبراهيم؟ فولدت له هارون بن عمران وموسى بن عمران.
وقال غير ابن إسحاق: كان عمرُ يعقوب بن إسحاق مائة وسبعاً وأربعين سنة، وولد لاوى له، وقد مضى من عمره تسع وثمانون سنة، وولد للاوى قاهث بعد أن مضى من عمر لاوى ست وأربعون سنة، ثم ولد لقاهث يصهر، ثم ولد ليصهر عمرم - وهو عمران - وكان عمر يصهر مائة وسبعاً وأربعين سنة، وولد له عمران بعد أن مضى من عمره ستون سنة، ثم ولد لعمران موسى، وكانت أمه يوخابد - وقيل: كان اسمها باختة - وامرأته صفورا ابنة يترون، وهو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم. وولد موسى جرشون وإبيليعازر، وخرج إلى مدين خائفاً وله إحدى وأربعون سنة، وكان يدعو إلى دين إبراهيم، وتراءى الله بطور سيناء، وله ثمانون سنة.
وكان فرعون مصر في أيامه قابوس بن مصعب بن معاوية صاحب يوسف الثاني، وكانت امرأته آسية ابنة مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد، فرعون يوسف الأول. فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمِر بأن يأتيَه هو وأخوه هارون بالرسالة.
قال: ويقال إن الوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه وكان عمر عمران مائة سنة وسبعاً وثلاثين سنة، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، ثم صار موسى إلى فرعون رسولاً مع هارون، وكان من مولد موسى إلى أن خرج ببني إسرائيل عن مصر ثمانون سنة، ثم صار إلى التيه بعد أن عبّر البحر، فكان مقامهم هنالك إلى أن خرجوا مع يوشع بن نون أربعين سنة، فكان ما بين مولد موسى إلى وفاته في التيه مائة وعشرين سنة.
وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قبض الله يوسفَ، وهلَك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد، وتوارثت الفراعنة من العماليق ملْك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض - كما ذكر لي - في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسّكين؛ به حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولاً ولا أطول عمراً في ملكه منه. وكان اسمه - فيما ذكروا لي - الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشدّ غلظة، ولا أقسى قلباً، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، يعذّبهم فيجعلهم خدَماً وخولاً، وصنّفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرِثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومَنْ لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال الله: " سوءَ العذابِ " ، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقَه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمِّر فيهم وهم تحت يديه عمراً طويلاً يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشُدّ أعطى الرسالة.
قال: وذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجّمو فرعون وحُزاته إليه، فقالوا: تعلّم أنا نجد في علمنا أو مولوداً من بني إسرائيل قد أظلّك زمانه الذي يُولد فيه، يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدّل دينك. فلما قالوا له ذلك أمر بقتل كلّ مولود يولد من بني إسرائيل من الغِلمان وأمر بالنساء يُستحْيًين، فجمع القوابل من نساء أهل مملكته فقال لهن: لا يسقطنَّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلا قتلتموه، فكنّ يفعلن ذلك، وكان يذبح مَنْ فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذَّبن حتى يطرحن ما في بطونهنّ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: لقد ذُكر لي أنه كان يأمر بالقصب فيُشقّ حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصفّ بعضه إلى بعض، ثم يأتي بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه فيحزّ أقدامهنّ، حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع بين رجليها، فتظلَّ تطؤُه تَتَّقِي به حزّ القصب عن رجليها، لما بلغ من جهدها، حتى أسرف في ذلك، وكاد يُفنيهم، فقيل له: أفنيتَ الناس، وقطعت النَّسل، وإنهم خَولك وعُمَّالك. فأمر أن يقتَل الغلمان عاماً ويستحيوا عاماً، فولد هارون في السنة التي يَستَحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يُقتلون، فكان هارون أكبرَ منه سنة.
وأما السديّ فإنه قال ما حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذانيّ عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القِبْط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاكُ مصر. فأمر ببني إسرائيل ألاّ يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم وأدخلوا غلمانهم، فذلك حين يقول الله: " إنّ فرعون علا في الأرضِ " يقول " تجبَّر في الأرض، " وجعل أهلها شيعاً " - يعني بني إسرائيل حين جعلهم في الأعمال القذرة - " يَسْتضعفُ طائفةً منهمْ يُذَبِّحُ أبناءَهُم " ، فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير، وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموتَ، فأسرع فيهم، فدخل رؤوس القبط على فرْعون فكلّموه، فقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشِك أن يقع العمل على غلماننا نذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار، ويفنى الكبار، فلو أنك تبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة؛ فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى فلما أرادت وضعَه حزنت من شأنه، فأوحى الله إليها: " أن أرضعيه فإذا خِفْتِ عليه فألقيه في اليمِّ " وهو النيل، " ولا تخافِيْ ولا تحزَني إنّا رادّوه إليك وجاعلوه مِنَ المُرْسلين " . فلما وضعته أرضعته، ثم دعت له نجاراً فجعل له تابوتاً وجعل مفتاح التابوت من داخل، وجعلته فيه وألقته في اليم، " وقالتْ لأختِهِ قُصِّيهِ " تعني قُصِّي أثره " فبصُرَت به عن جُنُب وهمْ لا يشْعُرونَ " ، أنها أخته. فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة، ويخفضه أخرى، حتى أدخله بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت فأدخلته إلى آسية، وظنن أن فيه مالاً، فلما نظرت إليه آسية وقعت عليه رحمتُها وأحبته. فلما أخبَرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلِّمه حتى تركه لها، قال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا، فذلك قول الله تعالى: " فالتقطَه آلُ فِرعونَ ليكونَ لهُمْ عدوّاً وحَزَناً " . فأرادوا له المرضعات، فلم يأخذْ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فذلك قول الله: " وحرَّمْنا عليهِ المراضِعَ مِنْ قبْلُ فقالتْ " أخته " هل أدلُّكُم على أهل بيتٍ يَكْفَلُونَهُ لكُم وهُمْ لهُ ناصِحون " ، فأخذوها، وقالوا: إنكِ قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت: ما أعرفه، ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.
ولما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت أن تقول: هو ابني! فعصمها الله، فذلك قول الله: " إن كادتْ لَتُبْدي بهِ لولا أن ربطْنا على قلبِها لِتكونَ مِنَ المؤمنين " ، وإنما سُمِّي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر، والماء بالقبطة " مو " والشجر " شا " فذلك قول الله عز وجل: " فرددناه إلى أمّه كي تقرَّ عينُها ولا تخزّن " . فاتخذه فرعون ولداً فدعيَ ابن فرعون. فلما تحرك الغلام أرته أمه آسية صبيّاً، فبينما هي ترقّصه وتلعب به إذ ناولته فرعون، وقالت: خذه قرة عين لي ولك، قال فرعون: هو قرة عين لك ولا لي. قال عبد الله بن عباس: لو أنه قال وهو لي قرة عين إذاً لآمن به؛ ولكنه أبى، فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفها، فقال فرعون: عليّ بالذباحين، هذا هو! قالت آسية: " لا تقتلوه عسى أنْ ينفَعَنا أوْ نتَّخِذه ولداً " ، إنما هو صبي لا يعقل؛ وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه لي سفي أهل مصر امرأة أحلى مني؛ أنا أضع له حلياً من الياقوت، وأضع له جمراً، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبيّ، فأخرجت له ياقوتها فوضعت له طستاً من جمر، فجاء جبرئيل فطرح في يده جمرة فطرحها موسى في فيه فأحرق لسانه، فهو الذي يقول الله عز وجل: " واحلًلْ عُقْدَةً من لساني، يفقهوا قَوْلِي " . فزالت عن موسى من أجل ذلك. وكبر موسى فكان يركب مراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى موسى بن فرعون. ثم إن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها مَنْف، فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو قول الله عز وجل: " ودخلَ المَديْنةَ على حِيْنِ غَفْلةٍ مِنْ أهلها فوجدَ فيها رجُلينِ يقتتلان هذا من شيعته " يقول: هذا من بني إسرائيل، " وهذا منْ عدوّه " يقول: من القبط " فاستغاثه الذي من شيعتِه على الذي من عدوِّه فوكزَهُ موسى فقضيَ عليهِ قال هذا من عملِ الشيطانِ إنّه عدوٌ مضِلٌ مُبينٌ، قال ربِّ إنّي ظَلمْتُ نفسِي فاغفرْ لي فغَفَرَ له إنه هوَ الغفور الرحيمُ، قال ربِّ بما أنعمت عليّ فلنْ أكونَ ظهيراً للمُجْرمينَ، فأصبح في المدينة خائفاً يترقب " خائفاً أن يؤخذ، " فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه " يقول: يستغيثه " قال له موسى إنّك لغويٌ مبينٌ " . ثم أقبل موسى لينصره، فلما نظر إلى موسى قد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي، قال الإسرائيلي وفرِق من موسى أن يبطش به من أجل أنه أغلظ الكلام - يا موسى " أتريدُ أنْ تقتلَني كما قتلت نفْساً بالأمسِ إنْ تريدُ إلا أن تكونَ جبّاراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين " . فتركه وذهب القبطيّ، فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعون وقال: خذوه فإنه صاحبنا، وقال للذين يطلبونه: اطلبوه في بُنيّات الطريق، فإن موسى غلام لا يهتدي إلى الطريق، وأخذ موسى في بنيّات الطريق وجاءه الرجل وأخبره " إنّ الملأَ يأتمرون بك ليقتلوكَ فاخْرج إنّي لك من الناصحين، فخرجَ منها خائفاً يترقب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين " . فلما أخذ موسى في بنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزةٌ، فلما رآه موسى سجد له من الفرق؛ فقال: لا تسجد لي، ولكن اتبعني، فاتبعه فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو متوجه نحو مدين " عسى ربي أنْ يهديَني سواءَ السبيل " ، فانطلق به الملك حتى انتهى به إلى مدين حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أصبع بن زيد الجُهنيّ، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثني سعيد ابن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله لموسى: " وفتنّاك فُتُوناً " ، فسألته عن الفتون ما هي؟ فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثاً طويلاً، قال: فلما أصبحت عذوت على ابن عباس لأنتجز منه فأوعدني. قال: فقال ابن عباس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم من أن يجعلَ في ذريته أنبياء وملوكأً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكّون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، قال فرعون: فكيف ترون؟ قال: فائتمروا بينهم، وأجمعوا أمرَهم على أن يبعث رجالاً معهم الشِّفار، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون
بآجالهم، وأن الصغار يُذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم؛ ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فيشبّ الصغار مكان مَنْ يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يقلّوا بمن تقتلون. فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهمّ والحزن - وذلك من الفُتون يا ابن جبير - مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها: " ألا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ وجاعلوه من المرسَلين " . وأمرَها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليمّ. فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني؟ لو ذبح عندي فواريته وكفّنته كان أحبّ إليّ من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابّه. فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فُرضة مستَقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهنّ لبعض: إن في هذا مالاً؛ وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس، " وأصبحَ فُؤادُ أمِّ موسى فارِغاً " من ذكر كلّ شيء، إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بسفارهم يريدون أن يذبحوه - وذلك من الفتُون يا بن جبير - فقالت: للذباحين: انصرفوا، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فاستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت: " قُرّة عينٍ لي ولك لا تقتُلوه " ، قال فرعون: يكون لكِ، فأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي يُحْلَف به، لو أقرّ فرعون أن يكونَ له قرة عين كما أقرت به لهداه الله به، كما هدى امرأته، ولكن الله حرمه ذلك " .بآجالهم، وأن الصغار يُذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاماً كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم؛ ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً، فيشبّ الصغار مكان مَنْ يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يقلّوا بمن تقتلون. فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى فوقع في قلبها الهمّ والحزن - وذلك من الفُتون يا ابن جبير - مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها: " ألا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ وجاعلوه من المرسَلين " . وأمرَها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليمّ. فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني؟ لو ذبح عندي فواريته وكفّنته كان أحبّ إليّ من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابّه. فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فُرضة مستَقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهنّ لبعض: إن في هذا مالاً؛ وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس، " وأصبحَ فُؤادُ أمِّ موسى فارِغاً " من ذكر كلّ شيء، إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بسفارهم يريدون أن يذبحوه - وذلك من الفتُون يا بن جبير - فقالت: للذباحين: انصرفوا، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فاستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت: " قُرّة عينٍ لي ولك لا تقتُلوه " ، قال فرعون: يكون لكِ، فأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي يُحْلَف به، لو أقرّ فرعون أن يكونَ له قرة عين كما أقرت به لهداه الله به، كما هدى امرأته، ولكن الله حرمه ذلك " .
فأرسلت إلى مَنْ حولها من كلّ أنثى لها لبن لتختار له ظئراً، فجعل كلّما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموتَ، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق، مجمع الناس ترجو أن تُصيب له ظئراً يأخذ منها، فلم يقبل من أحد، وأصبحت أمّ موسى فقالت لأخته قصّيه واطلبيه هل تسمعين له ذكراً! أحيّ ابني أم قد أكلتْه دوابّ البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصُرت به أخته عن جُنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظئورات: " هل أدلّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون " . فأخذوها فقالوا: وما يدريكِ ما نصحهم له! هل تعرفينه؟ حتى شكّوا في ذلك - وذلك من الفتون يا ابن جبير - فقالت: نصحُهم له، وشفقتهم عليه، ورغبتُهم في ظئورة الملك، ورجاءُ منفعته. فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أنْ قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي تُرضعين ابني هذا فإني لم أحبّ حبَّه شيئاً قطّ. قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابتْ نفسُك أن تعطينيه فأذهب إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت، وإلا فإني غيرُ تاركة بيتي وولدي. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها منْ يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قضي فيه، فلم تزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسُّخَر التي كانت فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريد أن تريني موسى، فوعدتها يوماً تريها إياه فيه، فقالت لحواضنها وظئورها وقهارمتها: لا يبقينّ أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصى ما يصنع كلّ إنسان منكم. فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها بجّلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون فليبجّله وليكرمه. فلما دخلن به على فرعون وضعنَه في حجره، فتناول موسى لحية فرعون حتّى مدها، فقال: عدو من أعداء الله! ألا ترى ما وعدَ الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك! فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه - وذلك من الفتون يا بن جبير - بعد كلِّ بلاء ابتلى به وأريد به. فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبتَه لي؟ قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلُوني! فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً يعرف فيه الحق؛ أئت بجمرتين ولؤلؤتين فقرّبهن إليه، فإنْ بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت انه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرّب ذلك إليه فتناول الجمرتين فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى! فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همّ به، وكان الله بالغاً فيه أمره، فلما بلغ أشدّه وكان من الرجال لم يكن أحدٌ من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كلّ امتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبُه لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى؛ إلا أن يكون الله عز وجل أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز الفرعوني فقتله، وليس يراهما إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: " هذا مِنْ عملِ الشيطان إنه عدوٌّ مضِلٌ مبينٌ " ، ثم قال: " رب إني ظلمْت نفْسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم " . فأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا، ولا ترخّص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله، ومن يشهد عليه؛ لأنه لا يستقيمُ أن نقضي بغير بيّنة ولا ثبت. فطلبوا ذلك، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذ مرّ موسى من الغد، فرأى
ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندِم على ما كان منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: " إنّك لغويٌ مبينٌ " . فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: " إنك لغوي مبين " ، أن يكون إياه أراد - ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني - فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعوني، وقال: يا موسى " أتريد أنْ تقتُلَني كما قتلْتَ نفْساً بالأمسِ " ! وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر، حين يقول: " أتريد أن تقتلني كما قتلْت نفْساً بالأمْسِ " ! فأرسل فرعون الذباحين، وسلك موسى الطريق الأعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم، وكان رجلٌ من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر؛ وذلك من الفتون يا بن جبير.ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندِم على ما كان منه بالأمس، وكره الذي رأى، فغضب موسى فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: " إنّك لغويٌ مبينٌ " . فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: " إنك لغوي مبين " ، أن يكون إياه أراد - ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني - فخاف الإسرائيلي فحاجز الفرعوني، وقال: يا موسى " أتريد أنْ تقتُلَني كما قتلْتَ نفْساً بالأمسِ " ! وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، فانطلق الفرعوني إلى قومه فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر، حين يقول: " أتريد أن تقتلني كما قتلْت نفْساً بالأمْسِ " ! فأرسل فرعون الذباحين، وسلك موسى الطريق الأعظم وطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم، وكان رجلٌ من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر؛ وذلك من الفتون يا بن جبير.
ثم رجع الحديث إلى حديث السديّ. قال: " فلما وردَ ماء مدْينَ وجدَ عليهِ أمَّهُ من الناس يسقُونَ " يقول: كثرة من الناس يسقون.
وقد حدثنا أبو عمار المروزيّ، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: خرج موسى من مصر إلى مدين، وبينهما مسيرة ثمان ليال - قال: وكان يقال نحو من الكوفة إلى البصرة - ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، فخرج حافياً، فما وصل إليها حتى وقع خف قدمه.
حدثنا أبو كريب، حدثنا عثّام، قال: حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.
رجع الحديث إلى حديث السديّ. " ووجد من دونهمُ امرأتين تذودانِ " يقول: تحبسان غنمهما، فسألهما: " ما خطبُكما قالتا لا نسقي حتى يُصدِر الرِّعاءُ وأبونا شيخٌ كبيرٌ " ، فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة على البئر، كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها، فسقى لهما موسى دلواً فأروتا غنمهما، فرجعتا سريعاً، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض، ثم تولّى موسى إلى ظلّ شجرة من السَّمُر فقال: " رب إني لِما أنْزلْتَ إليَّ من خيرٍ فقيرٌ " ، قال: قال ابن عباس: لقد قال موسى، ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خُضْرة أمعائه من شدة الجوع ما يسأل الله إلا أكلة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكّام بن سلْم، عن عنبسة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله عز وجل: " ولمّا وردَ ماءَ مدْينَ " ، قال: ورد الماء وإنه ليتَراءى خضرة البقل في بطنه من الهُزال فقال: " ربّ إني لِما أنزلْتَ إليّ من خيرٍ فقيرٌ " قال: شبْعة.
رجع الحديث إلى حديث السديّ. فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعاً، سألهما فأخبرتاه خبر موسى، فأرسل إحداهما فأتته " تمشي على استحياءٍ " - وهي تستحيي منه - ، " قالت إنّ أبي يدعوكَ ليجزيَك أجْر ما سقيتَ لَنا " فقام معها، وقال لها: امضي، فمشتْ بين يديه، فضربتْها الريح فنظر إلى عجيزتها، فقال لها موسى: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت، فلما أتى الشيخ " وقصَّ عليه القَصَصَ قال لا تخفْ نجوْتَ من القوْمِ الظَّالمينَ، قالت إحداهما يا أبتِ استأجرْه إنّ خيرَ من استأجرْتَ القويُّ الأمينُ " . وهي الجارية التي دعته. قال الشيخ: هذه القوة قد رأيت حين اقتلع الصخرة، أرأيت أمانته ما يدريك ما هي؟ قالت: إني مشيت قدامه فلم يحبّ أن يخونني في نفسي، وأمرني أن أمشيَ خلفه، قال له الشيخ: " إني أريدُ أن أنكحك إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تأجُرَني " - إلى - " أيَّما الأجلين قضيْتَ " ، إما ثمانياً وإما عشراً، " واللهَ على ما نقولُ وكيل " .
قال ابن عباس: الجارية التي دعته هي التي تزوج بها. فأمر إحدى ابنتيه أن تأتيَه بعصا فأتته بعصا، كانت تلك العصا عصا استودعها إياه ملَك في صورة رجل، فدفعها إليه. فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها الشيخ قال لها: لا، ائتيه بغيرها، فألقتها، فأخذت تريد أن تأخذ غيرَها فلا يقع في يدها إلا هي، وجعل يرددها، فكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها، فلما رأى ذلك عمد إليها فأخرجها معه، فرعى بها. ثم إن الشيخ قدم وقال: كانت وديعة. فخرج يتلقى موسى فلما لقيه قال: أعطني العصا، فقال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيَه، فاختصما بينهما ثم تراضيا أن يجعل بينهما أولَ رجُل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال: ضعاها في الأرض فمن حمَلها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ، فرعى له عشر سنين.
قال عبد الله بن عباس: كان موسى أحقّ بالوفاء.
حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: حدثنا الحُميديّ عبد الله ابن الزبير، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سألت جبرئيل: أيّ الأجلين قّضّى موسى؟ قال أتمهما وأكملهما " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني اين إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهوديّ بالكوفة - وأنا أتجهز للحج - : إني أراك رجلاً يتبع العلم، أخبرني أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم وأنا الآن قادم على حَبْر العرب - يعني ابن عباس - فسأسأله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول البهوديّ، فقال ابن عباس: قضى أكثرَهما وأطيبَهما؛ إن النبيّ إذا وعد لم يُخلف. قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، وما أنزل الله على موسى هذا. والله العالم.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبع بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: سألني رجل من أهل النصرانية: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم - وأنا يومئذ لا أعلم - فلقيت ابن عباس، فذكرت له الذي سألني عنه النصراني، فقال: أما كنت تعلم أن ثمانياً واجبة عليه، لم يكن نبي لينقص منها شيئاً، وتعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدتَه التي وعده، فإنه قضى عَشر سنين.
حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني وهب بن سليمان الذماريّ، عن شعيب الجَبَاني قال: اسم الجاريتين ليا وصفورة، وامرأة موسى ابنة يترون، كاهن مدين، والكاهن حَبْر.
حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو ابن مرّة، عن أبي عُبيدة، قال: كان الذي استأجر موسى يترون، ابن أخي شعيب النبيّ.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمْرة، عن ابن عباس، قال: الذي استأجر موسى اسمه يثرى صاحب مدين.
حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية، قال: حدثنا أبو قتيبة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: اسم أبي امرأة موسى يثرى.
رجع الحديث إلى حديث السدي. " فلما قضَى مُوسى الأجَلَ وسار بأهله " فضلّ الطريق. قال عبد الله بن عباس: كان في الشتاء، ورفعت له نار، فلما ظن أنها نار 0وكانت من نور الله - " قال لأهله امكُثوا إنّي آنستُ ناراً لعلِّي آتيكمْ منها بخبرِ " ، فإن لم أجد خبراً أتيتُكم منها بشهاب قَبَس، " لعلّكم تصطَلون " - قال: من البرد - فلما أتاها نُودِيَ من شاطئِ الوادي الأيْمن في البُقْعَةِ المُبارَكة من الشجرة " . " أَنْ بُورِك مِنْ في النَّار ومَنْ حولها " . فلما سمع موسى النداء فزع وقال: الحمد لله رب العالمين. فنودي: " يا موسى إني أنا اللهُ ربّ العالمين " . وما تلك بيمينك يا موسى، قال هيَ عصايَ أتوكأ عليْها وأهُشُّ بها على غنمي " ، يقول أضرب بها الورق، فيقع للغنم من الشجر " وليَ فيها مآرِبُ أُخْرى " ، يقول: حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء، فقال له: " ألقِها يا موسى، فألقاها فإذا هيَ حيّةٌ تسْعى " . " فلما رآها تهتزُّ كأنّها جانٌ ولَّى مُدْبِراً ولم يعقّب " ، يقول: لم ينتظر. فنوديّ: " يا موسى لا تخف إني لا يخافُ لديَّ المرسَلون " . " أقْبِل ولا تخَفْ إنّك من الآمنين " ، " واضمُم إليكَ جَناحَك من الرَّهْبِ فذانِكَ بُرهانانِ مِنْ ربِّك " العصا واليد آيتان، فذلك حين يدعو موسى ربه، فقال: " ربّ إني قتلْت منهُم نفساً فأخاف أنْ يقتُلونِ، وأخي هارون هو أفصح منّي لساناً فأرسله معيَ رِدءاً يُصَدِّقُني " ، يقول: كما يصدقني " إني أخافُ أن يكذّبونِ " قال " " ولهم عليّ ذنبٌ فأخافُ أن يقتلونِ " - يعني بالقتيل - " سنشُدُّ عَضُدَكَ بأخيك ونجعلُ لكُما سلْطاناً " - والسلطان الحجة - " فلا يَصِلُونَ إليكما بآياتنا ومَنْ اُتَّبعَكُما الغالِبونَ " ، " فاْتيا فرعونَ فقولا إنّا رسولُ الله ربِّ العالمينَ " .
حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة: " فلمّا قضَى موسى الأجَلَ " ، خرج - فيما ذكر لي ابن إسحاق، عن وهب بن منبّه اليمانيّ - فيما ذكر له - عنه، ومعه غنم له، ومعه زند له وعصاه في يده يهشّ بها على غنمه نهاره، فإذا أمسى اقتدح بزنده ناراً، فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح إذا بأهله وبغنمه يتوكأ على عصاه، وكانت - كما وُصف لي عن وهب بن منبّه - ذات شعبتين في رأسها، ومحجن في طرفها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمن لا يتّهم من أصحابه، أن كعب الأحبار قدم مكة وبها عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال كعب: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم فإنه عالم، سلوه عن شيء من الجنة وضعه الله للناس في الأرض، وسلوه ما أول ما وضع في الأرض؟ وما أول شجرة غرست في الأرض؟ فسئل عبد الله عنها فقال: أما الشيء الذي وضعه الله للناس في الأرض من الجنة فهو هذا الركن الأسود، وأما أول ما وضع في الأرض فبرهوت باليمن يردُه هام الكفار، وأما أول شجرة غرسها الله في الأرض فالعوسجة التي اقتطع منها موسى عصاه. فلما بلغ ذلك كعباً قال: صدق الرجل، عالم والله!
قال: فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامَته، وابتدأه فيها بنبوته وكلامه، أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، فأخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح، ويعلم وجه سبيله، فأصلد عليه زنده فلا يورى له ناراً، فقدح حتى إذا أعياه لاحت النار فرآها، " فقال لأهله امكُثوا إني آنست ناراً لعلي أتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدىً " ، بقبس تصطلون، وهدى: عن علم الطريق الذي أضللنا بنعت من خبير. فخرج نوها، فإذا هي في شجرة من العُلَّيق. وبعض أهل الكتاب يقول: في عوْسجة، فلما دنا استأخرت عنه، فلما رأى استئخارها رجع عنها، وأوجس في نفسه منها خيفة، فلما أراد الرجعة منتْ منه، ثم كلّم من الشجرة، فلما سمع الصوت استأنس، وقال الله: يا موسى " اخلعْ نعليك إنك بالوادِ المقدَّس طُوىً " . فألقاهما ثم قال: " ما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهُشُّ بها على غنمي ولي فيها مآربُ أخرى " ، أي منافع أخرى، " قال ألقها يا موسى، فألقاها فإذا هي حية تسعى " قد صار شعبتاها فمها وصار محجنها عُرفاً لها، في ظهر تهتز، لها أنياب، فهي كما شاء الله أن تكون. فرأى أمراً فظيعاً فولى مدبراً ولم يعقّب، فناداه ربه: أن يا موسى أقبل ولا تخف، " سنعيدها سيرتَها الأولى " ، أي سيرتها عصا كما كانت. قال: فلما أقبل قال: " خذها ولا تخف " ، وأدخل يدك في فمها، وعلى موسى جبّة من صوف، فلفّ يده بكمّه وهو لها هائب، فنودي أن ألق كمك عن يدك، فألقاه عنها، ثم أدخل يده بين لحيَيْها، فلما أدخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده، ويده بين شعبتيها حيث كان يضعها، ومحجنها بموضعه الذي كان لا ينكر منها شيئاً. ثم قيل: " أدخلْ يدَك في جيبك تخرُجْ بيضاءَ من غير سوء " أي من غير بَرَص - وكان موسى عليه السلام رجلاً آدم أقنى جَعْداً طُوالاً - فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردّها في جيبه، فخرجت كما كانت على لونه، ثم قال: " فذانِكَ بُرهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوْماً فاسقين، قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أنْ يقتلونِ، وأخي هارون هو أفصح منّي لساناً فأرسله معيَ رداءً يُصدِّقني " ، أي يبين لهم عني ما أكلّمهم به، فإنه يفهم عني ما لا يفهمون. " قال سنشدُّ عَضُدَكَ بأخيكَ ونجعلُ لكما سلطاناً فلا يَصِلون إليكما بآياتنا أنتما ومَنِ اتبعَكُما الغالبون " .
رجع الحديث إلى حديث السُّديّ. فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، فتضيّف على أمه وهو لا يعرفهم، فأتاهم في ليلة كانوا يأكلون الطَّفَيْشَل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه فأخبرته أنه ضيف، فدعاه معه فأكل معه، فلما قعدا تحدّثا، فسأله هارون: منْ أنت؟ قال: أنا موسى، فقام كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق معي إلى فرعون، إن الله قد أرسلنا إليه، فقال هارون: سمعٌ وطاعة، فقامت أمّهما فصاحت وقالت: أنشدكما الله ألاّ تذهبا إلى فرعون فيقتلكما فأبيا. فانطلقا إليه ليلاً، فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون، وفزع البواب، وقال فرعون: مَنْ هذا الذي يضرب بابي في هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب، فكلّمهما، فقال له موسى: " إني رسولُ ربّ العالمين " ففزع البواب فأتى فأخبره فقال: إن ها هنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول ربّ العالمين، قال: أدخله، فدخل فقال: إني رسول رب العالمين؛ أن أرسل معي بني إسرائيل، فعرفه فرعون فقال: " ألم نربّك فينا وليداً ولبِثْت فينا من عُمُرِكَ سنين، وفعلْت فَعْلَتك التي فعلت وأنت مِنَ الكافرين " . معنا على ديننا هذا الذي تعيب! " قال فعلْتُها إذاً وأنا من الضّالّين، ففرَرْتُ منكم لمّا خِفْتُكُم فوهبَ لي ربّي حُكماً " - والحكم النبوة - " وجعلني مِنَ المرسَلين، وتلك نِعْمةٌ تمِنُّها عليَّ أن عبَّدْتَ بني إسرائيل " وربيتني قبل وليداً! " قال فرعونُ وما رب العالمينَ " . " فمَنْ ربُّكما يا موسى، قال ربُّنا الَّذي أعطى كلَّ شيء خلْقَهُ ثمَّ هدى " . يقول: أعطى كل دابة زوجها ثم هدى للنكاح، ثم قال له: " إنْ كنْت جِئْتَ بآيةٍ فأت بها إنْ كنت من الصادقينَ " ، وذلك بعدما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى. قال موسى: " أوَ لوْ جئتك بشيءٍ مبينٍ، قال فأت به إن كنْتَ من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثُعبانٌ مبينٌ " - والثعبان الذكر من الحيّات - قاتحة فاها، واضعة لحْيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب، فأحدث - ولم يكن يُحدث قبل ذلك - وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها موسى فعادت عصا، ثم نزع يده وأخرجها من جيبه، فإذا هي بيضاء للناظرين. فخرج موسى من عنده على ذلك، وأبى فرعون أن يؤمن به، أو يرسل معه بني إسرائيل، وقال لقومه: " يا أيها الملأُ ما علمْتُ لكم مِنْ إلهٍ غيري فأوقِدْ لِيَ يا هامان على الطين فاجعلْ لي صَرْحاً لعلِّي أطَّلعُ إلى إله موسى " . فلما بني له الصرح ارتقى فوقه؛ فأمر بنُشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه، وهي ملطخة دماً، فقال: قد قتلت إله موسى.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: :فأوقد لي يا هامان على الطينِ " ، قال: كان أول مَنْ طبخ الآجرّ يبني به الصرح.
وأما ابن إسحاق، فإنه قال ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرج موسى لما بعثه الله عز وجل حتى قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون، حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذن عليه، وهما يقولان : إنا رسولا رب العالمين، فآذنوا بنا هذا الرجل. فمكثا - فيما بلغنا - سنتين يغدوان على بابه، ويروحان لا يعلم بهما، ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بطّال له يلعّبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك، إنّ على الباب رجلاً يقول قولاً عجيباً، يزعم أن له إلهاً غيرُك، قال: أدْخلوه، فدخل ومعه هارون أخوه، وبيده عصاه، فلما وقف على فرعون قال له: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون فقال: " ألم نربِّك فينا وليداً ولبِثْت فينا من عُمُرك سنين، وفعلْتَ فَعْلَتَكَ التي فعلْتَ وأنْتَ من الكافرين، قال فَعْلتُها إذاً وأنا من الضّالّين " أي خطأ لا أريد ذلك. ثم أقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده، فقال: " وتلك نِعمةٌ تمُنُّها عليَّ أن عبّدت بني إسرائيل " ! أي اتخذتهم عبيداً تنزع أبناءهم من أيديهم، فتسْترقّ منْ شئت، وتقتل من شئت. إني إنما صيّرني إلى بيتك وإليك ذلك. " قال فرعون وما رب العالمين " ، أي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه، أي ما إلهك هذا! " قال رب السموات والأرض وما بينهما إنْ كنْتُم موقِنين، قال لمن حولَهُ " مٍنْ ملئه " ألا تَسْمعونَ " أي إنكاراً لما قال: ليس له إله غيري. " قال ربُّكم وربُّ آبائكم الأوّلين " الذي خلق آباءكم الأولين وخلفكم من آبائكم. قال فرعون: " إن رسولَكم الذي أُرسِل إليكُم لمجنونٌ " ، أي ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن لكم إلهاً غيري، " قال ربُّ المشْرِق والمغْرب وما بينَهُما إنْ كُنْتُم تعقِلون " أي خالق المشرق والمغرب وما بينهما من الخلق إن كنتم تعقلون. " قال لئِن اُتَّخذْت إلهاً غيري " لتعبد غيري وتترك عبادتي " لأجعلنَّك مِنَ المسجونين، قال أو لوْ جئتُك بشيء مبينٌ " ، أي بما تعرف بها صدقي وكذبك وحقي وباطلك! " قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاهُ فإذا هي ثُعبانٌ مُبينٌ " ، فملأت ما بين سَماطَي فرعون، فاتحة فاها، قد صار محجنها عرْفاً على ظهرها. فارفضّ عنها الناس، وحال فرعون عن سريره يُنشده بربه. ثم أدخل يده في جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردها كهيئتها، وأدخل موسى يده في جيبه فصارت عصا في يده، يده بين شعبتيها، ومحجنها في أسفلها كما كانت، وأخذ فرعون بطنه، وكان فيما فرعون يمكث الخمس والست ما يلتمس المذهب - يريد الخلاء - كما يلتمسه الناس، وكان ذلك مما زيّن له أن يقول ما يقول: إنه ليس من الناس بشبه.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، قال: حدِّثت عن وهب بن منبّه اليمانيّ، قال: فمشى بضعاً وعشرين ليلة، حتى كادت نفسه أن تخرج، ثم استمسك فقال لملئه: " إنّ هذا لساحرٌ عليمٌ " أي ما ساحر أسحر منه، " يريد أن يخرِجَكم من أرضكم بسحره فماذا تأمُرُون " أقتله؟ فقال مؤمن من آل فرعون - العبد الصالح وكان اسمه فيما يزعمون حبرك: " أتقتلون رجلاً أَنْ يقولَ ربيَ الله وقد جاءَكم بالبيّنات من ربّكم " بعصاه ويده! ثم خوّفهم عقاب الله وحذرهم ما أصاب الأمم قبلهم، وقال: " يا قومِ لكمُ المُلْكُ اليومَ ظاهرين في الأرض فمَنْ يًنصُرنا من بأس اللهِ إنْ جاءَنا قال فرعون ما أرِيكم إلا ما أرى وما أهديُكم إلا سبيلَ الرَّشادِ " . وقال الملأ من قومه - وقد وهنهم من سلطان الله وما وهَنهم: " أرْجِهْ وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوكَ بكلِّ سحّارٍ عليمٍ " ، أي كاثِرْه بالسحرة لعلك أن تجد في السحرة من جاء بمثل ما جاء به. وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم، وبعث فرعون مكانه في مملكته، فلم يترك في سلطانه ساحراً إلا أتى به؛ فذكر لي - والله أعلم - أنه جمع خمسةَ عشرَ ألف ساحر، فلما اجتمعوا إليه أمرهم أمره، فقال لهم: قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قطّ، وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضّلتكم وقرّبتكم على أهل مملكتي، قالوا: إن لنا ذلك عليك إن غلَبْناه! قال؟: نعم، قالوا: فعدْ لنا موعداً نجتمع نحن وهو، فكان رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى: ساتور، وعادور، وحطحط، ومصفى؛ أربعة، وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله، فآمنت السحرة جميعاً وقالوا لفرعون حيت توعدهم القتلَ والصلب: " لن نؤثرك على ما جاءنا من البيّنات والذي فطرنا فاْقضِ ما أنت قاضٍ " . فبعث فرعون إلى موسى: أن اجعل " بيننا وبينك موعداً لا تُخْلِفه نحن ولا أنت مكاناً سُوىً، قال موعدكم يومُ الزينة " ، يوم عيد كان فرعون يخرج إليه، " وأن يُحْشرَ الناسُ ضحىً " ، حتى يحضروا أمري وأمرك، فجمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: " ائتوا صفاً وقد أفلح اليومَ مَنِ استعلى " ، أي قد أفلح من استعلى اليوم على صاحبه. فصف خمسة عشر ألف ساحراً، مع كلّ ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى ومعه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه ومعه أشراف أهل مملكته، وقد استكفَّ له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءكم: " ويلكم لا تَفتروا على الله كذِباً فيُسحِتَكم بعذابٍ وقد خاب منِ افترى " ، فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر، ثم قالوا وأشار بعضهم إلى بعض بتناجٍ: " إنْ هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكمُ المُثلى " . ثم قالوا: " يا موسى إما أن تلقيَ وإما أن نكون أوّلَ مَنْ ألقى، قال بلْ ألقًوا فإذا حبالهم وعِصيُّهُم يُخَّل إليه من سحرهم أنها تسعى " . فكان اول ما اختطفوا بسحرهم بصرَ موسى وبصرَ فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كلُّ رجل منهم ما في يده من العصيّ والحبال، فإذا هي حيّات كأمثال الجبال، قد ملأت الواديَ يركب بعضها بعضاً. " فأوجسَ في نفْسِه خَيفةً موسى " ، وقال: والله إن كانت لعصيّاً في أيديهم، ولقد عادت حيّات، وما تعدو عصايَ هذه - أو كما حدّث نفسه - فأوحى الله إليه: " وألقِ ما في يمينك تلْقفْ ما صنعوا إنما صنعوا كيدُ ساحرٍ ولا يفلح الساحر حيثُ أنى " . وفُرج عن موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألْقوا من حبالهم وعصيهم - وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى - فجعلت تلقفها، تبتلعها حية حية، حتى ما يُرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألْقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت، ووقع السَّحرة سجداً " قالوا آمنا برب هارونَ وموسى " ، لو كان هذا سحراً ما غلَبنا. قال لهم فرعون - وأسف ورأى الغلبة البيّنة: " آمنتم له قبل أن آذنَ لكم إنه لكبيرٌكم الذي علّمكمُ السِّحرَ " ، أي لعظيم السَّحّار الذي علمكم " فلأقطِّعنّ أيديَكم وأرجُلَكُم مِنْ خلاف " - إلى قوله - " فاقض ما أنت قاضٍ " ، أي لن نؤثرك على الله وعلى ما جاءنا من الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض، أي فاصنع ما بدا لك، " إنّما تقضي هذه الحياةَ الدنيا " التي ليس لك سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعدها، " إنّا آمنّا بربّنا ليغفرَ لنا خَطايانا
وما أكرهْتَنا عليه من السِّحر والله خيرٌ وأبقى " ، أي خير منك ثواباً، وأبقى عقاباً. فرجع عدوُّ الله مغلوباً وملعوناً ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات، وأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان.ما أكرهْتَنا عليه من السِّحر والله خيرٌ وأبقى " ، أي خير منك ثواباً، وأبقى عقاباً. فرجع عدوُّ الله مغلوباً وملعوناً ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات، وأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان.
رجع الحديث إلى حديث السديّ. وأما السديّ فإنه قال في خبره: ذُكِرَ أن الآيات التي ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى والسحرة، وقال: لما رجع إليهم ملطخاً بالدم قال: قد قتلنا إله موسى. ثم إن الله أرسل عليهم الطوفان - وهو المطر - فغرق كل شيء لهم، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشفْ عنا، ونحن نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فكشفه الله عنهم، ونبتت زروعهم، فقالوا: ما يسرّنا أنا لم نُمْطَر. فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروثهم، فسألوا موسى أن يدعوَ ربَّه فيكشفه ويؤمنوا به، فدعا فكشفه، وقد بقي من زروعهم بقية، فقالوا: لن نؤمن وقد بقي لنا من زروعنا بقية، فبعث الله عليهم الدّبا - وهو القُمّل - ، فلحس الأرض كلَّها، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضّه، وكان أحدُهم يأكل الطعام فيمتلئ دباً حتى إنّ أحدهم ليبني الأسطوانة بالجصّ والآجرّ فيُزلقها حتى لا يرتقي فوقها شيء من الذباب، ثم يرفع فوقها الطعام؛ فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن دباً، فلم يصبهم بلاء كان أشدّ عليهم من الدبا؛ وهو الرِّجز الذي ذكره الله في القرآن أنه وقع عليهم. فسألوا موسى أن يدعوَ ربه فيكشفه عنهم ويؤمنوا به، فلما كُشف عنهم أبوّا أن يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فكان الإسرائيليّ يأتي هو والقبطي فيستقيان من ماء واحد، فيخرج ماء هذا القبطي دماً، ويخرج للإسرائيلي ماء. فلما اشتدّ ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به فكُشف ذلك عنهم، فأبوا أن يؤمنوا، فذلك حين يقول الله: " فلمّا كشفْنا عنهمُ العذابَ إذا همْ يَنْكُثُون " ما أعطوْا من العهود، وهو حين يقول: " ولقد أخذْنا آل فرعون بالسنين " - وهو الجوع - " ونقصٍ من الثَّمرات لعلّهم يذّكّرون " .
ثم إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وهارون أن " قُولاَ قولاً ليِّناً لعلّه يتذَكّرُ أو يخشى " ، فأتياه فقال له موسى: هل لك يا فرعون في أن أعطيَك شبابك ولا تهرم، وملكك ولا ينزع منك، ويردّ إليك لذّة المناكح والمشارب والركوب، فإذا متّ دخلت الجنة؟ تؤمن بي! فوقعت في نفسه هذه الكلمات، وهي اللينة، فقال: كما أنت حتى يأتي هامان. فلما جاء هامان قال له: أشعرت أن ذلك الرجل أتاني؟ قال: من هو؟ - وكان قبل ذلك إنما يسميه الساحر، فلما كان ذلك اليوم لم يسمّه الساحر - قال فرعون: موسى، قال: وما قال لك؟ قال: قال لي: كذا وكذا، قال هامان: وما رددت عليه؟ قال: قلت: حتى يأتيَ هامان فأستشيره، فعجّزه هامان وقال: قد كان ظنّي بك خيراً من هذا، تصير عبداً يعبد بعد أن كنتَ رباً يُعبد! فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم فقال: " أنا ربُّكُمُ الأعلى " . وكان بين كلمته " ما علمت لكم من إلهٍ غيري " وبين قوله: " أنا ربُّكُمُ الأعلى " أربعون سنة. وقال لقومه: " إنّ هذا لساحرٌ عليمٌ، يريد أن يُخرجَكُم من أرضِكم بسحرِهِ فماذا تأمرون، قالوا أرْجِهِ وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحّار عليم " . قال فرعون: " أجئتنا لتُخرجَنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينك بسحرٍ مثلَه فاجعل بيننا وبينك موعداً لا تُخلفه نحن ولا أنت مكانا سُوىً " - يقول: عدلاً، قال موسى: " موعدكم يومُ الزينة وان يُحشرَ الناس ضُحىً " - وذلك يوم عيد لهم - " فتولّى فرعون فجمع كيده ثم أتى " . وأرسل فرعون في المدائن حاشرين؛ فحشَروا عليه السحرة، وحشروا الناس ينظرون، يقول: " هل أنتم مجتمِعون، لعلّنا نتبع السحرة إنْ كانوا همُ الغالبين " - إلى قوله: " أئن لنا لأجْراً إنْ كنّا نحن الغالبين " - يقول: عطية تعطينا - " قال نعمْ وإنّكم إذاً لمِنَ المقرّبين " . فقال لهم موسى: " ويلكم لا تفتروا على الله كذِباً فيُسْحِتكُم بعذابٍ " ، يقول: يهلككم بعذاب. " فتنازعوا أمرَهم بينهم وأسرّوا النّجوى " ، من دون موسى وهارون، وقالوا في نجواهم: " إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضِكم بسحرهما ويذهبا بطريقتِكمُ المثلى " ، يقول: يذهبا بأشراف قومكم.
فالتقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال: نعم، قال الساحر: لآتينّ غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومننّ بك، ولأشهدنّ أنك على حق - وفرعون ينظر إليهما - وهو قول فرعون: " إنْ هذا لمكرٌ مكرتُموه في المدينةِ " ، إذ التقيتما لتتظاهرا " لتُخرجوا منها أهلها " فقالوا: " يا موسى إما أن تُلقيَ وإما أن نكون نحن المُلقينَ " ، قال لهم موسى: ألقوا فألقوا حبالهم وعصيَّهم - وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس منهم إلا ومعه حبل وعصا - " قلما ألقوا سحروا أعينَ الناس واسترهبهم " يقول: فرّقوهم. " فأوجَسَ في نفسِهِ خيفةً موسى " ، فأوحى الله إليه: ألا تخف، " وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا " . فألقى موسى عصاه فأكلت كلَّ حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا، وقالوا: " آمنا برب العالمين موسى وهارون " . قال فرعون: " فلأقطِّعنّ أيديكم وأرجلكم من خِلافٍ ولأصلّبنّكم في جُذوع النخل " فقتلهم وقطَّعهم - كما قال عبد الله بن عباس - حين قالوا: " ربّنا أفرغْ علينا صَبْراً وتوفّنا مسلمين " . قال: كانوا في أول النهار سَحرة، وفي آخر النهار شهداء.
ثم أقبل على بني إسرائيل فقال له قومه: " أتذَرُ موسى وقوْمَهُ ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك " ، وآلهتُه - فيما زعم ابن عباس - كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلاً بقرة.
ثم إن الله تعالى ذكره أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال: " أنْ أسْر بعبادي " ليلاً " إنّكم متّبَعون " . فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبط، وامر ألا ينادي إنسان صاحبَه، وأن يُسرجوا في بيوتهم حتى الصبح، وأنّ من خرج إذا قال: موسى، قال: " عمرو " وأمر من خرج يلطخ بابه بكفّ من دم حتى يعلم أنه قد خرج. وإن الله أخرج كل ولد زنا في القبْط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل، وأخرج كلّ ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط، حتى أتوْا آباءهم.
ثو خرج موسى ببني إسرائيل ليلاً والقبط لا يعلمون، وقد دعوا قبْل ذلك على القبط، فقال موسى: " ربنا إنك آتيْتَ فرعون وملأه زينةً وأمْوالاً في الحياة الدُّنيا " إلى قوله: " حتى يروا العذاب الأليم " ، فقال الله تعالى: " قد أُجِيبت دعْوتُكما " فزعم السديّ أن موسى هو الذي دعا وأمّن هارون، فذلك حين يقول الله: " قد أُجِيبت دعْوتُكما " .
وقوله: " ربّنا اطْمِسْ على أموالِهم " فذكِرَ أم طمْس الأموال أنه جعل دراهمهم ودنانيرهم حجارة، ثم قال لهما استقيما، فخرجا في قومهما، وألفِّيَ على القبط الموتَ، فمات كل بِكْر رجل، فأصبحوا يَدفنونهم، فشُغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس؛ فذلك حين يقول الله: " فأَتبَعوهم مُشرِفينَ " .
وكان موسى على سَاقه بني إسرائيل، وكان هارون أمامَهم يقدمهم، فقال المؤمن لموسى: يا نبي الله، أين أمِرت؟ قال: البحر، فأراد أن يقتحم فمنعه موسى. وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يُعدُّون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لِكبَره، وإنما عدّواً ما بين ذلك سوى الذريّة، وتبعهم فرعون، وعلى مقدمته هامان، في ألف ألف وسبعمائة حصان، ليس فيها ماذيانة، وذلك حين يقول الله: " فأرْسلَ فرعون في المدائنِ حاشرينَ، إن هؤلاء لشرذمةٌ، وإنهم لنا لغائظون " - يعني بني إسرائيل - " وإنا لجميعٌ حاذرون " - ، يقول: قد حذرنا فأجمعنا أمرنا، " فلمّا تراءى الجمعان " ، فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم، قالوا: " إنا لمدرِكون " . قالوا: يا موسى، أوذينا من قبل أن تأتينا، كانوا يذبّحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا! إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا وفرعون من خلفنا، قال موسى: " كلاَّ إنّ معيَ ربي سيهدينِ " ، يقول: سيكفيني، " قال عسى ربُّكم أن يُهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرضِ فينظُرَ كيف تعملون " . فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح، وقال: مَنْ هذا الجبّار الذي يضربني! حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد، وضربه، " فانْفَلَقَ فكانَ كُلُّ فِرقٍ كالطُّودِ العظيمِ " ، يقول: كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل، وكان في البحر اثنا عشر طريقاً، في كل طريق سِبط، وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران. فقال كلّ سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان، فنظر أخرُهم إلى أولهم، حتى خرجوا جميعاً؛ ثم دنا فرعون وأصحابه، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون البحر فرق مني، وقد تفتّح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم! فذلك قول الله: " وأزلفنا ثمّ الآخرين " ، يقول: قرّبنا ثمَّ الآخرين؛ هم آل فرعون.
فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيلُه أن تقتحم، فنزل جبرئيل على ماذيانة، فشمّت الحُصْن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا همّ أوّلُهم أن يخرج ودخل آخرُهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم، وتفرد جبرئيل بفرعون بمَقْلةٍ من مَقل البحر، فجعل يُدسُّها فيه، فقال حين أدركه الغرق: " آمنتُ أنه لا إله إلا الذي أمنتْ بنو إسرائيل وأنا من المُسلمين " ، فبعث الله إليه ميكائيل يعيّره، قال: " آلآن وقد عصيْتَ قبلُ وكنت من المُفْسِدين " . فقال جبرئيل: يا محمد، ما أبغضت أحداً من الخلق ما أبغضتُ رجلين: أما أحدهما فمن الجنّ وهو إبليس حين أبى أن يسجد لآدم، وأما الآخر فهو فرعون حين قال: " أنا ربُّكُمُ الأعلى " ، ولو رأيتني يا محمد، وأنا آخذ مَقْل البحر فأدخله في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها! وقالت بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، الآن يدركنا فيقتلنا، فدعا الله موسى: فأخرج فرعون في ستمائة ألف وعشرين ألفاً، عليهم الحديد فأخذته بنو إسرائيل يمثّلون به، وذلك قول الله لفرعون: " فاليوم ننجّيك ببدَنك لتكون لمن خلفَك آية " ؛ يقول: لبني إسرائيل آية. فلما أرادوا أن يسيروا ضُرب عليهم تيهٌ، فلو يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل فسألهم: ما بالُنا؟ فقالوا له: إن يوسف لما مات بمصر أخذ على إخوته عهداً ألاّ تخرجوا من مصر حتى تخرجوني معكم، فذلك هذا الأمر، فسألهم: أين موضع قبره؟ فلم يعلموا، فقام موسى ينادي: أنشِد الله كلَّ منْ كان يعلم أين موضع قبر يوسف إلا أخبرني به، ومن لم يعلم فصمَّتْ أذناه عن قولي! وكان يمرّ بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته، حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أسأل ربي، فأمره الله عز وجل أن يعطيَها، فأتاها فأعطاها، فقالت: إني أريد ألا تنزلَ غُرْفة من الجنة إلا نزلتُها معك، قال: نعم، قالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع أن أمشِيَ فاحملْني، فلما دنا من النيل، قالت: إنه في جوف الماء، فادعُ الله أن يُحسِر عنه الماء، فدعا الله فحسر الماء عن القبر، فقالت: احفره، ففعل فحمل عظامه، ففتح لهم الطريق، فساروا، " فأَتَوْا على قومٍ يعْكفُون على أصنامٍ لهُم قالوا يا موسى اجعلْ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ قال إنّكم قومٌ تَجْهَلون، إنّ هؤلاء متبّرٌ ما هم فيه " - يقول: مهلك ما هم فيه - " وباطلٌ ما كانوا يَعمَلون " .
فأما ابنُ إسحاق، فإنه قال: - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا ابن سلمة عنه - فتابع الله عليه بالآيات - يعني على فرعون - وأخذه بالسنين إذ أبى أن يؤمن بعد ما كان من أمره وأمر السحرة ما كان، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمَّل، ثم الضفادع، ثم الدم آيات مفصّلات، أي آية بعد آية، يتبع بعضُها بعضاً، فأرسل الطوفانَ وهو الماء، ففاض على وجه الأرض ثم ركد، لا يقدرون على أن يحرثوا، ولا يعملوا شيئاً، حتى جهدوا جوعاً. فلما بلغهم ذلك قالوا: يا موسى ادع لنا ربك، " لئن كشَفْتَ عنّا الرِّجْزَ لنَومِننَّ لكَ ولنُرسِلنَّ مَعَكَ بني إسرائيل " . فدعا موسى ربع فكشفه عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر - فيما بلغني حتى أنه كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشفه عنهم فلم يفوا لي بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمّل. فذكر لي أن موسى أمِر أن يمشيَ إلى كثيب فيضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيَل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قمَّلاً حتى غلب على البيوت والأطعمة، ومعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربّه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشف أحد منهم ثوباً ولا طعاماً ولا إناء إلا وجدَ فيه الضفادع قد غلبتْ عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفُوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دماً، لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عادت دماً عبيطاً.
حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظيّ أنه حدّث أن المرأة من آل فرعون كانت تأتِي المرأةَ من بني إسرائيل حين جهدهم العطش، فتقول: اسقيني من مائك، فتغرف لها من جَرتها أو تصُبّ لها من قربتها، فيعود في الإناء دماً، حتى إن كانت لتقول لها: اجعليه في فيك ثم مجّيه في فيّ، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجّته في فمها صار دماً، فمكثوا في ذلك سبعة أيام، فقالوا: " ادْعُ لنا ربّك بما عهِد عندَك لئن كشفت عنا الرِّجْزَ لنؤمننّ لك ولنُرسِلنّ معك بني إسرائيل " . فلما كشِف عنهم الرجز نكثوا ولم يفُوا بشيء مما قالوا، فأمر الله موسى أن يسير، وأخبره أنه منجيه ومن معه، ومهلك، فرعون وجنوده، وقد دعا موسى عليهم بالطَّمْسة؛ فقال: " ربنا إنك آتيْتَ فرعون ومَلأَهُ زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلّوا عن سبيلك " - إلى - " ولا تتَّبعانَّ سبيل الذين لا يعلمون " . فمسخ الله أموالهم حجارة: النخل والرقيق والأطعمة، فكانت إحدى الآيات التي أراهنَّ الله فرعون.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بُرَيدة ابن سفيان بن فروة الأسلميّ، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع الآيات التي أراهنّ الله فرعون، فقلت: الطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، عصاه، ويده والطمسة، والبحر. فقال عمر: فأنّى عرفت أن الطمسة إحداهنّ؟ قلت: دعا عليهم موسى وأمّن هارون، فمسخ الله أموالهم حجارة، فقال: كيف يكون الفقه إلا هكذا! ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبد العزيز بن مروان بمصر؛ إذ كان عليها من بقايا أموال آل فرعون، فأخرج البيضة مقْشورة نصفين؛ وإنها لحجر، والجوزة مقشورة وإنها لحجر، والحمُصة، والعدسة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد، عن رجل من أهل الشأم كان بمصر، قال: قد رأيت النخلة مصروعة، وإنها لحجّر، وقد رأيت إنساناً ما شككت أنه إنسان وإنه لحجر، من رقيقهم، فيقول الله عز وجل: " ولقد أتيْنا موسى تسع آياتٍ بيّناتٍ " إلى قوله " مثبوراً " يقول: شقياً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، أن الله حين أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمرَه أن يحتمل يوسفَ معه حتى يضعه بالأرض المقدسة، فسأل موسى عمّن يعرف موضعَ قبره، فما وجد إلا عجوزاً من بني إسرائيل، فقالت: يا نبيّ الله، أنا أعرف مكانه. إن أنت أخرجتني معك، ولم تخلفني بأرض مصر دللتك عليه قال: أفعل، وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف، ففعل، فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء، فاستخرجه موسى صندوقاً من مرمر، فاحتمله معه. قال عروة: فمن ذلك تحمِل اليهود موتاها من كل أرض إلى الأرض المقدسة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان - فيما ذُكر لي - أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله به: استعيروا منهم المتعة والحُليّ والثياب فإني منفِّلكم أموالَهم مع هلاكهم؛ فلما أذّن فرعون في الناس كان مما يحرّض به على بني إسرائيل أن قال حين ساروا: لم يرضُوا أن خرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد ابن كعب القرظيّ، عن محمد عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: لقد ذكِرَ لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً دُهم الخيل سوى ما في جنده من شيات الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف طلع فرعون في جنده من خلفهم، " فلمّا تراءى الجمْعانِ قال أصحابُ موسى إنّا لمدركون، قال كلاَّ إن معيَ ربي سيهدينِ " ، أي للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خُلف لموعوده.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: فأوحى الله تبارك وتعالى - فيما ذكر لي - إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانْفلق له، فبات البحر يضربُ بعضه بعضاً فرَقاً من الله وانتظاراً لأمره، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها وفيها سلطان الله الذي أعطاه، " فانفلق فكان كلُّ فِرقِ كالطُّودِ العظيم " ، أي كالجبل على نَشَز من الأرض. يقول الله لموسى عليه السلام: " فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخافُ دّرَكاً ولا تخشى " . فلما استقرّ له البحر على طريق قائمة يبسَ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، واتبعه فرعون بجنوده.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظيّ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليْثي، قال: حُدّثت أنه لما دخلتْ بنو إسرائيل فلم يبق منهم أحدٌ أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل، حتى وقف على شفير البحر وهو قائم على حاله، فهاب الحصان أن يتقدم، فغرض له جبرئيل على فرس أنثى وديق، فقرّبها منه فشمّها الفحل، ولما شمّها قدمها، فتقدم معه الحصان عليه فرعون، فلما رأى جند فرعون أن فرعون قد دخل دخلوا معه، وجبرئيل أمامه، فهم يتبعون فرعون، وميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم يقول: الحقوا بصاحبكم، حتى إذا فصل جبرئيل من البحر ليس أمامه أحدٌ، ووقف ميكائيل على الناحية الأخرى ليس خلفه أحد، طبّق عليهم البحر، ونادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلّه وخذلته نفسه، نادى: أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا أبو داود البصريّ، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: جاء جبرئيل إلى النبي عليه السلام فقال: يا محمد، لقد رأيتني وأنا أدسّ من حمأِ البحر في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة! يقول الله: " آلآن وقد عصيْت قبلُ وكنتَ من المفسِدين، فاليوم ننجّيك ببدنِك " ، أي سواءٌ لم يذهب منك شيء، " لتكون لمن خلْفَكَ آيةً " أي عبرة وبينة. فكان يقال: لو لم يخرجه الله ببدنه حتى عرفوه لشطَّ فيه بعضُ الناس.
ولما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، " قالوا يا موسى اجعلْ لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنّكم قومٌ تجْهَلون، إن هؤلاء متبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون، قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً وهو فضّلكم على العالمين " . ووعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومَه ونجاه وقومَه ثلاثين ليلة.
رجع الحديث إلى حديث السديّ. ثم إن جبرئيل أتى موسى يذهب به إلى الله عز وجل فأقبل على فرس فرآه السامريّ فأنكره، ويقال: إنه فرس الحياة، فقال حين رآه: إن لهذا لشأناً، فأخذ من تربة الحافِر الفرس، فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إنّ الغنيمة لا تحلّ لكم، وإن القِبْط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعاً فاحفروا لها حفرة فادفنوها فيها، فإن جاء موسى فأحلّها أخذتموها، وإلا كان شيئاً لم تأكلوه، فجمعوا ذلك الحليّ في تلك الحفرة، وجاء السامريّ بتلك القبضة فقذفها، فأخرج الله من الحليّ عجلاً له خُوار، وعدّت بنو إسرائيل موعدَ موسى، فعدوا الليلة يوماً واليوم يوماً، فلما كان العشر خرج لهم العجلُ فلما رأوه قال لهم السامريّ: :هذا إلهُكُم وإلهُ موسى فنسِيَ " . يقول: ترك موسى إلهه ها هنا، وذهب يطلبه فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: " يا بنِي إسرائيل إنّما فُتنتم به " يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل، " وإنّ ربَّكم الرحمنُ فاتّبعوني وأطيعوا أمري " ، فأقام هارون ومن معَه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلّمه قال له: " وما أعجلَك عنْ قومِكَ يا موسى، قال هم أولاء على أثري وعجِلْتُ إليك ربّ لترضى، قال فإنا فد فتنّا قومك من بعدك وأضلّهم السامريّ " . فلما أخبره خبرهم قال موسى: يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروحَ منْ نفخها فيه؟ قال الربّ: أنا. قال: رب أنت إذاً أضللتهم.
ثم أن موسى لما كلمه ربّه أحبّ أن ينظر إليه، " قال ربِّ أرِنِي أنظُر إليكَ قال لن تراني ولكن انظُر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني " ، فحَفّ حول الجبل الملائكة، وحُفّ حول الملائكة بنار، وحُفّ حول النار بملائكة، وحول الملائكة بنار، ثم يتجلّى ربه للجبل.
فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، قال: حدثني السديّ، عن عكْرمة، عن ابن عباس، أنه قال: تجلّى منه مثل طَرف الخنِصر، فجعل الجبلَ دكّاً وخرّ موسى صعقاً، فلم يزل صَعِقاً ما شاء الله، ثم أنه أفاق فقال: " سبحانك تُبت إليكَ وأنا أوّل المؤمنين " ، يعني أول المؤمنين من بني إسرائيل، فقال: " يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن مِنَ الشاكرين، وكتبْنا له في الألواح من كُلِّ شيءٍ موْعِظَةً وتفصيلاً لكل شيء " من الحلال والحرام " فخذها بقوةٍ " ، يعني بجدّ واجتهاد " وأْمُرْ قومك يأخذوا بأحسنِها " أي بأحسن ما يجدون فيها. فكان موسى بعد ذلك لا يستطيع أحدَ أن ينظر في وجهه، وكان يُلْبِس وجهه بحريرة، فأخذ الألواح ثم رجع إلى مومه " غضبانَ أَسِفاً " يقول: حزيناً " قال يا قومِ ألم يعدْكم ربُّكم وعداً حسناً " - إلى - " قالوا ما أخلفْنا موعدَك بملكِنا " يقولون: بطاقتنا، " ولكنّا حُمّلنا أوزاراً من زينةِ القوم " يقول: من حُليّ القبط " فقذفناها فكذلك ألقَى السامريُّ " ، ذلك حين قال لهم هارون: احفِروا لهذا الحلْي حُفرة، واطْرحوه فيها، فطرحوه فقذف السامري تربته، فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، " قال يا بن أمَّ لا تأخذْ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقولَ فرّقتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُب قولي " . فترك موسى هارون، ومال إلى السامريّ، فقال: " فما خطْبُكَ يا سامريُّ " ، قال السامريّ: " بصُرتُ بما لم يبْصِروا به " إلى: " في اليمِّ نسْفاً " . ثم أخذه فذبحه، ثم حرفَهُ بالمبرد ثم ذراه في البحر، فلم يبق بحر يجري إلا وقع فيه شيء منه، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب، فلذلك حين يقول: " وأُشرِبوا في قلوبِهِم العِجْلَ بكُفرهم " . قلما سُقِط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى " ورأوا أنهُم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمْنا ربُّنا ويفغِرْ لنا لنكوننّ من الخاسرين " . فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهُمْ حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى: " يا قومِ إنكم ظَلمْتم أنفُسَكم باتِّخاذِكُمُ العجلَ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفُسُكُم " ، فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتِل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل بينهم سبعون ألفاً، حتى دعا موسى وهارون: رَبّنا هلكتْ بنو إسرائيل! ربّنا البقية البقية! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قُتِل كان شهيداً، ومن بقيَ كان مُكفَّراً عنه، فذلك قوله: " فتاب عليكم إنه هو التوّاب الرّحيم " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان السامريّ رجلاً من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حبُّ عبادة البقر في نفسه، وكان قد اظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلما فصل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى معهم إلى ربه تبارك وتعالى قال لهم هارون: إنكم قد تحمّلتم أوزاناً من زينة القوم آل فرعون، وأمتعة وحليّاً، فتطهّروا منها فإنها نجس، وأوقد لهم ناراً، وقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها، قالوا: نعم، فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الحليّ وتلك الأمتعة فيقذفون به فيها، حتى انكسرت الحليّ فيها، رأى السامري أثر فرس جَيْرَئيل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثم أقبل إلى الحفرة فقال لهارون: يا نبي الله، ألقى ما في يدك؟ قال: نعم، ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من تلك المتعة والحليّ، فقذفه فيها، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار، فكان للبلاء والفتنة، فقال: هذا إلهُكم وإله موسى، فعكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قطّ، فقال الله عز وجل " " فنسي " ، أي ترك ما كان عليه من الإسلام؛ - يعني السامريّ - " أفلا يرون ألاَّ يرجِعُ إليهم قولاً ولا يملك لهم ضَراً ولا نفعاً " .
قال: وكان اسم السامريّ موسى بن ظفر، فوقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: " يا قومِ إنّما فُتنْتم به " - إلى قوله - " حتى يرجِع إلينا موسى " . فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام مَنْ يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: " فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقُبْ قولي " ، وكان هائباً له مطيعاً، ومضى موسى ببني إسرائيل إلى الطور، وكان الله عز وجل وعد بني إسرائيل حين أنجاهم واهلك عدوّهم جانب الطور الأيمن، وكان موسى حين سار ببني إسرائيل من البحر قد احتاجوا إلى الماء، فاستسقى موسى لقومه، فأمِر أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سِبْط عين يشربون منها قد عرفوها، فلما كلم الله موسى طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال له: إنك " لن تَراني ولكنِ انظر إلى الجبل " إلى قوله: " وأنا أوّل المؤمنين " .
ثم قال الله لموسى: " إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتُكَ " إلى قوله: " سأُريكم دارَ الفاسقين " . وقال له: " وما أعجلك عن قومك يا موسى " إلى قوله: " فرجَع موسى إلى قومه غضبانَ أسِفاً " ، ومعه عهد الله في ألواحه.
ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح من يده، وكانت - فيما يذكرون - من زبرجد أخضر، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول: " ما منعك إذ رأيْتهم ضلّوا، ألاّ تتبعني " إلى قوله: " ولم ترقُب قولي " . فقال: " يا بن أُمَّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تُشْمِتْ بيَ الأعداءَ ولا تجعلْني مع القوم الظالمين " ، فارعوي موسى وقال: " رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين " .
وأقبل على قومه فقال: " يا قومِ ألم يعِدْكم ربُّكم وعداً حسناً " إلى قوله: " عجْلاً جَسَداً له خُوارٌ " . وأقبل على السامريّ فقال: " فما خطبُكَ يا سامريّ، قال بصُرتُ بما لم يَبصُرُوا به " إلى قومه: " وسِع كُلَّ شيْء عِلماً " . ثم أخذ الألواح، يقول الله: " أخذ الألواح. وفي نُسختها هدىً ورحمةٌ للذين همْ لربهم يرهبون " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن صدقة ابن يسار، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كان الله تعالى قد كتب لموسى فيها موعظة وتفصيلاً لكلّ شيء وهدى ورحمة، فلما ألقاها رفع الله ستة أسباعها وأبقى سبعاً، يقول الله عز وجل: " وفي نُسختها هدىً ورحمةٌ للذين هم لربهم يَرْهَبون " ، ثم أمر موسى بالعجل فأحرِق، حتى رجع رماداً، ثم أمر به فقذف في البحر.
قال ابن إسحاق: فسمعت بعض أهل العلم يقول: إنما كان أحرقه ثم سحله ثم ذرّاه في البحر. والله أعلم.
ثم اختار موسى منهم سبعين رجلاً: الخيّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهِّروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشّى كلّه، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلّمه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضُرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: " لن نؤْمنَ لك حتى نرى الله جَهْرةً " ، " فأخذتْهمُ الرَّجْفَةُ " ، وهي الصاعقة، فانفلتت أرواحهم فماتوا جميعاً، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: " ربِّ لو شئت أهلكْتهم من قبلُ وإياي " قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا! إن هذا هلاك لهم. اخترت منهم سبعين رجلاً الخيّر فالخير، أرجع إليهم وليس معي رجل واحد، فما الذي يصدقونني به! فلم يزل موسى يناشد ربَّه، ويسأله ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم. وقال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى مَنْ لم يكن عبد العجل أن يقتل مَنْ عبده، فجلسوا بالأفنية، وأصلتَ عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى وبهش إليه الصبيان والنساء يطلبون العفو عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف.
وأما السديّ فإنه ذكر في خبره الذي ذكرت إسناده قبلُ أن مصير موسى إلى ربه بالسبعين الذين اختارهم من قومه بعد ما تاب الله على عبدة العجل من قومه، وذلك انه ذكر بعد القصة التي قد ذكرتها عنه بعد قوله: " إنه هو التوّاب الرحيم " . قال: ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعداً، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلم أتوا ذلك المكان قالوا: " لأن نؤمن لك حتى نرى الله جَهْرة " ، فإنك قد كلّمته فأرِناه، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله يقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارَهم! رب لو شئت أهلكتَهم من قبل إياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا! فأوحى الله عز وجل إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممّن اتّخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: " إن هِيَ إلاّ فِتنتُك تُضِلُّ بها من تشاء وتهذي من تشاء " إلى قوله: " إنا هُدْنا إليك " ، يقول تبنا إليك، وذلك قوله تعالى: " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن حتى نرى الله جَهرة فأخذتكُمُ الصاعقة " ، والصاعقة نار. ثم إن الله أحياهم، فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً، ينظر بعضُهم إلى بعض: كيف يحيَوْن؟ فقالوا: يا موسى، أنتَ تدعو الله فلا تسأله شيئاً إلا أعطاك، فادعُه يجعلنا أنبياء، فدعا الله فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: " ثم بعثناكم من بعد موتِكم " ، ولكنّه قدّم حرفاً وأخّر حرفاً.
ثم أمرهم بالسير إلى أرِيحا، وهي ارض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريباً منها بعث موسى اثني عشر نقيباً من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبّارين، فلقيَهم رجل من الجبارين يقال له عاج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حُجْزته وعلى رأسه حملة حطب، فانطلق به إلى امرأته فقال: انظري إى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنُهم برجلي! فقالت امرأته: لا، بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومَهم بما رأوْا، ففعل ذلك، فلما خرج القومُ قال بعضهم لبعض: يا قوم، إنكم أخبرتُم بني إسرائيل بخبر القوم ارتدّوا عن نبي الله، ولكن اكتموهم وأخبروا نبيَّ الله، فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ليكتموه، ثم رجعوا فانطلق عشرة فنكثوا العهد، فجعل الرجل منهم يخبر أخاه وأباه بما رأوا من أمر عاج، وكتَم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون فأخبرهما الخبر، فذلك حين يقول الله: " ولقد أخذ اللهُ الميثاق بني إسرائيل وبعثْنا منهمُ اثني عشر نقيباً " . فقال لهم موسى: " يا قوم اذْكُروا نِعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلَكم مُلُوكاً " يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله. " يا قومِ ادخلوا الأرضَ المقدَّسة الني كتبَ الله لكم " ، يقول: التي أمركم الله بها " ولا ترتدّوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا " مما سمعوا من العشرة: " إن فيها قوماً جبّارين وإنا لن ندخلَها حتى يخرجوا منها فإنْ يَخرجوا منها فإنا داخِلون، قال رجُلانِ من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ، وهما اللذان كتما، وهما يوشع بن نون فتى موسى وكالوب بن يوفنّة - وقيل: كلاب بن يوفنّة ختن موسى - فقالا: يا قوم " ادخُلوا عليهِمُ الباب " . " قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " . فغضب موسى، فدعا عليهم، فقال: " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرُق بيننا وبين القوم الفاسقين " وكانت عجَلة من موسى عجِلها، فقال الله: " فأنها محرّمة عليهِمْ أربعين سنة يتيهون في الأرض " . فلما ضُرب عليهم التيه، ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم أوحى الله عز وجل إليه: ألا تأسَ، أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين. فلم يحزن، فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بماء ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى، فكان يَسقط على الشجر الترنجبين والسلوى - وهو طير يشبه السُّمانيّ - فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سميناً ذَبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، يشرب كل سِبْط من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظلّ؟ فظلل الله عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظلّ، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: " وظلّلْنا عليهِمُ الغَمامَ وأنزلْنا عليهِمُ المَنَّ والسلوى " . وقوله: " وإذ استسقى موسى لقومه فقُلنا اضرِب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كلُّ أناسٍ مشربَهُم " ، فأجمعوا ذلك، فقالوا: " يا موسى لن نصبِر على طعام واحدٍ فادع ربك يُخرِجْ لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثّائها وفومِها " - وهي الحنطة - " وعدسها وبصلها " . قال: " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ اهبِطوا مصْراً " من الأمصار، " فإنّ لكم ما سألتم " . فلما خرجوا من التيه رفع المن والسلوى، وأكلوا البقول، والتقى موسى وعاج فنزا موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عاج فقتله.
حدثنا ابن بشار، حدثنا مُؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوْف، قال: كان طول عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ثم وثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجاً فأصاب كعبه فسقط ميتاً، فكان جِسْراً للناس يمرّون عليه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: أخبرنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبتُه عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسراً لأهل النيل. وقيل إن عوج عاش ثلاثة آلاف سنة.
ذكر وفاة موسى وهارون
ابني عمران عليهما السلام
حدثنا موسى بن هارون الهمْذاني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّديّ في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمذاني عن عبد الله بن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: ثم إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى، أنى مُتَوفٍّ هارون فأت به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم يرَ مثلها، وإذا هما ببيت مبنيّ، وإذا هما فيه بسرير عليه فرش، وإذا فيه ريحٌ طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، فقال: يا موسى إني لأحب أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنمْ عليه، قال: إني أخاف أن يأتي ربُّ هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا ترهب أنا أكفيك ربُّ هذا البيت فنم؛ قال: يا موسى بل نم معي، فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعاً، فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني، فلما قُبِض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورُفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتلَ هارون وحسده لحبّ بني إسرائيل له، وكان هارون أكفّ عنهم وأليَن لهم من موسى، وكان في موسى بعضُ الغلظ عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم! كان أخي أفتروْنني أقتله! فلما أكثروا عليه قلم فصلى ركعتين ثم دعا إلى الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدّقوه. ثم إن موسى بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذا أقبلت ريح سوداء، فلما نظر يوشع إليها ظنّ أنها الساعة والتزم موسى، وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ الله، فاستُلّ موسى من تحت القميص وترك القميص في يد يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل، وقالوا: قتلت نبي الله! قال: لا والله ما قتلتُه، ولكنه استُلَّ مني، فلم يصدّقوه وأرادوا قتله. قال: فإذا لم تصدقوني فأخّروني ثلاثة أيام، فدعا الله فأتِي كل رجل ممن كان يحرسه في المنام، فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وأنا قد رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبّارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان صفيُّ الله قد كره الموت وأعظمه، فلما كرهه أراد الله تعالى أن يحبِّب إليه الموت ويكرّه إليه الحياة، فحوّلت النبوّة إلى يوشع بن نون، فكان يغدو عليه ويروح، فيقول له موسى: يا نبي الله، ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع بن نون: يا نبي الله، ألمْ أصحبْك كذا وكذا سنة، فهل كنتُ أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟ فلا يذكر له شيئاً، فلما رأى موسى ذلك كرِه الحياة وأحبّ الموت.
قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان صفيّ الله - فيما ذكر لي وهب بن منبّه - إنما يستظلّ في عريش ويأكل ويشرب في نقير من حجَر؛ إذا أراد أن يشرب بعد ان أكل كرع كما تكرع الدابة في ذلك النقير، تواضعاً لله حين أكرمه الله بما أكرمه به من كلامه.
قال وهب: فذكر لي أنه كان من أمر وفاته أنه صفيّ الله خرج يوماً من عريشه ذلك لبعض حاجته لا يعلم به أحدٌ من خلق الله، فمرّ برهط من الملائكة يحفِرون قبراً فعرفهم وأقبل إليهم، حتى وقف عليهم، فإذا هم يحفرون قبراً لم ير شيئاً قط أحسنَ منه، ولم ير مثل ما فيه من الحضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكةَ الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا: نحفره لعبد كريم على ربّه، قال: إن هذا العبد من الله المنزل! ما رأيت مضجعاً ولا مدخلاً! وذلك حين حضر من أمر الله ما حضر من قبضه، فقالت له الملائكة: يا صفيّ الله، أتحبّ أن يكون لك؟ قال: وددت قالوا: فانزل فاضطجع فيه، وتوجه إلى ربك، ثم تنفس أسهل تنفس تنفسته قط. فنزل فاضطجع فيه، وتوجّه إلى ربه، ثم تنفس فقبض الله تعالى روحه، ثم سوّت عليه الملائكة، وكان صفيّ الله زاهداً في الدنيا راغباً فيما عند الله.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ملَك الموت كان يأتي الناس عِياناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، قال: فرجَع فقال: يا ربّ، إن عبدَك موسى فقأ عيني، ولولا كرامَته لشققت عليه، فقال: ائت عبدي موسى، فقل له: فليضع كفه على متن ثور، فله بكل شعرة وارت يدُه سنة؛ وخيّره بين ذلك وبين ان يموت الآن، قال: فأتاه فخيّره، فقال له موسى: فما بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن إذاً، فشمّه شمة قبض روحه. قال: فجاء بعد ذلك إلى الناس خُفية " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبي سنان الشيبانيّ، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: مات موسى وهارون جميعاً في التيه، مات هارون قبل موسى، وكانا خرجا جميعاً في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبت ولكنك قتلته لحبنا إياه، وكان محبباً في بني إسرائيل، فتضرع موسى إلى ربه، وشكا ما لقي من بني إسرائيل، فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى موضع قبره، فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتاً ولم تقتله. قال: فانطلق بهم إلى قبر هارون، فنادى: يا هارون، فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: انا قتلتك؟ قال: لا والله، ولكني متّ، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا.
فكان جميع مدة عمر موسى عليه السلام كلها مائة وعشرين سنة، عشرون من ذلك في ملك أفريدون، ومائة منها في ملك منوشهر، وكان ابتدأه من لدن بعثه الله نبياً إلى أن قبضه إليه في ملك منوشهر.
ذكر يوشع بن نون عليه السلامثم ابتعث الله عز وجل بعد موسى عليه السلام يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيّاً، وأمره بالمسير إلى أريحا لحرب مَنْ فيها من الجبارين. فاختلف السلفُ من أهل العلم في ذلك، وعلى بد مَنْ كان ذلك؟ ومتى سار يوشع إليها؟ في حياة موسى بن عمران كان مسيره إليها أم بعد وفاته؟ فقال بعضهم: لم يسِرْ يوشع إلى أريحا، ولا أمِر بالمسير إليها إلاّ بعد موت موسى، وبعد هلاك جميع من كان أبى المسيرَ إليها مع موسى بن عمران، حين أمرهم الله تعالى مَنْ فيها من الجبارين، وقالوا: مات موسى وهارون جميعاً في التيه قبل خروجهما منه.
ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: لما دعا موسى - يعني بدعائه قوله: " رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافْرق بيننا وبين القومِ الفاسقين، قال فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " . قال: فدخلوا التيه، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه، قال: فمات موسى في التيه، مات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، وناهض يوشعُ بمن معه مدينة الجبّارين فافتتح يوشع المدينة.
حدثني بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة. قال: قال الله تعالى: " إنها محرَّمة عليهم أربعين سنة... " الآية، حرّمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك أربعين سنة.
وذكر لنا أنّ موسى مات في الأربعين سنة، ولم يدخل بيتَ المقدس منهم إلا أبناؤهم، والرجلان اللذان قالا ما قالا.
حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في الخبر الذي ذكرت إسناده فيما مضى: لم يبق أحدٌ ممن أبى أن يدخل مدينة الجبّارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح. ثم إن الله عز وجل لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبياً فأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، فهزم الجبارين، واقتحموا عليهم، فقتلوهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا سليمان بن حرب، عن هلال، عن قتادة في قول الله تعالى: " فإنها محرّمة عليهم " ، قال: أبداً.
حدثني المثنّى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هارون النحويّ، عن الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: " فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " ، قال: التحريم التِّيه.
وقال آخرون: إنما فتح أريحا موسى؛ ولكن يوشع كان علة مقدمة موسى حين سار إليهم.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما نشأت النواشي من ذراريّهم - يعني من ذراريّ الذين أبوا قتال الجبارين مع موسى - وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُبّهوا فيها؛ سار بهم موسى ومعه يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنّة، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، فكان لهم صهراً، فلما انتهوا إلى أرض كنعان، وبها بلعم بن باعور العروف، وكان رجلاً قد آتاه الله علماً، وكان فيما أوتي من العلم اسم الله الأعظم - فيما يذكرون - الذي إذا دعِي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم أبي النضْر، أنه حدّث أن موسى لما نزل أرض بني كنعان من أرض الشأم، وكان بلعم ببالعة - قرية من قرى البلْقاء - فلما نزل موسى ببني إسرائيل ذلك المنزل، أتى قومُ بلعم إلى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويُحلّها بني إسرائيل، ويسكنها، وإنا قومك وليس لنا منزلٌ، وأنت رجل مُجابُ الدعوة، فاخرج فادعُ الله عليهم، فقال: ويلكم! نبي الله معه الملائكة والمؤمنون! كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم! قالوا: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرقّقونه، ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حُسبان، فما سار عليها غير قليل، حتى ربضت به، فنزل عليها فضربها حتى أذلقها فقامت فركبها، فلم تسرْ به كثيراً حتى ربضت به، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها، فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به، فضربها حتى إذا أذلقها الله أذن لها فكلمتْه حُجّة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم! أين تذهب! ألا ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا! أتذهب إلى نبيّ الله والمؤمنين تدعو عليهم! فلم ينزع عنها يضربها، فخلّى الله سبيلَها حين فعل بها ذلك، فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حُسبان، على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غَلب الله عليه، واندلع لسانه فرفع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمّلوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهنّ فلا تمنع امرأة نفسَها من رجل أرادها؛ فإنه إن زنى رجل واحد منهم كُفيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العساكر مرّت امرأة من الكنعانيين اسمها كسّى ابنة صور - رأس أمته وبني أبيه من كان منهم في مديّن، هو كان كبيرهم - برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمري بن شلوم، رأس سِبْط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالُها، ثم أقبل حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول: هذه حرام عليك! قال: أجلْ هي حرام عليك لا تقربْها، قال: فو الله لا نُطيعك في هذا، ثم دخل بها قبّته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل. وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلاً قد أعطِيَ بسطة في الخلق، وقوة في البطش، كان غائباً حين صنع زمرى بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل، فأخبِر الخبر، فأخذ حربته - وكانت من حديد كلّها - ثم دخل عليهما القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته - وكان بِكْر العيزار - فجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمَنْ يعصيك! ورُفع الطاعون فحُسب مَنْ يهلك من بني إسرائيل في الطاعون - فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فنحاص - فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلّل لهم يقول: عشرون ألفاً، في ساعة من النهار، فمن هنالك تُعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص بن العيزار بن هارون من كل ذبيحة ذبحوها القِبَة والذراع واللَّحْى، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبِكْر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار، ففي بلعم بن باعور، أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه: " واتل عليهِم نبأَ الذي آتيناه آياتنا فانسلخَ منها " - يعني بلعم بن باعور، " فأتْبعه الشيطانُ " إلى قوله: " لعلهم يتفكرون " يعني بني إسرائيل؛ أنى قد جئتهم بخبر ما كان فيهم مما يخفون عليك لعلهم يتفكرون فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عمّا مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر من السماء.
ثم إن موسى قدّم يوشع بن نون إلى أريحا في بني إسرائيل فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، وأصاب من أصاب منهم، وبقيت منهم بقية في اليوم الذي أصابهم فيه، وجنح عليهم الليل، وخشي إن لبسهم الليل أن يُعجزوه، فاستوقف الشمس، ودعا الله أن يحبسها، ففعل الله عز وجل حتى استأصلهم؛ ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم بقبره أحد من الخلائق.
فأما السّديّ في الخبر الذي ذكرت عنه إسناده فيما مضى؛ فإنه ذكر في خبره ذلك أن الذي قاتل الجبارين يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون، وقصّ من أمره وأمرهم ما أنا ذاكره، وهو أنه ذكر فيه أن الله بعث يوشع نبياً بعد أن انقضت الأربعون سنة، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبيّ، وأنّ الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدّقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم - وكان يعلم الاسم الأعظم المكتوم - فكفر وأتى الجبارين، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل؛ فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون؛ فكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء من عظمهنّ، فكان ينكح أتاناً له، وهو الذي يقول الله عز وجل: " واتل عليهم نبأ الذي آتينا آياتنا " أي فبصر " فانسلخ منها فأتْبعه الشيطان فكان من الغاوين " إلى قوله: " ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثلُهُ كمثِل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " ، فكان بلعم يلهث كما يلهث الكلب، فخرج يوشع يقاتل الجبارين في الناس، وخرج بلعم مع الجبارين على أتانه، وهو يريد أن يلعنَ بني إسرائيل، فكلّما أراد أن يدعو على بني إسرائيل جاء على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تدعو علينا، فيقول: إنما أردت بني إسرائيل، فلما بلغ المدينة أخذ ملَك بذنَب الأتان فأمسكها، وجعل يحركها فلا تتحرك، فلما أكثر ضرْبها تكلّمت، فقالت: أنت تنكحني بالليل وتركبني بالنهار! ويل منك! ولو أني أطقت الخروج لخرجت بك؛ ولكن هذا الملَك يحبسني، فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالاً شديداً حتى أمسوا وغربت الشمس، ودخل السبت. فدعا الله فقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله، اللهم اردد عليّ الشمس، فردت عليه الشمس، فزيد في النهار يومئذ ساعة، فهزم الجبارين واقتحموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها. وجمعوا غنائمهم، وأمرهم يوشع أن يقرّبوا الغنيمة فقرّبوها، فلم تزل النار تأكلها، فقال يوشع: يا بني إسرائيل إن الله عز وجل عندكم طِلْبة، هلموا فبايعوني، فبايعوه فلصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلمّ ما عندك! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت والجوهر، كان قد غلّه، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان.
وأما أهل التوراة؛ فإنهم يقولون: هلك هارون وموسى في التَّيه، وإن الله أوحى إلى يوشع بعد موسى، وأمره أن يعبر الأردنّ إلى الأرض التي أعطاها بني إسرائيل، ووعدهم إياهم، وأن يوشع جَدَّ في ذلك ووجّه إلى أريحا من تعرّف خبرها، ثم سار ومعه تابوت الميثاق، حتى عبر الأردنّ، وصار له ولأصحابه فيه طريق، فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القرون، وضجّ الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة فأباحوها واحرقوها، وما كان فيها ما خلا الذهب والفضة وآنية النحاس والحديد، فإنهم أدخلوه بيت المال. ثم إن رجلاً من بني إسرائيل غلّ شيئاً، فغضب الله عليهم وانهزموا، فجزع يوشع جزعاً شديداً، فأوحى الله إلى يوشع أن يُقرِع بين الأسباط، ففعل حتى انتهت القُرعة إلى الرجل الذي غلّ، فاستخرج غُلوله من بيته، فرجَمه يوشع وأحرق كل ما كان له بالنار، وسمّوا الموضع باسم صاحب الغلول، وهو عاجز فالموضع إلى هذا اليوم غور عاجز. ثم نهض بهم يوشع إلى ملك عايى وشعبه، فأرشدهم الله إلى حربه، وأمر يوشع أن يكمن لهم كميناً ففعل، وغلب على عايى وصلَب ملكها على خشبة، وأحرق المدينة وقتل مِنْ أهلها اثني عشر ألفاً من الرجال والنساء، واحتال أهلُ عماق وجيعون ليوشع حتى جعل لهم أماناً، فلما ظهر على خديعتهم دعا الله عليهم أن يكونوا حطّابين وسقائين، فكانزا كذلك، وأن يكون بازق ملك أورشليم يتصدق، ثم أرسل ملوك الأرمانيين، وكانوا خمسة بعضهم إلى بعض، وجمعوا كلمتهم على جيعون، فاستنجد أهل جيعون يوشع، فأنجدهم وهزموا أولئك الملوك حتى حدّروهم إلى هَبْطة حَوران، ورماهم الله بأحجار البرَد، فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وسأل يوشع الشمسَ أن تقف والقمر أن يقوم حتى ينتقم من أعدائه قبل دخول السبت، ففعلا ذلك وهرب الخمسة ملوك فاختفوا في غار، فأمر يوشع فسُدّ باب الغار حتى فرغ من الانتقام من أعدائه، ثم أمر بهم فأخرجوا، فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم من الخشب، وطرحهم في الغار الذي كانوا فيه، وتتبع سائر الملوك بالشأم؛ فاستباح منهم أحداً وثلاثين ملكاً، وفرق الأرض التي غلب عليها. ثم مات يوشع، فما مات دفن في جبل أفراييم، وقام بعده سِبْطُ يهوذا وسبط شمعون بحرب الكنعانيين، فاستباحوا حريمهم، وقتلوا منهم عشرة آلاف ببازق، وأخذوا ملك بازق فقطعوا إبهامَيْ يديه ورجليه، فقال عند ذلك ملك بازق: قد كان يلقط الخبز من تحت مائدتي سبعون ملكاً مُقطّعي الأباهيم، فقد جزاني الله بصنيعي، وأدخلوا ملك بازق أورشليم، فمات بها. وحارب بنو يهوذا سائر الكنعانيين واستولوا على أرضهم، وكان عُمر يوشع مائة وستاً وعشرين سنة. وتدبيره أمر بني إسرائيل منذ توفي موسى إلى أن توفي يوشع بن نون شبعاً وعشرين سنة.
وقد قيل إن أول من ملك من ملوك اليمن، ملك كان لهم في عهد موسى بن عمران من حمير، يقال له: شمير بن الأملول، وهو الذي بنى مدينة ظَفار باليمن، وأخرج مَنْ كان بها من العماليق، وإن شمير بن الأملول الحميريّ هذا كان من عُمّال ملك الفرس يومئذ على اليمن ونواحيها.
وزعم هشام بن محمد الكلبي أن بقية بقيت من الكنعانيين بعد ما قتل يوشع مَنْ قتل منهم، وأن إفريقيس بن قيس بن صيفيّ بن سبأ بن كعب ابن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجهاً إلى إفريقية، فاحتملهم من سواحل الشام، حتى أتى بهم إفريقية، فافتتحها وقتل ملكها جرجيرا، وأسكنها البقية التي كانت بقيت من الكنعانيين الذين كان احتملهم معه من سواحل السام. قال: فهم البرابرة، قال: وإنما سُموا بربراً، لأن إفريقيس قال لهم: ما أكثر بربرتكم! فسموا بربراً، وذكر أن إفريقيس قال في ذلك من أمرهم شعراً، وهو قوله:
بربرَتْ كنعانُ لما سُقتها ... من أراضي الهُلْك للعيش العجَب
قال: وأقام من حمير في البربر صنهاجة وكُتامة، فهم فيهم إلى اليوم.
ذكر أمر قارون بن يصهر قاهثوكان قارون ابن عم موسى عليه السلام. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " إن قارون كان من قوم موسى " ، قال: ابن همع، أخي أبيه. فإن: قارون ابن يصفر - هكذا قال القاسم، - وإنما هو يصهر - بن قاهث، وموسى بن عمرر بن قاهث، وعمرر بالعربية عمران؛ هكذا قال القاسم، وإنما هو عمرم.
وأما ابن إسحاق فإنه قال ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلَمة، عنه: تزوج يصهر بن قاهث شميت ابنة تباويت بن بركيا بن يقسان بن إبراهيم. فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر، فقارون - على ما قال ابن إسحاق - عم موسى أخو لأبيه وأمه.
وأما أهلُ العلم من سلف أمتنا ومن أهل الكتابين فعلى ما قال ابن جريج.
ذكر من حضرنا ذكره ممن قال ذلك من علمائنا الماضين:حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد، عن إبراهيم في قوله: " إن قارون كان من قوم موسى " ، قال: كان ابن عم موسى.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، قال: " إن قارون كان من قوم موسى " ، كان قارون ابنَ عم موسى.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم: " إن قارون كان من قوم موسى " ، قال: كان ابن عمه فبغى عليه.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، قال: كان قارون ابن عم موسى.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو معاوية، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم، قال: " إن قارون كان من قوم موسى " ، قال: كان ابنَ عمه.
حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إن قارون كان من قوم موسى " ، كنا نحدث أنه كان ابن عمه أخي أبيه، وكان يسمى المنور من حسن صورته في التوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامريّ، فأهلكه البغي.
حدثني بشر بن هلال الصواف، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن مالك بن دينار، قال: بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عم قارون، وكان الله قد آتاه مالاً كثيراً، كما وصفه الله عز وجل، فقال: " وآتيناه من الكُنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة أولي القوة " ، يعني بقوله: " تنوء " تثقل.
وذكر أن مفاتيح خزائنه كانت كالذي حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة في قوله: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة " قال: نجد مكتوباً في الإنجيل: نفاتيح قارون وَقْر ستين بغلاً غرّاً محجلة، ما يزيد مفتاح منها على إصبع؛ لكل مفتاح منها كنز.
حدثني أبو كريب، قال: حدثنا هُشيم، قال: اخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة " ، قال: كانت مفاتيح خزائنه تحمّل على أربعين بغلاً.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرَنا الأعمش عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون تحمَل على ستين بغلاً، كلّ مفتاح منها لباب كنزٍ معلوم، مثل الإصبع، من جلود.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: كانت مفاتيح قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة واحدة على حِدة، فإذا ركب حُمِلت المفاتيح على ستين بغلاً أغرّ محجّل.
فبغى عدو الله لما أراه الله به من الشقاء والبلاء على قومه بكثرة ماله.
وقيل إن بغيه عليهم كان بأن زاد عليهم في الثياب شبراً. كذلك حدثني على بن سعيد الكندي وأبو السائب وابن وكيع، قالوا: حدثنا حفص ابن غياث، عن ليث، عن شهر بن حَوْشب.
فوعظه قومه على ما كان من بغيه ونهوه عنه، وأمروه بإنفاق ما أعطاه الله في سبيله والعمل فيه بطاعته، كما أخبر الله عز وجل عنهم أنهم قالوا له فقال: " إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرِحين، وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسِدين " . وعني بقوله: " ولا تنس نصيبك من الدنيا " : لا تنس في دنياك أن تأخذ نصيبك فيها لآخرتك، فكان جوابُه إياهم جهلاً منه، واغتراراً بحلم الله عنه، ما ذكر الله تعالى في كتابه أن قال لهم: إنما أوتيت ما أوتيت من هذه الدنيا على علم عندي قيل: معنى ذلك: على خير عندي، كذلك رُوي ذلك عن قتادة.
وقال غيره: عني بذلك: لولا رضاء الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا، قال الله عز وجل مكذّباً قيله: " أوَ لم يعلم أن الله قد أهلك مِنْ قَبله من القُرون من هو أشدَّ منه قوّة واكثر جمعاً " للأموال. ولو كان الله إنما يُعطى الأموال والدنيا من يعطيه إياها لرضاه عنه، وفضلُه عنده، لم يهلك من أهلك من أرباب الأموال الكثيرة قبله، مع كثرة ما كان أعطاهم منها، فلو يردعه عن جهله، وبغيه على قومه عظة من وعظه، وتذكير من ذكره بالله ونصيحته إياه؛ ولكنه تمادي في غيه وخسارته، حتى خرج على قومه في زينته راكباً بِرْذَوْناً أبيض مسرجاً بسرج الأرجُوان، قد لبس ثياباً معصفرة، قد حمل معه من الجواري بمثل هيئته وزينته على مثل بِرْذَوْنه ثلاثمائة جارية وأربعة آلاف من أصحابه.
وقال بعضهم: كان الذين حملهم على مثل هيئته وزينته من أصحابه سبعين ألفاً.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: " فخرج على قومه في زينته " ، قال: على بِرْاذيْن بيض، عليها سروج الأرجوان، عليهم المعصفرة. فتمنى أهل الخسار من الذين خرج عليهم في زينته مثل الذي أوتيه، فقالوا: " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم " ، فأنكر ذلك من قوله عليهم أهل العلم بالله فقالوا لهم: ويلكم أيها المتمنّون مثل ما أوتي قارون! اتقوا الله، واعملوا بما أمركم الله به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإن ثواب الله وجزاءه أهل طاعته خيرٌ لمن آمن به وبرسله، وعمل بما أمره به من صالح الأعمال، يقول الله: " ولا يُلقّاها إلا الصابرون " ، يقول: لا يلقي مثل هذه الكلمة إلا الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا جزيل ثواب الله على صالح الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها، فعلموا له بما يوجب لهم ذلك.
فلما عتا الخبيث وتمادى في غيه، وبطر نعمة ربه ابتلاه الله عز وجل من الفريضة في ماله والحق الذي ألزمه فيه ما ساق إليه شحّه به أليم عقابه، وصار به عبرة للغابرين وعظة للباقين.
فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، قال: لما نزلت الزكاة أتى قارونُ موسى فصالحه عن كل ألف دينار ديناراً، وعلى كل ألف درهم درهماً، وعلى كل ألف شيء شيئاً، أو قال: وكل ألف شاة شاةً - قال أبو جعفر الطبريّ: أنا أشد - قال: ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيراً فجمع بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعمتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم. فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغيّ فتجعلوا لها جُعلاً فتقذفه بنفسها. فدعوْها فجعلوا لها جُعلاً على أن تقذفه بنفسها، ثم أتى موسى فقال: إن قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم وهم في براح من الأرض، قال: يا بني إسرائيل، منْ سرق قطعْنا يده، ومن افترى جلَدناه ثمانين، ومن زنى ولي سله امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت - أو قال: رجمناه حتى يموت - قال أبو جعفر أنا أشك - فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: وإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعوها، فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة، قالت: لبيك! قال: أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ قالت: لا، وكذبوا، ولكن جعلوا إليّ جُعلاً على أن أقذفك بنفسي، فوثب فسجد وهو بينهم، فأوحى إليه: مُر الأرض بما شئت، قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أقدامهم، ثم قال: يا أرض خُذيهم فأخذتهم إلى ركبهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، قال: فجعلوا يقولون: يا موسى، ويتضرعون إليه، يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم، فأوحى الله إليه: يا موسى يقول لك عبادي: يا موسى يا موسى، فلا ترحمهم، أما لو إياي دعوا لوجدوني قريباً مجيباً، قال: فذلك قوله: " فخرج على قومه في زينته " ، وكانت زينته أنه خرج على دوابّ شُقْر عليها سروج أرجوان، عليها ثياب مصبّغة بالبهرمان،: " قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " إلى قوله: " لا يُفلح الكافرون " . يا محمد " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلُواّ في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن المنهال، عن رجل، عن ابن عباس بنحوه، وزادني فيه: قال: فأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد، فأتوا موسى فقالوا: ادع لنا ربك، قال: فدعا لهم فأوحى الله إليه: يا موسى، أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم من خطاياهم، وقد دعوك فلم تجبهم أما لو إياي دعوا لأجبتهم.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا علي بن هاشم ابن البريد، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: " إن قارون كان من قوم موسى " ، قال: كان ابن عمه، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل وقارون في ناحية، قال: فدعا بغيّة كانت في بني إسرائيل، فجعل لها جُعلاً على أن ترمي موسى بنفسها، فتركه، حتى إذا كان يوم يجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى أتاه قارون فقال: يا موسى، ما حدُّ من سرق؟ قال: أن تقطع يده، قال: فإن كنت أنت؟ قال نعم، قال: فما حد من زنا؟ قال: أن يُرجم، قال: وإن كنت أنت؟ قال: نعم، قال: فإنك قد فعلت، قال: ويلك! بمن؟ قال: بفلانة، فدعاها موسى فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة، أصدق قارون؟ قالت: اللهمّ إذ نشدتني، فإني أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، وأن عدو الله قارون جعل لي جُعلاً على أن أرميك بنفسي، قال: فوثب موسى فخرّ ساجداً، فأوحى الله إليه أن أرفع رأسك فقد أمرت الأرض أن تطيعك، فقال موسى: خذيهم، فأخذتهم حتى بلغوا الحَقْوا، قال: يا موسى، قال: خذيهم فأخذتهم حتى بلغوا الصدور، قال: يا موسى، قال: خذيهم، قال: فذهبوا، قال: فأوحى الله إليه: يا موسى، استغاث بك فلم تُغثه، أما لو استغاثَ بي، لأجبتُه ولأغثته.
حدثنا بشر بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، قال: حدثنا على بن زيد بن جُدعان، قال: خرج عبد الله بن الحارث من الدار، ودخل المقصورة فلما خرج منها جلس وتساند عليها وجلسنا إليه، فذكر سليمان بن داود و " قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين " إلى قوله: " إن ربي غنيٌ كريم " . قال: ثم سكت عن حديث سليمان، فقال: " إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم " ، وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكره الله في كتابه: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة أولي القوة " . فقال: إنما أوتيته على علم عندي قال: وعاد موسى وكان مؤذياً له، فكان موسى يصفح عنه، ويعفو للقرابة حتى بنى داراً، وجعل باب داره من ذهب، وضرب على جدر داره صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون، فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضكحونه، فلم تدعه شقوته والبلاء حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا مشهورة بالسب، فجاءت قال لها: هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلِطك بنسائي، على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي فتقولي: يا قارون أل تنهى عني موسى! قالت: بلى، فلما جلس قارون، وجاءه الملأ من بني إسرائيل أرسل إليها فجاءت، فقامت بين يديه، فقلب الله قلبها، وأحدث لها توْبة، فقالت في نفسها: لا أجد اليوم توبة أفضل من ألا أوذي رسول الله وأعذب عدو الله، فقالت: إن قارون قال لي: هل لكِ أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي، فتقولي: يا قارون ألا تنهى عني موسى! فلم أجد توبة أفضل من ألا أوذي رسول الله، وأعذب عدو الله. فلما تكلمت بهذا الكلام سُقط في يدي قارون، ونكس رأسه، وسكت عن الملأِ، وعرف أنه قد وقع في هَلكة، فشاع كلامُها في الناس، حتى بلغ موسى، فلما بلغ اشتد غضبه فتوضأ من الماء وصلى وبكى، وقال: يا رب عدوك لي مؤذٍ، أراد فضيحتي وشيْتني، يا رب سلطني عليه. فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت تطعك، فجاء موسى إلى قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجه موسى له، فقال له: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم، قال: فاضطربت داره، وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين، وجعل يقول: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم، فاضطربت دارُه وساخت، وخُسِف بقارون وأصحابه إلى ركبهم وهو يتضرع إلى موسى: يا موسى، ارحمني! قال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبداره وأصحابه، قال: وقيل لموسى: يا موسى، ما أفظك، أما وعزتي لو إياي نادى لأجبتُه! حدثنا بشر بن هلال، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوْنيّ، قال: بلغني أنه قيل لموسى: لا أعبِّد الأرض لأحد بعدك أبداً.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، " فخسفنا به وبداره الأرض " ، ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يجلجل فيها ولا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.
قال أبو جعفر: فلما نزلت نقمة الله بقارون حمِد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وأنذروه بأمر الله، ونصحوا له من المعرفة بحقّه والعمل بطاعته، وندم الذين كانوا يتمنون ما هو فيه من كثرة المال، والسعة في العيش على أمنيتهم، وعرفوا خطأ أنفسهم في أمنيتها، فقالوا ما أخبر الله عز وجل عنهم في كتابه: " ويكأن الله يبسُط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن منّ الله علينا " ، فصرف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به وبهم. فنجّى الله تعالى من كل هول وبلاء نبيه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بني إسرائيل، وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم، وأهلك أعداءه وأعداءهم: فرعون وهامان وقارون والكنعانيين بطفرهم وتمردهم عليه وعتوهم، بالغرق بعضاً، وبالخسف بعضاً، وبالسيف بعضاً، وجعلهم عبراً لمن اعتبر بهم، وعظة لمن اتعظ بهم، مع كثرة أموالهم وكثرة عدد جنودهم، وشدة بطشهم، وعظم خلقهم وأجسامهم، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئاً؛ إذ كانوا يجحدون بآيات الله، ويسعوْن في الأرض فساداً، ويتّخذون عباد الله لأنفسهم خَوَلاً، وحاق بهم ما كانوا منه آمنين؛ نعوذ بالله من عمل يقرّب من سخطه، ونرغب إليه في التوفيق لما يدني من محبته، ويزلف إلى رحمته! وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنا عمى، قال: حدثني الماضي بن محمد، عن أبي سليمان، عن القاسم بن محمد، عن أبي إدريس الخوْلاني، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى " . قال: قلت: يا رسول الله، ما كان في صحف موسى؟ قال: كانت عِبراً كلها، عجبت لمن أيقن بالنار ثم يضحك، عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح، عجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لم يعمل! وكان تدبير يوشع أمر بني إسرائيل من لدن مات موسى، إلى أن توفي يوشع، كله في زمان منوشهر عشرين سنة، وفي زمان فراسياب سبع سنين.
ونرجع الآن إلى:
ذكر القائم بالملك ببابل من الفرس
بعد منوشهر
إذ كان التاريخ إنما تدرك صحته على سياق مدة أعمار ملوكهم.
ولما هلك منوشهر الملك بن منشخورنر، قهر فراسياب بن فشنج ابن رستم بن ترك على خنيارث ومملكة أهل فارس وصار - فيما قيل - إلى أرض بابل، فكان يُكثر المقام ببابل وبمِهرجان قذَق، فأكثر الفساد في مملكة أهل فارس.
وقيل: إنه قال حين غلب على مملكتهم: نحن مسرعون في إهلاك البريّة، وإنه عظُم جوره وظلمه، وخرّب ما كان عامراً من بلاد خنيارث، ودفن الأنهار والفتيّ، وقَحِط الناس في سنة خمس من ملكه، إلى أن خرج عن مملكة أهل فارس، ورُدّ إلى بلاد الترك، فغارت المياه في تلك السنين، وحالت الأشجار المثمرة.
ولم يزل الناس منه في أعظم البلية، إلى أن ظهر زوّ بن طهْماسب وقد يلفظ باسم " زوّ " بغير ذلك فيقول بعضهم: زاب بن طهْماسفان، ويقول بعضهم: زاغ، ويقول بعضهم: راسب بن طهماسَب بن كانجو بن زاب بن أرفس بن هراسف بن ونديج بن أريج بن نوذ وجوش ابم منسوا - بن نوذر بن منوشهر.
وأم زوّ مادول ابنة وامن بن واذرجا بن قود بن سَلْم بن أفريدون.
وقيل: إن منوشهر كان وجد في أيام ملكه على طهماسب بسبب جناية جناها، وهو مقيم في حدود الترك لحرب فراسياب، فأراد منوشهر قتله بسبب ذلك، فكلّمه في الصفح عنه عُظماء أهل مملكته. وكان من عدل منوشهر - فيما ذكر - أنه قد كان يسّوي بين الشريف والوضيع، والقريب والبعيد في العقوبة، إذا استوجبها بعض رعيته على ذنب أتاه - فأبى إجابتهم إلى ما سألوه من ذلك، وقال لهم: هذا في الدين وهَنٌ، ولكنكم إذ أبيتم عليّ، فإنه لا يسكن في شيء من مملكتي، ولا يُقيم به، فنفاه عن مملكته فشخص إلى بلاد الترك، فوقع إلى ناحية وامن، فاحتال لابنته وهي محبوسة في قصر من أجل المنجَمين كانوا ذكروا لوامن أبيها أنها تلد ولداً يقْتله، حتى أخرجها من القصر الذي كانت محبوسة فيه، بعد أن حملت منه بزوّ.
ثم إن منوشهر إذِن لطهماسب بعد أن انقضت أيام عُقوبته في العود إلى خينارث مملكة فارس، فأخرج مادول ابنة وامن بالحيلة منها ومنه في إخراجها من قصرها من بلاد الترك إلى مملكة أهل فارس، فولدت له زواّ بعد العود إلى بلاد إيرانكرد، ثم إن زواً - فيما ذكر - قتل جدّه، وامّن في بعض مغازيه الترك، وكطرد فراسياب عن مملكة أهل فارس، حتى ردّه إلى الترك بعد حروب جرت بينه وبينه وقتال، فكانت غَلبة فراسياب أهل فارس على إقليم بابل اثنتي عشرة سنة، من لدن توفي منوشهر إلى أن طرده عنه، وأخرجه زوّ بن طهماسب إلى تركستان.
وذكر أن طَرْدَ زوّ فراسياب عما كان عليه من مملكة أهل فارس في روزأبان من شهر أبانماه، فاتخذ العجم هذا اليوم عيداً لما رفع عنهم فيه من شر فراسياب وعَسْفه وجعلوه الثالث من أعيادهم النوروز والمهرجان.
وكان زوّ محموداً في مُلكه، محسناً إلى رعيته، فأمر بإصلاح ما كان فراسياب أفسد من بلاد خنيارث، ومملكة بابل وبناء ما كان هُدم من حصون ذلك، ونثل ما كان طم وغوّر من الأنهار والقنى، وكرى ما كان اندفن من المياه حتى أعاد كل ذلك - فيما ذكر - إلى أحسن ما كان عليه، ووضع عن الناس الخراج سبع سنين، ودفعه عنهم، فعمرت بلاد فارس في ملكه، وكثُرت المياه فيها، ودرّت معايش أهلها، واستخرج بالسواد نهراً سماه الزّاب، وأمر فبنيت على حافتيه مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة، كوّرها كورة، وسماها الزوابي، وجعل لها ثلاثة طَساسيج: منها طسّوج الزاب الأعلى، ومنها طسّوج الزاب الأوسط، ومنها طسّوج الزاب الأسفل؛ وأمر بحمل بُزور الرياحين من الجبال إليها وأصول الأشجار، وبذْر ما يبذر من ذلك، زغرس ما يغرس منه، وكان أولَ من اتُّخذ له ألوان الطبيخ وأمر بها بأصناف الأطعمة، وأعطى جنودَه مما غنِم من الخيل والرّكاب، مما أوْجَف عليه من أموال الترك وغيرهم. وقال يوم ملك وعقد التاج على رأسه: نحن متقدمون في عمارة ما أخْربه الساحر فراسياب.
وكان له كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان بن طورك بن شيراسب بن أروشسب بن طوج بن أفريدون الملك.
وقد نسبه بعض نسابي الفرس غير هذا النسب فيقول: هو كرشاسف بن أشنان بن طهموس بن أشك بن ترس بن رحر بن دودسرو بن منوشهر الملك - مؤازراً على ملكه.
ويقول بعضهم: كان زوّ وكرشاسب مشتركين في الملك، والمعروف من أمرهما أن الملْك كان لزو بن طهماسب وأن كرشاسب كان له مؤازراً وكان كرشاسب عظيم الشأن في أهل فارس، غير أنه لم يملك، فكان جميعُ ملْك زوّ إلى أن انقضى ومات - فيما قيل - ثلاث سنين.
ثم ملك بعد زوّ كيقباذ، وهو كيقياذ بن زاغ بن نوحباه بن منشو بن نوذر بن منوشهر. وكان متزوجاً بفرتك ابنة تدرسا التركي، وكان تدرسا من رؤوس الأتراك وعظمائهم، فولدت له كي إفنه، وكي كاوس، وكي أرش، وكيبه أرش، وكيفاشين وكيبية؛ وهؤلاء هم الملوك الجبابرة وآباء الملوك الجبابرة.
وقيل إن كيقباذ قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه: نحن مدوّخون بلاد الترك ومجتهدون في إصلاح بلادنا، حدبون عليها، وأنه قدّر مباه الأنهار والعيون لشرب الأرضين، وسمى البلاد بأسمائها، وحدّها بحدودها، كوّر الكُور، وبيّن حير كل كورة منها وحريمها، وأمر الناس باتخاذ الأرض، وأخذ العُشْر عن غَلاتها لأرزاق الجند، وكان - فيما ذكر - كيقباذ يُشبّه في حرثه على العمارة، ومنعه البلاد من العدو، وتكبّره في نفسه بفرعون.
وقيل إن الملوك الكيية وأولادهم من نسله، وجرت بينه وبين الترك وغيرهم حروب كثيرة، وكان مقيماً في حدّ ما بين مملكة الفرس والترك بالقرب من نهر بلْخ، لمنع الترك من تطرق شيء من حدود فارس، وكان ملكه مائة سنة، والله أعلم.
ونرجع الآن إلى:
ذكر أمر بني إسرائيلوالقوّام الذين كانوا بأمرهم بعد يوشع بن نون والأحداث التي كانت في عهد زوّ وكيقباذ
ولا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور الأمم السالفين من أمتنا وغيرهم أن القيّم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كال بو يوفنّا، ثم حِزْقيل بن بُوذي من بعده، وهو الذي يقال له ابن العجوز.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: إنما سمي حِزقيل بن بوزي ابن العجوز؛ أنها سألت الله الولد، وقد كبرت وعقِمت، فوهبه الله لها، فبذلك قيل له: ابن العجوز؛ وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب عليه السلام كما بلغنا: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَذَرَ الموْتِ " .
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل؛ أنه سمع وهب بن منبه يقول: أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاءٌ وشدة من الزمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد مِتنا فاسترحنا مما نحن فيه! فأوحى الله إلى حزقيل: إن قومك صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم ودّوا لو ماتوا فاستراحوا، وأيّ راحة لهم في الموت! أيظنون أني لا أقدر على أن أبعثَهم بعد الموت! فانطلقْ إلى جبانة كذا وكذا فإن فيها أربعة آلاف - قال وهب: وهم الذين قال الله تعالى: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حَذَرَ الموت " - فقم فيهم فنادهم، وكانت عظامهم قد تفرقت؛ فرّقتها الطير والسباع، فناداها حزقيل، فقال: يا أيتها العظام النخرة، إن الله عز وجل بأمرك أن تجتمعي. فاجتمع عظام كل إنسان منهم معاً، ثم نادى ثانية حزقيل فقال: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم جلداً، فكانت أجساداً، ثم نادى حزقيل الثالثة فقال: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك. فقاموا بإذن الله، وكبّروا تكبيرة واحدة.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمْذاني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارِهم وهمْ ألوفٌ حَذَرَ الموت فقال لهمُ الله موتوا ثم أحياهم " كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط، فوقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الآخرون، فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزَم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا! ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجنّ معهم. فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثين ألفاً، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيَح، فناداهم ملَك من أسفل الوادي، وآخر من أعلاه: أن موتوا، فماتوا حتى هلكوا، وبليت أجسادهم، فمر بهم نبيٌّ يقال له هزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم، ييلوي شِدقه وأصابعه، فأوحى الله إليه: يا هزقيل، أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وإنما كان تفكّره أنه تعجّب من قدرة الله عليهم، فقال: نعم، فقيل له: ناد، فنادى يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض؛ حتى كانت أجساداً من عظام، ثم أوحى الله أن ناد: يا أيتها العظام؛ إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فاكتست لحماً ودماً وثيابها التي ماتت فيها؛ وهي عليها، ثم قيل له: ناد، فنادى: يا أيتها الأجساد، إن الله بأمُرك أن تقومي، فقاموا.
حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، قال: فزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحْيوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت؛ فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنةُ الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوباً إلا عاد دسماً مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكّام، عن عنبسة، عن أشعث، عن سالم النّصري، قال: بينما عمر بن الخطاب يصلي ويهوديان خلفه، وكان عمر إذا أراد أن يركع خوّى، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: فلما انفتل عمر قال: أرأيت قول أحدكما لصاحبه: أهو هو؟ فقالا: إنا نجد في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما أعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله، فقال عمر: ما نجد في كتابنا حزقيل، ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى ابن مريم، فقالا: أما تجد في كتاب الله " ورسلاً لم نقصصهم عليك " ، فقال عمر: بلى، قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك أن نبي إسرائيل وقه فيهم الوباء، فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله، فبنوا عليهم حائطاً، حتى إذا بليت عظامُهم بعث الله حزقيل فقام عليهم، فقال: ما شاء الله! فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذَرَ الموت... " ، والآية.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: أن كالب بن يوفنّا لما قبضه الله بعد يوشع؟، خلف فيهم - يعني في بني إسرائيل - حزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكر الله في الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم كما بلغنا: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم... " الآية.
قال ابن حميد: قال سلمة قال ابن إسحاق: فبلغني أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فراراً مهن بعض الأوباء من الطاعون، أو من سُقْم كان يصيب الناس حذراً من الموت وهم ألوف، حتى إذا نزلوا بصعيد من البلاد قال لهم الله: موتوا، فماتوا جميعاً، فعمِد أهل تلك البلاد فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، ثم تركزهم فيها، وذلك أنهم كثروا عن أن يغيّبوا، فمرت بهم الأزمان والدهور، حتى صاروا عظاماً نخرة، فمر بهم حزقيل بن بوذي، فوقف عليهم، فتعجب لأمرهم، ودخلته رحمة لهم، فقيل له: أتحب التي قد رمّت وبليت، ليرجع كل عظم إلى صاحبه. فناداهم بذلك، فنظر إلى العظام تتواثب يأخذ بعضُها بعضاً، ثم قيل له: قل أيها اللحم والعصَب والجلد، اكسِ العظام بإذن ربك، قال فنظر إليها والعصب يأخذ العظام، ثم اللحم والجلد والأشعار، حتى استووا خلْقاً ليست فيهم الأرواح، ثم دعا لهم بالحياة، فتغشاه من السماء شيء كرَبَه، حتى غُشِيَ منه، ثم أفاق والقوم جلوس يقولون: سبحان الله فقد أحياهم الله! فلم يذكر لنا مدة مكْث حزقيل في بني إسرائيل.
الياس واليسع عليهما السلامولما قبض الله حزقيل كثرت الأحداث - فيما ذكر - في بني إسرائيل، وتركوا عهد الله الذي عهد إليهم في التوراة، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم فيما قيل: إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق: ثم إن الله عز وجل قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث، ونَسوا ما كان من عهدِ الله إليهم، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فِنْحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبياً؛ وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يُبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة. فكان إلياسُ مع ملِك من ملوك بني إسرائيل يقال له أحاب، وكان اسم امرأته أزبل، وكان يسمع منه ويصدّقه، وكان إلياس يقيم له أمرَه، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه من دون الله، يقال له: بَعْلِ. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: ما كان بعْل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد " وإن إلياسَ لمنَ المرسَلين إذ قال لقومه ألا تتقون " - إلى قوله: " الله ربكم وربَّ آبائكُمُ الأولين " - فجعل إلياس يدعوهم إلى الله، وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من ذلك الملك، الذي كان إلياس معه، يقوم له بأمره، ويراه على هدى من بين أصحابه يوماً يا إلياس، والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، والله ما أرى فلاناً وفلاناً فعد ملوكاً من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون ويتنعمون، مملَّكين، ما ينقص دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من فضل.
فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس استرجع وقام شعرُ رأسه وجلده، ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه؛ عَبَدَ الأوثان، وصنع ما يصنعون. فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، والعبادة لغيرك، فغيّر ما بهم من نعمتك. أو كما قال.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: ذكر لي أنه أوحى إليه: إنا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك؛ حتى تكون أنت الذي تأمر في ذلك. فقال إلياس: اللهمّ فأمسك عنهم المطر. فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدوابّ والهوامّ والشجر، وجَهِد الناس جهداً شديداً.
وكان إلياس - فيما يذكرون - حين دعا بذلك على بني إسرائيل قد استخفى شفقاً على نفسه منهم، وكان حيث ما كان وضع له رزق، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، فطلبوه، ولقي أهل ذلك المنزل منهم شرّاً. ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بني إسرائيل، لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب، به ضُرّ، فآوته وأخفت أمرَه، فدعا إلياس لابنها فعوفي من الضُرّ الذي كان به، واتبع اليسع فآمن به وصدّقه ولزمه، فكان يذهب معه حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكبِر، وكان اليسع غلاماً شاباً. فيزعمون - والله أعلم - أن الله أوحى إلى إلياس أنك قد هلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعصِ، سوى بني إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا بني إسرائيل من البهائم والدوابّ والطير والهوامّ والشجر، بحبس المطر عن بني إسرائيل. فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس قال: أي رب، دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به، وأكن أنا الذي آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك. قيل له نعم، فجاء إلياس إلى بني إسرائيل، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً، وهلكت البهائم والدوابّ والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وأنكم على باطل وغرور - أو كما قال لهم - فإنْ كنتم تحبون أن تعلموا ذلك وتعلموا أن الله عليكم ساخط فيما أنتم عليه، وأن الذي أدعوكم إليه الحق، فاخرُجوا بأصنامكم هذه التي تعبدون وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه؛ فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم، ودعوت الله ففرّج عنكم ما أنتم فيه من البلاء. قالوا: أنصفت، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إلى الله من أحداثهم التي لا يرضى، فدعوها فلم تستجب لهم. ولم تفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، حتى عرفوا ما هم فيه من الضلالة والباطل، ثم قالوا لإلياس: يا إلياس؛ إنا قد هلكنا، فادع الله لنا، فدعا لهم إلياس بالفرج مما هم فيه، وأن يُسقَوا، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله على ظهر البحر، وهم ينظرون، ثم ترامى إليه السحاب، ثم أدجنت، ثم أرسل الله المطر فأغاثهم، فحييت بلادُهم، وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، فلم ينزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه. فلما رأى ذلك إلياس من كفرهم دعا ربه أن يقبِضه إليه فيريحه منهم، فقيل له - فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى بلد كذا وكذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس، وخرج معه اليسع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد الذي ذكر له في المكان الذي أمر به أقبل فرسٌ من نار، حتى وقف بين يديه فوثب عليه، فانطلق به فناداه اليسع: يا إلياس، يا إلياس، ما تأمرني؟ فكان آخر عهدهم به، فكساه الله الريش وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار في الملائكة، فكان إنسياً مَلكياً أرضياً سمائياً.
ثم قام بعد إلياس بأمر بني إسرائيل - يعني في بني إسرائيل - بعده يعني بعد إلياس - اليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلفت فيهم الخلُوف، وعظمت فيهم الخطايا، وعندهم التابوت يتوارثونه كابراً عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فكانوا لا يلقاهم عدوّ فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزن الله ذلك العدو.
والسكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من بني إسرائيل رأس هرة ميتة، فإذا صرخَت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح.
ثم خلف فيهم ملِك يقال له إيلاف، وكان الله قد بارك لهم في جبلهم من إيليا، لا يدخله عليهم عدو، ولا يحتاجون معه إلى غيره، فكان أحدهم - فيما يذكرون - يجمع التراب على الصخرة، ثم ينبذ في الحب، فيخرج الله له ما يأكل منه سنة، وهو وعياله، ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكل؛ هو وعيالُه سنة، فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهد الله إليهم، نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استُلب من أيديهم، فأتى ملكهم إيلاف، فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب. فمالت عنقه فمات كمداًُ عليه، فمرج أمرهم بينهم واختلف ووطئهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم، فمكثوا على اضطراب من أمرِهم، واختلاف من أحوالهم يتمادون أحياناً في غيهم وضلالهم، فسلط الله عليهم من ينتقم به منهم، ويراجعون التوبة أحياناً فيكفيهم الله عند ذلك شر مَنْ بَغَاهم سوءاً؛ حتى بعث الله فيهم طالوت ملكاً، وردّ عليهم تابوت الميثاق.
وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون - التي كان أمر بني إسرائيل في بعضها إلى القضاة منهم والساسة، وفي بعضها إلى غيرهم ممن يقهرهم فيتملّك عليهم من غيرهم إلى أن ثبت الملك فيهم، ورجعت النبوة إليهم بشمويل بن بالي - أربعمائة سنة وستين سنة. فكان أولَ من سُلِّط عليهم غيما قيل رجل من نسل لوط، يقال له: كوشان، فقهرهم وأذلهم ثمانيَ سنين، ثم تنقّذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل بن قيس - فقام بأمرهم فيما قيل - أربعين سنة، سُلِّط عليهم ملك يقال له جعلون فملكهم ثمانيَ عشرة سنة، ثم تنقّذهم منه - فيما قيل - رجل من سبط بنيامين يقال له أهود بن حيرا الأشلّ اليمنى، فقام بأمرهم ثمانين سنة، ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين يقال له يا فين، فملكهم عشرين سنة، ثم تنقّذهم - فيما قيل - امرأة نبية من أنبيائهم يقال لها دبورا فدبر أمرهم - فيما قيل - رجل من قِبلها يقال له باراق أربعين سنة، ثم سُلط عليهم قوم من نسل لوط كانت لهم منازل في تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين، ثم تنقّذهم منهم رجل من ولد نفثالي بن يعقوب يقال له جدعون بن يواش، فدبر أمرهم أربعين سنة، ثم دبر أمرهم من بعد جدعون ابنه أبيملك بن جدعون ثلاث سنين، ثم دبرهم من بعد أبيملك تولغ بن فوا بن خال أبيملك. وقيل إنه ابن عمه - ثلاثاً وعشرين سنة، ثم دبر أمرهم بعد تولغ رجل من بني إسرائيل يقال له: ياثير اثنتين وعشرين سنة، ثم ملكهم بنو عمون، وهم قوم من أهل فلسطين ثمانيَ عشرة سنة، ثم قام بأمرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين، ثم دبرهم من بعده يجشون، وهو رجل من بني إسرائيل سنع سنين، ثم دبرهم بعده ألون عشر سنين، ثم من بعده كيرون - ويسميه بعضهم عكرون - ثماني سنين، ثم قهرهم أهل فلسطين وملوكهم أربعين سنة، ثم وليهم شمسون وهو من بني إسرائيل عشرين سنة، ثم بقوا بغير رئيس ولا مدبّر لأمرهم بعد شمسون - فيما قيل - عشر سنين، ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالي الكاهن، وفي أيامه غلب أهل غزّة وعسقلان على تابوت الميثاق، فلما مضى من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة، بعث سمويل نبياً فدبر شمويل أمرهم - فيما ذكر - عشر سنين. ثم سألوا شمويل حين نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم، أن يبعث لهم ملِكاً يجاهدون معه في سبيل الله، فقال لهم شمويل ما قد قصّ الله في كتابه العزيز.
ذكر خبر شمويل
ابن بالى بن علقمة بن يرخام بن اليهوا بن تهو بن صوف، طالوت وجالوت
كان من خبر شمويل بن بالى أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء، وأذلتهم الملوك من غيرهم، ووطئت بلادهم، وقتلوا رجالَهم، وسبوا ذراريّهم، وغلبوهم على التابوت الذي فيه السكينة والبقية مم اترك آل موسى وآل هارون، وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو، ورغبوا إلى الله عز وجل في أن يبعث لهم نبياً يقيم أمرهم.
فحدثني موسى بن هارون الهمدانيّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السديّ، في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت، وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتَهم، فكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه، وكان سِبْط النبوّة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حُبلى فأخذوها فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدِ له بغلام، لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقَها غلاماً، فولدت غلاماً فسمته سمعون، تقول: الله سمع دعائي. فكبر الغلام فأسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائها وتبناه فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً، أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأمن عليه أحداً غَيره فدعاه بلحن الشيخ: يا شمويل، فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ، فقال: يا أبتاه، دعوتني! فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بنيّ، ارجع فنم، فرجع الغلام فنام. ثم دعاه الثانية فلباه الغلام أيضاً، فقال: دعوتني! فقال ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل عليه السلام فقال: اذهب إلى قومك فبلّغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبيّاً. فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوّة ولم يألك وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً يقاتل في سبيل الله، آية من نبوتك، قال لهم سمعون: عسى إن كُتِبَ عليكم القتال ألاّ تقاتلوا.
قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا بأداء الجزية، فدعا الله فأتى بعصاً، تكون مقداراً على طول الرجل الذي يُبعث فيهم ملكاً، فقال: إن صاحبَكم يكون طوله طولَ هذه العصا، فقاسوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوت رجلاً سقّاء يستقي على حمار له، فضلّ حمارُه، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها؛ وقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعثَ لكم طالوتَ ملِكاً " قال القوم: ما كنت قطّ أكذبَ منك الساعة، ونحن من سِبْط المملكة، وليس هو من سِبْط المملكة، ولن يؤتَ أيضاً سعةً من المال فنتبعه لذلك، فقال النبي: " إن اللهَ اصطفاه عليكم وزادَه بَسْطةً في العلم والجسم " ، فقالوا: فأن كنت صادقاً فأتنا بآية أنّ هذا ملِك، قال: " إنّ آية مُلْكه أنْ يأتيكُمُ التابوتُ فيه سَكِينةٌ من ربّكم وبقيةٌ مما تَرَكَ أل موسى وأل هارون " .
والسكينة طِسْت من ذهب يُغسل فيها قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى، وفيها وضع الألواح، وكانت الألواح - فيما بلغنا - من در وياقوت وزبرجد، وأما البقية فإنها عصا موسى ورُضاضة الألواح، فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوّة سمعون، وسلّموا الملك لطالوت.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعتْه عند طالوت.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: نزلت الملائكة بالتابوت نهاراً ينظرون إليه عياناً، حتى وضعوه بين أظهرهم، قال: فأقرّوا غير راضين، وخرجوا ساخطين.
رجع الحديث إلى حديث السديّ، فخرجوا معه وهم ثمانون ألفاً، وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأساً يخرج يسير بين يدي الجند، ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي، فلما خرجوا قال لهم طالوت: " إن الله مبتليكم بنهرٍ فمَنْ شرب منه فليس منّي ومَنْ لم يَطعمْهُ فإنه منّي " وهو نهر فلسطين، فشربوا منه هيبةً من جالوت، فعَبر معه منهم أربعة آلاف ورجَع ستة وسبعون ألفاً، فمن شرب منه عطِش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روى، فلما جاوزه هو والذين أمنوا معه، فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضاً وقالوا: " لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجُنودِه قال الذين يظنّون أنهم ملاقوا الله " ، الذين يستيقنون " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين. فرجع عنه أيضاً ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص في ثلاثمائة وتسعة عشر عدة أهل بدر.
حدثني المثنّى، قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان لعيلى الذي ربى شمويل ابنان شابان، أحدثا في القُرْبان شيئاً لم يكن فيه كان مِسْوَط القُربان الذي كانوا يسوطونه به كلاّبَيْن، فما أخرجا كان للكاهن الذي يَسُوطه، فجعله ابناه كلاليب، وكانا إذا جاءت النساء يصلّين في القدس يتشبثان بهنّ. فبينما أشمويل نائم قبل البيت الذي كان ينام فيه عيلى إذ سمع صوتاً يقول: أشمويل! فوثب إلى عيلى فقال: لبيك، فقال: مالك دعوتني؟ قال: لا! ارجع فنم، فنام، ثم سمع صوتاً آخر يقول: أشمويل! فوثب إلى عيلى أيضاً، فقال: لبيك؛ مالك دعوتني؟ فقال: لم أفعل، ارجع فنم، فإن سمعت شيئاً فقل: " لبيك " مكانك، " مرْني فافعل " ، فرجع فنام فسمع صوتاً أيضاً يقول: أشمويل، فقال: لبيك، أنا هذا فمرني أفعل، قال: انطلق إلى عيلى، فقل له: منعه حُبّ الولد من ان يرجُر ابنيه أن يُحدثا في قدسي وقُرباني، وأن يعصياني، فلأنزعنّ منه الكهانة ومن ولده، ولأهلكنّه وإياهما، فلما أصبح سأله عيلى فأخبره، ففزِع لذلك فزعاً شديداً، فسار إليهم عدوٌّ ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو، فخرجا وأخرجا معهم التابوت الذي فيه الألواح وعصا موسى لينتصروا به. فلما تهيئوا للقتال هم وعدوهم جعل عيلى يتوقع الخبر: ماذا صنعوا؟ فجاءه رجل يخبره وهو قاعد على كرسيه: أنّ ابنيك قد قتلا، وأن الناس قد انهزموا، قال: فما فعل التابوت؟ قال: ذهب به العدو قال فشهِق ووقع على قفاه من كرسيه فمات، وذهب الذين سَبَوُا التابوت حتى وضعوه في بيت آلهتهم، ولهم صنم يعبدونه، فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه، فأصبح من الغد الصنم تحته، وهو فوق الصنم، ثم أخذوه فوضعوه فوقه، وسمّروا قدميه في التابوت، فأصبح من الغد قد قطعت يد الصنم ورجلاه، وأصبح ملقىً تحت التابوت، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء! فأخرجوه من بيت آلهتكم. فأخرجوا التابوت فوضعوه في ناحية من قريتهم، فأخذ أهل تلك الناحية التي وضعوا فيها التابوتَ وَجعٌ في أعناقهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جارية كانت عندهم من سني بني إسرائيل: لا تزالون تروْنَ ما تكرهون! ما كان هذا التابوت فيكم، فأخرجوه من قريتكم. قالوا: كذبت، قالت: إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتين، لهما أولاد لم يوضع عليهما نِيرٌ قطّ، ثم تضعوا وراءهما العجل، ثم تضعوا التابوت على العجل وتسيّروهما وتحبسوا أولادهما، فإنهما تنطلقان به مذعنتين، حتى إذا خرجتا من أرضكم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل كسرتا نِيَرهما، وأقبلتا إلى أولادهما، ففعلوا ذلك، فلما خرجتا من أرضهم ووقعتا في أدنى أرض بني إسرائيل، كسرتا تِيرهما وأقبلتا إلى أولادهما، ووضعتاه في خربة فيها حصاد من بني إسرائيل، ففزع إليه بنو إسرائيل، وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه أحد إلا مات، فقال لهم نبيهم أشمويل اعترضوا، فمن آنس من نفسه قوة فليدنُ منه، فعرضوا عليه الناس، فلم يقدِرْ أحد على أن يدنوَ منه؛ إلا رجلان من بني إسرائيل، أذن لهما بأنْ يحملاه إلى بيت أمهما، وهي أرملة، فكان في بيت أمهما، حتى مَلك طالوت، فصلُح أمر بني إسرائيل مع أشمويل. فقالت بنو إسرائيل لأشمويل ابعث لنا ملكاً يقاتل في سبيل الله، قال: قد كفاكم الله القتال، قالوا إنا نتخوّف مِنْ حولنا، فيكون لنا ملك نفزع إليه، فأوحى الله إلى أشمويل: أن ابعثْ لهم طالوت ملكاً وادهُنه بدهن القدس، فضلت حمر لأني طالوت، فأرسله وغلاماً له يطلبانها فجاءا إلى أشمويل يسألانه عنها، فقال إن الله قد بعثك ملكاً على بني إسرائيل، قال: أنا! قال: نعم، قال أو ما علمت أنّ سِبْطي أدنى أسباط بني إسرائيل! قال: بلى، قال: أفما علمت أن قبيلتي أدنى قبائل سِبْطي! قال: بلى، قال: أما علمت أن بيتي أدنى بيوت قبيلتي؟ قال: بلى، قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حُمرَه، وإذا كنت في مكان كذا وكذا نزل عليك الوحي. فدهنَه بدُهْن القدس، وقال لبني إسرائيل: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملِكاً قالوا أنى يكون له المُلْك علينا ونحن أحقُّ بالمُلك منه ولم يؤتَ سَعَةً من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسْطة في العلم والجسم " .
رجع الحديث إلى حديث السديّ، " ولما برزوا لجالوت وجنودِه قالوا ربّنا أفْرِغ علينا صبراً " فعبر يومئذ أبو داود فيمن عبر في ثلاثة عشر ابناً له، وكان داود أصغَر بنيه وإنه أتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه، ما أرمي بقذّافتي شيئاً إلا صرعته، قال: أبشر يا بني، إن الله قد جعل رزقك في قذّافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني، فإن هذا خيرٌ يعطيكه الله، ثم أتاه يوماً آخر، فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبّح فلا يبقى جبل إلا سبّح معي، فقال: أبشر يا بني، فإن هذا خيرٌ أعطاكه الله - وكان داود راعياً، وكان أبوه خلّفه يأتي إلى أبيه وإلى إخوته بالطعام - فأتى النبي عليه السلام بقرن فيه دُهن وتَنوّر من حديد، فبعث به إلى طالوت، قال: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه، فيغلي حتى يدّهن منه ولا يسيل على وجهه، ويكون على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا التنور فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل، فجرّبهم به فلم يوافقه منهم أحد، فلما فرَغوا قال طالوت لأبي داود: هلْ بقي لك ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم، بقي ابني داود، وهو يأتينا بطعام، فلما أتاه داود مرّ في الطريق بثلاثة أحجار فكلّمنه وقلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، قال: فأخذهنّ وجعلهن في مخلاته، وكان طالوت قد قال: مِنْ قتل جالوت زوّجته ابنتي، وأجربت خاتمه في ملكي، فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه، فغلى حتى ادّهن منه ولبس التنور فملأه، وكان رجلاً مسقاماً مصفارّاً، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه، فلما لبِسه داود تضايق التنّور عليه حتى تنقضّ، ثم مشى إلى جالوت، وكان جالوت من أجْسَم الناس وأشدَّهم، فلما نظر إلى داود قُذِفَ في قلبه الرعب منه، فقال له: يا فتى، ارجع فإني أرحمك أن أقتلك، فقال داود: لا بل أنا أقتلك. فأخرج الحجارة فوضعها في القَذّافة، كلما رفع منها حجراً سمّاه، فقال: هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل، ثم أدار القذّافة فعادت الأحجار حجراً واحداً، ثم أرسلَه فصكّ به بين عيني جالوت فنقبَتْ رأسه، ثم قتلته؛ فلم تزل تقتل كلّ إنسان تصيبه تنفذ فيه، حتى لم يكن بحيالها أحد، فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت، ورجع طالوت فأنكح داود ابنته، وأجرى خاتَمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه.
فلما رأى ذلك طالوت وجَد في نفسه وحسده، وأراد قتله، فعلم داود أنه يريده بذلك، فسجّى له زِقَّ خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود، فضرب الزقّ ضربة فخرقه، فسالت الخمر منه، فوقعت قطرة من خمر في فيه، فقال: يرحم الله داود، ما كان أكثر شَربه للخمرّ ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه، وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين، ثم نزل. فلما استيقظ طالوت بصُر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود، هو خيرٌ منّي، ظفرت به فقتلته وظفر بي فكفّ عني! ثم إنه ركب يوماً فوحدهُ يمشي في البريّة، وطالوت على فرس، فقال طالوت: اليوم أقتل داود - وكان داود إذا فزع لم يدرك - فركض على أثره طالوت، ففزع داود، فاشتدّ فدخل غاراً، فأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً، فلما انتهى طالوتُ إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت، فقال: لو كان دخل ها هنا لخرَق بيت العنكبوت، فخيّل إليه فتركه.
وطعن العلماء على طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحدٌ عن داود إلا قتله، وأغراه الله بالعلماء يقتلهم، فلم يكن يقدر في بني إسرائيل على عالم يُطيق قتله إلا قتله، حتى أُتِيَ بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر الخبّاز أن يقتلها، فرحمها الخباز، وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم. فتركها، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي، وينادي: أنشد الله عبداً علم أن لي توبةً إلا أخبرني بها! فلما أكثر عليهم ليالِيَ ناداه منادي من القبور: أن يا طالوت، أما ترضى أن قتلتنا أحياء حتى تؤذينا أمواتاً! فازداد بكاء وحزناً، فرحمه الخباز فكلمه فقال: مالك؟ فقال: هل تعلم لي في الأرض عالماً أسأله: هل لي من توبة؟ فقال له الخباز: هل تدري ما مثلُك؟ إنما مثلُك مثلُ ملِك نزل قريةً عشاء فصاح الديك، فتطير منه، فقال: لا تتركوا في القرية ديكاً إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى نُدْلِج، فقالوا له: وهل تركتَ ديكاً يُسمع صوته! ولكن هل تركتَ عالماً في الأرض! فازداد حزناً وبكاء، فلما رأى الخباز منه الجدّ، قال: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله! قال: لا، فتوثق عليه الخباز، فأخبره أن المرأة العالمة عنده، قال: انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟ وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت؛ إذا فنَيت رجالهم علمت النساء، فقال: إنها إن رأتك غُشِيَ عليها، وفزعتْ منك، فلما بلغ الباب خلّفه خلفه، ثم دخل عليها الخباز، فقال لها: ألستُ أعظم الناس منّة عليك؟ أنجيتكِ من القتل، وآويتك عندي. قالت: بلى، قال: فإن لي إليك حاجة، هذا طالوت يسألكِ: هل له من توبة؟ فغشي عليها من الفَرَق، فقال لها: إنه لا يريد قتلك، ولكن يسألك: هل له من توبة؟ قالت: لا، والله ما أعلم لطالوت توبةً، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبيّ؟ قالوا: نعم هذا قبر يوشع بن نون، فانطلقت وهما معها إليه، فدعتْ، فخرج يوشع بن نون ينفض رأسه من التراب، فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال: ما لكم؟ أقامت القيامة؟ قالت: لا، ولكن طالوت يسألك: هل له من توبة؟ قال يوشع: ما أعلم لطالوت من توبة إلا أن يتخلّى من ملكه، ويخرج هو وولده فيقاتلون بين يديه في سبيل الله، حتى إذا قُتِلوا شدّ هو فقُتل؛ فعسى أن يكون ذلك له توبة، ثم سقط ميتاً في القبر.
ورجع طالوت أحزنَ ما كان، رهبة ألا يتابعه ولده، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه، ونحَلَ جسمُه، فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشر رجلاً فكلّموه وسألوه عن حاله، فأخبرهم خبره، وما قيل له في توبته، فسألهم أن يغزوا معه، فجهزهم فخرجوا معه، فشدّوا بين يديه حتى قتلوا، ثم شدّ بعدهم هو فقتل، وملك داود بعد ذلك، وجعله الله نبياً، فذلك قوله عز وجل: " وآتاه الله الملك والحكمة " ؛ قيل: هي النبوة؛ أتاه نبوة شمعون وملك طالوت.
واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال بن ضرار بن بحرت بن أفيح بن أيش بن بنيامين ين يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وقال ابن إسحاق: كان النبي الذي بعث لطالوت من قبره حتى أخبره بتوبته اليسع بن أخطوب؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت من أولها إلى أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة.
ذكر خبر داودابن إيشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمى نادب بن رام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وكان داود عليه السلام - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبّه - قصيراً أزرق قليلَ الشعر، طاهر القلب نقيّه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن زيد في قول الله: " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت " إلى قوله: " والله عليم بالظالمين " قال: أوحى الله إلى نبيّهم أن في ولد فلان رجلاً يقتل الله به جالوت، ومن علامته هذا القرن يضعه على رأسه فيفيض ماء، فأتاه فقال: إن الله عز وجل أوحى إليّ أنّ في وَلَدك رجلاً يقتل الله به جالوت. فقال: نعم يا نبي الله، قال: فأخرج له اثني عشر رجلاً أمثال السواري وفيهم رجلاً بارع عليهم، فجعل يعرِضهم على القرْن فلا يرى شيئاً، فيقول لذلك الجسيم: ارجع، فيردده عليه، فأوحى الله إليه: إنا لا نأخذ الرجال على صُورهم، ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم، قال: يا رب، قد زعم أنه ليس له ولد غيره، فقال: كذب، فقال: إن ربي قد كذبك، وقال: إن لك ولداً غيرهم. قال: قد صدق يا نبي الله إن لي ولداً قصيراً استحييت أن يراه الناس فجعلته في الغنم، قال: فأين هو؟ قال: في شِعْب كذا وكذا، من جبل كذا وكذا، فخرج إليه فوجد الواديَ قد سال بينه وبين البقعة التي كان يريح إليها. قال: ووجده يحمل شاتين شاتين، يُجيزُ بهما السيل ولا يخوض بهما السيل. فلما رآه قال: هذا هو، لا شك فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم! قال: فوضع القرن على رأسه ففاض.
حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقِل، عن وهب بن منبّه قال: لما سلّمت بنو إسرائيل المُلك لطالوت، أوحى الله إلى نبي بني إسرائيل: أن قل لطالوت: فليغزُ أهلَ مدين، فلا يترك فيها حياً إلا قتله، فإني سأظهرُه عليهم، فخرج بالناس حتى أتى مدين، فقتل مَنْ كان فيها، إلا ملكهم فإنه أسره، وساق مواشيهم، فأوحى الله إلى أشمويل: ألا تعجبُ من طالوت إذ أمرته بأمري فاختل فيه، فجاء بملكهم أسيراً، وساق مواشيهم! فالقه فقل له: لأنزعنّ الملك من بيته، ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة، فإني إنما أكرم منْ أطاعني، وأهين من هان عليه أمري. فلقيه فقال له: ما صنعت! لم جئت بملكهم أسيراً، ولم سقت مواشيهم؟ قال: إنما سقت المواشي لأقرّبها، قال له أشمويل: إن الله قد نزع من بيتك المُلك ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة، فأوحى الله إلى أشمويل: انطلق إلى إيشى فيعرِض عليك بنيه، فادهُن الذي آمرك بدُهْن القدس، يكُنْ ملكاً على بني إسرائيل. فانطلق حتى أتى إيشى، فقال: اعرض عليّ بنيك، فدعا إيشى أكبرَ ولده، فأقبل رجل جسيم حسن المنظر، فلما نظر إليه أشمويل أعجبه، فقال: الحمد لله، إن الله بصير بالعباد! فأوحى الله إليه: إن عينيك تبصران ما ظهر، وإني أطّلع على ما في القلوب، ليس بهذا! فقال: ليس بهذا، اعرض علي غيره. فعرض عليه ستة، في كل ذلك يقول: ليس بهذا، اعرض علي غيره، فقال: هل لك من ولد غيرهم؟ فقال: بلى، لي غلام أمغر وهو راع في الغنم. قال: أرسل إليه، فلما أن جاء داود، جاء غلام أمغر؛ فدهنه بدُهن القدس، وقال لأبيه: اكتم هذا، فإن طالوت لو يطّلع عليه قتله. فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل فعسكر، وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر، وتهيئوا للقتال، فأرسل جالوت إلى طالوت: لم يُقتل قومي وقومُك؟ ابرُز لي، أو أبرِز لي من شئت، فإن قتلتُك كان الملك لي، وإن قتلتني كان الملك لك. فأرسل طالوت في عسكره صائحاً: من يبرز لجالوت! ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه، وما كان من طالوت إلى داود.
قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر بيان أن داود قد كان الله حوّل الملك له قبل قتله جالوت، وقبل أن يكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله، وأما سائر من روينا عنه قولاً في ذلك، فإنهم قالوا: إنما مَلك داود بعدما قتل طالوت وولده.
وقد حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - فيما ذكر لي بعض أهل العلم - عن وهب بن منبّه قال: لما قتل داودُ جالوت، وانهزم جنده قال الناس: قتل داود جالوت وخلع طالوت، وأقبل الناس على داود مكانه حتى لم يسمع لطالوت بذكْر.
قال: ولما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور، وعلّمه صنعة الحديد، وألانَه له، وأمر الجبال والطير أن يسبّحن معه إذا سبّح، ولم يعطِ الله - فيما يذكرون - أحداً من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور - فيما يذكرون - ترنو له الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، وإنها لَمُصِيخة تسمع لصوته، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته، وكان شديد الاجتهاد، دائب العبادة، كثير البكاء، وكان كما وصفه الله عز وجل لنبيه محمد عليه السلام فقال: " واذكر عبدنا داود ذا الأيدِ إنه أوّابٌ، إنا سخّرنا الجبال معه يسبّحن بالعَشيِّ والإشراق، يعني بذلك ذا القوة.
وقد حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أوّاب " ، وقال: أعطيَ قوة في العبادة، وفقهاً في الإسلام. وقد ذُكر لنا أن داود عليه السلام كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وكان يحرسه - فيما ذكر - في كل يوم وليلة أربعة آلاف.
حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: " وشددنا ملكَه " ، قال: كان يحرسُه كل يوم وليلة أربعة آلاف.
وذُكر أنه تمنى يوماً من الأيام على ربه منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه بنحو الذي كان امتحنهم، ويعطيَه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم.
فحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، قال: قال: السديّ: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه، ويوماً يخلو فيه لنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب، قال: يا رب أرى الخير كلّه قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم. قال: فأوحى الله إليه أن آباءك ابتُلوا ببلايا لم تبتل بها، ابتلي إبراهيم بذبح ابنه، وابتلي إسحاق بذهاب بصره، وابتُلي يعقوب بحزنه على ابنه يوسف، وإنك لم تبتل من ذلك بشيء. قال: يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به، وأعطني مثل ما أعطيتهم. قال: فأوحى الله إليه أنك مبتلىً فاحترس. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلّي، قال: فمد يده ليأخذه فتنحى فتبعه، فتباعدا حتى وقع في كُوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوة، فنظر أين يقع فيبعث في أثره، قال: فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلْقاً، فحانت منها التفاتة فأبصرته، فألقت شعرها فاستترت به، قال: فزاده ذلك فيها رغبة، قال: فسأل عنها فأخبِر أن لها زوجاً، وأن زوجها غائب بمسلَحة كذا وكذا، قال: فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث أهريا إلى عدوّ كذا وكذا. قال: فبعثه ففتح له، قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضاً: أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا، أشد منهم بأساً. قال: فبعثه ففتح له أيضاً، قال: فكتب إلى داود بذلك، قال: فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. قال: فبعثه، قال: فقتل المرّة الثالثة، قال: وتزوّج داود امرأته، فلما دخلتْ عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى بعث الله ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسوّرا عليه المحراب، قال: فما شعُر وهو يصلي إذا هو بهما بين يديه جالسين، قال: ففزع منهما، فقالا: لا تخف، إنما نحن " خصمان بغى بعضُنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط " يقول: لا تحِف، " واهدنا إلى سواء الصراط " إلى عدل القضاء. قال: قُصّا علي قصتكما، قال: فقال: أحدهما: " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " . فهو يريد أن يأخذ نعجتي، فيكمّل بها نعاجه مائة، قال: فقال للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعاً وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، فأنا أريد أن آخذها منه، فأكمّل بها نعاجي مائة، قال: وهو كاره! قال: وهو كاره، قال: إذاً لا ندعك وذاك، قال: ما أنت على ذلك بقادر! قال: فإن ذهبت تَرُوم ذلك أو تريد ذلك، ضربنا منك هذا وهذا - وفسّر أسباط طَرف الأنف والجبهة - فقال: يا داود، أنت أحق أن يُضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأهريا إلا امرأة واحدة. فلم تزل به تعرّضه للقتل حتى قُتِل، وتزوجت امرأته. قال: فنظر فلم ير شيئاً، قال: فعرف ما قد وقع فيه، وما ابتُلي به، قال: فخرّ ساجداً فبكى، قال: فمكث يبكي ساجداً أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها، ثم يقع ساجداً يبكي، ثم يدعو حتى نبت العُشب من دموع عينيه، قال: فأوحى الله إليه عز وجل إليه أربعين يوماً: يا داود، ارفع رأسك قد غفرتُ لك، فقال: يا رب، كيف أعلم أنك قد غفرتَ لي وأنت حكَمٌ عدل لا تحيف في القضاء؛ إذا جاء أهريا يوم القيامة آخذاً رأسه بيمينه أو بشماله تشخَبُ أوداجه دماً في قِبَل عرشك: يقول يا رب، سل هذا فيم قتلني! قال فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه، فيهبك لي فأثيبه بذلك الجنة. قال: رب الآن علمت أنك قد غفرت لي، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياءً من ربه حتى قبض.
حدثني علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عطاء الخراساني، قال: نقَش داود خطيئته في كفه لكيلا ينساها؛ فكان إذا رآها خفقت يده واضطربت.
وقد قيل: إن سبب المحنة بما امتُحن به، أن نفسه حدثته أنه يُطيق قطْع يوم من الأيام بغير مقارفة سوء، فكان اليوم الذي عرَض له فيه ما عرض، اليوم الذي ظن أنه يقطعه بغير اقتراف سوء.
ذكر من قال ذلك:
جدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن مطر، عن الحسن، أن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادته، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل؛ يذاكرهم ويذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل، ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يومٌ لا يصيب فيه ذنباً! فأضمر داود في نفسه أنه سيُطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلّق أبوابه، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكبّ على التوراة، فبينما هو يقرؤها إذا حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن، قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذَها، قال: فطارت فوقعت غير بعيد، من غير أن تؤئِسَه من نفسها، قال: فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه خَلْقها وحسنها، فلما رأت ظلّه في الأرض جلّلت نفسها بشعرها، فزاده ذلك أيضاً إعجاباً بها، وكان قد بعث زوجَها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا - مكان إذا سار إليه لم يرجع - قال: ففعل فأصيب، فخطبها فتزوّجها - قال: وقال قتادة بلغنا أنها أم سليمان - قال: فبينما هو في المحراب إذ تسوّر الملَكان عليه، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب، فقالوا: " لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض " حتى بلغ :ولا تُشطِطْ " أي ولا تملْ " واهدنا إلى سواء الصراط " أي أعدله وخيره، " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة " - وكان لداود تسع وتسعون امرأة - " ولي نعجة واحدة " قال: وإنما كان للرجل امرأةٌ واحدة " فقال أكفلنيها وعزّني في الخِطاب " ، أي ظلمني وقهرني. " قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه " - إلا " وظن داود " ، فعلم أنما أضمِر له، أي عُني بذلك، " فخرّ راكعاً وأناب " .
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثاً يذكر عن مجاهد، قال: لما أصاب داودَ الخطيئة، خر لله ساجداً أربعين يوماً، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطّى رأسه، ثم نادى: يا رب قرِح الجبين، وجمدت العين! وداود لم يُرجع إليه من خطيئته شيء. فنودي: أجائع فتطعَم؟ أم مريض فتُشفى؟ أم مظلوم فيُنتصر لك! قال: فنحِب نحْبةً هاج كل شيء كان نبت، فعند ذلك غُفِر له. وكانت خطيئته مكتوبة بكفه يقرؤها، وكان يؤتي بالإناء ليشرب فلا يشرب إلا ثُلثه أو نصفه، وكان يذكر خطيئته فينتحب النحبة تكاد مفاصله يزول بعضها عن بعض، ثم ما يتم شربه حتى يملأ الإناء من دموعه. وكان يقال: إن دمعة داود تعدل دمعة الخلائق، ودمعة أدم تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق. قال: وهو يجيء يوم القيامة خطيئته مكتوبة بكفّه فيقول: رب ذنبي ذنبي قدِّمْني! قال: فيقدَّم فلا يأمن، فيقول رب أخرني، قال: فيؤخر فلا يأمن.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فأهمّ، قطَع على بني إسرائيل بعثاً، فأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرّب فلاناً بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يَستنصر به من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش، فقُتل زوج المرأة، ونزل الملَكان على داود يقصّان عليه قصته، ففطن داود فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجداً، حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، وأكلت الأرض من جبينه، وهو يقول في سجوده - فلم أحص من الرقاشيّ إلا هؤلاء الكلمات: رب زلّ داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب! ربي إن لم ترحم ضُعف داود، وتغفر ذنبه جعلتَ ذنبه حديثاً في الخُلوف من بعده. فجاءه جبرائيل من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إن الله قد غفر لك الهمّ الذي هممتَ به، فقال داود: قد علمتُ أن الله قادر على أن يغفر ليَ الهم الذي هممتُ به، وقد عرفتُ أن الله عدْلٌ لا يمول، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة؛ فقال: يا رب دمي الذي عند داود! فقال جبرئيل: ما سألتُ ربك عن ذلك، ولئن شئت لأفعلن، قال: نعم، قال: فعرج جبرئيل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألتُ الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل له: يا داود، إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول: هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عِوَضاً.
ويزعم أهل الكتاب أن داود لم يزل قائماً بالملك بعد طالوت إلى أن كان من أمره وأمر امرأة أوريا ما كان، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها - فيما زعموا - واستخفّ به بنو إسرائيل، ووثب عليه ابن له يقال له إيشى، فدعا إلى نفسه فاجتمع إليه أهلُ الزيغ من بني إسرائيل، قالوا: فلما تاب الله على داود ثابتْ إليه ثائبة من الناس، فحارب ابنه حتى هزمه، ووجّه في طلبه قائداً من قواده، وتقدّم إليه أن يتوقى حتفه، ويتلطف لأسره، فطلبه القائد وهو منهزم، فاضطره إلى شجرة فركض فيها - وكان ذا جُمة - فتعلّق بعض أغصان الشجرة بشعرة فحبسه، ولحقه القائد فقتله مخالفاً لأمر داود، فحزِن داود عليه حزناً شديداً، وتنكر للقائد، وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون جارف، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم، فاستجيب لهم، فاتخذوا ذلك الموضع مسجداً، وكان ذلك - فيما قيل - لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه. وتوفي قبل أن يستتم بناءه، فأوصى إلى سليمان باستتمامه، وقتْل القائد الذي قتل أخاه، فلما دفنه سليمان نفّذ لأمره في القائد وقتله، واستتم بناء المسجد.
وقيل في بناء داود ذلك المسجد في ما حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثني إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبّه يقول: إن داود أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم؟ فبعث لذلك عُرفاء ونقباء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم، فعتب الله عليه ذلك، وقال: قد علمت أني وعدتُ إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلهم معدد نجوم السماء، وأجعلهم لا يحصى عددُهم، فأردتَ أن تعلم عدد ما قلت: إنه لا يحصى عددهم، فاختاروا بين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين، أو أسلّط عليكم العدو ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام! فاستشار داود في ذلك بني إسرائيل فقالوا: ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر، ولا بالعدو ثلاثة أشهر، فليس لهم بقية، فإن كان لا بدّ فالموت بيده ولا بيد غيره. فذكر وهب بن منبه أنه مات منهم في ساعة من نهار ألوف كبيرة لا يدرى ما عددهم، فلما رأى ذلك داود، شق عليه ما بلغه من كثرة الموت، فتبتل إلى الله ودعاه فقال: يا رب، أنا آكل الحُمّاض وبنو إسرائيل يَضرَسون! أنا طلبت ذلك فأمرتُ به بني إسرائيل، فما كان من شيء فبي واعف عن بني إسرائيل. فاستجاب الله له ورفع عنهم الموت، فرأى داود الملائكة سالّين سيوفهم يغمدونها، يرتقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يُبنى فيه مسجد، فأراد داود أن يأخذ في بنائه، فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس، وأنك قد صبغت يديك في الدماء، فلست ببانيه، ولكن ابنٌ لك أملّكه بعدك أسميه سليمان، أسلّمه من الدماء.
فلما ملك سليمان بناءه وشرّفه، وكان عمر داود - فيما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - مائة سنة.
وأما بعض أهل الكتب، فإنه زعم أن عمره كان سبعاً وسبعين سنة، وأن مدة ملكه كانت أربعين سنة.
ذكر خبر سليمان بن داود عليهما السلامثم ملك سليمان بن داود بعد أبيه داود أمر بني إسرائيل، وسخر الله له الجن والإنس والطير والريح، وآتاه مع ذلك النبوة وسأل ربه أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فاستجاب الله له فأعطاه ذلك وكان فيما حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن، حتى يجلس على سريره، وكان - فيما يزعمون - أبيض جسيماً وضيئاً، كثير الشعر يلبس من الثياب البياض، وكان أبوه في أيام ملكه بعد أن بلغ سليمان مبلغ الرجال يشاوره - فيما ذكر - في أموره. وكان من شأنه وشأن أبيه داود الحكم في الغنم التي نفشت في حرث القوم، الذين قص الله في كتابه خبرهم و خبرهما فقال: " وداود و سليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً " .
فحدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم، قالا: حدثنا المحاربي، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرْث إذ نفشت فيه غنم القوم " ، قال: كَرْم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرْم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله؟ قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرْم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرْم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرْم كما كان، دفعت الكرْم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها. فذلك قوله: " ففهّمناها سليمان " . وكان رجلاً غَزّاء لا يكاد يعقد عن الغزو، وكان لا يسمع بملِك في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يُذلّه. وكان فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - فيما يزعمون - إذا أراد الغزو أمر بعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد، أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملته حتى إذا استقلّت به أمر الرُّخاء فمرّ به شهراً في روْحته، وشهراً في غدوته إلى حيث أراد ويقول الله عز وجل: " فسخّرنا له الريحَ تجري بأمره رُخاءً حيث أصاب " ، أي حيث أراد، وقال الله: " ولسليمان الريحَ غُدُوُّها شهرٌ ورَواحُها شهرٌ " .
قال: وذكر لي أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه: كتاب كتبه بعض أصحاب سليمان، إما من الجن، وإما من الإنس: " نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه، غدوْنا من اصطخر فقلْناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله، فبائتون بالشام " .
قال: وكان - فيما بلغني - لتمرّ بعسكره الريح، والرُّخاء تهوى به إلى ما أراد، وإنها لتمرُّ بالمزرعة فما تحرّكها.
وقد حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، وسبعمائة سرّية، فأمر الريح العاصف فرفعته وأمر الرخاء فسيّرته، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أنى قد زدتُ في ملكك، أنه لا يتكلم أحدٌ من الخلائق إلا جاءت به الريح وأخبرتك.
حدثني أبو السائب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن داود يوضَع له ستمائة كرسيّ، ثم يجيء أشرافُ الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس، قال: ثم يدْعو الطير فتظلّهم، ثم يدعو الريح فتحملهم، قال: فتسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر.
ذكر ما انتهى إلينا من مغازي سليمان
عليه السلام
فمن ذلك غزوته التي راسل فيها بلقيس - وهي فيما يقول أهل الأنساب - يلمقة ابنة اليشرح - ويقول بعضهم: ابنة أيلى شرح، ويقول بعضهم: ابنة ذي شرح - بن ذي جَدَن بن أيلى شرح بن الحارث بن قيس بن صيفيّ بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم صارت إليه سِلْماً بغير حرب ولا قتال. وكان سبب مراسلته إياها - فيما ذكر - أنه فَقَد الهدهد يوماً في مسير كان يسيره، واحتاج إلى الماء فلم يعلم منْ حضره بُعْدَه، وقيل له علْم ذلك عند الهدهد، فسأل عن الهدهد فلم يجده وقال بعضهم: بل إنما سأل سليمان عن الهدهد لإخلاله بالنّوبة.
فكان من حديثه وحديث مسيره ذلك وحديث بلقيس، ما حدثني العباس بن الوليد الآمليّ، قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: حدثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني مجاهد، عن ابن عباس، قال: كان سليمان بن داود إذا سافر أو أراد سفراً قَعَد على سريره، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً، فيأذن للإنس، ثم يأذن للجنّ عليه بعد الإنس، فيكونون خلْف الإنس، ثم يأذن للشياطين بعد الجنّ فيكونون خلْف الجنّ، ثم يرسل إلى الطير فتظلّهم من فوقهم، ثم يرسل إلى الريح فتحملهم وهو على سريره، والناس على الكراسيّ فتسير بهم، غدوُّها شهر ورواحُها شهر، رخاء حيث أصاب، ليس بالعاصف ولا الليّن، وسطا بين ذلك. فبينما سليمان يسير - وكان سليمان اختار من كل طير طيراً؛ فجعله رأس تلك الطير، فإذا أراد أن يسائل شيئاً من تلك الطير عن شيء سأل رأسها - فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازةً فسأل عن بُعْد الماء ها هنا، فقال الإنس: لا ندري، فسأل الجنّ فقالوا: لا ندري، فسأل الشياطين، فقالوا: لا ندري، فغضب سليمان فقال: لا أبرح حتى أعلم كم بُعْد مسافة الماء ها هنا! فقالت له الشياطين: يا رسول الله لا تغضب، فإن يك شيئاً يُعلم فالهدهد يعلمه، فقال سليمان: عليّ بالهدهد، فلم يوجدْ، فغضب سليمان فقال: " ما ليّ لا أرى الهدهدَ أمْ كان من الغائبين، لأعذبنّه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه أو ليأتيَني بسلطانٍ مبينٍ " ، يقول: بعذر مبيّن لم غاب عن مسيري هذا؟ وكان عقابُه للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يستطيع أن يطير، ويكون من هوام الأرض إن أراد ذلك، أو يذبحه، فكان ذلك عذابه.
قال: ومر الهدهد على قصر بلقيس، فرأى بستاناً لها خلْف قصرها، فمال إلى الخضرة فوقع عليها، فإذا هو بهدهد لها في البستان، فقال هدهد سليمان: أين أنت عن سليمان؟ وما تصنع ها هنا؟ قال له هدهد بلقيس: ومن سليمان؟ فقال: بعث الله رجلاً يقال له سليمان رسولاً، وسخّر له الريح والجنّ والإنس والطير. قال: فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول! قال: أقول لك ما تسمع، قال: إن هذا لعجب، وأعجبُ من ذاك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة، " أوتيَت من كل شيءٍ ولها عرشٌ عظيم " ، جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس من دون الله. قال: وذكر الهدهد سليمان فنهض عنه، فلما انتهى إلى العسكر تلقّته الطير وقالوا: توعّدك رسول الله، فأخبروه بما قال. قال: وكان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه فلا يطير أبداً، فيصير من هوامّ الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً. قال: فقال: الهدهد: أو ما استثنى رسول الله؟ قالوا: بل قال: أو ليأتيني بعذر مبين، قال: فلما أتى سليمانَ، قال: ما غيّبك عن مسيري؟ قال: " أحطْت بما لم تُحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين " حتى بلغ " فانظر ماذا يرجعون " . قال: فاعتلّ له بشيء، وأخبره عن بلقيس وقومها وما أخبره الهدهد، فقال له سليمان: قد اعتللت، " سننظر أصدقْت أم كنت من الكاذبين، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم " ، قال: فوافقها وهي في قصرها، فألقى إليها الكتاب فسقط في حِجْرها أنه كتاب كريم، وأشفقت منه، فأخذته وألقت عليه ثيابها، وأمرت بسريرها فأخرج، فخرجت فقعدت عليه، ونادت في قومها؛ فقالت لهم: " يأيها الملأ إني أُلقيَ إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين " ولم أكن لأقطع أمراً حتى تشهدون، " قالوا نحن أولو قوةٍ وأولو بأسٍ شديد والأمر إليكِ فانظري ماذا تأمرين " - إلى - " وإني مرسلةٌ إليهم بهدية " ، فإن قبلها فهذا ملك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه وأقوى، وإن لم يقبْلها فهذا شيء من الله.
فلما جاء سليمان الهدية قال لهم سليمان: " أتمدّوننِ بمالٍ فما آتانيَ الله خيرٌ مما آتاكم " - إلى قوله: " وهم صاغرون " ، يقول: وهم غير محمودين. قال: بعثت إليه بخرزة غير مثقوبة، فقالت: اثقب هذه، قال: فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذاك، ثم سأل الجن فلم يكن عندهم علم ذاك، قال: فسأل الشياطين، فقالوا: ترسل إلى الأرَضة، فجاءت الأرَضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها فنقبتها بعد حين، فلما رجع إليها رسولها خرجت فزِعة في أول النهار من قومها وتبعها قومها. قال ابن عباس: وكان معها ألفَ قيْل.
قال ابن عباس: أهل اليمن يسمّون القائد قيْلاً، مع كل قَيْل عشرة آلاف. قال العباس: قال عليّ: عشرة آلاف ألف.
قال العباس: قال عليّ: فأخبرنا حصين بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: فأقبلت بلقيس إلى سليمان ومعها ثلاثمائة قَيْل واثنا عشر قَيْلاً، مع كل قيل عشرة آلاف.
قال عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس: وكان سليمان رجلاً مَهيباً لا يُبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يُسأل عنه، فخرج يومئذ فجلس على سريره، فرأى رهجاً قريباً منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس يا رسول الله، قال: وقد نزلت منا بهذا المكان! قال مجاهد: فوصف لنا ذلك ابن عباس فحزَرْته ما بين الكوفة والحيرة قدْر فرسخ، قال: فأقبل على جنوده فقال: " أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " الذي أنت فيه إلى الحين الذي تقوم إلى غدائك. قال: قال سليمان: من يأتيني به قبل ذلك؟ " قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفُك " ، فنظر إلى سليمان، فلما قطع كلامه ردّ سليمان بصره على العرش، فرأى سريرها قد خرج ونبع من تحت كرسيه، " فلما رآه مستقرّاً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر " إذ أتاني به قبل أن يرتد إليّ طرفي " أم أكفُر " إذ جعل من تحت يدي أقدَر على المجيء به منّي. قال: فوضعوا لها عرشها، قال: فلما جاءت قعدتْ إلى سليمان، قيل لها: " أهكذا عرشُكِ " ؟ فنظرت إليه فقالت: " كأنه هو " ! ثم قالت: لقد تركتُه في حصوني، وتركت الجنود محيطة به، فكيف جيء بهذا يا سليمان! إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرنيه، قال: سلي، قالت: أخبرْني عن ماء رواء، لا من سماء ولا من أرض - قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه بدأ فسأل الأنس عنه، فإن كان عند الإنس فيه علم وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم به سأل الشياطين: قال: فقالت له الشياطين: ما أهون هذا يا رسول الله! مُرِ الخيل فلتجْر ثم تملأ الآنية من عَرَقها، فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت. قالت: أخبرني عن لون الربّ. قال: قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره فخرّ ساجداً. قال العباس: قال عليّ: فأخبرني عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: صعِق فغُشي عليه، فخرّ عن سريره.
ثم رجع، إلى حديثه قال: فقامت عنه، وتفرّقت عنه جنوده، وجاءه الرسول فقال: يا سليمان، يقول لك ربك: ما شأنُك؟ قال: سألتني عن أمر يكابرني - أو يكابدني - أن أعيدَه، قال: فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتعقد عليه، وترسل إليها وإلى منْ حضرها من جنودها، وترسِل إلى جميع جنودك الذين حضروا فيدخلوا عليك فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه. قال: ففعل، فلما دخلوا عليه جميعاً، قال لها: عم سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء، لا من سماء ولا من أرض، قال: قلت لكِ: عرق الخيل، قالت: صدقت، قال: وعن أي شيء سألتِني؟ قالت: ما سألتك عن شيء غير هذا. قال: قال لها سليمان، فلأي شيء خررتُ عن سريري؟ قالت: قد كان ذاك لشيء لا أدري ما هو - قال العباس: قال عليّ: نسيتْه - قال: فسأل جنودها فقالوا مثل ما قالت، قال: فسأل جنوده من الإنس والجن والطير وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتك يا رسول الله إلا عن ماء رواء، قال: - وقد كان قال له الرسول: يقول الله لك: عدْ إلى مكانك فإني قد كفيتهم - قال: وقال سليمان: للشياطين: ابنوا لي صرْحاً تدخل عليّ فيه بلقيس، قال: فرجع الشياطين بعضُهم إلى بعض، فقالوا: سليمان رسول الله سخّر الله ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكِحها فتلد له غلاماً، فلا ننفكّ من العبودية أبداً.
قال: وكانت امرأة شَعراء الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنياناً ليرى ذلك منها، فلا يتزوجها، فبنوا له صرحاً من قوارير أخضر، وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنه الماء، وجعلوا في باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدوابّ في البحر من السمك وغيره، ثم أطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح، قال: فألقِي لسليمان كرسيّ في أقصى الصّرح، فلما دخله ورأى ما رأى أتى الكرسي، فقعد عليه، ثم قال: أدخلوا علي بلقيس، فقيل لها: ادخلي الصرح، فلما ذهبت تدخله رأت صورة السمك وما يكون في الماء من الدواب، فحسبته لُجّة - حسبته ماء - وكشفت عن ساقيها لتدخل، وكان شعرُ ساقيها ملتوياً على ساقيها، فلما رآها سليمان، ناداها - وصرف بصره عنها: إنه صرح ممرّد من قوارير، فألقت ثوبها فقالت: " رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " قال: فدعا سليمان الإنس فقال: ما أقبح هذا! ما يُذهب هذا؟ قالوا: يا رسول الله الموسى. قال: المواسي تقطع ساقي المرأة. قال: ثم دعا الجن فسألهم فقالوا: لا ندري، ثم دعا الشياطين فقالوا ما يُذهب هذا؟ قالوا مثل ذلك: الموسى، فقال: المواسي تقطع ساقي المرأة. قال: فتلكّؤوا عليه، ثم جعلوا له النُّورة - قال ابن عباس: فإنه لأول يوم رئيت فيه النورة - فاستنكحها سليمان.
حدثنا ابن حميد: قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب ابن منبه، قال: لما رجعتِ الرسل إلى بلقيس بما قال سليمان، قالت: قد والله عرفتُ ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئاً، وبعثت إليه أنّى قادمة عليك بملوك قومي حتى انظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك. ثم أمرت بسرير مُلْكها الذي كانت تجلس عليه - وكان من ذهب مفصّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ - فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت على الأبواب، وكانت إنما تخدُمها النساء، معها ستمائة امرأة تخدُمها. ثم قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبَلك، وسرير ملكي فلا يخلص إليه أحد ولا يرينّه حتى آتيك. ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيْل معها من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجن فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دنت جَمَع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يديه، فقال: " يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين " . قال: وأسلمتْ فحسُن إسلامها. قال: فزُعم أن سليمان قال لها حين أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلاً من قومك أوزّجكه، قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال، وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان لي! قال: نعم، إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك، فقالت، زوجني إن كان لا بد ذا تُبّع ملك همدان، فزوجه إياها، ثم ردها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبع ما استعملك لقومه. قال: فصنع لذي تبّع الصنائع باليمن، ثم لم يزل بها ملكاً يُعمل له فيها ما أراد؛ حتى مات سليمان بن داود عليه السلام.
فلما حال الحول وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم، فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجِن، إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديَكم. قال: فعمدت الشياطين إلى حجريْن عظيمين، فكتبوا فيهما كتاباً بالمسند: نحن بنينا سَلْحين، سبعة وسبعين خريفاً، دائبين، وبنينا صِرْواح ومراح وبَينون برحاضة أيْدين، وهندة وهنيدة، وسبعة أمجِلة بقاعة، وتلثوم برَيْدة، ولولا صارخ بتهامة، لتركنا بالبون إمارة.
قال: وسَلْحين وصِرْواح ومَراح وبَيْنون وهندة وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن، عملتها الشياطين لذي تبّع، ثم رفعوا أيديهم، ثم انطلقوا، وانقضى ملك ذي تُبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان بن داود عليهما السلام.
ذكر غزوته أبا زوجته
جرادة وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض العلماء، قال قال وهب بن منبّه: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر، يقال لها صيدون، بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس إليه سبيل، لمكانه في البحر، وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع منه شيء في برّ ولا بحر، إنما يركب إليه إذا ركب على الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها واستفاء ما فيها، وأصاب فيما أصاب ابنةٌ لذلك الملك لم يُر مثلُها حسناً وجمالاً، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة، وأحبّها حباً لم يحبه شيئاً من نسائه، ووقعت نفسُه عليها، فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنُها، ولا يرقأ دمعها، فقال لها، لما رأى ما بها وهو يشق عليه من ذلك ما يرى: ويحكِ ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ! قالت: إن أبي أذكرُه وأذكر ملكَه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك، قال: فقد أبدَلك الله به ملكاً هو أعظم من ملكه، وسلطاناً هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله، قالت: إن ذلك لكذلك؛ ولكني إذا ذكرتُه أصابني ما قد ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين، فصوّروا صورة أبي في داري التي أنا فيها، أراها بكرة وعشية لرجوت أن يُذهب ذلك حزني، وأن يسلّيَ عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشيطان، فقال: مثّلوا لها صورة أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئاً، فمثّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها في نفسه، إلا انه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه لها فأزّرته وقمّصته وعممتْه وردّته بمثل ثيابه التي كان يلبس، مثل ما كان يكون فيه من هيئة، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له، كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك، لا يعلم سليمان بشيء من ذلك أربعين صَباحاً، وبلغ ذلك آصف بن برخيا - وكان صديقاً، وكان لا يُرد عن أبواب سليمان أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل، حاضراً كان سليمان أو غائباً - فأتاه فقال: يا نبي الله، كبِرت سِني، ودق عظمي، ونفِذ عمري، وقد حان مني ذهاب! وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه مَنْ مضى من أنبياء الله، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناسَ بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيباً، فذكر مَنْ مضى من أنبياء الله، فأثنى على كل نبي بما فيه، وذكر ما فضّله الله به، حتى انتهى إلى سليمان وذكَره، فقال: ما كان أحلمَك في صغرك، وأورعَك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما يُكرَه في صغرك! ثم انصرف فوجَد سليمان في نفسه حتى ملأه غضباً، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف، ذكرت من مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيراً في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتَني جعلت تُثني عليّ بخيرٍ في صغري، وسكتّ عما سِوى ذلك من أمري في كِبَري، فما الذي أحدثتُ في آخر أمري؟ قال: إن غير الله ليُعبد في دارك منذ أربعين صباحاً في هوى امرأة، فقال: في داري! قال: في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! لقد عرفتُ أنك ما قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره فكسّر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتِيَ بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، ولا تمسّها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائباً إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد، فتمعّك فيه بثيابه تذللاً لله عز وجل وتضرّعاً إليه، يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، ويقول فيما يقول - فيما ذكر لي والله أعلم: رب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرَك، وأن يُقِرّوا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرَك! فلم يزلْ كذلك يومه حتى أمسى، يبكي إلى الله ويتضرّع إليه ويستغفره، ثم رجع إلى داره - وكانت أم ولد له يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبَه، أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهّر، وكان لا يمسّ خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكُه في خاتمه، فوضعه يوماً من تلك الأيام عندها كما كان يضعه. ثم دخل مذهبه وأتاه
الشيطان صاحب البحر - وكان اسمه صخراً - في صورة سليمان لا تنكر منه شيئاً، فقال: خاتَمي يا أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكَفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة، وقد غُيّرت حالته وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة، خاتَمي! فقالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، فقالت: كذبتَ، لست بسليمان بن داود، وقد جاء سليمان فأخذ خاتَمه، وهو ذاك جالس على سريره في ملكه. فعرف سليمانُ أن خطيئته قد أدركته، فخرج يقَف على الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثّون عليه الترابَ ويسبّونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون، أي شيء يقول! يزعم أنه سليمان بن داود. فلما رأى سليمان ذلك عمَد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيُعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى، فأكلَها، فمكث بذلك أربعين صباحاً، عِدّة ما عُبِد ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حُكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين صباحاً، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت! قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهنّ: هل أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل على نسائه فقال: ويحكنّ! هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشدُّه ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج إلى بني إسرائيل، فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامّة، فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشيّ أعطاه سمكتيه، فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، ثم خرج سليمان بسمكتيه فيبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويَها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده ووقع ساجداً لله، وعكَفَ عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه، وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني به، فطلبتْه له الشياطين حتى أخذوه، فأتى به، فجاب له صخرة، فأدخله فيها، ثم سد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر.ن صاحب البحر - وكان اسمه صخراً - في صورة سليمان لا تنكر منه شيئاً، فقال: خاتَمي يا أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكَفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة، وقد غُيّرت حالته وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة، خاتَمي! فقالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، فقالت: كذبتَ، لست بسليمان بن داود، وقد جاء سليمان فأخذ خاتَمه، وهو ذاك جالس على سريره في ملكه. فعرف سليمانُ أن خطيئته قد أدركته، فخرج يقَف على الدار من دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثّون عليه الترابَ ويسبّونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون، أي شيء يقول! يزعم أنه سليمان بن داود. فلما رأى سليمان ذلك عمَد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيُعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى، فأكلَها، فمكث بذلك أربعين صباحاً، عِدّة ما عُبِد ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حُكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين صباحاً، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت! قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهنّ: هل أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرنا في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل على نسائه فقال: ويحكنّ! هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشدُّه ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج إلى بني إسرائيل، فقال ما في الخاصة أعظم مما في العامّة، فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، وبصر بعض الصيادين فأخذها وقد عمل له سليمان صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشيّ أعطاه سمكتيه، فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، ثم خرج سليمان بسمكتيه فيبيع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويَها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده ووقع ساجداً لله، وعكَفَ عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس وعرف أن الذي دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه، وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني به، فطلبتْه له الشياطين حتى أخذوه، فأتى به، فجاب له صخرة، فأدخله فيها، ثم سد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله: " ولقد فتنّا سليمان وألقينا على كرسيّه جسداً " ، قال: الشيطان جسداً " ، قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوماً، قال: كان لسليمان مائة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وأمنهن عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولا يأتمن عليه أحداً من الناس غيرها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضيَ له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتُلي فأعطاها خاتمه، ودخل المحرج فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا، وخرج من مكانه تائهاً، قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً. قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، وجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان، فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه! قال: فبكى النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوْه، فأحدقوا به ثم نشروا فقرؤوا التوراة، قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر، قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتد جوعه، فاستطعمه من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضُهم فضربه بعصاً فشجّه، قال: فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبَهم الذي ضربه وقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته! قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد ضُرب عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتى قام على شطّ البحر، فشقّ بطونهما، وجعل يغسلهما، فوجد خاتَمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه ومُلكه، وجاءت الطير حتى حامتْ عليه، فعرف القومُ أنه سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عُذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه.
قال: فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به، وسُخّرت له الريح والشياطين يومئذ، ولم تكن سُخّرت له قبل ذلك، وهو قوله: " وهبْ لي مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهّاب " .
وبعث إلى الشيطان فأتى به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقُفل، وختم عليه بخاتَمه، ثم أمر به فألقِيَ في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق.
قال أبو جعفر: ثم لبث سليمان بن داود في ملكه بعد أن ردّه الله إليه، تعمل له الجن ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وغير ذلك من أعماله، ويعذّب من الشياطين من شاء، ويطلق من أحبّ منهم إطلاقه، حتى إذا دنا أجله، وأراد الله قبضه إليه، كان من أمره - فيما بلغني - ما حدثني به أحمد بن منصور قال: حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة قال حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان سليمان نبي الله إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غُرِست، إن كانت لدواء كتبت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخُرّوب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عمّ على الجن موتى حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصاً، فتوكأ عليها حولاً ميتاً، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فسقط، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.
قال: وكان ابن عباس يقرؤها " حولاً في العذاب المهين " قال: فشكرت الجن الأرضة، فكانت تأتيها بالماء.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السديّ في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس 0وعن مرة الهمذاني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يومُ يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول لها: لأي شيء نبتّ؟ فتقول نبتّ لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء قالت: نبتّ دواء لكذا وكذا، فيجعلها لذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال: ولأي شيء نبتّ؟ قالت: نبتّ لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه فمات، ولا تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حولَ المحراب، وكان المحراب له كوىً بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق - ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق ونظر إلى سليمان قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، ووجدوا مِنْسأته - وهي العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرَضة على العصا، فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود: " فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً " ، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذاك في قول الله عز وجل: " ما دلّهم على موته إلا دابّة الأرض " - إلى قوله - " في العذاب المُهين " يقول: بيّن أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم. ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين. قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين شكراً لها! وكان جميع عمر سليمان بن داود فيما ذكر نيفاً وخمسين سنة، وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر.
؟؟
ذكر من ملك إقليم بابل والمشرق
من ملوك الفرس بعد كيقباذ
قال أبو جعفر: ونرجع الآن إلى الخبر عمّن ملك إقليم بابل والمشرق من ملوك الفرس بعد كيقباذ.
وملك بعد كيقباذ بن زاغ بن يوجياه كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ الملك. فذُكر أنه قال يوم مَلَكَ: إن الله تعالى إنما خَوّلنا الأرض وما فيها لنسعى فيها بطاعته، وأنه قتل جماعة من عظماء البلاد التي حولَه، وحمى بلاده ورعيّته ممن حواليهم من الأعداء أن يتناولوا منها شيئاً، وأنه كان يسكن بَلْخ، وأنه وُلد له ابن لم يُر مثله في عصره في جماله وكماله وتمام خلْقه، فسمّاه سياوخش، وضمّه إلى رستم الشديد بن دستان بن بريمان بن جودنك بن كرشاسب بن أثرط بن سهم بن نريمان.
وكان إصبهبذ سِجِسْتان وما يليه من قِبَله يربّيه ويكفلُهُ، وأوصاه به فأخذه منه رستم، فمضى به معه إلى موضع عمله سِجِسْتان، فرباه رستَم ولم يزل في حِجره يجمع له وهو طفلٌ الحواضن والمرضعات، ويتخيرهنّ له، حتى إذا ترعرع جمع له المعلّمين، فتخيّر له منهم من اختاره لتعليمه، حتى إذا قدَر على الركوب علّمه الفروسية حتى إذا تكاملت فيه فنون الآداب، وفاق في الفروسية قدم به على والده رجلاً كاملاً، فامتحنه والده كيقاوس، فوجده نافذاً في كلّ ما أراد بارعاً، فسُرّ به، وكان كيقاوس تزوج - فيما ذكر - ابنة فراسياب ملك الترك، وقيل: بل إنها بنتُ ملك اليمن، وكان يقال لها سوذابة، وكانت ساحرةً، فهويت سياوخش، ودعته إلى نفسها، وأنه امتنع عليها، وذكرتْ لها ولسياوخش قصة يطول بذكرها الكتاب، غير أن آخر أمرهما صار في ذلك - فيما ذكر لي - أن سوذابة لم تزل لما رأت من امتناع سياوخش عليها فيما أرادت منه من الفاحشة بأبيه كيقاوس حتى أفسدته عليه، وتغيّر لابنه سياوخش، فسأل سياوخش رستم أن يسأل أباه كيقاوس توجيهه لحرب فراسياب لسبب منعه بعض ما كان ضمن له عنه إنكاحه ابنته إياه، وصلْح جرى بينه وبينه، مريداً بذلك سياوخش البُعْد عن والده كيقاوس، والتنحي عما تكيد به عنده زوجته سوذابة، ففعل ذلك رستم، واستأذن له أباه فيما سأله، وضم إليه جنداً كثيفاً، فشخص إلى بلاد الترك للقاء فراسياب، فلما صار إليه سياوَخش، جرى بينهما صلح، وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يعلمه ما جرى بينه وبين فراسياب من الصلْح، فكتب إليه والده يأمره بمناهضة فراسياب ومناجزته الحرب، إن هو لم يُذْعن له بالوفاء بما كان فارقه عليه، فرأى سياوخش أم في فعله ما كتب به إليه أبوه من محاربة فراسياب بعد الذي جرى بينه وبينه من الصلح والهدنة من غير نقض فراسياب شيئاً من أسباب ذلك عليه عاراً ومنقصة ومأثماً، فامتنع من إنفاذ أمر أبيه في ذلك، ورأى في نفسه أنه يؤتَى في كل ذلك من زوجة أبيه التي دعته إلى نفسها فامتنع عليها، ومال إلى الهرب من أبيه، فراسل فراسياب في أخذ الأمان لنفسه منه، واللحاق به، وترك والده، فأجابه فراسياب إلى ذلك - وكان السفير بينهما في ذلك - فيما قيل - رجلاً من الترك من عظمائهم يقال له: فيران بن ويسغان - فلما فعل ذلك سياوخش انصرف عنه مَنْ كان معه من جند أبيه كيقاوس.
فلما صار سياوخش إلى فراسياب بوّأه وأكرمه وزوّجه ابنة له يقال لها: وسفافريد، وهي أم كيخسرونَه، ثم لم يزل مُكْرِماً حتى ظهر له أدب سياوخش وعقله وكماله وفروسيته ونجْدته ما أشفق على ملكه منه، فأفسده ذلك عنده، وزاده فساداً عليه سعيُ ابنين له وأخ يقال له: كندر بن فشنجان عليه بإفساد أمر سياوخش عنده، حسداً منهم له، وحذراً على ملكهم منه، حتى مكّنهم من قتله، فذكر في سبب وصولهم إلى قتله أمرٌ يطول بشرحه الخطْب، إلا أنهم قتلوه ومثّلوا به وامرأته ابنة فراسياب حامل منه بابنه كيخسرونه، فطلبوا الحيلة لإسقاطها ما في بطنها فلم يسقط، وأن فيران الذي سعى في عقد الصلح بين فراسياب وسياوخش لما صح عنده ما فعل فراسياب من قتله سياوخش، أنكر ذلك من فعله، وخوّفه عاقبة الغدر، وحذّره الطلب بالثأر من والده كيقاوس ومن رستَم، وسأله دفع ابنته وسفافريد إليه لتكون عنده إلى أن تضع ما في بطنها ثم يقتله.
ففعل ذلك فراسياب، فلما وضعت رقّ فيران لها وللمولود، فترك قتله وستر أمره، حتى بلغ المولود، فوجّه - فيما ذكر - كيقاوس إلى بلاد الترك بيّ بن جوذرز، وأمره بالبحث عن المولود الذي ولدته زوجة ابنه سياوخش، والتأنّي لإخراجه إليه، إذا وقف على خبرِه مع أمه، وأن بيّاً شخَص لذلك؛ فلم يزل يفحص عن أمر ذلك المولود، متنكراً حيناً من الزمان فلا يُعرف له خبر، ولا يدلّه عليه أحد.
ثم وقف بعد ذلك على خبره، فاحتال فيه وفي أمه حتى أخرجهما من أرض الترك إلى كيقاوس، وقد كان كيقاوس - فيما ذكر - حين اتصل به قتلُ ابنه أشخص جماعة من رؤساء قواده؛ منهم رستَم بن دستان الشديد، وطوس بن نوذران، وكانا ذوَي بأس ونجدة، فأثخنا الترك قتلاً وأسراً، وحاربا فراسياب حرباً شديدة وأن رستم قتل بيده شهر وشهرة ابني فراسياب وأن طوساً قتل بيده كندر أخا فراسياب.
وذكر أن الشياطين كانت مسخرة لكيقاوس، فزعم بعضُ أهل العلم بأخبار المتقدمين أن الشياطين الذين كانوا سُخّروا له إنما كانوا يُطيعونه عن أمر سليمان بن داود إياهم بطاعته، وأن كيقاوس أمر الشياطين فبنوا له مدينة سماها كنكدر، ويقال قيقذون؛ وكان طولها - فيما زعموا - ثمانمائة فرسخ، وأمرهم فضربوا عليها سوراً من صُفر، وسوراً من شَبَه، وسوراً من نحاس، وسوراً من فخار، وسوراً من فضة، وسوراً من ذهب. وكانت الشياطين تنقلها ما بين السماء والأرض وما فيها من الدواب والخزائن والأموال والناس. وذكروا أن كيقاوس كان لا يُحدث وهو يأكل ويشرب.
ثم إن الله تعالى بعث إلى المدينة التي بناها كذلك مَنْ يُخْرّبها، فأمر كيقاوس شياطينه بمنع من قصد لتخريبها، فلم يقدروا على ذلك، فلما رأى كيقاوس الشياطين لا تطيق الدفع عنها، عطف عليها، فقتل رؤساءها. وكان كيقاوس - فيما ذكر - مظفّراً لا يناوئه أحدٌ من الملوك إلا ظفر عليه وقهره، ولم يزل ذلك أمرُه حتى حدثته نفسُه - لما كان من العز والملك وأنه لا يتناول شيئاً إلا وصل إليه - بالصعود إلى السماء.
فحدثت عن هشام بن محمد أنه شخص من خراسان حتى نزل بابل، وقال: ما بقي شيء من الأرض إلا قد ملكتُه، ولا بد من أن أعرف أمر السماء والكواكب وما فوقها، وأن الله أعطاه قوة ارتفع بها ومَنْ معه في الهواء حتى انتهوا إلى السحاب، ثم إن الله سلبَهم تلك القوة فسقطوا فهلكوا، وأفلت بنفسه وأحدث يومئذ، وفسَد عليه ملكه، وتمزّقت الأرض، وكثرت الملوك في النواحي، فصار يغزوهم ويغزونه، فيظفر مرة ويُنْكَبُ أخرى.
قال: فغزا بلاد اليمن - والملك بها يومئذ الأذعار بن أبرهة ذي المنار ابن الرائش - فلما ورد بلاد اليمن خرج عليه ذو الأذعار بن أبرهة وكان قد أصابه الفالج؛ فلم يكن يغزو قبل ذلك بنفسه. قال: فلما أظله كيقاوس ووطئ بلاده في جموعه خرج بنفسه في جموع حِميْر وولد قحطان، فظفر بكيقاوس، فأسره، واستباح عسكره، وحبسه في بئر، وأطبق عليه طبقاً. قال: وخرج من سجستان رجل يقال له رستم، كان جباراً قوياً فيمن أطاعه من الناس. فزعمت الفرس أنه دخل بلاد اليمن، واستخرج قبوس من محبسه وهو كيقاوس. قال: وزعم أهلُ اليمن أنه لما بلغ ذا الأذعار إقبال رستم خرج إليه في جنوده وعدد، وخندق كل واحد منهما على عسكره، وأنهما أشفقا على جنديهما من البوار، وتخوفا إن تزاحفا إلا تكون لهما بقية، فاصطلحا على دفع كيقاوس إلى رستم، ووضع الحرب، فانصرف رستم بكيقاوس إلى بابل، وكتب كيقاوس لرستم عتقاً من عبودة الملك، وأقطعه سجستان وزابُلستان، وأعطاه قلنسوة منسوجة بالذهب وتوّجه، وأمر أن يجلس على سرير من فضة، قوائمه من ذهب، فلم تزل تلك البلاد بيد رستم حتى هلك كيقاوس وبعده دهراً طويلاً.
قال: وكان ملكه مائة وخمسين سنة.
وزعم علماء الفرس أن أول من سوّد لباسه على وجه الحداد شادوس بن جودرز على سياوخش، وأنه فعل ذلك يوم وَرَدَ على كيقاوس نعْيُ ابنه سياوخش وقتْل فراسياب إياه، وغدره به، وأنه دخل على كيقاوس، وقد لبس السواد، فأعلمه أنه فعل ذلك لأن يومه يوم إظلام وسواد.
وقد حقق ما ذكر ابن الكلبي من أسْر صاحب اليمن قابوس الحسن بن هانئ في شعر له فقال:
وقاظَ قابوسُ في سلاسلنا ... سنين سبعاً وقت لحاسِبِها
ثم ملك من بعد كيقاوس ابن ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيقباذ.
وكان كيقاوس حين صار به وبأمه وسفافريد ابنه فراسياب - وربما قيل وسففره - بيّ بن جوذرز إليه من بلاد الترك، وملّكه، فلما قام بالملك بعد جدّه كيقاوس، وعقد التاج على رأسه خطب رعيته خطبة بليغة، أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب التركي، ثم كتب إلى جوذرز الأصبهبذ - كان - بأصبهان ونواحي خراسان - يأمره بالمصير إليه، فلما صار أعلمه ما عزم عليه من الطلب بثأره من قتْل والده، وأمره بعرض جُنده، وانتخاب ثلاثين ألف رجل منهم، وضمّهم إلى طوس بن نوذران، ليتوجّه بهم إلى بلاد الترك، ففعل ذلك جوذرز، وضمّهم إلى طوس، وكان فيمن أشخص معه برزافره بن كيقاوس، عم كيخسرو وبيّ بن جوذرز، وجماعة كثيرة من إخوته، وتقدم كيخسرو إلى طوس؛ أن يكون قصده لفراسياب وطراخنته، وألا يمر بناحية من بلاد الترك، وكان فيها أخ له يقال له فروذ بن سياوخش، من امرأة يقال لها برزا فريد، كان سياوخش تزوجها في بعض مدائن الترك أيام سار إلى فراسياب، ثم شخص عنها وهي حُبلى، فولدت فروذ فأقام بموضعه، إلى أن شب فغلط في أمر فروذ - فيما قيل - وذلك أنه لما صار بحِذاء المدينة التي كان فيها فروذ هاج بينه وبينه حربٌ ببعض الأسباب، فهلك فروذ فيها، فلما اتصل خبرُه بكيخسرو كتب إلى برزافره عمّه كتاباً غليظاً، يعلِمه فيه ما ورد عليه من خبر طوس بن نوذران ومحاربته فروذ أخاه، وأمره بتوجيه طوس إليه مقيّداً مَغلولاً، وتقدّم إليه في القيام بأمر العسكر والنفوذ به لوجهه، فلما وصل الكتاب إلى برزافره، جمع رؤساء الأجناد والمقاتلة، فقرأه عليهم، وأمر بغلّ طوس وتقييده، ووجّهه مع ثقات من رسله إلى كيخسرو، وتولى أمر العسكر، وعبر النهر المعروف بكاسبروذ، وانتهى الخبر إلى فراسياب، فوجّه إلى برزافره جماعة من إخوته وطراخنته لمحاربته، فالتقوا بموضع من بلاد الترك يقال له واشن، وفيهم فيران بن ويسغان وإخوته طراسيف بن جوذرز صهر فراسياب، وهماسف بن فشنجان، وقاتلوا قتالاً شديداً، وظهر من برزافره في ذلك اليوم فشلٌ لما رأى من شدّة الأمر وكثرة القتلى، حتى انحاز بالعلَم إلى رؤوس الجبال واضطرب على ولد جوذرز أمرُهم، فقتل منهم في تلك الملحمة في وقعة واحدة سبعون رجلاً، وقُتِل من الفريقين بشرٌ كثير، وانصرف برزافره ومن كان معه إلى كيخسرو، وبهم من الغمّ والمصيبة ما تمنوا معه الموت، فكان خوفهم من سطوة كيخسرو أشد، فلما دخلوا على كيخسرو أقبل على برزافره بلائمة شديدة، وقال: أتيتم في وجهكم لترككم وصيتي ومخالفة وصية الملوك، تورد مورد السوء، وتورِث الندامة، وبلغ ما أصيبوا به من كيخسرو حتى رئيت الكآبة في وجهه، ولم يلتذ طعاماً ولا نوماً. فلما مضت لموافاتهم أيام أرسل إلى جوذرز فلما دخل عليه أظهر التوجّع له، فشكا إليه جوذرز برزافره، وأعلمه أنه كان السبب للهزيمة بالعلم وخذلانه ولده، فقال له كيخسرو: إن حقك بخدمتك لآبائنا لازم لنا، وهذه جنودنا وخزائننا مبذولة لك في مطالبة ترتِكَ، وأمره بالتهيؤ والاستعداد والتوجه إلى فراسياب، والعمل في قتله وتخريب بلاده، فلما سمع جوذرز مقالة كيخسرو نهض مبادراً فقبّل يده، وقال: أيها الملك المظفّر، نحن رعيتك وعبيدك، فإن كانت آفة أو نازلة، فلتكن بالعبيد دوم ملوكها، وأولادي المقتولون فداؤك، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاشتفاء من مملكة الترك، فلا يغمنّ الملك ما كان، ولا يَدَ عنّ لهوه؛ فإن الحرب دُوَل، وأعلمه أنه على النفوذ لأمره. وخرج من عنده مسروراً.
فلما كان من الغد أمر كيخسرو أن يدخل عليه رؤساء أجناده والوجوه من أهل مملكته، فلما دخلوا عليه أعلمهم ما عزم عليه من محاربة الأتراك، وكتب إلى عمّاله في الآفاق يُعلمهم ذلك، ويأمر بموافاتهم في صحراء تُعرف بشاه أسطون، من كُوره بلْخ، في وقت وقّته لهم. فتوافت رؤساء الأجناد في ذلك الموضع، وشخص إليه كيخسرو بإصبهبذته وأصحابهم، وفيهم برزافره عمّه وأهل بيته، وجوذرز وبقية ولده. فلما تكاملت الملحمة، واجتمعت المرزابة، تولى كيخسرو بنفسه عرْض الجند حتى عرف مبلغهم، وفهم أحوالهم، ثم دعا بجوذرز بن جشوادغان، وميلاذ بن جرجين وأغص بن بهذان - وأغص ابن وصيفة كانت لسياوخش، يقال لها: شوماهان - فأعلمهم أنه قد أراد إدخال العساكر على الترك من أربعة أوجه، حتى يحيطوا بهم برّاً وبحراً، وأنه قد قوّد على تلك العساكر، وجعل أعظمها إلى جوذرز، وصيّر مدخله من ناحية خراسان، وجعل فيمن ضم إليه برزافره عمه وبيّ بم جوذرز وجماعة من الأصبهبذين كثيرة، ودفع إليه يومئذ العلَم الأكبر الذي كانوا يسمّونه درفش كابيان، وزعموا أن ذلك العلَم لم يكن دفعه أحد من الملوك إلى أحد من القوّاد قبل ذلك، وإنما كانوا يسيّرونه مع أولاد الملوك إذا وجّهوهم في الأمور العظام. وأمر ميلاذ بالدخول مما يلي الصين، وضمّ إليه جماعة كثيرة دون مَنْ ضمّ إلى جوذرز، وأمر أغص بالدخول من ناحية الخزر في مثل مَنْ ضمّ إلى ميلاذ، وضمّ إلى شموهان إخوتها وبني عمها وتمام ثلاثين ألف رجل من الجند، وأمرها بالدخول من طريق بين طريق جوذرز وميلاذ.
ويقال: إن كيخسرو إنما غزا شومهان لخاصتها بسياوخش، وكانت تذرت أن تطالب بدمه. فمضى جميعُ هؤلاء لوجههم، ودخل جوذرز بلادَ الترك من ناحية خُراسان، وبدأ بفيران بن ويسغان، فالتحمت بينهما حَرْبٌ شديدة مذكورة، وهي الحرب التي قتل فيها بيزن بن بيّ خُمان بن ويسغان مبارزة، وقتل جوذرز فيران أيضاً، ثم قصد جوذرز فراسياب، وألحّت عليه العساكر الثلاثة، كل عسكر من الوجه الذي دخل منه، واتبع القوم بعد ذلك كيخسرو بنفسه، وجعل قصْده للوجه الذي كان فيه جوذرز، وصيّر مدخله منه، فوافى عسكر جوذرز، وقد أثخن في الترك، وقتل فيران رئيس إصبهبذي فراسياب، والمرشّح للملك من بعده، وجماعة كثيرة من إخوته؛ مثل خُمان، وأوستهن، وجلباد، وسيامق، وبهرام، وفرشخاذ، وفرخلاذ. ومن ولده، مثل روين بن فيران، وكان مقدما عند فراسياب، وجماعة من إخوة فراسياب، مثل: رتدراي، وأندرمان، وأسفخرم، وأخست. وأسَربروا بن فشنجان قاتل سياوخش، ووجد جوذرز قد أحصى القتلى والأسرى، وما غنِم من الكُراع والأموال، فوجد مبلغ ما في يده من الأسرى ثلاثين ألفاً، ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفاً وستين ألف رجل، ومن الكُراع والورق والأموال ما لا يحصى كثرة، وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره أو قتيله من الأتراك عند علمه لينظر كيخسرو إلى ذلك عند موافاته.
فلما وافى كيخسرو العسكر وموضع الملحمة اصطفّت له الرجال، وتلقاه جوذرز وسائر الإصبهبذين، فلما دخل العسكر جعل يمرّ بعلم علم، فكان أول قتيل رآه جثة فيران عند علم جوذرز، فلما نظر إليها وقف ثم قال: أيها الجبل الصعب الذرا المنيع الأركان! ألم أنهك عن هذه المحاربة، وعن نصْب نفسك لنا دون فراسياب في هذه المطالبة؟! ألم أبذل لك نفسي، وأعرِض عليك ملكي فلم تحسِن الاختيار؟ ألست الصدوق اللسان، الحافظَ للإخوان، الكاتم للأسرار؟! ألم أعلمْك مكْر فراسياب وقلة وفائه فلم تفعل ما أمرتُك بل مضيت في نومك حتى احتوشتك الليوث من مقاتلتنا وأبناء مملكتنا؟ ما أغنى عنك فراسياب، وقد فارقت الدنيا وأفنيت آل ويسغان! فويلٌ لحلمك وفهمِك! وويل لسخائك وصدقك! إنا بك اليوم لموجَعون!
ولم يزل كيخسرو يرثي فيران حتى صار إلى علْم بيّ جوذرز، فلما وقف عليه وجد بروا بن فشنجان حيّاً أسيراً في يدي بيّ، فسأل عنه فأخبر أنه بروا قاتل سياوخش المائل به عند قتله إياه. فقرّب منه كيخسرو، ثم طأطأ رأسَه بالسجود شكراً لربه، ثم قال: الحمد لله الذي أمكنني منك يا بروا! أنت الذي قتلت سياوخش، ومثّلت به! وأنت الذي سلبته زينته وتكلّفت من بين الأتراك إبارته، فغرست لنا بفعلك هذه الشجرة من العداوة، وهيّجت بيننا هذه المحاربة، وأشعلت في كلا الفريقين ناراً موقدة! أنت الذي جرى على يديك تبديل صورته، وتوهين قوته! أما تهيّبت أيها التركي جماله! ألا بقيت عليه للنور الساطع على وجهه! أين نجدتُك وقوتك اليوم! وأين أخوك الساحر عن نصرتك! لست أقتلُك لقتلك إياه؛ بل لكلفتك وتوليك ما كان صلاحاً لك ألا تتولاه، وسأقتل مَنْ قتله ببغيه وجرمه.
ثم أمر أن تقطع أعضاؤه حياً ثم يذبح ففعل ذلك به بيّ، ولم يزل كيخسرو يمر بعلم علَم، وأصبهبذ أصبهبذ؛ فإذا صار إلى الواحد منهم قال له نحو ما ذكرنا، ثم صار إلى مضاربه، فلما استقر فيها دعا ببرافره عمه، فلما دخل عليه أجلسَه عن يمينه، وأظهر له السرور بقتله جلباذ بن ويسغان مبارزة، ثم أجزل جائزته وملّكه على كِرْمان ومُكران ونواحيها، ثم دعا بجوذرز، فلما دخل قال له: أيها الأصبهبذ الرشيد، والكهل الشفيق، إنه مهما كان من هذا الفتح العظيم فمن ربنا عز وجل، وعن غير حيلة منا ولا قوة، ثم برعايتك حقنا، وبذلك نفسك وأولادك لنا، وذلك مذْخور لك عندنا، وقد حبوناك بالمرتبة التي يقال لها " بُزُرْجفر مذار " ؛ وهي الوزارة، وجعلنا لك أصبهان وجُرْجان وجبالهما، فأحسِنْ رعاية أهلها.
فشكر جوذرز ذلك، وخرَج من عنده بَهِجاً مسروراً، ثم أمر بالوجوه من أصبهبذته الذين كانوا مع جوذرز ممن حسن بلاؤه، وتولى قتل طراخنة الأتراك، ولد فشنجان وويسغان؛ مثل جرجين بن ميلاذان، وبيّ، وشادوس ولخام، وجدمير بن جوذرز، وبيزن بن بيّ، وبرازه بن بيفغان، وفروذه بن فامدان وزنده بن شابريغان، وبسطام بن كزدهمان، وفرته بن تفارغان. فدخلوا عليه رجلاً رجلاً؛ فمنهم من ملّكه على البلدان الشريفة، ومنهم من خصّه بأعمال من أعمال حضرته، ثم لم يلبث أن وردت عليه الكتب من ميلاذ وأغص شومهان بإثخانهم في بلاد الترك، وأنهم قد هزموا فراسياب عسكراً بعد عسكر، فكتب إليهم أن يجدوا في محاربة القوم، وأن يوافوه بموضع سمّاه لهم من بلاد الترك. فزعموا أن العساكر الأربعة لما أحاطت بفراسياب، وأتاه مِنْ قتل مَنْ قتل، وأسْر مَنْ أسر، وخراب ما خرّب ما أتاه، ضاقت عليه المذاهب، ولم يبق معه من ولده إلا شيده - وكان ساحراً - فوجّهه نحو كيخسرو بالعدة والعتاد، فلما وافى كيخسرو أعلم أن أباه إنما وجهه للاحتيال عليه، فجمع أصبهبذته وتقدم إليهم في الاحتراس من غلبته.
وقيل: إن كيخسرو أشفق يومئذ من شيده وهابه، وظن ألا طاقة له به، وأن القتال اتصل بينهما أربعة أيام، وإن رجلاً من خاصة كيخسرو يقال له جرد بن جرهمان عبّى يومئذ أصحاب كيخسرو، فأحسن تعبيتهم، فكثرت القتلى بينهم واستماتت رجال خنيارث وجدّت، وأيقن شيده ألا طاقة له بهم فانهزم، واتبعه كيخسرو بمن معه، ولحقه جرد فضربه على هامته بالعمود ضربةً خرّ منها ميتاً، ووقف كيخسرو على جيفته، فعاين منها سماجة شنِعة، وغنم كيخسرو ما كانَ من عسكرهم، وبلغ الخبر فراسياب، فأقبل بجميع طراخنته، فلما التقى وكيخسرو، ونشبت بينهما حرب شديدة لا يقال إن مثلها كان على وجه الأرض قبلها، فاختلط رجال خنيارث برجال الترك، وامتدّ الأمر بينهم حتى لم تقع العين يومئذ إلا على الدماء، والأسر من جوذرز ولده وجرجين وجرد بسطام، ونظر فراسياب وهم يحمون كيخسرو كأنهم أسود ضاربة، فانهزم مولّياً على وجهه هارباً، فأحصيت القتلى فيما ذكر يومئذ؛ فبلغت عدتهم مائة ألف، وجد كيخسرو وأصحابه في طلب فراسياب، وقد تجرد للهرب فلم يزل يهرب من بلد إلى بلد حتى أتى أذربيجان، فاستتر في غدير هناك يعرف ببئر خاسف، ثم ظُفِر به، فلما أتى كيخسرو استوثق منه بالحديد، ثم أقام للاستراحة بموضِعه ثلاثة أيام، ثم دعاه، فسأله عن عذره في أمر سياوخش، فلم يكن له عذر ولا حُجّة، فأمر بقتله، فقام إليه بي بن جوذرز، فذبحه كما ذبح سياوخش، ثم أتى كيخسرو وبدمه، فغَمس فيه يده، وقال هذا بِتِرة سياوخش، وظُلمكم إياه واعتدائكم عليه. ثم انصرف من أذربيجان ظافراً غانماً بهجاً.
وذُكر أن عدة من أولاد كيبيه جدّ كيخسرو الكبر وأولادهم كانوا مع كيخسرو في حرب الترك، وأن ممن كان معه كى أرش بن كيبيه، وكان مُمَلّكاً على خوزستان وما يليها من بابل وكى به أرش، وكان مملكاً على كرمان ونواحيها، وكى أوجى بن كيمنوش بن كيفاشين بن كيبيه، وكان مملّكاً على فارس، وكى أوجى هذا هو أبوكى لهراسف الملك؛ ويقال إن أخاً لفراسياب كان يقال له: كى شراسف، صار إلى بلاد الترك بعد قتل كيخسرو أخاه، فاستولى على ملكها، وكان له ابن يقال له خرزاسف، فملك البلاد بعد أبيه، وكان جباراً عاتياً، وهو ابن أخي فراسياب ملك الترك الذي كان حارب منوشهر، وجوذرز هو ابن جشواغان بن يسحره بن قرحين بن حبر بن رسود بن أورب بن تاج بن رشيك بن أرس بن وندح بن رعر بن نودراحاع بن مسواغ بن نوذر بن منوشهر.
فلما فرغ كيخسرو من المطالبة بوِتْره، واستقرّ في مملكته زهد في الملك، وتنسّك، وأعلم الوجوه من أهله وأهل مملكته أنه على التخلي من الأمر، فاشتد لذلك جزعُهم، وعظمت له وحشتهم، واستغاثوا إليه، وطلبوا وتضرّعوا، وراودوه على المقام بتدبير ملكهم، فلم يجدوا عنده في ذلك شيئاً، فلما يئِسوا قالوا بأجمعهم: فإذا قمتَ على ما أنت عليه فسمّ للملك رجلاً نقلّده إياه، وكان لهراسف حاضراً، فأشار بيده إليه، وأعلمهم أنه خاصته ووصيّه، فأقبل الناس إلى لهراسف، وذلك بعد قَبُوله الوصية. وفُقِد كيخسرو، فبعض يقول: إنه غاب للنسك فلا يدرَى أين مات، ولا كيف كانت منيته، وبعضٌ يقول غيرَ ذلك.
وتقلد لهراسف الملك بعده على الرسم الذي رسم له، وولد كيخسرو: جاماس، وأسبهر، ورمى، ورمين.
وكان ملك كيخسرو ستين سنة.
أمر إسرائيل بعد سليمان
ابن داود عليهما السلام
رجع الحديث إلى الخبر عن أمر بني إسرائيل بعد سليمان بن داود عليهما السلام.
ثم ملك بعد سليمان بن داود على جميع بني إسرائيل ابنه رُحُبْعُم بن سليمان، وكان ملكه - فيما قيل - سبع عشرة سنة. ثم افترقت ممالك بني إسرائيل فيما ذكر بعد رُحُبْعُم، فكان أبياً بن رُحُبْعُم ملك سبط يهوذا وبنيامين، دون سائر الأسباط؛ وذلك أن سائر الأسباط ملّكوا عليهم يوربعم بن نابط، عبد سليمان، لسبب القربان الذي كانت زوجة سليمان قرّبته في داره، وكانت قرّبت فيها جُرادة لصنم، فتوعده الله بإزالة بعضِ المُلك عن ولده، فكان ملك رُحُبْعُم إلى أن تُوفِيَ - فيما ذكر - ثلاث سنين.
ثم ملك أسا بن أبيّا أمر السِّبطين اللذيْن كان أبوه يملك أمرهما - وهما سبط يهوذا وسبط بنيامين - إلى أن توفّى، إحدى وأربعين سنة.
؟؟ذكر خبر أسا بن أبيّا وزرح الهنديّ
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم؛ قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبّه يقول: إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل يقال له أسا بن أبيّا، كان رجلاً صالحاً، وكان أعرجَ، وكان ملك من ملوك الهند يقال له زرح، وكان ملكاً جباراً فاسقاً يدعو الناس إلى عبادته، وكان أبيّا عابدَ أصنام؛ له صنمان يعبدهما من دون الله، ويدعو الناسَ إلى عبادتهما؛ حتى أضلّ عامة بني إسرائيل، وكان يعبدُ الأصنام حتى توفّى. ثم ملك ابنه أسا من بعدِه، فلما ملكهم بعث فيهم منادياً ينادي: إلا إن الكفر قد مات وأهلُه، وعاش الإيمان وأهله، وانتكست الأصنام وعبادتُها، وظهرت طاعة الله وأعمالُها، فليس كافر من بني إسرائيل يُطلع رأسه بعد اليوم بكُفْر في ولايتي ودهري، إلا أني قاتله. فإن الطوفان لم يُغرِق الدنيا وأهلها، ولم يخسف بالقرى، ولم تمطر الحجارة والنار من السماء إلا بترك طاعة الله، وإظهار معصيته؛ فمن أجل ذلك ينبغي لنا ألا نقرّ لله معصية يُعمَل بها، ولا نترك طاعة لله إلا أظهرناها جهدَنا، حتى نطهّر الأرض من نَجَسها، ونُنقِّبها من دنسها، ونجاهد مَنْ خالفَنا في ذلك بالحرب والنفي من بلادنا.
فلما سمع ذلك قومُه ضجّوا وكرهوا، فأتوا أمّ أسا الملك فشكوْا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم، ودعاءه إياهم إلى مفارقة دينهم، والدخول في عبادة ربِّهم، فتحمّلت لهم أمه أن تكلِّمه وتصرفه إلى عبادة أصنام والده؛ فبينا الملك قاعد وعنده أشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم؛ إذ أقبلت أمّ الملك فقام لها الملك من مجلسه، وأمرَها أن تجلس فيه، معرفةً بحقها وتوقيراً لها. فأبت عليه وقالت: لستَ ابني إن لم تجبني إلى ما أدعوك إليه، وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به، وتجيبني إلى أمر؛ إن أطعتني فيه رَشَدت وأخذت بحظّك، وإن عصيتَني فحظَّك بخَست، ونفسَك ظلمت. إنه بلغني يا بنيّ أنك بدأت قومك بالعظيم؛ دعوتهم إلى مخالفة دينهم، والكفرِ بآلهتهم، والتحول عما كان عليه آباؤهم، وأحدثت فيهم سنّة، وأظهرت فيهم بدعة؛ أردت بذلك - فيما زعمت - تعظيماً لوقارك، ومعرفةً بمكانك، وتشديداً لسلطانك؛ وفي التقصير يا بنيّ دخلت، وبالشَّين أخذت. ودعوت جميعَ الناس إلى حربك، وانتدبت لقتالهم وحدك؛ أردت بذلك أن تُعيد الأحرار لك عبيداً، والضعيف لك شديداً؛ سفّهت بذلك رأيَ العلماء، وخالفتَ الحكماء، واتّبعت رأي السفهاء، ولعمري ما حملك على ذلك يا بنيّ إلا كثرة طيشك، وحداثةُ سنك، وقلةُ علمك؛ فإن أنت رددت علي كلامي، ولم تعرف حقي، فلستَ من نسل والدك، ولا ينبغي الملْك لمثلك. يا بنيّ بأي شيء تُدلُّ على قومك؟ لعلك أوتيت من الحروف مثل ما أتى موسى إلى فرعون؛ أن غرّقه وأنجى قومه من الظَّلمة. أو لعلك أوتيت من القوة ما أوتي داود؛ أن قتلَ الأسد لقومه، ولحِق الذئب فشقّ شِدْقه، وقتل جالوت الجبّار وحده. أو لعلك أوتيت من الملك والحكمة أفضلَ مما أوتي سليمان بن داود رأس الحكماء؛ إذ صارت حكمتُه مثلاً للباقين بعده! يا بني إنه ما يأتِك من حسنة فأنا أحظى الناس بها، وإن تكن لأخرى فأنا أشقاهم بشقوتك.
فلما سمعها الملك اشتد غضبُه، وضاق صدره، فقال لها: يا أمّه! إنه لا ينبغي أن آكل على مائدة واحدة مع حبيبي وعدوي، كذلك لا ينبغي أن أعبد غير ربي. هلّمي إلى أمر إن أطَعتني فيه رَشدت، وإن تركتِه غويت؛ أن تعبدي الله وتكفري بكل آلهة دونه، فإنه ليس أحد يردّ هذا عليّ إلا هو لله عدو، وإنا ناصره لأني عبدُه.
قالت له: ما كنت لأفارق أصنامي، ولا دينَ آبائي وقومي. ولا أترك ذلك لقولك، ولا أعبد الربّ الذي تدعوني إليه.
فقال لها الملك: حينئذ يا أمّه، إن قولَك هذا قد قطع فيما بيني وبينك رحِمي.
وأمر بها الملك عند ذلك فأخرجَها وغرّبوها، ثم أوصى إلى صاحب شُرطته وبابه أن يقتلها إن هي ألمّت بمكانه.
فلما سمع ذلك منه الأسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابة، فأذعنوا له بالطاعة، وانقطعت فيما بينهم وبينه كل حيلة، وقالوا: قد فعل هذا بأمّه، فأين نقع نحن منه إذا خالفنا في أمره، ولم نجبه إلى دينه! فاحتالوا له كل حيلة، فحفظه الله وأباد مكرَهم. فلما لم يكن لهم عن ذلك صبر، ولا على فراق دينهم قوام؛ ائتمروا بأن يهربوا من بلاده، ويسكنوا بلاداً غيرها؛ فخرجوا متوجّهين إلى زَرْح ملك الهند يطلبون أن يستحملوه على أسا ومن اتبعه؛ فلما دخلوا على زرْح سجدوا له، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن عبيدك، قال: وأي عبيد أنتم؟ قالوا: نحن من أرضك أرضِ الشام، وإنا كنا نعتز بملكك، حتى ظهر فينا ملك صبيّ حديث السن سفيه، فغيّر ديننا، وسفّه رأينا، وكفّر آباءنا، وهان عليه سخطُنا، فأتيناك لنُعلمك ذلك، فتكون أنت أولى بملكنا؛ ونحن رؤوسهم، وهي أرض كثير مالها، ضعيف أهلها، طيّبة معيشتها، كثيرة أنضارها، وفيهم الكنوز وملْك ثلاثين ملكاً، وهم الذين كان يوشع بن نون خليفة موسى سار بهم في البحر هو وقومه؛ فنحن وأرضنا لك، وبلادنا بلادك، وليس أحدٌ فيها يناصبك، هم دافعون أيديَهم إليك بغير قتال، بأموالهم وأنفسهم مسالمة.
قال: لهم زرح: لعمْري، ما كنت لأجيبكم إلى ما دعوتموني إليه، ولا أستجيب إلى مقاتلة قوم لعلّهم أطوعُ لي منكم، حتى أبعثَ إليهم من قومي أمناء، فإن وقع الأمرُ على ما تكلّمتم به قدّامي نفعكم ذلك عندي، وجعلتُكم عليها ملوكاً، وإن كان كلامكم كذباً فإني منزِل بكم العقوبة التي تنبغي لمن كذَبني.
قال القوم: تكلّمت بالعدل، وحكمتَ بالقسط، ونحن به راضون. فأمر عند ذلك بالأرزاق فأجريَت عليهم، واختار من قومه أمناء ليبعثهم جواسيس، فأوصاهم بوصيته، وخوّفهم وحذّرهم بطشه إن هم كذَبوه، ووعدهم المعروف إن هم صدَقوه. وقال زرح: إني مرسلكم لأمانتكم، وشحّكم على دينكم، وحسن رأيكم في قومكم، لتطالعوا لي أرضاً من أرضي، وتبحثوا لي عن شأنها، وتُعلموني علْم أهلها وملِكها وجنودها وعددها وعدد مياههَا، وفِجاجها وطرقها، ومداخلها ومخارجها، وسهولتها وصعوبتها؛ حتى كأني شاهد ذلك وعالمه، وحاضر ذلك وخابره. وخذوا معَكم من الخزائن من الياقوت والمرجان والكسوة ما يفرغون إليه إذا رأوْه، ويشترون منكم إذا نظروا إليه.
فأمكنهم من خزائنه حتى أخذوا منها، فجهّزهم لبرّهم وبحرهم، ووصف لهم القوم الذين أتوهم الطرقَ، ودلّوهم على مقاصدها، فساروا كالتجار؛ حتى نزلوا ساحلَ البحر، ثم ركبوا منه حتى أرسوا على ساحل إيلياء، ثم ساروا حتى دخلوها، فخلّفوا أثقالهم فيها، وأظهروا أمتعتهم وبضاعتهم، ودعوا الناس إلى أن يشتروا منهم؛ فلم يُفرغوا لبضاعتهم، وكسدت تجارتُهم، فجعلوا يُعطون بالشيء القليل الكثير؛ لكيلا يخرجوهم من قريتهم، حتى يعلموا أخبارَهم، ويحقّوا شأنهم ويستخرجوا ما أمرهم به ملكهم من أخبارهم.
وكان أسا الملك قد تقدّم إلى نساء بني إسرائيل ألا يُقْدّر على امرأة لا زوج لها بهيئة امرأة لها زوج إلا قتلها أو نفاها من بلاده إلى جزائر البحار؛ فإن إبليس لم يدخل على أهل الدين في دينهم بمكيدة هي أشد من النساء؛ فكانت المرأة التي لا زوج لها لا تخرج إلا منتقبة في رِثّة الثياب لئلا تعرف؛ فلما بذل هؤلاء الأمناء بضاعتهم ما ثمنُه مئة درهم بدرهم، جعل نساء بني إسرائيل يشترين خُفية بالليل سراً، لا يعلم بهنّ أحد من أهل دينهن؛ حتى أنفقوا بضاعتهم واشتروا بها حاجتهم، واستوعبوا خبر مدينتهم وحصونهم، وعدد مياههم، وكانوا قد كتموا رؤوس بضاعتهم ومحاسنها من اللؤلؤ والمرجان والياقوت هديّة للملك، وجعل الأمناء يسألون من رأوا من أهل القرية عن خبر الملك وشأنه إذ لم يشترِ منهم شيئاً، ما شأن الملك لا يشتري منا شيئاً! إن كان غنياً فإن عندنا من طرائف البضاعات فنعطيه ما شاء مما لم يدخل مثله في خزائنه، وإن كان محتاجاً فما يمنعه أن يشهدّنا فنعطيَه ما شاء بغير ثمن! قال لهم منْ حضرهم من أهل القرية: إن له من الغنى والخزائن وفنون المتاع ما لم يُقْدر على مثله؛ إنه استفرغ الخزائن التي كان موسى سار بها من مصر، والحليّ الذي كان بنو إسرائيل أخذوا، وما جمع يوشع بن نون خليفةُ موسى، وما جمع سليمان رأس الحكماء والملوك، من الغنى الكثير والآنية التي لا يقدّر على مثلها.
قال الأمناء: فما قتاله؟ وبأي شيء عظمته؟ وما جنوده؟ أرأيتم لو أن ملكاً انحرف عليه ففتق ملكه ما كان إذاً قتالُه إياه؟ وما عدّته وعدد جنوده؟ أم بأي الخيل والفرسان غلبته؟ أم من أجل كثرة جمعه وخزائنه وقعت في قلوب الرجال هيبته! فأجابهم القوم وقالوا: إن أسا قليلةٌ عدّته، ضعيفة قوته، غير أن له صديقاً لو دعاه واستعان به على أن يزيل الجبال أزالها؛ فإذا كان معه صديقه فليس شيء من الخلْق يطيقه.
قال لهم الأمناء: ومنْ صديق أسا؟ وكم عدد جنوده؟ وكيف مواجهته وقتالُه؟ وكم عدد عساكره ومراكبه؟ وأين قراره ومسكنه؟ فأجابهم القوم: أما مسكنُه ففوق السموات العلا، مستوٍ على عرشه، لا يحصى عدد جنوده، وكل شيء من الخلق له عبد، لو أمر البحر لطمّ على البر، ولو أمر الأنهار لغارت في عنصرها ولا يُرى ولا يعرف قراره، وهو صديق أسا وناصره.
فجعل الأمناء يكتبون كل شيء أخبروا به من أمر أسا وقضية أمره، فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه فقالوا: يأيها الملك، إن معنا هدية نريد أن نهديها لك من طرائف بلادنا، أو تشتري منا فنُرخصه عليك.
قال لهم: أئتوني بذلك حتى أنظر إليه، فلما أتوه به قال لهم: هل يبقى هذا لأهله ويبقون له؟ قالوا: بل يفنى هذا ويفنى أهله. قال لهم أسا: لا حاجة لي فيه، إنما طَلِبتي ما تبقى بهجتُه لأهله، لا تزول ولا يزولون عنه.
فخرجوا من عنده، وردّ عليهم هديتهم، فساروا من بيت المقدس متوجهين إلى زرح الهنديّ ملكهم. فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبئوه بما انتهى إليهم من أمر ملكهم، وأخبروه بصديق أسا. فلما سمع زرح كلامَهم استحلفهم بعزّته، وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلّون ألا يكتموه من خبر ما رأوا في بني إسرائيل شيئاً. فصدّقوه.
فلما فرغوا من خبرهم وخبرُ أسا ملكهم وصديقه، قال لهم زرح: إن بني إسرائيل لما علموا أنكم جواسيس، وأنكم قد اطلعتم على عوراتهم ذكروا لكم صديق أسا وهم كاذبون؛ أرادوا بذلك ترهيبكم. إن صديق أسا لا يطيق أن يأتيَ بأكثر من جندي، ولا بأكمل من عدّتي، ولا بأقسى قلوباً ولا أجرأ على القتال من قومي؛ إن لقيَني بألف لقيته بأكثر من ذلك.
ثم عمد زرح عند ذلك فكتب إلى كل من في طاعته أن يجهّزوا من كل مخلاف جنداً بعدّتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مَنْ سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة، كتب: من زرح الجبار الهندي ملك الأرضين، إلى من بلغته كتبي: أما بعد فإن لي أرضاً قد دنا حصادُها وأينع ثمرُها؛ وأردت أن تبعثوا إليّ بعمال أغنّمهم ما حصدوا منها، وهم قوم قصَوْا عني، وغلَبوا على أطراف من أرضي وقهروا مَنْ تحت أيديهم من رقيقي، وقد منحتهم مَنْ نهض إليهم معي، فإن قصّرت بكم قوّة فعندي قوّتكم، فإنه لا تتعطل خزائني.
فاجتمعوا إليه من كل ناحية، وأمدّوه بالخيل والفرسان والرجالة والعدة؛ فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلاح والجهاز من خزائنه، ثم أمر بإحصاء عددهم وتعبيتهم، فبلغ عددهم ألف ألف ومائة ألف سوى أهل بلادهم. وأمر بمائة مركب فقِرن له البغال، كل أربعة أبغُل جميعاً عليها سرير وقبّة، وفي كل قبّة منها جارية، ومع كل مركب عشرة من الخدم، وخمسة أفيال من فيلَته، فبلغ في كل عسكر من عساكره مائة ألف، وجعل خاصته الذين يركبون معه مائة من رؤوسهم، وجعل في كل عسكر عرفاء، وخطبهم وحرّضهم على القتال، فلما نظر إليهم وسار فيهم تعزّز وتعظّم شأنه في قلوب مَنْ حضره، ثم قال زرح: أين صديق أسا؟ هل يستطيع أن يعصمَه مني؟ أو مَنْ يطيق غلبتي؟ فلو أن أسا وصديقه ينظران إليّ وإلى جندي ما اجترأ على قتالي؛ لأن عندي بكل واحد من جنده ألفاً من جنودي، ليَدخُلنّ أسا أرضي أسيراً، ولأقدمنّ سُبِيّاً في جنودي.
فجعل زرح ينتقص أسا ويقول فيه ما لا ينبغي، فبلغ أسا صنيعُ زرح وجمعُه عليه، فدعا ربه فقال: اللهم أنت الذي بقوّتك خلقت السموات والأرض ومَنْ فيهنّ حتى صار جميع ذلك في قبضتك، أنت ذو الأناة الرفيقة، والغضب الشديد، أسألك ألا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا وبينك، ولا تعمدنا ولا تجزينا على معصيتك؛ ولكن تذكرنا برحمتك التي جعلتَها للخلائق، فانظر إلى ضَعفنا وقوة عدونا، وانظر إلى قلّتنا وكثرة عدونا، وانظر إلى ما نحن فيه من الضيق والغمّ، وانظر إلى ما فيه عدوّنا من الفرح والراحة، فغرق زرحاً وجنوده في اليم بالقدرة التي غرّقت بها فرعون وجنوده، وأنجيت موسى وقومه. وأسألك أن تُحلّ على زرح وقومه عذابك بغتة! فأرِيَ أسا في المنام - والله أعلم - أني قد سمعت كلامَك، ووصل إلي جُؤارُك، وأني على عرشي، وأني إن غرّقت زرحاً الهندي وقومه، لم يعلم بنو إسرائيل ولا مَنْ كان بحضرتهم كيف صنعت بهم، ولكن سأظهِر في زرح وقومه لك ولمن اتبعك قدرة من قدرتي، حتى أكفيك مؤنتهم، وأهبَ لك غنيمتهم، وأضعَ في أيديكم عساكرَهم؛ حتى يعلم أعداؤك أن صديق أسا لا يطاق وليّه، ولا يهزَم جنده، ولا يخيب مُطيعُه، فأنا أتمهل له حتى يفرغ من حاجته، ثم أسوقه إليك عبداً، وعساكره لك ولقومك خَوَلاً.
فسار زرح ومن معه حتى حلّوا على ساحل ترشيش، فلم يكن إلا محلة يوم حتى دفنوا أنهارها، ومحوا مروجَها؛ حتى كان الطير ينقصف عليهم، والوحش لا تستطيع الهرب منهم، فساروا حتى كانوا على مرحلتين من إيلياء، ففرّق زرح عساكره منها إلى إيلياء، وامتلأت منهم تلك الأرضُ جبالها وسهولها، وامتلأت قلوبُ أهل الشام منهم رُعباً، وعاينوا هَلكتهم.
فسمع بهم أسا الملك؛ فبعث إليهم طليعة من قومه، وأمرهم أن يخبروه بعددهم وهيئتهم. فسار القوم الذين بعثهم أسا حتى نظروا إليهم من رأس تلّ، ثم رجعوا إلى أسا فأخبروه أنه لم تر عيون بني آدم، ولا سمعت آذانهم مثلَهم ومثلَ أفيالهم وخيولهم وفرسانهم؛ وما ظننّا أن في الناس مثلَهم كثرة وعدة، فلَّت من إحصائهم عقولُنا، وفُلَّت من قتالهم حيلتنا، وانقطع بيننا وبينهم رجائنا فسمع بذلك أهلُ القرية فشقّوا ثيابهم، وذرّوا التراب على رؤوسهم، وعجّوا بالعويل في أزقّتهم وأسواقهم، وجعل بعضُهم يودّع بعضاً. ثم ساروا حتى أتوا الملك فقالوا: نحن خارجون بأجمعنا إلى هؤلاء القوم فدافعون إليهم أيديَنا، لعلهم أن يرحمونا فيقرّونا في بلادنا. قال لهم أسا الملك: معاذ الله أن نُلقي بأيدينا في أيدي الكفرة، وأن نُخلّيَ بيت الله وكتابه للفجرة! قالوا: فاحتلْ لنا حيلة، واطلب إلى صديقك وربك الذي كنت تعدُنا بنصره وتدهونا إلى الإيمان به، فإن هو كشفَ عنا هذا البلاء؛ وإلا وضعنا أيدينا في أيدي عدونا لعلنا نتخلّص بذلك من القتل.
قال لهم أسا: إن ربي لا يطاق إلا بالتضرع والتبتل والاستكانة. قالوا: فابرز له لعله أن يجيبك فيرحم ضعيفنا، فإن الصديق لا يسلِم صديقه على مثل هذا. فدخل أسا المصلى، ووضع تاجه من رأسه، وخلّى ثيابه، ولبس المُسوح وافترش الرماد، ثم مدّ يده يدعو ربع بقلب حزين، وتضرّع كثير، ودموع سِجال، وهو يقول: اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط؛ أنت المستخفى من خلْقك حيث شئت ولا يدرَك قرارك، ولا يطاق كنْهُ عظمتك، أنت اليقظان الذي لا تنام، والجديد الذي لا تبليك الليالي والأيام؛ أسألك بالمسألة التي سألك بها إبراهيم خليلك فأطفأت بها عنه النار، وألحقته بها بالأبرار، وبالدعاء الذي دعاك به نجيُّك موسى فأنجيت بني إسرائيل من الظلَمة، وأعتقهم به من العبودية، وسيّرتهم في البر والبحر، وغرّقت فرعون ومن اتبعه. وبالتضرّع الذي تضرّع لك عبدك داود فرفعته، ووهبتَ له من بعد الضعف القوة، ونصرتَه على جالوت الجبار، وهزمتَه. وبالمسألة التي سألك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمة، ووهبت له الرفعة، وملّكته على كل دابّة. أنت محيي الموتى، ومُفني الدنيا، وتبْقَى وحدك خالداً لا تفنى، وجديداً لا تبلى. أسألك يا إلهي أن ترحمني بإجابة دعوتي، فإني أعرجُ مسكين من أضعف عبادك، وأقلهم حيلة، وقد حل بنا كرب عظيم، وحزب شديد، لا يطيق كشفه غيرك، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك، فارحم ضعفنا بما شئت، فإنك ترحم من تشاء بما تشاء.
وجعل علماء بني إسرائيل يدعون الله خارجاً وهم يقولون: اللهم أجب اليوم عبدك، فإنه قد اعتصم بك وحدك، ولا تخل بينه وبين عدوك، واذكر حبه إياك، وفراقه أمه وجميع الخلائق إلا من أطاعك.
فألقى الله على أسا النوم وهو في مصلاه ساجداً، ثم أتاه من الله آت - والله أعلم - فقال: يا أسا، إن الحبيب لا يُسلم حبيبه، وإن الله عز وجل يقول إني قد ألقيت عليك محبتي ووجب لك نصري فأنا الذي أكفيك عدوك، فإنه لا يهون من توكل علي، ولا يضعف من تقوي بي. كنت تذكرني في الرخاء، وأسلمك عند الشدائد، وكنت تدعوني آمناً، وأنا أسلمك خائفاً، إن الله القوي يقول: أنا أقسم أن لو كايدتك السموات والأرض بمن فيهن لجعلت لك من جميع ذلك مخرجاً، فأنا الذي أبعث طرفاً من زبانيتي يقتلون أعدائي، فإني معك، ولن يخلُص إليك ولا إلى من معك أحد.
فخرج أسا من مصلاه وهو يحمد الله، مسفراً وجهه، فأخبرهم بما قيل له، فأما المؤمنون فصدقوه، وأما المنافقون فكذبوه، وقال بعضهم لبعض: إن أسا دخل أعرج وخرج أعرج، ولو كان صادقاً أن الله قد أجابه إذاً لأصلح رجله، ولكن يغرنا ويمنينا، حتى تقع الحرب فينا فيهلكنا! فبينا الملك يخبرهم عن صنع الله بهم إذ قدم رسل من زرح فدخلوا إيلياء ومعهم كتب من زرح إلى أسا، فيها شتم له ولقومه، وتكذيب بالله، وكتب فيها: أن أدعُ صديقك الذي أضللت به قومك فليبارزني بجنوده، وليظهر لي مع أني أعلم أنه لن يطيقني هو ولا غيره، لأني أنا زرح الهندي الملك.
فلما قرأ أسا الكتب التي قدم بها عليه هملت عيناه بالبكاء، ثم دخل مصلاه ونشر تلك الكتب بين يدي الله، ثم قال: اللهم ليس لي شيء من الأشياء أحب إلي من لقائك، غير أني أتخوف أن يطفأ هذا النور الذي أظهرته في أيامي هذه، وقد حضرت هذه الصحائف وعلمتُ ما فيها، ولو كنت المراد بها كان ذلك يسيراً، غير أن عبدك زرحاً يكايدك ويتناولك، فخر بغير فخر، وتكلم بغير صدق، وأنت حاضر ذلك وشاهده.
فأوحى الله إلى أسا - والله أعلم - أنه لا تبديل لكلماتي، ولا خلف لموعدي، ولا تحويل لأمري، فاخرج من مصلاك، ثم مر خيلك أن تجتمع، ثم اخرج بهم وبمن اتبعك حتى تقفوا على نشز من الأرض.
فخرج أسا فأخبرهم بما قيل له، فخرج اثنا عشر رجلاً من رؤسائهم، مع كل رجل منهم رهط من قومه، فلما أن خرجوا، ودعوا أهاليهم بألا يرجعوا إلى الدنيا. فوقفوا لزرح على رابية من الأرض، فأبصروا منها زرحاً وقومه، فلما أبصرهم زرح نفض رأسه ليسخر منهم، وقال: إنما نهضت من بلادي، وأنفقت أموالي لمثل هؤلاء! ودعا عند ذلك بالنفر الذين كانوا نعتوا عنده أسا وقومه، فقال: كذبتموني وزعمتم أن قومكم كثير عددهم! فأمر بهم وبالأمناء الذين كان بعثهم ليخبروه خبرهم، فقتلوا جميعاً، وأسا في ذلك كثير تضرعه، معتصم بربه، فقال زرح: ما أدري ما أفعل بهؤلاء القوم؟ وما أدري ما قدر قلتهم في كثرتنا؟ إني لأستقلهم عن المحاربة وأرى ألا أقاتلهم.
فأرسل زرح إلى أسا فقال له: أين صديقك الذي كنت تعدنا به، وتزعم أنه يخلصك مما يحل بكم من سطواتي! أفتضعون أيديكم في يدي فأمضى فيكم حكمي، أو تلتمسون قتالي! فأجابه أسا فقال: يا شقي، إنك لست تعلم ما تقول. ولست تدري! أتريد أن تغالب ربك بضعفك، أم تريد أن تكاثره بقلتك؟ هو أعز شيء وأعظمه، وأغلبُ شيء وأقهره، وعبادهُ أذل وأضعف عنده من أن ينظروا إليه معاينة هو معي في موقفي هذا ولن يغلب أحد كان الله معه فاجتهد يا شقي بجهدك حتى تعلم ماذا يحل بك.
==================================================4.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
فلما اصطف قوم زرح وأخذوا مراتبهم، أمر زرح الرماة من قومه أن يرموهم بنشابهم. فبعث الله ملائكة من كل سماء - والله أعلم - عوناً لأسا وقومه، ومادة له، فوقفهم أسا في مواقفهم، فلما رموا نشابهم، حال المشركون بين ضوء الشمس وبين الأرض، كأنها سحابة طلعت فنحتها الملائكة عن أسا وقومه، ثم رمت بها الملائكة قوم زرح، فأصابت كل رجل منهم نشابته التي رمى بها، فقتل رماتهم بها كلها وأسا وقومه في كل ذلك يحمدون الله كثيراً، ويعجون إليه بالتسبيح، وتراءت الملائكة لهم - والله أعلم - فلما رآهم الشقي زرح وقع الرعب في قلبه، وسقط في يده، وقال: إن أسا لعظيم كيده، ماض سحره، وكذلك بنو إسرائيل، حيث كانوا لا يغلب سحرهم ساحر، ولا يطيق مكرهم عالم، وإنما تعلّموه من مصر، وبه ساروا في البحر، ثم نادى الهندي في قومه: أن سلوا سيوفكم، ثم احملوا عليهم حملة واحدة فدقوهم.
فسلوا سيوفهم ثم حملوا على الملائكة فقتلتهم الملائكة، فلم يبقى منهم غير زرح ونسائه ورقيقه.
فلما رأى ذلك زرح ولى مدبراً فاراً هو ومن معه، وهو يقول: إن أسا ظهر علانية، وأهلكني صديقه سراً، وإن كنتُ أنظر إلى أسا ومن معه واقفين لا يقاتلون والحرب واقعة في قومي.
فلما رأى اسا أن زرحا قد ولى مدبراً قال: اللهم إن زرحاً قد ولى مدبراً، وإنك إن لم تحل بيني وبينه استنفر علينا قومه ثانية. فأوحى الله إلى أسا إنك لم تقتل من قتل منهم ولكني قتلتهم، فقف مكانك، إني لو خليت بنيك وبينهم أهلكوكم جميعاً، إنما يتلقب زرح في قبضتي، ولن ينصره أحد مني، وأنا لزرح بالمكان الذي لا يستطيع صدوداً عنه ولا تحويلاً، وإني قد وهبت لك ولقومك عساكره وما فيها من فضة ومتاع ودابة، فهذا أجرك إذ اعتصمت بي، ولا ألتمس منك أجراً على نصرتك! فسار زرح حتى أتى البحر يريد بذلك الهرب،ومعه مائة ألف، فهيئوا سفنهم ثم ركبوا فيها، فلما ساروا في البحر بعث الله الرياح من أطراف الأرضين والبحار إلى ذلك البحر واضطربت من كل ناحية أمواجُه، وضربت السفن بعضها بعضاً حتى تكسرت، فغرق زرح ومن كان معه، واضطربت بهم الأمواج حتى فزع لذلك أهلُ القرى حولهم، ورجفت الأرض، فبعث أسا من يعلمه علم ذلك، فأوحى الله إليه - والله أعلم - أن اهبط أنت وقومك أهل قراكم فخذوا ما غنّمكم الله بقوة، وكونوا فيه من الشاكرين، فإني قد سوغت كل من أخذ من هذه العساكر شيئاً ما أخذه. فهبطوا يحمدون الله ويقدسونه، فنقلوا تلك العساكر إلى قراهم ثلاثة أشهر. والله أعلم.
ثم ملك بعده يهوشافاظ بن أسا إلى أن هلك خمساً وعشرين سنة ثم ملكت عتليا وتسمى عزليا ابنة عمرم أم أخزيا، وكانت قتلت أولاد ملوك بني إسرائيل، فلم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا، فإنه ستر عنها، ثم قتلها يواش وأصحابه، وكان ملكها سبع سنين.
ثم ملك يواش بن أخزيا إلى أن قتله أصحابه، وهو الذي قتل جدته فكان ملكه أربيعن سنة.
ثم ملك أموصيا بن يواش إلى أن قتله أصحابه تسعاً وعشرين سنة، ثم ملك عوزيا بن أموصيا - وقد يقال لعوزيا: غوزيا - إلى أن توفي، اثنتين وخمسين سنة.
ثم ملك يوتام بن عوزيا إلى أن توفي ست عشرة سنة.
ثم ملك أحاز بن يوتام إلى أن توفي، ست عشرة سنة.
ثم ملك حزقيا بن أحاز إلى أن توفي. وقيل إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره، فتضرع إلى ربه فزاده وأمهله، وأمر شعيا بإعلامه ذلك.
وأما محمد بن إسحاق فإنه قال: صاحب شعيا الذي هذه القصة قصته اسمه صديقة.
ذكر صاحب قصة شعيا
من ملوك بني إسرائيل، وسنحاريب
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: كان فيما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل وإحداثهم وما هم فاعلون بعده، قال: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً " - إلى - " وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً " ، فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزاً عنهم، متعطفاً عليهم، محسناً إليهم، وكان مما أنزل الله بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر عنهم على لسان موسى. فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع، أن ملكاً منهم كان يدعى صديقة، وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبياً يسدده ويرشده، فيكون فيما بينه وبين الله، يحدث إليه في أمرهم. لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون بإتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة.
فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعيا بن أمصيا، وذلك قبل مبعث عيسى وزكرياء ويحيى وشعيا الذي بشر بعيسى ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زماناً، فلما انقضى ملكه، وعظمت فيهم الأحداث، وشعيا معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية، فأقبل سائراً حتىنزل حول بيت المقدس والملك مريض، في ساقه قرحة، فجاءه النبي شعيا، فقال له: يا ملك بني إسرائيل، إن سنحاريب ملك بابل، قد نزل بك هو وجنوده في ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم. فكُبر ذلك على الملك، فقال: يا نبي الله، هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده؟ فقال له النبي عليه السلام: لم يأتني وحي حدث إليّ في شأنك.
فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعيا النبي: أن ائت ملك بني إسرائيل فأمره أن يوصى بوصيته، ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته. فأتى النبي شعيا ملك نبي إسرائيل صديقة، فقال له: إن ربك قد أوحى إلى أن آمرك توصى وصيتك، وتستخلف من شئت على الملك من أهل بيتك، فإنك ميت.
فلما قال ذلك شعيا لصديقة: أقبل على القبلة، فصلى وسبح، ودعا وبكى، وقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص، وتوكل وصبر، وظن صادق: اللهم رب الأرباب، وإله الآلهة والقدوس المتقدس، يا رحمن يا رحيم، المترحم، الرءوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي وسري وعلانيتي لك. وإن الرحمن استجاب له وكان عبداً صالحاً. فأوحى الله إلى شعيا، فأمره أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده. فلما قال له ذلك، ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشر والحزن، وخر ساجداً، وقال: يا إلهي وإله آبائي، لك سجدت وسبحت، وكرمت وعظمت. أنت الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزعه من تشاء، وتعز من تشاء، وتذلك من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أجبت دعوتي، ورحمت تضرعي.
فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا: أن قل للملك صديقة، فيأمر عبداً من عبيده، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ. ففعل ذلك فشفي. وقال الملك لشعيا النبي: سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعدونا هذا فقال الله لشعيا النبي قل له إني قد كفيناه عدوك لشعيا النبي: سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعدونا هذا. فقال الله لشعيا النبي:قل له إن قد كفيتك عدوك، وأنجيتك منهم، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه.
فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج، فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا. فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يودد في الموتى، فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغاره وخمسة من كتابه أحدهم بختنصر، فجعلوهم في الجوامع، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل، فلما رآهم خر ساجداً من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون! فقال سنحاريب له: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم، ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشداً ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي. فقال ملك بني إسرائيل: الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء، إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك إلى ما هو شر لك ولمن معك. لتزدادوا شقوة في الدنيا، وعذاباً في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا، ولتنذروا من بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم. ولدمك ودم من معك أهونُ على الله من دم قُراد لو قتلته! ثم إن ملك بن إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس، وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير، لكل رجل منهم، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتلُ خير مما تفعل بنا: فافعل ما أمرت. فأمر بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعيا النبي: أن قل لملك نبي إسرائيل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم، ولكيرمهم وليحملهم. حتى يبلغوا بلادهم. فبلغ النبي شعيا الملك ذلك، ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل، فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده. فقال له كهانهو وسحرته: يا ملك بابل، قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحى الله إلى نبيهم، فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم، فكان أمر سنحاريب مما خوفوا به، ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات.
وقد زعم بعض أهل الكتاب أن هذا الملك من بين إسرائيل الذي سار إليه سنحاريب كان أعرج، وكان عرجه من عرق النسا، وأن سنحاريب إنما طمع في مملكته لزمانته وضعفه، وأنه قد كان سار إليه قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل، يقال له ليفر، وكان بختنصر ابن عمه كاتبه، وأن الله أرسل عليه ريحاً أهلكت جيشه، وأفلتَ هو وكاتبه، وأن هذا البابلي قتله ابن له، وأن بختنصر غضب لصاحبه، فقتل ابنه الذي قتل أباه، وأن سنحاريب سار بعد ذلك إليه، وكان مسكنه بنينوى مع ملك أذربيجان يومئذ، وكان يدعي سلمان الأعسر، وأن سنحاريب وسليمان اختلفا، فتحاربا حتى تفانيا جنداهما، وصار ما كان معهما غنيمة لبني إسرائيل.
وقال بعضهم: بل الذي غزا حزقيا صاحب شعيا سنحاريبُ ملك الموصل وزعم أنه لما أحاط ببيت المقدس وبجنوده بعث الله ملكاً، فقتل من أصحابه في ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانين ألف رجل. وكان ملكه إلى أن توفي تسعاً وعشرين سنة.
ثم ملك بعده - فيما قيل - أمرهم منشيا بن حزيقيا إن أن توفي خمساً وخمسين سنة.
ثم ملك بعد أمون بن منشيا إلى أن قتله أصحابهُ ، اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك بعده يوشيا بن أمون إلى أن قتله فرعون الأجدع المقعد ملك مصر، إحدى وثلاثين سنة.
ثم ياهواحاز بن يوشيا، وكان فرعون الأجدع قد غزاه وأسره وأشخصه إلى مصر، وملك فرعون الأجدع يوياقيم بن ياهواحاز على ما كان عليه أبوه، ووظف عليه خراجاً يؤديه إليه، فكان يوياقيم يجبى ذلك - فيما زعموا - من بني إسرائيل، ويحمله - فيما زعموا - اثنتي عشرة سنة.
ثم ملك أمرهم من بعده يوياحين بن يوياقيم، فغزاه بختنصر، فأسره وأشخصه إلى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه. وملك مكانه متنياً عمه وسماه صديقيا فخالفه، فغزاه فظفر به، فأوثقه وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده بين يديه، وسمل عينيه وخرب المدينة والهيكل، وسبى بني إسرائيل، وحملهم إلى بابل، فمكثوا بها إلى أن ردهم إلى بيت المقدس كيرش بن جاماسب ابن أسب، من أجل القرابة التي كانت بينه وبينهم، وذلك أن أمه أشتر ابنة جاويل - و قيل حاويل - الإسرائيلي، فكان جميع ما ملك صديقياً مع الثلاثة الأشهر التي ملك فيها يوياحين - فيما قيل - إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر.
ثم صار ملك بيت المقدس والشام لأشتاسب بن لهراسب، وعامله على ذلك كله بختنصر.
وذكر محمد بن إسحاق، فيما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه: أن صديقة ملك بني إسرائيل الذي قد ذكرنا خبره، لما قبضه الله مرج أمر بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضهم بعضاً عليه، ونبيهم شعيا معهم، لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك قال الله - فميا بلغنا - لشعيا: قم في قومك أوح على سانك، فلما قام أنطق الله لسانه بالوحي، فوعظهم وذكرهم وخوفهم الغير، بعد أن عدد عليهم نعم الله عليهم، وتعرضهم للغير.
قال: فلما فرغ شعيا إليهم من مقالته عدوا عليه - فيما بلغني - ليقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت له، فدخل فيها وأدركه الشيطان. فاخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها، فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها.
وقد حدثني بقصة شعيا وقومه من بني إسرائيل وقتلهم إياه، محمد بن سهل البخاري، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه.
ذكر خبر لهراسب وابنه بشتاسب
وغزو بختنصر بني إسرائيل وتخريبه بيت المقدس
ثم ملك بعد كيخسرو من الفرس لهراسب بن كيوجي بن كيمنوش بن كيفاشين، باختيار كيخسرو إياه، فلما عقد التاج على رأسه قال: نحن مؤثرون البر على غيره. واتخذ سريراً من ذهب مكللاً بأنواع الجواهر للجلوس عليه، وأمر فبنيت له بأرض خرسان مدينة بلخ، وسماها الحسناء، ودون الدواوين، وقوى ملكه بانتخابه لنفسه الجنود، وعمر الأرض واجتبى الخراج لأرزاق الجنود، ووجه بختنصر، وكان اسمه بالفارسية - فيما قيل - بخترشه.
فحدثت عن هشام بن محمد قال: ملك لهراسب - وهو ابن أخي قبوس - فبنى مدينة بلخ، فاشتدت شوكة الترك في زمانه، وكان منزله ببلخ يقاتل الترك. قال: وكان بختنصر في زمانه، وكان أصبهبذ ما بين الأهواز إلى أرض الروم في غربي دجلة، فشخص حتى أتى دمشق فصالحه أهلها ووجه قائداً له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بني إسرائيل، وهو رجل من ولد داود، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبرية وثبت بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه، وقالوا: راهنت أهل بابل وخذلتنا! واستعدوا للقتال، فكتب قائد بختنصر إليه بما كان، فكتب إليه يأمره أن يقيم بموضعه حتى يوافيه، وأن يضرب أعناق الرهائن الذين معه، فسار بختنصر حتى أتى بيت المقدس، فأخذ المدينة عنوة، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية.
قال: وبلغنا أنه وجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبي، وكان الله تعالى بعثه نبياً - فيما بلغنا - إلى بني إسرائيل. يحذرهم ما حلّ بهم من بختنصر، ويعلهم أن الله مسلط عليهم من يقتل مقاتلتهم، ويسبى ذراريهم، إن لم يتوبوا وينزعوا عن سيء أعمالهم. فقال له بختنصر: ما خطبك؟ فأخبره أن الله بعثه إلى قومه ليحذرهم الذي حل بهم، فكذبوه حبسوه. فقال بختنصر: بئس القوم قوم عصوا رسول ربهم! وخلى سبيله، وأحسن إليه. فاجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل، فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا، ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا، فادع الله أن يقبل توبتنا. فدعا ربه فأوحى إليه أنهم غيرُ فاعلين، فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة، فأخبرهم بما أمرهم الله به، فقالوا: كيف نقيم ببلدة قد خربت وغضب الله على أهلها! فأبوا أن يقيموا، فكتب بختنصر إلى ملك مصر: إن عبيداً لي هربوا مني إليك، فسرحهم إليّ، وإلا عزوتك وأوطأت بلادك الخيل. فكتب إليه ملك مصر: ماهم بعبيدك،ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار، فغزاه بختنصر فقتله، وسبى أهل مصر، ثم سار في أرض المغرب، حتى بلغ أقصى تلك الناحية، ثم انطلق بسبي كثير من أهل فلسطين والأردن، فيهم دانيال وغيره من الأنبياء.
قال: وفي ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل، ونزل بعضهم أرض الحجاز بيثرب ووادي القرى، وغيرها.
قال: ثم أوحى الله إلى إرميا - فيما بلغنا: إنى عامر بيت المقدس فاخرج إليها، فأنزلها. فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله! أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمر هذه، ومتى يحييها الله بعد موتها! ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة فيها طعام، فمكث في نومه سبعين سنة، حتى هلك بختنصر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب الملك الأعظم وكان ملك لهراسب مائة وعشرين سنة. وملك بعده بشتاسب ابنه، فبلغه، عن بلاد الشأم أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين، فلم يبق بها من الإنس أحد، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل: إن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع. وملك عليهم رجلاً من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها، فرجعوا فعمروها، وفتح الله لإرميا عينيه، فنظر إلى المدينة كيف تعمر وتبنى، ومكث في نومه ذلك، حتى تمت له مائة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خراباً يباباً، فلما نظر إليها قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.
قال: وأقام بنو إسرائيل ببيت المقدس ورد إليهم أمرهم، وكثروا بها حتى غلبت عليهم الروم في زمان ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة.
قال هشام: وفي زمان بشتاسب ظهر زرادشت، الذي تزعم المجوس أنه نبيهم، وكان زرادشت - فيما زعم قوم من علماء أهل الكتاب - من أهل فلسطين، خادماً لعبض تلامذة إرميا النبي خاصاً به، أثيراً عنده، فخانه فكذب عليه، فدعا الله عليه، فبرص فلحق ببلاد أذربيجان، فشرع بها دين المجوسية، ثم خرج منها متوجهاً نحو بشتاسب، وهو ببلخ، فلما قدم عليه وشرح له دينه أعجبه فقسر الناس على الدخول فيه، وقتل في ذلك من رعيته مقتلة عظيمة، ودانوا به، فكان ملك بشتاسب مائة سنة واثنتى عشرة سنة.
وأما غيره من أهل الأخبار والعلم بأمور الأوائل فإنه ذكر أن كي لهراسب كان محموداً في أهل مملكته، شديد القمع للملوك المحيطة بإيران شهر، شديد التفقد لأصحابه، بعيد الهمة كثير الفكر في تشييد البنيان، وشق الأنهار وعمارة البلاد، فكانت ملوك الروم والمغرب والهند وغيرهم يحملون إليه في كل سنة وظيفة معروفة وإتاوتة معلومة، ويكاتبونه بالتعظيم ويقرون له أنه ملك الملوك هيبة له وحذراً.
قال: ويقال: إن بختنصر حمل إليه من أوريشلم خزائن وأموالاً، فلما أحس بالضعف من قوته ملك ابنه بشتاسب، واعتزل الملك وفوضه إليه، وكان ملك لهراسب - فيما ذكر - مائة سنة وعشرين سنة.
وزعم أن بختنصر هذا الذي غزا بني إسرائيل اسمه " بخترشه " ، وأنه رجل من العجم، من ولد جوذرز، وأنه عاش دهراً طويلاً جاوزت مدته ثلثمائة سنة، وأنه كان في خدمة لهراسب الملك، ابي بشتاسب، وأن لهراسب وجهه إلى الشام وبيت المقدس ليجلي عنها اليهود. فسار إليها ثم انصرف، وأنه لم يزل من بعد لهراسب في خدمة ابنه بشتاسب، ثم في خدمة بهمن من بعده، وأن بهمن كان مقيماً بمدينة بلخ - وهي التي كانت تسمى الحسناء - وأنه أمر بخترشه بالتوجه إلى بيت المقدس ليجلي اليهود عنها، وأنّ السبب في ذلك وثوبُ صاحب بيت المقدس على رسل كان بهمن وجههم إليه، وقتله بعضهم. فلما ورد الخبر على بهمن دعا بخرشه فملكه على بابل، وأمره بالمسير إليها، والنفوذ منها إلى الشام وبيت المقدس،والقصد إلى اليهود حتى يقتل مقاتلهم، ويسبى ذراريهم، وبسط يده فيمن يختار من الأشراف والقواد، فاختار من أهل بيت المملكة داريوش بن مهرى، من ولد ماذي بن يافث بن نوح، وكان ابن أخت يخترشه. واختار كبرش كيكوان من ولد غليم بن سام، وكان خازناً على بيت مال بهمن، وأخشويرش بن كيرش بن جاماسب الملقب بالعالم، وبهرام بن كيرش بن بشتاسب. فضم بهمن إليه من أهله وخاصته هؤلاء الأربعة، وضم إليه من وجوه الأساورة ورؤسائهم ثلثمائة رجل، ومن الجند خمسين ألف رجل، وأذن له من أن يفرض ما احتاج إليه، وفي إثباتهم. ثم أقبل بهم حتى صار إلى بابل، فأقام بها للتجهز والاستعداد سنة، والتفت إليه جماعة عظيمة، وكان فيمن سار إليه رجل من ولد سنحاريب، الملك الذي كان غزا حزقيا بن أحاز الملك، الذي كان بالشام وببيت المقدس من ولد سليمان بن داود صاحب شعيا، يقال له بختنصر بن نبوزرادان بن سنحاريب، صاحب الموصل وناحيتها، بن داريوش بن عبيري بن تيرى بن روبا ابن رابيا بن سلامون بن داود بن طامي بن هامل بن هرمان بن فودي بن همول بن درمي بن قمائل بن صاما بن رغما بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح عليه السلام.
وكان مسيره إليه بسبب ما كان آتى خزقياً وبنو إسرائيل إلى جده سنحاريب عند غزوه إياهم، وتوسل إليه بذلك فقدمه في جماعة كثيرة، ثم اتبعه، فلما توافت العساكر ببيت المقدس، نصر بخترشه على بني إسرائيل لما أراد الله بهم من العقوبة، فسباهم، وهدم البيت وانصرف إلى بابل، ومعه يوياحن بن يوياقيم ملك بني أسرائيل في ذلك الوقت، من ولد سليمان بعد أن ملك متنيا عم يوحينا، وسماه صدقيا.
فلما صار بختنصر ببابل خالفه صدقيا، فغزاه بختنصر ثانية فظفر به، وأخرب المدينة والهيكل، وأوثق صدقيا، وحمله إلى بابل بعد أن ذبح ولده، وسمل عينيه. فمكث بنو إسرائيل ببابل إلى أن رجعوا إلى بيت المقدس، فكان غلبة بختنصر - المسمى بخترشه - على بيت المقدس إلى أن مات - في قوله هذا الذي حكينا قوله - أربعين سنة.
ثم قام من بعده ابن يقال له أولمرودخ، فملك الناحية ثلاثاً وعشرين سنة، ثم هلك وملك مكانه ابن يقال له بلتشصر بن أولمرودخ سنة، فلما ملك بلتشصر خلط في أمره، فعزله بهمن وملك مكانه على بابل. وما يتصل بها من الشأم وغيرها داريوش الماذوي، المنسوب إلى ماذي بن يافث بن نوح عليه السلام حين صار إلى المشرق، فقتل بلتشصر، وملك بابل وناحية الشأم ثلاث سنين. ثم عزله بهمن وولى مكانه كيرش الغيلمي، من ولد غيلم بن سام ابن نوح، الذي كان نزع إلى جامر مع ماذي عندما مضى جامر إلى المشرق، فلما صار الأمر إلى كيرش كتب بهمن أن يرفق ببني إسرائيل، ويطلق لهم النزول حيث أحبوا، والرجوع إلى أرضهم، وأن يولى عليهم من يختارونه، فاختاروا دانيال النبي عليه السلام، فولى أمرهم، وكان ملك كيرش على بابل وما يتصل بها ثلاث سنين، فصارت هذه السنون - من وقت غلبة بختنصر إلى انقضاء أمره وأمر ولده وملك كيرش الغيلمي - معدودة من خراب بيت المقدس، منسوبة إلى بختنصر، ومبلغها سبعون سنة.
ثم ملك بابل وناحيتها من قبل بهمن رجل من قرابته، يقال له أخشوارش ابن كيرش بن جاماسب، الملقب بالعالم، من الأربعة الوجوه الذين اختارهم بخترشه عند توجهه إلى الشأم من قبل بهمن، وذلك أن أخشوارش انصرف إلى بهمن من عند بختنصر محموداً، فولاه ذلك الوقت بابل وناحيتها، وكان السبب في ولايته - فيما زعم - أنّ رجلاً كان يتولى لبهمن ناحية السند والهند يقال له كراردشير بن دشكال خالفه، ومعه من الأتباع ستمائة ألف، فولى بهمن أخشويرش الناحية، وأمره بالمسير إلى كراردشير، ففعل ذلك وحاربه، فقتله وقتل أكثر أصحابه، فتابع له بهمن الزيادة في العمل، وجمع له طوائف من البلاد، فلزم السوس، وجمع الأشراف، وأطعم الناس اللحم، وسقاهم الخمر، وملك بابل إلى ناحية الهند والحبشة وما يلي البحر، وعقد لمائة وعشرين قائداً في يوم واحد الألوية، وصير تحت يد كل قائد ألف رجل من أبطال الجند الذين يعدل الواحد منهم في الحرب بمائة رجل، وأوطن بابل، وأكثر المقام بالسوس، وتزوج من سبى بن إسرائيل امرأة يقال لها أشتر ابنة أبي جاويل، كان رباها ابن عم لها يقال له مردخي، وكان أخاها من الرضاعة، لأن أم مردخي أرضعت أشتر، وكان السبب في تزوجه إياها قتله امرأة كانت له جليلة جميلة خطيرة يقال لها وشتا فأمرها بالبزور ليراها الناس ليعرفوا جلالتها وجمالها، فامتنعت من ذلك قتلها، فلما قتلها جزع لقتلها جزعاً شديداً، فأشير عليه باعتراض نساء العالم، ففعل ذلك، وحببت إليه أشتر صنعاً لبني إسرائيل، فتزعم النصارى أنها ولدت له عند مسيره إلى بابل ابناً فسماه كيرش، وأن ملك أخشويرش كان أربع عشرة سنة، وقد علمه مردخ التوراة، ودخل في دين بني إسرائيل، وفهم عن دانيال النبي عليه السلام ومن كان معه حينئذ، مثل حتنيا وميشايل وعازريا، فسألوه بأن يأذن لهم في الخروج إلى بيت المقدس فأبى وقال: لو كان معني منكم ألف نبي ما فارقني منكم أحد ما دمت حياً. وولى دانيال القضاء، وجعل إليه جميع أمره أن يخرج كل شيء في الخزائن مما كان بختنصر أخذه من بيت المقدس ويرده، وتقدم في بناء بيت المقدس، فبنى وعمر في أيام كيرش بن أخشويرش. وكان ملك كيرش، مما دخل في ملك بهمن وخماني اثنتين وعشرين سنة.
ومات بهمن لثلاثة عشرة سنة مضت من ملك كيرش، وكان موت كيرش لأربع سنين مضين من ملك خماني، فكان جميع ملك كيرش بن أخشويرش اثنتين وعشرين سنة.
فهذا ما ذكر أهل السير والأخبار في أمر بختنصر وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل.
وأمّا السلف من أهل العلم فإنهم قالوا في أمرهم أقوالاً مختلفة، فمن ذلك ما حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: حدثني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جنبير، أنه سمعه يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، حتى إذا بلغ: " بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد " بكى، وفاضت عيناه، ثم أطبق المصحف، فقال: ذلك ما شاء الله من الزمان! ثم قال: أي رب، أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه. فأرى في المنام مسكيناً ببابل يقال له بختنصر، فانطلق بمال وأعبد له - وكان رجلاً موسراً - فقيل له: أين تريد؟ فقال: أريد التجارة، حتى نزل داراً ببابل فاستكراها، ليس فيها أحد غيرهُ، فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه، فقال هل بقي مسكين غيركم؟ فقالوا: نعم مسكين بفج آل فلان مريض، يقال له بختنصر، فقال لغلمته: انطلقوا بنا، فانطلق حتى أتاه فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر، فقال لغلمته: احتملوه فنقله إليه فمرضه حتى برئ، وكساه وأعطاه نفقة، ثم أذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بختنصر، فقال الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئاً أجزيك! قال: بل شيئاً يسيراً، إن ملكت أطعتني. فجعل الآخر يتبعه ويقول تستهزئ بي! ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به. فبكى الإسرائيلي وقال: لقد علمتُ ما يمنعك ان تعطيني ما سألتك، إلا أن الله عز وجل يريد أن ينفذ ما قضى وكتب في كتابه.
وضرب الدهر من ضربه، فقال صيحون، وهو ملك فارس ببابل: لو أنا بعثنا طليعة إلى الشأم! قالوا: وما ضرك لو فعلت! قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان، فبعث رجلاً، وأعطاه مائة ألف، وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل في مطبخه، فلما قدم الشام رأى صاحبُ الطليعة أكثر أرض الله فرساً ورجلاً جلداً، فكسره ذلك في ذرعه، فلم يسأل، فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل؟ فلو غزوتموها، فما دون بيت مالها شيء. قالوا: لا نحسن القتال ولا نقاتل حتى تنفد مجالس أهل الشام، ثم رجعوا. فأخبر متقدم الطليعة ملكهم بما رأى، وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان. فرفع ذلك إليه، فدعاه فأخبره الخبر، وقال: إن فلاناً لما رأى أكثر أرض الله كراعاً ورجلاً جلداً، كسر ذلك في ذرعه، ولم يسألهم عن شيء، وإني لم أدع مجلساً بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا - للذي ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم - فقال متقدم الطليعة لبختنصر: فضحتني! لك مائة ألف وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعتُ. وضرب الدهر من ضربه، فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشأم، فإن وجدوا مساغاً ساغوا، وإلا امتشوا ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرك لو فعلت! قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان، قال: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبرني، فدعا بختنصر، فأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا، ورمى في جنازة صيحون، قالوا: استخلفوا رجلاً، قالوا: على رسلكم حتى نأتي أصحابكم، فإنهم فرسانكم، أن ينغصوا عليكم شيئاً! فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبى وما معه، فقسمه في الناس فقالوا: ما رأينا أحداً أحق بالملك من هذا! فملكوه.
وقال آخرون منهم: إنما كان خروج بختنصر إلى بني إسرائيل لحربهم حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء.
ذكر بعض من قال ذلك منهم:حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي، في الحديث الذي ذكرنا إسناده قبل: أن يختنصر بعثه صيحائين لحرب بني إسرائيل حين قتل ملكهم يحيى بن زكرياء عليه السلام، وبلغ صيحائين قتله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال - فيما بلغني: استخلف الله عز وجل على بني إسرائيل بعد شعيا رجلاً منهم يقال له ياشية بن أموص، فبعث الله لهم الخضر نبياً، واسم الخضر - فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل - إرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون.
وأما وهب بن منبه فإنه قال فيه ما حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني أنه كان يقول: قال الله عز وجل لإرميا حين بعثه نبياً إلى بني إسرائيل: " يا إرميا، من قبل أن أخلقك أخترتك، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبيتك، ومن قبل أن تبلغ الأشد اختبرتك، ولأمر عظيم اجتبيتك " فبعث الله عز وجل إرميا إلى ذلك الملك من بين إسرائيل يسدده ويرشده، ويأتيه بالخبر من قبل الله فيما بينه وبين الله عز وجل.
قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله صنع بهم، وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله عز وجل إلى إرميا أن أتت قومك من بني إسرائيل، فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمي عليهم، وعرفهم إحداثهم. فقال إرميا: إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لن تبلغني، مخطئ إن لم تسددني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزني. قال الله عز وجل: ألم تعلم أن الأمور كلها تصدرُ عن مشيئتي، وأن القلوب كلها والألسن بيدي، أقلبها كيف شئت فتطيعني! وإني أنا الله الذي لا شيء مثلي، قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي، وأنا كلمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها فعقلت أمري، وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدي حدي، تأتي بأمواج كالجبال، حتى إذا بلغت حدي ألبستها مذلة طاعتي خوفاً واعترافاً لأمري، إن معك ولن يصل إليك شيء معي، وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي، ونستحق بذلك مثل أجر من اتبعك منهم، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، وإن تقصر به عنها تستحق بذلك مثل وزر من تركت في عماه، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً. انطلق إلى قومك فقل: إن الله ذكر بكم صلاح آبائكم، فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء.
وسلهم كيف وجد أباءهم مغبة طاعتي، وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي! وهل علموا أن أحداً قبلهم أطاعني فشقى بطاعتي، أو عصاني فسعد بمعصيتي! وأن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها، وأن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولاً يتعبدونهم دوني، ويحكمون فهيم بغير كتابي. حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وعروهم مني. وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتي، وادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، جرأة علي وغرة، وفرية علي وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني! وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي! وهل ينبغي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني! وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد، ويتنزينون بعمارتها لغيري لطب الدنيا بالدين، ويتفقهون فيها لغير العلم، ويتعلمون فيها لغير العمل. وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترون، يخوضون مع الخائضين، فيتمنون على مثل نصرة آبائهم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي، وكيف كان جدهم في أمري، حين غير المغيرون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم، فصبروا وصدقوا حتى عز أمري، وظهر ديني، فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون، فأطولتُ لهم، وصفحت عنهم لعلهم يرجعون، وأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتفكرون، فأعذرت. وفي كل ذلك أمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض، وألبسهم العافية، وأظهرهم على العدو، فلا يزدادون إلا طغياناً وبعداً مني. فحي متى هذا! أني يتمرسون! أم إياي يخادعون! فإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ويضل فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم. ثم لأسلطن عليهم جباراً قاسياً عاتياً، ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرأفة والرحمة والليان، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، له عساكر مثل قطع السحاب، ومراكب أمثال العجاج، كأن خفيق راياته طيرانُ النسور، وكأن حملة فرسانه كرير العقبان.
ثم أوحى الله عز وجل إلى إرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث - ويافث أهل بابل، فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام - فلما سمع إرميا وحى ربه صاح وبكى وشق ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، فقال: ملعون يوم ولدت فيه، ويوم لقنت فيه التوراة، ومن شر أيامي يوم ولدت فيه، فما أبقيتُ آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي، لو أراد بي خيراً ما جعلني آخر الأبنياء من بني إسرائيل، فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك!
فلما سمع الله عز وجل تضرع الخضر وبكاءه، وكيف يقول، ناداه: يا إرميا، أشق عليك ما أوحيت لك! قال: نعم يا رب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه، وطابت نفسه وقال: لا، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق، لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبداً.
ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره بما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح، وقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا، وإن عفا عنّا فبقدرته.
ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتمادياً في الشر، وذلك حين أقترب هلاكهم، فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدينا وشأنها، فقال لهم ملكهم: يا بني إسرائيل، انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله، وقبل أن يبعث الله عليكم قوماً لا رحمة لهم بكم، فإن ربكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير، رحيم بمن تاب إليه. فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه. وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ ابن عابر - ونمروذ صاحب إبراهيم عليه السلام، الذي حاجه في ربه - أن يسير إلى بيت المقدس، ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل. فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم، فأرسل الملك إلى إرميا، فجاءه فقال: يا إرميا، أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك ألا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك! فقال إرميا للملك: إن ربي لا يخلف الميعاد، وأنا به واثق.
فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم، وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله عز وجل ملكاً من عنده، فقال له: اذهب إلى إرميا واستفته. وأمره بالذي يستفتيه فيه. فأقبل الملك إلى إرميا، وقد تمثل له رجلاً من بني إسرائيل. فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري، فأذن له، فقال له الملك: يا نبي الله، أتيتك أستفتيك في أهل رحمي، وصلتُ أرحامهم بما أمرني الله به، لم آت إليهم إلا حسناً، ولم آلهم كرامة. فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطاً لي، فأفتنى فيهم يا نبي الله! فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله، وصل ما أمرك الله أن تصل وأبشر بخير. قال: فانصرف عنه الملك، فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي كان جاءه، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال. أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك في شأن أهلي، فقال له نبي الله: أو ما طهرت لك أخلاقهم بعد، ولم تر منهم الذي تحب! قال: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامةً يأتيها أحد من الناس إلا أهل رحمه إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك. فقال النبي: ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم، واسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، وأن يجمعكم على مرضاته، ويجنبكم سخطه. فقام الملك من عنده فلبث أياماً وقد نزل بختصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعاً شديداً، وشق ذلك على ملك بني إسرائيل فدعا إرميا فقال: يا نبي الله، أين ما وعدك الله؟ فقال: إني بربي واثق. ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده، فقعد بين يديه، فقال له إرميا: من أنت؟ قال: أنا الذي كنت أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال له النبي: أو لم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه! فقال الملك: يا نبي الله، كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أن مآلهم في ذلك سخطي، فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عملٍ لا يرضاه الله ولا يحبه، قال له النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: يا نبي الله، رأيتهم على عملٍ عظيم من سخط الله، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم، لم يشتد غضبي عليهم، وصبرت لهم ورجوتهم، ولكني غضبت اليوم لله ولك، فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله الذي هو بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم أن يهلكهم الله. قال إرميا: يا ملك السموات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم.
فلما خرجت الكلمة من في إرميا أرسل الله عز وجل صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها.
فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه،ونبذ التراب على رأسه، وقال: يا ملك السماء ويا أرحم الراحمين، أين ميعادك الذي وعدتني! فنودي: يا إرميا، إنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا. فاستيقن النبي أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات، وأنه رسول ربه.
وطار إرميا حتى خالط الوحوش، ودخل بختصر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشأم، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً ثم يقذقه في بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملئوه. ثم انصرف راجعاً إلى أرض بابل، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل، وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بين إسرائيل، فاختار منهم مائة ألف صبي، فلما خرجت غنائم جنده، وأراد أن يقسمها فيهم، قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك عنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل. ففعل فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة - وكان من أولئك الغلمان: دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل - وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زبالون ابن يعقوب، ونفثالي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي ابني يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ومن بقي من بني إسرائيل. وجعلهم بختنصر ثلاث فرق، فثلثا أقر بالشام. وثلثاً سبى، وثلثاً قتل. وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل. وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل، وكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم.
فلما ولى بختنصر عنهم راجعاً إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في ركوة وسلة تين، حتى غشى إيلياء فلما وقف عليها ورأى ما بها من الخراب دخله شك، فقال: إني يحيى هذه الله بعد موتها! فأماته الله مائة عام، وحماره وعصيره وسلة تينه عنده حيث أماته الله وأمات حماره معه، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، ثم بعثه الله فقال له: " كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه " - يقول لم يتغير - " وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً " فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض - وقد كان مات معه - بالعروق والعصب، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوى، ثم جرى فيه الروح، فقال ينهق. ثم نظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير. فلما عاين من قدرة الله ما عاين، قال: " أعلم أن الله على كل شيء قدير " ثم عمر الله إرميا بعد ذلك فهو الذي يرى بفلوات الأرض والبلدان.
ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم، ثم رأى رؤيا، فبينما هو قد أعجبه ما رأى إذ رأى شيئاً أصابه فأنساه الذي كان رأى، فدعا دانيال، وحنانيا وعزاريا، وميشايل من ذ رارى الأنبياء، فقال: أخبروني عن رؤيا رأيتها، ثم أصابني شيء فأنسانيها، وقد كانت أعجبتني ما هي؟ قالوا له: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها، قال: ما أذكرها، وإن لم تخبروني بتأويلها لأنزعن أكتافكم. فخرجوا من عنده، فدعوا الله واستغاثوا وتضرعوا إليه، وسألوه أن يعلمهم إياها. فأعلمهم الذي سألهم عنه. فجاءوه فقالوا له: رأيت تمثالاً؟ قال: صدقتم، قالوا: قدماه وساقاه من فخار، وركبتاه وفخذاه من نحاس، وبطنه من فضة، وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد. قال: صدقتم. قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك، فأرسل الله عليه صخرة من السماء فدقته، فهي التي أنستكها. قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها أنك أريتَ ملك الملوك، فكان بعضهم ألين ملكاً من بعض، وبعضهم كان أحسن ملكاً من بعض، وبعضهم كان أشد ملكاً من بعض، فكان أول الملك الخفار وهو أضعفه وألينه. ثم كان فوقه النحاس وهو أفضل منه وأشد، ثم كان فوق النحاس الفضة وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثم كان فوق الفضة الذهب، فهو أحسن من الفضة وأفضل، ثم كان الحديد ملكك، فهو كان أشد الملوك وأعز مما كان قبله، وكانت الصخرة التي رأيت أرسل الله عليه من السماء فدقته، نبياً يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع، ويصير الأمر إليه.
ثم إن أهل بابل قالوا لبختنصر أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت! فإنا والله لقد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا، لقد رأينا نساءنا علقن بهم، وصرفن وجوههن إليهم، فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم، قال: شأنكم بهم، فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل، فأخرجوهم فلما قربوهم للقتل تضرعوا إلى الله قال: شأنكم بهم. فلما قربوهم للقتل تضرعوا إلى الله فقالوا: يا ربنا، أصابنا البلاء بذنوب غيرنا، فتحنن الله عليهم برحمته، فوعدهم أن يحيهم بعد قتلهم، فقتلوا إلا من اشتبقى بختنصر منهم، وكان ممن استبقى منهم: دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشايل.
ثم إن الله تبارك وتعالى حين أراد هلاك بختنصر، انبعث فقال لمن كان في يديه من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي أخربت، وهؤلاء الناس الذين قتلت، من هم؟ وما هذ ا البيت؟ قالوا: هذا بيت الله ومسحد من مساجده، وهؤلاء أهله كانوا من ذرارى الأنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا فسلطت عليهم بذبوهم، وكان ربهم رب السموات والأرض، ورب الخلق كلهم يكرمهم ويمنعهم ويعزهم، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم.
قال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا، لعلي أطلع إليها فأقتل من فيها وأتخذها ملكاً؟، فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها، قالوا له: ما تقدر على ذلك وما يقدر على ذلك أحد من الخلائق، قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم، فبكوا إلى الله وتضرعوا إليه، فبعث الله بقدرته - ليريه ضعفه وهوانه عليه - بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت في دماغه حتى عضت بأم دماغه، فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه، فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله: إذا مت فشقوا رأسي، فانظروا ما هذا الذي قتلني؟ فلما مات شقوا رأسه، فوجدوا البعوضة عاضة بأم دماغه ليرى الله العباد قدرته وسلطانه، ونجى الله من كان بقي في يديه من بني إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى الشأم وإلى إيلياء المسجد المقدس، فبنوا فيه وربلوا وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه.
فيزعمون - والله أعلم - أن الله أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم.
ثم إنهم لما دخلوا الشأم دخلوها وليس معهم عهد من الله، كانت التوراة قد استبيت منهم فحرقت وهلكت، وكان عزير من السبايا الذين كانا ببابل فرجع إلى الشأم يبكي عليها ليله ونهاره، قد خرج من الناس فتوحد منهم، وإنما هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكي، فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها، إذا أقبل إليه رجل وهو جالس، فقال: يا عزير ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب الله وعهده، كان بين أظهرنا فبلغت بنا خطايانا، وغضب ربنا علينا أن سلط علينا عدونا، فقتل رجالنا، وأخرب بلادنا، وأحرق كتاب الله الذي بين أظهرنا، الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره - أو كما قال - فعلام أبكي إذا لم أبك على هذا! قال: أفتحب أن يرد ذلك عليك؟ قال: وهل إلى ذلك من سبيل؟ قال: نعم أرجع فصم وتطهر وطهر ثيابك، ثم موعدك هذا المكان غداً. فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه، ثم عمد إلى المكان الذي وعده. فجلس فيه، فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء - وكان ملكاً بعثه الله إليه - فسقاه من ذلك الإناء، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها وحدودها، فأحبوه حباً لم يحبوه شيئاً قط، وقامت التوراة بين أظهرهم، وصلح بها أمرهم، وأقام بين أظهرهم عزير مؤدياً لحق الله، ثم قبضه الله على ذلك، ثم حدثت فيهم الأحداث حتى قالوا لعزير: هو ابن الله، وعاد الله عليهم فبعث فيهم نبياً كما كان يصنع بهم، يسدد أمرهم، ويعلمهم ويأمرهم بإقامة التوراة وما فيها.
وقال جماعة آخر عن وهب بن منبه في أمر بختنصر وبني إسرائيل وغزوه إياهم أقوالاً غير ذلك، تركنا ذكرها كراهة إطالة الكتاب بذكرها.
ذكر خبر غزو بختنصر للعربحدثت عن هشام بن محمد، قال: كان بدء نزول العرب أرض العراق وثبوتهم فيها، واتخاذهم الحيرة والأنبار منزلاً - فيما ذكر لنا والله أعلم - أن الله عز وجل أوحى إلى برخيا بن أحنيا بن زر بابل بن شلتيل من ولد يهوذا - قال هشام: قال الشرقي: وشلتيل أول من اتخذ الطفشيل - أن ائت بختنصر وأمره أن يغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم ولا أبواب، ويطأ بلادهم بالجنود، فيقتل مقاتلتهم ويستبيح أموالهم، وأعلمه كفرهم بي، واتخاذهم الآلهة دوني، وتكذيبهم أنبيائي ورسلي.
قال: فأقبل برخيا من نجران حتى قدم على بختنصر ببابل - وهو نبوخذ نصر فعربته العرب - وأخبره بما أوحي الله إليه وقص عليه ما أمره به وذلك في زمان معد بن عدنان قال فوثب بختنصر من كان في بلاده من تجار العرب، وكانوا يقدمون عليهم بالتجارات والبياعات، ويمتارون من عندهم الحب والتمر والثياب وغيرها.
فجمع من ظفر به منهم، فبنى لهم حيراً على النجف وحصنه، ثم ضمهم فيه ووكل بهم حرساً وحفظة، ثم نادى في الناس بالغزو، فتأهبوا لذلك وانتشر الخبر فيمن يليهم من العرب، فخرجت إليه طوائف منهم مسالمين مستأمنين، فاستشار بختنصر فيهم برخيا، فقال: إن خروجهم إليك من بلادهم قبل نهوضك إليهم رجوعاً منهم عما كانوا عليه، فأقبل منهم، فأحسن إليهم.
قال: فأنزلهم بختنصر السواد على شاطئ الفرات، فابتنوا موضع عسكرهم بعد، فسموه الأنبار. قال: وخلى عن أهل الحير، فاتخذوها منزلاً حياة بختنصر، فلما مات انضموا إلى أهل الأنبار، وبقي ذلك الحير خراباً.
وأما غير هشام من أهل العلم بأخبار الماضين فإنه ذكر أن معد بن عدنان لما ولد، ابتدأت بنو إسرائيل بأنبيائهم فقتلوهم، فكان آخر من قتلوا يحيى بن زكريا، وعدا أهل الرس على نبيهم فقتلوه، وعدا أهل حضور على نبيهم فقتلوه، فلما أجترءوا على أنبياء الله أذن الله في فناء ذلك القرن الذين معد بن عدنان من أنبيائهم، فبعث الله بختنصر على بني إسرائيل، فلما فرغ من إخراب المسجد الأقصى والمدائن وانتسف بني إسرائيل نسفاً، فأوردهم أرض بابل أرى فيما يرى النائم - أو أمر بعض الأنبياء أن يأمره - أن يدخل بلاد العرب فلا يستحي فيها إنسياً ولا بهيمة، وأن ينتسف ذلك نسفاً، حتى لا يبقى لهم أثراً. فنظم بختنصر ما بين إيلة والأبلة خيلا ورجلاً، ثم دخلوا على العرب فاستعرضوا كل ذي روح أتوا عليه وقدروا عليه. وأن الله تعالى أوحى إلى إرميا وبرخيا أنّ الله قد أنذر قومكما، فلم ينتهوا، فعادوا بعد الملك عبيداً، وبعد نعيم العيش عالة يسألون الناس، وقد تقدمت إلى أهل عربة بمثل ذلك فأبوا إلا الحاجة، وقد سلطت بختنصر عليهم لأنتقم منهم، فعليكما بمعدّ بن عدنان، الذي ولده محمد الذي أخرجه في آخر الزمان، أختم به النبوة، وأرفع به من الضعة.
فخرجا تطوى لهما الأرض حتى سبقا بختنصر، فلقيا عدنان قد تلقاهما، فطوياه إلى معد، ولمعدّ يومئذ اثنتا عشرة سنة، فحمله برخيا على البراق، وردف خلفه، فانتهيا إلى حران من ساعتهما، وطويت الأرض لإرميا فأصبح بحران، فالتقى عدنان وبختنصر بذات عرق، فهزم بختنصر عدنان، وسار في بلاد العرب، حتى قدم إلى حضور واتبع عدنان، فانتهى بختنصر إليها، وقد اجتمع أكثر العرب من أقطار من عربة إلى حضور، فخندق الفريقان، وضرب بختنصر كميناً - وذلك أول كمين كان فيما زعم - ثم نادى منادٍ من جو المساء: بالثارات الأنبياء! فأخذتهم السيوفُ من خلفهم ومن أيديهم، فندموا على ذنوبهم، فنادوا بالويل، ونهى عدنان عن بختنصر ونهى بختنصر عن عدنان، وافترق من لم يشهد حضور، ومن أفلت قبل الهزيمة فرقتين: فرقة أخذت إلى يسوب وعليهم عك، وفرقة قصدت لوبار وفرقة حضر العرب، قال: وإياهم عنى الله بقوله: " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة " ، كافرة الأهل، فإن العذاب لما نزل بالقرى وأحاط بهم في آخر وقعة ذهبوا ليهربوا فلم يطيقوا الهرب، " فلما أحسوا بأسنا " انتقمنا منهم " إذ هم منها يركضون " يهربون، قد أخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم. " لا تركضوا " لا تهربوا " وارجعوا إلى ما أترفتم فيه " إلى العيشة على النعم المكفورة " ومساكنكم " مصيركم " لعلكم تسألون " . فلما عرفوا أنه واقع بهم أقروا بالذنوب، فقالوا: " يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين " ، موتى وقتلى بالسيف فرجع بختنصر إلى بابل بما جمع من سبايا عربة فألقاهم بالأنبار، فقيل أنبار العرب، وبذلك سميت الأنبار، وخالطهم بعد ذلك النبط.
فلما رجع بختنصر مات عدنان وبقيت بلاد العرب خراباً حياة بختنصر، فلما مات بختنصر خرج معد بن عدنان معه الأنبياء، أنبياء بني إسرائيل صلوات الله عليهم حتى أتى مكة فأقام أعلامها، فحج وحج الأنبياء معه، ثم خرج معد حتى أتى ريسوب فاستخرج أهلها، وسأل عمن بقي من ولد الحارث بن مضاضٍ الجرهمي، وهو الذي قاتل دوس العتق، فأفنى أكثرهم جرهم على يديه، فقيل له: بقي جوشم بن جلهمة، فتزوج معدّ ابنته معانة، فولدت له نزار بن معد.
رجع الخبر إلى قصة بشتاسب
وذكر ملكه والحوادث التي كانت في أيام ملكه التي جرت على يديه ويد غيره
من عماله في البلاد خلا ما جرى من ذلك على يد بختنصر
ذكر العلماء بأخبار الأمم السالفة من العجم والعرب، أن بشتاسب بن كي لهراسب لما عقد له التاج، قال يوم ملك: نحن صارفون فكرنا وعملنا وعلمنا إلى كل ما ينال به البرّ. وقيل: إنه ابتنى بفارس مدينة فسا، وببلاد الهند وغيرها بيوتاً للنيران، ووكل بها الهرابذة، وإنه رتب سبعة نفر من عظماء أهل مملكته مراتب، وملك كل واحد منهم ناحية جعلها له، وإن زرادشت ابن أسفيمان ظهر بعد ثلاثين سنة من ملكه فادعى النبوة، وأراده على قبول دينه، فامتنع من ذلك ثم صدقه، وقبل ما دعاه إليه وأتاه به من كتاب ادعاه وحياً، فكتب في جلد اثنى عشرة ألف بقرة حفراً في الجلود، ونقشاً بالذهب، وصير بشتاسب ذلك في موضع من إصطخر، يقال له دزنبشت، وكل به الهرابذة، ومنع تعليمه العامة. وكان بشتاسب في أيامه تلك مهادناً لخرزاسف بن كي سواسف، أخي فراسياب ملك الترك على ضربٍ من الصلح، وكان من شرط ذلك الصلح أن يكون لبشتاسب بباب خرزاسف دابةٌ موقوفة بمنزلة الدواب التي تنوب على أبواب الملوك، فأشار زرادشت على بشتاسب بمفاسدة ملك الترك، فقبل ذلك منه، وبعث إلى الدابة والموكل بها، فصرفهما إليه، وأظهر الخبر لخرزاسف، فغضب من ذلك - وكان ساحراً عاتياً - فأجمع على محاربة بشتاسب، وكتب إليه كتاباً غليظاً عنيفاً، أعلمه فيه أنه أحدث حدثاً عظيماً، وأنكر قبوله ما قبل زرادشت، وأمره بتوجيهه إليه، وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه، ودماء أهل بيته.
فلما ورد الرسول بالكتاب على بشتاسب، جمع إليه أهل بيته وعظماء أهل مملكته، وفيهم جاماسف عالمهم وحاسبهم، وزرين بن لهراسب. فكتب بشتاسب إلى ملك الترك كتاباً غليظاً جواب كتابه، آذنه فيه بالحرب، وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك. فسار بعضهما إلى بعض، مع كل واحد منهما من المقاتلة ما لا يحصى كثرة، ومع بشتاسب يومئذ زرين أخوه ونسطور ابن زرين وإسفنديار وبشوتن ابنا بشتاسب، وآل لهراسب جميعاً، ومع خرزاسف وجوهر مز واندرمان أخواه وأهل بيته، وبيدرفش الساحر، فقتل في تلك الحروب زرين، واشتد ذلك على بشتاسب، فأحسن الغناء عنه ابنه إسفنديار، وقتل بيدرفش مبارزة، فصارت الدبرة على الترك، فقتلوا قتلاً ذريعاً، ومضى خرزاسف هارباً، ورجع بشتاسب إلى بلخ، فلما مضت لتلك الحروب سنون سعى على إسفنديار رجل يقال له قرزم، فأفسد قلب بشتاسب عليه، فند به لحرب بعد حرب، ثم أمر بتقييده وصيره في الحصن الذي فيه حبس النساء، وشخص بشتاسب إلى ناحية كرمان وسجستان، وصار منهاإلى جبل يقال له طميذر لدراسة دينه والنسك هناك، وخلف لهراسب أباه مدينة بلخ شيخاً قد أبطله الكبر، وترك خزائنه وأمواله ونساءه مع خطوس امرأته، فحملت الجواسيس الخبر إلى خزاسف، فلما عرف جمع جنوداً لا يحصون كثرة، وشخص من بلاده نحو بلخ، وقد أمل أن يجد فرصة من بشتاسب ومملكته. فلما انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهر مز أخاه - وكان مرشحاً للملك بعده في جماعة من المقاتلة كثيرة - وأمره أن يغذ السير حتى يتوسط المملكة ويوقع بأهلها، ويغير على القرى والمدن، ففعل ذلك جوهرمز، وسفك الدماء واستباح من الحرم ما لا يحصى، واتبعه خرزاسف فأحرق الدواوين، وقتل لهراسف والهرابذة، وهدم بيوتَ النيران، واستولى على الأموال والكنوز، وسبى ابنتين لبشتاسب، يقال لإحداهما: خماني، وللأخرى باذافره، وأخذ - فميا أخذ - العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه درفش كابيان وشخص متبعاً لبشتاسب، وهرب منه بشتاسب حتى تحصن في تلك الناحية مما يلي فارس في الجبل الذي يعرف بطميذر، ونزل ببشتاسب ما ضاق به ذرعاً، فيقال إنه لما اشتد به الأمر خروجه إلى إسفنديار جاماسب حتى استخرجه من محبسه، ثم صار به إليه، فلما أدخل عليه اعتذر إليه، ووعده عقد التاج على رأسه، وأن يفعل به مثل الذي فعل لهراسب به، وقلده القيام بأمر عسكره، ومحاربة خرزاسف.
فلما سمع إسفنديار كلامه كفر له خاشعاً، ثم نهض من عنده، فتولى عرض الجند وتمييزهم، وتقدم فيما احتاج إلى التقدم فيه، وبات ليلته مشغولاً بتعبئته، فلما أصبح أمر بنفخ القرون، وجمع الجنود، ثم سار بهم نحو عسكر الترك، فلما رأت الترك عسكره خرجوا في وجوههم بتسابقون، وفي القوم جوهرمز وأندرمان، فالتحمت الحرب بينهم، وانقض إسفنديار وفي يده الرمح كالبرق الخاطف، حتى خالط القوم، وأكبّ عليهم بالطعن، فلم يكن إلا هنيهة حتى ثلم في العسكر ثلمة عظيمة، وفشا في الترك أن إسفندريار قد أطلق من الحبس، فانهزموا لا يلوون على شيء، وانصرف إسفنديار، وقد ارتجع العلم الأعظم، وحمله معه منشوراً، فلما دخل على بشتاسب استبشر بظفره، وأمره باتباع القوم، وكان مما أوصاه به أن يقل خرزاسف إن قدر عليه بلهراسف، ويقتل جوهر مز وأندرمان بمن قتل من ولده، ويهدم حصون الترك ويحرق مدنها، ويقتل أهلها بمن قتلوا من حملة الدين، ويستنقذ السبايا. ووجه معه ما احتاج إليه من القواد والعظماء.
فذكروا أن إسفنديار دخل بلاد الترك من طريق لم يرمه أحد قبله، وأنه قام - من حراسة جنده، وقتل ما قتل من السباع، ورمى العنقاء المذكورة - بما لم يقم به أحد قبله، ودخل مدينة الترك التي يسمونها دزر وئين - وتفسيرها بالعربية الصفرية - عنوة حتى قتل الملك وإخوته ومقاتلته، واستباح أمواله وسبى نساءه، واستنقذ أختيه، وكتب بالفتح إلى أبيه، وكان أعظم الغناء في تلك المحاربة بعد إسفنديار لفشوتن أخيه وأدرنوش ومهرين ابن ابنته. ويقال إنهم لم يصلوا إلى المدينة حتى قطعوا أنهاراً عظيمة مثل كاسروذ، ومهرروذ، ونهرا آخر لهم عظيماً، وإن إسفنديار دخل أيضاً مدينة كانت لفراسياب، يقال لها وهشكند، ودوخ البلاد وصار إلى آخر حدودها، وإلى أتبت وباب صول، ثم قطع البلاد وصير كل ناحية منها إلى رجل من وجوه الترك بعد أن آمنهم، ووظف على كل واحد منهم خراجاً يحمله إلى بشتاسب في كل سنة، ثم انصرف إلى بلخ.
ثم إن بشتاسب حسد ابنه إسفنديار لما ظهر منه، فوجهه إلى رستم بسجستان، فحدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال: قد كان بشتاسب جعل الملك من بعده لابنه إسفنديار، وأغزاه الترك، فظفر بهم، وانصرف إلى أبيه، فقال له: هذا رستم متوسطاً بلادنا، وليس يعطينا الطاعة لادعائه ما جعل له قابوس من العتق من رق الملك، فسر إليه فأتنى به، فسار إسفنديار إلى رستم فقاتله، فقتله رستم. ومات بشتاسب، وكان ملكه مائة سنة واثنتى عشرة سنة.
وذكر بعضهم أن رجلاً من بني إسرائيل، يقال له سمى كان نبياً، وأنه بعث إلى بشتاسب فصار إليه إلى بلخ، ودخل مدينتها، فأجتمع هو وزرادشت صاحب المجوس، وجاماسب العالم بن فخد، وكان سمى يتكلم بالعبرانية ويعرف زرادشت ذلك بتلقين، ويكتب بالفارسية ما يقول سمى بالعبرانية، ويدخل جاماسب معهما في ذلك، وبهذا السبب سمى جاماسب العالم.
وزغم بعض العجم أن جاماسب هو ابن فخد بن هو بن حكاو بن نذكاو بن فرس بن رج بن خوراسرو بن منوشهر الملك، وأن زرادشت بن يوسيسف ابن فردواسف بن اربحد بن منجدسف بن جخشنش بن فيافيل بن الحدي ابن هردان بن سفمان بن ويدس بن أدرا بن رج بن خوراسرو بني منو شهر.
وقيل إن بشتاسب وأباه لهراسب كانا على دين الصابئين، حتى أتاه سمى وزرادشت بما أيتاه به، وأنهما أتياه بذلك لثلاثين سنة مضت من ملكه.
وقال هذا القائل: كان ملك بشتاسب مائة وخمسين سنة، فكان ممن رتب بشتاسب من النفر السبعة المراتب الشريفة، وسماهم عظماء بهكا بهند ومسكنه دهستان من أرض جرجان،وقارن الفلهوي ومسكنه ما نهاوند، وسورين الفلهوي ومسكنه سجستان، وإسفنديار الفلهوي ومسكنه الرى.
وقال آخرون: كان ملك بشتاسب مائة وعشرين سنة.
ذكر الخبر عن ملوك اليمن في أيام قابوس
وبعده إلى عهد بهمن بن إسفنديار
قال أبو جعفر: قد مضى ذكرنا الخبر عمن زعم أن قابوس كان في عهد سليمان بن داود عليهما السلام، ومضى ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت إيليشرح.
فحدثت عن هشام بن محمد الكلبي أن الملك باليمن صار بعد بلقيس إلى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي كان يقال له ياسر أنعم. قال: وإنما سموه ياسر أنعم لإنعامه عليهم بما قوى من ملكهم،وجمع من أمرهم.
قال: فزعم أهل اليمن أنه سار غازياً نحو المغرب حتى بلغ وادياً يقال له وادي الرمل، ولم يبلغه أحد قبله، فلما انتهى إليه لم يجد وراءه مجازاً لكثرة الرمل، فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل، فأمر رجلاً من أهل بيته - يقال له عمرو - أن يعبر هو وأصحابه، فعبروا فلم يرجعوا. فلما رأى ذلك أمر بصنم نحاس فصنع، ثم نصب على صخرة على شفير الوادي، وكتب في صدره بالمسند: " هذا الصنم لياسر أنعم الحميري،وليس وراءه مذهب، قلا يتكلفن ذلك أحدٌ فيعطب " .
قال: ثم ملك من بعده تبع، وهو تبان أسعد، وهو أبو كرب بن ملكي كرب تبع بن زيد بن عمرو بن تبع، وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبع ذي المنار ابن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ. قال: وكان يقال له الرائد.
قال: فكان تبع هذا في أيام بشتاسب وأردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، وأنه شخص متوجهاً من اليمن في الطريق الذي سلكه الرائش، حتى خرج على جبلي طيء، ثم سار يريد الأنبار فلما انتهى إلى الحيرة وذلك ليلاً بخير فأقام مكانه وسمى ذلك الموضع الحيرة ثم سار وخلف به قوماً من الأزد ولخم وجذام وعاملة وقضاعة، فبنوا وأقاموا به، ثم انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيئ وكلب والسكون وبلحارث بن كعب وإياد. ثم توجه إلى الأنبار ثم إلى الموصل، ثم إلى أذربيجان، فلقى الترك بها فهزمهم، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، ثم أنكفأ راجعاً إلى اليمن. فأقام بها دهراً، وهابته الملكوك وعظمته وأهدت إليه. فقدم عليه رسول ملك الهند بالهدايا والتحف، من الحرير والمسك والعود وسائر طرف بلاد الهند، فرأى ما لم ير مثله، فقال ويحك! أكل ما أرى في بلادكم! فقال: أبيت اللعن! أقل ما ترى في بلادنا، وأكثره في بلاد الصين، ووصف له بلاد الصين وسعتها وخصبها وكثرة طرفها فآلى بيمين ليغزونها. فسار بحمير مساحلا، حتى أتى الزكائك وأصحاب القلانس السود، ووجه رجلاً من أصحابه، يقال له ثابت نحو الصين، في جمع عظيم فأصيب، فسار تبع حتى دخل الصين، فقتل مقاتلها، واكتسح ما وجد فيها. قال: ويزعمون أن مسيره كان إليها ومقامه بها ورجعته منها في سبع سنين، وأنه خلّف بالتبت اثنى عشر ألف فارس من حمير، فهم أهل التبت، وهم اليوم يزعمون أنهم عرب، وخلقهم وألوانهم خلق العرب وألوانها.
حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان، قال: قرأت على عبد الله، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة: أن تبعاً خرج في العرب يسير، حتى تحيروا بظاهر الكوفة، وكان منزلاً من منازله، فبقى فيها من ضعفة الناس فسميت الحيرة لتحيرهم وخرج تبع سائراً فرجع إليهم وقد بنوا وأقاموا، وأقبل تبع إلى اليمن وأقاموا هم، ففيهم من قبائل العرب كلها من بني لحيان، وهذيل وتميم، وجعفى وطيء، وكلب.
ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خمانىثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن، فذكر أنه قال يوم ملك وعقد التاج على رأسه: نحن محافظون على الوفاء، ودائنون رعيتنا بالخير، فكان يدعى أردشير الطويل الباع، وإنما لقب بذلك - فيما قيل - لتناوله كل ما مدّ إليه يده من الممالك التي حوله، حتى ملك الأقاليم كلها، وقيل إنه ابتنى بالسواد مدينة، وسماها آباد أردشير هي القرية المعروفة بهمينا في الزاب الأعلى، وابتنى بكور دجلة مدينة وسماهن بهمن أردشير، وهي الأبلة، وسار إلى سجستان طلباً بثأر أبيه، فقتل رستم وأباه دستان وأخاه إزواره وابنه فرمرز، واجتبى الناس لأرزاق الجند ونفقات الهرابذة وبيوت النيران وغير ذلك أموالاً عظيمة، وهو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الأخر أردشير بن بابك وولده، وأم دارا خماني بنت بهمن.
فحدثت عن هشام بن محمد قال: ملك بعد بشتاسب أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، وكان - فيما ذكروا - متواضعاً مرضياً فيهم، وكانت كتبه تخرج من أردشير: عبد الله وخادم ا لله، السائس لأمركم. قال: ويقال أنه غزا الرومية الداخلة في ألف ألف مقاتل.
وقال غير هشام: هلك بهمن ودارا في بطن أمه، فملكوا خماني شكرا لأبيها بهمن، ولم تزل ملوك الأرض تحمل إلى بهمن الإتاوة والصلح، وكان من أعظم ملوك الفرس - فيما قالوا - شأناً، وأفضلهم تدبيراً، وله كتب ورسائل تفوق كتب أردشير وعهده، وكانت أم بهمن أستوريا، وهي أستار بنت يائير بن شمعى بن قيس بن ميشا بن طالوت الملك بن قيس ابن أبل بن صارور بن بحرث بن أفيح بن إيشي بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام. وكانت أمّ ولده راحب بنت فنحس من ولد رحبعم بن سليمان بن داود عليه السلام. وكان بهمن ملك أخاها زر بابل بن شلتايل على بني إسرائيل، وصير له رياسة الجالوت، ورده إلى الشام بمسألة راحب أخته إياه ذلك، فتوفى بهمن يوم توفى وله من الولد: ابناه دارا الأكبر وساسان، وبناته: خمانى التي ملكت بعده، وفرنك وبهمن دخت، وتفسير بهمن بالعربية الحسن النية، وكان ملكه مائة واثنتى عشرة سنة.
فأما ابن الكلبي هشام فإنه قال: كان ملكه ثمانين سنة.
ثم ملكت خماني بنت بهمن، وكانوا ملكوها حباً لأبيها بهمن، وشكراً لإحسانه ولكمال عقلها وبهائها وفروسيتها ونجدتها - فيما ذكره بعض أهل الأخبار - فكانت تلقب بشهرازاد. وقال بعضهم: إنما ملكت خمانى بعد أبيها بهمن أنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك، ففعل ذلك بهمن بدارا، وعقد عليه التاج حملاً في بطنها، وساسان ابن بهمن في ذلك الوقت رجل يتصنع للملك لا يشك فيه. فلما رأى ساسان ما فعل أبوه في ذلك لحق بإصطخر، فتزهد وخرج من الحلية الأولى وتعبد فلحق برؤوس الجبال يتعبد فيها، واتخذ عنيمة، فكان يتولى ما شيته بنفسه، واستشنعت العامة ذلك من فعله، وفظعت به، وقالوا: صار ساسان راعياً، فكان ذلك سبب نسبة الناس إياه إلى الرعي، وأم ساسان انبة شالتيال ابن يوحنّا بن أوشيا بن أمون بن منشى بن حازقيا بن أحاذ بن يوثام بن عوزيا ابن يورام بن يوشافط بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود.
وقيل: إن بهمن هلك وابنه دارا في بطن خمانى، وأنها ولدته بعد أشهر من ملكها وأنفت من إظهار ذلك، فجعلته في تابوت، وصيرت معه جوهراً نفيساً وأجرته في نهر الكبر من إصطخر. وقال بعضهم: بل نهر بلخ، وإن التابوت صار إلى رجل طحان من أهل إصطخر، كان له ولد صغير فهلك، فلما وجده الرجل أتى به امرأته، فسرت به لجماله ونفاسة ما وجد معه، فحضنوه، ثم أظهر أمره حين شب، وأقرت خمانى بإساءتها إليه وتعريضها إياه للتلف، فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون عليه أبناء الملوك، فحولت التاج عن رأسها إليه، وتقلد أمر المملكة، وتنقلت خمانى وصارت إلى فارس وبنت مدينة إصطخر، وأغزت الروم جيشاً بعد جيش، وكانت قد أوتيت ظفراً، فقمعت الأعداء، وشغلتهم عن تطرف شيء من بلادها،ونال رعيتُها في ملكها رفاهة وخفضاً. وكانت خماني حين أغزت أرض الروم سبى لها منها بشرٌ كثير، وحملوا إلى بلادها، فأمرت من فيهم من بنائي الروم، فبنوا لها في كلّ موضع من حيز مدينة إصطخر بنياناً على بناء الروم منيفاً معجباً، أحد ذلك البنيان في مدينة إصطخر. والثاني على المدرجة التي تسلك فيها إلى دارا بجرد، على فرسخ من هذه المدينة. والثالث على أربعة فراسخ منها في المدرجة التي تسلك فيها إلى خراسان. وإنها أجهدت نفسها في طلب مرضاة الله عز وجل، فأوتيت الظفر والنصر، وخففت عن رعيتها في الخراج.
وكان ملكها ثلاثين سنة.
ثم نرجع الآن إلى:
ذكر خبر بني إسرائيل
ومقابلة تأريخ مدة أيامهم إلى حين تصرمها بتأريخ مدة من كان في أيامهم من
ملوك الفرس
قد ذكرنا فيما مضى قبلُ سبب انصراف من انصرف إلى بيت المقدس من سبايا بني إسرائيل الذين كان بختنصر سباهم وحملهم معه إلى أرض بابل، وأنّ ذلك كان في أيام كيرش بن أخشويرش وملكه ببابل من قبل بهمن بن إسفنديار في حياته وأربع سنين بعد وفاته في ملك ابنته خمانى، وأن خمانى عاشت بعد هلاك كيرش بن أخشويرش ستاً وعشرين سنة في ملكها، تمام ثلاثين سنة. وكانت مدة خراب بيت المقدس من لدن خربه بختنصر إلى إن عمر - فيما ذكره أهل الكتب القديمة والعلماء بالإخبار - سبعين سنة، كل ذلك في أيام بهمن بن إسفنديار بن لهراسب بعضه وبعضه في أيام خمانى، على ما قد بين في هذا الكتاب.
وقد زعم بعضهم أن كيرش هو بشتاسب، وأنكر ذلك من قبله بعضهم وقال: كي أرش إنما هو عم لجد بشتاسب، وقال: هو كي إرش أخو كيقاوس ابن كيبيه بن كيقباذ الأكبر، وبشتاسب الملك هو ابن كيلهراسب بن كيوجي ابن كيمنوش بن كيقاوس بن كيبيه بن كيفباذ الأكبر. قال: ولم يملك كي أرش قط، وإنما كان مملكاً على خوزستان وما يتصل بها من أرض بابل من قبل كيقاوس، ومن قبل كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس، ومن قبل لهراسف من بعده. وكان طويل العمر، عظيم الشأن، ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله من بني إسرائيل كان فيهم عزير - وقد وصفت ما كان من أمره وأمر بني إسرائيل - وكان الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس، إما رجل منهم وإما رجل من بني إسرائيل، إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية والروم بسبب غلبة الإسكندر على تلك الناحية حين قتل دارا بن دارا. وكانت جملة مدة ذلك - فيما قيل - ثمانياً وثمانين سنة.
ونذكر الآن:
خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر
ابن دارا الأكبر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنين
وملك دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، وكان ينبه بجهرازاد - يعني به كريم الطبع - فذكروا أنه نزل بابل، وكان ضابطاً لملكه، قاهراً لمن حوله من الملوك، يؤدون إليه الخراج، وأنه ابتنى بفارس مدينة سماها دارا بجرد، وحذف دواب البرد ورتبها، وكان معجباً بانبه دارا، وأنه من حبه إياه سماه باسم نفسه، وصير له الملك من بعده، وأنه كان له وزير يسمى رستين محموداً في عقله، وأنه شجر بينه وبين غلام تربى مع دارا الأصغر، يقال له برى شر وعداوة، فسعى رستين عليه عند الملك، فقيل: إن الملك سقى برى شربة مات منها، واضطغن دارا على رستين الوزير وجماعة من القواد، كانوا عاونوه على برى ما كان منهم، وكان ملك دارا اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك من بعده انبه دارا بن دارا بن بهمن، وكانت أمه ما هيا هند بنت هزار مرد بن بهرادمه، فلما عقد التاج على رأسه قال: لن ندفع أحداً في مهوى الهلكة، ومن تردى فيها لم نكففه عنها. وقيل إنه بنى بأرض الجزيرة مدينة دارا، واستكتب أخا برى واستوزره لأنسه كان به وبأخيه، فأفسد قلبه على أصحابه، وحمله على قتل بعضهم، فاستوحشت لذلك منه الخاصة والعامة، ونفروا عنه، وكان شاباً غراً حمياً حقوداً جباراً.
وحدثت عن هشام بن محمد قال: ملك من بعد دارا بن أردشير دارا ابن دارا أربع عشرة سنة، فأساء السيرة في رعيته، وقتل رؤساءهم، وغزاه الإسكندر على تئفة ذلك، وقد مله أهل مملكته وسئموه، وأحبوا الراحة منه، فلحق كثير من وجوههم وأعلامهم بالإسكندر، فأطلعوه على عورة دارا، وقروه عليه. فالتقيا ببلاد الجزيرة، فاقتتلا سنة، ثم إن رجالاً من أصحاب دارا وثبوا به فقتلوه، وتقربوا برأسه إلى الإسكندر، فأمر بقتلهم، وقال: هذا جزاء من اجترأ على ملكه. وتزوج ابنته روشنك بنت دارا، وغزا الهند ومشارق الأرض، ثم انصرف وهو يريد الإسكندرية، فهلك بناحية السواد، فحمل إلى الإسكندرية في تابوت من ذهب، وكان ملكه أربع عشرة سنة، واجتمع ملك الروم، وكان قبل الإسكندر متفرقاً، وتفرق ملك فارس وكان قبل الإسكندر مجتمعاً.
قال: وذكر غير هشام أن دارا بن دارا لما ملك أمر فبنيت له بأرض الجزيرة مدينة واسعة وسماها دارنوا، وهي التي تسمى اليوم دارا، وأنه عمرها وشحنها من كل ما يحتاج إليه فيها، وأن فيلفوس أبا الإسكندر اليوناني من أهل بلدة من بلاد اليونانيين تدعى مقدونية، كان ملكاً عليها وعلى بلاد أخرى احتازها إليها، كان صالح دارا على خراج يحمله إليه في كل سنة، وأن فيلفوس هلك، فملك بعده ابنه الإسكندر، فلم يحمل إلى دارا ما كان يحمله إليه أبوه من الخراج، فأسخط ذلك عليه دارا، وكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه في تركه حمل ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج وغيره، وأنه دعاه إلى حبس ما كان أبوه يحمل إليه من الخراج الصبا والجهل، وبعث إليه بصولجان وكرة وقفيز من سمسم، وأعلمه فيما كتب إليه أنه صبى، وأنه إنما ينبغي له أن يلعب بالصولجان والكرة اللذين بعث بهما إليه، ولا يتقلد الملك، ولا يتلبس به، وأنه إن لم يقتصر على ما أمره به من ذلك، وتعاطى الملك واستعصى عليه، بعث إليه من يأتيه به في وثاق، وأن عدة جنوده كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه.
فكتب إليه الإسكندر في جواب كتابه ذلك، أن قد فهم ما كتب، وأن قد نظر إلى ما ذكر في كتابه إليه من إرساله الصولجان والكرة، وتيمن به لإلقاء الملقى الكرة إلى الصولجان، واحترازه إياه، وشبه الأرض بالكرة، وأنه محتاز ملك دارا إلى ملكه، وبلاده إلى حيزه من الأرض، وأن نظره إلى السمسم الذي بعث به إليه كنظرة إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة. وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل، وأعلمه في ذلك الجواب أن ما بعث به إليه قليل، غير أن ذلك مثل الذي بعث به في الحرافة والمرارة والقوة، وأن جنوده في كل ما وصف به منه.
فلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر، جمع إليه جنده، وتأهب لمحاربة الإسكندر، وتأهب الإسكندر وسار نحو بلاد دارا.
وبلغ ذلك دارا، فزحف إليه فالتقى الفئتان، واقتتلا أشد القتال، وصارت الدبرة على جند دارا، فلما رأى ذلك رجلان من حرس دارا، يقال إنهما كانا من أهل همذان، طعنا دارا من خلفه فأردياه من مركبه، وأرادا بطعنهما إياه الحظوة عند الإسكندر، والوسيلة إليه، ونادى الإسكندر أن يؤسر دارا أسراً ولا يقتل، فأخبر بشأن دارا، فسار الإسكندر حتى وقف عنده، فرآه يجود بنفسه، فنزل الإسكندر عن دابته حتى جلس عند رأسه، وأخبره أنه لم يهم قط بقتله، وأن الذي أصابه لم يكن عن رأيه، وقال له: سلني ما بدا لك فأسعفك فيه، فقال له دارا: لي إليك حاجتان: إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين فتكا بي - وسماهما وبلادهما - والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك. فأجابه إلى الحاجتين، وأمر بصلب الرجلين اللذين أنتهكا من دارا ما انتهكا، وتزوج روشنك وتوسط بلاد دارا، وكان ملكه له.
وزعم بعض أهل العلم بأخبار الأولين أن الإسكندر هذا الذي حارب دارا الأصغر، هو أخو دارا الأصغر الذي حاربه، وأن أباه دارا الأكبر كان تزوج أم الإسكندر، وأنها ابنة ملك الروم واسمها هلاي، وأنها حُملت إلى زوجها دارا الأكبر، فلما وجد نتن ريحا وعرقها وسهكها، أمر أن يحتال لذلك منها، فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسية سندر فطبخت لها فغسلت بها وبمائها، فأذهب ذلك كثيراً من ذلك النتن، ولم يذهب كله، وانتها نفسه عنها لبقية ما بها، وعافها وردها إلى أهلها، وقد علقت منه فولدت غلاماً في أهلها، فسمته باسمها واسم الشجرة التي غسلت بها، حتى أذهبت عنها نتنها: هلاى سندروس، فهذا أصل الإسكندروس.
قال: وهلك دارا الأكبر، وصار الملك إلى ابنه دارا الأصغر، وكانت ملوك الروم تؤدى الخراج إلى دارا الأكبر في كل سنة، فهلك أبو هلاي ملك الروم جد الإسكندر لأمه، فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الأصغر إليه للعادة: إنك أبطأت علينا بالخراج الذي كنت تؤديه ويؤديه من كان قبلك، فابعث إلينا بخراج بلادك وإلا نابذناك المحاربة. فرجع إليه جوابه: أني قد ذحبت الدجاجة، وأكلت لحمها، ولم يبقى لها بقية، وقد بقيت الأطراف، فإن أحببت وادعناك، وإن أحببت ناجزناك. فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال، وجعل الإسكندروس لحاجبي دارا حكمها على الفتك به، فاحتكما شيئاً، ولم يشترطا أنفسهما، فلما التقوا للحرب، طعن حاجبا دارا دارا في الوقعة، فلحقه الإسكندر صريعاً، فنزل إليه وهو بآخر رمق، فمسح التراب عن وجهه ووضع رأسه في حجره، ثم قال له: إنما قتلك حاجباك، ولقد كنتُ أرغب بك يا شريفَ الأشراف وحر الأحرار وملك الملوك، عن هذا المصرع، فأوصني بما أحببت. فأوصاه دارا أن يتزوح ابنته روشنك، ويتخذها لنفسه ويستبقي أحرار فارس، ولا يولى عليهم غيرهم. فقبل وصيته وعمل بأمره، وجاء اللذان قتلا دارا إلى الإسكندر فدفع إليهما حكمهما، ووفى لهما ثم قال لهما: قد وفيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطتما أنفسكما، فأنا قاتلكما، فإنه ليس ينبغي لقتله الملوك أن يستبقوا إلا بذمة لا تخفر. فقتلهما.
وذكر بعضهم أن ملك الروم في أيام دارا الأكبر كان يؤدي إلى دارا الإتاوة فهلك، وملك الروم الإسكندر، وكان رجلاً ذا حزم وقوة ومكر، فيقال إنه غزا بعض ملوك المغرب فظفر به، وآنس لذلك من نفسه القوة فنشز على دارا الأصغر، وامتنع من حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج، فحمى دارا لذلك، وكتب إليه كتباً عنيفة، ففسد ما بينهما وسار كل واحد منهما إلى صاحبه وقد احتشدا والتقيا في الحدّ. واختلفت بينهما الكبتُ والرسائل، ووجل الإسكندر من محاربة دارا، ودعاه إلى الموادعة فاستشار دارا أصحابه في أمره، فزينوا له الحرب لفساد قلوبهم عليه. وقد اختلفوا في الحدّ وموضع التقائهما، فذكر بعضهم أن التقاءهما كان بناحية خُراسان مما يلي الخزر، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلص إليهما السلاح، وكان تحت الإسكندر يومئذ فرس له عجيب يقال له بو كفراسب، ويقال إن رجلاً من أهل فارس حمل ذلك اليوم حتى تخرق الصفوف، وضرب الإسكندر ضربة بالسيف خيف عليه منها، وأنه تعجب من فعله وقال: هذا من فرسان فارس الذين كانت توصف شدتهم، وتحركت على دارا ضغائن أصحابه، وكان في حرسه رجلان من أهل همذان، فراسلا الإسكندر والتمسا الحيلة لدارا حتى طعناه، فكانت منيته من طعنهما إياه، ثم هربا.
فقيل إنه لما وقعت الصيحة، وانتهى الخبر إلى الإسكندر ركب في أصحابه، فلما انتهى إلى دارا وجده يجود بنفسه، فكلّمه ووضع رأسه في حجره، وبكى عليه، وقال له: أتيت من مأمنك، وغد ربك ثقاتك،وصرت بين أعدائك وحيداً، فسلني حوائجك فإني على المحافظة على القرابة بيننا - يعني القرابة بين سلم وهيرج ابني أفريذون - فيما زعم هذا القائل - وأظهر الجزع لما أصابه، وحمد ربه حين لم يبتله بأمره، فسأله دارا أن يتزوج ابنته روشنك ويرعى لها حقها، ويعظم قدرها، وأن يطلب بثأره، فأجابه الإسكندر إلى ذلك.
ثم أتاه الرجلان اللذان وثبا على دارا يطلبان الجزاء، فأمر يضرب رقابهما وصلبهما، وأن ينادى عليهما: هذا جزاء من اجترأ على ملكه، وغش أهل بلده.
ويقال: إن الإسكندر حمل كتباً وعلوماً كانت لأهل فارس من علوم ونجوم وحكمة، بعد أن نقل ذلك إلى السريانية ثم إلى الرومية.
وزعم بعضهم أن دارا قتل وله من الولد الذكور: أشك بن دارا وبنو دارا وأردشير. وله من البنات روشنك، وكان ملك دارا أربع عشرة سنة.
وذكر بعضهم أن الأتاوة التي كان أبو الإسكندر يؤديها إلى ملوك الفرس كانت بيضاً من ذهب، فلما ملك الإسكندر بعث إليه دارا يطلب ذلك الخراج، فبعث إليه: إني قد ذبحت تلك الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض، وأكلت لحمها فأذن بالحرب. ثم ملك الإسكندر بعد دارا بن دارا. وقد ذكرت قول من يقول: هو أخو دارا بن دارا من أبيه دارا الأكبر.
وأما الروم وكثير من أهل الأنساب فإنهم يقولون: هو الإسكندر بن فيلفوس، وبعضهم يقول: هو ابن بيلبوس بن مطريوس، ويقال: ابن مصريم ابن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومى بن ليطى بن يونان بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن رومية بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز ابن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام. فجمع بعد مهلك دارا ملك دارا إلى ملكه، فملك العراق والروم والشأم ومصر، وعرض جنده بعد هلاك دارا فوجدهم - فيما قيل - ألف ألف وأربعمائة رجل، منهم من جنده ثمانمائة ألف ومن جند دارا ستمائة ألف.
وذكر أنه قال يوم جلس على سريره: قد أدالنا الله من دارا، ورزقنا خلاف ما كان يتوعدنا به، وأنه هدم ما كان في بلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران، وقتل الهرابذة، وأحرق كتبهم ودواوين دارا، واستعمل على مملكة دارا رجالاً من أصحابه، وسار قدماً إلى أرض الهند، فقتل ملكها وفتح مدينتهم، ثم سار منها إلى الصين، فصنع بها كصنيعه بأرض الهند، ودانت له عامة الأرضين، وملك التبت والصين، ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي والشمس جنوبية في أربعمائة رجل يطلب عين الخلد، فسار فيها ثمانية عشر يوماً، ثم خرج ورجع إلى العراق، وملك ملوك الطوائف، ومات في طريقه بشهر زور.
وكان عمره ستاً وثلاثين سنة في قول بعضهم، وحمل إلى أمه بالإسكندرية.
وأما الفرس فإنها تزعم أن ملك الإسكندر كان أربع عشرة سنة، والنصارى تزعم أن ذلك كان ثلاث عشرة سنة وأشهراً، ويزعمون أن قتل دارا كان في أول السنة الثالثة من ملكه.
وقيل إنه أمر ببناء مدن فبنيت اثنتا عشرة مدينة، وسماها كلها إسكندرية، منها مدينة بأصبهان، يقال جى، بنيت على مثال الحية، وثلاث مدائن بخراسان، منهن مدينة هراة ومدينة مرو ومدينة سمرقند، وبأرض بابل مدينة أروشنك بنت دارا، وبأرض اليونانية في بلاد هيلاقوس مدينة للفرس، ومدناً أخر غيرها.
ولما مات الإسكندر عرض الملك من بعده على ابنه الإسكندروس، فأبى واختار النسك والعبادة، فملكت اليونانية عليهم - فيما قيل - بطلميوس بن لوغوس، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة، فكانت المملكة أيام اليونانية بعد الإسكندر وحياة الإسكندر إلى أن تحول الملك إلى الروم المصاص لليونانية، ولبني إسرائيل ببيت المقدس ونواحيها الديانة والرياسة على غير وجه الملك إلى أن خربت بلادهم الفرس والروم، وطردوهم عنها بعد قتل يحيى بن زكرياء عليه السلام.
ثم كان الملك ببلاد الشأم ومصر ونواحي المغرب بعد بطلميوس بن لوغوس لبطلميوس دينايوس أربعين سنة.
ثم من بعده لبطليموس أورغاطس أربعاً وعشرين سنة.
ثم من بعده لبطلميوس فيلافطر إحدى وعشرين سنة.
ثم من بعده لبطلميوس أفيفانس أثنتين وعشرين سنة.
ثم من بعده لبطلميوس أورغاطس تسعاً وعشرين سنة.
ثم من بعده لبطلميوس ساطر سبع عشرة سنة.
ثم من بعده لبطلميوس الأحسندر إحدى عشرة سنة.
ثم من بعده لبطلميوس الذي احتفى عن ملكه ثماني سنين.
ثم من بعده لبطلميوس دونسيوس ست عشرة سنة.
ثم من بعده لبطلميوس قالو بطري سبع عشرة سنة.
فكل هؤلاء كانوا يونانيين، فكل ملك منهم بعد الإسكندر كان يدعى بطلميوس، كما كانت ملوك الفرس يدعون أكاسرة، وهو الذين يقال لهم المفقانيون.
ثم ملك الشام بعد قالوبطرى - فيما ذكر الروم - المصاص، فكان أول من ملك منهم جايوس يوليوس خمس سنين.
ثم ملك الشام بعده أغوسطوس ستاً وخمسين سنة. فلما مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة ولد عيسى بن مريم عليه السلام، وبين مولده وقيام الإسكندر ثلثمائة سنة وثلاث سنين.
ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الإسكندر
وهم ملوك الطوائف
ونرجع الآن إلى ذكر خبر الفرس بعد مهلك الإسكندر لسياق التأريخ على ملكهم.
فاختلف أهلُ العلم بأخبار الماضين في الملك الذي كان بسواد العراق بعد الإسكندر، وفي عدد ملوك الطوائف الذين كانوا ملكوا إقليم بابل بعد ه إلى أن قام بالملك أردشير بابكان.
فأما هشام بن محمد فإنه قال - فيما حدثت عنه: ملك بعد الإسكندر يلاقس سلقيس، ثم أنطيحس. قال: وهو الذي بنى مدينة أنطاكية. قال: وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد الكوفة، قال: وكانوا يتطرقون الجبال وناحية الأهواز وفارس، حتى خرج رجل يقال له أشك، وهو ابن دارا الأكبر، وكان مولده ومنشؤه بالري، فجمع جمعاً كثيراً وسار يريد أطيحس فزحف إليه أنطيحس فالتقيا ببلاد الموصل فقتل أنطيحس، وغلب أشك على السواد فصار في يده من الموصل إلى الري وأصبهان وعظمه سائرُ ملوك الطوائف لنسبه، وشرفه فيهم ما كان من فعله، وعرفوا له فضله، وبدءوا به في كتبهم، وكتب إليهم فبدأ بنفسه، وسموه ملكاً، وأهدوا إليه من غير أن يعزل أحداً منهم أو يستعمله.
ثم ملك بعده جوذرز بن أشكان. قال: وهو الذي غزا بني إسرائيل المرة الثانية، وكان سبب تسليط الله إياه عليهم - فيما ذكر أهل العلم - قتلهم يحيى بن زكرياء، فأكثر القتل فيهم، فلم تعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى، ورفع الله عنهم النبوة وأنزل بهم الذل. قال: وقد كانت الروم غزت بلاد فارس، يقودها ملكها الأعظم يلتمس أن يدرك بثأرها في فارس لقتل أشك ملك بابل أنطيحس، وملك بابل يومئذ بلاش أبو أردوان، الذي قتله أردشير ابن بابك، فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما اجتمعت عليه الروم من غزو بلادهم، وأنه قد بلغه من حشدهم وجمعهم مالا كفاء له عنده، وأنه إن ضعف عنه ظفروا بهم جميعاً، فوجه كل ملك من ملوك الطوائف إلى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوته، حتى اجتمع عنده أربعمائة ألف رجل، فولى عليهم صاحب الحضر - وكان ملكاً من ملوك الطوائف يلى ما بين انقطاع السواد إلى الجزيرة - فسار بهم حتى لقى ملك الروم فقتله واستباح عسكره، وذلك هيج الروم على بناء القسطنطينية ونقل الملك من رومية إليها. فكان الذي ولى إنشاءها الملك قسطنطين، وهو أول ملوك الروم تنصر، وهوأجلى من بقى من بني إسرائيل عن فلسطين والأردن لقتلهم - بزعمه - عيسى بن مريم، فأخذ الخشبة التي وجدهم يزعمون أنهم صلبوا المسيح عليها، فعظمها الروم، فأدخلوها خزائنهم، فهي عندهم، إلى اليوم.
قال: ولم يزل ملك فارس متفرقاً حتى ملك أردشير. فذكر هشام ما ذكرت عنه، ولم يبين مدة ملك القوم.
وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس: ملك بعد الإسكندر ملك دارا أناس من غير ملوك الفرس، غير أنهم كانوا يخضعون لكل من يملك بلاد الجبل ويمنحونه الطاعة.
قال: وهم الملوك الأشغانون الذين يدعون ملوك الطوائف. قال: فكان ملكهم مائتي سنة وستاً وستين سنة.
فملك من هذه السنين أشك بن أشجان عشر سنين.
ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة، وفي سنة إحدى وأربعين من ملكه ظهر عيسى بن مريم بأرض فلسطين. وإن ططوس بن أسفسيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بن مريم بنحو من أربعين سنة، فقتل من في مدينة بيت المقدس، وسبى ذراريهم، وأمرهم فنسفت مدينة بيت المقدس، حتى لم يترك بها حجراً على حجر.
ثم ملك جوذرز بن أشغانان الأكبر، عشر سنين.
ثم ملك بيزن الأشغاني، إحدى وعشرين سنة.
ثم ملك جوذرز الأشغاني، تسع عشر سنةز ثم ملك نرسى الأشغاني، أربعين سنة.
ثم ملك هرمز الأشغاني، سبع عشرة سنة.
ثم ملك أردوان الأشغاني، اثنتى عشرة سنة.
ثم ملك كسرى الأشغاني، أربعين سنة.
ثم ملك بلاش الأشغاني، أربعاً وعشرين سنة.
ثم ملك أردوان الأصغر الأشغاني، ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك أردشير بن بابك.
وقال بعضهم: ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرق الإسكندر المملكة بينهم، وتفرد بكل ناحية من ملك عليها من حين ملكه، ما خلا السواد، فإنها كانت أربعاً وخمسين سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم. وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك مملكاً على الجبال وأصبهان، ثم غلب ولده بعد ذلك على السواد، فكانوا ملوكاً عليها وعلى الماهات والجبال وأصبهان، كالرئيس على سائر ملوك الطوائف، لأن السنة جرت بتقديمه وتقديم ولده، ولذلك قصد لذكرهم في كتب سير الملوك، فاقتصر على تسميتهم دون غيرهم.
قال: ويقال إن عيسى بن مريم عليه السلام ولد بأوريشلم بعد إحدى وخمسين سنة من ملوك الطوائف، فكانت سنو ملكهم من لدن الإسكندر إلى وثوب أردشير بن بابك وقتله أردوان واستواء الأمر له، مائتين وستاً وستين سنة.
قال: فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت لأولادهم بعد ذلك الغلبة على السواد أشك بن حره بن رسبيان بن أرتشاخ بن هرمز بن ساهم بن رزان بن أسفنديار بن بشتاسب. قال: والفرس تزعم أنه أشك بن دارا. وقال بعضهم: أشك بن أشكان الكبير، وكان من ولد كيبيه بن كيقباذ، وكان ملكه عشر سنين.
ثم ملك من بعده أشك بن أشك بن أشكان، إحدى وعشرين سنة.
ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان، إحدى وعشرين سنة.
ثم ملك سابور بن أشك بن أشكان، ثلاثين سنة.
ثم ملك جوذرز الأكبر بن سابور بن أشكان، عشر سنين.
ثم ملك بيرن بن جوذرز، إحدى وعشرين سنة.
ثم جوذرز الأصغر بن بيزن، تسع عشرة سنة.
ثم نرسه بن جوذرز الأصغر، أربعين سنة.
ثم هرمز بن بلاش بن أشكان، سبع عشرة سنة.
ثم أردوان الأكبر وهو أردوان بن أشكان، اثنتى عشرة سنة.
ثم كسرى بن أشكان، أربعين سنة.
ثم بهافريد الأشكاني، تسع سنين.
ثم بلاش الأشكاني، أربعاً وعشرين سنة.
ثم أردوان الأصغر وهو أردوان بن بلاش بن فيروز بن هرمز بن بلاشر بن سابور بن أشك بن أشكان الأكبر، وكان جده كيبيه بن كيقباذ. ويقال: إنه كان أعظم الأشكانية ملكاً، وأظهرهم عزاً، وأسناهم ذكراً، وأشدهم قهراً لملوك الطوائف، وأنه كان قد غلب على كورة إصطخر لاتصالها بأصبهان، ثم تخطى إلى جور وغيرها من فارس، حتى غلب عليه، ودانت له ملوكها لهيبة ملوك الطوائف كانت له، وكان ملكه ثلاث عشرة سنة.
ثم ملك أردشير.
وقال بعضهم: ملك العراق وما بين الشأم ومصر بعد الإسكندر تسعون ملكاً على تسعين طائفة كلهم يعظم من يملك المدائن، وهم الأشكانيون. قال: فملك من الأشكانيين أفقور شاه بن بلاش بن سابور بن أشكان بن أرش الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك اثنتين وستين سنة.
ثم سابور بن أفقور - وعلى عهده كان المسيح ويحيى عليهما السلام - ثلاثاً وخمسين سنة.
ثم جوذرز بن سابور بن أفقور الذي غزا بني إسرائيل طالباً بثأر يحيى ابن زكرياء، ملك تسعاً وخمسين سنة.
ثم ابن أخيه أبزان بن بلاش بن سابور، سبعاً وأربعين سنة.
ثم جوذرز بن أبزان بن بلاش، إحدى وثلاثين سنة.
ثم أخوه نرسى بن أبزان، أربعاً وثلاثين سنة.
ثم عمه الهرمزان بن بلاش، ثمانياً وأربعين سنة.
ثم ابنه الفيروزان بن الهرمزان بن بلاش تسعاً وثلاثين سنة.
ثم ابنه كسرى بن الفيروزان سبعاً وأربعين سنة.
ثم ابنه أردوان بن بلاش، وهو آخرهم، قتله أردشير بن بابك، خمساً وخمسين سنة.
قال: وكان ملك الإسكندر وملك سائر ملوك الطوائف في النواحي خمسمائة وثلاثاً وعشرين سنة.
؟؟
ذكر الأحداث التي كانت في أيام الطوائف
فكان من ذلك - فيما زعمته الفرس - لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة من ملك الأشكانيين - ولادة مريم بنت عمران عيسى بن مريم عليه السلام.
فأما النصارى فإنها تزعم أن ولادتها إياه كانت لمضي ثلثمائة سنة وثلاثة سنين من وقت غلبه الإسكندر على أرض بابل. وزعموا أن مولد يحيى بن زكرياء كان قبل مولد عيسى عليه السلام بستة أشهر. وذكروا أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما، وأنّ مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، وكان جميع عمرها نيفاً وخمسين سنة.
قال: وزعموا أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردن وله ثلاثون سنة، وأن يحيى قتل قبل أن يرفع عيسى. وكان زكرياء بن برخيا أبو يحيى بن زكرياء وعمران بن ماثان أبو مريم متزوجين بأختين، إحدهما عند زكرياء وهي أم يحيى، والأخرى منهما عند عمران بن ماثان، وهي أم مريم، فمات عمران بن ماثان وأم مريم حامل بمريم، فلما ولدت مريم كفلها زكرياء بعد موت أمها، لأن خالتها أخت أمها كانت عنده. واسم أم مريم حنة بنت فاقود ابن قبيل، واسم أختها أم يحيى الأشباع ابنة فاقود وكفلها زكرياء وكانت مسماة بيوسف بن يعقوب بن ماثان بن اليعازار بن اليوذ بن أحين بن صادوق بن عازور بن الياقيم بن أبيوذ بن زر بابل بن شلتيل بن يوحنيا بن يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن يهوشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود، ابن عم مريم.
وأما ابن حميد، فإنه حدثنا عن سلمة، عن ابن إسحاق، أنه قال: مريم - فيما بلغني عن نسبها - ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا ابن أحزيق بن يوثام بن عزريا بن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن أسا بن أبيا بن رحبعم بن سليمان. فولد لزكرياء يحيى ابن خالة عيسى بن مريم، فنبئ صغيراً، فساح، ثم دخل الشأم يدعو الناس، ثم اجتمع يحيى وعيسى، ثم افترقا بعد ان عمد يحيى عيسى.
وقيل: إن عيسى بعث يحيى بن زكرياء في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس: قال: وكان فيما نهوهم عنه نكاح بنات الأخ، فحدثني أبو السائب ، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكرياء، في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، قال: فكان فيما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ. قال:وكان لملكهم ابنة أخ تعجبه، يريد أن يتزوجها، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا دخلت على الملك، فسألك حاجتك فقولي: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء، فلما دخلت عليه سألها حاجتها قالت حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكرياء فقال سليني غير هذا، قالت: ما أسألك إلا هذا، قال: فلما أبت عليه دعا يحيى،ودعا بطست فذبحه، فندرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل، فدلته على ذلك الدم، قال: فألقى الله في قلبه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن، فقتل سبعين ألفاً منهم من سنّ واحدة، فسكن.
حدثنا موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن ناسٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً من بني إسرائيل، رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدى غلام يتيم، ابن أرملة من أهل بابل، يدعى بختنصر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم، فأقبل يسأل عنه، حتى نزل على أمه وهو يحتطب، فلما جاء وعلى رأسه حزمة حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت، فكلّمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال: اشتر بهذه طعاماً وشراباً، فاشترى بدرهم لحماً، وبدرهم خبزاً، وبدرهم خمراً، فأكلوا وشربوا، حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال: إني أحب أن تكتب لي أماناً إن أنت ملكتَ يوماً من الدهر قال: تسخر بي! قال: إني لا أسخر بك: ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يداً! فكلمته أمه، فقالت: وما عليك إن كان، وإلا لم ينقصك شيئاً! فكتب له أماناً، فقال: أرأيت إن جئت والناسُ حولك، قد حالوا بيني وبينك! فاجعل لي آية تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها. فكساه وأعطاه.
ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء، ويدنى مجلسه، ويستشيره في أمره، ولا يقطع أمراً دونه، وإنه هوى أن يتزوج ابنة امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها، وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج انبتها، فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستها ثياباً رقاقاً حمراً، وطيبتها، وألبستها من الحلي، وألبستها فوق ذلك كساء أسود، فأرسلتها إلى الملك، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض له، فإن أرداها على نفسها أبت عليه، حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست، ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له، فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك، قال: ما تسأليني؟ قالت: أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكرياء، فأوتى بأسه في هذا الطست، فقال: ويحك سليني غير هذا؟ قالت: ما أريد أن أسألك إلا هذا. قال: فلما أبت عليه، بعث إليه فأتى برأسه، والرأس يتكلم، حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحل لك، فلما أصبح إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقى عليه فرقى الدم فوق التراب يغلي، فألقى عليه التراب أيضاً، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة، وهو في ذلك يغلي وبلغ صيحائين فنادي في الناس، وأراد أن يبعث إليهم جيشاً، ويؤمر عليهم رجلاً، فأتاه بختنصر، فكلمه، وقال: إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف، فإني قد دخلتُ المدينة، وسمعت كلام أهلها، فابعثني، فبعثه فسار بختنصر، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم، فلم يطقهم، فلما اشتد عليه المقام، وجاء أصحابه أراد الرجوع، فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل، فقالت: أين أمير الجند؟ فأتى به إليها، فقالت: إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلستُ أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحتُ لك المدينة، أتعطيني ما أسألك، فتقتل من أمرتك بقتله، وتكف إذا أمرتك أن تكف. قال لها: نعم، قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم على كل زاوية ربعاً، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء، فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء فإنها سوف تتساقط. ففعلوا، فتساقطت المدينة، ودخلوا من جوانبها، فقالت له: كفّ يدك، اقتل على هذا الدم حتى يسكن، فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألف رجل وامرأة، فلما سكن الدم، قالت له: كف يدك، فإنّ الله عز وجل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضى قتله. فأتاه صاحبُ الصحيفة بصحيفته، فكفّ عنه وعن أهل بيته، وخرب بيت المقدس، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم، وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء، وذهب معه برأس الجالوت، فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات، فملك مكانه، وكان أكرم للناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس، فوشوا بهم إليه، فقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، فدعاهم فسألهم فقالوا: أجل إن لنا رباً نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، وأمر بخد فخد، فألقوا فيه وهم ستة، وألقى معهم سبعٌ ضارٍ ليأكلهم، فقالوا: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوساً، والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحداً، ولم ينكأه شيئاً، فوجدوا معهم رجلاً، فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقال: ما بال هذا السابع؟ إنما كانوا ستة؟ فخرج إليه السابع - وكان ملكاً من الملائكة - فلطمه لطمة فصار في الوحش، فكان فيهم سبع سنين.
قال أبو جعفر: وهذا القول - الذي روي عمن ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب، من أن بختنصر، هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء - عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية، وعند غيرهم من أهل الملل غلط، وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبني عهد إرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى. ويذكرون أن ذلك عندهم في كبتهم وأسفارهم مبين، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب. ثم من قبل ابنته خمانى سبعين سنة، ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانياً وثمانين سنة، ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمائة سنة وثلاث سنين، فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة.
وأما المجوس فإنها توافق النصارى واليهود في مدة خراب بيت المقدس، وأمر بختنصر، وما كان من أمره وأمر بني إسرائيل إلى غلبة الإسكندر على بيت المقدس والشام وهلاك دارا، وتخالفهم في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى، فتزعم أن مدة ذلك إحدى وخمسون سنة. فبين المجوس والنصارى من الاختلاف في مدة ما بين ملك الإسكندر ومولد يحيى وعيسى وما ذكرت. والنصارى تزعم أن يحيى ولد قبل عيسى بستة أشهر، وأنّ الذي قتله ملك لبني إسرائيل يقال له هيردوس، بسبب امرأة يقال لها هيروذيا، كانت امرأة أخ له، يقال له فيلفوس، عشقها فوافقته على الفجور، وكان لها ابنة يقال لها دمنى فأراد هيردوس أن يطأ امرأة أخيه المسماة هيروذيا، فنهاه يحيى وأعلمه أن لا تحل له، فكان هيردوس معجباً بالابنة، فألهته يوماً، ثم سألته حاجة فأجابها إليها، وأمر صاحباً له بالنفوذ لما تأمره به، فأمرته أن يأتيها برأس يحيى، ففعل، فلما عرف هيردوس الخبر أسقط في يده وجزع جزعاً شديداً.
وأما ما قال في ذلك أهلُ العلم بالأخبار وأمور أهل الجاهلية فقد حكيتُ منه ما قاله هشام بن محمد الكلبي.
وأما ما قال ابن إسحاق فيه، فهو ما حدثنا به ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: عمرت بنو إسرائيل بعد ذلك - يعنى بعد مرجعهم من أرض بابل إلى بيت املمدس - يحدثون الأحداث، يعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل، ففريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون، حتى كان آخر من بعث فيهم من أنبيائهم زكرياء ويحيى بن زكرياء وعيسى بن مريم، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام. وهو يحيى بن زكرياء بن أدى ابن مسلم بن صدوق بن نحشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخية بن شفاطية بن فاحور بن شلوم بن يهفاشاط بن أسا بن أبيا بن رحبعم ابن سليمان بن داود.
قال: فلما رفع الله عيسى عليه السلام من بين أظهرهم، وقتلوا يحيى بن زكرياء عليه السلام - وبعض الناس يقول: وقتلوا زكرياء - أبتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوس، فسار إليه بأهل بابل، حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤس جنوده يدعى نبوزراذان، صاحب القتل، فقال له: إني كنت حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلى ألا أجد أحداً أقتله، فأمره أن يقتلهم، حتى يبلغ ذلك منهم. وإنّ نبوزراذان دخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دماً يغلي، وسألهم، فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره ولا تكتموني شيئاً من أمره، فقالوا: هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا، فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قربنامنذ ثمانمائة سنة القربان، فقبل منا إلى هذا القربان. قال: ما صدقتوني الخبر، قالوا له: لو كان كأول زماننا لقبل منا، ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي، فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحاً من رؤسهم فلم يهدأ، فأمر فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم، فذبحوا على الدم فلم يهدأ، فأمر بسبعة ألاف من نيتهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل، ويلكم أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم، قبل ألا أترك منكم نافخ نار، أنثى ولا ذكراً إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه، فهذه دمه. فقال لهم نبوزراذان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء، قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا ينتقم ربكم منكم. فلما رأى نبوزراذان أنهم قد صدقوه خر ساجداً، وقال لمن حوله أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا من كان ها هنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل. ثم قال: يا يحيى بن زكرياء، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك، وما قتل منهم من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل ألا أبقي من قومك أحداً، فهدأ دم يحيى بإذن الله، ورفع نبوزراذان عنهم القتل، وقال: آمنتُ بما آمنت به بنو إسرائيل، وصدقتُ به وأيقنتُ أنه لا رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح، لو كان معه شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح، فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي يملك السموات السبع بعلم وحكم وجبروت وعزة، الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه. فأوحى إلى رأس من رؤوس بقية الأنبياء أن بوزراذان جبور صدوق - والحبور بالعبرانية حديث الإيمان - وأن نبوزراذان قال لبني إسرائيل: إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره. وإني فاعل، لستُ أستطيع أن أعصيه. قالوا له: أفعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقاً، وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها، حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، حتى كانوا فوقهم، فلم يظن خرودس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل.
فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى بنوزراذان: ارفع عنهم، فقد بلغني دماؤهم، وقد انتقمت منهم بما فعلوا. ثم انصرف عنهم إلى أرض بابل، وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد، وهي الواقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل، يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب " إلى قوله: " وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً " .
وعسى من الله حق، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده، ثم ردّ الله لهم الكرة عليهم، ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده، وهي كانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبى ذراريهم ونسائهم، يقول الله عز وجل: " وليتبروا ما علوا تتبيراً " .
رجع الحديث إلى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام. قال: وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمة الكنيسة، فكانت مريم إذا نفد ماؤها - فيما ذكر - وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته، فانطلق إلى المغارة التي فيها الماء الذي يستعذبانه، فيملأ قلته، ثم يرجعان إلى الكنيسة. فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبرئيل - وكان أطول يوم في السنة وأشده حراً - نفد ماؤها، فقالت: يا يوسف، ألا تذهب بنا نستقي قال: إن عندي لفضلاً من ماء أكتفي به يومي هذا إلى غد، قالت: لكني والله ما عندي ماء، فأخذت قلتها، ثم انطلقت وحدها، حتى دخلت المغارة فتجد عندها جبرئيل قد مثله الله لها بشراً سوياً: فقال لها: يا مريم، إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاماً زكيا، قالت: " إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " ، وهي تحسبه رجلاً من بني آدم فقال: إنما أنا رسول ربك، قالت: " إني يكون لي غلام ولم يمسني بشر ولم أكُ بغياً قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً " ، أي أن الله قد قضى أن ذلك كائن. فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله، فنفخ في جيبها، ثم انصرف عنها، وملأت قلّتها.
قال: فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري، قال حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، ابن أخي وهب، قال: سمعت وهباً قال: لما أرسل الله عز وجل جبرئيل إلى مريم، تمثل لها بشراً سوياً. فقالت: " إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً " ، ثم نفخ في جيب درعها حتى ومصلت النفخة إلى الرحم، واشتملت على عيسى.
قال: وكان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يؤمئذ من أعظم مساجدهم، وكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتجميره وكناسته وطهوره، وكلّ عمل يعمل فيه، فكان لا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما، وكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف، فلما رأى الذي بها استعظمه،وعظم عليه، وفظع به، ولم يدر على ماذا يضع أمرها؟ فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ساعة وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها. فلما اشتد عليه ذلك كلمها، فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد وقع في نفسي من أمرك أمر قد حرصت على أن أميته، وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيتُ أن الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولاً جميلاً، قال: ما كنت لأقول إلا ذلك، فحدثيني: هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر إنما كان من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أو لم تعلم أن الله أنبت الشجر من غير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده أو تقول لم يقد الله على أن ينبت الشجر، حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته قال لها يوسف: لا أقول ذلك، ولكني أعلم أن الله بقدرته على ما يشاء يقول لذلك: كن فيكون. قالت له مريم: أو لم تعلم أن الله عز وجل خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله عز وجل، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك. ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء بطنها،وضعف قوتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك، فلما دنانفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك ونقلوا ولدك. فأفضت عند ذلك إلى أختها - وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحي - فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معروفاً بعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء، فانطلق يوسف بها، حتى إذا كان متاخماً لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريم النفاس، وألجأها إلى آرى حمار - يعني مزود الحمار - في أصل نخلة، وذلك في زمان الشتاء، فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة، فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفاً محدقين بها.
فلما وضعت وهي محزونة، قيل لها: " ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً " إلى " إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً " ، فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء.
فأصبحت الأصنام التي كانت تعبد من دون الله حين ولدت بكل أرض مقلوبة منكوسة على رؤسها، ففزعت الشياطين وراعها، فلم يدروا ما سبب ذلك، فساروا عند ذلك مسرعين، حتى جاءوا إبليس، وهو على عرش له، في لجة خضراء، يتمثل بالعرش يوم كان على الماء ويحتجب، يتمثل بحجب النور التي من دون الرحمن، فأتوه وقد خلا ست ساعات من النهار، فلما رأى إبليس جماعتهم، فزع من ذلك، ولم يرهم جميعاً منذ فرّقهم قبل تلك الساعة؛ إنما كان يراهم أشتاتاً، فسألهم فأخبروه أنه قد حدث في الأرض حدث أصبحتْ الأصنام منكوسة على رؤوسها، ولم يكن شيء أعونُ على هلاك بني آدم منها؛ كنا ندخلُ فنكلّمهم، وندبّر أمرهم فيظنون أنها التي تكلّمهم، فلما أصابها هذا الحدث صغّرها في أعين بني آدم، وأذلّها وأدناها، ذلك وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا أبداً. واعلم أنا لن تأتِك حتى أحصينا الأرضَ، وقلبنا البحار وكل شيء قوبنا عليه، فلم نزدد بما أردنا إلا جهلاً. قال لهم إبليس: إن هذا لأمر عظيم، لقد علمت بأني كُتِمتُه، وكونوا على مكانكم هذا. فطار إبليس عند ذلك، فلبث عنهم ثلاث ساعات، فمرّ فيهن بالمكان الذي وُلد فيه عيسى؛ فلما رأى الملائكة محدِقين بذلك المكان، علم أن ذلك الحدَث فيه، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه؛ فإذا فوقه رؤوس الملائكة ومناكبهم عند السماء. ثم أراد أن يأتيَه من تحت الأرض؛ فإذا أقدام الملائكة راسية أسفل مما أراد إبليس. ثم أراد أن يدخل من بينهم فنحّوه عن ذلك.
ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال لهم: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلها مشرقها ومغربها، وبرها وبحرها، والخافقين، والجوّ الأعلى؛ وكل هذا بلغتُ في ثلاث ساعات؛ وأخبرهم بمولد المسيح، وقال لهم: لقد كتِمتُ شأنه، وما اشتملت قبله رحم أنثى على ولد إلا بعلمي، ولا وضعته قط، إلا وأنا حاضرها؛ وإني لأرجو أن أضلّ به أكثر مما يهتدِي به، وما كان نبيّ قبله أشدّ عليّ وعليكم منه.
وخرج في تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع أنكروه، وكان قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال. فخرجوا يريدونه، ومعهم الذهب والمُرّ واللّبان، فمروا بملك من ملوك الشأم، فسألهم: أين يريدون؟ فأخبروه بذلك، قال: فما بال الذهب والمرّ واللبان أهديتموه له من بين الأشياء كلها؟ قالوا: تلك أمثاله: لأن الذهب هو سيد المتاع كله، وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه، ولأن المر يُجبِر به الجرح والكسر، وكذلك هذا النبي يشفي به كل سقيم ومريض؛ ولأن اللبان ينال دخوله السماء ولا ينالها دخان غيره، كذلك هذا النبي يرفعه الله إلى السماء لا يرفع في زمانه أحد غيره.
فلما قالوا ذلك لذلك الملك حدث نفسه بقتله، فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه فأعلموني ذلك، فإني أرغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره. فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم، وأرادوا أن يرجعوا إلى هذا الملك ليعلموه مكان عيسى، فلقيهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه، ولا تعلموه بمكانه، فإنه إنما أراد بذلك ليقتله، فانصرفوا في طريق آخر، واحتملته مريم على ذلك الحمار ومعها يوسف، حتى وردا أرض مصر، فهي الربوة التي قال الله: " وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعينٍ " .
فمكثت مريم اثنتي عشرة سنة تكتمه من الناس، لا يطلع عليه أحد، وكانت مريم لا تأمن عليه ولا على معيشته أحداً، كانت تلتقط السنبل من حيث ما سمعت بالحصاد، والمهد في منكبها والوعاء الذي تجعل فيه السنبل في منكبها الآخر، حتى تم لعيسى عليه السلام اثنتا عشرة سنة، فكان أول آية رآها الناس منه أن أمه كانت نازلةً في دار دهقان من أهل مصر، فكان ذلك الدهقان قد سرقت له خزانة، وكان لا يسكن في داره إلا المساكين، فلم يتهمهم، فحزنت مريم لمصيبة ذلك الدهقان، فلما أن رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها، قال لها: يا أمه، أتحبين أن أدله على ماله؟ قالت: نعم يا بني، قال: قولي له يجمع لي مساكين داره، فقالت مريم للدهقان ذلك، فجمع له مساكين دراه، فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم: أحدهما أعمى والآخر مقعد، فحمل المعقد على عاتق الأعمى، ثم قال له: قم به، قال الأعمى: أنا أضعف من ذلك، قال عيسى عليه السلام: فكيف قويت على ذلك البارحة؟ فلما سمعوه يقول ذلك، بعثوا الأعمى، حتى قام به، فلما استقل قائماً حاملاً هوى المقعد إلى كوة الخزانة. قال عيسى: هكذا احتالا لمالك البارحة، لأنه استعان الأعمى بقوته، والمقعد بعينيه، فقال المقعد والأعمى: صدق، فردا على الدهقان ماله ذلك، فوضعه الدهقان في خزانته، وقال: يا مريم خذي نصفه، قالت: إني لم أخلق لذلك، قال الدهقان: فأعطيه ابنك، قالت هو أعظم مني شأناً، ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابن له فصنع له عيداً فجمع عليه أهل مصر كلهم، فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشآم لم يحزرهم الدهقان، حتى نزلوا به، وليس عنده يومئذ شراب، فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتاً من بتوت الدهقان، فيه صفان من جرار، فأمرّ عيسى يده على أفواههم، وهو يمشي، فكلما أمرّ يده على جرة امتلأت شراباً، حتى أتى عيسى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنتى عشرة سنة، فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشأنه وما أعطاه الله من ذلك فأوحى الله عز وجل إلى أمه مريم، أن أطلعي به إلى الشأم، ففعلت الذي أمرت به، فلم تزل بالشأم حتى كان ابن ثلاثين سنة، فجاءه الوحي على ثلاثين سنة، وكانت نبوته ثلاث سنين. ثم رفعه الله إليه، فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطق منه شيئاً، فتمثل له برجل ذي سن وهيئة، وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس، حتى خالطوا جماعة الناس.
وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفاً فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى عليه السلام يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز وجل، فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها، فلما رآه الناس فرغوا له، ومالوا نحوه، فجعل يخبرهم بالأعاجيب، فكان في قوله: إن شأن هذا الرجل لعجب، تكلم في المهد، وأحيا الموتى، وأنبأ عن الغيب، وشفى المريض، فهذا الله. قال أحد صاحبيه: جهلت أيها الشيخ، وبئس ما قلت لا ينبغي لله أن يتجلى للعباد. ولا يسكن الأرحام، ولا تسعه أجواف النساء، ولكنه ابن الله. وقال الثالث: بئس ما قلتما، كلاكما قد أخطأ وجهل، ليس ينبغي لله أن يتخذ ولداً، ولكنه إله معه، وغابوا حين فرغوا من قولهم، فكان ذلك آخر العهد منهم.
حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجاباً من الجدران، وهو قوله: " فانتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذت من دونهم حجاباً " في شرق المحراب، فلما طهرت إذا هي برجل معها، وهو قوله: " فأرسلنا إليها روحنا " فهو جبرئيل " فتمثل لها بشراً سوياً " . فلما رأته فزعت منه وقالت: " إني أعوذُ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً، قالت أني يكون لي غلامٌ ولم يمسني بشرٌ ولم أكُ بغياً " - تقول زانية - " قال كذلك قال ربك وهو على هين ولنجعله آية للناس ورحمةً منا وكان أمراً مقضياً " . فخرجت، عليها جلبابها، فأخذ بكميها، فنفخ في جيب درعها - وكان مشقوقاً من قدامها - فدخلت النفخة في صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكرياء: يا مريم أشعرت أني حبلى. قالت مريم: أشعرت أني أيضاً حبلى. قالت امرأة زكرياء: فإني وجدتُ ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله: " مصدقاً بكلمة من الله. فولدت امرأة زكرياء يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه: " فأجاءها المخاضُ إلى جذع النخلة " يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، " قالت: وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: " ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً " . تقول: نسياً: نُسيَ ذكري، ومنسياً، تقول: نسى أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين. " فناداها " ، جبرئيل: " من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا " ، والسرى هو النهر. " وهزي إليك بجذع النخلة " ، وكان جذعاً منها مقطوعاً فهزته، فإذا هو نخلة، وأجرى لها من المحراب نهراً فتساقطت النخلة رطباً جنياً، فقال لها: كلي واشربي وقري عيناً، " فإنا ترين من البشر أحد فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا " ، فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي، فقيل له: لا تزيدي على هذا، فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها " فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً - يقول عظيماً - " يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كنت أمكِ بغياً " ، فما بالك أنت يا أخت هارون؟ وكانت من بني هارون أخي موسى، وهي كما تقول: يا أخا بني فلان، إنما تعني قرابته. فقالت لهم ما أمرها الله، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه - إلى عيسى - فغضبوا وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن تكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها؟ " قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً " فتكلم عيسى فقال: " إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت " فقالت بنو إسرائيل: ما أحبلها أحد غير زكرياء، هو كان يدخل إليها، فطلبوه ففر منهم فتشبه له الشيطان في صورة راع، فقال: يا زكرياء، قد أدركوك، فادعُ الله حتى تنفتح لك هذه الشجرة فتدخل فيها، فدعا الله فانتفتحت الشجرة، فدخل فيها وبقي من ردائه هدبُ، فمرت بنو إسرائيل بالشيطان، فقالوا: يا راعي، هل رأيت رجلاً من ها هنا قال: نعم سحر هذه الشجرة، فانفتحت له، فدخل فيها، وهذا هدب ردائه، فعمدوا فقطعوا الشجرة، وهو فيها بالمناشير، وليس تجد يهودياً إلا تلك الهدبة في ردائه، فلما ولد عيسى لم يبقَ في الأرض صنم يعبد من دون الله إلا أصبح ساقطاً لوجهه.
حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهباً يقول: إن عيسى بن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت، وشق عليه، فدعا الحواريين، فصنع لهم طعاماً، فقال احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه في الليل، عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد على شيئاً الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتىإذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، ولا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض، كما بذلك نفسي لكم. وأما حاجتي التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم، حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم، ويقول: سبحان الله ما تصبرون لي ليلة واحدة حتى تعينوني فيها؟ قالوا: والله ما ندري ما لنا؟ لقد كنا نسمر فنكثر السمر، ومانطيق الليلة سمراً، ومانريد دعاءً إلا حيل بيننا وبينه فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا، ينهى به نفسه، ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم، قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني. فخرجوا فتفرقوا، وكان اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون، أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخر فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك، فبكى، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها ودلهم عليه - وكان شبه عليهم قبل ذلك - فأخذوه، فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تفتح نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فكمث سبعاً. ثم إن أمه والمرأة - التي كان عيسى يداويها فأبرأها الله من الجنون - جاءتا تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام، فقال: على من تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإنّ هذا شيء شبه لهم، فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفقد الذي كان باعه، ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب تاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى، فقال: هو معكم، فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: توفي الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار، حتى رفعه الله إليه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:والنصارى يزعمون أنه توفاه الله سبع ساعات من النهار، ثم أحياه الله، فقال له: اهبط، فأنزل على مريم المجدلانية في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحز عليك أحد حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين، فبثهم في الأرض دعاةً إلى الله، فإنك لم تكن فعلت ذلك، فأهبطه الله عليها، فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، فجمعت له الحواريين، فبثهم وأمرهم، أن يبلغوا الناس عنه ما أمره الله به، ثم رفعه الله إليه، فكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة وهو معهم حول العرش، فكان إنسياً ملكياً سمائياً أرضياً، وتفرق الحواريون حيث أمرهم، فتلك الليلة التي أهبط فيها الليلة التي تدخن فيها النصارى.
وكان ممن وجه من الحواريين والأتباع الذين كانوا في الأرض بعدهم، فطرس الحواري ومعه بولس - وكان من الأتباع، ولم يكن من الحواريين - إلى رومية، وأندراييس ومثى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس - وهي فيما نرى للأساود - وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق، وفيلبس إلى القيروان وقرطاجنة، وهي إفريقية، ويحنس إلى دفسوس، قرية الفتية أصحاب الكهف، ويعقوبس إلى أوريشليم، وهي إيليا بيت المقدس، وابن تلما إلى العرابية، وهي أرض الحجاز، وسيمن إلى أرض البربر دون أفريقية، ويهوذا - ولم يكن من الحواريين - إلى أريوبس، جعل مكان يوذس زكريا يوطا، حين أحدث ما أحدث.
حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن ابن سليم الأنصاري، ثم الزرقي، قال: كان على امرأة منا نذرٌ، لتظهرن على رأس الجماء - جبل بالعقيق من ناحية المدينة - قال: فظهرتُ معها، حتى إذا استوينا على رأس الجبل، إذا قبرٌ عظيم، عليه حجران عظيمان، حجر عند رأسه وحجر عند رجليه فيهما كتاب بالمسند، لا أدري ما هو؟ فاحتملتُ الحجرين معي، حتى إذا كنت ببعض الجبل منهبطاً ثقلا علي، فألقيت أحدهما وهبطت بالآخر، فعرضته على أهل السريانية: هل يعرفون كتابه؟ فلم يعرفوه، وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن، ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه. قال: فلما لم أجد أحداُ ممن يعرفه ألقيته تحت تابوت لنا، فمكث سنين، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز، فقلت لهم: هل لكم من كتاب؟ فقالوا: نعم، فأخرجتُ إليهم الحجر، فإذا هم يقرؤونه، فإذا هو بكتابهم: هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد، فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان، مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم عدوا على بقية الحواريين يشمسونهم ويعذبونهم، وطافوا بهم، فسمع بذلك ملك الروم - وكانوا تحت يديه، وكان صاحب وثن - فقيل له: إن رجلاً كان في هؤلاء الناس الذين تحت يديك من بني إسرائيل عدوا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنه رسول الله، قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى، وأبرأ لهم الأسقام، وخلق لهم من الطين كهئية الطير، ونفخ فيه فكان طائراً بإذن الله، وأخبرهم بالغيوب. قال: ويحكم فما منعكم أن تذكروا هذا لي من أمره وأمرهم فوالله لو علمت ما خليتُ بينهم وبينه. ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم، وسألهم عن دين عيسى وأمره، فأخبروه خبره، فتابعهم على دينهم، واستنزل سرجس فغيبه، وأخذ خشبته التي صلب عليها، فأكرمها وصانها لما مسها منه، وعدا على بني إسرائيل، فقتل منهم قتلى كثيرة، فمن هنالك كان أصل النصرانية في الروم.
وذكر بعض أهل الأخبار أن مولد عيسى عليه السلام كان لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس، وأن أغوسطوس عاش بعد ذلك بقية ملكه، وكان جميع ملكه ستاً وخمسين سنة - قال بعضهم: وأياماً.
قال: و وثبت اليهود بالمسيح، والرياسة ببيت المقدس في ذلك الوقت ليقصر، والملك على بيت المقدس من قبل قيصر هيردوس الكبير الذي دخلت عليه رسل ملك فارس الذين وجههم الملك إلى المسيح، فصار إلى هيردوس غلطا، وأخبروه أن ملك فارس بعث بهم ليقربوا إلى المسيح ألطافاً معهم من ذهب ومر ولبان، وأنهم نظروا إلى نجمه قد طلع، فعرفوا ذلك بالحساب وقربوا الألطاف إليه ببيت لحم من فلسطين. فلما عرف هيردوس خبرهم كاد المسيح، فطلبه ليقتله، فأمر الله الملك أن يقول ليوسف الذي كان مع مريم في الكنيسة ما أراد هيردوس من قتله، وأمره أن يهرب بالغلام وأمه إلى مصر، فلما مات هيردوس قال الملك ليوسف وهو بمصر: إن هيردوس قد مات، وملك مكانه أركلاوس ابنه، وذهب من كان يطلب نفس الغلام، فانصرف به إلى ناصرة من فلسطين ليتم قول شعيا النبي: من مصر دعوتك. ومات أركلاوس، وملك مكانه هيردوس الصغير، الذي صلب شبه المسيح في ولايته، وكانت الرياسة في ذلك الوقت لملوك اليونانية والروم، وكان هيردوس وولده من قبلهم، إلا أنهم كانوا يلقبون باسم الملك، وكان الملوك الكبار يلقبون بقيصر، وكان ملك بيت المقدس في وقت الصلب لهيردوس الصغير من قبل طيباريوس بن أغوسطوس دون القضاء، وكان القضاء لرجل رومي يقال له: فيلاطوس من قبل قيصر، وكانت رياسة الجالوت ليونن بن بهبوثن.
قال: وذكروا أن الذي شبه بعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي، يقال له: أيشوع بن فنديرا وكان ملك طيبا ريوس ثلاثاً وعشرين سنة وأياماً منها إلى وقت ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام، ومنها بعد ذلك خمس سنين.
ذكر من ملك من الروم أرض الشام
بعد رفع المسيح عليه السلام إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم في قول
النصارى
قال أبو جعفر: زعموا أن ملك الشام من فلسطين وغيرها صار بعد طيباريوس إلى جايوس بن طيباريوس، وأن ملكه كان أربع سنين.
ثم ملك بعده ابن له آخر، يقال له: قلوديوس أربع عشرة سنة.
ثم ملك بعده نيرون، الذي قتل فطرس وبولس، وصلبه منكساً، أربع عشرة سنة.
ثم ملك بعده بوطلايوس، أربع أشهر.
ثم ملك بعده أسفسيانوس أبو ططوس الذي وجهه إلى بيت المقدس عشر سنين. ولمضي ثلاث سنين من ملكه وتمام أربعين سنة من وقت رفع عيسى عليه السلام وجه أسفسيانوس ابنه ططوس إلى بيت المقدس، حتى هدمه وقتل من قتل من بني إسرائيل غضباً للمسيح.
ثم ملك بعده ططوس بن أسفسيانوس، سنتين.
ثم من بعده دو مطيانوس، ست عشرة سنة.
ثم من بعده نارواس، ست سنين.
ثم من بعده طرايانوس، تسع عشرة سنة.
ثم من بعده هدر يانوس، إحدى وعشرين سنة.
ثم ملك من بعده ططورس بن بطيانوس، اثنتين وعشرين سنة.
ثم من بعده مرقوس وأولاده، تسع عشرة سنة.
ثم من بعده قوذوموس، ثلاث عشرة سنة.
ثم من بعده فرطناجوس، ستة أشهر.
ثم من بعده سبروس. أربع عشرة سنة.
ثم من بعده أنطنياوس، سبع سنين.
ثم من بعده مرقيانوس، ست سنين.
ثم بعده أنطنيانوس، أربع سنين.
ثم الحسندروس، ثلاث عشرة سنة.
ثم غسميانوس، ثلاث سنين.
ثم جورديانوس، ست سنين.
ثم بعده فليفوس، سبع سنين.
ثم داقيوس، ست سنين.
ثم قالوس، ست سنين.
ثم بعده والرييانوس وقاليونس، خمس عشرة سنة.
ثم قلوديس، سنة.
ثم من بعده قريطاليوس، شهرين.
ثم أورليانوس، خمس سنين.
ثم طيقطوس، ستة أشهر.
ثم فولوريوس، خمسة وعشرين يوماً.
ثم فرابوس، ست سنين.
ثم قوروس وابناه، سنتين.
ثم دوقلطيانوس، ست سنين.
ثم محسميانوس، عشرين سنة.
ثم قسطنطينوس، ثلاثين سنة.
ثم قسطنطين، ثلاثين سنة.
ثم قسطنطين عشرين سنة.
ثم اليانوس المنافق، سنتين.
ثم يويانوس، سنة.
ثم والمطيانوس وغرطيانوس، عشر سنين.
ثم خرطانوس ووالنطيانوس الصغير، سنة.
ثم تياداسيس الأكبر، سبع عشرة سنة.
ثم أرقديوس وأنوريوس، عشرين سنة.
ثم تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ست عشرة سنة.
ثم مرقيانوس، سبع سنين.
ثم لاون، ست عشرة سنة.
ثم زانون، ثماني عشرة سنة، ثم أنسطاس، سبعاً وعشرين سنة.
ثم يوسطنيانوس، سبع سنين.
ثم يوسطنيانوس الشيخ، عشرين سنة.
ثم بوسطينس اثنتي عشرة سنة.
ثم طيباريوس، ست سنين.
ثم مريقيس وتاذاسيس ابنه، عشرين سنة.
ثم فوقا الذي قُتل، سبع سنين وستة أشهر.
ثم هرقل الذي كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثين سنة.
فمن لدن عُمِر بيت المقدس بعد تخريبه بختنصّر إلى الهجرة - على قولهم - ألف سنة ونيّف، ومن مُلك الإسكندر إليها تسعمائة سنة ونيّف وعشرون سنة، من ذلك من وقت ظهوره إلى مولد عيسى ثلاثمائة سنة وثلاث سنين. ومن مولده إلى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة، ومن وقت ارتفاعه إلى الهجرة خمسمائة وخمس وثمانون سنة وأشهر.
وزعم بعض أصحاب الأخبار أن قتل بني إسرائيل يحيى بن زكرياء كان في عهد أردشير بن بابك لثماني سنين خلتْ من ملكه، وأن بختنصّر إنما صار إلى الشأم لقتال اليهود من قِبَل سابور الجنود ابن أردشير بن بابك.
نزول قبائل العرب الحيرة والأنبار
أيام ملوك الطوائف
وكان من الأحداث أيام ملوك الطوائف إلى قيام أردشير بن بابك بالملْك - فيما ذكر هشام بن محمد - دنوّ مَنْ دنا من قبائل العرب من رِيفِ العراق ونزول مَنْ نزل منهم الحيرة والأنبار وما حوالي ذلك.
فحُدّثت عن هشام بن محمد، قال: لما مات بختنصّر انضمّ الذين كان أسكنَهم الحيرة من العرب حين أمر بقتالهم إلى أهل الأنبار وبقيَ الحيرُ خراباً، فغَبرُوا بذلك زماناً طويلاً، لا تطلع عليهم طالعة من بلاد العرب، ولا يقدَم عليهم قادم، وبالأنبار أهلها ومن انضم إليهم من أهل الحيرة من قبائل العرب من بني إسماعيل وبني معدّ بن عدنان؛ فلما كثر أولاد معدّ بن عدنان ومَنْ كان معهم من قبائل العرب، وملئوا بلادهم من تِهامة وما يليهم، فرّقتهم حروب وقعت بينهم، وأحداث حدثت فيهم، فخرجوا يطلبون المتّسع والريف فيما يليهم من بلاد اليمن ومشارف الشأم، وأقبلت منهم قبائل حتى نزلوا البحرين، وبها جماعة من الأزّد كانوا نزلوها في دهر عمران بن عمرو، من بقايا بني عامر، وهو ماء السماء بن حارثة، وهو الغِطْريف بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد.
وكان الذين أقبلوا من تِهامة من العرب مالك وعمرو ابنا فَهْم بن تيم الله بن أسد بن وبَرة بن تَغْلِب بن حُلوان بن عمران بن الحافِ بن قضاعة، ومالك بن زهير بن عمرو بن فَهْم بن تيم الله بن أسد بن وبَرة، في جماعة من قومهم، والحَيْقار بن الحيق بن عُمير بن قَنص بن معدّ بن عدنان، في قَنَص كلّها. ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطَّمَثان بن عوذ مناة بن يَقْدُم بن أفصى بن دُعْمِيّ بن إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان، وزُهيْر بن الحارث بن الشلل بن زهر بن إياد وصبُح، بن صبيح بن الحارث بن أفْصى بن دُعْمِيّ بن إياد.
فاجتمع بالبحرين جماعة من قبائل العرب، فتحالفوا على التُّنُوخ - وهو المقام - وتعاقدوا على التوازر والتناصر، فصاروا يداً على الناس، وضمّهم اسم تَنُوخ، فكانوا بذلك الاسم، كأنهم عُمارة من العمائر.
قال: وَتَنَخ عليهم بطون من نُمارة بن لخم. قال: ودعا مالك بن زهير جَذِيمَة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دَوْس الأزديّ إلى التُّنوخ معه، وزوّجه أخنه لميس ابنة زهير، فتنخَ جَذيمة بن مالك وجماعة ممن كان بها من قومهم من الأزد، فصار مالك وعمرو ابنا فهم الأزد حُلفاء دون سائر تَنوخ، وكلمة تَنوخ كلها واحدة.
وكان اجتماع من اجتمع من قبائل العرب بالبحرين وتحالفهم وتعاقدهم أزمان ملوك الطوائف الذين ملكهم الإسكندر، وفرّق البلدان بينهم عند قتله دارا بن دارا ملك فارس، إلى أن ظهر أردشير بن بابك ملك فارس على ملوك الطوائف، وقهرهم ودَان له الناس، وضبط له الملك.
قال: وإنما سُمّوا ملوك الطوائف؛ لأن كل ملك منهم كان ملكه قليلاً من الأرض، إنما هي قصور وأبيات، وحولها خندق وعدوُّه قريب منه، له من الأرض مثل ذلك ونحوه، يُغِير أحدُهما على صاحبه ثم يرجع كالخطفة.
قال: فتطلعت أنفسُ منْ كان بالبحرين من العرب إلى ريف العراق، وطمعوا في غلبة الأعاجم على ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه، واهتبلوا ما وقع بين ملوك الطوائف من الاختلاف، فأجمع رؤساؤهم بالمسير إلى العراق، ووطّن جماعة ممن كان معهم على ذلك؛ فكان أول مَنْ طلع منهم الحيقار بن الحيق في جماعة قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين - وهم الذين بأرض بابل وما يليها إلى ناحية الموصل - يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف؛ وهم فيما بين نِفّر - وهي قرية من سواد العراق إلى الأبلّة وأطراف البادية - فلم تَدِنْ لهم، فدفعوهم عن بلادهم.
قال: وكان يقال لعاد إرم، فلما هلكت قيل لثمود إرم، ثم سموا الأرمانيين؛ وهم بقايا إرمَ، وهم نَبَط السواد. ويقال لدمشق: إرم.
قال: فارتفعوا عن سواد العراق وصاروا أشلاء بعدُ في عرب الأنبار وعرب الحيرة، فهم أشلاء قَنَص بن معدّ، وإليهم ينسب عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عَمَم بن نُمارة بن لخم.
وهذا قول مضر وحمّاد الرواية؛ وهو باطل، ولم يأت في قَنَص بن معدّ شيء أثبتُ من قول جُبير بن مُطْعِم: إن النعمان كان من ولده.
قال: وإنما سميت الأنبار أنبار لأنها كانت تكون فيها أنابير الطعام، وكانت تسمّى الأهراء، لأن كسرى يرزق أصحابه رزقهم منها.
قال: ثم طلع مالك وعمرو، ابنا فَهْم بن تيم الله، ومالك بن زهير بن فَهْم بن تيم الله، وغَطَفان بن عمرو بن الطَّمَثان، وزهير بن الحارث وصُبح بن صُبيح؛ فيمن تَنَحَ عليهم من عشائرهم وحلفائهم على الأنبار، على ملك الأرْمانيين، فطلع نُمارة بن قيس بن نُمارة - والنجدة - وهم قبيلة من العماليق يدعون إلى كندة - وملكان بن كندة، ومالك وعمرو ابنا فَهْم ومَنْ حالفهم، وتَنَح معهم على نِفّر على ملك الآردوانيين، فأنزلهم الحيَر الذي كان بناه بختنصّر لتجار العرب الذين وُجدوا بحضرته حين أمر بغزو العرب في بلادهم، وإدخال الجيوش عليهم، فلم تزل طالعة الأنبار وطالعة نِفَّر على ذلك، لا يدينون للأعاجم، ولا تدين لهم الأعاجم؛ حتى قدمها تُبّع - وهو أسعد أبو كَرِب بن ملكيكرب - في جيوشه، فخلّف بها منْ لم تكن به قوة من الناس، ومن لم يَقْوَ على المضي معه، ولا الرجوع إلى بلاده، وانضمّوا إلى هذا الحِير، واختلطوا بهم؛ وفي ذلك يقول كعب بن جُعيَل بن عُجْرة بن قُمير بن ثعلبة بن عوف بن مالك بن بكر بن حُبيب بن عمرو بن غّنْم بن تغلب بن وائل:
وغزا تُبّعُ في حِمْيَرَ حتّى ... نزلَ الحِيرةَ مِنْ أهل عَدَنْ
وخرج تبّع سائراً ثم رجع إليهم، وأقاموا فأقرّهم على حالهم، وانصرف راجعاً إلى اليمن، وفيهم من كل القبائل من بني لِحْيان؛ وهم بقايا جُرْهم؛ وفيهم جُعفيّ، وطئ، وكلب، وتميم؛ وليسوا إلا بالحيرة - يعني بقايا جرهم. قال ابن الكلبي: لِحيان بقايا جُرْهم.
ونزل كثير من تَنّوخ الأنبار والحيرة وما بين الحيرة إلى طفّ الفرات وغربيّه، إلى ناحية الأنبار وما والاها في المظالّ والأخبية، لا يسكنون بيوت المدَر، ولا يجامعون أهلَها فيها، واتّصلت جماعتهم فيما بين الأنبار والحيرة، وكانوا يسمّون عرب الضاحية؛ فكان أول من ملك منهم في زمان ملوك الطوائف مالك بن فَهْم، وكان منزله مما يلي الأنبار. ثم مات مالك، فملك من بعده أخوه عمرو بن فَهْم. ثم هلك عمرو بن فهم، فملك من بعده جذّيمة الأبرش بن مالك بن فَهْم بن غنم بن دَوْس الأزديّ.
قال ابن الكلبيّ: دَوْس بن عُدْثان بن عبد الله بن نصر بن زَهْران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
قال ابن الكلبي: ويقال إن جَذيمة الأبرش من العاربة الأولى، من بني وبار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح. قال: وكان جَذيمة من أفضل ملوك العرب رأياً، وأبعدهم مُغاراً، وأشدّهم نِكاية، وأظهرهم حزماً، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق؛ وضمّ إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان به بَرَص، فكنَت العرب عنه، وهابت العرب أن تسميه به وتنسبه إليه إعظاماً له، فقيل: جَذيمة الوضّاح، وجَذيمة الأبرش؛ وكانت مناوله فيما بين الحيرة والأنبار وبقّة وهيت وناحيتها، وعين التَّمْر، وأطراف البرّ إلى الغُوَير والقُطقُطانة وخَفِيّة وما والاها، تُجْبى إليه الأموال، وتَفِد إليه الوفود، وكان غزا طسماً وجَديسا في منازلهم من جَوّ وما حولهم؛ وكانت طسم وجديس يتكلّمون بالعربية، فأصاب حسانَ بن تبع أسعد أبي كرب، قد أغار على طسْم وجديس باليمامة، فانكفأ جذيمة راجعاً بمن معه، وتأتي خيول تَبّع على سرِية لجذيمة فاجتاحتها، وبلغ جذيمة خَبرُهم، فقال جذيمة:
ربما أَوفيْتُ في عَلَمٍ ... ترفعَنْ بُردِي شمالاتُ
في فُتُوّ أنا كالئُهُمْ ... في بلايا غَزْوةٍ باتوا
ثم أُبْنا غانِمي نَعَمٍ ... وأناسٌ بعدَنا ماتوا
نحن كنّا في ممرّهم ... إذ ممرّ القومِ خوّاتُ
ليت شِعري ما أماتَهُمُ ... نحنُ أدلجْنا وهمْ باتوا
وَلنا كانُوا ونحن إذا ... قال منّا قائلٌ صاتوا
ولنا البيدُ البِعادُ التي ... أهلُها السودان أشتاتُ
ثُبَةُ الأخيار شاهدة ... ذاكُمُ قومي وأهلاتي
قد شربت الخمر وسطهُمُ ... ناعماً في غيْر أصوات
فعلى ما كان مِنْ كرَمٍ ... فستبكيني بُنيّاتي
أنا ربُّ الناسِ كلِّهِمُ ... غيرَ رَبّي الكافِتِ الفاتِ
يعني بالكافت الذي يكفت أرواحهم، والفات الذي يفيتهم أنفسهم؛ يعني الله عز وجل.
قال ابن الكلبي: ثلاثة أبيات منها حق، والبقية باطل قال: وفي مغازيه وغاراته على الأمم الخالية من العاربة الأولى يقول الشاعر في الجاهلية:
أضحى جذيمة في يَبْرِينَ مَنزلِهِ ... قد حازَ ما جمعتْ في دهرِها عادُ
فكان جَذيمة قد تنبّأ وتكهّن، واتخذ صنمين؛ يقال لهما: الضيزنان - قال: ومكان الضيزنين بالحيرة معروف - وكان يستسقي بهما ويستنصر بهما على العدوّ، وكانت إياد بعين أباغ، وأباغ رجل من العماليق، نزل بتلك العين، فكان يغازيهم؛ فذُكر لجذيمة غلام من لَخم في أخواله من إياد يقال له عديّ بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سعود بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم، له جمال وطرف، فغزاهم جذيمة، فبعث إياد قوماً فسقوا سَدَنة الصنمين الخمر، وسرقوا الصنمين، فأصبحا في إياد، فبعث إلى جذيمة: إن صنميك أصبحا فينا، زهداً فيك ورغبة فينا؛ فإن أوثقت لنا ألا تغزونا رددناهما إليك.
قال: وعديّ بن نصر تدفعونه إليّ. فدفعوه إليه مع الصنمين، فانصرف عنهم، وضم عديّاً إلى نفسه، وولاّه شرابه، فأبصرته رَقاشِ ابنة مالك أخت جذيمة، فعشقته وراسلته، وقالت: يا عديّ، اخطبني إلى الملك، فإن لك حسباً وموضعاً، فقال: لا أجترئ على كلامه في ذلك، ولا أطمع أن يزوّجنيك، قالت: إذا جلس على شرابه، وحضرَه ندماؤه، فاسقه صِرفاً، واسقِ القوم مِزاجاً، فإذا أخذت الخمرة فيه، فاخطبني إليه، فإنه لن يردّك، ولن يمتنع منك؛ فإذا زوّجك فأشهِد القوم؛ ففعل الفتى وما أمرتْه به، فلما أخذت الخمرة مأخذَها خطبها إليه، فأملكه إياها، فانصرف إليها، فأعرس بها من ليلته، وأصبح مضرّجاً بالخَلوق، فقال له جذيمة - وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا عدي؟ قال: آثار العُرس، قال أي عُرس! قال: عرس رَقاش! قال: من زوّجكها ويحك! قال: زوجَنيها الملك، فضرب جذيمة بيده على جبهته، وأكبّ على الأرض ندامة وتلهّفاً، وخرج عديّ على وجهه هارباً، فلم يُر أثر، ولم يُسمع له بذكر، وأرسل إليه جذيمة، فقال:
حدثيني وأنتِ لا تَكْذِبيني ... أبِحُرٍّ زَنَيْتِ أم بهجين!
أم بعبدٍ فأنتِ أهلٌ لعبدٍ ... أمْ بدونٍ فأنت أهلٌ لدونِ
فقالت: لا بل أنت زوجتَني امرأ عربياً، معروقاً حسيباً، ولم تستأمرني في نفسي، ولم أكن مالكة لأمري؛ فكفّ عنها، وعرف عذرَها.
ورجع عدي بن نصر إلى إياد، فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين، فرمى به فتىً منهم من لهْب فيما بين جبلين، فتنكّس فمات، واشتملت رَقاشِ على حبَل، فولدت غلاماً، فسمّته عمراً ورشّحته؛ حتى إذا ترعرع عطّرته وألبسته وحلته، وأزارته خالَه جذيمة، فلما رآه أعجِبَ به، وألقِيتْ عليه منه مِقة ومحبة، فكان يختلف مع ولده، ويكون معهم. فخرج جذيمة متبدياً بأهله وولده في سنة خصبة مكلٍئة، فضرِبت له أبنية في روضة ذات زهرة وغُدُر، وخرج ولده وعمرو ومعهم يجتنون الكمْأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون، وعمر ويقول:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جانٍ يدهُ إلىَ فيهِ
فضمه إليه جذيمة والتزمه، وسر بقوله وفعله، وأمره فجعل له حلى من فضة وطرق، فكان أول عربي ألبس طوقاً، فكان يسمى عمراً ذا الطوق، فبينما هو على أحسن حاله، إذا استطارته الجن فاستهوته، فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زماناً لا يقدر عليه. قال: وأقبل رجلان أخوان من بلقين - يقال لهما: مالك وعقيل، ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر ابن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة - من الشام يريدان جذيمة، قد أهديا له طرفا ومتاعاً، فلما كان ببعض الطريق نزلا منزلاً، ومعهما فينة لهما يقال لها: أم عمرو، فقدمت إليهما طعاماً، فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان شاحب، قد تلبد شعره، وطالت أظفاره، وساءت حاله، فجاء حتى جلس حجرة منهما، فمد يده يريد الطعام، فناولته القينة كراعاً، فأكلها ثم مد يده إليها، فقالت: " تعطى العبد كراعاً فيطمع في الذراع " ، فذهبت مثلاً، ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها، وأوكت زقها، فقال عمر بن عدي:
صددت الكأس عنا أم عمر ... وكان الكأس مجراها اليمينا
ما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا!
فقال مالك وعقيل: من أنت يا فتى؟ فقال: إن تنكراني أو تنكرا نسبي، فإني أنا عمرو بن عدي، ابن تنوخية، اللخمى، وغداً ما ترياني في نمارة غير معصى.
فنهضا إليه فضماه وعسلا رأسه، وقلما أظفاره، وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب وقالا: ما كنا لنهدي لجذيمة هدية أنفس عنده، ولا أحب إليه من ابن أخته، قد رده الله عليه بنا. فخرجا به، حتى دفعا إلى باب جذيمة بالحيرة، فبشراه، فسر بذلك سروراً شديداً، وأنكره لحال ما كان فيه، فقالا: أبيت اللعن! إنّ من كان في مثل حاله يتغير.
فأرسل به إلى أمه، فمكث عندها أياماً ثم أعادته إليه، فقال: لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب عن عيني ولا قلبي إلى الساعة، فأعادوا عليه الطوق، فلما نظر إليه قال: شب عمرو عن الطوق، فأرسلها مثلاً، وقال لمالك وعقيل: حكمكما، قالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت! فهما ندمانا جذيمة اللذان ضربا مثلاً في أشعار العرب، وفي ذلك يقول أبو خراش الهذلي:
لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي ... وإن ثوائي عندها لقليل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... نديماً صفاء مالك وعقيل
وقال متمم بن نويرة:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطولِ اجتماع لم نبت ليلة معا
وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف بلاد الشام عمرو بن ظرب ابن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العملق - ويقال العمليق، من عاملة العماليق، فجمع جذيمة جموعاً من العرب، فسار إليه يريد غزاته، وأقبل عمرو بن ظرب بجموعه من الشام، فالتقوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل عمرو بن ظرب، وانفضت جموعه، وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين، فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي:
كأن عمرو بن ثربى لم يعش ملكاً ... ولم تكن حوله الرايات تختفقُ
لاقى جذيمة في جاواء مشعلةٍ ... فيها حراشف بالنيران ترتشق
فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء واسمها نائلة، وقال في ذلك القعقاع بن الدرماء الكلبي:
أتعرف منزلاً بين المنقى ... وبين مجر نائلة القديم
وكان جنود الزباء بقايا من العماليق والعاربة الأولى، وتزيد وسليح ابنى حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومن كان معهم من قبائل قضاعة، وكانت للزباء أخت يقال لها زبيبة، فبنت لها قصراً حصيناً على شاطئ الفرات الغربي، وكانت تشتو عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إلى تدمر. فلما أن استجمع لها أمرها، واستحكم لها ملكها، أجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطلب بثأر أبيها، فقالت لها أختها زبيبة - وكانت ذات رأي ودهاء وإرب: يا زباء، إنك إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده إن ظهرت أصبت ثأرك وإن قتلت ملكك، والحرب سجال، وعثراتها لا تستقال، وإن كعبك لم يزل سامياً على من ناوأك وساماك، ولم ترى بؤساً ولا غيرا، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، وعلى من تكون الدائرة! فقالت لها الزباء قد أديت النصيحة، وأحسنت الروية، وإن الرأي ما رأيت، والقول ما قلت. فانصرفت عما كانت أجمعت عليه من غزو جذيمة، ورفضت ذلك، وأتت أمرها من وجوه الختل والخدع والمكر. فكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها. وكان فيما كتبت به: أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبيح في السماع، وضعف في السلطان، وقلة ضبط المملكة، وإنها لم تجد لملكها موضعاً، ولا لنفسها كفئاً غيرك، فأقبل إلى، فاجمع ملكي إلى ملكك، وصل بلادي ببلادك، وتقلد أمري مع أمرك.
فلما انتهى كتابُ الزباء إلى جذيمة، وقدم عليه رسلها استخفه ما دعته إليه، ورغب فيما أطمعته فيه، وجمع إليه أهل الحجى والنهى، من ثقات أصحابه، وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء، وعرضته عليه، واستشارهم في أمره، فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولي على ملكها. وكان فيهم رجل يقال له قصير بن سعد بن عمر جذيمة بن قيس بن ربى بن نمارة بن لخم. وكان سعد تزوج أمة لجذيمة، فولدت له قصيراً، وكان أريباً حازماً، أثيراً عند جذيمة، ناصحاً، فخالهم فيما أشاروا به عليه، وقال: رأى فاتر، وعذر حاضر، فذهبت مثلاً. فرادوه الكلام ونازعوه الرأي، فقال: إني لأرى أمراً ليس بالخسا ولا الزكا، فذهبت مثلاً. وقال لجذيمة: اكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا لم تمكنها من نفسك، ولم تقع في حبالها، وقد وترتها، وقتلت أباها. فلم يوافق جذيمة ما أشار به عليه قصير، فقال قصير:
إن امرؤ لا يميل العجز ترويتي ... إذا أتت دون شيء مرة الوذم
فقال جذيمة: لا ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح فذهبت مثلاً فدعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير وقال: إن نمارة قومي مع الزباء ولو قدروا لصاروا معك فأطاعه وعصى قصيراً فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر، وفي ذلك يقول نهشل بن حرى أين ضمرة بن جابر التميمي:
ومولى عصاني واستبد برأيه ... كعالم يطع بالبقتين قصير
فلما رأى ما غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الامور صدور
تمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
وقالت العرب: " ببقية أبرم الأمر، فذهبت مثلاً، واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه، وجعل عمرو بن عبد الجن الجرمي معه على خيوله، وسار في وجوه أصحابه، فأخذ على الفرات من الجانب الغربي. فلما نزل الفرضة دعا قصيراً، فقال: ما الرأي؟ قال: ببقية تركت الرأي، فذهبت مثلاً، واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فقال: يا قصير كيف ترى؟ قال: خطر يسير في خطب كبير، فذهبت مثلاً وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك من خلفك، فإن القوم غادرون، فاركب العصا وكانت فرساً لجذيمة لا تجارى - فإني راكبها ومسايرك عليها. فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، ونظر إليه جذيمة مولياً على متنها، فقال: ويل أمة جزماً على ظهر العصا!، فذهبت مثلاً، فقال: يا ضل ما تجرى به العصا! وجرت به إلى غروب الشمس ثم نفقت، وقد قطعت أرضاً بعيدة، فبنى عليها برجاً يقال له برج العصا. وقالت العرب: " خير ما جاءت به العصا " مثل تضربه.
وسار جذيمة، وقد أحاطت به الخيول، حتى دخل على الزباء، فلما رأته تكشفت فإذا هي مضفورة الإسب، فقالت: يا جذيمة أدأب عروس ترىّ، فذهب مثلاً فقال: بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر غدر أرى، فقالت: أما وإلهي ما بنا من عدم مواس، لا قلة أواس، ولكنه شيمة ما أناس " . فذهبت مثلاً، وقالت: إني أنبئت أن دماء الملوك شفاء من الكلب، ثم أجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب، فأعدته له وسقته من الخمر حتى أخذت مأخذها منه، وأمرت براهشيه فقطعا، وقدمت إليه الطست، وقد قيل لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه - وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلا في قتال، تكرمة للملك - فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه من غير الطست، فقلت: لا تضيعوا دم الملك، فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله، فذهبت مثلاً، فهلك جذيمة واستبقت الزباء دمه، فجعلته في برس قطن في ربعة لها، وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم، حتى قدم على عمرو ابن عدي وهو بالحيرة، فقال له قصير: أداثر أم ثائر، قال: لا، بل ثائر سائر، فذهبت مثلاً، ووافق قصير الناس وقد اختلفوا، فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عبد الجن الجرمي، وجماعة منهم مع عمرو بن عدي، فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا، وانقاد عمرو بن عبد الجن لعمرو بن عدي ومال إليه الناس، فقال عمرو بن عدي في ذلك:
دعوت ابن عبد الحن للسلم بعد ما ... تتابع في غرب السفاه وكلما
فلما أر عوى عن صدنا باعترامه ... مريتُ هواهُ مرى آمٍ روائما
فقال عمرو بن عبد الجن مجيباً له:
أما ودماء ماثراتٍ تخالها ... على قلة العزي أو النسر عندما
وما قدس الرهبان في كل هيكلٍ ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما
قال: هكذا وجد الشعر ليس بتام، وكان ينبغي أن يكون البيت الثالث: لقد كان كذا وكذا - فقال قصير لعمرو بن عدي: تهيأ واستعد، ولا تطل دم خالك. قال: وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلاً، وكانت الزباء سألت كاهنة لها عن أمرها وملكها، فقالت: أرى هلاكك بسبب غلام مهين، غير أمين، وهو عمرو بن عدي، ولن تموتي بيده، ولكن حتفك بيدك، ومن قبله ما يكون ذلك. فحذرت عمراً، واتخذت نفقاً من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إلى حصن لها داخل مدينتها، وقالت: إن فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني.ودعت رجلاً مصوراً أجود أهل بلادها تصويراً، وأحسنهم عملاً لذلك، فجهزته وأحسنت إليه، وقالت له: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكراً، فتخلوا بشمه، وتنضم إليهم، وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور. والثقافة له، ثم أثبت عمرو بن عدي معرفة، وصوره جالساً وقائماً، وراكباً ومتفضلاً، ومستلحاً بهيئة ولبسته وثيابه ولونه، فإذا أحكمت ذلك، فأقبل إلي.
فانطلق المصور حتى قدم على عمرو، وصنع الذي أمرته به الزباء، وبلغ ما أوصته به، ثم رجع إليها بعلم ما وجهته له من الصور على ما وصفت له، وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي، فلا تراه علىحال إلا عرفته وحذرته، وعلمت علمه. فقال قصير لعمرو بن عدي: اجدع أنفى واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال عمرو: ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق مني! فقال قصير: " خل عني إذاً وخلاك ذم " فذهبت مثلاً.
قال ابن الكلبي: كان أبو الزباء اتخذ النفق لها ولأختها، وكان الحصن لأختها في داخل مدينتها، قال: فقال له عمرو، فأنت أبصر. فجدع قصير أنفه، وأثر بظهره. فقالت العرب: " لمكر ما جدع أنفه قصير " ، وفي ذلك يقول المتلمس:
ومن حذر الأوتار ماحز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
ويروي: " ورام الموت " . وقال عدي بن زيد:
كقصير إذ لم يجد غير أن ج ... دع أشرافه لشكرٍ قصير
فلما أن جدع قصير أنفه وأثر تلك الآثار بظهره، خرج كأنه هارب، وأظهر أن عمراً فعل به ذلك، وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة، وغره من الزباء، فسار قصير حتى قدم على الزباء، فقيل لها: إن قصيراً بالباب، فأمرت به فأدخل عليها، فإذا أنفه قد جدع، وظهره قد ضرب، فقالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ فقال: زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله، وزينت له السير إليك. وعششته ومالأتك عليه، ففعل بي ما ترين! فأقبلتُ إليك، وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك. فألطفته وأكرمته. وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملوك، فلما عرفت أنها قد استرسلت إليه، ووثقت به، قال لها: إنّ لي بالعراق أموالاً كثيرة، وبها طرائف وثياب وعطر، فابعثني إلى العراق لأحمل مالي وأحمل إليك من بزورها وطرائف ثيابها، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات، فتصيبين في ذلك أرباحاَ عظاماً،وبعض ما لا غنى بالملوك عنه، فإنه لا طرائف كطرائف العراق! فلم يزل يزينُ لها ذلك حتى سرحته، ودفعت معه عيراً، فقالت: انطلق إلى العراق، فبع بها ما جهزناك به، وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها. فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق، وأتى الحيرة متنكراً، فدخل على عمرو بن عدي، فأخبره بالخبر، وقال: جهزني بالبز والطرف والأمتعة، لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك، تقتل عدوك. فأعطاه حاجته، وجهزه بصنوف الثياب وغيرها، فرجع بذلك كله إلى الزباء، فعرضه عليها، فأعجبها ما رأت، وسرها ما أتاها به، وازدادت به ثقة، وإليه طمأنينة، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى، فسار حتى قدم العراق، ولقي عمرو بن عدي، وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء، ولم يترك جهداً، ولم يدع طرفة ولا متاعاً قدر عليه إلا حمله إليه. ثم عاد الثالثة إلى العراق فأخبر عمر الخبر، وقال: إجمع لي ثقات أصحابك وجندك، وهيئ لهم الغرائر والمسوح - قال ابن الكلبي: وقصير أول من عمل الغرائر - وأحمل كل رجلين على بعير في غرارتين، وأجعل معقد رؤس الغرائر من باطنها، فإذا دخلوا مدينة الزباء اقمتك على باب نفقها، وخرجت الرجال من الغرائر، فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه، وإن أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف.
ففعل عمرو بن عدي، وحمل الرجال في الغرائر على ما وصف له قصير، ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم، فلما كانوا قريباً من مدينتها، تقدم قصير إليها، فبشرها وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل، وما عليها من الأحمال، فإني جئت بما صاء وصمت فذهبت مثلاً. وقال ابن الكلبي: كان قصير يكمن النهار ويسير الليل وهو أول من كمن النهار وسار الليل. فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل أحمالها، فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيدا! ... أجندلا يحملن أم حديدا!
أم صرفاناً بارداً شديداً!
فدخلت الإبل المدينة، حتى كان آخرها بعيراً مر على بواب المدينة وهو نبطي بيده منخسة، فنخس بها الغرائر التي تليه فتصيب خاصرة الرجل الذي فيها، فضرط. فقال البواب بالنبطية بشتابسقا يعني بقوله: بشتابسقا: في الجوالق شر وأرعب قلباً، فذهبت مثلاً، فلما توسطت الإبل المدينة أنيخت، ودل قصير عمرا على باب النفق قبل ذلك، وأراه إياه، وخرجت الرجال من الغرائر، وصاحوا: بأهل المدينة؟ ووضعوا فيهم السلاح، وقام عمرو بن عدي على باب النفق، وأقبلت الزباء مولية مبادرة تريد النفق لتدخله، وأبصرت عمرا قائماً، فعرفته بالصورة التي كان صورها لها المصور فمصت خاتمها، وكان فيها سم - وقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، فذهبت مثلاً، وتلقاها عمرو بن عدي، فجللها بالسيف فقتلها، وأصاب ما أصاب من أهل المدينة، وانكفأ راجعاً إلى العراق، فقال عدي بن زيد في أمر جذيمة وقصير والزباء وقتل عمرو بن عدي إياها قصيدته:
أبدلت المنازلُ أم عفينا ... تقادم عهدها أم قد بلينا
إلى آخرها.
وقال المخبل، وهو ربيعة بن عوف السعدي:
يا عمرو إني قد هويتُ جماعكم ... ولكل من يهوى الجماع فراقُ
بل كم رأيتُ الدهر زايل بينه ... من لا يزايل بينه الأخلاقُ
طابت به الزباء وقد جعلت لها ... دوراً ومشربة لها أنفاق
حملت لها عمراً ولا بخشونة ... من آل دومة رسلة معناق
حتى تفرعها بأبيض صارم ... عضبٍ يلوح كأنه مخراق
وأبو حذيفة يوم ضاق بجمعه ... شعبُ الغبيط فحومتة فأفاق
وله معد والعباد وطيئ ... ومن الجنود كتائب ورفاق
يهبُ النجائب والنزائع حوله ... جرداً كأنه متونها الإطلاق
فأتت عليه ساعة ما إن له ... مما أفاء ولا أفاد عتاقُ
فكأن ذلك يوم حم قضاؤه ... رفد أميل إناؤه مهراق
وقال بعض شعراء العرب:
نحن قتلنا فقحلا وابن راعن ... ونحن ختنا نبت زبا بمنجل
فلما أتتها العيرُ قالت أبارد ... من التمر هذا أم حديد وجندل
وقال عبد باجر - واسمه بهرا من العرب العاربة، وهم عشرة أحياء: عاد، وثمود، والعماليق، وطسم، وجديس، وأميم، والمود، وجرهم، ويقطن، والسلف قال: والسلف دخل في حمير - :
لا ركبت رجلك من بين الدلى ... لقد ركبت مركباً غير الوطى
على العراقي بصفاً من الطوى ... إن كنتِ غضبي فاغضبي على الركى
وعاتبي القيم عمرو بن عدي.
فصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لحم، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب، وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق، وإليه ينسبون، وهم ملوك آل نصر، فلم يزل عمرو بن عدي ملكاً حتى مات وهو ابن مائة وعشرين سنة، منفرداً بملكه، مستبداً بأمره، يغزو المغازي ويصيب الغنائم،وتفد عليه الوفود دهره الأطول، لا يدين لملوك الطوائف بالعراق، ولا يدينون له، حتى قدم أردشير بن بابك في أهل فارس.
وإنما ذكرنا في هذا الموضع ما ذكرنا من أمر جذيمة وابن أخته عمرو بن عدي لما كنا قدمنا من ذكر ملوك اليمن، أنه لم يكن لملكهم نظام، وأن الرئيس منهم إنما كان ملكاً على مخلافه ومحجره، لا يجاوز ذلك، فإن نزع منهم نازع، أو نبغ منهم نابغ فتجاوز ذلك - وإن بعدت مسافة سيره من مخلافه - فإنما ذلك منه عن غير ملك له موطد، ولا لآبائه، ولا لأبنائه، ولكن كالذي يكون من بعض من يشرد من المتلصصة، فيغير على الناحية باستغفاله أهلها، فإذا قصده الطلب لم يكن له ثبات، فكذلك كان أمر ملوك اليمن، كان الواحد منهم بعد الواحد يخرج عن مخلافه ومحجره أحياناً فيصيب مما يمر به ثم يتشمر عند خوف الطلب، راجعاً إلى موضعه ومخلافه، من غير أن يدين له أحد من غير أهل مخلافه بالطاعة، أو يؤدي إليه خرجاً، حتى كان عمرو ابن عدي الذي ذكرنا أمره، وهو ابن أخت جذيمة الذي اقتصصنا خبره، فإنه اتصل له ولعقبه ولأسبابه الملك على ما كان بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم على ذلك، وستكفأهم أمر من وليهم من العرب، إلى أن قتل أبرويز بن هرمز النعمان بن المنذر، ونقل ما كانت ملوك فارس بجعلونه إليهم إلى غيرهم، فذكرنا ما ذكرنا من أمر حذيمة وعمرو ابن عدي من أجل ذلك، إذ كنا نريد أن نسوق تمامً التاريخ على ملك ملوك فارس، ونستشهد على صحة ما روي من أمرهم بما وجدنا إلى الاستشهاد به عليها سبيلاً.وكان أمرُ آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق عند أهل الحيرة متعالماً مثبتاً عندهم في كنائسهم وأسفارهم.
وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال: إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة، وفيها ملكهم وأمورهم كلها.
فأما ابن حميد، فإنه حدثنا في أمر ولد نصر بن ربيعة ومصيرهم إلى أرض العراق غير الذي ذكره هشام، والذي حدثنا به من ذلك عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أنّ ربيعة بن نصر اللخمىّ رأى رؤيا نذكرها بعدُ - عند ذكر أمر الحبشة، وغلبتهم على اليمن وتعبير سطيح وشق وجوابهما عن رؤياه - ثم ذكر في خبره ذلك أن ربيعة بن نصر لما فرغ من مسألة سطيح وشق وجوابهما إياه، وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ، فأسكنهم الحيرة. قال: فمن بقية ربيعة ابن نصر كان النعمان ملك حيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر ابن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم.
؟؟
ذكر طسم وجديس
قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر طسم وجديس إذ كان أمرهم أيضاً كان في أيام ملوك الطوائف، وأن فناء جديس كان على يد حسان بن تبع، إذ كنا قدمنا فيما مضى ذكر تبابعة حمير، الذين كانوا على عهد ملوك فارس.
وحدثت عن هشام بن محمد. وحدثنا ابن حميد. قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق وغيرهما من علماء العرب، أن طسما وجديساً كانوا من ساكني اليمامة، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيراً، لهم فيها صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة، وكان عليهم ملك من طسم ظلوم غشوم، لا ينهاه شيء عن هواه، يقال له عملوق، مضراً بجديس، مستذلاً لهم، وكان مما لقوا من ظلمه واستذلاله، أنه أمر بألا تهدى بكر من جديس إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها، فقال رجل من جديس، يقال له الأسود بن غفار لرؤساء قومه: قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه، فأطيعوني فإني أدعوكم إلى عز الدهر، ونفي الذل. قالوا: وما ذاك قال: إني صانع للملك ولقومه طعاماً، فإذا جاؤوا نهضنا إليهم بأسيافنا وانفردت به فقتلته، وأجهز كل رجل منكم على جليسه، فأجابوه إلى ذلك، وأجمع رأيهم عليه فأعد طعاماً، وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل، وقال: إذا أتاكم القوم يرفلون في حللهم، فخذوا سيوفهم، ثم شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم، ثم اقتلوا الرؤساء، فإنكم إذا قتلتموهم لم تكن السفلة شيئاً، وحضر الملك فقتل وقتل الرؤساء، فشدوا على العامة منهم، فأفنوهم، فهرب رجل من طسم يقال له رياح بن مرة، حتى أتى حسان بن تبع، فاستغاث به، فخرج حسان في حمير، فلما كان من اليمامة على ثلاث، قال له رياح: أبيت اللعن! إن لي أختاً متزوجة في جديس، يقال لها: اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها، إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإني أخاف أن تنذر القوم بك، فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه ويسير وهي في يده، فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا، ثم سار فنظرت اليمامة، فأبصرتهم، فقالت لجديس: لقد سارت حمير. فقالوا: وما الذين ترين؟ قالت: أرى رجلاً في شجرة، معه كتف يتعرقها، أو نعل يخصفها. فكذبوها، وكان ذلك كما قالت، وصبحهم حسان فأبادهم وأخرب بلادهم وهدم قصورهم وحصونهم.
وكانت اليمامة تسمى إذ ذاك جوا والقرية، وأتى حسان باليمامة ابنة مرة، فأمر بها ففقئت عيناها، فإذا فيها عروق سود، فقال لها: ما هذا السواد في عروق عينيك؟ قالت: حجير أسود يقال له الإثمد، كنت أكتحل به. وكانت فيما ذكروا أول من اكتحل بالإثمد، فأمر حسان بأن تسمى جو اليمامة.
وقد قالت الشعراء من العرب في حسان ومسيره هذا، فمن ذلك قول الأعشى:
كوني كمثل الذي إذ غاب وافدها ... أهدت له من بعيدٍ نظرةً جزعا
ما نظرت ذات أشفارٍ كنظرتها ... حقاً كما صدق الذئبى إذ سجعا
إذ قلبت مقلة ليست بمقرفةٍ ... إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا
قالت أرى رجلاً في كفه كتف ... أو يخصف النعل، لهفي أيةً صنعا!
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجى الموت والشرعا
فاستنزلوا أهل جوٍ من مساكنهم ... وهدموا شاخص البنيان فاتضعا
ومن ذلك قول النمر بن تولب العكلي:
هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع
وفتاتهم عنزٍ عشية آنست ... من بعد مرأى في الفضاء ومسمعِ
قالت أرى رجلاً يقلب كفه ... أصلاً وجو آمن لم يفزع
ورأت مقدمة الخميس وقبله ... رقص الركاب إلى الصياح بتبعٍ
فكأن صالح أهل جو غدوة ... صبحوا بذيفان السمام المنقع
كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوا ... يلوون زاد الراكب المتمتع
قالت يمامة احملوني قائماً ... إن تبعثوه باركاً بي أصرع
وحسان بن تبع، الذي أوقع بجديس، هو ذو معاهر، وهو تبع بن تبع تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن تبع بن أقرن، وهو أبو تبع بن حسان الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة، وكسا الكعبة، وأن الشعب من المطابخ إنما سمي هذا الإسم لنصبه المطابخ في ذلك الموضع وإطعامه الناس، وأن أجياداً إنما سمي أجياداً، لأن خيله كانت هنالك، وأنه قدم يثرب فنزل منزلاً يقال له منزل الملك اليوم، وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية من شكاهم إليه من الأوس والخزرج بسوء الجوار، وأنه وجه ابنه حسان إلى السند وسمرا ذا الجناح إلى خرسان، وأمرهما أن يستبقا إلى الصين، فمر سمر بسمر قند فأقام عليها حتى افتتحها، وقتل مقاتلتها، وسبى وحوى ما فيها ونفذ إلى الصين، فوافى حسان بها، فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك، ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إلى تبع بالأموال والغنائم.
ومما كان في أيام ملوك الطوائف ما ذكره الله عز وجل في كتابه من أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم.
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الخبر عن أصحاب الكهف
وكان أصحاب الكهف فتيةً آمنوا بربهم؛ كما وصفهم الله عز وجل به من صفتهم في القرآن المجيد؛ فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً " .
والرقيم هو الكتاب الذي كان القوم الذين منهم كان الفتية، كتبوه في لوحٍ بذكر خبرهم وقصصهم، ثم جعلوه على باب الكهف الذي أووا إليه، أو نقروه في الجبل الذي أووا إليه، أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلفوه عندهم، " إذا أوى الفتية إلى الكهف " .
وكان عدد الفتية - فيما ذكر ابن عباس - سبعةً، وثامنهم كلبهم.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: " ما يعلمهم إلا قليلٌ " ، قال: أنا من القليل، كانوا سبعة.
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: قال ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله تعالى؛ كانوا سبعةً وثامنهم كلبهم.
قال: وكان اسم أحدهم - وهو الذي كان يلي شرا الطعام لهم، الذي ذكره الله عنهم أنهم قالوا إذهبوا من رقدتهم: " فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزقٍ منه " . حدثني عبد الله بن محمد الزهري، قال: حدثنا سفيان، عن مقاتل: " فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة " - اسمه يمنيخ.
وأما ابن إسحاق فإنه قال - فيما حدثنا به ابن حميد - قال حدثنا سلمة، عنه: اسمه يمليخا.
وكان ابن إسحاق يقول: كان عدد الفتية ثمانية؛ فعلى قوله كان كلبهم تاسعهم. وكان - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - يسميهم فيقول: كان أحدهم - وهو أكبرهم والذي كلم الملك عن سائرهم - مكسملينا، والآخر محسملينا، والثالث يمليخا، والرابع مرطوس، والخامس كسوطونس، والسادس بيرونس، والسابع رسمونس، والثامن بطونس، والتاسع قالوس. وكانوا أحداثاً.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن إبن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق. وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم، فهداهم الله للإسلام، وكانت شريعتهم شريعة عيسى في قول جماعة من سلف علمائنا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمرو - يعني ابن قيس الملائى - في قوله: " أن أصحاب الكهف والرقيم " ، كانت الفتية على دين عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وكان ملكهم كافراً. وكان بعضهم يزعم أن أمرهم ومصيرهم إلى الكهف كان قبل المسيح، وأن المسيح أخبر قومه خبرهم، فإن الله عز وجل ابتعثهم من رقدتهم بعد ما رفع المسيح، في الفترة بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم؛ والله أعلم أي ذلك كان.
فأما الذي عليه علماء أهل الإسلام فعلى أن أمرهم كان بعد المسيح. فأما أنه كان في أيام ملوك الطوائف؛ فإن ذلك مما لا يدفعه دافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة.
وكان لهم في ذلك الزمان ملكٌ يقال له: دقينوس، يعبد الأصنام - فيما ذكر عنه - فبلغه من الفتية خلافهم إياه في دينه، فطلبهم فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلى جبل لهم يقال له - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس - نيحلوس.
وكان سبب إيمانهم وخلافهم به قومهم - فيما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال حدثنا معمر، قال أخبرني إسماعيل بن سدوس، - أنه سمع وهب بن منبه يقول: جاء حوارىّ عيسى بن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره أن يدخلها، فأتى حماماً، وكان فيه قريباً من تلك المدينة، فكان يعمل فيه، يؤاجر نفسه من صاحب الحمام. ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، فجعل يعرض عليه الإسلام وجعل يسترسل إليه. وعلقه فتيةٌ من أهل المدينة وجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة، حتى آمنوا به وصدقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، وكان يشرط على صاحب الحمام أن الليل لى، لا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت. فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بإمرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحوارى، فقال: أنت ابن الملك وتدخل ومعك هذه الكذا ! فاستحيا، فذهب. فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، وسبه وانتهره، ولم يلتفت حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعاً، فأتى الملك فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك. فالتمس، فلم يقدر عليه فهرب. قال من كان يصحبه: فسموا الفتية، فالتمسوا فخرجوا من المدينة؛ فمروا بصاحب له في زرع له؛ وهو على مثل أمرهم فذكروا أنهم التمسوا، وانطلق معهم ومعه الكلب؛ حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت هاهنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله، فترون رأيكم. فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف؛ فكلما أراد رجل أن يدخل أرعب، فلم يطق أحد أن يدخل، فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال: بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف، فدعهم فيه يموتوا عطشاً وجوعاً. ففعل. فغبروا - بعدما بنى عليهم باب الكهف - زماناً بعد زمان.
ثم إن راعياً أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمى من المطر ! فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخل فيه، ورد الله إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشترى لهم طعاماً، فكلما أتى باب مدينتهم رأى شيئاً ينكره، حتى دخل على رجل، فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً، قال: ومن أين لك هذه الدراهم ! قال: خرجت وأصحابٌ لي أمس، فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان فأنى لك بها ! فرفعه إلى الملك - وكان ملكاً صالحاً - فقال: من أين لك هذه الورق ؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن أشتري لهم طعاماً. قال: وأين أصحابك ؟ قال: في الكهف، قال: فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم، فلما رأوه ودنا منهم ضرب على أذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا على أن يدخلوا إليهم، فبنوا عندهم كنيسة، واتخذوها مسجداً يصلون فيه .
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفردوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب على سمخانهم. فلبثوا دهراً طويلاً، حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمةٌ مسلمة، وكان ملكهم مسلماً، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعاً، وقال قائل: تبعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئاً. فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المسوح، وجلس على الرماد، ثم دعا الله عز وجل، فقال: يا رب، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم ما يبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً، فدخل السوق، فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهراً، فانطلق وهو مستخفٍ، حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً، فلما نظر االرجل إلى الورق أنكرها - قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الربع - يعني الإبل الصغار - قال له الفتى: أليس ملككم فلان ؟ قال: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملك في الناس، فجمعهم فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله عز وجل قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان - يعني ملكهم الذي مضى - فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك، وركب معه الناس، حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضرب الله على أذنه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئاً غير أنها لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم .
قال قتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بالكهف؛ فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف، فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة .
قال أبو جعفر: فكان منهم:
يونس بن متىفكان فيما ذكر - من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها: نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم يونس بالنهي عن عبادتها، والأمر بالتوبة إلى الله من كفرهم، والأمر بالتوحيد. فكان من أمره وأمر الذين بعث اليهم ما قصة الله في كتابه، فقال عز وجل: " فلولا كانت قريةٌ آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حينٍ " . وقال: " وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " .
وقد اختلف السلف من علماء أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ذهابه لربه مغاضباً وظنه أن لن يقدر عليه، وفي حين ذلك .
فقال بعضهم: كان ذلك منه قبل دعائه القوم الذين أرسل إليهم، وقبل إبلاغه إياهم رسالة ربه، وذلك أن القوم الذين أرسل إليهم لما حضرهم عذاب الله أمر بالمصير إليهم؛ ليعلمهم ما قد أظلهم من ذلك، لينيبوا مما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله، فاستنظر ربه المصير إليهم، فلم ينظره، فغضب لاستعجال الله إياه للنفوذ لأمره وترك إنظاره .
ذكر من قال ذلك :حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن الأشيب، قال: سمعت أبا هلال محمد بن سليم، قال: حدثنا شهر بن حوشب، قال: أتاه جبريل عليه السلام - يعني يونس - وقال: انطلق إلى أهل نينوى، فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم. قال: ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: ألتمس حذاء، قال: الأمر أعجل من ذلك، قال: فغضب، فانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب احتبست السفينة لا تقدم ولا تأخر. قال: فساهموا. قال: فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه، فنودي الحوت: أيا حوت، إنا لم نجعل يونس لك رزقاً، إنما جعلناك له حرزاً ومسجداً، فالتقمه الحوت، فانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الأيلة، ثم انطلق حتى مر به على دجلة، ثم انطلق به حتى ألقاه في نينوى .
حدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثناأبو هلال، قال: حدثنا شهر بن حوشب، عن ابن عباس، قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت .
وقال آخرون: كان ذلك منه بعد دعائه من أرسل إليهم إلى ما أمره الله بدعائهم إليه، وتبليغه إياهم رسالة ربه، ولكنه وعدهم نزول ما كان حذرهم من بأس الله في وقت وقته لهم، ففارقهم إذ لم يتوبوا ولم يراجعوا طاعة الله والإيمان، فلما أظل القوم عذاب الله، فغشيهم - كما وصف الله في تنزيله - تابوا إلى الله، فرفع الله عنهم العذاب، وبلغ يونس سلامتهم وارتفاع العذاب الذي كان وعدهموه، فغضب من ذلك، وقال: وعدتهم وعداً، فكذب وعدي ! فذهب مغاضباً ربه، وكره الرجوع إليهم وقد جربوا عليه الكذب.
ذكر بعض من قال ذلك :حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعثه الله تعالى - يعني يونس - إلى أهل قريته، فردوا عليه ما جاءهم به، وامتنعوا منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه: إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم. فأعلم قومه الذي وعدهم الله من عذابه إياهم، فقالوا: ارمقوه، فإن هو خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم. فلما كانت الليلة التي وعدوا العذاب في صبيحتها أدلج وراءه القوم، فحذروا. فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله واستقالوه فأقالهم. وتنظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار، فقال: ما فعل أهل القرية ؟ فقال: فعلوا أن نبيهم لما خرج من بين أظهرهم عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، وفرقوا بين كل ذات ولدٍ وولدها، ثم عجوا إلى الله وتابوا إليه، فقبل منهم، وأخر عنهم العذاب. قال: فقال يونس عند ذلك وغضب: والله لا أرجع إليهم كذاباً أبداً، وعدتهم العذاب في يوم، ثم رد عنهم ! ومضى على وجهه مغاضباً لربه فاستزله الشيطان .
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره في إمارة عمر بن الخطاب، فحدث عن قوم يونس حيث أنذر قومه فكذبوه، فأخبرهم أنه مصيبهم العذاب وفارقهم، فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب؛ لكنهم خرجوا من مساكنهم، وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربهم، ودعوه مخلصين له الدين أن يكشف عنهم العذاب، وأن يرجع إليهم رسولهم، قال: ففي ذلك أنزل الله تعالى: " فلولا كانت قريةٌ آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حينٍ " . فلم يكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها إلا قوم يونس خاصة، فلما رأى ذلك يونس، لكنه ذهب عاتباً على ربه، وانطلق مغاضباً، وظن أن لن يقدر عليه، حتى ركب سفينة، فأصاب أهلها عاصف من الريح. فقالوا: هذه بخطيئة أحدكم. وقال يونس - وقد عرف أنه هو صاحب الذنب: هذه بخطيئتي، فألقوني في البحر. وإنهم أبو عليه حتى أفاضوا بسهامهم، " فساهم فكان من المدحضين " . فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي. وإنهم أبوا عليه أن يلقوه في البحر، حتى أفاضوا بسهامهم الثانية؛ " فكان من المدحضين " . فقال لهم: قد أخبرتكم أن هذا الأمر بذنبي، وإنهم أبوا عليه أن يلقوه في البحر حتى أفاضوا بسهامهم الثالثة، " فكان من المدحضين " . فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فابتلعه الحوت " فنادى في الظلمات " - وعرف الخطيئة - " أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " . وكان قد سبق له من العمل الصالح، فأنزل الله فيه فقال: " فلولا أنه كان من المسبحين، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " ؛ وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر؛ " فنبذناه بالعراء وهو سقيمٌ " . وألقى على ساحل البحر، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين - وهي فيما ذكر - شجرة القرع يتقطر عليه من اللبن؛ حتى رجعت إليه قوته. ثم رجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست، فحزن وبكى عليها، فعوتب فقيل له: أحزنت على شجرة، وبكيت عليها ولم تحزن على مائة ألف أو زيادة أردت هلاكهم جميعاً !
ثم إن الله اجتباه من الضلالة، فجعله من الصالحين، ثم أمر أن يأتي قومه ويخبرهم أن الله قد تاب عليهم. فعمد إليهم، حتى لقى راعياً، فسأله عن قوم يونس وعن حالهم، وكيف هم ؟ فأخبره أنهم بخير، وأنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم، فقال له: فأخبرهم أنى قد لقيت يونس. فقال: لا أستطيع إلا بشاهد، فسمى له عنزاً من غنمه، فقال: هذه تشهد لك أنك قد لقيت يونس، قال: وماذا ؟ قال: وهذه البقعة التي أنت فيها تشهد لك أنك قد لقيت يونس. قال: وماذا ؟ قال: وهذه الشجرة تشهد لك أنك قد لقيت يونس. وإنه رجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه لقى يونس فكذبوه وهموا به شراً، فقال: لا تعجلوا على حتى أصبح، فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقى فيها يونس، فاستنطقها، فأخبرته أنه لقى يونس، وسأل العنز، فاخبرتهم أنه لقى يونس، واستنطقوا الشجرة، فأخبرتهم أنه قد لقى يونس. ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك. قال: " وأرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون، فآمنوا فمتعناهم إلى حينٍ " .
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى، قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودى، قال: حدثنا ابن مسعود في بيت المال، قال: إن يونس كان وعد قومه العذاب؛ وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله، واستغفروه، فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ينتظر العذاب، فلم ير شيئاً، وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل فانطلق مغاضبا " فنادى في الظلمات " قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن حدثه عن عبد الله بن رافع، مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً، ولا تكسر عظماً، فأخذه، ثم هوى به إلى مسكنه من البحر. فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حساً، فقال في نفسه: ما هذا ؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسبح وهو في بطن الحوت، قال: فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا، إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ! قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك. فأمر الحوت، فقذفه في الساحل كما قال الله: " وهو سقيمٌ " ، وكان سقمه الذي وصفه الله به، أنه ألقاه الحوت على الساحل كالصبي المنفوس، قد بشر اللحم والعظم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد ابن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خرج به - يعنى الحوت - حتى لفظه في ساحل البحر، فطرحه مثل الصبي المنفوس، لم ينقص من خلقه شيء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني أبو صخر. قال: أخبرني ابن قسيط أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، فأنبت الله عليه يقطينةً، فقلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة ؟ قال: شجرة الدباء، هيأ الله له أروية وحشية، تأكل من حشاش الأرض - أو هشاش الأرض - فتفشح عليه، فترويه من لبنها كل عشية وبكرة، حتى نبت.
ومما كان أيضاَ في أيام ملوك الطوائف:
إرسال الله رسله الثلاثةالذين ذكرهم في تنزيله، فقال: " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالثٍ فقالوا إنا إليكم مرسلون. ... " ، الآيات التي ذكر تعالى ذكره في خبرهم .
واختلف السلف في أمرهم، فقال بعضهم: كان هؤلاء الثلاثة - الذين ذكرهم الله في هذه الآيات، وقص فيها خبرهم - أنبياء ورسلاً أرسلهم إلى بعض ملوك الروم، وهو أنطيخس، والقرية التي كان فيها هذا الملك الذي أرسل الله إليه فيها هؤلاء الرسل أنطاكية .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: كان من حديث صاحب يس - فيما حدثنا محمد بن إسحاق - قال: مما بلغه عن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه اليماني، أنه كان رجلاً من أهل أنطاكية، وكان اسمه حبيباً وكان يعمل الحرير، وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصياً، وكان مؤمناً ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى - فيما يذكرون - فيقسمه نصفين، فيطعم نصفاً عياله، ويتصدق بنصف، فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه حين طهر قلبه، واستقامت فطرته، وكان بالمدينة التي هو بها؛ مدينة أنطاكية، فرعون من الفراعنة يقال له أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، يعبد الأصنام، صاحب شرك فبعث الله المرسلين، وهم ثلاثة: صادق وصدوق وشلوم، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث .
وقال آخرون: بل كانوا من حواريي عيسى بن مريم، ولم يكونوا رسلاً لله، وإنما كانوا رسل عيسى بن مريم، ولكن إرسال عيسى بن مريم إياهم، لما كان عن أمر الله تعالى ذكره إياه بذلك، أضيف إرساله إياهم إلى الله، فقيل: " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالثٍ " .
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون، إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالثٍ فقالوا إنا إليكم مرسلون " . قال: ذكر لنا أن عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية، مدينة بالروم، فكذبوهما، فأعزهما بثالث، " فقالوا إنا إليكم مرسلون. .. " ، الآية .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، فلما دعته الرسل، ونادته بأمر الله، وصدعت بالذي أمرت به، وعابت دينهم وما هم عليه، قال: أصحاب القرية لهم: " إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذابٌ أليمٌ " . قالت لهم الرسل: " طائركم معكم " ، أي أعمالكم، " أئن ذكرتم بل أنتم قومٌ مسرفون " . فلما أجمع هو وقومه على قتل الرسل بلغ ذلك حبيباً، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم الله، ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال: " يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون " . أي لا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى، وهم لكم ناصحون فاتبعوهم تهتدوا بهداهم .
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد: قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما انتهى - يعني حبيباً - إلى الرسل، قال: هل تسألون على هذا من أجر ؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: " يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون " .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: ثم ناداهم بخلاف ما هم عليه من عبادة الأصنام، وأظهر لهم دينه وعبادة ربه، وأخبرهم أنه لا يملك نفعه ولا ضره غيره، فقال: " وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون، أأتخذ من دونه آلهةً " إلى قوله: " إني أمنت بربكم فاسمعون " أي آمنت بربكم، الذي كفرتم به، فاسمعوا قولي. فلما قال لهم ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، استضعفوه لضعفه وسقمه، ولم يكن أحد يدفع عنه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة: قال: حدثني ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، أن عبد الله بن مسعود كان يقول: وطئوه بأرجلهم، حتى خرج قصبه من دبره.
وقال الله له: ادخل الجنة، فدخلها حياً يرزق فيها. قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها، فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته، قال: " يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " . وغضب الله له لاستضعافهم إياه غضبةً لم يبق معها من القوم شيئاً فعجل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال: " وما أنزلنا على قومه من بعده من جندٍ من السماء وما كنا منزلين " ، يقول: ما كابدناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك " إن كانت إلا صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون " . فأهلك الله ذلك الملك وأهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم أبي القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، أنه كان يقول: كان اسم صاحب يس حبيباً، وكان الجذام قد أسرع فيه .
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي مخلد، قال: كان اسم صاحب يس حبيب بن مري .
وكان فيهم:
شمسونوكان من أهل قرية من قرى الروم؛ قد هداه الله لرشده، وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان من خبره وخبرهم - فيما ذكر - ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لبيد، عن وهب بن منبه اليماني: أن شمسون كان فيهم رجلاً مسلماً، وكانت أمه قد جعلته نذيرة، وكان من أهل قرية من قراهم، كانوا كفاراً يعبدون الأصنام، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة، وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم في الله، فيصيب منهم وفيهم حاجته، فيقتل ويسبي، ويصيب المال، وكان إذا لقيهم لقيهم بلحي بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه وقاتلهم، وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي مع اللحي ماء عذب فيشرب منه حتى يروى، وكان قد أعطى قوةً في البطش، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، وكان على ذلك يجاهدهم في الله ويغزوهم، ويصيب منهم حاجته، لا يقدرون منه على شيء؛ حتى قالوا: لن تأتوه إلا من قبل امرأته، فدخلوا على امرأته، فجعلوا لها جعلاً، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوها حبلاً وثيقاً، وقالوا: إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه. فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل، فلما هب جلبه بيده، فوقع من عنقه، فقال لها: لم فعلت ؟ فقالت: أجرب به قوتك، ما رأيت مثلك قط ! فأرسلت إليهم أني قد ربطته بالحبل فلم أغن عنه شيئاً، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، فقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتها في عنقه، ثم أحكمتها، فلما هب جذبها، فوقعت من يده ومن عنقه، فقال لها: لم فعلت هذا ؟ قالت: أجرب به قوتك؛ ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمسون ! أما في الأرض شيء يغلبك ! قال: لا، إلا شيء واحد، قالت: وما هو ؟ قال: ما أنا بمخبرك به، فلم تزل به تسأله عن ذلك - وكان ذا شعر كثير - فقال لها: ويحك ! إن أمي جعلتني نذيرة، فلا يغلبني شيء أبداً، ولا يضبطني إلا شعري فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه، فأوثقه ذلك، وبعثت إلى القوم، فجاءوا فأخذوه، فجدعوا أنفه وأذنيه، وفقئوا عينيه، ووقفوه للناس بين ظهراني المئذنة - وكانت مئذنةً ذات أساطين، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون، وما يصنع به - فدعا الله شمسون حين مثلوا به ووقفوه أن يسلطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المئذنة التي عليها الملك والناس الذين معه فيجذبهما، فجذبهما فرد الله عليه بصره وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس؛ فهلكوا فيها هدماً.
ذكر خبر جرجيسوكان جرجيس - فيما ذكر - عبداً لله صالحاً من أهل فلسطين، ممن أدرك بقايا من حواريي عيسى بن مريم، وكان تاجراً يكسب بتجارته ما يستغني به عن الناس، ويعود بالفضل على أهل المسكنة. وإنه تجهز مرة إلى ملك بالموصل، كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم: أنه كان بالموصل داذانه، وكان قد ملك الشأم كله، وكان جباراً عاتياً لا يطيقه إلا الله تعالى.
وكان جرجيس رجلاً صالحاً ممن أهل فلسطين، وكان مؤمناً يكتم إيمانه في عصبة معه صالحين، يستخفون بإيمانهم، وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم، وأخذوا عنهم، وكان جرجيس كثير المال. عظيم التجارة، عظيم الصدقة، فكان يأتي عليه الزمان يتلف ماله في الصدقة حتى لا يبقى منه شيء؛ حتى يصير فقيراً، ثم يضرب الضربة فيصيب مثل ماله أضعافاً مضاعفة؛ فكانت هذه حاله في امال. وكان إنما يرغب في المال، ويعمره ويكسبه من أجل الصدقة؛ لولا ذلك كان الفقر أحب إليه من الغنى.
وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخافة أن يؤذوه في دينه، أو يفتنوه عنه؛ فخرج يؤم ملك الموصل، ومعه مالٌ يريد أن يهديه له؛ لئلا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطاناً دونه؛ فجاءه حين جاءه، وقد برز في مجلس له، وعنده عظماء قومه وملوكهم؛ وقد أوقد ناراً، وقرب أصنافاً من أصناف العذاب الذي كان يعذب به من خالفه، وقد أمر بصنم يقال له: " أفلون منصب " ، فالناس يعرضون عليه، فمن لم يسجد له ألقي في تلك النار، وعذب بأصناف ذلك العذاب. فلما رأى جرجيس ما يصنع فظع به وأعظمه. وحدث نفسه بجهاده، وألقى الله في نفسه بغضه ومحاربته، فعمد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيئاً؛ وكره أن يجاهده بالمال، وأحب أن يلي ذلك بنفسه؛ فأقبل عليه عند ما كان أشد غضباً وأسفاً. فقال له: أعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئاً ولا لغيرك، وأن فوقك رباً هو الذي يملكك وغيرك، هو الذي خلقك ورزقك، وهو الذي يحيك ويميتك، ويضرك وينفعك، وأنت قد عمدت إلى خلق من خلقه - قال له: كن فكان - أصم أبكم، لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، ولا يغني عنك من الله شيئاً. فزينته بالذهب والفضة لتجعله فتنة للناس، ثم عبدته دون الله، وأجبرت عليه عباد الله، ودعوته رباً.
فكلم الملك جرجيس بنحو هذا، من تعظيم الله وتمجيده، وتعريفه أمر الصنم، وأنه لا تصلح عبادته. فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه، ومن هو ؟ ومن أين هو ؟ فأجابه جرجيس أن قال: أنا عبد الله وابن عبده وابن أمته، أذل عباده وأفقرهم إليه، من التراب خلقت، وفيه أصير. وأخبره مالذي جاء به وحاله. وإنه دعا ذلك الملك جرجيس إلى عبادة الله ورفض عبادة الأوثان. وإن الملك دعا جرجيس إلى عبادة الصنم الذي يعبده. وقال: لو كان ربك الذي تزعم أنه ملك الملوك كما تقول، لرئي عليك أثره كما ترى أثري على من حولي من ملوك قومي.
فأجابه جرجيس بتمجيد الله وتعظيم أمره. وقال له - فيما قال: أين تجعل طرقبلينا، وما نال بولايتك؛ فإنه عظيم قومك، من إلياس، وما نال إلياس بولاية الله ! فإن إلياس كان بدؤه آدمياً يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، فلم تتناه به كرامة الله حتى أنبت له الريش، وألبسه النور، فصار إنسياً ملكياً، سمائياً أرضياً، يطير مع الملائكة. وحدثني: أين تجعل مجليطيس، وما نال بولايتك: فإنه عظيم قومك، من المسيح بن مريم وما نال بولاية الله ! فإنه الله فضله على رجال العالمين، وجعله وأمه آية للمعتبرين. ثم ذكر من أمر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامة. وقال أيضاً: وحدثني: أين تجعل أم هذا الروح الطيب التي اختارها الله لكلمته، وطهر جوفها لروحه، وسودها إلى إمائه ؟ فأين تجعلها وما نالت بولاية الله، من أزبيل وما نالت بولايتك ؟ فإنها إذ كانت من شيعتك وملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها إلى نفسها، حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها، فانتهشت لحمها وولغت دمها، وجرت الثعالب والضباع أوصالها ! فأين تجعلها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية الله ! فقال له الملك: إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم، فأتي بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما؛ حتى أنظر إليهما، وأعتبر بهما؛ فإني أنكر أن يكون هذا في البشر.
فقال له جرجيس: إنما جاءك افنكار من قبل الغرة بالله، وأما الرجلان فلن تراهما ولن يرياك؛ إلا أن تعمل بعملهما، فتنزل منازلهما.
فقال له الملك: أما نحن فقد أعذرنا إليك. وقد تبين لنا كذبك، لأنك فخرت بأمور عجزت عنها، ولم تأت بتصديقها. ثم خير الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلون، فيثيبه ! فقال له جرجيس: إن كان أفلون هو الذي رفع السماء - وعدد عليه أشياء من قدرة الله - فقد صبت ونصحت لى، وإلا فاخسأ أيها النجس الملعون ! فلما سمعه الملك يسبه ويسب آلهته غضب من قوله غضباً شديداً، وأمر بخشبة فنصبت له للعذاب، وجعلت عليه أمشاط الحديد، فخدش بها جسده حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه، ينضج خلال ذلك بالخل والخردل. فلما رأى ذلك لم يقتله، أمر بستة مسامير من حديد فأحميت حتى إذا جعلت ناراً، أمر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه. فلما ذلك لم يقتله، أمر بحوض من نحاس، فأوقد عليه حتى إذا جعله ناراً أمر به فأدخل في جوفه، وأطبق عليه، فلم يزل فيه حتى برد حره.
فلما رأى ذلك لم يقتله، دعا به فقال: ألم تجد ألم هذا العذاب الذي تعذب به ! فقال له جرجيس: أما أخبرتك أن لك رباً هو أولى بك من نفسك ! قال: بلى قد أخبرتني، قال: فهو الذي حمل عني عذابك، وصبرني ليحتج عليك. فلما قال له ذلك أيقن بالشر، وخافه على نفسه وملكه، وأجمع رأيه على أن يخلده في السجن، فقال الملأ من قومه: إنك إن تركته طليقاً يكلم الناس أوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس. فأمر فبطح في السجن على وجهه، ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد. في كل ركن منها وتد، ثم أمر بأسطوان من رخام، فوضع على ظهره. حمل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقلوه، ثم أربعة عشر رجلاً فلم يلقوه، ثم ثمانية عشر رجلاً فأقلوه؛ فظل يومه ذلك موتداً تحت الحجر.
فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكاً - وذلك أول ما أيد بالملائكة، وأول ما جاءه الوحي - فقلع عنه الحجر، ونزع الأوتاد من يديه ورجليه، وأطعمه وسقاه، وبشره وعزاه، فلما أصبح أخرجه من السجن، وقال له: الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده؛ فإن الله يقول لك: أبشر واصبر، فإني أبتليك بعدوي هذا سبع سنين، يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرار، في كل ذلك أرد إليك روحك ؛ فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك. فلم يشعر الآخرون إلا وقد وقف جرجيس على رءوسهم يدعوهم إلى الله. فقال له الملك: أجرجيس ! قال: نعم، قال: من أخرجك من السجن ؟ قال أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك. فلما قال له ذلك ملىء غيظاً، فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئاً، فلما رآها جرجيس تصنف له، أوجس في نفسه خيفة وجزعاً، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته، وهم يسمعون. فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين، ووضعوا عليه سيفاً على مفرق رأسه، فوشروه حتى سقط بين رجليه، وصار جزلتين، قم عمدوا إلى جزلتيه، فقطعوهما قطعاً. وله سبعة أسد ضارية في جب، وكانت صنفاً من أصناف عذابه، ثم رموا بجسده إليها، فلما هوى نحوها أمر الله الأسد فخضعت برءوسها وأعناقها، وقامت على براثنها، لا تألو أن تقيه الأذى؛ فظل يومه ذلك ميتاً. فكانت أول ميتة ذاقها. فلما أدركه الليل جمع الله له جسده الذي قطعوه بعضه على بعض. حتى سواه. ثم رد فيه روحه وأرسل ملكاً فأخرجه من قعر الجب، وأطعمه وسقاه. وبشره وعزاه. فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك ! قال: اعلم أن القدرة التي خلق آدم بها من تراب التي هي أخرجتك من قعر الجب. فالحق بعدوك ثم جاهده في الله حق جهاده، ومت موت الصابرين.
فلم يشعر الأخرون إلا وقد أقبل جرجيس. وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحاً - زعموا بموت جرجيس - فلما نظروا إلى جرجيس مقبلاً، قالوا ما أشبه هذا بجرجيس ! قالوا: كأنه هو ؟ قال الملك: ما بجرجيس من خفاء، إنه لهو ! ألا ترون إلى سكون ريحه، وقلة هيبته. قال جرجيس: بلى، أنا هو حقاً ! بئس القوم أنتم ! قتلتم ومثلتم. فكان الله - وحق له - خيراً وأرحم منكم. أحياني ورد علي روحي هلم إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك، أقبل بعضهم على بعض، فقالوا: ساحر سحر أيديكم وأعينكم عنه. فجمعوا له من كان ببلادهم من السحرة؛ فلما جاء السحرة، قال الملك لكبيرهم: اعرض علي من كبير سحرك ما تسري به عني، قال له: ادع لي بثور من البقر، فلما أتي به نفث في إحدى أذنيه فانشقت باثنتين، ثم نفث في الأخرى، فإذا هو ثوران، ثم أمر بببذر فحرث وبذر، ونبت الزرع، وأينع وحصد، ثم داس وذرى، وطحن وعجن، وخبز وأكل ذلك في ساعة واحدة كما ترون ! قال له الملك: هل تقدر على أن تمسخه لي دابة ؟ قال الساحر: أى دابة أمسخه لك ؟ قال: كلباً. قال: ادع لي بقدح من ماء، فلما أتي بالقدح نفث فيه الساحر، ثم قال للملك: اعزم عليه أن يشربه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره؛ فلما فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد ؟ قال: ما أجد إلا خيراً، قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب، فقواني به عليكم. فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال: اعلم أيها الملك، أنك لو كنت تقاسي رجلاً مثلك إذاً كنت غلبته، ولكنك تقاسي جبار السموات، وهو الملك الذي لا يرام !
وقد كانت امرأة مسكينة. سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب. فأتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس. إني امرأة مسكينة، لم يكن لي مال ولا عيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات، وجئتك لترحمني وتدعو الله أن يحيى لي ثوري. فذرفت عيناه. ثم دعا الله أن يحيى لها ثورها، وأعطاها عصا. فقال: اذهبي إلى ثورك، فاقرعيه بهذه العصا وقولي له: احيَ بإذن الله. فقالت: يا جرجيس مات ثوري منذ أيام، وتفرقته السباع، وبيني وبينك أيام، فقال: لو لم تجدي منه إلا سناً واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله. فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، فكان أول شيء بدا لها من ثورها أحد روقيه وشعر ذنبه. فجمعت أحدهما إلى الآخر، ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها، وقالت كما أمرها، فعاش ثورها، وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك.
فلما قال الساحر للملك ما قال، قال رجل من أصحاب الملك - وكان أعظمهم بعد الملك: اسمعوا مني أيها القوم أحدثكم، قالوا: نعم، فتكلم، قال: إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر، وزعمتم أنه سحر أيديكم عنه وأعينكم. فأراكم أنكم تعذبونه. ولم يصل إليه عذابكم ! وأراكم أنكم قد قتلتموه فلم يمت، فهل رأيتم ساحراً قط قدر أن يدرأ عن نفسه الموت، أو أحيا ميتاً قط ! ثم قص عليهم فعل جرجيس، وفعلهم به، وفعله بالثور وصاحبته، واحتج عليهم بذلك كله، فقالوا له: إن كلامك لكلام رجل قد أصغى إليه، قال: ما زال أمره لي معجباً منذ رأيت منه ما رأيت، قالوا له: فلعله استهواك ! قال: بل آمنت وأشهد الله أني بريء مما تعبدون. فقام إليه الملك وصحابته بالخناجر، فقطعوا لسانه، فلم يلبث أن مات، وقالوا: أصابه الطاعون، فأعجله الله قبل أن يتكلم.
فلما سمع الناس بموته أفزعهم، وكتموا شأنه، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس، فكشف لهم أمره، وقص عليهم كلامه، فاتبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميت، فقالوا: صدق، ونعم ما قال ! يرحمه الله ! فعمد إليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يلون لهم العذاب ويقتلهم بالمثلات. حتى أفناهم .
فلما فرغ منهم أقبل على جرجيس، فقال له: هلا دعوت ربك. فأحيا لك أصحابك؛ هؤلاء الذين قتلوا بجريرتك ! فقال له جرجيس: ما خلى بينك وبينهم حتى خار لهم. فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس: إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وإني سائلك أمراً إن فعله إلهك آمنت بك وصدقتك، وكفيتك قومي هؤلاء؛ هذه تحتنا أربعة عشر منبراً حيث ترى، ومائدةٌ بيننا عليها أقداح وصحاف، وكلٌ صنع من الخشب اليابس، ثم هو من أشجار شتى؛ فادع ربك ينشئ هذه الآنية وهذه المنابر، وهذه المائدة، كما بدأها أول مرة؛ حتى تعود خضراً نعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره .
فقال له جرجيس: قد سألت أمراً عزيزاً علي وعليك؛ وإنه على الله لهيّن. فدعا ربه، فما برحوا مكانهم حتى اخضرت تلك المنابر، وتلك الآنية كلها، فساخت عروقها، وألبست اللحاء، وتشعبت، ونبت ورقها وزهرها وثمرها؛ حتى عرفوا كل عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره .
فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مجليطيس، الذي تمنى عليه ما تمنى، فقال: أنا أعذب لكم هذا الساحر عذاباً يضل عنه كيده. فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة، ثم حشاها نفطاً ورصاصاً وكبريتاً وزرنيخاً، ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفها، ثم أوقد تحت الصورة، فلم يزل يوقد حتى التهبت الصورة، وذاب كل شيء فيها واختلط، ومات جرجيس في جوفها. فلما مات أرسل الله ريحاً عاصفاً، فملأت السماء سحاباً أسود مظلماً، فيه رعدٌ لا يفتر، وبرقٌ وصواعق متداركات، وأرسل الله إعصاراً فملأت بلادهم عجاجاً وقتاماً، حتى اسود ما بين السماء والأرض وأظلم، ومكثوا أياماً متحيرين في تلك الظلمة، لا يفصلون بين الليل والنهار. وأرسل الله ميكائيل فاحتمل الصورة التي فيها جرجيس، حتى إذا أقلها ضرب بها الأرض ضرباً، فزع من روعته أهل الشأم أجمعون، وكلهم يسمعه في ساعة واحدة؛ فخروا لوجوههم صعقين من شدة الهول، وانكسرت الصورة، فخرج منها جرجيس حياً، فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمة، وأسفر ما بين السماء والأرض، ورجعت إليهم أنفسهم. فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا: لا ندري يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم ربك ؟ فإن كان هو الذي يصنعها، فادعه يحيي لنا موتانا، فإن في هذه القبور التي ترى أمواتاً من أمواتنا، منهم من نعرف ومنهم من مات قبل زماننا، فادعه يحيهم حتى يعودوا كما كانوا ونكلمهم، ونعرف من عرفنا منهم، ومن لا نعرف أخبرنا خبره. فقال له جرجيس: لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح، ويريكم هذه العجائب إلا ليتم عليكم حججه، فتستوجبوا بذلك غضبه. ثم أمر بالقبور فنبشت وهي عظام ورفات ورميم. ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم؛ حتى نظروا إلى سبعة عشر إنساناً: تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية؛ فإذا شيخ منهم كبير، فقال له جرجيس: أيها الشيخ، ما اسمك ؟ فقال: اسمي يوبيل، فقال: متى مت ؟ قال: في زمان كذا وكذا، فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام.
فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته، قالوا: لم يبق من أصناف عذابكم شيء إلا قد عذبتموه، إلا الجوع والعطش، فعذبوه بهما. فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة، كان حريزاً، وكان لها ابنٌ أعمى أبكم مقعد، فحصروه في بيتها فلا يصل إليه من عند أحدٍ طعام ولا شراب. فلما بلغه الجوع، قال للعجوز: هل عندك طعام أو شراب ؟ قالت: لا والذي يحلف به، ما عهدنا بالطعام منذ كذا وكذا، وسأخرج وألتمس لك شيئاً. قال لها جرجيس: هل تعرفين الله ؟ قالت له: نعم، قال: فإياه تعبدين ؟ قالت: لا، قال: فدعاها إلى الله فصدقته، وانطلقت تطلب له شيئاً، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فأقبل على الدعاء، فما كان كشيء حتى اخضرت تلك الدعامة، فأنبتت كل فاكهة تؤكل أو تعرف. أو تسمى حتى كان فيما أنبتت اللياء واللوبياء .
قال أبو جعفر: اللياء نبت بالشأم له حب يؤكل. وظهر للدعامة فرع من فوق البيت أظله وما حوله وأقبلت العجوز، وهو فيما شاء يأكل رغدا؛ فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها، قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادع هذا الرب العظيم ليشفي ابني، قال: أدنيه مني، فأدنته منه، فبصق في عينيه فأبصر، فنفث في أذنيه فسمع، قالت له: أطلق لسانه ورجليه، رحمك الله ! قال: أخّريه؛ فإن له يوماً عظيماً. وخرج الملك يسير في مدينته، فلما نظر إلى الشجرة، قال لأصحابه: إني أرى شجرة بمكانٍ ما كنت أعرفها به، قالوا له: تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع؛ فهو فيما شاء قد شبع منها، وشبعت الفقيرة وشفى لها ابنها. فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة لتقطع، فلما هموا بقطعها أيبسها الله تعالى كما كانت أول مرة، فتركوها، وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد له أربعة أوتاد، وأمر بعجل فأوقر أسطواناً ما حمل، وجعل في أسفل العجل خناجر وشفاراً، ثم دعا بأربعين ثوراً، فنهضت بالعجل نهضة واحدة، وجرجيس تحتها، فتقطع ثلاث قطع، ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار؛ حتى إذا عادت رماداً بعث بذلك الرماد رجالاً فذروه في البحر، فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتاً من السماء يقول: يا بحر؛ إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب، فإني أريد أن أعيده كما كان. ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر، ثم جمعته حتى عاد الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه، والذين ذروه قيام لم يبرحوا. ثم نظروا إلى الرماد يثور كما كان، حتى خرج جرجيس مغبراً ينفض رأسه، فرجعوا، ورجع جرجيس معهم، فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذي أحياه، والريح التي جمعته. فقال له الملك: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك ! فلولا أن يقول الناس إنك قهرتني وغلبتني لاتبعتك وآمنت بك؛ ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة، أو اذبح له شاة واحدة، ثم أنا أفعل ما يسرك.
فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يهلك الصنم حين يدخله عليه، رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه، وييئس منه، فخدعه جرجيس، فقال: نعم؛ إذا شئت فأدخلني على صنمك أسجد له، وأذبح له، ففرح الملك بقوله، فقام إليه فقبل يديه ورجليه ورأسه، وقال: إني أعزم عليك ألا تظل هذا اليوم، ولا تبيت هذه الليلة إلا في بيتي وعلى فراشي، ومع أهلي حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب، فيرى الناس كرامتك علي. فأخلى له بيته، وأخرج منه من كان فيه. فظل فيه جرجيس؛ حتى إذا أدركه الليل، قام يصلي، ويقرأ الزبور - وكان أحسن الناس صوتاً - فلما سمعته امرأة الملك استجابت له، ولم يشعر إلا وهي خلفه تبكي معه، فدعاها جرجيس إلى الإيمان فآمنت، وأمرها فكتمت إيمانها. فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها، وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك، وأصغى إلى الدنيا، وأطمعه الملك في ملكه، وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجد لها ! فخرجت العجوز في أعراضهم، تحمل ابنها على عاتقها، وتوبخ جرجيس، والناس مشتغلون عنها.
فلما دخل جرجيس بيت الأصنام، ودخل الناس معه، نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس منه مقاماً، فدعا ابن العجوز باسمه، فنطق بإجابته، وما تكلم قبل ذلك قط، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشي على رجليه سويتين، وما وطئ الأرض قبل ذلك قط بقدميه، فلما وقف بين يدي جرجيس قال: اذهب، فادع لي هذه الأصنام، وهي حينئذ على منابر من ذهب، واحد وسبعون صنماً. وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فقال له الغلام: كيف أقول للأصنام ؟ قال: تقول لها: إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خلقك إلا ما جئته. فلما قال لها الغلام ذلك، أقبلت تدحرج إلى جرجيس، فلما انتهت إليه ركض الأرض برجله، فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هارباً فرقاً من الخسف. فلما مر بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه وعنقه، وكلمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسة، والخلق الملعون، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسك، وتهلك الناس معك، وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم ! فقال له إبليس: لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس، وأظلم عليه الليل، وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طرفة عين، لاخترت طرفة العين على ذلك كله؛ وإنه ليقع لي من الشهوة في ذلك واللذة مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق. ألم تعلم يا جرجيس أن الله أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة، فسجد له: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل؛ وجميع الملائكة المقربين، وأهل السموات كلهم، وامتنعت من السجود، فقلت: لا أسجد لهذا الخلق وأنا خير منه ! فلما قال هذا خلاه جرجيس؛ فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافة الخسف، ولا يدخله بعدها - فيما يذكرون - أبداً. وقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغررتني، وأهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: إنما فعلت ذلك عمداً لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذاً لامتنعت مني، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني ! وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملّكني ربِّي. قال: فلما قال هذا جرجيس، كلمتهم امرأة الملك، وذلك حين كشفت لهم إيمانها، وباينتهم بدينها، وعددت عليهم أفعال جرجيس، والعبر التي أراهم. وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل إلا دعوة فتخسف بكم الأرض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم. الله الله أيها القوم في أنفسكم ! فقال لها الملك: ويحاً لك إسكندرة ! ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة ! وأنا أقاسيه منذ سبع سنين؛ فلم يطق مني شيئاً. قالت له: أفما رأيت الله كيف يظفره بك، ويسلطه عليك، فيكون له الفلج والحجة عليك في كل موطن ! فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علق عليها، فعلقت بها، وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس. فلما ألمت من وجع العذاب قالت: ادع ربك يا جرجيس يخفف عني، فإني قد ألمت من العذاب فقال: انظري فوقك. فلما نظرت ضحكت، فقال لها: ما الذي يضحكك ؟ قالت: أرى مَلَكين فوقي، معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج، فإذا خرجت زيناها بذلك التاج، ثم صعدا بها إلى الجنة، فلما قبض الله روحها أقبل جرجيس على الدعاء؛ فقال: اللهم أنت الذي أكرمتني بهذا البلاء، لتعطيني به فضائل الشهداء ! اللهم فهذا آخر أيامي الذي وعدتني فيه الراحة من بلاء الدنيا، اللهم فإني أسألك ألا تقبض روحي، ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبل لهم به، وما تشفي به صدري، وتقر به عيني؛ فإنهم ظلموني وعذبوني. اللهم وأسألك ألا يدعو بعدي داعٍ في بلاء ولا كرب فيذكرني، ويسألك باسمي إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته، وشفعتني فيه.
فلما فرغ من هذا الدعاء، أمطر الله عليهم النار، فلما احترقوا عمدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظاً من شدة الحريق، ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده. فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها، وصارت رماداً، حملها الله من وجه الأرض حتى أقلها، ثم جعل عاليها سافلها، فلبثت زماناً من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن، لا يشمه أحد إلا سقم سقماً شديداً، إلا أنها أسقام مختلفة، لا يشبه بعضها بعضاً، فكان جميع من آمن بجرجيس، وقتل معه أربعة وثلاثين ألفاً، وامرأة الملك. رحمها الله ! ونرجع الآن إلى :
ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسنى ملكهم
لسياق تمام التأريخ؛ إذ كنا قد ذكرنا الجلائل من الأمور التي كانت في أيام ملوك الطوائف في الفرس، وبني إسرائيل، والروم، والعرب، إلى عهد أردشير .
ذكر ملك أردشير بن بابكولما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل في قول النصارى وأهل الكتب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفي قول المجوس مائتان وست وستون سنة؛ وثب أردشير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الأصغر بن بابك، بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب بن كيوجي بن كيمنش - وقيل في نسبه: أردشير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهآفريذ بن ساسان الأكبر، بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب بن لهراسب - بفارس طالباً - بزعمه - بدم ابن عمه دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار، الذي حارب الإسكندر، فقتله حاجباه، مريداً - فيما يقول - رد الملك إلى أهله، وإلى ما لم يزل عليه أيام سلفه وآبائه الذي مضوا قبل ملوك الطوائف، وجمعه لرئيس واحد وملك واحد .
وذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيروده، من رستاق خير من كورة إصطخر. وكان جده ساسان شجاعاً شديد البطش، وإنه بلغ من شجاعته وشدة بطشه، أنه حارب وحده ثمانين رجلاً من أهل إصطخر، ذوي بأس ونجدة، فهزمهم. وكانت امرأته من نسل قوم من الملوك، كانوا بفارس، يعرفون بالبازرنجين، يقال لها: رامبهشت، ذات جمال وكمال، وكان ساسان قيماً على بيت نار إصطخر، يقال له بيت نار أنا هيذ، وكان مغرماً بالصيد والفروسية، فولدت رامبهشت لساسان بابك، وطول شعره حين ولدته أطول من شبر. فلما احتنك قام بأمر الناس بعد أبيه، ثم ولد له ابنه أردشير .
وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البازرنجين، يقال له - فيما حدثت عن هشام بن محمد - جوزهر. وقال غيره: كان يسمى جزهر، وكان له خصي يقال له تيري، قد صيره أرجبذا بدار بجرد. فلما أتى لأردشير سبع سنين، سار به أبوه إلى جزهر، وهو بالبيضاء، فوقفه بين يديه، وسأله أن يضمه إلى تيري؛ ليكون ربيباً له، وأرجبذا من بعده في موضعه. فأجابه إلى ذلك، وكتب بما ساله من ذلك سجلاً، وصار به إلى تيري، فقبله أحسن قبول، وتبناه. فلما هلك تيري تقلد أردشير الأمر، وحسن قيامه به، وأعلمه قوم من المنجمين والعرافين صلاح مولده، وأنه يملك البلاد. فذكر أن أردشير تواضع واستكان لذلك، ولم يزل يزداد في الخير كل يوم، وأنه رأى في نومه ملكاً جلس إلى رأسه، فقال له: إن الله يملكه البلاد؛ فليأخذ لذلك أهبته، فلما استيقظ سر بذلك، وأحس من نفسه قوةً وشدة بطسش، لم يكن يعهد مثله .
وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دار بجرد، يقال له جوبانان، فقتل ملكاً كان بها يقال له فاسين. ثم سار إلى موضع يقال له كونس، فقتل ملكاً كان بها يقال له منوشهر، ثم إلى موضع يقال له لروير، فقتل ملكاً كان بها يقال له دارا، وملّك هذه المواضيع قوماً من قبله، ثم كتب إلى أبيه بما كان منه، وأمره بالوثوب بجزهر وهو بالبيضاء، ففعل ذلك، وقتل جزهر وأخذ تاجه، وكتب إلى أردوان البهلوي ملك الجبال وما يتصل بها، يتضرع له ويسأله الإذن في تتويج سابور ابنه بتاج جزهر. فكتب إليه أردوان كتاباً عنيفاً، وأعلمه أنه وابنه أردشير على الخلاف بما كان من قتلهما من قتلا - فلم يحفل بابك بذلك، وهلك في تلك الأيام، فتتوج سابور ابن بابك بالتاج، وملك مكان أبيه، وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه. فامتنع أردشير من ذلك، فغضب سابور من امتناعه، وجمع جموعاً، وسار بهم نحوه ليحاربه، وخرج من إصطخر، فألفى بها عدة من إخوته، كان بعضهم أكبر سناً منه، فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك، فسلم الجميع لأردشير، فتتوج بالتاج، وجلس على السرير، وافتتح أمره بقوة وجد، ورتب قوماً مراتب، وصير رجلاً يقال له أبرسام بن رحفر وزيراً، وأطلق يده وفوض إليه، وصير رجلاً يقال له فاهر موبذان موبذ، وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعة منهم كثيرة. ثم أتاه أن أهل دارا بجرد قد فسدوا عليه، فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من أهلها. ثم سار إلى كرمان، وبها ملك يقال له: بلاش، فاقتتل وهو قتالاً شديداً وقاتل أردشير بنفسه حتى أسر بلاش، واستولى على المدينة؛ فملّك أردشير على كرمان ابناً له يقال له أردشير أيضاً.
وكان في سواحل بحر فارس ملك يقال له أبتنبود، كان يعظم ويعبد، فسار إليه أردشير فقتله وقطعه بسيفه نصفين، وقتل من كان حوله، واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزاً مجموعة فيها، وكتب إلى مهرك، وكان ملك إيراهسان من أردشير خرة، وإلى جماعة من أمثاله في طاعته، فلم يفعلوا، فسار إليهم، فقتل مهرك، ثم سار إلى جور، فأسسها، وأخذ في بناء الجوسق المعروف بالغربال، وبيت نار هناك .
فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول الأردوان بكتاب منه، فجمع أردشير الناس لذلك، وقرأ الكتاب بحضرتهم؛ فإذا فيه: إنك قد عدوت طورك، واجتلبت حتفك، أيها الكردي المربى في خيام الأكراد ! من أذن لك في التاج الذي لبسته، والبلاد التي احتويت عليها وغلبت ملوكها وأهلها ! ومن أمرك ببناء المدينة التي أسستها في صحراء - يريد جور - مع أنا إن خليناك وبناءها فابتن في صحراء طولها عشرة فراسخ مدينةً، وسمها رام أردشير. وأعلمه أنه قد وجه إليه ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق.
فكتب إليه أردشير: إن الله حباني بالتاج الذي لبسته، وملّكني البلاد التي افتتحتها، وأعانني على من قتلت من الجبابرة والملوك؛ وأما المدينة التي أبنيها وأسميها رام أردشير، فأنا أرجو أن أمكن منك، فأبعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذي أسسته في أردشير خرة .
ثم شخص أردشير نحو إصطخر، وخلف أبرسام بأردشير خرة، فلم يلبث أردشير إلا قليلاً حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز، وانصرافه منكوباً. ثم سار إلى إصبهان فأسر شاذ سابور ملكها، وقتله، ثم عاد إلى فارس، وتوجه لمحاربة نيروفر صاحب الأهواز، وسار إلى الرجان وإلى بنيان وطاشان من رامهرمز، ثم إلى سرَّق. فلما سار إلى ما هنالك، ركب في رهط من أصحابه؛ حتى وقف على شاطئ دجيل، فظفر بالمدينة، وابتنى مدينة سوق الأهواز، وانصرف إلى فارس بالغنائم؛ ثم ارتحل من فارس راجعاً إلى الأهواز على طريق جره وكازرون، ثم صار من الأهواز إلى ميسان، فقتل ملكاً كان بها يقال له بندو، وبنى هنالك كرخ ميسان، ثم انصرف إلى فارس، وأرسل إلى أردوان يرتاد موضعاً يقتتلان فيه، فأرسل إليه أردوان: إني أوافيك في صحراء تدعى هرمزجان، لانسلاخ مهرماه. فوافاه أردشير قبل الوقت، وتبوأ من الصحراء موضعاً، وخندق على نفسه وجنده، واحتوى على عينٍ كانت هناك، ووافاه أردوان. فاصطف القوم للقتال، وقد تقدم سابور بن أردشير دافعاً عنه، ونشب القتال بينهم، فقتل سابور دارا بنداذ، كاتب أردوان بيده، فانقض أردشير من موضعه إلى أردوان حتى قتله، وكثر القتل في أصحابه، وهرب من بقي على وجهه. ويقال: إن أردشير نزل حتى توطأ رأس أردوان بقدمه. وفي ذلك اليوم سمي أردشير " شاهنشاه " .
ثم سار من موضعه إلى همذان فافتتحها، وإلى الجبل وأذربيجان وإرمينية والموصل عنوة، ثم سار من الموصل إلى سورستان؛ وهي السواد فاحتازها، وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة طهسبون - وهي المدينة التي في شرقي المدائن - مدينة غربية وسماها به أردشير، وكورها وضم إليها بهرسير، والرومقان، ونهر درقيط، وكوثى ونهر جوبر، واستعمل عليها عمالاً، ثم توجه من السواد إلى إصطخر، وسار منها إلى سجستان، ثم جرجان، ثم إلى أبرشهر، ومرو، وبلخ، وخوارزم؛ إلى تخوم بلاد خراسان. ثم رجع إلى مرو، وقتل جماعة وبعث رءوسهم إلى بيت نار أناهيذ، ثم انصرف من مرو إلى فارس. ونزل جور، فأتته رسل ملك كوشان، وملك طوران، وملك مكران بالطاعة. ثم توجه أردشير من جور إلى البحرين، فحاصر سنطرق ملكها، واضطره الجهد إلى أن رمى بنفسه من سور الحصن، فهلك. ثم انصرف إلى المدائن، فأقام بها وتوج سابور ابنه بتاجه في حياته.
ويقال: إنه كانت بقرية يقال لها ألار، من رستاق كوجران من رساتيق سيف أردشير خرة ملكةٌ تعظم وتعبد، فاجتمعت لها أموال وكنوز ومقاتلة. فحارب أردشير سدنتها وقتلها، وغنم أموالاً وكنوزاً عظاماً كانت لها: وإنه كان بنى ثماني مدن؛ منها بفاس مدينة أردشير خرة؛ وهي جور، ومدينة رام أردشير، ومدينة ريو أردشير، وبالأهواز هرمز أردشير؛ وهي سوق الأهواز، وبالسواد به أردشير، وهي غربي المدائن، وإستاباذ أردشير؛ وهي كرخ ميسان، وبالبحرين فنياذ أردشير؛ وهي مدينة الخط، وبالموصل بوذ أردشير؛ وهي حزة.
وذكر أن أردشير عند ظهوره كتب إلى ملوك الطوائف كتباً بليغة، احتج عليهم فيها، ودعاهم إلى طاعته، فلما كان في آخر أمره رسم لمن بعده عهده، ولم يزل محموداً مظفراً منصوراً، لا يفل له جمع، ولا ترد له راية؛ وقهر الملوك حول مملكته وأذلهم، وأثخن في الأرض، وكوّر الكور، ومدّن المدن، ورتّب المراتب، واستكثر من العمارة. وكان ملكه من وقت قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة. وقال بعضهم: كان ملكه أربع عشرة سنة وعشرة أشهر .
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: قدم أردشير في أهل فارس يريد الغلبة على الملك بالعراق، فوافق بابا ملكاً كان على الأرمانيين، ووافق أردوان ملكاً على الأردوانيين .
قال هشام: الأرمانيون أنباط السواد، والأردوانيون أنباط الشأم .
قال: وكل واحد منهما يقاتل صاحبه على الملك، فاجتمعا على قتال أردشير. فقاتلاه متساندين، يقاتله هذا يوماً، وهذا يوماً؛ فإذا كان يوم بابا لم يقم له أردشير، وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير؛ فلما رأى ذلك أردشير صالح بابا على أن يكف عنه ويدعه وأردوان، ويخلي أردشير بين بابا وبين بلاده وما فيها، وتفرغ أردشير لحرب أردوان، فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له، وسمع له، وأطاع بابا، فضبط أردشير ملك العراق ودانت له ملوكها، وقهر من كان يناوئه من أهلها؛ حتى حملهم على ما أراد مما خالفهم ووافقه.
ولما استولى أردشير على الملك بالعراق كره كثير من تنوخ أن يقيموا في مملكته، وأن يدينوا له، فخرج من كان منهم من قبائل قضاعة الذين كانوا أقبلوا مع مالك وعمرو ابني فهم، ومالك بن زهير وغيرهم، فلحقوا بالشأم إلى من هنالك من قضاعة.
وكان ناس من العرب يحدثون في قومهم الأحداث، أو تضيق بهم المعيشة، فيخرجون إلى ريف العراق، وينزلون الحيرة على ثلاث أثلاث: ثلث تنوخ، وهو من كان يسكن المظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات، فيما بين الحيرة والأنبار وما فوقها. والثلث الثاني العباد، وهم الذين كانوا سكنوا الحيرة وابتنوا بها. ولثلث الثالث الأحلاف، وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة، ونزلوا فيهم، ممن لم يكن من تنوخ الوبر؛ ولا من العباد الذين دانوا لأردشير.
وكانت الحيرة والأنبار بنيتا جميعاً في زمن بختنصر، فخربت الحيرة لتحول أهلها عنها عند هلاك بختنصر إلى الأنبار، وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة، إلى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عدي، باتخاذه إياها منزلاً، فعمرت الحيرة خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة، ونزلها الإسلام؛ فكان جميع ملك عمرو بن عدي مائة سنة وثماني عشرة سنة، من ذلك في زمن أردوان وملوك الطوائف خمس وتسعون سنة، وفي زمن ملوك فارس ثلاث وعشرون سنة؛ من ذلك في زمن أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، وفي زمن سابور بن أردشير ثماني سنين وشهران .
ذكر الخبر عن القائم كان بملك فارس بعد أردشير بن بابك ولما هلك أردشير بن بابك، قام بملك فارس من بعده ابنه سابور. وكان أردشير بن بابك لما أفضى إليه الملك أسرف في قتل الأشكانية، الذين منهم كان ملوك الطوائف، حتى أفناهم بسبب أليّة كان ساسان بن أردشير بن بهمن بن إسفنديار الأكبر، جد أردشير بن بابك، كان آلاها، أنه إن ملك يوماً من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن خرة أحداً وأوجب ذلك على عقبه، وأوصاهم بألا يبقوا منهم أحداً إن هم ملكوا، أو ملك منهم أحد يوماً. فكان أول من ملك من ولد ولده ونسله أردشير بن بابك، فقتلهم جميعاً؛ نساءهم ورجالهم، فلم يستبق منهم أحداً لعزمة جده ساسان .
فذكر أنه لم يبق منهم أحد، غير أن جارية كان وجدها أردشير في دار المملكة، فأعجبه جمالها وحسنها، فسألها - وكانت ابنة الملك المقتول - عن نسبها. فذكرت أنها كانت خادماً لبعض نساء الملك، فسألها: أبكرٌ أنت أم ثيب ؟ فأخبرته أنها بكر؛ فواقعها واتخذها لنفسه، فعلقت منه فلما أمنته على نفسه لاستمكانها منه بالحبل، أخبرته أنها من نسل أشك، فنفر منها ودعا هرجبذا أبرسام - وكان شيخاً مسناً - فأخبره أنها أقرت أنها من نسل أشك، وقال: نحن أولى باستتمام الوفاء بنذر أبينا ساسان، وإن كان موقعها من قلبي على ما قد علمت، فانطلق بها فاقتلها. فمضى الشيخ ليقتلها، فأخبرته أنها حبلى؛ فأتى بها القوابل، فشهدن بحبلها، فأودعها سرباً في الأرض، ثم قطع مذاكيره فوضعها في حق، ثم ختم عليه، ورجع إلى الملك، فقال له الملك: ما فعلت ؟ قال: قد استودعتها بطن الأرض، ودفع الحق إليه، وسأله أن يختم عليه بخاتمه، ويودعه بعض خزائنه ففعل، فأقامت الجارية عند الشيخ، حتى وضعت غلاماً، فكره الشيخ أن يسمي ابن الملك دونه، وكره أن يعلمه به صبياً حتى يدرك، ويستكمل الأدب. وقد كان الشيخ أخذ قياس الصبي ساعة ولد، وأقام له الطالع، فعلم عند ذلك أن سيملك، فسماه اسماً جامعاً يكون صفة واسماً ويكون فيه بالخيار إذا علم به، فسماه " شاه بور " ، وترجمتها بالعربية: ابن الملك، وهو أول من سمي هذا الاسم، وهو سابور الجنود بالعربية، بن أردشير. وقال بعضهم: بل سماه " أشه بور " ، ترجمتها بالعربية: ولد أشك، الذي كانت أم الغلام من نسله .
فغبر أردشير دهراً لا يولد له، فدخل عليه الشيخ الأمين، الذي عنده الصبي، فوجده محزوناً، فقال: ما يحزنك أيها الملك ؟ فقال له أردشير: وكيف لا أحزن، وقد ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت بحاجتي، وصفا لي الملك ملك آبائي، ثم أهلك لا يعقبني فيه عقب، ولا يكون لي فيه بقية ! فقال له الشيخ: سرك الله أيها الملك وعمرك ! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع بالحق الذي استودعتك، وختمته بخاتمك أرك برهان ذلك .
فدعا أردشير بالحق، فنظر إلى نقش خاتمه، ثم فضه، وفتح الحق، فوجد فيه مذاكير الشيخ، وكتاباً فيه: إنا لما اختبرنا ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك أردشير حين أمرنا بقتلها حين حملها، لم نستحل إتواء زرع الملك الطيب، فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا ملكنا، وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضهٌ إلى عضهها سبيلاً، وقمنا بتقوية الحق المنزوع حتى لحق بأهله، وذلك في ساعة كذا من عام كذا. فأمره أردشير عند ذلك أن يهيئه في مائة غلام. وقال بعضهم: في ألف غلام من أترابه وأشباهه في الهيئة والقامة، ثم يدخلهم عليه جميعاً لا يفرق بينهم في زيٍ ولا قامة ولا أدب؛ ففعل ذلك الشيخ؛ فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، واستحلاه من غير أن يكون أشير له إليه أو لحن به. ثم أمر بهم جميعاً فأخرجوا إلى حجرة الإيوان، فأعطوا صوالجة، فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان على سريره، فدخلت الكرة في الإيوان الذي هو فيه، فكاع الغلمان جميعاً أن يدخلوا الإيوان، وأقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه، وإقدامه وجرأته مع ما كان من قبول نفسه له أول مرة حين رآه، ورقته عليه دون أصحابه أنه ابنه. فقال له أردشير بالفارسية: ما اسمك ؟ فقال الغلام: شاه بور، فقال: أردشير: شاه بور ! فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره، وعقد له التاج من بعده .
وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس - قبل أن يفضي إليه الملك في حياة أبيه - عقلاً وفضلاً وعلماً، مع شدة بطش، وبلاغة منطق، ورأفة بالرعية ورقة. فلما عقد التاج على رأسه، اجتمع إليه العظماء، فدعوا له بطول البقاء، وأطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله، فأعلمهم أنهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده، ووعدهم خيراً .
ثم أمر بما كان في الخزائن من الأموال، فوسع بها على الناس، وقسمها فيمن رآه لها موضعاً؛ من الوجوه والجنود وأهل الحاجة، وكتب إلى عماله بالكور والنواحي أن يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم، فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد، والشريف والوضيع، والخاص والعام ما عمهم ورفغت معايشهم. ثم تخير لهم العمال، وأشرف عليهم وعلى الرعية إشرافاً شديداً، فبان فضل سيرته، وبعد صوته، وفاق جميع الملوك .
وقيل: إنه سار إلى مدينة نصيبين، لإحدى عشرة سنة مضت من ملكه، وفيها جنود من جنود الروم، فحاصرهم حيناً، ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته، فشخص إليها حتى أحكم أمرها، ثم رجع إلى نصيبين. وزعموا أن سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجة دخل منها، فقتل المقاتلة وسبى وأخذ أموالاً عظيمة كانت لقيصر هنالك، ثم تجاوزها إلى الشأم وبلاد الروم، فافتتح من مدائنها مدناً كثيرة .
وقيل: إن فيما افتتح قالوقية وقذوقية، وإنه حاصر ملكاً كان بالروم، يقال له الريانوس بمدينة أنطاكية، فأسره وحمله وجماعة كثيرة معه، وأسكنهم جندى سابور.
وذكر أنه أخذ الريانوس ببناء شاذراون تستر، على أن يجعل عرضه ألف ذراع، فبناه الرومي بقوم أشخصهم إليه من الروم، وحكّم سابور في فكاكه بعد فراغه من الشاذروان، فقيل إنه أخذ منه أموالاً عظيمة، وأطلقه بعد أن جدع أنفه. وقيل إنه قتله .
وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر، وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون، وهو الذي يقول فيه أبو دواد الأيادي :
وأرى الموت قد تدلى من الحض ... ر على رب أهله الساطرون
والعرب تسميه الضيزن. وقيل: إن الضيزن من أهل باجرمى .
وزعم هشام بن الكلبي أنه من العرب من قضاعة وأنه الضيزن بن معاوية ابن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، وأن أمه من تزيد بن حلوان اسمها جيهلة، وأنه إنما كان يعرف بأمه. وزعم أنه كان ملك أرض الجزيرة، وكان معه من بني عبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، وأن ملكه كان قد بلغ الشأم، وأنه تطرف من بعض السواد في غيبة كان غابها إلى ناحية خراسان سابور بن أردشير، فلما قدم من غيبته أخبر بما كان منه، فقال في ذلك من فعل الضيزن، عمرو بن إلة بن الجدى بن الدهاء بن جشم بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة :
لقيناهم بجمعٍ من علافٍ ... وبالخيل الصلادمة الذكور
فلاقت فارسٌ منا نكالاً ... وقتلنا هرابذ شهرزور
دلفنا للأعاجم من بعيدٍ ... بجمعٍ كالجزيرة في السعير
فلما أخبر سابور بما كان منه شخص إليه حتى أناخ على حصنه، ونحصن الضيزن في الحصن، فزعم ابن الكلبي أنه أقام سابور على حصنه أربع سنين، لا يقدر على هدمه ولا على الوصول إلى الضيزن .
وأما الأعشى ميمون بن قيس فإنه ذكر في شعره أنه إنما أقام عليه حولين، فقال :
ألم تر للحضر إذ أهله ... بنعمى وهل خالدٌ من نعم !
أقام به شاهبور الجنو ... د حولين تضرب فيه القدم
فما زاده ربه قوةً ... ومثل مجاوره لم يقم
فلما رأى ربه فعله ... أتاه طروقاً فلم ينتقم
وكان دعا قومه دعوةً ... هلموا إلى أمركم قد صرم
فموتوا كراماً بأسيافكم ... أرى الموت يجشمه من جشم
ثم إن ابنة للضيزن يقال لها النضيرة عركت فأخرجت إلى ربض المدينة، وكانت من أجمل نساء زمانها - وكذلك كان يفعل بالنساء إذ هن عركن - وكان سابور من أجمل أهل زمانه - فيما قيل - فرأى كل واحد منهما صاحبه، فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور هذه المدينة وتقتل أبي ؟ قال: حكمك وأرفعك على نسائي، وأخصك بنفسي دونهن. قالت: عليك بحمامة ورقاء مطوقة، فاكتب في رجلها بحيض جارية بكرٍ زرقاء، ثم أرسلها، فإنها تقع على حائط المدينة؛ فتتداعى المدينة. وكان ذلك طلسم المدينة لا يهدمها إلا هذا، ففعل وتأهب لهم، وقالت: أنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صرعوا فاقتلهم، وادخل المدينة. ففعل وتداعت المدينة، ففتحها عنوة، وقتل الضيزن يومئذ، وأبيدت أفناء قضاعة الذي كانوا مع الضيزن، فلم يبق منهم باقٍ يعرف إلى اليوم، وأصيبت قبائل من بني حلوان؛ فانقرضوا ودرجوا، فقال عمرو بن إلة - وكان مع الضيزن :
ألم يحزنك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني عبيد !
ومصرع ضيزنٍ وبني أبيه ... وأحلاس الكتائب من تزيد !
أتاهم بالفيول مجللاتٍ ... وبالأبطال سابور الجنود
فهدم من أواسي الحصن صخراً ... كأن ثفاله زبر الحديد
وأخرب سابور المدينة، واحتمل النضيرة ابنة الضيزن، فأعرس بها بعين التمر، فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها، وهي من حرير محشوة بالقز فالتمس ما كان يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها. قال: وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها - فقال لها سابور: ويحك بأي شيء كان يغذوك أبوك ؟ قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر. قال: وأبيك لأنا أحدث عهداً بك، وآثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين. فأمر رجلاً فركب فرساً جموحاً، ثم عصب غدائرها بذنبه، ثم استركضها فقطعها قطعاً، فذلك قول الشاعر :
أقفر الحصن من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثرثار
وقد أكثر الشعراء ذكر ضيزن هذا في أشعارهم، وإياه عني عدي بن زيد بقوله :
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
ويقال إن سابور بنى بميسان شاذ سابور، التي تسمى بالنبطية " ريما " .
وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق، ويقال: إن سابور لما سار إلى موضع جندي سابور لؤسسها صادف عندها شيخاً يقال له بيل، فسأله: هل يجوز أن يتخذ في ذلك الموضع مدينة ؟ فقال له بيل: إن ألهمت الكتابة مع ما قد بلغت من السن جاز أن يبنى في هذا الموضع مدينة. فقال له سابور: بل ليكن الأمران اللذان أنكرت كونهما. فرسم المدينة وأسلم بيل إلى معلم؛ وفرض عليه تعليمه الكتاب والحساب في سنة، فخلا به المعلم وبدأ يحلق رأسه ولحيته لئلا يتشاغل بهما، وجاده التعليم، ثم أتى به سابور وقد نفذ ومهر، فقلده إحصاء النفقة على المدينة وإثبات حسابها. وكور الناحية وسماها بهازنديوسابور، وتأويل ذلك: خير من أنطاكية، ومدينة سابور - وهي التي تسمى جندي سابور، وأهل الأهواز يسمونها " بيل " باسم القيم كان على بنائها. ولما حضر سابور الموت ملك ابنه هرمز وعهد إليه عهداً أمره بالعمل به.
واختلف في سنى ملكه، فقال: بعضهم كان ذلك ثلاثين سنة وخمسة عشر يوماً. وقال آخرون: كان ملكه إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة عشر يوماً.
ذكر ملك هرمز بن سابورثم قام الملك بعد سابور بن أدرشير بن بابك ابنه هرمز. وكان يلقب بالجرىء، وكان يشبه في جسمه وخلقه وصورته بأردشير؛ غير لاحقٍ به في رأيه وتدبيره، إلا أنه كان من البطش والجرأة وعظم الخلق على أمر عظيم.
وكانت أمه - فيما قيل - من بنات مهرك، والملك الذي قتله أردشير بأردشير خرة. وذلك أن المنجمين كانوا أخبروا أردشير أنه يكون من نسله من يملك. فتتبع أردشير نسله فقتلهم. وأفلتت أم هرمز. وكانت ذات عقل وجمال وكمال وشدة الخلق، فوقعت إلى البادية، وأوت إلى بعض الرعاء. وإن سابور خرج يوماً متصيداً، فأمعن في طلب الصيد، واشتد به العطش، فارتفعت له الأخبية التي كانت أم هرمز أوت إليها، فقصدها فوجد الرعاء غيبا، فطلب الماء، فناولته المرأة، فعاين منها جمالاً فائقاً، وقواماً عجيباً، ووجهاً عتيقاً. ثم لم يلبث أن حضر الرعاء، فسألهم سابور عنها، فنسبها بعضهم إليه، فسأله أن يزوجها منه، فساعفه، فصار بها إلى منازله، وأمر بها فنظفت وكسيت وحليت، وأرادها على نفسها؛ فكان إذا خلا بها والتمس منها ما يلتمس الرجل من المرأة امتنعت وقهرته عند المجاذبة قهراً ينكره. وتعجب من قوتها. فلما تطاول ذلك من أمرها أنكره، ففحص عن أمرها فأخبرته أنها ابنة مهرك، وأنها إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت هرمز، فستر أمره حتى أتت له سنون.
وإن أردشير ركب يوماً، ثم انكفأ إلى منزل سابور لشيء أراد ذكره له؛ فدخل منزله مفاجأة، فلما استقر به القرار خرج هرمز، وقد ترعرع وبيده صولجان يلعب به وهو يصيح في أثر الكرة، فلما وقعت عين أردشير عليه أنكره. ووقف على المشابه التي فيه منهم؛ لأن الكية التي في آل أردشير كانت لا تخفى، ولا يذهب أمرهم على أحد، لعلامات كانت فيهم؛ من حسن الوجوه، وعبالة الخلق، وأمور كانوا بها مخصوصين في أجسامهم. فاستدناه أردشير، وسأل سابور عنه، فخر مكفراً على سبيل الإقرار بالخطأ مما كان منه. وأخبر أباه حقيقة الخبر، فسر به، وأعلمه أنه قد تحقق الذي ذكر المنجمون في ولد مهرك، ومن يملك منهم، وأنهم إنما ذهبوا فيه إلى هرمز؛ إذ كان من نسل مهرك، وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه.
فلما هلك أردشير وأفضى الأمر إلى سابور ولي هرمز خراسان، وسيره إليها، فاستقل بالعمل، وقمع من كان يليه من ملوك الأمم، وأظهر تجبراً شديداً، فوشى به الوشاة إلى سابور، ووهموه أنه إن دعاه لم يجب، وأنه على أن يبتزه الملك، ونمت الأخبار بذلك إلى هرمز، فقيل: إنه خلا بنفسه، فقطع يده وحسمها، وألقى عليها ما يحفظها، وأدرجها في نفيسٍ من الثياب، وصيرها في سفط، وبعث بها إلى سابور، وكتب إليه بما بلغه، وأنه إنما فعل ما فعل؛ إزالةً للتهمة عنه، ولأن في رسمهم ألا يملكوا ذا عاهة. فلما وصل الكتاب بما معه إلى سابور، تقطع أسفاً، وكتب إليه بما ناله من الغم بما فعل، واعتذر، وأعلمه أنه لو قطع بدنه عضواً عضواً، لم يؤثر عليه أحداً بالملك، فملكه.
وقيل: إنه لما وضع التاج على رأسه، دخل عليه العظماء، فدعوا له فأحسن لهم الجواب، وعرفوا منه صدق الحديث، وأحسن فيهم السيرة، وعدل في رعيته، وسلك سبيل آبائه، وكور كورة رام هرمز.
وكان ملكه سنة وعشرة أيام.
ذكر ملك بهرام بن هرمزثم قام بالملك بعده ابنه بهرام، وهو بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ابن بابك.
وكان من عمال سابور بن أردشير، وهرمز بن سابور، وبهرام بن هرمز بن سابور - بعد مهلك عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة على فرج العرب من ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذ - ابنٌ لعمرو بن عدي يقال له امرؤ القيس البدء؛ وهو أول من تنصر من ملوك آل نصر بن ربيعة وعمال ملوك الفرس، وعاش - فيما ذكر هشام بن محمد - مملكاً في عمله مائة سنة وأربع عشرة سنة؛ من ذلك في زمن سابور بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام، وفي زمن بهرام بن هرمز ابن سابور ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ثماني عشرة سنة.
وكان بهرام بن هرمز - فيما ذكر - رجلاً ذا حلم وتؤدة. فاستبشر الناس بولايته. وأحسن السيرة فيهم، واتبع في ملكه في سياسة الناس آثار آبائه؛ وكان ماني الزنديق - فيما ذكر - يدعوه إلى دينه. فاستبرى ما عنده. فوجده داعية للشيطان، فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبناً وتعليقه على باب من أبواب مدينة جندى سابور، يدعى باب الماني. وقتل أصحابه ومن دخل في ملته.
وكان ملكه - فيما قيل - ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام.
ذكر ملك بهرام بن بهرام بن هرمزثم قام بالملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. وكان ذا علم - فيما قيل - بالأمور؛ فلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء بمثل ما كانوا يدعون لآبائه. فرد عليهم مرداً حسناً، وأحسن فيهم السيرة، وقال: إن ساعدنا الدهر نقبل ذلك بالشكر، وإن يكن غير ذلك نرض بالقسم. واختلف في سني ملكه، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة. وقال بعضهم: كان سبع عشرة سنة.
ذكر ملك شاهنشاه بن بهرامثم ملك بهرام الملقب بشاهنشاه بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير؛ فلما عقد التاج على رأسه اجتمع إليه العظماء. فدعوا له ببركة الولاية وطول العمر، فرد عليهم أحسن الرد؛ وكان قبل أن يفضي إليه الملك مملكاً على سجستان.
وكان ملكه أربع سنين.
ذكر ملك نرسي بن بهرام
ثم قام بالملك بعده نرسي بن بهرام، وهو أخو بهرام الثالث. فلما عقد التاج على رأسه دخلت عليه الأشراف والعظماء، فدعوا له فوعدهم خيراً. وأمرهم بمكانفته على أمره، وسار فيهم بأعدل السيرة. وقال يوم ملك: إنا لن نضيع شكر الله على ما أنعم به علينا.
وكان ملكه تسع سنين.
ذكر ملك هرمز بن نرسيثم ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. وكان الناس قد وحلوا منه، وأحسوا بالفظاظة والشدة، فأعلمهم أنه قد علم ما كانوا يخافونه من شدة ولايته، وأعلمهم أنه قد أبدل ما كان في خلقه من الغلظة والفظاظة رقةً ورأفة، وساسهم بأرفق السياسة، وسار فيهم بأعدل السيرة، وكان حريصاً على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل على الرعية. ثم هلك ولا ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا بميلهم إليه عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى. وقد قال بعضهم: إن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل في بطن أمه، وأن تلك المرأة ولدت سابور ذا الأكتاف.
وكان ملك هرمز في قول بعضهم ست سنين وخمسة أشهر، وفي قول آخرين سبع سنين وخمسة أشهر.
ذكر ملك سابور ذي الأكتافثم ولد سابور ذو الأكتاف بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. مملكاً بوصية أبيه هرمز له بالملك، فاستبشر الناس بولادته؛ وبثوا خبره في الآفاق، وكتبوا الكتب، ووجهوا به البرد إلى الآفاق والأطراف، وتقلد الوزراء والكتاب الأعمال التي كانوا يعملونها في ملك أبيه، ولم يزالوا على ذلك، حتى فشا خبرهم. وشاع في أطراف مملكة الفرس أنه كان لا ملك لهم. وأن أهلها إنما يتلومون صبياً في المهد، لا يدرون ما هو كائن من أمره، فطمعت في مملكتهم الترك والروم.
وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إلى فارس، وكانوا من أحوج الأمم إلى تناول شيء من معايشهم وبلادهم. لسوء حالهم وشظف عيشهم. فسار جمع عظيمٌ منهم في البحر من ناحية بلاد عبد القيس والبحرين وكاظمة، حتى أناخوا على أبرشهر وسواحل أردشيرخرة وأسياف فارس، وغلبوا أهلها على مواشيهم وحروثهم ومعايشهم، وأكثروا الفساد في تلك البلاد، فمكثوا على ذلك من أمرهم حيناً. لا يغزوهم أحد من الفرس، لعقدهم تاج الملك على طفل من الطفال. وقلة هيبة الناس له؛ حتى تحرك سابور وترعرع. فلما ترعرع ذكر أن أول ما عرف من تدبيره وحسن فهمه، أنه استيقظ ذات ليلة وهو في قصر الملكة بطيسبون، من ضوضاء الناس بسحر. فسأل عن ذلك، فأخبر أن ذلك ضجة الناس عند ازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين؛ فأمر باتخاذ جسر آخر؛ حتى يكون أحدهما معبراً للمقبلين؛ والآخر معبراً للمدبرين. فلا يزدحم الناس في المرور عليهما. فاستبشر الناس بما رأوا من فطنته لما فطن من ذلك على صغر سنه. وتقدم فيما أمر به من ذلك، فذكر أن الشمس لم تغرب من يومهم ذلك حتى عقد جسر بالقرب من الجسر الذي كان فاستراح الناس من المخاطرة بأنفسهم في الجواز على الجسر، وجعل الغلام يتزيد في اليوم ما يتزيده غيره في الحين الطويل.
وجعل الكتاب والوزراء يعرضون عليه الأمر بعد الأمر، فكان فيما عرض عليه أمر الجنود التي في الثغور، ومن كان منهم بإزاء الأعداء. وإن الأخبار وردت بأن أكثرهم قد أخل، وعظموا عليه الأمر في ذلك، فقال لهم سابور: لا يكبرن هذا عندكم؛ فإن الحيلة فيه يسيرة، وأمر بالكتاب إلى أولئك الجنود جميعاً؛ بأنه انتهى إليه طول مكثهم في النواحي التي هم بها، وعظم غنائهم عن أوليائهم وإخوانهم؛ فمن أحب أن ينصرف إلى أهله فلينصرف مأذوناً له في ذلك، ومن أحب أن يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرف ذلك له. وتقدم إلى من اختار الانصراف في لزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه.
فلما سمع الوزراء ذلك من قوله استحسنوه، وقالوا: لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور، وسياسة الجنود ما زاد رأيه وصحة منطقه على ما سمعنا به.
ثم تتابعت أخباره إلى البلدان والثغور، بما قوم أصحابه، وقمع أعداءه. حتى إذا تمت له ست عشر سنة وأطاق حمل السلاح وركوب الخيل، واشتد عظمه، جمع إليه رؤساء أصحابه وأجناده، ثم قام فيهم خطيباً، ثم ذكر ما أنعم الله به عليه وعليهم بآبائه، وما أقاموا من أدبهم ونفوا من أعدائهم، وما اختل من أمورهم، في الأيام التي مضت من أيام صباه، وأعلمهم أنه يبتدئ العمل في الذب عن البيضة، وأنه يقدر الشخوص إلى بعض الأعداء لمحاربته، وأن عدة من يشخص معه من المقاتلة ألف رجل. فنهض إليه القوم داعين متشكرين، وسألوه أن يقيم بموضعه، ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما قدر من الشخوص فيه، فأبى أن يجيبهم إلى المقام، فسألوه الازدياد على العدة التي ذكرها فأبى. ثم انتخب ألف فارس من صناديد جنده وأبطالهم، وتقدم إليهم في المضي لأمره، ونهاهم عن الإبقاء على من لقوا من العرب، والعرجة على إصابة مال. ثم سار بهم فأوقع بمن انتجع بلاد فارس من العرب وهم غارون، وقتل منهم أبرح القتل، وأسر أعنف الأسر، وهرب بقيتهم. ثم قطع البحر في أصحابه، فورد الخط، واستقرى بلاد البحرين، يقتل أهلها ولا يقبل فداء، ولا يعرج على غنيمة. ثم مضى على وجهه، فورد هجر، وبها ناس من أعراب تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فأفشى فيهم القتل، وسفك فيهم من الدماء سفكاً سالت كسيل المطر؛ حتى كان الهارب منهم يرى أنه لن ينجيه منه غارٌ في جبل، ولا جزيرة في بحر؛ ثم عطف إلى بلاد عبد القيس، فأباد أهلها إلا من هرب منهم، فلحق بالرمال، ثم أتى اليمامة، فقتل بها مثل تلك المقتلة، ولم يمر بماء من مياه العرب إلا عوره، ولاجب من جبابهم إلا طمه. ثم أتى قرب المدينة، فقتل من وجد هنالك من العرب وأسر، ثم عطف نحو بلاد بكر وتغلب فيما بين مملكة فارس ومناظر الروم بأرض الشام، فقتل من وجد بها من العرب، وسبى وطم مياهم، وإنه أسكن من من بنى تغلب من البحرين دارين - واسمهما هيج - والخط، ومن كان من عبد القيس وطوائف من بني تميم هجر، ومن كان من بكر بن وائل كرمان، وهم الذين يدعون بكر أبان، ومن كان منهم من بني حنظلة بالرملية من بلاد الأهواز. وإنه أمر فبنيت بأرض السواد مدينة وسماها، بزرج سابور - وهي الأنبار - وبأرض الأهواز مدينتان: إحداهما إيران خره سابور، وتأويلها سابور وبلاده، وتسمى بالسريانية الكرخ، والأخرى السوس؛ وهي مدينة بناها إلى جانب الحصن الذي في جوفه تابوت فيه جثة دانيال النبي عليه السلام. وإنه غزا أرض الروم فسبى منها سبياً كثيراً، فأسكن مدينة إيران خره سابور، وسمتها العرب السوس بعد تخفيفها في التسمية. وأمر فبنيت بباجرمى مدينة سماها خنى سابور وكور كورة، وبأرض خراسان مدينة، وسماها نيسابور وكور كورة.
وإن سابور كان هادن قسطنطين ملك الروم وهو الذي بنى مدينة قسطنطينية، وكان أول من تنصر من ملوك الروم، وهلك قسطنطين، وفرق ملكه بين ثلاثة بنين، كانوا له، فهلك بنوه الثلاثة، فملكت الروم عليهم رجلاً من أهل بيت قسطنطين يقال له لليانوس، وكان يدين بملة الروم التي كانت قبل النصرانية، ويسر ذلك ويظهر النصرانية قبل أن يملك، حتى إذا ملك أظهر ملة الروم، وأعادها كهيئتها، وأمرهم بإحيائها، وأمر بهدم البيع وقتل الأساقفة وأحبار النصارى. وإنه جمع جموعاً من الروم والخزر، ومن كان في مملكته من العرب، ليقاتل بهم سابور وجنود فارس.
وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور، وما كان من قتله العرب، واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون ألف مقاتل؛ فوجههم مع رجل من بطارقة الروم، بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس. وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس، وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر، فهاله ذلك، ووجه عيوناً تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيثهم فاختلفت أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الأخبار عن لليانوس وجنده. فتنكر سابور، وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم، فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس، وجه رهطاً ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا الأخبار، ويأتوه بها على حقائقها، فنذرت الروم بهم، فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس، فلم يقر أحدٌ منهم بالأمر لذي توجهوا له إلى عسكره، ما خلا رجلاً منهم أخبره بالقصة على وجهها، وبمكان سابور حيث كان، وسأله أن يوجه معه جنداً، فيدفع إليهم سابور فارسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلاً من بطانته، يعلمه ما لقى من أمره، وينذره، فارتحل سابور من الموضع الذي كان فيه إلى عسكره. وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور، فأجابهم إلى ما سألوه، فزحفوا إلى سابور، فقاتلوه ففضوا جمعه، وقتلوا منه مقتلةً عظيمة، وهرب سابور فيمن بقى من جنده، واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور، وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها، فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذي لقى من لليانوس ومن معه من العرب، ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده، فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق، فانصرف فحارب لليانوس واستقذ منه مدينة طيسبون، ونزل لليانوس مدينة بهأردشير وما والاها بعسكره، وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور. وإن لليانوس كان جالساً ذات يوم في حجرته، فأصابه سهم غربٌ في فؤاده فقتله، فأسقط في روع جنده، وهالهم الذي نزل به، ويئسوا من التفصى من بلاد فارس، وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم، فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم، فأبى ذلك، وألحوا عليه فيه، فأعلمهم أنه على ملة النصرانية، وأنه لا يلي ناساً له مخالفين في الملة. فأخبرته الروم أنهم على ملته، وأنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس، فأجابهم إلى ما طلبوا، وملكوه عليهم، وأظهروا النصرانية.
وإن سابور علم بهلاك لليانوس، فأرسل إلى قواد جنود الروم، يقول: إن الله قد أمكننا منكم، وأدالنا عليكم، بظلمكم إيانا، وتخطيكم إلى بلادنا، وإنا نرجوا أن تهلكوا بها جوعاً من غير أن نهيئ لقتالكم سيفاً، ونشرع له رمحاً؛ فسرحوا إلينا رئيساً إن كنتم رأستموه عليكم. فعزم يوسانوس على إتيان سابور، فلم يتابعه على رأيه أحدٌ من قواد جنده، فاستبد برأيه، وجاء إلى سابور في ثمانين رجلاً من أشراف من كان في عسكره وجنده، وعليه تاجه، فبلغ سابور مجيئه إليه، فتلقاه وتساجدا، فعانقه سابور شكراً لما كان منه في أمره، وطعم عنده يومئذ ونعم.
وإن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوى الرياسة منهم يعلمهم أنهم لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس، وأن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته. وقوى أمر يوسانوس بجهده، ثم قال: إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا، وقتلوا بشراً كثيراً، وقطعوا ما كان بأرض السواد من نخل وشجر، وخربوا عمارتها؛ فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخربوا، وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها، عوضاً منه، وكانت من بلاد فارس، فغلبت عليها الروم.
فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض، ودفعوا إليه نصبيين، فبلغ ذلك أهلها، فجلوا منها إلى منها إلى مدن في مملكة الروم، مخافة على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملتهم، فبلغ ذلك سابور، فنقل اثنى عشر ألف أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين، وأسكنهم إياها، وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم، وملكها زمناً يسيراً ثم هلك.
وإن سابور ضرى بقتل العرب، ونزع أكتاف رؤسائهم إلى أن هلك. وكان ذلك سبب تسميتهم إياه ذا الأكتاف.
وذكر بعض أهل الأخبار أن سابور بعد أن أثخن في العرب وأجلاهم عن النواحي التي كانوا صاروا إليها مما قرب من نواحي فارس والبحرين واليمامة، ثم هبط إلى الشأم، وسار إلى حد الروم، أعلم أصحابه أنه على دخول الروم حتى يبحث عن أسرارهم. ويعرف أخبار مدنهم وعدد جنودهم، فدخل إلى الروم، فجال فيها حيناً، وبلغه أن قيصر أولم، وأمر بجمع الناس ليحضروا طعامه، فانطلق سابور بهيئة السؤال حتى شهد ذلك الجمعع، لينظر إلى قيصر، ويعرف هيئته وحاله في طعامه. ففطن له فأخذ، وأمر به قيصر فأدرج في جلد ثور، ثم سار بجنوده إلى أرض فارس، ومعه سابور على تلك الحالة، فأكثر من القتل وخراب المدائن والقرى وقطع النخل والأشجار، حتى انتهى إلى مدينة جندي سابور، وقد تحصن أهلها، فنصب المجانيق، وهدم بعضها. فبينا هم كذلك ذات ليلة إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا على القد الذي كان عليه زيتاً من زقاق كانت بقربهم، ففعلوا ذلك، ولان الجلد وانسل منه فلم يزل يدب حتى دناا من باب المدينة، وأخبر حراسهم باسمه. فلما دخل على أهلها، اشتد سرورهم به، وارتفعت أصواتهم بالحمد والتسبيح، فانتبه أصحاب قيصر بأصواتهم، وجمع سابور من كان في المدينة وعبأهم، وخرج إلى الروم تلك الليلة سحراً، فقتل الروم وأخذ قيصر أسيراً، وغنم أمواله ونساءه، ثم أثقل قيصر بالحديد وأخذه بعمارة ما أخرب؛ ويقال: إنه أخذ قيصر بنقل التراب من أرض الروم إلى المدائن وجندى سابور، حتى يرم به ما هدم منها، وبأن يغرس الزيتون مكان النخل والشجر الذي عقره، ثم قطع عقبه ورتقه، وبعث به إلى الروم على حمار، وقال: هذا جزاؤك ببغيك علينا، فلذلك تركت الروم اتخاذ الأعقاب، ورتق الذؤاب.
ثم أقام سابور في مملكته حيناً. ثم غزا الروم فقتل من أهلها، وسبى سبياً كثيراً، وأسكن من سبي مدينة بناها بناحية السوس. وسماها إيرانشهر سابور، ثم استصلح العرب، وأسكن بعض قبائل تغلب وعبد القيس وبكر بن وائل كرمان وتوج والأهواز، وبنى مدينة نيسابور ومدائن أخر بالسند وسجستان. ونقل طبيباً من الهند فأسكنه الكرخ من السوس؛ فلما مات ورث طبه أهل السوس؛ ولذلك صار أهل تلك الناحية أطب العجم، وأوصى بالملك لأخيه أردشير.
وكان ملك سابور اثنتين وسبعين سنة.
وهلك في عهد سابور عامله على ضاحية مضر وربيعة، امرؤ القيس البدء بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، فاستعمل سابور على عمله ابنه عمرو بن امرىء القيس - فيما ذكر - فبقي في عمله بقية ملك سابور، وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز بن نرسى، وبعض أيام سابور بن سابور.
وكان جميع عمله - على ما ذكرت - من العرب، وولايته عليهم - فيما ذكر ابن الكلبي - ثلاثين سنة.
ذكر ملك أردشير بن هرمزثم قام بالملك بعد سابور ذي الأكتاف أخوه أردشير بن هرمز بن نرسى ابن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك. فلما عقد التاج على رأسه جلس للعظماء، فلما دخلوا عليه دعوا له بالنصر، وشكروا عنده أخاه سابور، فأحسن جوابهم، وأعلمهم موقع ما كان من شكرهم لأخيه عنده، فلما استقر به الملك قراره عطف على العظماء وذوي الرياسة، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه.
ذكر ملك سابور بن سابورثم ملك سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسى. فاستبشرت الرعية بذلك وبرجوع ملك أبيه إليه، فلقيهم أحسن اللقاء، وكتب الكتب إلى العمال في حسن السيرة والرفق بالرعية، وأمر بمثل ذلك وزراءه وكتابه وحاشيته، وخطبهم خطبة بليغة، ولم يزل عادلاً على رعيته، متحنناً عليهم لما كان تبين من مودتهم ومحبتهم وطاعتهم، وخضع له عمه أردشير المخلوع، ومنحه الطاعة. وإن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب عليه في حجرة من حجره، فسقط عليه الفسطاط.
وكان ملكه خمس سنين.
ذكر ملك بهرام بن سابورثم ملك بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف. وكان يلقب كرمان شاه؛ وذلك أن أباه سابور كان ولاه في حياته كرمان، فكتب إلى قواده كتاباً يحثهم فيه على الطاعة، ويأمرهم بتقوى الله والنصيحة للملك، وبنى بكرمان مدينة، وكان حسن السياسة لرعيته، محموداً في أمره.
وكان ملكه إحدى عشرة سنة. وإن ناساً من الفتاك ثاروا إليه فقتله رجل منهم برمية رماها إياه بنشابة.
ذكر ملك يزدجرد الأثيمثم قام بالملك بعده يزدجرد الملقب بالأثيم، بن بهرام الملقب بكرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف.
ومن أهل العلم بأنساب الفرس من يقول: يزدجرد الأثيم هذا، هو أخو بهرام الملقب بكرمان شاه وليس بابنه، ويقول: هو يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف. وممن نسبه هذا النسب وقال هذا القول، هشام بن محمد.
وكان - فيما ذكر - فظاً غليظاً ذا عيوب كثيرة، وكان من أشد عيوبه وأعظمها - فيما قيل - وضعه ذكاء ذهن وحسن أدب كان له وصنوفاً من العلم قد مهرها وعلمها، غير موضعه، وكثرة رؤيته في الضار من الأمور، واستعمال كل ما عنده من ذلك، في المواربة والدهاء والمكايدة والمخاتلة، مع فطنة كانت بجهات الشر، وشدة عجبه بما عنده من ذلك، واستخفافه بكل ما كان في أيدي الناس من علم وأدب، واحتقاره له، وقلة اعتداده به، واستطالتة على الناس بما عنده منه. وكان مع ذلك غلقاً سيء الخلق، ردئ الطعمة جتى بلغ من شدة غلقه وحدته أن الصغير من الزلات كان عنده كبيراً، واليسير من السقطات عظيماً. ثم لم يقدر أحد - وإن كان لطيف المنزلة منه - أن يكون لمن ابتلى عنده بشيء من ذلك شفيعاً، وكان دهره كله للناس متهماً، ولم يكن يأتمن أحداً على شيء من الأشياء، ولم يكن يكافئ على حسن البلاء. وإن هو أولى الخسيس من العرف استجزل ذلك، وإن جسر على كلامه في أمر كلمه فيه رجل لغيره قال له: ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه ؟ وما أخذت عليه ؟ فلم يكن يكلمه في ذلك وما أشبهه إلا الوفود القادمون عليه من قبل ملوك الأمم. وإن رعيته إنما سلموا من سطوته وبليته، وما كان جمع من الخلال السيئة بتمسكهم بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم. وكانوا لسوء أدبه، ومخافة سطوته، متواصلين متعاونين، وكان من رأيه أن يعاقب كل من زل عنده وأذنب إليه من شدة العقوبة بما لايستطاع أن يبلغ منه مثلها في مدة ثلثمائة. وكان لذلك لا يقرعه بسوطٍ انتظاراً منه للمعاقبة له بما ليس وراءه افظع منه. وكان إذا بلغه أن أحداً من بطانته صافى رجلاً من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته .
وكان استوزر عند ولايته نرسى حكيم دهره. وكان نرسى كاملاً في أدبه، فاضلاً في جميع مذاهبه، متقدماً لأهل زمانه. وكانوا يسمونه مهر نرسى ومهرنرسه، ويلقب بالهزاربنده، فأملت الرعية بما كان منه أن ينزع عن أخلاقه، وأن يصلح نرسى منه، فلما استوى له الملك، اشتدت إهانته الأشراف والعظماء، وحمل على الضعفاء، وأكثر من سفك الدماء، وتسلط تسلطاً لم يبتل الرعية بمثله في أيامه. فلما رأى الوجوه والأشراف أنه لا يزداد إلا تتايعاًَ في الجور، اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه، وتضرعوا إلى ربهم، وابتهلوا إليه بالتعجيل إنقاذهم منه. فزعموا أنه كان بجرجان، فرأى ذات يوم في قصره فرساً عائراً - لم ير مثله في الخيل، في حسن صورة، وتمام خلق - أقبل حتى وقف على بابه، فتعجب الناس منه لأنه كان متجاوز الحال، فأخبر يزدجرد خبره، فأمر به أن يسرج ويلجم، ويدخل عليه، فحاول ساسته وصاحب مراكبه إلجامه وإسراجه، فلم يمكن أحداً منهم من ذلك، فأنهى إليه امتناع الفرس عليهم، فخرج ببدنه إلى الموضع الذي كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده، وألقى لبداً على ظهره، ووضع فوقه سرجاً، وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك، حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس. ويقال: إن الفرس ملأ فروجه جرياُ فلم يدرك ولم يوقف على السبب فيه، وخاضت الرعية بينها، وقالت: هذا من صنع الله لنا ورأفته بنا.
وكان ملك يزدجرد في قول بعضهم اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوماً. وفي قول آخرين إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.
ولما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن عدي في عهد سابور ابن سابور، استخلف سابور بن سابور على عمله أوس بن قلام في قول هشام. قال: وهو من العماليق من بني عمرو بن عمليق، فثار به جحجبي بن عتيك بن لخم فقتله، فكان جميع ولاية أوس خمس سنين، وهلك في عهد بهرام بن سابور ذي الأكتاف. واستخلف بعده في عمله امرؤ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو خمساً وعشرين سنة، وكان هلاكه في عهد يزدجرد الأثيم. ثم استخلف يزدجرد مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس البدء بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي، وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو فارس حليمة؛ وصاحب الخورنق.
وكان سبب بنائه الخورنق - فيما ذكر - أن يزدجرد الأثيم بن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف كان لا يبقى له ولد فولد له بهرام، فسأل عن منزل برى مرئ صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وأمره ببناء الخورنق مسكناً له، وأنزله إياه، وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب؛ وكان الذي بنى الخورنق رجلاً يقال له سنمار، فلما فرغ من بنائه تعجبوا من حسنه وإتقان عمله، فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري وتصنعون بي ما أنا أهله بنيته بناءً يدور مع الشمس حيثما دارت، فقال: وإنك لتقدر على أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه ! فأمر به فطرح من رأس الخورنق؛ ففي ذلك يقول أبو الطمحان القيني:
جزاء سنمارٍ جزاها، وربها ... وباللات والعزى جزاء المكفر
وقال سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ ... وحسن فعلٍ كما يجزى سنمار
وقال يزيد بن إياس النهشلي:
جزى الله كمالاً بأسوإ فعله ... جزاء سنمارٍ جزاءً موفرا
وقال عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي - وكان أهدى أفراساً إلى الحارث بن مارية الغساني، ووفد إليه فأعجبته وأعجب بعبد العزى وحديثه، وكان للملك ابن مسترضع في بنى الحميم بن عوف من بنى عبد ود، من كلب فنهشته حية، فظن الملك أنهم أغتالوه، فقال لعبد العزى: جئني بهؤلاء القوم، فقال: هم قوم أحرار، وليس لي عليهم فضل في نسب ولافعال، فقال: لتأتينى بهم أو لأفعلن ولأفعلن ! فقال: رجونا من حبائك أمراً حال دونه عقابك. ودعا ابنيه: شراحيل وعبد الحارث، فكتب معهما إلى قومه:
جزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمارٍ وما كان ذا ذنب
سوى رصه البنيان عشرين حجةً ... يعلى عليه بالقراميد والسكب
فلما رأى البنيان تم سموقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب
فأتهمه من بعد حرسٍ وحقبةٍ ... وقد هره أهل المشارق والغرب
وظن سنمارٌ به كل حبرةٍ ... وفاز لديه بالمودة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجه ... فهذا لعمر الله من أعجب الخطب
وما كان لي عند ابن جفنة فاعلموا ... من الذنب ما آلى يميناً على كلب
ليلتمسن بالخيل عقر بلادهم ... تحلل أبيت اللعن من قولك المزبى
ودون الذي منى ابن جفنة نفسه ... رجالٌ يردون الظلوم عن الشعب
وقد رامنا من قبلك المرء حارثٌ ... فغودر مسلولاً لدى الأكم الصهب
قال هشام: وكان النعمان هذا قد غزا الشأم مراراً، وأكثر المصائب في أهلها، وسبى وغنم، وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه، وأبعدهم مغاراً فيهم، وكان ملك فارس جعل معه كتيبتين: يقال لإحداهما: دوسر، وهي لتنوخ، وللأخرى: الشهباء، وهي لفارس، وهما اللتان يقال لهما: القبيلتان، فكان يغزو بهما بلاد الشام ومن لم يدن له من العرب .
قال فذكر لنا - والله أعلم - أنه جلس يوماً في مجلسه من الخورنق، فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، وهو على متن النجف، في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر قط ! فقال: لا، لو كان يدوم ! قال: فما الذي يدوم ؟ قال: ما عند الله في الآخرة، قال: فبم ينال ذاك ؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله والتماس ما عنده؛ فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح، وخرج مستخفياً هارباً لا يعلم به، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه؛ فلم يؤذن لهم عليه كما كان يفعل، فلما أبطأ الإذن عليهم، سألوا عنه فلم يجدوه، وفي ذلك يقول عدى بن زيد العبادى:
وتفكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً وللهدى تبصير
سره حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضٌ والدير
فارعوى قلبه فقال وما غب ... طة حيٍ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والإمة ... وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورقٌ جف ... فألوت به الصبا والدبور
فكان ملك النعمان إلى أن ترك ملكه وساح في الأرض تسعاً وعشرين سنة وأربعة أشهر.
قال ابن الكلبي: من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة.
وأما العلماء من الفرس بأخبارهم وأمورهم فإنهم يقولون في ذلك ما أنا ذاكره .
ذكر ملك بهرام جورثم ملك بعد يزدجرد الأثيم ابنه بهرام جور بن يزدجرد الخشن ابن بهرام كرمان شاه بن سابور ذي الأكتاف. وذكر أن مولده كان هرمز دروز فرور دين ماه، لسبع ساعات مضين من النهار. فإن أباه يزدجرد دعا ساعة ولد بهرام ممن كان ببابه من المنجمين، فأمرهم بإقامة كتاب مولده وتبنيه بياناً يدل على الذي يئول إليه كل أمره، فقاسوا الشمس ونظروا في مطالع النجوم، ثم أخبروا يزدجرد أن الله مورثٌ بهرام ملك أبيه، وأن رضاعه بغير أرض يسكنها الفرس، وأن من الرأى أن يربى بغير بلاده، فأجال يزدجرد الرأى في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من بابه من الروم أو العرب أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس، فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته؛ فدعا بالمنذر ابن النعمان، واستحضنه بهرام، وشرفه وأكرمه، وملكه على العرب، وحباه بمرتبتين سنيتين، تدعى إحداهما: رام أبزوذ يزدجرد، وتأويله زاد سرور يزدجرد، والأخرى تدعى بمهشت، وتأويلها أعظم الخول، وأمر له بصلة وكسوة بقدر استحقاقه لذلك في منزلته، وأمره أن يسير بهرام إلى بلاد العرب.
فسار به المنذر إلى محلته منها، واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة، وأذهان ذكية، وآداب رضية؛ من بنات الأشراف؛ منهن امرأتان من بنات العرب، وامرأة من بنات العجم، وأمر لهن بما أصلحهن من الكسوة والفرش والمطعم والمشرب وسائر ما احتجن إليه، فتداولنا رضاعه ثلاث سنين، وفطم في السنة الرابعة، حتى إذا أتت له خمس سنين، قال للمنذر: أحضرني مؤد بين ذوي علم، مدربين بالتعليم؛ ليعلموني الكتابة والرمي والفقه. فقال له المنذر: إنك بعد صغير السن، ولم يأن لك أن تأخذ في التعليم؛ فالزم ما يلزم الصبيان الأحداث، حتى تبلغ من السن ما يطيق التعلم والتأدب، وأحضر من يعلمك كل ما سألت تعلمه. فقال بهرام للمنذر: أنا لعمري صغير، ولكن عقلي عقل محتنك، وأنت كبير السن وعقلك عقل ضرع. أما تعلم أيها الرجل؛ أن كل ما يتقدم في طلبه ينال في وقته، وما يطلب في وقته ينال في غير وقته، وما يفرط في طلبه يفوت فلا ينال ! وإني من ولد الملوك، والملك صائر إلي بإذن الله، وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم؛ لأنه لهم زين، ولملكهم ركن به يقوون. فعجل علي بمن سألتك من المؤدبين.
فوجه المنذر ساعة سمع مقالة بهرام هذه إلى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس، ومعلمي الرمي والفروسية ومعلمي الكتابة وخاصة ذوي الأدب، وجمع له حكماء من حكماء فارس والروم، ومحدثين من العرب، فألزمهم بهرام، ووقت لأصحاب كل مذهب من تلك المهن وقتاً يأتونه فيه؛ وقدر لهم قدراً يفيدونه ما عندهم، فتفرغ بهرام لتعلم كل ما سأل أن يتعلم، وللاستماع من أهل الحكمة وأصحاب الحديث، ووعى كل ما استمع، وثقف كل ما علم بأيسر تعليم. وألفي بعد أن بلغ اثنتي عشرة سنة، وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه، وفاق معلميه ومن حضره من أهل الأدب؛ حتى اعترفوا له بفضله عليهم.
وأثاب بهرام المنذر ومعلميه، وأمرهم بالانصراف عنه، وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده؛ ليأخذ عنهم كل ما ينبغي له التدرب به، والإحكام له؛ ثم دعا بهرام بالنعمان بن المنذر، وأمره أن يؤذن العرب بإحضار خيلهم من الذكور والإناث على أنسابها، فأذن النعمان للعرب بذلك، وبلغ المنذر الذي كان من رأى بهرام في اختيار الخيل لمركبه، فقال لبهرام: لا تجشمن العرب إجراء خيلهم؛ ولكن مر من يعرض الخيل عليك، واختر منها رضاك، وارتبطه لنفسك. فقال له بهرام: قد أحسنت القول؛ ولكني أفضل الرجال سؤدداً وشرفاً، وليس ينبغي أن يكون مركبي إلا أفضل الخيل، وإنما يعرف فضل بعضها على بعض بالتجربة؛ ولا تجربة بلا إجراء.
فرضي المنذر مقالته، وأمر النعمان العرب فأحضروا خيولهم، وركب بهرام والمنذر لحضور الحلبة، وسرحت الخيل من فرسخين، فبدر فرس أشقر للمنذر تلك الخيل جميعاً سابقاً، ثم أقبل بعده بقيتها بداد بداد من بين فرسين تاليين، أو ثلاثة موزعة، أو سكيتاً. فقرب المنذر بيده ذلك الأشقر إلى بهرام، وقال: يبارك الله لك فيه، فأمر بهرام بقبضه وعظم سروره به، وتشكر للمنذر.
وإن بهرام ركب ذات يوم الفرس الأشقر الذي حمله عليه المنذر إلى الصيد، فبصر بعانة، فرمى عليها وقصد نحوها؛ فإذا هو بأسد قد شد على عير كان فيها، فتناول ظهره بفيه ليقصمه ويفترسه، فرماه بهرام رمية في ظهره، فنفذت النشابة من بطنه وظهر العير وسرته حتى أفضت إلى الأرض. فساخت فيها إلى قريب من ثلثيها، فتحرك طويلاً، وكان ذلك بمشهد ناس من العرب وحرس بهرام وغيرهم. فأمر بهرام فصور ما كان منه في أمر الأسد والعير في بعض مجالسه.
ثم إن بهرام أعلم المنذر أنه على الإلمام بأبيه، فشخص إلى أبيه، وكان أبوه يزدجرد لسوء خلقه لا يحفل بولد له، فاتخذ بهرام للخدمة، فليقي بهرام من ذلك عناء.
ثم إن يزدجرد وفد عليه أخ لقيصر، يقال له ثياذوس، في طلب الصلح والهدنة لقيصر والروم، فسأله بهرام أن يكلم يزدجرد في الإذن له في الانصراف إلى المنذر، فانصرف إلى بلاد العرب، فأقبل على التنعم والتلذذ.
وهلك أبوه يزدجرد وبهرام غائب، فتعاقد ناس من العظماء وأهل البيوتات إلا يملكوا أحداً من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، وقالوا: إن يزدجرد لم يخلف ولداً يحتمل الملك غير بهرام، ولم يل بهرام ولاية قط يبلى بها خبره، ويعرف بها حاله، ولم يتأدب بأدب العجم؛ وإنما أدبه أدب العرب، وخلقه كخلقهم، لنشئه بين أظهرهم. واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك، يقال له كسرى، ولم يقيموا أن ملكوه. فانتهى هلاك يزدجرد والذي كان من تمليكهم كسرى إلى بهرام وهو ببادية العرب، فدعا بالمنذر والنعمان ابنه، وناسٍ من علية العرب، وقال لهم: إني لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي؛ كان أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه كان عليكم، مع فظاظته وشدته كانت على الفرس؛ وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه، وتمليك الفرس من ملكوا عن تشاور منهم في ذلك.
فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه. وإن المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب، ووجههم مع ابنه إلى طيسبون وبهأردشير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قريباً منهما ويدمن إرسال طلائعه إليهما، فإن تحرك أحد لقتاله قاتله وأغار على ما والاهما، وأسر وسبى؛ ونهاه عن سفك الدماء. فسار النعمان حتى نزل قريباً من المدينتين، ووجه طلائعه إليهما، واستعظم قتال الفرس. وإن من بالباب من العظماء وأهل البيوتات أوفدوا جوانى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر، وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان، فلما ورد جوانى على المنذر وقرأ الكتاب الذي كتب إليه، قال له: الق الملك بهرام، ووجه معه من يوصله إليه فدخل جوانى على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه، وأغفل السجود دهشاً، فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه، فكلمه بهرام ووعده من نفسه أحسن الوعد، ورده إلى المنذر، وأرسل إليه أن يجيب في الذي كتب، فقال المنذر لجوانى: قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني به؛ وإنما وجه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه الله بعد أبيه، وخوله إياكم.
فلما سمع جوانى مقالة المنذر، وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه، وأن جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج، قال للمنذر: إني لست محيراً جواباً، ولكن سر إن رأيت إلى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من العظماء وأهل البيوتات، وتشاوروا في ذلك. وأت فيه ما يجمل؛ فإنهم لن يخالفوك في شيء مما تشير به.
فرد المنذر جوانى إلى من أرسله إليه، واستعد وسار بعد فصول جوانى من عنده بيومٍ ببهرام في ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إلى مدينتي الملك؛ حتى إذا وردهما، أمر فجمع الناس، وجلس بهرام على منبرٍ من ذهب مكلل بجوهر، وجلس المنذر عن يمينه، وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات، وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت، وسوء سيرته، وأنه أخرب بسوء رأيه الأرض، وأكثر القتل ظلماً، حتى قد قتل الناس في البلاد التي كان يملكها، وأموراًغير ذلك فظيعة. وذكروا أنهم إنما تعاقدوا وتواثقوا على صرف الملك عن ولد يزدجرد لذلك، وسألوا المنذر ألا يجبرهم في أمر الملك على ما يكرهونه.
فوعى المنذر ما بثوا من ذلك، وقال لبهرام: أنت أولى بإجابة القوم مني. فقال بهرام: إني لست أكذبكم معشر المتكلمين في شيء مما نسبتم إليه يزدجرد لما استقر عندي من ذلك، ولقد زارياً عليه لسوء هديه، ومتنكباً لطريقه ودينه، ولم أزل أسأل الله أن يمن علي بالملك، فأصلح كل ما أفسد، وأرأب ما صدع؛ فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم بهذه الأمور التي عددت لكم تبرأت من الملك طائعاً، وقد أشهدت بذلك علي الله وملائكته وموبذان موبذ. وليكن هو فيها حكماً بيني وبينكم. وأنا مع الذي بينت على ما أعلمكم من رضاي بتمليككم من تناول التاج والزينة؛ من بين أسدين ضاريين مشبلين، فهو الملك.
فلما سمع القول مقالة بهرام هذه، وما وعد من نفسه، استبشروا بذلك، وانبسطت آمالهم، وقالوا فيما بينهم: إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام؛ مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب؛ ولكن نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته، فإن يكن على ما وصف به نفسه، فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه، والسمع والطاعة له، وإن يهلك ضعفاً ومعجزة، فنحن من هلكته براء، ولشره وغائلته آمنون.
وتفرقوا على هذا الرأي، فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام، وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس، وحضره من كان يحاده. فقال لهم: إما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس، وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة. فقال القوم: أما نحن، فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى، ولم نر منه إلا ما نحب؛ ولكن قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاج والزينة كما ذكرت بين أسدين، وتتنازعانهما أنت وكسرى، فأيكما تناولها من بينهما، سلمنا له الملك.
فرضي بهرام بمقالتهم، فأوتي بالتاج والزينة موبذان موبذ، الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك، فوضعهما في ناحية، وجاء بسطام أصبهبذ، بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين، فوقف أحداهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة، والآخر بحذائه، وأرخى وثاقهما، ثم قال بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة. فقال كسرى: أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني؛ لنك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه مغتصب. فلم يكره بهرام قوله، لثقته كانت ببطشه وقوته، وحمل جرزاً، وتوجه نحو التاج والزينة، فقال له موبذان موبذ: استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه؛ إنما هو تطوع منك، لا عن رأي أحدٍ من الفرس، ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك. فقال بهرام: أنتم من ذلك برآء، ولا وزر عليكم فيه. ثم أسرع نحو الأسدين ،فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما، هتف به وقال: بح بذنوبك، وتب منهما، ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدم، فباح بهرام بما سلف من ذنوبه، ثم مشى نحو الأسدين، فبدر إليه أحدهما، فلما دنى من بهرام وثب وثبة، فعلا ظهره، وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصراً أثخنه، وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمله، ثم شد الأسد الآخر عليه، فقبض على أذنيه، وعركهما بكلتا يديه، فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله: وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل.
فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة، فكان كسرى أول من هتف به، وقال: عمرك الله بهرام ! الذي من حوله سامعون، وله مطيعون، ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة. ثم هتف به جميع الحضر، وقالوا: قد أذعنا للملك بهرام، وخضعنا له ورضينا به ملكاً. وأكثروا الدعاء له. وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم، وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره، والصفح والتجاوز عنهم، فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك، واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه، فأسعفه بهرام فيما سأل، وبسط آمالهم.
وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة، وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعةً، وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية، يعدهم الخير من نفسه، ويأمرهم بتقوى الله وطاعته .
ثم لم يزل بهرام حيث ملك مؤثراً للهو على ما سواه، حتى كثرت ملامة رعيته إياه على ذلك، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده، والغلبة على ملكه؛ وكان أول من سبق إلى المكاثرة له عليه خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتين وخمسين ألف رجل من الترك، فبلغ الفرس إقبال خاقان في جمع عظيم إلى بلادهم، فتعاظمهم ذلك وهالهم، ودخل عليه من عظمائهم أناس لهم رأى أصيل، وعندهم نظر للعامة، فقالوا له: إنه قد أزمك أيها الملك من بائقه هذا العد وما قد شغلك عما أنت عليه من اللهو والتلذذ، فتأهب له كيلا يلحقنا منه أمرٌ يلزمك فيه مسبة وعار. فقال لهم بهرام: إن الله ربنا قوي ونحن أولياؤه. ولم يزدد إلا مثابرة على اللهو والتلذذ والصيد .
====================================================5.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
وإنه تجهز فسار إلى أذربيجان لينسك في بيت نارها، ويتوجه منها إلى أرمينية، ويطلب الصيد في آجامها، ويلهو في مسيره في سبع رهط من العظماءء وأهل البيوتات، وثلثمائة رجل من رابطته ذوي بأس ونجدة، واستخلف أخاً له يسمى نرسي على ما كان يدبر من ملكه. فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن سار واستخلافه أخاه في أن ذلك هربٌ من عدوه، وإسلام لملكه؛ وتآمروا في إنفاذ وفد إلى خاقان، والإفرار له بالخراج، مخافةً منه لاستباحة بلادهم، واصطلامه مقاتلتهم إن هم لم يذعنوا له بذلك. فبلغ خاقان الذي أجمع عليه الفرس من الانقياد والخضوع له، فآمن ناحيتهم، وأمر جنده بالتورع، فأتى بهرام عينٌ كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان، فأخبره بأمر خاقان وعزمه، فسار إليه بهرام في العدة الذين كانوا مهعه فبيته، وقتل خاقان بيده، وأفشى القتل في جنده، وانهزم من سلم من القتل منهم، ومنحوه أكتافهم، وخلفوا عسكرهم وذراريهم وأثقالهم، وأمعن بهرام في طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم، ويسبي ذراريهم. وانصرف وجنده سالمين، وظفر بهرام بتاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاده من بلاد الترك، واستعمل على ما غلب عليه منها مرزباناً حباه سريراً من فضة، وأتاه أناس من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عليه من بلاد الترك خاضعين باخعين له بالطاعة، وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه، فحد لهم حداً، وأمر فبنيت منارة، وهي المنارة التي أمر بها فيروز الملك ابن يزدجرد، فقد مت إلى بلاد الترك، ووجه بهرام قائداً من قواده إلى ما وراء النهر منهم، وأمره بقتالهم فقاتلهم وأثخنهم، حتى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية .
وإن بهرام انصرف إلى أذربيجان، راجعاً إلأى محلته من السواد، وأمر بما كان في إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجوهر، فعلق على بيت نار آذربيجان، ثم سار وورد مدينة طيسبون، فنزل دار المملكة بها، ثم كتب إلى جنده وعماله بقتله خاقان، وما كان من أمره وأمر جنده. ثم ولى أخاه نرسي خراسان، وأمره أن يسير إليها وينزل بلخ، وتقدم إليه بما أراد.
ثم إن بهرام سار في آخر ملكه إلى ماء للصيد بها، فركب ذات يوم للصيد، فشد على عير، وأمعن في طلبه، فارتطم في جب، فغرق، فبلغ والدته فسارت إلأى ذلك الجب بأموال عظيمة، وأقامت قريبة منه، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه منه، فنقلوا من الجب طيناً كثيراً وحمأةً. حتى جمعوا من ذلك آكاماً عظاماً، ولم يقدروا على جثة بهرام.
وذكر أن بهرام لما انصرف إلى مملكته من غزوه الترك، خطب أهل مملكته أياماً متوالية، حثهم في خطبته على لزوم الطاعة، وأعلمهم أن نيته التوسعة عليهم، وإيصال الخير إليهم، وأنهم إن زالوا عن الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه، وأن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة، فجحدوا ذلك أو من جحده منهم، ولم يخضعوا له خضوع الخول والعبيد للملوك، فأصاره ذلك إلى الغلظة وضرب الأبشار وسفك الدماء. وإن انصراف بهرام من غزوه ذلك كان على طريق أذربيجان، وإنه نحل بيت نار الشيز ما كان في إكليل خاقان من اليواقيت والجوهر وسيفاً كان لخاقان مفصصاً بدر وجوهر وحلية كثيرة، وأخدمه خاتون امرأة خاقان، ورفع عن الناس الخراج لثلاث سنين شكراً على ما لقي من النصر في وجهه، وقسم في الفقراء والمساكين مالاً عظيماً، وفي البيوتات وذوى الأحساب عشرين ألف ألف درهم، وكتب بخبر خاقان إلى الآفاق كتباً، يذكر فيها أن الخبر ورد عليه بورود خاقان بلاده، وأنه مجد الله وعظمه وتوكل عليه، وسار نحوه في سبعة رهط من أهل البيوتات، وثلثمائة فارس من نخبة رابطته على طريق أذربيجان وجبل القبق، حتى نفذ على براري خوارزم ومفازها، فأبلاه الله أحسن بلاء، وذكر لهم ما وضع عنهم من الخراج، وكان كتابه في ذلك كتاباً بليغاً.
وقد كان بهرام حين أفضى إليه الملك أمر أن يرفع عنأهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج، فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم، فأمر بتركها وبترك ثلث خراج السنة التي ولي فيها.
وقيل إن بهرام جور لما انصرف إلى طيسبون من مغزاه خاقان التركي، ولى نرسي أخاه خراسان، وأنزله بلخ، واستوزر مهر نرسي بن برازة، وخصه وجعله بزرجفرمذار، وأعلمه أنه ماضٍ إلى بلاد الهند، ليعرف أخبارها، والتلطف لحيازة بعض مملكة أهلها إلى مملكته؛ ليخفف بذلك بعض مؤونة عن أهل مملكته، وتقدم إليه بما أراد التقدم إليه فيما خلفه عليه إلى أوان انصرافه، وأنه شخص من مملكته حتى دخل أرض الهند متنكراً، فمكث بها حيناً لا يسأله أحدٌ من أهلها عن شيء من أمره غير ما يرون من فروسيته وقتله السباع، وجماله وكمال خلقه ما يعجبون منه. فلم يزل كذلك حتى بلغه أن في ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل، وقتل ناساً كثيراً؛ فسأل بعضهم أن يدله عليه ليقتله، وانتهى أمره إلى الملك فدعا به، وأرسل معه رسولاً ينصرف إليه بخبره. فلما انتهى بهرام والرسول إلى الأجمة التي فيها الفيل، رقي الرسول إلى شجرة لينظر إلى صنع بهرام. ومضى بهرام ليستخرج الفيل، فصاح به، فخرج إليه مزبداً وله صوت شديد، ومنظر هائل، فلما قرب من بهرام رماه رميةً وقعت بين عينيه حتى كادت تغيب، ووقذه بالنشاب، حتى بلغ منه، ووثب عليه فأخذه بمشفره، فاجتذبه جذبة جثا لها الفيل على ركبتيه، فلم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه، فاحتز رأسه وحمله الرسول حتى أخرجه إلى الطريق، ورسول الملك ينظر إليه. فلما انصرف الرسول اقتص خبره على الملك، فعجب من شدته وجرأته. وحباه حباء عظيماً. واستفهمه أمره. فقال له بهرام: أنا رجل من عظماء الفرس، وكان ملك الفرس سخط علي في شيء فهربت منه إلى جوارك، وكان لذلك الملك عدو قد نازعه ملكه، وسار إليه بجنود عظيمة، فاشتد وجل الملك صاحب بهرام منه لما كان يعرف من قوته، وأراده على الخضوع له وحمل الخراج إليه، وهم صاحب بهرام بإجابته إلى ذلك، فنهاه بهرام عن ذلك، وضمن له كفاية أمره، فسكن إلى قوله، وخرج بهرام مستعداً له، فلما التقوا قال لأساورة الهند: احرسوا ظهري. ثم حمل عليهم فجعل يضرب الرجل على رأسه فتنتهي ضربته إلى فمه، ويضرب وسط الرجل فيقطعه باثنين، ويأتي الفيل فيقد مشفره بالسيف، ويحتمل الفارس عن سرجه - والهند قوم لا يحسنون الرمي، وأكثرهم رجالة لا دواب لهم - وكان بهرام إذا رمى أحدهم أنفذ السهم فيه، فلما عاينوا منه ما عاينوا، ولوا منهزمين لا يلوون على شيء، وغنم صاحب بهرام ما كان في عسكر عدوه، وانصرف محبوراً مسروراً، ومعه بهرام، فكان في مكافأته إياه أن أنكحه ابنته، ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند، وكتب له بذلك كتاباً، وأشهد له على نفسه شهوداً، وأمر بتلك البلاد حتى ضمت إلى أرض العجم، وحمل خراجها إلى بهرام، وانصرف بهرام مسروراً.
ثم إنه أغزى مهر نرسي بن بزارة بلاد الروم في أربعين ألف مقاتل، وأمره أن يقصد عظيمها، ويناظره في أمر الإتاوة وغيرها؛ مما لم يكن يقوم بمثله إلا مثل مهر نرسي، فتوجه في تلك العدة، ودخل القسطنطينية، وقام مقام مشهوراً، وهادنه عظيم الروم، وانصرف بكل الذي أراد بهرام، ولم يزل لمهر نرسي مكرماً، وربما خفف اسمه فقيل نرسي وربما قيل مهرنرسه، وهو مهر نرسي بن برازة بن فرخزاد بن خورهباذ بن سيسفاذ ابن سيسنابروه بن كي أشك بن دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب.
وكان مهر نرسي معظماً عند جميع ملوك فارس بحسن أدبه، وجودة آرائه، وسكون العامة إليه، وكان له أولاد مع ذلك قد قاربوه في القدر، وعملوا للملوك من الأعمال ما كادوا يلحقون بمرتبته؛ وإن منهم ثلاثة قد كانوا برزوا: أحدهم زروانداذ؛ كان مهر نرسي قصد به للدين والفقه، فأدرك من ذلك أمراً عظيماً، حتى صيره بهرام جور هربذان هربذ، مرتبة شبيهة بمرتبة موبذان موبذ. وكان يقال للآخر: ما جشنس، ولم يزل متولياً ديوان الخراج أيام بهرام جور. وكان اسم مرتبته بالفارسية راستراي وشانسلان. وكان الثالث اسمه كارد صاحب الجيش الأعظم، واسم مرتبته بالفارسية أسطران سلار؛ وهذه مرتبة فوق مرتبة الإصبهذ تقارب مرتبة الأرجبذ، وكان اسم مهر نرسي بمرتبته بالفارسية بزر جفر ماندار؛ وتفسيره بالعربية وزير الوزراء، أو رئيس الرؤساء. وقيل إنه كان من قرية يقال لها إبروان من رستاق دشتبارين من كورة أردشير خرة، فابتنى فيه وفي جره من كورة سابور لاتصال ذلك ودشتبارين أبنية رفيعة، واتخذ فيها بيت نار - هو باق فيما ذكر إلى اليوم. وناره توقد إلى هذه الغاية - يقال لها مهر نرسيان، واتخذ بالقرب من إبروان أربع قرى، وجعل في كل واحدة منها بيت نار؛ فجعل واحداً منها لنفسه، وسماه فراز مرا آور خذايان، وتفسير ذلك: أقبلي إلى سيدتي. وعلى وجهه التعظيم للنار، وجعل الآخر لزراونداذ، وسماه زراونداذان، والآخر لكارد وسماه كارداذان، والآخر لماجشنس، وسماه ماجشنسفان، واتخذ في هذه الناحية ثلاث باغات، جعل في كل باغ منها اثنتي عشرة ألف نخلة، وفي باغ اثني عشر ألف أصل زيتون، وفي باغ اثنتي عشرة ألف سروة، ولم تزل هذه القرى والباغات وبيوت النيران في يد قوم من ولده معروفين إلى اليوم؛ وإن ذلك - فيما ذكر - إلى اليوم باقٍ على أحسن حالاته.
وذكر أن بهرام بعد قراغه من أمر خاقان وأمر ملك الروم، مضى إلى بلاد السودان من ناحية اليمن، فأوقع بهم؛ فقتل منهم مقتلة عظيمة. وسبى منهم خلقاً، ثم انصرف إلى مملكته، ثم كان من أمر هلاكه ما قد وصفت.
واختلفوا في مدة ملكه، فقال بعضهم: كان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً. وقال آخرون كان ملكه ثلاثاً وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً.
ذكر ملك يزدجرد بن بهرام جورثم قام الملك من بعده يزدجرد بن بهرام جور. فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه العظماء والأشراف، فدعوا له وهنئوه بالملك، فرد عليهم رداً حسناً، وذكر أباه ومناقبه، وما كان منه إلى الرعية، وطول جلوسه كان لها، وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه مثل الذي كانوا يعهدونه من أبيه، فلا ينبغي لهم أن يستنكروه؛ فإن خلواته إنما تكون في مصلحة للمملكة وكيد الأعداء، وأنه قد استوزر مهر نرسي بن برازة صاحب أبيه، وأنه سائر فيهم بأحسن السيرة، ومستن لهم أفضل السنن، ولم يزل قامعاً لعدوه، رءوفاً برعيته وجنوده، محسناً إليهم.
وكان له ابنان: يقال لأحدهما هرمز، وكان ملكاً على سجستان، والآخر يقال له فيروز؛ فغلب هرمز على الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة، وأخبر ملكها بقصته وقصه هرمز أخيه، وأنه أولى بالملك منه، وسأله أن يمده بجيش يقاتل بهم هرمز، ويحتوي على ملك أبيه، فأبى ملك الهياطلة أن يجيبه إلى ما سأل من ذلك؛ حتى أخبر أن هرمز ملك ظلوم جائر فقال ملك الهياطلة: إن الجور لا يرضاه الله، ولا يصلح عمل أهله، ولا يستطاع أن ينتصف ويحترف في ملك الملك الجائر إلا بالجور والظلم. فأمد فيروز بعد أن دفع إليه الطالقان بجيش، فأقبل بهم وقاتل هرمز أخاه فقتله، وشتت جمعه ،وغلب على الملك.
وكان الروم التاثوا على يزدجرد بن بهرام في الخراج الذي كانوا يحملونه إلى أبيه، فوجه إليهم مهر نرسي بن برازة، وفي مثل العدة التي كان بهرام وجهه إليهم عليها، فبلغ له إرادته.
وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر في قول بعضهم وفي قول آخرين سبع عشرة سنة.
ذكر ملك فيروز بن يزدجردثم ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، بعد أن قتل أخاه وثلاثة نفر من أهل بيته.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال:: استعد فيروز من خراسان، واستنجد بأهل طخارستان وما يليها، وسار إلى أخيه هرمز بن يزدجرد، وهو بالري - وكان أمهما واحدة، واسمها دينك، وكانت بالمدائن تدبر ما يليها من الملك - فظفر فيروز بأخيه فحبسه، وأظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتدين، وقحط الناس في زمانه سبع سنين، فأحسن تدبير ذلك، الأمر حتى قسم ما في بيوت الأموال، وكف عن الجباية، وساسهم أحسن السياسة؛ فلم يهلك في تلك السنين أحدٌ ضياعاً إلا رجل واحد.
وسار إلى قومٍ كانوا قد غلبوا على طخارستان يقال لهم الهياطلة، وقد كان قوادهم في أول ملكه لمعونتهم إياه على أخيه، وكانوا - فيما زعموا - يعملون عمل قوم لوط فلم يستحل ترك البلاد في أيديهم، فقاتلهم فقتلوه في المعركة، وأربعة بنين له، وأربعة أخوة، كلهم كان يتسمى بالملك، وغلبوا على عامة خراسان حتى سار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا من أهل شيراز، وكان فيهم عظيماً، فخرج فيمن تبعه شبه المحتسب المتطوع حتى لقي صاحب الهياطلة، فأخرجه من بلاد خراسان، فافترقا على الصلح؛ ورد ما لم يضع مما في عسكر فيروز من الأسراء والسبي. وملك سبعاً وعشرين سنة.
وقال غير هشام من أهل الأخبار: كان فيروز ملكاً محدوداً محارفاً مشئوماً على رعيته، وكان جل قوله وفعله فيما هو ضرر وآفة عليه وعلى أهل مملكته. وإن البلاد قحطت في ملكه سبع سنين متوالية، فغارت الأنهار والقنى والعيون، وقحلت الأشجار والغياض، وهاجت عامة الزروع والآجام في السهل والجبل من بلاده، وموتت فيها الطير والوحوش، وجاعت الأنعام والدواب؛ حتى كانت لا تقدر أن تحمل حمولة، وقل ماء دجلة، وعم أهل بلاده اللزبات والمجاعة والجهد والشدائد.
فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية، ولا نائبة ولا سخرة، وأن قد ملكهم أنفسهم، ويأمرهم بالسعى فيما يقوتهم ويقيمهم، ثم أعاد الكتاب إليهم في إخراج كل من كان له منهم مطمورة أو هرى أو طعام أو غيره؛ مما يقوت الناس، والتآسي فيه، وترك الاستئثار فيه؛ وأن يكون حال أهل الغنى والفقر وأهل الشرف والضعة في التآسى واحداً. وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنسياً مات جوعاً عاقب أهل المدينة، أو أهل القرية، أو الموضع الذي يموت فيه ذلك الأنسي جوعاً، ونكل بهم أشد النكاال.
فساس فيروز رعيته في تلك اللزبة والمجاعة سياسة لم يعطب أحد منهم جوعاً؛ ما خلا رجلاً واحداً من رستاق كورة أردشير خرةٌ، يدعى بديه فتعظم ذلك عظماء الفرس، وجميع أهل أردشير خرة وفيروز، وأنه ابتهل إلى ربه في نشر رحمته له ولرعيته، وإنزال غيثه عليهم؛ فأغاثه الله، وعادت بلاده في كثرة المياه على ما كانت تكون عليه، وصلحت الأشجار.
وإن فيروز أمر فبنيت بالرى مدينة، وسماها رام فيروز، وفيما بين جرجان وباب صول مدينة، وسماها روشن فيروز، وبناحية أذربيجان مدينة وسماها شهرام فيروز.
ولما حييت بلاد فيروز، واستوثق له الملك، وأثخن في اعدائه وقهرم، وفرغ من بناء هذه المدن الثلاث، سار بجنوده نحو خراسان مريداً حرب إخشنوار ملك الهياطلة؛ فلما بلغ إخشنوار خبره اشتد منه رعبه. فذكر أن رجلاً من أصحاب إخشنوار بذل له نفسه، وقال له: اقطع يديَّ ورجليَّ، وألقنى على طريق فيروز، وأحسن إلى ولدي وعيالي - يريد بذلك فيما ذكر الاحتيال لفيروز - ففعل ذلك إخشنوار بذلك الرجل، وألقاه على طريق فيروز، فلما مر به أنكر حاله وسأله عن أمره، فأخبره أن إخشنوار فعل ذلك به لأنه قال له: لا قوام لك بفيروز وجنود الفرس. فرق له فيروز ورحمه، وأمر بحملة معه، فأعلمه على وجه النصح منه له - فيما زعم - أنه يدله وأصحابه على طريق مختصر لم يدخل إلى ملك الهياطلة منه أحد، فاغتر فيروز بذلك منه، وأخذ بالقوم في الطريق الذي ذكره له الأقطع، فلم يزل يقطع بهم مفازة بعد مفازة، فكلما شكوا عطشاً أعلمهم أنهم قد قربوا من الماء ومن قطع المفازة؛ حتى إذا بلغ بهم موضعاً علم أنهم لا يقدرون فيه على ما تقدم ولا تأخر، بين لهم أمره، فقال أصحاب فيروز لفيروز: قد كنا حذرناك هذا أيها الملك فلم تحذر؛ فأما الآن فلا بد من المضى قدماً حتى نوافى القوم على الحالات كلها. فمضوا لوجوهم، وقتل العطش أكثرهم، وصار فيروز بمن نجا معه إلى عدوهم، فلما أشرفوا عليهم على الحال التي هم فيها دعوا إخشنوار إلى الصلح، على أن يخلى سبيلهم؛ حتى ينصرفوا إلى بلادهم، على أن يجعل فيروز له عهد الله وميثاقة ألا يغزوهم ولا يروم أرضهم، ولا يبعث إليهم جنداً يقاتلونهم، ويجعل بين مملكتها حداً لا يجوزه. فرضى إخشنوار بذلك، وكتب له به فيروز كتاباً مختوماً، وأشهد له على نفسه شهوداً، ثم خلى سبيله وانصرف.
فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة إخشنوار، فغزاه بعد أنم نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك؛ لما فيه من نقض العهد، فلم يقبل منهم وأبى إلا ركوب رأيه، وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبى رأيه، يقال له مز دبوذ، فلما رأى مز دبوذ لجاجته، كتب ما دار بينهما في صحيفة، وسأله الختم عليها، ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد إخشنوار، وقد كان إخشنوار حفر خندقاً بينه وبين بلاد فيروز عظيماً، فلما انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر، ونصب عليها رايات جعلها أعلاماً له ولأصحابه في انصرافهم، وجاز إلى القوم، فلما التقى بعسكرهم احتج عليه إخشنوار بالكتاب الذي كتبه له، ووعظه بعهده وميثاقه، فأبى فيروز إلا لجاجاً ومحكاً وتواقفاً، فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاماً طويلاً، ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب، وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم؛ للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة، وأخرج إخشنوار الصحيفة التي كتبها له فيروز، فرفعها على رمح وقال: اللهم خذ بما في هذا الكتاب. فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات، وسقط في الخندق، فهلك، وأخذ إخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه، وأصحاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط.
وكان بسجستان رجل من أهل كورة أردشير خرة من الأعاجم، ذو علم وبأس وبطش، يقال له: سوخرا، ومعه جماعة من الأساورة، فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته، فأغذ السير حتى انتهى إلى إخشنوار، فأرسل إليه وآذنه بالحرب، وتوعده بالجائحة والبوار؛ فبعث إليه إخشنوار جيشاً عظيماً. فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين، فيقال: إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عينى فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه، فسقط الفرس، وتمكن سوخرا من راكبه، فاستبقاه وقال له: انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رأيت، فانصرفوا إلى إخشنوار، وحملوا الفرس معم، فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا: أن سل حاجتك، فقال له: حاجتى أن ترد على الديوان، وتطلق الأسرى. ففعل ذلك، فلما صار الديوان في يده، واستنفذ الأسرى، استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت مع فيروز، فكتب إلى إخشنوار أنه غير منصرف إلا بها. فلما تبين الجد؛ افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال، وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس، فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره، وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك.
وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسى بن ويسابور بن قارن ابن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس ابن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر.
وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر إخشنوار نحواً مما ذكرت؛ غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجهاً إلى إخشنوار، استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير - وكانتا محلة الملوك - سوخرا هذا، قال: وكان بقال لمرتبته قارن، وكان يلي معهما سجستان. وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك؛ لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدى لها؛ وكان فيروز عاهد إخشنوار ألا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة، أمر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلثمائة رجل، فجرت أمامه جراً، واتبعها؛ أراد بذلك زعم الوفاء لإخشنوار بما عاهده عليه؛ فبلغ إخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة، فأرسل إليه يقول: انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك، ولا تقدم على ما لم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله، ولم تكرثه رسالته؛ وجعل يستطعم محاربة إخشنوار، ويدعوه إليها، وجعل إخشنوار يمتنع من محاربته ويستكرهها؛ لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة، وأن إخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع، وعمقه عشرون ذراعاً، وغمى بخشب ضعاف، وألقى عليه تراباً، ثم ارتحل في جنده، فمضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحلة إخشنوار بجنده من عسكره، فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب، فأمر بضرب الطبول، وركب في جنده في طلب إخشنوار وأصحابه، فأغذوا السير، وكان مسلكهم على ذلك الخندق. فلما بلغوه أقحموا على عماية، فتردى فيه فيروز وعامة جنده، وهلكوا من عند آخرهم.
وإن إخشنوار عطف على عسكر فيروز، فاحتوى على كل شيء فيه، وأسر مو بذان موبذ، وصارت فيروز دخت ابنة فيروز فيمن صار في يده من نساء فيروز، وأمر إخشنوار فاستخرجت جثة فيروز وجثة كل من سقط معه في ذلك الخندق، فوضعت في النواويس، ودعا إخشنوار فيروز دخت إلى أن، يباشرها، فأبت عليه .
وإن خبر هلاك فيروز سقط إلى بلاد فارس، فارتجوا له وفزعوا؛ حتى إذا استقرت حقيقة خبره عند سوخرا تأهب وسار في عظم من كان قبله من الجند إلى بلاد الياطلة. فلما بلغ جرجان بلغ إخشنوار خبر مسيره لمحاربته، فاستعد وأقبل ملتقياً له، وأرسل إليه يستخبره عن خبره، ويسأله عن اسمه ومرتبته، فأرسل أنه رجل يقال له سوخرا، ولمرتبته قارن، وأنه إنما سار إليه لينتقم منه لفيروز، فأرسل إليه إخشنوار يقول: إن سبيلك في الأمر الذي قدمت له كسبيل فيروز. إذ لم يعقبه في كثرة جنوده من محاربته إياى إلا الهلكة والبوار، فلم ينهنه سوخرا قول إخشنوار، ولم يعبأ به، وأمر جنوده فاستعدوا وتسلحوا، ورحف إلى إخشنوار لشدة إقدامه وحدة قلبه، فطلب موادعته وصلحه، فلم يقبل منه سوخرا صلحاً دون أن يصير في يده كل شيء صار عنده من عسكر فيروز. فسلم إخشنوار إليه ما أصاب من أموال فيروز وخزائنه ومرابطة ونسائه، وفيهن فيروز دخت، ودفع إليه موبذان موبذ وكل أحد كان عنده من عظماء الفرس، فانصرف سوخرا بذلك كله إلى بلاد الفرس.
واختلف في مدة ملك فيروز؛ فقال بعضهم: كانت ستاً وعشرين سنة وقال آخرون: كانت إحدى وعشرين سنة.
ذكر ما كان من الأحداث في أيام يزدجرد
ابن بهرام وفيروز بين عمالهما على العرب وأهل اليمن
حدثت عن هشام بن محمد، قال: كان يخدم الملوك من حمير في زمان ملكهم أبناء الأشراف من حمير وغيرهم من القبائل؛ فكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي، وكان سيد كندة في زمانه. فلما سار حسان بن تبع إلى جديس خلفه على بعض أموره، فلما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع، وملك مكانه، اصطنع عمرو بن حجر الكندي. وكان ذا رأي ونبل؛ وكان مما أراد عمرو إكرامه به وتصغير بني أخيه حسان أن زوجه ابنة حسان بن تبع، فتكلمت في ذلك حمير. وكان عندهم من الأحداث التي ابتلو بها؛ لأنه لم يكن يطمع في التزويج إلى أهل ذلك البيت أحد من العرب. وولدت ابنة حسان بن تبع لعمرو بن حجر الحارث بن عمرو، وملك بعد عمرو بن تبع عبد كلال بن مثوب؛ وذلك أن ولد حسان كانوا صغاراً، إلا ما كان من تبع بن حسان؛ فإن الجن استهامته، فأخذ الملك عبد كلال بن مثوب مخافة أن يطمع في الملك غير أهل بيت المملكة، فوليه بسن وتجربة وسياسة حسنه. وكان - فيما ذكروا - على دين النصرانية الأولى، وكان يسر ذلك من قومه، وكان الذي دعاه إليه رجل من غسان، قدم عليه في الشأم، فوثبت حمير بالغساني فقتلته، فرجع تبع بن حسان من استهامة الجن إياه صحيحاً، وهو أعلم الناس بنجم، وأعقل من تعلم في زمانه، وأكثره حديثاً عما كان قبله، وما يكون في الزمان بعده. فملك تبع ابن حسان بن تبع بن ملكيكرب بن تبع الأقرن، فهابته حمير والعرب هيبة شديدة، فبعث بابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر الكندي في جيش عظيم إلى بلاد معد والحيرة وما والاها، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس ابن الشقيقة فقاتله، فقتل النعمان وعدة من أهل بيته، وهزم أصحابه وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء، امرأة من النمر، فذهب ملك آل النعمان، وملك الحارث بن عمرو والكندي ما كانوا يملكون.
وقال هشام: ملك بعد النعمان ابنه المنذر بن النعمان وأمه هند ابنة زيد مناة بن زيد الله بن عمرو الغساني أربعاً وأربعين سنة؛ من ذلك في زمن بهرام جور بن يزدجرد ثماني سنين وتسعة أشهر، وفي زمن يزدجرد بن بهرام ثماني عشر سنة. وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده ابنه الأسود بن المنذر، وأمه هر ابنه النعمان من بنى الهيجمانة، ابنة عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو الذي أسرته فارس عشرين سنة؛ من ذلك في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن يزدجرد أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز، ست سنين.
ذكر ملك بلاش بن فيروزثم قام بالملك بعد فيروز بن يزدجرد ابنه بلاش بن فيروز بن يزدجرد ابن بهرام جور، وكان قباذ أخوه قد نازعه الملك، فغلب بلاش، وهرب قباذ إلى خاقان ملك الترك يسأله المعونة والمدد، فلما عقد التاج لبلاش على رأسه اجتمع إليه العظماء والأشراف فهنئوه ودعوا له، وسألوه أن يكافئ سوخرا بما كان منه، فخصه وأكرمه وحباه، ولم يزل بلاش حسن السيرة، حريصاً على العمارة. وكان بلغ من حسن نظره أنه كان لا يبلغه أن بيتاً خرب وجلا أهله عنه إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركه انتعاشهم وسد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى الجلاء عن أوطانهم، وبنى بالسواد مدينة سماها بلا شاواذ، وهي مدينة ساباط التي بقرب المدائن.
وكان ملكه أربع سنين .
ذكر ملك قباذ بن فيروز
ثم ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصراً به على أخيه بلاش، فمر في طريقه بحدود نيسابور، ومعه جماعة يسيرة ممن شايعه على الشخوص متنكرين، وفيهم زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفس قباذ إلى الجماع، فشكا ذلك إلى زرمهر، وسأله أن يلتمس له امراة ذات حسب، ففعل ذلك، وصار إلى امراة صاحب منزله، وكان رجلاً من الأساورة، وكانت له ابنة بكر فائقة في الجمال، فتنصح لها في ابنتها، وأشار عليها أن تبعث بها إلى قباذ، فأعلمت ذلك زوجها؛ ولم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها؛ ويشير عليهما بما يرغبهما فيه حتى فعلا، وصارت الابنة إلى قباذ، واسمها نيوندخت، فغشيها قباذ في تلك اليلة، فحملت بأنو شروان، فأمر لها بجائزة حسنة، وحباها حباءً جزيلاً. وقيل: إن أم تلك الجارية سألتها عن هيئة قباذ وحاله، فأعلمتها أنها لا تعرف من ذلك غير أنها رأت سراويله منسوجاً بالذهب، فعلمت أمها أنه من أبناء الملوك وسرها ذلك. ومضى قباذ إلى خاقان؛ فلما وصل إليه أعلمه أنه ابن ملك فارس، وأن أخاه ضاده في الملك وغلبه، وأنه أتاه يستنصره فوعده أحسن العدة، ومكث قباذ عند خاقان أربع سنين يدافعه بما وعده. فلما طال الأمر على قباذ أرسل إلى امرأة خاقان يسألها أن تتخذه ولداً، وأن تكلم فيه زوجها، وتسأله إنجاز عدته ففعلت، ولم تزل تحمل على خاقان حتى وجه مع قباذ جيشاً، فلما انصرف قباذ بذلك الجيش؛ وصار في ناحية نيسابور سأل الرجل الذي كان أتاه بالجارية عن أمرها، فاستخبر ذلك من أمها، فأخبرته أنها قد ولدت غلاماً، فأمر قباذ أن يؤتى بها، فأتته ومعها أنو شروان تقوده بيدها، فلما دخلت عليه سألها عن قصة الغلام، فأخبرته أنه ابنه، وإذا هو قد نزع إليه في صورته وجماله.
ويقال: إن الخبر ورد عليه في ذلك الموضع بهلاك بلاش، فتيمن بالمولود، وأمر بحمله وحمل أمه على مراكب نساء الملوك، فلما صار إلى المدائن، واستوثق له أمر الملك خص سوخرا، وفوض إليه أمره، وشكر له ما كان من خدمة ابنه إياه، ووجه الجنود إلى الأطراف، ففتكوا في الأعداء، وسبوا سبايا كثيرةً، وبنى بين الأهواز وفارس مدينة الرجان، وبنى أيضاً مدينة حلوان، وبنى بكورة أردشير خرة في ناحية كارزين مدينة يقال لها قباذ خرة، وذلك سوى مدائن وقرى أنشأها، وسوى أنهار احتفرها، وجسورٍ عقدها. فلما مضت أكثر أيامه، وتولى سوخرا تدبير ملكه وسياسة أموره مال الناس عليه، وعاملوه واستخفوا بقباذ، وتهاونوا بأمره، فلما احتنك لم يحتمل ذلك، ولم يرض به، وكتب إلى سابور الرازي - الذي يقال للبيت الذي هو منه مهران، وكان إصبهبذ البلاد - في القدوم عليه فيمكن قبله من الجند، فقدم سابور بهم عليه، فواصفه قباذ حالة سوخرا، وأمره بأمره فيه، فغدا سابور على قباذ فوجد عنده سوخرا جالساً، فمشى نحو قباذ متجاوزاً له متغافلاً لسوخرا، فلم يأبه سوخرا لذلك من أرب سابور، حتى ألقى وهقاً كان معه في عنقه، ثم اجتذبه فأخرجه فأوثقه واستودعه السجن، فحينئذٍ قيل: " نقصت ريح سوخرا وهبت لمهران ريحٌ " ، وذهب ذلك مثلاً. وإن قباذ أمر بعد ذلك بقتل سوخرا فقتل، وإنه لما مضى لملك قباذ عشر سنين اجتمعت كلمة موبذان موبذ والعظماء على إزالته عن ملكه، فأزالوه عنه وحبسوه، لمتابعته لرجل يقال له مزدك مع أصحاب له قالوا: إن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي، ولكن الناس تظالموا فيها، وزعموا أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضلٌ من الأموال والنساء والأمتعة فليس هو بأولى به من غيره، فافترص السفلة ذلك واغتنموه، وكانفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلى الناس بهم، وقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا قباذ على تزيين ذلك وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئاً مما يتسع به. وصيروا قباذ في مكان لا يصل إليه أحد سواهم، وجعلوا أخاً له يقال له جاماسب مكانه، وقالوا لقباذ: إنك قد أثمت فيما عملت به فيما مضى، وليس يطهرك من ذلك إلا إباحة نسائك، وأرادوه على أن يدفع إليهم نفسه فيذبحوه ويجعلوه قرباناً للنار، فلما رأى ذلك زرمهر بن سوخرا خرج بمن شايعه من الأشراف باذلا نفسه، فقتل في المزدكية ناساً كثيراً، وأعاد قباذ إلى ملكه، وطرح أخاه جاماسب. ثم لم يزل المزدكية بعد ذلك إنما يحرشون قباذ على زرمهر حتى قتله، ولم يزل قباذ من خيار ملوكهم حتى حمله مزدك على ما حمله عليه؛ فانتشرت الأطراف وفسدت الثغور.
وذكر بعض أهل العلم أخبار الفرس أن العظماء من الفرس هم حبسوا قباذ حين اتبع مزدك وشايعه على ما دعاه إليه من أمره، وملكوا مكانه أخاه جاماسب بن فيروز، وأن أختاً لقباذ أتت الحبس الذي كان فيه قباذ محبوساً، فحاولت الدخول عليه، فمنعها إياه الرجل الموكل كان بالحبس ومن فيه، وطمع الرجل أن يفضحها بذلك السبب، وألقى إليها طمعه فيها، فأخبرته أنها غير مخالفته في شيء مما يهوى منها، فأذن لها فدخلت السجن فأقامت عند قباذ يوماً، وأمرت فلف قباذ في بساط من البسط التي كانت معه في الحبس، وحمل على غلام من غلمانه قوي ضابط، وأخرج من الحبس، فلما مر الغلام بوالى الحبس سأله عما كان حامله فأفحم، واتبعته أخت قباذ فأخبرته أنه فراشٌ قد افترشته في عراكها، وأنها إنما خرجت لتتطهر وتنصرف؛ فصدقها الرجل ولم يمس البساط، ولم يدن مه استقذاراً له، وخلى عن الغلام الحامل لقباذ، فمضى بقباذ ومضت على أثره. وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة ليستمد ملكها ويستجيشه فيحارب من خالفه ومن خلعه. وأنه نزل في مبدئه إليها بأبرشهر رجل من عظماء أهلها، له اينةٌ معصر، وأن نكاحه أم كسرى أنوشروان كان في سفره هذا، وأن قباذ رجع من سفره ذلك معه ابنه أنو شروان وأمه، فغلب أخاه جاماسب على ملكه بعد أن ملك أخوه جاماسب ست سنين، وأن قباذ غزا بعد ذلك بلاد الروم، وافتتح منها مدينةً من مدن الجزيرة تدعى آمد، وسبى أهلها، وأمر فبنيت في حد ما بين فارس وأرض الأهواز مدينة، وسماها رامقباذ، وهي التي تسمى بومقباذ، وتدعى أيضاً أرجان وكور كورة، وجعل لها رساتيق من كورة سرق، كورة رام هرمز، وملك قباذ ابنه كسرى، وكتب له بذلك كتاباً وختمه بخاتمه.
فلما هلك قباذ - وكان ملكه بسنى ملك أخيه جاماسب: ثلاثاُ وأربعين سنة - فنفذ كسرى ما أمر به قباذ من ذلك.
ذكر ما كان من الحوادث التي كانت بين العرب
في أيام قباذ في مملكته وبين عماله
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: لما لقى الحارث بن عمرو بن حجر ابن عدي الكندي النعمان بن المنذر بن امرئ القيس بن الشقيقة قتله، وأفلته المنذر بن النعمان الأكبر، وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كان يملك، بعث قباذ بن فيروز ملك فارس إلى الحارث بن عمرو الكندي: إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي قد كان قبلك عهدٌ، وإني أحب أن القاك.
وكان قباذ زنديقاً يظهر الخير ويكره الدماء، ويداري أعداءه فيما يكره من سفك الدماء، وكثرت الأهواء في زمانه، واستضعفه الناس، فخرج إليه الحارث بن عمرو الكندي في عددٍ وعدة حتى التقوا بقنطرة الفيوم، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواة، وأمر بطبق فجعل فيه تمر فيه نواه، ثم وضعا بين أيديهما، فجعل الذي فيه النوى يلي الحارث بن عمرو، والذي لا نوى فيه يلي قباذ. فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى، وجعل قباذ يأكل ما يليه. وقال للحارث: مالك لا تأكل مثل ما آكل ! فقال: له الحارث إنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا. وعلم أن قباذ يهزأ به، ثم اصطلحا على أن يورد الحارث بن عمرو ومن أحب من أصحابه خيولهم الفرات إلى ألبابها، ولا يجاوزا أكثر من ذلك. فلما رأى الحارث ما عليه قباذ من الضعف طمع في السواد، فأمر أصحاب مسالحه أن يقطعوا الفرات فيغيروا في السواد، فأتى قباذ الصريخ وهم بالمدائن فقال: هذا من تحت كنف ملكهم. ثم أرسل إلى الحارث بن عمرو أن لصوصاً من لصوص العرب قد أغاروا، وأنه يحب لقاءه. فلقيه، فقال له قباذ: لقد صنعت صنيعاً ما صنعه أحد قبلك، فقال له الحارث: ما فعلت ولا شعرت، ولكنها لصوصٌ من لصوص العرب، ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود، قال له قباذ: فما الذي تريد ؟ قال: أريد أن تطعمني من السواد ما أتخذ به سلاحاً، فأمر له بما يلي جانب العرب من أسفل الفرات، وهي ستة طساسيج، فأرسل الحارث بن عمرو الكندي إلى تبعٍ وهو باليمن: إنى قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستة طساسيج، فاجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيءٌ لأن الملك عليهم لا يأكل اللحم، ولا يستحل هراقة الدماء لأنه زنديق. فجمع تبعٌ الجنود، وسار حتى نزل الحيرة وقرب من الفرات، فآذاه البق، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهراً إلى النجف ففعل، وهو نهر الحيرة. فنزل عليه ووجه ابن أخيه شمراً ذا الجناح إلى قباذ، فقاتله فهزمه شمرٌ حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، وأمضى تبعٌ شمراً ذا الجناح إلى خراسان، ووجه تبع ابنه حسان إلى الصغد، وقال: أيكما سبق إلى الصين فهو عليها. وكان كل واحد منهما في جيشٍ عظيم؛ يقال: كانا في ستمائة ألفٍ وأربعين ألفاً. وبعث ابن أخيه يعفر إلى الروم، وهو الذي يقول:
أيا صاح عجبك للداهية ... لحمير إذ نزلوا الجابيه !
ثمانون ألفاً رواياهمو ... لكل ثمانية راويه
فسار يعفر حتى أتى القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والإتاوة، ثم مضى إلى رومية وبينهما مسيرة أربعة أشهر، فحاصرها وأصاب من معه جوعٌ، ووقع فيهم طاعونٌ فرقوا، فأبصرهم الروم وما لقوا، فوثبوا عليهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم أحدٌ. وسار شمرٌ ذو الجناح حتى أتى سمرقند، فحاصرها فلم يظفر بشيءٍ منها. فلما رأى ذلك أطاف بالحرس، حتى أخذ رجلاً من أهلها، فسأله عن المدينة وملكها، فقال له: أما ملكها فأحمق الناس، ليس له هم إلا الشراب والأكل، وله ابنة وهي التي تقضى أمر الناس. فبعث معه بهدية إليها، فقال له: أخبرها أنى إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها؛ فأصيب منها غلاماً يملك العجم والعرب، وأنى لم أجئ ألتمس المال، وأن معي أربعة الآف تابوت من ذهب وفضة هاهنا، فأنا أدفعها إليها، وأمضي إلى الصين، فإن كانت الأرض لي كانت امرأتي، وإن هلكت كان ذلك المال لها. فلما أنهيت إليها رسالته قالت: قد أجبته فليبعث بما ذكر، فأرسل إليها أربعة آلاف تابوت، في كل تابوتٍ رجلان، فكان لسمرقند أربعة أبواب على كل بابٍ منها أربعة آلاف رجل، وجعل العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل، وتقدم في ذلك إلى رسله الذين وجه معهم، فلما صاروا في المدينة ضرب لهم بالجلجل فخرجوا، فأخذوا بالأبواب، ونهد شمر في الناس؛ فدخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها. ثم سار إلى الصين، فلقى زخوف الترك فهزمهم، ومضى إلى الصين فوجد حسان بن تبع قد كان سبقه إليها بثلاث سنين، فأقاما بها - فيما ذكر بعض الناس - حتى ماتا. وكان مقامهما إحدى وعشرين سنة.
قال: وقال من زعم أنهما أقاما بالصين حتى هلكا: إن تبعاً جعل النار فيما بينه وبينهم، فكان إذا حدث حدثٌ أوقدوا النار بالليل، فأتى الخبر في ليلة، وجعل آية ما بينه وبينهم أن أوقدت نارين من عندي فهو هلاك يعفر، وإن أوقدت ثلاثاً فهو هلاك تبع، وإن كانت من عندهم نارٌ فهو هلاك حسان، وإن كانت نارين فهو هلاكهما. فمكثوا بذلك .
ثم إنه أوقد نارين فكان هلاك يعفر، ثم أوقد ثلاثاً فكان هلاك تبع .
قال: وأما الحديث المجتمع عليه فإن شمراً وحسان انصرفا في الطريق الذي كانا أخذا فيه حيث بدآ، حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين، وصنوف الجوهر والطيب والسبى، ثم انصرفوا جميعاً إلى بلادهم، وسار تبع حتى قدم مكة، فنزل بالشعب من المطابخ، وكانت وفاة تبع باليمن، فلم يخرج أحدٌ من ملوك اليمن بعده عنها غازياً إلى شيء من البلاد، وكان ملكه مائةً وإحدى وعشرين سنة.
قال: ويقال إنه كان دخل في دين اليهود للأحبار الذين كانوا خرجوا من يثرب مع تبع إلى مكة عدةٌ كثيرة.
قال: ويقولون: إن علم كعب الأحبار كان من بقية ما أورثت تلك الأحبار، وكان كعب الأحبار رجلاً من حمير.
وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أن الذي سار إلى المشرق من التبابعة تبع الاخر، وأنه تبع تبان أسعدأبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، وهوأبو حسان، حدثنا بذلك ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عنه.
ذكر ملك كسرى أنو شروانثم ملك كسرى أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور. فلما ملك كتب إلى أربعة فاذوسبانين - كان كل واحد منهم على ناحية من نواحي بلاد فارس ومن قبلهم - كتباً نسخة كتابه منها إلى فاذوسبان أذربيجان: بسم الله الرحمن الرحيم: من الملك كسرى بن قباذ إلى وارى ابن النخير جان فاذوسبان أذربيجان وأرمينية وحيزها، ود نباوند وطبرستان وحيزها، ومن قبله: سلام، فإن أحرى ما استوحش له الناس فقد من تخوفوا في فقدهم إياه زوال النعم ووقوع الفتن، وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم، في نفسه أو حشمه أو ماله أو كريمه، وإنا لا نعلم وحشةً ولا فقد شيء أجل رزيئةً عند العامة، ولا أحرى أن تعم به البلية من فقد ملكٍ صالح.
وإن كسرى لما استحكم له الملك أبطل ملة رجلٍ منافقٍ من أهل فسا يقال له: " زراذشت بن خرّكان " ابتدعها في المجوسية، فتابعه الناس على بدعته تلك، وفاق أمره فيها، وكان ممن دعا العامة إليها رجلٌ من أهل مذرية يقال له: " مزدق بن بامداذ، وكان مما أمر به الناس وزينه لهم وحثهم عليه، التآسي في أموالهم وأهليهم، وذكر أن ذلك من البر الذي يرضاه الله ويثيب عليه أحسن الثواب، وأنه لو لم يكن الذي أمرهم به، وحثهم عليه من الدين كان مكرمةً في الفعال، ورضاً في التفاوض. فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغصبة إلى الغصب، وللظلمة إلى الظلم، وللعهار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناس بلاءٌ عظيمٌ لم يكن لهم عهدٌ بمثله. فنهى الناس كسرى عن السيرة بشيءٍ مما ابتدع زراذشت خرّكان، ومزدق بن بامداذ، وأبطل بدعتهما، وقتل بشراً كثيراً ثبتوا عليها، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه منها، وقوماً من المنانية، وثبت للمجوس ملتهم التي لم يزالوا عليها.
وكان يلي الإصبهبذة - وهي الرياسة على الجنود - قبل ملكه رجلٌ، وكان إليه إصبهبذة البلاد، ففرق كسرى هذه الولاية والمرتبة بين أربعة إصبهذين، منهم أصبهذ المشرق وهو خراسان وما والاها، وأصبهذ المغرب، وأصبهذ نيمروز؛ وهي بلاد اليمن، وأصبهذ أذربيجان وما والاها، وهي بلاد الخزر، وما والاها؛ لما رأى في ذلك من النظام لملكه، وقوى المقاتلة بالأسلحة والكراع، وارتجع بلاداً كانت من مملكة فارس، خرج بعضها من يد الملك قباذ إلى ملوك الأمم لعلل شتى وأسباب، منها السند، وبست، والرخج، وزايلستان، وطخارستان، ودردستان، وكابلستان، وأعظم القتل في أمةٍ يقال لها البارز، وأجلى بقيتهم عن بلادهم وأسكنهم مواضع من بلاد مملكته، وأذعنوا له بالعبودية، واستعان بهم في حروبه، وأمر فأسرت أمةٌ أخرى، يقال لها صول، وقدم بهم عليه، وأمر بهم فقتلوا، ما خلا ثمانين رجلا من كماتهم استحياهم، وأمر بإنزالهم شهرام فيروز، يستعين بهم في حروبه.
وإن أمةً يقال لها أبخز، وأمةً يقال لها بنجر، وأمة يقال لها بلنجر، وأمةً يقال لها ألاّن؛ تمالئوا على غزو بلاده، وأقبلوا إلى أرمينية ليغيروا على أهلها، وكان مسلكهم إليها يومئذ سهلاً ممكناً، فأغضى كسرى على ما كان منهم، حتى إذا تمكنوا في بلاده وجه إليهم جنوداً، فقاتلوهم واصطلموهم ما خلا عشرة آلاف رجلٍ منهم أسروا، فأسكنوا أذربيجان وما والاها، وكان الملك فيروز بنى في ناحية صول وألاّن بناءً بصخرٍ أراده، أن يحصن بلاده عن تناول تلك الأمم إياها، وأحدث الملك قباذ بن فيروز من بعد أبيه في تلك المواطن بناءً كثيراً، حتى إذا ملك كسرى أمر فبنيت في ناحية صول بصخرٍ منحوتٍ في ناحية جرجان مدنٌ وحصونٌ وآكامٌ وبنيانٌ كثيرٌ، ليكون حرزاً لأهل بلاده يلجئون إليها من عدوٍ إن داهمهم .
وإن سنجبوا خاقان كان أمنع الترك وأشجعهم، وأعزهم وأكثرهم جنوداً، وهو الذي قاتل وزر ملك الهياطلة غير خائف كثرة الهياطلة ومنعتهم، فقتل وزر ملكها وعامة جنوده، وغنم أموالهم، واحتوى على بلادهم إلا ما كان كسرى غلب عليه منها، وإنه استمال أبخز، وبنجر، وبلنجر؛ فمنحوه طاعتهم وأعلموه أن ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم، وإنه أقبل في مائة ألف وعشرة آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول؛ وأرسل إلى كسرى في توعدٍ منه إياه واستطالةٍ عليه، أن يبعث إليه بأموالٍ، وإلى أبخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي كانوا يعطونه إياه قبل ملك كسرى، وأنه إن لم يعجِّل بالبعثة إليه بما سأل وطئ بلاده وناجزه. فلم يحفل كسرى بوعيده، ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كان ناحية باب صول، ومناعة السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه، ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسة آلاف مقاتلٍ من الفرسان والرجالة .
فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول، فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائباً، ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو - للحصون التي كان أمر كسرى فبنيت حواليها - أن يشنوها بغارةٍ، ويغلبوا عليها، وكان كسرى أنوشروان قد عرف الناس منه فضلاً في رأيه وعلمه وعقله، وبأسه وحزمه، مع رأفته ورحمته بهم، فلما عقد التاج على رأسه دخل إليه العظماء والأشراف فاجتهدوا في الدعاء له، فلما قضوا مقالتهم، قام خطيباً، فبدأ بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم، وتوكله بتدبير أمورهم، وتقدير الأقوات والمعايش لهم، ولم يدع شيئاً إلا ذكره في خطبته، ثم أعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم، وامحاء دينهم، وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم، وأعلمهم أنه ناظرٌ فيما يصلح ذلك ويحسمه، وحث الناس على معاونته.
ثم أمر برءوس المزدكية فضربت اعناقهم، وقسمت أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعةً كثيرةً ممن كان دخل على الناس في أموالهم، ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولودٍ اختلف فيه عنده أن يلحق بمن هو منهم؛ إذا لم يعرف أبوه، وأن يعطى نصيباً من مال الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ الغالب لها حتى يغرم لها مهرها، وبرضى أهلها. ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده، وبين تزويجٍ من غيره؛ إلا أن يكون كان لها زوج أول، فترد إليه. وأمر بكل من كان أضر برجل في ماله أو ركب أحداً بمظلمة أن يؤخذ منه الحق ثم يعاقب الظالم بعد ذلك بقدر جرمه. وأمر بعيال ذوي الأحساب الذي مات قيمهم فكتبوا له، فأنكح بناتهم الأكفاء، وجعل جهازهم من بيت المال، وأنكح شبانهم من بيوتات الأشراف وساق عنهم، وأغناهم، وأمرهم بملازمة بابه ليستعان بهم في أعماله، وخيّر نساء والده بين أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصرن في الأجر إلى أمثالهن، أو يبتغي لهن أكفاءهن من البعولة. وأمر بكري الأنهار، وحفر القنى وإسلاف أصحاب العمارات وتقويتهم؛ وأمر بإعادة كل جسر قطع أو قنطرة كسرت، أو قرية خربت أن يرد ذلك إلى أحسن ما كان عليه من الصلاح، وتفقد الأساورة، فمن لم يكن له منهم يسار قواه بالدواب والعدة، وأجرى لهم ما يقويهم ووكل ببيوت النيران، وسهّل سبل الناس، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخيّر الحكام والعمال والولاة، وتقدم إلى من ولي منهم أبلغ التقدم، وعمد إلى سير أردشير وكتبه وقضاياه، فاقتدى بها وحمل الناس عليها، فلما استوثق له الملك، ودانت له البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنين من ملكه، وكان فيها عظماء جنود قيصر، فافتتحها. ثم أمر أن تصور له مدينة أنطاكية على ذرعها وعدد منازلها وطرقها، وجميع ما فيها، وأن يبتنى له على صورتها مدينة إلى جنب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية على صورة أنطاكية، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها .
فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية؛ كأنهم لم يخرجوا عنها.
ثم قصد لمدينة هرقل فافتتحها، ثم الإسكندرية وما دونها، وخلّف طائفة من جنوده بأرض الروم، بعد أن أذعن له قيصر وحمل إليه الفدية، ثم انصرف من الروم، فأخذ نحو الخزر فأدرك فيهم تبله، وما كانوا وتروه به في رعيته. ثم انصرف نحو عدن، فسكر ناحية من البحر هناك بين جبلين مما يلي أرض الحبشة بالسفن العظام والصخور وعمد الحديد والسلاسل. وقتل عظماء تلك البلاد .
ثم انصرف إلى المدائن؛ وقد استقام له ما دون هرقلة من بلاد الروم وأرمينية، وما بينه وبين البحرين من ناحية عدن .
وملّك المنذر بن النعمان على العرب وأكرمه، ثم أقام في ملكه بالمدائن، وتعاهد ما كان يحتاج إلى تعاهده. ثم سار بعد ذلك إلى الهياطلة مطالباً بوتر فيروز جده - وقد كان أنوشروان صاهر خاقان قبل ذلك - فكتب إليه قبل شخوصه يعلمه ما عزم عليه، ويأمره بالمسير إلى الهياطلة. فأتاهم، فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته وتجاوز بلخ وما وراءها، وأنزل جنوده فرغانة.
ثم انصرف من خراسان، فلما صار بالمدائن وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة، فبعث معهم قائداً من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها، فقتلوا مسروقاً الحبشي باليمن، وأقاموا بها.
ولم يزل مظفراً منصوراً تهابه جميع الأمم، ويحضر بابه من وفودهم عدد كثير من الترك والصين والخزر ونظرائهم، وكان مكرماً للعلماء .
وملك ثمانياً وأربعين سنة، وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر ملك أنوشروان.
قال هشام: وكان ملك أنوشروان سبعاً وأربعين سنة. قال: وفي زمانه ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه.
قال هشام: لما قوي شأن أنوشروان بعث إلى المنذر بن النعمان الأكبر - وأمه ماء السماء امرأة من النمر - فملّكه الحيرة وما كان يلي آل الحارث بن عمرو، آكل المرار. فلما يزل على ذلك حتى هلك .
قال: وأنوشروان غزا بزجان، ثم رجع فبنى الباب والأبواب .
وقال هشام: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان - وأمه هر ابنة النعمان - سبع سنين .
ثم ملك بعده النعمان بن الأسود بن المنذر - وأمه أم الملك ابنة عمرو بن حجر أخت الحارث بن عمرو الكندي - أربع سنين .
ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي بن الذميل بن ثور ابن أسس بن ربى بن نمارة بن لخم، ثلاث سنين .
ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء - وهو ذو القرنين، قال: وإنما سمي بذلك لضفيرتين كانتا له من شعره، وأمه ماء السماء، وهي مارية ابنة عوف ابن جشم بن هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر الضيحان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط؛ فكان جميع ملكه تسعاً وأربعين سنة.
ثم ملك ابنة عمرو بن المنذر - وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار - ست عشرة سنة .
قال: ولثماني سنين وثمانية أشهر من ملك عمرو بن هند ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك في زمن أنوشروان وعام الفيل الذي غزا فيه الأشرم أبو يكسوم البيت.
ذكر بقية خبر تبّع أيام قباذ
وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر وهو تبّان أسعدأبو كرب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مر بها في بدءته لم يهج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابناً له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها؛ فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلة، أحد بني النجار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول؛ فخرجوا لقتاله. وكان تبّع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم - من بني عدي بن النجار يقال له أحمر - رجلا من أصحاب تبّع، وجده في عذق له يجده، فضربه بمنجله فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبّره، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان. فزاد ذلك تبّعاً عليهم حنقاً .
فبينا تبّع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه - قال: فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم؛ ويقول: والله إن قومنا هؤلاء لكرام - إذ جاءه حبران من أحبار يهود منهم من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل؛ فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك ؟ فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهى عند ذلك من قولهما عما كان يريد بالمدينة، ورأى أن لهما علماً، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتبعهما على دينهما. وكان اسم الحبرين كعباً وأسداً، وكانا من بني قريظة، وكانا ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق؛ عن يزيد بن عمرو؛ عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية؛ فقال شاعر من الأنصار وهو خال ابن عبد العزى بن غزية بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار، في حربهم وحرب تبّع، يفتخر بعمرو بن طلة ويذكر فضله وامتناعه :
أصحا أم انتهى ذكره ... أم قضى من لذةٍ وطره
أم تذكرت الشباب وما ... ذكرك الشباب أو عصره !
إنها حربٌ رباعيةٌ ... مثلها آتى الفتى عبره
فسلا عمران أو فسلا ... أسداً إذ يغدو مع الزهره
فيلقٌ فيهاأبو كربٍ ... سابغاً أبدانها ذفره
ثم قالوا من يؤم بها ... أبني عوفٍ أم النجره
يا بني النجار إن لنا ... فيهم قبل الأوان تره
فتلقتهم عشنقةٌ ... مدها كالغبية النثره
سيدٌ سامي الملوك ومن ... يغز عمراً لا يجد قدره
وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تبّع :
تكلفني من تكاليفها ... نخيل الأساويف والمنصعه
نخيلاً حمتها بنو مالكٍ ... خيول أبي كرب المفظعه
قال: وكان تبّع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، فوجه إلى مكة - وهي طريقه إلى اليمن - حتى إذا كان بالدف من جمدان بين عسفان وأمج، في طريقه بين مكة والمدينة، أتاه نفر من هذيل، فقالوا له: أيها الملك، ألا ندلك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؟ قال: بلى. قالوا: بيت بمكة يعبده أهله، ويصلون عنده. وإنما يريد الهذليون بذلك هلاكه لما قد عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده .
فلما أجمع لما قالوا، أرسل إلى الحبرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك؛ ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعاً، قال: فماذا تأمرانني أن أصنع إذا قدمت عليه ؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تطوف به وتعظمه وتكرمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك ؟ قالا: أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم، وإنه لكما أخبرناك؛ ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوا حوله، وبالدماء التي يهريقون عنده، وهم نجس أهل شرك. أو كما قالا له .
فعرف نصحهما وصدق حديثهما، فقرب النفر من هذيل، فقطع أيديهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكة، وأري في المنام أن يكسو البيت، فكساه الخصف ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل؛ فكان تبع - فيما يزعمون - أول من كساه وأوصى به ولاته من جرهم، وأمرهم بتطهيره، وألا يقربوه دماً ولا ميتة ولا مئلاثاً وهي المحائض، وجعل له باباً ومفتاحاً، ثم خرج متوجهاً إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحبرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومه إلى الدخول فيما دخل فيه، فأبوا عليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة ابن عبيد الله يحدث أن تبّعاً لما دنا من اليمن ليدخلها، حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دينٌ خير دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار، قال: نعم - قال: وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نارٌ تحكم بينهم فيما يختلفون فيه، تأكل الظالم ولا تضر المظلوم - فلما قالوا ذلك لتبع قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج النار منه، فخرجت النار إليهم، فلما أقبلت نحوهم حادوا عنها وهابوها، فذمرهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر فصبروا، حتى غشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما، لم تضرهما، فأصفقت حمير عند ذلك على دينه؛ فمن هناك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه أن الحبرين ومن خرج معهما من حمير؛ إنما اتبعوا النار ليردوها، وقالوا: من ردها فهو أولى بالحق، فدنا منها رجالٌ من حمير بأوثانهم ليردوها، فدنت منهم لتأكلهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردها، ودنا منها الحبران بعد ذلك، وجعلا يتلوان التوراة وتنكص، حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه؛ فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، وكان رئام بيتاً لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم، فقال الحبران لتبع: إنما هو شيطان يفتنهم ويلعب بهم، فخل بيننا وبينه، قال: فشأنكما به؛ فاستخرجا منه - فيما يزعم أهل اليمن - كلباً أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت؛ فبقاياه اليوم باليمن - كما ذكر لي - وهو رئام به آثار الدماء التي كانت تهراق عليه .
فقال تبع في مسيرة ذلك وما كان هم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكة من كسوته وتطهيره، وما ذكر له الحبران من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقاً كأنك لا تزال تسهد
حنقاً على سبطين حلاَّ يثرباً ... أولى لهم بعقاب يومٍ مفسد !
ولقد نزلت من المدينة منزلاً ... طاب المبيت به وطاب المرقد
وجعلت عرصة منزلٍ برباوةٍ ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد
ولقد تركنا لابها وقرارها ... وسباخها فرشت بقاعٍ أجرد
ولقد هبطنا يثرباً وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتلٍ محصد
ولقد حلفت يمين صبرٍ مؤلياً ... قسماً لعمرك ليس بالمتردد
إن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقاً ولا بسراً بيثرب يخلد
حتى أتاني من قريظة عالمٌ ... حبرٌ لعمرك في اليهود مسود
قال ازدجر عن قريةٍ محفوظةٍ ... لنبي مكة من قريشٍ مهتد
فعفوت عنهم عفو غير مثربٍ ... وتركتهم لعقاب يومٍ سرمد
وتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد
ولقد تركت بها له من قومنا ... نفراً أولي حسبٍ وبأسٍ يحمد
نفراً يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب رب محمد
ما كنت أحسب أن بيتاً طاهراً ... لله في بطحاء مكة يعبد
حتى أتاني من هذيلٍ أعبدٌ ... بالدف من جمدان فوق المسند
قالوا بمكة بيت مالٍ داثرٍ ... وكنوزه من لؤلؤٍ وزبرجد
فأردت أمراً حال ربي دونه ... والله يدفع عن خراب المسجد
فرددت ما أملت فيه وفيهم ... وتركتهم مثلاً لأهل المشهد
قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً ... ملكاً تدين له الملوك وتحشد
ملك المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب علم من حكيمٍ مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلبٍ وثأطٍ حرمد
من قبله بلقيس كانت عمتي ... ملكتهم حتى أتاها الهدهد
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: هذا الحي من الأنصار يزعمون أنه إنما كان حنق تبع على هذا الحي من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة، فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره :
حنقاً على سبطين حلا يثرباً ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وقد كان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهناً، فأقام عنده، فلما أراد توديعه قال تبع: ما بقي من علمك ؟ قال: بقى خبر ناطق، وعلم صادق، قال: فهل تجد لقومٌ ملكاً يوازي ملكي ؟ قال: لا إلا لملك غسان نجل، قال: فهل تجد ملكاً يزيد عليه ؟ قال: نعم، قال: ولمن ؟ قال أجده لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمته في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجيء، أحد بن لؤي، ثم أحد بني قصي. فبعث تبع إلى الزبور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفة للنبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن حدثه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن، ممن يروى الأحاديث، فحدث بعضهم بعض الحديث، وكل ذلك قد اجتمع في هذا الحديث: أن ملكاً من لخم، كان باليمن فيما بين التبابعة من حمير، يقال له: ربيعة بن نصر، وقد كان قبل ملكه باليمن ملك تبع الأول، وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفي ابن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية ابن جشم بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع ابن العرنجج حمير بن سبأ الأكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان. وكان اسم سبأ عبد شمس؛ وإنما سمى سبأ - فيما يزعمون - لأنه كان أول من سبى في العرب.
فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التبابعة، ثم كان بعد تبع الأول زيد بن عمرو، وشمر يرعش بن ياسر ينعم بن عمرو ذي الأذعار، ابن عمه. وشمر يرعش الذي غزا الصين وبنى سمرقند وحير الحيرة، وهو الذي يقول:
أناشمرٌأبو كرب اليماني ... جلبت الخيل من يمنٍ وشامٍ
لآتي أعبداً مردوا علينا ... وراء الصين في عثم ويام
فنحكم في بلادهم بحكمٍ ... سواء لا يجاوزه غلامٌ
القصيدة كلها .
قال: ثم كان بعد شمر يرعش بن ياسر ينعم تبع الأصغر، وهو تبان أسعدأبو كرب بن ملكيكرب بن زيد بن تبع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قدم المدينة، وساق الحبرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحرام وكساه، وقال ما قال من الشعر فكل هؤلاء ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخمي؛ فلما هلك ربيعة بن نصر؛ رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته، وفظع بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجماً إلا جمعه إليه، ثم قال لهم: إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها، إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها. فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فإنه ليس أحدٌ أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت - واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان، وكان يقال لسطيح: الذئبي، لنسبته إلى ذئب بن عدي. وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار. فلما قالوا له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه قبل شق سطيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكهان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح، إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها، قال - أفعل، رأيت جمجمة - قال أبو جعفر: وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حممة - خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض ثهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش. قال له الملك: وأبيك يا سطيح؛ إن هذا لغائظ موجع، فمتى هو كائن يا سطيح ؟ أفي زماني أم بعده ؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين. قال: فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منها هاربين. قال الملك: ومن ذا الذي يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحداً باليمن. قال أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه ؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي. قال: وممن هذا النبي ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر يا سطيح من آخر ؟ قال: نعم. يوم يجمع فيه الأولون والآخرون. ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقٌ ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق .
فلما فرغ قدم عليه شق، فدعاه، فقال له: يا شق، إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها - كما قال لسطيح؛ وقد كتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان - قال: نعم، رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة. فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئاًَ واحداً، قال له: ما أخطأت يا شق منها شيئاً، فما عندك في تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن ؟ أفي زماني أم بعده ؟ قال: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان. قال: ومن هذا العظيم الشان ؟ قال: غلام ليس بدني ولا مدن، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل؛ يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم يجزى فيه الولاة، يدعى من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات. قال: أحق ما تقول يا شق ؟ قال: إي ورب السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض؛ إن ما نبأتك لحق ما فيه أمض. فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه أن الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان ابن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما قال سطيح وشق لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح وشق :
ما نظرت ذات أشفارٍ كنظرتها ... حقاً كما نطق الذئبي إذ سجعا
وكان سطيح إنما يدعوه العرب الذئبي، لأنه من ولد ذئب بن عدي. فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب ابن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان مما هاج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير وانقطاع مدة سلطانهم - ولكل أمر سبب - أن حسان ابن تبان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبله تفعل؛ حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم؛ فكلموا أخاً له كان معه في جيشه، يقال له عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان نملكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا. فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حمير وقبائل اليمن على قتل حسان، إلا ما كان من ذي رعين الحميري، فإنه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتت أمر أهل بيتك - أو كما قال له - فلما لم يقبل منه قوله - وكان ذو رعين شريفاً من حمير - عمد إلى صحيفة فكتب فيها :
ألا من يشتري سهراً بنومٍ ... سعيدٌ من يبيت قرير عين
فإما حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم ختم عليها. ثم أتى بها عمراً، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب، فإن لي فيه بغيةً وحاجة، ففعل. فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمير وقبائل اليمن من قتله، قال لعمرو :
يا عمرو لا تعجل علي منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود
فأبى إلا قتله، فقتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن. فقال قائل من حمير :
إن لله من رأى مثل حسا ... ن قتيلا في سالف الأحقاب
قتلته الأقيال من خشية الجي ... ش وقالوا له لباب لباب
ميتكم خيرنا وحيكم ... ربٌ علينا وكلكم أربابي
فلما نزل عمرو بن تبان أسعد أبي كرب اليمن منع منه النوم، وسلط عليه السهر - فيما يزعمون - فجعل لا ينام، فلما جهده ذلك جعل يسأل الأطباء والحزاة من الكهان والعرافين عما به، ويقول: منع مني النوم فلا أقدر عليه، وقد جهدني السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغياً على مثل ما قتلت عليه أخاك إلا ذهب نومه، وسلط عليه السهر، فلما قيل له ذلك، جعل يقتل كل من كان أمره بقتل أخيه حسان من أشراف حمير وقبائل اليمن، حتى خلص إلى ذي رعين، فلما أراد قتله قال: إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي، قال له: وما براءتك عندي ؟ قال: أخرج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتين من الشعر:
ألا من يشتري سهراً بنومٍ ... سعيدٌ من يبيت قرير عين
فإما حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
فلما قرأهما عمرو قال له ذو رعين: قد كنت نهيتك عن قتل أخيك فعصيتني، فلما أبيت علي وضعت هذا الكتاب عندك حجة لي عليك، وعذراً لي عندك، وتخوفت أن يصيبك إن أنت قتلته الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاةً لي عندك، فتركه عمرو بن تبان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته. وقال عمرو بن تبان أسعد حين قتل من قتل من حمير وأهل اليمن ممن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال :
شرينا النوم إذ عصبت علاب ... بتسهيدٍ وعقدٍ غير مين
تنادوا عند غدرهم: لباب ... وقد برزت معاذر ذي رعين
قتلنا من تولى المكر منهم ... بواءً بابن رهمٍ غير دين
قتلناهم بحسان بن رهمٍ ... وحسان قتيل الثائرين
قتلناهم فلا بقيا عليهم ... وقرت عند ذاكم كل عين
عيون نوادبٍ يبكين شجواً ... حرائر من نساء الفيلقين
أوانس بالعشاء وهن حور ... إذا طلعت فروع الشعريين
فنعرف بالوفاء إذا انتمينا ... ومن يغدر نباينه ببين
فضلنا الناس كلهم جميعاً ... كفضل الإبرزي على اللجين
ملكنا الناس كلهم جميعاً ... لنا الأسباب بعد التبعين
ملكنا بعد داودٍ زماناً ... وعبدنا ملوك المشرقين
زبرنا في ظفار زبور مجدٍ ... ليقرأه قروم القريتين
فنحن الطالبون لكل وترٍ ... إذا قال المقاول أين أين !
سأشفي من ولاة المكر نفسي ... وكان المكر حينهم وحيني
أطعتهم فلم أرشد وكانوا ... غواةً أهلكوا حسبي وزيني
قال: ثم لم يلبث عمرو بن تبان أسعد أن هلك قال هشام بن محمد: عمرو بن تبع هذا يدعى موثبان؛ لأنه وثب على أخيه حسان بفرضة نعم فقتله - قال: وفرضة نعم رحبة طوق بن مالك، وكانت نعم سرية تبع حسان بن أسعد .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فمرج أمر حمير عند ذلك، وتفرقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال: له لخنيعة ينوف ذو شناتر، فملكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمير، يذكر ما ضيعت حمير من أمرها، وفرقت جماعتها ،ونفت من خيارها :
تقتل أبناها وتنفي سراتها ... وتبني بأيديهم لها الذل حمير
تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر
كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتي الشرور فتخسر
وكان لخنيعة ينوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم - وكان امرأ فاسقاً يزعمون أنه كان يعمل عمل لوط، ثم كان - مع الذي بلغ منهم من القتل والبغي - إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك، لئلا يملك بعد ذلك أبداً، ثم يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده، وهم اسفل منه، قد أخذ سواكاً، فجعله في فيه - أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلي سبيله، فيخرج على حرسه وعلى الناس وقد فضحه ؛حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسان - وزرعة كان صبياً صغيراً حين أصيب أخوه، فشب غلاماً جميلاً وسيماً ذا هيئة وعقل - فبعث إليه لخنيعة ينوف ذو شناتر؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سكيناً حديداً لطيفاً، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلما خلا به في مشربته تلك أغلقها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكين فطعنه به حتى قتله، ثم احتز رأسه، فجعله في كوة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطب أم يباس ؟ فقال: سل نخماس استرطبان ذو نواس، استرطبان ذو نواس؛ لاباس. فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخيعة ينوف ذي شناتر في الكوة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها. فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلا أنت؛ إذ أرحتنا من هذا الخبيث. فملكوه واستجمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير. وتهود وتهودت معه حمير، وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زماناً. وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثامر؛ وكان موقع أصل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها. ثم إن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون، فحملهم عليه فدانوا به.
قال هشام: زرعة ذو نواس؛ فلما تهود سمى يوسف، وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبه اليماني، أنه حدثهم أن موقع ذلك الدين بنجران كان أن رجلاً من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له فيميون، وكان رجلاً صالحاً مجتهداً زاهداً في الدنيا، مجاب الدعوة، وكان سائحاً ينزل القرى، لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى قرية لا يعرف فيها وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان بناء يعمل الطين، وكان يعظم الأحد؛ فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئاً، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى بها حتى يمسى، وكان في قرية من قرى الشأم يعمل عمله ذلك مستخفياً؛ إذ فطن لشأنه رجل من أهلها، يقال له صالح، فأحبه صالح حباً لم يحبه شيئاً كان قبله، فكان يتبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفياً منه لا يحب أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلى، فبينا هو يصلي إذ أقبل نحوه التنين - الحية ذات الرءوس السبعة - فلما رآها فيميون دعا عليها فماتت، ورآها صالح، ولم يدر ما أصابها، فخافها عليه فعيل عوله، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك ! فلم يلتفت إليه، وأقبل على صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئاً حبك قط، وقد أردت صحبتك والكينونة معك حيثما كنت. قال: ما شئت، أمرى كما ترى؛ فإن ظننت أنك تقوى عليه فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القرية أن يفطنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبد به ضر، دعا له فشفى، وإذا دعى إلى أحد به الضر لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابنٌ ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنه لا ياتي أحداً إذا دعاه، ولكنه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمد الرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوباً، ثم جاءه فقال له: يا فيميون؛ إني قد أردت أن أعمل في بيتي عملاً، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حجرته، ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك ؟ قال: كذا وكذا. ثم انتشط الرجل الثوب عن الصبي، ثم قال: يا فيميون، عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبي: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبي ليس به بأس .
وعرف فيميون أنه قد عرف، فخرج من القرية، واتبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشأم مر بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال: أفيميون ! قال: نعم، قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هوجاء ؟ حتى سمعت صوتك، فعرفت أنك هو، لاتبرح حتى نقوم على، فإنى ميت الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه م انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعض أرض العرب، فعدى عليهما فاختطفتهما سيارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بنجران - وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كل سنة؛ إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه، وحلى النساء. ثم خرجوا، فعكفو عليها يوماً - فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحاً،، فكان فيميون إذا قام من الليل - في بيت له أسكنه إياه سيده الذي ابتاعه - يصلى، استسرج له البيت نوراً، حتى يصبح من غير مصباح؛ فرأى ذلك سيده فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنما أنتم في باطل؛ وإن هذه النخلة لا تضر ولا تنفع؛ لو دعوت عليها الذي أعبد أهلكها، وهو الله وحده لا شريك له. قال: فقال له سيده: فافعل؛ فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنا عليه، قال: فقام فيميون، فتطهر ثم صلى ركعتين، ثم دعا الله عليهما، فأرسل الله يحاً فجعفتها من أصلها فألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم. ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض. فمن هنالك كانت النصرانية بنجران في أرض العرب.
فهذا حديث وهب بن منبه في خبر أهل نجران.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد، مولى لبني هاشم، عن محمد بن كعب القرظي. قال: وحدثني محمد بن إسحاق أيضاً عن بعض أهل نجران أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريباً من نجران - ونجران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما أن نزلها فيميون - قال: ولم يسموه باسمه الذي سماه به وهب بن منبه، قالوا: رجل نزلها - ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله ابن الثامر، مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم، فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم - وكان يعلمه - فكتمه إياه وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله؛ أخشى ضعفك عنه. فلما أبى عليه - والثامرأبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان - فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسماً يعلمه إلا كتبه في قدح؛ لكل اسم قدح؛ حتى إذا أحصاها أوقد لها ناراً، ثم جعل يقذفها فيها قدحاً قدحاً؛ حتى إذا مر بالأسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها، لم يضره شيء؛ فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الذي كتمه، فقال له: ما هو ؟ قال؛ كذا وكذا، قال: وكيف علمته ؟ فأخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي، قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نجران لم يلق أحداً به ضر إلا قال له: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، ويدعو له فيشفى، حتى لم يبق أحدٌ بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره، ودعا له فعوفى، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت على أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك ! قال: لا تقدر على ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنك والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سلطت على قتلتني، فوحد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبد الله ابن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله؛ فهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه، ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران.
فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك. والله أعلم.
قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده من حمير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار، وقتل بالسيف؛ ومثل بهم كل مثلة، حتى قتل منهم قريباً من عشرين ألفاً، وأفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم.
قال: وقد سمعت بعض أهل اليمن يقول: إن الذي أفلت منهم رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض.
قال: وأثبت الحديثين عندى الذي حدثني أنه دوس ذو ثعلبان.
ثم رجع ذو نواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن.
ففي ذي نواس وجنوده تلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: " قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود " إلى قوله: " بالله العزيز الحميد " .
يقال: كان فيمن قتل ذو نواس عبد الله ابن الثامر رئيسهم وإمامهم.
ويقال: عبد الله ابن الثامر قُتل قبل ذلك، قتله ملك كان قبله، هو كان أصل ذلك الدين؛ وإنما قتل ذو نواس من كان بعده من أهل دينه.
وأما هشام بن محمد فإنه قال: لم يزل ملك اليمن متصلاً لا يطمع فيه طامع، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشروان. قال: وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن في ذلك الزمان، وكان يهودياً، فقدم عليه يهودي، يقال له دوس من أهل نجران، فأخبره أن أهل نجران قتلوا ابنين له ظلماً، واستنصره عليهم - وأهل نجران نصارى - فحمي ذو نواس لليهودية، فغزا أهل نجران، فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نجران، حتى قدم على ملك الحبشة، فأعلمه ما ركبوا به، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البعثة إليّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرق، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران في زمن عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن منها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده؛ فإذا أخرت يده عنها انثبعت دماً، وإذا أرسلت يده ردها عليها، فأمسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: " ربي الله " . فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن الذي كان عليه. ففعلوا.
وخرج دوس ذو ثعلبان، حين أعجز القوم على وجهه ذلك؛ حتى قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذي نواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا، ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود؛ ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة؛ فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك، واستحل منك ومن أهل دينك ما استحل. فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب ثأره ممن بغى عليه على أهل دينه. فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي صاحب الحبشة بعث معه سبعين ألفاً من الحبشة وأمر عليهم رجلاً منهم من أهل الحبشة، يقال له أرياط؛ وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان، حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذو نواس فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرق، لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم يكن له حرب غير أنه ناوش ذو نواس شيئاً من قتال، ثم انهزموا، ودخلها أرياط بمجموعه، فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر، حتى أفضى به إلى غمرة، فأقحمه فيه، فكان آخر العهد به. ووطئ أرياط اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها، وأخرب ثلث بلادها، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلها، فقال قائل من أهل اليمن، وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة؛ فقال: " لا كدوس ولا كأعلاق رحله " .وهو يذكر ما ساق إليهم دوس ذو ثعلبان من أمر الحبشة فقال: " لا كدوس ولا كأعلاق رحله " .يعني ما ساق إليهم من الحبشة، فهي مثل باليمن إلى اليوم.
وقال ذو جدنٍ الحميري وهو يذكر حمير، وما دخل عليها من الذل بعد العز الذي كانوا فيه، وما هدم من حصون اليمن، وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سلحين وبينون وغمدان؛ حصوناً لم يكن في الناس مثلها، فقال:
هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفاً في ذكر من ماتا
أبعد بينون لا عينٌ ولا أثرٌ ... وبعد سلحين يبنى الناس أبياتاً !
وقال ذو جدن الحميري في ذلك:
دعيني لا أبا لك لن تطيقي ... لحاك الله قد أنزفت ريقي
لدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ نسقى من الخمر الرحيق
وشرب الخمر ليس علي عاراً ... إذا لم يشكني فيها رفيقي
فإن الموت لا ينهاه ناهٍ ... ولو شرب الشفاء من النشوق
ولا مترهبٌ في أسطوانٍ ... يناطح جدره بيض الأنوق
وغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكاً في رأس نيق
بمنهمةٍ وأسفله جروبٌ ... وحر الموحل اللثق الزليق
مصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسى كتوماض البروق
ونخلته التي غرست إليه ... يكاد البسر يهصر بالعذوق
فأصبح بعد جدته رماداً ... وغيَّر حسنه لهب الحريق
وأسلم ذو نواسٍ مستميتاً ... وحذر قومه ضنك المضيق
وقال ابن الذئبة الثقفي، وهو يذكر حمير حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم:
لعمرك ما للفتى من مفر ... مع الموت يلحقه والكبر
لعمرك ما للفتى صحرةٌ ... لعمرك ما إن له من وزر
أبعد قبائل من حميرٍ ... أتوا ذا صباحٍ بذات العبر
بألب ألوبٍ وحرابةٍ ... كمثل السماء قبيل المطر
يصم صياحهم المقربات ... وينفون من قاتلوا بالزمر
سعالى كمثل عديد الترا ... ب ييبس منهم رطاب الشجر
وأما هشام بن محمد، فإنه زعم أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب. قال: فلما سمع بهم ذو نواس كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحداً، فأبوا وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته. فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الإبل، وخرج حتى لقي جمعهم، فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها، فلكم المال والأرض، واستبقوا الرجال والذرية. فقال عظيمهم: اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النجاشي، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم، فسار بهم ذو نواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم: وجه ثقات أصحابك في قبض هذه الخزائن. ففرق أصحابه في قبضها ودفع إليهم المفاتيح، وسبقت كتب ذي نواس إلى كل ناحية: أن اذبحوا كل ثور أسود في بلدكم؛ فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشريد. وبلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، فجهز إليه سبعين ألفاً، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم؛ فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نواس ألا طاقة له بهم ركب فرسه، واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخر العهد به.
وأقام أبرهة ملكاً على صنعاء ومخالفيها، ولم يبعث إلى النجاشي بشيء، فقيل للنجاشي: إنه قد خلع طاعتك، ورأى أنه قد استغنى بنفسه، فوجه إليه جيشاً عليه رجل من أصحابه، يقال له أرياط، فلما حل بساحته، بعث إليه أبرهة أنه يجمعني وإياك البلاد والدين، والواجب علي وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممن معي ومعك، فإن شئت فبارزني؛ فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا. فرضي بذلك أرياط، وأجمع أبرهة على المكر به، فاتعدا موضعاً يلتقيان فيه، وأكمن أبرهة لإرياط عبداً له يقال له أرنجده، في وهدةٍ قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمي الأشرم، ونهض أرنجده من الحفرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله، فقال أبرهة لأرنجده: احتكم فقال: لا تدخل امرأة اليمن على زوجها حتى يبدأ بي، قال: لك ذاك، فغبر بذلك زماناً. ثم إن أهل اليمن عدوا عليه فقتلوه، فقال أبرهة: قد أنى لكم أن تكونوا أحراراً، وبلغ النجاشي قتل أرياط، فآلى ألا يكون له ناهية دون يهريق دم أبرهة، ويطأ بلاده، وبلغ أبرهة أليته، فكتب إليه: أيها الملك؛ إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، قدم عليّ يريد توهين ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكف عن قتالي إلى أن أوجه إليك رسولاً، فإن أمرته بالكف عني، وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلا محاربتي، فحاربته فظهرت عليه، وإنما سلطاني لك، وقد بلغني أنك حلفت ألا تنتهي حتى تهريق دمي، وتطأ بلادي. وقد بعثت إليك بقارورة من دمي، وجراب من تراب أرضي؛ وفي ذلك خروجك من يمينك، فاستتم أيها الملك يدك عندي؛ فإنما أنا عبدك وعزي عزك. فرضي عنه النجاشي وأقره على عمله.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشي، وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفة منهم؛ ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئاً، فابرز لي وأبرز لك، فأينا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.
فأرسل إليه أرياط: أن قد أنصفتني فاخرج. فخرج إليه أبرهة، وكان رجلاً قصيراً لحيماً حادراً، وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً عظيماً طويلاً وسيماً وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام يقال له عتودة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة - يريد يافوخه - فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته؛ فبذلك سمي أبرهة الأشرم، وحمل غلام أبرهة عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فقال عتودة في قتله أرياط: " أنا عتوده، من فرقة أرده، لا أبٌ ولا أم نجده " ، أي يقول: قتلك عبده، قال: فقال الأشرم عند ذلك لعتودة: حكمك يا عتودة .. وإن كنت قتلته، ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته، فقال عتودة: حكمي ألا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله. فقال: ذلك لك، ثم أخرج دية أرياط، وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضباً شديداً، وقال: عدا علي أميري، فقتله بغير أمري. ثم حلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده، ويجز ناصيته؛ فلم بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه، ثم ملأ جراباً من تراب اليمن، ثم بعث إليه إلى النجاشي، وكتب إليه: أيها الملك؛ إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكل طاعته لك، إلا أني كنت أقوى منه على أمر الحبشة، وأضبط لها وأسوس لها، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب من تراب أرض اليمن، ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه.
فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت على عملك بأرض اليمن، حتى يأتيك أمري. فلما رأى أبرهة أن النجاشي قد رضي عنه، وملكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرة بن ذي يزن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علقمة بن مالك بن زيد بن كهلان - وأبو ريحانة ذو جدن، وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عتودة رجل من حمير - أو من خثعم - فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله - وكان رجلاً حليماً سيداً شريفاً ورعاً في دينه من النصرانية - قال: قد أنى لكم يا أهل اليمن أن يكون فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال؛ إنى والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل الذي سأل ما حكمته، ولا أنعمته عيناً، وايم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل، ولا يتبعكم مني في قتله شيء تكرهونه .
قال: ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، فبنى كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاج العرب.
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي غضب رجل من النسأة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القليس فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه؛ فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا ؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة، لما سمع من قولك: أصرف إليه حاج العرب، فغضب فجاء فقعد فيها؛ أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خزاعي بن حزابة الذكواني، ثم السلمي، في نفر من قومه، معه أخ له، يقال له قيس بن خزاعي؛ فبينا هم عنده غشيهم عيد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغدائه، وكان يأكل الخصى، فلما أتى القوم بغدائه قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيبنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعي، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجنوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم؛ فإنما أكرمتكم بغدائي لمنزلتكم مني.
ثم إن أبرهة توج محمد بن خزاعي، وأمره على مضر، وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حج القليس؛ كنيسته التي بناها. فسار محمد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة - وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له - بعثوا إليه رجلاً من هذيل، يقال له عروة بن حياض الملاصي، فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس، فهرب حين قتل أخوه، فلحق بأبرهة، فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، وحلف ليغزون بني كنانة وليهدمن البيت.
وأما هشام بن محمد، فإنه قال: بنى أبرهة بعد أن رضي عنه النجاشي وأقره على عمله كنيسة صنعاء، فبناها بناء معجباً لم ير مثله، بالذهب والأصباغ المعجبة، وكتب إلى قيصر يعلمه أنه يريد بناء كنيسة بصنعاء، يبقى أثرها وذكرها، وسأله المعونة له على ذلك فأعانه يالصناع والفسيفساء والرخام، وكتب أبرهة إلى النجاشي حين استتم بناؤها: إني أريد أن أصرف إليها حاج العرب. فلما سمعت بذلك العرب أعظمته، وكبر عليها، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن، فدخل الهيكل، فأحدث فيه، فغضب أبرهة، وأجمع على غزو مكة وهدم البيت، فخرج سائراً بالحبشة ومعه الفيل، فلقيه ذو نفر الحميري، فقاتله فأسره، فقال: أيها الملك؛ إنما أنا عبدك فاستبقني، فإن حياتي خير لك من قتلي، فاستبقاه، ثم سار فلقيه نفيل ابن حبيب الخثعمي، فقاتله فهزم أصحابه، وأسره، فسأله أن يستبقيه، ففعل وجعله دليله في أرض العرب.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحبشان فتهيأت وتجهزت، وخرج معه بالفيل - قال: وسمعت العرب بذلك فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقاً عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام - فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله، فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيراً، فأتي به فلما أراد قتله قال له ذو نفر: أيها الملك، لا تقتلني؛ فإنه عسى أن يكون كوني معك خيراً لك من قتلي. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق - وكان أبرهة رجلاً حليماً - ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نفيل ابن حبيب الخثعمي في قبيلي خثعم: شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ له نفيل أسيراً، فأتى به؛ فلما هم بقتله قال له نفيل: أيها الملك، لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلى خثعم، شهران وناهس بالسمع والطاعة، فأعفاه وخلى سبيله، وخرج به معه يدله على الطريق، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن متعب في رجال ثقيف، فقال له: أيها الملك؛ إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة - يعنون الكعبة - ونحن نبعث معك من يدلك. فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، حتى أنزله المغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس.
ولما نزل أبرهة المغمس بعث رجلاً من الحبشة، يقال له الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم؛ وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به؛ فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم؛ ثم قل له: إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم؛ إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم؛ فإن لم يرد حربي فأتني به .
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة؛ هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم - أو كما قال - فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فوالله ما عندنا من دفع عنه - أو كما قال له - فقال له حناطة: فانطلق إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك - فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر - وكان له صديقاً - حتى دل عليه، وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدواً أو عشياً ! ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيساً سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي.
فبعث ذو نفر إلى أنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس، إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، ولقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل، فكلم أنيس أبرهة فقال: أيها الملك؛ هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأذن له عليك، فيكلمك بحاجته وأحسن إليه. قال: فأذن له أبرهة - وكان عبد المطلب رجلاً عظيماً وسيماً جسيماً - فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك إلى الملك، فقال له ذلك الترجمان، فقال عد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي. فلما فقال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني؛ أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، قال: ما كان ليمنع مني، قال: أنت وذاك، اردد إلي إبلي.
وكان - فيما زعم بعض أهل العلم - قد ذهب عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة بعمرو بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة - وهو يومئذ سيد بني كنانة - وخويلد بن واثلة الهذلي - وهو يومئذ سيد هذيل - فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم.
وكان أبرهة قد رد على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفاً عليهم معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا
ثم قال أيضاً:
لا هم إن العبد يمن ... ع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدواً محالك
فلئن فعلت فربما ... أولى فأمرٌ ما بدا لك
ولئن فعلت فإنه ... أمرٌ تتم به فعالك
جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلاً وما رقبوا جلالك
وقال أيضاً:
وكنت إذا أتى باغٍ بسلمٍ ... نرجى أن تكون لنا كذلك
فولوا لم ينالوا غير خزيٍ ... وكان الحين يهلكهم هنالك
ولم أسمع بأرجس من رجالٍ ... أرادوا العز فانتهكوا حرامك
ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبى جيشه - وكان اسم الفيل محموداً - وأبرهة مجدمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن؛ فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرك محمود، وارجع راشداً من حيث جئت؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس لا تصيب منهم أحداً إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته :
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب !
وقال نفيل أيضاً:
ألاحييت عنا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
أتانا قابسٌ منكم عشاءً ... فلم يقدر لقابسكم لدينا
ردينة لو رأيت ولكم تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذاً لعذرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسى على ما فات بينا
حمدت الله إذ عاينت طيراً ... وخفت حجارةً تلقى علينا
فكل القوم يسأل عن نفيلٍ ... كأن عليّ للحبشان دينا !
فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنملةً أنملةً، كلما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مدة تمث قيحاً ودماً حتى قدموا به صنعاء؛ وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه - فيما يزعمون.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه. قال: وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن السلماني، عن أبيه. قال: وحدثنا عبد الله ابن عمرو بن زهير الكعبي، عن أبي مالك الحميري عن عطاء بن يسار. قال: وحدثنا محمد بن أبي سعد الثقفي عن يعلي بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه أبي رزين العقيلي. قال: وحدثنا سعيد بن مسلم، عن عبد الله ابن كثير، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ دخل حديث بعضهم في حديث بعض؛ قالوا: كان النجاشي قد وجه أرياط أبا صحم في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذل الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له أبرهة الأشرم أبو يكسوم، فدعا إلي طاعته، فأجابوه فقتل أرياط، وغلب على اليمن، ورأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج إلى البيت الحرام، فسأل: أين يذهب الناس ؟ فقالوا: يحجون إلى بيت الله بمكة، قال: مم هو ؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسوته ؟ قالوا: ما يأتي هاهنا من الوصائل، قال والمسيح لأبنين لكم خيراً منه ! فبنى لهم بيتاً، عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاه بالذهب والفضة، وحفه بالجوهر، وجعل له أبواباً عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وفصل بينهما بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل لها حجاباً، وكان يوقد بالمندل، ويلطخ جدره بالمسك، فيسوده حتى يغيب الجوهر. وأمر الناس فحجوه، فحجه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبدون ويتألهون، ونسكوا له، وكان نفيل الخثعمي يؤرض له ما يكره، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحداً يتحرك، فقام فجاء بعذرة فلطخ بها قبلته، وجمع جيفاً فألقاها فيه. فأخبر أبرهة بذلك، فغضب غضباً شديداً، وقال: إنما فعلت هذا العرب غضباً لبيتهم، لأنقضنه حجراً حجراً. وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله " محمود " - وكان فيلاً لم ير مثله في الأرض عظماً وجسماً وقوة - فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير، ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب، وكان نفيل صديقاً لعبد المطلب، فكلمه في إبله، فكلم نفيل أبرهة، فقال: أيها الملك، قد أتاك سيد العرب وأفضلهم قدراً، وأقدمهم شرفاً، يحمل على الجياد، ويعطى الأموال، ويطعم ما هبت الريح. فأدخله على أبرهة، فقال: حاجتك ! قال: ترد على إبلي، فقال: ما أرى ما بلغني عنك إلا الغرور، وقد ظننت أنك تكلمني في بيتكم الذي هو شرفكم، فقال عبد المطلب: اردد على إبلي، ودونك البيت؛ فإن له رباً سيمنعه. فأمر برد إبله عليه، فلما قبضها قلدها النعال، وأشعرها، وجعلها هدياً، وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب رب الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطلب :
لا هم إن المرء يمن ... ع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدواً محالك
إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمرٌ ما بدا لك
قال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل، مع كل طير منها ثلاثة أحجار: حجران في رجله وحجر في منقاره، فقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئاً إلا هشمته، وإلا نفط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجدرى والحصبة والأشجار المرة، فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلاً أتياً، فذهب بهم فألقاهم في البحر.
قال: وولى أبرهة ومن بقى معه هراباً، فجعل أبرهة يسقط عضواً عضواً. وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحصب. ويقال: كانت كانت ثلاثة عشر فيلا، ونزل عبد المطلب من حراء، فأقبل رجلان من الحبشة فقبلا رأسه وقالا: أنت كنت أعلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رئى بها مرار الشجر: الحرمل والحنضل والعشر، ذلك العام.
قال ابن إسحاق: ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنه في الحبشة يكسوم بن أبرهة - وبه كان يكنى - فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة؛ فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتخذوا أبنائهم تراجمة بينهم وبين العرب.
قال: ولما رد الله الحبشة عن مكة، فأصابهم ما أصابهم من النقمة، عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم، فكفاهم مؤونة عدوهم.
قال: ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملك اليمن في الحبشة أخوه مسروق ابن أبرهة، فلما طال البلاء على أهل اليمن - وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقاً، وأخرجوا الحبشة من اليمن ثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة - خرج سيف بن ذي يزن الحميري، وكان يكنى بأبي مرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما هم فيه، وطلب إليه أن يخرجهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم من شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه ولم يجد عنده شيئاً مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق - فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل، فقال له النعمان: إن لي على كسرى وفادة في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك، فأخرج بك معي. قال: فأقام عنده حتى خرج النعمان إلى كسرى، فخرج معه إلى كسرى، فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته، ذكر له سيف بن ذي يزن وما قدم له، وسأل أن يأذن له عليه، ففعل. وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل العظيم، مضروباً فيه الياقوت الزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة، معلقاً بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له، فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك، ثم قال: ايها الملك غلبتنا على بلاد الأغربة، فقال كسرى: أي الأغربة ؟ الحبشة أم السند ؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني عليهم، وتخرجهم عني، ويكون ملك بلادي لك، فأنت أحب إلينا منهم. قال: بعدت أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير؛ إنما بها الشاء والبعير، وذلك مما لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورط جيشاً من فارس بأرض العرب. لا حاجة لي بذلك ! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم وافٍ، وكساه كسوة حسنة.
فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن، خرج فجعل ينثر الورق للناس ينهبها الصبيان والعبيد والإماء، فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى، فقيل له: العربي الذي أعطيته ما أعطيته ينثر دراهمه للناس ينهبها العبيد والصبيان والإماء.
فقال كسرى: إن لهذا الرجل لشأناً، ائتوني به، فلما دخل عليه قال: عمدت إلى حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس ! قال: وما أصنع بالذي أعطاني الملك ! ما جبال أرضى التي جئت منها إلا ذهب وفضة - يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها - إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم، ويدفع عنى الذل، فقال له كسرى: أقم عندي حتى أنظر في أمرك. فأقام عنده.
وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره في أمره، فقال: ما ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له ؟ فقال قائل منهم: أيها الملك، إن في سجونك رجالاً قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردت بهم، وإن ظهروا على بلاده كان ملكاً ازددته إلى ملكك. فقال: إن هذا الرأي ! أحصوا لي كم في سجوني من الرجال؛ فحسبوا له، فوجدوا في سجونه ثمانمائة رجل، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حسباً وبيتاً، اجعلوه عليهم. فوجدوا أفضلهم حسباً وبيتاً وهرز - وكان ذا سن - فبعثه مع سيف، وأمره على أصحابه، ثم حملهم في ثماني سفائن، في كل سفينة مائة رجل، وما يصلحهم في البحر.
فخرجوا حتى إذا لججوا في البحر، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلص إلى ساحل اليمن من أرض عدن ست سفائن، فيهن ستمائة رجل، فيهم وهرز، وسيف بن ذي يزن، فلما اطمأنا بأرض اليمن، وقال وهرز لسيف: ما عندك ؟ قال: ما شئت من رجل عربي، وفرس عربي؛ ثم اجعل رجلي مع رجلك؛ حتى نموت جميعاً أو نظهر جميعاً. قال وهرز: أنصفت وأحسنت ! فجمع إليه سيف من استطاع من قومه، وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران، ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابناً له كان معه - يقال له نوزاذ - على جريدة خيل، فقال له: ناوشهم القتال، حتى ننظر كيف قتالهم. فخرج إليهم فناوشهم شيئاً من قتال، ثم تورط في مكان لم يستطع الخروج منه فقتلوه، فزاد ذلك وهرز حنقاً عليهم، وجداً على قتالهم.
فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز: أروني ملكهم، فقالوا: ترى رجلاً على الفيل عاقداً تاجه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء، قال: نعم، قالوا: ذاك ملكهم، قال: اتركوه. فوقفوا طويلاً، ثم قال: علام هو ؟ قالوا: قد تحول على الفرس، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلاً، ثم قال: علام هو ؟ قالوا: قد تحول على البغلة، قال: ابنة الحمار ! ذل وذل ملكه، هل تسمعون أنى سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفاً لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنى قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم.
ثم أوتر قوسه - وكانت فيما زعموا لا يوترها غيره من شدتها - ثم أمر بحاجبيه فعصبا له، ثم وضع قوسه نشابة فمغط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصك بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، وتنكس عن دابته؛ واستدارت الحبشة، ولاثت به، وحملت عليهم الفرس، وانهزمت الحبشة، فقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه، فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها؛ حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكسة أبداً ،اهدموا الباب. فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصباً رايته يساربها بين يديه.
فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إنى قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت من كان بها من الحبشة؛ وبعث إليه بالأموال. فكتب إلبيه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجاً يؤديه إليه في كل عام معلوم، يبعث إليه في كل عام. وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه. فانصرف إليه وهرز، وملك سيف بن ذي يزن على اليمن، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن.
فهذا ما حدثنا به ابن حميد، عن سلمة عن ابن إسحاق، من أمر حمير والحبشة، وملكهم وتوجيه كسرى من وجه لحرب الحبشة باليمن.
وأما هشام بن محمد، فإنه قال: ملك بعد أبرهة يكسوم، ثم مسروق. قال: وهو الذي قتله وهرز في ملك كسرى بن قباذ، ونفى الحبشة عن اليمن.
قال: وكان من حديثه أن أبا مرة الفياض ذا يزن، كان من أشراف اليمن، وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جدن، فولدت له غلاماً سماه معد يكرب، وكانت ذات جمال، فانتزعها الأشرم من أبي مرة، فاستنكحها، فخرج أبو مرة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بنى المنذر - أظنه عمرو بن هند - فسأله أن يكتب له إلى كسرى كتاباً، يعلمه فيه قدره وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه. فقال: لا تعجل، فإن لي عليه في كل سنة وفادة، وهذا وقتها، فأقام قبله حتى وفد عليه معه، فدخل عمرو بن هند على كسرى، فذكر له شرف ذي يزن وحاله، واستأذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمراً لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه، فألطفه وأحسن مسألته وقال له: ما الأمر الذي نزع بك ؟ قال: أيها الملك، إن السودان قد غلبونا على بلادنا، وركبوا منا أموراً شنيعة، أجل الملك عن ذكرها، فلو أن الملك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره، لكان حقيقاً بذلك لفضله وكرمه وتقدمه لسائر الملوك. فكيف وقد نزعنا إليه، مؤملين له، راجين أن يقصم الله عدونا وينصرنا عليهم، وينتقم لنا به منهم ! فإن رأى الملك أن يصدق ظننا، ويحقق رجاءنا، ويوجه معى جيشاً ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه - فإنها من أخصب البلدان وأكثرها خيراً، وليست كما يلي الملك من بلاد العرب - فعل.
قال: قد علمت أن بلادكم كما وصفت، فأي السودان غلبوا عليها ؟ الحبشة أم السند ؟ قال: بل الحبشة، قال أنو شروان: إنى لأحب أن أصدق ظنك، وأن تنصرف بحاجتك؛ ولكن المسلك للجيش إلى بلادك صعب، وأكره أن أغرره بجندى، ولى فيما سألت نظر، وأنت على ما تحب.
وأمر بإنزاله وإكرامه؛ فلم يزل مقيماً عنده حتى هلك. وقد كان أبو مرة قال قصيدة بالحميرية يمتدح فيها كسرى، فلما ترجمت له، أعجب بها.
وولدت ريحانة ابنة ذي جدن لأبرهة الأشرم غلاماً، فسماه مسروقاً، ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمه ريحانة في حجر أبرهة فسبه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، ولعن أباك وكان معد يكرب لا يحسب إلا أن الأشرم أبوه، فأتى أمه فقال لها: من أبى ؟ قالت: الأشرم، قال: لا والله، ما هو أبى، ولو كان أبى ما سبّني فلان، فاخبرته أن أباه أبو مرة الفياض، واقتضت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، ولبث بعد ذلك لبثاً.
ثم إن الأشرم مات، ومات ابنه يكسوم، فخرج ابن ذي يزن قاصداً إلى ملك الروم، وتجنب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الروم ما يحب، ووجده يحامى عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين، فانكفأ راجعاً إلى كسرى، فاعترضه يوماً وقد ركب، فصاح به: أيها الملك، إن لي عندك ميراثاً فدعا به كسرى لما نزل، وقال: من أنت ؟ وما ميراثك ؟ قال: أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن، الذي وعدته أن تنصره، فمات ببابك وحضرتك، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه. فرق له كسرى، وأمر له بمال، فخرج الغلام، فجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس، فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال: إني لم آتك للمال، إنما جئتك للرجال، ولتمنعني من الذل. فأعجب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقم حتى أنظر في أمرك. ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموبذان: إن لهذا الغلام حقاً بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدم من عدته إياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجههم معه، فإن أصابوا ظفراً كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب.
قال كسرى: هذا الرأي، وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب، فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر، فقود عليهم قائداً من أساورته، يقال له وهرز، كان كسرى يعد له بألف أسوار وقواهم وجهزهم وأمر بحملهم في ثماني سفائن، في كل سفينة مائة رجل، فركبوا البحر، فغرقت من الثماني السفن سفينتان، وسلمت ست، فخرجوا بساحل حضرموت، وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب، ولحق بابن ذي يزن بشرٌ كثير، ونزل وهرز على سيف البحر، وجعل البحر وراء ظهره، فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك، وليس معك إلا من أرى، ومعي من ترى ! لقد غررت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذنت لك؛ فرجعت إلى بلادك ولم أهجك؛ ولم ينلك ولا أحداً من أصحابك مني ولا من أحد من أصحابي مكروه، وإن أحببت ناجزتك الساعة، وإن أحببت أجلتك حتى تنظر في أمرك، وتشاور أصحابك.
فأعظم وهرز أمرهم. ورأى أنه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق: بل تضرب بيني وبينك أجلاً، وتعطيني موثقاً وعهداً، وتأخذ مثله مني؛ ألا يقاتل بعضنا بعضاً حتى ينقضي الأجل، ونرى رأينا.
ففعل ذلك مسروق، ثم أقام كل واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام، خرج ابن وهرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، وحمله فرسه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه - ووهرز لا يشعر به - فلما بلغه قتل ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم، فلم قتلم ابني ؟ فأرسل إليه مسروق: إن ابنك حمل علينا، وتوسط عسكرنا، فثار إليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، وقد كنت لقتله كارهاً. قال وهرز للرسول: قل له: إنه لم يكن ابني، إنما كان ابن زانية، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل بالذي بيننا. ثم أمر فرمي به في الصعيد حيث ينظر إلى جثمانه، وحلف ألا يشرب خمراً، ولا يدهن رأسه حتى ينقضى الأجل بينه وبينهم.
فلما انقضى الأجل إلا يوماً واحداً، أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار، وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فأحرق، ولم يدع منه إلا ما كان على أجسادهم، ثم دعا بكل زاد معهم. فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوا أمر بفضله فألقي في البحر، ثم قام فيهم خطيباً، فقال: أما حرقت من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبداً، وأما ما حرقت من ثيابكم، فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم، وأما ما ألقيت من زادكم في البحر، فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوماً واحداً، فإن كنتم قوماً تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك. وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري؛ فإني لم أكن لأمكنهم من نفسي أبداً. فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي ! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، أو نظفر.
فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبى أصحابه، وجعل البحر خلفه، وأقبل عليهم يحضهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خلتين، إما ظفروا بعدوهم، وإما ماتوا كراماً، وأمرهم أن تكون قسيهم موترة وقال: إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشقاً بالبنجكان - ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك - وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على فيل على رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البييضة، لا يرى أن دون الظفر شيئاً. وكان وهرز قد كل بصره فقال: أروني عظيمهم، فقالوا: هو صاحب الفيل؛ ثم لم يلبث مسروق أن نزل فركب فرساً، فقالوا: قد ركب فرساً، فقال: ارفعوا لي حاجبي، وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر، فرفعوهما بعصابة، ثم أخرج نشابة، فوضعها في كبد قوسه، وقال: أشيروا لي إلى مسروق، فأشاروا له حتى أثبته، ثم قال لهم: ارموا، فرموا، ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة، فأقبلت كأنها رشاء، حتى صكت جبهة مسروق، فسقط عن دابته، وقتل في ذلك الرشق منهم جماعة كثرة، وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعاً، فلم يكن دون الهزيمة شيء، وأمر وهرز بجثة ابنه من ساعته فووريت، وأمر بجثة مسروق، فألقيت مكانها، وغنم من عسكرهم مالا يحصى ولا يعد كثرة، وجعل الأسوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين، لا يمتنعون منه.
فقال وهرز: أما حمير والأعراب فكفوا عنهم، واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحداً. فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد، وهرب رجل من الأعراب على جمل له، فركضه يوماً وليلة، ثم التفت. فإذا في الحقيبة نشابة، فقال: لأمك الويل أبعدٌ أم طول مسير - حسب أن النشابة لحقته. وأقبل وهرز حتى دخل صنعاء، وغلب على بلاد اليمن، وفرق عماله في المخاليف.
وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهرز والفرس، يقول أبو الصلت أبو أمية بن أبي الصلت الثقفي: ؟ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزنٍ ريم في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامنهم ... فلم يجد عنده بعض الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد سابعةٍ ... من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم ... إنك لعمري لقد أطولت قلقالا
من مثل كسرى شهنشاه الملوك له ... أو مثل وهرز يوم الجيش إذ ضالا !
لله درهم من عصبةٍ خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
غرٌ جحاجحةٌ، بيضٌ مرازبةٌ ، ... أسدٌ تربب في الغيضاتٍ أشبالا
يرمون عن شدفٍ كأنها عبطٌ ... في زمخرٍ يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئاً عليك التاج متكئاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
وأطل بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيباً بماءٍ فعادا بعد أبوالا
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: فلما انصرف وهرز إلى كسرى، وملك سيفاً على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتلها ويبقر النساء عما في بطونها، حتى إذا أفناها إلا بقايا ذليلة قليلة، فاتخذهم خولا، وتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حيناً غير كثير. ثم إنه خرج يوماً والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم؛ حتى إذ كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله؛ صغيراً أو كبيراً، ولا يدع رجلاً جعداً قططاً قد شرك فيه السودان إلا قتله.
فأقبل وهرز: حتى دخل اليمن، ففعل ذلك؛ ولم يترك بها حبشياً إلا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمره كسرى عليها، فكان عليها، وكان يجبيها إلى كسرى حتى هلك، وأمر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرز، فكان عليها حتى هلك، فأمر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمر كسرى بعده خر خسره بن البينجان بن المرزبان بن وهرز، فكان عليها.
ثم إن كسرى غضب عليه، فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا، فلما قدم على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس، فألقى عليه سيفاً لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم.
وكان - فيما ذكر - بين كسرى أنو شروان وبين يخطيانوس ملك الروم، موادعة وهدنة، فوقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشأم، يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم، كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب؛ يقال له المنذر بن النعمان - نائرة، فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وغنم أموالاً من أمواله. فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد. فكتب كسرى إلى يخطيانوس، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح، ويعلمه ما لقي المنذر عامله على العرب من خالد بن جبلة الذي ملكه على من في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالداً أن يرد على المنذر ما غنم من حيزه وبلاده، ويدفع إليه دية من قتل من عربها. وينصف المنذر من خالد، وألا يستخف بما كتب به من ذلك، فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه.
وواتر الكتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل بها، فاستعد كسرى، فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، ومدينة الرهاء، ومدينة منبج، ومدينة قنسرين، ومدينة حلب، ومدينة أنطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشأم - ومدينة فامية، ومدينة حمص، ومدناً كثيرة متاخمة لهذه المدائن؛ عنوة، واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسبى أهل مدينة أنطاكية، ونقلهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة جنب مدينة طيسبون على بناء مدينة أنطاكية - على ما قد ذكرت قبل - وأسكنهم إياها؛ وهي التي تسمى الرومية، وكور لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسوج نهروان الأعلى، وطسوج نهروان الأوسط، وطسوج نهروان الأسفل، وطسوج با درايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين نقلهم من أنطاكية إلى الرومية الأرزاق. وولى القيام بأمورهم رجلاً من نصارى أهل الأهواز، وكان ولاه الرياسة على أصحاب صناعاته، يقال له: بزار، رقة منه لذلك السبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملته، ويسكنوا إليه. وأما سائر مدن الشام ومصر فإن يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمن له فدية يحملها إليه في كل سنة على ألا يغزوا بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتاباً، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كل عام.
وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث، ومن كور الربع، ومن كور الخمس، ومن كور السدس؛ على قدر شربها وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئاً معلوماً، فأمر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها، فمسحت؛ غير أن قباذ هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة؛ حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك، وأذن للناس إذناً عاماً، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض، وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا، أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالاً، كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال. فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه ؟ فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات. فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك - عمرك الله - الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرمٍ يموت، وزرعٍ يهيج ،ونهرٍ يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها ! فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشئوم، من أي طبقات الناس أنت ؟ قال أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدوى حتى يموت، فضربه بها الكتاب خاصة تبرؤاً منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج.
وإن كسرى اختار رجالاً من أهل الرأي والنصيحة، فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدة النخل والزيتون ورءوس أهل الجزية. ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أن فيه صلاح رعيته، ورفاغة معاشهم، ورفعه إليه. فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرز والكرم والرطاب والنخل والزيتون؛ وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهماً، وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم؛ وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهماً، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك؛ وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك؛ ولم يضعوا إلا على كل نخل في حديقة، أو مجتمع غير شاذ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع. فقوى الناس في معاشهم، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب؛ ومن كان في خدمة الملك، وصيروها على طبقات: اثنى عشر درهماً وثمانية وستة وأربعة، كقدر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها أو أمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم، كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار، وتأويله الأمر المتراضي؛ وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمة عليها، إلا أنه وضع على كل جريب أرض غامر على قدر احتماله؛ مثل الذي وضع على الأرض المزروعة، وزاد على كل جريب أرض مزارع حنطة أو شعير قفيزاً من حنطة إلى القفيزين، ورزق منه الجند. ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الأرض وعلى النخل والزيتون والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس.
وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخاً، فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله، ودفعت نسخة إلى عمال الخراج، ليجتبوا خراجهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه أو شيئاً من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة، وعمن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك، ليأمر بحسبه للعمال، وألا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتى له دون عشرين سنة.
وكان كسرى ولى رجلاً من الكتاب - نابهاً بالنبل والمروءة والغناء والكفاية، يقال له بابك بن البيروان - ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إن أمرى لا يتم إلا بإزاحة علتي في كل ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده. فأعطاه ذلك، فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سوسنجرد ونمط صوف فوقه، ووضعت له وسائد لتكأته، ثم جلس على ما فرش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى من الجند أن يحضره الفرسان على كراعهم وأسلحتهم والرجالة على ما يلزمهم من السلاح، فاجتمع إليه الجند على ما أمرهم أن يحضروه عليه، ولم يعاين كسرى فيهم؛ فأمرهم بالانصراف، ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك. فاجتمع إليه الجند، فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا إليه، وأمر مناديه أن ينادي في اليوم الثالث: ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد، ولا من أكرم بتاج وسرير، فإنه عزم لا رخضة فيه ولا محاباة، فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على رأسه وتسلح بسلاح المقاتلة، ثم أتى بابك ليعترض عليه، وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعاً، وجوشنا، وساقين، وسيفاً، ورمحاً، وترساً، وجرزاً تلزمه منطقة، وطبرزينا أو عموداً، وجعبة فيها قوسان بوتريهما، وثلاثين نشابة ووترين مضفورين يعلقهما الفارس في مغفر له ظهرياً.
فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام ما خلا الوترين اللذين كان يستظهر بهما. فلم يجز بابك عن اسمه، وقال له: إنك أيها الملك واقف في موضع المعدلة التي لا محاباة تكون مني معها ولا هوادة، فهلم كل ما يلزمك من صنوف الأسلحة. فذكر كسرى قصة الوترين فتعلقهما، ثم غرد داعي بابك بصوته، وقال: للكمي سيد الكماة أربعة آلاف درهم، وأجاز بابك عن اسمه، ثم الصرف. وكان يفضل الملك في العطاء على أكتر المقاتلة عطاء بدرهم.
فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى، فقال: إن غلظتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك؛ إنما هي لأن ينفذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله، وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني. فقال كسرى: ما غلظ علينا أمرٌ أريد به صلاح رعيتنا، وأقيم عليه أود ذي الأود منهم.
ثم إن كسرى وجه مع رجل من أهل اليمن يقال له سيفان بن معد يكرب - ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن - جيشاً إلى اليمن؛ فقتلوا من بها من السودان، واستولوا عليها. فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند - وهي أرض الجوهر - قائداً من قواده في جند كثيف، فقاتل ملكها فقتله، واستولى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالاً عظيمة، وجوهراً كثيراً.
ولم يكن ببلاد فارس بنات آوى، فتساقطت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان؛ فبلغ ذلك كسرى، فبلغ ذلك منه مشقة، فدعا بموبذان موبذ، فقال: إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا، وقد تعاظم الناس ذلك، فتعجبنا من استعظامهم أمرها لهوانها، فأخبرنا برأيك في ذلك.
فقال له موبذان موبذ: فإني سمعت أيها الملك - عمرك الله - فقهاءنا يقولون: متى لا يغمر في بلدة العدل الجور، ويمحق؛ بلي أهلها بغزو أعدائهم لهم، وتساقط إليهم ما يكرهون، وقد تخوفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب. فلم يلبث كسرى أن تناهى إليه أن فتياناً من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل، ولا يعملوا في شيء منه إلا به، فصرف الله لما جرى من العدل ذلك العدو عن بلاده من غير أن يكون حاربهم، أو كلف مؤونة في أمرهم.
وكان لكسرى أولاد متأدبون، فجعل الملك من بعده لهرمز ابنه الذي كانت أمه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هرمز الملك وقدرته على تدبير الملك ورعيته ومعاملتهم.
وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد كسرى أنوشروان، عام قدم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكة، وساق فيه إليها الفيل، يريد هدم بيت الله الحرام؛ وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنوشروان. وفي هذا العام كان يوم جبلة، وهو يوم من أيام العرب مذكور.
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن المطلب بن عبد الله بن قيس بن محرمة، عن أبيه، عن جده، قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
قال: وسأل عثمان بن عفان قباث بن أشيم، أخا بني عمرو بن ليث: أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني، وأنا أقدم منه في الميلاد، ورأيت خذق الفيل أخضر محيلا بعده بعام، ورأيت أمية بن عبد شمس شيخاً كبيراً يقوده عبده، فقال ابنه: يا قباث، أنت أعلم وما تقول.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن المطلب ابن عبد الله بن قيس بن محرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن محرمة، قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، فنحن لدان.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ولد عبد الله بن عبد المطلبأبو رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربع وعشرين مضت من سلطان كسرى أنوشروان، و ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه.
وحدثت عن يحيى بن معين، قال: حدثنا حجاج بن محمد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل.
حدثت عن إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: حدثنا الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، قال: سمعت عبد الملك ابن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي: يا قباث أ أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن منه، ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، و وقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين عام الفيل، لاثنتى عشرة مضت من شهر ربيع الأول؛ وقيل إنه ولد صلى الله عليه وسلم في الدار التي تعرف بدار ابن يوسف؛ وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وهبها لعقيل بن أبي طالب، فلم تزل في يد عقيل حتى توفي، فباعها ولده من محمد بن يوسف، أخى الحجاج بن يوسف، فبنى داره التي يقال لها دار ابن يوسف، وأدخل ذلك البيت في الدار، حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجداً يصلى فيه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يزعمون فيما يتحدث الناس - والله أعلم - أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت تحدث أنها أتيت لما حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمداً. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت منه قصور بصرى من أرض الشام، فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب، أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه. فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه. ولما أمرت أن تسميه.
حثني محمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن أبي سويد الثقفي، عن عثمان أبي العاص، قال: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك ليل ولدته - قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر إلى النجوم تدنو، حتى إني لأقول: لتقعن علي.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به على هبل في جوف الكعبة، فقام عنده يدعو الله ويشكر ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، والتمس له الرضعاء، فاسترضع له امرأةً من بني سعد بن بكر، يقال لها، حليمة ابنة أبي ذؤيب، وأبو ذئيب عبد الله، بن الحارث، بن شجنة، بن جابر، بن رزام، بن ناصرة، بن فصية، بن سعد، بن بكر، بن هوازن، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان، بن مضر. واسم الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزى، بن رفاعة، بن ملان، بن ناصرة، بن فصية، بن سعد، بن بكر، بن هوازن، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلان، بن مضر. واسم إخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة ابنة الحارث، وخذامة ابنة الحارث وهي الشيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به.
وهي حليمة ابنة عبد الله بن الحارث، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ويزعمون أن الشيماء كانت تحضنه مع أمها إذ كان عندهم صلى الله عليه وسلم.
وأما غير ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدثني به الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني موسى بن شيبة، عن عميرة ابنة عبيد الله بن كعب بن مالك، عن برة ابنة أبي تجزأة، قالت: أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة. بلبن ابنٍ لها - يقال له مسروح - أياماً قبل أن تقدم حليمة؛ وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق - وحدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق. وحدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: حدثنا المحاربي، عن ابن إسحاق. وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثني عمي محمد ابن سعيد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق - عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كانت حليمة ابنة أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته. تحدث أنها خرجت من بلدها معها زوجها وابنٌ لها ترضعه في نسوةٍ من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئاً، فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارفٌ لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معي من بكائه من الجوع، ومافي ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذوه، ولكنا نرجو الغيث والفرج؛ فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيمٌ. وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيمٌ ما عسى أن تصنع أمه وجده ! فكنا نكرهه لذلك؛ فما بقيت امرأةٌ قدمت معي إلا أخذت رضيعاً، غيري. فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: إني لأكره أن أرجع من بين صواحباتي ولم آخذ رضيعاً. والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ! قالت: فذهبت إليه فأخذته وما حملني على ذلك إلا أني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما - وما كان ينام قبل ذلك - وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فنظر إليها فإذا إنها لحافل، فحلب منها حتى شرب وشربت، حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول لي صاحبي حين أصبحت: أتعلمين والله يا حليمة، لقد أخذت نسمةً مباركة، قلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بنا الركب ما يقدم عليها شيءٌ من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا بنة أبي ذؤيب، اربعي علينا. أليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأناً. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسانٌ قطرةً ولا يجدها في ضرع، حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولن لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب ! فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً. فلم نزل نتعرف من الله زيادة الخير به، حتى مضت سنتان وفصلته. وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً، فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا لها: يا ظئر لو تركت بنى عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة ! قالت: فلم نزل بها حتى رددناه معنا. قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه. قالت: فخرجت أنا وأبوه نشتد، فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه؛ قالت: فالتزمته والتزمه أبوه، وقلنا له: مالك يا بني ؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض، فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو ! قالت: فرجعنا إلى خبائنا. قالت: وقال لي أبوه: والله يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر، وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك ؟ قالت: قلت: قد بلغ الله بابنى وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه، فأديته إليك كما تحبين. قالت: ما هذا بشأنك، فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر، قالت: فتخوفت عليه الشيطان ؟ قالت: فقلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لبني
لشأناً، أفلا أخبرك خبره ؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيتن حين حملت به أنه خرج منى نورٌ أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قطٌ كان أخف منه ولا أيسر منه، ثم وقع حين ولدته وإنه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسه إلى السماء؛ دعيه عنك وانطلقي راشدة.، أفلا أخبرك خبره ؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيتن حين حملت به أنه خرج منى نورٌ أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قطٌ كان أخف منه ولا أيسر منه، ثم وقع حين ولدته وإنه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسه إلى السماء؛ دعيه عنك وانطلقي راشدة.
حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدثنا محمد بن يعلى، عن عمر بن صبيح، عن ثور بن يزيد الشأمي، عن مكحول الشأمي، عن شداد بن أوس، قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل شيخ من بني عامر، وهو مدره قومه وسيدهم؛ من شيخ كبير يتوكأ على عصا، فمثل بين يدي النبي الله صلى الله عليه وسلم قائماً، ونسبه إلى جده، فقال: يا ابن عبد المطلب، إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنك فوهت بعظيم، وإنما كانت الأنبياء والخلفاء في بيتين من بني إسرائيل، وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان، فما لك وللنبوة ! ولكن لكل قول حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك، وبدء شأنك؛ قال: فأعجب النبي الله صلى الله عليه وسلم بمسألته، ثم قال: يا أخا بنى عامر، إن لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلساً، فاجلس، فثنى رجليه ثم برك كما يبرك البعير، فاستقبله النبي الله صلى الله عليه وسلم بالحديث فقال: يا أخا بني عامر، إن حقيقة قولي وبدء شأني، أنى دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى بن مريم. وإني كنت بكر أمى، وإنها حملت بي كأثقل ما تحمل، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد. ثم إن أمى رأت في المنام أن الذي في بطنها نورٌ، قالت: فجعلت أتبع بصرى النور، والنور يسبق بصرى، حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها. ثم إنها ولدتني فنشأت، فلما نشأت بغضت إلى أوثان قريش، وبغض إلى الشعر، وكنت مسترضعاً في بني ليث بن بكر، فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجلة، إذ أتانا رهطٌ ثلاثة معهم طستٌ من ذهب ملئ ثلجاً فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هراباً حتى انتهوا إلى شفير الوادي، ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش، وهو مسترضعٌ فينا؛ من غلام يتيم ليس له أب، فماذا يرد عليكم قتله، وماذا تصيبون من ذلك ! ولكن إن كنتم قاتليه، فاختاروا منا أينا شئتم، فليأتكم مكانه فاقتلوه، ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم. فلما رأى الصبيان القوم لا يحيرون إليه جواباً، انطلقوا هراباً مسرعين إلى الحي، يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم؛ فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعاً لطيفاً، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه، فلم أجد لذلك مساً. ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها، ثم أعاداها مكانها، ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح؛ فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه، ثم أخرج منه مضغة سوداء، فرمى بها ثم قال بيده يمنةً منه؛ كأنه يتناول شيئاً، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي فامتلأ نوراً، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً، ثم قال الثالث لصاحبه: تنح عني، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله. ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضاً لطيفاً، ثم قال للأول الذي شق بطني: زنه بعشرة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنوني بهم فرجحتهم. فقال: دعوه، فلو وزنتموه بإمته كلها لرجحهم قال: ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب، لم ترع؛ إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك. قال: فبينا نحن كذلك، إذ أنا بالحي قد جاءوا بحذافيرهم، وإذا أمي - وهي ظئري - أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وتقول: يا ضعيفاه ! قال: فانكبوا عليّ فقبلوا رأسي وما بين عيني، فقالوا: حبذا أنت من ضعيف ! ثم قالت ظئري: يا وحيداه ! فانكبوا عليّ فضموني إلى صدورهم وقبلوا راسي وما بين عيني، ثم قالوا: حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد ! إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض. ثم قالت: ظئرى: يا يتيماه، استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك، فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني، وقالوا: حبذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله ! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير ! قال: فوصلوا بي إلى شفير الوادي، فلما بصرت بي أمي - وهي ظئري - قالت: يا بني ألا أراك حياً بعد ! فجاءت حتى انكبت علي
وضمتني إلى صدرها؛ فو الذي نفسي بيده، إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها، وإن يدي في يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، يقول بعض القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائفٌ من الجن، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه. فقلت: يا هذا، ما بي شيء مما تذكر، إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح، ليس بي قلبة. فقال أبي - وهو زوج ظئري - ألا ترون كلامه كلام صحيح ! إني لأرجو ألا يكون بابني بأسٌ، فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فلما قصوا عليه قصى قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام، فإنه أعلم بأمره منكم، فسألني، فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره، فلما سمع قولي وثب إلي فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: ياللعرب، يا للعرب ! اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك، ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بدينٍ لم تسمعوا بمثله قط ! فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره وقالت: لأنت أعته وأجن من ابني هذا ! فلو علمت أن هذا يكون ممن قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتلي هذا الغلام. ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي فاصبحت مفزعاً مما فعل بي، وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك؛ فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر.متني إلى صدرها؛ فو الذي نفسي بيده، إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها، وإن يدي في يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم وظننت أن القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، يقول بعض القوم: إن هذا الغلام قد أصابه لمم أو طائفٌ من الجن، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه. فقلت: يا هذا، ما بي شيء مما تذكر، إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح، ليس بي قلبة. فقال أبي - وهو زوج ظئري - ألا ترون كلامه كلام صحيح ! إني لأرجو ألا يكون بابني بأسٌ، فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فلما قصوا عليه قصى قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام، فإنه أعلم بأمره منكم، فسألني، فاقتصصت عليه أمري ما بين أوله وآخره، فلما سمع قولي وثب إلي فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: ياللعرب، يا للعرب ! اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه، فواللات والعزى لئن تركتموه وأدرك، ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم، وليخالفن أمركم، وليأتينكم بدينٍ لم تسمعوا بمثله قط ! فعمدت ظئري فانتزعتني من حجره وقالت: لأنت أعته وأجن من ابني هذا ! فلو علمت أن هذا يكون ممن قولك ما أتيتك به، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتلي هذا الغلام. ثم احتملوني فأدوني إلى أهلي فاصبحت مفزعاً مما فعل بي، وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك؛ فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر.
فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله غيره أن أمرك حق، فأنبئني بأشياء أسألك عنها ! قال: سل عنك - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقول للسائل: سل عما شئت، وعما بدا لك، فقال للعامري يومئذ: سل عنك ، لأنها لغة بني عامر، فكلمه بما علم - فقال له العامري: أخبرني يا بن عبد المطلب ما يزيد في العلم ؟ قال: التعلم، قال: فأخبرني ما يدل على العلم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: السؤال. قال: فأخبرني ماذا يزيد في الشر ؟ قال: التمادي. قال: فأخبرني هل ينفع البر بعد الفجور. قال: نعم، التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد ربه عند الرخاء، أغاثه عند البلاء، قال العامري: وكيف ذلك يا بن عبد المطلب ؟ قال: ذلك بأذن الله يقول: لا وعزتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع له خوفين، إن هو خافني في الدنيا أمنني يوم أجمع فيه عبادي عندي في حظيرة الفردوس، فيدوم له أمنه، ولا أمحقه فيمن أمحق، وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدوم له خوفه؛ قال: يا بن عبد المطلب، أخبرني إلام تدعو ؟ قال: أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تخلع الأنداد، وتكفر باللات والعزى، وتقر بما جاء من الله من كتاب أو رسول، وتصلى الصلوات الخمس بحقائقهن، وتصوم شهراً من السنة، وتؤدي زكاة مالك، يطهرك الله بها ويطيب لك مالك، وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلاً، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، والجنة، والنار. قال: يا بن عبد المطلب، فإذا فعلت ذلك فما لي ؟ قال صلى الله عليه وسلم: " جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى " . قال: يا بن عبد المطلب، هل مع هذا من الدنيا شيء ؟ فإنه يعجبني الوطاءة من العيش ! قال النبي صلى اله عليه وسلم: نعم، النصر والتمكن في البلاد. قال: فأجاب وأناب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، أن نفراً من أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخٍ لي خلف بيوتنا نرعى بهماً لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطستٍ من ذهب مملوءة ثلجاً، فأخذاني، فشقا بطنى، ثم استخرجا منه قلبي، فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها، ثم غسلا بطني وقلبي بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائةٍ من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها.
قال ابن إسحاق: هلك عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم رسول الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حاملٌ به.
وأما هشام فإنه قال: توفي عبد الله أبو رسول الله، بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيةٌ وعشرون شهراً.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر الواقدي: الثبت عندنا مما ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش، فنزل بالمدينة - وهو مريض - فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة، في الدار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبيد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة، توفيت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين - بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله من بنى عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعةٌ به إلى مكة.
وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال حدثني ابن جريج، عن عثمان بن صفوان، أن قبر آمنة بنت وهب في شعب أبي ذرٍ بمكة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العباس ابن عبد الله بن معبد بن العباس، عن بعض أهله، أن عبد المطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثماني سنين؛ وكان بعضهم يقول: توفي عبد المطلب ورسول الله ابن عشرة سنين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجر أبي طالب بعد جده عبد المطلب، فيصبح ولد عبد المطلب غمصاً رمصاً، ويصبح صلى الله عليه وسلم صقيلاً دهيناً.
رجع الحديث إلى تمام أمر كسرى
بن قباذ أنوشروان
حدثنا علي بن حرب الموصلي، قال: حدثن اأبو أيوب يعلى بن عمران البجلي؛ قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي عن أبيه - وأتت له خمسون ومائة سنة - قال: لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشر شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلاً صعاباً، تقود خيلاً عراباً، وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.
فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى، فصبر تشجعاً، ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه.
فلما اجتمعوا إليه أخبرهم بالذي بعث إليهم فيه ودعاهم. فبينما هم كذلك إذا ورد عليه كتابٌ بخمود النار فإزداد غماً إلى غمه، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك! قد رأيت في هذه الليلة ... وقص عليه الرؤيا في الإبل.
فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ - وكان أعلمهم عند نفسه بذلك - فقال: حادثٌ يكون من عند العرب، فكتب عند ذلك: من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد؛ فوجه إلي رجلاً عالماً بما أريد أن أسأله عنه.
فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن بقيلة الغساني، فلما قدم عليه، قال له: أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الملك، فإن كان عندي منه علم، وإلا أخبرته بمن يعلمه له، فأخبره بما رأى؛ فقال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشأم، يقال له سطيح، قال: فإته فاسأله عما سألتك، وأتني بجوابه. فركب عبد المسيح راحلته حتى قدم على سطيح - وقد أشفى على الموت - فسلم عليه وحياه، فلم يحر سطيح جواباً، فأنشأ عبد المسيح يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن ! ... يافاصل الخطة أعيت من ومن
أم فاز فأزلم به شأو العنن ... أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حجن ... أزرق ممهى الناب صرار الإذن
أبيض فضفاض الرداء والبدن ... رسول قيل العجم يسري للوسن
يجوب بي الأرض علنداةٌ شزن ... ترفعني وجنٌ وتهوى بي وجن
لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن ... حتى أتى عاري الجآجي والقطن
تلفه في الريح بوغاء الدمن ... كأنما حثحث من حضني ثكن
فلما سمع سطيح شعره، رفع رأسه وقال: عبد المسيح، على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. رأى إبلاً صعاباً، تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها؛ يا عبد المسيح: إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست الشأم لسطيح شأما؛ يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت.
ثم قضى سطيح مكانه، فقام عبد المسيح إلى رحله وهو يقول:
شمر فإنك ماضي الهم شمير ... لا يفزعنك تفريق وتغيير
إن يك ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارٌ دهارير
فربما ربما أضحو بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح مهرانٌ وإخوته ... والهرمزان وسابور وسابور
والناس أولاد علاتٍ فمن علموا ... أن قد أقل، فمهجورٌ ومحقور
وهم بنو الأم لما أن رأوا نشباً ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان في قرنٍ ... فالخير متبعٌ والشر محذور
فلما قدم عبد المسيح على كسرى، أخبره بقول سطيح، فقال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكاً قد كانت أمور.
فملك منهم عشرة أربع سنين، وملك الباقون إلى ملكي عثمان بن عفان.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: بعث وهرز بأموال وطرف من طرف اليمن إلى كسرى، فلما صارت ببلاد بني تميم، دعا صعصعة ابن ناجيه بن عقال المجاشعي بني تميم إلى الوثوب عليه، فأبوا ذلك فلما صارت في بلاد بني يربوع دعاهم إلى ذلك، فهابوه، فقال: يا بني يربوع، كأني بهذه العير قد مرت ببلاد بكر بن وائل، فوثبوا عليها فاستعانوا بها على حربكم ! فلما سمعوا ذلك انتهبوها، وأخذ رجلٌ من بني سليط يقال له النطف خرجاً فيه جوهر، فكان يقال: " أصاب كنز النطف " ؛ فصار مثلاً؛ وأخذ صعصعة خصفة فيها سبائك فضة، وصار أصحاب العير إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة فكساهم، وزودهم وحملهم، وسار معهم حتى دخل على كسرى. وكان لهوذة جمالٌ وبيان. فأعجب به كسرى وحفظ له ما كان منه، ودعا بعقد من در فعقد على رأسه، وكساه قباء ديباج، مع كسوة كثيرة، فمن ثم سمى هوذة ذا التاج، وقال كسرى لهوذا أرأيت هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا من قومك هم ؟ قال: لا. قال: أصلح هم لك ؟ قال: بيننا الموت. قال: قد أدركت بعض حاجتك ونلت ثأرك. وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم، فقيل له: إن بلادهم بلاد سوء، إنما هي مفاوز وصحارى لا يهتدى إلى مسالكها، وماؤهم من الآبار، ولا يؤمن أن يعوروها فيهلك جندك. وأشير إليه أن يكتب إلى عامله بالبحرين وهو آزاذ فروز بن جشنس الذي سمته العرب المكعبر - وإنما سمي المكعبر، لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل وآلى أن لا يدع من بني تميم عيناً تطرف - ففعل؛ ووجه له رسولاً. ودعا بهوذة فجدد له كرامة وصلة وقال: سر مع رسولي هذا فاشفني واشتف، فأقبل هوذه والرسول معه حتى صار إلى المكعبر، وذلك قريب من أيام اللقاط، وكان بنوا تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هجر، للميرة واللقاط، فنادى منادي المكعبر: من كان هاهنا من بني تميم فليحضر فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام يقسم فيهم؛ فحضروا، فأدخلهم المشقر - وهو حصنٌ حياله حصنٌ يقال له الصفا، وبينهما نهر يقال له محلم - وكان الذي بنى المشقر رجلاً من أساورة كسرى يقال له: بسك بن ماهبوذ، كان كسرى وجهه لبنائه، فلما ابتدأه قيل له: إن هؤلاء الفعلة لا يقيمون بهذا الموضع إلا أن تكون معهم نساء، فإن فعلت ذلك بهم تم بناؤك، وأقاموا عليه حتى يفرغوا منه؛ فنقل إليهم الفواجر من ناحية السواد والأهواز، وحملت إليهم روايا الخمر من أرض فارس في البحر، فتناكحوا وتوالدوا، فكانوا جل أهل مدينة هجر، وتكلم القوم بالعربية وكانت دعوتهم إلى عبد القيس، فلما جاء الإسلام قالوا لعبد القيس: قد علمتم عددنا وعدتنا وعظيم غنائنا، فأدخلونا فيكم وزوجونا، فقالوا: لا، ولكن أقيموا على حالكم فأنتم إخواننا وموالينا، فقال رجلٌ من عبد القيس: يا معشر عبد القيس، أطيعوني وألحقوهم، فإنه ليس عن مثل هؤلاء مرغب، فقال رجل من القوم: أما تستحي ! أتأمرنا أن ندخل فينا من قد عرفت أوله وأصله ! قال: إنكم إن لم تفعلوا ألحقهم غيركم من العرب، قال: إذن لا نستوحش لهم؛ فتفرق القوم في العرب، وبقيت في عبد القيس منهم بقية فانتموا إليهم، فلم يردوهم عن ذلك. فلما أدخل المكعبر بني تميم المشقر قتل رجالهم واستبقى الغلمان وقتل يومئذ قعنب اليراحي - وكان فارس بني يربوع - قتله رجلان من شن كانا ينوبان الملوك، وجعل الغلمان في السفن فعبر بهم إلى فارس، فخصوا منهم بشراً. قال هبيرة بن حدير العدوي: رجع إلينا بعد ما فتحت إصطخر عدة منهم، أحدهم خصي والآخر خياط. وشد رجلٌ من بني تميم، يقال له عيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج، فقال:
تذكرت هنداً لات حين تذكر ... تذكرتها ودونها سير أشهر
حجازيةٌ علويةٌ خل أهلها ... مصاب الخريف بين زورٍ ومنور
ألا هل أتى قومي على النأي أنني ... حميت ذماري يوم باب المشقر
ضربت رتاج الباب بالسيف ضربةً ... تفرج منها كل بابٍ مضبر
وكلم هوذة بن علي على المكعبر يومئذ في مائةٍ في أسرى بني تميمٍ، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، ففي ذلك يقول الأعشى:
سائل تميماً به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا
وسط المشقر في غبراء مظلمةٍ ... لا يستطيعون بعد الضر منتفعا
فقال للملك أطلق منهم مائةً ... رسلاً من القول مخفوضاً وما رفعا
ففك عن مائةٍ منهم إسارهم ... وأصبحوا كلهم من غله خلعا
بهم تقرب يوم الفصح ضاحيةً ... يرجو الإله بما أسدى وما صنعا
فلا يرون بذاكم نعمة سبقت ... إن قال قائلها حقاً بها وسعا
يصف بني تميم بالكفر لنعمته.
قال: فلما حضرت وهرز الوفاة - وذلك في آخر ملك أنو شروان - دعا بقوسه ونشابته، ثم قال: أجلسوني، فأجلسوه، فرمى وقال: انظروا حيث وقعت نشابتي فجعلوا ناؤوسي هناك، فوقعت نشابته من وراء الدير، وهي الكنيسة التي عند نعم، وهي تسمى اليوم مقبرة وهرز؛ فلما بلغ كسرى موت وهرز، بعث إلى اليمن أسواراً يقال له وين، وكان جباراً مسرفاً، فعزله هرمز بن كسرى، واستعمل مكانه المروزان، فأقام باليمن حتى ولد له بها، وبلغ ولده. ثم هلك كسرى أنو شروان وكان ملكه ثمانياً وأربعين سنة.
ذكر ملك هرمز بن كسرى أنو شروانثم ملك هرمز بن كسرى أنو شروان، وكانت أمه ابنة خاقان الأكبر، فحدثت عن هشام بن محمد، قال: كان هرمز بن كسرى هذا كثير الأدب، ذا نية في الإحسان إلى الضعفاء والمساكين، والحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضوه، وكان في نفسه عليهم مثل ذلك، ولما عقد التاج على رأسه، اجتمع إليه أشراف أهل مملكته، واجتهدوا في الدعاء له والشكر لوالده، فوعدهم خيراً. وكان متحرياً للسيرة في رعيته بالعدل، شديداً على العظماء لاستطالتهم كانت على الوضعاء، وبلغ من عدله أنه كان يسير إلى ماه ليصيف، فأمر فنودي في مسيره ذلك في جنده وسائر من كان في عسكره أن يتحاموا مواضع الحروث ولا يضروا بأحدٍ من الدهاقين فيها، ويضبطوا دوابهم عن الفساد فيها، ووكل بتعهد ما يكون في عسكره من ذلك ومعاقبة من تعدى أمره.
وكان ابنه كسرى في عسكره، فعار مركب من مراكبه ووقع في محرثة من المحارث التي كانت على طريقه فرتع فيها وأفسد منها، فأخذ ذلك المركب، ودفع إلى الرجل الذي وكل هرمز بمعاقبة من أفسد أو دابته شيئاً من المحارث وتغريمه. فلم يقدر الرجل على إنفاذ أمر هرمز في كسرى، ولا في أحد ممن كان معه في حشمه، فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هرمز، فأمر أن يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرم كسرى؛ فخرج الرجل من عند هرمز لينفذ أمره في كسرى ومركبه ذلك، فدس له كسرى رهطاً من العظماء ليسألوه التغبيب في أمره، فلقوه وكلموه في ذلك فلم يجب إليه،، فسألوه أن يؤخر ما أمر به هرمز في المركب حتى يكلموه فيأمر بالكف عنه، ففعل فلقي أولئك الرهط هرمز وأعلموه أن بالمركب الذي أفسد ما أفسد زعارةً، وأنه عار فوقع في محرثة؛ فأخذ من ساعة وقع فيها، وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وتبتيره لما فيها من سوء الطيرة على كسرى، فلم يجبهم إلى ما سألوا من ذلك، وأمر بالمركب فجدع أذناه، وبتر ذنبه، وغرم كسرى مثل ما يغرم غيره في هذا الحد، ثم ارتحل من معسكره. وكان هرمز ركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم إلى ساباط المدائن، وكان ممره على بساتين وكرومٍ، وإن رجلاً ممن ركب معه من أساورته اطلع في كرمٍ فرأى فيه حصرماً، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلامٍ كان معه وقال له: اذهب بها إلى المنزل، واطبخها بلحمٍ، واتخذ منها مرقةً فإنها نافعة في هذا الإبان. فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصرخ، فبلغ من إشفاق الرجل من عقوبة هرمز على تناوله من ذلك الكرم أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب كانت عليه، عوضاً له من الحصرم الذي رزأ من كرمه، وافتدى نفسه بها، ورأى أن قبض الحافظ إياها منه وتخليته عنه، منةٌ من بها عليه، ومعروف أسداه إليه. وقيل أن هرمز كان مظفراً منصوراً لا يمد يده إلى شيء إلا ناله، وكان مع ذلك أديباً أريباً داهياً رديء النية، قد نزعه أخواله الأتراك، وكان مقصياً للأشراف، وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل، وإنه لم يكن له رأيٌ إلا في تألف السفلة واستصلاحهم، وإنه حبس ناساً كثيراً من العظماء وأسقطهم وحط مراتبهم ودرجاتهم، وجهز الجنود وقصر بالأساورة ففسد عليه كثيرٌ ممن كان حوله لما أراد الله من تغيير أمرهم وتحويل ملكهم؛ ولكل شيء سبب. وإن الهرابذة رفعوا إليه قصة يبغون فيها علىالنصارى، فوقع فيها: إنه كما لا قوام لسرير ملكنا بقائمتيه المقدمتين دون قائمتيه المؤخرتين، فكذلك لا قوام لملكنا ولا ثبات له، مع استفسادنا من في بلادنا من النصارى وأهل سائر الملل المخالفة لنا؛ فأقصروا عن البغي على النصارى، وواظبوا على أعمال البر ليرى ذلك النصارى وغيرهم من أهل الملل والأديان، فيحمدوكم عليه، وتتوق أنفسهم إلى ملتكم.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: خرج على هرمز الترك - وقال غيره: أقبل عليه شابة ملك الترك الأعظم في ثلثمائة ألف مقاتل، في سنة إحدى عشرة من ملكه، حتى صار إلى باذغيس وهراة. وإن ملك الروم صار إلى الضواحي في ثمانين ألف مقاتل قاصداً له، وإن ملك الخزر صار في جمعٍ عظيم إلى الباب والأبواب، فعاث وأخرب، وإن رجلين من العرب يقال لأحدهما: عباس الأحول، والآخر: عمرو الأزرق، نزلا في جمع عظيم من العرب بشاطىء الفرات، وشنوا الغارة على أهل السواد، واجترأ أعداؤه عليه وغزوا بلاده، وبلغ من اكتنافهم إياها أنها سميت منخلاً كثير السمام. وقيل: قد اكتنف بلاد الفرس الأعداء من كل وجه كاكتناف الوتر سيتي القوس. وأرسل شابة ملك الترك إلى هرمز وعظماء الفرس يؤذنهم بإقباله في جنوده، ويقول: رموا قناطر أنهارٍ وأودية أجتاز عليها إلى بلادكم، واعقدوا القناطر على كل نهرٍ من تلك الأنهار لا قنطرة له، وافعلوا ذلك في الأنهار والأودية التي عليها مسلكي من بلادكم إلى بلاد الروم، لإجماعي بالمسير إليها من بلادكم. فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، وشاور فيه، فأجمع له على القصد لملك الترك، فوجه إليه رجلاً من أهل الري يقال له بهرام بن بهرام جشنس - ويعرف بجوبين - في اثنى عشر ألف رجل، اختاره بهرام على عينيه من الكهول دون الشباب، ويقال: إن هرمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانية، فكانت عدتهم سبعين ألف مقاتل، فمضى بهرام بمن ضم إليه مغذاً حتى جاز هراة وباذغيس، ولم يشعر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه معسكراً فجرت بينهما رسائل وحروبٌ، وقتل بهرام شابة برمية رماه إياها. وقيل: إن الرمى في ملك العجم كان لثلاثة نفر، منها رمية أرششياطين بين منوشهر، وأفراسياب، ومنها رمية سوخرا في الترك، ومنها رمية بهرام هذه. واستباح عسكره وأقام بموضعه، فوافاه برموذة بن شابة، وكان يعدل بأبيه، فحاربه فهزمه، وحصره في بعض الحصون، ثم ألح عليه حتى استسلم له، فوجهه إلى هرمز أسيراً، وغنم مما كان في الحصن وكانت كنوزاً عظمية.
ويقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجوهر والآنية والسلاح وسائر الأمتعة مما غنمه وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير، فشكر هرمز لبهرام ما كان منه بسبب الغنائم التي صارت إليه، وخاف بهرام سطوة هرمز، وخاف مثل ذلك من كان معه من الجنود، فخلعوا هرمز وأقبلوا نحو المدائن، وأظهروا الامتعاض مما كان من هرمز، وأن ابنه أبرويز أصلح للملك منه. وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز، فهرب أبرويز بهذا السبب إلى آذربيجان خوفاً من هرمز، فاجتمع إليه هناك عدةٌ من المرازبة والإصبهبذين، فأعطوه بيعتهم، ووثب العظماء والأشراف بالمدائن، وفيهم بندى وبسطام خالا أبرويز، فخلعوا هرمز وسملوا عينيه وتركوه تحرجاً من قتله.
وبلغ الخبر أبرويز، فأقبل بمن شايعه من آذربيجان إلى دار الملك مسابقاً لبهرام، فلما صار إليها استولى على الملك وتحرز من بهرام، والتقى هو وهو على شاطىء النهروان، فجرت بينهما مناظرةٌ ومواقفةٌ، ودعا أبرويز بهرام إلى أن يؤمنه ويرفع مرتبته ويسني ولايته، فلم يقبل ذلك، وجرت بينهما حروبٌ اضطرت أبرويز إلى الهرب إلى الروم مستغيثاً بملكها بعد حرب شديدة وبيات كان من بعضهم لبعض. وقيل إنه كان مع بهرام جماعةٌ من الأشداء، وكان فيهم ثلاثة نفرٍ من وجوه الأتراك لا يعدل بهم في فروسيتهم وشدتهم من الأتراك أحدٌ، قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز، فلمتا كان الغد من ليلة البيات وقف أبرويز ودعا الناس إلى حرب بهرام فتثاقلوا عليه، قصده النفر الثلاثة من الأتراك، فخرج إليهم أبرويز فقتلهم بيده واحداً واحداً، ثم انصرف من المعركة وقد أحس من أصحابه بالفتور والتغيير، فصار إلى أبيه بطيسبون حتى دخل عليه، وأعلمه ما قد تبينه من أصحابه وشاوره، فأشار عليه بالمصير إلى موريق ملك الروم ليستنجده، فأحرز حرمه في موضع أمن عليهم بهرام، ومضى في عدة يسيرةٍ؛ منهم بندي وبسطام وكردي أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنطاكية، وكاتب موريق فقبله، وزوجه ابنةً له كانت عزيزةً عليه، يقال لها: مريم. وكان جميع مدة ملك هرمز بن كسرى في قول بعضهم، إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. وأما هشام بن محمد فإنه قال: كان ملكه اثنتي عشرة سنة.
ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز
ثم ملك كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان؛ وكان من أشد ملوكهم بطشاً، وأنفذهم رأياً، وأبعدهم غوراً، وبلغ - فيما ذكر - من البأس والنجدة زالنصر والظفر وجمع الأموال والكنوز ومساعدة القدر ومساعفة الدهر إياه ما لم يتهيأ لملك أكثر منه، ولذلك سمي أبرويز، وتفسيره بالعربية: " المظفر " . وذكر أنه لما استوحش من أبيه هرمز - لما كان من احتيال بهرام جوبين في ذلك، حتى أوهم هرمز أنه على أن يقوم بالملك لنفسه دونه - سار إلى آذربيجان مكتتماً، ثم أظهر أمره بعد ذلك، فلما صار في الناحية اجتمعت إليه جماعة ممن كان هناك بعد الإصبهبذين وغيرهم، فأعطوه بيعتهم على نصرته؛ فلم يحدث في الأمر شيئاً. وقيل أنه لما قتل آذينجشنس الموجه لمحاربة بهرام جوبين، انفض الجمع الذي كان معه حتى وافوا المدائن، واتبعهم جوبين، فاضطرب أمر هرمز، وكتبت أخت آذينجشنس إلى أبرويز - وكانت تربه - نخبره بضعف هرمز للحادث في آذينجشنس، وأن العظماء قد اجمعوا على خلعه، وأعلمته أن جوبين إن سبقه إلى المدائن قبل موافاته احتوى عليها.
فلما ورد الكتاب على أبرويز، جمع من أمكنه من أرمينية وآذربيجان، وصار بهم إلى المدائن، واجتمع إليه الوجوه والأشراف مسرورين بموافاته، فتتوج بتاج الملك، وجلس على سريره، وقال: إن من ملتنا إيثار البر، ومن رأينا العمل بالخير، وإن جدنا كسرى بن قباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وإن هرمز أبانا كان لكم قاضياً عادلاً، فعليكم بلزوم السمع والطاعة. فلما كان اليوم الثالث، أتى أباه فسجد له، وقال: عمرك الله أيها الملك ! إنك تعلم أني بريءٌ مما أتى إليك المنافقون، وأني إنما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفاً من إقدامك على القتل. فصدقه هرمز وقال له: إن لي إليك يا بني حاجتين فأسعفني بهما؛ إحداهما: أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي والسمل لعيني، ولا تأخذ فيهم رأفة؛ والأخرى: أن تؤنسني كل يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي، وتأذن لهم في الدخول علي. فتواضع له أبرويز وقال: عمرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أظلنا ومعه الشجاعة والنجدة، ولسنا نقدر أن نمد يداً إلى من أتى إليك ما آتى، فإن أدالني الله على المنافق؛ فأنا خليفتك وطوع يدك.
وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه، فأقبل بجنده حثيثاً نحو المدائن، وأذكى أبرويز العيون عليه، فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح، فتسلح وأمر بندويه وبسطام وناساً كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده، فتزينوا وتسلحوا، وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام، والناس يدعون له، وقد احتوشه بندويه وبسطام وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطىء النهروان، فلما عرف بهرام مكانه، ركب برذوناً له أبلق كان معجباً به، وأقبل حاسراً ومعه إيزدجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبرويز أسيراً، وأعطاهم بهرام على ذلك أموالاً عظيمة. ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج، يسايره معه " درفش كابيان " علمهم الأعظم منشوراً، وأبصر بندويه وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم، اكتأب لذلك، وقال لمن معه: ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم، وتحول من الحداثة إلى الحنكة، واستوت لحيته وكمل شبابه، وعظم بدنه ! فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف على شاطىء النهروان.
إذ قال كسرى لبعض من كان واقفاً: أي هؤلاء بهرام ؟ فقال أخٌ لبهرام يسمى كردي لم يزل مطيعاً لأبزوير مؤثراً له: عمرك الله ! صاحب البرذون الأبلق. فبدأ كسرى فقال: إنك يا بهرام ركنٌ لمملكتنا وسنادٌ لرعيتنا، وقد حسن بلاؤك عندنا، وقد رأينا أن نختار لك يوماً صالحاً لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعاً؛ فقال له بهرام - وازداد من كسرى قرباً - : لكني أختار يوماً أصلبك فيه. فامتلأ كسرى حزناً من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء، وامتد بينهما الكلام، فقال بهرام لأبرويز: يا بن الزانية المربى في خيام الأكراد ! هذا ومثله، ولم يقبل شيئاً مما عرضه عليه، وجرى ذكر إيرش جد بهرام، فقرعه أبرويز بطاعة إيرش كانت لمنوشهر جده. وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه.
وكانت لبهرام أختٌ يقال لها كردية، من أتم النساء وأكملهن، وكان تزوجها، فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى، وأرادته على الدخول في طاعته، فلم يقبل ذلك، وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة، فيقال إنه لما كان من غد الليلة التي كانت البيات فيها، أبرز كسرى نفسه، فلما رأه الأتراك الثلاثة قصدوه، فقتلهم بيده أبرويز، وحرض الناس على القتال فتبين فشلاً، فأجمع أبرويز على إتيان بعض الملوك للاستجاشة به، فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى ملك الروم، فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة، فيهم بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام، فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا، فأعلموا أبرويز ذلك، واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جواباً، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خنقاً، ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا: سر على خير طائر، فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان، وصاروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوا إلى الراحة غشيتهم خيل بهرام، يرأسها رجلٌ يقال له بهرام بن سياوش، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له: احتل لنفسك، فإن القوم قد أطلوك؛ قال كسرى: ما عندي حيلة، فأعلمه بندويه أنه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير، ففعلوا ذلك، وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل، فلما وافى بهرام بن سياوش، اطلع عليه من فوق الدير بندويه وعليه بزة أبرويز، فوهمه بذلك أنه أبرويز، وسأله أن ينظره إلى غد ليصير في يده سلماً، فأمسك عنه، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته، فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يدي بهرام بن سياوش.
ويقال إن بهرام دخل دور الملك بالمدائن، وقعد على سريره، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبرويز، وذمه، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات وكلام، كان كلهم منصرفاً عنه، إلا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوج وانقاد له الناس خوفاً - ويقال إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك بجوبين، وإن جوبين ظهر على ذلك فقتله، وأفلت بندويه فلحق بآذربيجان، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية، وكاتب موريق ملك الروم منها، وأرسل إليه بجماعة ممن كان معه وسأله نصرته، فأجابه إلى ذلك، وقادته الأمور إلى أن زوجه مريم ابنته وحملها إليه، وبعث إليه بنياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له سرجس، يتولى تدبير أمرهم، ورجلٌ آخر كانت قوته تعدل يقوة ألف رجل، وأشترط عليه حياطته، وألا يسأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم. فلما ورد القوم على أبرويز اغتبط، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام، ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء، وفي القوم ثياذوس وسرجس والكمي الذي يعدل بألف رجل؛ وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان، ونزل صحراء تدعى الدنق، فوافاه هناك بندويه ورجل من أصبهبذى الناحية يقال له موسيل في أربعين ألف مقاتل، وانقض الناس من فارس وأصبهان وخراسان إلى أبرويز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرب شديدة قتل فيها الكمى الرومى. ويقال إن أبرويز حارب بهرام منفرداً من العسكر بأربعة عشر رجلاً - منهم كردي أخو بهرام، وبندويه وبسطام، وسابور بن أفرايان بن فرخزاد، وفرخهرمز - حرباً شديداً وصل فيها بعضهم إلى بعض. والمجوس تزعم أن أبرويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام، فلما ظن أنه قد تمكن منه، رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه.
وذكر أن المنجمين أجمعت أن أبرويز يملك ثمانياً وأربعين سنة. وقد كان أبرويز بارز بهرام فاختطف رمحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصف، فاضطرب على بهرام أمره ووجل، وعلم أنه لا حيلة له في أبرويز فانحاز نحو خراسان، ثم صار إلى الترك، وصار أبرويز إلى المدائن بعد أن فرق في جنود الروم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق. ويقال إن أبرويز كتب للنصارى كتاباً أطلق لهم فيه عمارة بيعهم وأن يدخل في ملتهم من أحب الدخول فيها من غير المجوس، واحتج في ذلك أن أنوشوان كان هادن قيصر في الإتاوة التي أخذها منه على استصلاح من في بلده من أهل بلده، واتخاذ بيوت النيران هنالك. وإن قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى؛ ولبث بهرام في الترك مكرماً عند الملك، حتى احتال له أبرويز بتوجيه رجل يقال له هرمز، وجهه إلى الترك بجوهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولاطفها بذلك الجوهر وغيره، حتى دست لبهرام من قتله. فيقال إن خاقان اغتم لقتله وأرسل إلى كردية أخته وامرأته يعلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسألها أن تزوج نفسها نطراً أخاه، وطلق خاتون بهذا السبب، فيقال إن كردية أجابت خاقان جواباً ليناً وصرفت نطراً، وإنها ضمت إليها من كان مع أخيها من المقاتلة وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس، وإن نطرا التركي اتبعها في اثنى عشر ألف مقاتل، وإن كردية قتلت نطراً بيدها ومضت لوجهها، وكتبت إلى أخيها كردى فأخذ لها أماناً من أبرويز. فلما قدمت عليه تزوجها أبرويز واغتبط بها وشكر لها ما كان من عتابها لبهرام، وأقبل أبرويز على برموريق وإلطافه. وإن الروم خلعوا - بعد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة - موريق وقتلوه وأبادوا ورثته - خلا ابن له هرب إلى كسرى - وملكوا عليهم رجلاً يقال له قوفا.
فلما بلغ كسرى نكث الروم عهد موريق وقتلهم إياه، امتعض من ذلك وأنف منه، وأخذته الحفيظة، فآوى ابن موريق اللاجئ إليه، وتوجه وملكه على الروم، ووجه معه ثلاثة نفر من قواده في جنود كثيفة. أما أحدهم فكان يقال رميوزان، وجهه إلى بلاد الشام فدوخها حتى انتهى إلى أرض فلسطين، وورد مدينة بيت المقدس فأخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى بخشبة الصليب، وكانت وضعت في تابوت من ذهب، وطمر في بستان وزرع فوقه مبقلة، وألح عليهم حتى دلوه على موضعها، فاحتفر عنها بيده واستخرجها، وبعث بها إلى كسرى في أربع وعشرين من ملكه.
وأما القائد الآخر - وكان يقال له شاهين، وكان فاذوسبان المغرب - فإنه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد نوبة، وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة إسكندرية في سنة ثمان وعشرين من ملكه. وأما القائد الثالث فكان يقال له فرهان، وتدعى مرتبته شهربراز. وإنه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها، وخيم هنالك، فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضباً مما انتهكوا من موريق، وانتقاماً له منهم، ولم يخضع لابن موريق منةالروم أحد ولم يمنحه الطاعة، غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم لما ظهر لهم من فجوره وجرأته على الله وسوء تدبيره، وملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل.
فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فاؤس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم، بكى إلى الله وتضرع إليه وسأله أن ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس، فرأى في منامه رجلاً ضخم الجثة رفيع المجلس، عليه بزة، قائماً في ناحية عنه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرجل عن مجلسه، وقال لهرقل: إنى قد أسلمته في يدك. فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد، ورأى الليلة الثانية في منامه أن الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع، وأن الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسلة طويلة، فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه، وقال له: هأنذا قد دفعت إليك كسرى برمته، فاغزه فإن الظفر لك، وإنك مدالٌ عليه ونائلٌ أمنيتك في غزاتك. فلما تتابعت عليه هذه الأحلام، قصها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم.
فأخبروه أنه مدالٌ عليه، وأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابناً له على مدينة قسطنطينية، وأخذ غير الطريق الذي فيه شهر براز، وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية، ونزل نصيبين بعد سنة، وكان شاهين - فاذوسبان المغرب - بباب كسرى حين ورد هرقل نصيبين لموجدة كانت من كسرى عليه، وعزله إياه عن ذلك الثغر، وكان شهر براز مرابطاً للموضع الذي كان فيه لتقدم كسرى كان إليه في الجثوم فيه، وترك البراح منه، فبلغ كسرى خبر تساقط هرقل في جنوده إلى نصيبين، فوجه لمحاربة هرقل رجلاً من قواده يقال له: راهزار، في اثني عشر ألف مقاتل، وأمره أن يقيم بنينوى من مدينة الموصل على شاطئ دجلة، ويمنع الروم أن يجوزها - وكان كسرى حين بلغه خبر هرقل مقيماً بد سكرة الملك - فنفذ راهزار لأمر كسرى، وعسكر حيث أمره، فقطع هرقل دجلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جندٌ فارس، فأذكى راهزار العيون عليه، فانصرفوا إليه وأخبروه أنه في سبعين ألف مقاتل، وأيقن راهزار أنه ومن معه من الجنود عاجزون عن مناهضة سبعين ألف مقاتل، فكتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسن عدتهم، كل ذلك يجيبه كسرى في كتابه؛ أنه إن عجز عن أولئك الروم فلن يعجز عن استقتالهم وبذل دمائهم في طاعته. فلما تتابعت على راهزار جوابات كتبه إلى كسرى بذلك، عبى جنده وناهض الروم، فقتلت الروم راهزار وستة آلاف رجل، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم، وبلغ كسرى قتل الروم راهزار وما نال هرقل من الظفر، فهده ذلك وانحاز من دسكرة المكل إلى المدائن، وتحصن فيها لعجزه كان من محاربة هرقل.
وسار هرقل حتى كان قريباً من المدائن، فلما تساقط إلى كسرى خبره واستعد لقتاله، انصرف إلى أرض الروم وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل منهم ومن أصحابهم، ممن فشل في تلك الحرب ولم يرابط مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما استوجب، فأحرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصف ما كان من أمر الروم في عمله.
وقد قيل: إن قول الله: " آلم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ، إنما نزل في أمر أبرويز ملك فارس وملك الروم هرقل، وما كان بينهما مما قد ذكرت من هذه الأخبار.
ذكر من قال ذلك: حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة: أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض. قال: وأدنى الأرض يومئذ أذرعات، بها التقوا فهزمت الروم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة؛ فشق ذلك عليهم - وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم - وفرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنكم أهل الكتاب والنصارى أهل كتابٍ ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم؛ فأنزل الله " آلم غلبت الروم " - إلى - " وهم عن الآخرة هم غافلون " ، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا ! فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا. فقام إليه أبي بن خلفٍ الجمحي، فقال: كذبت يا أبا فصيل ! فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله ! فقال: أنا حبك ! عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل. فخرج أبو بكر فلقي أبياً فقال: لعلك ندمت، قال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت.
حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن أبي بكر عن عكرمة، قال: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى، فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل، قالت: هذا فلانٌ وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر؛ وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان، وهذا شهربراز وهو أحلم من كذا؛ فاستعمل أيهم شئت، قال: فإني قد استعملت الحليم، فاستعمل شهربراز، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم، فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم. قال أبو بكر: فحدثت هذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام ؟ قلت: لا قال: أما أنك لو أتيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع؛ فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته.
قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر، أن قيصر بعث ردلاً يدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى بشهربراز، فالتقيا بأذرعات وبصرى - وهي أدنى الشأم إليكم - فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرح بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون، فأنزل الله: " آلم غلبت الروم ... " الآيات. ثم ذكر مثل حديث عكرمة، وزاد: فلم يبرح شهربراز يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، ثم مات كسرى فبلغهم موته، فانهزم شهربراز وأصحابه، وأديلنا عليهم الروم عند ذلك فاتبعوهم يقتلونهم.
قال: وقال عكرمة في حديثه: لما ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى؛ فبلغت كسرى، فكتب إلى شهربراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان. فكتب إليه: أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرخان؛ إن له نكايةً وصوتاً في العدو فلا تفعل. فكتب إلأيه: إن في رجال فارس خلفاً منه، فعجل علي برأسه. فراجعه. فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريداً إلى أهل فراس: إني قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان. ثم دفع إلى البريد صحيفةً صغيرة، وقال: إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه، فأعطه هذه الصحيفة. فلما قرأ شهربراز الكتاب، قال: سمعاً وطاعةً، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع الصحيفة إليه فقال: ائتوني بشهربراز، فقدمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد ! فرد الملك إلى أخيه، وكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجةً لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف، فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين رومياً، فإني ألقاك في خمسين فارسياً، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه؛ أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل منهما سكين، فدعوا ترجماناً بينهما، فقال شهربراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا فأراد أن أقتل أخي، فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني؛ فقد خلعناه جميعاً فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعاً بسكينهما؛ فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ففرح ومن معه.
وحدثت عن هشام بن محمد، أنه قال: في سنة عشرين من ملك كسرى أبرويز، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من ملكه إلى المدينة.
ذكر الخبر عن الأسباب التي حدثت عند إرادة الله
إزالة ملك فارس عن أهل فارس
ووطأتها العرب بما أكرمهم به بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم
من النبوة والخلافة والملك والسلطان في أيام كسرى أبرويز
فمن ذلك ما روى عن وهب بن منبه، وهو ما حدثنا به ابن حميد. قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان من حديث كسرى كما حدثني بعض أصحابي، عن وهب بن منبه، أنه كان سكر دجلة العوراء، وأنفق عليها من الأموال ما لا يدري ما هو، وكان طاق مجلسه قد بني بنياناً لم ير مثله، وكانن يعلق تاجه؛ فيجلس فيه إذا جلس للناس، وكان عنده ستون وثلثمائة رجل من الحزاة - والحزاة العلماء - من بين كاهنٍ وساحرٍ ومنجم؛ قال: وكان فيهم رجل من العرب يقال له السائب، يعتاف اعتياف العرب قلما يخطئ - بعث به إليه باذان من اليمن - فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو ! فلما أن بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، أصبح كسرى ذات غداةٍ وقد انقصمت طاق ملكه من وسطها من غير ثقل، وانخرقت عليه دجلة العوراء، فلما رأى ذلك حزنه، وقال: انقصمت طاق ملكي من وسطها من غير ثقل، وانخرقت علي دجلة العوراء، شاه بشكست: يقول: الملك انكسر. ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه، ودعا السائب معهم، فقال لهم: انقصمت طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت علي دجلة العوراء، شاه بشكست انظروا في هذا الأمر ما هو ؟ فخرجوا من عنده فنظروا في أمره، فأخذ عليهم بأقطار السماء، وأظلمت عليهم الأرض، وتسكعوا في علمهم، فلا يمضى لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا يستقيم لمنجم علم نجومه. وبات السائب في ليلة ظلماء على ربوة الأرض يرمق برقاً نشأ من قبل الحجاز ، ثم استطار حتى بلغ المشرق، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه؛ فإذا روضة خضراء، فقاتل فيما يعتاف: لئن صدق ما رأى، ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق؛ تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله.
فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض، ورأوا ما قد أصابهم، ورأى السائب ما رأى، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمر جاء من السماء، وإنه لنبي قد بعث - أو هو مبعوث - يسلب هذا الملك ويكسره. ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فأقيموا بينكم أمراً تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى أمرٍ ما ساعة.
فجاءوا كسرى، فقالوا له: إنا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك، وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها، فزال كل ما وضع عليهما؛ وإنا سنحسب لك حساباً تضع عليه بنيانك فلا يزول. قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى. فعمل في دجلة ثمانية أشهر وأنفق فيها من الأموال مالا يدري ما هو، حتى إذا فرغ منها قال لهم: أجلس على سورها ؟ قالوا: نعم، فأمر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها، وأمر بالمرازبة فجمعوا له، واجتمع إليه اللعابون، ثم خرج حتى جلس عليها، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته، فلم يستخرج إلا بآخر رمق. فلما أخرجوه، جمع كهانه وسحاره ومنجميه، فقتال منهم قريباً من مائة، وقال سمنتكم وأدنيتكم من دون الناس، وأجريت عليكم أرزاقي، ثم تلعبون بي ! فقالوا: أيها الملك، أخطأنا كما أخطأ من كان قبلنا، ولكنا سنحسب لك حساباً فتثبت حتى تضعها على الوثاق من السعود. قال: انظروا ما تقولون ! قالوا: فإنا نفعل؛ قال: فاحسبوا، فحسبوا له، ثم قالوا له: ابنه، فبنى وأنفق من الأموال ما لا يدري ما هو، ثمانية أشهر من ذي قبل. ثم قالوا: قد فرغنا، قال: أفأخرج فأقعد عليها ؟ قالوا: نعم، فهاب الجلوس عليها، وركب بروذنا له، وخرج يسير عليها؛ فبينما هو يسير فوقها إذ انتسفته دجلة البنيان، فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم فقال: والله لأمرن على آخركم ولأنزعن أكتافكم، ولأطرحنكم تحت أيدي الفيلة أو لتصدقني ما هذا ألأمر الذي تلقفون علي ! قالوا: لا نكذبك أيها الملك، أمرتنا حين انخرقت عليك دجلة، وانقصمت عليك طاق مجلسك من غير ثقل أن ننظر في علمنا لم ذلك ! فنظرنا ، فأظلمت علينا الأرض وأخذ علينا بأقطار السماء ، فتردد علينا علمنا في أيدينا، فلا يستقيم لساحر سحره، ولا لكاهن كهانته، ولا لمنجم علم نجومه؛ فعرفنا أن هذا الأمر حدث من السماء، وأنه قد بعث نبي أو هو مبعوث؛ فلذلك حيل بيننا وبين علمنا، فخشينا أن نعينا لك ملكك أن تقتلنا، وكرهنا من الموت ما يكره الناس، فعللناك عن أنفسنا بما رأيت. قال: ويحكم ! فهلا تكونوا بينم لي هذا فأرى فيه رأي ! قالوا: منعنا من ذلك ما تخوفنا منك. فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الفضل ابن عيسى الرقاشي، عن الحسن البصري؛ أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، ما حجة الله على كسرى فيك ! قال: بعث إليه ملكاً فأخرج يده من سور جدار بيته الذي هو فيه يتلألأ نوراً، فلما رآها فزع، فقال: لم ترع يا كسرى، إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك، قال: سأنظر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: بعث الله إلى كسرى ملكاً وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه، فلم يرعه إلا به قائماً على رأسه في يده عصا، بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا ! فقال: بهل بهل، فانصرف عنه ثم دعا أحراسه وحجابه فتغيظ عليهم، وقال: من أدخل هذا الرجل علي ؟ فقالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه؛ حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها، فقال له كما قال له، ثم قال له: أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال: بهل بهل بهل؛ ثلاثاً؛ فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وحراسه وبوابيه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مكرة، فقالوا: ما رأينا أحداً دخل عليك. حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاءه فيها، فقال له كما قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال: بهل بهل، قال: فكسر العصا، ثم خرج فلم يكن إلا تهور ملكه؛ وانبعاث ابنه والفرس حتى قتلوه.
قال عبد الله بن أبي بكر: فقال الزهري: حدثت عمر بن عبد العزيز هذا الحديث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فقال: ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يديه، ثم قال له: أسلم، فلم يفعل، فضرب إحداهما على الأخرى فرضضهما، ثم خرج فكان من أمر هلاكه ما كان.
حدثني يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا علي بن عاصم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، يقول: بينما كسرى ابن هرمز نائم ليلة في هذا الإيوان، إيوان المدائن، والأساورة محدقون بقصره؛ إذ أقبل رجل يمشي معه عصا؛ حتى قام على رأسه، فقال: يا كسرى ابن هرمز؛ إني رسول الله إليك أن تسلم، قالها ثلاث مرات - وكسرى مستلقٍ ينظر إليه لا يجيبه؛ ثم انصرف عنه - قال: فأرسل كسرى إلى صاحب حرسه، فقال: أنت أدخلت علي هذا الرجل ؟ قال: لم أفعل ولم يدخل من قبلنا أحد. قال: فلما كان العام المقبل خاف كسرى تلك الليلة، فأرسل إليه أن أحدق بقصري، ولا يدخل علي أحد، قال: ففعل، فلما كان تلك الساعة إذا وهو قائم على رأسه، ومعه عصاً، وهو يقول له: يا كسرى بن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، فأسلم خير لك - قال: وكسرى ينظر إليه لا يجيبه - فانصرف عنه، قال: فأرسل كسرى إلى صاحب الحرس: ألم آمرك ألا يدخل علي أحد ! قال: أيها الملك، إنه والله ما دخل عليك من قبلنا أحد، فانظر من أين دخل عليك ؟ قال: فلما كان العام المقبل؛ فكأنه خاف تلك الليلة، فأرسل إلى صاحب الحرس والحرس: أن أحدقوا بي الليلة، ولا تدهخل إمراة ولا رجل؛ ففعلوا. فلا كان تلك الساعة، إذا هو قائم على رأسه، وهو يقول: يا كسرى بن هرمز، إني رسول الله إليك أن تسلم، فأسلم خير لك، قالها ثلاث مرات وكسرى ينتظرإليه لا يجيبه.
قال: يا كسرى إنك قد أبيت علي، والله ليكسرنك الله كما أكسر عصاي هذه، ثم كسرها وخرج؛ فأرسل كسرى إلى الحرسة، فقال: ألم آمركم ألا يدخل علي الليلة أحد، أهل ولا ولد ! قالوا: ما دخل عليك من قبلنا من أحد ! قال فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله.
ذكر خبر يوم ذي قارومن ذلك ما كان من أمر ربيعة والجيش الذي كان أنفذه إليهم كسرى أبرويز لحربهم، فالتقوا بذي قار.
وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه ما كان من هزيمة ربيعة جيش كسرى، قال: " هذا أول يوم انتصف العرب من العجم؛ وبي نصروا " .
وهو يوم قراقر ويوم الحنو حنو ذي قار، ويوم حنو قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذي العجرم، ويوم الغذوان، ويوم البطحاء، بطحاء ذي قار، وكلهن حول ذي قار.
فحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: حدثني أبو المختار فراس بن خندق - أو خندقة - وعدة من علماء العرب قد سماهم؛ أن الذي جر يوم ذي قار، قتل النعمان بن المنذر اللخمي عدى بن زيد العبادي؛ وكان عدي من تراجمة أبرويز كسرى بن هرمز.
وكان سبب قتل النعمان بن المنذر عدي بن زيد، ما ذكر لي عن هشام ابن محمد، قال: سمعت إسحاق بن الجصاص - وأخذته من كتاب حماد وقد ذكر أبي بعضه - قال: ولد زيد بن حماد بن زيد بن أيوب بن محروف بن عامر بن عصية بن امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم ثلاثة: عدياً الشاعر، وكان جميلاً شاعراً خطيباً، وقد قرأ كتب العرب والفرس، وعمارا - وهو أبي - وعمراً - وهو سمي - ولهم أخ من أمهم، يقال له عدي بن حنظلة من طيىء. وكان عمار يكون عند كسرى، فكان أحدهما يشتهي هلاك عدي بن زيد، وكان الآخر يتدين في نصرانيته ، وكانوا أهل بيت يكونون مع الأكاسرة لهم معهم أكلٌ وناحيةٌ، يقطعونهم القطائع، ويجزلون صلاتهم، وكان المنذر بن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي، فهم الذين أرضعوه وربوه، وكان للمنذر ابن آخر يقال له الأسود، أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب، فأرضعه. ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم: بنو مرينا، ينسون إلى لخم، وكانوا أشرافاً. وكان للمنذر بن المنذر سوى هذين من الولد عشرة؛ وكان يقال لولده كلهم الأشاهب، من جمالهم، فذلك قول الأعشى:
وبنو المنذر الأشاهب بالحيرة ... يمشون غدوةً بالسيوف
وكان النعمان أحمر أبرش قصيراً، وكانت أمه يقال لها سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك. وكانت أمةً للحارث ابن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب من كلب، وكان قابوس بن المنذر الأكبر عم النعمان وإخوته، بعث إلى كسرى بن هرمز بعدي بن زيد وإخوته. فكانوا في كتابه يترجمون له، فلما مات المنذر بن المنذر وترك ولده هؤلاء الثلاثة عشر، جعل على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى رأيه فكان عليه أشهراً، وكسرى في طلب رجل يملكه على العرب. ثم إن كسرى بن هرمز دعا عدي بن زيد، فقال له: من بقي من بني المنذر ؟ وما هم ؟ وهل فيهم خير ؟ فقال: بقيتهم في ولد هذا الميت المنذر بن المنذر، وهم رجال، فقال: ابعث إليهم، فكتب فيهم فقدموا عليه، فأنزلهم على عدي بن زيد. فكان عدي يفضل إخوة النعمان عليه في النزل، وهو يريهم أنه لا يرجوه. ويخلو بهم رجلاً رجلاً، ويقول لهم: إن سألكم الملك: أتكفونني العرب ؟ فقولوا: نكفيكهم إلا النعمان، وقال للنعمان: إن سألك الملك: عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم، فأنا عن غيرهم أعجز.
وكان من بني مارينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، وكان مارداً شاعراً، وكان يقول للأسود بن المنذر: إنك قد عرفت أني لك راجٍ، وإن طلبي ورغبتي إليك أن تخالف عدي بن زيد، فإنه والله لا ينصح لك أبداً. فلم يلتفت إلى قوله.
فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه، جعل يدخلهم عليه رجلاً رجلاً، فيكلمه، فكان يرى رجالاً قلما رأى مثلهم، فإذا سألهم: هل تكفونني ما كنتم تلون ؟ قالوا: نكفيك العرب إلا النعمان، فلما دخل عليه النعمان رأى رجلاً دميماً فكلمه، وقال له: أتستطيع أن تكفيني العرب ؟ قال: نعم قال، فكيف تصنع بإخوتك ؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز. فملكه وكساه. وألبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم، فيه اللؤلؤ والذهب. فلما خرج - وقد ملك - قال عدي بن أوس بن مرينا للأسود: دونك فإنك قد خالفت الرأي.
ثم إن عدي بن زيد صنع طعاماً في بيعة، ثم أرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت، فإن لي حاجة، فأتاه في ناس فتغدوا في البيعة، وشربوا، فقال: عدي بن زيد لعدي بن مرينا: يا عدي، إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه، من كان مثلك؛ إني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب ألا تحقد علي شيئاً لو قدرت عليه ركبته، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي؛ فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك. فقام عدي بن زيد إلى البيعة فحلف ألا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبداً، ولا يزوي عنه خبراً أبداً. فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا، فحلف على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبداً، ويبغيه الغوائل ما بقي. وخرج النعمان حتى نزل منزلة بالحيرة، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد:
ألا بلغ عدياً عن عديٍ ... فلا تجزع وإن رثت قواكا
هياكلنا تبز لغير فقر ... لتحمد أو يتم به غناكا
فإن ظفر فلم تظفر حميداً ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعى لما ... رأت عيناك ما صنعت يداكا
وقال عدي بن مرينا للأسود: أما إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي، الذي عمل بك ما عمل فقد كنت أخبرك أن معداً لا ينام مكرهاً. أمرتك أن تعصيه فخالفتني. قال: فما تريد ؟ قال: أريد ألا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي. ففعل.
وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة، فلم يك في الدهر يوم إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه، وكان لا يقضي في مكله شيئاً إلا بأمر عدي بن مرينا، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عنده أحسن عليه الثناء، وذكر فضله، وقال: إنه لا يصلح المعدي إلا أن يكون فيه مكر وخديعة. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عدي ابن زيد عند الملك بخير فقولوا: إنه لكما تقول، ولكنه لا يسلم عليه أحد؛ وإنه ليقول: إن الملك - يعني النعمان - عامله، وإنه ولاه ما ولاه؛ فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه، وكتبوا كتاباً على لسان عدي إلى قهرمان لعدي ثم دسوا له، حتى أخذوا الكتاب، ثم أتى به النعمان فقرأه، فأغضبه، فأرسل إلى عدي بن زيد: عزمت عليك إلا زرتني، فإني قد اشتقت إلى رؤيتك ! وهو عند كسرى فاستأذن كسرى، فأذن له، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عدي بن زيد يقول الشعر وهو في السجن، فكان أول ما قال في السجن من الشعر:
ليت شعري عن الهمام ويأتي ... ك بخبر الأنباء عطف السؤال
فقال أشعاراً، وكان كلما قال عدي من الشعر، بلغ النعمان وسمع ندم على حبسه إياه، فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل، فقال عدي:
أرقت لمكفهرٍ بات فيه ... بوارق يرتقين رءوس شيب
وقال أيضاً:
طال ذا الليل علينا واعتكر
وقال أيضاً:
ألا طال الليالي والنهار
وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعاراً، يذكره فيها الموت، ويخبره من هلك من الملوك قبله، فقال:
أرواحٌ مودعٌ أم بكور
وأشعاراً كثيرة.
قال: وخرج النعمان يريد البحرين، فأقبل رجل من غسان، فأصاب في الحيرة ما أحب. ويقال: الذي أغار على الحيرة فحرق فيها، جفنة بن النعمان الجفني، فقال عدي:
سما صقرٌ فأشعل جانبيها ... وألهاك المروح والعزيب
فلما طال سجن عدي كتب إلى أخيه أبي، وهو مع كسرى بشعر فقال:
أبلغ أبياً على نأيه ... وهل ينفع المرء ما قد علم !
بأن أخاك شقيق الفؤا ... د كنت به والهاً ما سلم
لدى ملكٍ موثق بالحدي ... د إما بحق وإما ظلم
فلا أعرفنك كدأب الغلا ... م ما لم يجد عارماً يعترم
فأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومةً ليس فيها حلم
فكتب إليه أخوه:
إن يكن خانك الزمان فلا عا ... جز باعٍ ولا ألف ضعيف
ويمين الإله لو أن جأوا ... ء طحونا تضيء فيها السيوف
ذات رزٍ مجتابةً غمرة المو ... ت صحيحٌ سربالها مكفوف
كنت في حميها، لجئنك أسعى ... فاعلمن لو سمعت إذ تستضيف
أو بمالٍ سئلت دونك لم يمن ... نع تلادٌ لحاجةٍ أو طريف
أو بأرضٍ أسطيع آتيك فيها ... لم يهلني بعيدها أو مخوف
في الأعادي وأنت مني بعيدٌ ... عز هذا الزمان والتعريف
إن تفتني والله ظغلفاً فجوعاً ... لا يعقبك ما يصوب الخريف
فلعمري لئن جزعت عليه ... لجزوعٌ على الصديق أسوف
ولعمري لئن ملكت عزائي ... لقيلٌ شرواك فيما أطوف
فزعموا أن أبياً لما قرأ كتاب عدي قام إلى كسرى فكلمه، فكتب وبعث معه رجلاً، وكتب خليفة النعمان إليه: إنه قد كتب إليك في أمره. فأتاه أعداء عدي من بني بقيلة من غسان، فقالوا: اقتله الساعة، فأبى عليهم وجاء الرجل، وقد تقدم أخو عدي إليه ورشاه، وأمره أن يبدأ بعدي، فدخل عليه وهو محبوس بالصنين، فقال: ادخل عليه فانظر ما يأمرك به، فدخل الرسول على عدي، فقال: إني قد جئت بإرسالك، فما عندك ؟ قال: عندي الذي تحب، ووعده عدة. وقال: لا تخرجن من عندي، وأعطني الكتاب حتى أرسل به، فإنك والله إن خرجت من عندي لأقتلن، فقال: لا أستطيع إلا أن أتى الملك بالكتاب، فأدخله عليه، فانطلق مخبر حتى أتى النعمان، فقال: إن رسول كسرى قد دخل على عدي وهو ذاهب به، وإن فعل والله لم يستبق منا أحداً، أنت ولا غيرك. فبعث إليه النعمان أعداءوه فغموه حتى مات، ثم دفنوه.
ودخل الرسول على النعمان بالكتاب. فقال: نعم وكرامة ! وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية، وقال له: إذا أصبحت فادخل عليه؛ فأخرجه أنت بنفسك. فلما أصبح ركب، فدخل السجن، فقال له الحرس: إنه قد مات منذ أيام، فلم نجترىء على أن نخبر الملك للفرق منه، وقد علمنا كراهته لموته. فرجع إلى النعمان فقال: إني قد دخلت عليه وهو حي، وجئت اليوم فجحدني اللسجان وبهتني. وذكر له أنه قد مات منذ أيام فقال له النعمان: يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي ! كذبت، ولكنك أردت الرشوة والخبث. فتهدده ثم زاده جائزة وأكرمه، واستوثق منه ألا يخبر كسرى؛ إلا أنه قد مات قبل أن يقدم عليه.
فرجع الرسول إلى كسرى، فقال: إنه قد مات قبل أن أدخل عليه، وندم النعمان على موت عدي، واجترأ أعداء عدي على النعمان؛ وهابهم النعمان هيبة شديدة؛ فخرج النعمان في بعض صيده ذات يوم. فلقى ابنا لعدي، يقال له زيد، فلما رآه عرف شبهه، فقال: من أنت ؟ قال: أنا زيد بن عدي بن زيد، فكلمه فإذا غلام ظريف، ففرح به فرحاً شديداً، وقربه وأعطاه، واعتذر إليه من أمر أبيه، وجهزه، ثم كتب إلى كسرى إن عدياً كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبه، فأصابه ما لا بد منه، وانقضت مدته، وانقطع أكله، ولم يصب به أحد اشد من مصيبتي؛ وأما الملك فلم يكن ليفقد رجلاً إلا جعل الله له منه خلفاً، لما عظم الله له من ملكه وشأنه، وقد أدرك له ابن ليس دونه، وقد سرحته إلى الملك، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه، فليفعل.
فلما قدم الغلام على كسرى جعله مكان أبيه، وصرف عمه إلى عمل آخر، فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب، وخاصة الملك. وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة: مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة، والأقط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك، وكان هذا عمل عدي.
فلما وقع عند الملك بهذا الموقع، سأله كسرى عن النعمان، فأحسن عليه الثناء، فمكث سنوات يمنزلة أبيه، وأعجب به كسرى، وكان يكثر الدخول عليه، وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة، فإذا وجدت حملت إلى الملك غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك، ولا يريدونه.
فبدأ الملك في طلب النساء فكتب بتلك الصفة. ثم دخل على كسرى فكلمه فيما دخل فيه، ثم قال: إنى رأيت الملك كتب في نسوة يطلبن له، فقرأت الصفة، وقد كنت بآل المنذر عالماً، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. قال: فتكتب فيهن. قال: أيها الملك؛ إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم، فأنا أكره أن يغيبهن عمن تبعث إليه، أو يعرض عليه غيرهن؛ وإن قدمت أنا عليه لم يقدر أن يغيبهن، فابعثني وابعث معي رجلا من حرسك يفقه العربية، حتى أبلغ ما تحبه. فبعث معه رجلا جليداً، فخرج به زيد، فجعل يكرم ذلك الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة .
فلما دخل عليه أعظم الملك، وقال: إنه قد احتاج إلى نساءٍ لأهله وولده، وأراد كرامتك بصهره، فبعث إليك. فقال: وما هؤلاء النسوة ؟ فقال: هذه صفتهن قد جئنا بها.
وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية، كان أصابها إذ أغار على الحارث الأكبر الغساني بن أبي شمر، فكتب إلى أنوشروان يصفها له، وقال: إني قد وجهت إلى الملك جارية معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء، قمراء، وطفاء، كحلاء دعجاء، حوراء، عيناء، قنواء، شماء، زجاء، برجاء، أسيلة الخد، شهية القد، جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح القبل، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، عظيمة الركبة مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموعاً للسيد، ليست بخنساء، ولا سعفاء، ذليلة الأنف، عزيزة النفر، لم تغذ في بؤس، حيية رزينة، حليمةً ركينةً، كريمة الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، فطيعة اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت، وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحمر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست.
فقبلها كسرى، وأمر بإثبات هذه الصفة في دواوينه، فلم يزالوا يتوارثونها حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز، فقرأ عليه زيد هذه الصفة، فشق عليه، فقال لزيد - والرسول يسمع: أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم ! فقال الرسول لزيد: ما العين. قال: البقر، فقال زيد للنعمان: إنما أراد كرامتك؛ ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به.
فأنزلهما يومين، ثم كتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي، وقال لزيد: اعذرني عنده، فلما رجع إلى كسرى، قال زيد للرسول الذي جاء معه: اصدق الملك الذي سمعت منه، فإني سأحدثه بحديثك ولا أخالفك فيه. فلما دخلا على كسرى، قال زيد: هذا كتابه، فقرأه عليه، فقال له كسرى: فأين الذي كنت خبرتني به ؟ قال: قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم، وأن ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياش، واختيارهم السموم والرياح على طيب أرضك هذه، حتى أنهم ليسمونها السجن؛ فسل هذا الرسول الذي كان معي عن الذي قال، فإني أكرم الملك عن الذي قال ورد عليه أن أقوله، فقال للرسول: وما قال ؟ قال: أيها الملك، أما في بقر السواد وفارس، ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا ! فعرف الغضب في وجهه، ووقع في قلبه منه ما وقع، ولكنه قد قال: رب عبدٍ قد أراد ما هو أشد من هذا، فيصير أمره إلى التباب.
وشاع هذا الكلام، فبلغ النعمان، وسكت كسرى على ذلك أشهراً، وجعل النعمان يستعد ويتوقع؛ حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك إليك حاجة؛ فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه، وما قوى عليه، ثم لحق بجبلي طيىء. وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلاً وامرأة، وكانت أيضاً عنده زينب ابنة أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيئاً على أن يدخلوه بين الجبلين، ويمنعوه. فأبوا ذلك عليه، وقالوا: لو لا صهرك لقاتلناك، فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى، ولا طاقة لنا به. فأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحد من الناس يقبله، غير أن بني رواحة بن سعد من بني عبس قالوا: إن شئت قاتلنا معك - لمنة كانت له عندهم في أمر مروان القرظ - قال: لا أحب أن أهلككم، فإنه لا طاقة لكم بكسرى.
فأقبل حتى نزل بذي قار في بني شيبان سراً، فلقي هانىء بن مسعود ابن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وكان سيداً منيعاً، والبيت يومئذ من ربيعة في آل ذي الجدين، لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين. وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئاً مانعه مما يمنع منه نفسه.
وتوجه النعمان إلى كسرى، فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال: انج نعيم إن استطعت النجاء، فقال: أنت يا زيد فعلت هذا ! أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك ! فقال له زيد: امض نعيم، فقد والله وضعت لك عنده أخية لا يقطعها المهر الأرن، فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه، فقيده وبعث به إلى خانقين، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه، والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى:
فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات، وهو محرزق
وإنما هلك بخانقين، وهذا قبيل الإسلام، فلم يلبث إلا يسيراً حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان سبب وقعة ذي قار بسبب النعمان.
وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: حدثنا أبو المختار فراس بن خندق، وعدة من علماء العرب قد سماهم، أن النعمان لما قتل عدياً كاد أخو عدي وابنه النعمان عند كسرى، وحرفا كتاب اعتذاره إليه بشيء غضب منه كسرى، فأمر بقتله، وكان النعمان لما خاف كسرى استودع هانىء بن مسعود بن عامر الخصيب بن عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة، حلقته ونعمه وسلاحاً غير ذلك، وذاك أن النعمان كان بناه ابنتين له.
قال أبو عبيدة: وقال بعضهم: لم يدرك هانىء بن مسعود هذا الأمر، إنما هو هانىء بن قبيصة بن هانىء بن مسعود. وهو الثبت عندي - فلما قتل كسرى النعمان، استعمل إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان. قال أبو عبيدة: كان كسرى لما هرب من بهرام مر بإياس بن قبيصة فأهدى له فرساً وجزوراً، فشكر ذلك له كسرى.
فبعث كسرى إلى إياس: أين تركة النعمان ؟ قال: قد أحرزها في بكر بن وائل، فأمر كسرى إياساً أن يضم ما كان للنعمان ويبعث به إليه فبعث فبعث إياس إلى هانىء: أن أرسل إلي ما استودعك النعمان من الدروع وغيرها - والمقلل يقول: كانت أربعمائة درع، والمكثر يقول: كانت ثمانمائة درع - فأبى هانىء أن يسلم خفارته. قال: فلما منعها هانىء، غضب كسرى وأظهر أن يستأصل بكر بن وائل - وعنده يومئذ النعمان بن زرعة التغلبي؛ وهو يحب هلاك بكر بن وائل - فقال لكسرى: يا خير الملوك، أدلك على غرة بكر ؟ قال نعم، قال أمهلها حتى تقيظ، فإنهم لو قد قاظوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار، تساقط الفراش في النار، فأخذتهم كيف شئت، وأنا أكفيكهم، فترجموا له قوله: " تساقطوا تساقط الفراش في النار " ، فأقرهم حتى إذا قاظوا، جاءت بكر بن وائل فنزلت الحنو، حنو ذي قار؛ وهي من ذي قار على مسيرة ليلة، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة: أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال، فنزل النعمان على هانىء ثم قال له: أنا رسول الملك إليكم أخيركم ثلاث خصال: إما أن تعطوا بأيديكم فيحكم فيكم الملك بما شاء، وإما أن تعروا الديار، وإما أن تأذنوا بحرب.
فتوامروا فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وكانوا يتيمنون به فقال لهم: لا أرى إلا القتال؛ لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قتلتم وسبيت ذراريكم، وإن هربتم قتلكم العطش، وتلقاكم تميم فتهلككم. فآذنوا الملك بحرب. فبعث الملك إلى أياس وإلى الهامرز التستري - وكان مسلحه بالقطقطانة - وإلى جلابزين - وكان مسحله ببارق - وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود ابن قيس بن خالد بن ذي الجدين - وكان كسرى استعمله على طفّ سفوان - أن يوافوا إياساً، فإذا اجتمعوا فإياس على الناس. وجاءت الفرس معها الجنود والفيول عليها الأساورة، وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم ورق أمر فارس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اليوم انتصفت العرب من العجم " ، فحفظ ذلك اليوم؛ فإذا هو يوم الوقعة. فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم انسل قيس بن مسعود ليلاً فأتى هانئاً، فقال له: أعط قومك سلاح النعمان فيقووا. فإن هلكوا كان تبعاً لأنفسهم، وكنت قد أخذت بالحزم، وإن ظفروا ردوه عليك. ففعل وقسم الدروع والسلاح في ذوي القوى والجلد من قومه. فلما دنا الجمع من بكر. قال لهم هانىء: يا معشر بكر، إنه لا طاقة لكم بجنود كسرى ومن معهم من العرب، فاركبوا الفلاة. فتسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيار فقال له: إنما أردت نجاتنا فلم تزد على أن ألقيتنا في الهلكة، فرد الناس وقطع وضن الهوادج لئلا تستطيع بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا - فسمي مقطع الوضن، وهي حزم الرجال.
ويقال: مقطع البطن، والبطن حزم الأقتاب - وضرب حنظلة على نفسه قبة ببطحاء ذي قار، وآلى ألا يفر حتى تفر القبة. فمضى من مضى من الناس، ورجع أكثرهم، واستقوا ماء لنصف شهر، فأتتهم العجم، فقاتلهم بالحنو، فجزعت العجم من العطش، فهربت ولم تقم لمحاصرتهم، فهربت إلى الجبابات، فتبعتهم بكر، وعجل أوائل بكر، فتقدمت عجل، وأبلت يومئذ بلاء حسناً، واضطمت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدوا عجلاً ثابتة تقاتل، وامرأة منهم تقول:
إن يظفروا يحرزوا فينا الغرل ... إيهاً فداءٌ لكم بني عجل !
وتقول أيضاً تحضض الناس:
إن تهزموا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تهربوا نفارق ... فراق غير وامق
فقاتلوهم بالجبابات يوماً. ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذي قار، فأرسلت إياد إلى بكر سراً - وكانوا أعواناً على بكر مع إياس بن قبيصة: أي الأمرين أعجب إلأيكم ؟ أن نطير تحت ليلتنا فنذهب، أو نقيم ونفر حين تلاقوا القوم ؟ قالوا: بل تقيمون، فإذا التقى القوم انهزمتم بهم. قال: فصبحتهم بكر بن وائل، والظعن واقفة يذمرن الرجال على القتال. وقال يزيد بن حمار السكوني - وكان حليفاً لبني شيبان - : يا بني شيبان، أطيعوني وأكمنوني لهم كميناً. ففعلوا، وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم فكمنوا في مكان من ذي قار، يسمى إلى اليوم الجب، فاجتلدوا ، وعلى ميمنة إياس بن قبيصة الهامرز، وعلى مسيرته الجلابزين، وعلى ميمنة هانىء بن قبيصة رئيس بكر بن يزيد بن مسهر الشيباني، وعلى مسيرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، وجعل الناس يتحاضون ويرجزون، فقال حنظلة بن ثعلبة:
قد شاع أشياعكم فجدوا ... ما علتي وأنا مؤدٍ جلد !
والقوس فيها وترٌ عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد
قد جعلت أخبار قومي تبدو ... إن المنايا ليس منها بد
هذا عميرٌ تحته ألد ... يقدمه ليس له مرد
حتى يعود كالكميت الورد ... خلوا بني شيبان واستبدوا
نفسي فداكم وأبى والجد
وقال حنظلة أيضاً:
يا قوم طيبوا بالقتال نفساً ... أجدر يومٍ أن تفلوا الفرسا
وقال يزيد بن المكسر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيار:
من فر منكم فر عن حريمه ... وجاره، وفر عن نديمه
أنا ابن سيارٍ على شكيمه ... إن الشراك قد من أديمه
وكلهم يجري على قديمه ... من قارح الهجنة أو صميمه
قال فراس: ثم صيروا الأمر بعد هانىء إلى حنظلة، فمال إلى مارية ابنته - وهي أم عشرة نفر ؛أحدهم جابر بن أبجر - فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض وقطع وضن النساء، فوقعن إلى الأرض، ونادت ابنة القرين الشيبانية حين وقعت النساء إلى الأرض:
ويهاً بني شيبان صفاً بعد صف ... إن تهزموا يصبغوا فينا القلف
فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم؛ لأن تخف أيديهم بضرب السيوف، فجالدوهم.
قال: ونادى الهامرز: مرد مرد، فقال برد بن حارثة اليشكري: ما يقول ؟ قالوا: يدعوا إلى البراز رجل ورجل، قال: وأبيكم لقد أنصف. فبرز له فقتله برد، فقال سويد بن أبي كاهل:
ومنا بريدٌ إذ تحدى جموعكم ... فلم تقربوه المرزبان المسورا
أي لم تجعلوه. ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيار: يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم النشاب، فحملت ميسرة بكر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش، وقد قتل برد منهم رئيسهم الهامرز، وحملت ميمنة بكر وعليها يزيد بن مسهر عبلى ميسرة الجيش، وعليهم جلابزين، وخرج الكمين من جب ذي قار من ورائهم، وعليهم يزيد بن حمار، فشدوا على قلب الجيش، وفيهم إياس ابن قبيصة، وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، وانهزمت الفرس.
قال سليط: فحدثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ، قالوا: فلما التقى الناس، ولت بكر منهزمة، فقلنا: يريدون الماء. فلما قطعوا الوادي فصاروا من ورائه، وجاوزوا الماء. قلنا: هي الهزيمة، وذاك في حر الظهيرة وفي يوم قائظ، فأقبلت كتيبة عجل كأنهم طن قصب، لا يفوت بعضهم بعضاً، لا يمعنون هرباً، ولا يخالطون القوم. ثم تذمروا فزحفوا فرموهم بجباههم، فلم تكن إلا إياها، فأمالوا بأيديهم، فولوا، فقتلوا الفرس ومن معهم؛ ما بين بطحاء ذي قار، حتى بلغوا الراخصة.
قال فراس: فخبرت أنه تبعه تسعون فارساً، ولم ينظروا إلى سلب ولا إلى شيء حتى تعارفوا بأدم موضع قريب من ذي قار، فوجد ثلاثون فارساً من بني عجل، ومن سائر بكر ستون فارساً، وقتلوا جلابزين؛ قتله حنظلة بن ثعلبة. وقال ميمون بن قيس يمدح بني شيبان خاصة في قوله:
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... وراكبها يوم اللقاء، وقلت
هم ضربوا بالحنو، حنو قراقرٍ ... مقدمة الهامرز حتى تولت
وأفلتنا قيسٌ وقلت لعله ... هنالك لو كانت به النعل زلت
فهذا يدل على أن قيساً قد شهد ذا قار.
وقال بكير، أصم بني الحارث بن عباد، يمدح بني شيبان:
إن كنت ساقية المدانة أهلها ... فاسقي على كرمٍ بني همام
وأبا ربيعة كلها ومحلماً ... سبقاً بغاية أمجد الأيام
ضربوا بني الأحرار يوم لقومهم ... بالمشرفي على مقيل الهام
عرباً ثلاثة آلفٍ وكتيبةً ... ألفين أعجم من بني الفدام
شد ابن قيس شدةً ذهبت لها ... ذكرى له في معرقٍ وشآم
عمروٌ وما عمروٌ بقحمٍ دالهٍ ... فيها، ولا غمرٍ ولا بغلام
فلما مدح الأعشى والأصم بني شيبان خاصة غضبت اللهازم، فقال أبو كلبة، أحد بني قيس يؤنبها بذلك:
جدعتما شاعري قوم أولى حسبٍ ... حزت أنوفهما حزاً بمنشار
أعني الأصم وأعشانا إذا اجتمعا ... فلا استعانا على سمعٍ بإبصار
لو لا فوارس لا ميلٌ ولا عزلٌ ... من اللهازم ما قاظوا بذي قار
نحن أتيناهم من عند أشملهم ... كما تلبس ورادٌ بصدار ؟
قال أبو عمرو بن العلاء: فلما بلغ الأعشى قول أبي كلبة، قال: صدق. وقال معتذراً مما قال:
متى يقرن أصم بحبل أعشى ... يتيها في الضلال وفي الخسار
فلست بمبصرٍ ما قد يراه ... وليس بسامعٍ أبداً حواري
وقال الأعشى في ذلك اليوم:
أتانا عن بني الأحرا ... ر قولٌ لم يكن أمما
أرادوا نحت أنلتنا ... وكنا نمنع الخطما
وقال أيضاً لقيس بن مسعود:
أقيس بن مسعود بن قيسٍ بن خالدٍ ... وأنت امرؤٌ ترجو شبابك وائل
أتجمع في عامٍ غزاةٍ ورحلةً ... ألا ليت قيساً غرقته القوابل !
وقال أعشى بني ربيعة:
ونحن غداة ذي قارٍ أقمنا ... وقد شهد القبائل محلبينا
وقد جاءوا بها جأواء فلقاً ... ململمة كتائبها طحونا
ليوم كريهةٍ حتى تجلت ... ظلال دجاه عنا مصلتينا
فولونا الدوابر واتقونا ... بنعمان بن زرعة أكتعينا
وذدنا عارض الأحرار ورداً ... كما ورد القطا الثمد المعينا
ذكر من كان على ثغر العرب
من قبل ملوك الفرس بالحيرة بعد عمرو بن هند
قد مضى ذكرنا من كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر ابن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند، وقدر مدة ولاية كل من ولي منهم ذلك، ونذكر الآن من ولي ذلك لهم بعد عمرو بن هند، إلى أن ولي ذلك لهم النعمان بن المنذر، والذي ولي لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس بن المنذر، وأمه هند ابنة الحارث بن عمرو، فولي ذلك أربع سنين؛ من ذلك في زمن أنوشروان ثمانية أشهر، وفي زمن هرمز بن أنو شروان ثلاث سنين وأربعة أشهر.
ثم ولي بعد قابوس بن المنذر السهرب.
ثم ولي بعده المنذرأبو النعمان أربع سنين.
ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة، من ذلك زمن هرمز بن أنو شروان سبع سنين وثمانية أشهر، وفي زمن كسرى أبرويز ابن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر.
ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرجان، تسع سنين في زمن كسرى ابن هرمز. ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيما زعم هشام بن محمد.
ثم استخلف آزاذبه بن هامان بن مهر بنداذ الهمذاني سبع عشرة سنة، من ذلك في زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر، وفي زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة أشهر، وفي زمن بوران دخت بنت كسرى شهراً ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر - وهو الذي تسميه العرب الغرور، الذي قتل بالبحرين يوم جؤاثى، إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة - ثمانية شهر.
فكان آخر من بقي من آل نصر بن ربيعة، فانقرض أمرهم مع زوال ملك فارس.
فجميع ملوك آل نصر - فيما زعم هشام - ومن استخلف من العباد والفرس عشرون ملكاً. قال: وعدة ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون سنة وثمانية أشهر.
رجع الحديث إلى ذكر المرزان وولايته اليمن، من قبل هرمز وابنه أبرويز، ومن وليها بعده: حدثت عن هشام بن محمد، قال: عزل هرمز بن كسرى وين عن اليمن، واستعمل مكانه المروزان، فأقام باليمن، حتى ولد له بها، وبلغ ولده. ثم إن أهل جبل من جبال اليمن يقال له المصانع خالفوه، وامتنعوا من حمل الخراج إليه - والمصانع جبل طويل ممتنع، إلى جانبه جبل آخر قريب منه، بينهما فضاء ليس بالبعيد، إلا أنه لا يرام ولا يطمع فيه - فسار المروزان إلى المصانع، فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يطمع في دخوله إلا من باب واحد، يمنع ذلك الباب رجل واحد؛ فلما رأى أن لا سبيل له إليه، صعد الجبل الذي يحاذي حصنهم، فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب، فلم ير شيئاً أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع، فأمر أصحابه أن يصطفوا له صفين، ثم يصيحوا به صيحة واحدة، وضرب فرسه فاستجمع حضراً، ثم رمى به فوثب المضيق، فإذا هو على رأس الحصن. فلما نظرت إليه حمير وإلى صنيعه قالوا: هذا أيم - والأيم بالحميرية شيطان - فانتهرهم وزبرهم بالفارسية، وأمرهم أن يكتف بعضهم بعضاً، فاستنزلهم من حصنهم، وقتل طائفة منهم وسبى بعضهم، وكتب بالذي كان من أمره إلى كسرى ابن هرمز. فتعجب من صنيعه، وكتب إليه: أن استخلف من شئت، وأقبل إلي .
قال: وكان للمرزوان ابنان: أحدهما تعجبه بالعربية، ويروي الشعر؛ يقال له خر خسرة، والآخر أسوارٌ يتكلم بالفارسية، ويتدهقن، فاستخلف المرزوان ابنه خر خسرة - وكان أحب ولده إليه - على اليمن، وسار حتى إذا كان في بعض بلاد العرب هلك، فوضع في تابوت، وحمل حتى قدم به على كسرى، فأمر بذلك التابوت فوضع في خزانته، وكتب عليه في هذا التابوت: فلان الذي صنع كذا وكذا، قصته في الجبلين. ثم بلغ كسرى تعرب خر خسرة وروايته الشعر، وتأدبه بأدب العرب، فعزله، وولى باذان، وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم .
وكان كسرى قد طغى لكثرة ما قد جمع من الأموال وأنواع الجوهر والأمتعة والكراع وافتتح من بلاد العدو، وساعده من الأمور، ورزق من مؤاتاته، وبطر، وشره شرها فاسداً، وحسد الناس على ما في أيديهم من الأموال، فولى جباية البقايا علجاً من أهل قرية تدعى خندق من طسوج بهرسير؛ يقال له: فرخزاذ بن سمي، فسام الناس سوء العذاب، وظلمهم واعتدى عليهم، وغصبهم أموالهم في غير حلة، بسبب بقايا الخراج، واستفسدهم بذلك، وضيق عليهم المعاش، وبغض إليهم كسرى وملكه .
وحدثت عن هشام بن محمد، أنه قال: كان أبرويز كسرى هذا قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحدٌ من الملوك، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية، وكان يشتو بالمدائن، ويتصيف ما بينها وبين همذان، وكان يقال: إنه كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلا واحداً، وخمسون ألف دابة بين فرس وبرذون وبغل، وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك .
وأما غير هشام فإنه قال: كان له في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن، وألوف جوارٍ اتخذهن للخدمة والغناء وغير ذلك، وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته، وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابة لمركبه، وسبعمائة وستون فيلاً، واثنا عشر ألف بغل لثقله، وأمر فبنيت بيوت النيران، وأقام فيها اثني عشر ألف هربذ للزمزمة.
وإنه أمر أن يحصى ما اجتبى من خراج بلاده وتوابعه وسائر أبواب المال، سنة ثماني عشرة من ملكه، فرفع إليه أن الذي اجتبي في تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال؛ يكون ذلك وزن سبعة، ستمائة ألف ألف درهم، وأمر فحول إليى بيت مالٍ بني بمدينة طيسبون، وسماه بهار حفرد خسرو، وأموال له أخرى من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز، اثنا عشر ألف بدرة، في كل بدرة منها من الورق أربعة آلاف مثقال، يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال، وهو وزن سبعةٍ، ثمانية وستون ألف ألف وخمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفاً وأربعمائة وعشرون درهماً ونصف وثلث ثمن درهم، في أنواع لا يحصي مبلغها إلا الله، من الجواهر والكسى وغير ذلك.
وإن كسرى احتقر الناس، واستخف بما لا يستخف به الملك الرشيد الحازم، وبلغ من عتوه وجرأته على الله أنه أمر رجلا كان على حرس بابه الخاص - يقال له: زاذان فروخ - أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه، فأحصوا، فبلغوا ستة وثلاثين ألفاً، فلم يقدم زاذان فروخ على قتلهم، وتقدم لتأخير ما أمر به كسرى فيهم، لعلل أعدها له، فكسب كسرى عداوة أهل مملكته من غير وجه؛ أحد ذلك احتقاره إياهم، وتصغيره عظماءهم.
والثاني تسليط العلج فرخان زاد بن سمي عليهم، والثالث أمره بقتل من كان في السجن، والرابع إجماعه على قتل الفل الذين انصرفوا إليه إليه من قبل هرقل والروم؛ فمضى ناس من العظماء إلى عقر بابل، وفيه شيرى بن أبرويز مع إخوته بها، قد وكل بهم مؤدبون يؤدبونهم، وأساورة يحولون بينهم وبين براح ذلك الموضع، فأقبلوا به، ودخل مدينة بهرسير ليلا، فخلى عمن كان في سجونها، وخرج من كان فيها، واجتمع إليه الفل الذين كان كسرى أجمع على قتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه، وصاروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب من كان في قصره من حرسه، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له قريب من قصره، ويدعى باغ الهندوان فاراً مرعوباً، وطلب فأخذ ماه آذر وروز آذر، وحبس في دار المملكة، ودخل شيرويه دار الملك، واجتمع إليه الوجوه، فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه.
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: ولد لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولداً ذكراً، أكبرهم شهريار، وكانت شيرين تبنته، فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام؛ ويكون خراب هذا المجلس وذهاب هذا الملك على يديه، وعلامته نقصٌ في بعض بدنه، فحصر ولده لذلك عن النساء، فمكثوا حيناً لا يصلون إلى امرأة، حتى شكا ذلك شهريار إلى شيرين، وبعث إليها يشكو الشبق، ويسألها أن تدخل عليه امرأة وإلا قتل نفسه؛ فأرسلت إليه: إني لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلا أن تكون امرأة لا يؤبه لها، ولا يجمل بك أن تمسها، فقال لها: لست أبالي ما كانت، بعد أن تكون امرأة.
فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها، وكانت - فيما يزعمون - من بنات أشرافهم؛ إلا أن شيرين كانت غضبت عليها في بعض الأمور، فأسلمتها في الحجامين؛ فلما أدخلتها على شهريار وثب عليها، فحملت بيزدجرد، فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت، وكتمت أمر الولد خمس سنين. ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر، فقالت له: هل يسرك أيها الملك أن ترى ولداً لبعض بنيك على ما كان في ذلك من المكروه ؟ فقال: لاأبالي.
فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي، وأدخلته عليه، وقالت: هذا يزدجرد بن شهريار، فدعا به فأجلسه في حجره، وقبله وعطف عليه، وأحبه حباً شديداً، وجعل يبيته معه؛ فبينا هو يلعب ذات يوم بين يديه؛ إذ ذكر ما قيل فيه، فدعا به فعراه من ثيابه، واستقبله واستدبره، فاستبان النقص في أحد وركيه، فاستشاط غضباً وأسفاً، واحتمله ليجلد به الأرض، فتعلقت به شيرين، وناشدته الله ألا يقتله، وقالت له: إنه إن يكن أمرٌ قد حضر في هذا الملك فليس له مرد. قال: إن هذا المشئوم؛ الذي أخبرت عنه، فأخرجيه فلا أنظر إليه. فأمرت به فحمل إلى سجستان.
وقال آخرون: بل كان بالسواد عند ظؤورته في قرية يقال لها خمانية. ووثبت فارس على كسرى فقتلته، وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم الرومية .
وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة. ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً من ملكه هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
ذكر ملك شيرويه بن أبرويزثم ملك من بعده ابنه شيرويه، واسمه قباذ بن أبريز بن هرمز بن كسرى أنوشروان. فذكر أن شيرويه لما ملك دخل عظماء الفرس عليه بعد حبسه أباه، فقالوا له: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان اثنان، فإما أن تقتل كسرى ونحن خولك الباخعون لك بالطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما لم نزل نعطيه قبل أن تملك.
فهدت هذه المقالة شيرويه وكسرته، وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند. فحمل كسرى على برذون، وقنع رأسه، وسير به إلى تلك الدار، ومعه ناس من الجند، فمروا به في مسيرهم على إسكاف جالس في حانوت شارع على الطريق، فلما بصر بفرسان من الجند معهم فارس مقنع، عرف أن المقنع كسرى، فحذفه بقالب، فعطف إليه رجلٌ ممن كان مع كسرى من الجند، فاخترط سيفه فضرب عنق الإسكاف، ثم لحق بأصحابه.
فلما صار كسرى في دار مارسفند جمع شيرويه من كان بالباب من العظماء وأهل البيوتات، فقال: إنما قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا بما كان من إساءته ونوقفه على أشياء منها، ثم دعا برجل من أهل أردشير خرة يقال له أسفاذ جشنس، ولمرتبته رئيس الكتيبة، كان يلي تدبير المملكة، فقال له: انطلق إلى الملك أبينا، فقل له عن رسالتنا: إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ولا أحد من رعيتنا سببا، ولكن الله قضاها عليك جزاء منه لك بسيئ أعمالك؛ منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفتكك به، وإزالتك الملك عنه، وسملك عينيه، وقتلك إياه شر قتلة، وما قارفت في أمره من الإثم العظيم.
ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في حظرك علينا مثافنة الأخيار ومجالستهم، وكل أمر يكون لنا فيه دعة وسرور وغبطة.
ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر، حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم. ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل، وحبسك إياهن قبلك مكرهات. ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج، وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم. ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد، واستفستد منك إياهم، وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه. ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم وغيرهم من الجنود، وتفريقك بينهم وبين أهاليهم.
ومنها غدرك بموريق، ملك الروم، وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك، وحسن بلائه عندك، ودفعه عنك شر عدوك، وتنويهه باسمك في تزويجه إياك أكرم النساء من بناته عليه، وآثرهن عنده، واستخفافك بحقه، وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب، التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة، علمته.
فإن كانت لك حجج تدلى بها عندنا وعند الرعية فأدل بها، وإن لم تكن لك حجة، فتب إلى الله من قريب، وأنب إليه حتى نأمر فيك بأمرنا .
فوعى أسفاذ جشنس رسالة كسرى شيرويه هذه، وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها، فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى ألفى رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا، فتحاورا ساعة، ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه ، فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى، فدخل عليه، وقال له: عمرك الله ! إن أسفاذ جشنس بالباب، وذكر أن الملك شيرويه أرسله إليك في رسالة، وهو يستأذن عليك، فرأيك في الأمر فيه برأيك ! فتبسم كسرى وقال مازحاً: يا جلينوس أسفاذان، كلامك مخالف كلام أهل العقل، وذلك أنه إن كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه الملك، فليس لنا مع ملكه إذن، وإن كان لنا إذن وحجب فليس شيرويه بملك؛ ولكن المثل في ذلك كما قيل: يشاء الله الشىء فيكون، ويأمر الملك بأمر فينفذ. فأذن لأسفاذ جشنس يبلغ الرسالة التي حملها. فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى، وأخذ بيد إسفاذ جشنس، وقال له: قم فادخل إلى كسرى راشداً.
فنهض أسفاذ جشنس، ودعا بعض من كان معه من خدمه، ودفع إليه كساء كان لابسه، وأخرج من كمه ششتقة بيضاء نقية، فمسح بها وجهه، ثم دخل على كسرى، فلما عاين كسرى، خر له ساجداً، فأمره كسرى بالانبعاث، فانبعث وكفر بين يديه - وكان كسرى جالسا على ثلاثة أنماط من ديباج خسرواني منسوج بذهب، قد فرشت على بساط من إبريسم ، متكئاً على ثلاث وسائد منسوجة بالذهب ، وكان بيده سفرجلة صفراء شديدة الاستدارة. فلما عاين أسفاذ جشنس، تربع جالسا ووضع السفرجلة التي كانت بيده على تكأته، فتدحرجت من أعلى الوسائد الثلاث لشدة استدارتها واملساس الوسادة التي كانت عليها، بامتلاء حشوها إلى أعلى تلك الأنماط الثلاثة، ومن النمط إلى البساط، ولم تلبث على البساط أن تدحرجت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخة بتراب، فتناولها أسفاذ جشنس فمسحها بكمه، وذهب ليضعها بين يدي كسرى، فأشار إليه أن ينحيها عنه، وقال له: أعز بها عني، فوضعها أسفاذ جشنس عند طرف البساط إلى الأرض، ثم عاد فقام مقامه، وكفر بيده، فنكس كسرى، ثم قال متمثلا: الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في الإقبال به، وإذا أقبل أعيت الحيلة في الإدبار به، وهذان الأمران متداولان على ذهاب الحيل فيهما، ثم قال لأسفاذ جشنس: إنه قد كان من تدحرج هذه السفرجلة وسقوطها حيث سقطت، وتلطخها بالتراب وهو عندنا كالإخبار لنا بما حملت من الرسالة، وما أنتم عاملون به وعاقبته، فإن السفرجلة التي تأويلها الخير، سقطت من علو إلى سفل، ثم لم تلبث على مفرشنا أن سقطت إلى الأرض، ووقعت بعيدا متلطخة بتراب؛ وذلك منها دليل في حال الطيرة: أن مجد الملوك قد صار عند السوق؛ وأنا قد سلبنا الملك، وأنه لا يلبث في أيدي عقبنا أن يصير إلى من ليس من أهل المملكة، فدونك فتكلم بما حملت من رسالة، وزودت من الكلام.
فاندفع أسفاذ جشنس في تبليغ الرسالة التي حمله إياها شيرويه، ولم يغادر منها كلمة، ولم يزلها عن نسقها. فقال كسرى في مرجوع تلك الرسالة: بلغ عنى شيرويه القصير العمر، أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب، ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده، وتيقنه إياه منه، فضلاً عن عظيم ما بثثت ونشرت وادعيت منا، ونسبتنا إليه من الذنوب والجرائم؛ مع أن أولى الناس بالرد عن ذي ذنب، وتوبيخ ذي جرمة، من قد ضبط نفسه عن الذنوب والجرائم، ولو كنا على ما أضفتنا إليه لم يكن ينبغي أن تنشره وتؤنبنا به أيها القصير العمر القليل العلم؛ فإن كنت جاهلاً بما يلزمك من العيوب يبثك منا ما بثثت، ونسبتك إيانا إلى ما نسبت؛ فاستثنت عيوبك واقتصر في الزري علينا، والعيب لنا ما لا يزيدك بسوء مقالتك فيه إلا اشتهاراً بالجهل، ونقص الرأي.
أيها العازب العاقل، العديم العلم؛ فإنه إن كان لإجهادك نفسك في شهرك إيانا من الذنوب بما يوجب علينا القتل حقيقة، وكان لك على ذلك برهان، فقضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه، وينحونه عن مضامه الخيار ومجالستهم، ومخالطتهم إلا في أقل المواطن فضلاً عن أن يملك؛ مع أنه قد بلغ بحمد الله ونعمته من إصلاحنا أنفسنا ونيتنا فيما بيننا وبين الله وبيننا وبين أهل ملتنا وديننا، وبيننا وبينك وبين معشر أبنائنا ما ليس لنا في شيء من ذلك تقصير، ولا علينا فيه من أحد حجة ولا توبيخ؛ ونحن نشرح الحال فيما ألزمتنا من الذنوب، وألحقت بنا من الجرائم؛ عن غير التماس منا لذلك نقصاً فيما أدلينا به من حجة، أو أتينا عليه من برهان؛ لتزداد علماً بجهالتك وعزوب عقلك، وسوء صنيعك.
أما ما ذكرت من أمر أبينا هرمز، فمن جوابنا فيه أن الأشرار والبغاة كانوا أغروا هرمز بنا حتى اتهمنا واحتمل غمراً ووغراً ورأياً من ازواره عنا، وسوء رأيه فينا، ما تخوفنا ناحيته، فاعتزلتنا بابه لإشفاقنا منه، ولحقنا بأذربيجان، وقد استفاض، فانتهك من الملك ما انتهك. فلما انتهى إلينا خبر ما بلغ منه شخصاً من أذربيجان إلى بابه، فهجم علينا المنافق بهرام في جنود عظيمة من العصاة المستوحبة القتل، مارقاً من الطاعة، فأجلانا عن موضع المملكة فلحقنا ببلاد الروم، فأقبلنا منها بالجنود والعدة، وحاربناه فهرب منا، وصار من أمره في بلاد الترك من الهلكة والبوار إلى ما قد اشتهر في الناس؛ حتى إذا صفا لنا الملك، واستحكم لنا أمره، ودفعنا بعون الله عن رعيتنا البلاء والآفات التي كانوا أشفوا عليها، قلنا: إن من خير ما نحن بادئون به في سياستنا، ومفتتحون به ملكنا الانتقام لأبينا، والثأر به والقتل لكل من شرك في دمه؛ فإذا أحكمنا ما نوينا من ذلك، وبلغنا منه ما نريد تفرغنا لغيره من تدبير الملك، فقتلنا كل من شرك في دمه، وسعى فيه ومالاً عليه.
وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا، فمن جوابنا أنه ليس من ولد ولدناه - ما خلا من استأثر الله به منهم - إلا صحيحة أعضاء جسده؛ غير أنا وكلنا بالحراسة لكم، وكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم إرادة كف ما نتخوف من ضرركم على البلاد والرعية. ثم كنا أقمنا من النفقات الواسعة في كسوتكم ومراكبكم وجميع ما تحتاجون إليه ما قد علمت، وأما أنت خاصة، فمن قصتك أن المنجمين كانوا قضوا في كتاب مولدك أنك مثرب علينا، أو يكون ذلك بسببك؛ فلم نأمر بقتلك؛ ولكن ختمنا على كتاب قضية مولدك، ودفعناه إلى شيرين صاحبتنا.
ومع ثقتنا بتلك القضية وجدنا فرميشا ملك الهند كتب إلينا في سنة ست وثلاثين من ملكنا، وقد أوفدهم إلينا، فكتب في أمور شتى، وأهدى لنا ولكم - معشر أبنائنا - هدايا، وكتب إلى كل واحد منكم كتابتاً، وكانت هديته لك - فاذكرها - فيلا، وسيفاً، وبازياً أبيض، وديباجة منسوجة بذهب؛ فلما نظرنا فيما أهدى لكم، وكتب إليكم وجدته قد وقع على كتابه إليك بالهندية: اكتم ما فيه، فأمرنا أن يصرف إلى كل واحد منكم ما بعث إليه من هدية أو كتاب، واحتسبنا كتابه إليك لحال التوقيع الذي كان عليه، ودعونا بكاتب هندي، وأمرنا بفض خاتم الكتاب وقراءته، فكان فيه: أبشر وقر عيناً، وانعم بالاً، فإنك متوج ماه آذر روز ديبا ذر سنة ثمان وثلاثين من ملك كسرى، ومملك على ملكه وبلاده؛ فوثقنا أنك لم تكن لتملك إلا بهلكنا وبوارنا، فلم ننتقصك - بما استقر عندنا من ذلك مما كنا أمرنا بإجرائه عليه من الأرزاق والمعاون والصلات وغير ذلك - شيئاً؛ فضلاً عن أمرنا بقتلك.
وأما كتاب فرميشا فقد ختمنا عليه بخاتمنا، واستودعناه شيرين صاحبتنا؛ وهي في الأحياء صحيحة العقل والبدن؛ فإن أحببت أن تأخذ منها قضية مولدك، وكتاب فرميشا إليك وتقرأهما لتكسبك قراءتك إياهما ندامة وثبوراً فافعل.
وأما ما ذكرت من حال من خلد السجن فمن جوابنا فيه أن الملوك الماضبين من لدن جيومرت إلى ملك بشتاسب، كانوا يدبرون ملكهم بالمعدلة؛ ولم يزللوا من لدن بشتاسب إلى ملكنا يدبرونه بمعدلة، معها ورع الدين؛ فسل إن كنت عديم عقل وعلم وأدب حملة الدين - وهم أوتاد هذه الملة - عن حال من عصى الملوك وخالفهم، ونكث عهدهم، والمستوجبين بذنوبهم القتل فيخبروك أنهم لا يستحقون أن يرحموا ويعفى عنهم.
واعلم من ذلك أنا لم نأمر بالحبس في سجوننا، ولا من قد وجب عليه في القضاء العدل أن يقتل أو تسمل عينه، وتقطع يده ورجله وسائر أعضائه. وكثيراً ما كان الموكلون بهم وغيرهم من وزرائنا يذكرون استيجاب من استوجب منهم القتل، ويقولون: عاجلهم بالقتل قبل أن يحتالوا لأنفسهم حيلاً يقتلونك بها، فكنا لحبنا اسنبقاء النفوس وكراهتنا سفك الدمتاء نتأنى بهم، ونكلهم إلى الله، ولا نقدم على عقوبتهم بعد الحبس الذي اقتصرنا عليه؛ إلا على منعهم أكل اللحم وشرب الشراب، وشم الرياحين، ولم نعد في ذلك ما في سنن الملة من الحول بين الستوجبين للقتل، وبين التلذذ والتنعم بشيء مما منعناهم إياه؛ وكنا أمرنا لهم من المطعم والمشرب وسائر ما يقيمهم بالذي يصلحهم في اقتصاد، ولم نأمر بالحول بينهم وبين نسائهم والتوالد والتناسل في حال حبسهم. وقد بلغنا أنك أجمعت على التخلية عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل، والأمر بهدم محبسهم، ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك، وتسئ إلى نفسك، وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل، مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك أبداًُ، والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة. وقد وعظ الحكماء وقالوا: لا تؤخرن معاقبة المستوجبي العقوبة؛ فإن في تأخيرها مدفعة للعدل، ومضرة على المملكة في حال التدبير؛ ولئن نالك بعض السرور إن أنت خليت عن أولئك الدعر المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك، ودخول أعظم المضرة والبلية على أهل الملة.
وأما قولك: إنا إنما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبروز وغيرها من بلاد مملكتنا بأعنف اجتباء، وأشد إلحاح على رعيتنا، وأشد ظلم، لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر، عن غلبة منا إياهم على ما في أيديهم؛ فمن جوابنا فيه أن من إصابة الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهية ترك الجواب فيه، ولكن لم ندع - إذ صار ترك الجواب كالإقرار، وكانت حجتنا فيما غشينا أن نحتاج به قوية، وعذرنا واضحاً - شرح ما سألتنا عنه من ذلك.
اعلم أيها الجاهل؛ أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس، الذي قد اكتنفت بلاده أعداءٌ فاغرة أفواهم لالتقام ما في يديه، وليس يقدر على كفهم عنها، وردعهم عما يرويدون من اختلاس ما يرمون اختلاسه من؛ إلا الجنود الكثيفة، والأسلحة والعدد الكثيرة؛ ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه بكثرة الأموال ووفروها ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج. وما نحن ابتدعنا جمع الأموال؛ بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا؛ فإنهم جمعوها كجمعنا إياها، وكثروها ووفروها لتكون ظهراً لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم؛ وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له.
فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا، المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين للقتل، فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها، ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها، ولم يرغبو فيها. فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا، واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة، ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم، ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين، وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين، ولستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوى صرامة ومضاء وجلد، وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود، أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو.
وبلغ من غاراتهم عليهم، وقتلهم من قتلوا، وأسرهم من أسروا منهم، من سنة ثلاث عشرة من ملكنا، ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير، أو خائفاً، أو بأمان منا، فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا، والتعاطي لشيء مما كرهنا، ووصل، ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأواع الجوهر، ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبى والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة، فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عشرة من ملكنا بنقش سكك حديثة، لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها، وجد في بيوت أموالنا - وعلى ما رفع المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق - مائتا ألف بدرة، فيها ثمانمائة ألف ألف مثقال. فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا، وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا، وجمعنا مشتت أمرنا، وكعمنا أفواهم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم، وبسطنا فيهم الأمن، وأمنا على نواحي بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار أمرنا باجتباء بقايا السنين، وما انتهب من أموالنا من ذهب وفضة، ومن خزائننا من جوهر أو نحاس، ورد ذلك كله إلى موضعه؛ حتى إذا كان في آخر سنة ثلاثين من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة، يضرب عليها الورق، فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا، والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة، يكون ما فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف ألف مثقال؛ وذلك سوى ما زادنا الله على تلك الأموال؛ مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم، في سفن أقبلت بها إلينا الريح؛ فسميناها فئ الرياح؛ ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمانٍ وثلاثين من ملكنا، التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفوراً، وبلادنا عمارة، ورعيتنا أمناً وطمأنينة، وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة؛ وقد بلغنا أنك هممت - لرذولة مروءتك - أن تبذر هذه الأموال وتتويها، عن رأى الأشرار العتاة المستوجبين للقتل.
ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس، وبعد كد وعناء شديد، لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة، المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم. وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها، بعد عون الله بالأموال والجنود، ولن تقوى الجنود إلا بالأموال، ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها؛ فلاتهمن بتفرقة هذه الأموال، ولا تجسرن عليها؛ فإنها كهف لملك وبلادك، وقوة لك على عدوك.
ثم انصرف إسفاذ جشنس إلى شيرويه فقص عليه ما قال له كسرى، ولم يسقط منه حرفاً، وإن عظماء الفرس عادوا فقالوا لشيرويه: إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تأمر بقتل كسرى، ونحن خولك، المانحوك الطاعة، وإنا أن نخلعك ونعطيه الطاعة. فهدت شيرويه هذه المقالة وكسرته، وأمر بقتل كسرى، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى، فكلما أتناه الرجل منهم شتمه كسرى وزبره. فلم يقدم على قتله أحد؛ حتى أتاه شابٌ يقال له مهرهرمز بن مردانشاه ليقتله، وكان مردانشاه فاذوسبانا لكسرى على ناحية نيمروذ، وكان من أطوع الناس لكسرى وأنصحهم له، وإن كسرى سأل قبل أن يخلع بنحو من سنتين منجميه وعافته عن عاقبة أمره. وأخبروه أن منيته آتية من قبل نيمروذ. فاتهم مردانشاه، وتخوف ناحيته لعظم قدره، وأنه لم يكن في تلك الناحية من يعد له في القوة والقدرة.
فكتب إليه أن يعجل القدوم عليه؛ حتى إذا قدم عليه أجال الرأي في طلب علة يقتله بها، فلم يجد عليه عثرة، وتذمم من قتله لما علم من طاعته إياه، ونصيحته له، وتحريه مرضاته. فرأى أن يستبقيه، ويأمر بقطع يمينه، ويعوضه منها أموالاً عظيمة يجود له بها. فبغى عليه من العلل ما قطع يمينه؛ وإنما كانت تقطع الأيدي والأرجل وتقطع الأعناق في رحبة الملك.
وإن كسرى أرسل يوماً أمر بقطع يده عيناً ليأتيه بخبر ما يسمع من مردانشاه وممن بحضرته من النظارة، وإن مردانشاه لما قطعت يمينه قبض عليها بشماله، فقبلها ووضعها في حجره، وجعل يندبها بدمع له دارّ ويقول: واسمحتاه ! واراميتاه ! واكاتبتاه ! واضاربتاه ! والاعبتاه ! واكريمتاه !.
فانصرف إلى كسرى الرجل الذي كان وجهه عيناً عليه، فأخبره بما رأى وسمع منه، فرق له كسرى؛ وندم على إتيانه في أمره ما أتى، فأرسل إليه مع رجل من العظماء يعلمه ندامته على ما كان منه؛ وأنه لن يسأله شيئاً يجد السبيل إلى بذله له إلا أجابه إليه، وأسعفه به.
فأرسل كسرى مع ذلك الرسول يدعو له، ويقول: إني لم أزل أعرف تفضلك علي أيها الملك، وأشكره لك، وقد تيقنت أن الذي أتيت إلي مع كراهتك إياه؛ إنما كان سببه القضاء؛ ولكني سائلك أمراً فأعطني من الأيمان على إسعافك إياي به ما أطمئن إليه، وليأتني بيقين حلفك على ذلك رجل من النساك، فأفرشك إياه وأبثه لك.
فانصرف رسول كسرى إلى كسرى بهذه الرسالة، فسارع إلى ما سأله مردانشاه، وحلف بالأيمان المغلظة ليجيبنه إلى ما هو سائله؛ ما لم تكن مسألته أمراً يوهن ملكه. وأرسل إليه بهذه الرسالة مع رئيس المزمزمين؛ فأرسل إليه مردانشاه يسأله أن يأمر بضرب عنقه ليمتحي بذلك العار الذي لزمه، فأمر كسرى فضربت عنقه كراهة منه للخنث، زعم.
وإن كسرى سأل مهر هرمز بن مردانشاه، حين دخل عليه عن اسمه ،وعن اسم أبيه ومرتبته. فأخبره أنه مهر هرمز بن مردانشاه، فاذوسبان نيمروذ، فقال كسرى: أنت ابن رجل شريف كثير الغناء؛ قد كافأناه على طاعته إيانا، ونصيحته لنا، وغنائه عنا بغير ما كان يستحقه، فشأنك وما أمرت به. فضرب مهر هرمز على حبل عاتقه بطبرزين كانت بيده ضربات فلم يحك فيه، ففتش كسرى فوجد قد شد عضده خرزة لا يحيك السيف في كل من تعلقها. فنزعت من عضده، ثم ضربه بعد ذلك مهر هرمز ضربة فهلك منها. وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منحباً، وأمر بحمل جثته إلى الناووس فحملت، وشيعها العظماء وأفناء الناس.
وأمر فقتل قاتل كسرى، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة؛ وكان قتله ماه آذر روزماه. وقتل شيرويه سبعة عشر أخاً له ذوي أدب وشجاعة ومروءة، بمشورة وزيره فيروز، وتحريض ابن ليزدين - والى عشور الآفاق كان لكسرى، يقال له شمطا - إياه على قتلهم، فابتلى بالأسقام ولم يلتذ بشيء من لذات الدنيا، وكان هلاكه بدسكرة الملك، وكان مشئوماً على آل ساسان؛ فلما قتل إخوته جزع جزعاً شديداً.
ويقال: إنه لما كان اليوم الثاني من اليوم الذي قتلهم فيه، دخلت عليه بوران وآزر ميدخت أختاه فأسمعتاه وأغلظتا له، وقالتا: حملك الحرص على ملك لا يتم، على قتل أبيك وجميع إخوتك، وارتكبت المحارم ! فلما سمع ذلك منهما بكى بكاء شديداً، ورمى بالتاج عن رأسه، ولم يزل أيامه كلها مهموماً مدنفاً. ويقال: إنه أباد من قدر عليه من أهل بيته؛ وإن الطاعون فشا في أيامه حتى هلك الفرس إلا قليلاً منهم. وكان ملكه ثمانية أشهر.
ذكر ملك أردشير بن شيرويهثم ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، وكان طفلاً صغيراً - قيل: إنه كان ابن سبع سنين لأنه لم يكن في أهل بيت المملكة محتنكٌ - فملكته عظماء فارس، وحضنه رجل يقال له مهآذرجشنس؛ وكانت مرتبته رياسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير. وكان شهربراز بثغر الروم في جندٍ ضمهم إليه كسرى، وسماهم السعداء، وكان كسرى وشيرويه لا يزالان يكتبان إليه في الأمر يهمهما، فيستشيرانه فيه؛ فلما لم يشاوره عظماء فارس في تمليك أردشير، اتخذ ذلك ذريعة إلى التعتب والتبغي عليهم، وبسط يده في القتل، وجعله سبباً للطمع في الملك، والاعتلاء عند ذلك من ضعة العبودية إلى رفعة الملك، واحتقر أردشير لحداثة سنه واستطال عليهم، وأجمع على دعاء الناس إلى التشاور في الملك. ثم أقبل بجنده وقد عمد مهآذرجشنس؛ فحصن سور المدينة طيسبون وأبوابها؛ وحول أردشير، ومن بقي من نسل الملك ونسائهم، وما كان في بيت مال أردشير من ماله وخزائنه وكراعه إلى مدينة طيسبون. وكان الذين أقبل فيهم من الجند شهر براز ستة آلاف رجل من جند فارس بثغر الروم، فأناخ إلى جانب مدينة طيسبون، وحاصر من فيها وقاتلهم عنها، ونصب المجانيق عليها فلم يصل إليها.
فلما رأى عجزه عن افتتاحها أتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رجلاً يقال له نيوخسروا، وكان رئيس حرس أردشير ونامدار جشنس بن آذرجشنس؛ أصبهبذ نيمروذ؛ حتى فتحا له باب المدينة فدخلها، فأخذ جماعة من الرؤساء فقتلهم، واستصفى أموالهم، وفضح نساءهم. وقتل ناس بأمر شهربراز أردشير بن شيرويه؛ سنة اثنتين ماه بهمن، ليلة روزآبان في إيوان خسروشاه قباذ.
وكان ملكه سنة وستة أشهر.
ذكر ملك شهر برازثم ملك شهر براز؛ وهو فرخان ماه إسفنديار، ولم يكن من أهل بيت المملكة، ودعا نفسه ملكاً. وإنه حين جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدة ذلك عليه أنه لم يقدر على إتيان الخلاء، فدعا بطست فوضع أما ذلك السرير فتبرز فيه. وإن رجلاً من هل إصطخر، يقال له فسفروخ بن ما خرشيذان وأخوين له، امتعضوا من قتل شهربراز أردشير وغلبته على الملك، وأنفوا من ذلك، وتحالفوا وتعاقدوا على قتله، وكانوا جميعاً في حرس الملوك، وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين، عليهم الدروع والبيض والترسة والسيوف، وبأيديهم الرماح؛ فإذا حاذى بهم الملك وضع كل رجل منهم نرسه على قربوس سرجه، ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود.
وإن شهربراز ركب بعد أن ملك بأيام فوقف فسفروخ وأخواه؛ قريباً بعضهم من بعض؛ فلما حاذى بهم شهربراز طعنه فسفروخ، ثم طعنه أخواه، وكان ذلك إسفندارمذماه، وروزدى بدين، سقط عن دابته ميتاً، فشدوا في رجله حبلاً وجروه إقبالاً وإدباراً، وساعدهم على قتله رجل من العظماء يقال له زادان فروخ بن شهر داران، ورجل يقال له ماهياى، كان مؤدب الأساورة، وكثير من العظماء وأهل البيوتات، وعاونهم على قتل رجال فتكوا بأردشير بن شيرويه، وقتلوا رجالاً من العظماء . وإنهم ملكوا بوران بنت كسرى.
وكان جميع ما ملك شهر براز أربعين يوماً.
ذكر ملك بوران بنت كسرى أبرويزثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان، فذكر أنها قالت يوم ملكت: البر أنوى وبالعدل آمر؛ وصيرت مرتبة شهر براز لفسفروخ، وقلدته وزارتها، وأحسنت السيرة في رعيتها، وبسطت العدل فيهم، وأمرت بضرب الورق ورم القناطر والجسور، ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم، وكتبت إلى الناس عامة كتباً أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان إليهم، وذكرت حال من هلك من أهل بيت المملكة؛ وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد، ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر؛ ولكن كل ذلك يكون بالله عز وجل، وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة ، وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه؛ وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب.
وكان ملكها سنة وأربعة أشهر.
ذكر ملك جشنسدهثم ملك بعدها رجل يقال له: جشنسده، من بني أبرويز الأبعدين.
وكان ملكه أقل من شهر.
ذكر ملك آزرميدخت بنت كسرى أبرويزثم ملكت آزرميدخت بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان؛ ويقال له إنها كانت من أجمل نسائهم؛ وإنها قالت حين ملكت: منها جنا منهاج أبينا كسرى المنصور ، فإن خالفنا أحد هرقنا دمه. ويقال إنه كان عظيم فارس يومئذ فرخهرمز إصبهبذ خراسان؛ فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها، فأرسلت إن التزويج للملكة غير جائز؛ وقد علمت أن دهرك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك وشهوتك مني، فصر إلى ليلة كذا وكذا. ففعل فرخهرمز وركب إليها في تلك الليلة، وتقدمت آزرميدخت إلى صاحب حرسها أن يترصده في الليلة التي تواعدا الالتقاء فيها حتى يقتله، فنفذ صاحب حرسها لأمرها، وأمرت به فجر برجله، وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا وجدوا فرخهرمز قتيلاً، فأمرت بجثته فغيبت، وعلم أن لم يقتل إلا لعظيمة. وكان رستم بن فرخهرمز صاحب يزدجرد الذي وجه بعد القتال العرب خليفة أبيه بخراسان، فلما بلغه الخبر أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن، وسمل عيني آزرميدخت، وقتلها، وقال بعضهم: بل سمت.
وكان ملكها ستة أشهر.
كسرى بن مهراجشنسثم أتى رجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له: كسرى بن مهر جشنس، فملكه العظماء، ولبس التاج، وجلس على سرير الملك ، وقتل بعد أن ملك بأيام.
ذكر ملك خرزا خسروا
وقيل إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاذ خسروا منن ولد أبرويز. وقيل: إنه وجد بحصن يعرف بالحجارة بالقرب من نصيبين، فلما صار إلى المدائن مكث أيماً يسيرة، ثم استعصوا عليه وخالفوه.
ذكر ملك فيروز بن مهراجشنسوقال الذين قالوا: ملك بعد آزرميدخت كسرى بن مهراجشنس: لما قتل كسرى بن مهراجشنس، طلب عظماء فارس من يملكونه من أهل بيت المملكة، فطلبوا من له عنصر من أهل البيت ولو من قبل النساء، فأتوا برجل كان يسكن ميسان، يقال له فيروز بن مهرانجشنس، ويسمى أيضاً جشنسده قد ولدته صهاربخت بنت يزداندار بن كسرى أنوشروان، فملكوه كرهاً.
وكان رجلاً ضخم الرأس، فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج ! فتطير العظماء من افتتاحه كلامه بالضيق؛ وقتلوه بعد أن ملك أياماً.
ومن الناس من يقول: قتل ساعة تكلم بما تكلم به.
ذكر ملك فرخزاذ خسرواوقال قائل هذا القول: ثم شخص رجل من العظماء يقال له زاذى ولمرتبته رئيس الخول إلى موضع من ناحية المغرب قريب من نصيبين، يقال له: حصن الحجارة، فأقبل بابن كسرى لكسرى كان نجا إلى ذلك القصر حين قتل شيرويه بنى كسرى يقال له: فرخزاذ خسروا إلى مدينة طيسبون، فانقاد له الناس زمناً يسيراً، ثم استعصوا عليه وخالفوه، فقال بعضهم: قتلوه.
وكان ملكه ستة أشهر.
ذكر ملك يزدجد بن شهرياروقال بعضهم كان أهل إصطخر ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن كسرى بإصطخر، قد هرب به إليها حيث قتل شيرويه إخوته، فلما بلغ عظماء أهل إصطخر أن من بالمدائن خالفوا فرخزاذ خسروا، أتوا بيزدجرد بيت نار يدعى بينت نار أردشير، فتوجوه هنالك، وملكوه - وكان حدثاً - ثم أقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فرخزاذ خسروا بحيل احتالوها لقتله بعد أن ملك سنة.
وساغ الملك ليزدجرد؛ غير أن ملكه كان عند ملك آبائه كالخيال والحلم، وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه، وكان أشدهم نباهة في وزرائه ووأذكاهم رئيس الخول. وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليه أعداؤه من كل وجه؛ وتطرفوا بلاده وأخربوا منها، وغزت العرب بلاده بعد أن مضت سنتان من ملكه. وقيل بعد أن مضى أربع سنين من ملكه. وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانياً وعشرين سنة.
وقد بقى من أخبار يزدجرد هذا وولده أخبار سأذكرها إن شاء الله بعد في مواضعها من فتوح المسلمين وما فتحوا من بلاد العجم، وما آل إليه أمره وأمر ولده.
فجميع ما مضى من السنسين من لدن أهبط آدم إلى الأرض، إلى وقت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم - على ما يقوله أهل الكتاب من اليهود، وتزعم أنه في التوارة الصورة مثبت من أعمار الأنبياء والملوك - أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وألاربعون سنة وأشهر.
وأما على ما تقوله النصارى مما تزعم أنه في توراة اليونانية؛ فإن ذلك خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر. وأما جميع ذلك على قول المجوس من الفرس؛ فإنه أربعة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوماً؛ على أنه داخل في ذلك مدة ما بين وقت الهجرة ومقتل يزدجرد، وذلك ثلاثون سنة وشهران وخمسة عشر يوماً؛ وعلى أن حسابهم ذلك وابتداء تأريخهم من عهد جيومرت، وجيومرت هو آدم أبو البشر الذي إليه نسبة كل منتسب من الإنس، على ما قد بينت في كتابي هذا.
وأما علماء الإسلام فقد ذكرت قبل ما قال فيه بعضهم، وأذكر بعض من لم يمض ذكره منهم الآن؛ فإنهم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون؛ والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون؛ والقرن مائة سنة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى، عن غير واحد من أهل العلم، قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة.
وروى عن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: الفترة بين محمد وعيسى عليهما السلام ستمائة سنة.
وروى عن فضيل بن عبد الوهاب، عن جعفر بن سليمان، عن عوف، قال: كان بين عيسى وموسى ستمائة سنة.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن كعباً قال: إن قوله: " يا أخت هارون " ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين؛ إن كان النبي صاى الله عليه وسلم قال فهو أعلم وأخبر؛ وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل، سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي خمسمائة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وهو قوله: " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالثٍ " ، والذي عزز به شمعون، وكان من الحواريين ، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة وأربعاً وثلاثين سنة، وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت نبوته ثلاثين شهراً، وإن الله رفعه بجسده، وإنه حي حتى الآن.
حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهباً يقول: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة.
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا يحيى بن صالح، عن الحسن بن أيوب الحضرمي، قال: حدثنا عبد الله بن بسر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لتدركن قرناً " ، فعاش مائة سنة.
فهذا ما روى عن علماء الإسلام في ذلك، وفي ذلك من قولهم تفاوت شديد، وذلك أن الواقدي، حكى عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا ما ذكرت عنه أنه رواه عنهم.
وعلى ذلك من قوله، ينبغي أن يكون جميع سني الدنيا إلى مولد نبينا صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة، وعلى قول ابن عباس الذي رواه هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عنه؛ ينبغي أن يكون إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وخمسمائة سنة.
وأما وهب بن منبه فقد ذكر جملة من قوله من غير تفصيل، وأن ذلك إلى زمنه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة، وجميع مدة الدنيا عند وهب ستة آلاف سنة. وقد كان مضى عنده من ذلك إلى زمانه خمسة آلاف سنة وستمائة سنة. وكانت وفاة وهب بن منبه سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة، فكأن الباقي من الدنيا على قول وهب من وقتتنا الذي نحن فيه، مائتا سنة وخمس عشرة سنة.
وهذا القول الذي قاله وهب بن منبه موافق لما رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
وقال بعضهم: من وقت هبوط آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى الله عليه وسلم ستة آلاف سنة ومائة وثلاث عشرة سنة؛ وذلك أن عنده من مهبط آدم إلى الأرض إلى الطوفان، ألفي سنة ومائتي سنة وستاً وخمسين سنة، ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم خليل الرحمن ألف سنة وتسعاً وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة سنة وخمساً وستين سنة، ومن خروج موسى ببني إسرائيل من مصر إلى بناء بيت المقدس - وذلك لأربع سنين من ملك سليمان بن داود - ستمائة سنة وستاً وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد عيسى بن مريم عليه السلام ثلثمائة سنة وتسعاً وستين سنة، ومن مولد عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وإحدى وخمسين سنة، ومن مبعثه إلى هجرته من مكة إلى المدينة ثلاث عشرة سنة.
وقد حدث بعضهم عن هشام بن محمد الكلبي؛ عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال: كان من آدم إلى نوح ألفا سنة ومائتا سنة، ومن نوح إلى إبراهيم ألف سنة ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة، ومن إبراهيم إلى موسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى إلى داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف وثلاث وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد ستمائة سنة.
وحدث الهيثم بن عدي عن بعض أهل الكتب أنه قال: من آدم إلى الطوفان ألفا سنة ومائتا سنة وخمسون سنة، ومن الطوفان إلى وفاة إبراهيم ألف سنة وعشرون سنة، ومن وفاة إبراهيم إلى دخول بني إسرائيل مصر خمس وسبعون سنة، ومن دخول يعقوب مصر إلى خروج موسى منها أربعمائة سنة وثلاثون سنة، ومن خروج موسى من مصر إلى بناء بيت المقدس خمسمائة سنة وخمسون سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك بختنصر وخراب بيت المقدس أربعمائة سنة وست وأربعون سنة، ومن ملك بختنصر إلى ملك الإسكندر أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة، ومن ملك الإسكندر إلى سنة ست ومائتين من الهجرة ألف سنة ومائتان وخمس وأربعون سنة.
ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده
اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه، وكان عبد الله والزبير وعبد مناف - وهو أبو طالب - بنو عبد المطلب لأم واحدة، وأمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، أنه قال: عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، وأبو طالب - واسمه عبد مناف - والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، أم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم بن يقظة.
وكان عبد المطلب - فيما حدثني يونس بن عبد الأعلى - قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم؛ فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم - وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم. أيهم ينحر ؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من ألإبل - فقال ابن عباس للمرأة: فأرى أن تنحرى مائة من الإبل مكان ابنك. فبلغ الحديث مروان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى أبن عمر ولا ابن عباس أصابا الفتيا؛ إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبى إلى الله، وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير؛ فأما أن تنحري ابنك فقد نهاك اله عن ذلك. فسر الناس بذلك، وأعجبهم قول مروان، ورأوا أنه قد أصاب الفتيا، فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله .
وأما ابن إسحاق، فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة؛ هي أشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب؛ وذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبد المطلب بن هاشم - فيما يذكرون والله أعلم - قد نذر حين لقى من قريش في حفر زمزم ما لقى: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا منه حتى يمنعوه؛ لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء بالله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع ؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحاً، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به، ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل في جوف الكعبة، وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل سبعة أقدح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه: نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به؛ فإن خرج قدح: نعم عملوا به، وقدح فيه لا، فإذا أرادوا أمراَ ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به.
وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً ،أو ينكحوا منكحاًَ، أو يدفنوا ميتاً، أو شكو في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه؛ ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطاً وإن خرج عليه من غيركم كان حليفاً، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به، وإن خرج لا أخروه عاماً ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح - فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطى كل رجل كمنهم قدحه الذي فيه اسمه - وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بنى أبيه، وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأ فقد أشوى، وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم اقبل إلى إساف ونائلة - وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحهما - ليذبحه، فقامت له قريش من أنديتها، فقالوا ماذا تريد يا عبد المطلب ؟ قال: أذبحه فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبداً حتى تعذر فيه؛ لئن فعلت هذا، لا يزال الرجل يأتي بإبنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ! فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عبد الله ابن أخت القوم - والله لا تذبحه أبداً حتى تعذر فيه؛ فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه.
وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم انت على رأس أمرك؛ إن أمرتك أن تذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها - فيما يزعمون - بخيبر - ، فركبوا إليها حتى جاءوها، فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به، ونذره فيه. فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله.
فرجعوا عنها، فلما خرجوا من عندها، قام عبد المطلب يدعو الله. ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم ؟ قالوا: عشر من الإبل - وكانت كذلك - قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشراً من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في اقبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضى ربكم، ونجا صاحبكم.
===============================================6.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما اجمعوا لذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشراً من الإبل - وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله - فخرج القدح على عبد اللله، فزادوا عشراً، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله، فزادوا عشراً من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله، فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشراً؛ حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مائة، وعبد المطلب قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب. فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليه ثلاث مرات. فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القدح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.
ثم انصرف عبد المطلب آخذاً بيد ابنه عبد الله، فمر - فيما يزعمون - على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر؛ يقال لها أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إليه إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله ؟ قال: مع أبي، قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع على الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافة ولا فراقه.
فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة - ووهب يومئذ سيد بني زهرة سناً وشرفاً - فزوجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، ويرة لأم حبيب بنت أسد ابن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي. فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليهما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس ؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة.
وقد كنت تسمع من أخيها ورقة ابن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، حتى أدرك، فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق؛ عن أبيه إسحاق بن يسار؛ أنه حدث أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن هبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم مر بإمرأته تلك، فقال: هل لك ؟ فقالت: لا، مررنت بي وبين عينيك غرة، فدعوتني فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها. فزعموا أن امراته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى علي، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها؛ فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني علي بن حرب الموصلي، قال: حدثنا محمد بن عمارة القرشي، قال : حدثنا الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : لما خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من خثعم، يقال: لها فاطمة بنت مر، متهودة من أهل تبالة، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نوراً، فقالت له: يافتى، هل لك لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال:
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
ثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه، فمضى به، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عنجها ثلاثاً ثم انصرف. فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت ؟ فقالت: يافتى، إنى والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكنى رأيت في وزجهك نوراً فأردت أن يكون في، وأبى وزالله إلا أن يجعله حيث أراد، فما صنعت بعدى ؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثاً؛ فأنشأت فاطمة بنت مر تقول:
إني رأيت مخيلةً لمعت ... فتلألأت بحناتم اقطر
فلمأتها نوراً يضيء له ... ما حوله كإضاءة البدر
فرجوتها فخراً أبوء به ... ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهريةٌ سلبت ... ثوبيك ما استلبت وما تدري!؟
وقالت أيضاً:
بني هاشمٍ قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه تعتركان
كما غادر المصباح عند خموده ... فتائل قد ميثت له بدهان
ومل كل ما يحوي الفتى من تلاده ... لعزمٍ ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمراً فإنه ... سيكفيكه جدان يعتلجان
سيكفيكه إما يدٌ مقفعلةٌ ... وإما يدٌ مبسوطةٌ ببنان
ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخراً ما لذلك ثان
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا معمر وغيره، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته، وقيل لها: هل لك أن تزوجيه فتزوجته آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمراً، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات.
قال الواقدي: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري، عن أمر بكر بنت المسور، أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوجا في مجلس واحد، فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج عبد الله ابن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.
قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقدي: والثبت عندنا، ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشأم في عير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة - وقيل التابعة - في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف.
؟
ابن عبد المطلب
وعبد المطلب اسمه شيبة، سمي بذلك؛ لأنه فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: كان في رأسه شيبة.
وقيل له عبد المطلب: وذلك أن أباه هاشماً كان شخص في تجارة له إلى الشأم، فسلك طريق المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق. وفيما حدثت عن هشام ابن محمد عن أبيه. وفيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض - على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو - وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو - ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشرط عليه ألا تلد ولداً إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها، ثم انصرف راجعاً من الشأم، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت منه. ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها، ومضى إلى الشأم فمات بها بغزة، فولدت له سلمى عبد المطلب، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين. ثم إن رجلاً من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت ؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثي مكة، قال للمطلب وهو جالس في الحجر: يا أبا الحارث، تعلم أني وجدت غلماناً ينتضلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال المطلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به، فقال له الحارثي: هذه ناقتي بالفناء فاركبها، فجلس المطلب عليها، فورد يثرب عشاء، حتى أتى بني عدي بن النجار، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري المجلس، فعرف ابن أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم ؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها إن علمت لم تدعه، وحلنا بينك وبينه. فدعاه فقال: يابن أخي، أنا عمك، وقد أردت الذهاب بك إلى قومك - وأناخ راحلته - فما كذب أن جلس على عجز الناقة، فانطلق به، ولم تعلم به أمه حتى كان الليل، فقامت تدعو بحربها على ابنها، فأخبرت أن عمه ذهب به، وقدم به المطلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك ؟ فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا ؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة، فاشترى حلة فألبسها شيبة، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة، فيقال: هذا عبد المطلب، لقوله: " هذا عبدي " حين سأله قومه، فقال المطلب:
عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... أبناؤها حوله بالنبل تنتضل
وقد حدثني هذا الحديث على بن حرب الموصلي، قال: حدثنيأبو معن عيسى - من ولد كعب بن مالك - عن محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن مشايخ ألأنصار، قالوا: تزوج هاشم بن عبد مناف امرأةً من بني عدي بن النجار، ذات شرف، تشرط على من خطبها المقام بدار قومها، فتزوجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فربي في أخواله مكرماً، فبينا هو يناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خصله، فقال: أنا ابن هاشم. وسمعه رجل مجتاز، فلما قدم مكة، قال لعمه المطلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بنى قيلة، فرأيت فتىً من صفته ومن صفته ... يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي ترك مثله في الغربة. فرحل المطلب حتى ورد المدينة، فأراده على الرحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذنت له، وأقبل به قد أردفه، فإذا لقيه اللاقي وقال: من هذا يا يا مطلب ؟ قال: عبد لي، فسمي عبد المطلب. فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه، وسلمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه، فسألهم النصرة على عمه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه:
أبلغ بنى النجار إن جئتهم ... أني منهم وابنهم والخميس
رأيتهم قوماً إذا جئتهم ... هووا لقائي وأحبوا حسيس
فإن عمي نوفلاً قد أبى ... إلا التي يغضي عليها الخسيس
قال: فخرجأبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكباً، حتى أتى الأبطح، وبلغ عبد المطلب، فخرج يتلقاه، فقال: المنزل يا خال ! فقال: أما حتى ألقى نوفلاً فلا. قال: تركته جالساً في الحجر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استل سيفه، ثم قال: ورب هذه البنية؛ لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف، قال: فإنى ورب هذه البنية أرد ركحه. فأشهد عليه من حضر، ثم قال: المنزل يا بن أختى، فأقام عنده ثلاثاً واعتمر، وأنشأ عبد المطلب يقول:
تأبى مازنٌ وبنو عديٍ ... ودينار بن تيم اللات ضيمي
وسادة مالك حتى تناهى ... ونكب بعد نوفل عن حريمي
بهم رد الإله علي ركحي ... وكانوا في التنسب دون قومي
وقال في ذلك سمرة بن عمير،أبو عمرو الكناني:
لعمري لأخوالٌ لشيبة قصرةً ... من أعمامه دنيا أبر وأوصل
أجابوا على بعدٍ دعاء ابن أختهم ... ولم يثنهم إذ جاوز الحق نوفل
جزى الله خيراً عصبةً خزرجيةً ... تواصوا على برٍ، وذو البر أفضل
قال: فلما رأى ذلك نوفل، حالف بنى عبد شمس كلها على بني هاشم. قال محمد بن أبي بكر: فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال: يا بن أبي بكر، هذا شيء ترويه الأنصار تقرباً إلينا؛ إذ صير الله الدولة فينا ! عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه .قالت: أصلح الله الأمير ! قد احتاج إلى نصرهم من كان خيراً من عبد المطلب. قال: وكان متكئاً فجلس مغضباً، وقال: من خير من عبد المطلب ! قلت: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر.
وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدثنا زياد بن علاقة التغلبي - وكان قد أدرك الجاهليه - قال: كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بنى هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه مكة، وقال: لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب؛ أن نوفل بن عبد مناف - وكان آخر من بقي من بني عبد مناف - ظلم عبد االمطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له - وهي الساحات - وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصف عبد المطلب عمه، فلم ينصفه، فكتب إلى أخواله:
يا طول ليلى لأحزاني وأشغالي ... هل من رسولٍ إلى النجار أخوالي !
ينبي عدياً وديناراً ومازنها ... ومالكاً عصمة الجيران عن حالي
قد كنت فيكم ولا أخشى ظلامة ذي ... ظلمٍ عزيزاً منيعاً ناعم البال
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني ... عن ذاك مطلبٌ عمي بترحال
وكنت ما كان حياُ ناعماً جذلاً ... أمشي العرضنة سحاباً لأذيالي
فغاب مطلبٌ في قعر مظلمةٍ ... وقام نوفل كي يعدو على مالي
أأن أرى رجلاً غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا وال
أنحى عليه ولم يحفظ له رحماً ... ما أمنع المرء بين العم والخال !
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم ... لا تخذلوه وما أنتم بخذال
ما مثلكم في بني قحطان قاطبةً ... حيٌ لجارٍ وإنعام وإفضال
أنتم ليانٌ لمن لانت عريكته ... سلمٌ لكم وسمام الأبلخ الغالي
قال: فقدم عليه منهم ثمانون راكباً، فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنعموا صباحاً ! فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرجل ! أنصف ابن أختنا من ظلامته. قال: أفعل بالحب لكم والكرامة؛ فرد عليه الأركاح وأنصفه.
قال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم. قال: فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا عبد المطلب بسر بن عمروٍ وورقاء بن فلان ورجلاً من رجالات خزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتاباً.
وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة، وشرف في قومه، وعظم فيهم خطره، فلم يكن يعدل به منهم أحد، وهوالذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفوناً؛ وذلك غزالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما - فيما ذكر - حين أخرجت من مكة، وأسيافٌ قلعية، وأدراع، فجعل الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليته - فيما قيل - الكعبة. وكانت كنية عبد المطلب أبا الحارث، كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة.
ابن هاشمواسم هاشم عمرو؛ وإنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكه وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي - وقال ابن الكلني: إنما قاله ابن الزبعري:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف
ذكر أن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزوراً، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز.
وذكر أن هاشماً هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن ابيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس - وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطلب - وكان أصغرهم - أمهم عاتكة بنت مرة السلمية؛ ونوفل - وأمه واقدة - بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعاً، وكان يقال لهم المجبرون، قال: ولهم يقال:
يأيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف !
فكانوا أول من أخذ لقريش العصم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلاً من ملوك الشأم الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلاً من ألأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلاً من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبر الله بهم قريشاً، فسموا المجبرين.
وقيل: إن عبد شمس وهاشماً توأمان، وأن أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت عنها فسال من ذلك دم، فتطير من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء. وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قصي في ذلك - يعنى في إطعام هاشم قومه الثريد:
تحمل هاشمٌ ما ضاق عنه ... وأعيا أن يقوم به ابن بيض
أتاهم بالغرائز متأقاتٍ ... من أرض الشأم بالبر النفيض
فأوسع أهل مكة من هشيمٍ ... وشاب الخبز باللحم الغريض
فظل القوم بين مكللاتٍ ... من الشيزى وحائرها يفيض
قال :فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان ذا مال - فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش فغضب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، ولم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشماً عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.
حدثني الحارث قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرقة مولى بني أسد، وكان عالماً، قالا: تنافر عبد المطلب ابن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى أن ينفر بينهما، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً، وأطول منك مذوداً !. فنفره عليه. فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكماً ! فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزة من أرض الشأم، ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن، وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب.
ابن عبد منافواسمه المغيرة - وكان يقال له القمر من جماله وحسنه، وكان قصي يقول - فيما زعموا - : ولد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحداً بداري، وواحداً بنفسي؛ وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصي - وعبد العزى والد أسد - وعبد الدار بن قصي، وعبد قصي بن قصي - درج ولده - وبرة بنت قصي؛ أمهم جميعاً حبَّى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة.
وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه حبَّى دفعته إلى مناف - وكان أعظم أصنام مكة - تديناً بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له:
كانت قريشٌ بيضةً فتفلقت ... فالمح خالصةٌ لعبد مناف
ابن قصيوقصي اسمه زيد؛ وإنما قيل له قصي، لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل - واسم سيل خير - بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جعثمة بن يشكر، من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل، فولدت لكلاب زهرة وزيداً، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شب زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير ابن عذرة بن سعد بن زيد، أحد قضاعة، فتزوج - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن اسحاق. وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه - فاطمة أم زهرة وقصي - وزهرة رجل قد بلغ، وقصي فطيم أو قريب من ذلك - فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة، من أشراف الشأم، فاحتملت معها قصياً لصغره، وتخلف زهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى؛ وهم حنّ بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة. وشب زيد في حجر ربيعة، فسمي زيد قصياً لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكة، فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي - فيما يزعمون - إلا إلى ربيعة بن حرام، إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء - وقد بلغ قصي، وكان رجلاً شاباً - فأنبه القضاعي بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا ! فرجع قصي إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بني أكرم منه نفساً ووالداً، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله. فأجمع قصيٌّ الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان رجلاً جليداً نسيباً، فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبىَّ بنت حليل ،فعرف حليل النسب ورغب فيه، فزوجه - وحليل يومئذ فيما يزعمون - يلي الكعبة وأمر مكة.
فأما ابن إسحاق، فإنه قال في خبره: فأقام قصي معه - يعين مع حليل - وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بني قصي. فلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشاً فرعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلم رجالاً من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام - وهو ببلاد قومه - يدعوه إلى نصرته، والقيام معه، فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك.
وقال هشام في خبره: قدم قصي على أخيه زهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد، وكانت خزاعة بمكة أكثر من بني النضر، فاستنجد قصي أخاه رزاحاً، وله ثلاثة إخوة من أبيه، من امرأة أخرى، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قضاعة، ومع قصيٍ قومه بنو النضر، فنفوا خزاعة، فتزوج قصي حبىَّ بنت حليل بن حبشية من خزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حليل آخر من ولي البيت، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبىَّ، فقالت: قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غبشان - وهو سليم بن عمرو بن بوىّ بن ملكان بن أفصى - فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود. فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة، فبلغنا - والله اعلم - أن خزاعة أخذتها العدسة، حتى كادت تفنيهم ،فلما رأت ذلك جلت عن مكة، فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة. وكان بعضهم في الشعاب ورءوس جبال مكة، فقسم منازلهم بينهم، فسمى مجمعاً، وله يقول مطرود - وقيل: إن قائله حذافة ابن غانم:
أبوكم قصىٌ كان يدعى مجمعاً ... به جمع الله القبائل من فهر
وملكه قومه عليهم.
وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحاً أجاب قصياً إلى ما دعاه إليه من نصرته، وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة، ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي، والقيام معه، قال: وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصياً، وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة من خزاعة، فعند ذلك طلب قصي ما طلب .
فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف، وفرغوا من الحج ونزلوا منى، وقصي مجمع لما أجمع له، ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومن معه من قضاعة، ولم يبق إلا أن ينفروا للصدر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة؛ وتجيزهم إذا نفروا من منى؛ إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار - ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمي - فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرمي معك، فيقول: لا والله حتى تميل الشمس، فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك؛ ويقولن: ويلك قم فارم ! فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، هذا الحديث، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد.
فإذا فرغوا من رمي الجمار، وأرادوا النفر من منىً، أخذت صوفة بناحيتي العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فلما كان ذلك العام، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، أتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالاً شديداً، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه.
قال: وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، وثبت معه؛ أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة، وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا لحربهم، والتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعاً، وفشت فيهم الجراحة. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، إلى أن يحكموا بينهم رجلاً من العرب فيما اختلفوا فيه، ليقضي بينهم، فحكموا يعمر بن عوف ابن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضي بينهم بأن قصياً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصي ابن كلاب وبين الكعبة ومكة؛ فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ؛ لما شدخ من الدماء ووضع منها. فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، فكان قصيٌّ أول ولد كعب ابن لؤي أصاب ملكاً أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة أرباعاً بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم منمكة التي أصبحوا عليها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ويزعم الناس أن قريشاً هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه، فسمته العرب مجمعاً لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي بن كلاب، وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدها لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره؛ يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها؛ فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمناً بأمره ومعرفةً بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلاً يحدث عمر بن الخطاب - وهو خليفة - حديث قصي بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة؛ فلم يردد ذلك عليه ولم ينكره.
قال: فأقام قصي بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شيء من أمر مكة؛ إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه؛ وذلك لأنه كان يراه ديناً في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت صوفة، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث ابن شجنة وراثةً، وكانت عدوان على ما كانت عليه، وكانت النسأة من بنى مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام، فهدم الله به ذلك كله. وابتنى قصى داراً بمكة، وهي دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورها، فلما كبر قصي ورق عظمه - وكان عبد الدار بكره هو، كان أكبر ولده، وكان - فيما يزعمون - ضعيفاً، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب وعبد العزى بن قصي وعبد بن قصي، فقال قصي لعبد الدار فيما يزعمون: أما والله لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك؛ لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاماً إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك. فأعطاه داره، دار الندوة التى لا تقضي قريش أمراً إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة - وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم؛ وذلك أن قصياً فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شراباً وطعاماً أيام هذا الحج، حتى يصدروا عنكم. ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاماً للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا؛ فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضي الحج.
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، قال: حدثني من أمر قصي ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بنى عبد الدار، يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصي ما كان بيده من أمر قومه كله، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.
ثم إن قصياً هلك، فأقام أمره في قومه من بعده بنوه.
ابن كلابوأم كلاب - فيما ذكر - هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وله أخوان من أبيه من غير أمه، وهما تيم ويقظة، أمهما - فيما قال هشام بن الكلبي - أسماء بنت عدي بن حارثة ابن عمرو بن عامر بن بارق.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمهما هند بنت حارثة البارقية. قال: ويقال: بل يقظة لهند بنت سرير، أم كلاب.
ابن مرةوأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأخواه لأبيه وأمه عدي وهصيص. وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية. وقيل: إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وأم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان.
ابن كعبوأم كعب ماوية - فيما قال ابن إسحاق وابن الكلبي - وماوية بنت كعب ابن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وله أخوان من أبيه وأمه: أحدهما يقال له عامر، والآخر سامة، وهم بنو ناجية، ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم، كن يقال له: عوف، أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان.
ذكر أن الباردة لما مات لؤي بنت غالب خرجت بإبنها عوف إلى قومها، فتزوجها سعد بن ذيبان بن بغيض، فتبنى عوفاً، وفيه يقول - فيما ذكر - فزارة بن ذيبان:
عرج على ابن لؤيٍ جملك ... يتركك القوم ولا منزل لك
ولكعب أخوان آخران أيضاً من أبيه من غير أمه، أحدهما خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمه، وهي عائذة بنت الخمس بن قحافة، من خثعم، والآخر سعد. ويقال لهم بنانة، وينانة أمهم؛ فأهل البادية منهم اليوم - فيما ذكر - في بنى أسعد بن همام، في بنى شيبان بن ثعلبة؛ وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش.
ابن لؤيوأم لؤي - فيما قال هشام - عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة، وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وله أخوان من أبيه وأمه، يقال لأحدهما: تيم، وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم - والدرم نقصان في الذقن؛ قيل أنه كان ناقص اللحى - وقيس، قيل: لم يبق من قيس أخي لؤي أحد، وإن آخر من كان بقى منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسري، فبقى ميراثه، لا يدري من يستحقه. وقد قيل: إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لحى بن حارثة ابن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، من خزاعة.
ابن غالبوأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة. وإخوته من أبيه وأمه: الحارث، ومحارب، وأسد، وعوف، وجون؛ وذئب، وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح.
ابن فهروفهر - فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال: هو جماع قريش، قال: وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي.
وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد - قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي.
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول - فيما ذكر عنه - أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.
وقيل: إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق، من الأزد.
وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - و في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري. وكان حسان - فيما أقبل - أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج الناس عنده ببلاده، فأقبل حتى نزل بنخلة، فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة؛ فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجزام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك ،فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمت حمير، وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة - فيمن قتل من الناس - ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر، وكان حسان عندهم بمكة أسيراً ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به ، فمات بين مكة واليمن.
ابن مالكوأمه عكرشة بنت عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان، في قول هشام.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان.
وقيل: إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان، واسمها عاتكة.
وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكان لمالك أخوان، يقال لأحدهما: يخلد، فدخلت يخلد في بنى عمرو بن الحارث ابن مالك بن كنانة، فخرجوا من جماع قريش. والآخر منهما يقال له: الصلت، لم يبق من ذريته أحد.
وقيل: سميت قريش قريشاً بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة؛ وبه سميت قريش قريشاً، لأن عير بنى النضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل بنى النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدراً، احتفر بدراً، قالوا: فبه سميت البئر التي تدعى بدراً، بدراً.
وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة.
وقال آخرون: إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشاً؛ لأن النضر بن كنانة خرج يوماً على نادى قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جملٌ قريش.
وقيل: إنما سميت قريش قريشاً بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر، تدعى القرش، فشبه بنو النضر بن كنانة بها؛ لأنها أعظم دواب البحر قوة.
وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله، والتقريش - فيما زعموا - التفتيش: وكانوا بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم - واستشهدوا لقولهم: إن التقريش هو التفتيش، يقول الشاعر:
أيها الناطق المقرش عنا ... عند عمروٍ فهل لهن انتهاء !
وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشاً. وقيل: بل لم تزل بنو النضر ابن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب، فقيل لهم: قريش؛ من اجل أن التجمع هو التقرش، فقالت العرب: تقرش بنو النضر، أي تجمعوا.
وقيل: إنما قيل قريش، من أجل أنها تقرشت عن الغارات.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم؛ أن عبد الملك بين مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشاً ؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي، ولم تسم قريش قبله.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما نزل قصي الحرم وغلب عليه، فعل أفعالاً جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سمى به .
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم، قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة، حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: فأخبرني كثير بن عبد الله المزني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان. قال: محمد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم.
ابن النضرواسم النضر قيس، وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة. وإخوته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال. وأخوهم من أبيهم عبد مناة، وأمه فكيهة - وقيل فكهة - وهي الذفراء بنت هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني، وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هنداً بنت بكر بن وائل، فولدت له ولده، ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود، فولدت له، فحضن علي بنى أخيه، فنسبوا إليه، فقيل لبنى عبد مناة: بنو علي، وإياهم عنى الشاعر بقوله:
لله در بنى عل ... يٍ أيمٍ منهم وناكح
وكعب بن زهير بقوله:
صدموا علياً يوم بدرٍ صدمةً ... دانت عليٌ بعدها لنزار
ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود، فقتله، فواده أسد بن خزيمة.
ابن كنانةوأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان. وقد قيل: إن أمه هند بنت عمرو بن قيس، وإخوته من أبيه أسد وأاسدة، يقال إنه أبو جذام والهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة، وهي أم النضر بن كنانة؛ خلف عليها بعد أبيه.
ابن خزيمةوأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة، وأخوه لأبيه وأامه هذيل، وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.
وقد قيل: إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة.
ابن مدركةواسمه عمرو، وأمه خندف، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة، وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار. قيل: بها سمى حمى ضرية، وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر - وهو طابخة - وعمير - وهو قمعة - ويقال: إنه أبو خزاعة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق أنه قال: أم بنى إلياس خندف، وهي امراة من أهل اليمن، فغلبت على نسب نبيها، فقيل: بنو خندف.
قال: وكان اسم مدركة عامراً، واسم طابخة عمراً. قال: وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيداً، فقعدا عليه يطبخانة، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أدترك الإبل أو تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو: بل أطبخ الصيد، فلحق عامر الإبل، فجاء بها، فلما راحا على أبيهما، فحدثاه بشأنهما، قال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة.
وحدثت عن هشام بن محمد، قالوا: خرج إلياس في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمى مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمى طابخة، وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمى قمعة، وخرجت أمهم تمشي فقال لا: إلياس أين تخندفين ؟ فسميت خندف - والخندفة ضرب من المشي - قال: وقال قصي بن كلاب:
أمهتى خندف وإلياس أبى
قال: وقال إلياس لعمرو ابنه:
إنك قد أدركت ما طلبتا
ولعامر:
وأنت قد أنضجت ما طبختا
ولعمير: وانت قد اسأت وانقمعتا
ابن إلياسوأمه الرباب بنت حيدة بن معد، وأخوه لأبيه وأمه الناس، وهو عيلان، وسمى عيلان - فيما ذكر - لأنه كان يعاتب على جوده، فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان، فلزمه هذا الاسم.
وقيل: بل سمى عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان.
وقيل: سمى بذلك؛ لأنه ولد في جبل يسمى عيلان.
وقيل: سمى بذلك لأنه حضنه عبدٌ لمضر يدعى عيلان.
ابن مضروأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأامه إياد، ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما، وهما ربيعة وأنمار؛ أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم ابن جلهمة بن عمرو، من جرهم.
وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه، وقسم ماله بينهم، فقال: يا بنى، هذه القبة - وهي قبة من أدم حمراء - وما أشبهها من مالى لمضر، فسمى مضر الحمراء. وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالى لربيعة، فخلف خيلادهما، فسمى الفرس. وهو الخادم وما أشبهها من مالى لإياد - وكانت شمطاء - فأخذ البلق والنقد من غنمه. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فأخذ أنمار ما أصابه. فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي. فاختلفوا في القسمة، فتوجهوا إلى الأفعى؛ فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعى، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، قال: إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود؛ فلم يسيروا إلا قليلاً حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور ؟ قال: نعم، قال ربيعة: هو أزور ؟ قال: نعم، قال إياد: هو أبتر ؟ قال: نعم، قال أنمار: هو شرود ؟ قال: نعم، قال: هذه صفة بعيري، دلوني عليه، فحلفوا له: ما رأوه، فلزمهم وقال: وكيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته ! فساروا جميعاً حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فنادى صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري، وصفوا لي صفته ثم قالوا: لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه ؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانباً ويدع جانباً فعرفت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والآخرى فاسدة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: عرفت أنه أبتر بإجتماع بعره ، ولو كان ذيالاً لمصع به وقال أنمار: عرفت أنه شرود؛ لأنه يرعى المكان الملتف نبته، ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتاً وأخبث. فقال الجرهمي: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه، ثم سألهم: من هم ؟ فأخبروه، فرحب بهم فقال: أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى ! فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فقال مضر: لم أر كاليوم خمراً أجود، لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحماً أطيب لولا أنه ربى بلبن كلب، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له. وقال أنمار: لم أر كاليوم قط كلاماً أنفع في حاجتنا من كلامنا.
وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم، وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة، ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها. فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر ؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد. وقيل لربيعة: بم عرفت ؟ فذكر كلاماً.
فأتاهم الجرهمي، فقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والإبل - وهي حمر - لمضر، وقضى بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة، وقضى بالخادم - وكانت شمطاء - وبالخيل البلق لإياد، وقضى بالأرض والدراهم لأنمار.
ابن نزار
وقيل إن نزاراً كان يكنى أبا إياد. وقيل: بل كان يكنى أبا ربيعة، أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو، وإخوته لأبيه وأمه، قنص، وقناصة، وسنام، ووحيدان، وحيدة، وحيادة، وجنيد، وجنادة، والقحم، وعبيد الرماح، والعرف، وعوف، وشك، وقضاعة؛ وبه كان معد يكنى ، وعدة درجوا.
ابن معدوأم معد - فيما زعم هشام - مهدد بنت اللهم - ويقال: اللهم - ابن جلحب بن جديس. وقيل: ابن طسم. وقيل: ابن الطوسم، من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن.
حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال : حدثنا هشام بن محمد، قال حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني: وإخوته من أبيه وأمه الديث - وقيل: إن الديث هو عك. وقيل: إن عكا هو ابن الديث ابن عدنان - وعدن بن عدنان، فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن؛ وإليه تنسب،، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا، وأبين - وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا - وأد بن عدنان درج، والضحاك، والعي، وأم جميعهم أم معد.
وقال بعض النسابة: كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن، وترك أخاه معداً، وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضورى، بعث الله عليهم بختنصر عذاباً، فخرج أرميا وبرخيا، فحملا معداً، فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة، فوجد معد إخوته وعمومته من بنى عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوجوا فيهم، وتعطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم، واستشهدوا في ذلك قول الشاعر:
تركنا الديث إخوتنا وعكا ... إلى سمران فانطلقوا سراعا
وكانوا من بنى عدنان حتى ... أضاعوا الأمر بينهم، فضاعا
ابن عدنانولعدنان أخوان لأبيه: يدعى أحدهما نبتاً والآخر منهما عمراً، فنسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان، وأنه على ما بينت من نسبه.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره، عن نسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد. ثم يختلفون فيما بعد ذلك.
وقال الزبير بن بكار: حدثني يحيى بن المقداد الزمعي، عن عمه موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " معد ابن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى " .، قالت أم سلمة: فزند هو الهميسع، ويرى وهو نبت، وأعراقا الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن عمته، عن جدتها ابنة المقداد بن الأسود البهراني، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى.
وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان - فيما يزعم بعض النساب - بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح ابن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.
وبعض يقول: بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن فيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
قال: وقد انتمى قصى بن كلاب إلى قيذر في شعر.
قال: ويقول بعض النساب: بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول.
وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه - فيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن هشام - قال: أخبرني مخبرٌ عن أبي ولم اسمعه منه؛ أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال ابن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم ابن تاحش بن ماخى بن عبقى بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر ابن يثربى بن يحزن بن يلحن بن ارعوى بن عيفي بن ديشان بن عيصر بن أقناد ابن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمي بن مزى بن عوص بن عرام ابن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم؛ صلوات الله عليهما.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: وكان رجل من أهل تدمر، يكنى أبا يعقوب، من مسلمة بنى إسرائيل، قد قرأ من كتبهم، وعلم علماً، فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا، أثبت نسب معد بن عدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب، مثبت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية. قال الحارث: قال محمد بن سعد: وأنشدني هشام، عن أبيه شعر قصي:
فلست لحاضنٍ إن لم تأثل ... بها أولاد قيذر والنبيت
قال: أراد نبت بن إسماعيل.
وقال الزبير بن بكار: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، عن زكرياء ابن عيسى، عن ابن شهاب، قال: معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.
وقال بعضهم: هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن دريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل ابن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير ابن المجشر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن .
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سلمان - وهو سلامان - ابن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح ابن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن أسحب ابن سعد بن دريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانة ابن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل.
وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل، واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب، وأنه قابل بما قالوا من ذلكك ما يقول أهل الكتاب، فوجد العدد متفقاً، واللفظ مختلفاً، وأملى ذلك علي فكتبته عنه، فقال: هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع - وهميسع هو سلامان وهو أمين - ابن هميتع - وهو هميدع وهو الشاجب ابن سلامان - وهو منجر، وهو نبيت؛ سمي بذلك - فيما زعم - لأنه كان منجر العرب؛ لأن الناس عاشوا في زمانه، واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي:
تناشدني طيٌ وطيٌ بعيدة ... وتذكرني بالود أزمان ينبت
قال: نبيت بن عوص - وهو ثعلبة. قال: وإليه تنسب الثعلبية - ابن بورا - وهو بوز وهو عتر العتائر، وأول من سن العتيرة للعرب - ابن شوحا وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب - ابن يعمانا - وهو قموال، وهو دريح الناصب، وكان ففي عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه وسلم - ابن كسدانا - وهو محلم ذو العين - ابن حرانا - وهو العوام - ابن بلداسا - وهو المحتمل - ابن بدلانا - وهو يدلاف، وهو رائمة - ابن طهبا - وهو طالب، وهو العيقان - ابن جهمي - وهو جاحم، وهو علة - ابن محشى - وهو تاحش، وهو الشحدود - ابن معجالي - وهو ماخي، وهو الظريب خاطم النار - ابن عقارا - وهو عافى، وهو عبقر أبو الجن، قال: وإليه تنسب جنة عبقر - ابن عاقارى - وهو عاقر، وهو إبراهيم جامع الشمل. قال: وإنما سمى جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف، ورد كل طريد، واستطلح الناس - ابن اللداعي - وهو ابن الدعا، وهو إسماعيل ذو المطابخ ،سمي بذلك لأنه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دا ر ضيافة - ابن اللداعي - وهو عبيد وهو يزن الطعان، وهو أول من قاتل بالرماح ،فنسبت إليه - ابن همادى وهو حمدان، وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرساً له، وإليه تنسب الأعوجية من الخيل - ابن بشماني - وهو بشين وهو المطعم في المحل - ابن بثراني - وهو بثرم، وهو الطمح - ابن بحراني - وهو يحزن، وهو القسور - ابن يلحاني، وهو يلحن، وهو العنود - ابن رعواني - وهو رعوى، وهو الدعدع - ابن عاقارى - وهو عاقر - ابن داسان، وهو الزائد - ابن عاصار - وهو عاصر، وهو النيدوان ذو الأندية، وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور. وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بنى جاوان - ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية - ابن قنادى - وهو قنار، وهو إيامة بن ثامار، وهو بهامى، وهو دوس العتق، وهو دوس أجمل الخلق، زعم في زمانه، فلذلك تقول العرب: أعتق من دوس لأمرين: أما أحدهما فلحسنه وعتقه، والآخر لقدمه، وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا، وذلك أنهم بغوا في الحرم، فقتلهم دوس، وأتبع الذر آثار من بقى منهم، فولج في أسماعهم فأفناهم - ابن مقصر - وهو مقاصرى، وهو حصن، ويقال له: ناحث، وهو النزال بن زارح، وهو قمير - ابن سمى - وهو سما، وهو المجشر، وكان - فيما زعم - أعدل ملك ولى وأحسنة سياسة، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم:
كن كالمجشر إذ قالت رعيته ... كان المجشر أوفانا بما حكملا
ابن مزرا - ويقال مرهر - ابن صنفا، وهو السمر، وهو الصفي، هو أجود ملك رئى على وجه الأرض، وله يقول أمية بن أبي الصلت:
إن الصفي بن النبيت مملكاً ... أعلى وأجود من هرقل وقيصرا
ابن جعثم - وهو عرام، وهو النبيت، وهو قيذر، قال: وتأويل قيذر صاحب ملك، كان أول من ملك من ولد إسماعيل - ابن إسماعيل صادق الوعد، ابن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح - وهو آزر - ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا ابن بالغ - وتفسير بالغ القاسم بالسريانية، لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم، وبالغ، فهو فالج بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ابن لملك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم - ابن يرد - وهو يارد الذي عملت الأصناكم في زمانه - ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش ابن شيث - وهو هبة الله ابن آدم عليه السلام. وكان وصى أبيه بعد مقتل هابيل، فقال: هبة الله بن هابيل، فاشتق اسمه من اسمه.
وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم، ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا، بوجيز من القول مختصر، في كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.
وحدثت عن هشام بن محمد قال: كانت العرب تقول: إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش؛ وإنما حرم الحنث، منذ ولد أبونا شث؛ وهو بالسريانية شيث.
ونعود الآن إلى:
ذكر رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأسبابه
فتوفى عبد المطلب بعد الفيل بثماني سنين؛ كذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: وكان عبد المطلب يوصي برسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، وذلك أن أبا طالب، وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا لأم، فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، وكان يكون معه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجراً، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير ضب به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون - فرق له أبو طالب، فقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً، أو كما قال. فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشأم، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له، وكان ذا علم من أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة مذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب - فيما يزعمون - يتوارثونه كابراً عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، صنع لهم طعاماً كثيراً، وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صومعته، عليه غمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريباً منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتصهرت أغصان الشجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى، نزل من صومعته، ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعاً، فلما رأى بحيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته.
فلما فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء في حاله، في يقظته وفي نومه، فجعل رسول الله صلى الله عله وسلم يخبره فيجدها بحيرى موافقةً لما عنده من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني، فقال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً. قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع به إلى بلدك، واحذر عليه يهود؛ فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنه شراً. فإنه كائن له شأن عظيم. فأسرع به إلى بلده. فخرج به عمه سريعاً حتى أقدمه مكة.
وقال هشام بن محمد: خرج أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى من أرض الشأم؛ وهو ابن تسع سنين.
حدثني العباس بن محمد؛ قال: حدثنا أبو نوح، قال: حدثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى، قال: خرج أبو طالب إلى الشأم، وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخٍ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب - وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت.
قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا سيد العالمين. هذا رسول رب العالمين؛ هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال له أشياخ قريش: ما علمك ؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم تبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجداً؛ ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم الننبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به كان هو في رعية الإبل.
قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة، فقال: انظروا إليه؛ عليه غمامة تظله ! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فىء الشجرة، فلما جلس مال لىء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فىء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم؛ وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم؛ فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه؛ فالتفت فإذا بسبعة نفرٍ قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم ؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر؛ فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناس، وإنا اخترنا خيرةً، بعثنا إلى طريقك هذا؛ قال لهم: هل خلفتم خلفكم أحداً هو خيرٌ منكم ؟ قالوا: لا، إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده ! قالوا: لا؛ فتابعوه وأقاموا معه، قال: فأتام، فقال: أنشدكم الله، أيكم وليه ؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالاً، وزدوه الراهب من الكعك والزيت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن علي، عن جده على بن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ما هممت بشيءٍ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك.
ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته؛ فإني قد قلت ليلةً لغلامٍ من قريش كان يرعة معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشباب ! فقال: أفعل؛ فخرجت أريد ذلك؛ حتى جئت أول دارٍ من دور مكة، سمعت عزفاً بالدفوف والمزامير، فقلت: ما هذا ؟ قتالوا: فلان ابن فلان تزوج بفلانة بنت فلان.
فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس؛ قال: فجئت صاحبي، فقال: ما فعلت ؟ قلت ما صنعت شيئاً، ثم أخبرته الخبر. قال: ثم قلت له ليلةً أخرى مثل ذلك، فقال: أفعل، فخرجت فسمعت حين جئت مكة مثل ما سمعت حين دخلت مكة تلك الليلة؛ فجلست أنظر، فضرب الله على أذني؛ فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس؛ فرجعت إلى صاحبي فأخبرته الخبر، ثم ما هممت بعدها بسوء حتى أكرمني الله عز وجل برسالته.
ذكر تزويج النبي خديجةقال هشام بن محمد: نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة؛ وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ ابنة أربعين سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، قال: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة تاجرةً، ذات شرف ومال، تستتجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريشٌ قوماً تجاراً؛ فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكم أخلاقه؛ بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشأم تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار؛ مع غلامٍ لها يقال له ميسرة.
فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج في مالها ذلك؛ وخرج معه غلامها ميسرة؛ حتى قدما الشأم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع الراهب رأسه إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال له ميسرة: هذا رجلٌ من قريش، من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم باع رسول اله صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلاً إلى مكة؛ ومعه ميسرة.
فكان ميسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظللانه من الشمس، وهو يسير على بعيرة. فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعف، أو قريباً من ذلك. وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه - وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة؛ مع ما أراد الله بها من كرامته - فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها، بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له - فيما يزعمون - : يا بن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً؛ كل قومهما كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليها.
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب عمه؛ حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها، فولدت له ولده كلهم إلا إبراهيم: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، والقاسم - وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم - والطاهر والطيب. فأما القاسم والطتاهر والطيب؛ فهلكوا في الجاهلية، وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن، وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا معمر وغيره، عن ابن شهاب الزهري - وقد قال ذلك غيره من أهل البلد: إن خديجة إنما كانت استأجرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاً أخر من قريش إلى سوق حباشة بتهامة؛ وكان الذي زوجها إياه خويلد، وكان التي مشت في ذلك مولاةٌ مولدة من مولادات مكة.
قال الحارث: قال محمد بن سعد: قال الواقدي: فكطل هذا غلط.
قال والواقدي: ويقولون أيضاً إن خديجة أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تدعوه إلى نفسها - تعني التزويج - وكانت امرأة ذات شرف، وكان كل قريش حريصاً على نكاحها - قد بذلوا الأموال لو طمعوا بذلك، فدعت أباها فسسقته خمراً حتى ثمل، ونحرت بقرة وخلقته بخلوق، وألبسته حلةً حبرةً، ثم أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته، فدخلوا عليه، فزوجه، فلما صحا قال: ما هذا العقير ؟ وماهذا العبير ؟ وما هذا الحبير ؟ قالت: زوجتنى محمد بن عبد الله، قال: ما فعلت أنى أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش، فلم أفعل ! قال الواقدي: وهذا غلطٌ، والثبت عندنا المحفوظ من حديث محمد ابن عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم. ومن حديث ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ومن حديث ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن عمها عمرو بن أسد زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أباها مات قبل الفجار.
قال أبو جعفر: وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذي يعرف بها اليوم، فيقال: منزل خديجة، فاشتراه معاوية - فيما ذكر - فجعله مسجداً يصلى فيه الناس، وبناه على الذي هو عليه اليوم لم يغير. وأما الحجر الذي على باب البيت عن يسار من يدخل البيت فإن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يجلس تحته يستتر به من الرمى إذا جاءه من دار أبي لهب، ودار عدي ابن حمراء الثقفي خلف دار ابن علقمة، والحجر ذراعٌ وشبر في ذراع.
ذكر باقي الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم قبل أن ينبأ، وما كان بين مولده ووقت نبوته من
الأحداث في بلده
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل سبب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة واختلاف المختلفين في ذلك، ووقت نكاحه صلى الله عليه وسلم إياها.
وبعد السنة التي نكحها فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هدمت قريش الكعبة بعشر سنين ثم بنتها - وذلك في قول إبن إسحاق - في سنة خمسٍ وثلاثن من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان سبب هدمهم إياها فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن الكعبة كانت رضمة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها؛ وذلك أن نفراً من قريش وغيرهم سقوا كنز الكعبة؛ وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة.
وكان أمر غزالي الكعبة - فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه - أن الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح، فأمر الله إبراهيم خليله عليه السلام وابنه إسماعيل أن يعيدا بنا الكعبة على أسها الأول، فأعادا بناءها، كما أنزل في القرآن: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " ، فلم يكن له ولاةٌ منذ زمن نوح عليه السلام؛ وهو مرفوع .
ثم أمر الله عز وجل إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل البيت، لما أراد الله من كرامة من أكرمه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكان إبراهيم خليل الرحمن وابنه إسماعيل يليان البيت بعد عهد نوح، ومكة يومئذ بلاقع؛ ومن حول مكة يومئذ جرهم والعماليق. فنكح إسماعيل عليه السلام امرأة من جرهم؛ فقال في ذلك عمرو بن الحارث بن مضاض:
وصاهرنا من أكرم الناس والداً ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فولى البيت بعد إسماعيل، وبعد إسماعيل نبت؛ وأمه الجرهمية؛ ثم مات نبت، ولم يكثر ولد إسماعيل، فغلبت جرهم على ولاية البيت؛ فقال عمرو بن الحارث بن مضاض:
وكنا ولاة البيت من بعد نابتٍ ... نطوف بذاك البيت، والخير ظاهر
فكان أول من مولى من جرهم البيت مضاض؛ ثم وليته بعده بنوه كابراً عن كابر؛ حتى بغت جرهم بمكة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، وظلموا من دخل مكة، ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذ لم يجد مكاناً يزنى فيه يدخل الكعبة فزنى. فزعموا أن أسافا بغى بنائلة في حوف الكعبة، فمسخا حجرين، وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغى فيها، ولا يستحل حرمتها ملكٌ إلا هلك مكانه فكانت تسمى الناسة، وتسمى بكة، تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها، والجبابرة.
قال: ولما لم تتناه جرهم عن بغيها، وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخرع بنو حارثة بن عمرو، فأوطنوا تهامة - فسميت خزاعة، وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة - وأسلم ومالك وملكان بنو أفصى بن حارثة، فبعث الله على جرهم الرعاف والنمل، فأفناهم. فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقى، ورئيسهم عمرو بن ربيعة بن حارثة، وأمه فهيرة بنت عامر بن الحارث ابن مضاض، فاقتتلوا. فلما أحس عامر بن الحارث بالهزيمة، خرج بغزالي الكعبة وحجر الركن يلتمس التوبة، وهو يقول:
لا هم إن جرهماً عبادك ... الناس طرفٌ وهم تلادك
بهم قديماً عمرت بلادك
فلم تقبل توبته، فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم، ثم دفنها وخرج من بقى من جرهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتى فذهب بهم، فذلك قول أمية بن أبي الصلت:
وجرهم دمنوا تهامة في الد ... هر فسالت بجمعهم إضم
وولى البيت عمرو بن ربيعة. وقالوا بنو قصي: بل وليه عمرو بن الحارث الغبشاني، وهو يقول:
نحن ولينا البيت من بعد جرهمٍ ... لنعمره من كل باغٍ وملحد
وقال:
وادٍ حرامٌ طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه
وقال عامر بن الحارث:
كأن لم يكن بين الحجوزن إلى الصفا ... أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قال:
يأيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
كنا أناساً كما كنتم فغيرنا ... دهرٌ، فأنتكم كما كنا تكونونا
حثوا المطى وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقوضنا
يقول: اعملوا لآخرتكم، وافرغوا من حوائجكم في الدنيا؛ فوليت خزاعة البيت؛ غير أنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال: الإجازة بالحج للناس من عرفة، وكان ذلك إلى الغوث بن مر - وهو صوفة - فكانت إذا كانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صوفة. والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى، فكان ذلك إلى بنى زيد بن عدوان؛ فكان آخر من ولى ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش ابن زيد، والثالثة النسئ للشهور الحرام، فكان ذلك في القلمس، وهو حذيفة بن فقيم بن عدي من بنى مالك بن كنانة، ثم بنيه حتى صار ذلك إلى آخرهم أبي ثمامة، وهو جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن حذيفة.
وقام عليه السلام، وقد عادت الحرم إلى أصلها، فأحكمها الله وأبطل النسئ؛ فلما كثرت معد تفرقت، فذلك قول مهلهل:
غنيت دارنا في تهامة في الده ... ر وفيها بنو معدٍ حلولا
وأما قريش، فلم يفارقوا مكة، فلما حفر عبد المطلب زمزم، وجد الغزالين، غزالي الكعبة اللذين كانت جرهم دفنتهما فيه، فاستخرجهما؛ وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت في موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب قبل.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وكان الذي وجد عنده الكنز دويكاً مولىً لبنى مليح بن عمرو، من خزاعة. فقطعت قريش يده من بينهم، وكان ممن اتهم في ذلك الحارث بن عامر بن نوفل، وأبو إهاب ابن عزير بن قيس بن سويد التميمي - وكان أخا الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه - وأبو لهب بن عبد المطلب؛ وهم الذين تزعم قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند دويك مولى بنى مليح، فلما اتهمتهم قريش، دلوا على دويك، فقطع، ويقال: هم وضعوه عنده.
وذكروا أن قريشاً حين استيقنوا بأن ذلك كان عند الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف، خرجوا به إلى كاهنةٍ من كهان العرب، فسجعت عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشر سنين، بما استحل من حرمه الكعبة، فزعموا أنهم أخرجوه من مكة، فكان فيمات حولها عشر سنين؛ وكان البحر قد رمى بسفينةٍ إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها؛ وكان بمكة رجل قبطيٌ نجارٌ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي يطرح فيها ما يهدي لها كل يوم، فتشرف على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحدٌ إلا احزألت وكشت وفتحت فاها؛ فبينا هي يوماً تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائراً، فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله عز وجل قد رضى ما أردنا. عندنا عاملٌ رقيق، وعندنا خشبٌ، وقد كفانا الله أمر الحية. وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامئذٍ ابن خمس وثلاثين سنة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قامأبو وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجراً، فوثب في يده؛ حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بناينها من كسبكم إلا طيباً، ولا تدخلوا فيها مهر بغيٍ، ولا بيع رباً، ولا مظلمة أحدٍ من الناس.
قال: والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة؛ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي نجيح المكي، أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف، أنه رأى ابناً لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت، فسأل عنه فقيل له: هذا ابنٌ لجعدة ابن هبيرة، فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جد هذا - يعنى أبا وهيب الذي أخذ من الكعبة حجراً حين اجتمعت قريش لهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنانها من كسبكم إلا طيباً؛ لا تدخلوا فيها مهر بغى، ولا بيع رباً ولا مظلمة أحدٍ.
وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شريفاً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثننا محمد بن إسحاق، قال: ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش، ضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم، وكان شق الحجر - وهو الحطيم - لبنى عبد الدار بن قصي ولبنى عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنى عدي بن كعب.
ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها، وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس به تلك الليلة، وقالوا: ننظر؛ فإن إصيب لم نهدم منها شيئاً؛ ورددناها كما كانت؛ وإن لم يصبه شيءٌ فقد رضى الله ما صنعنا هدمنا.
فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله، فهدم والناس معه؛ حتى انتهى الهدم إلى الأساس، فأفضوا إلى حجارة خضرٍ كأنها أسنة آخذ بعضها ببعض.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض من يروى الحديث، أن رجلاً من قرش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها، ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتقت مكة بأسرها، فانتهوا عند ذلك إلى الأساس.
قال: ثم إن القبائل جمعت الحجارة لبنائها، جعلت كل قبيلة تجمع على حدتها، ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان موضع الركن اختصموا فيه؛ كل قبيلةٍ تريد أن ترفعهخ إلى موضعه دون الأخرى؛ حتى تحاوزوا وتحالفوا وتواعدوا للقتال؛ فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً؛ ثم تعاقدوا هم وبنو عد بن كعب على الموت، وأدخلوا أيديهم، في ذلك الدم في الجفنة؛ فسموا لعقة الدم بذلك؛ فمكثت قريش أربع ليالٍ - أو خمس ليال - على ذلك.
ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا؛ فزعم بعض الرواة أن أبا أمية ابن مغيرة كان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش؛ اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه؛ فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا به؛ هذا محمد.
فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال: هلم لي ثوباً، فأتى به. فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحيةٍ من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه بيده، ثم بنى عليه؛ وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين.
قال أبو جعفر: وكان بناء قريش الكعبة بعد الفجار بخمس عشرة سنة، وكان بين عام الفيل وعام الفجار عشرون سنة.
واختلف السلف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نبئ كم كانت ؟ فقال بعضهم: نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما بنت قريش الكعبة بخمس سنين؛ وبعدما تمت له من مولده أربعون سنة.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنل أبو حمزة الضبعي، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة.
حدثنا عمرو بن علي وابن المثنى، قالا: حدثنا يحيى بن محمد بن قيس قال: سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين.
حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قتال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي، قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: حدثني أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى رأس أربعين.
حدثني أبو شرحبيل الحمصي، قال: حدثني أبو اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا الحجاج، عن حماد، قال: أخبرنا عمرو، عن يحيى بن جعدة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: إنه كان يعرض على القرآن كل عام مرة؛ وإنه قد عرض على العام مرتين، وإنه قد خيل إلى أن أجلى قد حضر؛ وأن أول أهلي لحاقاً بي أنت؛ وإنه لم يبعث نبي إلا بعث الذي بعده بنصفٍ من عمره، وبعث عيسى لأربعين، وبعثت لعشرين.
حدثني عبيد بن محمد الوراق، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة ومحمد بن ميمون الزعفراني، عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة.
وقال آخرون: بل نبئ حين نبئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا يحيى ابن سعيد، قال: سمعت سعيداً - يعنى ابن المسيب - يقول: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي؛ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة.
ذكر اليوم الذي نبئ فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الشهر الذي نبئ فيه وما جاء في ذلك
قال أبو جعفر: صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حدثنا به ابن المثني، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن غيلان بن جرير، أنه سمع عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الإثنين ، فقال : ذلك يوم ولدت فيه ، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه .
حدثنا أحمد بن منصور ، قال : حدثنا الحسن بن موسى الأشيب ، قال : حدثنا أبو هلال ، قال : حدثنا غيلان بن جرير المعولي قال : حدثنا عبد الله بن معبد الزماني ، عن أبي قتادة ، عن عمر رحمه الله أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، صوم يوم الإثنين ؟ قال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزلت علي فيه النبوة.
حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم اثنين، واستنبئ يوم الإثنين.
قال أبو جعفر: وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
واختلفوا في أي الأثانين كان ذلك ؟ فقال بعضهم: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم لثماني عشرة خلت من رمضان.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن أيوب، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، أنه كان يقول - فيما بلغه وانتهى إليه من العلم: أنزل الفرقان على رسول الله صلى الله عليه وسلم لثماني عشرة ليلةً خلت من رمضان.
وقال آخرون: بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت منه.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا يتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ابن دعامة السدوسي، عن أبي الجلد، قال: نزل الفرقان لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان.
وقال آخرون: بل نزل لسبع عشرة خلت من رمضان؛ واستشهدوا لتحقيق ذلك بقول الله عز وجل: " وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " ، وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر؛ وأن التقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين ببدر كان صبحة سبع عشرة من رمضان.
قال أبو جعفر: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أن يظهر له جبريل عليه السلام برسالة الله عز وجل إليه - فيما ذكر عنه - يرى ويعاين آثاراُ وأسباباً من آثار من يريد الله إكرامه واختصاصه بفضله؛ فكان من ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن الملكين اللذين أتياه فشقا بطنه، واستخرجا ما فيه من الغل والدنس؛ وهو عند أمه من الرضاعة حليمة، ومن ذلك أنه كان إذا مر في طريق لا يمر - فيما ذكر - عنه بشجرٍ ولا حجر فيه إلا سلم عليه.
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا علي بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن برة بنت أبي تجراة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً، ويفضى إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجرٍ ولا شجرةٍ إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحداً.
قال أبو جعفر: وكانت الأمم تتحدث بمبعثه وتخبر علماء كل أمة منها قومها بذلك؛ وقد حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال : حدثني علي بن عيسى الحكمي ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة ، قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبياً من ولد إسماعيل، ثم من بنى عبد المطلب ولا أراني أدركه؛ وأنا أومن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته، فأقرئه منى السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك ! قلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره؛ فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك؛ ويقولون: لم يبق نبيٌ غيره.
قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد ابن عمرو وأقرأته منه السلام، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترحم عليه، وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان، أنه حدث أن عمر بن الخطاب بينا هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أقبل رجلٌ من العرب داخل المسجد، يريد عمر - يعني ابن الخطاب - فلما نظر إليه عمر قال: إن الرجل لعلى شركه بعد، ما فارقه - أو لقد كان كاهناً في الجاهلية - فسلم عليه الرجل، ثم جلس فقال له عمر: هل أسلمت ؟ فقال: نعم، فقال: هل كنت كاهناً في الجاهلية ؟ فقال الرجل: سبحان الله ! لقد استقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ! فقال عمر: اللهم غفراً؛ قد كنا في الجاهلية على شرٍ من ذلك، نعبد الأصنام، ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله بالإسلام. فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ لقد كنت كاهناً في الجاهلية. قال: فأخبرنا ما أعجب ما جاءك به صاحبك. قال: جاءني قبل الإسلام بشهر - أو سنة - فقال لي: " ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها ! " .
قال: فقال عمر عند ذلك يحدث الناس: والله إني لعند وثنٍ من أوثان الجاهلية في نفرٍ من قريش؛ قد ذبح له رجل من العرب عجلاً فنحن ننظر قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتاً ما سمعت صوتاً قطً أنفذ منه؛ وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه، يقول: يا آل ذريح؛ أمر نجيح، ورجلً يصيح؛ يقول: لا إله إلا الله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا علي بن مجاهد، عن ابن إٍسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب، مولى عثمان بن عفان، مثله.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: كنا جلوساً عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر؛ نحرنا جزوراً؛ فإذا صائح يصيح من جوف واحدة: اسمعوا إلي العجب ! ذهب استراق الوحي، ونرمى بالشهب لنبي بمكة اسمه أحمد، مهاجره إلى يثرب. قال: فأمسكنا، وعجبنا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني أحمد بن سنان القطان الواسطي، قال : حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، أن رجلاً من بني عامر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أرني الخاتم الذي بين كتفيك؛ فإن يك بك طبٌ داويتك، فإني أطب العرب، قال: أتحب أن أريك آية ؟ قال: نعم، ادع ذاك العذق، قال: فنظر إلى عذق في نخلة، فدعاه فجعل ينقز؛ حتى قام بين يديه، قال: قل له فليرجع، فرجع، فقال العامري: يا بني عامر، ما رأيت كاليوم أسحر ! قال أبو جعفر: والأخبار عن الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله.
ونرجع الآن إلى:
ذكر الخبر عما كان من أمر نبي الله
صلى الله عليه وسلم عند ابتداء الله تعالى ذكره إياه بإكرامه بإرسال
جبريل عليه السلام إليه بوحيه
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبل بعض الأخبار الواردة عن أول وقت مجيء جبريل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بالوحي من الله، وكم كان سن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ؛ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربه.
فحدثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال: حدثنا وهب ابن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت النعمان بن راشد، يحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان أول ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزود لمثلها؛ حتى فجأه الحق، فأتاه، فقال: يا محمد، أنت رسول الله ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت: زملوني، زملوني ! حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالقٍ من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذني فغتنى ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فقرأت. فأتيت خديجة. فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري، فقالت: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً؛ ووالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيلك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جذعٌ ! ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك ! قلت: أمخرجي هم ؟ قال: نعم؛ إنه لم يجيء رجلٌ قطُّ بما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد " اقرأ " : " ن ، والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنونٍ، وإن لك لأجراً غير ممنونٍ، وإنك لعلى خلق عظيمٍ، فستبصر ويبصرون " ، و " يأيها المدثر، قم فأنذر " ، و " والضحى، والليل إذا سجى " .
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة، أن عائشة أخبرته. ثم ذكر نحوه؛ غير أنه لم يقل: " ثم كان أول ما أنزل علي من القرآن " . إلى آخره.
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليماني الشيباني، قال: حدثنا عبد الله بن شداد، قال: أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، اقرأ ؟ فقال: ما أقرأ ؟ قال: فضمه، ثم قال: يا محمد، اقرأ، قال: وما أقرأ ؟ قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علقٍ " حتى بلغ " علم الإنسان ما لم يعلم " ، قال: فجاء إلى خديجة، فقال: يا خديجة، ما أراني إلا قد عرض لي، قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك؛ ما أتيت فاحشةً قط، قال: فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صادقة، إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأومنن به.
قال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك، قال: فأنزل الله عز وجل: " والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير ، وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاء جبريل عليه السلام ؟ فقال عبيد - وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية - والتحنث: التبرر - وقال أبو طالب:
وراقٍ ليرقى في حراءٍ ونازل
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين؛ فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعاً، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عز وجل فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه فيها؛ وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء - كما كان يخرج لجواره - معه أهله؛ حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءني وأنا نائم بنمطٍ من ديباجٍ، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ ؟ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي؛ قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " إلى قوله: " علم الإنسان ما لم يعلم " ، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني وهببت من نومي؛ وكأنما كتب في قلبي كتاباً.
قال: ولم يكن من خلق الله أحدٌ أبغض إلي من شاعر أو مجنون؛ كنت لا أطيق أن أنظر إليهما ،قال: قلت إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً ! لأعمدن إلى حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن.
قال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبرئيل في صورة رجل صافً قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل. قال: فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت؛ فما أتقدم وما أتأخر؛ وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك؛ فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي، ولا أرجع ورائي؛ حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي؛ حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعاً إلى أهلي؛ حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً فقالت: يا أبا القاسم؛ أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. قال: قلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيدك بالله من ذلك يا أبا القاسم ! ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك ! وما ذاك يا بن عم ! لعلك رأيت شيئاً ؟ قال: فقلت لها: نعم. ثم حدثتها بالذي رأيت؛ فقالت: أبشر يا بن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد - وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل - فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس، قدوس ! والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتي يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر - يعني بالناموس جبرئيل عليه السلام الذي كان يأتي موسى - وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بقول ورقة، فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم، فلما قضى رسول اله صلى الله عليه وسلم جواره، وانصرف صنع كما كان يصنع، وبدأ بالكعبة فطاف بها. فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه؛ ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصراً يعلمه. ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى منزله.
وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، أنه حدث عن خديجة أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته: يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني ، فقالت: نعم، فقم يا بن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، فتحسرت، فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ في حجرها، ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا، فقالت: يا بن عم، اثبت وأبشر؛ فوالله إنه لملكٌ وما هو بشيطان.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثت بهذا الحديث عبد الله بن الحسن، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني قد سمعتها تقول: أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا لملك، وما هو بشيطان.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى - يعني ابن أبي كثير - قال: سألت أبا سلمة: أي القرآن أنزل أول ؟ فقال : " يأيها المدثر " ، فقلت: يقولون: " اقرأ باسم ربك " ! فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله أيٌ القرآن أنزل أول ؟ فقال: " يأيها المدثر " ، فقلت: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فقال: لا أخبرك إلا ما حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستنبطت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي، وخلفي وقدامي، فلم أر شيئاً، فنظرت فوق رأسي، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بين السماء والأض، فخشيت منه - قال ابن المثنى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو " فجئثت منه " - فلقيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماءً، وأنزل علي: " يأيها المدثر قم فأنذر " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة عن أول ما نزل من القرآن، قال: نزلت: " يأيها المدثر " ، أول، قال: قلت: إنهم يقولون: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتاً، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، وعن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي، فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبوا علي ماءً، قال: فدثروني وصبوا علي ماءً بارداً، فنزلت: " يأيها المدثر " .
وحدثت عن هشام بن محمد، قال: أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما أتاه ليلة السبت، وليلة الأحد، ثم ظهر له برسالة الله عز وجل يوم الاثنين، فعلمه الوضوء، وعلمه الصلاة، وعلمه: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، يوم أوحي إليه أربعون سنة.
حدثني أحمد بن محمد بن حبيب الطوسي، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي، قال: أخبرني عمر بن عروة بن الزبير، قال: سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال: قلت: يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي أول ما علمت، حتى علمت ذلك واستيقنت ؟ قال: يا أبا ذر، أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة، فوقع أحدهما في الأرض والآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو ؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل، فوزنت برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة ، فوزنني بمائة فرجحتهم ، ثم قال : زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فجعلوا ينتثرون على من كفة الميزان، قال: فقال: أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته رجحها. ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني، ثم قال أحدهما: أخرج قلبه - أو قال: شق قلبه - فشق قلبي، فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الإناء - أو اغسل قلبه غسل الملاءة - ثم دعا بالسكينة، كأنها وجه هرة بيضاء فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخطا بطنى، وجعلا الخاتم بين كتفي، فما هو إلا أن وليا عنى فكأنما أعاين الأمر معاينة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترةً، فحزن حزناً شديداً، جعل يغدو إلى رءوس شواهق الجبال ليتردى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبرئيل، فيقول: إنك نبي الله؛ فيسكن لذلك جأشه، وترجع إليه نفسه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن لك، قال: فبينما أنا أمشي يوماً، إذ رأيت الملك الذي كان يأتيني بحراء، على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعباً، فرجعت إلى خديجة، فقلت: زملوني، فزملناه - أي دثرناه - فأنزل الله عز وجل: " يأيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر " ، قال الزهري: فكان أول شيء أنزل عليه: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " حتى بلغ " ما لم يعلم " .
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي: بينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجئثت منه فرقاً، وجئت فقلت: زملوني، زملوني ! فدثروني، فأنزل الله عز وجل: " يأيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر " إلى قوله: " والرجز فاهجر " ، قال: ثم تتابع الوحي.
قال أبو جعفر: فلما أمر الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقوم بإنذار قومه عقاب الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم؛ وأن يحدث بنعمة ربه عليه بقوله: " وأما بنعمة ربك فحدث " ، وذلك - فيما زعم ابن إسحاق - النبوة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وأما بنعمة ربك فحدث " ، أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة فحدث؛ اذكرها وادع إليها. قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من أهله؛ فكان أول من صدقه وآمن به واتبعه من خلق الله - فيما ذكر - زوجته خديجة رحمها الله.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال الواقدي: أصحابنا مجمعون على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رحمها الله.
قال أبو جعفر: ثم كان أول شيء فرض الله عز وجل من شرائع الإسلام عليه بعد الإقرار بالتوحيد والبراءة من الأوثان والأصناكم وخلع الأنداد الصلاة - فيما ذكر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه جبرئيل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبرئيل عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبرئيل عليه السلام توضأ، ثم قام جبرئيل عليه السلام، فصلى به وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بصلاته. ثم انصرف جبرئيل عليه السلام، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة، فتوضا لها يريها كيف الطهور للصلاة؛ كما أراه جبرئيل عليه السلام، فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صلى به جبرئيل عليه السلام، فصلت بصلاته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون بن المغيرة وحكام بن سلم، عن عنبسة، عن أبي هاشم الواسطي، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك، قال: لما كان حين نبىء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ينام حول الكعبة، وكانت قريش تنام حولها، فأتاه ملكان: جبرئيل وميكائيل، فقالا: بأيهم أمرنا ؟ فقالا: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا ثم جاءا من القبلة، وهم ثلاثة، فألفوه وهو نائم، فقلبوه لظهره، وشقوا بطنه، ثم جاءوا بماء زمزم، فغسلوا ما كان في بطنه من شك أو شرك أو جاهلية أو ضلالة، ثم جاءوا بطست من ذهب، ملئ إيماناً وحكمة، فملىء بطنه وجوفه إيماناً وحكمة، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبرئيل، فقالوا: من هذا ؟ فقال: جبرئيل؛ فقالوا: من معك ؟ فقال: محمد، قالوا: وقد بعث ؟ قال: نعم، قالوا: مرحباً، فدعوا له في دعائهم، فلما دخل؛ فإذا هو برجل جسيم وسيم، فقال: من هذا يا جبرئيل؟ ، فقال: هذا أبوك آدم، ثم أتوا به إلى السماء الثانية، فاستفتح جبرئيل، فقيل له مثل ذلك، وقالوا في السموت كلها كما قال وقيل له في السماء الدنيا، فلما دخل، إذ برجلين، فقال: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: يحيى وعيسى ابنا الخالة، ثم أتى به السماء الثالثة، فلما دخل إذا هو برجل، قال: من هذا يا جبرئيل ؟ قال: هذا أخوك يوسف، فضل بالحسن على الناس، كما فضل القمر ليلة البدر على الكواكب، ثم أتى به السماء الرابعة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا إدريس، ثم قرأ: " ورفعناه مكاناً علياً " ، ثم أتى به السماء الخامسة، فإذا هو برجل، فقال: من هذا يا جبرئيل ؟ قال: هذا هارون، ثم أتى به السماء السادسة، فإذا هو برجل فقال: من هذا يا جبرئيل ؟فقال: هذا موسى ، ثم أتى به إلى السماء السابعة ، فإذا هو برجل ، فقال : من هذا يا جبرئيل ؟ قال : هذا أبوك إبراهيم، ثم انطلق إلى الجنة، فإذا هو بنهر أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، بجنبتيه قباب الدر، فقال: ما هذا يا جبرئيل ؟ فقال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، وهذه مساكنك، قال: وأخذ جبرئيل بيده من تربته، فإذا هو مسك أذفر، ثم خرج إلى سدرة المنتهى وهي سدرة نبق أعظمها أمثال الجرار، وأصغرها أمثال البيض، فدنا ربك عز وجل: " فكان قاب قوسين أو أدنى " ، فجعل يتغشى السدرة من دنو ربها تبارك وتعالى، أمثال الدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ ألوان. فأوحى إلى عبده، وفهمه وعلمه وفرض عليه خمسين صلاة، فمر على موسى، فقال: ما فرض على أمتك ؟ فقال: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فإن أمتك أضعف الأمم قوة، وأقلها عمراً؛ وذكر ما لقي من بني إسرائيل، فرجع فوضع عنه عشراً، ثم مر على موسى، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف؛ كذلك حتى جعلها خمساً، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقال: لست براجع؛ غير عاصيك؛ وقذف في قلبه ألا يرجع، فقال الله عز وجل: " لا يبدل كلامي، ولا يرد قضائي وفرضي " ، وخفف عن أمتي الصلاة لعشر. قال أنس: وما وجدت ريحاً قط ولا ريح عروس قط، أطيب ريحاً من جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ألزقت جلدي بجلده وشممته.
قال أبو جعفر: ثم اختلف السلف فيمن اتبع رسول اله صلى الله عليه وسلم وآمن به وصدقه على ما جاء به من عند الله من الحق بعد زوجته خديجة بنت خويلد، وصلى معه.
فقال بعضهم: كان أول ذكرٍ آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله علي بن أبي طالب عليه السلام.
ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أول من صلى عليّ.
حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرقم، قال: أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب. قال: فذكرته للنخعي، فأنكره، وقال:أبو بكر أول من أسلم.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة رجلاً من الأنصار، يقول: سمعت زيد بن أرقم، يقول: أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي عليه السلام.
حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا العلاء، عن المنهال بن عمرو، عن عبادة بن عبد الله، قال: سمعت علياً يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفترٍ، صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الناس بسبع سنين.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا سعيد بن خثيم، عن أسد بن عبدة البجلي، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، قال فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شابٌ، فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام، فقام عن يمينه. قال: فلم يلبث حتى جاءت امرأة، فقامت خلفهما، فركع الشاب، فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجداً فسجدا معه، فقلت: يا عباس، أمر عظيم ! فقال: أمر عظيم ! أتدري من هذا ؟ فقلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن أخي. أتدري من هذا معه ؟ قلت: لا، قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب، ابن أخي. أتدري من هذه المرأة التي خلفهما ؟ قلت: لا، قال: خديجة بنت خويلد، زوجة ابن أخي، وهذا حدثني أن ربك رب السماء، أمرهم بهذا الذي تراهم عليه، وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحداً على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي، من أهل الكوفة، قال: حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده، قال: كنت امرأ تأجراً، فقدمت أيام الحج، فأتيت العباس، فبينا نحن عنده إذ خرج رجلٌ يصلي ، فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت معه تصلي، وخرج غلام فقام يصلي معه، فقلت: يا عباس، ما هذا الدين ؟ إن هذا الدين ما أدري ما هو ؟ قال: هذا محمد بن عبد الله، يزعم أن الله أرسله به، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب، آمن به. قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون أربعاً ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، قال سلمة: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن أبي الأشعث - قال أبو جعفر: وهو في موضع آخر من كتابي عن يحيى بن الأشعث - عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي - وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه، وكان ابن عمه - عن أبيه عن جده عفيف، قال: كان العباس ابن عبد المطلب لي صديقاً، وكان يختلف إلى اليمن، يشترى العطر فيبيعه أيام الموسم؛ فبينا أنا عند العباس بن عبد المطلب بمنى، فأتاه رجل مجتمع، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم قام يصلي، فخرجت امرأةً فتوضأت وقامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق، فتوضأ، ثم قام إلى جنبه يصلي، فقلت: ويحك يا عباس ! ما هذا ؟ قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، يزعم أن الله بعثه رسولا، وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه، وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد، قد تابعته على دينه. قال عفيف بعد ما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه: يا ليتني كنت رابعاً !
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا عيسى بن سوادة بن الجعد، قال: حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو حازم المدني، والكلبي، قالوا: على أول من أسلم. قال الكلبي: أسلم وهو ابن تسع سنين.
حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان أول ذكرٍ آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معه وصدقه بما جاءه من عند الله، علي بن أبي طالب؛ وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما صنع الله له وأراده به من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثير؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه - وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس؛ إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله؛ آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ من بنيه رجلاً، فنكفهما عنه. قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلًا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبياً، فاتبعه علي فآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه .
حدثنا بن حميد ،قال: حدثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة، خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من عمه أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها؛ فإذا أمسيا رجعاً، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ قال: أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال - بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه - أو كما قال. فقال أبو طالب: يا بن أخي؛ إنى لا أستطيع أن أفارق دينى ودين آبائي وما كانوا عليه؛ ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما حييت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وزعموا أنه قال لعلي بن أبي طالب: أي بنى، ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: يا أبه، آمنت بالله وبرسوله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله. فزعموا أنه قال له: أما إنه لا يدعوك إلا إلى خير، فالزمه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أسلم عليٌ وهو ابن عشر سنين.
قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقدي: واجتمع أصحابنا على أن علياً أسلم بعدما تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة، فأقام بمكة اثنى عشرة سنة.
وقال آخرون: أول من أسلم من الرجال أبو بكر رضي الله عنه.
ذكر من قال ذلك: حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قلت لابن عباس: من أول الناس إسلاماً ؟ فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقةٍ ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا
الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا
وحدثني سعيد بن عنبسة الرازي، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الهيثم ابن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس نحوه.
حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال : " حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، قال: حدثني عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بعكاظ، قلت: يا رسول الله، من تبعك على هذا الأمر ؟. قال: اتبعني عليه رجلان؛ حرٌ وعبد: أبو بكر وبلال، قال: فأسلمت عند ذلك، قال: فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: حدثنا صدقة، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذر وابن عبسة كلاهما يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام، ولم يسلم قبلي إلا النبي وأبو بكر وبلال، وكلهما لا يدري متى أسلم الآخر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: أول من أسلم أبو بكر.
حدثنا أبو كريب، قال: حدنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: قال إبراهيم النخعي: أبو بكر أول من أسلم.
وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا كنانة بن جبلة، عن إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن سعد، قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً ؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين؛ ولكن كان أفضلنا إسلاماً.
وقال آخرون: كان أول من آمن واتبع النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال زيد بن حارثة مولاه.
ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال الواقدي : حدثني ابن أبي ذئب ، قال: سألت الزهري : من أول من أسلم ؟ قال : من النساء خديجة ، ومن الرجال زيد بن حارثة .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود، عن سليمان ابن يسار، قال: أول من أسلم زيد بن حارثة.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد - يعنى ابن عمر - قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس مثله.
وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا عبد الملك ابن مسلمة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: أول من أسلم زيد بن حارثة.
وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه: ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول ذكرٍ أسلم، وصلى بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبي بكر بن أبي قحافة الصديق، فلما أسلم أظهر إسلامه، ودعا إلى الله عز وجل وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه، محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير أو شر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق ومعروفٍ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه - فيما بلغني - عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء الثمانية، النفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلوا وصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء به من عند الله؛ ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام؛ الرجال منهم والنساء؛ حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس.
وقال الواقدي في ذلك ما حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، عنه: اجتمع أصحابنا على أن أول أهل القبلة استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد، ثم اختلف عندنا في ثلاثة نفر: في أبي بكر وعلي، وزيد بن حارثة، أيهم أسلم أول.
قال: وقال الواقدي: أسلم معهم خالد بن سعيد بن العاص خامساً، وأسلم أبو ذر، قالوا: رابعاً أو خامساً، وأسلم عمرو بن عبسة السلمي، فيقال: رابعاً أو خامساً. قال: فإنما اختلف عندنا في هؤلاء النفر أيهم أسلم أول، وفي ذلك روايات كثيرة. قال: فيختلف في الثلاثة المتقدمين، وفي هؤلاء الذين كتبنا بعدهم.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني مصعب بن ثابت، قال: حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن الأسود بن نوفل، قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر، كان رابعاً أو خامسااً.
وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن خالد بن سعيد بن العاص وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة، من خزاعة، أسلما بعد جماعة كثيرة غير الذين ذكرتهم بأسمائهم؛ أنهم كانوا من السابقين إلى الإسلام.
ثم إن الله عز وجل أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، ويدعوا إليه، فقال له: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " وكان قبل ذلك - في السنين الثلاث من مبعثه؛ إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله - مستسراً مخفياً أمره صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه: " وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن تبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني برىءٌ مما تعلمون " ، قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا إلى الشعاب، فاستخفوا من قومهم؛ فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون؛ حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلحى جملٍ فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام.
فحدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم الصفا، فقال: ياصباحاه ! فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك ؟ قال: أرأيت إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني ! قالوا: بلى؛ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تباً لك ! ألهذا دعوتنا - أو جمعتنا ! فأنزل الله عز وجل: " تبت يدا أبي لهبٍ وتب " إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف يا صباحاه ! فقالوا: من هذا الذي يهتف ؟ قالوا: محمد، فقال: يابنى فلان، يا بنى عبد المطلب، يا بنى عبد مناف ! فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تباً لك ! ما جمعتنا إلا لهذا ! ثم قام، فنزلت هذه السورة: " تبت يدا أبي لهبٍ وتب " إلى آخر السورة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنى متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد، إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رحل شاة، واملأ لنا عساً من لبن؛ ثم اجمع لي بنى عبد المطلب حتى أكملهم، وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به. ثد دعوتهم له؛ وهم يومئذ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه؛ فيهم أعمامه:أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب؛ فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيةً من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصفحة. ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده؛ وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لهدما سحركم صاحبكم ! فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الغد يا علي؛ إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إلي.
قال: ففعلت، ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى مالهم بشيء حاجة. ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بنى عبد المطلب؛ إنى والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به؛ إنى قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيتي وخلفتي فيكم ؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: وإنى لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً؛ أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصى ووخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
حدثني زكرياء بن يحيى الضرير، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، أن رجلاً قال لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين، بم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ فقال علي: هاؤم ! ثلاث مرات؛ حتى اشرأب الناس، ونشروا آذانهم. ثم قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو دعا رسول الله - بنى عبد المطلب منهم رهطه، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مداً من طعام، فأكلوا حتى شبعوا وبقى الطعام كما هو؛ كأنه لم يمس. قال: ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقى الشراب كأنه لم يمس ولم يشربوا. قال: ثم قال: يا بنى عبد المطلب، إنى بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخى وصاحبي ووارثي ؟ فلم يقم إليه أحدٌ، فقمت إليه - وكنت أصغر القوم - قال: فقال: اجلس، قال: ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي، قال: فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنذر عشيرتك الأقربين " ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح، ثم قال: يا بنى عبد المطلب، يا بنى عبد مناف، يا بنى قصي - قال: ثم فخذ قريشاً قبيلة قبيلة، حتى مر على آخرهم - إنى أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا جارية بن أبي عمران، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدع بما جاءه من عند الله، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله، فكان يدعو من أول ما نزلت عليه النبوة ثلاث سنين، مستخفياً، إلى أن أمر بالظهور للدعاء.
قال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه: فصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله، وبادى قومه بالإسلام، فلما فعل ذلك لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه بعض الرد - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام؛ وهم قليل مستخفون، وحدب عليه أبو طالب عمه ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهراً لأمره، لا يرده عنه شيء.
فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء يكرهونه مما أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب: عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج - أو من مشى إليه منهم - فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا؛ فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه؛ فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه؛ يظهر دين الله، ويدعو إليه.
قال: ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضاً عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا؛ وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو تنازله وإياك في ذلك؛ حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا. ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له؛ ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.
حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أن ناساً من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل ابن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث؛ في نفرٍ من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه فلينصفنا منه، فيأمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يعبد؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء فتعيرنا العرب؛ يقولون: تركوه، حتى إذا مات عمه تناولوه.
قال: فبعثوا رجلاً منهم يدعى المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، يستأذنون عليك، قال: أدخلهم؛ فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أبا طالب ، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه.
قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوك النصف، أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: أي عم، أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها ؟ قال: وإلام تدعوهم ؟ قال: أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمةٍ تدين لهم العرب ، ويملكون بها العرب ، ويملكون بها العجم . قال : فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك ؟ لنعطينكها وعشراً أمثالها. قال: تقول: لا إله إلا الله، قال: فنفروا وتفرقوا وقالوا: سلنا غيره هذه ، فقال : لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها ! قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابى، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا، " وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيءٌ يراد " ، إلى قوله: " إلا اختلاقٌ " .
وأقبل على عمه فقال له عمه: يا بن أخي، ما شططت عليهم، فأٌقبل على عمه فدعاه، فقال: قل كلمة أشهد لك بها يوم القيامة، تقول: لا إله إلا الله، فقال: لو لا أن تعيبكم بها العرب، يقولون: جزع من الموت لأعطيتكها؛ ولكن على ملة الأشياخ، قال: فنزلت هذه الآية: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " .
حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهطٌ من قريش، فيهم أبو جهل، فقال: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل؛ ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته ! فبعث إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشى أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ! ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ! قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها عند العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. ففزعوا لكلمته ولقوله؛ فقال القوم كلمة واحدة: نعم وأبيك عشراً. فما هي. فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا بن أخي ؟ قال: لا إله إلا الله، قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: " أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيءٌ عجابٌ " . قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: " لما يذقوا عذاب " . لفظ الحديث لأبي كريب.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني يعقوب ابن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث أن قريشاً حين قالت لأبي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق على وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ! فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا بن أخي، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.
قال: ثم إن قريشاً لما عرفت أن أبا طالب أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك، وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له - فيما بلغني: يا أبا طالب، هذا عمارة ابن الوليد أنهد فتى في قريش وأشعره وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولداً؛ فهو لك، وأسلم لنا ابن أخيك - هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم - فنقتله؛ فإنما رجلٌ كرجل؛ فقال: والله لبئس ما تسومونني ! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه ! هذا والله ما لا يكون أبداً. فقال المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد ماف: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك ! أو كما قال أبو طالب.
قال: فحقب الأمر عند ذلك، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضاً.
قال: ثم إن قريشاً تذامروا على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه. فوثبت كل قبيلةٍ على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً تصنع ما تصنع في بني هاشم وبني عبد المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيام دونه. فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوا إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما كان من أبي لهب؛ فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جدهم معه؛ وحدبهم عليه، جعل يمدحهم، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم؛ ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم.
حدثنا علي بن نصر بن علي الجهضمي، وعبد الوارث بن عبد الصمد ابن عبد الوارث - قال علي بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثني أبي - قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنه - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له؛ حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال لهم، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم؛ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الإسلام؛ فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة - وكان بالحبشة ملكٌ صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحدٌ بأرضه، وكان يثني عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغاً من الرزق، وأمناً ومتجراً حسناً - فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات؛ يشتدون على من أسلم منهم.
ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم.
قال: أبو جعفر: فاختلف في عدد من خرج إلى أرض الحبشة، وهاجر إليها هذه الهجرة، وهي الهجرة الأولى.
فقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا الحارث: قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا يونس بن محمد الظفري، عن أبيه، عن رجل من قومه.
قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلي، عن الحارث بن الفضيل؛ قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سراً، وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة، منهم الراكب والماشي، ووفق الله للمسلمين ساعة جاءوا سفنتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة، من حين نبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر؛ حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحداً.
قالوا: وقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جارٍ؛ أمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذي ولا نسمع شيئاً نكرهه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثني يونس بن محمد، عن أبيه، قال: وحدثني عبد الحميد، عن محمد بن يحيى بن حبان؛ قالا: تسمية القوم الرجال والنساء: عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل ابن عمرو، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن الحارث بن زهرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم؛ معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، وعثمان بن مظعون الجمحي ، وعامر بن ربيعة العنزي، من عنز بن وائل - ليس من عنزة - حليف بنى عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى العامري، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسهيل بن بيضاء، من بنى الحارث بن فهر، وعبد الله بن مسعود حليف بنى زهرة.
قال أبو جعفر: وقال آخرون: كان الذين لحقوا بأرض الحبشة، وهاجروا إليها من المسلمين - سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً وولدوا بها - اثنين وثمانين رجلا؛ إن كان عمار بن ياسر فيهم؛ وهو يشك فيه ! ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله وعمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة ! فإن بها ملكاً لا يظلم أحدٌ عنده، وهي أرض صدق؛ حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه ! فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة؛ وفراراً إلى الله عز وجل بدينهم؛ فكانت أول هجرة كانت في الإسلام؛ فكان أول من خرج من المسلمين من بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان بن أبي العاص ابن أمية؛ ومعه امرأته رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بنى عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو؛ أحد بنى عامر بن لؤي ؛، ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصي الزبير بن العوام.
فعد النفر الذين ذكرهم الواقدي؛ غير أنه قال: من بنى عامر بن لؤي ابن غالب بن فهر أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي. قال: ويقال: هو أول من قدمها، فجعلهم ابن إسحاق عشرة؛ وقال: كان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة - فيما بلغنى.
قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة؛ فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه؛ ثم عد بعد ذلك تمام اثنين وثمانين رجلاً؛ بالعشرة الذين ذكرت بأسمائهم؛ ومن كان منهم معه أهله وولده؛ ومن ولد له بأرض الحبشة، ومن كان منهم لا أهل معه.
قال أبو جعفر: ولما خرج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مهاجراً إليها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيمٌ بمكة، يدعو إلى الله سراً وجهراً، قد منعه الله بعمه أبي طالب وبمن استجاب لنصرته من عشيرته، ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم إليه، رموه بالسحر والكهانة والجنون؛ وأنه شاعر، وجعلوا يصدون عنه من خافوا منه أن يسمع قوله فيتبعه؛ فكان أشد ما بلغوا منه حينئذٍ - فيما ذكر - ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشاًُ أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته ! قال: قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ! سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا ! لقد صبرنا منه على أمر عظيم - أو كما قالوا.
فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها؛ فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فوقف فقال: أتسمعون يا معشر قريش ! أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح ! قال: فأخذت القوم كلمته؛ حتى ما منهم رجلٌ إلا كأنما على رأسه طائر واقع؛ وحتى إن أشدهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول؛ حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً، فوالله ما كنت جهولاً ! قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم؛ حتى إذا كان الغد، اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه؛ حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه ! فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا ! لما يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم؛ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أنا الذي أقول ذلك؛ قال: فلقد رأيت رجلاً منهم آخذاً بجمع ردائه. قال: وقام أبو بكر الصديق دونه، يقول وهو يبكي: ويلكم ! أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ! ثم انصرفوا عنه. فإن ذلك أشد ما رأيت قريشاً بلغت منه قط.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء رأيت المشركين صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه، وخنقه خنقاً شديداً ، فقام أبو بكر من خلفه، فوضع يده على منكبه، فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال أبو بكر: يا قوم: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " إلى قوله: " إن الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذابٌ " " .
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من أسلم كان واعيةً، أن أبا جهل ابن هشام مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف له، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاةٌ لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك. ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة، فجلس معهم فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً قوسه، راجعاً من قنص له - وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدها شكيمة - فلما مر بالمولاة وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى بيته، قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفاً قبل أن تأتي من أبي الحكم بن هشام ! وجده هاهنا جالساً فسبه وآذاه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.
قال: فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج سريعاً - لا يقف على أحد كما كان يصنع - يريد الطواف بالكعبة، معداً لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم، فأقبل نحوه؛ حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها ضبة فشجه بها شجةً منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ! فرد ذلك علي إن استطعت ! وقامت رجال بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً.
وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما كانوا ينالون منه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود، قال: اجتمع يوماً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريشٌ بهذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال عبد الله ابن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك؛ إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني، فإن الله سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " - رافعاً بها صوته - " الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان " ، قال: ثم استقبلها يقرأ فيها، قال: وتأملوا وجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد ! ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ.
ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك ! قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن ! لئن شئتم لأغادينهم غداً بمثلها، قالوا: لا حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون.
قال أبو جعفر: ولما استقر بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي واطمأنوا، تآمرت قريشٌ فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين، فوجهوا عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي، مع هدايا كثيرة أهدوها إليه وإلى بطارقته، وأمروهما أن يسألا النجاشي تسليم من قبله وبأرضه من المسلمين إليهم. فشخص عمرو وعبد الله إليه في ذلك، فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما، فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي، فرجعا مقبوحين، وأسلم عمر بن الخطاب رحمه الله، فلما أسلم - وكان رجلاً جلداً جليداً منيعاً، وكان قد أسلم قبل ذلك حمزة ابن عبد المطلب، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسهم قوةً، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، وحمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم - اجتمعت قريش، فائتمرت بينها: أن يكتبوا بينهم كتاباً يتعاقدون فيه؛ على ألا ينحكوا إلى بني هاشم وبني عبد الطلب، ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة، توكيداً بذلك الأمر على أنفسهم، فلما فعلت ذلك قريش، انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش، وظاهرهم عليه، فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثاً؛ حتى جهدوا ألا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سراً، مستخفياً به من أراد صلتهم من قريش. وذكر أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ! والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة ! فجاء أبو البختري بن هشام بن الحارث ابن أسد، فقال: مالك وله ! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعامٌ لعمته عنده بعثت إليه فيه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ! خل سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحى بعير، فضربه فشجه، ووطئه وطئاً شديداً، وحمزة ابن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فيشمتوا بهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ذلك، يدعو قومه سراً وجهراً، آناء الليل وآناء النهار، والوحي عليه من الله متتابعٌ بأمره ونهيه، ووعيد من ناصبه العداوة، والحجج لرسول الله صلى الله عليه وسلم على من خالفه.
فذكر أن أشراف قومه اجتمعوا له يوماً - فيما حدثني محمد بن موسى الحرشي، قال: حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى، قال: حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن قريشاً وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء؛ فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: ما هي ؟ قالوا: تعبد آلهتنا سنةً؛ اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة، قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي ! فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: " قل يأيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون " السورة وأنزل الله عز وجل: " قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون " إلى قوله: " بل الله فاعبد و كن من الشاكرين " .
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني سعيد بن ميناء، مولى أبي البختري، قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه؛ وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يدك، كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه. فأنزل الله عز وجل: " قل يأيها الكافرون " ؛ حتى انقضت السورة.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على صلاح قومه، محباً مقاربتهم بما وجد إليه السبيل، قد ذكر أنه تمنى السبيل إلى مقارنتهم، فكان من أمره في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه لقومه، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم؛ حتى حدث بذلك نفسه، وتمناه وأحبه، فأنزل الله عز وجل: " والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى " ، فلما انتهى إلى قوله: " أفرأيتم اللات والعزى، مناة الثالثة الأخرى " ، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتي به قومه: " تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى " ؛ فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له - والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطإ ولا وهم زلل - فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقاً لما جاء به، واتباعاً لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخاً كبيراً، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بآحسن الذكر، قد زعم فيما يتلو: " أنها الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن ترتضى " وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى اللهه عليه وسلم؛ وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلف آخرون، وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، ماذا صنعت ! لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل، وقلت ما لم يقل لك ! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً كثيراً، فأنزل الله عز وجل - وكان به رحيماً - يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته، كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته؛ أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله عز وجل: " وما أرسلنا من قبلك رسولٍ ولا نبيٍ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليمٌ حكيمٌ " ، فأذهب الله عز وجل عن نبيه الحزن، وآمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم: " أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى " ، بقول الله عز وجل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: " ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذاً قسمة ضيزى " أي عوجاء، " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم " - إلى قوله - " لمن يشاء ويرضى " ، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده ! فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره؛ وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عله وسلم قد وقعا في فم كل مشرك، فازداودا شراً إلى ما كانوا عليه، وشدةً على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من إسلام أهل مكة، حين سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار، أو مستخفياً، فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد معه بدراً من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، عثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلاً.
حدثني القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس، قالا: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عز وجل: " والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى " ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ: " أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة ،الأخرى " ألقى الشيطان عليه كلمتين " تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى " فتكلم بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد القوم معه جميعاً، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته، فسجد عليه - وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود - فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت؛ وهو الذي يخلق ويرزق؛ ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرئيل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره " إلى قوله: " ثم لا تجد لك علينا نصيراً " ؛ فما زال مغموماً مهموماً، حتى نزلت: " وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍ " - إلى قوله: " والله عليمٌ حكيمٌ " .
قال: فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان ثم قام - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في نقضٍ الصحيفة التي كانت قريش كتبت بينها على بني هاشم وبني عبد المطلب - نفرٌ من قريش.
وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحارث العامري، من عامر بن لؤي - وكان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه - وإنه مشى إلى زهير ابن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعم، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت؛ لا يبايعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ور ينكح إليهم ! أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليهم منهم ما أجابك إليه أبداً. قال: ويحك يا هشام ! فماذا أصنع ! إنما أنا رجلٌ واحد؛ والله لو كان معي رجلٌ آخر لقمت في نقضها حتى انقضها. قال: قد وجدت رجلاً، قال: من هو ؟ قال: أنا، قال له زهير: ابغنا ثالثاً، فذهب إلى المطعم بن عدي ابن نوفل بن عبد مناف، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه ! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سرعاً. قال: ويحك ! فماذا أصنع ! إنما أنا رجلٌ واحد، قال: قد وجدت ثانياً، قال: من هو ؟ قال: أنا، قال: ابغنا ثالثاً، قال: قد فعلت، قال من هو ؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رأبعاً، فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحواً مما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال: نعم، قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال: ابغنا خامساً، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم. فاتعدوا له خطم الحجون الذي بأعلى مكة ، فاجتمعوا هنالك ، وأجمعوا أمرهم ، وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية، عليه حلة له؛ فطاف بالبيت سبعاً، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة؛ أنأكل الطعام، ونشرب الشراب، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبايعون ولا يبتاع منهم ! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، قال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق ! قال زمعة ابن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابها حين كتبت؛ قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به ! قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها؛ وقال هشام بن عمرو نحواً من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمرٌ قضى بليلٍ، وتشوور فيه بغير هذا المكان - وأبو طالب جالس في ناحية المسجد - وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها؛ فوجد الأرضة قد أكلتها؛ إلا ما كان من " باسمك اللهم " ، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش؛ تفتتح بها كتابها إذا كتبت.
قال: وكان كاتب صحيفة قريش - فيما بلغني - التي كتبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطه من بني هاشم وبني المطلب، منصور بن عكرمة ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فشلت يده.
وأقام بقيتهم بأرض الحبشة؛ حتى بعث فيهم رسول الله إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري، فحملهم في سفينتين، فقدم بهم على رسول الله، وهو بخيبر بعد الحديبية. وكان جميع من قدم في السفينتين ستة عشر رجلاً.
ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيماً مع قريش بمكة يدعوهم إلى الله سراً وجهراً، صابراً على أذاهم وتكذيبهم إياه واستهزائهم به؛ حتى إن كان بعضهم - فيما ذكر - يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، ويطرحها في برمته إذا نصبت له؛ حتى اتخذ رسول الله منهم - فيما بلغني - حجراً يستتر به منهم إذا صلى.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج بذلك إذا رمى به في داره على العود فيقف على بابه، ثم يقول: يا بنى عبد مناف، أي جوار هذا ! ثم يلقيه بالطريق.
ثم إن أبا طالب وخديجة هلكا في عام واحد - وذلك فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن إبن إسحاق - قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله بهلاكهما؛ وذلك أن قريشاً وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته منه؛ حتى نثر بعضهم على رأسه التراب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما نثر ذلك السفيه التراب على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب؛ وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: يا بنية لا تبكي؛ فإن الله مانعٌ أباك ! قال: ويقول رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ما نالت منى قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب.
ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه؛ وذكر أنه خرج إليهم وحده؛ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفرٍ من ثقيف - هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم؛ وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود ابن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير؛ وعندهم امرأة من قريش من بنى جمح، فجلس إليهم - فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء لهم من نصرته على الإسلام. والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ! وقال الآخر: ما وجد الله أحداً يرسله غيرك ! وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبداً؛ لئن كنت رسولاً من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام؛ ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك ! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف؛ وقد قال لهم - فيما ذكر لي - : إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على. وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به؛ حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلةٍ من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقى من سفهاء ثقيف. وقد لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - تلك المرأة من بنى جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك ! فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما ذكر لي: اللهم إليك أشكو صعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ؛ يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي؛ إلى من تكلني ! إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؛ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي ! ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك.
فلما رأى ابنا ربيعة: عتبة وشيبة ما لقى، تحركت له رحمهما، فدعوا له غلاماً لهما نصرانياً؛ يقال له عدس، فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه؛ ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، قال: " بسم الله " ، ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس ؟ وما دينك ؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجلٌ من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه ورجليه، قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس ! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ! قال: يا سيدي ما في هذه الأرض خيرٌ من هذا الرجل ! لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبيٌ، فقالا: ويحك يا عداس ! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خيرٌ من دينه.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلي، فمر به نفرٌ من الجن الذين ذكر الله عز وجل.
قال محمد بن إسحاق: وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله عز وجل خبرهم عليه: " وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن " - إلى قوله: " ويجركم من عذابٍ أليمٍ " . وقال: " قل أوحى إلي أنه استمع نفرٌ من الجن ... " إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة.
قال محمد: وتسمية النفر من الجن الذين استمعوا الوحي - فيما بلغني - حسّا، ومسّا، وناصر، واينا الأرد، وأينين، والأحقم.
قال: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلاً مستضعفين ممن آمن به.
وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الطائف مريداً مكة مر به بعض أهل مكة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنت مبلغ عني رسالة أرسلك بها ؟ قال: نعم، قال: ائت الأخنس ابن شريق، فقل له: يقول لك محمد: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربي ؟ قال: فأتاه، فقال له ذلك، فقال الأخنس: إن الحليف لا يجير على الصريح.
قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، قال: تعود ؟ قال: نعم، قال: ائت سهيل بن عمرو، فقل له: إن محمداً يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي ؟ فأتاه فقال له ذلك، قال: فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب. قال: فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، قال: تعود ؟ قال: نعم، قال: ائت المطعم بن عدي، فقل له: إن محمداً يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربي ؟ قال: نعم، فليدخل، قال: فرجع الرجل إليه، فأخبره، وأصبح المطعم ابن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلما رآه أبو جهل، قال: أمجيرٌ أم متابع ؟ قال: بل مجير، قال: فقال: قد أجرنا من أجرت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة؛ وأقام بها، فدخل يوماً المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة، فلما رآه أبو جهل، قال: هذا نبيكم يا بني عبد مناف، قال عتبة بن ربيعة: وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك ! فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم - أو سمعه - فأتاهم، فقال: أما أنت يا عتبة بن ربيعة فوالله ما حميت لله ولا لرسوله؛ ولكن حميت لأنفك، وأما أنت ياأبو جهل بن هشام؛ فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلاً وتبكي كثيراً. وأما أنتم يا معشر الملإ من قريش؛ فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله وإلى نصرته، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدث أبي، قال: إني لغلامٌ شابٌ مع أبي بمنىً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به.
قال: وخلفه رجلٌ أحول وضىء، له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، وما دعا إليه، قال الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا له.
قال: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه؛ يرد عليه ما يقول ؟ قال: هذا عمه عبد العزىأبو لهب بن عبد المطلب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وحدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى كنده في منازلهم، وفيهم سيد لهم، يقال له مليح، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين، أنه أتى كلباً في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه؛ حتى إنه ليقول لهم: يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسم أبيكم، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: محمد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا، عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحدٌ من العرب أقبح رداً عليه منهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، أنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم ،يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب. ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك؛ أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. قال: فقال له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه، فلما صدر الناس، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم؛ قد كانت أدركته السن؛ حتى لا يقدر على أن يوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه، حدثوه بما يكون في ذلك الموسم؛ فلما قدموا عليه ذلك العام، سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى أن نمنعه ونقوم معه؛ ونخرج به معنا إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ ! هل لذناباها من مطلب ! والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط ! وإنها لحق، فأين كان رأيكم عنه ! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره؛ كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، لا يسمع بقادم يقدم من العرب؛ له اسمٌ وشرفٌ إلا تصدى له فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده.
حدثنا ابن حميد :، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت - أخو بني عمرو بن عوف - مكة حاجاً أو معتمراً، قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل، لجلده وشعره، ونسبه وشرفه؛ وهو الذي يقول:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفرى
مقالته كالشحم ما كان شاهداً ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه ... نميمة غشٍ تبترى عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتمٌ ... ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
فرشني بخيرٍ طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبرى
مع أشعار له كثيرة يقولها.
قال: فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به. فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، قال: فقال له سويدٌ: فلعل الذي معك مثل الذي معي ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك ؟ قال: مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها علي، فعرضها عليه، فقال: إن هذا لكلام حسنٌ، معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي، هدى ونورٌ. قال: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسنٌ.
ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج؛ فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلمٌ، وكان قتله قبل بعاث.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، أخو بني عبد الأشهل، عن محمود بن لبيد، أخي بني الأشهل، قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم إلى خيرٍ مما جئتم له ؟ قالوا: وما ذاك ؟ قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل علي الكتاب.
ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ - وكان غلاماً حدثاً: أي قوم، هذا والله خيرٌ مما جئتم له. قال: فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس ابن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال: فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا إلى المدينة. فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره، ويحمده ويسبحه؛ حتى مات. فما كانوا يشكون أن قد مات مسلماً، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع.
قال: فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب؛ كما كان يصنع في كل موسم؛ فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراٌ.
قال ابن حميد، قال سلمة: قال محمد بن إسحاق فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم: من أنتم ؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أمن موالي يهود ؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم ؟ قالوا: بلى، قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلىالله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبياً الآن مبعوثٌ قد أظل زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمن والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه.
فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا. ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم؛ وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا.
وهم - فيما ذكر لي - ستة نفر من الخزرج: منهم من بني النجار - وهم تيم الله - ثم من بني مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخرزج ابن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، وهو أبو أمامة؛ وعوف بن الحارث ابن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وهو ابن عفراء .
ومن بني زريق بن عامر بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم ابن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، رافع بن مالك بن العجلان ابن عمرو بن عامر بن زريق.
ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر؛ ثم من بني سواد، قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة.
ومن بنى حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، عقبة ابن عامر بن نابي بن زيد بن حرام.
ومن بنى عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد.
قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام؛ حتى فشا فيهم فلم تبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعه النساء؛ وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب؛ منهم من بنى النجار أسعد بن زرارة ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار؛ وهوأبو أمامة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة بن سواد بنم مالك بن غنم بن مالك ابن النجار؛ وهما ابنا عفراء.
ومن بنى زريق بن عامر، رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر ابن زريق، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق.
ومن بنى عوف بن الخزرج، ثم من بنى غنم بن عوف - وهم القواقل - عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف ابن الخزرج، وأبو عبد الرحمن؛ وهو يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم ابن عمرو بن عمارة، من بنى غضينة من بلي، حليف لهم.
ومن بنى سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج عباس بن عبادة ابن نضلة بن مالك بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف.
ومن بنى سلمة، ثم من بنى حرام، عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة.
ومن بنى سواد، قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة.
وشهدها من الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ثم من بنى الأشهل:أبو الهيثم بن التيهان؛ اسمه مالك، حليف لهم.
ومن بنى عمرو بن عوف، عويم بن ساعدة بن صلعجة، حليف لهم حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى؛ وكنا اثنى عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب؛ على ألا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف؛ فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئاً من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا؛ فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة؛ فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق؛ أن ابن شهاب ذكر عن عائذ الله بن عبد الله أبى إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فلما انصرف عنه القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين؛ فكان يسمى مصعب بالمدينة: المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة بن عدس أبي أمامة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير؛ يريد به دار بنى عبد الأشهل، ودار بنى ظفر؛ وكان سعد بن معاذ بن النعمان ابن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطاً من حوائط بنى ظفر، على بئر يقال لها بئر مرق؛ فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجالٌ ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل؛ وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به، قال سعد ابن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك ! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا، ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت، كفيتك ذلك؛ هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدما.
فأخذ أسيد بن حضير حربته. ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسعد بن زارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه ،قال: فوقف عليهما متشمتاً. فقال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعاءنا ! اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره ؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله.
ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له: تغتسل، فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين.
قال: فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً؛ إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحدٌ من قومه؛ وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته، وانصرف إلى سعد وقومه؛ وهم جلوس في ناديهم؛ فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلما وقف على النادي ، قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة، قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه؛ وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك، قال: فقام سعد مغضباً مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة. فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا؛ ثم خرج إليهما؛ فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. تغشانا في دارنا بما نكره ! وقد قال أسعد لمصعب: أي مصعب ! جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لم يخالف عليك منهم اثنان، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ؟ قال سعد: أنصفت؛ ثم ركز الحربة، فجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به؛ في إشراقه وتسهله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين.
قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير؛ فلما رآه قومه مقبلاً، قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلما وقف عليهم، قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبةً، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف؛ وتلك أوس الله؛ وهم من أوس بن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت؛ وهو صيفي، وكان شاعرا لهم، وقائدا يسمعون منه، ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام؛ فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ ومضى بدر و أحد و الخندق.
قال: ثم إن مصعب بن عمير، رجع إلى مكة وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك؛ حتى قدموا مكة؛ فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد الله من كرامته، والنصر لنبيه صلى الله عليه وسلم وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين، أخو بنى سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدثه أن أباه كعب ابن مالك حدثه - وكان كعب ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، قال خرجنا في حجاج قومنا، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور، سيدنا وكبيرنا. فلما وجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: والله يا هؤلاء، إني قد رأيت رأياً، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا ! قال: فقلنا: وما ذاك ؟ قال: قد رأيت ألا أدع هذه البنية منى بظهر - يعنى الكعبة - وأن أصلي إليها. قال: فقلنا: والله ما بلغنا عن نبينا أنه يصلى إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إني لمصلٍ إليها، قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل، قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة.
قال: وقد عبنما عليه ما صنع، وأبى إلا الإقامة على ذلك؛ فلما قدمنا مكة قال لي: يا بن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنى والله لقد وقع في نفسي منه شيء؛ لما رأيت من خلافكم إياي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك - فلقينا رجلاً من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه ؟ قلنا: لا، قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قلنا: نعم - قال: وقد كنا نعرف العباس ، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً - قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس بن عبد المطلب، قال: فدخلنا المسجد؛ فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع العباس؛ فسلمنا؛ ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه؛ وهذا كعب بن مالك - قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر ؟ قال: نعم - قال: فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله؛ إنى خرجت في سفري هذا؛ وقد هداني الله للإسلام، فرأيت ألا أجعل منى هذه البنية بظهر، فصليت إليها؛ وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيء؛ فماذا ترى يا رسول الله ؟ قال: قد كنت على قبلةٍ لو صبرت عليها ! فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات؛ وليس ذلك كما قالوا:؛ نحن أعلم به منهم.
قال: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق.
قال: فلما فرغنا من الحج؛ وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها؛ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام،أبو جابر، أخبرناه، وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا؛ فكلمناه؛ وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنك سيد من سادتنا، وشريفٌ من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً. ثم دعوناه إلى الإسلام؛ وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة.
قال: فأسلم، وشهد معنا العقبة - وكان نقيباً - فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتسلل مستخفين تسلل القطا؛ حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة؛ ونحن سبعون رجلاً، ومعهم امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، إحدى نساء بنى سلمة؛ وهي أم منيع؛ فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه؛ إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخته، ويتوثق له؛ فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها - إن محمداً منا حيث علمتم؛ وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا؛ وهو في عز من قومه ومنعة في بلده؛ وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم؛ فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه؛ ومانعوه ممن خالفه؛ فأنتم وما تحملتم من ذلك؛ وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عزٍ ومنعةٍ عن قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت؛ فتكلم بيا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تنعون منه نساءكم وأبناءكم.
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة؛ ورثناها كابراً عن كابر.
قال: فاعترض القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان، حليف بنى عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله؛ إن بيننا وبين الناس حبالاً وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك، وتدعنا ! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم ! أنتم منى وأنا منكم؛ أحارب من حاربتم واسالم من سالمتم.
وقد قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيباً؛ يكونون على قومهم بما فيهم. فأخرجوا اثنى عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومى، قالوا: نعم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، ثم أخو بنى سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس؛ فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة؛ وأشرافكم قتلا أسلمتموه؛ فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة إن فعلتم، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وأما عاصم بن عمر بن قتادة، فقال: والله ما قال العباس ذلك إلا ليشد العقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقهم. وأما عبد الله بن أبي بكر، فقال: والله ما قال العباس ذلك إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي سلول، فيكون أقوى لأمر القوم. والله أعلم أي ذلك كان؛ فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يديه، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم ابن التيهان.
قال ابن حميد، قال: سلمة، قال محمد: وأما معبد بن كعب بن مالك فحدثني - قال أبو جعفر: وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد - قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن معبد بن كعب، قال: فحدثني في حديثه عن أخيه عبد الله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك، قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور؛ ثم تتابع القوم؛ فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يقول عدو الله ؟ هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب؛ اسمع عدو الله؛ أما والله لأفرغن لك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم. فقال له العباس ابن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحالكم، قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها؛ حتى أصبحنا؛ فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج؛ إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا؛ وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم؛ قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه.
قال: وصدقوا لم يعلموا. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض؛ وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان جديدان.
قال: فقلت كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر؛ أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إلي، وقال: والله لتنتعلنهما. قال: يقول أبو جابر: مه أحفظت والله الفتى ! فاردد عليه نعليه، قال: قلت: والله لا أردهما؛ فأل والله صالح؛ والله لئن صدق الفأل لأسلبنه.
فهذا حديث كعب بن مالك عن العقبة وما حضر منها.
قال أبو جعفر: وقال غير ابن إسحاق: كان مقدم من قدم على النبي صلى الله عليه وسلم للبيعة من الأنصار في ذي الحجة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهم بمكة بقية ذي الحجة من تلك السنة، والمحرم وصفر؛ وخرج مهاجراً إلى المدينة في شهر ربيع الأول؛ وقدمها يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت منه.
وحدثني علي بن نصر بن علي، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث - قال علي بن نصر: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثني أبي - قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة؛ أنه قال: لما رجع من أرض الحبشة من رجع منها ممن كان هاجر إليها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، جهل أهل الإسلام يزدادون ويكثرون، وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناسٌ كثير، وفشا بالمدينة الإسلام؛ فطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما رأت ذلك قريش تذامرت على أن يفتنوهم، ويشتدوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة.
ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيباً، رءوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم؛ على أنا منك وأنت منا، وعلى أنه من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة؛ وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وخرج، وهي التي أنزل الله عز وجل فيها: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنهم أتوا عبد الله بن أبي بن سلول - يعني قريشاً - فقالوا مثل ما ذكر كعب بن مالك من القول لهم، فقال لهم: إن هذا لأمرٌ جسيم؛ ما كان قومي ليفوتوا علي بمثل هذا وما علمته كان. فانصرفوا عنه، وتفرق الناس من منىً، فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بالحاجر، والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة ابن كعب بن الخزرج؛ وكلاهما كان نقيباً؛ فأما المنذر فأعجز القوم، وأنا سعد فأخذوه، وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة، يضربونه ويجبذونه بجمته - وكان ذا شعر كثير - فقال سعد: فوالله إني لفي أيديهم؛ إذ طلع علي نفر من قريش؛ فيهم رجلٌ أبيض وضىءٌ شعشاع حلو من الرجال. قال: قلت: إن يكن عند أحدٍ من القوم خير فعند هذا. فلما دنا ما عندهم مني رفع يديه فلطمني لطمة شديدة.
قال: قلت في نفسي: والله ما عندهم بعد هذا خير. قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني ؛ إذ أوى إلي رجل منهم ممن معهم، فقال: ويحك ! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهدٌ ! قال: قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجاره ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي ، وللحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. قال: ويحك ! فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلاً من الخزج الآن يضرب بالأبطح، وإنه ليهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جواراً، قالا: ومن هو ؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله إن كان ليجير تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده. قال: فجاءا فخلصا سعداً من أيديهم وانطلق. وكان الذي لكم سعداً سهيل ابن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي.
قال أبو جعفر: فلما قدموا المدينة، أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من أهل الشرك، منهم عمرو بن الجموح ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة، وكان ابنه معاذ بن عمرو قد شهد العقبة، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتيان منهم، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بايع من الأوس والخزرج في العقبة الآخرة؛ وهي بيعة الحرب حين أذن الله عز وجل في القتال بشروط غير الشروط في العقبة الأولى، وأما الأولى فإنما كانت على بيعة النساء؛ على ما ذكرت الخبر به عن عبادة بن الصامت قبل؛ وكانت بيعة العقبة الثانية على حرب الأحمر والأسود على ما قد ذكرت قبل؛ عن عروة بن الزبير.
وقد حدثنا ابن حميد - قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن عبادة بن الصامت - وكان أحد النقباء - قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة الحرب؛ وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى.
قال أبو جعفر: فلما أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال، ونزل قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله " ، وبايعه الأنصار على ما وصفت من بيعتهم، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ممن هو معه بمكة من المسلمين بالهجرة والخروج إلى المدينة، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله عز وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها فخرجوا أرسالاً، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه بالخروج من مكة؛ فكان أول من هاجر من المدينة والهجرة إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، ثم من بني مخزوم، أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى المدينة مهاجراً.
ثم كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة، حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب. ثم عبد الله ابن جحش بن رئاب، وأبو أحمد بن جحش - وكان رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد - ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أرسالا.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين؛ ينتظر أن يؤذن له في الهجرة. ولم يتخلف معه بمكة أحد المهاجرين إلا أخذ فحبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة. وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له رسول اله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل، لعل الله أن يجعل لك صاحباً، فطمع أبو بكر أن يكونه، فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم، يغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً، وأصابوا منه منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع أن يلحق بهم لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة؛ وهي دار قصي بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر سول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه !
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس والحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: لما اجتمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة، ويتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا في اليوم الذي تعدوا له؛ وكان ذلك اليوم يسمى الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، عليه بتٌ له، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفاً على بابها، قالوا: من الشيخ ؟ قال: شيخٌ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى إلا يعدمكم منه رأي ونصحٌ، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريش كلهم، من كل قبيلة؛ من بنى عبد شمس شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب، ومن بنى نوفل ابن عبد مناف طعيمة بن عدي وجبير بن مطعم والحارث بن عامر ابن نوفل. ومن بنى عبد الدار بن قصي النضر بن الحارث بن كلدة. ومن بنى أسد بن عبد العزى أبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام. ومن بنى مخزوم أبو جهل بن هشام، ومن بنى سهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج. ومن بنى جمح أمية بن خلف؛ ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان أمره ما قد كان وما قد رأيتم؛ وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً؛ قال: فتشاورا. ثم قال قائلٌ منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أشابهه من الشعراء الذين قبله: زهيراً، والنابغة ومن مضى منهم ؛ من هذا الموت يصيبه منه ما أصابهم.
قال: فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي؛ والله لو حبستموه - كما تقولون - لخرج أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه؛ فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم هذا؛ ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.
ثم تشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلدنا؛ فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه. فأصلحنا أمرنا، وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي؛ ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد فيه رأياً غير هذا ! قال: فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد ! قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتىً شاباً جلداً، نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يعمدون إليه، ثم يضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها؛ فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاُ، ورضوا منتا بالعقل فعقلناه لهم.
قال: فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى لكم غيره.
فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ! قال : فلما كان العتمة من الليل، اجتمعوا على بابه فترصدوه متى ينام ، فيثبون عليه. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي، واتشح ببردي الحضرمي الأخضر؛ فنم فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام.
قال أبو جعفر: زاد بعضهم في هذه القصة في هذا الموضع: وقال له: إن أتاك ابن أبي قحافة، فأخبره أنى توجهت إلى ثور، فمره فليلحق بي، وأرسل إلي بطعام، واستأجر لي دليلاً يدلني على طريق المدينة؛ واشتر لي راحلةً. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه عنه، وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: اجتمعوا له. وفيهم أبو جهل بن هشام، فقال وهم على بابه: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم؛ فجعلت لكم نار تحرقون فيها.
قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك، أنت أحدهم. وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم؛ وهو يتلو هذه الآيات من يس: " يس، والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين، على صراط مستقيم " إلى قوله: " وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون " ، حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات، فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على راسه تراباً؛ ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا: محمداً، قال: خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم ؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون، فيرون علياً على الفراش متسجياً ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم، عليه برده؛ فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا، فكان مما نزل من القرآن في ذلك اليوم، وما كانوا أجمعوا له: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ليقتلوك أو ليخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " ، وقول الله عز وجل: " أم يقولون شاعرٌ نتربص به ريب المنون، قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين " وقد زعم بعضهم أن أبا بكر أتى علياً فسأله عن نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه لحق بالغار من ثور، وقال: إن كان لك فيه حاجةٌ فالحقه، فخرج أبو بكر مسرعاً، فلحق نبي الله صلى الله عليه وسلم في الطريق، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم جرس أبي بكر في ظلمة الليل، فحسبه من المشركين، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشي، فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجرٌ فكثر دمها، وأسرع السعي، فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع صوته، وتكلم، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام حتى أتاه، فانطلقا ورجل رسول الله صلى الله عليه وسلم تستن دماً؛ حتى انتهى إلى الغار مع الصبح؛ فدخلاه. وأصبح الرهط الذين كانوا يرصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا الدار، وقام علي عليه السلام عن فراشه، فلما دنوا منه عرفوه، فقالوا له: أين صاحبك ؟ قال: لا أدري، أو رقيباً كنت عليه ! أمرتموه بالخروج فخرج؛ فانتهروه وضربوه وأخرجوه إلى المسجد، فحبسوه ساعة ثم تركوه، ونجى الله رسوله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ليقتلوك أو ليخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " .
قال أبو جعفر: وأذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم عند ذلك بالهجرة، فحدثنا علي بن نصر الجهضمي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: لما خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقبل أن يخرج - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقبل أن تنزل هذه الآية التي أمروا فيها بالقتال، أستأذنه أبو بكر؛ ولم يكن أمره بالخروج مع من خرج من أصحابه، حبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال له: أنظرني، فإنى لا أدري؛ لعلي يؤذن لي بالخروج.
وكان أبو بكر قد اشترى راحلتين يعدهما للخروج مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ فلما استنظره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بالذي يرجو من ربه أن يأذن له بالخروج، حبسهما وعلفهما، انتظار صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أسمنهما، فلما حبس علي خروج النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر: أتطمع أن يؤذن لك ؟ قال: نعم؛ فانتظره فمكث بذلك.
فأخبرتني عائشة، أنهم بينا هم ظهراً في بيتهم، وليس عند أبي بكر إلا ابنتاه: عائشة وأسماء؛ إذا هم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قام قائم الظهيرة - وكان لا يخطئه يوماً أن يأتي بيت أبو بكر أول النهار وآخره - فلما رأى أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم جاء ظهراً، قال له: ما جاء بك يا نبي الله إلا أمرٌ حدث ؟ فلما دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم البيت، قال لأبي بكر: أخرج من عندك، قال: ليس علينا عين إنما هما ابنتاي قال: إن الله قد أذن لي بالخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، الصحابة، الصحابة! قال: الصحابة. قال أبو بكر: خذ إحدى الراحلتين - وهما الراحلتان اللتان كان يعلفهما أبو بكر، ويعدهما للخروج، إذا أذن لرسوال الله صلى الله عليه وسلم - فأعطاه إحدى الراحلتين، فقال: خذها يا رسول الله فارتحلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم. قد أخذتها بالثمن، وكان عامر بن فهيرة مولداً من مولدي الأزد، كان للطفيل ابن عبد الله بن سخبرة، وهوأبو الحارث بن الطفيل، وكان أخا عائشة بنت أبي بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر لأمهما، فأسلم عامر بن فهيرة، وهو مملوك لهم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان حسن الإسلام، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، كان لأبي بكر منيحةٌ من غنمٍ تروح على أهله، فأرسل أبو بكر عامراً في الغنم إلى ثورٌ، فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور، وهو الغار الذي سماه الله في القرآن، فأرسل بظهرهما رجلاً من بنى عبد بن عدي، حليفاً لقريش من بنى سهم، ثم آل العاص بن وائل؛ وذلك العدوي يومئذ مشركٌ، ولكنهما استأجراه، وهو هاد بالطريق. وفي الليالي التي مكثا بالغار كان يأتيهما عبد الله بن أبي بكر حين يمسي بكل خبر بمكة، ثم يصبح بمكة ويريح عامر الغنم كل ليلة، فيحلبان، ثم يسرح بكرة فيصبح في رعيان الناس ولا يفطن له؛ حتى إذا هدأت عنهما الأصوات، وأتاهما أن قد سكت عنهما، جاءهما صاحبهما ببعيريهما، فانطلقا وانطلق معهما بعامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه على رحله، ليس معهما أحدٌ إلا عامر بن فهيرة، وأخو بنى عدي يهديهما الطريق، فأجاز بهما في أسفل مكة، ثم مضى بهما حتى حاذى بهما الساحل، أسفل من عسفان، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد ما جاوز قديداً، ثم سلك الخرار، ثم أجاز على ثنية المرة، ثم أخذ على طريق يقال لها المدلجة بين طريق عمق وطريق الروحاء، حتى توافوا طريق العرج، وسلك ماء يقال له الغابر عن يمين ركوبة؛ حتى يطلع على بطن رئم، ثم جاء حتى قدم المدينة على بنى عمرو بن عوف قبل القائلة. فحدثت أنه لم يبق فيهم إلا يومين - وتزعم بنو عمرو بن عوف أن قد أقام فيهم أفضل من ذلك - فاقتاد راحلته فاتبعته حتى دخل في دور بنى النجار، فأراهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مربداً كان بين ظهري دورهم.
وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطئه أحدٌ طرفي النهار أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرةً، وإما عشيةً حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة، وبالخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها.
قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختى أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عني من عندك، قال: يا نبي الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي ! قال: إن الله عز وجل قد أذن لي بالخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة.
قالت:فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح؛ حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكي من الفرح. ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتاي، كنت أعددتهما لهذا. فاستأجرا عبد الله بن أرقد - رجلاً من بني الديل بن بكر، وكانت أمه أمرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركاً - يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما، ولم يعلم - فيما بلغني - بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر؛ فأما علي بن أبي طالب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحدٌ عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما يعرف من صدقه وأمانته. فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور جبل في أسفل مكة، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى بالغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً، ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم، فكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش ومعهم، ويستمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم، حتى يعفي عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ببعيريهما، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما. فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس فيها عصامٌ فحلت نطاقها، فجعلته لها عصاماً، ثم علقتها به - فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر: ذات النطاقين؛ لذلك - فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرب له أفضلهما، ثم قال له: اركب فداك أبي وأمي ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أركب بعيراً ليس لي، قال: فهو لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به ؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها بذلك، قال: هي لك يا رسول الله، فركبا فانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه يخدمهما بالطريق.
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثت عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفرٌ من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبي بكر ؟ قلت: لا أدري والله أين أبي ! قالت: فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي. قالت: ثم انصرفوا ومكثنا ثلاث ليال، لا ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى أقبل رجل من الجن، من أسفل مكة يغني بأبيات من الشعر غناء العرب والناس يتبعونه؛ يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واغتدوا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعه: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أرقد دليلهما.
قال أبو جعفر: حدثني أحمد بن المقدام العجلي، قال: حدثنا هشام ابن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثنا عبد الحميد بن أبي عبس بن محمد بن أبي عبس بن جبر، عن أبيه، قال: سمعت قريش قائلاً يقول في الليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمدٌ ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان ؟ سعد بكر، سعد تميم، سعد هذيم ! فلما كان في الليلة الثانية سمعوه يقول:
أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصراً ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنانٌ من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا، قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
قال أبو جعفر: وقدم دليلهما بهما قباء، على بني عمرو بن عوف، لثنتى عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، يوم الإثنين حين اشتد الضحى، وكادت الشمس أن تعتدل .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وتوكفنا قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا، ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال؛ فإذا لم نجد ظلاً دخلنا بيوتنا، وذلك في أيام حارةٍ؛ حتى إذا كان في اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس؛ حتى إذا لم يبق ظلٌ دخلنا بيوتنا، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رأه رجلٌ من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع، وإن كنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء.
قال: فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا من لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، قال: وركبه الناس، وما نعرفه من أبي بكر؛ حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - على كلثوم بن هدم، أخي بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.
ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن هدم: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم، جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة؛ وذلك أنه كان عزباً لا أهل له، وكان منازل العزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين عنده؛ فمن هنالك يقال: نزل على سعد بن خيثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة بيت العزاب، فالله أعلم أي ذلك كان، كلا قد سمعنا.
ونزل أبو بكر بن أبي قحافة على خبيب بن أساف، أخي بني الحارث ابن الخزرج بالسنح، ويقول قائل: كان منزله على خارجة بن زيد بن أبي زهير، أخي بني الحارث بن الخزرج.
وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليالٍ وأيامها؛ حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده إلى الناس؛ حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل معه على كلثوم بن هدم، فكان علي يقول: وإنما كانت إقامته بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة، ليلةً أو ليلتين، وكان يقول: كنت نزلت بقباء على امرأة لا زوج لها مسلمة، فرأيت إنساناً يأتيها في جوف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها شيئاً معه، قال: فاستربت لشأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئاً، ما أدري ما هو ؟ وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ! قالت: هذا سهل بن حنيف بن واهب، قد عرف إني امرأة لا أحد لي؛ فإذا أمسى عدا علي أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها، وقال: احتطبي بهذا. فكان علي بن أبي طالب يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني هذا الحديث علي بن هند بن سعد بن سهل بن حنيف، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس؛ وأسس مسجدهم، ثم أخرجه الله عز وجل من بين أظهرهم يوم الجمعة؛ وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك. والله أعلم.
ويقول بعضهم: إن مقامه بقباء كان بضعة عشر يوماً.
قال أبو جعفر: واختلف السلف من أهل العلم في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد ما استنبىء، فقال بعضهم: كانت مدة مقامه بها إلى أن هاجر إلى المدينة عشر سنين.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا يحيى بن محمد بن قيس المدني - يقال له أبو زكير - قال: سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين، فأقام بمكة عشراً.
حدثني الحسين بن نصر الآملي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ قال: أخبرتني عائشة وابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين، ينزل عليه القرآن.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا يحيى ابن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين، فأقام بمكة عشراً.
حدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنز ل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكة عشراً.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، قال: هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس عشرٍ من مخرجه.
قال أبو جعفر: وقال أخرون: بل أقام بعدما استنبىء بمكة ثلاثة عشرة سنة .
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - ، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه.
حدثني محمد بن خلف، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو جمرة الضبعي، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة.
حدثني محمد بن معمر، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا زكرياء ابن إسحاق، قال: حدثنا عمر بن دينار، عن ابن عباس، قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة.
حدثني عبيد بن محمد الوراق، قال: حدثنا روح ،قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة.
قال أبو جعفر: وقد وافق قول من قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس، أخي بني عدي بن النجار، في قصيدته التي يقول فيها، وهو يصف كرامة الله إياهم بما أكرمهم به من الإسلام، ونزول نبي الله صلى الله عليه وسلم ، عليهم:
ثوى في قريشٍ بضع عشرة حجةً ... يذكر لو يلقى صديقاً مواتيا !
ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوى، ولم ير داعيا
فلما أتانا أظهر الله دينه ... فأصبح مسروراً بطيبة راضيا
وألفى صديقاً وأطمأنت به النوى ... وكان له عوناً من الله باديا
يقص لنا ما قال نوحٌ لقومه ... وما قال موسى إذ أجاب المناديا
وأصبح لا يخشى من الناس واحدا ... قريباً، ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره ... ونعلم أن الله أفضل هاديا
فأخبر أبو القيس في قصيدته هذه أن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه قريش، كان بعدما استنبىء وصدع بالوحي من الله بضع عشرة حجة.
وقال بعضهم كان مقامه بمكة خمس عشرة سنة:
ذكر من قال ذلك: حدثني بذلك الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ واستشهد بهذا البيت من قول أبي قيس صرمة بن أبي أنس، غير أنه أنشد ذلك:
ثوى في قريشٍ بضع عشرة حجةً ... يذكر لو يلقى صديقاً مواتيا !
قال أبو جعفر: وقد روى عن الشعبي أن إسرافيل قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه ثلاث سنين.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي - قال: وحدثنا إملاءً من لفظه منصورٌ عن الأشعث، عن الشعبي - قال: قرن إسرافيل بنوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، يسمع حسه، ولا يرى شخصه. ثم كان بعد ذلك جبريل عليه السلام.
قال الواقدي: فذكرت ذلك لمحمد بن صالح بن دينار، فقال: والله يا بن أخي لقد سمعت عبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة يحدثان في المسجد ورجل عراقي يقول لهما هذا، فأنكراه جميعاً، وقالا: ما سمعنا ولا علمنا إلا أن جبريل هو الذي قرن به، وكان يأتيه بالوحي من يوم نبىء إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر، قال: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام، فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكة وعشر سنين بالمدينة.
قال أبو جعفر: فلعل الذي قالوا: كان مقامه بمكة بعد الوحي عشراً عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله عز وجل، وأظهر الدعاء إلى توحيد الله. وعد الذين قالوا: كان مقامه ثلاث عشرة سنة من أول الوقت الذي استنبىء فيه؛ وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة.
وقد روى عن قتادة غير القولين اللذين ذكرت؛ وذلك ما حدثت عن روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين بمكة وعشراً بعدما هاجر، وكان الحسن يقول: عشراً بمكة وعشراً بالمدينة.
ذكر الوقت الذي عمل فيه التأريخقال أبو جعفر: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أمر بالتأريخ فيما قيل. حدثني زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي سلمة، عن ابن شهاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة - وقدمها في شهر ربيع الأول - أمر بالتأريخ.
قال أبو جعفر: فذكر أنهم يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه إلى أن تمت السنة، وقد قيل أول من أمر بالتأريخ في الإسلام عمر بن الخطاب رحمه الله.
ذكر الأخبار الواردة بذلك: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حبان ابن علي العنزي، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر: إنه تأتينا منك كتب ليس لها تأريخ. قال: فجمع عمر الناس للمشورة، فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا خالد بن حيان أبو زيد الخراز، عن فرات بن سلمان، عن ميمون بن مهران، قال: رفع إلى عمر صكٌ محله في شعبان، فقال عمر: أي شعبان ؟ الذي هو أت، أو الذي نحن فيه ؟ قال: ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعوا للناس شيئاً يعرفونه، فقال: بعضهم: اكتبوا على تأريخ الروم، فقيل: إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين؛ فهذا يطول. وقال بعضهم: اكتبوا على تأريخ الفرس؛ فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله؛ فاجتمع رأيهم على أن ينظزوا: كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ؟ فوجدوه عشر سنين؛ فكتب التأريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثت عن أمية بن خالد وأبي داود الطيالسي، عن قرة بن خالد السدوسي، عن محمد بن سيرين، قال: قام رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: أرخوا، فقال عمر: ما أرخوا ؟ قال: شيء تفعله الأعاجم، يكتبون في شهر كذا من سنة كذا، فقال عمر بن الخطاب: حسنٌ، فأرخوا.
فقالوا: من أي السنين نبدأ ؟ قالوا: من مبعثه، وقالوا: من وفاته؛ ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: فأي الشهور نبدأ ؟ فقالوا: رمضان، ثم قالوا المحرم، فهو منصرف الناس من حجهم؛ وهو شهرٌ حرام، فأجمعوا على المحرم.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعيد بن أبي مريم. وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا أبي، قالا جميعاً: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل ابن سعد، قال: ما أصاب الناس العدد؛ ما عدوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من وفاته، ولا عدوا إلا من مقدمه المدينة.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عباس، قال: كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وفيها ولد عبد الله بن الزبير .
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا يعقوب ابن إسحاق بن أبي عباد؛ قال: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عباس، قال: كان التأريخ في السنة التي قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فذكر مثله.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا نوح بن قيس الطاحي، عن عثمان بن محصن، أن ابن عباس كان يقول في: " والفجر وليالٍ عشرٍ " ، قال: الفجر هو المحرم، فجر السنة.
حدثني محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق؛ عن الأسود بن يزيد، عن عبيد بن عمير، قال: إن المحرم شهر الله عز وجل، وهو رأس السنة، فيه يكسى البيت، ويؤرخ التأريخ، ويضرب فيه الورق، وفيه يوم كان تاب فيه قوم، فتاب الله عز وجل عليهم .
حدثني أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن أول من أرخ الكتب يعلى بن أمية، وهو باليمن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في شهر ربيع الأول، وأن الناس أرخوا لأول السنة؛ وإنما أرخ الناس لمقدم النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري. وعن محمد ابن صالح، عن الشعبي، قالا: أرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنيان البيت، حين بناه إبراهيم وإسماعيل، ثم أرخ بنو إسماعيل من بنيان البيت؛ حتى تفرقت، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعد ونهد وجهينة، بني زيد، من تهامة؛ حتى مات كعب بن لؤي، فأرخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل؛ فكان التأريخ من الفيل، حتى أرخ عمر ابن الخطاب من الهجرة؛ وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة .
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا الدراوردي، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: جمع عمر بن الخطاب الناس، فسألهم، فقال: من أي يوم نكتب ؟ فقال علي عليه السلام: من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك أرض الشرك، ففعله عمر رضي الله عنه .
قال أبو جعفر: وهذا الذي رواه علي بن مجاهد، عمن رواه عنه في تأريخ بني إسماعيل غير بعيد من الحق؛ وذلك أنهم لم يكونوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم، وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قحمة كانت في ناحية من نواحي بلادهم، ولزبةٍ أصابتهم؛ أو بالعامل كان يكون عليهم، أو الأمر الحادث فيهم ينتشر خبره عندهم؛ يدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم؛ ولو كان لهم تأريخ على أمرٍ معروف، وأصلٍ معمول عليه، لم يختلف ذلك منهم .
ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزاري:
هأنذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي ومولدي حجرا
أبا امرئ القيس هل سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا !
فأرخ عمره بحجر بن عمرو أبي امرئ القيس .
وقال نابغة بني جعدة:
فمن يك سائلاً عني فإني ... من الشبان أزمان الخنان
فجعل النابغة تأريخه ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة.
وقال آخر:
وما هي إلا في إزارٍ وعلقةٍ ... مغار ابن همامٍ على حي خثعما
فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات، أرخ على قرب زمان بعضهم من بعض، وقرب وقت ما أرخ به من وقت الآخر؛ بغير المعنى الذي أرخ به الآخر؛ ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرها، كانوا إن شاء الله لا يتعدونه؛ ولكن الأمر في ذلك كان عندهم إن شاء الله على ما ذكرت؛ فأما قريش من بين العرب؛ فإن آخر ما حصلت من تأريخها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة على التأريخ بعام الفيل؛ وذلك عام ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنة، وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة، وبين بناء الكعبة ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين.
قال أبو جعفر: وبعث رسول اله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة، وقرن بنبوته - كما قال الشعبي - ثلاث سنين: إسرافيل؛ وذلك قبل أن يؤمر بالدعاء وإظهاره على ما قدمنا الرواية والإخبار به، ثم قرن بنبوته جبريل عليه السلام بعد السنين الثلاث، وأمره بإظهار الدعوة إلى الله، فأظهرها، ودعا إلى الله مقيماً بمكة عشر سنين، ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول من سنة أربع عشرة من حين استنبئ، وكان خروجه من مكة إليها يوم الاثنين، وقدومه المدينة يوم الاثنين؛ لمضى اثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول .
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
قال أبو جعفر: فإذا كان الأمر في تأريخ المسلمين كالذي وصفت، فإنه وإن كان من الهجرة، فإن ابتداءهم إياه قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهرين وأيام؛ هي اثنا عشر؛ وذلك أن أول السنة المحرم، وكان قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، بعد مضي ما ذكرت من السنة، ولم يؤرخ التأريخ من وقت قدومه؛ بل من أول تلك السنة.
ذكر ما كان من
الأمور المذكورة في أول سنة من الهجرة
قال أبو جعفر: قد مضى ذكرنا وقت مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وموضعه الذي نزل فيه حين قدمها، وعلى من كان نزوله، وقدر مكثه في الموضع الذي نزله، وخبر إرتحاله عنه. ونذكر الآن ما لم نذكر قبل مما كان من الأمور المذكورة في بقية سنة قدومه؛ وهي السنة الأولى من الهجرة.
فمن ذلك تجميعه صلى الله عليه وسلم بأصحابه الجمعة، في اليوم الذي ارتحل فيه من قباء؛ وذلك أن ارتحاله عنها كان يوم الجمعة عامداً المدينة، فأدركته الصلاة، صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف، ببطن واد لهم - قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجداً - فيما بلغني - وكانت هذه الجمعة، أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، فخطب في هذه الجمعة؛ وهي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل.
خطبة رسول الله
صلى الله عليه وسلم في أول جمعة جمعها بالمدينة
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، أنه بلغه عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف:
" الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلةٍ من العلم، وضلالةٍ من الناس، وانقطاع من الزمان ودنوٍ من الساعة، وقربٍ من الأجل؛ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصمها فقد غوى وفرط؛ وضل ضلالاً بعيداً. وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم؛ أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكراً؛ وإن تقوى الله لمن عمل به على وجلٍ ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكراً في عاجل أمره، وذخراً فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد. والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول عز وجل: " ما يبدل القول لدي وما أنا بظلامٍ للعبيد " . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ، ويعظم له أجراً ، ومن يتق الله فقد فاز فوزاً عظيماً. وإن تقوى الله يوقي مقته، ويوقي عقوبته، ويوقي سخطه، وأن تقوى الله يبيض الوجوه، ويرضي الرب، ويرفع الدرجة.
خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله؛ قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه؛ الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العظيم !.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب ناقته، وأرخى لها الزمام، فجعلت لا تمر بدار من دور الأنصار إلا دعاه أهلها إلى النزول عندهم، وقالوا له: هلم يا رسول الله ! إلى العدد والعدة والمنعة؛ فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: خلوا زمامها فإنها مأمورة؛ حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت على باب مسجده؛ وهو يومئذ مربدٌ لغلامين يتيمين من بني النجار في حجر معاذ بن عفراء؛ يقال لأحدهما سهل وللآخر سهيل، ابنا عمرو بن عباد بن ابن ثعلبة ابن غنم بن مالك بن النجار. فلما بركت لم ينزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وثبت فسارت غير بعيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضعٌ لها زمامها لا يثنيها به؛ ثم التفتت خلفها، ثم رجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ووضعت جرانها، ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتمل أبو أيوب رحله، فوضعه في بيته، فدعته الأنصار إلى النزول عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع رحله. فنزل على أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب، في بني غنم بن النجار.
قال أبو جعفر: وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المربد لمن هو ؟ فأخبره معاذ بن عفراء، وقال: هو ليتيمين لي، سأرضيهما. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجداً، ونزل على أبي أيوب، حتى بنى مسجده ومساكنه. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى موضع مسجده، ثم بناه.
والصحيح عندنا في ذلك، ما حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك، قال: كان موضع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبني النجار، وكان فيه نخل وحرث وقبورٌ من قبور الجاهلية، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثامنوني به، فقالوا: لا نبتغيه به ثمناً إلا ما عند الله، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبالحرث فأفسد، وبالقبور فنبشت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يصلي في مرابض الغنم، وحيث أدركته الصلاة.
قال أبو جعفر: وتولى بناء مسجده صلى الله عليه وسلم هو بنفسه وأصحابه من المهاجرين والأنصار.
وفي هذه السنة بني مسجد قباء.
وكان أول من توفى بعد مقدمه المدينة من المسلمين - فيما ذكر - صاحب منزله كلثوم بن الهدم، لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيراً حتى مات.
ثم توفي بعده أسعد بن زرارة في سنة مقدمه،أبو أمامة. وكانت وفاته قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بناء مسجده، بالذبحة والشهقة. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد إبن إسحاق. حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب ! يقولون: لو كان محمد نبياً لم يمت صاحبه؛ ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً.
وقد حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد ابن زرارة من الشوكة .
قال ابن حميد، قال سلمة، عن إبن إسحاق، قال: حدثني عاصم ابن عمر بن قتادة الأنصاري أنه لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة، اجتمعت بنو النجار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان أبو أمامة نقيبهم - فقالوا: يا رسول الله؛ إن هذا الرجل قد كان منا حيث قد علمت؛ فاجعل منا رجلاً مكانه، يقيم من أمرنا ما كان يقيمه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم أخوالي وأنا منكم؛ وأنا نقيبكم.
قال: وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخص بها بعضهم دون بعض؛ فكان من فضل بني النجار الذي تعد على قومهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نقيبهم.
وفي هذه السنة مات أبو أحيحة بماله بالطائف. ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي فيها بمكة.
وفيها بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بعد مقدمها المدينة بثمانية أشهر؛ في ذي القعدة في قول بعضهم، وفي قول بعضٍ: بعد مقدمه المدينة بسبعة أشهر، في شوال، وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ست سنين، وقد قيل: تزوجها وهي ابنة سبع.
حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - عن عبد الرحمن بن أبي الضحاك، عن رجل من قريش، عن عبد الرحمن بن محمد، أن عبد الله بن صفوان وآخر معه أتيا عائشة، فقالت عائشة: يا فلان؛ أسمعت حديث حفصة ؟ قال لها: نعم يا أم المؤمنين، قال لها عبد الله بن صفوان: وما ذاك ؟ قالت: خلالٌ في تسع لم تكن في أحدٍ من النساء إلا ما آتى الله مريم بنت عمران؛ والله ما أقول هذا فخراً على أحد من صواحبي، قال لها: وما هن ؟ قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين، وأهديت إليه لتسع سنين، وتزوجني بكراً لم يشركه في أحدٌ من الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه ، ونزل فيَّ آيةٌ من القرآن كادت الأمة أن تهلك، ورأيت جبريل ولم يراه أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي لم يله أحدٌ غير الملك وأنا.
قال أبو جعفر: وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم - في ما قيل - في شوال، وبنى بها حين بنى بها في شوال.
ذكر الرواية بذلك: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال. وكانت عائشة تستحب أن يبنى بالنساء في شوال.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عروة عن عروة، عن عائشة، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله كانت أحظى عنده مني ! وكانت عائشة تستحب أن يدخل بالنساء في شوال.
قال أبو جعفر: وقيل: إن رسوال الله صلى الله عليه وسلم بنى بها في شوال يوم الأربعاء في منزل أبي بكر بالسنح.
وفي هذه السنة بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بناته وزوجته سودة بنت زمعة، زيد بن حارثة وأبا رافع، فحملاهن من مكة إلى المدينة.
ولما رجع - فيما ذكر - عبد الله بن أريقط إلى مكة أخبر عبد الله بن أبي بكر بمكان أبيه أبي بكر، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه، وصحبهم طلحة بن عبيد الله، معهم أم رومان، وهي أم عائشة؛ وعبد الله بن أبي بكر حتى قدموا المدينة.
وفي هذه السنة زيد في صلاة الحضر - فيما قيل - ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين؛ وذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر ،في ربيع الآخر، لمضي اثنتي عشرة ليلة منه، زعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.
وفيها - في قول بعضهم - ولد عبد الله بن الزبير. وفي قول الواقدي: ولد في السنة الثانية من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شوال.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر الواقدي: ولد ابن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهراً بالمدينة.
قال أبو جعفر: وكان أول مولودٍ ولد من المهاجرين في دار الهجرة، فكبر - فيما ذكر - أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولد؛ وذلك أن المسلمين كانوا قد تحدثوا أن اليهود يذكرون أنهم قد سحروهم فلا يولد لهم؛ فكان تكبيرهم ذلك سروراً منهم بتكذيب الله اليهود فيما قالوا من ذلك.
وقيل: إن أسماء بنت أبي بكر، هاجرت إلى المدينة وهي حاملٌ به.
وقيل أيضاً: إن النعمان بن بشير ولد في هذه السنة؛ وإنه أول مولد ولد للأنصار بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم؛ وأنكر ذلك الواقدي أيضاً.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا الواقدي، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده، قال: كان أول مولود من الأنصار النعمان بن بشير؛ ولد بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني سنين، أو أكثر قليلاً.
قال: وولد النعمان قبل بدر بثلاثة أشهر أو أربعة .
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود، قال: ذكر النعمان بن بشير عند ابن الزبير، فقال: هو أسن مني بستة أشهر.
قال أبو الأسود: ولد ابن الزبير على رأس عشرين شهراً من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولد النعمان على رأس أربعة عشر شهراً في ربيع الآخر.
قال أبو جعفر : وقيل: إن المختار بن أبي عبيد الثقفي وزياد ابن سمية فيها ولدا.
قال: وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره، لحمزة بن عبد المطلب لواءً أبيض في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعترض لعيرات قريش، وأن حمزة لقى أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل، فحجز بينهم مجدي بن عمر الجهني فافترقوا، ولم يكن بينهم قتال. وكان الذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد.
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد أيضاً في هذه السنة، على رأس ثمانية أشهر من مهاجره في شوال، لعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ، وأن لواءه كان مع مسطح بن أثاثة، فبلغ ثنية المرة - وهي بناحية الجحفة - في ستين من المهاجرين، ليس فيهم أنصاري؛ وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء؛ فكان بينهم الرمي دون المسايفة.
قال: وقد اختلفوا في أمير السرية؛ فقال بعضهم: كان أبو سفيان بن حرب، وقال بعضهم: كان مكرز بن حفص.
قال الواقدي: ورأيت الثبت على أبي سفيان بن حرب، وكان في مائتين من المشركين.
قال: وفيها عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار لواءً أبيض يحمله المقداد بن عمرو في ذي القعدة. وقال: حدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: خرجت في عشرين رجلاً على أقدامنا - أو قال: واحد وعشرين رجلاً - فكنا نكمن النهار، ونسير الليل حتى صبحنا الخرار صبح خامسةٍ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد عهد إلي إلا أجاوز الخرار، وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم، وكانوا ستين، وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين.
قال أبو جعفر: وقال ابن إسحاق في أمر كل هذه السرايا التي ذكرت عن الواقدي قوله فيها غير ما قاله الواقدي، وأن ذلك كله كان في السنة الثانية من وقت التاريخ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأول لاثنتى عشرة ليلة مضت منه، فأقام بها ما بقي من شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجماديين ورجب وشعبان ورمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم.
وخرج في صفر غازياً على رأس اثنى عشر شهراً من مقدمه المدينة، لثنتى عشرة ليلةٍ مضت من شهر ربيع الأول؛ حتى بلغ ودان؛ يريد قريشاً وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ ويه غزوة الأبواء، فوادعته فيها بنو ضمرة؛ وكان الذي وادعه منهم عليهم سيدهم كان في زمانه ذلك مخشى بن عمرو، رجل منهم.
قال: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيداً، فأقام بها بقية صفر وصدراً من شهر ربيع الأول.
وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب في ثمانين أو ستين راكباً من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، حتى بلغ أحياء ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة، فلقى بها جمعاً عظيماً من قريش؛ فلم يكن بينهم قتال؛ إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم؛ فكان أول سهم رمي به في الإسلام.
ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حاميةٌ، وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر حليف بني نوفل بن عبد مناف - وكانا مسلمين؛ ولكنهما خرجا يتوصلان بالكفار إلى المسلمين - وكان على ذلك الجمع عكرمة بن أبي جهل.
قال محمد: فكانت راية عبيدة - فيما بلغني - أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام لأحد من المسلمين.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة. قال: وبعث حمزة بن عبد المطلب في مقامه ذلك إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكباً من المهاجرين؛ وهي من أرض جهينة ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، فلقى أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، فكان موادعاً للفريقين جميعاً، فانصرف القوم بعضهم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال.
قال: وبعض القوم يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من الملسمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة بن الحارث كانا معاً، فشبه ذلك على الناس.
قال: والذي سمعنا من أهل العلم عندنا أن راية عبيدة بن الحارث كانت أول راية عقدت في الإسلام.
قال: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الآخر، يريد قريشاً، حتى إذا بلغ بواط من ناحية رضوى رجع ولم يلق كيداً، فلبث بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأول.
ثم غزا يريد قريشاً، فسلك على نقب بني دينار بن النجار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثم مسجده. وصنع له عندها طعامٌ فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع أثا في البرمة معلوم هنالك. واستقى له ماء به يقال له المشيرب. ثم ارتحل فترك الخلائق بيسار، وسلك شعبة يقال لها شعبة عبد الله - وذلك اسمها اليوم - ثم صب ليسار، حتى هبط يليل، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة؛ واستقى له من بئر بالضبوعة. ثم سلك الفرش؛ فرش ملل، حتى لقى الطريق بصخيرات اليمام. ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة. ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيداً.
وفي تلك الغزوة قال لعلي بن أبي طالب ما قال.
قال: فلم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من غزوة العشيرة بالمدينة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، حتى بلغ وادياً يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يدركه؛ وهي غزو بدر الأولى؛ ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجب وشعبان. وقد كان بعث فيما بين ذلك سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط.
وزعم الواقدي أن في هذه السنة - أعني السنة الأولى من الهجرة - جاء أبو قيس بن الأسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فقال: ما أحسن ما تدعو إليه ! أنظر في أمري ، ثم أعود إليك. فلقيه عبد الله بن أبي، فقال له: كرهت والله حرب الخزرج ! فقال أبو قيس: لا أسلم سنة؛ فمات في ذي القعدة.
ثم كانت السنة الثانية من الهجرة
فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم - في قول جميع أهل السير - فيها، في ربيع الأول بنفسه غزوة الأبواء - ويقال ودان - وبينهما ستة أميال هي بحذائها؛ واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إليها سعد بن عبادة بن دليم. وكان صاحب لوائه في هذه الغزاة حمزة بن عبد المطلب، وكان لواؤه - فيما ذكر - أبيض.
وقال الواقدي: كان مقامه بها خمسة عشرة ليلة، ثم قدم المدينة.
قال الواقدي: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه؛ حتى بلغ بواط في شهر ربيع الأول؛ يعترض لعيرات قريش، وفيها أمية بن خلف ومائة رجلٍ من قريش وألفان وخمسمائة بعير. ثم رحع ولم يلق كيداً.
وكان يحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد ابن معاذ في غزوته هذه.
قال: ثم غزا في ربيع الأول في طلب كرزين بن جابر الفهري في المهاجرين، وكان قد أغار على سرح المدينة، وكان يرعى بالجماء فاستاقه، فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بدراً فلم يلحقه؛ وكان يجمل لواءه علي بن أبي طالب عليه السلام. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة.
غزوة ذات العشيرةقال: وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض لعيرات قريش حتى أبدأت إلى الشام في المهاجرين - وهي غزوة ذات العشيرة - حتى بلغ ينبع؛ واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد؛ وكان يحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب. فحدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يزيد بن خثيم؛ عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: حدثنا أبوك يزيد بن خثيم، عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي رفيقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العشيرة، فنزلنا منزلاً فرأينا رجالاً من بني مدلج يعملون في نخل لهم، فقلت: لو انطلقنا ! فنظرنا إليهم كيف يعملون، فانطلقنا فنظرنا إليهم ساعةً، ثم غشينا النعاس، فعمدنا إلى صور من النخل؛ فنمنا تحته في دقعاء من التراب، فما أيقظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتانا وقد تتربنا في ذلك التراب؛ فحرك علياً برجله، فقال: قم يا أبا تراب؛ ألا أخبرك بأشقى الناس ؟ أحمر ثمود عاقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - فيخضب هذ منها؛ وأخذ بلحيته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن محمد بن خثيم المحاربي، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خثيم - وهو أبو يزيد - عن عمار بن ياسر، قال: كنت أنا وعلي رفيقين، فذكر نحوه.
وقد قيل في ذلك غير هذا القول؛ وذلك ما حدثني به محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، قال: قيل لسهل بن سعد: إن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك أن تسب علياً عند المنبر، قال: أقول ماذا ؟ قال: تقول : أبا تراب، قال: والله ما سماه بذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: وكيف ذلك يا أبا العباس ؟ قال: دخل علي على فاطمة، ثم خرج من عندها، فاضطجع في فيء المسجد. قال: ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة، فقال لها :أين ابن عمك ؟ فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد، قال: فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فوجده قد سقط رادؤه عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره، ويقول: اجلس أبا تراب. فوالله ما سماه به إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ووالله ما كان اسمٌ أحب إليه منه !.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة في صفر، لليال بقين منه، تزوج علي بن أبي طالب عليه السلام فاطمة رضي الله عنها؛ حدثت بذلك، عن محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي جعفر.
سرية عبد الله بن حجشقال أبو جعفر الطبري: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر الفهري إلى المدينة، وذلك في جمادى الآخرة، بعث في رجب عبد الله بن جحش معه ثمانية رهط من المهاجرين؛ ليس فيهم من الأنصار أحدٌ؛ فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري ويزيد بن رومان؛ عن عروة بن الزبير، بذلك .
وأما الواقدي فإنه زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله ابن جحش سريةً في اثني رجلاً من المهاجرين.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة، قال: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم له كتاباً - يعني لعبد الله بن جحش - وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين؛ ثم ينظر فيه فيمضي له أمره به، ولا يستكره أحداً من أصحابه، فلما سار عبد الله ابن حجش يومين، فتح الكتاب، ونظر فيه، فإذا فيه: " وإذا نظرت في كتابي هذا؛ فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف؛ فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم " . فلما نظر عبد الله في الكتاب، قال: سمعٌ وطاعةٌ؛ ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة، فأرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم؛ فمن كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع؛ فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمضى ومضى معه أصحابه، فلم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز؛ حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه، فتخلفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة قريش فيها، منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن - وقد كان حلق رأسه - فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم؛ وذلك في آخر يوم من رجب؛ فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم؛ فليمتنعن به منكم؛ ولئن قتلتموهم في الشهر الحرام. فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم؛ ثم تشجعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين؛ حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
قال: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش ،أن عبد الله بن جحش، قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخمس - وذلك قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس - فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة، قسم سائرها بين أصحابه؛ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما أمرتكم بقتالٍ في الشهر الحرام. فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا. وقال لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به، وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال ! وقالت قريش: قد استحل محمدٌ وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت اليهود: تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله " عمرو " عمرت الحرب، و " الحضرمي " حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب؛ فجعل الله عز وجل ذلك عليهم لا لهم.
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه .... " الآية.
فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين.
وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الحكم بن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفذيكموهما؛ حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد ابن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما؛ فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، ففاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؛ فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل في بئر معونة شهيداً.
قال أبو جعفر: وخالف في بعض هذه القصة محمد بن إسحاق والواقدي جميعاً السدي؛ حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد؛ قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصدٌ عن سبيل الله " ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر؛ عليهم عبد الله بن جحش الأسدي وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي؛ حليف لعمر بن الخطاب.
وكتب مع ابن جحش كتاباً وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل؛ فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب؛ فإذا فيه: أن سر حتى تنزل بطن نخلة؛ فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص؛ فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعبتة بن غزوان، أضلا راحلة لهما، فأتيا بحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة؛ فإذا هو بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي؛ فاقتتلوا، فأسروا الحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة ،وانفلت المغيرة، وقتل عمرو بن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أول غنيمة غنهما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا من الأموال؛ أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى ننظر ما فعل صاحبانا ! فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون، وقالوا: محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب ! فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى - وقيل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب؛ فأنزل الله عز وجل يعير أهل مكة: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ ... " الآية.
قال أبو جعفر: وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان انتدب لهذا المسير أبا عبيدة بن الجراح، ثم بدا له فيه، فندب له عبد الله بن جحش.
ذكر الخبر بذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى؛ حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل عن أبي السوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطاً، فبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح؛ فلما أخذ لينطلق بكى صبابةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رجلاً مكانه يقال له عبد الله جحش، وكتب له كتاباً وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا: " ولا تكرهن أحداً من أصحابك على السير معك " . فلما قرأ الكتاب استرجع، ثم قال: سمعاً وطاهة لأمر الله ورسوله ! فخبرهم بالخبر؛ وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا ذلك اليوم من رجب أو من جمادى ! فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهرالحرام ! فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثوه الحديث، فأنزل الله عز وجل: " يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه " إلى قوله: " والفتنة أكبر من القتل " ، الفتنة هي الشرك.
وقال بعض الذين - أظنه قال - : كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحدٌ؛ فقال: إن خيراً فقد وليت، وإن يكن ذنباً فقد علمت.
ذكر بقية ما كان في السنة الثانية من سني الهجرة ومن ذلك ما كان من صرف الله عز وجل قبلة المسلمين من الشأم إلى الكعبة، وذلك في السنة الثانية من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في شعبان.
واختلف السلف من العلماء في الوقت الذي صرفت فيه من هذه السنة؛ فقال بعضهم - وهم الجمهور الأعظم: صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمر بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدى - في خبر ذكره - عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كان الناس يصلون قبل بيت المقدس؛ فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر، وكان يصلي قبل بيت المقدس؛ فنسختها الكعبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلي قبل الكعبة، فأنزل الله عز وجل: " قد نرى تقلب وجهك في السماء ... " ، الآية.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة .
وحدثت عن ابن سعد، عن الواقدي مثل ذلك. وقال: صرفت القبلة في الظهر يوم الثلاثاء للنصف من شعبان .
قال أبو جعفر: وقال آخرون: إنما صرفت القبلة إلى الكعبة لستة عشر شهراً مضت من سني الهجرة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى بن إبراهيم الآملي، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: سمعت قتادة، قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول: استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ستة عشر شهرا، فبلغه أن يهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ! فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل: " قد نرى تقلب وجهك في السماء ... " الآية .
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فرض - فيما ذكر - صوم رمضان. وقيل: إنه فرض في شعبان منها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، رأى يهود تصوم يوم عاشوراء؛ فسألهم فأخبروه أنه اليوم الذي غرق الله فيه آل فرعون، ونجى موسى ومن معه منهم؛ فقال: نحن أحق بموسى منهم، فصام وأمر الناس بصومه، فلما فرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه.
وفيها أمر الناس بإخراج زكاة الفطر. وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، وأمرهم بذلك .
وفيها خرج إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد؛ وكان ذلك أول خرجةٍ خرجها بالناس إلى المصلى لصلاة العيد.
وفيها - فيما ذكر - حملت العنزة له إلى المصلى فصلى إليها، وكانت للزبير بن العوام - كان النجاشي وهبها له - فكانت تحمل بين يديه في الأعياد، وهي اليوم فيما بلغني عند المؤذنين بالمدينة.
وفيها كانت وقعة بدر الكبرى بين رسول الله صلى عليه وسلم والكفار من قريش؛ وذلك في شهر رمضان منها.
ثم اختلفوا في اليوم الذي فيه كانت الحرب بينه وبينهم، فقال بعضهم: كانت وقعة بدر يوم تسعة عشر من شهر رمضان.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة ليلةً من رمضان؛ فإنها ليلة بدر.
حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حجير الثعلبي، عن الأسود عن عبد الله، قال: التمسوا ليلة القدر في تسع عشرة من رمضان، فإن صبيحتها كانت صبيحة بدر.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد بن محمد المحاربي، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن زيد، أنه كان لا يحيي ليلةً من شهر رمضان كما يحيى ليلة تسع عشرة وثلاث وعشرين، ويصبح وجهه مصفراً من أثر السهر، فقيل له، فقال: إن الله عز وجل فرق في صبحيتها بين الحق والباطل.
وقال آخرون: كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن حجير، عن الأسود وعلقمة، أن عبد الله بن مسعود، قال: التمسوها في سبع عشرة. وتلا هذه الآية: " يوم التقى الجمعان " ، يوم بدر، ثم قال: أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قل: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا الثوري، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: كانت بدر صبيحة تسع عشرة من رمضان.
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبدالله مثله.
قال الحارث: قال ابن سعد، قال الواقدي: فذكرت ذلك لمحمد بن صالح، فقال: هذا أعجب الأشياء؛ ما ظننت أن أحداً من أهل الدنيا شك في هذا؛ إنها صبيحة سبع عشرة من رمضان، يوم الجمعة.
قال محمد بن صالح: وسمعت عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان؛ يقولان ذلك. قال لي محمد بن صالح: يا بن أخي، وما تحتاج إلى تسمية الرجال في هذا ! هذا أبين من ذلك؛ ما يجهل هذا النساء في بيوتهن.
قال الواقدي: فذكرته لعبد الرحمن بن أبي الزناد، فقال: أخبرني أبي، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، أنه كان يحيى ليلة سبع عشرة من شهر رمضان؛ وإنن كان ليصبح وعلى وجهه أثر السهر، ويقول: فرق الله في صبحيتها بين الحق والباطل، وأعز في صبحها الإسلام، وأنزل فيها القرآن، وأذل فيها أئمة الكفر.
وكانت وقعة بدر يوم الجمعة. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى ابن واضح، قال: حدثني يحيى بن يعقوب أبو طالب، عن أبي عون محمد ابن عبيد الله الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب، قال: قال قال الحسن بن علي بن أبي طالب: كانت ليلة الفرقان يوم التقى، الجمعان، لسبع عشرة من رمضان.
وكان الذي هاج وقعة بدر وسائر الحروب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش - فيما قال عروزة بن الزبير - ما كان من قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي.
ذكر وقعة بدر الكبرىحدثنا علي بن نصر بن علي، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث - قال علي: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال عبد الوارث: حدثني أبي - قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن وعروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنك كتبت إلى في أبي سفيان ومخرجه، تسألني كيف كان شأنه ؟ كان من شأنه أن أبا سفيان بن حرب أقبل من الشام في قريب من سبعين راكباً من قبائل قريش كلها، كانوا تجاراً بالشام، فأقبلوا جميعاً معهم أموالهم وتجارتهم، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابة؛ وقد كانت الحرب بينهم قبل ذلك، فقتلت قتلى، وقتل ابن الحضرمي في ناس بنخلة، وأسرت أسارى من قريش؛ فيهم بعض بني المغيرة، وفيهم ابن كيسان مولاهم، أصابهم عبد الله بن جحش وواقد حليف بني عدي بن كعب، في ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم مع عبد الله بن جحش، وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وأول ما أصاب به بعضهم بعضاً من الحرب، وذلك قبل مخرج أبي سفيان وأصحابه إلى الشأم.
ثم إن أبا سفيان أقبل بعد ذلك ومن معه من ركبان قريش مقبلين من الشأم، فسلكوا طريق الساحل، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه وحدثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم، فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه؛ لا يرونها إلا غنيمة لهم؛ لا يظنون أن يكون كبير قتال إذا لقوهم، وهي التي أنزل الله عز وجل فيها: " وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " .
فلما سمع أبو سفيان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معترضون له، بعث إلى قريش: إن محمدا وأصحابه معترضون لكم، فأجيروا تجارتكم. فلما أتى قريشاً الخبر - وفي عير أبي سفيان؛ من بطون كعب ابن لؤي كلها - نفر لها أهل مكة؛ وهي نفرة بني كعب بن لؤي، ليس فيها من بني عامر أحدٌ إلا من كان من بني مالك بن حسل؛ ولم يسمع بنفرة قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ؛ حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم بدراً - وكان طريق ركبان قريش، من أخذ منهم طريق الساحل إلى الشأم - فخفض أبو سفيان عن بدر ولزم طريق الساحل، وخاف الرصد على بدر وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى عرس قريباً من بدر، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام في عصابة من أصحابه إلى ماء بدر، وليسوا يحسبون أن قريشاً خرجت لهم، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي؛ إذا ورد بعد روايا قريش ماء بدر وفيمن ورد من الروايا غلام لبني الحجاج أسود؛ فأخذه النفر الذي بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير إلى الماء، وأفلت بعض أصحاب العبد نحو قريش، فأقبلوا به حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرسه، فسألوه عن أبي سفيان وأصحابه؛ لا يحسبون إلا أنه معهم، فطفق العبد يحدثهم عن قريش ومن خرج منها، وعن رءوسهم، ويصدقهم الخبر، وهو أكره شيء إليهم الخبر الذي يخبرهم؛ وإنما يطلبون حينئذ بالركب أبا سفيان وأصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي؛ يركع ويسجد ويرى ويسمع ما يصنع بالعبد، فطفقوا إذا ذكر لهم أنها قريش جاءتهم ضربوه وكذبوه وقالوا: إنما تكتمنا أبا سفيان وأصحابه؛ فجعل العبد إذا أذلقوه بالضرب وسألوه عن أبي سفيان وأصحابه - وليس لهم بهم علم؛ إنما هو من روايا قريش - قال: نعم، هذا أبو سفيان والركب حينئذ أسفل منهم؛ قال الله عز وجل: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم " - حتى بلغ - " أمراً كان مفعولاً " ، فطفقوا إذا قال لهم العبد: هذه قريش قد أتتكم ضربوه، وإذا قال لهم: هذا أبو سفيان تركوه.
فلما رأى صنيعهم النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاته وقد سمع الذي أخبرهم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والذي نفسي بيده، إنكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذب ! قالوا: فإنه يحدثنا أن قريشاً قد جاءت، قال: فإنه قد صدق؛ قد خرجت قريش تجير ركابها، فدعا الغلام فسأله فأخبره بقريش، وقال: لا علم لي بأبي سفيان، فسأله: كم القوم ؟ فقال: لا أدري؛ والله هم كثير عددهم. فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أطعمهم أول من أمس ؟ فسمى رجلاً أطعمهم، فقال: كم جزائر نحر لهم ؟ قال: تسع جزائر، قال فمن أطعمهم أمس ؟ فسمى رجلاً، فقال كم نحر لهم ؟ قال: عشر جزائر؛ فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القوم ما بين التسعمائة إلى الألف. فكان نفرة قريش يومئذ خمسين وتسعمائة.
فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الماء وملأ الحياض، وصف عليها أصحابه، حتى قدم عليه القوم، فلما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً قال: هذه مصارعهم؛ فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه ونزل عليه. فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه قريش قد جاءت بجلبتها وفخرها؛ تحادك وتكذب رسولك ! اللهم إني أسألك ما وعدتني.
فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم التراب؛ فهزمهم الله. وكانوا قبل أن يلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءهم راكب من أبي سفيان والركب الذين معه: أن ارجعوا - والركب الذين يأمرون قريشاً بالرجعة بالجحفة - فقالوا: والله لا نرجع حتى ننزل بدراً، فنقيم فيه ثلاث ليال، ويرانا من غشينا من أهل الحجاز؛ فإنه لن يرانا أحد من العرب وما جمعنا فيقاتلنا. وهم الذين قال الله عز وجل: " الذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس " ؛ فالتقوا هم والنبي صلى الله عليه وسلم، ففتح الله على رسوله، وأخزى أئمة الكفر وشفى صدور المسلمين منهم.
===============================================ج7.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
حدثني هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مصعب بن المقداد، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي عليه السلام، قال: لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها، فاجتويناها، وأصابنا بها وعكٌ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخبر عن بدر؛ فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر - وبدر بئر - فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين، منهم رجلٌ من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط؛ فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم ؟ فيقول: هم والله كثير، شديدٌ بأسهم؛ فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كم القوم ؟ فقال: هم والله كثير، شديد بأسهم، فجهد النبي أن يخبره كم هم، فأبى. ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: كم ينحرون من الجزر ؟ فقال: عشراً كل يوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ألف.
ثم إنه أصابنا من الليل طشٌ من المطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض. فلما أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله ! فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرض على القتال، ثم قال: إن جمع قريش عند هذه الضلعة من الجبل. فلما أن دنا القوم منا وصاففناهم، إذ رجلٌ من القوم على جمل أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، ناد لي حمزة - وكان أقربهم إلى المشركين - : من صاحب الجمل الأحمر ؟ وماذا يقول لهم ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن في القوم من يأمر بالخير، فعسى ان يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة، فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: إني أرى قوماً مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير؛ يا قوم اعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، ولقد علمتم أني لست بأجبنكم.
قال: فسمع أبو جهل فقال: أنت تقول هذا ! والله لو غيرك يقول هذا لعضضته ! لقد ملئت رئتك وجوفك رعباً، فقال عتبة: إياي تعير يا مصفر استه ! ستعلم اليوم أينا أجبن ! قال: فبرز عتبة بن ربيعة وأخوه شبية بن ربيعة، وابنه الوليد، حميةً، فقالوا: من يبارز ؟ فخرج فتيةوٌ من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء؛ ولكن يبارزنا من بنى عمنا من بنى عبد المطلب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي قم، يا حمزة قم، يا عبيدة بن الحارث قم، فقتل الله عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة بن الحارث؛ فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا منهم سبعين.
قال: فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيراً، فقال: يا رسول الله؛ والله ما هذا أسرني، ولكن أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد آزرك الله بملكٍ كريم. قال علي: فأسر من بني عبد المطلب العباس وعقيل ونوفل بن الحارث.
حدثني جعفر بن محمد البزوري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن علي، قال: لما أن كان يوم بدر، وحضر البأس اتقينا برسول اله، فكان من أشد الناس بأساً وما كان منا أحدٌ أقرب إلى العدو منه.
حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي، قال: سمعته يقول: ما كان فينا فارسٌ يوم بدر غير مقداد بن الأسود؛ ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً إلى شجرة يصلي، ويدعو حتى الصبح.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلاً من الشام في عيرٍ لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم؛ وفيها ثلاثون راكباً من قريش - أو أربعون - منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام ابن سعيد بن سهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني محمد بن مسلم الزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان؛ عن عروة وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث؛ فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشأم، ندب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم؛ وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان تخوفاً على أموال الناس؛ حتى أصاب خبراً، من بعض الركبان؛ أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك. فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشاً يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ويزيد ابن رومان، عن عروة، قال: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم علي ما أحدثك به قال لها: وما رأيت ؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعيرٍ له حتى وقف بالأبطح. ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا با آل غدر لمصارعكم في ثلاث ! فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته بمثلها: أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ! ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة، ولا دارٌ من دورها إلا دخلت منها فلقة.
قال العباس: والله إن هذه الرؤيا رأيت فاكتميها ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة - وكان له صديقاً - فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث؛ حتى تحدثت به قريش في أنديتها.
قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعودٌ يتحدثون برؤيا عاتكة؛ فلما رآني أبو جهل، قال: يا أبا الفضل؛ إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا. قال: فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية ! قال: قلت: وما ذاك ؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: قلت: وما رأت ؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم، حتى تنبأ نساؤكم ! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث ! فسنتربص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقاً فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيتٍ في العرب.
قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئاً. قال: ثم تفرقنا؛ فلما أمسيت لم تبق امرأةٌ من بني المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت ! قال: قلت: قد والله فعلت؛ ما كان مني إليه من كبيرٍ ، وايم الله لأتعرضن له؛ فإن عاد لأكفينكموه.
قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب، أرى أن قد فاتني منه أمرٌ أحب أن أدركه منه.
قال: فدخلت المسجد فرأيته؛ فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به - وكان رجلاً خفيفاً حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر - إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: قلت: في نفسي: ما له لعنه الله ! أكل هذا فرقاً من أن أشائمه ! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع؛ صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث !
قال: فشغلني عنه شغله عني ما جاء من الأمر. فتجهز الناس سراعاً، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ! كلا والله ليعلمن غير ذلك. فكانوا بين رجلين: إما خارج، وإما باعث مكانه رجلاً، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أِشرافها أحدٌ؛ إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزى عنه بعثه، فخرج عنه وتخلف أبو لهب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود، وكان شيخاً جليلاً ثقيلاً، فأتاه عقبة بن أبي معيط، وهو جالس في المسجد بين ظهري قومه بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به ! قال: ثم تجهز مع الناس، فلما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا السير؛ ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير، ذكرت الذي بينها وبين بني بكر؛ فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعثم المدلجي - وكان من أشراف كنانة - فقال: أنا جارٌ لكم من أن يأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعاً.
قال أبو جعفر: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني عن غير ابن إسحاق - لثلاث ليال خلون من شهر رمضان في ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً من أصحابه؛ فاختلف في مبلغ الزيادة علىالعشرة.
فقال بعضهم، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت، ثلثمائة رجل وثلاثة عشر رجلاً؛ الذين جاوزوا النهر؛ فسكت.
حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلاً؛ وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلاً، وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة.
وقال آخرون: كانوا ثلثمائة رجل وأربعة عشر، من شهد منهم، ومن ضرب بسهمه وأجره؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
وقال بعضهم: كانوا ثلثمائة وثمانية عشر.
وقال آخرون: كانوا ثلثمائة وسبعة.
وأما عامة السلف، فإنهم قالوا: كانوا ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً.
ذكر من قال ذلك: حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، وحدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قالا: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر - ولم يجز معه إلا مؤمن - ثلثمائة وبضعة عشر .
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، على عدة أصحاب طالوت؛ من جاز معه النهر؛ وما جاز معه إلا مؤمنٌ.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي؛ عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء، بنحوه.
حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد ابن المغيرة، عن مسعر، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت.
حدثني أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مسعر، عن أبي إسحاق ،عن البراء، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت، وكان أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائةً وبضعة عشر رجلاً.
حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: خلص طالوت في ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً؛ عدة أصحاب بدر.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار، في ليالٍ مضت من شهر رمضان؛ فسار حتى إذا كان قريباً من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو الجهني، حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر، يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وعيره، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدمهما؛ فلما استقبل الصفراء - وهي قرية بين جبلين - سأل عن جبليهما: ما أسماءهما ؟ فقالوا لأحدهما: هذا مسلح؛ وقالوا للآخر: هذا مخرىء، وسأل عن أهلهما، فقالوا: بنو النار وبنو حراق بطنان من بني غفار، فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهاليهما؛ فتركهما والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران؛ فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل.
وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر رضي الله عنه، فقال فأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك؛ والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ؛ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخير.
حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى، قال: حدثنا المخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما في الأرض من شيء؛ كان رجلاً فارساً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب احمارت وجنتاه، فأتاه المقداد على تلك الحال، فقال، أبشر يا رسول الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اذهب أن وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ، ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، أو يفتح الله لك.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس - وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم كانوا عدد الناس؛ وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله؛ إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا؛ نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته؛ إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم - فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ! قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا؛ على السمع والطاعة، فامضي يا رسول الله لما أردت؛ فوالذي بعثك بالحق إن اسعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك؛ ما تخلف منا رجلٌ واحد؛ وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ! إن لصبرٌ عند الحرب؛ صدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك؛ فسر بنا على بركة الله.
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله، وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين؛ والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران، فسلك على ثنايا يقال لها الأصافر، ثم انحط منها على بلد يقال لها الدبة، وترك الحنان بيمين؛ - وهو كثيب عظيم كالجبل - ثم نزل قريباً من بدر، فركب هو ورجلٌ من أصحابه - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب؛ فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك؛ فقال: وذاك بذاك ! قال: نعم، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدقني الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا؛ فإن كان الذي حدثني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به قريش - فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما من ماءٍ، أمن ماء العراق ! ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه؛ فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، في نفرٍ من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر عليه - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال، حدثنا محمد بن إسحاق، كما حدثني يزيد بن رومان، عن عرورة بن الزبير - فأصابوا راويةً لقريش فيها أسلم؛ غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بني العاص بني سعيد؛ فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي؛ فسألوهما، فقالا: نحن سقاة قريش؛ بعثونا لنسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما ! صدقا والله ! إنهما لقريش؛ أخبراني: أين قريش ؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى - والكثيب: العقنقل - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم ؟ قالا: كثيرٌ، قال: ما عدتهم ؟ قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم ؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة والألف.
ثم قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن فيهم من أشراف قريش ؟ قال: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث بن كلدة، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل ابن هشام، وأمية بن خلف ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.
قالوا: وقد كان بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء مضيا حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شناً يستقيان فيه - ومجدى بن عمرو الجهنى على الماء - فسمع عدى وبسبس جاريتين من جواري الحاضر؛ وهما تتلازمان على الماء؛ والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غداً أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال: مجدى: صدقت، ثم خلص بينهما؛ وسمع ذلك عدى وبسبس، فجلسا على بعيرهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بما سمعا.
وأقبل أبو سفيان قد تقدم العير حذراً حتى ورد الماء، فقال لمجدى بن عمرو: هل أحسست أحداً ؟ قال: ما رأيت أحداً أنكره؛ إلا أنى رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما؛ ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته؛ فإذا فيه نوى. فقال: هذه والله علائف يثرب ! فرجع إلى أصحابه سريعاً، فضربة وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدراً يساراً، ثم انطلق حتى أسرع .
وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة ابن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا؛ فقال: إنى رأيت فيما يرى النائم، وإني لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرسٍ حتى وقف ومعه بعيرٌ له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان؛ فعدد رجالاً ممن قتل يومئذ من أشراف قريش؛ ورأيته ضرب في لبة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقى خباء من أخبية العسكر. إلا أصابة نضحٌ من دمه.
قال: فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضاً نبيٌ من بني المطلب؛ سيعلم غداً من المقتول إن نحن التقينا ! ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم؛ فقد نجاها الله، فارجعوا. فقال أبو جهل ابن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدراً - وكان بدرٌ موسماً من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوقٌ كل عام - فنقيم عليه ثلاثاً، وننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب؛ فلا يزالون يهابوننا أبداً؛ فامضوا.
فقال الأخنس بن شريق ين عمرو بن وهب الثقفي - وكان حلفياً لبني زهرة وهم بالجحفة: يا بني زهرة؛ قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل؛ وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جنبها وارجعوا، فإنه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعةٍ؛ لا ما يقول هذا - يعني أبا جهل - فرجعوا؛ فلم يشهدها زهريٌ واحدٌ، وكان فيهم مطاعاً. ولم يكن بقي من قريش بطن إلا نفر منهم ناس، إلا بني عدي بن كعب، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ، إلا فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدراً من هاتين القبيلتين أحدٌ. ومضى القوم.
قال: وقد كان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم - وإن خرجتم معنا - أن هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع.
قال أبو جعفر: وأما ابن الكلبي؛ فإنه قال فيما حدثت عنه: شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين، أخرج كرهاً. فلم يوجد في الأسرى ولا في القتلى، ولم يرجع إلى أهله، وكان شاعراً؛ وهو الذي يقول:
يارب إنما يغزون طالب ... في مقنبٍ من هذه المقانب
فليكن المسلوب غير السالب ... وليكن المغلوب غير الغالب
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي؛ خلف العقنقل، وبطن الوادي وهو يليل، بين بدر وبين العقنقل، الكثيب الذي خلقه قريش ، والقلب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة، وبعث الله السماء، وكان الوادي دهساً، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض؛ ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشاً منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادروهم إلى الماء؛ حتى إذا جاء أدنى من بدر نزل به.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثت عن رجال من بني سلمة ؛أنهم ذكروا أن الحباب ابن المنذر بن الجموح، قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة؛ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى الماء من القوم فننزله، ثم نعور ما سواه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فتملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فعورت، وبني حوضاً على القليب الذي نزل عليه فملىء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية.
حدثنا ابن حميد ،قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله نبني لك عريشاً من جريد فتكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا؛ فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك مما أحببنا، وإن كانت الأخرى حلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد خلفت عنك أقوام يا نبي الله، ما نحن بأشد حباً لك منهم؛ ولو ظنوا أنك تلقي حرباً ما تخلفوا عنك. يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً. ودعا له بخير.
ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشٌ، فكان فيه؛ وقد ارتحلت قريش حين أصبحت، فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل - وهو الكثيب الذي منه جاءوا إلى الوادي - قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك؛ اللهم فنصرك الذي وعدتني؛ اللهم فأحنهم الغداة ! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ورأى عتبة بن ربيعة في القوم، على جمل له أحمر: إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ؛ فعند صاحب الجمل الأحمر؛ إن يطيعوه يرشدوا. وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه إيماء بن رحضة - بعث إلى قريش حين مروا به ابناً له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن أمدكم بسلاح ورجال فعلنا؛ فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وصلتك الرحم ! فقد قضيت الذي عليك؛ فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس؛ ما بنا ضعفٌ عنهم؛ ولئن كنا نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة.
فلما نزل الناس، أقبل نفر من قريش؛ حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم حكيم بن حزام، على فرس له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم، فما شرب منهم رجل إلا قتل يومئذ؛ إلا ما كان من حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل؛ نجا على فرس له يقال له الوجيه، وأسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجاني يوم بدر ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال: محمد بن إسحاق: وحدثني إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لما اطمأن القوم، بعثوا عمير بن وهب الجمحي، فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم، فقال: ثلثمائة رجل، يزيدون قليلا أو ينقصون؛ ولكن أمهلوني حتى أنظر؛ أللقوم كمين أم مدد ؟ قال: فضرب في الوادي؛ حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكني قد رأيت - يا معشر قريش - الولايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع؛ قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم؛ والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم؛ فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ! فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك، مشى في الناس، فأتى عتتبة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد؛ إنك كبير قريش الليلة وسيدها، والمطاع فيها؛ هل لك ألا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر ! قال: وما ذاك يا حكيم ؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي ! قال: قد فعلت، أنت علي بذلك؛ إنما هو حليفي فعلي عقله، وما أصيب من ماله؛ فأت ابن الحنظلية؛ فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره - يعنى أبا جهل بن هشام.
حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا عثامة بن عمرو السهمي، قال: حدثني مسور بن عبد المللك اليربوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: بينا نحن عند مروان بن الحكم، إذ دخل حاجبه، فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام، قال: إئذن له، فلما دخل جكيم بن حزام، قال: مرحباً بك يا أبا خالد ! ادن، فحال له مروان عن صدر المجلس؛ حتى كان بينه وبين الوسادة، ثم استقبله مروان، فقال: حدثنا حديث بدر، قال: خرجنا حتى نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بدلراً.
ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي ذكرها الله عز وجل، فجئت عتبة بن ربيعة، فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت ؟ قال: أفعل ماذا ؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي؛ وهو حليفك، فتحمل ديته وترجع بالناس. فقال: أنت وذاك، وأنا أتحمل بديته، واذهب إلى ابن الحنظلية - يعنى أبا جهل - فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك ؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه؛ وهو يقول: قد فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمك بمن معك ؟ قال: أما وجد رسولاً غيرك ! قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولاً لغيره. قال حكيم: فخرجت مبادراً إلى عتبة؛ لئلا يفوتني من الخبر شيء، وعتبة متكئ على إيماء بن رحضة الغفاري؛ وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر، فطلع أبو جهل والشر في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك ! فقال له عتبة: ستعلم ! فسل أبو جهل سيفه، فضرب به متن فرسه، فقال إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا ! فعند ذلك قامت الحرب.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قام عتبة بن ربيعة خطيباً، فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً؛ والله لئن أصبتموه لا يزال رجلٌ ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته؛ فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم: فانطلقت أؤم أبا جهل؛ فوجدته قد نشل درعاً له من جرابها؛ فهو يهيئها. فقلت: يا أبا الحكم؛ إن عتببة قد أرسلني إليك بكذا وكذا - للذي قال - فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمداً وأصحابه؛ كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه، وما بعتبة ما قال؛ ولكنه قد رأى محمداً وأصحابه أكلة جزور؛ وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي، فقال له: هذا حليفك، يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: واعمراه ! واعمراه ! فحميت الحرب، وحقب أمر الناس، واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة.
فلما بلغ عتبة بن ربيعة قول أبي جهل: انتفخ سحره، قال: سيعلم المصفر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو ! ثم التمس بيضة يدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.
وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي - وكان رجلاً شرساً سيء الخلق - فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم ولأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمه بنصف ساقه؛ وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد - زعم - أن يبر يمينه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.
ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة؛ حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة نفر منهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر يقال له عبد الله بن رواحة، فقال: من أنتم ؟ قالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: مالنا بكم حاجة ! ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حمزة بن عبد المطلب، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا علي بن أبي طالب؛ فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم ! قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي، قالوا: نعم أكفاءٌ كرام ! فبارز عبيدة بن الحارث - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة؛ فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليٌ فلم يمهل الوليد أن قتله؛ واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة، فذففا عليه فقتلاه، واحتملا صاحبهما عبيدة فجاءا به إلى أصحابه؛ وقد قطعت رجله، فمخها يسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيداً يا رسول الله ! قال: بلى، فقال عبيدة لو كان أبو طالب حياً لعلم أني أحق بما قال منه حيث يقول:
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا: أكفاءٌ كرامٌ، إنما نريد قومنا، ثم تزاحف الناس؛ ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ألا يحملوا حتى يأمرهم؛ وقال: إن أكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر.
قال أبو جعفر: وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، كما حدثنا ابن حميد، قال :حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق؛ كما حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين. وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثني حبان بن واسع بن حبان بن واسع، عن أشياخ من قومه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدحٌ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية، حليف بن عدي بن النجار، وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطنه بالقدح، وقال: استو يا سواد بن غزية؛ قال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق فأقدني. قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه ثم قال: استقد، قال: فاعتنقه وقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد ؟ فقال: يا رسول الله، حضر ما ترى فلم آمن القتل. فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال له خيراً.
ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ورجع إلى العريش ودخله، ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم - يعني المسلمين - لا تعبد بعد اليوم، وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك !، فإن الله عز وجل منجزٌ لك ما وعدك.
فحدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عكرمة بن عمار، قال: حدثني سماك الحنفي، قا ل: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدر، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعدتهم، ونظر إلى أصحابه نيفاً على ثلثمائة، استقبل القبلة، فجعل يدعو، يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض؛ فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذ أبو بكر فوضع ردائه عليه ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كفاك يا نبي الله، بأبي وأنت وأمي، مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك ! فأنزل الله تبارك وتعالى: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين " .
حدثنا ابن وكيع: قال: حدثنا الثقفي - يعني عبد الوهاب - عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وهو في قبته يوم بدر: اللهم إني أسألك عهدك ووعدك؛ اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم ! قال: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا نبي الله، فقد ألححت على ربك - وهو في الدرع - فخرج وهو يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقةً وهو في العريش؛ ثم انتبه، فقال: يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع. قال: وقد رمي مهجعٌ مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين ثم رمي حارثة بن سراقة، أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض فقتل. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم، ونفل كل امرىء منهم ما أصاب، وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ! ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل وهو يقول:
ركضاً إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... وكل زادٍ عرضه النفاد
غير التقى والبر والرشاد
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق؛ عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - قال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده ؟ قال: غمسه يده في العدو حاسراً. فنزع درعاً كانت عليه، فقذفها؛ ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، وحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري، حليف بني زهرة، قال: لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: اللهم اقطعنا للرحم، وأتانا بما لا يعرف؛ فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشاً، ثم قال: شاهت الوجوه! ثم نفحهم بها، وقال لأصحابه شدوا، فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر منهم. فلما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحاً السيف، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كرة العدو، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر لي - في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس ! قال: أجل والله يا رسول الله ! كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين؛ فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثني سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ: إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم لقتالنا، فمن لقى منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله فلا يقتله؛ فإنه إنما أخرج مستكرهاً.
قال: فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آبائنا وأبنائنا وإخواننا وعشيرتنا، ونترك العباس ! والله لئن لقيته لألحمنه السيف. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أما تسمع إلى قول أبي حذيفة، يقول: أضرب وجه عم رسول الله بالسيف ! فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضربن عنقه بالسيف؛ فوالله لقد نافق.
- قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص - قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزل منها خائفاً إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيداً .
قال: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري؛ لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه؛ وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب، فلقيه المجذر بن ذياد البلوي، حليف الأنصار من بني عدي، فقال المجذر بن ذياد لأبي البختري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتلك - ومع أبي البختري زميلٌ له خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد، وجنادة رجل من بني ليث. واسم أبي البختري العاص بن هشام ابن الحارث بن أسد - قال: وزميلي ؟ فقال: المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك؛ ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك، قال: لا والله أذاً ، لأموتن أنا وهو جميعاً؛ لا تحدث عني نساء قريش من أهل مكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة فقال أبو البختري حين نازله المجذر، وأبى إلا القتال، وهو يرتجز:
لن يسلم ابن حرةٍ أكيله ... حتى يموت أو يرى سبيله
فاقتتلا، فقتله المجذر بن ذياد.
قال: ثم أتى المجذر بن ذياد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا القتال، فقاتلته فقتلته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال. وحدثني أيضاً عبد الله بن أبي بكر، وغيرهما، عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أمية بن خلف لي صديقاً بمكة - وكان اسمي عبد عمرو، فسميت حين أسلمت: عبد الرحمن، ونحن بمكة - قال: فكان يلقاني ونحن بمكة، فيقول يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبوك ؟ فأقول: نعم، فيقول: فإني لا أعرف الرحمن؛ فاجعل بيني وبينك شيئاً أدعوك به؛ أما أنت فلا تجيبني بأسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: يا عبد عمرو لم أجبه، فقلت: اجعل بيني وبينك يا أبا علي ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، فقلت: نعم، فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدث معه؛ حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه على بن علبي بن أمية، آخذاً بيده، ومعي أدراعٌ قد استلبتها، فأنا أحملها. فلما رآني قال: يا عبد عمرو ! فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، قلت: نعم، قال : هل لك في ، فأنا خير لك من الأدراع التي معك ؟ قلت : نعم ، هلم إذاً. قال: فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه علي، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط ! أما لكم حاجة في اللبن ! قال: ثم خرجت أمشي بهما.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه، آخذٌ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم، المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل ! قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذب بلالاً بمكة على أن يترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول : لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد ، فيقول بلال : أحدٌ أحدٌ - فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أمية ابن خلف، لا نجوت إن نجوت؛ قال: قلت: أي بلال، أسيري ! قال: لا نجوت إن نجوا. قال: قلت: تسمع يابن السوداء ! قال: لا نجوت إن نجوا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا! قال: فأحاطوا بنا، ثم جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه؛ قال: فضرب رجلٌ ابنه فوقع. قال: وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط . قال: قلت: انج بنفسك، ولا نجاء؛ فوالله ما أغنى عنك شيئاً. قال: فبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما.
قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالا! ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث عن ابن عباس، أن ابن عباس، قال: حدثني رجلٌ من بنى غفار، قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكو الدبرة، فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل؛ إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيال، فسمعت قائلاً: يقول: أقدم حيزوم. قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع فلبه فمات مكانه؛ وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق : " وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بنى مازن بن النجار، عن أبي داود المازني - وكان شهد بدراً - قال: إنى لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري.
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا محمد بن يحيى الإسكندراني عن العلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبي أمامة ابن سهبل بن حنيف، قال: قال لي أبي: يا بني، لقد رأيتنا يوم بدر؛ وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتبية، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس، قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمراً، ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر. وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، قال: قال محمد: وحدثني ثور بن زيد مولى بنى الديل، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، قالا: كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة يقول: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، أمر بأبي جهل أن يلتمس بالقتلى، وقال: اللهم لا يعجزنك، قال: فكان أول من لقى أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه.
فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه؛ فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا النواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها.
قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي؛ فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه؛ فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفى؛ فلما آدتني جعلت عليها رجلي، ثم تمطيت بها، حتى طرحتها.
قال: ثم عاش معاذ بعد ذلك، حتى كان في زمن عثمان بن عفان. قال : ثم مر بأبي جهل - وهو عقير - معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته؛ فتركه وبه رمق؛ وقاتل معوذ حتى قتل، فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني: انظروا إن خفى عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته؛ فإنى ازدحمت أنا وهو يوماً على مأدبة لعبد الله ابن جدعان؛ ونحن غلامان؛ وكنت أشف منه بيسير؛ فدفعته، فوقع على ركبتيه، فجحش في إحداهما جحشاً لم يزل أثره فيه بعد. قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: وقد كان ضبث بي مرة بمكة، فآذاني ولكزني. ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدو الله ! قال: وبما ذا أخزانمي ! أعمد من رجل قتلتموه ! أخبرني لمن الدبرة ؟ اليوم قال: قلت: لله ورسوله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق: وزعم رجال من بنى مخزوم أن ابن مسعود، كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعباً ! ثم احتززت رأسه؛ ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آلله الذي لا إله غيره ! - وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: قلت: نعم؛ والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فحمد الله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه؛ إلا ما كان من أمية بن خلف؛ فإنه انتفخ في درعه حتى ملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل فأقروه، وألقوا عليه ما غيبة من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب ، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ! فإنى وجدت ما وعدني ربي حقاً. فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوماً موتى ! قال: لقد علموا أن ما وعدتهم حق، قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد علموا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق.
قال: وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول من جوف الليل: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام - فعدد من كان معهم في القليب: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؛ فإنى قد وجدت ماو عدني ربي حقاً ! قال: المسلمون: يا رسول الله؛ أتنادي قوماً قد جيفوا ! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم؛ ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال هذه المقالة: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ! كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.
ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ؟ للمقالة التي قال: قال: ولما أمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - في أبي حذيفة بن عتبة؛ فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: يا أبا حذيفة؛ لعلك دخلك من شأن أبيك شيء ! - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: لا والله يا نبي الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه؛ ولكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً؛ فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام؛ فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، حزنني ذلك، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير، وقال له خيراً.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع؛ فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا؛ قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب، فقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونهم: لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم.
فقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو: والله ما أنتم بأحق به منا؛ لقد رأينا أن نقتل العدو إذ ولانا الله، ومنحنا أكتافهم؛ ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه؛ ولكن خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو، فقمنا دونه؛ فما أنتم بأحق به منا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدق، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت؛ حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء - يقول على السواء - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين.
قال: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيراً إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة.
قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عند عثمان بن عفان، كان رسوال الله صلى الله عليه وسلم خلفني عليها مع عثمان.
قال: ثم قدم زيد بن حارثة فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام، وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج.
قال: قلت: يا أبه أحقٌ هذا ! قال: نعم والله يا بنى. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً إلى المدينة؛ فاحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين، وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن زيد ابن عوف بن مبذول بن عمرو بن مازن بن النجار. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء، نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية - يقال له سير - إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء، واستقى له من ماء به يقال له الأرواق.
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا جاء بالروحاء، لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال سلمة بن سلامة بن وقش - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان: وما الذي تهنئون به ! فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبدن المعلقة، فنحرناها. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا بن أخي، أولئك الملأ قال: ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيراً، وكان من القتلى مثل ذلك - وفي الأسارى عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة - حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء، قتل النضر بن الحارث، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
حدثنا ابن حميد، قتال: حدثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحاق: كما حدثني بعض أهل العلم من أهل مكة؛ قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعرق الظبية، قتل عقبة بن أبي معيط، فقال حين أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل: فمن للصبية يا محمد ! قال: النار، قال: فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري، ثم أحد بنى عمرو بن عوف.
قال: كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرق ظبية حين قتل عقبة لقيه أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيساً، وكان قد تخلف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أبو هند امرؤٌ من الأنصار، فأنكحوه وأنكحوا إليه، ففعلوا.
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، قال: قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابنى عفراء - قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - قال: تقول سودة: والله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتى بهم، قالت: فرحت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قالت: فوالله ما ملكت نفسي حين رأت أبا يزيد كذلك أن قلت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متم كراماً ! فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت : يا سودة ، أعلى الله وعلى رسوله !قالت: قلت: يار سول الله؛ والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا زيد مجموعةً يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني نبيه بن وهب، أخو بنى عبد الدار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم في أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيراً - قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى - قال: فقال أبو عزيز: مر بي أخي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شد يديك به؛ فإن أمه ذات متاع، لعلها أن تفتديه منك.
قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر؛ فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحني بها. قال: فأستحي، فأردها على أحدهم فيردها على ما يمسها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله بن إياس ابن ضبيعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعي - قال أبو جعفر: وقال الواقدي: الحيسمان بن حابس الخزاعي - قالوا: ما وراءك ؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري بن هشام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج.
قال: فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر: والله إن يعقل هذا فسلوه عني، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال: هو ذاك جالساً في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلاً، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزاً.
قال: وكنت رجلاً ضعيفاً، وكنت أعمل القداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنى لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر، جتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري؛ فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. قال: فقال أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي، فعندك الخبر.
قال: فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال يا بن أخي؛ أخبرني؛ كيف كان أمر الناس ؟ قال: لا شيء؛ والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا ويأسرون كيف شاءوا؛ وايم الله مع ذلك ما لمت الناس؛ لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلقٍ بين السماء والأرض؛ ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال: فثاورته، فاحتملني، فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني - وكنت رجلاً ضعيفاً - فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فشجت في رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيده ! فقام مولياً ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله عز وجل بالعدسة فقتلته، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثاً ما يدفنانه حتى أنتن في بيته - وكانت قريش تتقي العدسة وعدوتها كما يتقى الناس الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ! ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه ! فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، قال: فانطلقا فأنا معكما، فما غسلوه إلا قذفاً بالماء عليه من بعيد، ما يمسونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن عبد الله ابن عباس، قال: لما أمسى القوم من يوم بدر، والأسارى محبوسون في الوثاق، بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساهراً أول ليلة، فقال له أصحابه: يا رسول الله، مالك لا تنام ! فقال: سمعت تضور العباس في وثاقه، قال: فقاموا إلى العباس فأطلقوه، فنام رسوال الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتبية بن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بنى سلمة، وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً، وكان العباس رجلاً جسيماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر ؟ فقال: يا رسول الله؛ لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده؛ هيئته كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أعانك عليه ملك كريم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمداً واصحابه، فيشمت بكم، ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم؛ لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء.
قال: وكان الأسود بن عبد المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الأسود؛ وعقيل بن الأسود، والحارث بن الأسود؛ وكان يجب أن يبكي على بنيه؛ فبينا هو كذلك؛ إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هلى أحل النحب ؟ هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلى أبكي على أبي حكيمة - يعنى زمعة - فإن جوفي قد احترق ! قال: فلما رجع إليه الغلام، قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته. قال: فذلك حين يقول:
أتبكي أن يضل لها بعيرٌ ... ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكرٍ ولكن ... على بدرٍ تقاصرت الجدود
على بدرٍ سراة بنى هصيصٍ ... ومخزومٍ ورهط أبي الوليد
وبكى إن بكيت على عقيلٍ ... وبكى حارثاً أسد الأسود
وبكيهم ولا تسمى جميعاً ... فما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجالٌ ... ولولا يوم بدرٍ لم يسودوا
قال: وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن له ابناً تاجراً كيساً ذا مال؛ وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه ! قال: فلما قالت قريش: لا تعجلوا في فداء أسرائكم لا يتأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى - : صدقتم، لا تعجلوا بفداء أسرائكم.
ثم انسل من الليل، فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، ثم انطلق به، ثم بعثت قريش في فداء الأسارى، فقدم مكرز بن حفص ابن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم، أخو بنى سالم بن عوف، وكان سهيل بن عمرو أعلم من شفته السفلى.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش بن علقمة، أخو بنى عامر بن لؤي، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله انتزع ثنيتي سهيل بن عمرو. السفليين يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً في موطنٍ أبداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أمثل به فيمثل الله بي؛ وإن كنت نبياً.
قال: وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث: إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه؛ فلما قاولهم فيه مكرز، وانتهى إلى رضاهم، قالوا: هات الذي لنا. قال: اجعلوا رجلي مكان رجله، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. قال: فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزاً مكانه عندهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب حين انتهى به إلى المدينة: يا عباس، افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم، أخا بنى الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال.
فقال: يا رسول الله، إني كنت مسلماً؛ ولكن القوم استكرهوني، فقال: الله أعلم بإسلامك؛ إن يكن ما تذكر حقاً فالله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافد نفسك - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب - فقال العباس: يا رسول الله، احسبها لي في فدائي، قال: لا؛ ذاك شيء أعطاناه الله عز وجل منك، قال: فإنه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث، ليس معكما أحد. ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا !. قال: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها؛ وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدى العباس نفسه وابنى أخيه وحليفه.
حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب - وكان لابنه عقبة بن أبي معيط - أسيراً في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسارى بدر، فقيل لأبي سفيان: افد عمراً، قال: أيجمع على دمي ومالي ! قتلوا حنظلة وأفدي عمراً! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينا هو كذلك محبوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج سعد بن النعمان بن أكال، أخو بنى عمرو بن عوف، ثم أحد بنى معاوية معتمراً، ومعه مرية له؛ وكان شيخاً كبيراً مسلماً في غنم له بالنقيع؛ فخرج من هنالك معتمراً؛ ولا يخشى الذي صنع به؛ لم يظن أنه يحبس بمكة؛ إنما جاء معتمراً؛ وقد عهد قريشاً لا تعترض لأحد حاجاً أو معتمراً إلا بخير؛ فعدا عليه أبو سفيان بن حرب، فحبسه بمكة بابنه عمرو بن أبي سفيان، ثم قال أبو سفيان :
أرهط ابن أكالٍ أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئامٌ أذلةٌ ... لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا
قال: فمشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأخبره خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا شيخهم؛ ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلى سبيل سعد.
قال: وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج ابنته زينب، وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارةً، وكان لهالة بنت خويلد وكانت خديجة خالته، فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها؛ وذلك قبل أن ينزل عليه، فزوجه؛ فكانت تعده بمنزلة ولدها؛ فلما أكرم الله عز وجل رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته، فصدقنه وشهدن أن ما جاء به هو الحق؛ ودن بدينه؛ وثبت أبو العاص على شركه.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رقية أو أم كلثوم؛ فلما بادى قريشاً بأمر الله عز وجل وباعدوه، قالوا: إنكم قد فرغتم محمداً من همه؛ فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن، فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع، فقالوا: فارق صاحبتك؛ ونحن نزوجك أي امرأة شئت من قريش، قال: لا ها الله إذاً؛ لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثنى عليه في صهره خيراً - فيما بلغني.
قال: ثم مشوا إلى الفاسق ابن الفاسق، عتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلق ابنه محمد ونحن نزوجك أي امراة من قريش شئت؛ فقال: إن زوجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها. فزوجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن عدو الله دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها، وهواناً له؛ فخلف عليها عثمان بن عفان بعده؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوباً على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع؛ إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما؛ فأقامت معه على إسلامهم وهو على شركه؛ حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع؛ فأصيب في الأسارى يوم بدر، وكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها.
قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه - أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن يخلى سبيل زينب إليه، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه؛ ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعلم ما هو ! إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثه ورجلا من الأنصار مكانه، فقال: كونا ببطن يأجج؛ حتى تمر بكما زينب فتصحباها، حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما؛ وذلك بعد بدر بشهر أو شيعة. فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها؛ فخرجت تجهز.
فحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثت عن زينب أنها قالت: بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي، لقيتني هند بنت عتبة، فقالت: أي ابنة محمد؛ ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ! قالت: فقلت: ما أردت ذلك، قالت: أي ابنة عمي، لا تفعلي؛ إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك، أو بمال تبلغين به إلى أبيك، فإن عندي حاجتك فلا تضطني منى؛ فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال. قالت: ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل. قالت: ولكني خفتها، فأنكرت أن اكون أريد ذلك، وتجهزت.
فلما فرغت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيراً فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها، وهي في هودج لها. وتحدث بذلك رجال قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ونافع بن عبد القيس، والفهري. فروعها هبار بالرمح وهي في هودجها - وكانت المرأة حاملاً؛ فيما يزعمون - فلما رجعت طرحت ذا بطنها، وبرك حموها، ونثر كنانته ثم قال: والله لا يدنوا مني رجلٌ إلا وضعت فيه سهماً، فتكركر الناس عنه؛ وأتاه أبو سفيان في جلة قريش، فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك، فكف. فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الرجال علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرج بابنته علانيةً من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا، ونكبتنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعفٌ ووهنٌ؛ لعمري ما لنا حاجة في حبسها عن أبيها، وما لنا في ذلك من ثؤرة؛ ولكن أرجع المرأة، فإذا هدأ الصوت، وتحدث الناس أنا قد رددناها؛ فسلها سراً فألحقها بأبيها. ففعل حتى إذا هدأ الصوت خرج بها ليلا؛ حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فأقام أبو العاص بمكة، وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قد فرق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج تاجراً إلى الشأم - وكان رجلا مأمونا بمال له، وأموال رجال من قريش أبضعوها معه - فلما فرغ من تجارته - وأقبل قافلاً؛ لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابوا ما معه، وأعجزهم هرباً، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل؛ حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستجار بها، فأجارته في طلب ماله، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح - فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كما حدثني يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس معه، صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة، أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت ! قالوا: نعم، قال: أما والذي نفس محمد بيده، ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم؛ إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على ابنته، فقال: أي بنية أكرمى مثواه ولا يخلص إليك، فإنك لا تحلين له.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص، فقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً، فإن تحسنوا تردوا عليه الذي له؛ فإنا نحب ذلك؛ وإن أبيتم فهو فئ الله الذي افاءه عليكم؛ فأنتم أحق به. قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه ! قل: فردوا عليه ماله حتى إن الرجل ليأتي بالحبل، ويأتي الرجل بالشنة والإداوة؛ حتى إن أحدهم ليأتي بالشظاظ؛ حتى ردوا عليه ماله بأسره؛ لا يفقد منه شيئاً.
ثم احتمل إلى مكة، فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان أبضع معه، ثم قال: يا معشر قريش؛ هل بقى لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا: لا فجزاك الله خيراً؛ فقد وجدناك وفياً كريماً، قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أكل أموالكم؛ فلما أداها الله إليكم، وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئاً بعد ست سنين.
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير في الحجر - وكان عمير بن وهب شيطاناً من شياطين قريش، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه عناء وهم بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر - فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن في العيش خير بعدهم، فقال عمير: صدقت والله ! أما والله لولا دين على ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علةً؛ ابنى أسير في أيديهم.
فاغتنمها صفوان بن أمية، فقال: على دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعنى شيء ويعجز عنهم، قال عمير: فاكتم على شأني وشأنك: قال: أفعل.
قال: ثم إن عميراً أمر بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله عز وجل به، وما أراهم في عدوهم؛ إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ بعيره على باب المسجد، متوشحاً السيف، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر ! وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحاً سيفه، قال: فأدخله علي.
قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفة في عنقه، فلببه بها، وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا هذا الخبيث عليه، فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه، قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال: أنعموا صباحاً - وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك بيا عمير؛ بالسلام تحية أهل الجنة، قال: أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد بها. قال: ما جاء بك يا عمير ؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم، فأحسنوا فيه. قال: فمال بال السيف في عنقك ! قال: قبحها الله من سيوف ! وهل أغنت شيئاً ! قال: اصدقني بالذي جئت له، قال: ما جئت إلا لذلك، فقال: بلى، قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيالي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك، على أن تقتلني له. والله عز وجل حائلٌ بينى وبينك. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله؛ قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي؛ وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وضفوان؛ فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله؛ فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق. ثم تشهد شهادة الحق؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلموه القرآن، وأطلقوا له أسيره.
قال: ففعلوا، ثم قال: يا رسول الله: إني كنت جاهداً في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله؛ وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام؛ لعل الله أن يهديهم ! وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم.
قال: فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعةٍ تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان؛ حتى قدم راكبٌ فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكلمه أبداً ولا ينفعه بنفع أبداً. فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذى من خالفه أذىً شديداً فأسلم على يديه أناس كثير.
فلما انقضى أمر بدر، أنزل الله عز وجل فيه من القرآن الأنفال بأسرها.
حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا أبو زميل، قال: حدثني عبد الله بن عباس؛ حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم بدر التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلاً، وأسر سبعون رجلاً، فلما كان يومئذ شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلياً وعمر، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فإنى أرى أن تأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذنا منهم قوة، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب ؟ قال: قلت: لا والله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخ له فيضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للكفار؛ هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم.
قال: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت أنا، فأخذ منهم الفداء، فلما كان الغد قال عمر: غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعدٌ وأبو بكر، وإذا هما يبكيان، قال: قلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للذي عرض علي أصحابك من الفداء. لقد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله عز وجل: " ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله: " فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ " ؛ ثم أحل لهم الغنائم.
فلما كان من العام القابل في أحد عوقبوا بما صنعوا، قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعون، وأسر سبعون، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصعدوا الجبل، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: " أو لما أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا " إلى قوله: إن الله على كل شيء قديرٌ " ، ونزلت هذه الآية الأخرى: " إذ تصعدون ولا تلوون على أحدٍ والرسول يدعوكم في أخراكم " إلى قوله: " من بعد الغم أمنةً " .
حدثني سلم بن جنادة، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لما كان يوم بدر، وجيء بالأسرى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقولون في هؤلاء الأسرى ؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، واستبقهم واستأنهم؛ لعل الله أن يتوب عليهم.
وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدمهم فضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً. قال: فقال له العباس: قطعتك رحمك ! قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله، فقال: إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن؛ وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة؛ وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: " فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفورٌ رحيمٌ " ، ومثلك يا أبا بكر، مثل عيسى، قال: " إن تعذبهم فهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: " رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً " ، ومثلك كمثل موسى، قال: " ربنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم اليوم عالةٌ فلا يفلتن منهم أحدٌ إ لا بفداء أو ضرب عنق؛ قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء. فإنى سمعته يذكر الإسلام.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على الحجارة من السماء منى في ذلك اليوم؛ حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إلا سهيل بن بيضاء " قال: فأنزل الله عز وجل: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ... " إلى آخر الآيات الثلاث.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: لما نزلت - يعني هذه الآية: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نزل عذابٌ من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبي الله، كان الإثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال.
قال أبو جعفر: وكان جميع من شهد بدراً من المهاجرين، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ثلاثةً وثمانين رجلاً في قول ابن إسحاق.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه: وجميع من شهد من الأوس معه ومن ضرب له بسهمه واحدٌ وستون رجلاً. وجميع من شهد معه من الخزرج مائة وسبعون رجلاً في قول ابن إسحاق، وجميع من استشهد من المسلمين يومئذ أربعةً عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
وكان المشركون - فيما زعم الواقدي - تسعمائة وخمسين مقاتلاً؛ وكانت خيلهم مائة فرس.
ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ جماعة استصغرهم - فيما زعم الواقدي - فمنهم فيما زعم عبد الله بن عمر، ورافع بن خديج، والبراء ابن عازب، وزيد بن ثابت، وأسيد بن ظهير، وعمير بن أبي وقاص ثم أجاز عميراً بعد أن رده فقتل يومئذ.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث قبل أن يخرج من المدينة طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، إلى طريق الشأم يتحسسان الأخبار عن العير، ثم رجعا إلى المدينة، فقدماها يوم وقعة بدر، فاستقبلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربان؛ وهو منحدرٌ من بدر يريد المدينة.
قال الواقدي: كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة في ثلثمائة رجل وخمسة، وكان المهاجرون أربعةً وسبعين رجلاً، وسائرهم من الأنصار، وضرب لثمانية بأجورهم وسهمانهم: ثلاثة من المهاجرين؛ أحدهم عثمان بن عفان كان تخلف على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، كان بعثهما يتحسسان الخبر عن العير، وخمسة من الأنصار: أبو لبابة بشير بن عبد المنذر؛ خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي بن العجلان؛ خلفه على العالية، والحارث بن حاطب؛ رده من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث ابن الصمة؛ كسر بالروحاء؛ وهو من بنى مالك بن النجار، وخوات بن جبير، كسر من بني عمرو بن عوف. قال: وكانت الإبل سبعين بعيراً، والخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد.
قال أبو جعفر: وروى عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ورئى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر المشركين يوم بدر مصلتاً السيف، يتلو هذه الآية: " سيهزم الجمع ويولون الدبر " .
قال: وفي غزوة بدر انتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار، وكان لمنبه بن الحجاج.
قال: وفيها غنم جمل أبي جهل؛ وكان مهرياً يغزو عليه ويضرب في لقاحه.
قال أبو جعفر: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، منصرفة من بدر، وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودها؛ على أن لا يعينوا عليه أحداً؛ وأنه إن دهمه بها عدوٌ نصروه. فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ببدر من مشركي قريش، أظهروا له الحسد والبغي، وقالوا: لم يلق محمدٌ من يحسن القتال؛ ولو لقينا لاقى عندنا قتالاً لا يشبهه قتال أحد؛ وأظهروا نقض العهد.
غزوة بني قينقاعفحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان من أمر بني قينقاع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال يا معشر اليهود، احذروا من الله عز وجل مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا؛ فإنكم قد عرفتم أني نبيٌ مرسل تجدون ذلك في كتابكم؛ وفي عهد الله إليكم. قالوا: يا محمد؛ إنك ترى أنا كقومك ! لا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة؛ إنا والله حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد.
فحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر: عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني القينقاع كانت في شوال من السنة الثانية من الهجرة.
قال الزهري عن عروة: نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليهما وسلم بهذه الآية: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " ، فلما فرغ جبريل عليه السلام من هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخاف من بني قينقاع، قال عروة: فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية.
قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد. ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتفوا وهو يريد قتلهم، فكلمة فيهم عبد الله بن أبي.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فأدخل يده في جيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا في وجهه ظلالاً - يعني تلوناً - ثم قال: ويحك أرسلني ! قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن إلى موالي. أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر؛ تحصدهم في غداة واحدة ! وإني والله لا آمن وأخشى الدوائر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك.
قال أبو جعفر: وقال محمد بن عمر في حديثه عن محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم ! فأرسلوهم. ثم أمر بإجلائهم، وغنم الله عز وجل رسوله والمسلمين ما كان لهم من مال - ولم تكن لهم أرضون؛ إنما كانوا صاغةً - فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم سلاحاً كثيراً وآلة صياغتهم؛ وكان الذي ولى إخراجهم من المدينة بذراريهم عبادة بن الصامت، فمضى بهم حتى بلغ بهم دباب؛ وهو يقول: الشرف الأبعد، الأقصى فالأقصى ! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر.
قال أبو جعفر: وفيها كان أول خمس خمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام؛ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه والخمس وسهمه، وفض أربعة أخماس على أصحابه، فكان أول خمسٍ قبضه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قنيقناع لواءً أبيض، مع حمزة بن عبد المطلب، ولم تكن يومئذ رايات. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وحضرت الأضحى؛ فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى وأهل اليسر من أصحابه، يوم العاشر من ذي الحجة، وخرج بالناس إلى المصلى فصلى بهم، فذلك أول صلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس بالمدينة بالمصلى في عيد، وذبح فيه بالمصلى بيده شاتين - وقيل ذبح شاة.
قال الواقدي: حدثني محمد بن الفضل، من ولد رافع بن خديج، عن أبي مبشر، قال: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: لما رجعنا من بني قنينقاع ضحينا في ذي الحجة صبيحة عشر، وكان أول أضحى رآه المسلمون، وذبحنا في بني سلمة فعدت في بني سلمة سبع عشرة أضحية.
قال أبو جعفر ، وأما ابن إسحاق فلم يوقت لغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي غزاها بني قنينقاع وقتاً، غير أنه قال: كان ذلك بين غزوة السويق وخروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يريد غزوة قريش؛ حتى بلغ بني سليم وبحران، معدناً بالحجاز من ناحية الفرع.
وأما بعضهم، فإنه قال: كان بين غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً الأولى وغزوة بني قنينقاع ثلاث غزوات وسرية أسراها. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما غزاهم لتسع ليال خلون من صفر من سنة ثلاث من الهجرة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بعد ما انصرف من بدر، وكان رجوعه إلى المدينة يوم الأربعاء لثماني ليالٍ بقين من رمضان، وأنه أقام بها بقية رمضان. ثم غزا قرقرة الكدر حين بلغه اجتماع بني سليم وغطفان؛ فخرج من المدينة يوم الجمعة بعد ما ارتفعت الشمس، غرة شوال من السنة الثانية من الهجرة إليها.
وأما ابن حميد، فحدثنا عن سلمة ،عن ابن إسحاق، أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة، وكان فراغه من بدر في عقب شهر رمضان - أو في أول شوال - لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال؛ حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، حتى بلغ ماء من مياههم؛ يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش.
وأما الواقدي، فزعم أن غزوة النبي صلى الله عليه وسلم الكدر كانت في المحرم من سنة ثلاث من الهجرة، وأن لواءه كان يحمله فيها علي بن أبي طالب؛ وأنه استخلف فيها ابن أم مكتوم المعيصي على المدينة.
وقال بعضهم: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر إلى المدينة، وقد ساق النعم والرعاء ولم يلق كيداً. وكان قدومه منها - فيما زعم - لعشر خلون من شوال، بعث غالب بن عبد الله الليثي يوم الأحد لعشر ليال مضين من شوال إلى بني سليم وغطفان في سرية، فقتلوا فيهم، وأخذوا النعم، وانصرفوا إلى المدينة بالغنيمة يوم السيت، لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال، واستشهد من المسلمين ثلاثة نفر، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة إلى ذي الحجة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا يوم الأحد لسبع ليال بقين من ذي الحجة غزوة السويق.
غزوة السويق
قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر إلى المدينة، أقام بها بقية شوال من سنة اثنين من الهجرة، وذا القعدة. ثم غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق في ذي الحجة. قال: وولى تلك الحجة المشركون من تلك السنة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم، عن عبيد الله ابن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - قال: كان أبو سفيان بن حرب حين رجع إلى مكة، ورجع فل قريش إلى مكة من بدر، نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمداً. فخرج في مائتي راكب من قريش، ليبر يمينه، فسلك النجدية حتى نزل بصدور قناة إلى جبل يقال له تبت، من المدينة على بريد أو نحوه. ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل، فأتى حيى بن أخطب، فضرب عليه، بابه فأبى أن يفتح له وخافه، فأبى فانصرف إلى سلام بن مشكم - وكان سيد النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم - فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه، وبطن له خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته، حتى جاء أصحابه، فبعث رجالاً من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها يقال لها العريض، فحرقوا في أصوار، من نخل لها؛ ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين؛ ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم، حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعاً، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، وقد رأوا من مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث؛ يتخففون منه للنجاة. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنطمع أن تكون لنا غزوة ؟ قال: نعم.
وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز خارجاً من مكة إلى المدينة أبياتاً من شعر يحرض قريشاً:
كروا على يثربٍ وجمعهم ... فإن ما جمعوا لكم نقل
إن يك يوم القليب كان لهم ... فإن ما بعده لكم دول
آليت لا أقرب النساء ولا ... يمس رأسي وجلدي الغسل
حتى تبيروا قبائل الأوس وال ... خزرج، إن الفؤاد مشتعل
فأجابه كعب بن مالك:
تلهف أم المسبحين على ... جيش ابن حربٍ بالحرة الفشل
إذ يطرحون الرجال من سئم الطير ... ترقى لقنة الجبل
جاءوا بجمعٍ لو قيس مبركه ... كا كان إلا كمفحص الدئل
عارٍ من النصر والثراء ومن ... أبطال أهل البطحاء والأسل
وأما الواقدي فزعم أن غزوة السويق كانت في ذي القعدة من سنة اثنتين من الهجرة. قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي رجل من أصحابه من المهاجرين والأنصار. ثم ذكر من قصة أبي سفيان نحواً مما ذكره ابن إسحاق، غير أنه قال: فمر - يعنى أبا سفيان - بالعريض، برجل معه أجير له يقال له معبد بن عمرو، فقتلهما وحرق أبياتاً هناك وتبناً، ورأى أن يمينه قد حلت، وجاء الصريخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستنفر الناس، فخرجوا في أثره فأعجزهم. قال: وكان أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب الدقيق ويتخففون، وكان ذلك عامة زادهم؛ فلذلك سميت غزوة السويق.
وقال الواقدي: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة ابن عبد المنذر.
قال أبو جعفر: ومات في هذه السنة - أعنى سنة اثنتين من الهجرة - في ذي الحجة عثمان بن مظعون، فدفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وجعل عند رأسه حجراً علامة لقبره.
وقيل: إن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ولد في هذه السنة.
قال أبو جعفر: وأما الواقدي، فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر، أن علي بن أبي طالب عليه السلام بنى بفاطمة عليها السلام في ذي الحجة، على رأس اثنين وعشرين شهراً.
قال أبو جعفر: فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول باطل.
وقيل: إن هذه السنة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل فكان معلقاً بسيفه.
ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة
غزوة ذي أمر
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، أو قريباً منه، ثم غزا نجدا يريد غطفان؛ وهي غزوة ذي أمر، فأقام بنجد صفراً كله أو قريباً من ذلك. ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، فلبث بها شهر ربيع الأول كله إلا قليلاً منه.
ثم غزا يريد قريشاً وبني سليم، حتى بلغ بحران معدناً بالحجاز من ناحية الفرع فأقام بها شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً.
خبر كعب بن الأشرفقال أبو جعفر: وفي هذه السنة سرى النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى كعب بن الأشرف؛ فزعم الواقدي أن النبي وجه من وجه إليه في شهر ربيع الأول من هذه السنة.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من حديث ابن الأشرف أنه لما أصيب أصحاب بدر؛ وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين، بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه وقتل من قتل من المشركين؛ كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث ابن أبي بردة بن أسير الظفري، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قال: كل قد حدثني بعض حديثه، قال: قال كعب بن الأشرف - وكان رجلاً من طيء، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير؛ فقال حين بلغه الخبر: ويلكم أحقٌ هذا ! أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان - يعني زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ؟ وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس. والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لنا من ظهرها.
فلما تيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، فأنزلته وأكرمته؛ وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القليب الذين أصيبوا ببدر من قريش. ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبب بأم الفضل بنت الحارث، فقال:
أراحلٌ أنت لم تحلل بمنقبةٍ ... وتاركٌ أنت أم الفضل بالحرم !
صفراء رداعةٌ لو تعصر انعصرت ... من ذي القوارير والحناء والكتم
يرتج ما بين كعبيها ومرفقها ... إذا تأتت قياماً ثم لم تقم
أشباه أم حكيمٍ إذ تواصلنا ... والحبل منها متينٌ غير منجذم
إحدى بني عامر جن الفؤاد بها ... ولو تشاء شفت كعباً من السقم
فرع النساء وفرع القوم والدها ... أهل التحلة والإيفاء بالذمم
لم أر شمساً بليلٍ قبلها طلعت ... حتى تجلت لنا في ليلة الظلم
ثم شبب بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بردة: من لى من ابن الأشرف ! قال: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك، فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب. إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب ؟ قال: يا رسول الله، قلت قولا لا أدري أفي به أم لا ! قال: إنما عليك الجهد، قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حل من ذلك ! قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش - وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب من الرضاعة - وعباد ابن بشر بن وقش، أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عبس بن جبر، أخو بني حارثة.
ثم قدموا إلى ابن الأشرف قبل أن يأتوه سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدا شعراً - وكان أبو نائلة يقول الشعر - ثم قال: ويحك يا بن الأشرف ! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك؛ فاكتم علي، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل بلاءً علينا عادتنا العرب ورمونا عن قوسٍ واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ! فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول، فقال سلكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثق لك، وتحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم ! فقال: لقد أردت أن تفضحنا ! إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه لك وفاء - وأراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاءوا بها - فقال: إن في الحلقة لوفاء، قال: فرجع سلكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: فحدثني ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في ليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة - وكان حديث عهد بعرس - فوثب في ملحفته؛ فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محاربٌ؛ وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة؛ لو وجدني نائماً لما أيقظني، قالت: والله إني لأعرف في صوته الشر. قال: يقول لها كعب: لو دعى الفتى لطعنة أجاب؛ فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا له: هل لك يا بن الأشرف، أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ! قال: إن شئتم ! فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه، ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيب عطرٍ قط. ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأن ثم مشى ساعة، فعاد لمثلها، فأخذ بفودى رأسه، ثم قال: اضربوا عدو الله؛ فاختلف عليه أسيافهم، فلم تغن شيئاً.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولاً في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئاً، فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصنٌ إلا أوقدت عليه نار. قال: فوضعته في ثندؤته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، ووقع عدو الله، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ بجرح في رأسه أو رجله، أصابه بعض أسيافنا.
قال: فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا. قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدو الله، وتفل على جرح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله - وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من محيصة - فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله ! قتلته ! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله ! قال محيصة: فقلت له: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك. قال: فوالله إن كان لأول إسلام حويصة، وقال: لو أمرك محمد بقتلى لقتلتني ! قال: نعم والله، لو أمرني بقتلك لضربت عنقك. قال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب! فأسلم حويصة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق. قال: حدثني هذا الحديث مولى لبني حارثة، عن ابنة محيصة، عن أبيها.
قال أبو جعفر: وزعم الواقدي أنهم جاءوا برأس ابن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وزعم الواقدي أن في ربيع الأول من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدخلت عليه في جمادى الآخرة، وأن في ربيع الأول من هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة أنمار - ويقال لها: ذو أمر - وقد ذكرنا قول ابن إسحاق في ذلك قبل.
قال الواقدي: وفيها ولد السائب بن يزيد ابن أخت النمر.
غزوة القردةقال الواقدي: وفي جمادى الآخرة من هذه السنة، كانت غزوة القردة وكان أميرهم - فيما ذكر - زيد بن حارثة، قال: وهي أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميراً.
قال أبو جعفر: وكان من أمرها ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سرية زيد بن حارثة التي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حين أصاب عير قريش، فيها أبو سفيان بن حرب، على القردة، ماء من مياه نجد. قال: وكان في حديثها أن قريشاً قد كانت خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة؛ وهي عظم تجارتهم، واستأجروا رجلاً من بكر بن وائل يقال له فرات بن حيان، يدلهم على ذلك الطريق، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو جعفر: وأما الواقدي، فزعم أن سبب هذه الغزوة كان أن قريشاً قالت: قد عور علينا محمد متجرنا وهو على طريقنا. وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رءوس أموالنا. قال أبو زمعة بن الأسود: فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية، لو سلكها مغمض العينين لا هتدى. قال صفوان: من هو ؟ فحاجتنا إلى الماء قليل؛ إنما نحن شاتون. قال: فرات بن حيان؛ فدعواه فاستأجراه؛ فخرج بهم في الشتاء، فسلك بهم على ذات عرق، ثم خرج بهم على غمرة، وانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر العير وفيها مال كثير، وآنية من فضة حملها صفوان بن أمية؛ فخرج زيد بن حارثة، فاعترضها، فظفر بالعير، وافلت أعيان القوم؛ فكان الخمس عشرين ألفاً، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم الأربعة الأخماس على السرية، وأتى بفرات بن حيان العجلي أسيراً، فقيل: إن أسلمت لم يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم، فأرسله.
مقتل أبي رافع اليهوديقال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان مقتل أبي رافع اليهودي - فيما قيل - وكان سبب قتله، أنه كان - فيما ذكر عنه - يظاهر كعب بن الأشرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجه إليه - فيما ذكر - رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبد الله بن عتيك، فحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثني إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي - وكان بأرض الحجاز - رجالاً من الأنصار، وأمر عليهم عبد الله بن عقبة - أو عبد الله بن عتيك - وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغي عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال لهم عبد الله بن عقبة - أو عبد الله بن عتيك: اجلسوا مكانكم، فإني أنطلق وأتلطف للبواب، لعلي أدخل ! قال: فأقبل حتى إذا دنا من الباب، تقنع بثوبه؛ كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب. يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب.
قال: فدخلت فكمنت تحت آري حمار؛ فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأقاليد على ود. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده في علالى؛ فلما ذهب عنه أهل سمره، فصعدت إليه فجعلت كلما فتحت باباً أغلقته علي من داخل. قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله. قال: فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله؛ لا أدري أين هو من البيت ! قلت: أبا رافع ! قال: من هذا ؟ قال: فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش فما أغنى شيئاً وصاح؛ فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد. ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ قال: لأمك الويل ! إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه فأثخنه ولم أقتله. قال: ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه، حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أنى قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً فباباً، حتى انتهيت إلى درجة؛ فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض؛ فوقعت في ليلة مقمرة؛ فانكسرت ساقي، قال: فعصبتها بعمامتي، ثم إني انطلقت حتى جلست عند الباب، فقلت: والله لا أبرح الليلة حتى أعلم: أقتلته أم لا ؟ قال: فلما صاح الديك، قام الناعي عليه على السور، فقال: أنعي أبا رافع رباح أهل الحجاز ! قال: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء ! قد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته فقال: ابسط رجلك، فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قط.
قال أبو جعفر: وأما الواقدي؛ فإنه زعم أن هذه السرية التي وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق إنما وجهها إليه في ذي الحجة من سنة أربع من الهجرة، وأن الذين توجهوا إليه فقتلوه، كانوا أبا قتادة، وعبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، والأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس .
وأما ابن إسحاق، فإنه قص من قصة هذه السرية ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه، كان سلام بن أي الحقيق - وهو أبو رافع - ممن كان حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق؛ وهو بخيبر، فأذن لهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن محمد مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار: الأوس والخزرج؛ كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين؛ لاتصنع الأوس شيئاً فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام؛ فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها. قال: وإذا فعلت الخزرج شيئاً، قالت الأوس مثل ذلك.
فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت الخزرج: لا يذهبون فيها فضلاً علينا أبداً. قال: فتذاكروا: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف ! فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر؛ فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم؛ فخرج إليه من الخزرج ثم من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن الأسود؛ حليف لهم من أسلم؛ فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة.
فخرجوا حتى قدموا خيبر؛ فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلاً؛ فلم يدعوا بيتاً في الدار إلا أغلقوه من خلفهم على أهله، وكان في علية له إليها عجلة رومية، فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم ؟ فقالوا: نفرٌ من العرب نلتمس الميرة، قالت: ذاك صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة، وتخوفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته، ونوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا؛ والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه؛ كأنه قبطية ملقاة. قال: ولما صاحت بنا امرأته، جعل الرجل منا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكف يده؛ ولولا ذاك فرغنا منها بليلٍ، فلما ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني ! قال: ثم خرجنا، وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر؛ فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثئاً شديداً واحتملناه حتى نأتي به منهراً من عيونهم، فندخل فيه. قال: وأوقدوا النيران، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا؛ حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه؛ وهو يقضي بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات ! فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس، قال فوجدته ورجال يهود عنده، وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه. ثم قالت تحدثهم وتقول: أما والله لقد عرفت صوت ابن عتيك؛ ثم أكذبت، فقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد ! ثم أقبلت عليه لتنظر في وجهه. ثم قالت: فاظ وإله اليهود !قال: يقول صباحنا؛ فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله؛ وكلنا يدعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاتوا أسيافكم، فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. فقال حسان بن ثابت؛ وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلام ابن أبي الحقيق:
لله در عصابةٍ لاقيتهم ... يا بن الحقيق وأنت يابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحاً كأسدٍ في عرينٍ مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفاً ببيض ذفف
مستبصرين لنصر دين نبيهم ... مستضعفين لكل أمرٍ مجحف
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي وعباس بن عبد العظيم العنبري، قالا: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن أباه حدثه عن أمه ابنة عبد الله بن أنيس، أنها حدثته عن عبد الله بن أنيس، أن الرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة، وحليف لهم، ورجل من الأنصار؛ وأنهم قدموا خيبر ليلاً.
قال: فعمدنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج، ونأخذ المفاتيح، حتى أغلقنا عليهم أبوابهم، ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير، ثم جئنا إلى المشربة التي فيهخ ابن أبي الحقيق، فظهرت عليها أنا وعبد الله بن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط، فاستأذن عبد الله بن عتيك؛ فقالت امرأة ابن أبي الحقيق: إن هذا لصوت عبد الله بن عتيك. قال ابن أبي الحقيق: ثكلتك أمك !عبد الله بن عتيك بيثرب؛ أين هو عندك هذه الساعة ! افتحي لي؛ إن الكريم لا يرد عن بابه هذه الساعة .فقامت ففتحت. فدخلت أنا وعبد الله على ابن أبي الحقيق ، فقال عبد الله بن عتيك: دونك، قال: فشهرت عليها السيف، فأذهب لأضربها بالسيف فأذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان، فأكف عنها، فدخل عبد الله بن عتيك على ابن أبي الحقيق. قال: فأنظر إليه في مشربة مظلمة إلى شدة بياضه، فلما رآني ورآى السيف، أخذ الوسادة فاتقاني بها، فأذهب لأضربه فلا أستطيع، فوخزته بالسيف وخزاً.
ثم خرج إلى عبد الله بن أنيس ، فقال: أقتله ؟ قال: نعم، فدخل عبد الله بن أنيس فذفف عليه. قال: ثم خرجت إلى عبد الله بن عتيك؛ فانطلقنا، وصاحت المرأة: وابياتاه وابياتاه ! قال: فسقط عبد الله بن عتيك في الدرجة، فقال: وارجلاه وارجلاه ! فاحتمله عبد الله بن أنيس؛ حتى وضعه إلى الأرض. قال :قلت: انطلق ليس برجلك بأس. قال: فانطلقنا، قال عبد الله بن أنيس: جئنا أصحابنا فانطلقنا، ثم ذكرت قوسي أنى تركتها في الدرجة؛ فرجعت إلى قوسي؛ فإذا أهل خيبر يموج بعضهم في بعض؛ ليس لهم كلام إلا من قتل ابن أبي الحقيق ؟ من قتل ابن أبي الحقيق ؟ قال: فجعلت لا أنظر في وجهي إنسان، ولا ينظر في وجه إنسان إلا قلت: من قتل ابن أبي الحقيق ؟ قال: ثم صعدت الدرجة؛ والناس يظهرون فيها؛ وينزلون؛ فأخذت قوسي من مكانها، ثم ذهبت فأدركت أصحابي، فكنا نكمن النهار ونسير الليل؛ فإذا كمنا بالنهار أقعدنا منا ناطوراً ينظر لنا؛ فإن رأى شيئاً أشار إلينا؛ فانطلقنا حتى إذا كنا بالبيضاء كنت - قال موسى : أنا ناطرهم ، وقال عباس : كنت أنا ناطرهم - فأشرت إليهم فذهبوا جمزاً وخرجت في آثارهم ، حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم، قالوا: ما شأنك ؟ هل رأيت شيئاً ؟ قلت: لا، إلا أني قد عرفت أن قد بلغكم الإعياء والوصب، فأحببت أن يحملكم الفزع.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ينت عمر في شعبان؛ وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي في الجاهلية، فتوفي عنها.
وفيها كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً؛ وكانت في شوال يوم السبت لسبع ليالٍ خلون منه - فيما قيل - من سنة ثلاث من الهجرة.
غزوة أحدقال أبو جعفر: وكان الذي هاج غزوة أحد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش وقعة بدر وقتل من قتل ببدر من أشراف قريش ورءوسائهم؛ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين ابن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا؛ كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت من الحديث عن يوم أحد، قالوا: لما أصيبت قريش - أو من قاله منهم - يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب، فرجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر؛ فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه؛ لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا، ففعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه سلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة؛ وكل أولئك قد استعووا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وكان فقيراً ذا بنات، وكان في الأسارى، فقال: يا رسول الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن علي صلى الله عليك! فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان ابن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤٌ شاعرٌ، فاعنا بلسانك، فأخرج معنا. فقال: إن محمداً قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه، فقال: بلى فأعنا بنفسك، فلك الله إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة، ويدعو بنى كنانة. وخرج مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح؛ إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا جبير بن مطعم غلاماً له يقال له وحشى، كان حبشياً يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها. فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت عم محمد بعمى طعيمة بن عدي فأنت عتيقٌ.
فخرجت قريش بحدها وجدها وأحابيشها، ومن معها من بنى كنانة وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة؛ ولئلا يفروا. فخرج أبو سفيان بن حرب - وهو قائد الناس، معه هند بنت عتبة ابن ربيعة - وخرج عكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية بن خلف ببرزة - قال أبو جعفر: وقيل ببرة - بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية؛ وهي أم عبد الله ابن صفوان - وخرج عمرو بن العاص بن وائل بريطة بنت منبه بن الحجاج، وهي أم عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرج طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بسلافة بنت سعد بن شهيد - وهي أم بني طلحة مسافع والجلاس وكلاب؛ قتلوا يومئذ وأبوهم - وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك ابن حسل، مع ابنها أبي عزيز بن عمير وهي أم مصعب بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة؛ وكانت هند بن عتبة بن ربيعة كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت: إيهٍ أبا دسمة ! اشف واشتف - وكان وحشي يكنى أبا دسمة. فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة؛ من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني قد رأيت بقرأ فأولتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أنى أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة؛ فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا؛ فإن أقاموا أقاموا بشر مقام؛ وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها.
ونزلت قريش منزلها من أحد يوم الأربعاء. فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة. وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد. فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال؛ وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: ألا يخرج إليهم؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضوره: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم؛ فوالله ما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله؛ فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس؛ وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا.
فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم؛ حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لأمته؛ وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النجار، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لنا.
قال أبو جعفر: وأما السدي؛ فإنه قال في ذلك غير هذا القول؛ ولكنه قال ما حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحداً، قال لأصحابه: أشيروا علي ما أصنع ! فقالوا: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب، فقالت الأنصار: يا رسول الله، ما غلبنا عدوٌ قط أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا ! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول - ولم يدعه قط قبلها - فاستشاره، فقال: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقة، فأتاه النعمان بن مالك الأنصاري، فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة؛ فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة، فقال له: بم ؟ قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأني لا أفر من الزحف. قال: صدقت، فقتل يومئذ.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا ! نشير على رسول الله والوحي يأتيه ! فقاموا فاعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل؛ وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرج رجع عبد الله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم؛ فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا، ولئن أطعتنا لترجعن معنا؛ قال الله عز وجل: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " ، فهم بنو سلمة وبنو حارثة، هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله عز وجل، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: قال: قالوا: لما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله؛ استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل؛ فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه؛ حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة أنخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، فقال: أطاعهم فخرج وعصاني؛ والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس ! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند ما حضر من عدوهم ! قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم؛ ولكنا لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبو إلا الانصراف عنه ، قال: أبعدكم الله أعداء الله ! فسيغني الله عنكم ! قال أبو جعفر: قال محمد بن عمر الواقدي: انخزل عبد الله بن أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين بثلثمائة، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة، وكان المشركون ثلاثة آلاف، والخيل مائتي فرس، والظعن خمس عشرة امرأة.
قال: وكان المشركين سبعمائة دارع؛ كان في المسلمين مائة دارع؛ ولم يكم معهم من الخيل إلا فرسان: فرسٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرس لأبي بردة بن نيار الحارثي. فأدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين حين طلعت الحمراء - وهما أطمان، كان يهودي ويهودية أعميان يقومان عليهما؛ فيتحدثان فلذلك، سميا الشيخين، وهو في طرف المدينة - قال: وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلة بالشيخين بعد المغرب؛ فأجاز من أجاز، ورد من رد، قال: وكان فيمن رد زيد بن ثابت وابن عمر، وأسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وعرابة بن أوس. قال: وهو الذي قال فيه الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي ينمي ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا مارايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاها عرابة باليمين
قال: ورد أبا سعيد الخدري، وأجاز سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد استصغر رافعاً، فقام على خفين له فيهما رقاع، وتطاول على أطراف أصابعه؛ فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجازه.
حدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كانت أم سمرة بن جندب تحت مرى بن سنان بن ثعلبة، عم أبي سعيد الخدري، فكان ربيبه، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، وعرض أصحابه، فرد من استصغر رد سمرة بن جندب، وأجاز رافع بن خديج، فقال سمرة بن جندب لربيبه مرى بن سنان: يا أبت، أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج، وردني وأنا أصرع رافع بن خديج، فقال: مرى بن سنان: يا رسول الله، رددت ابني، وأجزت رافع بن خديج وابني يصرعه ! فقال النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة: تصارعا، فصرع سمرة رافعاً، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدها مع المسلمين.
قال: وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم أبو حثمة الحارثي.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب فرس بذنبه، فأصاب كلاب سيف، فاستله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان يحب الفأل ولا يعتاف - لصاحب السيف: شم سيفك، فإني أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من رجلٌ يخرج بنا على القوم من كثبٍ، من طريق لا يمر بنا عليهم ؟ فقال أبو حثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فقدمه فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال المربع بن قيظي - وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر - فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله؛ فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي؛ قال: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا؛ فهذا الأعمى البصر، الأعمى القلب. وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه، حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحدٌ حتى نأمره بالقتال؛ وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة المسلمين.
فقال رجل من المسلمين حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب ! وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل، وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل؛ ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو يومئذ معلمٌ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلاً، وقال: انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين.
فحدثنا هارون بن إسحاق: قال حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا إسرائيل. وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسٍحاق، عن البراء، قال: لما كان يوم أحد، ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً بإزاء الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير. وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا.
فلما لقي القوم هزم المشركين حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن، وبدت خلاخيلهن، فجعلوا يقولون ،: الغنيمة الغنيمة ! فقال عبد الله: مهلاً، أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأبوا، فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم؛ فأصيب من المسلمين سبعون.
حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي: عن أبيه، عن ابن عباس، قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلون من شوال، حتى نزل أحداً، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن في الناس فاجتمعوا، وأمر الزبير على الخيل؛ ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسر ، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين؛ ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وقال: استقبل خالد بن الوليد؛ فكن بإزائه حتى أؤذنك، وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحن حتى أوذنكم.
وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد؛ فهزمه الله ومن معه، فقال: " ولقد صدقكم الله وعده " - إلى قوله - " من بعد ما أراكم ما تحبون " ؛ وإن الله عز وجل وعد المؤمنين أن ينصرهم؛ وأنه معهم. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناساً من الناس؛ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا ها هنا، فردوا وجه من فر منا، وكونوا حراساً لنا من قبل ظهورنا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعض لبعض، ورأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركوا الغنيمة قبل أن يسبقونا إليها، وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا، فلذلك قوله لهم: " منكم من يريد الدنيا " الذين أرادوا الغنيمة، " ومنكم من يريد الآخرة " الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها، حتى كان يومئذ.
حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين؛ وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم أننا قد هزمناهم، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير.
ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام: فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة؛ فهل منكم أحدٌ يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار ! فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار، أو تعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم يا بن عم ! فتركه، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي: ما منعك أن تجهز عليه ؟ قال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه. ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان.
فلما رأى خالد بن الوليد - وهو علي خيل المشركين - حمل فرمته الرماة فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة؛ وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تنادوا فشدوا على المسلمين، فهزموهم وقتلوهم.
فحدثني بشر بن آدم، قال: حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثنا عبيد الله بن الوازع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الزبير: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا في يده يوم أحد؛ فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ قال: فقمت فقلت: أنا يا رسول الله، قال: فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقمت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ قال: فقام أبو دجانة سماك بن خرشة، فقال: أنا آخذه بحقه، وما حقه ؟ قال: حقه ألا تقتل به مسلماً، وألا تفر به عن كافر؛ قال: فدفعه إليه. قال: وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابة؛ قال: فقلت: لأنظرن اليوم ما يصنع، قال: فجعل لايرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه؛ حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل، معهن دفوف لهن؛ فيهن امرأةٌ تقول:
نحن بنات طارق ... إن تقبلوا نعانق
ونبسط النمارق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
قال: فرفع السيف ليضربها، ثم كف عنها، قال: قلت: كل عملك قد رأيت، أرأيت رفعك للسيف عن المرأة بعد ما أهويت به إليها ! قال: فقال: أكرمت سيف رسول الله أن أقتل به امرأة .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم؛ حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة، فقال: وما حقه يا رسول الله ؟ قال: أن تضرب به في العدو حتى ينحني؛ فقال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله؛ فأعطاه إياه - وكان أبو دحانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابة له حمراء يعصبها على رأسه علم الناس أنه سيقاتل - فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عصابته تلك، فعصب بها رأسه؛ ثم جعل يتبختر بين الصفين.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، عن رجل من الأنصار من بني سلمة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دحانة يتبختر: إنها لمشيةٌ يبغضها الله عز وجل إلا في هذا الموطن. وقد أرسل أبو سفيان رسولاً، فقال: يا معشر الأوس والخزرج، خلوا بيننا وبينم ابن عمنا ننصرف عنكم، فإنه لا حاجة لنا بقتالكم. فردوه بما يكره.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان بن أمة، أحد بني ضبيعة؛ وقد كان خرج إلى مكة مباعداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، معه خمسون غلاماً من الأوس؛ منهم عثمان ابن حنيف - وبعض الناس يقول: كانوا خمسة عشر - فكان يعد قريشاً أن لو قد لقى محمداً لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس، كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق - وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق - فلما سمع ردهم عليه، قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم قاتلهم قتالا شديداً، ثم راضخهم بالحجارة، وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بنى عبد الدار، إنكم وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم؛ وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم؛ إذا زالت زالوا؛ فإنما أن تكفونا لواءنا؛ وإما أن تخلوا بيننا وبينه فسنكفيكموه. فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءانا، ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك الذي أرتاد أبو سفيان. فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بن عتبة في النسوة اللواتي معها، وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:
إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق
وتقول:
ويهاً بنى عبد الدار ! ... ويهاً حماة الأدبار !
ضرباً بكل بتار
واقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دحانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله عز وجل نصره، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمة لا شك فيها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل كثير؛ إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل؛ فأتينا من أدبارنا وصرخ صارخٌ: ألا إن محمداً قد قتل ! فانكفأنا وانكفأ علينا القوم؛ بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم.
حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن اللواء لم يزل صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، وكان اللواء مع صواب، غلام لبنى أبي طلحة، حبشي، وكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتى قطعت يداه، ثم برك عليه، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه؛ وهو يقول: اللهم هل أعذرت ! فقال حسان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقاذفوا بالشعر:
فخرتم باللواء وشر فخرٍ ... لواءٌ حين رد إلى صواب
جعلتم فخركم فيها لعبدٍ ... من الأم من وطى عفر التراب
ظنتم والسفيه له ظنونٌ ... وما إن ذاك من أمر الصواب
بأن جلادنا يوم التقينا ... بمكة بيعكم حمر العياب
أقر العين أن عصبت يداه ... وما إن تعصبان على خضاب
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا حبان ابن علي، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم؛ ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي.
قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةً من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جماعتهم؛ وقتل شيبة بن مالك أحد بنى عامر بن لؤي، فقال جبريل: يارسول الله، إن هذه للمواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه منى وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا:
لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا على
قال أبو جعفر: فلما أتى المسلمون من خلفهم انكشفوا وأصاب منهم المشركون، وكان المسلمون لما أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثاً: ثلث قتيل، وثلث جريح، وثلث منهزم؛ وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع، وأصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم السفلى، وشقت شفته، وكلم في وجنتيه وجبهته في أصول شعره، وعلاه ابن قميئة بالسيف على شقه الأيمن؛ وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: لما كان يوم أحدٍ، كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشج، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ويقول: كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيهم بالدم. وهو يدعوهم إلى الله عز وجل ! فأنزل الله عز وجل : " ليس لك من الأمر شيءٌ " الآية.
قال أبو جعفر: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم: من رجلٌ يشري لنا نفسه ! فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن، قال: فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن زياد ابن السكن، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، ثم رجلاً، يقتلون دونه؛ حتى كان آخرهم زيادٌ - أو عمارة بن زياد بن السكن - فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت من المسلمين فئةٌ حتى أجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه منى، فأدنوه منه، فوسده قدمه؛ فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحنٍ عليه؛ حتى كثرت فيه النبل، ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعدٌ: فلقد رأيته يناولني ويقول: ارم فداك أبي وأمي ! حتى إنه ليناولني السهم ما فيه نصلٌ، فيقول: ارم به ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان؛ فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان؛ حتى وقعت على وجنته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده؛ فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
قال أبو جعفر: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتى قتل، وكان الذي أصابه ابن قميثة الليثي.
وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرجع إلى قريش، فقال: قتلت محمداً. فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي؛ وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني - وكان يكنى بأبي نيار - فقال له حمزة بن عبد المطلب: هلم إلي يا بن مقطعة البظور - وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، وكانت ختانة بمكة - فلما التقيا ضربه حمزة فقتله، فقال وحشي غلام جبير بن مطعم: والله إني لأنظر إلى حمزة يهذ الناس بسيفه، ما يليق شيئاً يمر به؛ مثل الجمل الأورق؛ إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور ! فضربه؛ فكأنما أخطأ رأسه، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في لبته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل نحوي، فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي؛ ثم تنحيت إلى العسكر؛ ولم يكن لي بشيء حاجة غيره.
وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة؛ كلاهما يشعره سهماً؛ فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها، فتقول: يا بني، من أصابك ؟ فيقول: سمعت رجلاً حين رماني يقول: خذها وأنا ابن الأقلح ! فتقول: أقلحي ! فنذرت لله إن الله أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر. وكان عاصم قد عاهد الله ألا يمس مشركاً أبداً ولا يمسه.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع ؛ أخو بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر؛ عم أنس بن مالك ، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا: قتل محمد رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا كراما، على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم استقبل القوم؛ فقاتل حتى قتل؛ وبه سمى أنس بن مالك.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة فما عرفه إلا أخته ، عرفته بحسن بنانه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس: " قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم " - كما حدثني ابن شهاب الزهري - كعب بن مالك، أخو بني سلمة، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا ! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أنصت.
فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض نحو الشعب، معه علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والحارث بن الصمة، في رهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد ! لا نجوت إن نجوت !فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا ؟ قال: دعوه، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة - قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً .
وكان أبي بن خلف - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فيقول: يا محمد إن عندى العود، أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه ! فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا اقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير؛ فاحتقن الدم، قال: قتلني والله محمد. قالوا: ذهب والله فؤادك؛ والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان بمكة قال لي: أنا أقتلك؛ فوالله لو بصق على لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة.
قال: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب، خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس. ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه؛ فوجد له ريحاً فعافه؛ ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم؛ وصب على رأسه؛ وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عمن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص، أنه كان يقول: والله ما حرصت على قتل رجل قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص؛ وإن كان ما علمت لسيئ الخلق، مبغضاً في قومه؛ ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله " .
حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: أتى ابن قميئة الحارثي أحد بني الحارث ابن عبد مناة بن كنانة، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه، فأثقله وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: إلى عباد الله ! إلى عباد الله ! فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنبف، فحماه طلحة، فرمى بسهم في يده فيبست يده، وأقبل أبي بن خلف الجمحي؛ وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بل أنا أقتله، فقال: يا كذاب، أين تفر ! فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع؛ فجرح جرحاً خفيفاً، فوقع يخور خوار الثور؛ فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة، فما يجزعك ؟ قال :أليس قال: " لأقتلنك " ! لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلتهم ! فلم يلبث إلا يوماً أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح.
وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي؛ فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان ! يا قوم إن محمداً قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم .
قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قتل؛ فإن رب محمد لم يقتل. فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد: اللهم أني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ! ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل؛ وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة؛ فلما رأوه وضع رجلٌ سهماً في قوسه، فأراد أن يرميه فقال: أنا رسول الله؛ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله حياً، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن؛ فأقبلوا يذكرون الفتح، وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله عز وجل للذين قالوا: " إن محمداً قد قتل، فارجعوا إلى قومكم " : " وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " .
فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وأهمهم أبو سفيان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا؛ اللهم إن تقتل العصابة لا تعبد ! ثم ندب أصحابه، فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم؛ فقال أبو سفيان يومئذ: اعل هبل، حنظلة بحنظلة، ويومٌ بيوم بدر. وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جنباً فغسلته الملائكة؛ وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر؛ وقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: قل: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: أفيكم محمداً !أما إنها قد كانت فيكم مثلة؛ ما أمرت بها ولا نهيت عنها؛ ولا سرتني ولا ساءتني؛ فذكر الله عز وجل إشراف أبي سفيان عليهم، فقال: " فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم " ، والغم الأول ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني إشارف العدو عليهم، " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " من الغنيمة " ولا ما أصابكم " من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان.
قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه قال - فيما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عنه - بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب؛ ومعه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا؛ فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل؛ ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها. وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض لم يستطع؛ فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، ، عن الزبير ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ: أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع.
قال أبو جعفر: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعوص، وفر عثمان بن عفان وعقبة بن عثمان وسعد بن عثمان " رجلان من الأنصار " ؛ حتى بلغوا الجلعب " جبلاً بناحية المدينة مما يلي الأعوص " ، فأقاموا به ثلاثاً ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة.
قال أبو جعفر: وقد كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل، التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود - وكان يقال له: ابن شعوب - قد علا أبا سفيان، فضربه شداد فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم - يعنى حنظلة - لتغسله الملائكة. فسلوا أهله: ما شأنه ؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهائعة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذلك غسلته الملائكة، فقال شداد ابن الأسود في قتله حنظلة:
لأحمين صاحبي ونفسي ... بطعنةٍ مثل شعاع الشمس
وقال أبو سفيان بن حرب، وهو يذكر صبره ذلك اليوم، ومعاونة ابن شعوب شداد بن الأسود إياه على حنظلة:
ولو شئت نجتني كميتٌ طمرةٌ ... ولم أحمل النعماء لابن شعوب
فما زال مهرى مزجر الكلب منهم ... لدى غدوةٍ حتى دنت لغروب
أقاتلهم وأدعى يال غالبٍ ... وأدفعهم عني بركن صليب
فبكى ولا ترعى مقالة عاذلٍ ... ولا تسأمى من عبرةٍ ونجيب
أباك وإخواناً له قد تتابعوا ... وحق لهم من عبرةٍ بنصيب
وسلى الذي قد كان في النفس أنني ... قتلت من النجار كل نجيب
ومن هاشم قرماً نجيباً ومصعباً ... وكان لدى الهيجاء غير هيوب
ولو أنني لم أشف منهم قرونتي ... لكانت شجي في القلب ذات ندوب
فآبوا وقد أودى الحلائب منهم ... لهم خدبٌ من مغبطٍ وكئيب
أصابهم من لم يكن لدمائهم ... كفياً ولا في خطةٍ بضريب
فأجابه حسان بن ثابت فقال:
ذكرت القروم الصيد من آل هاشمٍ ... ولست لزورٍ قلته بمصيب
أتعجب أن أقصدت حمزة منهم ... نجيباً وقد سميته بنجيب
ألم يقتلوا عمراً وعتبة وابنه ... وشيبة والحجاج وابن حبيب !
غداة دعا العاصي عليا فراعه ... بضربة عضبٍ بله بخضيب
وقال شداد بن الأسود، يذكر يده عند أبي سفيان بن حرب فيما دفع عنه:
ولولا دفاعي يا بن حربٍ ومشهدي ... لألفيت يوم النعف غير مجيبٍ
ولولا مكري المهر بالنعف قرقرت ... ضباعٌ عليه أو ضراء كليب
وقال الحارث بن هشام يجيب أبا سفيان في قوله:
وما زال مهري مزجر الكلب منهم
وظن أنه يعرض به إذ فر يوم بدر:
وإنك لو عاينت ما كان منهم ... لأبت بقلبٍ ما بقيت نخيب
لدى صحن بدرٍ أو لقامت نوائحٌ ... عليك، ولم تحفل مصاب حبيب
جزيتهم يوماً ببدر كمثله ... على سابحٍ ذي ميعة وشبيب
قال أبو جعفر: وقد وقفت هند بنت عتبة - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان - والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجدعن الآذان وألأنوف؛ حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدماً وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشياً، غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. ثم علت على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفروا بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، أنه حدث أن عمر بن الخطاب قال لحسان: يا بن الفريعة لو سمعت ما تقول هند ورأيت أشرها، قائمة على صخرة ترتجز بنا، وتذكر ما صنعت بحمزة ! فقال له حسان: والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع - يعني أطمه - فقلت: والله إن هذه لسلاحٌ ما هي بسلاح العرب؛ وكأنها إنما تهوي إلى حمزة؛ ولا أدري. أسمعني بعض قولها أكفيكموها؛ قال: فأنشده عمر بعض ما قالت، فقال حسان يهجو هنداً:
أشرت لكاع وكان عادتها ... لؤماً إذا أشرت مع الكفر
لعن الإله وزوجها معها ... هند الهنود عظيمة البظر
أخرجت مرقصةً إلى أحدٍ ... في القوم مقتبةً على بكر
بكرٍ ثفال لا حراك به ... لا عن معاتبةٍ ولا زجر
وعصاك إستك تتقين بها ... دقى العجاية هند بالفهر
قرحت عجيزتها ومشرجها ... من دأبها نصا على القتر
ظلت تداويها زميلتها ... بالماء تنضحه وبالسدر
أخرجت ثائرةً مبادرةً ... بأبيك وابنك يوم ذي بدر
وبعمك المستوه في ردعٍ ... وأخيك منعفرين في الجفر
ونسيت فاحشةً أتيت بها ... يا هند، ويحك سبة الدهر
فرجعت صاغرةً بلا ترةٍ ... منا ظفرت بها ولا نصر
زعم الولائد أنها ولدت ... ولداً صغيراً كان من عهر
قال أبو جعفر: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم - فيما حدثنا هارون بن إسحاق قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا إسرائيل.
وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: ثم إن أبا سفيان أشرف علينا، فقال: أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه؛ مرتين، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمر بن الخطاب نفسه أن قال: كذبت ياعدو الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك ! فقال: اعل هبل ! اعل هبل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول ؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل ! قال أبو سفيان: ألا لنا العزى ولا عزى لكم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول ؟ قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم ! قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سجال؛ أما إنكم ستجدون في القوم مثلاً لم آمر بها ولم تسؤني.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في حديثه: لما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان: هلم يا عمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إيته فانظر ما شأنه ؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً ؟ فقال عمر: اللهم لا؛ وإنه ليسمع كلامك الآن، فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر؛ لقول ابن قميئة لهم: إني قتلت محمداً. ثم نادى أبو سفيان، فقال: إنه قد كان في قتلاهم مثلٌ والله ما رضيت ولا سخطت، ولا نهيت ولا أمرت.
وقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة؛ وهو يومئذ سيد الأحابيش، قد مر بأبي سفيان بن حرب، وهو يضرب في شدق حمزة يزج الرمح؛ وهو يقول ذق عقق ! فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بأبن عمه كما ترون لحماً ! فقال: اكتمها، فإنها كانت زلة؛ فلما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر للعام المقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل نعم هي بيننا وبينك موعد.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون ! فإن كانوا قد اجتنبوا الخيل، وامتطوا الإبل؛ فإنهم يريدون مكة؛ وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل؛ فهم يريدون المدينة؛ فوالذي نفسي بيده؛ لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؛ فلما اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجهوا إلى مكة؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني. قال عليٌ عليه السلام: فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح؛ ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بي من الفرح؛ إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكة عن المدينة.
وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخي بني النجار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع ؟ - وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج - أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل؛ فنظر فوجده جريحاً في القتلى به رمق، قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر له: أفي الأحياء أنت أم في الأموات ؟ قال: فأنا في الأموات، أبلغ رسول الله عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جزى نبي عن أمته؛ وأبلغ عني قومك السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عينٌ تطرف. ثم لم أبرح حتى مات؛ فجئت رسول الله فأخبرته خبره. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى بحمزة ما رأى، قال: لو لا أن تحزن صفية أو تكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير، ولئن أنا أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على ما فعل بعمه، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم مثلةً لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: أخبرني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، قال ابن حميد، قال سلمة: وحدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: إن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين " ، إلى آخر السورة، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة.
قال ابن إسحاق: وأقبلت - فيما بلغني - صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى حمزة - وكان أخاها لأبيها وأمها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: القها فارجعها، لا ترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال لها: يا أمه؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، فقالت: ولم، وقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله قليل ! فما أرضانا بما كان من ذلك ! لاحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه وصلت عليه؛ واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به فدفن.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: فزعم بعض آل عبد الله بن جحش - وكان لأميمة بنت عبد المطلب خاله حمزة؛ وكان قد مثل به كما مثل بحمزة؛ إلا أنه لم يبقر عن كبده - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره، ولم أسمع ذلك إلا عن أهله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وقع حسيل بن جابر - وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان - وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه؛ وهما شيخان كبيران: لا أبا لك ! ما تنتظر ؟ فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار ؛إنما نحن هامة اليوم أو غد؛ أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لعل الله عز وجل يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما؛ فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر، اليمان، فاختلف عليه أسياف المسليمن فقتلوه؛ ولا يعرفونه. فقال حذيفة: أبي ! قالوا: والله إن عرفناه.
وصدقوا، قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ! فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسليمن، فزادته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أن رجلاً منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب، أصابته جراحة يوم أحد، فأتى به إلى دار قومه وهو يموت؛ فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون يقولن من الرجال والنساء: أبشر يا بن حاطب بالجنة، قال: وكان حاطب شيخاً قد عسا في الجاهلية، فنجم يومئذ نفاقه، فقال: بأي شيء، تبشرونه، أبجنة من حرمل ! غررتم والله هذا الغلام من نفسه، وفجعتموني به ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أتى لا يدرى من أين هو، يقال له قزمان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له: إنه لمن أهل النار؛ فلما كان يوم أحد، قاتل قتالاً شديداً، فقتل هو وحده ثمانيةً من المشركين أو تسعة، وكان شهماً شجاعاً ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولن: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر ! قال: بم أبشر ! والله إن قاتلت إلا على أحساب قومي؛ ولولا ذلك ما قاتلت؛ فلما اشتدت عليه جراحته، أخذ سهماً من كنانته فقطع رواهشه فنزفه الدم فمات؛ فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أشهد أنى رسول الله حقاً ! وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق اليهودي، وكان أحد بني ثعلبة ابن الفطيون، لما كان ذلك اليوم قال: يا معشر يهود؛ والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحقٌ. قالوا: إن اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت فأخذ سيفه وعدته. وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني: مخيريق خير يهود.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وقد احتمل ناسٌ من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى: انظروا عمرو بين الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام. فإنهما كانا متصافيين في الدنيا، فاجعلوهما في قبر واحد. قال: فلما احتفر معاوية القناة أخرجا وهما يثنيان كأنما دفنا بالأمس.
قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش - كما ذكر لي - فنعى لها أخوها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له؛ ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن زوج المرأة منها لبمكان؛ لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها.
قال: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له ! فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل أمر نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عون، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد؛ فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: خيراً يا أم فلان؛ هو بحمد الله كما تحبين؛ قالت: أرنيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جللٌ ! قال أبو جعفر: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة، فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، وناولها عليٌ عليه السلام سيفه، وقال: وهذا فاغسلي عنه؛ فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة. وزعموا أن علي بن أبي طالب حين أعطى فاطمة عليهما السلام سيفه قال:
أقاطم هاك السيف غير ذميم ... فلست برعديدٍ ولا بمليم
لعمري لقد قاتلت في حب أحمدٍ ... وطاعة ربٍ بالعباد رحيم
وسيفي بكفي كالشهاب أهزه ... أجذ به من عاتقٍ وصميم
فما زلت حتى فض ربي جموعهم ... وحتى شفينا نفس كل حليم
وقال أبو دجانة حين أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل به قتالاً شديداً - وكان يقول: رأيت إنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه بالسيف ولولت؛ فإذا امرأة؛ فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة - وقال أبو دجانة:
أن الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول
غزوة حمراء الأسدوكان رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم السبت؛ وذلك يوم الوقعة بأحد؛ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، قال: كان يوم أحد يوم السبت؛ للنصف من شوال؛ فلما كان الغد من يوم أحد - وذلك يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال - أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو؛ وأذن مؤذنه: ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني؛ إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي؛ فتخلف على أخواتك. فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين؛ فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل؛ فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكنت أيسر جرحاً منه - فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة؛ حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إلى حمراء الأسد؛ وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً: الاثنين، والثلاثاء ، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
وقد مر به - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - معبدٌ الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عليه شيئاً كان بها - ومعبد يومئذ مشرك - فقال: يا محمد؛ أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك؛ ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم ! ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد؛ حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم؛ لنكرن على بقيتهم؛ فلفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبداً، قال ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمعٍ لم أر مثله قط يتحرمون عليكم تحرماً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك ما تقول ! قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتاً من شعر، قال: وماذا قلت ؟ قال: قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسدٍ كرام لا تنابلةٍ ... عند اللقاء ولا خرقٍ معازيل
فظلت عدواً أظن الأرض مائلةً ... لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حربٍ من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل !
إني نذيرٌ لأهل البسل ضاحيةً ... لكل ذي إربةٍ منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخشٍ قنابله ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون ؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم ؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه، لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل ! قال أبو جعفر: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة؛ فزعم بعض أهل الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظفر في وجهه إلى حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبي عزة الجمحي؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف على المدينة حين خرج إلى حمراء الأسد ابن أم مكتوم.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث من الهجرة - ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان.
وفيها علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما. وقيل: لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين إلا خمسون ليلة.
وفيها حملت - فيما قيل - جميلة بنت عبد الله بن أبي بعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر في شوال.
ذكر الأحداث التي كانت في سنة أربع من الهجرة
غزوة الرجيع
ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة، فكان فيها غزوة الرجيع في صفر. وكان من أمرها ما حدثني به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا له: يا رسول الله؛ إن فينا إسلاماً وخيراً؛ فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرءوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفراً ستة من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البكير حليف بني عدي بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي أخا بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة أخا بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليفاً لبنى ظفر من بلى.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجبع ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدأة غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلاً، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف، قد غشوهم.
فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم؛ ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثلبت بن أبي الأقلح، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً؛ فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعاً.
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران، انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران.
وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فقدموا بهما مكة، فباعوهما فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل - وكان حجير أخا الحارث بن عامر لأمه - ليقتله بأبيه، وأما زيد بن الدثنة؛ فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفة الخمر، فمنعته الدبر. فلما حالت بينهم وبينه، قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه، فنأخذه، فبعث الله الوادي. فاحتمل عاصماً فذهب به، وكان عاصم قد أعطى الله عهداً ألا يمسه مشركٌ ولا يمس مشركاً أبداً، تنجساً منه.
فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه، أن الدبر منعته: عجبا، لحفظ الله العبد المؤمن ! كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركاً أبداً في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
قال أبو جعفر: وأما غير ابن إسحاق، فإنه قص من خبر هذه السرية غير الذي قصه، والذي قصه غيره من ذلك ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جعفر بن عون العمري، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عمرو - أو عمر - بن أسيد، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عشرة رهط، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، فخرجوا حتى إذا كانوا بالهدأة ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم: بنو لحيان، فبعثوا إليهم مائة رجل رامياً؛ فوجدوا مأكلهم حيث أكلوا التمر، فقالوا: هذه نوى يثرب، ثم اتبعوا آثارهم؛ حتى إذا أحس بهم عاصمٌ وأصحابه التجئوا إلى جبل، فأحاط بهم ألآخرون، فاستنزلوهم، وأعطوهم العهد، فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر، اللهم أخبر نبيك عنا. ونزل إليهم ابن الدثنة البياضي، وخبيب، ورجل آخر، فأطلق القوم أوتار قسيهم، ثم أوثقوهم، فخرجوا رجلاً من الثلاثة، فقال: هذا والله أول الغدر؛ والله لا أتبعكم. فضربوه فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة إلى مكة، فدفعوا خبيباً إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد؛ فبينما خبيب عند بنات الحارث؛ إذ استعار من إحدى بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل، فما راع المرأة - ولها صبي يدرج - إلا بخبيب قد أجلس الصبي على فخذه، والموسى في يده؛ فصاحت المرأة؛ فقال خبيب: أتخشين أني أقتله ! إن الغدر ليس من شأننا. قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب؛ لقد رأيته وما بمكة من ثمرة؛ وإن في يده لقطفاً من عنب يأكله؛ إن كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً .
وبعث حي من قريش إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشيء، وقد كان لعاصم فيهم آثار بأحد؛ فبعث الله عليه دبراً، فحمت لحمه، فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئاً، فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: ذروني أصل ركعتين، فتركوه فصلى سجدتين: فجرت سنة لمن قتل صبراً أن يصلي ركعتين. ثم قال خبيب: لولا أن يقولوا جزع لزدت، وما أبالي:
على أي شقٍ كان لله مصرعي
ثم قال:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
اللهم أحصهم عدداً، وخذهم بدداً.
ثم خرج به أبو سروعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ فضربه فقتله.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جعفر بن عون، عن إبراهيم بن إسماعيل ،قال: وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عيناً إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيبٍ وأنا أتخوف العيون فرقيت فيها، فحللت خبيباً، فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفت فلم أر لخبيب رمة؛ فكأنما الأرض ابتلعته؛ فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة.
قال أبو جعفر: وأما زيد بن الدثنة، فإن صفوان بن أمية بعث به - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع واجتمع إليه رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك ! قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت في الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. ثم قتله نسطاس.
ذكر الخبر عن عمرو بن أمية الضمري
إذ وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتل أبي سفيان بن حرب
ولما قتل من وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عضل والقارة من أهل الرجيع، وبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب، فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه، عن جده - يعني عمرو بن أمية - قال: قال عمرو بن أمية: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل خبيب وأصحابه، وبعث معي رجلاً من الأنصار، فقال: ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه، قال: فخرجت أنا وصاحبي ومعي بعير لي، وليس مع صاحبي بعير، وبرجله علة. فكنت أحمله على بعيري، حتى جئنا بطن يأجج، فعقلنا بعيرنا في فناء شعب، فأسندنا فيه، فقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى دار أبي سفيان، فإني محاول قتله. فانظر، فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئاً فالحق ببعيرك فاركبه، والحق بالمدينة فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وخل عني، فإني رجل عالم بالبلد جرئ عليه، نجيب الساق. فلما دخلنا مكة ومعي مثل خافية النسر - يعني خنجره - قد أعددته، إن عانقني إنسان قتلته به، فقال لي صاحبي: هل لك أن نبدأ فنطوف بالبيت أسبوعاً، ونصلي ركعتين ؟ فقلت: أنا أعلم بأهل مكة منك، إنهم إذا أظلموا رشوا أفنيتهم، ثم جلسوا بها، وأنا أعرف بها من الفرس الأبلق.
قال: فلم يزل بي حتى أتينا البيت، فطفنا به أسبوعاً، وصلينا ركعتين، ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم فعرفني رجل منهم، فصرخ بأعلى صوته. هذا عمرو بن أمية ! قال: فتبادرتنا أهل مكة وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خير ! والذي يحلف به ما جاءها قط إلا لشر - وكان عمرو رجلاً فاتكاً متشيطناً في الجاهلية - قال: فقاموا في طلبي وطلب صاحبي فقلت له: النجاء! هذا والله الذي كنت أحذر، أما الرجل فليس إليه سبيل، فانج بنفسك، فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل، فدخلنا في غار، فبتنا فيه ليلتنا، وأعجزناهم، فرجعوا وقد استترت دونهم بأحجار حين دخلت الغار، وقلت لصاحبي: أمهلني حتى يسكن الطلب عنا، فإنهم والله ليطلبنا ليلتهم هذه ويومهم هذا حتى يمسوا. قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك بن عبيد الله التيمي يتخيل بفرس له، فلم يزل يدنو ويتخيل بفرسه حتى قام علينا بباب الغار. قال: فقلت لصاحبي: هذا والله ابن مالك، والله لئن رآنا ليعلمن بنا أهل مكة. قال: فخرجت إليه فوجأته بالخنجر تحت الثدي، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه، ورجعت إلى مكاني، فدخلت فيه، وقلت لصاحبي: مكانك! واتبع أهل مكة الصوت يشتدون، فوجدوه به رمق، فقالوا: ويلك من ضربك ! قال عمرو بن أمية: ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا، فقالوا: والله لقد علمنا أنه لم يأت لخير، وشغلهم صاحبهم عن طلبنا فاحتملوه، ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب. ثم خرجنا إلى التنعيم، فإذا خشبة خبيب، فقال لي صاحبي: هل لك في خبيب تنزله عن خشبته ؟ فقلت أين هو؟ قال: هو ذاك حيث ترى. فقلت: نعم، فأمهلني وتنح عني. قال: وحوله حرس يحرسونه، قال عمرو بن أمية: فقلت للأنصاري: إن خشيت شيئاً فخذ الطريق إلى جملك فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فأشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهري فوالله ما مشيت إلا نحو أربعين ذراعاً حتى نذروا بي، فطرحته فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثري، فأخذت طريق الصفراء فأعيوا فرجعوا، وانطلق صاحبي إلى بعيره فركبه ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أمرنا وأقبلت أمشي حتى إذا أشرفت على الغليل، غليل ضجنان، دخلت غاراً فيه، ومعي قوسي وأسهمي، فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الديل بن بكر، أعور طويل يسوق غنماً له، فقال: من الرجل ؟ فقلت: رجل من بني بكر، قال: وأنا من بني بكر، ثم أحد بني الديل. ثم اضطجع معي فيه، فرفع عقيرته يتغنى ويقول:
ولست بمسلمٍ ما دمت حياً ... ولست أدين دين المسلمينا
فقلت: سوف تعلم ! فلم يلبث الأعرابي أن نام وغط، فقمت إليه فقتلته أسوأ قتلة قتلها أحدٌ أحداً؛ قمت إليه فجعلت سية قوسي في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه.
قال: ثم أخرج مثل السبع، وأخذت المحجة كأني نسر، وكان النجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه، ثم على ركوبة، ثم على النقيع، فإذا رجلان من أهل مكة بعثتهما قريش يتحسسان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفتهما فقلت: استأسر، فقالا: أنحن نستأسر لك ! فأرمي أحدهما بسهم فأقتله، ثم قلت للآخر: استأسر، فاستأسر، فأوثقته، فقدمت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن سليمان بن وردان، عن أبيه، عن عمرو بن أمية، قال: لما قدمت المدينة، مررت بمشيخةٍ من الأنصار، فقالوا: هذا والله عمرو بن أمية، فسمع الصبيان قولهم، فاشتدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه، وقد شددت إبهام أسيري بوتر قوسي، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه فضحك حتى بدت نواجذه، ثم سألني فأخبرته الخبر، فقال لي خيراً ودعا لي بخير.
وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة أم المساكين من بني هلال في شهر رمضان، ودخل بها فيه، وكان أصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشاً، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث، فطلقها.
ذكر خبر بئر معونةقال أبو جعفر: وفي هذه السنة - أعني سنة أربع من الهجرة - كان من أمر السرية التي وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلت ببئر معونة. وكان سبب توجيه النبي صلى الله عليه وسلم إياهم لما وجههم له، ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وحدثني محمد بن إسحاق، قال: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، وولى تلك الحجة المشركون.
ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، وكان من حديثهم ما حدثني أبي: إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما من أهل العلم، قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة - وكان سيد بني عامر بن صعصعة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ وأهدى إليه هدية، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها، وقال: يا أبا براء، لا أقبل هدية مشرك، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك. ثم عرض عليه الإسلام، وأخبره بما له فيه، وما وعد الله المؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسنٌ جميل، فلو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد ! فقال أبو براء: أنا لهم جارٌ، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين، منهم الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع ابن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، في رجال مسمين من خيار المسلمين.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو في سبعين راكباً، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب - فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، حتى عدا على رجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، فقالوا: لن نخفر أبا براء، قد عقد لهم عقداً وجواراً، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية، ورعلاً، وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف، ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه وبه رمقٌ، فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف؛ فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأناً، فأقبلا لينظرا إليه، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى ؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال. ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.
فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عقدٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوارٌ لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما ؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر، بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد قتلت قتيلين لأدينهما. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً. فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عامر بن الطفيل، كان يقول: إن الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه. قالوا: هو عامر بن فهيرة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن أحد بني جعفر، رجل من بني جبار بن سلمى بن مالك ابن جعفر، قال: كان جبار فيمن حضرها يومئذ مع عامر، ثم أسلم بعد ذلك.
قال: فكان يقول: مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلاً منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول حين طعنته: فزت والله ! قال:فقلت في نفسي: ما فاز! أليس قد قتلت الرجل ! حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: الشهادة، قال: فقلت: فاز لعمر الله ! فقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي البراء على عامر بن الطفيل:
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامرٍ بأبي براء ... ليخفره، وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الحروب أبو براءٍ ... وخالك ماجدٌ حكم بن سعد
وقال كعب بن مالك في ذلك أيضاً:
لقد طارت شعاعاً كل وجهٍ ... خفارة ما أجارأبو براء
فمثل مسهبٍ وبني أبيه ... بجنب الرده من كنفي سواء
بني أم البنين أما سمعتم ... دعاء المستغيث مع المساء !
وتنويه الصريخ بلى ولكن ... عرفتم أنه صدق اللقاء
فما صفرت عياب بني كلابٍ ... ولا القرطاء من ذم الوفاء
أعامر عامر السوءات قدماً ... فلا بالعقل فزت ولا السناء
أأخفرت النبي وكنت قدماً ... إلى السوءات تجري بالعراء !
فلست كجار جار أبي داودٍ ... ولا الأسدي جار أبي العلاء
ولكن عاركم داءٌ قديمٌ ... وداء الغدر فأعلم شر داء
فلما بلغ ربيعة بن عامر أبي البراء قول حسان وقول كعب، حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فشطب الرمح عن مقتله، فخر عن فرسه. فقال: هذا عمل أبي براء ! إن مت فدمي لعمي ولا يتبعن به؛ وإن أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلي.
حدثني محمد بن مرزوق، قال: حدثنا عمرو بن يونس، عن عكرمة، قال: حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري، أربعين أو سبعين ! وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري ، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثوا، حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء قعدوا فيه. ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء ؟ فقال - أراه ابن ملحان الأنصاري - : أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج حتى أتى حواءً منهم، فاحتبى أما البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله.
فخرج إليه من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة ! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجميعين عامر بن الطفيل.
قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك أن الله عز وجل أنزل فيهم قرآناً: " بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا، فرضى عنا، ورضينا عنه " ، ثم نسخت، فرفعت بعد ما قرأناه زماناً، وأنزل الله عز وجل: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون، فرحين " حدثني العباس بن الوليد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل الكلابي سبعين رجلاً من الأنصار.
قال: فقال أميرهم: مكانكم حتى آتيكم بخبر القوم ! فلما جاءهم قال: أتؤمنونني حتى أخبركم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: نعم، فبينا هو عندهم؛ إذا وخزه رجلٌ منهم بالسنان. قال: فقال الرجل: فزت ورب الكعبة ! فقتل، فقال: عامر: لااحسبه إلا أن له أصحابً، فاقتصوا أثره حتى أتوهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم إلا رجلٌ واحدٌ.
قال أنس: فكنا نقرأ فيما نسخ: " بلغوا عنا إخواننا أن قد لقينا ربنا، فرضى عنا ورضينا عنه " .
وفي هذه السنة - أعني السنة الرابعة من الهجرة - أجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير من ديارهم.
ذكر خبر جلاء بني النضيرقال أبو جعفر: وكان سبب ذلك ما قد ذكرنا قبل من قتل عمرو بن أمية الضمري الرجلين الذين قتلهما في منصرفه من الوجه الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه إليه مع أصحابه بئر معونة، وكان لهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم جوارٌ وعهدٌ.
وقيل إن عامر بن الطفيل كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قتلت رجلين لهما منك جوارٌ وعهدٌ؛ فابعث بديتهما. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، ثم مال إلى بني النضير مستعيناً بهم في ديتهما، ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر وعلي وأسيد بن حضير.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقده لهما؛ - كما حدثني يزيد بن رومان - وكان بين بني النضير وبين بني عامر حلف وعقد؛ فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذنيك القتيلين؛ قالوا: نعم أبا القاسم، نعنيك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم، قاعد - فقالوا: من رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم؛ فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه الصخرة - كما قال - ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه؛ فيهم أبو بكر وعمر وعلي؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيكم، وخرج راجعاً إلى المدينة، فلما استلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود قد أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم.
ثم سار بالناس إليهم؛ حتى نزل بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها ! قال أبو جعفر: وأما الواقدي، فإنه ذكر ان بني النضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصخرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهاهم عن ذلك سلام من مشكم وخوفهم الحرب وقال: هو يعلم ما تريدون، فعصوه، فصعد عمرو بن جحاش ليدحرج الصخرة، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء، فقام كأنه يريد حاجة، وانتظره أصحابه، فأبطأ عليهم، وجعلت يهود تقول: ما حبس أبا القاسم، وانصرف أصحابه ؟ فقال كنانة بن صورياً: جاءه الخبر بما هممتم به، قال: ولما رجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهوا إليه وهو جالس في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، انتظرناك ومضيت، فقال: همت يهود بقتلي، وأخبرنيه الله عز وجل، ادعوا لي محمد بن مسلمة، قال: فأتى محمد بن مسلمة، فقال: اذهب إلى يهود فقل لهم: اخرجوا من بلادي فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به من الغدر.
قال: فجاءهم محمد بن مسلمة، فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تظعنوا من بلاده، فقالوا: يا محمد، ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس ! فقال محمد: تغيرت القلوب، ومحا الإسلام العهود؛ فقالوا: نتحمل. قال: فأرسل إليهم عبد الله بن أبي يقول: لا تخرجوا، فإن معي من العرب وممن انضوى إلى من قومي ألفين، فأقيموا فيهم يدخلون معكم، وقريظة تدخل معكم. فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بني قريظ فقال: لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حيٌ، فقال سلام بن مشكم لحيي بن أخطب: يا حيي اقبل هذا الذي قال محمد، فإنما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه. قال: وما هو شرٌ منه ؟ قال: أخذ الأموال وسبى الذرية وقتل المقاتلة، فأبى حيي، فأرسل جدي ابن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك ! قال: فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبر المسلمون معه، وقال: حاربت يهود، وانطلق جدى إلى ابن أبي يستمده. قال: فوجدته جالساً في نفر من أصحابه، ومنادى النبي صلى الله عليه وسلم ينادي بالسلاح، فدخل ابنه عبد الله بن عبد الله ابن أبي، وأنا عنده، فأخذ السلاح، ثم خرج يعدو، قال: فأيست من معونته. قال: فأخبرت بذلك كله حيياً، فقال: هذه مكيدة من محمد، فزحف إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً؛ حتى صالحوه على أن يحقن دماءهم، وله الأموال والحلقة.
فحدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثنتي أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني بني النضير - خمسة عشر يوماً حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاءً.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، على أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة - والحلقة: السلاح.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا؛ فإنا لن نسلمكم؛ وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا فلم يفعلوا؛ وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم؛ على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم؛ إلا الحلقة. ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم ممن سار منهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيى بن أخطب، فلما نزلوها دان لهم أهلها.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم، وأن فيهم يومئذ لأم عمرو، صاحبة عروة بن الورد العبسي؛ التي ابتاعوا منه، وكانت إحدى نساء بني غفار بزهاء وفخر، وما رئى مثله من حي من الناس في زمانهم؛ وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأباد جانة سماك بن خرشة، ذكرا فقراً فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرازها.
قال أبو جعفر: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ خرج لحرب بني النضير - فيما قيل - ابن أم مكتوم، وكانت رايته يومئذ مع علي بن أبي طالب عليه السلام.
وفي هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان، في جمادى الأولى منها، وهو ابن ست سنين، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرته عثمان بن عفان.
وفيها ولد الحسين بن علي عليه السلام، لليالٍ خلون من شعبان .
غزوة ذات الرقاعواختلف في التي كانت بعد غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير من غزواته، فقال ابن إسحاق في ذلك، ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع، وبعض شهر جمادى. ثم غزا نجداً - يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان - حتى نزل نخلاً، وهي غزوة ذات الرقاع؛ فلقى بها جمعاً من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب؛ وقد خاف الناس بعضهم بعضاً، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين صلاة الخوف، ثم انصرف بالمسلمين.
وأما الواقدي؛ فإنه زعم أن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الرقاع، كانت في المحرم سنة خمس من الهجرة. قال: وإنما سميت ذات الرقاع؛ لأن الجبل الذي سميت به ذات الرقاع جبل به سواد وبياض وحمرة؛ فسميت الغزوة بذلك الجبل. قال: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة على المدينة عثمان بن عفان.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد - يعني ابن عبد الرحمن - عن عروة بن الزبير، عن أبي هريرة، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجد، حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل، لقى جمعاً من غطفان؛ فلم يكن بيننا قتال؛ إلا أن الناس قد خاوفهم، ونزلت صلاة الخوف، فصدع أصحابه صدعين، فقامت طائفة مواجهة العدو، وقامت طائفة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبروا جميعاً، ثم ركع بمن خلفه، وسجد بهم، فلما قاموا مشوا القهقري إلى مصاف اصحابهم، ورجع الآخرون، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم قاموا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وجلسوا، ورجع الذين كانوا مواجهين العدو، فصلوا الركعة الثانية، فجلسوا جميعاً، فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلام، فسلم عليهم.
قال أبو جعفر: وقد اختلفت الرواية في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة ببطن نخل اختلافاً متفاوتاً، كرهت ذكره في هذا الموضع خشية إطالة الكتاب، وسأذكره إن شاء الله في كتابنا المسمى " بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام " في كتاب صلاة الخوف منه.
وقد حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قنادة، عن سليمان اليشكري، أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة: أي يوم أنزل، أو في أي يوم هو ؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام؛ حتى إذا كنا بنخل جاء رجلٌ من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، قال: نعم، قال: هل تخافني ؟ قال لا، قال: فمن يمنعك مني ؟ قال: الله يمنعني منك، قال: فسل السيف ثم تهدده وأوعده. ثم نادى بالرحيل وأخذ السلاح. ثم نودي بالصلاة، فصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم ، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم. ثم سلم، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين؛ فيومئذ أنزل الله عز وجل في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال حدثني محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ أن رجلاً من بنى محارب يقال له فلان بن الحارث، قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمداً ؟ قالوا: نعم، وكيف تقتله ؟ قال: أفتك به. فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فقال: يا محمد، انظر إلى سيفك هذا ! قال :، فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه ويهم به، فيكبته الله عز وجل.
ثم قال: يا محمد، أما تخافني ؟ قال: لا، وما أخاف منك ؟ قال: أما تخافني وفي يدى السيف ؟ قال: لا، يمنعني الله منك ! قال: ثم غمد السيف، فرده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: " يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قومٌ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر، حلف ألا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دماً، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا الشعب، من بطن الوادي - فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري: للمهاجري؛ أي الليل تحب أن أكفيكه ؟ أوله أو آخره ؟ قال: بلى اكفني أوله؛ فاضجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى زوج المرأة، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهم فوضعه فيه فنزعه، فوضعه وثبت قائماً يصلي. ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه، فوضعه وثبت قائماً يصلي، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس، فقد أتيت. قال: فوثب المهاجري، فلما رآهما الرجل، عرف أنهم قد نذروا به؛ ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله ! أفلا، أهببتني أول ما رماك ! قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها؛ فلما تتابع على الرمي ركعت فآذنتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.
ذكر الخبر عن غزوة السويقوهي غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدراً الثانية لميعاد أبي سفيان.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها بقية جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان حتى نزله، فأقام عليه ثماني ليالٍ ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران - وبعض الناس يقول: قد قطع عسفان - ثم بدا له الرجوع، فقال: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عامٌ خصب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن؛ وإن عامكم هذا عام جدب؛ وإني راجع فارجعوا. فرجع ورجع الناس، فسماهم أهل مكة جيش السويق. يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مخشي بن عمرو الضمري، وهو الذي وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان، فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال: نعم يا أخا بني ضمرة؛ وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك. حتى يحكم الله بيننا وبينك. فقال: لا والله يا محمد، مالنا بذلك منك من حاجة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان؛ فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي، وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوى به فقال:
قد نفرت من رفقتى محمد ... وعجوةٍ من يثربٍ كالعنجد
تهوي على دين أبيها الأتلد ... قد جعلت ماء قديدٍ موعدي
وماء ضجنان لها ضحى الغد
وأما الواقدي؛ فإنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه لغزوة بدر لموعد أبي سفيان الذي كان وعده الالتقاء فيه يوم أحد رأس الحول للقتال في ذي القعدة. قال: وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد اعتمر، فقدم على قريش، فقالوا: يا نعيم، من أين كان وجهك ؟ قال: من يثرب، قال: وهل رأيت لمحمد حركة ؟ قال: تركته على تعبئة لغزوكم، - وذلك قبل أن يسلم نعيم - قال: فقال أبو سفيان: يا نعيم، إن هذا عام جدبٌ، ولا يصلحنا إلا عامٌ ترعى فيه الإبل الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد جاء أوان موعد محمد، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير، ولا طاعة لهم بنا؛ فيأتي الخلف منهم أحب إلى من أن يأتي من قبلنا، ولك عشر فرائض أضعها لك في يد سهيل بن عمرو يضمنها. فجاء سهيل بن عمرو إليهم، فقال نعيم لسهيل: يا أبا يزيد، أتضمن هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبطه ؟ فقال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة، فوجد الناس يتجهزون، فتدسس لهم، وقال: ليس هذا برأي، ألم يجرج محمد في نفسه ! ألم يقتل أصحابه ! قال: فثبط الناس؛ حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم، فقال: والذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدي.
ثم أنهج الله عز وجل للمسلمين بصائرهم؛ فخرجوا بتجارات، فأصابوا الدرهم درهمين؛ ولم يلقوا عدواً؛ وهي بدر الموعد؛ وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية، يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام.
قال أبو جعفر: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن رواحة.
قال الواقدي: وفي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبي أمية في شوال؛ ودخل بها.
قال: وفيها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود؛ وقال: إني لا آمن أن يبدلوا كتابي.
وولى الحج في هذه السنة المشركون.
ثم كانت السنة الخامسة من الهجرةففي هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش.
حدثت عن محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي عن محمد بن يحيى بن حبان، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة، وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد، ربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة، فيقول: أين زيد ؟ فجاء منزله يطلبه فلم يجده، وقامت إليه زينب بنت جحش زوجته فضلاً؛ فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ليس هو هاهنا يا رسول الله، فادخل بأبي أنت وأمي ! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل؛ وإنما عجلت زينب أن تلبس إذ قيل لها: رسول الله صلى الله عليه وسلم على الباب، فوثبت عجلة، فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم؛ إلا أنه أعلن: سبحان الله العظيم ! سبحان الله مصرف القلوب ! قال: فجاء زيدٌ إلى منزله، فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله، فقال زيد: ألا قلت له ادخل ! فقالت: قد عرضت عليه ذلك فأبى، قال: فسمعته يقول شيئاً ؟ قالت: سمعته يقول حين ولى: سبحان الله العظيم، سبحان الله مصرف القلوب ! فخرج زيدٌ حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ بلغني أنك جئت منزلي؛ فهلا دخلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك، فما استطاع إليها زيد سبيلا بعد ذلك اليوم؛ فكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك؛ ففارقها زيد واعتزلها وحلت.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع عائشة؛ إذ أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم غشية، فسرى عنه وهو يتبسم ويقول: من يذهب إلى زينب يبشرها، يقول: إن الله زوجنيها ؟ وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ... " القصة كلها.
قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها؛ وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها، وما صنع الله زوجها، فقلت: تفخر علينا بهذا.
قالت عائشة: فخرجت سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبرها بذلك، فأعتطها أوضاحاً عليها.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ابنة عمته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يريده، وعلى الباب سترٌ من شعر؛ فرفعت الريح الستر فانكشف وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر، قال: فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: مالك ! أرابك منها شيء ! فقال: لا والله يا رسول الله، ما رابني منها شيء، ولا رأيت إلا خيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك زوجك واتق الله؛ فذلك قول الله عز وجل: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه " ، تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها.
غزوة دومة الجندلقال الواقدي: وفيها غزا دومة الجندل في شهر ربيع الأول، وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعاً تجمعوا بها ودنوا من أطرافه. فغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى بلغ دومة الجندل، ولم يلق كيداً، وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري.
قال أبو جعفر: وفيها وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة ابن حصن أن يرعى بتغلمين وما والاها.
قال محمد بن عمر - فيما حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه - وذلك أن بلاد عيينة أجدبت، فوداع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرعى بتغلمين إلى المراض؛ وكان ما هنالك قد أخضب بسحابة وقعت، فوادعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرعى فيما هنالك.
قال الواقدي: وفيها توفيت أم سعد بن عبادة وسعد غائبٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة النجندل.
ذكر الخبر عن غزوة لخندقوفيها: كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق في شوال؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: وكان الذي جر غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق - فيما قيل - ما كان من إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير عن ديارهم.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة: قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، مولى آل الزبير، عروة بن الزبير ومن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا؛ كلٌ قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق، وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض؛ أنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري وحيى بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي؛ في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل؛ هم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة؛ فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. قال: فهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً " - إلى قوله - " وكفى بجهنم سعيراً " .
فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه؛ وأن قريشاً تابعوهم على ذلك وأجمعوا فيه، فأجابوهم.
فخرجت قريس وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعود بن رخيلة بن نويرة ابن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان؛ فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة، فحدثت عن محمد بن عمر، قال: كان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو يومئذ حر، وقال: يا رسول الله: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: فعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسليمن في الأجر، وعمل فيه المسلمون: فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف من العمل، ويتسللون إلى أهاليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن.
وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته؛ فيأذن له؛ فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير، واحتساباً له، فأنزل الله عز وجل: " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه " إلى قوله: " واستغفر الله إن الله غفور رحيم " . فنزلت هذه الآية في كل من كان من أهل الحسبة من المؤمنين والرغبة في الخير؛ والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً " إلى قوله: " قد يعلم ما أنتم عليه " ، أي قد علم ما أنتم عليه من صدق أو كذب، وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه؛ وارتجزوا فيه برجل من المسليمن يقال له جعيل، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمراً " فقالوا:
سماه من بعد جعيلٍ عمرا ... وكان للبائس يوماً ظهرا
فإذ مروا بعمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، وإذا قالوا: ظهراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ظهرا.
فحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال: حدثني أبي، عن أبيه، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب من أجم الشيخين طرف بني حارثة، حتى بلغ المذاد ثم قطعه أربعين ذراعاً بين كل عشرة، فاحتق المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي - وكان رجلاً قوياً - فقالت الأنصار: سلمان منا، وقالت المهاجرون: سلمان منا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلمان منا أهل البيت. قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان، وحذيفة بن اليمان، والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً، فحفرنا تحت ذوباب حتى بلغنا الندى، فأخرج الله عز وجل من بطن الخندق صخرة بيضاء مروةً فكسرت حديدنا، وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره؛ فإنا لا نحب أن نجاوز خطه.
فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضاربٌ عليه قبة تركية؛ فقال: يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا ! خرجت صخرة بيضاء من الخندق مروة، فكسرت حديدنا، وشقت علينا حتى ما نحيك فيها قليلا ولا كثيراً؛ فمرنا فيها بأمرك؛ فإنا لا نحب أن نجاوز خطك.
فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة على شقة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربةً صدعها، وبرقت منها برقة أضاء كما بين لابتيها - يعني لابتي المدينة - حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم. فكبر سول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فصدعها وبرق منها برقة أضاء منها بين لابتيها، حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون.
ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة فكسرها، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم أخذ بيد سلمان فرقى، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط ! فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، بأبينا أنت وأمنا قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى شيئاً غير ذلك.
قال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق منها الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب كلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا بلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعد صادق بار، وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: " هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً " وقال المنافقون: ألا تعجبون ! يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل ! يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم؛ وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا ! وأنزل القرآن: " وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً " .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عمن لا يتهم ، عن أبي هريرة، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمن عمر وعثمان وما بعده: افتتحوا ما بدالكم ! فوالذي نفس أبي هريرة بيده؛ ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى محمد مفاتيحها قبل ذلك.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان أهل الخندق ثلاثة آلاف. قال: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجدٍ؛ حختى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، وأمر بالذراري والنساء. فرفعوا في الآطام. وخرج عدو الله حيى بن أخطب؛ حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم؛ وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاهده على ذلك وعاقده؛ فلما سمع كعب بحيى بن أخطب، أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حييٌ: يا كعب، افتح لي، قال: ويحك يا حيي ! أنك امرؤٌ مشئوم، إني قد عاهدت محمداً ! فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقا. قال: ويحك ! افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل؛ قال: والله إن أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها؛ فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب ! جئتك بعز الدهر وببحرٍ طامٍ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها؛ حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة؛ وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد؛ قد عاهدوني وعاقدوني ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه. فقال كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر ! بجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق، ليس فيه شيء ! ويحك فدعني ومحمداً وما أنا عليه؛ فلم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً ! فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب؛ حتى سمح له، على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن ادخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل - وهو يومئذ سيد الأوس - وسعد بن عبادة بن دليم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج - وهو يومئذ سيد الخزرج - ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بالحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بني عمرو بن عوف؛ فقال: انطلقوا حتى تنظروا: أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً نعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد. فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه؛ وكان رجلاً فيه حد، فقال له سعد ابن معاذ: دع عنك مشاتمتهم؛ فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع؛ خبيب بن عدي وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر ! أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمدٌ يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر؛ وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا لعورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا؛ فإنها خارجة من المدينة.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام المشركون عليه بضعاً وعشرين ليلة، قريباً من شهر؛ ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار.
فلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة. وعن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري - إلى عيينة بن حصن، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة؛ على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح؛ حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا بالمراوضة في ذلك، ففعلا، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة؛ فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه فقالا: يا رسول الله؛ أمرٌ تحبه فنصنعه، أم شيءٌ أمرك الله عز وجل به؛ لا بد لنا من عمل به، أم شيءٌ تصنعه لنا ؟ قال: لا، بل لكم؛ والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم لأمرٍ ما ساعة. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله؛ قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله عز وجل وعبادة اللأوثان، ولا نعبد الله ولا نعرفه؛ وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا ! ما لنا بهذا من حاجة؛ والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك ! فتناول سعدٌ الصحيفة؛ فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وعدوهم محاصروهم؛ لم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب بن مرداس، أخو بني محارب بن فهر؛ قد تلبسوا للقتال، وخرجوا على خيلهم، ومروا على بني كنانة، فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب؛ فستعلمون اليوم من الفرسان ! ثم اقبلوا نحو الخندق؛ حتى وقفوا عليه، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدةٌ ما كانت العرب تكيدها؛ ثم تيمموا مكاناً من الخندق ضيقاً، فضربوا خيولهم، فاقتحمت منه؛ فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين؛ حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم.
وقد كان عمرو بن عبدودٌ قاتل يوم بدر؛ حتى أثبتته الجراحة، قلم يشهد أحداً، فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه؛ فلما وقف هو وخيله، قال له على: يا عمرو؛ إنك كنت تعاهد الله ألا يدعوك رجلٌ من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما ! قال: أجل ! قال له علي بن أبي طالب: فإني أدعوك إلى الله عز وجل وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك؛ قال: فإني أدعوك إلى النزال، قال: ولم يا بن أخي؛ فوالله ما أحب أن أقتلك ! قال: علي: ولكني والله أحب أن أقتلك. قال: فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره - أو ضرب وجهه - ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي عليه السلام وخرجت خيله منهزمة؛ حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة؛ ومن بني مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة؛ وكان اقتحم الخندق فتورط فيه، فرموه بالحجارة، فقال: يا معشر العرب، قتلة أحسن من هذه ! فنزل إليه علي فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه؛ فشأنكم به. فخلى بينهم وبينه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن أبي ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري، ثم أحد بني حارثة، أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة؛ وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن.
قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. قالت: فمر سعدٌ وعليه درعٌ مقلصة، قد خرجت منها ذراعه كلها؛ وفي يده حربته يرقد بها ويقول:
لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
قالت له أمه: الحق يا بني، فقد والله أخرت.
قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد؛ والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي ! قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه.
قالت: فرمى سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الأكحل، رماه - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة - حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي؛ فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعدٌ: عرق الله وجهك في النار ! اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتنى حتى تقر عيني من بنى قريظة.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثني أبي، عن علقمة، عن عائشة، قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس فو الله إني لأمشي إذ سمعت وئيد الأرض خلفي - تعني حس الأرض - فالتفت فإذا أنا بسعد؛ فجلست إلى الأرض، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس - شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حدثنا بذلك محمد بن عمرو - يحمل مجنه، وعلى سعد درع من حديد قد خرجت أطرافه منها.
قالت: وكان من أعظم الناس وأطوالهم.
قالت: فأنا أتخوف على أطراف سعد، فمر بي يرتجز، ويقول:
لبث قليلاً يدرك الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل !
قالت: فلما جاوزني قمت فاقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له - قال محمد: والتسبغة المغفر - لا ترى إلا عيناه، فقال عمر: إنك لجريئة؛ ما جاء بك ؟ ما يدريك لعله يكون تحوز أو بلاء ! فوالله مازال يلومني حتى وددت أن الأرض تنشق لي فأدخل فيها، فكشف الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة؛ فقال: إنك قد أكثرت، أين الفرار، وأني التحوز إلا إلى الله عز وجل ! قالت: فرمى سعد يومئذ بسهم، رماه رجلٌ يقال له ابن العرقة؛ فقال: خذها وأنا ابن العرقة؛ فقال: سعد: عرف الله وجهك في النار ! فأصاب الأكحل فقطعه. قال محمد بن عمرو: زعموا أنه لم ينقطع من أحد قط إلا لم يزل يبض دماً حتى يموت. فقال سعد: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة ! وكانوا حلفاءه في الجاهلية.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، أنه كان يقول: ما أصاب سعد يومئذ بالسهم إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، فالله أعلم أي ذلك كان ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع " حصن حسان بن ثابت " . قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت: صفية: فمر بنا رجلٌ من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت.
قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى، يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوارتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. فقال: يغفر اله لك يا بنا عبد المطلب ! والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ! قالت: فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده شيئاً احتجزت؛ ثم أخذ عموداً، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجلٌ؛ قال: مالي من حاجة يا بنت عبد المطلب.
قال ابن إسحاق: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فيما وصف الله عز وجل من الخوف والشدة؛ لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال ابن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، إن قومي لم يعلموا بإسلامي؛ فمرني بما شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجلٌ واحد؛ فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة.
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة - وكان لهم نديماً في الجاهلية - فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا : صدقت، لست عندنا بمتهم؛ فقال لهم: إن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد. وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشاً وغطفان ليسوا كهيئتكم، والبلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم؛ لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره؛ فليسوا كهيئتكم، إن رأوا نهزةً وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم؛ ولا طاقة لكم به إن خلا بكم؛ فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم؛ ثقة لكم على أن تقاتلوا معكم محمداً، حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت برأي ونصحٍ.
ثم خرج حتى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يا معشر قريش، قد عرفتم ودي إياكم، وفراقي محمداً وقد بلغني أمرٌ رأيت حقاً علىأن أبلغكموه نصحاً لكم، فاكتموا على. قالوا: نفعل، قال: فاعلموا أن معشر يهود قد ندموا على صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبليتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم؛ فنعطيكم، فنضرب أعناقهم؛ ثم نكون معك على من بقي منهم ؟ فأرسل إليهم أن نعم؛ فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم؛ فلا تدافعوا إليهم منكم رجلاً واحداً. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهمونني ! قالوا: صدقت، قال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم؛ فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس؛ وكان مما صنع الله عز وجل لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام؛ قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه؛ فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت؛ وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً؛ وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا؛ حتى نناجز محمداً؛ فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال، أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمدٍ. فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون والله أن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق؛ ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا؛ فإن وجدوا فرصة انتهزوها؛ وإن كان غير ذلك تشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم؛ وبعث الله عز وجل عليهم الريح في ليالٍ شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله وصحبتموه ! قال: نعم يا بن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون ؟ قال: والله لقد كنا نجهد، فقال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا.
فقال حذيفة: يابن أخي؛ والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى هوياً من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله أنه يرجع - أدخله الله الجنة ؟ فما قام رجل. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة ؟ فما قام رجلٌ من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد. فلما لم يقم أحدٌ دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني. فقال: يا حذيفة؛ اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا؛ قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل؛ لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء. فقام أبو سفيان بن حرب، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤٌ جليسه، قال: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت ؟ قل: أنا فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره؛ ولقينا من هذه الريح ما ترون؛ والله ما تطمئن لنا قدرٌ، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءٌ؛ فارتحلوا فإني مرتحل.
ثم قام إلى جمله وهو معقول ،فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث؛ فما أطلق عقاله إلا وهو قائم؛ ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ألا أحدث شيئاً حتى آتيه، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحلٍ؛ فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح على طرف المرط ثم ركع وسجد؛ فأذلقته. فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: فلما أصبح نبي الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعاً إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح.
غزوة بني قريظةفلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري - معتجراً بعمامة من إستبرق، على بغلةٍ عليها رحالة ، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال نعم، قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح وما رجعت الآن إلا من طلب القوم؛ إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إلى بني قريظة.
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً، فأذن في الناس: إن من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة.
وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس، فسار علي بن أبي طالب عليه السلام؛ حتى إذا دنا من الحصون، سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؛ فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث ! قال: لم ؟ أظنك سمعت لي منهم أذى ! قال: نعم يا رسول الله. لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم، قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته ! قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: هل مر بكم أحد ؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي، على بغلة بيضاء، عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم. فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم، يقال لها بئر أنا؛ فلاحق به الناس، فأتاه رجالٌ من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، لشيء لم يكن لهم منه بد من حربهم؛ وأبوا أن يصلوا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: حتى تأتوا بني قريظة، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة. فما عابهم الله بذلك في كتابه؛ ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحديث عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن معبد بن كعب بن مالك الأنصاري .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد ابن عمرو، قال: حدثني أبي، عن علقمة، عن عائشة، قالت: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد قبة في المسجد، ووضع السلاح - يعني عند منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق - ووضع المسلمون السلاح، فجاءه جبريل عليه السلام، فقال: أوضعتم السلاح ! فوالله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إليهم فقاتلهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلأمته فلبسها، ثم خرج وخرج المسلمون؛ فمر ببني غنم، فقال: من مر بكم ؟ قالوا: علينا دحية الكلبي - وكان يشبه سنته ولحيته ووجهه بجبريل عليه السلام - حتى نزل عليهم، وسعدٌ في قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد؛ فحاصرهم شهراً - أو خمساً وعشرين ليلة - فلما اشتد عليهم الحصار قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله، فأشار أبو لبابة بن عبد المنذر إنه الذبح، فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلوا على حكمه، فنزلوا ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمار بإكاف من ليف، فحمل عليه. قالت عائشة: لقد كان برأ كلمه حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة؛ حتى جهدهم الحصار؛ وقذف الله في قلوبهم الرعب - وقد كان حيى بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاءً لكعب بن اسد بما كان عاهده عليه - فلما ايقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم ! قالوا: وما هن ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه؛ فوالله لقد كان تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم هذه علي فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجلا مصلتين السيوف؛ ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمنا؛ حتى يحكم الله بيننا وبين محمد؛ فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئاً نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء ولأبناء.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين؛ فما خير العيش بعدهم ! قال: فإذا أبيتم هذه على فإن الليلة ليلة السبت؛ وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها؛ فانزلوا لعلنا نصيب محمد وأصحابه غرةً.
قالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت. فأصابه من المسخ ما لم يخفف عليك. قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً.
قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر؛ أخا بني عمرو بن عوف - وكانوا حلفاء الأوس - نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال، وبهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد ! قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح؛ قال: قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت؛ وعاهد الله ألا يطأ بني قريظة أبداً.
وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وأبطأ عليه - وكان قد استبطأه - قال: أما لو جاءني لا ستغفرت له؛ فأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن فضل، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، أن توبة أبي لبابة أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو في بيت أم سلمة.
قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر يضحك فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنك ! قال: تيب على أبي لبابة، فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله ! قال: بلى إن شئت؛ قال: فقامت على باب حجرتها - وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - فقالت: يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب الله عليك. قال: فثار الناس إليه ليطلقوه؛ فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجاً إلى الصبح أطلقه.
قال ابن إسحاق: ثم إن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية، وأسد ابن عبيد - وهم نفر من بني هدل؛ ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك - هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم - وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة؛ فلما رآه قال: من هذا ؟ قال: عمرو بن سعدي - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: لا أغدر بمحمد أبداً - فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام. ثم خلى سبيله؛ فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة. ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا ! فذكر لرسول اله صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال: ذاك الرجل نجاه الله بوفائه.
قال ابن إسحاق: وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته ملقاةً لا يدري أين يذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المقالة. والله أعلم.
قال ابن إسحاق. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس. فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قنينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه؛ فسأله إياهم عبد الله بن أبي سلول، فوهبهم له.
فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ! قالوا: بلى: قال: فذاك إلى سعد بن معاذ - وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب - فلما حكمه رسول اله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه، فاحتملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدمٍ - وكان رجلاً جسيماً - ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد أني لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه.
قال أبو جعفر: فلما انتهى سعدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثني أبي، عن علقمة، في حديث ذكره، قال: قال أبو سعيد الخدري: فلما طلع - يعني سعداً - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم - أو قال: إلي خيركم - فأنزلوه، فقال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احكم فيهم، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم. فقال: لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وأما ابن إسحاق فإنه قال في حديثه: فلما انتهى سعدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت ! قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا ؟ - في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم بأن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار ابنة الحارث، امرأة من بني النجار. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق؛ يخرج بهم إليه أرسالاً؛ وفيهم عدو الله حيى بن أخطب، وكعب بن أسد، رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة؛ المكثر لهم يقول: كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة.
وقد قالوا لكعب بن أسد - وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً - : يا كعب، ما ترى ما يصنع بنا ! فقال كعب: في كل موطن لا تعقلون: ألا ترون الداعى لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل ! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى بحيى بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة، لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك؛ ولكنه من يخذل الله يخذل.
ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملحمةٌ قد كتبت على بني إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوال الثعلبي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العز كل مقلقل
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة.
قالت: والله إنها لعندي تحدث معي، وتضحك ظهراً وبطناً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالهم بالسوق؛ إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فلانة ؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك مالك ! قالت: أقتل ! قلت: ولم ؟ قالت: حدثٌ أحدثته. قالت: فانطلق بها فضربت عنقها. فكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبنا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد عرفت أنها تقتل ! وكان ثابت بن قيس بن شماس - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري - أتى الزبير بن باطا القرظي - وكان يكنى أبا عبد الرحمن - وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية.
قال محمد: مما ذكر لي بعض ولد الزبير، أنه كان من عليه يوم بعاث؛ أخذه فجز ناصيته، ثم خلى سبيله - فجاءه وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني ؟ قال: وهو يجهل مثلي مثلك ! قال: إني أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم. ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ قد كانت للزبير عندي يدٌ؛ وله علي منةٌ؛ وقد أحببت أن أجزيه بها؛ فهب لي دمه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك، فأتاه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد؛ فما يصنع بالحياة ! فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله، أهله ولده، قال: هم لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك.
قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاءهم ! فأتى ثابتٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ماله ! قال: هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك، قال: أي ثابت ! ما فعل الذي كأنه وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذاري الحي، كعب بن أسد ؟ قال: قتل، قال: فما فعل الحاضر والبادي، حيى بن أخطب ؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا كررنا؛ عزال بن شمويل ؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان - يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة - قال: ذهبوا، قتلوا. قال: فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت ،إلا ألحقتني بالقوم؛ فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر الله قبلة دلو نضج حتى ألقى الأحبة ! فقدمه ثابت فضرب عنقه، فلما بلغ أبا بكر قوله: ألقى الأحبة قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالداً فيعا مخلداً أبداً. فقال ثابت بن قيس بن الشماس في ذلك، يذكر الزبير بن باطا : "
وفت ذمتي أني كريمٌ وأنني ... صبورٌ إذا ما القوم حادوا عن الصبر
وكان زبيرٌ أعظم الناس منةً ... على فلما شد كوعاه بالأسر
أتيت رسول الله كيما أفكه ... وكان رسول الله بحراً لنا يجري
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، أخي بني عدي بن النجار؛ أن سلمى بنت قيس أم المنذر أخت سليط بن قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد صلت معه القبلتين، وبايعته بيعة النساء - سألته رفاعة بن شمويل القرظي - وكان رجلاً قد بلغ ولاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك - فقالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي ! هب لي رفاعة بن شمويل؛ فإنه قد زعم أنه سيصلي، ويأكل لحم الجمل؛ فوهبه لها؛ فاستحيته.
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال، وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل ممن ليس له فرسٌ سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرساً، وكان أول فىء وقع فيه السهمان وأخرج منه الخمس، فعلى سنتها وما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وقعت المقاسم، ومضت السنة في المغازي؛ ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين.
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري، أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع له بهم خيلاً وسلاحاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله، بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك. فتركها؛ وقد كانت حين سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعصت بالإسلام، وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه لذلك من أمرها؛ فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، ، فقال: إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة، فسره ذلك.
فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا - كما حدثني ابن وكيع، قال: حدثنا ابن بشر، قال: حدثنا محمد بن عمرو؛ قال: حدثني أبي، عن علقمة، في خبر ذكره عن عائشة: ثم دعا سعد بن معاذ - بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم - فقال: اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذبوا رسولك. اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني لها، وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضي إليك. فانفجر كلمه، فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد. قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر؛ فوالذي نفس محمد بيده؛ إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وإني لفي حجرتي. قالت: وكانوا كما قال الله عز وجل: " رحماء بينهم " قال علقمة: أي أمه ! كيف كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد؛ ولكنه كان إذا اشتد وجده على أحد، أو إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته .
حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر، وقتل من المشركين ثلاثة نفر، وقتل يوم بني قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو ابن بلحارث بن الخزرج، طرحت عليه رحى فشدخته شدخاً شديداً. ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان، أخو بني أسد بن خزيمة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني قريظة، فدفن في مقبرة بني قريظة. ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخندق، قال: الآن نغزوهم - يعني قريشاً - ولا يغزوننا، فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة.
وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة أو في صدر ذي الحجة، في قول ابن إسحاق. وأما الواقدي فإنه قال: غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، لليال بقين منه؛ وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يشق لبني قريظة في الأرض أخاديد ثم جلس؛ فجعل علي والزبير يضربان أعناقهم بين يديه، وزعم أن المرأة التي قتلها النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ كانت تسمى بنانة، امرأة الحكم القرظي، كانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب عنقها بخلاد بن سويد.
واختلف في وقت غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق؛ وهي الغزوة التي يقال لها غزوة المريسيع - والمريسيع اسم ماء من مياه خزاعة بناحية قديد إلى الساحل - فقال: ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق من خزاعة، في شعبان سنة ست من الهجرة.
وقال الواقدي: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم المريسيع في شعبان سنة خمس من الهجرة. وزعم أن غزوة الخندق وغزوة بني قريظة كانتا بعد المريسيع لحرب بني المصطلق من خزاعة.
وزعم ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف بعد فراغه من بني قريظة؛ وذلك في آخر ذي القعدة أو في صدر ذي الحجة - فأقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وولى الحجة في سنة خمس المشركون.
ذكر الأحداث التي كانت في سنة ست من الهجرة
غزوة بني لحيان
قال أبو جعفر: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان، يطلب بأصحاب الرجيع؛ خبيب بن عدي وأصحابه؛ وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرةً، فخرج من المدينة، فسلك على غراب جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام ثم على مخيض، ثم على البتراء؛ ثم صفق ذات اليسار، ثم على يين، ثم على صخيرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة، فأغذ السير سريعاً؛ حتى نزل على غران؛ وهي منازل بني لحيان - وغران وادٍ بين أمج وعسفان - إلى بلد يقال له ساية، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد، قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأي أهل مكة أنا قد جئنا مكة. فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه؛ حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا وراح قافلا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق. - قال: والحديث في غزوة بني لحيان - عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، عن عبيد الله بن كعب.
قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يقم إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل لغطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة؛ وفيها رجلٌ من بني غفار وامرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح.
غزوة ذي قردحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث، أنه أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، غدا يريد الغابة متوشحاً قوسه ونبله، ومعه غلام لطلحة بن عبد الله.
وأما الرواية عن سلمة بن الأكوع بهذه الغزوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مقدمة المدينة، منصرفاً من مكة عام الحديبية، فإن كان ذلك صحيحاً، فينبغي أن يكون ما روى عن سلمة بن الأكوع كان إما في ذي الحجة من سنة ست من الهجرة، وإما في أول سنة سبع، وذلك أن انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة عام الحديبية كان في ذي الحجة في سنة ست من الهجرة، وبين الوقت الذي وقته ابن إسحاق لغزوة ذي قرد والوقت الذي روى عن سلمة بن الأكوع قريب من ستة أشهر. حدثنا حديث سلمة بن الأكوع الحسن بن يحيى، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - يعني بعد صلح الحديبية - فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباح غلام رسول الله، وخرجت معه بفرس لطلحة بن عبيد الله. فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن بن عيينة قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه. قلت: يا رباح؛ خذ هذا الفرس وأبلغه طلحة. وأخبر رسول الله أن المشركين قد أغاروا على سرحه. ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثة أصوات: يا صباحاه ! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وارتجز وأقول: " أنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع " .
قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلى فارس منهم أتيت شجرةً وقعدت في أصلها، فرميته فعقرت به؛ وإذا تضايق الجبل فدخلوا في متضايقٍ علوت الجبل، ثم أرديهم بالحجارة؛ فوالله ما زلت كذلك حتى ما خلق الله بعيراً من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جعلته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه وحتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً وثلاثين بردةً، يستخفون بها لا يقلون شيئاً إلا جعلت عليه آرما حتى يعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى إذا انتهوا إلى متضايق من ثنية وإذا هم قد أتاهم عيينة عن حصن بن بدر ممداً، فقعدوا يتضحون، وقعدت على قرن فوقهم، فنظر عيينة، فقال: مت الذي أرى ؟ قالوا: لقينا من هذا البرح، لا والله ما فارقنا هذا منذ غلس، يرمينا حتى استنقذ كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه منكم أربعة. فعمد إلى أربعة منهم. فلما أمكنوني من الكلام، قلت: أتعرفوني؟ قالوا: من أنت ؟ قلت: سلمة بن الأكوع؛ والذي كرم وجه محمد لا أطلب أحداً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني.
قال أحدهم: أنا أظن، قال: فرجعوا فما برحت مكاني ذاك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر؛ أولهم الأخرم الأسدي، وعلى إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، فأخذت بعنان فرس الأخرم، فولوا مدبرين، فقلت: يا أخرم؛ إن القوم قليل، فاحذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق بنا رسول الله وأصحابه. فقال: يا سلمة، إن كنت تؤمن باللله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق وأن النار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فحليته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه، فطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول عبد الرحمن على فرسه، ولحق أبو قتادة عبد الرحمن فطعنه وقتله، وعقر عبد الرحمن بأبي قتادة فرسه، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم؛ فانطلقوا هاربين. قال سلمة: فوالذي كرم وجه محمد، لتبعتهم أعدو على رجلي؛ حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئاً.
قال: ويعدلون قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد يشربون منه وهم عطاش؛ فنظروا إلى أعدو في آثارهم؛ فحليتهم فما ذاقوا منه قطرة.
قال: ويسندون في ثنية ذي أثير، ويعطف علي واحدٌ فأرشقه بسهم فيقع في نغض كتفه، فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
فقال أكوعي غدوةً ! قلت: نعم يا عدو نفسه؛ وإذا فرسان على الثنية، فجئت بهما أقودهما إلى رسول الله، ولحقني عامر عمي بعدما أظلمت بسطيحة فيها مذقة من لبن، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وصليت وشربت، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حليتهم عنه، عند ذي قرد، وإذا رسول الله قد أخذ تلك ألإبل التي استنقذت من العدو، وكل رمح ، وكل بردة ؛ وإذا بلال قد نحر ناقة من الإبل التي استنقذت العدو ، فهو يشوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول الله؛ خلني فلأنتخب مائة رجل من القوم، فأتبع القوم فلا يبقى منهم عين. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدا - وقد بانت - نواجذه. في ضوء النار. ثم قال: أكنت فاعلاً ! فقلت: إي والذي أكرمك ! فلما أصبحنا قال رسول الله إنهم ليقرون بارض غطفان. قال: فجاء رجلٌ من غطفان، فقال: نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غباراً؛ فقالوا: أتيتم ! فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع.
ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين سهم الفارس، وسهم الراجل؛ فجمعهما لي جميعاً، ثم أردفني رسول الله وراءه على العضباء؛ راجعين إلى المدينة. فبينما نحن نسير؛ وكان رجلٌ من الأنصار لا يسبق شداً فجعل يقول: ألا من مسابق ! فقال ذاك مراراً؛ فلما سمعته قلت: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً ! فقال: لا، إلا أن يكون رسول الله، فقلت: يا رسول الله،فقلت : يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ! ائذن لي فلأسابق الرجل ! قال: إن شئت، قال: فطفرت فعدوت، فربطت شرفاً أو شرفين فألحقه وأصكه بين كتفيه، فقلت: سبقتك والله ! فقال: إني أظن، فسبقته إلى المدينة، فلم نمكث بها ثلاثاً حتى خرجنا إلى خيبر.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله - يعني مع سلمة بن الأكوع - معه فرس له يقوده، حتى إذا علا على ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سلع، ثم صرخ: واصباحاه ! ثم خرج يشتد في آثار القوم - وكان مثل السبع - حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمى: " خذها منى وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع " .
فإذا وجهت الخيل نحوه، انطلق هارباً، ثم عارضهم؛ فإذا أمكنه الرمي رمى، ثم قال:
خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع
قال: فيقول قائلهم: أويكعنا هو أول النهار.
قال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع؛ فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع ! فتتامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان أول من انتهى إليه من الفرسان المقداد بن عمرو.
ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الأنصار، عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعورا، وأخو بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد ، أحد بني كعب بن عبد الأشهل، وأسيد بن ظهير أخو بني حارثة بن الحارث - يشك فيه - وعكاشة بن محصن، أخو بني أسد بن خزيمة، ومحرز بن نضلة، أخو بني أسد بن خزيمة، وأبو قتادة الحارث ربعي، أخو بني سلمة، وأبو عياش؛ وهو عبيد بن زيد بن صامت، أخو بني زريق.
فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد. ثم قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني عن رجال من بني زريق - لأبي عياش: با أبا عياش، لو أعطيت هذا الفرس رجلاً هو أفرس منك فلحق بالقوم ! قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله، أنا أفرسٌ الناس، ثم ضربت الفرس، فزالله ما جرى خمسين ذراعاً حتى طرحني؛ فعجبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو أعطيه أفرس منك ! وأقول: أنا أفرس الناس. فزعم رجال من بني زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص - أو عائذ بن ما عص - ابن قيس بن خلدة - وكان ثامناً - وبعض الناس يعد سلمة بن عمرو بن الأكوع أحد الثمانية، ويطرح أسيد بن ظهير أخا بني حارثة، ولم يكن سلمة يومئذ فارساً، وكان أول من لحق بالقوم على رجليه؛ فخرج الفرسان في طلب القوم، حتى تلاحقوا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وحدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن أول فارسٍ لحق بالقوم محرز بن نضلة، أخو بني أسد بن خزيمة - ويقال لمحرز: الأخرم، ويقال له: قمير - وأن الفزع لما كان، جال فرسٌ لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهلة الخيل، وكان فرساً صنيعاً جاماً، فقال نساءٌ من نساء بني عبد الأشهل حين رأى الفرس يجول في الحائط بجذع من نخل هو مربوط به: يا قمير، هل لك في أن تركب هذا الفرس - فإنه كما ترى - ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين ! قال: نعم، فأعطينه إياه، فخرج عليه، فلم ينشب أن بذ الخيل بجمامه حتى أدرك القوم، فوقف لهم بين أيديهم، ثم قال: قفوا معشر اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار.
قال: وحمل عليه رجلٌ منهم فقتله، وجال الفرس فلم يقدروا عليه؛ حتى وقف على آريه في بني عبد الأشهل، فلم يقتل من المسلمين غيره، وكان اسم فرس محمود ذا اللمة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، أن محرزاً إنما كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال له الجناح، فقتل محرز، واستلب الجناح. ولما تلاحقت الخيول قتل أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، حبيب بن عيينة بن حصن، وغشاه ببردته، ثم لحق بالناس، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فإذا حبيب مسجىً ببردة أبي قتادة، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيلٌ لأبي قتادة، وضع عليه بردته، لتعرفوا أنه صاحبه. وأدرك عكاشة ابن محصن أو باراً وابنه عمرو بن أو بار على بعير واحد، فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعاً، واستنقذوا بعض اللقاح. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد، وتلاحق به الناس، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام عليه يوماً وليلة. فقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني: إنهم الآن ليغبقون في غطفان.
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة جزوراً، فأقاموا عليها، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا حتى قدم المدينة.
فأقام بها. بعض جمادى الآخرة ورجب. ثم غزا بلمصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست.
ذكر غزوة بني المصطلقحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل وعلي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر. وعن محمد بن يحيى بن حبان، قال: كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بلمصطلق يجتمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار؛ أبو جويرية بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياهم، يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا قتالاً شديداً، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم؛ فأفاءهم الله عليه.
وقد أصيب رجلٌ من المسلمين من بنى كلب بن عوف بن عامر بن ليث ابن بكر، يقال له هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة ابن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ .
فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بنى غفار يقال له جهجاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدحم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السن، فقال: أقد فعلوها ! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما عدونا وجلابيب قريش ما قال القائل: " سمن كلبك يأكلك " ؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأول ! ثم أقلب على من حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم ! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم ! أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه. فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عباد بن بشر بن وقش فليقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس: أن محمداً يقتل أصحابه ! لا، ولكن أذن بالرحيل - وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها - فارتحل الناس ، وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه. فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلمت به - وكان عبد الله بن أبي في قومه شريفاً عظيماً - فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه من الأنصار يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام أو هم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل ! حدباً على عبد الله بن أبي ودفعاً عنه.
==================================================ج83.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه تحية النبوة، وسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما بلغك ماقال صاحبكم ! قال: وأي صاحب يا رسول الله ! قال: عبد الله بن أبي، قال: وما قال ؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز ! ثم قال: يا رسول الله، ارفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه؛ فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً.
ثم متن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس.
ثم نزل بالناس؛ فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما؛ وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي.
ثم راح بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع، يقال له نقعاء، فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخافوا، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت، أحد بني قينقاع - وكان من عظماء يهود، وكهفاً للمنافقين - قد مات في ذلك اليوم.
ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي بن سلول ومن كان معه على مثل أمره، فقال: " إذا جاءك المنافقون " ، فلما نزلت هذه السورة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم فقال: هذا الذي أوفى الله بأذنه.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، قال: خرجت مع عمي في غزاةٍ، فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه: " لا تنفقوا على من عند رسول الله " والله، " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ؛ فذكرت ذلك لعمى، فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلي فحدثته، فأرسل إلى عبد الله وأصحابه، فحلفوا ما قالوا؛ قال: فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه، فأصابني همٌ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ومقتك ! قال: حتى أنزل الله عز وجل: " إذا جاءك المنافقون " ، قال فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها، ثم قال: إن الله صدقك يا زيد.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمر أبيه . فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي - فيما بلغك عنه - فإن كنت فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه؛ فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجلٌ أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله؛ فأقتل مؤمناً بكافر أدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نرفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا. وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث، كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه ويتوعدونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم من شأنهم: كيف ترى يا عمر ! أما والله لو قتلته يوم ما أمرتني بقتله، لأرعدت له آنفٌ لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. قال: فقال عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله أعظم بركة من أمري.
قال: وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلماً فيما ظهر، فقال: يا رسول الله، جئتك مسلماً وجئت أطلب دية أخي قتل خطأ. فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ديه أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتداً، فقال في شعر:
شفى النفس أن قد بات بالقاع مسنداً ... تضرج ثوبيه دماء الأخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم، فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وترى، وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع
تأرت به فهراً وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارغ
وقال مقيس بن صبابة أيضاً:
جللته ضربة باءت، لها وشلٌ ... من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
فقلت والموت تغشاه أسرته ... لا تأمنن بني بكرٍ إذا ظلموا
وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس كثير، وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين: مالكاً وابنه، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبياً كثيراً، ففشا قسمة في المسلمين؛ ومنهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس ابن الشماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسها - وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحدٌ إلا أخذت بنفسه - فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه على كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها، وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء مالم يخف عليك؛ فوقعت بالسهم لثابت بن قيس بن الشماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت: وما هو يا رسول الله ؟ قال: أقضي كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جورية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم.
قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.
حديث الإفكحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك - كما حدثني أبي إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - حتى إذا كان قريباً من المدينة - وكانت معه عائشة في سفره ذلك - قال أهل الإفك فيها ما قالوا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن علقمة بن وقاص الليثي وعن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال الزهري: كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض. قال: وقد جمعت لك كل الذي حدثني القوم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قال: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قال: وكل قد اجتمع حديثه في خبر قصة عائشة عن نفسها حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا :، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعاً، ويحدث بعضهم ما يحدث بعضٌ، وكل كان عنها ثقة، وكل قد حدث عنها بما سمع.
قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه؛ فلما كانت غزوة بني المصطلق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع؛ فخرج سهمي عليهن، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يبهجن اللحم فيثقلن. قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون هودجي في بعيري، ويحملوني فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به. قالت: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك، وجه قافلا، حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلا، فبات فيه بعض الليل، ثم اذن في الناس بالرحيل، فلما ارتحل الناس خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقدٌ لي فيه جزع ظفار، فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري؛ فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل. قالت: فرجعت عودي على بدئي إلى المكان الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء خلافي القوم الذين كانوا يرجلون لي البعير، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج، وهم يظنون أني فيه كما أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أني فيه. ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، ورجعت إلى العسكر وما فيه داعٍ ولا مجيب، قد انطلق الناس. قالت: فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني الذي ذهبت إليه؛ وعرفت أن لو قد افتقدوني قد رجعوا إلي. قالت: فوالله إني لمضجعة، إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس في العسكر؛ فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني - وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب - فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ! أظعينة رسول الله ! وأنا متلففه في ثيابي. قال: ما خلفك رحمك الله ؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير فقال: اركبي رحمك الله ! واستأخر عني. قالت فركبت وجاء فأخذ برأس البعير، فانطلق بي سريعاً يطلب الناس؛ فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس؛ فلما اطمأنوا طلع الرجل يقودني، فقال أهل الإفك في ما قالوا. فارتج العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك. ثم قدمنا المدينة، فلم أمكث أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني شيء من ذلك؛ وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي، ولا يذكران لي من ذلك قليلاً ولا كثيراً، إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي؛ كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي؛ فلم يفعل ذلك في شكواي تلك، فأنكرت منه، وكان إذا دخل علي وأمي تمرضني، قال: كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي مما رأيت من جفائه عني، فقلت له: يا رسول الله، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني ! قال: لا عليك ! قالت: فانتقلت إلى أمي، ولا أعلم بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. قالت: وكنا قوماً عرباً لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنما كنا نخرج في فسح المدينة؛ وإنما كان النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن؛ فخرجت ليلةً لبعض حاجتي، ومعي أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، خالة أبي بكر. قالت: فوالله إنها لتمشي معي، إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح ! قالت: قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدراً ! قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ! قالت: قلت: وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك. قالت: قلت: وقد كان هذا ! قالت: نعم والله لقد كان. قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت فما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي. قالت: وقلت لأمي: يغفر الله لك ! تحدث الناس بما تحدثوا به وبلغك ما بلغك؛ ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ! قالت: أي بنية خفضي الشأن؛ فوالله قلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.
قالت: وقد قام رسول الله في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك. ثم قال: أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهن غير الحق ! والله ما علمت منهن إلا خيراً، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيراً ! وما دخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي. قالت: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج؛ مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش - وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من نسائه امرأة تناصبني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله، وأما حمنة بنت جحش، فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارني لأختها زينب بنت جحش - فشقيت بذلك.
فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة، قال أسيد بن حضير أخو بني عبد الأشهل: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك؛ فوالله إنهم لأهلٌ أن تضرب أعناقهم. قالت: فقام سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك يرى رجلاً صالحاً - فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم ! أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ! قال أسيد: كذبت لعمر الله ! ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ! قالت: وتثاوره الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل علي، قالت: فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد؛ فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله، ثم قال: يا رسول الله، أهلك، ولا نعلم عليهن إلا خيرا؛ وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله؛ إن النساء لكثيرٌ؛ وإنك لقادر على أن تستخلف؛ وسل الجارية فإنها تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها. قالت: فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا؛ وهو يقول: اصدقي رسول الله؛ قالت: فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة؛ إلا أني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه، فيأتي الداجن فيأكله.
ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار؛ وأنا أبكي وهي تبكي معي؛ فجلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة؛ إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقى الله؛ وان كنت قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي إلى الله؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده؛ قالت: فوالله ما هو إلا أن قال ذلك، تقلص دمعي؛ حتى ما أحس منه شيئا، وانتظرت أبوي أن يجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما. قالت: وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله عز وجل في قرآنا يقرأ به في المساجد، ويصلى به، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله في نومه شيئا يكذب الله به عني، لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبرا؛ فأما قرآن ينزل في، فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك. قالت: فلما لم أر أبوي يتكلمان. قالت: قلت ألا تجيبان رسول الله ! قالت: فقالا لي : والله ما ندري بماذا نجيبه ! قالت: وايم الله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام ! قالت: فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا؛ والله لئن أقررت بما يقول الناس - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني؛ لأقولن ما لم يكن؛ ولئن أنا أنكرت ما تقولون لاتصدقونني. قالت : ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره؛ ولكني أقول كما قال أبو يوسف: " فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون " .
قالت: فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه، ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه؛ فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت؛ فوالله ما فزعت كثيرا ولا باليت؛ قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي؛ فوالذي نفس عائشة بيده، ما سري عن رسسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس. قالت: ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه، ويقول: أبشري يا عائشة؛ فقد أنزل الله براءتك، قالت: فقلت: بحمد الله وذمكم. ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من القرآن في. ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش - وكانوا ممن أفصح بالفاحشة - فضربوا حدهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: بلى؛ وذلك الكذب؛ أكنت يا أم أيوب فاعلةً ذلك ! قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خيرٌ منك. قال: فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك: " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم .. " . الآية؛ وذلك حسان بن ثابت في أصحابه الذين قالوا ما قالوا.
ثم قال الله عز وجل: " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا. " الآية، أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. ثم قال: " إذ تلقونه بألسنتكم ... " الآية. فلما نزل هذا في عائشة وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة، وأدخل علينا ما أدخل ! قالت: فأنزل الله عز وجل في ذلك: " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ... " الآية. قالت: فقال أبو بكر: والله لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما يقول فيه؛ وقد كان حسان قال شعرا مع ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم من العرب من مضر، فقال:
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه ... أو كان منتشباً في برثن الأسد
ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه ... من ديةٍ فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح شامية ... فيغطئل ويرمي العبر بالزبد
يوما بأغلب مني حين تبصرني ... ملغيظ أفري كفري العارض البرد
فاعترضه صفوان بن المعطل بالسيف فضربه ثم قال - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق:
تلق ذباب السيف عني فإني ... غلام إذا هو جيت لست بشاعر
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن ثابت بن قيس بن الشماس أخا بلحارث بن الخزرج، وثب على صفوان بن المعطل في ضربه حسان، فجمع يديه إلى عنقه، فانطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا ؟ قال: ألا أعجبك ضرب حسان بن ثابت بالسيف ! والله ما أراه إلا قد قتله. قال: فقال له عبد الله ابن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء مما صنعت ؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت ! أطلق الرجل، فأطلقه. ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك؛ فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله، آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ! ثم قال: أحسن يا حسان في الذي قد أصابك، قال: هي لك يا رسول الله.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحا - وهي قصر بني حديلة اليوم بالمدينة؛ كانت مالا لأبي طلحة بن سهل، تصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاها حسان في ضربته - وأعطاه سيرين؛ أمةً قبطيةً، فولدت له عبد الرحمن بن حسان. قال: وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن صفوان بن المعطل فوجدوه رجلا حصوراً ما يأتي النساء. ثم قتل بعد ذلك شهيدا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الواحد ابن حمزة، أن حديث عائشة كان في عمرة القضاء.
قال أبو جعفر: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة شهر رمضان وشوالا، وخرج في ذي القعدة من سنة ست معتمراً.
ذكر الخبر عن عمرة النبي صلى الله عليه وسلم التي صده المشركون فيها عن البيت، وهي:
قصة الحديبيةحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدثنا عمر ابن ذر الهمداني، عن مجاهد، أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمرٍ، كلها في ذي القعدة؛ يرجع في كلها إلى المدينة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمرا في ذي القعدة لا يريد حرباً، وقد استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب أن يخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا به أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثيرٌ من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدى، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما جاء زائرا لهذا البيت، معظماً له.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم؛ أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل؛ كانت كل بدنة عن عشرة نفر.
وأما حديث ابن عبد الأعلى؛ فحدثنا عن محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة.
وحدثني يعقوب، قال: حدثني يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن مبارك، قال: حدثني معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية، في بضعة عشر ومائة من أصحابه ... ثم ذكر الحديث.
حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية، ونحن أربعة عشر ومائة.
حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك وسعيد بن شرحبيل المصري، قالا: حدثنا الليث بن سعد المصري، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة.
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى، يقول: كنا يوم الشجرة ألفا وثلثمائة، وكانت أسلم ثمن المهاجرين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا أصحاب الحديبية أربعة عشر ومائة.
قال الزهري: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعوا بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا؛ وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدموها إلى كراع الغميم.
قال أبو جعفر: وقد كان بعضهم يقول: إن خالد بن الوليد كان يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن ابن أبزى، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدى، وانتهى إلى ذي الحليفة، قال له عمر: يا رسول الله، تدخل على قوم هم لك حربٌ بغير سلاح ولا كراع ! قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى، فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: يا خالد، هذا ابن عمك، قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - : يا رسول الله ارم بي حيث شئت. فبعثه على خيل، فلقى عكرمة في الشعب، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله تعالى فيه: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " - إلى قوله: " عذاباً أليماً " قال: وكف الله النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية أن تطأهم الخيل بغير علم.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش ! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين؛ وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش ! فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة.
ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها ؟ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم على طريق وعر حزن بين شعاب، فلما أن خرجوا منه - وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : قولوا : نستغفر الله ونتوب إليه . ففعلوا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها.
قال ابن شهاب: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين، بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار؛ على مهبط الحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خالفهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا سلك في ثنية المرار، بركت ناقته، فقال الناس: خلأت ! فقال: ما خلأت، وما هو لها بخلقٍ؛ ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة؛ لا تدعوني قريش اليوم إلى خطةٍ يسألوني صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا، فقيل: يا رسول الله ما بالوادي ما ننزل عليه ! فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالري حتى ضرب الناس عليه بعطن.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن رجلاً من أسلم حدثه، أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب بن عمير ابن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وقد زعم لي بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال وأنشدت أسلم أبياتاً من شعر قالها ناجية ، قد ظننا أنه هو الذي نزل بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعمت أسلم أن جاريةً من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يميح على الناس، فقالت:
يأيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيراً ويمجدونكا
وقال ناجية، وهو في القليب يميح الناس:
قد علمت جاريةٌ يمانيه ... أني أنا المائح واسمى ناجيه
وطعنةٍ ذات رشاش واهيه ... طعنتها تحت صدور العاديه
حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء؛ إنما يتبرضه الناس تبرضاً فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه؛ فبيناهم كذلك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية؛ معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك لؤي وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :إنا لم نأت لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا؛ وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، أو لينفذن الله أمره. فقال بديل: سنبلغهم ما تقول.
فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً؛ فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذو الراي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم . فقام عروة بن مسعود الثقفي: فقال: أي قوم؛ ألستم بالوالد ! قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد ! قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني ؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ؛ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ! قالوا: بلى.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، في حديثه، قال: كان عروة بن مسعود لسبيعة بنت عبد شمس.
رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب. قال: فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها، ودعوني آته. فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي نحواً من مقالته لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ! وإن تكن الأخرى، فوالله إني لأرى وجوهاً وأوشاباً من الناس خلقاً أن يفروا ويدعوك.
فقال أبو بكر: امصص بظر اللات - واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون - أنحن نفر وندعه ! فقال: من هذا ؟ فقالوا:أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها لأجبتك؛ وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلكا كلمه أخذ بلحيته - والمغيرة بن شعبة قائمٌ على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه السيف وعليه المغفر؛ فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحيته، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا ؟ قالوا: المغيرة ابن شعبة، قال: أي غدر؛ ألست أسعى في غدرتك ! وكان المغيرة بن شعبة صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه.
وإن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه. قال: فوالله إن يتنخم النبي نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده؛ وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه؛ وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم وما يحدون النظر إليه تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي؛ والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على مضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم؛ وما يحدون النظر إليه تعظيماً له؛ وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
فقال رجل من كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته؛ فلما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له، فبعثت له، واستقبله قومٌ يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ! وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري؛ قال في حديثه: ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة - أو ابن زبان - وكان يومئذ سيد الأحابيش؛ وهو أحد بلحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض، الوادي في قلائده، قد أكل أو باره من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت مالا يحل صده: الهدى في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله؛ قالوا له: اجلس، فإنما أنت رجل أعرابيٌ لا علم لك.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم؛ أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظماً له؛ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ماجاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد ! قال: فقالوا له: مه ! كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
رجع الحديث إلى حديث ابن عبد الأعلى ويعقوب. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال لهم: دعوني آته، قالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز بن حفص؛ وهو رجل فاجر؛ فجاء فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.
وقال أيوب عن عكرمة: إنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم.
فحدثني محمد بن عمارة الأسدي ومحمد بن منصور - واللفظ لابن عمارة - قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا موسى بن عبيدة عن إياس ابم سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحفص بن فلان، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصالحوه، فلما رآهم رسول الله فيهم سهيل بن عمرو، قال: سهل الله لكم من أمركم؛ القوم ماتون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدى، وأظهروا التلبية؛ لعل ذلك يلين قلوبهم.
فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية.
قال: فجاءوا فسألوه الصلح، قال: فبينما الناس قد توادعوا، وفي المسلمين ناس من المشركين، وفي المشركين ناس من المسلمين، قال: ففتك به أبو سفيان، قال: فإذا الوادي يسيل بالرجال والسلاح. قال إياس: قال سلمة: فجئت بستة من المشركين متسلحين أسوقهم، ما يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؛ فأتيت بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يسلب ولم يقتل، وعفا.
وأما الحسن بن يحيى فإنه حدثنا قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، أنه قال: لما اصطلحنا نحن وأهل مكة، أتيت الشجرة فكسحت شوكها؛ ثم اضطجعت في ظلها، فأتاني أربعة نفر من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبغضتهم. قال: فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم، ثم اضطجعوا؛ فبيناهم كذلك؛ إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين ! قتل ابن زنيم ! فاخترطت سيفي، فشددت على أولئك الأربعة وهم رقود؛ فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاً في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم؛ لا يرفع أحدٌ منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: فجئت بهم أقودهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمي عامر برجل من العبلات، يقال له مكرز؛ يقوده مجففاً، حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور، فعفا عنهم. قال: فأنزل الله عز وجل: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة " .
رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمارة ومحمد بن منصور، عن عبيد الله. قال سلمة: فشددنا على من في أيدي المشركين منا، فما تركنا في أيديهم منا رجلاً إلا استنقذناه. قال: وغلبنا على من في أيدينا منهم.
ثم إن قريشاً بعثوا سهيل بن عمرو وحويطباً فولوهم صلحهم، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً عليه السلام في صلحه.
حدثنا بشر بن معاذ؛ قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم، اطلع الثنية من الحديبية، فرماه المشركون فقتلوه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً، فأتوه باثنى عشر رجلاً فارساً من الكفار، فقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل لكم علي عهد ؟ هل لكم علي ذمة ؟ قالوا: لا، قال: فأرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله في ذلك القرآن: " وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة " - إلى قوله: " بما تعملون بصيراً " .
وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن قريشاً إنما بعثت سهيل بن عمرو بعد رسالة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلها إليهم مع عثمان بن عفان.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب؛ ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله؛ حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال حدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس، أن قريشاً بعثوا أربعين رجلاً منهم - أو خمسين رجلاً - وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه، فأخذوا أخذاً، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم، وخلى سبيلهم - وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل - ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريشٍ ما جاء له؛ فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي؛ وليس بمكة من بنى عدي بن كعب أحد يمنعني؛ وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان ! فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب؛ وإنما جاء زائراً لهذا البيت، معظماً لحرمته .
فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة - أو قبل أن يدخلها - فنزل عن دابته، فحمله بين يديه، ثم ردفه وأجاره؛ حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به؛ قال: ماكنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن عثمان قد قتل، قال: لا نبرح حتى نناجز القوم؛ ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.
حدثني ابن عمارة الأسدي، قال: حدثني عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن إياس بن سلمة، قال: قال سلمة بن الأكوع: بينما نحن قافلون من الحديبية، نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس؛ البيعة البيعة ! نزل روح القدس. قال: فسرنا إلى رسول الله وهو تحت الشجرة سمرة، قال: فبايعناه، قال: وذلك قول الله تعالى: " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " .
حدثنا ابن حميد بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن عامر، قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان رجلاً من بني أسد، يقال له:أبو سنان بن وهب.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أنهم كانوا يوم الحديبية أربعة عشر ومائة. قال: فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره.
قال جابر: بايعنا رسول الله على ألا نفر؛ ولم نبايعه على الموت.
وقد قيل في ذلك ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرأبو عامر، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس للبيعة في أصل الشجرة، فبايعته في أول الناس، ثم بايع وبايع؛ حتى إذا كان في وسطٍ من الناس، قال: بايع يا سلمة، قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس ! قال: وأيضاً؛ ورآني النبي صلى الله عليه وسلم أعزل، فأعطاني جحفة أو درقةً. قال: ثم إن رسول الله بايع الناس؛ حتى إذا كان في آخرهم، قال: ألا تبايع يا سلمة ! قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم ! قال: وأيضاً. قال: فبايعته الثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين الدرقة، والجحفة التي أعطيتك ؟ قلت: لقيني عمي عامر أعزل فأعطيته إياها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد ابن قيس، أخو بني سلمة، قال: كان جابر بن عبد الله يقول: لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي كان من أمر عثمان باطل.
قال إبن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقالوا: له: ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخل علينا عنوة أبداً.
قال: فأقبل سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر، ولم يبقى إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، اليس برسول الله ! قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين ! قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين ! قال: بلى، قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ! قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه؛ فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا اشهد أنه رسول الله. قال: ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله ! قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين ! قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين ! قال: بلى قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا ! فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني. قال: فكان عمر يقول: ما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به؛ حتى رجوت أن يكون خيراً.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي، عن علقمة ابن قيس النخعي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ثم دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: " باسمك اللهم " ، فقال رسول الله: اكتب " باسمك اللهم " ، فكتبتها. ثم قال: اكتب: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل ابن عمرو؛ اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله لم ترده عليه. وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال؛ وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم، دخل فيه " - فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدها - " وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك؛ فأقمت بها ثلاثاً، وأن معك سلاح الراكب، السيوف في القرب لا تدخلها بغير هذا " .
فبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه، دخل الناس من ذلك أمرٌ عظيمٌ حتى كادوا أن يهلكوا - فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بلببه، فقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا ! قال: صدقت، قال: فجعل ينتره بلببه، ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني ! فزاد الناس ذلك شراً إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا جندل، احتسب، فإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً؛ إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً، وأعطيناهم على ذلك عهداً، وأعطونا عهداً، وإنا لا نغدر بهم.
قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل؛ فإنما هم المشركون؛ وإنما دم أحدهم دم كلب ! قال: ويدنى قائم السيف منه، قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه.
فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين، ورجالاً من المشركين: أبا بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بنى عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأخيف - وهو مشرك - أخا بني عامر بن لؤي، وعلي بن أبي طالب، وكتب وكان هو كاتب الصحيفة.
حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، قالا جميعاً: حدثنا إسرائيل، قال: حدثناأبو إسحاق، عن البراء، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة. فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى يقاضيهم على أن يقيم بها ثلاثة ايام. فلما كتب الكتاب كتب: " هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله " ، فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك؛ ولكن أنت محمد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، قال لعلي عليه السلام: امح " رسول الله " ، قال: لا والله لا أمحاك أبداً، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وليس يحسن يكتب - فكتب مكان رسول الله محمد فكتب: " هذا ما قاضى عليه محمد، ولا يدخل مكة بالسلاح إلا السيوف في القراب، ولا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه ، ولا يمنع أحداً من أصحابه أراد أن يقيم بها " . فلما دخلها ومضى الأجل، أتوا علياً عليه السلام، فقالوا: له: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضيته قال لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقى من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك ! اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنتك؛ وتدعو حالقك فيحلقك؛ فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم كلمة حتى فعل ذلك؛ نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا؛ وجعل بعضهم يلحق بعضاً؛ حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً.
قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان الذي حلقه - فيما بلغني ذلك اليوم - خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حلق رجالٌ يوم الحديبية، وقصر آخرون؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال: يرحم الله المحلقين؛ قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟قال يرحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله : والمقصرين ؟ قال: والمقصرين؛ قالوا: يا رسول الله؛ فلم ظاهرت الترحم لمحلقين دون المقصرين ؟ قال: لأنهم لم يشكوا.
حدثنا ابن حميد: قال حدثنا سلمة، عن أبان بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل؛ في رأسه برة من فضة، ليغيظ المشركين بذلك.
رجع الحديث إلى حديث الزهري الذي ذكرنا قبل، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - زاد ابن حميد عن سلمة في حديثه، عن ابن إسحاق عن الزهري؛ قال: يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتحٌ قبله كان أعظم منه؛ إنما كان القتال حيث التقى الناس - فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضاً فالتقوا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
وقالوا: جميعاً في حديثهم عن الزهري، عن عروة، عن المسور ومروان: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، جاءه أبو بصير؛ - رجل من قريش - قال ابن إسحاق في حديثه :أبو بصير عتبة بن أسيد ابن جارية - وهو مسلمٌ، وكان ممن حبس بمكة، فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث رجلاً من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم.
فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت؛ ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً.
قال: فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة، جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارمٌ سيفك هذا يا أخا بني عامر ؟ قال: نعم، قال: انظر إليه ؟ قال: إن شئت، فاستله أبو بصير، ثم علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعاً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله طالعاً، قال: إن هذا رجل قد رأى فزعاً؛ فلما انتهى إلى رسول الله قال: ويلك! أما لك! قال: قتل صاحبكم صاحبي؛ فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحاً السيف، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدي عنك، أسلمتني ورددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل امه مسعر حرب ! - وقال ابن إسحاق في حديثه: محش حرب - لو كان معه رجالٌ ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم.
قال :فخرج أبو بصير حتى نزل بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش الذي كانوا يأخذون إلى الشام.
وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: " ويل امه محش حرب لو كان معه رجال " ، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص؛ وينفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير؛ فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً منهم؛ فكانوا قد ضيقوا على قريش؛ فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه بالله وبالرحم لما أرسل إليهم ! فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه المدينة: زاد ابن إسحاق في حديثه: فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري أسند ظهره إلى الكعبة، وقال: لا أؤخر ظهري عن الكعبة؛ حتى يودوا هذا الرجل؛ فقال أبو سفيان بن حرب: والله إن هذا لهو السفه ! والله لا يودى ! ثلاثاً.
وقال ابن عبد الأعلى ويعقوب في حديثهما: ثم جاءه - يعني رسول الله - نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله عز وجل عليه: " يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ " - حتى بلغ: " بعصم الكوافر " .
قال: فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك. قال: فنهاهم أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق حينئذ.
قال رجل للزهري: أمن أجل الفروج ؟ قال: نعم، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية.
زاد ابن إسحاق في حديثه: وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة؛ فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة؛ حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية؛ فلم يفعل ،أبى الله عز وجل ذلك.
وقال أيضاً في حديثه: كان ممن طلق عمر بن الخطاب، طلق امرأتيه قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان ؛ وهما على شركهما بمكة، وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبيد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم، رجلٌ من قومها؛ وهما على شركهما بمكة.
وقال الواقدي: في هذه السنة - في شهر ربيع الآخر منها - بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلاً إلى الغمر؛ فيهم ثابت بن أقرم وشجاع بن وهب؛ فأغذ السير، ونذر القوم به فهربوا، فنزل على مياههم وبعث الطلائع؛ فأصابوا عيناً فدلهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعير، فحدروها إلى المدينة.
قال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في عشرة نفر في ربيع الأول منها، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه؛ فما شعروا إلا بالقوم؛ فقتل أصحاب محمد بن مسلمة وأفلت محمد جريحاً.
قال الواقدي: وفيها أسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر في أربعين رجلاً، فساروا ليلتهم مشاةً، ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصابوا نعماً ورثة ورجلاً واحداً، فأسلم، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم، فأصاب امرأة من مزينة، يقال لها حليمة؛ فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا بها نعماً وشاء وأسراء، وكان في أولئك الأسراء زوج حليمة، فلما قفل بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية زوجها ونفسها.
قال: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلىالعيص في جمادى الأولى منها.
وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع؛ فاستجار بزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم فأجارته.
قال: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطرف، في جمادى الآخرة إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فهربت الأعراب وخافوا أن يكون رسول الله سار إليهم، فأصاب من نعمهم عشرين بعيراً. قال: وغاب أربع ليال.
قال: وفيها سرية زيد بن حارثة إلى حسمي في جمادى الآخرة.
قال: وكان أول ذلك - فيما حدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: أقبل دحية الكلبي من عند قيصر؛ وقد أجاز دحية بمال، وكساه كسى؛ فأقبل حتى كان بحسمي، فلقيه ناسٌ من جذام، فقطعوا عليه الطريق، فلم يترك معه شيء، فجاء إلى رسول الله قبل أن يدخل بيته فأخبره، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى حسمي.
قال: وفيها تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح؛ أخت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصم بن عمر؛ فطلقها عمر فتزوجها بعده يزيد بن جارية، فولدت له عبد الرحمن بن يزيد؛ فهو أخو عاصم لأمه.
قال: وفيها سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب.
قال: وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان؛ وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أطاعوك فتزوج ابنة ملكهم؛ فأسلم القوم، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ؛ وهي أم أبي سلمة؛ وكان أبوها رأسهم وملكهم.
قال: وفيها أجدب الناس جدباً شديداً، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بالناس.
قال: وفيها سرية علي بن أبي طالب عليه السلام إلى فدك في شعبان.
قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عقبة، قال: خرج علي بن أبي طالب في مائة رجل إلى فدك، إلى حي من بني سعد بن بكر؛ وذلك أنه بلغ رسول الله أن لهم جمعاً يريدون أن يمدوا يهود خيبر؛ فسار إليهم الليل وكمن النهار؛ وأصاب عيناً، فأقر لهم أنه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم ثمر خيبر.
قال: وفيها سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة في شهر رمضان.
وفيها قتلت أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، قتلها قتلاً عنيفاً؛ ربط برجليها حبلاً ثم ربطها بين بعيرين حتى شقاها شقاً، وكانت عجوزاً كبيرةً.
وكان من قصتها ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى وادي القرى؛ فلقى به بني فزارة؛ فأصيب به أناسٌ من أصحابه؛ وارتث زيد من بين القتلى، وأصيب فيها ورد ابن عمرو أحد بني سعد بن هذيم، أصابه أحد بني بدر؛ فلما قدم زيد نذر ألا يمس رأسه غسلٌ من جنابة حتى يغزو فزارة؛ فلما استبل من جراحه، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش إلى بني فزارة، فلقيهم بوادي القرى، فأصاب فيهم؛ وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أم قرفة - وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر، عجوزاً كبيرة - وبنتاً لها، وعبد الله بن مسعدة.
فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قرفة؛ فقتلها قتلاً عنيفاً، ربط برجليها حبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقاها.
ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع؛ كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت.
فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة، فوهبها له، فأهداها لخاله حزن بن أبي وهب، فولدت عبد الرحمن بن حزن.
وأما الرواية الأخرى عن سلمة بن الأكوع في هذه السرية، أن أميرها كان أبا بكر بن أبي قحافة؛ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا أبو عامر، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا أبا بكر؛ فغزونا ناساً من بني فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح، أمرنا أبو بكر فشننا الغارة عليهم.
قال: فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا. قال: فأبصرت عنقاً من الناس؛ وفيهم النساء والذراري قد كادوا يسبقون إلى الجبل، فطرحت سهماً بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر؛ وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع أدم، معها ابنة لها من أحسن العرب.
قال: فنفلني أبو بكر ابنتها، قال: فقدمت المدينة، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوق، فقال: يا سلمة، لله أبوك ! هب لي المرأة ! فقلت: يا رسول الله، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً.
قال: فسكت عني حتى إذا كان من الغد لقيني في السوق، فقال: يا سلمة، لله أبوك ! هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفت لها ثوباً، وهي لك يا رسول الله. قال: فبعث بها رسول الله إلى مكة؛ ففادى بها أسارى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين. فهذه رواية عن سلمة.
قال محمد بن عمر: وفيها سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل في شوال من سنة ست؛ وبعثه رسول الله في عشرين فارساً.
ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوكقال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل؛ فبعث ذي الحجة ستة نفر: ثلاثة مصطحبين، حاطب بن أبي بلتعة من لخم حليف بني أسد بن عبد العزى إلى المقوقس، وشجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة - حليفاً لحرب بن أمية شهد بدراً - إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، ودحية ابن خليفة الكلبي إلى قيصر.
وبعث سليط بن عمرو العامري عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي الحنفي. وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى.وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي .
وأما ابن أسحاق، فإنه - فيما زعم، وحدثنا به ابن حميد - قال: حدثنا سلمة، عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرق رجالاً من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم، دعاةً إلى الله عز وجل فيما بين الحديبية ووفاته.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب المصري، أنه وجد كتاباً فيه تسمية من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الخائبين، وما قال لأصحابه حين بعثهم، فبعث به إلى ابن شهاب الزهري، مع ثقة من أهل بلدة فعرفه.
وفي الكتاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ذات غداة، فقال لهم: إني بعثت رحمةً وكافة؛ فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا علي كاختلاف الحواريين على عيسى بن مريم، قالوا: يا رسول الله، وكيف كان اختلافهم ؟ قال: دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه، فأما من قرب به فأحب وسلم، وأما من بعد به فكره وأبى؛ فشكا ذلك منهم عيسى إلى الله عز وجل، فأصبحوا من ليلتهم تلك؛ وكل رجل منهم يتلكم بلغة القوم الذين بعث إليهم. فقال عيسى: هذا أمرٌ قد عزم الله لكم عليه؛ فامضوا.
قال ابن إسحاق: ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه؛ فبعث سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أخا بني عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي، صاحب اليمامة.
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى أخي بني عبد القيس صاحب البحرين، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن جلندي وعباد بن جلندي الأزديين صاحبي عمان.
وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية؛ فأدى إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار، منهن مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله دحية بن خليفة الكلبي ثم الخزجي إلى قيصر، وهو هرقل ملك الروم؛ فلما أتاه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر فيه ثم جعله بين فخذيه وخاصرته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله ابن عباس، قال: حدثني أبو سفيان بن حرب، قال: كنا قوماً تجاراً، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا؛ فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله، لم نأمن ألا نجد أمناً؛ فخرجت في نفر من قريش تجار إلى الشأم؛ وكان وجه متجرنا منها غزة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس، وأخرجهم منها، وانتزع له منهم صليبه الأعظم؛ وكانوا قد استلبوه إياه، فلما بلغ ذلك منهم، وبلغه أن صليبه قد استنقذ له - وكانت حمص منزله - خرج منها يمشي على قدميه متشكراً لله حين رد عليه مارد، ليصلي في بيت المقدس، تبسط له البسط، وتلقى عليها الرياحين، فلما انتهى إلى إبلياء وقضى فيها صلاته، ومعه بطارقته وأشراف الروم، أصبح ذات غداة مهموماً يقلب طرفه إلى السماء، فقال له بطارقته: والله لقد أصبحت أيها الملك الغداة مهموماً. قال: أجل، أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهرٌ ! قالوا له :أيها الملك، ما نعلم أمةً تختتن إلا يهود، وهم في سلطانك وتحت يدك؛ فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك، فمره فليضرب أعناق كل من تحت يديه من يهود، واسترح من هذا الهم، فوالله إنهم لفي ذلك من رأيهم يديرونه؛ إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب، يقوده - وكانت الملوك تهادى الأخبار بينها - فقال: أيها الملك، إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل، يحدث عن أمر حدث ببلاده عجب، فسله عنه.
فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بصرى، قال هرقل لترجمانه: سله، ما كان هذا الحدث الذي ببلاده ؟ فسأله فقال: خرج بين أظهرنا رجلٌ يزعم أنه نبي، قد اتبعه ناسٌ وصدقوه، وخالفه ناس؛ وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة، فتركتهم على ذلك.
قال: فلما أخبره الخبر قال: جردوه، فجردوه، فإذا هو مختون، فقال هرقل: هذا والله الذي رأيت؛ لا ما تقولون، أعطوه ثوبه، انطلق عنا.
ثم دعا صاحب شرطته، فقال له: قلب لي الشأم ظهراً وبطناً؛ حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سفيان : فوالله إنا لبغزة. إذ هجم علينا صاحب شرطته؛ فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز ؟ قلنا: نعم، قال: انطلقوا بنا إلى الملك؛ فانطلقنا؛ فلما انتهينا إليه قال: أنتم من رهط هذا الرجل ؟ قلنا: نعم، قال: فأيكم أمس به رحماً ؟ قلت: أنا.
قال أبو سفيان: وايم الله ما رأيت من رجل أرى أنه كان أنكر من ذلك الأغلف - يعني هرقل - فقال: ادنه فأقعدني بين يديه، وأقعد أصحابي خلفي، ثم قال: إني سأسأله؛ فإن كذب فردوا عليه؛ فوالله لو كذبت ما رودوا علي، ولكني كنت أمراً سيداً أتكرم عن الكذب؛ وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك علي؛ ثم يحدثوا به عني؛ فلم أكذبه، فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدعي ما يدعي ! فقال: فجعلت أزهد له شأنه، وأصغر له أمره؛ وأقول له: أيها الملك، ما يهمك من أمره! إن شأنه دون ما يبلغك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك، ثم قال: أنبئني عما أسألك عنه من شأنه.
قلت: سل عما بدا لك؛ قال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: محضٌ؛ أوسطنا نسباً.
قال: فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول، فهو يتشبه به ؟ قلت: لا، قال: فهل كان له فيكم ملكٌ فاستلبتموه إياه، فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه ؟ قلت: لا، قال: فأخبرني عن أتباعه منكم، من هم ؟ قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث من العلمان والنساء، وأما ذوو الأسنان والشرف من قومه، فلم يتبعه منهم أحدٌ.
قال: فأخبرني عمن تبعه، أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه ؟ قال: قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فأخبرني كيف الحرب بينكم وبينه ؟ قال: قلت: سجالٌ يدال علينا وندال عليه؛ قال: فأخبرني هل يغدر ؟ فلم أجد شيئاً مما سألني عنه أغمزه فيه غيرها: قلت: لا، ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره. قال: فوالله ما التفت إليها مني، ثم كر على الحديث. قال: سألتك كيف نسبه فيكم فزعمت أنه محضٌ، من أوسطكم نسباً؛ وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه؛ لا يأخذ إلا من أوسط قومه نسباً. وسألتك: هل كان أحدٌ من أهل بيته يقول بقوله؛ فهو يتشبه به؛ فزعمت أن لا؛ وسألتك: هل كان له فيكم ملكٌ فاستلبتموه إياه؛ فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه ؟ فزعمت أن لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء؛ وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان، وسألتك عمن يتبعه، أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه ؟ فزعمت أنه لا يتبعه أحدٌ فيفارقه؛ وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه. وسألتك: هل يغدر ؟ فزعمت أن لا؛ فلئن كنت صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدمي هاتين؛ ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك.
قال: فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يدي بالأخرى؛ وأقول: أي عباد الله؛ لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ! أصبح ملوك بني الأصفر يهابونه في سلطانهم بالشام ! قال: وقدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية بن خليفة الكلبي: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. السلام على من اتبع الهدى. أما بعد: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين؛ وإن تتول فإن إثم الأكارين عليك - يعني تحماله .
حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: أخبرني أبو سفيان ابن حرب، قال: لما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، خرجت تاجراً إلى الشام. ثم ذكر نحو حديث ابن حميد، عن سلمة، إلا أنه زاد في آخره: قال: فأخذ الكتاب فجعله بين فخذيه وخاصرته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: قال ابن شهاب الزهري: حدثني أسقفٌ للنصارى أدركته في زمان عبد الملك بن مروان، أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر هرقل وعقله، قال: فلما قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع دحية بن خليفة، أخذه هرقل، فجعله بين فخذيه وخاصرته.
ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرءونه؛ يذكر له أمره، ويصف له شأنه، ويخبره بما جاء منه؛ فكتب إليه صاحب رومية: إنه للنبي الذي كنا ننتظره؛ لا شك فيه؛ فاتبعه وصدقه.
فأمر هرقل ببطارقة الروم؛ فجمعوا له في دسكرة، وأمر بها فأشرجت أبوابها عليهم؛ ثم اطلع عليهم من علية له؛ وخافهم على نفسه، وقال: يا معشر الروم؛ إنني قد جمعتكم لخير؛ إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا؛ فهلموا فلنتبعه ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا.
قال: فنخروا نخرة رجل واحد؛ ثم ابتدروا أبواب الدسكرة ليخرجوا منها فوجدوها قد أغلقت، فقال: كروهم علي - وخافهم على نفسه - فقال: يا معشر الروم؛ إني قد قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي قد حدث؛ وقد رأيت منكم الذي أسر به؛ فوقعوا له سجداً؛ وأمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم؛ فانطلقوا.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، أن هرقل قال لدحية بن خليفة حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك ! والله إني لأعلم أن صاحبك نبيٌ مرسل؛ وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا؛ ولكني أخاف الروم على نفسي؛ ولولا ذلك لأتبعته؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر لهم أمر صاحبكم؛ فهو والله أعظم في الروم منى، وأجوز قولا عندهم منى؛ فانظر ما يقول لك.
قال: فجاءه دحية؛ فأخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وبما يدعوه إليه، فقال صغاطر: صاحبك والله نبي مرسل؛ نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه.
ثم دخل فألقى ثياباً كانت عليه سوداً، ولبس ثيابا بيضا، ثم أخذ عصاه؛ فخرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشر الروم؛ إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد؛ يدعونا فيه إلى الله عز وجل؛ وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله.
قال: فوثبوا عليه وثبة رجل واحد، فضربوه حتى قتلوه. فلما رجع دحية إلى هرقل فأخبره الخبر قال: قد قلت لك: إنا نخافهم على أنفسنا؛ فصغاطر - والله - كان أعظم عندهم وأجوز قولاً مني.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام ، قال: لما أراد هرقل الخروج من أرض الشأم إلى القسطنطينة ، لما بلغه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع الروم، فقال: يا معشر الروم؛ إني عارضٌ عليكم أموراً، فانظروا فيهم قد أردتها ! قالوا: ما هي ؟ قال: تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسلٌ؛ إنا نجده في كتابنا نعرفه بصفته التي وصف لنا، فهلم فلنتبعه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا، فقالوا: نحن نكون تحت يدي العرب، ونحن أعظم الناس ملكاً، وأكثرهم رجالاً، وأفضلهم بلداً ! قال: فهلم فأعطيه الجزية في كل سنة، اكسروا عني شوكته وأستريح من حربه بمال أعطيه إياه، قالوا: نحن نعطي العرب الذل والصغار، بخرجٍ يأخذونه منا؛ ونحن أكثر الناس عدداً، وأعظمهم ملكاً، وأمنعهم بلداً؛ لا والله لا نفعل هذا أبداً.
قال: فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية، ويدعني وأرض الشام - قال: وكانت أرض سورية أرض فلسطين والأردن ودمشق وحمص ومادون الدرب من أرض سورية؛ وكان ما وراء الدرب عندهم الشام - فقالو له: نحن نعطيه أرض سورية؛ وقد عرفت أنها سرة الشام؛ والله لا نفعل هذا أبداً.
فلما أبوا عليه، قال: أما والله لترون أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم. ثم جلس على بغل له؛ فأنطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام، ثم قال: السلام عليكم أرض سورية تسليم الوداع، ثم ركض حتى دخل القسطنطينية.
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب، أخا بني أسد بن خزيمة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني؛ صاحب دمشق .
وقال محمد بن عمر الواقدي: وكتب إليه معه: سلام على من اتبع الهدى وآمن به. إني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك.
فقدم به شجاع بن وهب، فقرأه عليهم، فقال: من ينزع منى ملكي ! أنا سائر إليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: باد ملكه ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شان جعفر بن أبي طالب وأصحابه؛ وكتب معه كتاباً.
بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلمٌ أنت؛ فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن؛ وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى؛فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له؛ والموالاة على طاعته؛ وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني؛ فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين؛ فإذا جاءك فأقرهم، ودع التجبر؛ فإني أدعوك وجنودك إلى الله؛ فقد بلغت ونصحت؛ فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى.
فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله، من النجاشي الأصحم بن أبجر. سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الله الذي لا إله إلا هو، الذي هداني إلى الإسلام. أما بعد؛ فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقاً؛ إنه كما قلت؛ وقد عرفت ما بعثت به إلينا؛ وقد قرينا ابن عمك وأصحابه؛ فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقا؛ وقد بايعتك وبايعت ابن عمك؛ وأسلمت على يديه لله رب العالمين؛ وقد بعثت إليك با بني أرها بن الأصحم ابن أبجر؛ فإني لا أملك إلا نفسي؛ وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله؛ فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله.
قال ابن إسحاق: وذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة؛ فإذ كانوا في وسط من البحر غرقت بهم سفينتهم، فهلكوا.
وحدثت عن محمد بن عمر، قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان؛ ويبعث بها إليه مع من عنده من المسلمين، فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة ليخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها جارية له يقال لها أبرهة؛ فأعطتها أوضاحاً لها وفتخاً؛ سرورا بذلك، وأمرها أن توكل من يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، فزوجها، فخطب النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطب خالد فأنكح أم حبيبة، ثم دعا النجاشي بأربعمائة دينار صداقها؛ فدفعها إلى خالد بن سعيد؛ فلما جاءت أم حبيبة تلك الدنانير، قال: جاءت بها أبرهة فأعطتها خمسين مثقالا، وقالت: كنت أعطيتك ذلك؛ وليس بيدي شىء، وقد جاء الله عز وجل بهذا.
فقالت أبرهة: قد أمرني الملك ألا آخذ منك شيئا؛ وأن أرد إليك الذي أخذت منك، فرددته وأنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت محمداً رسول الله وآمنت به؛ وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام.
قالت: نعم؛ وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكره.
قالت أم حبيبة: فخرجنا في سفينتين؛ وبعث معنا النواتي حتى قدمنا الجار، ثم ركبنا الظهر إلى المدينة؛ فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه، وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله؛ فدخلت إليه، فكان يسائلني عن النجاشي؛ وقرأت عليه من أبرهة السلام، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها؛ ولما جاء أبا سفيان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة قال: ذلك الفحل لا يقدع أنفه.
وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وبعث الكتاب مع عبد الله بن حذافة السهمي؛ فيه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلامٌ على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله؛ وشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا؛ أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس.
فمزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: مزق ملكه ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، قال: وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس؛ سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأدعوك بدعاء الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت؛ فإن إثم المجوس عليك.
فلما قرأه مزقه، وقال: يكتب إلى هذا وهو عبدي ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عبد الله بن حذافة قدم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كسرى، فلما قرأه شقه، فقال رسول الله: مزق ملكه ! حين بلغه أنه شق كتابه.
ثم رجع إلى حديث يزيد بن أبي حبيب. قال: ثم كتب كسرى إلى باذان؛ وهو على اليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به؛ فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه - وكان كاتباً حاسباً بكتاب فارس - وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خر خسره، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل، وكلمه وأتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالا من قريش بنخب من أرض الطائف فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما وفرحوا؛ وقال بعضهم لبعض: أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل !
فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى اللعه عليه وسلم، فكلمه بابويه، فقال: إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى؛ قد كتب إلى الملك باذان، يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك؛ وقد بعثني إليك لتنطلق معي؛ فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ينفعك ويكفه عنك؛ وإن أبيت فهو من قد علمت ! فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك؛ ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما؛ فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما فقال: ويلكما ! من أمركما بهذا ؟ قالا: أمرنا بهذا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله: لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي. ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غداً، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء أن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه؛ فقتله في شهر كذا وكذا ليلة كذا وكذا من الليل؛ بعد ما مضى من الليل؛ سلط عليه ابنه شيرويه فقتله.
- قال الواقدي: قتل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها - رجع الحديث إلى حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب. فدعاهما فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول ! إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا؛ أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك ! قال: نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر؛ وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك؛ وملكتك على قومك من الأبناء؛ ثم أعطى خرخسره منطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها له بعض الملوك.
فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبياً كما يقول؛ ولننظرن ما قد قال؛ فلئن كان هذا حقا ما فيه كلامٌ؛ إنه لنبي مرسلٌ؛ وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه؛ أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضباً لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم؛ فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك؛ وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه.
فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إن هذا الرجل لرسولٌ. فأسلم وأسلمت الأبناء معه من فارس من كان منهم باليمن؛ فكانت حمير تقول لخرخسره: ذو المعجزة، للمنطقة التي أعطاها إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم - والمنطقة بلسان حمير المعجزة - فبنوه اليوم ينسبون إليها خرخسره ذو المعجزة.
وقد قال بابويه لباذان: ما كلمت رجلاً قط أهيب عندي منه، فقال له باذان: هل معه شرطٌ ؟ قال: لا.
قال الواقدي: وفيها كتب إلى المقوقس عظيم القبط، يدعوه إلى الإسلام فلم يسلم.
قال أبو جعفر: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الحديبية إلى المدينة أقام بها ذا الحجة وبعض المحرم - فيما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.
قال: و ولى الحج في تلك السنة المشركون.
الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة
غزوة خيبر
ثم دخلت سنة سبع؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم إلى خبير وأستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، فمضى حتى نزل بجيشه بواد يقال له الرجيع؛ فنزل بين أهل خيبر وبين غطفان - فيما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق - ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر؛ وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه؛ حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهاليهم حساً؛ ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم؛ فأقاموا في أهاليهم وأموالهم؛ وخلوا بين رسول الله وبين خيبر، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأموال يأخذها مالاً مالا، ويفتتحها حصناً حصناً؛ فكان أول حصونهم أفتتح حصن ناعم؛ وعنده قتل محمود بن مسلمة؛ ألقيت عليه رحاً منه فقتلته؛ ثم القموص؛ حصن ابن أبي الحقيق. وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا؛ منهم صفية بنت حيى بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق؛ وابنتي عم لها. فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه، وكان دحية الكلبي قد سأل رسول الله صفية؛ فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها؛ وفشت السبايا من خيبر في المسلمين .
قال: ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والأموال.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر؛ أنه حدثه بعض أسلم؛ أن بني سهم من أسلم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله؛ والله لقد جهدنا وما بأيدينا شيء؛ فلم يجدوا عند رسول الله شيئاً يعطيهم إياه، فقال النبي: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة؛ وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه؛ فافتح عليهم أعظم حصونها ؛ وأكثرها طعاماً وودكاً. فغدا الناس، ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ؛ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاماً وودكاً منه.
قال: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما أفتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنهم الوطيح والسلالم - وكان آخر حصون خيبر أفتتح - حاصرهم رسول الله بضع عشرة ليلة .
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أخي بني حارثة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خرج مرحب اليهودي من حصنهم؛ قد جمع سلاحه وهو يرتجز؛ ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحياناً وحيناً أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب
كان حماي، للحمى لا يقرب
وهو يقول: هل من مبارز! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذا؟ فقام محمد بن مسلمة؛ فقال: أنا له يا رسول الله؛ أنا والله الموتور الثائر؛ قتلوا أخي بالأمس! قال: فقم إليه؛ اللهم أعنه عليه.
فلما أن دنا كل واحد منهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر ؛ فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه؛ فكلما لاذ بها أقتطع بسيفه منها ما دونه منها؛ حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما بينهما فنن؛ ثم حمل مرحب على محمد فضربه؛ فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها؛ فعضت به فأمسكته، وضربه محمد أبن مسلمة حتى قتله .
ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أني ياسر ... شاكي السلاح بطل مغاور
إذا الليوث أقبلت تبادر ... وأحجمت عن صولتي المغاور
إن حماي فيه موت حاضر
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد أبن إسحاق، عن هشام بن عروة؛ أن الزبير بن العوام خرج إلى ياسر، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل أبني يا رسول الله؟ قال: بل أبنك يقتله إن شاء الله. فخرج الزبير وهو يقول:
قد علمت خيبر أني زبار ... قرم لقوم غير نكس فرار
ابن حماة المجد وأبن الأخيار ... ياسر لا يغررك جمع الكفار
فجمعهم مثل السراب الجرار
ثم ألتقيا فقتله الزبير.
حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، أن عبد الله بن بريدة حدث عن بريدة الأسلمي، قال: لما كان حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصن أهل خيبر، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء عمر بن الخطاب، ونهض من نهض معه من الناس؛ فلقوا أهل خيبر؛ فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ يجبنه أصحابه ويجبنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين اللواء غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر؛ فدعا علياً عليه السلام وهو أرمد، فتفل في عينيه، وأعطاه اللواء؛ ونهض معه من الناس من نهض. قال: فلقي أهل خيبر؛ فإذا مرحب يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحياناً وحيناً أضرب ... إذا الليوث أقبلت تلهب
فأختلف هو وعلى ضربتين، فضربه على على هامته؛ حتى عض السيف منها بأضراسه ؛ وسمع أهل العسكر صوت ضربته ؛ فما تتام آخر الناس مع على عليه السلام حتى فتح الله له ولهم.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا المسيب بن مسلم الأودي، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة ، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس. وإن أبا بكر أخذ راية رسول الله؛ ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً؛ ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالاً شديداً هو أشد من القتال الأول؛ ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله، فقال: أما والله لأعطينها غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يأخذها عنوة - قال: وليس ثم على عليه السلام - فتطاولت لها قريش، ورجا كل واحد منهم أن يكون صاحب ذلك؛ فأصبح فجاء علي عليه السلام على بعير له، حتى أناخ قريباً من خباء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أرمد، وقد عصب عينيه بشقة برد قطري؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك؟ قال: رمدت بعد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدن منى، فدنا فتفل في عينيه، فما وجعهما حتى مضى لسبيله. ثم أعطاه الراية؛ فنهض بها معه وعليه حلة أرجوان حمراء قد أخرج خملها . فأتى مدينة خيبر؛ وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر يمان، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
فقال علي عليه السلام:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... أكيلكم بالسيف كيل السندره
ليث بغابات شديد قسوره
فأختلفا ضربتين؛ فبدره علي فضربه، فقد الحجر والمفغر ورأسه؛ حتى وقع في الأضراس. وأخذ المدينة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن؛ عن بعض أهله، عن أبي رافع مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته؛ فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله؛ فقاتلهم فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده؛ فتناول علي رضي الله عنه باباً كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل؛ حتى فتح الله عليه؛ ثم ألقاه من يده حين فرغ؛ فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص، حصن ابن أبي الحقيق، أتى رسول الله بصفية بنت حيي بن أخطب، وبأخرى معها؛ فمر بهما بلال - وهو الذي جاء بهما - على قتلي من قتلي يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله قال: أغربوا عني هذه الشيطانة؛ وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقي عليها رداؤه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال - فيما بلغني - حين رأى من تلك اليهودية ما رأى: أنزعت منك الرحمة يا بلال؛ حيث تمر بامرأتين على قتلي رجالهما! وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق؛ أن قمراً وقع في حجرها؛ فعرضت رؤياها على زوجها فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمداً، فلطم وجهها لطمة أخضرت عينها منها؛ فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منها، فسألها: ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق - وكان عنده كنز بني النضير - فسأله فجحد أن يكون يعلم مكانه؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من يهود؛ فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك؟ قال: نعم؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت؛ فأخرج منها بعض كنزهم؛ ثم سأله ما بقي. فأبى أن يؤديه، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده؛ فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه؛ ثم دفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم، الوطيح والسلالم؛ حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم؛ ففعل. وكان رسول الله قد حاز الأموال كلها: الشق ونطاة والكتبية؛ وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين. فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم لهم، ويخلوا له الأموال أففعل، وكان فيمن مشى بينهم وبين رسول الله في ذلك محيصة بن مسعود؛ أخوبني حارثة؛ فلما نزل أهل خيبر على ذلك؛ سألوا رسول الله أن يعاملهم بالأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم؛ وأعمر لها؛ فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف؛ على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم؛ وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصلية ؛ وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله؟ فقيل لها: الذراع؛ فأكثرت فيها السم، فسمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع؛ فأخذها فلاك منها مضغة فلم يسغها؛ ومعه بشر بن البراء أبن معرور؛ وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله، فأما بشر فأساغها؛ وأما رسول الله فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم؛ ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبياً فسيخبر؛ وإن كان ملكاً استرحت منه؛ فتجاوز عنها النبي صلى الله عليه وسلم. ومات بشر بن البراء من إكلته التي أكل .
حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق؛ عن مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلي، قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي توفي فيه - ودخلت عليه أم بشر بن البراء تعوده: يا أم بشر؛ إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أبنك بخيبر.
قال: وكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات شهيداً مع ما أكرمه الله به من النبوة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أنصرف إلى وادي القرى فحاصر أهله ليالي، ثم أنصرف راجعاً إلى المدينة.
ذكر غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي القرى حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ثور ابن زيد، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: لما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى، نزلنا أصلاً مع مغارب الشمس، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له ؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجذامي، ثم الضبيبي ؛ فو الله إنا لنضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب ؛ فأصابه فقتله، فقلنا: هنيئاً له الجنة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفس محمد بيده؛ إن شملته الآن لتحرق عليه في النار. قال: وكان غلها من فئ المسلمين يوم خيبر.
قال: فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه، فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لي، قال: فقال: يقد لك مثلهما من النار .
وفي هذه السفرة نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس؛ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: لما أنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر؛ وكان ببعض الطريق، قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر، لعلنا ننام؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله أحفظ لك؛ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل الناس فناموا؛ وقام بلال يصلي، فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم أستند إلى بعيره؛ وأستقبل الفجر يرمقه؛ فغلبته عينه، فنام فلم يوقظهم إلا مس الشمس ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هب من نومه، فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال! فقال: يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قا : صدقت. ثم أقتاد رسول الله غير كثير، ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى بالناس، فلما سلم أقبل على الناس، فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله عز وجل يقول: " وأقم الصلاة لذكري " .
قال ابن إسحاق: وكان فتح خيبر في صفر.
قال: وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من نساء المسلمين، فرضخ لهن رسول الله من الفيء ولم يضرب لهن بسهم.
أمر الحجاج بن علاط السلمي قال : ولما فتحت خيبر قال الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ؛ إن لي مالاً بمكة عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها معرض بن الحجاج - ومال متفرق في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إنه لا بد لي من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة، فوجدت بثينة البيضاء رجالاً من قريش يتسمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفاً ومنعه ورجالاً، فهم يتحسسون الأخبار؛ فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط - ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخبر! أخبرنا بأمر محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر؛ وهي بلدة يهود وريف الحجاز. قال: قلت: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسركم. قال: فالتاطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج! قال: قلت: هزموا هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط؛ وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسراً، وقالوا: لن نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا فصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي؛ فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.
قال: فقاموا فجمعوا مالي كأحث جمع سمعت به. فجئت صاحبتي فقلت: مالي - وقد كان لي عندها مال موصوع - لعلي ألحق بخيبر؛ فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني إليه التجار. فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي؛ وأنا في خيمة من خيام التجار، فقال: يا حجاج، ما هذا الذي جئت به؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم، قلت: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى؛ فأنصرف عني حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت الخروج، لقيت العباس، فقلت: أحفظ على حديثي يا أبا الفضل؛ فإني أخشى الطلب ثلاثاً، ثم قل ما شئت. قال: أفعل، قال: قلت فإني والله لقد تركت أبن أخيك عروساً على ابنة ملكهم - يعني صفية بنت حي أبن أخطب ولقد أفتتح خيبر، وأنتثل ما فيها؛ وصارت له ولأصحابه. قال: ما تقول يا حجاج؟؟؟؟؟؟! قال: قلت: إي والله؛ فأكتم على؛ ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقاً من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك؛ فهو والله على ما تحب. قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها؛ فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل؛ هذا والله التجلد لحر المصيبة! قال: كلا والذي حلفتم به! لقد أفتتح محمد خيبر، وترك عروساً على ابنة ملكهم، وأحرز أموالها وما فيها؛ فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم به؛ لقد دخل عليكم مسلماً، وأخذ ماله وأنطلق ليلحق برسول الله وأصحابه فيكون معه، قالوا: يال عباد الله! أفلت عدو الله! أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك ذكر مقاسم خيبر وأموالها حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة؛ فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خمس الله عز وجل وخمس النبي صلى الله عليه وسلم؛ وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبن السبيل، وطعم أزواج النبي، وطعم رجال مشوا بين رسول الله وبين أهل فدك بالصلح؛ منهم محيصة أبن مسعود، أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين وسق شعير، وثلاثين وسق تمر. وقسمت خيبر على أهل الحديبية؛ من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها.
قال: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر؛ فبعثوا إلى رسول الله يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطائف ، وإما بعد ما قدم المدينة. فقبل ذلك منهم؛ فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصاً بين المسلمين ويهود، فيخرص عليهم؛ فإذا قالوا: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم؛ وإن شئتم فلنا؛ فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض.
وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة؛ ثم أصيب بمؤتة، فكان جبار بن صخر بن خنساء، أخو بني سلمة؛ هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة، فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأساً في معاملتهم؛ حتى عدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله ابن سهل، أخي بني حارثة؛ فقتلوه، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سألت أبن شهاب الزهري: كيف كان إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخيلهم حين أعطاهم النخل على خرجها؟ أبت ذلك لهم حتى فبض، أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك؟
فأخبرني أبن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتتح خيبر عنوة بعد القتال؛ وكانت خيبر مما أفاء الله على رسوله؛ خمسها رسول الله وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الإجلاء بعد القتال؛ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شئتم دفعنا إليكم هذه الأموال على أن تعلموها؛ وتكون ثمارها بيننا وبينكم؛ وأقركم ما أقركم الله. فقبلوا ، فكانوا على ذلك يعملونها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الحرص؛ فلما توفى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر بعد النبي في أيديهم على المعاملة التي كان عاملهم عليها رسول الله حتى توفى، ثم أقرها عمر صدراً من إمارته؛ ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبض فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود أن الله قد أذن في إجلائكم؛ فقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله فليأتني به أنفذه له؛ ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله من اليهود فليتجهز للجلاء؛ فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .
قال أبو جعفر: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
قال الواقدي: في هذه السنة رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب أبنته على أبي العاص بن الربيع؛ وذلك في المحرم.
قال: وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس بمارية وأختها سيرين وبغلته دلدل وحماره يعفور وكساً؛ وبعث معهما بخصي فكان معهما، وكان حاطب قد دعاهما إلى الإسلام قبل أن يقدم بهما ؛ فأسلمت هي وأختها، فأنزلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سليم بنت ملحان - وكانت مارية وضيئة - قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأختها سيرين إلى حسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان.
قال: وفي هذه السنة أتخذ النبي صلى الله عليه وسلم منبره الذي كان يخطب الناس عليه، وأتخذ درجتين ومقعده.
قال: ويقال إنه عمل في سنة ثمان. قال: وهو الثبت عندنا.
قال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلاً إلى عجز هوازن بتربة، فخرج بدليل له من بني هلال؛ وكانوا يسيرون الليل، ويكمنون النهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا؛ فلم يلق كيداً، ورجع.
قال: وفيها سرية أبي بكر بن أبي قحافة في شعبان إلى نجد؛ قال سلمة أبن الأكوع: غزونا مع أبي بكر في تلك السنة.
قال أبو جعفر: قد مضى خبرها قبل.
قال الواقدي: وفيها سرية بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك في شعبان في ثلاثين رجلاً، فأصيب أصحابه وأرتث في القتلي، ثم رجع إلى المدينة.
قال أبو جعفر: وفيها سرية غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلى الميفعة؛ فحدثنا أبن حميد قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب ابن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة، فأصاب بها مرداس بن نهيك حليفاً لهم من الحرقة من جهينة؛ قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار.
قال أسامة: لما غشيناه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فلم ننزع عنه حتى قتلناه؛ فلما قدمنا على رسول الله أخبرناه الخبر؛ فقال: يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله! قال الواقدي: وفيها سرية غالب بن عبد الله إلى بني عبد بن ثعلبة؛ ذكر أن عبد الله بن جعفر حدثه عن ابن أبي عون، عن يعقوب بن عتبة، قال: قال يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله؛ إني أعلم غرة من بني عبد بن ثعلبة، فأرسل معه غالب بن عبد الله في مائة وثلاثين رجلاً؛ حتى أغاروا على بني عبد، فأستاقوا النعم والشاء، وحدروها إلى المدينة.
قال: وفيها سرية بشير بن سعد إلى يمن وجناب، في شوال من سنة سبع، ذكر أن يحيى بن عبد العزيز بن سعيد حدثه عن سعد بن عبادة، عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: الذي أهاج هذه السرية أن حسيل بن نويرة الأشجعي - وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر - قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما وراءك؟ قال: تركت جمعاً من غطفان بالجناب قد بعث إليهم عيينة بن حصن ليسيروا إليكم، فدعا رسول الله بشير بن سعد، وخرج معه الدليل حسيل بن نويرة، فأصابوا نعماً وشاءً؛ ولقيهم عبد لعيينة بن حصن فقتلوه، ثم لقوا جمع عيينة؛ فأنهزم، فلقيه الحارث بن عوف منهزماً، فقال: قد آن لك يا عيينة أن تقصر عما ترى.
عمرة القضاء حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوالا؛ يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه، ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها؛ وخرج معه المسلمون ممن كان معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع؛ فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه؛ وتحدثت قريش بينها أن محمداً وأصحابه في عسر وجهد وحاجة .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: عن ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: اصطفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه؛ فلما دخل رسول الله المسجد، أضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوةً! ثم أستلم الركن. وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم؛ وأستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف؛ ومشى سائرها.
وكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم؛ وذلك أن رسول الله إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم؛ حتى حج حجة الوداع، فرملها، فمضت السنة بها .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته؛ وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... إني شهيد أنه رسوله
خلوا فكل الخير في رسوله ... يا رب إني مؤمن بقيله
أعرف حق الله في قبوله ... نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله ... ضرباً يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن رباح ومجاهد، عن أبن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك؛ وهو حرام؛ وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثاً، فأتاه حويطب بن عبد العزي بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، في نفر من قريش في اليوم الثالث، وكانت قريش وكلته بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فأخرج عنا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه! قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فأخرج عنا. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة؛ حتى أتاه بها بسرف، فبنى عليها رسول الله هنالك، وأمر رسول الله أن يبدلوا الهدى وأبدل معهم، فعزت عليهم الإبل فرخص لهم في البقر؛ ثم أنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ذي الحجة، فأقام بها بقية ذي الحجة - وولى تلك الحجة المشركون - والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وبعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشأم الذين أصيبوا بمؤتة.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمروا في قابل قضاء لعمرة الحديبية، وأن يهدوا.
قال: وحدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكن هذه العمرة قضاءً، ولكن كان شرط على المسلمين أن يعتمروا قابلاً في الشهر الذي صدهم المشركون فيه.
قال الواقدي: قول ابن أبي ذئب أحب إلينا، لأنهم أحصروا ولم يصلوا إلى البيت.
وقال الواقدي: وحدثني عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن محمد أبن إبراهيم، قال: ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة.
قال: وحدثني معاذ بن محمد الأنصاري، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: حمل السلاح والبيض والرماح، وقاد مائة فرس، وأستعمل على السلاح بشير بن سعد، وعلى الخيل محمد بن مسلمة، فبلغ ذلك قريشاً فراعهم؛ فأرسلوا مكرز بن حفص بن الأخيف، فلقيه بمر الظهران، فقال له: ما عرفت صغيراً ولا كبيراً إلا بالوفاء؛ وما أريد إدخال السلاح عليهم؛ ولكن يكون قريباً إلى. فرجع إلى قريش فأخبرهم.
قال الواقدي: وفيها كانت غزوة ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم في ذي القعدة؛ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم بعد ما رجع من مكة في خمسين رجلاً، فخرج إليهم.
قال أبو جعفر: فلقيه - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، بنو سليم، فأصيب بها هو وأصحابه جميعاً.
قال أبو جعفر: أما الواقدي فإنه زعم أنه نجا ورجع إلى المدينة، وأصيب أصحابه.
ثم دخلت سنة ثمان من الهجرةففيها توفيت - فيما زعم الواقدي - زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن عبد الله بن أبي بكر.
خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوح قال: وفيها أغزي رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي في صفر إلى الكديد إلى بني الملوح.
قال أبو جعفر: وكان من خبر هذه السرية وغالب بن عبد الله؛ ما حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري وسعيد بن يحيى بن سعيد - قال إبراهيم: حدثني يحيى بن سعيد، وقال سعيد بن يحيى: حدثني أبي - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة؛ جميعاً عن ابن إسحاق، قال: حدثني يعقوب ابن عتبة بن المغيرة، عن مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهني، عن جندب أبن مكيث الجهني، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي؛ كلب ليث، إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يغير عليهم، فخرج - وكنت في سريته - فمضينا؛ حتى إذا كنا بقديد لقينا بها الحارث أبن مالك - وهو أبن البرصاء الليثي - فأخذناه فقال: إني إنما جئت لأسلم؛ فقال غالب بن عبد الله: إن كنت إنما جئت مسلماً، فلن يضرك رباط يوم وليلة؛ وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك. قال: فأوثقه رباطاً ثم خلف عليه رويجلاً أسود كان معنا، فقال: أمكث معه حتى نمر عليك، فإن نازعك فأحتز رأسه. قال: ثم مضينا حتى أتينا بطن الكديد، فنزلنا عشيشية بعد العصر، فبعثني أصحابي ربيئة، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر ، فأنبطحت عليه - وذلك قبيل المغرب - فخرج منهم رجل، فنظر فرآني منبطحاً على التل، فقال لامرأته: والله إني لأرى على هذا التل سواداً ما كنت رأيته أول النهار؛ فانظري لا تكون الكلاب جرت بعض أوعيتك. فنظرت فقالت: والله ما أفقد شيئاً. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي
فناولته فرماني بسهم فوضعه في جنبي. قال: فنزعته فوضعته، ولم أتحرك. ثم رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أنحرك. فقال: أما والله لقد خالطه سهماي، ولو كان ربيئة لتحرك؛ فإذا أصبحت فأتبعني سهمي فخذيهما لا تمضغهما على الكلاب، قال: فأمهلناهم حتى راحت رائحتهم، حتى إذا أحتلبوا وعطنوا سكنوا، وذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة، فقتلنا من قتلنا وأستقنا النعم؛ فوجهنا قافلين؛ وخرج صريخ القوم إلى القوم مغوثاً . قال: وخرجنا سراعاً حتى نمر بالحارث بن مالك؛ أبن البرصاء، وصاحبه؛ فأنطلقنا به معناً، وأتانا صريخ الناس، فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي من قديد، بعث الله عز وجل من حيث شاء سحاباً ما رأينا قبل ذلك مطراً ولا خالاً، فجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه؛ فلقد رأيناهم ينظرون إلينا، ما يقدر أحد منهم أن يقدم ولا يتقدم؛ ونحن نحدوها سراعاً؛ حتى أسندناها في المشلل؛ ثم حدرناها عنها، فأعجزنا القوم بما في أيدينا، فما أنسى قول راجز من المسلمين؛ وهو يحدوها في أعقابها، ويقول:
أبي القاسم أن تعزبي ... في خضل نباته مغلولب
صفر أعاليه كلون المذهب حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن رجل من أسلم، عن شيخ منهم، أن شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة كان: أمت أمت .
قال الواقدي: كانت سرية غالب بن عبد الله بضعة عشر رجلاً.
قال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضري إلى المنذر بن ساوي العبدي؛ وكتب إليه كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوي. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإن كتابك جاءني ورسلك. وإنه من صلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، وأستقبل قبلتنا فإنه مسلم؛ له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ومن أبى فعليه الجزية. قال: فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن على المجوس الجزية، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
قال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد أبني جلندي بعمان، فصدقا النبي، وأقرا بما جاء به، وصدق أموالهما، وأخذ الجزية من المجوس.
قال: وفيها سرية شجاع بن وهب إلى بني عامر، في شهر ربيع الأول في أربعة وعشرين رجلاً، فشن الغارة عليهم، فأصابوا نعماً وشاءً، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيراً؛ لكل رجل.
قال: وفيها كانت سرية عمرو بن كعب الغفاري إلى ذات أطلاح، خرج في خمسة عشر رجلاً؛ حتى أنتهى إلى ذات أطلاح، فوجد جمعاً كثيراً، فدعوهم إلى الإسلام، فأبوا أن يجيبوا، فقتلوا أصحاب عمرو جميعاً، وتحامل حتى بلغ المدينة.
قال الواقدي: وذات أطلاح من ناحية الشأم، وكانوا من قضاعة، ورأسهم رجل يقال له سدوس.
قال: وفيها قدم عمرو بن العاص مسلماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أسلم عند النجاشي، وقدم معه عثمان بن طلحة العبدري، وخالد أبن الوليد بن المغيرة، قدموا المدينة في أول صفر.
قال أبو جعفر: وكان سبب إسلام عمرو بن العاص، ما حدثنا أبن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولي أبن أبي أوس، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه إلى أذني، قال: لما أنصرفنا مع الأحزاب عن الخندق ، جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً. وإني قد رأيت رأياً فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قلت: رأيت أن نلحق بالنجاشي، فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فلأن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإن يظهر قومنا فنحن من قد عرفوا؛ فلا يأتينا منهم إلا خير. فقالوا: إن هذا لرأي. قلت: فأجمعوا له ما نهدي إليه - وكان أحب ما يهدي إليه من أرضنا الأدم - فجمعنا له أدماً كثيراً، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه؛ فو الله إنا لعنده؛ إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه - قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه؛ فأعطانيه فضربت عنقه! فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد.
فدخلت عليه، فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحباً بصديقي! أهديت لي شيئاً من بلادك؟ قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت لك أدماً كثيراً، ثم قربته إليه، فأعجبه وأشتهاه؛ ثم قلت له: أيها الملك؛ إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك؛ وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله ، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربةً ظننت أنه قد كسره - يعني النجاشي - فلو أنشقت الأرض لي لدخلت فيها فرقاً منه. ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، لتقتله ! فقلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني وأتبعه؛ فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده.
قال: قلت: فتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي؛ وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامداً لرسول الله لأسلم؛ فلقيت خالد أبن الوليد - وذلك قبل الفتح - وهو مقبل من مكة، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد أستقام المنسم؛ وإن الرجل لنبي، أذهب والله أسلم؛ فحتى متى! فقلت: والله ما جئت إلا لأسلم، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجب ما قبله، وإن الهجرة تجب ما قبلها. فبايعته ثم أنصرفت.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عمن لا أتهم؛ أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، كان معهما، أسلم حين أسلما.
ذكر ما في الخبر عن الكائن كان من الأحداث المذكورة في سنة ثمان من سني الهجرة فمما كان فيها من ذلك توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في جمادى الآخرة إلى السلاسل من بلاد قضاعة في ثلثمائة ؛ وذلك أن أم العاص بن وائل - فيما ذكر - كانت قضاعية ، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يتألفهم بذلك، فوجهه في أهل الشرف من المهاجرين والأنصار، ثم أستمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمده بأبي عبيدة بن الجراح على المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر في مائتين، فكان جميعهم خمسمائة.
غزوة ذات السلاسل
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى أرض بلى وعذرة، يستنفر الناس إلى الشأم؛ وذلك أن أم العاص بن وائل كانت أمرأة من بلى، فبعثه رسول الله إليهم يستألفهم بذلك؛ حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له السلاسل - وبذلك سميت تلك الغزوة ذات السلاسل - فلما كان عليه خاف، فبعث إلى رسول الله يستمده، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة أبن الجراح في المهاجرين الأولين؛ فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم، وقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا ؛ فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو بن العاص: إنما جئت مدداً لي، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو؛ إن رسول الله قد قال لي: لا تختلفا؛ وأنت إن عصيتني أطعتك، قال: فأنا أمير عليك؛ وإنما أنت مدد لي، قال: فدونك! فصلي عمرو أبن العاص بالناس.
غزوة الخبط قال الواقدي: وفيها كانت غزوة الخبط ؛ وكان الأمير فيها أبو عبيدة أبن الجراح، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب منها، في ثلثمائة من المهاجرين والأنصار قبل جهينة، فأصابهم فيها أزل شديد وجهد، حتى أقتسموا التمر عدداً.
وحدثنا بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار حدثه أنه سمع جابر أبن عبد الله يقول: خرجنا في بعث ونحن ثلثمائة، وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فأصابنا جوع، فكنا نأكل الخبط ثلاثة أشهر؛ فخرجت دابة من البحر يقال لها العنبر، فمكثنا نصف شهر، نأكل منها، ونحر رجل من الأنصار جزائر، ثم نحر من الغد كذلك؛ فنهاه أبو عبيدة، فأنتهى.
قال عمرو بن دينار - وسمعت ذكوان أبا صالح قال: إنه قيس بن سعد.
قال عمرو: وحدثني بكر بن سوادة الجذامي، عن أبي جمرة، عن جابر بن عبد الله نحو ذلك ، إلا أنه قال: جهدوا؛ وقد كان عليهم قيس أبن سعد، ونحر لهم تسع ركائب، وقال: بعثهم في بعث من وراء البحر؛ وإن البحر ألقي إليهم دابة؛ فمكثوا عليها ثلاثة أيام يأكلون منها ويقددون ويغرفون شحمها؛ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك من أمر قيس بن سعد، فقال رسول الله: إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت، وقال في الحوت: لو نعلم أنا نبلغه قبل أن يروح لأحببنا أن لو كان عندنا منه شيء؛ ولم يذكر الخبط ولا شيئاً سوى ذلك.
حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن أبن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يخبر، قال: زودنا النبي صلى الله عليه وسلم جراباً من تمر، فكان يقبض لنا أبو عبيدة قبضة قبضة، ثم تمرة تمرة، فنمصها ونشرب عليها الماء إلى الليل؛ حتى نفد ما في الجراب، فكنا نجني الخبط، فجعنا جوعاً شديداً. قال: فألقي لنا البحر حوتاً ميتاً، فقال أبو عبيدة: جياع كلوا، فأكلنا - وكان أبو عبيدة ينصب الضلع من أضلاعه فيمر الراكب على بعيره تحته، ويجلس النفر الخمسة في موضع عينه - فأكلنا واد هنا حتى صلحت أجسامنا، وحسنت شحماتنا؛ فلما قدمنا المدينة قال جابر: فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كلوا رزقاً أخرجه الله عز وجل لكم معكم منه شيء؟ - وكان معنا منه شيء - فأرسل إليه بعض القوم فأكل منه.
قال الواقدي: وإنما سميت غزوة الخبط ، لأنهم أكلوا الخبط حتى كأن أشداقهم أشداق الإبل العضهة.
قال: وفيها كانت سرية وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان، أميرها أبو قتادة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، قال: تزوجت أمرأة من قومي، فأصدقتها مائتي درهم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على نكاحي، فقال: وكم أصدقت؟ قلت: مائتي درهم يا رسول الله، قال: سبحان الله! لو كنتم إنما تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتم! والله ما عندي ما أعينك به. قال: فلبثت أياماً؛ وأفبل رجل من بني جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جشم؛ حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة؛ يريد أن يجمع قيساً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وكان ذا أسم وشرف في جشم. قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين، من المسلمين فقال: أخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونا به؛ أو تأتونا منه بخبر وعلم. قال: وقدم لنا شارفاً عجفاء، فحمل عليها أحدنا؛ فو الله ما قامت به ضعفاً حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى أستقلت وما كادت. ثم قال: تبلغوا على هذه وأعتقبوها.
قال: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف؛ حتى جئنا قريباً من الحاضر عشيشية مع غروب الشمس، فكمنت في ناحية، وأمرت صاحبي، فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت وشددت على العسكر فكبرا وشدا معي.
قال: فو الله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غرة أو نصيب منهم شيئاً، غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء؛ وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه.
قال: فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه، فجعله في عنقه ثم قال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا؛ ولقد أصابه شر. فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك! فقال: والله لا يذهب إلا أنا، قالوا: فنحن معك، قال: والله لا يتبعني منكم أحد.
قال: وخرج حتى مر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فو الله ما تكلم، ووثبت إليه فأحتززت رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر وكبرت؛ وشد صاحباي وكبرا؛ فو الله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم؛ وما خف معهم من أموالهم.
قال: فأستقنا إبلاً عظيمة، وغنماً كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجئت برأسه أحمله معي، قال: فأعانني رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيراً، فجمعت إلى أهلي.
وأما الواقدي، فذكر أن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، حدثه عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبن أبي حدرد في هذه السرية مع أبي قتادة، وأن السرية كانت ستة عشر رجلاً، وأنهم غابوا خمس عشرة ليلة، وأن سهمانهم كانت أثنى عشر بعيراً يعدل البعير بعشر من الغنم، وأنهم أصابوا في وجوههم أربع نسوة؛ فيهن فتاة وضيئة، فصارت لأبي قتادة، فكلم محمية بن الجزء فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة عنها، فقال: أشتريتها من المغنم، فقال: هبها لي، فوهبها له، فأعطاها رسول الله محمية بن جزء الزبيدي.
قال: وفيها أغزي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية أبا قتادة إلى بطن إضم. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. وقال بعضهم عن أبن القعقاع - عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم - وكانت قبل الفتح - مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له ووطب من لبن . فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيء كان بينه وبينه؛ فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: " يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا " الآية.
وقال الواقدي: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث هذه السرية حين خرج لفتح مكة في شهر رمضان، وكانوا ثمانية نفر.
ذكر الخبر عن غزوة مؤتة قال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من خيبر؛ أقام بها شهري ربيع، ثم بعث في جمادى الأولى بعثه إلى الشأم الذين أصيبوا بمؤتة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان؛ وأستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد حارثة فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس.
فتجهز الناس، ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله وسلموا عليهم وودعوهم؛ فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى، فقالوا له: ما يبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا، ولا صبابة بكم؛ ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: " وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً " . فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزةً ... بحرية تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشدك الله من غاز وقد رشدا!
ثم إن القوم تهيئوا للخروج فجاء عبد الله بن رواحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه، ثم خرج القوم، وخرج رسول الله يشيعهم؛ حتى إذا ودعهم وأنصرف عنهم، قال عبد الله بن رواحة:
خلف السلام على أمرئ ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشأم؛ فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وأنضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى في مائة ألف منهم؛ عليهم رجل من بلى، ثم أحد إراشة، يقال له: مالك بن رافلة، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين، ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ونخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا برجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم؛ والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فأنطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور؛ وإما شهادة، فقال الناس: قد والله صدق أبن رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك:
جلبنا الخيل من آجام قرح ... تغر من الحشيش لها العكوم
حذوناها من من الصوان سبتاً ... أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان ... فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات ... تنفس في مناخرها السموم
فلا وأبي، مآب لنأتينها ... ولو كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت ... عوابس والغبار لها بريم
بذي لجب كأن البيض فيه ... إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها ... أسنتنا فتنكح أو تئيم
ثم مضى الناس حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه حدث عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فو الله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو يتمثل أبياته هذه:
إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشؤم مشتهي التواء
وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها رواء
قال: فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع! يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل! ثم قال عبد الله في بعض شعره وهو يرتجز:
يا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول الليل هديت فأنزل
قال: ثم مضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف. ثم دنا العدو، وأنحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة؛ فألتقى الناس عندها، فتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة، يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عباية بن مالك، ثم ألتقى الناس؛ فأقتتلوا؛ فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم؛ ثم أخذها جعفر بن أبي طالب؛ فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال أقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل؛ فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام فرسه .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة وأبو تميملة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه ، قال : حدثني أبي الذي أرضعني - وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة - قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين أقتحم عن فرس له شقراء؛ فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل؛ فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة؛ ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعةً أو فلتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أراك تكرهين الجنه!
قد طالما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه!
وقال أيضاً:
يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
قال: ثم نزل؛ فلما نزل أتاه أبن عم له بعظم من لحم؛ فقال: شد بها صلبك؛ فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت؛ فأخذه من يده؛ فأنتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه؛ فتقدم فقاتل حتى قتل؛ فأخذ الراية ثابت بن أقرم؛ أخو بلعجلان؛ فقال: يا معشر المسلمين أصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل؛ فأصطلح الناس على خالد بن الوليد؛ فلما أخذ الراية دافع القوم؛ وحاشى بهم، ثم أنحاز وتحيز عنه حتى أنصرف بالناس .
فحدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري - وكانت الأنصار تفقهه - فغشيه الناس، فقال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بعث رسول الله جيش الأمراء، فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإن أصيب فجعفر أبن أبي طالب؛ فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة؛ فوثب جعفر فقال: يا رسول الله؛ ما كنت أذهب أن تستعمل زيداً علي! قال: أمض؛ فإنك لا تدري أي ذلك خير! فأنطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وأمر فنودى: الصلاة جامعة! فأجتمع الناس إلى رسول الله، فقال: باب خير، باب خير، باب خير! أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؛ إنهم أنطلقوا فلقوا العدو، فقتل زيد شهيداً - وأستغفر له - ثم أخذ اللواء جعفر، فشد على القوم حتى قتل شهيداً - فشهد له بالشهادة وأستغفر له - ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة؛ فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً - فأستغفر له - ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد - ولم يكن من الأمراء؛ هو أمر نفسه - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره - فمنذ يومئذ سمى خالد سيف الله - ثم قال رسول الله: أبكروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن منكم أحد. فنفروا مشاة وركباناً، وذلك في حر شديد.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله أبن أبي بكر، قال: لما أتى رسول الله مصاب جعفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد مر جعفر البارحة في نفر من الملائكة، له جناحان، مختضب القوادم بالدم، يريدون بيشة؛ أرضاً باليمن.
قال. وقد كان قطبة بن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة قائد المستعربة فقتله. قال: وقد كانت كاهنة من حدس حين سمعت بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قد قال لقومها من حدس - وقومها بطن يقال لهم بنو غنم: أنذركم قوماً خزراً ، ينظرون شزراً ، ويقودون الخيل بتراً ، ويهريقون دماً عكراً . فأخذوا بقولها؛ فأعتزلوا من بين لخم؛ فلم يزالوا بعد أثرى حدس. وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة ؛ بطن من حدس؛ فلم يزالوا قليلاً بعد؛ ولما أنصرف خالد بن الوليد بالناس أقبل بهم قافلاً .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: لما دنوا من دخول المدينة، تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابة، فقال: خوا الصبيان فأحملوهم وأعطوني أبن جعفر؛ فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه، فحمله بين يديه، قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرار في سبيل الله، فيقول رسول الله: ليسوا بالفرار؛ ولكنهم الكرار؛ إن شاء الله ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ عن بعض آل الحارث بن هشام - وهم أخواله - عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قالت أم سلمة لا مرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله ومع المسلمين! قال: والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح الناس: أفررتم في سبيل الله! حتى قعد في بيته فما يخرج .
وفيها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة.
ذكر الخبر عن فتح مكة حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد بعثه إلى مؤتة، جمادى الآخرة ورجب.
ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة؛ يقال له الوتير . وكان الذي هاج ما بين بني بكر وبني خزاعة رجل من بل حضرمي، يقال له مالك بن عباد - وحلف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزن - خرج تاجراً، فلما توسط أرض خزاعة عدواً عليه فقتلوه؛ وأخذوا ماله؛ فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الديلي؛ وهم منخر بني بكر وأشرلفهم: سلمى، وكلثوم، وذؤيب؛ فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم .
حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن رجل من بني الديل ، قال: كان بنو الأسود يودون في الجاهلية ديتين ديتين، ونودى ديةً ديةً لفضلهم فينا.
فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش كان فيما شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرط لهم - كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا - أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه؛ فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما كانت تلك الهدنة أغتنمتها بنو الدين، من بني بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رزن، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل - وهو يومئذ قائدهم؛ ليس كل بني بكر تابعه - حتى بيت خزاعة، وهم على الوتير؛ ماء لهم، فأصابوا منهم رجلاً وتحاوزوا وأقتتلوا؛ ورفدت قريش بني بكر بالسلاح؛ وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً؛ حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. - قال الواقدي: كان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو؛ مع غيرهم وعبيدهم
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما أنتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك؛ فقال: كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم؛ أفلا تصيبون ثأركم فيه! وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلاً يقال له منبه، وكان منبه رجلاً مفئوداً خرج هو ورجل من قومه، يقال له تميم بن أسد - فقال له منبه: يا تميم، أنج بنفسك؛ فأما أنا فو الله إني لميت قتلوني أو تركوني؛ لقد أنبت فؤادي. فأنطلق تميم فأفلت، وأدركوا منبها فقتلوه - فلما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولى لهم يقال له رافع.
قال: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما أستحلوا من خزاعة - وكانوا في عقده وعهده - خرج عمرو بن سالم الخزاعي، ثم أحد بني كعب؛ حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ وكان ذلك مما هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس، فقال:
لا هم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فوالداً كنا وكنت ولدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فأنصر رسول الله نصراً أعتدا ... وأدع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر ينمي صعدا
إن سيم خسفاً وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا
فقتلونا ركعاً وسجدا يقول: قد قتلونا وقد أسلمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك: قد نصرت يا عمرو بن سالم! ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.
ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم؛ ثم أنصرفوا راجعين إلى مكة. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد، ويزيد في المدة.
ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه، فلقوا أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله ليشدد العقد ويزيد في المدة؛ وقد رهبوا الذي صنعوا؛ فلما لقي أبو سفيان بديلاً، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله، قال: سرت في خزاعة في الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أو ما أتيت محمداً؟ قال: لا. قال: راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى؛ فعمد إلى مبرك ناقته ، فأخذ من بعرها ففته؛ فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فدخل على أبنته أم حبيبة بنت أبي سفيان؛ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية؛ والله ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني! قالت: بل هو فراش رسول الله، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله، قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فلم يردد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب، فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعنده فاطمة أبنة رسول الله، وعندها الحسن بن علي؛ غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي؛ إنك أمس القوم بي رحماً، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة؛ فلا أرجعن كما جئت خائباً، أشفع لنا إلى رسول الله! قال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فألتفت إلى فاطمة، فقال: يا أبنة محمد هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر! قالت: والله ما بلغ بنيى ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله أحد. قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد أشتدت علي فأنصحني. فقال له : والله ما أعلم شيئاً يغنى عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة؛ فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً! قال: لا والله ما أظن؛ ولكن لا أجد لك غير ذلك؛ فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس؛ إني قد أجرت بين الناس؛ ثم ركب بعيرة فأنطلق.
فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته، فو الله ما رد على شيئاً، ثم جئت أبن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيراً، ثم جئت أبن الخطاب؛ فوجدته أعدى القوم، ثم جئت على بن أبي طالب، فوجدته ألين القوم؛ وقد أشار علي بشيء صنعته؛ فو الله ما أدري هل يغنيني شيئاً أم لا! قالوا: وبماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إن زاد على أن لعب بك، فما يغنى عنا ما قلت. قال: لا والله، ما وجدت غير ذلك، قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز؛ وأمر أهله أن يجهزوه؛ فدخل أبو بكر على أبنته عائشة وهي تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية، أأمركم رسول الله بأن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: والله ما أدري.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة؛ وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.
فتجهز الناس، فقال حسان بن ثابت الأنصاري يحرض الناس، ويذكر مصاب رجال خزاعة:
أتاني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ... وقتلي كثير لم تجن ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمرو حرها وعقابها !
وصفوان عوداً حز من شفراسته ... فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا بن أم مجالد ... إذا أحتلبت صرفاً وأعصل نابها
فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها
وقول حسان: بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم يعني قريشاً. وأبن أم مجالد، يعني عكرمة بن أبي جهل
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله من الأمر في السير إليهم؛ ثم أعطاه أمرأة - يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة؛ وزعم غيره أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً. فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب؛ فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدركا أمرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم؛ فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة أبن أبي أحمد؛ فأستنزلاها، فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف ما كذب رسول الله ولا كذبنا؛ ولتخرجن إلى هذا الكتاب أو لنكشفنك؛ فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض عني فأعرض عنها، فحلت قرون رأسها، فأستخرجت الكتاب منه ، فدفعته إليه، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله حاطباً؛ فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعل الله قد أطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر؛ فقال: أعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم! فأنزل الله عز وجل في حاطب: " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " إلى قوله: " وإليك أنبنا " إلى آخر القصة .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمى، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبن عباس، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره؛ وأستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصام الناس معه؛ حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمج، أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم؛ وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام؛ وأوعب مع رسول الله المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله؛ ولا يدرون ما هو فاعل؛ فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار؛ هل يجدون خبراً أو يسمعون به ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وقد كان فيما حدثني محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب؛ عن أبن عباس: وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق ؛ وقد كان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيق العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فألتمس الدخول على رسول الله، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، أبن عمك وأبن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما أبن عمتي فهتك عرضي؛ وأما أبن عمتي وصهري فهو الذي قال بمكة ما قال.
فلما خرج الخبر إليهما بذلك؛ ومع أبي سفيان بني له فقال: والله ليأذن لي أو لآخذن بيد بني هذا؛ ثم أتذهبن في الأرض؛ حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما؛ ثم أذن لهما، فدخلا عليه؛ فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه:
لعمري إني يوم أحمل رايةً ... لتغلب خيل الات خيل محمد
لكا لمدلج الخيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى وأهتدى
وهاد هداني غير نفسي ونالني ... مع الله من طردت كل مطرد
أصدو أنأي جاهداً عن محمد ... وأدعى ولو لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذا رأي يلم ويفند
أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك غيري أو عدي
وما كنت في الجيش الذي نال عامراً ... وما كان عن جري لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد
قال: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ونالني مع الله من طردت كل مطرد؛ ضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، ثم قال: أنت طردتني كل مطرد ! وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فقائل يقول: يريد قريشاً، وقائل يقول: يريد هوازن، وقائل يقول: يريد ثقيفاً؛ وبعث إلى القبائل فتخلفت عنه؛ ولم يعقد الألوية ولم ينشر الرايات حتى قدم قديداً، فلقيته بنو سليم على الخيل والسلاح التام؛ وقد كان عيينة لحق رسول الله بالعرج في نفر من أصحابه، ولحقه الأقرع بن حابس بالسقيا، فقال عيينة: يا رسول الله؛ والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام، فأين تتوجه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حيث شاء الله. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعمي عليهم الأخبار؛ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، ولقيه العباس بالسقيا، ولقيه مخرمة بن نوفل بنيق العقاب.
فلما نزل مر الظهران خرج أبو سفيان بن حرب ومعه حكيم بن حزام.
فحدثنا أبو كريب، قال: أخبرنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة عن أبن عباس، قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة: يا صباح قريش ! والله لئن بغتها رسول الله في بلادها؛ فدخل مكة عنوة؛ إنه لهلاك قريش آخر الدهر! فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطاباً أو صاحب لبن؛ أو داخلاً يدخل مكة؛ فيخبرهم بمكان رسول الله؛ فيأتونه فيستأمنونه. فخرجت؛ فو الله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم قط نيراناً! فقال بديل: هذه والله نيران خزاعة، حمشها الحرب! فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل! فعرفت صوته، فقلت يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل! فقلت: نعم، فقال: لبيك فداك أبي وأمي! فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله ورائي قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ فقلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله؛ فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى، قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله؛ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال أبو سفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد! ثم أشتد نحو النبي صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة، وقد أردفت أبا سفيان؛ حتى أقتحمت على باب القبة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ؛ فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله؛ قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد؛ فدعني أضرب عنقه؛ فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته! ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني! فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلاً يا عمر! فو الله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف؛ ولو كان من بني عدي أبن كعب ما قلت هذا. فقال: مهلاً يا عباس! فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم! وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أذهب فقد آمناه حتى تغدو به على بالغداة . فرجع به إلى منزله؛ فلما أصبح غداً به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله! فقال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً، فقال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله! فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أما هذه ففي النفس منها شيء! فقال العباس: فقلت له ويلك! تشهد شهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك؛ قال: فتشهد.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس حين تشهد أبو سفيان: أنصرف يا عباس فأحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله، فقلت له: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فأجعل له شيئاً يكون في قومه. فقال: نعم؛ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فخرجت حتى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي؛ فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول : سليم، فيقول: مالي ولسليم! فتمر به قبيلة، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: مالي ولأسلم! وتمر جهينة، فيقول: مالي ولجهينة! حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء ؛ كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار في الحديد؛ لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك أبن أخيك عظيماً. فقلت: ويحك إنها النبوة! فقال: نعم إذاً، فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم؛ فخرج سريعاً حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به! قالوا: فمه! فقال: من دخل داري فهو آمن، فقالوا: ويحك! وما تغني عنا دارك! فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن .
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا، أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنك كتبت إلى تسألني عن خالد بن الوليد: هل أغار يوم الفتح؟ وبأمر من أغار؟ وإنه كان من شأن خالد يوم الفتح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ركب النبي بطن مر عامداً إلى مكة، وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقيان رسول الله صلى الله عليه وسلم! إليهم أو إلى الطائف! وذاك أيام الفتح؛ وأستتبع أبو سفيان وحكيم بن حزام بديل بن ورقاء، وأحبا أن يصحبهما، ولم يكن غير أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل؛ وقالوا لهم حين بعثوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نؤتين من ورائكم، فإنا لا ندري من يريد محمد! إيانا يريد، أو هوازن يريد، أو ثقيفاً! وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش صلح يوم الحديبية وعهد ومدة، فكانت بنو بكر في ذلك الصلح مع قريش، فأقتتلت طائفة من بني كعب وطائفة من بني بكر؛ وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش في ذلك الصلح الذي أصطلحوا عليه: لا إغلال ولا إسلال، فأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فأتهمت بنو كعب قريشاً ، فمنها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة؛ وفي غزوته تلك لقي أبا سفيان وحكيماً وبديلاً بمر الظهران؛ ولم يشعروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل مر، حتى طلعوا عليه، فلما رأوه بمر، دخل عليه أبو سفيان وبديل وحكيم بمنزله بمر الظهران فبايعوه ، فلما بايعوه بعثهم بين يديه إلى قريش، يدعوهم إلى الإسلام، فأخبرت أنه قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وهي بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم - وهي بأسفل مكة - فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن.
وإنه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبي صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة، بعث في أثرهما الزبير وأعطاه رايته، وأمره على خيل المهاجرين والأنصار وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون؛ وقال للزبير: لا تبرح حيث أمرتك أن تغرز رايتي حتى آتيك؛ ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر خالد بن الوليد - فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم وأناس، إنما أسلموا قبيل ذلك - أن يدخل من أسفل مكة، وبها بنو بكر قد أستنفرتهم قريش. وبنو الحارث بن عبد مناة ومن كان من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة.
وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتلا إلا من قاتلكما؛ فلما قدم خالد على بني بكر والأحابيش بأسفل مكة. قاتلهم فهزمهم الله عز وجل، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك؛ غير أن كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهو وأبن الأشعر - رجلاً من بني كعب - كانا في خيل الزبير فسلكا كداء، ولم يسلكا طريق الزبير الذي سلك، الذي أمر به . فقدما على كتيبة من قريش مهبط كداء فقتلا؛ ولم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال؛ ومن ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الناس إليه يبايعونه؛ فأسلم أهل مكة، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم عندهم نصف شهر، لم يزد على ذلك، حتى جاءت هوزان وثقيف فنزلوا بحنين.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير أن يدخل في بعض الناس من كدى؛ وكان الزبير على المجنبة اليسري، فأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء. فزعم بعض أهل العلم أن سعداً قال حين وجه داخلاً: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمه. فسمعها رجل من المهاجرين، فقال: يا رسول الله، أسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن تكون له في قريش صولة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية، فكن أنت الذي تدخل بها .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط أسفل مكة، في بعض الناس؛ وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب؛ وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول صلى الله عليه وسلم من أذاخر؛ حتى نزل بأعلى مكة، وضربت هنالك قبته .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر، أن صفوان بن أمية، وعكرمة أبن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناساً بالخندمة ليقاتلوا؛ وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحاً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ويصلح منها، فقالت له أمرأته: لماذا تعد ما رأى؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، فقال:
إن تقبلوا اليوم فمالي عله ... هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السلة ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل بن عمرو وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئاً من قتال، فقتل كرز أبن جابر بن حسل بن الأجب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وحبيس بن خالد، وهو الأشر بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس أبن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو؛ حليف بني منقذ - وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه، وسلكا طريقاً غير طريقه، فقتلا جميعاً - قتل خنيس قبل كرز بن جابر؛ فجعله كرز بين رجليه؛ ثم قاتل حتى قتل وهو يرتجز، ويقول:
قد علمت صفراء من بني فهر ... نقية الوجه نقية الصدر
لأضربن اليوم عن أبي صخر وكان خنيس يكني بأبي صخر؛ وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين أناس قريب من أثنى عشر أو ثلاثة عشر. ثم أنهزموا، فخرج حماس منهزماً؛ حتى دخل بيته، ثم قال لأمرأته: أغلقي علي بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... وأستقبلتهم بالسيوف المسامه
يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضرباً فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة؛ ألا يقتلوا أحداً إلا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نفر سماهم؛ أمر بقتلهم وإن وجودا تحت أستار الكعبة؛ منهم عبد الله بن سعد أبن أبي سرج بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر أبن لؤي - وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، لأنه كان قد أسلم فأرتد مشركاً، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أطمأن أهل مكة فأستأمن له رسول الله، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلاً، ثم قال: نعم؛ فلما أنصرف به عثمان، قال رسول الله لمن حوله من أصحابه: أما والله لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ؟ فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله ؟؟؟؟! قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة - وعبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب - وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً ، وبعث معه رجلاً من الأنصار؛ وكان معه مولي له يخدمه، وكان مسلماً، فنزل منزلاً، وأمر المولى أن يذبح له تيساً، ويصنع له طعاماً، ونام فأستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدا عليه فقتله، ثم أرتد مشركاً؛ وكانت له قينتان: فرتني وأخرى معها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بقتلهما معه - والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، وكان ممن يؤذيه بمكة، ومقيس بن صبابة - وإنما أمر بقتله لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مرتداً - وعكرمة بن أبي جهل، وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب؛ وكانت ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن؛ وأسلمت أمرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فأستأمنت له رسول الله فأمه؛ فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عكرمة يحدث - فيما يذكرون - أن الذي رده إلى الإسلام بعد خروجه إلى اليمن أنه كان يقول: أردت ركوب البحر لألحق بالحبشة، فلما أتيت السفينة لأركبها قال صاحبها: يا عبد الله، لا تركب سفينتي حتى توحد الله، وتخلع ما دونه من الأنداد، فإني أخشى إن لم تفعل أن نهلك فيها، فقلت: وما يركبه أحد حتى يوحد الله ويخلع ما دونه! قال: نعم؛ لا يركبه أحد إلا أخلص. قال: فقلت: ففيم أفارق محمداً! فهذا الذي جاءنا به، فو الله إن إلهنا في البحر لألهنا في البر؛ فعرفت الإسلام عند ذلك، ودخل في قلبي. وأما عبد الله أبن خطل، فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، أشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله؛ رجل من قومه، فقالت أخت مقيس:
لعمري لقد أخزي نميلة رهطه ... وفجع أضياف الشتاء بمقيس
فلله عيناً من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس !
وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى أستؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأمنها. وأما سارة، فأستؤمن لها فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرساً له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح، فقتلها. وأما الحويرث بن نقيذ، فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وقال الواقدي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ستة نفر وأربع نسوة، فذكر من الرجال من سماه أبن إسحاق، ومن النساء هند بنت عتبة أبن ربيعة، فأسلمت وبايعت، وسارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب أبن عبد مناف، قتلت يومئذ، وقريبة؛ قتلت يومئذ، وفرتني عاشت إلى خلافة عثمان.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى أبن الوجيه، عن قتادة السدوسي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائماً حين وقف على باب الكعبة، ثم قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة ، أو دم، أو مال يدعي؛ فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. ألا وقتيل الخطإ مثل العمد؛ السوط والعصا، فيهما الدية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها.
يا معشر قريش؛ إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم؛ وآدم خلق من تراب. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " الآية.
يا معشر قريش، ويا أهل مكة؛ ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وأبن أخ كريم. ثم قال: أذهبوا فأنتم الطلقاء .
فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئاً ، فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء. ثم أجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس لهم - فيما بلغني - على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لله ولرسوله - فيما أستطاعوا - وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء، وأجتمع إليه نساء من نساء قريش؛ فيهن هند بنت عتبة، متنقبة متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها بحمزة ، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك، فلما دنون منه ليبايعنه قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - : تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئاً! فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما تأخذه على الرجال وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن، قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلالي أم لا! فقال أبو سفيان - وكان شاهداً لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإنك لهند بنت عتبة! فقالت: أنا هند بنت عتبة، فأعف عما سلف عفا الله عنك! قال: ولا تزنين، قالت: يا رسول الله، هل تزني الحرة! قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغاراً، وقتلتهم يوم بدر كباراً، فأنت وهم أعلم! فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أستغرب . قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، قالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح؛ ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف، قال: ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: بايعهن وأستغفر لهن رسول الله، فبايعهن عمر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، ولا يمس أمرأة ولا تمسه إلا أمرأة أحلها الله له، أو ذات محرم منه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبان أبن صالح، أن بيعة النساء قد كانت على نحوين - فيما أخبره بعض أهل العلم - كان يوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء فيه ماء، فإذا أخذ عليهن وأعطينه غمس يده في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساء أيديهن فيه. ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قال: أذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذلك.
قال الواقدي: فيها قتل خراش بن أمية الكعبي جنيدب بن الأدلع الهذلي - وقال أبن إسحاق: أبن الأثوع الهذلي - وإنما قتله بذحل، وكان في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خراشاً قتال؛ إن خراشاً قتال! يعيبه بذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم خزاعة أن يدوه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير - قال محمد بن إسحاق: ولا أعلمه إلا وقد حدثني عن عروة بن الزبير - قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة، ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب، يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر؛ فأمنه صلى الله عليك! قال: هو آمن، قال: يا رسول الله، أعطني شيئاً يعرف به أمانك؛ فأعطاه عمامته التي دخل فيها مكة؛ فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي! أذكرك الله في نفسك أن تهلكها! فهذا أمان من رسول الله قد جئتك به، قال: ويلك! أغرب عني فلا تكلمني! قال: أي صفوان! فداك أبي وأمي! أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، أبن عمتك، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك! قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم؛ فرجع به معه، حتى قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال صفوان: إن هذا زعم أنك قد أمنتني، قال: صدق، قال: فأجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام وفاختة بنت الوليد - وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل - أسلمتا، فأما أم حكيم فأستأمنت رسول الله لعكرمة بن أبي جهل، فآمنه، فلحقت به باليمن، فجاءت به؛ فلما أسلم عكرمة وصفوان، أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الأول .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق؛ لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي وعبد الله بن الزبعري السهمي إلى نجران. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري؛ قال: رمى حسان عبد الله بن الزبعري وهو بنجران ببيت واحد، ما زاده عليه:
لتعد من رجلاً أحلك بغضه ... نجران في عيش أحذ لئيم
فلما بلغ ذلك أبن الزبعري، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الري ... ح ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي ... ثم نفسي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حي ... من لؤي فكلهم مغرور
وأما هبيرة بن أبي وهب، فأقام بها كافراً، وقد قال حين بلغه إسلام أم هانئ بنت أبي طالب وكانت تحته، وأسمها هند:
أشاقتك هند أم نآك سؤالها ... كذلك النوى أسبابها وأنفتالها
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف؛ من بني غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم سبعمائة، ومن جهينة ألف وأربعمائة رجل؛ وسائرهم من من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بني تميم وقيس وأسد .
قال الواقدي: في هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت داود الليثية، فجاء إليها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لها: ألا تستحيين حين تزوجين رجلاً قتل أباك! فأستعاذت منه؛ وكانت جميلة، وكانت حدثة، ففارقها رسول الله؛ وكان قتل أباها يوم فتح مكة.
قال: وفيها هدم خالد بن الوليد العزي ببطن نخلة، لخمس ليال بقين من رمضان؛ وهو صنم لبني شيبان؛ بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزي، يقولون: هذا صنمنا، فخرج إليه خالد، فقال: قد هدمته، قال: أرأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فأرجع فأهدمه، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزي أغضبي بعض غضباتك! فخرجت عليه أمرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزي، ولا تعبد العزي أبداً.
حدثنا أبن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبن إسحاق، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزي - وكانت بنخلة، وكانت بيتاً يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها؛ وكانت سدنتها من بني شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم - فلما سمع صاحبها بمسير خالد إليها، علق عليها سيفه، وأسند في الجبل الذي هي إليه فأصعد فيه، وهو يقول:
أيا عز شدي شدة لا شمى لها ... على خالد ألقي القناع وشمري
ويا عز إن لم تقتلي اليوم خالداً ... فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
فلما أنتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي: وفيها هدم سواع؛ وكان برهاط لهذيل، وكان حجراً؛ وكان الذي هدمه عمرو بن العاص لما أنتهى إلى الصنم، قال له السادن: ما تريد؟ قال: هدم سواع، قال: لا تطيق تهدمه، قال له عمرو بن العاص: أنت في الباطل بعد! فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئاً، ثم قال عمرو للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت والله.
وفيها هدم مناة بالمشلل، هدمه سعد بن زيد الأشهلي، وكان للأوس والخزرج.
مسير خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن مالكوفيها كانت غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة، وكان من أمره وأمرهم ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عز وجل؛ ولم يأمرهم بقتال؛ وكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً؛ فوطئ بني جذيمة، فأصاب منهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفتتح مكة خالد بن الوليد داعياً ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب: سليم ومدلج، وقبائل من غيرهم؛ فلما نزلوا على الغميصاء - وهي ماء من مياه بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة أبن كنانة - على جماعتهم، وكانت بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة - وكانا أقبلا تاجرين من اليمن - حتى إذا نزلا بهم قتلوهما؛ وأخذوا أموالهما، فلما كان الإسلام، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، سار حتى نزل ذلك الماء؛ فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني بعض أهل العلم، عن رجل من بني جذيمة، قال: لما أمرنا خالد بوضع السلاح، قال رجل منا يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد! والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، ثم ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق؛ والله لا أضع سلاحي أبداً. قال: فأخذه رجال من قومه، فقالوا: يا جحدم؛ أتريد أن تسفك دماءنا! إن الناس قد أسلموا، ووضعت الحرب، وأمن الناس؛ فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد؛ فلما وضعوه أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم. فلما أنتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد! ثم دعا علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم؛ فأنظر في أمرهم، وأجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم به، فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال؛ حتى إنه ليدي ميلغة الكلب؛ حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال. فقال لهم علي عليه السلام حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يود إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال أحتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه؛ حتى إنه ليرى بياض ما تحت منكبيه؛ وهو يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات!
قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالداً: إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي، وقال: إن رسول الله قد أمرك بقتلهم لأمتناعهم من الإسلام، وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا سلاحهم ، ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة، ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن أبن عوف - فيما بلغني - كلام في ذلك، فقال له: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام! فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال عبد الرحمن بن عوف: كذبت! قد قتلت قاتل أبي، ولكنك إنما ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة؛ حتى كان بينهما شيء ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مهلاً يا خالد! دع عنك أصحابي؛ فو الله لو كان لك أحد ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله؛ ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته .
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: حدثنا أبي. وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة؛ جميعاً عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق، عن ابن شهاب الزهري، عن ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد، قال: كنت يومئ في خيل خالد، فقال لي فتى منهم - وهو في السبي؛ وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى! قلت: نعم؛ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي بها إلى هؤلاء النسوة، حتى أقضى إليهن حاجة، ثم تردني بعد، فتصنعوا بي ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليسير ما سألت، فأخذت برمته فقدته بها حتى أوقفته عليهن، فقال: أسلمي حبيش ، على نفد العيش :
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق!
ألم يك حقاً أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السري والودائق !
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاً ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق!
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأي الأمير بالحبيب المفارق
فإني لا سراً لدي أضعته ... ولا راق عيني بعد وجهك رائق
على أن ما ناب العشيرة شاغل ... ولا ذكر إلا أن يكون لوامق
قالت: وأنت فحييت عشراً، وسبعاً وتراً، وثمانياً تترى ! ثم أنصرفت به، فقدم فضربت عنقه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي فراس بن أبي سنبلة الأسلمي؛ عن أشياخ منهم، عمن كان حضرها، قالوا: قامت إليه حين ضربت عنقه، فأكبت عليه، فما زالت تقبله حتى ماتت عنده.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة.
قال ابن إسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان.
ذكر الخبر عن غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن بحنين
وكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين وأمر هوزان ما حدثنا على بن نصر بن علي الجهضمي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث - قال علي: حدثنا عبد الصمد، وقال عبد الوارث: حدثنا أبي - قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح نصف شهر، لم يزد على ذلك؛ حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بحنين - وحنين واد إلى جنب ذي المجاز - وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول الله من المدينة، وهم يظنون أنه إنما يريدهم حيث خرج من المدينة، فلما أتاهم أنه قد نزل مكة، أقبلت هوازن عامدين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والأموال - ورئيس هوازن يومئذ مالك بن عوف أحد بني نصر - وأقبلت معهم ثقيف؛ حتى نزلوا حنيناً يريدون النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما حدث النبي وهو بمكة أن قد نزلت هوازن وثقيف بحنين، يسوقهم مالك بن عوف أحد بني نصر - وهو رئيسهم يومئذ - عمد النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم عليهم، فوافاهم بحنين، فهزمهم الله عز وجل، وكان فيها ما ذكر الله عز وجل في الكتاب؛ وكان الذي ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنمها الله عز وجل رسوله، فقسم أموالهم فيمن كان أسلم معه من قريش.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة؛ جمعها مالك بن عوف النصري؛ وأجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلها، فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال؛ وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب؛ ولم يشهدها منهم أحد له إسم، وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير؛ ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً كبيراً مجرباً؛ وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود أبن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري.
فلما أجمع مالك المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؛ فلما نزل بأوطاس، إجتمع إليه الناس؛ وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به ؛ فلما نزل قال بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ؛ مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء ، وبكاء الصغير! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فقال: أين مالك؟ فقيل: هذا مالك، فدعى له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك؛ وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام؛ مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم؛ قال: فأنقض به ثم قال: راعي ضأن والله! هل يرد المنهزم شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهد منهم أحد، قال: غاب الجد والحد؛ لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب؛ ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب؛ فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر؛ قال: ذانك الجذعان من بني عامر! لا ينفعان ولا يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة؛ بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئاً، أرفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم؛ ثم ألق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر علمك؛ والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأى. قال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده؛ ولم يفتني:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع
وكان دريد رئيس بني جشم وسيدهم وأوسطهم؛ ولكن السن أدركته حتى فنى - وهو دريد بن الصمة بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزية أبن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن - ثم قال مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القوم فأكسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحد عليهم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أمية أبن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيوناً من رجاله لينظروا له، ويأتوه بخبر الناس؛ فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق؛ فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! فلم ينهه ذلك عن وجهه؛ أن مصى على ما يريد .
قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الإسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبر منهم؛ ويعلم من علمهم. فأنطلق أبن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم أمر مالك وأمر هوازن وما هم عليه. ثم أتى رسول الله، فأخبره الخبر؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره خبر أبن أبي حدرد، فقال: عمر: كذب! فقال أبن أبي حدرد: إن تكذبني فطالما كذبت بالحق يا عمر! فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله إلى ما يقول أبن أبي حدرد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت ضالاً فهداك الله يا عمر .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً، فأرسل إليه، فقال: يا أبا أمية - وهو يومئذ مشرك: أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غداً. فقال له صفوان: أغصباً يا محمد! قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح؛ فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيه حملها ففعل .
قال أبو جعفر محمد بن علي: فمضت السنة أن العارية مضمونة مؤداة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله أبن أبي بكر، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا أثنى عشر ألفاً، وأستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد أبن العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميراً على من غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: لما أستقبلنا وادي حنين، أنحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه أنحداراً - قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا - فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد؛ وأنهزم الناس أجمعوا، فأنشمروا لا يلوي أحد على أحد؛ وأنحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس! هلم إلى! أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله! قال: فلا شيء، أحتملت الإبل بعضها بعضاً، فأنطلق الناس؛ إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر، عمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد - وهو أيمن بن أم أيمن - وأسامة بن زيد بن حارثة. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، أمام الناس وهوازن خلفه ، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه؛ فأتبعوه. ولما أنهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر؛ والأزلام معه في منانته؛ وصرخ كلدة بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن! وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخوبني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري - وكان أبوه قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمداً. قال: فأردت رسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، وعلمت أنه قد منع مني .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء، قد شجرتها بها، قال: وكنت أمرأً جسيماً شديد الصوت، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى من الناس ما رأى : أين أيها الناس ! فلما رأى الناس لا يلوون على شيء قال: يا عباس، أصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة! فناديت: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة! قال: فأجابوا: أن لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل منهم يريد ليثني بعيره؛ فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ، ثم يقتحم عن بعيره فيخلى سبيله في الناس، ثم يؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى إذا أجتمع إليه منهم مائة رجل أستقبلوا الناس، فأقتتلوا، فكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار! ثم جعلت أخيراً: يا للخزرج! وكانوا صبراً عند الحرب؛ فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه، فنظر مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمى الوطيس ! حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: كان أبو سفيان بن الحارث يقود بالنبي صلى الله عليه وسلم بغلته يوم حنين، فلما غشى النبي صلى الله عليه وسلم المشركون، نزل فجعل يرتجز، ويقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا أبن عبد المطلب
فما رئى من الناس أشد منه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم أبن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع؛ إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار؛ يريدانه، فيأتيه على من خلفه، فيضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه ، فأنجعف عن رحله. قال: وأجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأساري مكتفين؛ وقد ألتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان أبن الحارث بن عبد المطلب - وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلته - فقال: من هذا؟ قال: أبن أمك يا رسول الله ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألتفت، فرأى أم سليم بنت ملحان - وكانت مع زوجها أبي طلحة - حازمة وسطها ببرد لها؛ وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سليم! قالت: نعم؛ بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أقتل هؤلاء الذين يفرون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفي الله يا أم سليم! ومعها خنجر في يدها، فقال لها أبو طلحة: ما هذا معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته معي؛ إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به . قال : يقول أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم يا رسول الله ! .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أبن مالك، قال: لقد أستلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلاً وحده هو قتلهم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن أبيه، أنه حدث عن جبير بن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم؛ فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي؛ فلم أشك أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فلما أنهزمت هوازن أستحر القتل من ثقيف ببني مالك، فقتل منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب؛ جد أبن أم حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قتل .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، فال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عامر بن وهب بن الأسود بن مسعود، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عثمان، قال: أبعده الله! فإنه كان يبغض قريشاً .
حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا مؤمل، عن عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين على بغلة بيضاء، يقال لها دلدل، فلما أنهزم المسلمون، قال النبي صلى الله عليه وسلم لبغلته: البدي دلدل! فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب، فرمى بها في وجوههم، وقال: " حم لا ينصرون ! " . فولى المشركون مدبرين، ما ضرب بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، قال: قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل . قال: فبينا رجل من الأنصار يستلب قتلي من ثقيف، إذ كشف العبد ليستلبه، فوجده أغرل، فصرخ بأعلى صوته: يعلم الله أن ثقيفاً غرل ما تختتن! قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذلك فداك أبي وأمي! إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول: ألا تراهم مخنين! قال: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود بن مسعود، فلما هزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل منهم إلا رجلان؛ رجل من بني غيرة يقال له وهب، وآخر من بني كنة يقال له: الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف؛ إلا ما كان من أبن هنيدة - وأبن هنيدة الحارث بن أوس .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما أنهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة - ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف - فتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن أمرئ القيس - وكان يقال له أبن لذعة وهي أمه، فغلبت على نسبة - دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله؛ وهو يظن أنه أمرأة؛ وذلك أنه كان في شجار له، فإذا هو رجل، فأناخ به، وإذا هو بشيخ كبير؛ وإذا هو دريد بن الصمة، لا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئاً، فقال: بئسما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل في الشجار، ثم أضرب به وأرفع عن العظام، وأخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال. ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة؛ فرب يوم والله قد منعت نساءك! فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف الثوب عنه، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء ، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً .
قال أبو جعفر: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس؛ فحدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقى دريد بن الصمة، فقتل دريداً، وهزم الله أصحابه.
قال أبو موسى: فبعثني مع أبي عامر، قال: فرمى أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهم فأثبته في ركبته، فأنتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى، فقال: إن ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني! قال أبو موسى: فقصدت له فأعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولي عني ذاهباً، فأتبعه، وجعلت أقول له: ألا تستحي! ألست عربياً! ألا تثبت! فكر، فالتقيت أنا وهو، فأختلفنا ضربتين، فضربته بالسيف، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فأنزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، فقال: يا بن أخي، أنطلق إلى رسول الله، فأفرئه منى السلام، وقل له إنه يقول لك: أستغفر لي.
قال: وأستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيراً. ثم إنه مات.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يزعمون أن سلمة بن دريد، هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته، فقتله، فقال سلمة بن دريد في قتله أبا عامر:
إن تسألوا عني فإني سلمه ... أبن سمادير لمن توسعه
أضرب بالسيف رءوس المسلمه وسمادير أم سلمة، فأنتهى إليها.
قال: وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم؛ فوقف هنالك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني بعض بني سعد بن بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ لخيله التي بعث: إن قدرتم على يجاد - رجل من بني سعد أبن بكر - فلا يفلتنكم؛ وكان بجاد قد أحدث حدثاً، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا أخته الشيماء بنت الحارث بن عبد الله بن عبد العزي، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا عليها في السياق معهم، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة؛ فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي، قال: لما أنتهى بالشيماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إني أختك، قال: وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه، ثم قال: ها هنا، فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أمتعك وترجعي إلى قومك، قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردها إلى قومها؛ فزعمت بنو سعد بن بكر أنه أعطاها غلاماً له يقال له مكحول، وجارية؛ فزوجت أحدهما الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية .
قال ابن إسحاق: أستشهد يوم حنين من قريش، ثم من بني هاشم: أيمن بن عبيد - وهو أبن أم أيمن، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن بني أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد - جمح به فرس له يقال له الجناح، فقتل - ومن الأنصار سراقة بن الحارث أبن عدي بن بلعجلان، ومن الأشعريين أبو عامر الأشعري. ثم جمعت إلى رسول الله سبايا حنين وأموالها؛ وكان على المغانم مسعود بن عمرو القاري، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست بها حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: لما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال؛ ولم يشهد حنيناً ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة؛ كانا بجرش يتعلمان صنعة الدباب والضبور والمجانيق .
غزوة الطائف فحدثنا علي بن نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: سار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن؛ لم يخرج إليه في ذلك أحد منهم؛ وأسلم من حولهم من الناس كلهم؛ وجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفودهم؛ ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة؛ وبها السبي الذي سبي رسول الله من حنين من نسائهم وأبنائهم - ويزعمون أن ذلك السبي الذي أصاب يومئذ من هوازن كانت عدته ستة آلاف من نسائهم وأبنائهم - فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة، قدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فأعتق أبناءهم ونساءهم كلهم، وأهل بعمرة من الجعرانة؛ وذلك في ذي القعدة.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة، وأستخلف أبا بكر رضي الله تعالى عنه على أهل مكة، وأمره أن يقيم للناس الحج، ويعلم الناس الإسلام، وأمره أن يؤمن من حج من الناس؛ ورجع إلى المدينة؛ فلما قدمها قدم عليه وفود ثقيف، فقاضوه على القضية التي ذكرت؛ فبايعوه، وهو الكتاب الذي عندهم كاتبوه عليه.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك إلى الطائف من حنين على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية، فأبتني بها مسجداً، فصلى فيه، فأقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم - وهو أول دم أقيد به في الإسلام - رجلاً من بني ليث؛ قتل رجلاً من هذيل، فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأمره رسول الله وهو بلبية بحصن مالك بن عوف فهدم؛ ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة، فلما توجه فيها، سأل على أسمها، فقال: ما أسم هذه الطريق؟ فقيل له: الضيفة، فقال: بل هي اليسرى. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نخب؛ حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة، قريباً من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما أن تخرج؛ وإما أن نخرب عليك حائطك؛ فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخرابه .
ثم مضى رسول الله حتى نزل قريباً من الطائف؛ فضرب عسكره، فقتل أناس من أصحابه بالنبل؛ وذلك أن العسكر أقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم، غلقوه دونهم؛ فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل، أرتفع، فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم؛ فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة ؛ ومعه أمرأتان من نسائه؛ إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية وأخرى معها - قال الواقدي: الأخرى زينب بنت جحش - فضرب لهما قبتين، فصلى بين القبتين ما أقام.
فلما أسلمت ثقيف ، بني علي مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أبو أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك مسجداً، وكانت في ذلك المسجد سارية - فيما يزعمون - لا تطلع عليها الشمس يوماً من الدهر؛ إلا سمع لها نقيض ؛ فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاتلهم قتالاً شديداً، وتراموا بالنبل حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة؛ ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، وقتلوا رجالاً؛ فأمر رسول الله بقطع أعناب ثقيف، فوقع فيها الناس يقطعون.
وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف. فناديا ثقيفاً: أن أمنونا حتى نكلمكم! فأمنوهما؛ فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما - وهما يخافان عليهن السباء - فأبين؛ منهن آمنة بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود له منها داود بن عروة وغيرها .
وقال الواقدي: حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف، أستشار رسول الله نوفل بن معاوية الديلي، وقال: يا نوفل، ما ترى في المقام عليهم؟ قال: يا رسول الله؛ ثعلب في جحر؛ إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر بن أبي قحافة، وهو محاصر ثقيفاً بالطائف: يا أبا بكر، إني رأيت أنه أهديت لي قعبة مملوءة زبداً، فنقرها ديك فأهراق ما فيها؛ فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا لا أرى ذلك.
ثم إن خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية - وهي أمرأة عثمان بن مظعون - قالت: يا رسول الله، أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلى بادية بنت غيلان بن سلمة، أو حلى الفارغة بنت عقيل - وكانتا من أحلى نساء ثقيف - قال: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة! فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما حديث حد ثتنيه خويلة أنك قلته! قال: قد قلته، قال: أو ما أذن فيهم يا رسول الله! قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل في الناس! قال: بلى؛ فأذن عمر بالرحيل؛ فلما أستقل الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبي عمرو بن علاج الثقفي: ألا إن الحي مقيم! قال: يقول عيينة بن حصن: أجل والله مجدة كراماً! فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة! أتمدح قوماً من المشركين بالأمتناع من رسول الله، وقد جئت تنصره ! قال: إني والله ما جئت لأقاتل معكم ثقيفاً؛ ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أتبطنها لعلها أن تلد لي رجلاً؛ فإن ثقيفاً قوم مناكير .
وأستشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنا عشر رجلاً؛ سبعة من قريش ورجل من بني ليث، وأربعة من الأنصار .
أمر أموال هوازن وعطايا المؤلفة قلوبهم منها حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنصرف من الطائف على دحنا؛ حتى نزل الجعرانة بمن معه من المسلمين؛ وكان قدم سبي هوازن حين سار إلى الطائف إلى الجعرانة، فحبس بها؛ ثم أتته وفود هوازن بالجعرانة؛ وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن من النساء والذراري عدد كثير، ومن الإبل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يحصي .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد ابن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: أتى وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة؛ وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة؛ وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفي عليك، فأمنن علينا من الله عليك! فقام رجل من هوازن - أحد بني سعد بن بكر، وكان بنو سعدهم الذين أرضعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقال له زهير بن صرد، وكان يكني بأبي صرد - فقال: يا رسول الله؛ إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك! ولو أننا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل ما نزلت به، رجونا عطفه وعائدته، وأنت خير المكفولين! ثم قال:
أمنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
أمنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزق شملها، في دهرها غير
في أبيات قالها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله؛ خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بل ترد علينا نساءنا وأبناءنا فهم أحب إلينا ، فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم؛ فإذا أنا صليت بالناس، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا؛ فسأعطيكم عند ذلك؛ وأسأل لكم؛ فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله. قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، قالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله.
قال: يقول العباس لبني سليم: وهنتموني ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك بحقه من هذا السبي منكم فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن عبيد السعدي أبو وجزة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعطي علي بن أبي طالب جارية من سبي حنين يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر، وأعطي عثمان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان، وأعطي عمر بن الخطاب جارية، فوهبها لعبد الله بن عمر .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب جارية من سبي هوازن، فوهبها لي، فبعث بها إلى أخوالي من بني جمح ليصلحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم؛ وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فخرجت من المسجد حين فرغت؛ فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: رد علينا رسول الله نساءنا وأبناءنا، قال: قلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح؛ أذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها فأخذوها؛ وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزاً من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزاً وأرى لها في الحي نسباً؛ وعسى أن يعظم فداؤها! فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض أبي أن يردها، فقال له زهير أبو صرد: خذها عنك؛ فو الله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا درها بماكد، ولا زوجها بواجد . فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال؛ فزعموا أن عيينة لقي الأقرع بن حابس، فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتها بكراً غريرة ، ولا نصفاً وثيرة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف: ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف؛ فقال رسول الله : أخبروا مالكاً أنه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل، فأتى مالك بذلك؛ فخرج من الطائف إليه؛ وقد كان مالك خاف ثقيفاً على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ما قال، فيحبسوه، فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له فأتى به الطائف؛ فخرج ليلاً، فجلس على فرسه فركضه؛ حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس له، فركبها، فلحق برسول الله فأدركه بالجعرانة - أو بمكة - فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه .
وأستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل حول الطائف: ثمالة وسلمة وفهم؛ فكان يقاتل بهم ثقيفاً، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم، فقال أبو محجن أبن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي:
هابت الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بنو سلمه
وأتانا مالك بهم ... ناقضاً للعهد والحرمه
وأتونا في منازلنا ... ولقد كنا أولى نقمه
وهذا آخر حديث أبي وجزة .
ثم رجع الحديث إلى حديث عمرو بن شعيب، قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رد سبايا حنين إلى أهلها، ركب وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله، أقسم علينا فيئنا الإبل والغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فأختطفت الشجرة عنه رداءه، فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس؛ فو الله لو كان لي عدد شجر تهامة نعماً لقسمتها عليكم، ثم ما لقيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً. ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال: أيها الناس، إنه والله ليس لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط ؛ فإن الغلول يكون على أهله عاراً وناراً وشناراً يوم القيامة. فجاءه رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر، قال: أما نصيبي منها فلك، فقال: إنه إذا بلغت هذه فلا حاجة لي بها، ثم طرحها من يده .
إلى ها هنا حديث عمرو بن شعيب.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله أبن أبي بكر، قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم - وكانوا أشرافاً من أشراف الناس يتألفهم ويتألف به قلوبهم - فأعطي أبا سفيان بن حرب مائة بعير، وأعطي أبنه معاوية مائة بعير، وأعطي حكيم أبن حزام مائة بعير، وأعطي النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبد الدار مائة بعير، وأعطي العلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير، وأعطي الحارث بن هشام مائة بعير، وأعطي صفوان بن أمية مائة بعير، وأعطي سهيل بن عمرو مائة بعير، وأعطي حويطب بن عبد العزي بن أبي قيس مائة بعير، وأعطي عيينة بن حصن مائة بعير، وأعطي الأقرع أبن حابس التميمي مائة بعير، وأعطي مالك بن عوف النصري مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين؛ وأعطي دون المائة رجالاً من قريش؛ منهم مخرمة أبن نوفل بن أهيب الزهري، وعمير بن وهب الجمحي، وقد عرف فيما زعم أنها دون المائة - وأعطي سعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل، وأعطي السهمي خمسين من الإبل، وأعطي عباس بن مرداس السلمي أبا عر فنسخطها ، وعاتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
كانت نهاباً تلافيتها ... بكرى على المهر في الأجرع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد ... د بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئاً ولم أمنع
إلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع
وما كان حصن ولاحابس ... يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون أمرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أذهبوا فأقطعوا عني لسانه؛ فزادوه حتى رضي؛ فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبراهيم بن الحارث، أن قائلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس؛ ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبو عبيدة بن محمد، عن مقسم أبي القاسم مولي عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله أبن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقاً نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين؟ قال: نعم، أفبل رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم! فقال رسول الله: أجل؛ فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ويحك! إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون! فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا نقتله ! فقال: لا، دعوه ؛ فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ، ينظر في النصل فلا يوجد شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء؛ ثم في الفوق فلا يوجد شيء؛ سبق الفرث والدم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي مثل ذلك؛ وسماه ذا الخويصرة التميمي .
قال أبو جعفر: وقد روى عن أبي سعيد الخدري أن الذي كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام؛ إنما كلمه به في مال كان علي عليه السلام بعثه من اليمن إلى رسول الله، فقسمه بين جماعة؛ منهم عيينة بن حصن، والأقرع، وزيد الخيل؛ فقال حينئذ ما ذكر عن ذي الخويصرة أنه قاله رجل حضره.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد معه حنيناً، قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله فأوجعه، قال: فقرع قدمي بالسوط، قال: أوجعتني فتأخر عني، فأنصرفت؛ فلما كان من الغد إذا رسول الله يلتمسني، قال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله بالأمس. قال: فجئته وأنا أتوقع، فقال لي: إنك قد أصبت رجلي بالأمسي فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط، فدعونك لأعوضك منها؛ فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم أبن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري، قال: لما أعطي رسول الله ما أعطي من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة ؛ حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه! فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله؛ إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفئ الذي أصبت؛ قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد! قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي! قال: فأجمع لي قومك في الحظيرة، قال: فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، قال: فجاءه رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما أجتمعوا إليه أناه سعد فقال: قد أجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثم قال: يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها في أنفسكم! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؛ وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم! قالوا: بلى، لله ولرسوله المن والفضل! فقال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار! قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل! قال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم، ولصدقتم؛ أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك؛ وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم! أفلا ترضون يا معشر الأنصار؛ أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم! فو الذي نفس محمد بيده؛ لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار! اللهم أرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار! قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وجظاً، ثم أنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا .
عمرة رسول الله من الجعرانة حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمراً، وأمر ببقايا الفئ، فحبس بمجنة، وهي بناحية مر الظهران، فلما فرغ رسول الله من عمرته وأنصرف راجعاً إلى المدينة؛ أستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن، وأتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقايا الفئ.
وكانت عمرة رسول الله في ذي القعدة، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي القعدة أو في ذي الحجة، وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه، وحج تلك السنة بالمسلمين عتاب بن أسيد؛ وهي سنة ثمان؛ وأقام أهل الطائف على شركهم وأمتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة، إذ أنصرف رسول الله عنهم إلى شهر رمضان من سنة تسع .
قال الواقدي: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بين المسلمين بالجعرانة، أصاب كل رجل أربع من الإبل وأربعون شاة؛ فمن كان منهم فارساً أخذ سهم فرسه أيضاً. وقال أيضاً: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لليال يقين من ذي الحجة من سفرته هذه.
قال: وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر وعمرو أبني الجلندي من الأزد مصدقاً، فخليا بينه وبين الصدقة، فأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم، وأخذ الجزية من المجوس الذين بها، وهم كانوا أهل البلد، والعرب كانوا يكونون حولها.
قال: وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلابية التي يقال لها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فأختارت الدنيا حين خيرت. وقيل: إنها أستعاذت من رسول الله، ففارقها. وذكر أن إبراهيم بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان؛ حدثه عن أبي وجزة السعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في ذي القعدة.
قال: وفيها ولدت مارية إبراهيم في ذي الحجة، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر أبن غنم بن عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد أبن عوف بن مبذول بن عمر بن غنم بن عدي بن النجار؛ فكانت ترضعه.
قال: وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته أنها ولدت غلاماً؛ فبشر به أبو رافع رسول الله، فوهب له مملوكاً.
قال: وغارت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشتد عليهن حين رزقت منه الولد.
ثم دخلت سنة تسع وفيها قدم وفد بني أسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر - فقالوا: قدمنا يا رسول الله قبل أن ترسل إلينا رسولاً، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم " .
وفيها قدم وفد بلى في شهر ربيع الأول، فنزلوا على رويفع بن ثابت البلوي. وفيها قدم وفد الداريين من لخم، وهم عشرة.
أمر ثقيف ولإسلامها وفيها قدم - في قول الواقدي - عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً، وكان من خبره - ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنصرف عن أهل الطائف أتبع أثره عروة بن مسعود بن معتب حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم؛ وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما يتحدث قومهم : إنهم قاتلوك؛ وعرف رسول الله أن فيهم نخوة بالإمتناع الذي كان منهم - فقال له عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم - وكان فيهم كذلك محبباً مطاعاً - فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، ورجا ألا يخالفوه لمنزله فيهم؛ فلما أشرف لهم على علية له وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله؛ فتزعم بنو مالك، وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب بن مالك، يقال له وهب بن جابر. فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلى، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه .
وفيها قدم وفد أهل الطائف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: إنهم قدموا عليه في شهر رمضان.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهراً، ثم إنهم أئتمروا بينهم ألا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي، أن عمرو بن أمية أخا بني علاج كان مهاجراً لعبد ياليل بن عمرو، الذي بينهما سييء - وكان عمرو بن أمية من أدهى العرب - فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو وحتى دخل عليه داره، ثم أرسل إليه: إن عمرو بن أمية يقول لك: أخرج إلي، فقال عبد ياليل للرسول: ويحك! أعمرو أرسلك؟ قال: نعم، وهو ذا واقف في دارك.
فقال: إن هذا لشيء ما كنت أظنه! لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك. فلما رآه رحب به، وقال عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فأنظروا في أمركم. فعند ذلك أئتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلا أقتطع به! فأئتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل أبن عمرو بن عمير - وكان في سن عروة بن مسعود - وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخشى أن يصنع به إذا رجع كما يصنع بعروة، فقال: لست فاعلاً حتى تبعثوا معي رجالاً، فأجمعوا على أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، فيكونوا ستة: عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان أخو بني يسار، وأوس بن عوف أخو بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة أخو بلحارث؛ وبعثوا من الأخلاف مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب؛ فخرج بهم عبد ياليل - وهو ناب القوم وصاحب أمرهم؛ ولم يخرج إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود، ليشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه - فلما دنوا من المدينة، ونزلوا قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله، وكانت رعيتها نوباً على أصحابه، فلما رآهم المغيرة ترك الركاب وضبر يشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبل أن يدخل على رسول الله ، فأخبره عن ركب ثقيف أنهم قدموا يريدون البيعة والإسلام، بأن يشرط لهم شروطاً، ويكتتبوا من رسول الله كتاباً في قومهم وبلادهم وأموالهم. فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا الذي أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر على رسول الله، فأخبره عن ركب ثقيف بقدومهم، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولما أن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده - كما يزعمون - وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى أكتتبوا كتابهم؛ وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاماً يأتيهم من عند رسول الله حتى يأكل منه خالد؛ حتى أسلموا وبايعوا وفرغوا من كتابهم - وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع الطاغية؛ وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين؛ فأبى رسول الله ذلك عليهم؛ فما برحوا يسألونه سنة سنة، فأبى عليهم حتى سألوه شهراً واحداً بعد مقدمهم؛ فأبى أن يدعها شيئاً يسمى؛ وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام - فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا أن يبعث آبا سفيان بن حرب والمغيرة أبن شعبة فيهدماها؛ وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه؛ وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه؛ فقالوا: يا محمد، أما هذه فسنؤتيكها وإن كانت دناءة.
فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم؛ أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان من أحدثهم سناً - وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن، فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله؛ إني قد رأيت هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب أبن عتبة، قال: فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم؛ حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: أدخل أنت على قومك؛ وأقام أبو سفيان بما له بذي الهرم ، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه - بنو معتب - خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها، ويقلن:
ألا أبكين دفاع ... أسلمها الرضاع
لم يحسنوا المصاع قال: ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهاً لك ! واهاً لك! فلما هدمها المغيرة أخذ مالها وحليها وأرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموع، ومالها من الذهب والجزع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا سفيان أن يقضي من مال اللات دين عروة والأسود أبني مسعود، فقضى منه دينهما .
وفي هذه السنة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك.
ذكر الخبر عن غزوة تبوك حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من الطائف، ما بين ذي الحجة إلى رجب.
ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم؛ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم؛ كل قد حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض، وكل قد أجتمع حديثه في هذا الحديث. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم؛ وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد؛ وحين طابت الثمار وأحبت الظلال؛ فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلماً يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له؛ ألا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشفة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، وأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.
فتجهز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه لما فيه؛ مع ما عظموا من ذكر الروم وغزوهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك ياجد العام في جلاد بني الأصفر ؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني! فو الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء منى؛ وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك؛ ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: " ومنهم من يقول أئذن لي ولا تفتني " الآية؛ أي إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر - وليس ذلك به - فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم؛ وإن جهنم لمن ورائه. وقال قائل من المنافقين لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكاً في الحق، وإرجافاً بالرسول، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: " وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون " إلى قوله: " جزاء بما كانوا يكسبون " .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره، فأمر الناس بالجهاز والأنكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، ورغبهم في ذلك، فحمل رجال من أهل الغنى فأحتسبوا ، وأنفق عثمان أبن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته .
ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله؛ وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ، فأستحملوا رسول الله، وكانوا أهل حاجة، فقال: " لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون " . قال: فبلغني أن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل، وهما يبكيان، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحاً فأرتحلاه، وزودهما شيئاً من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وجاء المعذرون من الأعراب، فأعتذروا إليه فلم يعذرهم الله عز وجل؛ وذكر لي أنهم كانوا من بني غفار، منهم خفاف بن إيماء بن رحضة.
ثم أستتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير؛ وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا أرتياب؛ منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف؛ وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد الله بن أبي بن سلول عسكره على حدة أسفل منه بحذاء ذباب؛ جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع. وكان - فيما يزعمون - ليس بأقل العسكرين؛ فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب - وكان عبد الله بن أبي أخا بني عوف بن الخزرج - وعبد الله بن نبتل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع؛ وكانوا من عظماء المنافقين؛ وكانوا ممن يكيد الإسلام وأهله .
قال: وفيهم - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري - أنزل الله عز وجل: " لقد أتبغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور " ، الآية.
قال أبن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، وأستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، أخا بني غفار، فأرجف المنافقون بعلي بن أبي طالب، وقالوا: ما خلفه إلا أستثقالا له، وتخففاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ على سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجرف فقال: يا نبي الله؛ زعم المنافقون أنك إنما خلفتني؛ أنك أستثقلتني وتخففت مني! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلفتك لما ورائي، فأرجع فأخلفني في أهلي وأهلك؛ أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي! فرجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره .
ثم إن أبا خيثمة أخا بني سالم رجع - بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً - إلى أهله في يوم حار، فوجد أمرأتين له في عريشين لهما في حائط ، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاماً؛ فلما دخل فقام على باب العريشين؛ فنظر إلى أمرأتيه وما صنعتا له، قال: رسول الله في الضح والريح، وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيإ وأمرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله؛ فهيئا لي زاداً؛ ففعلتا. ثم قدم ناضحه فأرتحله ، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل، ثم سار حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، قال الناس: يا رسول الله، هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله: كن أبا خيثمة! فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة! فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله: أولى لك يا أبا خيثمة! ثم أخبر رسول الله الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخير.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها وأستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضئوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له؛ ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فأحتملته الريح حتى طرحته في جبلي طيئ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحب له! ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيئ؛ فإن طيئاً هدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة .
قال أبو جعفر: والحديث عن الرجلين .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي: فلما أصبح الناس - ولا ماء معهم - شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى أرتوي الناس، وأحتملوا حاجتهم من الماء .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قلت لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم؛ والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه ومن عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضاً على ذلك؛ ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى أرتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارة.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبياً بدرياً، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن لصيب القينقاعي، وكان منافقاً، فقال زيد بن لصيب وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يزعم محمد أنه نبي يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعمارة عنده: إن رجلاً قال: إن محمداً هذا يخبركم أنه نبي، وهو يزعم أنه يخبركم بخير السماء وهو لا يدري أين ناقته! وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي من شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها، فأنطلقوا حتى تأتوا بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى أهله ، فقال: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً عن مقالة قائل أخبره الله عنه عنه كذا وكذا - للذي قال زيد بن اللصيب - فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ، ويقول: يا عباد الله، والله إن في رحلي لداهية وما أدري! أخرج يا عدو الله من رحلي فلا تصحبني! قال: فزعم بعض الناس أن زيداً تاب بعد ذلك، وقال بعض: لم يزل متهماً بشر حتى هلك. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً؛ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.
قال: وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشياً، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظره ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر! فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو أبو ذر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بريدة بن سفيان الأسلمى، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما نفي عثمان أبا ذر نزل أبو ذر الربذة، فأصابه بها قدره، ولم يكن معه أحد إلا أمرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلانى وكفنانى، ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلاً ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، فأقبل عبد الله بن مسعود ورهط من أهل العراق عماراً، فلم يرعهم إلا بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله، فأعينونا على دفنه. قال: فأستهل عبد الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله! تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه.
ثم حدثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك.
قال: وقد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو ابن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة، يقال له مخشى ابن حمير، يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم! والله لكأني بكم غداً مقرنين في الحبال؛ إرجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال مخشي ابن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل الله فينا قرآنا لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد أحترقوا، فسلهم عما قالوا؛ فإن أنكروا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمار فقال لهم ذلك؛ فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، فقام وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها : يا رسول الله، كنا نخوض ونلعب؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " . وقال مخشي بن حمير: يا رسول الله، قعد بي إسمي وإسم أبي؛ فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشي بن حمير؛ فسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله شهيداً لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. فلما أنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، أتاه يحنه بن رؤبة، صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأهل جرباء وأذرح أعطوه الجزية، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل كتاباً؛ فهو عندهم.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة - وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان ملكاً عليها وكان نصرانياً - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه أمرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت أمرأته: هل رأيت مثل هذا قط! قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم؛ فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، وقتلوه أخاه حسان، وقد كان عليه قباء له من ديباج مخوص بالذهب، فأستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله: أتعجبون من هذا! فو الذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم إن خالداً قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته.
رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذي في أول غزوة تبوك. قال: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ، ثم أنصرف قافلا إلى المدينة، فكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئاً حتى نأتيه. قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فأستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئاً؛ فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله ، فلان وفلان، فقال: أو لم ننههم أن يستقوا منه شيئاً حتى نأتيه! ثم لعنهم رسول الله، ودعا عليهم. ثم نزل صلى الله عليه وسلم، فوضع يده تحت الوشل ، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو، فأنخرق من الماء - كما يقول من سمعه: إن له حساً كحس الصواعق؛ فشرب الناس وأستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي؛ وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان؛ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار؛ وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله؛ إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية؛ وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه. فقال: إني على جناح سفر، وحال شغل - أو كما قال رسول الله - ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه؛ فلما نزل بذي أو أن أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي - أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان - فقال: أنطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه؛ فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم ابن عوف؛ وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: " والذين أتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين " ، إلى آخر القصة.
وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خذام بن خالد، من بني عبيد بن زيد؛ أحد بني عمرو بن عوف - ومن داره أخرج مسجد الشقاق - وثعلبة بن حاطب من بني عبيد - وهو إلى بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد، وعباد ابن حنيف؛ أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع بن جارية وزيد بن جارية، ونبتل بن الحارث، من بني ضبيعة، وبحزج - وهو إلى بني ضبيعة - وبجاد بن عثمان - وهو من بني ضبيعة - ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.
قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف أولئك الرهط من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يكلمن أحد أحداً من هؤلاء الثلاثة، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون ن فصفح عنهم رسول الله ولم يعذرهم الله ولا رسوله، وأعتزل المسلمون كلام هؤلاء الثلاثة النفر، حتى أنزل الله عز وجل قوله: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار " - إلى قوله - " وكونوا مع الصادقين " ، فتاب الله عليهم.
قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في شهر رمضان. وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وقد مضى ذكر خبرهم قبل.
أمر طيئ وعدي بن حاتم قال: وفي هذه السنة - أعني ستة تسع - وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في سرية إلى بلاد طيئ في ربيع الآخر، فأغار عليهم، فسبى وأخذ سيفين كانا في بيت الصنم؛ يقال لأحدهما: رسوب، وللآخر المخذم؛ وكان لهما ذكر، كان الحارث بن أبي شمر نذرهما له، وسبى أخت عدي بن حاتم.
قال أبو جعفر: فأما الأخبار الواردة عن عدي بن حاتم عندنا بذلك فبغير بيان وقت، وبغير ما قال الواقدي في سبي على أخت عدي بن حاتم.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا سماك، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال: رسل رسول الله - فأخذوا عمتي وناساً، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فصفوا له. قالت: قلت: يا رسول الله، نأى الوافد، وأنقطع الوالد؛ وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة؛ فمن على من الله عليك يا رسول الله! قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم؛ قال: الذي فر من الله ورسوله! قالت فمن علي - ورجل إلى جنبه ترى أنه على عليه السلام، قال: سليه حملاناً - قال: فسألته، فأمر بها فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها! قالت: ائته راغباً وراهباً، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده أمرأة وصبيان - أو صبي - فذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم - فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال لي: يا عدي بن حاتم، ما أفرك أن يقال لا إله إلا الله! فهل من إله إلا الله! وما أفرك أن يقال الله أكبر! فهل من شيء هو أكبر من الله! فأسلمت فرأيت وجهه أستبشر.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن شيبان بن سعد الطائي، قال: كان عدي بن حاتم طيئ يقول فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله حين سمع به مني؛ أما أنا فكنت أمرأ شريفاً، وكنت نصرانياً أسير في قومي بالمرباع ، فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكاً في قومي، لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعياً لإبلي: لا أبالك! أعدد لي من إبلي أجمالاً ذللا سمانا مسان ، فأحبسها قريباً مني؛ فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني، ففعل. ثم إنه أتاني ذات غداة، فقال: يا عدي؛ ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قال: فقلت: قرب لي جمالي، فقربها، فأحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصاري بالشأم، فسلكت الحوشية وخلفت ابنة حاتم في الحاضر، فلما قدمت الشأم أقمت بها، وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصيب. فقدم بها على رسول الله في سبايا طيئ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشأم. قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن بها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه - وكانت أمرأة جزلة - فقالت: يا رسول الله؛ هلك الوالد، وغاب الوافد، فأمنن على من الله عليك! قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله! قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني؛ حتى إذا كان الغد مر بي وقد أيست، فأشار إلى رجل من خلفه: أن قومي إليه فكلميه، قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فأمنن علي من الله عليك! قال: قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني. قالت: فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن كلميه فقيل: علي بن أبي طالب. قالت: وأقمت حتى قدم ركب من بلى - أو من قضاعة - قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشأم، قالت: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشأم.
قال عدي: فو الله، إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا. قال: فقلت: ابنة حاتم! قال: فإذا هي هي؛ فلما وقفت على أنسحلت تقول: القاطع الظالم! أحتملت بأهلك وولدك، وتركت بنية والدك وعورته! قال: قلت: يا أخية، لا تقولي إلا خيراً، فو الله مالي عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها - وكانت أمرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعاً، فإن يكن الرجل نبياً فالسابق إليه له فضيلة، وإن يكن ملكاً فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت ! قلت: والله إن هذا للرأي. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنطلق بي إلى بيته، فو الله إنه لعامد بي إذ لقيته أمرأة ضعيفة كبيرة فأستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها. قال: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ثم مضى رسول الله حتى دخل بيته، فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً، فقذفها إلى، فقال لي: أجلس على هذه، قال: قلت: لا بل أنت، فأجلس عليها. قال: لا بل أنت، فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم! ألم تك ركوسيا ! قال: قلت: بلى، قال: أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع! قال: قلت: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجل والله - وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل - قال: ثم قال: لعله يا عدي بن حاتم؛ إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم! فو الله ليوشكن المال يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه؛ ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم؛ فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف إلا الله؛ ولعله إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت. قال: فأسلمت، فكان عدي بن حاتم يقول: مضت الثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئاً حتى تحج هذا البيت. وايم الله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه.
قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات قال الواقدي: وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني تميم، فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، قالا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشرفها من تميم منهم الأقرع بن جابس والزبرقان بن بدر التمتمي ثم أحد بني سعد، وعمرو بن الأهتم، والحتات بن فلان، ونعيم بن زيد، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم، معهم عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري - وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحصار الطائف، فلما وفد وفد بني تميم كانا معهم، فلما دخل وفد بني تميم المسجد، نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات: أن أخرج إلينا يا محمد. فآذي ذلك من صياحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: نعم، أذنت لخطيبكم فليقل . فقام إليه عطارد بن حاجب، فقال : الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله، الذي جعلنا ملوكاً، ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عدداً، وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس! ألسنا برءوس الناس وأولى فضلهم! فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا؛ وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام؛ ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا؛ وإنا نعرف. أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بلحارث بن الخزرج: قم فأجب الرجل في خطبته.
فقام ثابت، فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله. ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً وأصطفى من خير خلقه رسولا أكرمهم نسباً، وأصدقهم حديثاً، وأفضلهم حسباً، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه؛ فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه؛ أكرم الناس أنساباً، وأحسن الناس وجوهاً؛ وخير الناس فعالاً؛ ثم كان أول الخلق إجابة - وأستجاب لله حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم - نحن؛ فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبداً، وكان قتله علينا يسيراً، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين وللمؤمنات؛ والسلام عليكم.
قالوا: يا محمد، ائذن لشاعرنا، فقال: نعم، فقام الزبرقان بن بدر فقال :
نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع
ثم ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلا أستقادوا وكاد الرأس يقتطع
إنا أبينا ولن يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
فمن يقادرنا في ذاك يعرفنا ... فيرجع القول والأخبار تستمع
وكان حسان بن ثابت غائباً، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حسان: فلما جاءني رسوله فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر بني تميم، خرجت إلى رسول الله، وأنا أقول:
منعنا رسول الله إذ حل وسطنا ... على كل باغ من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا ... بأسيافنا من كل عاد وظالم
ببيت حريد عزه وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك وأحتمال العظائم!
قال: فلما أنتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم، فقال ما قال، عرضت في قوله وقلت على نحو مما قال؛ فلما فرغ الزبرقان بن بدر من قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال، قال: فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فأعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوماً فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع ... أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتوا عفواً إذا غضبوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهمشراً يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتى قلب يوازره ... فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم ... إن جد بالناس جد القول أو شمعوا
فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له،! لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم - وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في ظهرهم - فقال قيس بن عاصم - وكان يبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله؛ إنه قد كان منا رجل في رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطي القوم؛ فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه ذلك من قول قيس بن عاصم، وهو يهجوه:
ظللت مفترشاً هلباك تشتمني ... عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب
سدنا فسوددنا عود وسوددكم ... مؤخر عند أصل العجب والذنب
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، قال: فأنزل الله فيهم القرآن: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات " - من بني تميم - " أكثرهم لا يعقلون " ؛ قال: وهي القراءة الأولى .
قال الواقدي: وفيها مات عبد الله بن أبي بن سلول، مرض في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان مرضه عشرين ليلة.
قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله بكتابهم قال: وفيها قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير في شهر رمضان مقرين بالإسلام؛ مع رسولهم الحارث بن عبد كلال ونعيم ابن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، وهمدان ومعافر؛ وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامه، ومفارقتهم الشرك وأهله، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر؛ أما بعد ذلكم؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم، وخبر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين؛ وإن الله قد هداكم بهدايته ، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة؛ وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم نبيه وصفيه ؛ وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وما سقت السماء، وكل ما سقى بالغرب نصف العشر، وفي الإبل في الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع؛ جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها، شاة. وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيراً فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين؛ فإنه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم؛ وله ذمة الله وذمة رسوله. وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإن له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها، وعليه الجزية؛ على كل حالم ذكر أو أنثى، حر أو عبد؛ دينار واف أو قيمته من المعافر أو عرضه ثياباً؛ فمن أدى ذلك إلى رسول الله؛ فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.
أما بعد؛ فإن رسول الله محمداً النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتتكم رسلي فأوصيكم بهم خيراً: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة وأصحابهم؛ وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وبلغوها رسلي، وإن أميرهم معاذ بن جبل؛ فلا ينقلبن إلا راضياً.
أما بعد؛ فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله؛ ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيراً، ولا تخونوا ولا تخذلوا فإن رسول الله مولي غنيكم وفقيركم؛ وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهله؛ إنما هي زكاة يتزكى بها على فقراء المؤمنين وأبناء السبيل؛ وإن مالكاً قد بلغ الخبر وحفظ الغيب، وآمركم به خيراً، وإني قد بعثت إليكم من صالحي أهلي وأولى ديني ، وأولى علمهم؛ فآمركم بهم خيراً فإنه منظور إليهم؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قال الواقدي: وفيها قدم وفد بهراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر رجلاً، ونزلوا على المقداد بن عمرو.
قال: وفيها قدم وفد بني البكاء.
وفيها قدم وفد بني فزارة؛ وهم بضعة عشر رجلاً، فيهم خارجة بن حصن.
قال: وفيها نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين النجاشي، وأنه مات في رجب سنة تسع.
قال: وفيها حج أبو بكر بالناس ثم خرج أبو بكر من المدينة في ثلثمائة، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة، وساق أبو بكر خمس بدنات. وحج فيها عبد الرحمن بن عوف وأهدي.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام على أثر أبي بكر رضي الله عنه، فأدركه بالعرج، فقرأ علي عليه براءة يوم النحر عند العقبة. فحدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط؛ عن السدي، قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين - يعني من سورة براءة - فبعث بهن رسول الله مع أبي بكر، وأمره على الحج، فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة أتبعه بعلي، فأخذها منه؛ فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! أنزل في شأني شيء؟ قال: لا؛ ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني. أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض! قال: بلى يا رسول الله. فسار أبو بكر على الحج، وسار على يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى فآذن فقال: لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فله عهده إلى مدته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلماً. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب.
فرجع المشركون فلام بعضهم بعضاً، وقالوا: ما تصنعون وقد أسلمت قريش! فأسلموا .
حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدثنا أبو معشر، قال: حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره، قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين أو أربعين آية من براءة، فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم براءة يوم عرفة، أجل المشركين عشرين يوماً من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشراً من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، ولا يحجن بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان .
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فرضت الصدقات، وفرق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عماله على الصدقات.
وفيها نزل قوله: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم " ؛ وكان السبب الذي نزل ذلك به قصة أمر ثعلبة بن حاطب، ذكر ذلك أبو أمامة الباهلي .
قال الواقدي: وفي هذه السنة ماتت أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان، وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب. قال: وقيل غسلتها نسوة من الأنصار، فيهن أمرأة يقال لها أم عطية، ونزل في حفرتها أبو طلحة.
قال: وفيها قدم وفد ثعلبة بن منقذ.
قدوم ضمام بن ثعلبة وافداً عن بني سعد
وفيها قدم وفد سعد هذيم. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع، عن كريب مولي ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه؛ فأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام بن ثعلبة رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ قال: قال رسول الله: أنا ابن عبد المطلب، قال: محمد ؟ قال: نعم، قال: يا بن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ لك في المسألة، فلا تجدن في نفسك! قال: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك، قال: أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولاً؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نأمرنا أن نعبده وحده، ولا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا تعبد من دونه ؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم. قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة؛ الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع اإسلام كلها، يناشده عن كل فريضة كما ناشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أنقص ولا أزيد. ثم أنصرف إلى بعيره راجعاً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولي: إن صدق ذو العقيصتين يدخل الجنة. قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فأجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: باست اللات والعزي! قالوا: مه يا ضمام! أتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون! قال: ويحكم ، إنهما والله لا ينفعان ولا يضران؛ إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتاباً، استنقذكم به مما كنتم فيه؛ وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.
قال: فو الله ما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة ثم دخلت سنة عشر سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب وإسلامهم قال أبو جعفر: فبعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر - وقيل في شهر ربيع الأول، وقيل في جمادى الأولى - سرية في أربعمائة إلى بني الحارث بن كعب.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد في شهر ربيع الآخر - أو في جمادى الأولى - من سنة عشر، إلى بلحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا لك فاقبل منهم، وأقم فيهم، وعلمهم كتاب الله وسنة نبيه، ومعالم الإسلام، فإن لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون الناس إلى الإسلام، ويقولون: يأيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعاهم إليه، فأقام خالد فيهم؛ يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه.
ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك؛ بعثني إلى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام؛ فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثت فيهم ركباناً قالوا : يا بني الحارث، أسلموا تسلموا، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم وآمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه؛ وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إلى رسول الله، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسلك بخبر أن بني الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتلوا ، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه؛ فبشرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فأقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه وفد بلحارث بن كعب؛ فيهم قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قريظ الزيادى؛ وشداد بن عبد الله القناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي.
فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآهم قال: من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب؛ فلما وقفوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه، فقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأن لا إله إلا الله، فقال رسول الله: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم الذين إذا زجروا استقدموا! فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد ، ثم أعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها رسول الله الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ، ثم أعادها رسول الله الرابعة، فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجرنا استقدمنا، فقالها أربع مرات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن خالد بن الوليد لم يكتب إلى فيكم أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم. فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله يا رسول الله، ما حمدناك ولا حمدنا خالداً، فقال رسول الله: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله ؛ قال: صدقتم؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: لم نكن نغلب أحداً، فقال رسول الله: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم، قالوا: يا رسول الله، كنا نغلب من قاتلنا، أنا كنا بني عبيد، وكنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم، قال: صدقتم. ثم أمر رسول الله علي بلحارث بن كعب قيس بن الحصين. فرجع وفد بلحارث ابن كعب إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن قدموا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولي وفدهم عمرو بن حزم الأنصاري، ثم أحد بني النجار، ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتاباً عهد إلي فيه، وأمره فيه بأمره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله: " يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ؛ عقد من محمد النبي لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمر به الله وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم في الدين، وينهى الناس ولا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم؛ وبالذي عليهم ؛ ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم؛ فإن الله عز وجل كره الظلم ونهى عنه وقال: " ألا لعنة الله على الظالمين " ، ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر بالنار وبعملها، ويستألف الناس حتى ينفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به في الحج الأكبر والحج الأصغر؛ وهو العمرة، وينهي الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد صغير؛ إلا أن يكون ثوباً واحداً يثني طرفه على عاتقه، وينهي أن يحتبي أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهي ألا يعقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر؛ وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له؛ فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوهم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله عز وجل، وأمره بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، ويغلس بالفجر، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل؛ لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. ويأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل وما سقت السماء ومما سقى الغرب نصف العشر، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين من الإبل أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة شاة؛ فإنها فريضة الله التي افترض الله عز وجل على المؤمنين في الصدقة؛ فمن زاد خيراً فهو خير له، وأنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه، ودان دين الإسلام فإنه من المؤمنين؛ له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم؛ ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن عنها، وعلى كل حالم ذكر أو أنثى، حر أو عبد، دينار واف أو عرضه ثياباً؛ فمن أدى ذلك؛ فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله و للمؤمنين جميعاً .
قال الواقدي: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بن حزم عامله بنجران.
قال الواقدي: وفي هذه السنة قدم وفد سلامان في شوال على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم سبعة نفر؛ رأسهم حبيب السلاماني.
وفيها قدم وفد غسان في رمضان.
وفيها قدم وفد غامد في رمضان.
قدوم وفد الأزد
وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صرد بن عبد الله في بضعة عشر. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد ابن عبد الله الأزدي فأسلم فحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمره رسول الله على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من أهل بيته المشركين من قبائل اليمن، فخرج صرد بن عبد الله يسير بأمر رسول الله في جيش حتى نزل بجرش؛ وهي يومئذ مدينة مغلقة، وفيها قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين، فحاصروهم بها قريباً من شهر، وامتنعوا منهم فيها. ثم إنه رجع عنهم قافلاً؛ حتى إذا كان إلى جبل يقال له كشر ظن أهل جرش أنه إنما ولي عنهم منهزماً؛ فخرجوا في طلبه؛ حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً؛ وقد كان أهل جرش قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة يرتادان وينظران؛ فبيناهما عند رسول الله عشية بعد العصر، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأي بلاد الله شكر؟ فقام الجرشيان فقالا: يا رسول الله؛ ببلادنا جبل يقال له جبل كثر؛ وكذلك تسميه أهل جرش، فقال: إنه ليس بكشر؛ ولكنه شكر قالا: فما له يا رسول الله؟ قال: إن بدن الله لتنحر عنده الآن. قال فجلس الرجلان إلى أبي بكر وإلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله الآن لينعي لكما قومكما ، فقوما إلى رسول الله فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما، فقاما إليه فسألاه ذلك، فقال: اللهم ارفع عنهم؛ فخرجا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال؛ وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر؛ فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وحمى لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس، وللراحلة، وللمثيرة تثير الحرث؛ فمن رعاها من الناس سوى ذلك فما له سحت، فقال رجل من الأزد في تلك الغزوة - وكانت خثعم تصيب من الأزد في الجاهلية وكانوا يغزون في الشهر الحرام:
يا غزوة ما غزونا غير خائبة ... فيها البغال وفيها الخيل والحمر
حتى أتينا حميراً في مصانعها ... وجمع خثعم قد ساغت لها النذر
إذا وضعت غليلا كنت أحمله ... فما أبالي أدانوا بعد أم كفروا!
سرية علي بن أبي طالب إلى اليمن قال: وفيها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في سرية إلى اليمن في رمضان. فحدثنا أبو كريب ومحمد بن عمرو بن هياج، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الأزجي، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فكنت فيمن سار معه؛ فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالداً ومن معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه تركه.
قال البراء: فكنت فيمن عقب معه؛ فلما انتهينا إلى أوائل اليمن، بلغ الفوم الخبر، فجمعوا له، فصلى بنا على الفجر، فلما فرغ صفنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ كتابه خر ساجداً، ثم جلس، فقال: السلام على همدان، السلام على همدان! ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام.
قدوم وفد زبيد
==================================================ج9.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
قال أبو جعفر: وفيها قدم وفد زبيد على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامهم. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن معد يكرب في أناس من بني زبيد، فأسلم، وكان عمرو بن معد يكرب قد قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس؛ إنك سيد قومك اليوم؛ وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول، إني نبي؛ فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه؛ فإن كان نبياً كما يقول؛ فإنه لا يخفى عليك. إذا لقيناه اتبعناه ؛ وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه ذلك قيس بن مكشوح وسفه رأيه.
فركب عمرو بن معد يكرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقه وآمن به؛ فلما بلغ ذلك قيساً أوعد عمراً، وتحفظ عليه ، وقال: خالفني وترك رأيي! فقال عمرو في ذلك:
أمرتك يوم ذي صنعا ... ء أمراً بادياً رشده
أمرتك باتقاء الل ... ه والمعروف تاتعده
خرجت من المنى مثل ال ... حمار أعاره وتده
تمناني على فرس ... عليه جالساً أسده
على مفاضة كالنه ... ى أخلص ماءه جدده
ترد الرمح مثنى ال ... سنان عوائراً قصده
فلو لا قيتني لاقي ... ت ليثاً فوقه لبده
تلاقي شنبثاً شثن ال ... براثن ناشزاً كتده
يسامي القرن إن قرن ... تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده
فيدمغه فيحطمه ... فيخضمه فيزد رده
ظلوم الشرك فيما أحد ... رزت أنيابه ويده
متى ما يغد أو يغدى ... به فقبوله برده
فيخطر مثل خطر الفح ... ل فوق جرانه زبده
فأمسى يعتريه من ال ... بعوض ممنعاً بلده
فلا تتمننى وتمن ... غيري ليناً كتده
وبوئنىله وطناً ... كثيراً حوله عدده
قال: فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد؛ وعليهم فروة ابن مسيك المرادي، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو فقال حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك ... حماراً ساف منخره بقذر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر
قدوم فروة بن مسيك المرادي وقد كان قدم على رسول الله في هذه السنة - أعني سنة عشر - قبل قدوم عمرو ابن معد يكرب، فروة بن مسيك المرادي مفارقاً لملوك كنده. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال: قدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقاً لملوك كندة ، ومعانداً لهم ؛ وقد كان قبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا ؛ حتى أثخنوهم في يوم كان يقال له الرزم ؛ وكان الذي قاد همدان إلى مراد الأجدع بن مالك ، ففضحهم يومئذ ، وفي ذلك يقول فروة بن مسيك :
فإن نغلب فغلابون قدماً ... وإن نهزم فغير مهزمينا
وإن نقتل فلا جبن ولكن ... منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حيناً فحينا
فبيناه يسر به ويرضى ... ولو لبست غضارته سنينا
إذ انقلبت به كرات دهر ... فألقى للأولى غبطوا طحينا
ومن يغبط بريب الدهر منهم ... يجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذاً خلدنا ... ولو بقي الكرام إذا بقينا
فأفني ذا كم سروات قومي ... كما أفني القرون الأولينا
ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقاً لملوك كندة قال :
لما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها
يممت راحلتي أؤم محمداً ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها
قال : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله - فيما بلغني - : يا فروة ، هل ساءك ما أصاب قومك يومك يوم الرزم ؟ فقال : يا رسول الله ، ومن ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الرزم ؛ لا يسوءه ذلك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيراً . فاستعمله رسول الله على مراد وزبيد ومذحج كلها ؛ وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة ، وكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع ، قالا : حدثنا أبو أسامة ، قال : أخبرنا مجالد ، قال : حدثنا عامر ، عن فروة بن مسيك ، قال : قال رسول الله : أكرهت يومك ويوم همدان ؟ فقلت : إي والله ! أفنى الأهل والعشيرة ؛ فقال : أما إنه خير لمن بقي .
قدوم الجارود في وفد عبد القيس وفيها قدم وفد عبد القيس ، فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش بن المعلي ، أخو عبد القيس في وفد عبد القيس وكان نصرانياً .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن بن دينار ، عن الحسن ، قال : لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه ؛ فعرض عليه الإسلام ، ودعاه إليه ، ورغبه فيه ، فقال : يا محمد ، إني قد كنت على دين ؛ وإني تارك ديني لدينك ؛ فتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم أنا ضامن لك أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه . قال : فأسلم وأسلم معه أصحابه ، ثم سألوا رسول الله الحملان ؛ فقال : والله ما عندي ما أحملكم عليه ، فقالوا : يا رسول الله ، إن بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس ؛ أفنتبلغ عليها إلى بلادنا ؟ قال : إياكم وإياها ؛ فإنما ذلك حرق النار . قال : فخرج من عنده الجارود راجعاً إلى قومه - وكان حسن الإسلام صلباً على دينه - حتى هلك ؛ وقد أدرك الردة ، فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الغرور ، المنذر ابن النعمان بن المنذر ، أقام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا إلى الإسلام ، فقال : يأيها الناس ؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأنهى من لم يشهد .
وقد كان رسول الله بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوي العبدي ، فأسلم فحسن إسلامه ؛ ثم هلك بعد وفاة رسول الله ، وقبل ردة أهل البحرين ، والعلاء أمير عنده لرسول الله على البحرين .
قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة وفيها قدم وفد بني حنيفة ؛ حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة ؛ فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب ، فكان منزلهم في دار ابنة الحارث ؛ امرأة من الأنصار ، ثم من بني النجار .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني بعض علمائنا من أهل المدينة ، أن بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ، ورسول الله جالس في أصحابه ، ومعه عسيب من سعف النخل ، في رأسه خوصات ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب ، كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله : لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك !
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ؛ عن شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة ، قال : كان حديث مسيلمة على غير هذا ؛ زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم ؛ فلما أسلموا ذكروا له مكانه ، فقالوا : يا رسول الله ؛ إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظهما لنا . قال : فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به للقوم ؛ وقال : أما إنه ليس بشركم مكاناً ، يحفظ ضيعة أصحابه ؛ وذلك الذي يريد رسول الله . قال : ثم انصرفوا عن رسول الله وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله ؛ فلما انتهى إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم ، وقال : إني قد أشركت في الأمر معه ، وقال لوفده : ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني : ((أما إنه ليس بشركم مكاناً)) ! ما ذلك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت معه ؛ ثم جعل يسجع السجعات ، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن : ((لقد أنعم الله على الحبلي ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق محشى)) ، ووضع عنهم الصلاة ؛ وأحل لهم الخمر والزنا ، ونحو ذلك . فشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي ، فأصفقت بنو حنيفة على ذلك ، فالله أعلم أي ذلك كان .
قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة قال أبو جعفر : وفيها وفد كندة ؛ رأسهم الأشعث بن قيس الكندي ؛ فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ابن شهاب الزهري ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث ابن قيس في ستين راكباً من كندة ، فدخلوا على رسول الله مسجده ، وقد رجلوا جممهم ، وتكحلوا ، عليهم جبب الحبرة ؛ قد كففوها بالحرير ؛ فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألم تسلموا ؟ قالوا : بلى ، قال : فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال : فشقوه منها فألقوه ، ثم قال الأشعث : يا رسول الله ؛ نحن بنو آكل المرار ، وأنت ابن آكل المرار ، فتبسم رسول الله ، ثم قال : ناسبوا بهذا النسب العباس ابن عبد المطلب وربيعة بن الحارث . قال : وكان ربيعة والعباس تاجرين ؛ فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئى من هما ؟ قالا : نحن بنو آكل المرار ؛ يتعززان بذلك ؛ وذلك أن كندة كانت ملوكاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ، ولا ننتفي من أبينا . فقال الأشعث بن قيس : هل عرفتم يا معشر كندة ! والله لا أسمع رجلاً قالها بعد اليوم إلا ضربته حده ثمانين .
قال الواقدي : وفيها قدم وفد محارب وفيها قدم وفد الرهاويين .
وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران ، فكتب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصلح .
قال : وفيها قدم وفد عبس .
وفيها قدم وفد صدف ، وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .
قال : وفيها قدم عدي بن حاتم الطائي ، في شعبان .
وفيها مات أبو عامر الراهب عند هرقل ، فاختلف كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة في ميراثه ، فقضى به لكنانة بن عبد ياليل . قال : هما من أهل المدر ، وأنت من أهل الوبر .
قدوم رفاعة بن زيد الجذامي قال : وفيها قدم وفد خولان ، وهم عشرة .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبيبي ؛ فأهدى لرسول الله غلاماً ، وأسلم فحسن إسلامه ، وكتب له رسول الله إلى قومه كتاباً ، في كتابه : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد ؛ إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم ، يدعوهم إلى الله وإلى رسوله ؛ فمن أقبل فمن حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين. فلما قدم رفاعة على قومه ، أجابوا وأسلموا، ثم ساروا إلى الحره؛ حرة الرجلاء فنزلوها .
فحدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن رجال من جذام كانوا بها علماء، أن رفاعة بن زيد، لما قدم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الإسلام ، فاستجابوا له، لم يلبث أن أقبل دحيه بن خليفة الكلبي من عند قيصر صاحب الروم، حين بعثه رسول الله ومعه تجارة له؛ حتى إذا كان بواد من أوديتها، يقال له: شنار؛ أغار على دحية الهنيد بن عوض وابنه عوص بن الهنيد ، الضليعيان - والضليع بطن من جذام - فأصابا كل شيء كان معه؛ فبلغ ذلك نفراً من بني الضبيب قوم رفاعة ممن كان أسلم وأجاب ، فنفروا إلى الهنيد وابنه ، فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال، حتى لقوهم ، فاقتتلوا ، وانتمى يومئذ قرة بن أشقر الضفاري ثم الضليعي ، فقال : أنا ابن لبنى ؛ ورمى النعمان بن أبي جعال بسهم فأصاب ركبته ، فقال حين أصابه : خذها وأنا ابن لبنى - وكانت له أم تدعى لبنى - قال : وقد كان حسان بن ملة الضبيبي قد صحب دحية بن خليفة الكلبي قبل ذلك ؛ فعلمه أم الكتاب ؛ فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه عوص ، فردوه على دحية ؛ فسار دحية حتى قدم على رسول الله ، فأخبره خبره ، واستسقاه دم الهنيد وابنه ؛ فبعث إليهم رسول الله زيد بن حارثة - وذلك الذي هاج غزوة زيد جذاماً ، وبعث معه جيشاً - وقد وجهت غطفان من جذام كلها ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله ؛ فنزلوا بالحرة ؛ حرة الرجلاء ، ورفاعة بن زيد بكراع ربة ولم يعلم ، ومعه ناس من بني الضبيب وسائر بني الضبيب بواد من ناحية الحرة مما يسيل مشرقاً ، وأقبل جيش زيد بن حارثة من ناحية الأولاج ؛ فأغار بالفضافض من قبل الحرة ، وجمعوا ما وجدوا من مال وأناس ، وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الأحنف ، ورجلاً من بني خصيب ؛ فلما سمعت بذلك بنو الضبيب والجيش بفيفاء مدان ، ركب حسان بن ملة على فرس لسويد بن زيد يقال لها العجاجة ، وأنيف بن ملة على فرس لملة ، يقال لها رغال ، وأبو زيد بن عمرو على فرس له يقال لها شمر ؛ فانطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش ، قال أبو زيد لأنيف بن ملة : كف عنا وانصرف ؛ فإنا نخشى لسانك ، فانصرف فوقف عنهما ، فلم يبعدا منه ؛ فجعل فرسه تبحث بيدها وتوثب ؛ فقال : لأنا أضن بالرجلين منك بالفرسين ؛ فأرخى لها حتى أدركهما ؛ فقالا له : أما إذ فعلت ما فعلت ، فكف عنا لسانك ولا تشأمنا اليوم ، وتواطئوا ألا يتكلم منهم إلا حسان بن ملة ؛ وكانت بينهم كلمة في الجاهلية ؛ قد عرفوها ؛ بعضهم من بعض ؛ إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال : " ثوري " .
فلما برزوا على الجيش أقبل القوم يبتدرونهم ؛ فقال حسان : إنا قوم مسلمون ؛ وكان أول من لقيهم رجل على فرس أدهم بائع رمحه يقول معرضه : كأنما ركزه على منسج فرسه جد وأعتق ؛ فأقبل يسوقهم ، فقال أنيف : " ثوري " ، فقال حسان : مهلاً ! فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال له حسان : إنا قوم مسلمون ، فقال له زيد : فاقرأ أم الكتاب ، فقرأها حسان ، فقال زيد بن حارثة : نادوا في الجيش ، إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر ؛ و إذا أخت لحسان ابن ملة - وهي امرأة أبي وبر بن عدي بن أمية بن الضبيب - في الأساري . فقال له زيد : خذها ، فأخذت بحقويه ، فقالت أم الفزر الضليعية : أتنطلقون ببناتكم ، وتذرون أمهاتكم ! فقال أحد بني خصيب : إنها بنو الضبيب ! وسحرت ألسنتهم سائر اليوم ؛ فسمعها بعض الجيش ؛ فأخبر بها زيد بن حارثة ؛ فأمر بأخت حسان ؛ ففكت يداها من حقويه ، فقال لها : اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن حكمه ؛ فرجعوا ؛ ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه ، فأمسوا في أهليهم ؛ واستعتموا ذوداً لسويد بن زيد ؛ فلما شربوا عتمتهم ركبوا إلى رفاعة بن زيد ؛ وكان ممن ركب إلى رفاعة تلك الليلة أبو زيد بن عمرو وأبو شماس بن عمرو ، وسويد بن زيد ، وبعجة بن زيد ، وبرذع بن زيد ، وثعلبة بن عمرو ، ومخرية بن عدي ، وأنيف بن ملة ، حسان بن ملة ؛ حتى صبحوا رفاعة ابن زيد بكراع ربة بظهر الحرة على بئر هنالك من حرة ليلى ، فقال له حسان بن ملة : إنك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام يجررن أساري قد غرها كتابك الذي جئت به ! فدعا رفاعة بن زيد بجمل له ؛ فجعل يشكل عليه رحله ؛ وهو يقول :
هل أنت حي أو تنادي حيا ثم غدا وهم معه بأمية بن ضفارة أخي الخصيبي المقتول مبكرين من ظهر الحرة ، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال ؛ فلما دخلوا انتهوا إلى المسجد ، ونظر إليه رجل من الناس ، فقال لهم : لا تنيخوا إبلكم فتقطع أيديهن ، فنزلوا عنها وهن قيام ؛ فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم ، ألاح إليهم بيده : أن تعالوا من وراء الناس ؛ فلما استفتح رفاعة بن زيد المنطق قام رجل من الناس ، فقال : إن هؤلاء يا نبي الله قوم سحرة ؛ فرددها مرتين ؛ فقال رفاعة : رحم الله من لم يجزنا في يومنا هذا إلا خيراً ! ثم دفع رفاعة كتابه إلى رسول الله الذي كان كتبه له ، فقال : دونك يا رسول الله قديماً كتابه ، حديثاً غدره . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ يا غلام وأعلن ؛ فلما قرأ كتابهم واستخبرهم فأخبروه الخبر ، قال رسول الله : كيف أصنع بالقتلى ؟ ثلاث مرات ؛ فقال رفاعة : أنت يا رسول الله أعلم ، لا نحرم عليك حلالاً ، ولا نحل لك حراماً ؛ فقال أبو زيد بن عمرو : أطلق لنا يا رسول الله من كان حياً ، ومن كان قد قتل فهو تحت قدمي هاتين . فقال رسول الله : صدق أبو زيد ، اركب معهم يا علي ، فقال علي : يا رسول الله ؛ إن زيداً لن يطيعني ، قال : خذ سيفي ، فأعطاه سيفه ، فقال علي : ليس لي راحلة يا رسول الله أركبها ، فحمله رسول الله على جمل لثعلبة بن عمرو ، يقال له المكحال ؛ فخرجوا ، فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبر ، يقال لها الشمر ؛ فأنزلوا عنها ، فقال : يا علي ما شأني ؟ فقال له علي : ما لهم عرفوه فأخذوه . ثم ساروا حتى لقوا الجيش بفيفاء الفحلتين ، فأخذوا ما في أيديهم من أموالهم ؛ حتى كانوا ينزعون لبد المرأة من تحت الرحل وفد بني عامر بن صعصعة حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر ؛ فيهم عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس بن مالك بن جعفر ، وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ؛ وكان هؤلاء الثلاثة رءوس القوم وشياطينهم .
فقدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به ؛ وقد قال له قومه : يا عامر ؛ إن الناس قد أسلموا فأسلم ؛ قال : والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي ؛ أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ! ثم قال لأريد : إذا قدمت على الرجل فإني شاغل عنك وجهه ؛ فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف ؛ فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل : يا محمد خالني ؛ قال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ، قال : يا محمد خالني ، قال : وجعل يكلمه فينتظر من أربد ما كان أمره به ، فجعل أربد لا يحير شيئاً ، فلما رأى عامر ما يصنع أربد ، قال : يا محمد خالني ، قال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له . فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله لأملأنها عليك خيلاً حمراً ورجالاً ، فلما ولى قال رسول الله : اللهم اكفنى عامر بن الطفيل ، فلما خرجوا من عند رسول الله قال عامر لأربد : ويلك يا أربد ! أين ما كنت أوصيتك به ! والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف على نفسي عندي منك ، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً . قال : لا تعجل علي لا أبا لك ! والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك ، أفأضربك بالسيف ! قال عامر بن الطفيل :
بعث الرسول بما ترى فكأنما ... عمداً نسن على المقانب غارا
ولقد وردن بنا المدينة شزباً ... ولقد قتلن بجوها الأنصارا
وخرجوا راجعين إلى بلادهم ؛ حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله ؛ وإنه في بيت امرأة من بني سلول ؛ فجعل يقول : يا بني عامر ؛ أغدة كغدة البكر ؛ وموت في بيت امرأة من بني سلول ! ثم خرج أصحابه حين واووه ؛ حتى قدموا أرض بني عامر ؛ فلما قدموا أتاهم قومهم ، فقالوا : ما وراءك يا أربد ؟ قال : لا شيء ؛ والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله ؛ فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين ، معه جمل له يبيعه ؛ فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما . وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه .
قدوم زيد الخيل في وفد طيئ وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيئ ؛ فيهم زيد الخيل ، وهو سيدهم ، فلما انتهوا إليه كلموه ؛ وعرض عليهم رسول الله الإسلام فأسلموا فحسن إسلامهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن رجال من طيئ : (( ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا ما كان من زيد الخيل ؛ فإنه لم يبلغ فيه كل ما فيه )) . ثم سماه زيد الخير ؛ وقطع له فيداً وأرضين معه ؛ وكتب له بذلك . فخرج من عند رسول الله راجعاً إلى قومه ، فقال رسول الله : إن ينج زيد من حمى المدينة ! سماها رسول الله باسم غير الحمى وغير أم ملدم فلم يثبته - فلما انتهى من بلاد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمى ؛ فمات بها ، فلما أحس زيد بالموت قال :
أمر تحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيت بفردة منجد
ألا رب يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهد
فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان معها من كتبه التي قطع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرقتها بالنار .
كتاب مسيلمة إلى رسول الله والجواب عنه وفي هذه السنة كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى أنه أشرك معه في النبوة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ؛ عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان مسيلمة بن حبيب الكذاب كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله . سلام عليك ؛ فإني قد أشركت في الأمر معك ؛ وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون .
فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن شيخ من أشجع قال ابن حميد : أما علي بن مجاهد فيقول : عن أبي مالك الأشجعي ، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي ، عن أبيه نعيم - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما حين قرآ كتاب مسيلمة: فما تقولان أنتما ؟ قالا : نقول كما قال ؛ فقال : أما والله لولا أم الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما .
ثم كتب إلى مسيلمة : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب . سلام على من اتبع الهدى ؛ أما بعد ، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين . قال : وكان ذلك في آخر سنة عشر .
قال أبو جعفر : وقد قيل : إن دعوى مسيلمة ومن ادعى النبوة من الكذابين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما كانت بعد انصراف النبي من حجه المسمى حجة الوداع ؛ ومرضته التي مرضها التي كانت منها وفاته صلى الله عليه وسلم . حدثنا عبيد الله بن سعيد الزهري ، قال : حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال : حدثني سيف بن عمر - وكتب بذلك إلى السري يقول : حدثنا شعيب ابن إبراهيم التميمي ، عن سيف بن عمر التميمي الأسيدي - قال : حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الأنصاري ، عن عبيد مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي مويهبة مولي رسول الله ، قال : لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام ، فتحلل به السير ، وطارت به الأخبار لتحلل السير بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قد اشتكى ؛ فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة ؛ وجاء الخبر عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم ، ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعد ما أفاق النبي ، ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي توفاه الله فيه .
خروج الأمراء والعمال على الصدقات
قال أبو جعفر : وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع البلاد التي دخلها الإسلام عمالاً على الصدقات . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات ، على كل ما أوطأ الإسلام من البلدان ؛ فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء ؛ فخرج عليه العنسي وهو بها ، وبعث زياد بن لبيد أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت على صدقتها ، وبعث عدي بن حاتم على الصدقة ؛ صدقة طئ وأسد ، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة ، وفرق صدقة بني سعد على رجلين منهم ، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين ، وبعث علي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم ، ويقدم عليه بجزيتهم ..
حجة الوداع فلما دخل ذو القعدة من هذه السنة - أعني سنة عشر - تجهز النبي إلى الحج ، فأمر الناس بالجهاز له . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ؛ عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، لا يذكر ولا يذكر الناس إلا الحج ؛ حتى إذا كان بسرف ، وقد ساق رسول الله معه الهدى وأشراف من أشراف الناس ، أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدى ، وحضت ذلك اليوم ؛ فدخل علي وأنا أبكي ؛ فقال : مالك يا عائشة ؟ لعلك نفست ! فقلت : نعم ، لوددت أني لم أخرج معكم عامي هذا في هذا السفر ، قال : لا تفعلي ؛ لا تقولن ذلك ؛ فإنك تقضين كل ما يقضي الحاج ؛ إلا أنك لا تطوفين بالبيت . قالت : ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ؛ فحل كل من كان لا هدى معه ، وحل نساؤه بعمرة ؛ فلما كان يوم النحر أتيت بلحم بقر كثير ، فطرح في بيتي ، قلت : ما هذا ؟ قالوا : ذبح رسول الله عن نسائه البقر ؛ حتى إذا كانت ليلة الحصبة ، بعثني رسول الله مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر ، لأقضي عمرتي من التنعيم مكان عمرتي التي فاتتني .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى نجران ، فلقيه بمكة ؛ وقد أحرم ؛ فدخل علي على فاطمة ابنة رسول الله ، فوجدها قد حلت وتهيأت ، فقال : مالك يا ابنة رسول الله ؟ قالت : أمرنا رسول الله أن نحل بعمرة ؛ فأحللنا ، قال : ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغ من الخبر عن سفره ، قال له رسول الله : انطلق فطف بالبيت ، وحل كما حل أصحابك ، فقال : يا رسول الله ، إني قد أهللت بما أهللت به ؛ قال : ارجع فاحلل كما حل أصحابك ، قال : قلت : يا رسول الله ، إني قلت حين أحرمت : اللهم إني أهللت بما أهل به عبدك ورسولك ؛ قال : فهل معك من هدى ؟ قال : قلت : لا ، قال : فأشركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه وثبت على إحرامه مع رسول الله ؛ حتى فرغا من الحج ، ونحر رسول الله الهدى عنهما .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، قال : لما أقبل علي بن أبي طالب من اليمن ليلقي رسول الله بمكة تعجل إلى رسول الله ، واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل ، فكسا رجالاً من القوم حللاً من البز الذي كان مع علي بن أبي طالب ؛ فلما دنا جيشه ؛ خرج علي ليلقاهم ؛ فإذا هم عليهم الحلل ، فقال : ويحك ما هذا ! قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس ، فقال : ويلك ! انزع من قبل أن تنتهي إلى رسول الله . قال : فانتزع الحلل من الناس ، وردها في البز ؛ وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم ، عن سليمان بن محمد بن كعب ابن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد ، قال : شكا الناس علي بن أبي طالب ، فقام رسول الله فينا خطيباً ، فسمعته يقول : يأيها الناس ؛ لا يشكوا علياً ، فو الله إنه لأخشى في ذات الله - أو في سبيل الله - من أن يشكي .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه ؛ فأرى الناس مناسكهم ، وأعلمهم سنن حجهم ؛ وخطب الناس خطبته التي بين للناس فيها ما بين ، فحمد الله وأثنى عليه ؛ ثم قال : أيها الناس ، اسمعوا قولي ؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، بهذا الموقف أبداً . أيها الناس ؛ إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ؛ إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وحرمة شهركم هذا ؛ وستلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم . وقد بلغت ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها . وإن كل رباً موضوع ، ولكم رءوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون . قضى الله أنه لا ربا . وإن ربا العباس بن عبد الطلب موضوع كله ، وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع ، وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعاً في بني ليث ، فقتلته بنو هذيل - فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية .
أيها الناس ؛ إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ؛ ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم .
أيها الناس : " إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله " ، ويحرموا ما أحل الله ؛ وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ؛ و " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم " ، ثلاثة متوالية ؛ ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
أما بعد أيها الناس ؛ فإن لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقاً ، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، وعليهن ألا يأتين يفاحشة مبينة ؛ فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع ، وتضربوهن ضرباً غير مبرح ، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، واستوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ؛ فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي ؛ فإني قد بلغت وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً ؛ كتاب الله وسنة نبيه .
أيها الناس ، اسمعوا قولي فإني قد بلغت ، واعقلوه . تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لأمرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ؛ فلا تظلموا أنفسكم . اللهم هل بلغت ! قال : فذكر أنهم قالوا : اللهم نعم ، فقال رسول الله : اللهم أشهد .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : كان الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو على عرفة ، ربيعة بن أمية بن خلف ، قال : يقول له رسول الله : قل : أيها الناس ؛ إن رسول الله يقول : هل تدرون أي شهر هذا ! فيقولون : الشهر الحرام ، فيقول : قل لهم : إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا . ثم قال : قل : إن رسول الله ، يقول : أيها الناس ؛ فهل تدرون أي بلد هذا ؟ قال : فيصرخ به ، فيقولون : البلد الحرام ، قال : فيقول : قل : إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة بلدكم هذا . ثم قال : قل : أيها الناس ، هل تدرون أي يوم هذا ؟ فقال لهم ، فقالوا : يوم الحج الأكبر ، فقال : قل : إن الله حرم عليكم أموالكم ودماءكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، أن رسول الله حين وقف بعرفة ، قال : هذا الموقف - للجبل الذي هو عليه - وكل عرفة موقف . وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة : هذا الموقف ، وكل المزدلفة موقف . ثم لما نحر بالمنحر ، قال : هذا المنحر ، وكل مني منحر ؛ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج وقد أراهم مناسكهم ، وعلمهم ما افترض عليهم في حجهم في المواقف ورمى الجمار والطواف بالبيت ، وما أحل لهم في حجهم وما حرم عليهم ؛ فكانت حجة الوداع وحجة البلاغ ؛ وذلك أن رسول الله لم يحج بعدها .
ذكر جملة الغزوات
قال أبو جعفر : وكانت غزواته بنفسه ستاً وعشرين غزوة ؛ ويقول بعضهم : هن سبع وعشرون غزوة ؛ فمن قال : هي ست وعشرون ، جعل غزوة النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وغزوته من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة ؛ لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله ؛ ولكنه مضى منها إلى وادي القرى ؛ فجعل ذلك غزوة واحدة . ومن قال : هي سبع وعشرون غزوة ، جعل غزوة خيبر غزوة ، وغزوة وادي القرى غزوة أخرى ؛ فيجعل العدد سبعاً وعشرين .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ستاً وعشرين غزوة . أول غزوة غزاها ودان ؛ وهي غزوة الأبواء ، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى ، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ، ثم غزوة بدر الأولى يطلب كرز بن جابر ، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل فيها صناديد قريش وأشرافهم ، وأسر فيها من أسر ، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ؛ ماء لبنى سليم ، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان حتى بلغ قرقرة الكدر ، ثم غزوة غطفان إلى نجد ؛ وهي غزوة ذي أمر ؛ ثم غزوة بحران ؛ معدن بالحجاز من فوق الفرع ، ثم غزوة أحد ، ثم غزوة حمراء الأسد ، ثم غزوة بني النضير ، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ، ثم غزوة بدر الآخرة ، ثم غزوة دومة الجندل ، ثم غزوة الخندق ، ثم غزوة بني قريظة ، ثو غزوة بني لحيان من هذيل ، ثم غزوة ذي قرد ، ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ، ثم غزوة الحديبية - لا يريد قتالاً ، فصده المشركون - ثم غزوة خيبر ؛ ثم اعتمر عمرة القضاء ، ثم غزوة الفتح ؛ فتح مكة ، ثم غزوة حنين ، ثم غزوة الطائف ، ثم غزوة تبوك . قاتل منها في تسع غزوات : بدر ، وأحد ، والخندق ، وقريظة ، والمصطلق ، وخيبر ، والفتح ، وحنين ، والطائف .
حدثنا الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حشمة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً وعشرين غزوة . ثم ذكر نحو حديث ابن حميد ، عن سلمة .
قال محمد بن عمر : مغازي رسول الله معروفة مجتمع عليها ، ليس فيها اختلاف بين أحد في عددها ؛ وهي سبع وعشرون غزوة ؛ وإنما اختلفوا بينهم في تقديم مغزاة قبل مغزاة .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثني محمد بن عمر ، قال : حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري ، عن محمد بن ثابت الأنصاري ، قال : سئل ابن عمر : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : سبعا وعشرين غزوة ، فقيل لابن عمر : كم غزوت معه ؟ قال : إحدى وعشرين غزوة ؛ أولها الخندق ، وفاتني ست غزوات ، وقد كنت حريصاً ، قد عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كل ذلك يردني فلا يجيزني حتى أجازني في الخندق .
قال الواقدي : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة ، ذكر من ذلك التسع التي ذكرتها عن ابن إسحاق ؛ وعد معها غزوة وادي القرى ، وأنه قاتل فيها فقتل غلامه مدعم ، رمى بسهم . قال : وقاتل يوم الغابة ، فقتل من المشركين ، وقتل محرز بن نضلة يؤمئذ .
ذكر جملة السرايا والبعوث
واختلف في عدد سراياه صلى الله عليه وسلم ، حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه - فيما بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله - خمساً وثلاثين بعثاً وسرية : سرية عبيدة بن الحارث إلى أحياء من ثنية المرة ، وهو ماء بالحجاز ، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العيص - وبعض الناس يقدم غزوة حمزة قبل غزوة عبيدة - وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخرار من أرض الحجاز ، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة ، وغزوة زيد ابن حارثة القردة ؛ ماء من مياه نجد ، وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع ، وغزوة المنذر بن عمرو بئر معونة ، وغزوة أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق ، وغزوة عمر بن الخطاب تربة من أرض بني عامر ، وغزوة علي بن أبي طالب اليمن ، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي - كلب ليث - الكديد ، وأصاب بلملوح ، وغزوة علي بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك ، وغزوة ابن أبي العوجاء السلمى أرض بني سليم ؛ أصيب بها هو وأصحابه جميعاً ، وغزوة عكاشة بن محصن الغمرة ، وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطناً ؛ ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد قتل فيها مسعود بن عروة ، وغزوة محمد بن مسلمة ؛ أخي بني الحارث إلى القرطاء من هوازن ، وغزوة بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك ، وغزوة بشير بن سعد أيضاً إلى يمن وجناب ؛ بلد من أرض خيبر - وقيل يمن وجبار ؛ أرض من أرض خيبر ، وغزوة زيد بن حارثة الجموم ؛ من أرض بني سليم ، وغزوة زيد بن حارثة أيضاً جذام من أرض حسمي - وقد مضى ذكر خبرها قبل - وغزوة زيد بن حارثة أيضاً وادي القرى ، لقي بني فزارة .
وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين : إحداهما التي أصاب الله فيها يسير بن رزام - وكان من حديث يسير بن رزام اليهودي أنه كان بخيبر يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث إليه رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر من أصحابه ؛ منهم عبد الله بن أنيس حليف بني سلمة ، فلما قدموا عليه كلموه وواعدوه وقربوا له ، وقالوا له : إنك إن قدمت على رسول الله استعملك وأكرمك ؛ فلم يزالوا به حتى خرج معهم في نفر من يهود ؛ فحمله عبد الله بن أنيس على بعيره وردفه حتى إذا كان بالقرقرة من خيبر على ستة أميال ندم يسير بن رزام على سيره إلى رسول الله ، ففطن له عبد الله ابن أنيس وهو يريد السيف ؛ فاقتحم به ؛ ثم ضربه بالسيف فقطع رجله وضربه يسير بمخرش في يده من شوحط ، فأمه في رأسه ، وقتل الله يسيرا ؛ ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود فقتله إلا رجلاً واحداً أفلت على راحلته ؛ فلما قدم عبد الله ابن أنيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم تفل على شجته فلم تقح ولم تؤذه .
وغزوة عبد الله بن عتيك إلى خيبر ؛ فأصاب بها أبا رافع ؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة وأصحابه - فيما بين بدر وأحد - إلى كعب بن الأشرف فقتلوه ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي - وهو بنخلة أو بعرنة - يجمع لرسول الله ليغزوة ، فقتله .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبد الله بن أنيس ، قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنه بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني - وهو بنخلة أو بعرنة - فأته فاقتله ، قال : قلت : يا رسول الله ؛ انعته لي حتى أعرفه ، قال : إذا رأيته أذكرك الشيطان ! إنه آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة . قال : فخرجت متوشحاً سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلاً حيث كان وقت العصر ؛ فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة ، فأقبلت نحوه ، وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة ، فصليت وأنا أمشي نحوه ، أومي برأسي إيماء ؛ فلما انتهيت إليه قال : من الرجل ؟ قلت : رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل ؛ فجاءك لذلك ، قال : أجل ، أنا في ذلك ؛ فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته ؛ ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه . فلما قدمت على رسول الله وسلمت عليه ورآني ، قال : أفلح الوجه ! قال : قلت : قد قتلته . قال : صدقت ! ثم قام رسول الله فدخل بيته ، فأعطاني عصا ، فقال : أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس . قال : فخرجت بها على الناس ، فقالوا : ما هذه العصا ؟ قلت : أعطانيها رسول الله ، وأمرني أن أمسكها عندي ، قالوا : أفلا ترجع إلى رسول الله فتسأله لم ذلك ؟ فرجعت إلى رسول الله ، فقلت : يا رسول الله ، لم أعطيتني هذه العصا ؟ قال : آية ما بيني وبينك يوم القيامة ؛ إن أقل الناس المتخصرون يومئذ ؛ فقرنها عبد الله بسيفه ، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت معه في كفنه ، ثم دفنا جميعاً .
ثم رجع الحديث إلى حديث عبد الله بن أبي بكر . قال : وغزوة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام ، وغزوة كعب بن عمير الغفاري بذات أطلاح من أرض الشأم ، فأصيب بها هو وأصحابه ، وغزوة عيينة بن حصن بني العنبر من بني تميم ؛ وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم ؛ فأغار عليهم ؛ فأصاب منهم ناساً ، وسبى منهم سبياً .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ؛ إن علي رقبة من بني إسماعيل ، قال : هذا سبى بني العنبر يقدم الآن فنعطيك إنساناً فتعتقينه . قال ابن إسحاق : فلما قدم سبيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فيهم وفد من بني تميم ، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ منهم ربيعة بن رفيع ، وسبرة بن عمرو ، والقعقاع بن معبد ، ووردان بن محرز ، وقيس بن عاصم ، ومالك بن عمرو ، والأقرع بن حابس ، وحنظلة بن درام ، وفراس بن حابس . وكان ممن سبى من نسائهم يومئذ أسماء بنت مالك ، وكأس بنت أرى ، ونجوة بنت نهد وجميعة بنت قيس ، وعمرة بنت مطر .
ثم رجع إلى حديث عبد الله بن أبي بكر . قال : وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي - كلب ليث - أرض بني مرة ؛ فأصاب بها مرداس بن نهيك ؛ حليفاً لهم من الحرقة من جهينة ، قتله أسامة بن زيد ورجل من الأنصار ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة : من لك بلا إله إلا الله ! وغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل ، وغزوة ابن أبي حدرد وأصحابه إلى بطن إضم ، وغزوة ابن أبي حدرد الأسلمى إلى الغابة ، وغزوة عبد الرحمن ابن عوف .
وبعث سرية إلى سيف البحر ، وعليهم أبو عبيدة بن الجراح ؛ وهي غزوة الخبط .
حدثني الحارث بن محمد ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : قال محمد ابن عمر : كانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانياً وأربعين سرية .
قال الواقدي : في هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً في رمضان ، فبعثه رسول الله إلى ذي الخلصة فهدمها .
قال : وفيها قدم وبر بن يحنس على الأنباء باليمن ، يدعوهم إلى الإسلام فنزل على بنات النعمان بن بزرج فأسلمن ، وبعث إلى فيروز الديلمي فأسلم ، وإلى مركبود وعطاء ابنه ، ووهب بن منبه ، وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه .
قال : وفيها أسلم باذان ، وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه .
قال أبو جعفر : وقد خالف في ذلك عبد الله بن أبي بكر من قال : كانت مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً وعشرين غزوة ، من أنا ذاكره : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا زهير ؛ عن أبي إسحاق ، عن زيد بن أرقم ، قال : سمعت منه أن رسول الله غزا تسع عشرة غزوة ، وحج بعد ما هاجر حجة ، لم يحج غير حجة الوداع . وذكر ابن إسحاق حجة بمكة .
قال أبو إسحاق : فسألت زيد بن أرقم : كم غزوت مع رسول الله ؟ قال : سبع عشرة .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ؛ أن عبد الله بن يزيد الأنصاري خرج يستسقي بالناس ، قال : فصلى ركعتين ثم استسقى . قال : فلقيت يومئذ زيد بن أرقم ، قال : ليس بيني وبينه غير رجل - أو بيني وبينه رجل - قال : فقلت : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : تسع عشرة غزوة ، فقلت : كم غزوت معه ؟ قال : سبع عشرة غزوة ، فقلت : فما أول غزوة غزا ؟ قال : ذات العسير - أو العشير .
وزعم الواقدي أن هذا عندهم خطأ ؛ حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق الهمداني ، قال : قلت لزيد بن أرقم : كم غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : سبع عشرة غزوة ، قلت : كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : تسع عشرة غزوة . قال الحارث : قال ابن سعد : قال الواقدي : فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن جعفر ، فقال : هذا إسناد أهل العراق ؛ يقولون هكذا ؛ وأول غزوة غزاها زيد بن الأرقم المريسيع ؛ وهو غلام صغير ، وشهد مؤتة رديف عبد الله بن رواحة ؛ وما غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث غزوات أو أربعا .
وروى عن مكحول في ذلك ما حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا ابن عمر ، قال : حدجثني سويد بن عبد العزيز ، عن النعمان بن المنذر ، عن مكحول ، قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة ؛ قاتل من ذلك في ثمان غزوات أولهن بدر وأحد والأحزاب وقريظة .
قال الواقدي : فهذان الحديثان : حديث زيد بن الأرقم وحديث مكحول جميعاً غلط .
ذكر الخبر عن حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني عبد الله بن أبي زياد ، قال : حدثنا زيد بن الحارث ، عن سفيان الثوري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج : حجتين قبل أن يهاجر ، وحجة بعد ما هاجر ، معها عمرة .
حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل أن يحج ، فبلغ ذلك عائشة ، فقالت : اعتمر رسول الله أربع عمر ؛ قد علم ذلك عبد الله بن عمر ، منهن عمرة مع حجته .
حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبي ، قال : حدثنا أبو حمزة ، عن مطرف ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، قال : سمعت ابن عمر يقول : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر . فبلغ عائشة ، فقالت : لقد علم ابن عمر أنه اعتمر أربع عمر ، منها عمرته التي قرن معها الحجة .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد ؛ فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة ، فقلنا : كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أربعاً ؛ إحداهن في رجب ، فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه ، فسمعنا استنان عائشة في الحجرة ، فقال عروة بن الزبير : يا أمه ، يا أم المؤمنين ، أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن ! فقالت : وما يقول ؟ قال : يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر : إحداهن في رجب ، فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ! ما اعتمر النبي عمرة إلا وهو شاهد ، وما اعتمر في رجب .
ذكر الخبر عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن منهن عاش بعده ومن منهن فارقه في حياته ، والسبب الذي فارقه من أجله ، ومن منهن مات قبله .
فحدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا هشام بن محمد ، قال : أخبرني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج خمس عشرة امرأة ؛ دخل بثلاث عشرة ، وجمع بين إحدى عشرة ، وتوفي عن تسع .
تزوج في الجاهلية ؛ وهو ابن بضع وعشرين سنة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي ؛ وهي أول من تزوج ، وكانت قبله عند عتيق بن عابد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم ؛ وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن معيص بن لؤي . فولدت لعتيق جارية ، ثم توفي عنها وخلف عليها أبو هالة بن زرارة بن نباش بن زرارة بن حبيب بن سلامة بن غذي بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم ؛ وهو في بني عبد الدار بن قصى . فولدت لأبي هالة هند بن أبي هالة ؛ ثم توفي عنها فخلف عليها رسول الله ، وعندها ابن أبي هالة هند ، فولدت لرسول الله ثمانية : القاسم ، والطيب ، والطاهر ، وعبد الله ، وزينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة .
قال أبو جعفر : ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتها على خديجة حتى مضت لسبيلها ؛ فلما توفيت خديجة تزوج رسول الله بعدها ؛ فاختلف فيمن بدأ بنكاحها منهن بعد خديجة ، فقال بعضهم : كانت التي بدأ بنكاحها بعد خديجة قبل غيرها عائشة بنت أبي بكر الصديق . وقال بعضهم : بل كانت سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر . فأما عائشة فكانت يوم تزوجها صغيرة لا تصلح للجماع ؛ وأما سودة فإنها كانت امرأة ثيباً ، قد كان لها قبل النبي صلى الله عليه وسلم زوج ؛ وكان زوجها قبل النبي السكران بن عمرو بن عبد شمس ، وكان السكران من مهاجرة الحبشة فتنصر ومات بها ؛ فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة .
قال أبو جعفر : ولا خلاف بين جميع أهل العلم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بسودة قبل عائشة .
ذكر السبب الذي كان في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسودة والرواية الواردة بأولاهما كان عقد عليها رسول الله عقدة النكاح :
حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عائشة ، قالت : لما توفيت خديجة ، قالت خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص ، امرأة عثمان بن مظعون وذلك بمكة : أي رسول الله ، ألا تزوج ؟ فقال : ومن ؟ فقالت : إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً ، قال : فمن البكر ؟ قالت : ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر ، قال : ومن الثيب ؟ قالت : سودة بنت زمعة بن قيس ، قد آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه . قال : فاذهبي فاذكريهما على . فجاءت فدخلت بيت أبي بكر ، فوجدت أم رومان ؛ أم عائشة ، فقالت : أى أم رومان ؟ ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة ! قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة ، قالت : وددت ! انتظري أبا بكر ، فإنه آت ، فجاء أبو بكر ، فقالت : يا أبا بكر ، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ! أرسلني رسول الله أخطب عليه عائشة ، قال : وهل تصلح له ، إنما هي ابنة أخيه ! فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت له ذلك ، فقال : ارجعي إليه ، فقولي له : أنت أخي في الإسلام ، وأنا أخوك ، وابنتك تصلح لي ؟ فأتت أبا بكر فذكرت ذلك له ، فقال : انتظريني حتى أرجع ، فقالت أم رومان : إن المطعم بن عدي كان ذكرها على ابنه ، ولا والله ما وعد شيئاً قط فأخلف . فدخل أبو بكر على مطعم ، وعنده امرأته أم ابنه الذي كان ذكرها عليه ، فقالت العجوز : يا بن أبي قحافة ، لعلنا إن زوجنا ابننا ابنتك أن تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه ! فأقبل على زوجها المطعم ، فقال : ما تقول هذه ؟ فقال : إنها تقول ذاك . قال : فخرج أبو بكر ، وقد أذهب الله العدة التي كانت في نفسه من عدته التي وعدها إياه ، وقال لخولة : ادعي لي رسول الله ، فدعته فجاء فأنكحه ؛ وهي يومئذ ابنة ست سنين . قالت : ثم خرجت فدخلت على سودة فقلت : أي سودة ، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ! قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلني رسول الله يخطبك عليه ، قالت : فقالت : وددت ! ادخلي علي أبي فاذكري له ذلك ، قالت : وهو شيخ كبير قد تخلف عن الحج ، فدخلت عليه ، فحييته بتحية أهل الجاهلية ، ثم قلت : إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسلني أخطب عليه سودة ، قال : كفء كريم ؛ فماذا تقول صاحبته ؟ قالت : تحب ذلك ، قال : ادعيها إلى ، فدعيت له ، فقال : أي سودة ، زعمت هذه أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسل يخطبك وهو كفء كريم ، أفتحبين أن أزوجكه ؟ قالت : نعم ، قال : فادعيه لي ، فدعته ، فجاء فزوجه ، فجاء أخوها من الحج ؛ عبد بن زمعة ، فجعل يحثى في رأسه التراب ، فقال بعد أن أسلم : إني لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول الله سودة بنت زمعة ؟ قال : قالت عائشة : فقدمنا المدينة ، فنزل أبو بكر السنح في بني الحارث بن الخزرج ، قالت : فجاء رسول الله فدخل بيتنا ، فاجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء ، فجاءتني أمي وأنا في أرجوحة بين عذقين يرجح بي ، فأنزلتني ثم وفت جميمة كانت لي ، ومسحت وجهي بشيء من ماء ، ثم أقبلت تقودني ، حتى إذا كنت عند الباب وقفت بي حتى ذهب بعض نفسي ، ثم أدخلت ورسول الله جالس على سرير في بيتنا . قالت : فأجلستني في حجره ، فقالت : هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك ؟ ووثب القوم والنساء ، فخرجوا ، فبنى بي رسول الله في بيتي ، ما نحرت جزور ولا ذبحت على شاة ، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين ، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا علي بن نصر ، قال : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث - وحدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : حدثني أبي - قال : حدثنا أبان العطار ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، أنه كتب إلى عبد الملك ابن مروان : إنك كتبت إلى في خديجة بنت خويلد تسألني : متى توفيت ؟ وإنها توفيت قبل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بثلاث سنين أو قريباً من ذلك ، ونكح عائشة متوفي خديجة ، كان رسول الله رأى عائشة مرتين ، يقال له : هذه امرأتك ، وعائشة يومئذ ابنة ست سنين .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة بعد ما قدم المدينة وهي يوم بني بها ابنة تسع سنين .
رجع الخبر إلى خبر هشام بن محمد . ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر - واسمه عتيق بن أبي قحافة ، وهو عثمان - ويقال عبد الرخمن بن عثمان - بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهي ابنة سبع سنين ؛ وجمع إليها بعد أن هاجر إلى المدينة وهي ابنة تسع سنين في شوال ؛ فتوفي عنها وهي ابنة ثمان عشرة ، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها ، ثم تزوج رسول الله حروف حفصة بنت عمر بن الخطاب ابن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن كعب - وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي ابن سعد بن سهم . وكان بدرياً ، شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلم تلد له شيئاً ، ولم يشهد من بني سهم بدراً غيره .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ؛ وكانت قبله عند أبي سلمة ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ؛ وشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان فارس القوم ، فأصابته جراحة يوم أحد فمات منها ؛ وكان ابن عمة رسول الله ورضيعه ، وأمه برة بنت عبد المطلب ولدت له عمر ، وسلمة ، وزينب ، ودرة ؛ فلما مات كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة تسع تكبيرات ، فلما قيل : يا رسول الله ، أسهوت أم نسيت ؟ قال : لم أسه ولم أنس ؛ ولو كبرت على أبي سلمة ألفاً كان أهلاً لذلك ؛ ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة بخلفه في أهله . فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الأحزاب سنة ثلاث ، وزوج سلمة بن أبي سلمة ابنة حمزة بن عبد المطلب .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام المريسيع جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة - وهو المصطلق بن سعد بن عمرو - سنة خمس ، وكانت قبله عند مالك بن صفوان ذي الشفر بن أبي سرح بن مالك بن المصطلق ؛ لم تلد له شيئاً ؛ فكانت صفية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم المريسيع ، فأعتقها وتزوجها ، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق ما في يده من قومها ، فأعتقهم لها .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ؛ وكانت عند عبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد - وكانت من مهاجرات الحبشة هي وزوجها ، فتنصر زوجها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها ، ومات زوجها على النصرانية ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فيها ، فقال النجاشي لأصحابه : من أولاكم بها ؟ قالوا : خالد بن سعيد بن العاص ، قال : فزوجها من نبيكم ، ففعل وأمهرها أربعمائة دينار . ويقال : بل خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان ، فلما زوجه إياها بعث إلى النجاشي فيها ، فساق عنه النجاشي ، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة ؛ وكانت قبله عند زيد بن حارثة بن شراحيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم تلد له شيئاً ، وفيها أنزل الله عز وجل : " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك " إلى آخر الآية فزوجها الله عز وجل إياه ، وبعث في ذلك جبريل ؛ وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقول : أنا أكرمكن ولياً ، وأكرمكن سفيراً .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى بن أخطب بن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير ؛ وكانت قبله تحت سلام بن مشكم بن الحكم بن حارثة بن الخزرج بن كعب بن الخزرج ؛ وتوفي عنها وخلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فقتله محمد بن مسلمة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ضرب عنقه صبراً ، فلما تصفح النبي صلى الله عليه وسلم السبي يوم خيبر ، ألقى رداءه على صفية ، فكانت صفيه يوم خيبر ؛ ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت فأعتقها ؛ وذلك سنة ست .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن ابن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال ؛ وكانت قبله عند عمير ابن عمرو ، من بني عقدة بن غيرة بن عوف بن قسى - وهو ثقيف - لم تلد له شيئاً ، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف في عمرة القضاء ؛ زوجها إياه العباس ابن عبد المطلب ؛ فتزوجها رسول الله .
وكل هؤلاء اللواتي ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجهن إلى هذا الموضع ، توفي رسول الله وهن أحياء ، غير خديجة بنت خويلد .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني كلاب بن ربيعة ؛ يقال لها النشاة بنت رفاعة ، وكانوا حلفاء لبني رفاعة من قريظة . وقد اختلف فيها ، وكان بعضهم يسمى هذه سنا وينسبها ، فيقول : سنا بنت أسماء بن الصلت السلمية . وقال بعضهم : هي سبا بنت أسماء بن الصلت من بني حرام من بني سليم . وقالوا : توفيت قبل أن يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونسبها بعضهم فقال : هي سنا بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سمال بن عوف السلمي .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم الشنباء بنت عمرو الغفارية . وكانوا أيضاً حلفاء لبني قريظة ، وبعضهم يزعم أنها قرظية ، وقد جهل نسبها لهلاك بني قريظة ، وقيل أيضاً إنها كنانية ، فعركت حين دخلت عليه ؛ ومات إبراهيم قبل أن تطهر ، فقالت : لو كان نبياً ما مات أحب الناس إليه ؛ فسرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم غزية بنت جابر من بني أبي بكر بن كلاب ، بلغ رسول الله عنها جمال وبسطة ، فبعث أبا أسيد الأنصاري ، ثم الساعدي ، فخطبها عليه ، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم - وكانت حديثة عهد بالكفر - فقالت : إني لم أستأمر في نفسي ، إني أعوذ بالله منك ؟؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : امتنع عائذ الله . وردها إلى أهلها ؛ ويقال : إنها من كندة .
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت النعمان بن الأسود ابن شراحيل بن الجون بن حجر بن معاوية الكندي ، فلما دخل بها وجد بها بياضاً فمتعها وجهزها وردها إلى أهلها ؛ ويقال : بل كان النعمان بعث بها إلى رسول الله فسرحته ، فلما دخلت عليه استعاذت منه أيضاً ، فبعث إلى أبيها ، فقال له : أليست ابنتك ؟ قال : بلى ، قال لها : ألست ابنته ؟ قالت : بلى ، قال النعمان : عليكها يا رسول الله ، فإنها وإنها ... وأطنب في الثناء فقال : إنها لم تيجع قط ، ففعل بها ما فعل بالعامرية ، فلا يدري : ألقو لها أم لقول أبيها: " إنها لم تيجع قط " .
وأفاء الله عز وجل على رسوله ريحانة بنت زيد ، من بنت قريظة .
وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مارية القبطية ، أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية ، فولدت له إبراهيم بن رسول الله .
فهؤلاء أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهن ست قرشيات .
قال أبو جعفر : وممن لم يذكر هشام في خبره هذا ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوجه من النساء : زينب بنت خزيمة - وهي التي يقال لها أم المساكين - من بني عامر بن صعصعة ، وهي زينب بنت خزيمة بن الحارث ابن عبد الله ابن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وكانت قبل رسول الله عند الطفيل بن الحارث بن المطلب ، أخي عبيدة بن الحارث ، توفيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة .
وقيل إنه لم يمت عند رسول الله في حياته من أزواجه غيرها وغير خديجة وشراف بنت خليفة ، أخت دحية بن خليفة الكلبي ، والعالية بنت ظبيان .
حدثني ابن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : تزوج رسول اله صلى الله عليه وسلم العالية ؛ امرأة من بني أبي بكر كلاب فمتعها ، ثم فارقها ، وقتيلة بنت قيس ابن معد يكرب أخت الأشعث بن قيس ، فتوفى عنها قبل أن يدخل بها ، فارتدت عن الإسلام مع أخيها ، وفاطمة بنت شريح .
وذكر عن ابن الكلبي أنه قال : غزية بنت جابر ، هي أم شريك ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زوج كان لها قبله ؛ وكان لها منه ابن يقال له شريك ، فكنيت به ، فلما دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وجدها مسنة ، فطلقها ، وكانت قد أسلمت ؛ وكانت تدخل على نساء قريش فتدعوهن إلى الإسلام .
وقيل : إنه تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة بن قبيصة بن الحارث ؛ زوى ذلك عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس .
وبهذا الإسناد أن ليلى بنت الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر ابن الحارث بن الخزرج ، أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مول ظهره الشمس ، فضربت على منكبه ، فقال : من هذه ؟ قالت : أنا ابنة مبارى الريح ، أنا ليلى بنت الخطيم ، جئتك أعرض عليك نفسي فتزوجني ، قال : قد فعلت ، فرجعت إلى قومها ، فقالت : قد تزوجني رسول الله ، فقالوا : بئسما صنعت ! أنت امرأة غيرى ؛ والنبي صاحب نساء ، استقيليه نفسك ، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : أفلني ، قال : قد أقلتك .
وبغير هذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عمرة بنت يزيد ، امرأة من بني رؤاس بن كلاب .
ذكر من خطب النبي صلى الله عليه وسلم من النساء ثم لم ينكحهن منهن أم هانئ بنت أبي طالب ، واسمها هند ، خطبها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتزوجها ؛ لأنها ذكرت أنها ذات ولد .
وخطب ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر صعصعة إلى ابنها سلمة بن هشام بن المغيرة ، فقال : حتى أستأمرها ، فأتاها فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم خطبك ، فقالت : ما قلت له ؟ قال : قلت له حتى أستأمرها ! قالت : وفي النبي يستأمر ! ارجع فزوجه ؛ فرجع فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه أخبر أنها قد كبرت .
وخطب - فيما ذكر - صفية بنت بشامة أخت الأعور العنبري ، وكان أصابها سباء ، فخيرها ، فقال : إن شئت أنا وإن شئت زوجك ، قالت : بل زوجي ؛ فأرسلها .
وخطب أم حبيب بنت العباس بن عبد المطلب ، فوجد العباس أخاه من الرضاعة ، أرضعتهما ثويبة .
وخطب جمرة بنت الحارث بن أبي حارثة ، فقال أبوها - فيما ذكر : بها شيء ، ولم يكن بها شيء ، فرجع فوجدها قد برصت .
ذكر سراري رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مارية بنت شمعون القبطية ، وريحانة بنت زيد القرظية . وقيل : هي من بني النضير . وقد مضى ذكر أخبارهما قبل .
ذكر موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد ، وقد ذكرنا خبره فيما مضى .
وثوبان - مولي رسول الله ، فأعتقه ، ولم يزل معه حتى قبض ، ثم نزل حمص وله بها دار وقف ؛ ذكر أنه توفي سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية . وقال بعضهم : بل كان سكن الرملة ، ولا عقب له .
وشقران - وكان من الحبشة ، اسمه صالح بن عدي ؛ اختلف في أمره . قد ذكر عن عبد الله بن داود الخريبي أنه قال : شقران ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه . وقال بعضهم : شقران من الفرس ، ونسبه فقال : هو صالح بن حول ابن مهر بود .
نسب شقران مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول من نسبه إلى عجم الفرس . زعم أنه صالح بن حول بن مهر بوذ بن آذر جشنس بن مهربان بن فيران بن رستم بن فيروز بن ماي بن بهرام بن رشتهري ، وزعم أنهم كانوا من دهاقين الري .
وذكر عن مصعب الزبيري أنه قال : كان شقران لعبد الرحمن بن عوف . فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه أعقب ؛ وأن آخرهم مؤبا ، رجل كان بالمدينة من ولده ، كان له بالبصرة بقية .
ورويفع - وهو أبو رافع مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اسمه أسلم . وقال بعضهم : اسمه إبراهيم . واختلفوا في أمره ؛ فقال بعضهم : كان للعباس بن عبد المطلب ، فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعتقه رسول الله . وقال بعضهم : كان أبو رافع لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر فورثه بنوه ، فأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم منه ، وقتلوا يوم بدر جميعاً ؛ وشهد أبو رافع معهم بدراً ، ووهب خالد بن سعيد نصيبه منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه رسول الله .
وابنه البهى - اسمه رافع .
وأخو البهى عبيدة الله بن أبي رافع - وكان يكتب لعلي بن أبي طالب ، فلما ولى عمرو بن سعيد المدينة دعا البهى ، فقال : من مولاك ؟ فقال : رسول الله ، فضربه مائة سوط ، وقال : مولى من أنت ! قال : مولى رسول الله ، فضربه مائة سوط ؛ فلم يزل يفعل به ذلك كلما سأله : مولى من أنت ؟ قال : مولى رسول الله ؛ حتى ضربه خمسمائة سوط ، ثم قال : مولى من أنت ؟ قال : مولاكم ، فلما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال البهى بن أبي رافع :
صحت ولا شلت وضرت عدوها ... يمين هراقت مهجة ابن سعيد
هو ابن العاصى مراراً وينتمي ... إلى أسرة طابت له وجدود
وسلمان الفارسي - وكنيته أبو عبد الله من أهل قرية أصبهان ؛ ويقال : إنه من قرية رامهرمز ؛ فأصابه أسر من بعض كلب ، فبيع من بعض اليهود بناحية وادي القرى ؛ فكاتب اليهودى ، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى عتق . وقال بعض نسابة الفرس : سلمان من كورس أبور ، واسمه مابه بن بوذخشان بن ده ديره .
وسفينة - مواى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لأم سلمة فأعتقته ؛ واشترطت عليه خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته ، قيل : إنه أسود ؛ واختلف في اسمه ، فقال بعضهم : اسمه مهران ، وقال بعضهم : اسمه رباح ، وقال بعضهم : هو من عجم الفرس ؛ واسمه سبيه بن مارقيه ، وأنسة . يكني أبا مسرح ، وقيل : أبا مسروح . كان من مولدي السراة ؛ وكان يأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس ، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : أصله من عجم الفرس ؛ كانت أمه حبشية وأبوه فارسياً . قال : واسم أبيه بالفارسية كردوى ابن أشرنيده بن أدوهر بن مهرادر بن كحنكان من بني مهجوار بن يوماست .
وأبو كبشة - واسمه سليم ، قيل إنه كان من مولدي مكة ، وقيل : من مولدي أرض دوس ، اتباعه رسول اله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ، فشهد مع رسول الله بدراً وأحداً والمشاهد . توفي في أول يوم استخلف فيه عمر بن الخطاب ، سنة ثلاث عشرة من الهجرة .
وأبو مويهبة - قيل : إنه كان من مولدي مزينة ، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه .
ورباح الأسود - كان يأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفضالة - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل - فما ذكر - الشأم .
ومدعم - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان عبداً لرفاعة ابن زيد الجذامي ، فوهبه لرسول الله ، فقتل بوادي القرى ، يوم نزل بهم رسول الله ، أتاه سهم غرب فقتله .
وأبو ضميرة - كان بعض نسابة الفرس زعم أنه من عجم الفرس ، من ولد كشتاسب الملك ، وأن اسمه واح بن شيرز بن بيرويس بن تاريشمه ابن ماهوش بن باكمهير .. وذكر بعضهم أنه كان ممن صار في قسم رسول الله في بعض وقائعه ، فأعتقه ، وكتب له كتاباً بالوصية ؛ وهو جد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة ، وأن ذلك الكتاب في أيدي ولد ولده وأهل بيته ، وأن حسين بن عبد الله هذا قدم على المهدي ومعه ذلك الكتاب ، فأخذه المهدي فوضعه على عينيه ، ووصله بثلثمائة دينار .
ويسار - وكان فيما ذكر نوبياً ؛ كان فيما وقع في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فأعتقه ؛ وهو الذي قتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله .
ومهران - حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان له خصى يقال له مابور - كان المقوقس أهداه إليه مع الجاريتين اللتين يقال لإحداهما مارية ، وهي التي تسرى بها والأخرى سيرين وهي التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت ، لما كان من جناية صفوان بن المعطل عليه ، فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن بن حسان . وكان المقوقس بعث بهذا الخصى مع الجاريتين اللتين أهداهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليوصلهما إليه ، ويحفظهما من الطريق حتى تصلا إليه . وقيل : إنه الذي قذفت مارية به ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وأمره بقتله ، فلما رأى علياً وما يريد به تكشف حتى تبين لعلى أنه أجب لا شيء معه مما يكون مع الرجال ، فكف عنه علي . وخرج إليه من الطائف - وهو محاصر أهلها - أعبد لهم أربعة ، فأعتقهم صلى الله عليه وسلم ، منهم أبو بكرة .
ذكر من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ذكر أن عثمان بن عفان كان يكتب له أحياناً ، وأحياناً علي بن أبي طالب ، وخالد بن سعيد ، وأبان بن سعيد ، والعلاء بن الحضرمي .
قيل : أول من كتب له أبي بن كعب ؛ وكان إذا غاب أبي كتب له زيد بن ثابت .
وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ثم ارتد عن الإسلام ، ثم راجع الإسلام يوم فتح مكة .
وكتب له معاوية بن أبي سفيان ، وحنظلة الأسيدي .
أسماء خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة ، عن أبيه ، قال : أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرس اتباعه بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواق ، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس ، فسماه رسول الله السكب ؛ وكان أول ما غزا عليه أحد ، ليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره ، وفرس لأبي بردة بن نيار ، يقال له ملاوح .
حدثني الحارث ، قال : أخبرنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : سألت محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن المرتجز ، فقال : هو الفرس الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت ؛ وكان الأعرابي من بني مرة .
حدثني الحارث قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا أبي بن عباس بن سهل ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس : لزاز ، والظرب ، واللخيف ؛ فأما لزاز فأهداه له المقوقس ، وأما اللخيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء ؛ فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب ، وأما الظرب فأهداه له فروة ابن عمرو الجذامي . وأهدى تميم الدارى لرسول الله فرساً يقال له : الورد ، فأعطاه عمر ؛ فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده ينباع .
وقد زعم بعضهم أنه كان له مع ما ذكرت من الخيل فرس يقال له اليعسوب .
ذكر أسماء بغال رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : كانت دلدل بغلة النبي صلى الله عليه وسلم أول بغلة رئيت في الأسلام ، أهداها له المقوقس وأهدى له معها حماراً يقال له عفير ؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال : دلدل أهداها له فروة بن عمرو الجذامي .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن زامل بن عمرو ، قال : أهدى فروة بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة يقال لها فضة ؛ فوهبها لأبي بكر ، وحماره يعفور ؛ فنفق منصرفه من حجة الوداع .
ذكر أسماء إبله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، قال : كانت القصواء من نعم بني الحريش ، ابتاعها أبو بكر وأخرى معها بثمانمائة درهم ، وأخذها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة ؛ فكانت عنده حتى نفقت ؛ وهي التي هاجر عليها ؛ وكانت حين قدم رسول الله المدينة رباعية ، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني ابن أبي ذئب ، عن يحيى بن يعلى ، عن ابن المسيب ، قال : كان اسمها العضباء ؛ وكان في طرف أذنها جدع .
ذكر أسماء لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال أخبرنا محمد بن عمر ن قال : حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع ، قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاح ، وهي التي أغار عليها القوم بالغابة ، وهي عشرون لقحة ، وكانت التي يعيش بها أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن فيها لقاح غزار : الحناء ، والسمراء ، والعريس ، والسعدية ، والبغوم ، واليسيرة ، والريا .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني هارون بن محمد ، عن أبيه ، عن نبهان ؛ مولى أم سلمة ، قال : سمعت أم سلمة ، تقول : كان عيشنا مع رسول الله اللبن - أو قالت أكثر عيشنا - كانت لرسول الله لقاح بالغابة كان قد فرقها على نسائه ، فكانت فيها لقحة تدعى العريس ؛ وكنا منها فيما شئنا من اللبن ، وكانت لعائشة لقحة تدعى السمراء غزيرة ، لم تكن كلقحتى ، فقرب راعيهن اللقاح إلى مرعي بناحية الجوانية ، فكانت تروح على أبياتنا فنؤتى بهما فتحلبان ، فتوجد لقحته أغزر منهما بمثل لبنهما أو أكثر .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا عبد السلام بن جبير ، عن أبيه ، قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقائح تكون بذي الجدر ، وتكون بالجماء ، فكان لبنها يؤوب إلينا ؛ لقحة تدعى مهرة ، أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل وكانت غزيرة ؛ وكانت الريا والشقراء ابتاعهما بسوق النبط من بني عامر ، وكانت بردة ، والسمراء ، والعريس ، واليسيرة ، والحناء ، يحلبن ويراح إليه بلبنهن كل ليلة ؛ وكان فيها غلام للنبي صلى الله عليه وسلم اسمه يسار ، فقتلوه .
ذكر أسماء منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني زكرياء بن يحيى ، عن إبراهيم بن عبد الله ، من ولد عتبة بن غزوان ، قال : كانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعاً : عجوة ، وزمزم ، وسقيا ، وبركة ، وورسة ، وأطلال ، وأطراف .
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد ، قال : حدثني أبو إسحاق ، عن عباد بن منصور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أعنز منائح ، يرعاهن ابن أم أيمن .
ذكر أسماء سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى ، قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف : سيفاً قلعياً ، وسيفاً يدعى بتاراً ، وسيفاً يدعى الحتف ؛ وكان عنده بعد ذلك المخذم ورسوب ، أصابهما من الفلس . وقيل إنه قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه سيفان ، يقال لأحدهما : القضيب ، شهد به بدراً ، وسيفه ذو الفقار غنمه يوم بدر ، كان لمنبه بن الحجاج .
ذكر أسماء قسيه ورماحه صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلي ، قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بني قينقاع ثلاثة أرماح وثلاث قسى : قوس الروحاء ، وقوس شوحط ؛ تدعى البيضاء ، وقوس صفراء تدعى الصفراء من نبع .
ذكر أسماء دروعه صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلي ، قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاح بني قينقاع درعين ؛ درع يقال لها السعدية ، ودرع يقال لها فضة .
حدثني الحارث ، قال : حدثني ابن سعد ، قال : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني موسى بن عمر ، عن جعفر بن محمود ، عن محمد بن مسلمة ، قال : رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين : درعه ذات الفضول ودرعه فضة ، ورأيت عليه يوم خيبر درعين : ذات الفضول والسعدية .
ذكر ترسه صلى الله عليه وسلم حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنا عتاب بن زياد ، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر ، قال : سمعت مكحولا يقول : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ترس فيه تمثال رأس كبش ، فكره رسول الله مكانه ، فأصبح يوماً وقد أذهبه الله عز وجل .
ذكر أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم
حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن عبد الرحمن - يعني المسعودي - عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن أبي موسى ، قال : سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء ، منها ما حفظنا . قال : أنا محمد ، وأحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونبي التوبة والملحمة .
حدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : أخبرنا إبراهيم - يعني ابن سعد - عن الزهري ، قال : أخبرني محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي أسماء ؛ أنا محمد ، وأحمد ، والعاقب ، والماحي . قال الزهري : العاقب : الذي ليس بعده أحد والماحي : الذي يمحو الله به الكفر .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ، قال ، أخبرنا سفيان ابن حين ، قال : حدثني الزهري ، عن محمد بن بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا محمد ، وأحمد ، والماحي ، والعاقب ، والحاشر ؛ الذي يحشر الناس على قدمي . قال يزيد : فسألت سفيان : ما العاقب ؟ قال : آخر الأنبياء .
ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم حدثني ابن المنني ، قال : حدثني ابن أبي عدي ، عن المسعودي ، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز ، قال : حدثني نافع بن جبير ، عن على أبن أبي طالب ،قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير ، ضخم الرأ س واللحية ، شثن الكفين والقدمين ، ضخم الكراديس مشربا " وجهه الحمرة ، طويل المسربة إذا مشى تكفأ تكفؤا كانمأ ينحط من صبب ،لم أر قبله ولا بعده مثله ؛ صلى الله عليه وسلم .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا مجمع بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الله بن عمران ، عن رجل من الأنصار - لم يسمه - أنه سأل علي بن أبي طالب وهو في مسجد الكوفة محتب بحمالة سيفه ، فقال : انعت لي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له علي : كان رسول الله أبيض اللون مشرباً حمرة ، أدعج سبط الشعر ، دقيق المسربة ، سهل الخدين ، كث اللحية ، ذا وفرة ؛ كأن عنقه إبريق فضة ؛ كان له شعر من لبتة إلى سرته يجري كالقضيب ؛ لم يكن في إبطه ولا صدره شعر غيره ، شثن الكف والقدم ؛ إذا مشى كأنما ينحدر من صبب ؛ وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر ، وإذا التفت التفت جميعاً ؛ ليس بالقصير ولا بالطويل ، ولا العاجز ولا اللئيم ؛ كأن العرق في وجهه اللؤلؤ ؛ ولريح عرقه أطيب من المسك ؛ لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا ابن المقدمي ، قال : حدثنا يحيى بن محمد بن قيس الذي يقال له أبو زكير ، قال : سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين ؛ فأقام بمكة عشراً وبالمدينة عشرآ ، وتوفي على رأس ستين ؛ ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ؛ ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل البائن ، ولا القصير ؛ ولم يكن بالأبيض الأمهق ؛ ولا الآدم ، ولم يكن بالجعد القطط ولا السبط .
حدثني ابن المثنى قال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن الجريري ، قال : كنت مع أبي الطفيل نطوف بالبيت ؛ فقال : ما بقي أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري ؛ قال : وقلت : أرأيته ؟ قال : نعم ، قلت : كيف كان صفته ؟ قال : كان أبيض مليحاً مقصداً .
ذكر خاتم النبوة التي كانت به صلى الله عليه وسلم حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا الضحاك بن مخلد ، قال : حدثنا عزرة بن ثابت ، قال : حدثنا علباء ، قال : حدثنا أبو زيد ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا زيد ، ادن مني امسح ظهري - وكشف عن ظهره - قال : فمسست ظهره ، ثم وضعت أصبعي على الخاتم فغمزتها ، قال : قلت : وما الخاتم ؟ قال : شعر مجمع كان على كتفيه .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا بشر بن الوضاح أبو الهيثم ، قال : حدثنا أبو عقيل الدورقي عن أبي نضرة ، قال : سألت أبا سعيد الخدري عن الخاتم التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال كانت بضعة ناشزة .
ذكر شجاعته وجوده صلى الله عليه وسلم
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس ، وأسمح الناس ، وأشجع الناس ؛ لقد كان فزع بالمدينة ، فانطلق أهل المدينة نحو الصوت ، فإذا هم قد تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس عري لأبي طلحة ، ما عليه سرج ، وعليه السيف . قال : وقد كان سبقهم إلى الصوت ، قال : فجعل يقول : يأيها الناس ، لم تراعوا ، لم تراعوا ! مرتين ، ثم قال : يا أبا طلحة ، وجدناه بحراً ؛ وقد كان الفرس يبطأ ، فما سبقه فرس بعد ذلك .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس ، وأجود الناس ؛ كان فزع بالمدينة فخرج الناس قبل الصوت ، فاستبرأ الفزع على فرس لأبي طلحة عري ، ما عليه سرج ، في عنقه السيف . قال : وجدناه بحراً - أو قال : وإنه لبحر .
ذكر صفة شعره صلى الله عليه وسلم وهل كان يخضب أم لا حدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا معاذ بن معاذ ، قال : حدثنا حريز بن عثمان ، قال أبو موسى : قال معاذ : وما رأيت من رجل قط من أهل الشأم أفضله عليه ، قال : دخلنا على عبد بن بسر ، فقلت له من بين أصحابي : أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أشيخا كان ؟ قال : فوضع يده على عنفقته ، وقال : كان في عنفقته شعر أبيض .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن أبي جحيفة ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنفقته بيضاء ، قيل : مثل من أنت يومئذ يا أبا جحيفة ؟ قال : أبري النبل وأريشها .
حدثني ابن المثنى ، قال : حدثنا خالد ابن الحارث ، قال : حدثنا حميد ، قال : سئل أنس : أخضب رسول الله ؟ قال : فقال أنس : لم يشتد برسول الله الشيب ، ولكن خضب أبو بكر بالحناء والكتم ، وخضب عمر بالحناء .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ، قال : سئل أنس : هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لم يرمن الشيب إلا نحو من تسع عشرة أو عشرين شعرة بيضاء في مقدم لحيته . قال : إنه لم يشن بالشيب ، فقيل لأنس : وشين هو ! قال : كلكم يكرهه ؛ ولكن خضب أبو بكر بالحناء والكتم ، وخضب عمر بالحناء .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا معاذ بن معاذ ، قال : حدثنا حميد ، عن أنس ، قال : لم يكن الشيب الذي بالنبي صلى الله عليه وسلم عشرين شعرة .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا حماد ابن سلمة ، عن سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : ما كان في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيب إلا شعرات في مفرق رأسه ؛ وكان إذا دهنه غطاهن.
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : حدثنا سلام بن أبي مطيع ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب ، قال : دخلت زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجت إلينا شعراً من شعر رسول الله مخضوباً بالحناء والكتم .
حدثنا ابن جابر بن الكردي الواسطي ، قال : حدثنا أبو سفيان ، قال : حدثنا الضحاك بن حمرة ، عن غيلان بن جامع ، عن إياد بن لقيط ، عن أبي رمثة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالحناء والكتم؛ وكان يبلغ شعره كتفيه أو منكبيه - الشك من أبي سفيان .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إبراهيم - يعني ابن نافع - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم هانئ ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ضفائر أربع .
ذكر الخبر عن بدء مرض رسول الله الذي توفي فيه وما كان منه قبيل ذلك لما نعيت إليه نفسه صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر : يقول الله عز وجل : " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً " . قد مضى ذكرنا قبل ما كان من تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه - في حجته التي حجها المسماة حجة الوداع ، وحجة التمام ، وحجة البلاغ - مناسكهم ووصيته إياهم ، بما قد ذكرت قبل في خطبته التي خطبها بهم فيها .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من سفره ذلك بعد فراغه من حجه إلى منزله بالمدينة في بقية ذي الحجة ، فأقام بها ما بقي من ذي الحجة والمحرم والصقر .
ثم دخلت سنة إحدى عشرة ذكر الأحداث التي كانت فيها قال أبو جعفر : ثم ضرب في المحرم من سنة إحدى عشرة على الناس بعثاً إلى الشأم ، وأمر عليهم مولاه وابن مولاه أسامة بن زيد بن حارثة ، وأمره - فيما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عباس بن أبي ربيعة - أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون .
فينا الناس على ذلك ابتدئ صلى الله عليه وسلم شكواه التي قبضه الله عز وجل فيها إلى ما أراد به رحمته وكرامته في ليال بقين من ضفر ، أو في أول شهر ربيع الأول .
حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري ، قال : حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال : أخبرنا سيف بن عمر ، قال : حدثنا عبد الله بن سعيد بن ثابت ابن الجزع الأنصاري ، عن عبيد بن حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، عن أبي مويهبة مولى رسول الله ، قال : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ما قضى حجة التمام ، فتحلل به السير ، وضرب على الناس بعثاً ، وأمر عليهم أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ من آبل الزيت من مشارف الشأم الأرض بالأردن ، فقال المنافقون في ذلك ، ورد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه لخليق لها - أي حقيق بالإمارة - وإن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبل ؛ وإن كان لخليقاً لها " . فطارت الأخبار بتحلل السير بالنبي صلى الله عليه وسلم أن النبي قد اشتكى ، فوثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة ؛ وجاء الخبر عنهما للنبي صلى الله عليه وسلم . ثم وثب طليحة في بلاد أسد بعد ما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي قبضه الله تعالى فيه .
حدثنا ابن سعد ، قال : حدثني عمي يعقوب بن إبراهيم قال : أخبرنا سيف ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ؛ قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي توفاه الله به في عقب المحرم .
وقال الواقدي : بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه لليلتين بقيتا من صفر .
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثنا سيف ابن عمر ، قال : حدثنا المستنير بن يزيد النخعي ، عن عروة بن غزية الدثيني ، عن الضحاك بن فيروز بن الديلمى ، عن أبيه ، قال : إن أول ردة كانت في الإسلام باليمن كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدي ذي الخمار عبهلة بن كعب - وهو الأسود - في عامة مذحج . خرج بعد الوداع ؛ كان الأسود كاهناً شعبا ذا ، وكان يريهم الأعاجيب ، ويسبى قلوب من سمع منطقه ، وكان أول ما خرج أن خرج من كهف خبان ؛ وهي كانت داره ، وبها ولد ونشأ ؛ فكاتبته مذحج ، وواعدته نجران ؛ فوثبوا بها وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعد بن العاص وأنزلوه منزلهما ، ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك وهو على مراد ، فأجلاه ونزل منزله ؛ فلم ينشب عبهلة بنجران أن سار إلى صنعاء فأخذها ، وكتب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم من فعله ونزوله صنعاء ؛ وكان أول خبر وقع به عنه من قبل فروة بن مسيك ، ولحق بفروة من تم على الإسلام من مذحج ، فكانوا باأحسية ، ولم يكاتبه الأسود ولم يرسل إليه ، لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه ، وصفا له ملك اليمن .
حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرني عمي يعقوب ، قال : حدثني سيف ، قال : حدثنا طلحة بن الأعلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضرب بعث أسامة فلم يستتب لوجع رسول الله ولخلع مسيلمة والأسود ؛ وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة ، حتى بلغه ؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك الشأن وانتشاره ، لرؤيا رآها في بيت عائشة : فقال : إني رأيت البارحة - فيما يرى النائم - أن في عضدي سوارين من ذهب ؛ فكرهتهما فنفختهما ، فطارا ، فأولتهما هذين الكذابين - صاحب اليمامة وصاحب اليمن - وقد بلغني أن أقواماً يقولون في إمارة أسامة ! ولعمري لئن قالوا في إمارته ، لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله ! وإن كان أبوه لخليقاً للإمارة ، وإنه لخليق لها ؛ فأنفذوا بعث أسامة . وقال : لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد !
فخرج أسامة فضرب بالجرف ؛ وأنشأ الناس في العسكر ، ونجم طليحة وتمهل الناس ، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستتم الأمر ؛ ينظرون أولهم آخرهم ، حتى توفي الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم .
كتب إلى السرى بن يحيى ، يقول : حدثنا شعيب بن إبراهيم التميمي ، عن سيف بن عمر ، قال : حدثنا سعيد بن عبيد أبو يعقوب ، عن أبي ماجد الأسدي ، عن الحضرمي بن عامر الأسدي ، قال : سألته عن أمر طليحة ابن خويلد ؛ فقال : وقع بنا الخبر بوجع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بلغنا أن مسيلمة قد غلب على اليمامة ، وأن الأسود قد غلبب على اليمن ؛ فلم يلبث إلا قليلاً حتى ادعى طليحة النبوة ، وعسكر بسميراء ، واتبعه العوام ؛ واستكثف أمره ؛ وبعث حبال ابن أخيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الموادعة ، ويخبره خبره . وقال حبال : إن الذي يأتيه ذو النون ؛ فقال : لقد سمى ملكاً ، فقال حبال : أنا ابن خويلد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قتلك الله وحرمك الشهادة ! وحدثني عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي يعقوب ، قال : أخبرنا سيف ، قال : وحدثنا سعيد بن عبيد ، عن حريث بن المعلي : أن أول من كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبر طليحة سنان بن أبي سنان ، وكان على بني مالك ؛ وكان قضاعي بن عمرو على بني الحارث .
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف ، قال : أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسل ، قال : فأرسل إلى نفر من الأبناء رسولاً ، وكتب إليهم أن يحاولوه ، وأمرهم أن يستنجدوا رجالاً - قد سماهم - من بني تميم وقيس ؛ وأرسل إلى أولئك النفر أن ينجدوهم ، ففعلوا ذلك ؛ وانقطعت سبل المرتدة ، وطعنوا في نقصان وأغلقهم ، واشتغلوا في أنفسهم ، فأصيب الأسود في حياة رسول الله، وقبل وفاته بيوم أو بليلة ، ولظ طليحة ومسيلمة وأشباهم بالرسل ؛ ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله عز وجل والذب عن دينه ، فبعث وبربن يحنس إلى فيروز وجشيش الديلمي وداذويه الإصطخري ؛ وبعث جرير بن عبد الله إلى ذي القلاع وذي ظلم ، وبعث الأفرع بن عبد الله الحمير إلى ذي زود وذي مران ، وبعث فرأت بن حيان اعجلي إلى قمامة بن أسال ، وبعث أياد بن حنظل التميمة ثم اعمري إلى قيس بن عاصم والبر قان بن بدر ، وبعث سلسل بن شرحبيل إلى سبرة العنبري ووكيع الدارمي وإلى عمرو بن المحجوب العامري ، وإلى عمرو بن الخفاجي من بني عامر ، وبعث ضرار بن الأزور الأسدي إلى عوف الزرقاني من بني الصيداء وسنان الأسدي ثم الغنمي ، وقضاعي الدئلي ، وبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى ابن ذي اللحية وابن مشيمصة الجبيري .
وحدثت عن هشام بن محمد ، عن أبي مخنف ، قال : حدثنا الصقعب ابن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجع وجعه الذي قبض في آخر صفر في أيام بقين منه ؛ وهو في بيت زينب بنت جحش .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد ، عن محمد ابن إسحاق ، عن عبد الله بن عمر بن علي ، عن عبيد ين جبير ، مولي الحكم ابن أبي العاص ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل ، فقال لي : يا أبا مويهبة ، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع ؛ فانطلق معي ، فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم ، قال : السلام عليكم أهل المقابر ؛ ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ! أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى . ثم أقبل علي فقال : يا أبا مويهبة ، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، خيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة ، فاخترت لقاء ربي والجنة . قال : قلت : يأبي أنت وأمي ! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة . فقال : لا والله يا أبا مويهبة ، لقد اخترت لقاء ربي والجنة ، ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف فبدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجعه الذي قبض فيه .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال :حدثنا محمد ابن إسحاق .
وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا علي بن مجاهد ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع ، فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي ، وأنا أقول : وارأساه ! قال : بل أنا والله يا عائشة وارأساه ! ثم قال : ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك ، وصليت عليك ، ودفنتك ! فقلت : والله لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك ، قالت : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتتام به وجعه ؛ وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في بيت ميمونة ، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي ، فأذن له .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين من أهله : أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر تخط قدماه الأرض ، عاصباً رأسه حتى دخل بيتي .
قال عبيد الله : فحدثت هذا الحديث عنها عبد الله بن عباس ، فقال : هل تدري من الرجل ؟ قلت : لا ، قال : علي بن أبي طالب . ولكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع.
ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الوجع ؛ فقال : أهريقوا على من سبع قرب من آبار شتى ؛ حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم ، قالت : فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر ، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول : حسبكم ، حسبكم ! .
فحدثني حميد بن الربيع الخراز ، قال : حدثنا معن بن عيسى ، قال : حدثنا الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن إياس الليثي ؛ ثم الأشجعي ، عن القاسم بن يزيد ، عن عبد الله بن قسيط ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن أخيه الفضل بن عباس ، قال : جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت إليه فوجدته موعوكاً قد عصب رأسه ، فقال : خذ بيدي يا فضل ، فأخذت بيده ؛ حتى جلس على المنبر ، ثم قال : ناد في الناس . فاجتمعوا إليه ، فقال : أما بعد أيها الناس ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ؛ وإنه قد دنا منى حقوق من بين أظهركم ، فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقيد منه ، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه ؛ ألا وإن الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني ، ؛ ألا وإن أحبكم إلى من أخذ مني حقاً إن كان له ، أو حللني فلقيت الله وأنا أطيب النفس ؛ وقد أرى أن هذا غير مغن عني حتى أقوم فيكم مراراً .
قال الفضل : ثم نزل فصلى الظهر ، ثم رجع فجلس على المنبر ، فعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها ، فقام رجل فقال : يا رسول الله ؛ إن لي عندك ثلاثة دراهم ، قال : أعطه يا فضل ، فأمرته فجلس . ثم قال : أيها الناس ، من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا ، ألا وإن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة . فقام رجل فقال : يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله ، قال : ولم غللتها ؟ قال : كنت إليها محتاجاً ، قال : خذها منه يا فضل . ثم قال : يأيها الناس ، من خشى من نفسه شيئاً فليقم أدع له . فقام رجل فقال : يا رسول الله ، إني لكذاب ، إني لفاحش ، وإني لنؤوم ؛ فقال : اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً ، وأذهب عنه النوم إذا أراد . ثم قام رجل فقال : والله يا رسول ا لله ، إني لكذاب وإني لمنافق ، وما شيء - أو إن شيء - إلا قد جنيته . فقام عمر بن الخطاب ، فقال : فضحت نفسك أيها الرجل ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا بن الخطاب ، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ، اللهم ارزقه صدقاً وإيماناً وصير أمره إلى خير .
فقال عمر كلمة . فضحك رسول الله ، ثم قال : عمر معي وأنا مع عمر ، والحق بعدي مع عمر حيث كان .
حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن أيوب بن بشير ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عاصباً رأسه ؛ حتى جلس على المنبر ؛ ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد ، واستغفر لهم ؛ وأكثر الصلاة عليهم ، ثم قال : إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله . قال : ففهمها أبو بكر ، وعلم أن نفسه يريد ؛ فبكى ، وقال : بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا ، فقال : على رسلك يا أبا بكر ! انظروا هذه الأبواب الشوارع اللافظة في المسجد فسدوها ؛ إلا ما كان من بيت أبي بكر ؛ فإني لا أعلم أحداً كان أفضل عندي في الصحبة يداً منه .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن بعض آل أبي سعيد بن المعلي ، أن رسول الله قال يومئذ في كلامه هذا : فإني لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ؛ ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده .
وحدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثني عمي عبد الله ابن وهب ، قال : حدثنا مالك ، عن أبي النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على المنبر ، فقال : إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء ، وبين ما عند الله ؛ فاختار ما عند الله ؛ فبكى أبو بكر ثم قال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله ! قال : فتعجبنا له ، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد يخير ، ويقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ! قال : فكان رسول الله هو المخير ؛ وكان أبو بكر أعلمنا به ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر ؛ ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ؛ ولكن أخوة الإسلام ؛ لا تبق خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر .
حدثني محمد بن عمر بن الصباح الهمداني ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا مسلم بن جعفر البجلي ، قال : سمعت عبد الملك ابن الأصبهاني عن خلاد الأسدي ، قال : قال عبد الله بن مسعود : نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر ؛ فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة ، فنظر إلينا وشدد ، فدمعت عينه ، وقال : مرحباً بكم ! رحمكم الله ! آواكم الله ! حفظكم الله ! رفعكم الله ! نفعكم الله ! وفقكم الله ! نصركم الله ! سلمكم الله ! رحمكم الله ! قبلكم الله ! أوصيكم بتقوى الله ، وأوصي الله بكم ، وأستخلفه عليكم ، وأؤديكم إليه ؛ إني لكم نذير وبشير ، لا تعلوا على الله في عباده وبلاده ؛ فإنه قال لي ولكم : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين " . وقال : " أليس في جهنم مثوى للمتكبرين " . فقلنا : متى أجلك ؟ قال : قد دنا الفراق ، والمنقلب إلى الله ، وإلى سدرة المنتهى . قلنا : فمن يغسلك يا نبي الله ؟ قال : أهلي الأدنى فالأدنى ، قلنا : ففيم نكفنك يا نبي الله ؟ قال : في ثيابي هذه إن شئتم ؛ أو في بياض مصر ، أو حلة يمانية ، قلنا : فمن يصلي عليك يا نبي الله ؟ قال : مهلاً غفر الله لكم ، وجزاكم عن نبيكم خيراً ! فبكينا وبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : إذا غسلموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا ، على شفير قبري ، ثم اخرجوا عني ساعة ، فإن أول من يصلي على جليسي وخليلي جبريل ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم ملك الموت مع جنود كثيرة من الملائكة بأجمعها ، ثم ادخلوا على فوجاً فوجاً ، فصلوا علي وسلموا تسليماً ، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة ولا صيحة ، وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتي ، ثم نساؤهم ، ثم أنتم بعد . أفرئوا أنفسكم مني السلام ؛ فإني أشهدكم أني قد سلمت على من بايعني على ديني من اليوم إلى يوم القيامة . قلنا : فمن يدخلك في قبرك يا نبي الله ؟ قال : أهلي مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم .
حدثنا أحمد بن حماد الدولابي ، قال : حدثنا سفيان ، عن سليمان ابن أبي مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال : اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعه ، فقال : ائتوني أكتب كتاباً لا تضلوا بعدي أبداً . فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي أن يتنازع - فقالوا : ما شأنه ؟ أهجر ! استفهموه ؛ فذهبوا يعيدون عليه ، فقال : دعوني فما أنا فيه خير مما تدعونني إليه ؛ وأوصي بثلاث ؛ قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم ؛ وسكت عن الثالثة عمداً - أو قال : فنسيتها .
حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس ! ثم ذكر نحو حديث أحمد بن حماد ، غير أنه قال : ولا ينبغي عند نبي أن ينازع .
حدثنا أبو كريب وصالح بن سمال ، قال : حدثنا وكيع ، عن مالك ابن مغول ، عن طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! قال : ثم نظرت إلى دموعه تسيل على خديه كأنها نظام اللؤلؤ . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتوني باللوح والدواة - أو بالكتف والدواة - أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده . قال : قالوا : إن رسول الله يهجر .
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثني عمي عبد الله ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبد الله ابن كعب بن مالك ؛ أن ابن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه ، فقال الناس : يا أبا حسن ، كيف أصبح رسول الله ؟ قال : أصبح بحمد الله بارئاً ، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب ، فقال : ألا ترى أنك بعد ثلاث عبد العصا ! وإني أرى رسول الله سيتوفي في وجعه هذا ؛ وإني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت ؛ فاذهب إلى رسول الله فسله فيمن يكون هذا الأمر ؟ فإن كان فينا علمنا ذلك ، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا . قال علي : والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبداً ؛ والله لا أسألها رسول الله أبداً .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : خرج يومئذ علي بن أبي طالب على الناس من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه ؛ غير أنه قال في حديثه : أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب ؛ فانطلق بنا إلى رسول الله ؛ فإن كان هذا الأمر فينا علمنا ، وإن كان في غيرنا أمرنا فأوصى بنا الناس ؛ وزاد فيه أيضاً : فتوفى رسول الله حين اشتد الضحى من ذلك اليوم .
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : حدثنا أبي ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرغوا على من سبع قرب من سبع آبار شتى ، لعلى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم .
قال محمد ، عن محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : : فصببنا عليه من سبع قرب ، فوجد راحة ، فخرج فصلى بالناس ، وخطبهم ، واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ، ثم أوصى بالأنصار خيراً ، فقال : أما بعد يا معشر المهاجرين ، إنكم قد أصبحتم تزيدون ، وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم ، والأنصار عيبتي التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم . ثم قال : إن عبداً من عباد الله قد خير بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله ؛ فلم يفقهها إلا أبو بكر ؛ ظن أنه يريد نفسه ، فبكى ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : على رسلك يا أبا بكر ! سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر ؛ فإني لا أعلم امرأً أفضل يداً في الصحابة من أبي بكر .
حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، عن عائشة ، قالت : لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فقال : لا تلدوني ! فقلنا : كراهية المريض الدواء . فلما أفاق قال : لا يبقى منكم أحد إلا لد ؛ غير العباس فإنه لم يشهد كم .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في حديثه الذي ذكرناه عنه ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت : ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل بيته ، وتتام به وجعه حتى غمر ، واجتمع عنده نساء من نسائه : أم سلمة ، وميمونة ، ونساء من نساء المؤمنين ؛ منهن أسماء بنت عميس ، وعنده عمه العباس بن عبد المطلب ، وأجمعوا على أن يلدوه ، فقال العباس : لألدنه ، قال : فلد ، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : من صنع بي هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، عمك العباس ، قال : هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الأرض - وأشار نحو أرض الحبشة - قال : ولم فعلتم ذلك ؟ فقال العباس : خشينا يا رسول الله أن يكون بك وجع ذات الجنب ، فقال : إن ذلك لداء ما كان الله ليعذبني به ، لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمى . قال : فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة لقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ عقوبة لهم بما صنعوا .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، أن عائشة حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا : خشينا أن يكون بك ذات الجنب ، قال : إنها من الشيطان ؛ ولم يكن الله ليسلطها علي .
حدثت عن هشام بن محمد ، عن أبي مخنف ، قال : حدثني الصقعب ابن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل في وجعه الذي توفي فيه حتى أغمى عليه ؛ فاجتمع إليه نساؤه وابنته وأهل بيته والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وجميعهم ؛ وإن أسماء بنت عميس قالت : ما وجعه هذا إلا ذات الجنب ، فلدوه ، فلددناه ، فلما أفاق ، قال : من فعل بي هذا ؟ قالوا : لدتك أسماء بنت عميس ؛ ظنت أن بك ذات الجنب . قال : أعوذ بالله أن يبليني بذات الجنب ؛ أنا أكرم على الله من ذلك .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن عبيد بن السباق ، عن محمد بن أسامة بن زيد ، عن أبيه أسامة ابن زيد ، قال : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة ، فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أصمت فلا يتكلم ، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على ، فعرفت أنه يدعو لي .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما أسمعه ، وهو يقول : إن الله عز وجل لم يقبض نبياً حتى يخيره .
حدثنا أبو كيب ، قال : حدثنا يونس بن بكير ، قال : حدثنا يونس بن عمرو ، عن أبيه ، عن الأرقم بن شرحبيل ، قال : سألت ابن عباس : أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، قلت : فكيف كان ذلك ؟ قال : قال رسول الله : ابعثوا إلى علي فادعوه ، فقالت عائشة : لو بعثت إلى أبي بكر ! وقالت حفصة : لو بعثت إلى عمر ! فاجتمعوا عنده جميعاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصرفوا ، فإن تك لي حاجة أبعث إليكم ؛ فانصرفوا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آن الصلاة ؟ قيل : نعم ، قال : فأمروا أبا بكر ليصلى بالناس ، فقالت عائشة : إنه رجل رقيق ، فمر عمر ، فقال : مروا عمر ، فقال عمر : ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد ، فتقدم أبو بكر ، ووجد رسول الله خفة ، فخرج ، فلما سمع أبو بكر حركته تأخر ، فجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه ، فأقامه مكانه ، وقعد رسول الله ، فقرأ من حيث انتهى أبو بكر .
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : و حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع ، قالا : حدثنا الأعمش ، وحدثنا عيسى بن عثمان بن عيسى ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم المرض الذي مات فيه ، أذن بالصلاة ، فقال : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ، فقلت : إن أبا بكر رجل رقيق ، وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق ! قال : فقال : مروا أبا بكر يصلى بالناس ، فقلت مثل ذلك ، فغضب ، وقال : إنكن صواحب يوسف - وقال ابن وكيع : " صواحبات يوسف " - مروا أبا بكر يصلى بالناس ، قال : فخرج يهادي بين رجلين وقدماه تخطان في الأرض ؛ فلما دنا من أبي بكر ، تأخر أبو بكر ؛ فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قم في مقامك ، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى إلى جنب أبي بكر جالساً . قالت : فكان أبو بكر يصلى بصلاة النبي ، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر . اللفظ لحديث عيسى بن عثمان .
حدثت عن الواقدي ، قال : سألت ابن أبي سبرة : كم صلى أبو بكر بالناس ؟ قال : سبع عشرة صلاة ، قلت : من أخبرك ؟ قال أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . قال : وحدثنا ابن أبي سبرة ، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن عكرمة ، قال : صلى بهم أبو بكر ثلاثة أيام .
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، عن الليث ، عن يزيد بن الهاد ، عن موسى بن سرجس ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت ، وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ، ثم يمسح وجه باماء ثم يقول : اللهم أعني على سكرة الموت ! حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا الليث بن سعد ، عن ابن الهاد ، عن موسى بن سرجس ، عن القاسم بن محمد عن عائشة ، قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت . ثم ذكر مثله ؛ إلا أنه قال : أعني على سكرات الموت .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، قال : حدثنا أنس بن مالك ، قال : لما كان يوم الاثنين ، اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح ، فرفع الستر ، وفتح الباب ، فخرج رسول الله ؛ حتى قام بباب عائشة ، فكاد المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه ؛ فرحا به ، وتفرجوا . فأشار بيده : أن اثبتوا على صلاتكم ، وتبسم رسول الله فرحاً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه نلك الساعة ؛ ثم رجع وانصرف الناس ، وهم يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفاق من وجعه ، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : لما كان يوم الاثنين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصباً رأسه إلى الصبح ؛ وأبو بكر يصلي بالناس ؛ فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرج الناس ، فعرف أبو بكر أن الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكص عن مصلاه ، فدفع رسول الله في ظهره ، وقال : صل بالناس . وجلس رسول الله إلى جنبه ؛ فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر ؛ فلما فرغ من الصلاة ، أقبل على الناس وكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد ؛ يقول : يأيها الناس ، سعرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ! وإني والله لا تمسكون على شيئاً ؛ إني لم أحل لكم إلا ما أحل لكم القرآن ، ولم أحرم عليكم إلا ما حرم عليكم القرآن . فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه ، قال له أبو بكر : يا بني الله ؛ إني أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحب ، واليوم يوم ابنة خارجة ، فآتيها . ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم حين دخل من المسجد ، فاضطجع في حجري ، فدخل على رجل من آل بكر في يده سواك أخضر . قالت : فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يده نظراً عرفت أنه يريده ، فأخذته فمضغنه حتى ألنته ، ثم أعطيته إياه ؛ قالت : فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قبله ، ثم وضعه ؛ ووجدت رسول الله يثقل في حجري . قالت : فذهبت أنظر في وجهه ، فإذا نظره قد شخص ، وهو يقول : بل الرفيق الأعلى من الجنة ! قالت : قلت : خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق ! قالت : وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حدثنا ابن حميد ، قال حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : سمعت عائشة تقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دوري ؛ ولم أظلم فيه أحداً ، فمن سفهى وحداثة سني أن رسول الله قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ؛ وقمت ألتدم مع النساء ، وأضرب وجهي .
ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ومبلغ سنه يوم وفاته قال أبو جعفر : أما اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، غير أنه اختلف في أي الأثانين كان موته صلى الله عليه وسلم ؟ فقال بعضهم في ذلك ما حدثت عن هشام بن محمد بن السائب ، عن أبي مخنف ، قال : حدثنا الصقعب بن زهير ، عن فقهاء أهل الحجاز ، قالوا : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف النهار يوم الاثنين ، لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول ، وبويع أبو بكر يوم الاثنين في اليوم الذي قبض فيه النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الواقدي : توفي يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، ودفن من الغد نصف النهار حين زاعت الشمس ، وذلك يوم الثلاثاء .
قال أبو جعفر : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بالسنح وعمر حاضر . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب ، فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي وأن رسول الله والله ما مات ؛ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ؛ ثم رجع بعد أن قيل قد مات ؛ والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات .
قال : وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ، وعمر يكلم الناس ؛ فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ؛ ورسول الله مسجى في ناحية البيت ، عليه برد حبرة ، فأقبل حتى كشف عن وجهه ، ثم أقبل عليه فقبله ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ، ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً . ثم رد الثوب على وجهه ، ثم خرج وعمر يكلم الناس ، فقال : على رسلك يا عمر ! فأنصت ، فأبى إلا أن يتكلم ، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه ، وتركوا عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ؛ إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ؛ ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية : " وما محمد إلا رسول قد خلت من فبله الرسل.... " إلى آخر الآية . قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ . قال : وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم .
قال أبو هريرة : قال عمر : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ؛ ما تحملني رجلاي ، وعرفت أن رسول الله قد مات .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر زياد بن كليب ، عن أبي أيوب ، عن إبراهيم ، قال : لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر غائباً ، فجاء بعد ثلاث ، ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه ؛ حتى اربد بطنه ؛ فكشف عن وجهه ، وقبل بين عينيه ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ! طبت حياً وطبت ميتاً ! ثم خرج أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات . ثم قرأ : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " . وكان عمر يقول : لم يمت ؛ وكان يتوعد الناس بالقتل في ذلك .
فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منا الأمراء ومنكم الوزراء .
ثم قال أبو بكر : إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر أو أبا عبيدة ، إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه قوم فقالوا : أبعث معنا أميناً فقال : لأبعثن معكم أميناً حق أمين ؛ فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ؛ وأنا أرضى لكم أبا عبيدة . فقام عمر ، فقال : أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم ! فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار ؛ لا نبايع إلا علياً .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن زياد بن كليب ، قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرقن عليكم أو لنخرجن إلى البيعة . فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف ، فعثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه .
حدثنا زكرياء بن يحيى الضرير ، قال : حدثنا أبو عوانة ، قال : حدثنا داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة ، فجاء فكشف الثوب عن مجهه فقبله ، وقال : فداك أبي وأمي ! ما أطيبك حياً وميتاً ! مات محمد ورب الكعبة ! قال : ثم انطلق إلى المنبر ، فوجد عمر ابن الخطاب قائماً يوعد الناس ، ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حي لم يمت ؛ وإنه خارج إلى من أرجف به ، وقاطع أيديهم ، وضارب أعناقهم ، وصالبهم . قال : فنكلم أبو بكر ، قال : أنصت . قال : فأبى عمر أن ينصت ، فتكلم أبو بكر ، وقال : إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " . " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ... " ؛ حتى ختم الآية ، فمن كان يعبد محمداً فقد مات إلهه الذي كان يعبده ، ومن كان يعبد الله لا شريك له ، فإن الله حي لا يموت .
قال : فخلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : ما علمنا أن هاتين الآيتين نزلتا حتى قرأهما أبو بكر يومئذ ؛ إذ جاء رجل يسعى فقال : هاتيك الأنصار قد اجتمعت في ظلة بني ساعدة ، يبايعون رجلاً منهم ، يقولون : منا أمير ومن قريش أمير ، قال : فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتياهم ؛ فأراد عمر أن يتكلم ، فنهاه أبو بكر ، فقال : لا أعصى خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم مرتين .
قال : فتكلم أبو بكر ، فلم يترك شيئاً نزل في الأنصار ، ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلا وذكره . وقال : لقد علمتم أن رسول الله قال : لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار ، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر ، فبر الناس تبع لبرهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم . قال : فقال سعد : صدقت ، فنحن الوزراء وأنتم الأمراء . قال : فقال عمر : ابسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك ؛ فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر ، فأنت أقوى لها منى . قال : وكان عمر أشد الرجلين ، قال : وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال : إن لك قوتى مع قوتك . قال : فبايع الناس واستثبتوا للبيعة ، وتخلف على والزبير ، واخترط الزبير سيفه ، وقال : لا أغمده حتى يبايع على ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فقال عمر : خذوا سيف الزبير ، فاضربوا به الحجر . قال : فانطلق إليهم عمر ، فجاء بهما تعباً ، وقال : لتبايعان وأنتما طائعان ، أو لتبايعان وأنتما كارهان ؟! فبايعا .
حديث السقيفة حدثني علي بن مسلم ، قال : حدثنا عباد بن عباد ، قال : حدثنا عباد بن راشد ، قال : حدثنا عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، قال : كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن ، قال : فحج عمر وحججنا معه ، قال : فإني لفي منزل بمنى إذ جاءني عبد الرحمن ابن عوف ، فقال : شهدت أمير المؤمنين اليوم ، وقام إليه رجل فقال : إني سمعت فلاناً يقول : لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلاناً . قال : فقال أمير المؤمنين : إنى لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمرهم . قال : قلت : يا أمير المؤمنين ؛ إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلسك ، وإنى لخائف إن قلت اليوم مقالة ألا يعوها ولا يحفظوها ، ولا يضعوها على مواضعها ، وأن يطيروا بها كل مطير ؛ ولكن أمهل حتى تقدم المدينة ، نقدم دار الهجرة والسنة ، وتخلص بأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار ، فتقول ما قلت متمكناً فيعوا مقالنك ، ويضعوها على مواضعها . فقال : والله لأقومن بها في أول مقام أقومه بالمدينة .
قال : فلما قدمنا المدينة ، وجاء يوم الجمعة هجرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن ؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبقنى بالتهجير ، فجلست إلى جنبه عند المنبر ، ركبتى إلى ركبته ؛ فلما زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرج ، فقلت لسعيد وهو مقبل : ليقولن أمير المؤمنين اليوم على هذا المنبر مقالة لم تقل قبله . فغضب وقال : فأى مقالة يقول لم تقل قبله ! فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذنون ، فلما قضى المؤذن أذانه قام عمر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد ، فإنى أريد أن أقول مقالة قد قدر أن أقولها ، من وعاها وعقلها وحفظها ، فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته ، ومن لم يعها فإنى لا أحل لأحد أن يكذب علي . إن الله عز وجل بعث محمداً بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله ورجمنا بعده ، وإنى قد خشيت أن يطول بالناس زمان ، فيقول قائل : والله ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وقد كنا نقول : لا ترغبوا عن آبائكم ؛ فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول : لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلاناً ! فلا يغرن امرأً أن يقول : إن بيعة أبى بكر كانت فلتة ؛ فقد كانت كذلك ؛ غير أن الله وقى شرها ؛ وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبى بكر ! وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة ، ونخلفت عنا الأبصار بأسرها ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم ؛ فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً ، فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . قالا : فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم . فقلنا : والله لنأتينهم ، قال : فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة . قال : وإذا بين أظهرهم رجل مزمل ، قال : قلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، فقلت : ما شأنه ؟ قالوا : وجع ، فقام رجل منهم ، فحمد الله ، وقال : أما بعد ، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا ؛ وقد دفت إلينا من قومكم دافة قال : فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر . وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر ، وقد كنت أداري منه بعض الحد ، وكان هو أوقر منى وأحلم ؛ فلما أردت أن أتكلم ، قال: على رسلك ! فكرهت أن أعصيه ؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه ، فما ترك شيئاً كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت ؛ إلا قد جاء به أو بأحسن منه . وقال : أما بعد يا معشر الأنصار ؛ فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل ؛ وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ؛ وهم أوسط العرب داراً ونسباً ، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم . فأخذ بيدى وبيد أبي عبيدة بن الجراح . وإني والله ما كرهت من كلامه شيئاً غير هذا الكلمة ؛ إن كنت لأقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلى من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر . فلما قضى أبو بكر كلامه ، قام منهم رجل ، فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ؛ منا أمير ومنكم أمير ؛ يا معشر قريش .
قال :فارتفعت الأصوات ، وكثر اللغط ، فلما أشفقت الختلاف ، قلت لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ، وبايعه الأنصار . ثم نزونا على سعد ، حتى قال قائلهم : قتلتم سعد بن عبادة ! فقلت : قتل الله سعداً ! وإنا والله ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبي بكر ؛ خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نتابعهم على ما نرضى ، أو نخالفهم فيكون فساد .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، قال : إن أحد الرجلين اللذين لقوا من ؟ الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة ، عويم بن ساعدة والآخر معن بن عدى ؛ أخو بنى العجلان ، فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنهقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من الذين قال الله لهم : " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم المرء منهم عويم بن ساعدة ! وأما معن فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله ، وقالوا : والله لوددنا أنا متنا قبله ؛ إنا نخشى أن نفتتن بعده . فقال معن بن عدي : والله ما أحب أنى مت قبله حتى أصدقه ميتاً كما صدقته حياً . فقتل معن يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب .
حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري ، قال : أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم قال : أخبرني سيف بن عمر ، عن الوليد بن عبد بن أبي ظبية الجلي ، قال : حدثنا الوليد بن جميع الزهري ، قال : قال عمرو بن حرث لسعيد ابن زيد : أشهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، فال : فمتى بويع أبو بكر ؟ قال : يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة . قال : فخالف عليه أحد ؟ قال : لا إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد ، لولا أن الله عز وجل ينقذهم من الأنصار . قال : فهل قعد أحد من المهاجرين ؟ قال : لا ، تتابع المهاجرون على بيعته ، من غير أن يدعوهم .
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف ، عن عبد العزيز بن ساه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : كان على في بيته إذ أتى فقيل له : قد جلس أبو بكر للبيعة ، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء ، عجلاً ، كراهية أن يبطئ عنها ، حتى بايعه . ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله ، ولزم مجلسه .
حدثنا أبو صالح الضرار ، قال : حدثنا عبد الرزاق بن همام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : أما آني سمعت رسول الله يقول : لا نورث ، ما تركنا فهو صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال . وآني والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها على ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر . وكان لعلى وجه من الناس حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ؛ فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم توفيت .
قال معمر : فقال رجل للزهري : أفل يبايعه على ستة أشهر ! قال : لا ؛ ولا أحد من بني هاشم ؛ حتى بايعه علي . فلما رأى على انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر : أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد ، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر ، فقال عمر : لآتتهم وحدك ، قال أبو بكر : ولله لآتينهم وحدي ، وما عسى أن يصنعوا بي ! قال : فانطلق أبو بكر ، فدخل على علي ، وقد جمع بنى هاشم عنده ، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ، ولا نفاس عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقاً ، فاستبددتم به علينا . ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم . فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر .
فلما صمت علي تشهد أبو بكر . فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ؛ فه الله لقرابة رسول الله أحب إلى أن أصل من قرابتي ؛ وإني والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غير الخير ؛ ولكني سمعت رسول الله يقول : ((لا نورث ؛ ما تركنا فهو صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)) ؛ وإني أعوذ بالله لا أذكر أمراً صنعه محمد رسول الله إلا صنعته فيه إن شاء الله .
ثم قال علي : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ، ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر ، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه . قالت : فأقبل الناس إلى علي فقالوا : أصبت وأحسنت ، قالت : فكان الناس قريباً إلى علي حين قارب الحق والمعروف .
حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفي ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا مالك - يعني ابن مغول - عن ابن الحر ، قال : قال أبو سفيان لعلي : ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ! والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً ! قال : فقال علي : يا أبا سفيان ، طالما عاديت الإسلام وأهله فلم تضره بذاك شيئاً ! إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً .
حدثني محمد بن عثمان التقفي ، قال : حدثنا أمية بن خالد ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، قال : لما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان : ما لنا ولأبي فصيل ؛ إنما هي بنو عبد مناف ! قال : فقيل له : إنه قد ولى ابنك ، قال : وصلته رحم ! حدثت عن هشام ، قال : حدثني عوانة ، قال : لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر ، أقبل أبو سفيان ؛ وهو يقول : والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم ! أين المستضعفان ! أين الأذلان علي والعباس ! وقال : أبا حسن ! ابسط يدك حتى أبايعك ، فأبى علي عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمس :
ولن يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمته ... وذا يشج فلا يبكي له أحد
قال : فزجره علي ، وقال : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ؛ وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً ! لا حاجة لنا في نصيحتك .
قال هشام بن محمد : وأخبرني أبو محمد القرشي ، قال : لما بويع أبو بكر ، قال أبو سفيان لعلي والعباس : أنتما الأذلان ! ثم أنشد يتمثل :
إن الهوان حمار الأهل يعرفه ... والحر ينكره والرسلة الأجد
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمته ... وذا يشج فلا يبكي له أحد
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، قال : حدثنا أنس بن مالك ، قال : لما بويع أبو بكر في السقيفة ؛ وكان الغد ، جلس أبو بكر على المنبر ، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر ؛ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس ؛ إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي ؛ وما وجدتها في كتاب الله ؛ ولا كانت عهداً عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا ؛ حتى يكون آخرنا ؛ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله ؛ فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له ؛ وإن الله قد جمع أمركم على خيركم ؛ صاحب رسول الله ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ؛ فقوموا فبايعوا . فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة .
ثم تكلم أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس ؛ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ؛ فإن أحسنت فأعينوني ؛ وإن أسأت فقوموني . الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوى عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوى منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله . لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله ؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء . أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ؛ فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم . قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله !
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد إسحاق ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : والله إني لأمشي مع عمر في خلافته ؛ وهو عامد إلى حاجة له ، وفي يده الدرة ، وما معه غيري . قال وهو يحدث نفسه ، ويضرب وحشي قدمه بدرته ، قال إذ التفت إلى فقال : يا بن عباس ، هل تدري ما حملني على مقالتي هذه التي قلت حين توفي الله رسوله ؟ قال : قلت : لا أدري يا أمير المؤمنين ؛ أنت أعلم ، قال : والله إن حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية : " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " ؛ فو الله إني كنت لأظن أن رسول الله سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها ؛ فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت ذكر جهاز رسول اله صلى الله عليه وسلم ودفنه قال أبو جعفر : فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء ؛ وذلك الغد من وفاته صلى الله عليه وسلم .
وقال بعضهم : إنما دفن بعد وفاته بثلاثة أيام ، وقد مضى ذكر بعض قائلي ذلك .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر وكثير بن عبد الله وغيرهما من أصحابه ، عمن يحدثه ؛ عن عبد الله بن عباس ، أن علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل ابن العباس وقثم بن العباس وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين ولوا غسله ، وإن أوس بن خولي أحد بني عوف ابن الخزرج ؛ قال لعلي بن أبي طالب : أنشدك الله يا علي ؛ وحظنا من رسول الله ! وكان أوس من أصحاب بدر ؛ وقال : ادخل ؛ فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأسنده علي بن أبي طالب إلى صدره ، وكان العباس والفضل وقثم هم الذين يقبلونه معه ؛ وكان أسامة بن زيد وشقران مولياه هما اللذان يصبان الماء ، وعلي يغسله قد أسنده إلى صدره ، وعليه قميصه يدلكه من ورائه ، لا يفضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يقول : بأبي أنت وأمي ! ما أطيبك حياً وميتاً ! ولم ير من رسول الله شيء مما يرى من الميت .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى ابن عباد ، عن أبيه عباد ، عن عائشة ، قالت : لما أرادوا أن يغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه ، فقالوا : والله ما ندري أنجرد رسول الله من ثيابه كما نجرد موتانا ، أو نغسله وعليه ثيابه ! فلما اختلفوا ألقي عليهم السنة حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدري من هو : أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه ؛ قالت : فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه يصبون عليه الماء فوق القميص ، ويدلكونه والقميص دون أيديهم .
قال : فكانت عائشة تقول : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن جعفر ابن محمد بن علي بن حسين ، عن أبيه ، عن جده علي بن حسين . قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري ، عن علي بن حسين ، قال : فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب : ثوبين صحاريين وبرد حبرة ؛ أدرج فيها إدراجا .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن حسين بن عبد الله ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس ، قال : لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة ، وكان أبو طلحة زيد ابن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة ، وكان يلحد - فدعا العباس رجلين ، فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة ، وللآخر : اذهب إلى أبي طلحة ؛ اللهم خر لرسولك ؛ قال : فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته ؛ وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه ؛ فقال قائل : ندفنه في مسجده ، وقال قائل : يدفن مع أصحابه ؛ فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((ما قبض نبي إلا يدفن حيث قبض)) ؛ فرفع فراش رسول الله الذي توفي عليه ؛ فحفر له تحته ؛ ودخل الناس على رسول الله يصلون عليه أرسالا ؛ حتى إذا فرغ الرجال أدخل النساء ، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان ؛ ثم أدخل العبيد ؛ ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد ، ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن فاطمة بنت محمد بن عمارة ، امرأة عبد الله - يعني ابن أبي بكر - عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل ليلة الأربعاء .
قال ابن إسحاق : وكان الذي نزل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد قال أوس بن خولي : أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله ! فقال له : انزل فنزل مع القوم ؛ وقد كان شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته ، وبني عليه ؛ قد أخذ قطيفة كان رسول الله يلبسها ويفترشها ؛ فقذفها في القبر ، وقال : والله لا يلبسها أحد بعدك أبداً . قال : فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : وكان المغيرة بن شعبة يدعى أنه أحدث الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول : أخذت خاتمي فألقيته في القبر ، وقلت : إن خاتمي قد سقط ، وإنما طرحته عمداً لأمس رسول الله ، فأكون آخر الناس به عهداً .
حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبيه إسحاق بن يسار ، عن مقسم أبي القاسم ، مولى عبد الله بن الحارث ابن نوفل ، عن مولاه عبد الله بن الحارث ، قال : اعتمرت مع علي بن أبي طالب في زمان عمر - أو زمان عثمان - فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب ، فلما فرغ من عمرته رجع وسكبت له غسلا فاغتسل ؛ فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق ؛ فقالوا ، يا أبا الحسن ؛ جئنا نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا به ! فقال : أظن المغيرة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم ! قالوا : أجل ، عن ذا جئنا نسألك ! قال : كذب ؛ كان أحدث الناس عهداً برسول الله قثم بن العباس .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن صالح ابن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت : كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء حين اشند به وجعه ، قالت : فهو يضعها مرة على وجهه ، ومرة يكشفها عنه ، ويقول : قاتل الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ! يحذر ذلك على أمته .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن صالح ابن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد اله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة ، قالت : كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يترك بجزيرة العرب دينان .
قالت : وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول ، في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجراً فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل .
واختلف في مبلغ سنه يوم توفي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان له يومئذ ثلاث وستون سنة .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، وبالمدينة عشراً ؛ ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدثنا حماد ، عن أبي جمرة ، عن أبيه ، قال : عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وستين سنة .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، قال : سمعت سعيد بن المسيب ، يقول : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وأقام بمكة عشراً ، وبالمدينة عشراً ، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين .
حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : حدثنا أبو جمرة الضبعي ، عن ابن عباس ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة ، وأقام بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه ، وبالمدينة عشراً ، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة .
حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قال : حدثنى عمي عبد الله ، قال : حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين .
وقال آخرون : كان له يومئذ خمس وستون .
ذكر من قال ذلك : حدثني زياد بن أيوب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : قبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وستين .
حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن دغفل - يعني ابن حنظلة - أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين سنة .
وقال آخرون : بل كان له يومئذ ستون سنة .
ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا حجاج ، قال : حدثنا حماد ، قال : حدثنا عمرو بن دينار ، عن عروة بن الزبير ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين ، ومات وهو ابن ستين .
حدثنا الحسين بن نصر ، قال : أخبرنا عبيد الله ، قال : أخبرنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، قال : حدثتني عائشة وابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ، وبالمدينة عشراً .
ذكر الخبر عن اليوم والشهر اللذين توفى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر : حدثنا عبد الرحمن بن الوليد الجرجاني ، قال : حدثنا أحمد بن أبي طيبة ؛ قال : حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع ، فأراهم مناسكهم ، فلما كان العام المقبل حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر ؛ وصدر إلى المدينة ، وقبض في ربيع الأول .
حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : حدثنا موسى بن داود ، عن ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن حنش الصنعاني ، عن ابن عباس ، قال : ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأثنين ، واستنئ يوم الاثنين ، ورفع الحجر يوم الاثنين ، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين ، وقدم المدينة يوم الاثنين ، وقبض يوم الاثنين .
حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن شريك ، قال : حدثني أبي ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، قال : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في اثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء .
حدثني أحمد بن عثمان ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، أنه دخل عليه فقال لامرأته فاطمة : حدثي محمداً ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن . فقالت : سمعت عمرة تقول : سمعت عائشة تقول : دفن نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء ؛ وما علمنا به حتى سمعنا صوت المساحي .
ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في أمر الإمارة في سقيفه بني ساعدة
حدثنا هشام بن محمد ، عن أبي محنف ، قال : حدثنى عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، فقالوا : نولي هذا الأمر بعد محمد عليه السلام سعد بن عبادة ، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض ؛ فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمه : إني لا أقدر لشكواى أن أسمع القوم كلهم كلامي ؛ ولكن تلق مني قولي فأسمعهموه ؛ فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله ، فيرفع صوته فيسمع أصحابه ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشر الأنصار ؛ لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ؛ إن محمداً عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان ؛ فما آمن به من قومه إلا رجال قليل ؛ وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ؛ ولا أن يعزوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عموا به ؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة ، ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ؛ والجهاد لأعدائه ؛ فكنتم أشد الناس على عدوه منكم ، وأثقله على عدوه من غيركم ؛ حتى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً ؛ وأعطى البعيد المقادة صاغراً داخراً ؛ حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب ؛ وتوفاه الله وهو عنكم راض ؛ وبكم قرير عين . استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس .
فأجابوه بأجمعهم : أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت ، ونوليك هذا الأمر ، فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضا . ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش ، فقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ؛ ونحن عشيرته وأولياؤه ؛ فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده ! فقالت طائفة منهم : فإنا نقول إذاً : منا أمير ومنكم أمير ؛ ولن نرضى بدون هذا الأمر أبداً . فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أول الوهن ! .
وأتى عمر الخبر ، فأقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى أبي بكر وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب عليه السلام دائب في جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلى ، فأرسل إليه : إني مشتغل ؛ فأرسل إليه أنه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره ؛ فخرج إليه ، فقال : أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة ، يريدون أن يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة ؛ وأحسنهم مفالة من يقول : منا أمير ومن قريش أمير ! فمضيا مسرعين نحوهم ؛ فلقيا أبا عبيدة بن الجراح ؛ فتماشوا إليهم ثلاثتهم ، فلقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة ، فقالا لهم : ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون ، فقالوا : لا نفعل ، فجاءوا وهم مجتمعون . فقال عمر بن الخطاب : أتيناهم - وقد كنت زورت كلاماً أردت أن أقوم به فيهم - فلما أن دفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق ، فقال لي أبو بكر : رويداً حتى أتكلم ثم انطق بعد بما أحببت . فنطق ، فقال عمر : فما شيء كنت أردت أن أقوله إلا وقد أتى به أو زاد عليه .
فقال عبد الله بن عبد الرحمن : فبدأ أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه ؛ ثم قال : إن الله بعث محمداً رسولاً إلى خلقه ، وشهيداً على أمته ، ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى ؛ ويزعمون أنها لهم عنده شافعة ، ولهم نافعة ؛ وإنما هي من حجر منحوت ، وخشب منجور ، ثم قرأ : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " ، وقالوا : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " ؛ فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه ، والإيمان به ، والمؤاساة له ، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم ؛ وتكذيبهم إياهم ؛ وكل الناس لهم مخالف ، زار عليهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم ؛ وإجماع قومهم عليهم ؛ فهم أول من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول ؛ وهم أولياء وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ؛ ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار ، من لا ينكر فضلهم في الدين ، ولاسابقتهم العظيمة في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه ؛ فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم ؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفتاتون بمشورة ، ولا نقضى دونكم الأمور .
قال : فقام الحباب بن المنذر بن الجموح ، فقال : يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ؛ فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ؛ ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز والثروة ، وأولو العدد والمنعة والتجربة ، ذوو البأس والنجدة ؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ؛ ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ؛ وينتقض عليكم أمركم ؛ فإن أبي هؤلاء إلا ما سمعتم ؛ فمنا أمير ومنهم أمير .
فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ! والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم ؛ ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ؛ من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل ، أو متجانف إثم ، ومتورط في هلكة ! فقام الحباب بن المنذر فقال : يا معشر الأنصار ، املكوا على أيديكم ، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ؛ فإن أبوا عليكم ما سألتموه ، فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولوا عليهم هذه الأمور ؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم ؛ فإنه بأسيافكم دان لهذا الذين من دان ممن لم يكن يدين ؛ أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ! أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة ؛ فقال عمر : إذاً يقتلك الله ! قال : بل إياك يقتل ! فقال أبو عبيدة : يا معشر الأنصار ؛ إنكم أول من نصر وآزر ؛ فلا تكونوا أول من بدل وغير .
فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ؛ إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في هذا الدين ؛ ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا ؛ والكدح لأنفسنا ؛ فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا ؛ فإن الله ولى المنة علينا بذلك ؛ ألا إن محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش ، وقومه أحق به وأولى . وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً ، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم ! فقال أبو بكر : هذا عمر ، وهذا أبو عبيدة ، فأيهما شئتم فبايعوا . فقالا : لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك ؛ فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار ، وخليفة رسول الله على الصلاة ؛ والصلاة أفضل دين المسلمين ؛ فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك ! ابسط يدك نبايعك .
فلما ذهبا ليبايعاه ، سبقهما إليه بشير بن سعد ، فبايعه ، فناداه الحباب ابن المنذر : يا بشير بن سعد : عقتك عقاق ؛ ما أحوجك إلى ما صنعت ، أنفست على ابن عمك الإمارة ! فقال : لا والله ؛ ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم .
ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، وما تدعو إليه قريش ، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيد ابن حضير - وكان أحد النقباء : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ؛ ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر . فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم .
قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثنى أبو بكر بن محمد الخزاعي ، أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك ، فبايعوا أبا بكر ؛ فكان عمر يقول : ما هو إلا أن رأيت أسلم ، فأيقنت بالنصر .
قال هشام ، عن أبي مخنف : قال عبد الله بن عبد الرحمن : فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر ، وكادوا يطئون سعد بن عبادة ، فقال ناس من أصحاب سعد : اتقوا سعداً لا تطئوه ، فقال عمر : اقتلوه قتله الله ! ثم قام على رأسه ، فقال : لقد هممت أن أطأك حتى تنذر عضدك ، فأخذ سعد بليحة عمر ، فقال : والله لو حصصت منه شعره ما رجعت وفي فيك واضحة ؛ فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر ! الرفق ها هنا أبلغ . فأعرض عنه عمر . وقال سعد : أما والله لو أن بي قوة ما ، أقوى على النهوض ، لسمعت منى في أقطارها وسككها زئيراً يجحرك وأصحابك ؛ أما والله إذاً لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع ! احملوني من هذا المكان ، فحملوه فأدخلوه في داره ، وترك أياماً ثم بعث إليه أن أقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك ؛ فقال : أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي ، وأخضب سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي ؛ فلا أفعل ، وايم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم ، حتى أعرض على ربي ، وأعلم ما حسابي .
فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر : لا تدعه حتى يبايع . فقال له بشير بن سعد : إنه قد لج وأبى ؛ وليس بمبايعكم حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته ؛ فاتركوه فليس تركه بضاركم ؛ إنما هو رجل واحد . فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه ؛ فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ، ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم ؛ فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله .
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف ابن عمر ، عن سهل وأبي عثمان ، عن الضحاك بن خليفة ، قال : لما قام الحباب ابن المتذر انتضى سيفه ؛ وقال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ؛ أنا أبو شبل في عريسة الأسد ، يعزى إلى الأسد . فحامله عمر فضرب يده ، فندر السيف ، فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد ؛ وتتابع القوم على البيعة ؛ وبايع سعد ؛ وكانت فلتة كفلتات الجاهلية ؛ قام أبو بكر دونها . وقال قائل حين أوطئ سعد : قتلتم سعداً ، فقال عمر : قتله الله ! إنه منافق ، واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه .
حدثنا عبيد الله بن سعيد ، قال : حدثني عمي يعقوب ، قال : حدثنا سيف ، عن مبشر ، عن جابر ، قال : قال سعد بن عبادة يومئذ لأبي بكر : إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة ؛ وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة ، فقالوا : إنا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة ؛ ولكنا أجبرنا على الجماعة ، فلا إقالة فيها ؛ لئن نزعت يداً من طاعة ، أو فرقت جماعة ، لنضربن الذي فيه عيناك .
ذكر أمر أبي بكر في أول خلافته
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : حدثنا سيف - وحدثني السري بن يحيى ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر - عن أبي ضمرة ، عن أبيه ، عن عاصم بن عدي ، قال : نادى منادي أبي بكر ، من بعد الغد من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليتم بعث أسامة ؛ ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف . وقام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يأيها الناس ، إنما أنا مثلكم ؛ وإني لا أدري لعكم ستكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ؛ إن الله اصطفى محمداً على العالمين وعصمه من الآفات ؛ وإنما أنا متبع ولست بمبتدع ؛ فإن استقمت فتابعوني ، وإن زغت فقوموني ؛ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ؛ ألا وإن لي شيطاناً يعتريني ؛ فإذا أتاني فاجتنبوني ؛ لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ؛ وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه ؛ فإن استطعتم ألا يمضى هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ؛ ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله ، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال ؛ فإن قوماً نسوا آجالهم ، وجعلوا أعمالهم لغيرهم ؛ فإياكم أن تكونوا أمثالهم . الجد الجد ! والوحا الوحا ! والنجاء النجاء ! فإن وراءكم طالبا حثيثاً ، أجلاً مره سريع . احذروا الموت ، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان ، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات .
وقام أيضاً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه ؛ فأريدوا الله بأعمالكم ، واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها ، وخطأ ظفرتم به ، وضرائب أديتموها ، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية ؛ لحين فقركم وحاجتكم . اعتبروا عباد الله بمن مات منكم ، وتفكروا فيمن كان قبلكم . أين كانوا أمس ، وأين هم اليوم ! أين الجبارون ! وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب ! قد تضعضع بهم الدهر ، وصاروا رميماً ؛ قد تركت عليهم القالات ؛ الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات . وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها ؛ قد بعدوا ونسى ذكرهم ، وصاروا كلا شيء . ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات ، وقطع عنهم الشهوات ، ومضوا والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلفاً بعدهم ؛ فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا ؛ وإن اغتررنا كنا مثلهم ! أين الوضاء الحسنة وجوههم ، المعجبون بشبابهم ! صاروا تراباً ، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم ! أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب ! قد تركوها لمن خلفهم ؛ فتلك مساكنهم خاوية ، وهم في ظلمات القبور ، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً ! أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم ؛ قد انتهت بهم آجالهم ، فوردوا على ما فدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسعادة فيما بعد الموت . ألا إلا الله لا شريك له ، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً ، ولا يصرف عنه به سوءاً ، إلا بطاعته واتباع أمره . واعلموا أنكم عبيد مدينون ، وإن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته ؛ أما أنه لا خير بخير بعده النار ، ولا شر بشر بعده الجنة .
حدثني عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السرى ، قال : حدثنا شعيب ، قال : أخبرنا سيف - عن هشام ابن عروة ، عن أبيه ، قال : لما بويع أبو بكر رضى الله عنه وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه ، قال : ليتم بعث أسامة ؛ وقد ارتدت العرب ؛ إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ؛ ونجم النفاق ، واشرأبت اليهود والنصارى ، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية ، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم ، وكثرة عدوهم . فقال له الناس : إن هؤلاء جل المسلمين والعرب - على ما ترى - قد انتقضت بك ؛ فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين . فقال أبو بكر : والذي نفس أبي بكر بيده ، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يبق في القرى غيري فنفذته !
حدثني عبيد الله ، قال : حدثني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن عطية ، عن أبي أيوب عن علي ، وعن الضحاك عن ابن عباس ، قالا : ثم اجتمع من حول المدينة من القبائل التي غابت في عام الحديبية ، وخرجوا وخرج أهل المدينة في جند أسامة ؛ فحبس أبو بكر من بقي من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم ، فصاروا مسالح حول قبائلهم وهم قليل .
حدثنا عبيد الله ، قال : حدثني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما ؛ عن الحسن بن أبي الحسن البصري ، قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم ؛ وفيهم عمر ابن الخطاب ، وأمر عليهم أسامة بن زيد . فلم يجاوز آخرهم الخندق ، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقف أسامة بالناس ، ثم قال لعمر : ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه ؛ يأذن لي أن أرجع بالناس ؛ فإن معت وجوه الناس وحدهم ؛ ولا آمن على خليفة رسول الله وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن ينخطفهم المشركون . وقالت الأنصار : فإن أبي إلا أن نمضى فأبلغه عنا ، واطلب إليه أن يولى أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة . فخرج عمر بأمر أسامة ، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة ، فقال أبو بكر ، لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : فإن الأنصار أمروني أن أبلغك ، وإنهم يطلبون إليك أن تولى أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة ؛ فوثب أبو بكر - وكان جالساً - فأخذ بلحية عمر ، فقال له : ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب ! استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه ! فخرج عمر إلى الناس فقالوا له : ما صنعت ؟ فقال : امضوا ، ثكلتكم أمهاتكم ! ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله ! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم ، فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب ، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر ، فقال له أسامة : يا خليفة رسول الله ، والله لتركبن أو لأنزلن ! فقال : والله لا تنزل ووالله لا أركب ! وما علي أن أغبر قدمى في سبيل الله ساعة ؛ فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له ، وسبعمائة درجة ترتفع له ، وترفع عنه سبعمائة خطيئة ! حتى إذا انتهى قال : إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل ! فأذن له ، ثم قال : يأيها الناس ، قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني : لا تخونوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة ؛ وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع ؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام ؛ فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها . وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب ؛ فاخفقوهم بالسيف خفقاً . اندفعوا باسم الله ، أفناكم الله بالطعن والطاهون .
حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - وأخبرنا عبيد الله ، قال : أخبرني عمي ، قال : حدثنا سيف - عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : خرج أبو بكر إلى الجرف ، فاستقرى أسامة وبعثه ، وسأله عمر فأذن له ، وقال له : اصنع ما أمرك به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ابدأ ببلاد قضاعة ثم إيت آبل ، ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تعجلن لما خلفت عن عهده . فمضى أسامة مغذاً على ذي المروة والوادي ، وانتهى إلى ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل ، فسلم وغنم ، وكان فراغه في أربعين يوماً سوى مقامه ومنقلبه راجعاً .
فحدثني السري بن يحيى ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - وحدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة ، عن المغيرة بن الأخنس .
وعنهما ، عن سيف ، عن عمرو بن قيس ، عن عطاء الخراساني مثله .
بقية الخبر عن أمر الكذاب العنسي
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع - فيما بلغنا - لباذام حين أسلم وأسلمت اليمن عمل اليمن كلها ، وأمره على جميع مخالفيها ، فلم يزل عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حياته ، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها ، ولا أشرك معه فيها شريكاً حتى مات باذام ، فلما مات فرق عملها بين جماعة من أصحابه .
فحدثني عبيد الله بن سعد الزهري ، قال : حدثنا عمي ، قال : حدثنا سيف - وحدثني السري بن يحيى ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف - قال : حدثنا سهل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صخر ابن لوذان الأنصاري السلمى - وكان فيمن بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع عمال اليمن في سنة عشر بعد ما حج حجة التمام : وقد مات باذام ، فلذلك فرق عملها بين شهر بن باذام ، وعامر بن شهر الهمداني ، وعبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والطاهر بن أبي هالة ، ويعلى بن أمية ، وعمر بن حزم ، وعلى بلاد حضر موت زياد بن لبيد البياضى وعكاشة بن ثور بن أصغر الغوثي ؛ على السكاسك والسكون ومعاوية ابن كندة ، وبعث معاذ بن جبل معلماً لأهل البلدين : اليمن وحضر موت .
حدثني عبيد الله ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف - يعني ابن عمر - عن أبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة ، عن عبادة بن قرص بن عبادة ، عن قرص الليثي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة بعد ما قضى حجة الإسلام ، وقد وجه إمارة اليمن وفرقها بين رجال ، وأفراد كل رجل بحيزه ، ووجه إمارة حضر موت وفرقها بين ثلاثة ، وأفرد كل واحد منهم بحيزه ، واستعمل عمرو بن حزم على نجران ، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورمع وزبيد ، وعامر بن شهر على همدان ، وعلى صنعاء ابن باذام ، وعلى عك والأشعريين الطاهر بن أبي هالة ، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري ، وعلى الجند يعلى بن أمية . وكان معاذ معلماً يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت ؛ واستعمل على أعمال حضر موت ؛ على السكاسك والسكون عكاشة بن ثور ، وعلى بني معاوية بن كندة عبد الله - أو المهاجر - فاشتكى فلم يذهب حتى وجهه أبو بكر . وعلى حضرموت زياد بن لبيد البياضي ، وكان زياد يقوم على عمل المهاجر ؛ فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء عماله على اليمن وحضرموت ؛ إلا من قتل في قتال الأسود أو مات ؛ وهو باذام ، مات ففرق النبي صلى الله عليه وسلم العمل من أجله . وشهر ابنه - يعني ابن باذام - فسار إليه الأسود فقاتله فقتله .
وحدثني بهذا الحديث السري ، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سيف . فقال فيه : عن سيف ، عن أبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة . ثم سائر الحديث بإسناده مثل حديث ابن سعد الزهري .
قال : حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أول من اعترض على العنسى وكاثره عامر بن شهر الهمداني في ناحيته وفيروز ودا ذويه في ناحيتهما ، ثم تتابع الذين كتب إليهم على ما أمروا به .
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرني سيف ، قال . وحدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن سهل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صخر ، قال : فبينا نحن بالجند قد أقمناهم على ما ينبغي ؛ وكتبنا بيننا وبينهم الكتب ، إذ جاءنا كتاب من الأسود : أيها المتوردون علينا ، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ، ووفروا ما جمعتم ؛ فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه . فقلنا للرسول : من أين جئت ؟ قال : من كهف خبان . ثم كان وجهه إلى نجران ؛ حتى أخذها في عشر لمخرجه ، وطابقه عوام مذحج . فبينا نحن ننظر في أمرنا ، ونجمع جمعنا ، إذ أتينا فقيل : هذا الأسود بشعوب ، وقد خرج إليه شهر بن باذام ؛ وذلك لعشرين ليلة من منجمه . فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون الدبرة ، إذ أتانا أنه قتل شهراً ، وهزم الأبناء ، وغلب على صنعاء لخمس وعشرين ليلة من منجمه . وخرج معاذ هارباً ، حتى مر بأبي موسى وهو بمأرب ، فاقتحما حضرموت ؛ فأما معاذ فإنه نزل في السكون ؛ وأما أبو موسى فإنه نزل في السكاسك مما يلي المفور والمفازة بينهم وبين مأرب ، وانحاز سائر أمراء اليمن إلى الطاهر إلا عمراً وخالداً ؛ فإنهما رجعا إلى المدينة ؛ والطاهر يومئذ في وسط بلاد عك بحيال صنعاء . وغلب الأسود على ما بين صهيد - مفازة حضرموت - إلى عمل الطائف إلى البحرين قبل عدن ، وطابقت عليه اليمن ، وعك بتهامة معترضون عليه ؛ وجعل يستطير استطارة الحريق ، وكان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهراً سوى الركبان ؛ وكان قواده قيس بن عبد يغوث المرادي ومعاوية بن قيس لبجنبي ويزيد بن محرم ويزيد بن حصين الحارثي ويزيد بن الأفكل الأزدي . وثبت ملكه واستغلظ أمره ، ودانت له سواحل من السواحل ؛ حاز عثر والشرجة والحردة وغلافقة وعدن ، والجند ؛ ثم صنعاء إلى عمل الطائف ، إلى الأحسية وعليب ؛ وعامله المسلمون بالبقية ، وعامله أهل الردة بالكفر والرجوع عن الإسلام . وكان خليفته في مذحج عمرو بن معد يكرب ، وأسند أمره إلى نفر ؛ فأما أمر جنده فإلى قيس بن عبد يغوث ، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز وداذويه .
فلما أثخن في الأرض اسنخف بقيس وبفيروز وداذويه ، وتزوج امرأة شهر ؛ وهي ابنة عم فيروز ؛ فبينا نحن كذلك بحضرموت - ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود ، أو يبعث إلينا جيشاً ، أو يخرج بحضرموت خارج يدعى بمثل ما ادعى به الأسود ، فنحن على ظهر ، تزوج معاذ إلى بني بكرة ؛ حي من السكون ، امرأة أخوالها بنو زنكبيل يقال لها رملة ، فحدبوا لصهره علينا ، وكان معاذ بها معجباً ، فإن كان ليقول فيما يدعو الله به : اللهم ابعثني يوم القيامة مع السكون ، ويقول أحياناً : اللهم اغفر للسكون - إذ جاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته أو لمصاولته ؛ ونبلغ كل من رجا عنده شيئاً من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . فقام معاذ في ذلك بالذي أمر به ، فعرفنا القوة ووثقنا بالنصر .
حدثنا السري ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - وحدثني عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - قال : أخبرنا المستنير ابن يزيد ، عن عروة بن غزية الدثيني ، عن الضحاك بن فيروز - قال السري : عن جشيش بن الديلمى ، وقال عبيد الله : عن جشنس بن الديلمي - قال : قدم علينا وبر بن يحنس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يأمرنا فيه بالقيام على ديننا ، والنهوض في الحرب ، والعمل في الأسود : إما غيلة وإما مصادمة ؛ وأن نبلغ عنه من رأينا أن عنده نجدة وديناً . فعلمنا في ذلك ، فرأينا أمراً كثيفاً ، ورأيناه قد تغير لقيس بن عبد يغوث - وكان على جنده - فقلنا : يخاف على دمه ؛ فهو لأول دعوة ؛ فدعوناه وأنبأناه الشأن ، وأبلغناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فكأنما وقعنا عليه من السماء ، وكان في غم وضيق بأمره ؛ فأجابنا إلى ما أحيينا من ذلك ، وجاءنا وبر بن يحنس ، وكاتبنا الناس ودعوناهم ؛ وأخبره الشيطان بشيء ، فأرسل إلى قيس وقال : يا قيس ، ما يقول هذا ؟ قال : وما يقول ؟ قال : يقول : عمدت إلى قيس فأكرمته ؛ حتى إذا دخل منك كل مدخل ، وصار في العز مثلك ، مال ميل عدوك ؛ وحاول ملكك وأضمر على الغدر ؟ إنه يقول : يا أسود يا أسود ؟! يا سوءة يا سوءة ! اقطف قنته ، وخذ من قيس أعلاه ؛ وإلا سلبك أو قطف قنتك . فقال قيس - وحلف به : كذب وذي الخمار ؛ لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي ؛ فقال : ما أجفاك ! أتكذب الملك ! قد صدق الملك ؛ وعرفت الآن أنك تائب مما اطلع عليه منك .
ثم خرج فأتانا ، فقال : يا جشيش ، ويا فيروز ، وياداذويه ؛ إنه قد قال وقلت ؛ فما الرأى ؟ فقلنا : نحن على حذر ؛ فإنا في ذلك ؛ إذ أرسل إلينا ، فقال : ألم أشرفكم على قومكم ، ألم يبلغنى عنكم ! فقلنا : أقلنا مرتنا هذه ، فقال : لا يبلغنى عنكم فأقتلكم ؛ فنجونا ولم نكد ؛ وهو في ارتياب من أمرنا وأمر قيس ؛ ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم ؛ إذ جاءنا اعتراض عامر ابن شهر وذي زود وذي مران وذي الكلاع وذي ظليم عليه ، وكاتبونا وبذلوا لنا النصر ؛ وكاتبناهم وأمرناهم ألا يحركوا شيئاً حتى نبرم الأمر - وإنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران ؛ إلى عربهم وساكني الأرض من غير العرب ؛ فثبتوا فتنحوا وانضموا إلى مكان واحد - وبلغه ذلك ، وأحسن بالهلاك ، وفرق لنا الرأى . فدخلت على آذاذ ؛ وهي امرأته ، فقلت : يا ابنة عم ؛ قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك ؛ قتل زوجك ، وطأطأ في قومك القتل ، وسفل بمن بقي منهم ؛ وفضح النساء ؛ فهل عندك من ممالأة عليه ! فقالت : على أي أمره ؟ قلت : إخراجه ، قالت : أو قتله ، قلت : أو قتله ، قالت : نعم والله ما خلق الله شخصاً أبغض إلى منه ؛ ما يقوم لله على حق ، ولا ينتهي له عن حرمة ؛ فإذا عزمتم فأعلموني أخبركم بمأتى هذا الأمر . فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني ، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه ، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا : الملك يدعوك ، فدخل في عشرة من مذحج وهمدان ، فلم يقدر على قتله معهم - قال السري في حديثه : فقال : يا عيهلة بن كعب بن غوث ، وقال عبيد الله في حديثه : يا عبهلة بن كعب بن غوث - أمنى تحصن بالرجال ! ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة ! إنه يقول : يا سوءة يا سوءة ! إلا تقطع من قيس يده يقطع قنتك العليا ؛ حتى ظن أنه قاتله ؛ فقال : إنه ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله ، فمر بي بما أحببت ؛ فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة أن تقتلني - قال الزهري : فإما قتلتني فموتة ، وقال السري : اقتلني فموتة أهون على من موتات أموتها كل يوم - فرق له فأخرجه ، فخرج علينا فأخبرنا وواطأنا ، وقال : اعلموا عملكم ؛ وخرج علينا في جمع ، فقمنا مثولا له ، وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير ، فقام وخط خطاً فأقيمت من ورائه ، وقام من دونها ، فنحرها غير محبسة ولا معقلة ، ما يقنحم الخط منها شيء ، ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت ؛ فما رأيت أمراً كان أفظع منه ، ولا يوماً أوحش منه . ثم قال : أحق ما بلغني عنك يا فيروز ؟ وبوأ له الحربة - لقد هممت أن أنحرك فأتبعك هذه البهيمة ، فقال : اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء ؛ فلو لم تكن نبياً ما بعنا نصيبنا منك بشيء ؛ فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر آخرة ودنيا ؛ لا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك ؛ فإنا بحيث تحب . فقال : اقسم هذه ؛ فأنت أعلم بمن ها هنا ، فاجتمع إلى أهل صنعاء ، وجعلت آمر للرهط بالجزور ولأهل البيت بالبقرة ، ولأهل الحلة بعدة ، حتى أخذ أهل كل ناحية بقسطهم . فلحق به قبل أن يصل إلى داره - وهو واقف على - رجل يسعى إليه بفيروز ؛ فاستمع له ، واستمع له فيروز وهو يقول : أنا قاتله غداً وأصحابه ؛ فاغد علي ، ثم التفت فإذا به ، فقال : مه ! فأخبره بالذي صنع ، فقال : أحسنت ، ثم ضرب دابته داخلاً ، فرجع إلينا فأخبرنا الخبر ، فأرسلنا إلى قيس ؛ فجاءنا ؛ فأجمع ملؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها بعزيمتنا لتخبرنا بما تأمر ؛ فأتيت المرأة وقلت : ما عندك ؟ فقالت : هو متحرز متحرس ؛ وليس من القصر شيء إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت ؛ فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق ؛ فإذا أمسيتم فانقبوا عليه ؛ فإنكم من دون الحرس ؛ وليس دون قتله شيء . وقالت : إنكم ستجدون فيه سراجاً وسلاحاً . فخرجت فتلقاني الأسود خارجاً من بعض منازله ، فقال لي : ما أدخلك علي ؟ ووجأ رأسي حتى سقطت - وكان شديداً وصاحت المرأة فأدهشته عني ؛ ولولا ذلك لقتلني . وقالت : ابن عمي جاءني زائراً ، فقصرت بي ! فقال : اسكتي لا أبا لك ، فقد وهبته لك ! فتزايلت عني ، فأتيت أصحابي فقلت : النجاء ! الهرب ! وأخبرتهم الخبر ؛ فإنا على ذلك حيارى إذ جاءني رسولها : لا تدعن ما فارقتك عليه ؛ فإني لم أزل به حتى اطمأن ؛ فقلنا لفيروز : ائتها فتثبت منها ؛ فإما أنا
فلا سبيل لي إلى الدخول بعد النهي . ففعل ، وإذا هو كان أفطن مني ؛ فلما أخبرته قالت : وكيف ينبغي لنا أن ننقب على بيوت مبطنة ! ينبغي لنا أن نقلع بطانة البيت ؛ فدخلا فاقتلعا البطانة ، ثم أغلقاه ؛ وجلس عندها كالزائر ؛ فدخل عليها الأسود فاستخفته غيرة ، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم ، فصاح به وأخرجه . وجاءنا بالخبر ؛ فلما أمسينا عملنا في أمرنا ؛ وقد واطأنا أشياعنا ، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين ؛ فنقبنا البيت من خارج ، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة ؛ واتقينا بفيروز ؛ وكان أنجدنا وأشدنا - فقلنا : انظر ماذا ترى ! فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة ؛ فلما دنا من باب البيت سمع غطيطاً شديداً ، وإذا المرأة جالسة ؛ فلما قام على الباب أجلسه الشيطان فكلمه على لسانه - وإنه ليغط جالساً . وقال أيضاً : مالي ولك يا فيروز ! فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة ، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل ؛ فأخذ برأسه فقتله ، فدق عنقه ، ووضع ركبته في ظهره فدقه ، ثم قام ليخرج ؛ فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله ، فقالت : أين تدعني ! قال : أخبر أصحابي بمقتله ؛ فأتانا فقمنا معه ؛ فأردنا حز رأسه ؛ فحركه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه ؛ فقلت : اجلسوا على صدره ؛ فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره ، وسمعنا بربرة فألجمته بمئلاة ؛ وأمر الشفرة على حلقه فخار كأشد خوار ثور سمعته قط ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة ، فقالوا : ما هذا ، ما هذا ! فقالت المرأة : النبي يوحى إليه ! فخمد . ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ، ليس غيرنا ثلاثتنا : فيروز وداذويه وقيس ؛ فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا ، ثم ينادى بالأذان ، فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار ، ففزع المسلمون والكافرون ، وتجمع الحرس فأحاطوا بنا ، ثم ناديت بالأذان ، وتوافت خيولهم إلى الحرس ، فناديتهم : أشهد أن محمداً رسول الله ؛ وأن عبهلة كذاب ! وألقينا إليهم رأسه ، فأقام وبر الصلاة ، وشنها القوم غارةً ؛ ونادينا : يا أهل صنعاء ، من دخل عليه داخل فتعلقوا به ، ومن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به . ونادينا بمن في الطريق : تعلقوا بمن استطعتم ! فاختطفوا صبياناً كثيرين ؛ وانتهبوا ما انتهبوا ، ثم مضوا خارجين ؛ فلما برزوا فقدوا منهم سبعين فارساً ركبانا ؛ وإذا أهل الدور والطرق وقد وافونا بهم ؛ وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم أن يتركوا لنا ما في أيديهم ، ونترك لهم ما في أيدينا ؛ ففعلوا فخرجوا لم يظفروا منا بشيء ؛ فترددوا فيما بين صنعاء ونجران ، وخلصت صنعاء والجند ، وأعز الله الإسلام وأهله ؛ وتنافسنا الإمارة ؛ وتراجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم ؛ فاصطلحنا على معاذ بن جبل ، فكان يصلى بنا ، وكتبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر ؛ وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . فأتاه الخبر من ليلته ، وقدمت رسلنا ؛ وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة تلك الليلة ؛ فأجابنا أبو بكر رحمه الله .لا سبيل لي إلى الدخول بعد النهي . ففعل ، وإذا هو كان أفطن مني ؛ فلما أخبرته قالت : وكيف ينبغي لنا أن ننقب على بيوت مبطنة ! ينبغي لنا أن نقلع بطانة البيت ؛ فدخلا فاقتلعا البطانة ، ثم أغلقاه ؛ وجلس عندها كالزائر ؛ فدخل عليها الأسود فاستخفته غيرة ، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده محرم ، فصاح به وأخرجه . وجاءنا بالخبر ؛ فلما أمسينا عملنا في أمرنا ؛ وقد واطأنا أشياعنا ، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين ؛ فنقبنا البيت من خارج ، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة ؛ واتقينا بفيروز ؛ وكان أنجدنا وأشدنا - فقلنا : انظر ماذا ترى ! فخرج ونحن بينه وبين الحرس معه في مقصورة ؛ فلما دنا من باب البيت سمع غطيطاً شديداً ، وإذا المرأة جالسة ؛ فلما قام على الباب أجلسه الشيطان فكلمه على لسانه - وإنه ليغط جالساً . وقال أيضاً : مالي ولك يا فيروز ! فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة ، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل ؛ فأخذ برأسه فقتله ، فدق عنقه ، ووضع ركبته في ظهره فدقه ، ثم قام ليخرج ؛ فأخذت المرأة بثوبه وهي ترى أنه لم يقتله ، فقالت : أين تدعني ! قال : أخبر أصحابي بمقتله ؛ فأتانا فقمنا معه ؛ فأردنا حز رأسه ؛ فحركه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه ؛ فقلت : اجلسوا على صدره ؛ فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره ، وسمعنا بربرة فألجمته بمئلاة ؛ وأمر الشفرة على حلقه فخار كأشد خوار ثور سمعته قط ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة ، فقالوا : ما هذا ، ما هذا ! فقالت المرأة : النبي يوحى إليه ! فخمد . ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ، ليس غيرنا ثلاثتنا : فيروز وداذويه وقيس ؛ فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا ، ثم ينادى بالأذان ، فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار ، ففزع المسلمون والكافرون ، وتجمع الحرس فأحاطوا بنا ، ثم ناديت بالأذان ، وتوافت خيولهم إلى الحرس ، فناديتهم : أشهد أن محمداً رسول الله ؛ وأن عبهلة كذاب ! وألقينا إليهم رأسه ، فأقام وبر الصلاة ، وشنها القوم غارةً ؛ ونادينا : يا أهل صنعاء ، من دخل عليه داخل فتعلقوا به ، ومن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به . ونادينا بمن في الطريق : تعلقوا بمن استطعتم ! فاختطفوا صبياناً كثيرين ؛ وانتهبوا ما انتهبوا ، ثم مضوا خارجين ؛ فلما برزوا فقدوا منهم سبعين فارساً ركبانا ؛ وإذا أهل الدور والطرق وقد وافونا بهم ؛ وفقدنا سبعمائة عيل فراسلونا وراسلناهم أن يتركوا لنا ما في أيديهم ، ونترك لهم ما في أيدينا ؛ ففعلوا فخرجوا لم يظفروا منا بشيء ؛ فترددوا فيما بين صنعاء ونجران ، وخلصت صنعاء والجند ، وأعز الله الإسلام وأهله ؛ وتنافسنا الإمارة ؛ وتراجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم ؛ فاصطلحنا على معاذ بن جبل ، فكان يصلى بنا ، وكتبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر ؛ وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . فأتاه الخبر من ليلته ، وقدمت رسلنا ؛ وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم صبيحة تلك الليلة ؛ فأجابنا أبو بكر رحمه الله .
حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - عن أبي القاسم الشنوي ، عن العلاء بن زياد ، عن ابن عمر ، قال : أتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسى ليبشرنا ، فقال : قتل العنسى البارحة ، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين ، قيل : ومن هو ؟ قال : فيروز ، فاز فيروز ! حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - عن المستنير ، عن عروة ، عن الضحاك ، عن فيروز ، قال : قتلنا الأسود ، وعاد أمرنا كما كان ؛ إلا أنا أرسلنا إلى معاذ ، فتراضينا عليه ؛ فكان يصلى بنا في صنعاء ؛ فو الله ما صلى بنا إلا ثلاثا ونحن راجون مؤملون ، لم يبق شيء نكرهه إلا ما كان من تلك الخيول التي تتردد بيننا وبين نجران ؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتقضت الأمور ؛ وأنكرنا كثيراً مما كنا نعرف ، واضطربت الأرض .
حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف ، عن أبي القاسم وأبي محمد ، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني ، من جند فلسطين ؛ عن عبد الله بن فيروز الديلمي ؛ أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم رسولاً ، يقال له : وبر بن يحنس الأزدى ؛ وكان منزله على داذويه الفارسي ، وكان الأسود كاهناً معه شيطان وتابع له ، فخرج فنزل على ملك اليمن ؛ فقتل ملكها ونكح امرأته وملك اليمن ؛ وكان باذام هلك قبل ذلك ، فخلف ابنه على أمره ، فقتله وتزوجها ، فاجتمعت أنا وداذويه وقيس بن المكشوح المرادي عند وبر بن يحنس رسول نبي الله صلى الله عليه وسلم نأتمر بقتل الأسود . ثم إن الأسود أمر الناس فاجتمعوا في رحبة من صنعاء ، ثم خرج حتى قام في وسطهم ، ومعه حربة الملك ، ثم دعا بفرس الملك فأوجره الحربة ، ثم أرسل فجعل يجري في المدينة ودماؤه تسيل حتى مات . وقام وسط الرحبة ؛ ثم دعا بجزر من وراء الخط فأقامها ، وأعناقها ورءوسها في الخط ما يجزنه . ثم استقبلهن بحربته فنحرهن فتصدعن عنه ؛ حتى فرغ منهن ، ثم أمسك حربته في يده ، ثم أكب على الأرض ، ثم رفع رأسه ، فقال : إنه يقول - يعني شيطانه الذي معه : إن ابن المكشوح من الطغاة ، يا أسود اقطع قنة رأسه العليا . ثم أكب رأسه أيضاً ينظر ، ثم رفع رأسه ، فقال : إنه يقول : إن ابن الديلمى من الطغاة ؛ يا أسود اقطع يده اليمنى ورجله اليمنى ؛ فلما سمعت قوله قلت : والله ما آمن أن يدعو بي ، فينحرني بحربته كما نحر هذه الجزر ؛ فجعلت أستتر بالناس لئلا يراني ، حتى خرجت ولا أدري من حذرى كيف آخذ ! فلما دنوت من منزلي لقيني رجل من قومه ، فدق في رقبتي ، فقال : إن الملك يدعوك وأنت تروغ ! ارجع ؛ فردني ، فلما رأيت ذلك خشيت أن يقتلني . قال : وكنا لا يكاد يفارق رجلا منا أبداً خنجره ، فأدس يدي في خفي ، فأخذت خنجري ، ثم أقبلت وأنا أريد أن أحمل عليه ، فأطعنه به حتى أقتله ، ثم أقتل من معه ، فلما دنوت منه رأى في وجهي الشر ، فقال : مكانك ! فوقفت ، فقال : إنك أكبر من ها هنا وأعلمهم بأشراف أهلها ، فاقسم هذه الجزر بينهم . وركب فانطلق وعلقت أقسم اللحم بين أهل صنعاء ، فأتاني ذلك الذي دق في رقبتي ، فقال : أعطني منها ، فقلت : لا والله ولا بضعة واحدة ؛ ألست الذي دققت في رقبتي ! فانطلق غضبان حتى أتى الأسود ؛ فأخبره بما لقي مني وقلت له . فلما فرغت أتيت الأسود أمشي إليه ، فسمعت الرجل وهو يشكوني إليه ، فقال له الأسود : أما والله لأذبحنه ذبحاً ! فقت له : إني قد فرغت مما أمرتني به ، وقسمته بين الناس . قال : قد أحسنت فانصرف . فانصرفت ، فبعثنا إلى امرأة الملك : إنا نريد قتل الأسود ؛ فكيف لنا ! فأرسلت إلى : أن هلم . فأتيتها ، وجعلت الجارية على الباب لتؤذننا إذا جاء ؛ ودخلت أنا وهي البيت الآخر ، فحفرنا حتى نقبنا نقباً ، ثم خرجنا إلى البيت ، فأرسلنا الستر ، فقلت : إنا نقتله الليلة ، فقالت : فتعالوا ؛ فما شعرت بشيء حتى إذا الأسود قد دخل البيت ؛ وإذا هو معنا ؛ فأخذته غيرة شديدة ، فجعل يدق في رقبتي ، وكفكفته عني ، وخرجت فأتيت أصحابي بالذي صنعت ، وأيقنت بانقطاع الحيلة عنا فيه ؛ إذ جاءنا رسول المرأة ؛ ألا يكسرن عليكم أمركم ما رأيتم ؛ فإني قد قلت له بعد ما خرجت : ألستم تزعمون أنكم أقوام أحرار لكم أحساب ! قال : بلى ، فقلت : جاءني أخي يسلم على ويكرمني ، فوقعت عليه تدق في رقبته ؛ حتى أخرجته ، فكانت هذه كرامتك إياه ! فم أزل ألومه حتى لام نفسه ، وقال : أهو أخوك ؟ فقلت : نعم ، فقال : ما شعرت ؛ فأقبلوا الليلة لما أردتم .
قال الديلمي : فاطمأنت أنفسنا ، واجتمع لنا أمرنا ؛ فأقبلنا من الليل أنا وداذويه وقيس حتى ندخل البيت الأقصى من النقب الذي نقبنا ، فقلت : يا قيس ، أنت فارس العرب ، ادخل فاقتل الرجل ، قال : إني تأخذني رعدة شديدة عند البأس ، فأخاف أن أضرب الرجل ضربة لا تغنى شيئاً ؛ ولكن ادخل أنت يا فيروز ، فإنك أشبنا وأقوانا ، قال : فوضعت سيفي عند القوم ، ودخلت لأنظر أين رأس الرجل ! فإذا السراج يزهر ؛ وإذا هو راقد على فرش قد غاب فيها لا أدري أين رأسه من رجليه ! وإذا المرأة جالسة عنده كانت تطعمه رماناً حتى رقد ، فأشرت إليها : أين رأسه ؟ فأشارت إليه ، فأقبلت أمشي حتى قمت عند رأسه لأنظر ، فما أدري أنظرت في وجهه أم لا ! فإذا هو قد فتح عينيه ؛ فنظر إلي ، فقلت : إن رجعت إلى سيفي خفت أن يفوتني ويأخذ عدة يمتنع بها مني ؛ وإذا شيطانه قد أنذره بمكاني وقد أيقظه ، فلما أبطأ كلمني على لسانه ؛ وإنه لينظر ويغط ، فأضرب بيدي إلى رأسه ، فأخذت رأسه بيد ولحيته بيد ؛ ثم ألوي عنقه فدققتها ؛ ثم أقبلت إلى أصحابي ، فأخذت المرأة بثوبي ، فقالت : أختكم نصيحتكم ! قلت : قد والله قتلته وأرحتك منه . قال : فدخلت على صاحبي فأخبرتهما ، قالا : فارجع فاحتز رأسه وائتنا به ، فدخلت فبربر فألجمته فحززت رأسه ، فأتيتهما به ، ثم خرجنا حتى أتينا منزلنا ؛ وعندنا وبر بن يحنس الأزدي ، فقام معنا حتى ارتقينا على حصن مرتفع من تلك الحصون ؛ فأذن وبر بن يحنس بالصلاة ، ثم قلنا : ألا إن الله عز وجل قد قتل الأسود الكذاب ، فاجتمع الناس إلينا فرمينا برأسه ، فلما رأى القوم الذين كانوا معه أسرجوا خيولهم ؛ ثم جعل كل واحد منهم يأخذ غلاماً من أبنائنا معه من أهل البيت الذي كان نازلا فيهم ؛ فأبصرتهم في الغلس مردفي الغلمان ، فناديت أخي وهو أسفل مني مع الناس : أن تعلقوا بمن استطعتم منهم ؛ ألا ترون ما يصنعون بالأبناء ! فتعلقوا بهم ؛ فحبسنا منهم سبعين رجلاً ، وذهبوا منا بثلاثين غلاماً ، فلما برزوا إذا هم يفقدون سبعين رجلا حين تفقدوا أصحابهم ، فأتونا فقالوا : أرسلوا إلينا أصحابنا ، فقلنا لهم : أرسلوا إلينا أبناءنا ، فأرسلوا إلينا الأبناء ، وأرسلنا إليهم أصحابهم .
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : إن الله قد قتل الأسود الكذاب العنسي ، قتله بيد رجل من إخوانكم ، وقوم أسلموا وصدقوا ؛ فكنا كأنا على الأمر الذي كان قبل قدوم الأسود علينا وأمن الأمراء وتراجعوا ، واعتذر الناس وكانوا حديثي عهد بالجاهلية .
حدثنا عبيد الله ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثنى السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن سهل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صخر ، قال : كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر .
وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف - وحدثنا عبيد الله قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - عن جابر بن يزيد ، عن عروة ابن غزية ، عن الضحاك بن فيروز ، قال : كان ما بين خروجه بكهف خبان ومقتله نحواً من أربعة أشهر ؛ وقد كان قبل ذلك مستسراً بأمره . حتى بادى بعد .
حدثني عمر بن شبة ، قال : حدثنا علي بن محمد ، عن أبي معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء ، عن مشيختهم ، قالوا : أمضي أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول ، وأتى مقتل العنسي في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة ؛ وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة .
وقال الواقدي : في هذه السنة - أعني سنة إحدى عشرة - قدم وفد النخع في النصف من المحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأسهم زرارة بن عمرو ، وهم آخر من قدم من الوفود .
وفيها : ماتت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الثلاثاء ، لثلاث خلون من شهر رمضان ؛ وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها . وذكر أن أبا بكر بن عبد الله ، حدثه عن إسحاق بن عبد الله ، عن أبان بن صالح بذلك . وزعم أن ابن جريج حدثه عن عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر ، قال : توفيت فاطمة عليها السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر .
قال : وحدثنا ابن جريج ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : توفيت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر .
قال الواقدي : وهو أثبت عندنا .
قال : وغسلها علي عليه السلام وأسماء بنت عميس .
قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف ، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، عن عمرة ابنة عبد الرحمن قالت : صلى عليها العباس بن عبد المطلب .
وحدثنا أبو زيد ، قال : حدثنا علي ، عن أبي معشر ، قال : دخل قبرها العباس وعلي والفضل بن العباس .
قال : وفيها توفي عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة ، وكان أصابه بالطائف سهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، رماه أبو محجن ، ودمل الجرح حتى انتقض به في شوال ؛ فمات .
وحدثني أبو زيد ، قال : حدثنا علي ، قال : حدثنا أبو معشر ومحمد ابن إسحاق وجويرية بن أسماء بإسناده الذي ذكرت قبل ، قالوا : في العام الذي بويع فيه أبو بكر ملك أهل فارس عليهم يزد جرد .
قال أبو جعفر : وفيها كان لقاء أبي بكر رحمه الله خارجة بن حصن الفزارى . حدثني أبو زيد ، قال : حدثنا علي بن محمد بإسناده الذي ذكرت قبل ، قالوا : أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم ؛ وهو الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالمسير إليه ؛ لم يحدث شيئاً ، وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة ، ويمنعون الزكاة . فلم يقبل ذلك منهم وردهم ، وأقام حتى قدم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يوماً من شخوصه - ويقال : بعد سبعين يوماً - فلما قدم أسامة بن زيد استخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال استخلف سناناً الضمري على المدينة - فسار ونزل بذي القصة في جمادى الأولى ؛ ويقال في جمادى الآخرة ؛ وكان نوفل بن معاوية الديلي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيه خارجة بن حصن بالشربة ؛ فأخذ ما في يديه ؛ فرده على بني فزارة ؛ فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر . فأول حرب كانت في الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حرب العنسي ؛ وقد كانت حرب العنسي باليمن ؛ ثم حرب خارجة بن حصن ومنظور بن زبان بن سيار في غطفان ، والمسلمون غارون ، فانحاز أبو بكر إلى أجمة فاستتر بها ، ثم هزم الله المشركين .
وحدثني عبيد الله ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن المجالد ابن سعيد ، قال : لما فضل أسامة كفرت الأرض وتضرمت ، وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً .
وحدثني عبيد الله ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفصل أسامة ارتدت العرب عوام أو خواص ؛ وتوحى مسيلمة وطليحة ، فاستغلظ أمرهما ؛ واجتمع على طليحة عوام طيئ وأسد ، وارتدت غطفان إلى ما كان من أشجع وخواص من الأفناء فبايعوه ، وقدمت هوازن رجلاً وأخرت رجلاً أمسكوا الصدقة إلا ما كان من ثقيف ولفها ؛ فإنهم اقتدى بهم عوام جديلة والأعجاز ؛ وارتدت خواص من بني سليم ؛ وكذلك سائر الناس بكل مكان .
قال : وقدمت رسل النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن واليمامة وبلاد بني أسد ووفود من كان كاتبه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمر أمره في الأسود ومسيلمة وطلحة بالأخبار والكتب ؛ فدفعوا كتبهم إلى أبي بكر ، وأخبروه الخبر ، فقال لهم أبو بكر : لا تبرحوا حتى تجئ رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم وأمر ؛ وانتقاض الأمور . فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي صلى الله عليه وسلم من كل مكان بانتفاض عامة أو خاصة ، وتبسطهم بأنواع الميل على المسلمين ، فحاربهم أبو بكر بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاربهم بالرسل . فرد رسلهم بأمره ، وأتبع الرسل رسلاً ؛ وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة ؛ وكان أول من صادم عبس وذبيان ، عاجلوه فقاتلهم قبل رجوع أسامة .
حدثني عبيد اله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن أبي عمرو ، عن زيد بن أسلم ، قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعماله على قضاعة ، وعلى كلب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله ، وعلى القين عمرو بن الحكم ، وعلى سعد هذيم معاوية بن فلان الوائلي .
وقال السري الوالبي : فارتد وديعة الكلبي فيمن آزره من كلب ، وبقي امرؤ القيس على دينه ، وارتد زميل بن قطبة القيني فيمن آزره من بني القين وبقي عمرو ، وارتد معاوية فيمن آزره من سعد هذيم . فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جد سكينة ابنة حسين - فسار لوديعة ، وإلى عمرو فأقام لزميل ، وإلى معاوية العذري . فلما توسط أسامة بلاد قضاعة ، بث الخيول فيهم وأمرهم أن ينهضوا من أقام على الإسلام إلى من رجع عنه ؛ فخرجوا هراباً ؛ حتى أرزوا إلى دومة ، واجتمعوا إلى وديعة ، ورجعت خيول أسامة إليه ؛ فمضى فيها أسامه . حتى أغار على الحمقتين ، فأصاب في بني الضبيب من جذام ، وفي بني خيليل من لخم ولفها من القبيلين ؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالماً غانماً .
فحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة ؛ إلا ما كان من خواص أقوام في القبائل الثلاث ؛ فاجتمعت أسد بسميراء ، وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طيبة ، وطيئ على حدود أرضهم . واجتمعت ثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالأبرق من الربذة ، وتأشب ، إليهم ناس من بني كنانة ؛ فلم تحملهم البلاد ؛ فافترقوا فرقتين ؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق ، وسارت الأخرى إلى ذي القصة ، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القصة من بني أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج . وكان على مرة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان ، وعلى ثعلبة وعبس الحارث ابن فلان ؛ أحد بني سبيع ، وقد بعثوا وفوداً فقدموا المدينة ، فنزلوا على وجوه الناس ، فأنزلوهم ما خلا عباساً فتحملوا بهم على أبي بكر ؛ على أن يقيموا الصلاة ؛ وعلى ألا يؤتوا الزكاة ؛ فعزم الله لأبي بكر على الحق ، وقال : لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه - وكانت عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة - فردهم فرجع وفد من يلى المدينة من المرتدة إليهم ، فأخبروا عشائرهم بقلة من أهل المدينة ، وأطمعوهم فيها ؛ وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفراً :علياً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود ؛ وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد ، وقال لهم : إن الأرض كافرة ؛ وقد رأى وفدهم منكم قلة ؛ وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أم نهاراً ! وأدناهم منكم على بريد . وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم ؛ وقد أبينا عليهم ، ونبذنا إليهم عهدهم ، فاستعدوا وأعدوا . فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل ، وخلفوا بعضهم بذي حسي ، ليكونوا لهم ردءاً ، فوافق الغوار ليلا الأنقاب ؛ وعليها المقاتلة ، ودونهم أقوام يدرجون ، فنبهوهم ؛ وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر ، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ، ففعلوا . وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم ، فانفش العدو ، فاتبعهم المسلمون على إبلهم ؛ حتى بلغوا ذا حسي ؛ فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها ، وجعلوا فيها الحبال ، ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل ؛ فتدهده كل نحي في طوله ، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها - ولا تنفر الإبل من شيء نفارها من الأنحاء - فعاجت بهم ما يملكونها ؛ حتى دخلت بهم المدينة ؛ فلم يصرع مسلم ولم يصب ؛ فقال في ذلك الخطيل بن أوس أخو الحطيئة ابن أوس :
فدى لبنى ذبيان رحلى وناقتي ... عشية يحذى بالرماح أبو بكر
ولكن يدهدى بالرجال فهبنه ... إلى قدر ما إن يزيد ولا يحرى
ولله أجناد تذاق مذاقه ... لتحسب فيما عد من عجب الدهر !
وأنشده الزهري : ((من حسب الدهر)) .
وقال عبد الله الليثي ؛ وكانت بنو عبد مناة من المرتدة - وهم بنو ذبيان - في ذلك الأمر بذي القصة وبذي حمى :
أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبي بكر !
أيورثها بكراً إذا مات بعده ... وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه ... وهلا خشيتم حس راغية البكر !
وإن التي سالوكم فمنعتم ... لكالتمر أو أحلى إلى من التمر
فظن القوم القوم بالمسلمين الوهن ، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر ؛ فقدموا عليهم اعتماداً في الذين أخبروهم ، وهم لا يشعرون لأمر اله عز وجل الذي أراده ، وأحب أن يبلغه فيهم ، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ ، فعبى الناس ، ثم خرج على تعبية من أعجاز ليلته يمشي ، وعلى ميمنته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن ، وعلى الساقة سويد بن مقرن معه الركاب ؛ فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد ، فما سمعوا للمسلمين همساً ولا حساً حتى وضعوا فيهم السيوف ، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم ؛ فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ؛ وقتل حبال واتبعهم أبو بكر ؛ حتى نزل بذي القصة - وكان أول الفتح - ووضع بها النعمان ابن مقرن في عدد ، ورجع إلى المدينة فذل بها المشركون ؛ فوثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين ؛ فقتلوهم كل قتلة ؛ وفعل من وراءهم فعلهم . وعز المسلمون بوقعة أبي بكر ، وحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة ؛ وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة ، وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي :
غداة سعى أبو بكر إليهم ... كما يسعى لموتته جلال
أراح على نواهقها علياً ... ومج لهن مهجته حبال
وقال أيضاً :
أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا ... ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر
فما صبروا للحرب عند قيامها ... صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر
طرقنا بني عبس بأدنى نباحها ... وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر
ثم لم يصنع إلا ذلك ؛ حتى ازداد المسلمون لها ثباتاً على دينهم في كل قبيلة ، وازداد لها المشركون انعكاساً من أمرهم في كل قبيلة ؛ وطرقت المدينة صدقات نفر : صفوان ، الزبرقان ، عدي ؛ صفوان ، ثم الزبرقان ، ثم عدي ؛ صفوان في أول الليل ، والثاني في وسطه ، والثالث في آخره . وكان الذي بشر بصفوان سعد بن أبي وقاص ، والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف ، والذي بشر بعدي عبد الله بن مسعود . وقال غيره : أبو قتادة .
قال : وقال الناس لكلهم حين طلع : نذير ، وقال أبو بكر : هذا بشير ، هذا حام وليس بوان ؛ فإذا نادى بالخير ، قالوا : طالما بشرت بالخير ! وذلك لتمام ستين يوماً من مخرج أسامة . وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ، وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا ظهركم .
ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر ؛ فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك ! فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ، ومقامك أشد على العدو ؛ فابعث رجلاً ، فإن أصيب أمرت آخر ، فقال : لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي ؛ فخرج في تعبيته إلى ذي حسي وذي القصة ، والنعمان وعبد الله وسويد على ما كانوا عليه ، حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق ؛ فاقتتلوا ، فهزم الله الحارث وعوفاً ، وأخذ الحطيئة أسيراً ، فطارت عبس وبنو بكر ؛ وأقام أبو بكر على الأبرق أياماً ؛ وقد غلب بني ذبيان على البلاد . وقال : حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله ! وأجلاها . فلما غلب أهل الردة ؛ ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه ، وسامح الناس جاءت بنو ثعلبة ؛ وهي كانت منازلهم لينزلوها ، فمنعوا منها فأتوه في المدينة ، فقالوا : علام نمنع من نزول بلادنا ! فقال : كذبتم ، ليست لكم ببلاد ؛ ولكنها موهبي ونقذي ، ولم يعتبهم ، وحمى الأبرق لخيول المسلمين ، وأرعى سائر بلاد الربذة الناس على بني ثعلبة ، ثم حماها كلها لصدقات المسلمين ؛ لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصدقات ، فمنع بذلك بعضهم من بعض .
ولما فضت عبس وذبيان أرزوا إلى طليحة وقد نزل طليحة على بزاخة ، وارتحل عن سميراء إليها ، فأقام عليها ؛ وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة :
ويوم بالأبارق قد شهدنا ... على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسوف ... مع الصديق إذ ترك العتابا
حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع وحرام بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال : لما قدم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة ، ومضى حتى انتهى إلى الربذة يلقي بني عبس وذبيان وجماعة من بني عبد مناة ابن كنانة ، فلقيهم بالأبرق ، فقاتلهم فهزمهم الله وفلهم . ثم رجع إلى المدينة ، فلما جم جند أسامة ، وثاب من حول المدينة خرج إلى ذي القصة فنزل بهم - وهو على بريد من المدينة تلقاء نجد - فقطع فيها الجند ، وعقد الألوية ، عقد أحد عشر لواء على أحد عشر جنداً ، وأمر أمير كل جند باستنفار من مر به من المسلمين من أهل القوة ، وتخلف بعض أهل القوة لمنع بلادهم .
حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : لما أراح أسامة وجنده ظهرهم وجموا ، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم ، قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية ، فعقد أحد عشر لواء : عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد ؛ فإذا فرغ سار إلى إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له ، ولعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة ، وللمهاجر بن أبي أمية وأمره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن عليهم ، ثم يمضي إلى كندة بحضرموت ، ولخالد بن سعيد بن العاص - وكان قدم على تفيئة ذلك من اليمن وترك عمله - وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشأم ، ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث ، ولحذيفة بن محصن الغلفاني وأمره بأهل دبا ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهرة ؛ وأمرهما أن يجتمعا وكل واحد منهما في عمله على صاحبه ، وبعث شرجبيل بن حسنة في أثر عكرمة ابن أبي جهل ، وقال : إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة ، وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة ، ولطريفة بن حاجز وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن ، ولسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن ، وللعلاء بن الحضرمي وأمره بالبحرين .
كتاب أبي بكر إلى القبائل المرتدة ووصيته للأمراء ففصلت الأمراء من ذي القصة ، ونزلوا على قصدهم ، فلحق بكل أمير جنده ، وقد عهد إليهم عهده ، وكتب إلى من بعث إليه من جميع المرتدة .
حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ؛ وشاركه في العهد والكتاب قحذم ؛ فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتاباً واحداً :
بسم الله الرحمن الرحيم . من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة ؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه . سلام على من اتبع الهدى ، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى ؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، نقر بما جاء به ، ونكفر من أبي ونجاهده . أما بعد ؛ فإن الله تعالى أرسل محمداً بالحق من عنده إلى خلقه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين . فهدى الله بالحق من أجاب إليه ، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذنه من أدبر عنه ؛ حتى صار إلى الإسلام طوعاً وكرهاً . ثم توفي الله رسوله صلى الله عليه وسلم وقد نفذ لأمر الله ، ونصح لأمته ؛ وقضى الذي عليه ، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل ؛ فقال : " إنك ميت وإنهم ميتون " ، وقال : " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون " ، وقال للمؤمنين : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين " ؛ فمن كان إنما يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد ؛ حي قيوم لا يموت ؛ ولا تأخذه سنة ولا نوم ، حافظ لأمره ، منتقم من عدوه ، يجزيه . وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله ، وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وأن تهتدوا بهداه ، وأن تعتصموا بدين الله ، فإن كل من لم يهده الله ضال ، وكل من لم يعافه مبتلي ، وكل من لم يعنه الله مخذول ، فمن هداه الله كان مهتدياً ، ومن أضله كان ضالاً ؛ قال الله تعالى : " من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً " ، ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقر به ؛ ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولا عدل . وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به ؛ اغتراراً بالله ، وجهالة بأمره ، وإجابة للشيطان ، قال الله تعالى : " وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً " . وقال : " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير " ؛ وإني بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ، وأمرته ألا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله ؛ فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه ؛ ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك ؛ ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه ، وأن يحرقهم بالنار ، ويقتلهم كل قتلة ، وأن يسبى النساء والذرارى ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام ؛ فمن اتبعه فهو خير له ، ومن تركه فلن يعجز الله . وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم ؛ والداعية الأذان ؛ فإذا أذن المسلمون فأذنوا كفوا عنهم ؛ وإن لم يؤذنوا عاجلوهم ؛ وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم ؛ فإن أبوا عاجلوهم ، وإن أقروا قبل منهم ؛ وحملهم على ما ينبغي لهم .
فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود ، وخرجت الأمراء ومعهم العهود :
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام ، وعهد إليه أن يتقى الله ما استطاع في أمره كله سره وعلانيته ، وأمره بالجد في أمر الله ، ومجاهدة من تولى عنه ، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الإسلام ؛ فإن أجابوه أمسك عنهم ، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ؛ ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم ، فيأخذ ما عليهم ، ويعطيهم الذي لهم ؛ لا ينظرهم ، ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم ؛ فمن أجاب إلى أمر الله عز وجل وأقر له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف ؛ وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله ؛ فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل ؛ وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به ، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان ؛ وحيث بلغ مراغمه ،لا يقبل من أحد شيئاً أعطاه إلا الإسلام ؛ فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه ، ومن أبى قاتله ؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران ، ثم قسم ما أفاء الله عليه ، إلا الخمس فإنه يبلغناه ، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد ، وألا يدخل فيهم حشواً حتى يعرفهم ويعلم ما هم ؛ لا يكونوا عيوناً ، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم ، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ، ولا يعجل بعضهم عن بعض ، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول .
ذكر بقية الخبر عن غطفان حين انضمت إلى طليحة وما آل إليه أمر طليحة حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمي ، قال : أخبرنا سيف - وحدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد وبدر بن الخليل وهشام بن عروة ، قالوا : لما أرزت عبس وذبيان ولفها إلى البزاخة ، أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينضموا إليه ، فتعجل إليه أناس من الحيين ، وأمروا قومهم باللحاق بهم ، فقدموا على طليحة ، وبعث أبو بكر عدياً قبل توجيه خالد من ذي القصة إلى قومه ، وقال : أدركهم لا يؤكلوا . فخرج إليهم فقتلهم في الذروة والغارب ، وخرج خالد في أثره ، وأمره أبو بكر أن يبدأ بطيئ على الأكناف ، ثم يكون وجهه إلى البزاخة ، ثم يثلث بالبطاح ، ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدث إليه ، ويأمره بذلك . وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى خيبر ومنصب عليه منها حتى يلاقيه بالأكناف ، أكناف سلمى ؛ فخرج خالد فازوار عن البزاخة ، وجنح إلى أجأ ، وأظهر أنه خارج إلى خيبر ، ثم منصب عليهم ، فقعد ذلك طيئاً وبطأهم عن طليحة ؛ وقدم عليهم عدي ؛ فدعاهم فقالوا : لا نبايع أبا الفصيل أبداً ، فقال : لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم ، ولتكننه بالفحل الأكبر ؛ فشأنكم به . فقالوا له : فاستقبل الجيش فنهنهه عنا حتى نستخرج من لحق بالبزاخة منا ، فإنا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم . فاستقبل عدي خالداً وهو بالسنح ، فقال : يا خالد ، أمسك عني ثلاثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك ؛ وذلك خير من أن تعجلهم إلى النار ؛ وتشاغل بهم ؛ ففعل . فعاد عدي إليهم وقد أرسلوا إخوانهم ؛ فأتوهم من بزاخة كالمدد لهم ؛ ولولا ذلك لم يتركوا ؛ فعاد عدي بإسلامهم إلى خالد ، وارتحل خالد نحو الأنسر يريد جديلة ، فقال له عدي : إن طيئاً كالطائر ، وإن جديلة أحد جناحي طيئ ؛ فأجلني أياماً لعل الله أن ينتقذ جديلة كما انتقذ الغوث ؛ ففعل ، فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى بايعوه ؛ فجاءه بإسلامهم ، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب ؛ فكان خير مولود ولد في أرض طيئ وأعظمه عليهم بركة .
وأما هشام بن الكلبي ؛ فإنه زعم أن أبا بكر لما رجع إليه أسامة ومن كان معه من الجيش ؛ جد في حرب أهل الردة ، وخرج بالناس وهو فيهم حتى نزل بذي القصة ؛ منزلا من المدينة على بريد من نحو مجد ؛ فعبى هنالك جنوده ، ثم بعث خالد بن الوليد على الناس ، وجعل ثابت بن قيس على الأنصار ، وأمره إلى خالد ، وأمره أن يصمد لطليحة وعيينة بن حصن ، وهما على بزاخة ؛ ماء من مياه بني أسد ؛ وأظهر أني ألاقيك بمن معي من نحو خيبر ، مكيدة ؛ وقد أوعب مع خالد الناس ؛ ولكنه أراد أن يبلغ ذلك عدوه فيرعبهم . ثم رجع إلى المدينة ، وسار خالد بن الوليد ؛ حتى إذا دنا من القوم بعث عكاشة بن محصن ، وثابت بن أقرم - أحد بني العجلان حليفاً للأنصار - طليعة ؛ حتى إذا دنوا من القوم خرج طليحة وأخوه سلمة ، ينظران ويسألان : فأما سلمة فلم يمهل ثابتاً أن قتله ، ونادى طليحة أخاه حين رأى أن قد فرغ من صاحبه أن أعني على الرجل ؛ فإنه آكل ؛ فاعتونا عليه ، فقتلاه ثم رجعا ، وأقبل خالد بالناس حتى مروا بثابت بن أقرم قتيلاً ، فلم يفطنوا له حتى وطئته المطئ بأخفافها ، فكبر ذلك على المسلمين ، ثم نظروا فإذا هم بعكاشة بن محصن صريعاً ؛ فجزع لذلك المسلمون ، وقالوا : قتل سيدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم ؛ فانصرف خالد نحو طيئ .
قال هشام : قال أبو مخنف : فحدثني سعد بن مجاهد ، عن المحل ابن خليفة ، عن عدي بن حاتم ، قال : بعثت إلى خالد بن الوليد أن سر إلى فأقم عندي أياماً حتى أبعث إلى قبائل طيئ ، فأجمع لك منهم أكثر ممن معك ، ثم أصحبك إلى عدوك . قال : فسار إلى .
قال هشام : قال أبو مخنف : حدثنا عبد السلام بن سويد أن بعض الأنصار حدثه أن خالداً لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعكاشة ، قال لهم : هل لكم إلى أميل بكم إلى حي من أحياء العرب ؛ كثير عددهم ، شديدة شوكتهم ، لم يرتد منهم عن الإسلام أحد ! فقال له الناس : ومن هذا الحي الذي تعني ؟ فنعم والله الحي هو ! قال لهم : طيئ ؛ فقالوا : وفقك الله ، نعم الرأى رأيت ! فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيئ .
قال هشام : حدثني جديل بن خباب النبهاني من بني عمرو بن أبي ، أن خالداً جاء حتى نزل على أرك ؛ مدينة سلمى .
قال هشام : قال أبو مخنف : حدثني إسحاق أنه نزل بأجأ ، ثم تعبى لحربه ، ثم سار حتى التقيا على بزاخة ، وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريباً يستمعون ويتربصون على من تكون الدبرة .
قال هشام عن أبي مخنف : حدثني سعد بن مجاهد ، أنه سمع أشياخاً من قومه يقولون : سألنا خالداً أن نكفيه قيساً فإن بني أسد حلفاؤنا ، فقال : والله ما قيس بأوهن الشوكتين ، اصمدوا إلى أي القبلتين أحببتم ؛ فقال عدي : لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي لجاهدتهم عليه ، فأنا أمتنع من جهاد بني أسد لجلفهم ! لا لعمر الله لا أفعل ! فقال له خالد : إن جهاد الفريقين جميعاً جهاد ؛ لا تخالف رأى أصحابك ، امض إلى أحد الفريقين ، وامض بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط .
قال هشام ، عن أبي مخنف : فحدثني عبد السلام بن سويد ، أن خيل طيئ كانت تلقي خيل بني أسد وفزارة قبل قدوم خالد عليهم فيتشامون ولا يقتتلون ، فتقول أسد وفزارة : لا والله لا نبايع أبا الفصيل أبداً . فتقول لهم خيل طيئ : أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر !
فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : حدثت أن الناس لما اقتتلوا ، قاتل عيينة مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة قتالا شديداً ، وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر ، يتنبأ لهم ، والناس يقتتلون ، فلما هزت عيينة الحرب ، وضرس القتال ، كر على طليحة ، فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا ، قال : فرجع فقاتل حتى إذا ضرس القتال وهزته الحرب كر عليه فقال : لا أبا لك ! أجاءك جبريل بعد ؟ قال : لا والله ، قال : يقول عيينة حلفاً : حتى متى ! قد والله بلغ منا ! قال : ثم رجع فقاتل ، حتى إذا بلغ كر عليه ، فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم ، قال : فماذا قال لك ؟ قال : قال لي : (( إن لك رحاً كرحاه ، وحديثاً لا تنساه )) ، قال : يقول عيينة : أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه ؛ يا بني فزارة هكذا ؛ فانصرفوا ؛ فهذا والله كذاب . فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة يقولون : ماذا تأمرنا ؟ وقد كان أعد فرسه عنده ، وهيأ بعيراً لامرأته النوار ، فلما أن غشوه يقولون : ماذا تأمرنا ؟ قام فوثب على فرسه ، وحمل امرأته ثم نجا بها ، وقال : من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل ؛ ثم سلك الحوشية حتى لحق بالشأم وارفض جمعه ؛ وقتل الله من قتل منهم ، وبنو عامر قريباً منهم على قادتهم وسادتهم ؛ وتلك القبائل من سليم وهوازن على تلك الحال ؛ فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع ، أقبل أولئك يقولون : ندخل فيما خرجنا منه ، ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا .
قال أبو جعفر : وكان سبب ارتداد عيينة وغطفان ومن ارتد من طيئ ما حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرني عمي ، قال : أخبرني سيف - وحدثني السري قال : حدثنا شعيب عن سيف - عن طلحة بن الأعلم عن حبيب ابن ربيعة الأسدي ، عن عمارة بن فلان الأسدي ، قال : ارتد طليحة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فادعى النبوة ، فوجه النبي صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور إلى عماله على بني أسد في ذلك ؛ وأمرهم بالقيام في ذلك على كل من ارتد ، فأشجوا طليحة وأخافوا ، ونزل المسلمون بواردات ، ونزل المشركون بسميراء ، فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان ؛ حتى هم ضرار بالمسير إلى طليحة ، فلم يبق أحد إلا أخذه سلماً ، إلا ضربة كان ضربها بالجراز ، فنباعنه ، فشاعت في الناس . فأتى المسلمون وهم على ذلك بخير موت نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وقال ناس من الناس لتلك الضربة : إن السلاح لا يحيك في طليحة ؛ فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان ، وارفض الناس إلى طليحة واستطار أمره ، وأقبل ذو الخمارين عوف الجذمي حتى نزل بإزائنا ، وأرسل إليه ثمامة بن أوس بن لأم الطائي : إن معي من جديلة خمسمائة ، فإن دهمكم أمر فنحن بالقردودة والأنسر دوين الرمل . وأرسل إليه مهلهل بن زيد : إن معي حد الغوث ؛ فإن دهمكم أمر فنحن بالأكناف بحيال فيد . وإنما تحدبت طي على ذي الخمارين عوف ؛ أنه كان بين أسد وغطفان وطيئ حلف في الجاهلية ، فلما كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت غطفان وأسد على طيئ ، فأزاحوها عن دارها في الجاهلية : غوثها وجديلتها ، فكره ذلك عوف ؛ فقطع ما بينه وبين غطفان ، وتتابع الحيان على الجلاء ، وأرسل عوف إلى الحيين من طيئ ، فأعاد حلفهم ، وقام بنصرتهم ، فرجعوا إلى دورهم ، واشتد ذلك على غطفان ؛ فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عيينة بن حصن في غطفان ، فقال : ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد ؛ وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة ؛ والله لأن نتبع نبياً من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبياً من قريش ؛ وقد مات محمد ، وبقي طليحة . فطابقوه على رأيه ، ففعل وفعلوا .
فلما اجتمعت غطفان على المطابقة لطليحة هرب ضرار وقضاعي وسنان ومن كان قام بشيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم في بني أسد إلى أبي بكر ، وارفض من كان معهم ، فأخبروا أبا بكر الخبر ، وأمروه بالحذر ، فقال ضرار بن الأزور : فما رأيت أحداً - ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم - أملأ بحرب شعواء من أبي بكر ؛ فجعلنا نخبره ، ولكأنما نخبره بما له ولا عليه . وقدمت عليه وفود بني أسد وغطفان وهوازن وطيئ ، وتلقت وفود قضاعة أسامة بن زيد ، فحوزها إلى أبي بكر ؛ فاجتمعوا بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين ؛ لعاشر من متوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة ، واجتمع ملأ من أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون ؛ فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلا إلا العباس . ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما أجمع عليه ملؤهم ، إلا ما كان من أبي بكر ، فإنه أبي إلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ ، وأبوا ، فردهم وأجلهم يوماً وليلة ؛ فتطايروا إلى عشائرهم .
حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن الحجاج ، عن عمرو بن شعيب ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث عمرو ابن العاص إلى جيفر ، منصرفه من حجة الوداع ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بعمان ، فأقبل حتى إذا انتهى إلى البحرين وجد المنذر بن ساوي في الموت . فقال له المنذر : أشر علي في مالي بأمر لي ولا علي ، قال : صدق بعقار صدقة تجري من بعدك ، ففعل . ثم خرج من عنده ، فسار في بني تميم ، ثم خرج منها إلى بلاد بني عامر ، فنزل على قرة بن هبيرة ، وقرة يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً ؛ وعلى ذلك بنو عامر كلهم إلا خواص ، ثم سار حتى قدم المدينة ، فأطافت به قريش ، وسألوه فأخبرهم أن العساكر معسكرة من دبا إلى حيث انتهيت إليكم ، فتفرقوا وتحلقوا حلقاً ، وأقبل عمر بن الخطاب يريد التسليم على عمرو ، فمر بحلقة ، وهم في شيء من الذي سمعوا من عمرو في تلك الحلقة : عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد ؛ فلما دنا عمر منهم سكتوا ، فقال : فيم أنتم ؟ فلم يجيبوه ، فقال : ما أعلمني بالذي خلوتم عليه ! فغضب طلحة ، وقال : تالله يابن الخطاب لتخبرنا بالغيب ! قال : لا يعلم الغيب إلا الله ؛ ولكن أظن قلتم : ما أخوفنا على قريش من العرب وأخلقهم ألا يقروا بهذا الأمر ! قالوا : صدقت ، قال : فلا تخافوا هذه المنزلة ، أنا والله منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم ؛ والله لو تدخلون معاشر قريش حجراً لدخلته العرب في آثاركم ؛ فاتقوا الله فيهم . ومضى إلى عمرو فسلم عليه ، ثم انصرف إلى أبي بكر .
حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : نزل عمرو بن العاص منصرفه من عمان - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم - بقرة بن هبيرة بن سلمة بن قشير ، وحوله عسكر من بني عامر من أفنائهم ، فذبح له وأكرم مثواه ، فلما أراد الرحلة خلا به قرة ، فقال : يا هذا ، إن العرب لا تطيب لكم نفساً بالإتاوة ، فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع ؛ وإن أبيتم فلا أرى أن تجتمع عليكم . فقال عمرو : أكفرت يا قرة ! وحوله بنو عامر ؛ فكره أن يبوح بمتابعتهم فيكفروا بمتابعته ، فينفر في شر ، فقال : لنردنكم إلى فيئتكم - وكان من أمره الإسلام - اجعلوا بيننا وبينكم موعداً . فقال عمرو : أتوعدنا بالعرب وتخوفنا بها ! موعدك حفش أمك ؛ فو الله لأوطئن عليك الخيل . وقدم على أبي بكر والمسلمين فأخبرهم .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ خالد من أمر بني عامر وبيعتهم على ما بايعهم عليه ، أوثق عيينة بن حصن وقرة بن هبيرة ، فبعث بهما إلى أبي بكر ، فلما قدما عليه قال له قرة : يا خليفة رسول الله ، إني قد كنت مسلماً ، ولي من ذلك على إسلامي عند عمرو بن العاص شهادة ؛ قد مر بي فأكرمته وقربته ومنعته . قال : فدعا أبو بكر عمرو بن العاص ، فقال : ما تعلم من أمر هذا ؟ فقص عليه الخبر ، حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصدقة ، قال له قرة : حسبك رحمك الله ! قال : لا والله ؛ حتى أبلغ له كل ما قلت ، فبلغ له ، فتجاوز عنه أبو بكر ، وحقن دمه .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة ، قال : أخبرني من نظر إلى عيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، ينخسه غلمان المدينة بالجريد ، يقولون : أي عدو الله ، أكفرت بعد إيمانك ! فيقول : والله ما كنت آمنت بالله قط . فتجاوز عنه أبو بكر وحقن له دمه .
حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، قال : أخذ المسلمون رجلاً من بني أسد ، فأتى به خالد بالغمر - وكان عالماً بأمر طليحة - فقال له خالد : حدثنا عنه وعما يقول لكم ، فزعم أن مما أتى به : ((والحمام واليمام ، والصرد الصوام ، قد صمن قبلكم بأعوام ، ليبلغن ملكنا العراق والشام)) .
حدثني السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن أبي يعقوب سعيد بن عبيد ، قال : لما أرزى أهل الغمر إلى البزاخة ، قام فيهم طليحة ، ثم قال : ((أمرت أن تصنعوا رحاً ذات عراً ، يرمى الله بها من رمى ، يهوى عليها من هوى)) ، ثم عبى جنوده ، ثم قال : ((ابعثوا فارسين ، على فرسين أدهمين ، من بني نصر بن قعين ، يأتيانكم بعين )) . فبعثوا فارسين من بني قعين ، فخرج هو وسلمة طليعتين .
حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع ، عن عبد الرحمن بن كعب ، عمن شهد بزاخة من الأنصار ، قال : لم يصب خالد على البزاخة عيلا واحداً ، كانت عيالات بني أسد محرزة - وقال أبو يعقوب : بين مثقب وفلج ، وكانت عيالات قيس بين فلج وواسط - فلم يعد أن انهزموا ، فأقروا جميعاً بالإسلام خشية على الذراري ، واتقوا خالداً بطلبته ، واستحقوا الأمان ؛ ومضى طليحة ؛ حتى نزل كلب على النقع ، فأسلم ، ولم يزل مقيماً في كلب حتى مات أبو بكر ؛ وكان إسلامه هنالك حين بلغه أن أسداً وغطفان وعامرا قد أسلموا ؛ ثم خرج نحو مكة معتمراً في إمارة أبي بكر ، ومر بجنبات المدينة ، فقيل لأبي بكر : هذا طليحة ، فقال : ما أصنع به ! خلوا عنه ، فقد هداه الله للإسلام . ومضى طليحة نحو مكة فقضى عمرته ، ثم أتى عمر إلى البيعة حين استخلف ، فقال له عمر : أنت قاتل عكاشة وثابت ! والله لا أحبك أبداً . فقال : يا أمير المؤمنين ، ماتهم من رجلين أكرمهما الله بيدي ، ولم يهنى بأيديهما ! فبايعه عمر ثم قال له : يا خدع ، ما بقي من كهانتك ؟ قال : نفخة أو نفختان بالكير . ثم رجع إلى دار قومه ؛ فأقام بها حتى خرج إلى العراق .
ذكر ردة هوازن وسليم وعامر حدثنا السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل وعبد الله ، قالا : أما بنو عامر فإنهم قدموا رجلا وأخروا أخرى ، ونظروا ما تصنع أسد وغطفان ؛ فلما أحيط بهم وبنو عامر على قادتهم وسادتهم ، كان قرة بن هبيرة في كعب ومن لافها ، وعلقمة بن علاثة في كلاب ومن لافها ؛ وقد كان علقمة أسلم ثم ارتد في أزمان النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج بعد فتح الطائف حتى لحق بالشأم ؛ فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أقبل مسرعاً حتى عسكر في بني كعب ، مقدماً رجلاً ومؤخراً أخرى ؛ وبلغ ذلك أبا بكر ، فبعث إليه سرية ، وأمر عليها القعقاع بن عمرو ، وقال : يا قعقاع ، سر حتى تغير على علقمة بن علاثة ، لعلك أن تأخذه لي أو تقتله ؛ واعلم أن شفاء الشق الحوص ، فاصنع ما عندك . فخرج في تلك السرية ؛ حتى أغار على الماء الذي عليه علقمة ؛ وكان لا يبرح أن يكون على رجل ؛ فسابقهم على فرسه ؛ فسبقهم مراكضة ، وأسلم أهله وولده ، فانتسف امرأته وبناته ونساءه ، ومن أقام من الرجال ؛ فاتقوه بالإسلام ، فقدم بهم على أبي بكر ، فجحد ولده وزوجته أن يكونوا مالئوا علقمة ، وكانوا مقيمين في الدار ، فلم يبلغه إلا ذلك ، وقالوا : ما ذنبنا فيما صنع علقمة من ذلك ! فأرسلهم ثم أسلم ، فقبل ذلك منه .
حدثنا السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي عمرو وأبي ضمرة ، عن ابن سيرين مثل معانيه .
وأقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة يقولون : ندخل فيما خرجنا منه ؛ فبايعهم على ما بايع عليه أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيئ قبلهم ، وأعطوه بأيديهم على الإسلام ، ولم يقبل من أحد من أسد ولا غطفان ولا هوازن ولا سليم ولا طيئ إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على أهل الإسلام في حال ردتهم . فأتوه بهم ، فقبل منهم إلا قرة بن هبيرة ونفراً معه أوثقهم ، ومثل بالذين عدوا على الإسلام ؛ فأحرقهم بالنيران ورضخهم بالحجارة ، ورمى بهم من الجبال ، ونكسهم في الآبار ، وخزق بالنبال . وبعث بقرة وبالأسارى ، وكتب إلى أبي بكر : إن بني عامر أقبلت بعد إعراض ، ودخلت في الإسلام بعد تربص ؛ وإنى لم أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئاً حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين ؛ فقتلتهم كل قتلة ، وبعثت إليك بقرة وأصحابه .
حدثنا السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن أبي عمرو ، عن نافع ، قال : كتب أبو بكر إلى خالد : ليزدك ما أنعم الله به عليك خيراً ، واتق الله في أمرك ؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون جد في أمر الله ولا تبنين ، ولا تظفرن بأحد قتل المسلمين إلا قتلته ونكلت به غيره ؛ ومن أحببت ممن حاد الله أو ضاده ؛ ممن ترى أن في ذلك صلاحاً فاقتله . فأقام على البزاخة شهراً يصعد عنها ويصوب ، ويرجع إليها في طلب أولئك ؛ فمنهم من أحرق ، ومنهم من قمطه ورضخه بالحجارة ؛ ومنهم من رمى به من رءوس الجبال . وقدم بقرة وأصحابه ، فلم ينزلوا ولم يقل لهم كما قيل لعيينة وأصحابه ؛ لأنهم لم يكونوا في مثل حالهم ؛ ولم يفعلوا فعلهم قال السري : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل وأبي يعقوب ، قالا : واجتمعت فلال غطفان إلى ظفر ، وبها أم زمل سلمى ابنة مالك بن حذيفة بن بدر ؛ وهي تشبه بأمها أم قرفة بنت ربيعة بن فلان بن بدر ؛ وكانت أم قرفة عند مالك بن حذيفة ، فولدت له قرفة ، وحكمة ، وحراشة ، وزملاً ، وحصيناً ، وشريكاً ، وعبداً ، وزفر ، ومعاوية ، وحملة ، وقيساً ، ولأياً ؛ فأما حكمة فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أغار عيينة بن حصن على سرح المدينة ، قتله أبو قتادة ؛ فاجتمعت تلك الفلال إلى سلمى ؛ وكانت في مثل عز أمها ، وعندها جمل أم قرفة ؛ فنزلوا إليها فذمرتهم ، وأمرتهم بالحرب ، وصعدت سائرة فيهم وصوبت ، تدعوهم إلى حرب خالد ، حتى اجتمعوا لها ، وتشجعوا على ذلك ، وتأشب إليهم الشر داء من كل جانب - وكانت قد سبيت أيام أم قرفة ، فوقعت لعائشة فأعتقتها ، فكانت تكون عندها ، ثم رجعت إلى قومها ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليهن يوماً ، فقال : إن إحداكن تستنبح كلاب الحوءب ؛ ففعلت سلمى ذلك حين ارتدت ؛ وطلبت بذلك الثأر ، فسيرت فيما بين ظفر والحوءب ؛ لتجمع إليها ، فتجمع إليها كل فل ومضيق عليه من تلك الأحياء من غطفان وهوازن وسليم وأسد وطيئ ، فلما بلغ ذلك خالداً - وهو فيما هو فيه من تتبع الثأر ، وأخذ الصدقة ودعاء الناس وتسكينهم - سار إلى المرأة وقد استكثف أمرها ، وغلط شأنها ؛ فنزل عليها وعلى جماعها ، فاقتتلوا قتالا شديداً ؛ وهي واقفة على جمل أمها ، وفي مثل عزها ، وكان يفال : من نخس جملها فله مائة من الإبل لعزها ، وأبيرت يومئذ بيوتات من جاس - قال أبو جعفر : جاس حي من غنم - وهاربة ، وغنم ، وأصيب في أناس من كاهل ، وكان قتالهم شديداً ؛ حتى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها . وقتل حول جملها مائة رجل ؛ وبعث بالفتح ، فقدم على أثر قرة بنحو من عشرين ليلة .
قال السري : قال شعيب ، عن سيف ، عن سهل وأبي يعقوب ، قالا : كان من حديث الجواء وناعر ، أن الفجاءة إياس بن عبد ياليل قدم على أبي بكر ، فقال : أعني بسلاح ، ومرني بمن شئت من أهل الردة ؛ فأعطاه سلاحاً ، وأمره أمره ، فخالف أمره إلى المسلمين ؛ فخرج حتى ينزل بالجواء ، وبعث نجبة بن أبي الميثاء من بني الشريد ، وأمره بالمسلمين ؛ فشنها غارة على كل مسلم في سليم وعامر وهوازن ؛ وبلغ ذلك أبا بكر ، فأرسل إلى طريفة بن حاجز يأمره أن يجمع له وأن يسير إليه ؛ وبعث إليه عبد الله بن قيس الجاسي عوناً ؛ ففعل ، ثم نهضا إليه وطلباه ؛ فجعل يلوذ منهما حتى لقياه على الجواء ؛ فاقتتلوا ، فقتل نجبة ، وهرب الفجاءة ، فلحقه طريفة فأسره . ثم بعث به إلى أبي بكر ، فقدم به على أبي بكر ، فأمر فأوقد له ناراً في مصلى المدينة على حطب كثير ، ثم رمى به فيها مقموطاً .
قال أبو جعفر : وأما ابن حميد ؛ فإنه حدثنا في شأن الفجاءة عن سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : قدم على أبي بكر رجل من بني سليم ، يقال له الفجاءة ؛ وهو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف ، فقال لأبي بكر : إني مسلم ؛ وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار ، فاحملني وأعني ؛ فحمله أبو بكر على ظهر ، وأعطاه سلاحاً ، فخرج يستعرض الناس : المسلم والمرتد ، يأخذ أموالهم ، ويصيب من امتنع منهم ؛ ومعه رجل من بني الشريد ، يقال له : نجبة بن أبي الميثاء ، فلما بلغ أبا بكر خبره ، كتب إلى طريفة بن حاجز : إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم ، ويسألني أن أقويه على من ارتد عن الإسلام ، فحملته وسلحته ، ثم انتهى إلى من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس : المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ، ويقتل من خالفه منهم ، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله ، أو تأخذه فتأتيني به . فسار طريفة بن حاجز ، فلما التقى الناس كانت بينهم الرميا بالنبل ، فقتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رمى به ، فلما رأى الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة : والله ما أنت بأولى بالأمر مني ، أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره . فقال له طريفة : إن كنت صادقاً فضع السلاح ، وانطلق معي إلى أبي بكر . فخرج معه ، فلما قد ما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز ، فقال : اخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار ؛ فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له ناراً ، فقذفه فيها ، فقال خفاف بن ندبة - وهو خفاف بن عمير - يذكر الفجاءة ، فيما صنع :
لم بأخذون سلاحه لقتاله ... ولذاكم عند الأله أثام
لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى يسير إلى الصراة شمام
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، قال : كانت سليم بن منصور قد انتقض بعضهم ، فرجعوا كفاراً وثبت بعضهم على الإسلام مع أمير كان لأبي بكر عليهم ، يقال له معن بن حاجز ، أحد بني حارثة ، فلما سار خالد بن الوليد إلى طليحة وأصحابه ، كتب إلى معن بن حاجز أن يسير بمن ثبت معه على الإسلام من بني سليم مع خالد ، فسار واستخلف على عمله أخاه طريفة ابن حاجز ، وقد كان لحق فيمن لحق من بني سليم بأهل الردة أبو شجرة ابن عبد العزي ، وهو ابن الخنساء ، فقال :
فلو سألت عنا غداة مرامر ... كما كنت عنها سائلا لو نأيتها
لقاء بني فهر وكان لقاؤهم ... غداة الجواء حاجة فقضيتها
صبرت لهم نفسي وعرجت مهرتي ... على الطعن حتى صار ورداً كميتها
إذا هي صدت عن كمي أريده ... عدلت إليه صدرها فهديتها
فقال أبو شجرة حين ارتد عن الإسلام :
صحا القلب عن مي هواه وأقصرا ... وطاوع فيها العاذلين فأبصرا
وأصبح أدنى رائد الجهل والصبا ... كما ودها عنا كذاك تغيرا
وأصبح أدنى رائد الوصل منهم ... كما حبلها من حبلنا قد تبترا
ألا أيها المدلي بكثرة قومه ... وحظك منهم أن تضام وتقهرا
سل الناس عنا كل يوم كريهة ... إذا ما التقينا : دار عين وحسرا
ألسنا نعاطى ذا الطماح لجامه ... ونطعن في الهيجا إذا الموت أقفرا !
وعاضرة شهباء تخطر بالقنا ... ترى البلق في حافاتها والسنورا
فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا
ثم إن أبا شجرة أسلم ، ودخل فيما دخل فيه الناس ؛ فلما كان زمن عمر بن الخطاب قدم المدينة . فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أنس السلمي ، عن رجال من قومه . وحدثنا السري قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل وأبي يعقوب ومحمد بن مرزوق ، وعن هشام ، عن أبي مخنف ، عن عبد الرحمن بن قيس السلمي ، قالوا : فأناح ناقته بصعيد بني قريظة . قال : ثم أتى عمر وهو يعطي المساكين من الصدقة ويقسمها بين فقراء العرب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أعطني فإني ذو حاجة ، قال : ومن أنت ؟ قال : أبو شجرة بن عبد العزي السلمي ، قال : أبو شجرة ! أي عدو الله ، ألست الذي تقول :
فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا
قال : ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدواً ، فرجع إلى ناقته فارتحلها ، ثم أسندها في حرة شوران راجعاً إلى أرض بني سليم ، فقال :
صن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوماً له ورق
ما زال يرهقني حتى خذيت له ... وحال من دون بعض الرغبة الشفق
لما رهبت أبا حفص وشرطته ... والشيخ يفزع أحياناً فينحمق
ثم ارعويت إليها وهي جانحة ... مثل الطريدة لم ينبت لها ورق
أوردتها الخل من شوران صادرة ... إني لأزرى عليها وهي تنطلق
تطير مرو أبان عن مناسمها ... كما تنوقد عند الجهبذ الورق
إذا يعارضها خرق تعارضه ... ورهاء فيها إذا استعجلتها خرق
ينوء آخرها منها بأولها ... سرح اليدين بها نهاضة العنق
ذكر خبر بني تميم وأمر سجاج بنت الحارث بن سويد وكان من أمر بني تميم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وقد فرق فيهم عماله ؛ فكان الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والأبناء - فيما ذكر السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب بن عطية بن بلال ، عن أبيه وسهم بن منجاب - وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون ، وصفوان ابن صفوان وسبرة بن عمرو على بني عمرو ؛ هذا على بهدى وهذا على خضم - قبيلتين من بني تميم - ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة على بني حنظلة ؛ هذا على بني مالك ، وهذا على بني يربوع . فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات بني عمرو ، وما ولى منها وبما ولى سبرة ، وأقام سبرة في قومه لحدث إن ناب القوم ، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع . وكان الزبرقان متعتباً عليه ، وقلما جامله إلا مزقه الزبرقان بحظوته وجده . وقد قال قيس وهو ينتظر لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه : واو يلنا من من ابن العكلية ! والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع ! لئن أنا تابعت أبا بكر وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فليسودني فيهم ، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنده . فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون ، ففعل . وعزم الزبرقان على الوفاء ، فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف والأبناء حتى قدم بها المدينة ، وهو يقول ويعرض بقيس :
وفيت بأذواد الرسول وقد أبت ... سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها
وتحلل الأحياء ونشب الشر ، وتشاغلوا وشغل بعضهم بعضاً . ثم ندم قيس بعد ذلك ، فلما أظله العلاء بن الحضرمي أخرج صدقتها ؛ فتلقاه بها ؛ ثم خرج معه ، وقال في ذلك :
ألا أبلغا عني قريشاً رسالةً ... إذا ما أتتها بينات الودائع
فتشاغلت في تلك الحال عوف والأبناء بالبطون ؛ والرباب بمقاعس ، وتشاغلت خضم بما لك وبهدى بيربوع ؛ وعلى خضم سبرة بن همرو ، وذلك الذي حلفه عن صفوان والحصين بن نيار على بهدي ، والرباب ؛ عبد الله بن صفوان على ضبة ، وعصمة بن أبير على عبد مناة ، وعلى عوف والأبناء عوف بن البلاد ابن خالد من بني غنم الجشمي ، وعلى البطون سعر بن خفاف ؛ وقد كان ثمامة ابن أثال تأتيه أمداد من بني تميم ؛ فلما حدث هذا الحدث فيما بينهم تراجعوا إلى عشائرهم ، فأضر ذلك بثمامة بن أثال حتى قدم عليه عكرمة وأنهضه ؛ فلم يصنع شيئاً ؛ فبينا الناس في بلاد تميم على ذلك ، قد شغل بعضهم بعضاً ؛ فمسلمهم بإزاء من قدم رجلا وأخر أخرى وتربص ، وبإزاء من ارتاب ، فجئتهم سجاح بنت الحارث قد أقبلت من الجزيرة ، وكانت ورهطها في بني تغلب تقود أفناء ربيعة ، معها الهذيل بن عمران في بني تغلب ، وعقة ابن هلال في النمر ، وتاد بن فلان في إياد ، والسليل بن قيس في شيبان ، فأتاهم أمر دهي ، هو أعظم مما فيه الناس ، لهجوم سجاح عليهم ، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة ، والتشاغل بما بينهم . وقال غفيف بن المنذر في ذلك :
ألم يأتيك والأنباء تسرى ... بما لاقت سراة بني تميم
تداعى من سراتهم رجال ... وكانوا في الذوائب والصميم
وألجوهم وكان لهم جناب ... إلى أحياء خالية وخيم
وكانت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان - هي وبنو أبيها عقفان - في بني تغلب ، فتنبت بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجزيرة في بني تغلب ، فاستجاب لها الهذيل ، وترك التنصر ؛ وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر . فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة ، فأجابها ، وفثأها عن غزوها ، وحملها على أحياء من بني تميم ، قال : نعم ، فشأنك بمن رأيت ، فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع ، وإن كان ملك فالملك ملككم . فأرسلت إلى بني مالك بن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة ، فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سبرة بن عمرو هراباً قد كرهوا ما صنع وكيع ، وخرج أشباههم من بني يربوع ؛ حتى نزلوا على الحصين بن نيار في بني مازن ، وقد كرهوا ما صنع مالك ؛ فلما جاءت رسلها إلى بني مالك تطلب الموادعة ، أجابها إلى ذلك وكيع ، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح ، وقد وادع بعضهم بعضاً ، واجتمعوا على قتال النس وقالوا : بمن نبدأ ؟ بخضم ، أم ببهدى ، أم بعوف والأبناء ، أم بالرباب ؟ وكفوا عن قيس لما رأوا من تردده وطمعوا فيه ، فقالت : ((أعدوا الركاب ، واستعدوا للنهاب ؛ ثم أغيروا على الرباب ، فليس دونهم حجاب)) .
قال : وصمدت سجاح للأحفار حتى تنزل بها ، وقالت لهم : إن الدهناء حجاز بني تميم ؛ ولن تعدو الرباب ؛ إذا شدها المصاب ، أن تلوذ بالدجاني والدهاني ؛ فلينزلها بعضكم . فتوجه الجفول - يعني مالك بن نويرة - إلى الدجاني فنزلها ؛ وسمعت بهذا الرباب فاجتمعوا لها ؛ ضبتها وعبد مناتها ، فولى وكيع وبشر بني بكر من بني ضبة ، وولى ثعلبة بن سعد بن ضبة عقة ، وولى عبد مناة الهذيل . فالتقى وكيع وبشر وبنو بكر من بني ضبة ، فهزما ، وأسر سماعة ووكيع وقعقاع ، وقتلت قتلى كثيرة ؛ فقال في ذلك قيس بن عاصم ؛ وذلك أول ما استبان فيه الندم :
كأنك لم تشهد سماعة إذ غزا ... وما سر قعقاع وخاب وكيع
رأيتك قد صاحبت ضبة كارهاً ... على ندب في الصفحتين وجيع
ومطلق أسرى كان حمقاً مسيرها ... إلى صخرات أمرهن جميع
فصرفت سجاح والهذيل وعقة بني بكر ، للموادعة التي بينها وبين وكيع - وكان عقة خال بشر - وقالت : اقتلوا الرباب ويصالحونكم ويطلقون أسراكم ، وتحملون لهم دماءهم ؛ وتحمد غب رأيهم أخراهم . فأطلقت لهم ضبة الأسرى ؛ وودوا القتلى ، وخرجوا عنهم . فقال في ذلك قيس يعيرهم صلح ضبة ، إسعاداً لضبة وتأنيباً لهم . ولم يدخل في أمر سجاح عمري ولا سعدى ولا ربي ؛ ولم يطمعوا من جميع هؤلاء إلا في قيس ؛ حتى بدا منه إسعاد ضبة ؛ وظهر منه الندم . ولم يمالئهم من حنظلة إلا وكيع ومالك ؛ فكانت ممالأتهما موادعة على أن ينصر بعضهم بعضا ، ويحتاز بعضهم إلى بعضهم ؛ وقال أصم التيمي في ذلك :
أتتنا أخت تغلب فاستهدت ... جلائب من سراة بني أبينا
وأرست دعوة فينا سفاهاً ... وكانت من عمائر آخرينا
فما كنا لنرزيهم زبالاً ... وما كانت لتسلم إذ أتينا
ألا سفهت حلومكم وضلت ... عشية تحشدون لها ثبينا
قال : ثم إن سجاح خرجت في جنود الجزيرة ، حتى بلغت النباح ؛ فأغار عليهم أوس بن خزيمة الهجيمي فيمن تأشب إليه من بني عمرو ، فأسر الهذيل ؛ أسره رجل من بني مازن ثم أحد بني وبر ، يدعى ناشرة . وأسر عقة ؛ أسره عبدة الهجيمي ؛ وتحاجزوا على أن يترادوا الأسرى ، وينصرفوا عنهم ، ولا يجتازوا عليهم ؛ ففعلوا ، فردوها وتوثقوا عليها وعليهما ؛ أن يرجعوا عنهم ، ولا يتخذوهم طريقاً إلا من ورائهم . فوفوا لهم ؛ ولم يزل في نفس الهذيل على المازني ؛ حتى إذا قتل عثمان بن عفان ، جمع جمعاً فأغار على سفار ، وعليه بنو مازن ؛ فقتلته بنو مازن ورموا به في سفار .
ولما رجع الهذيل وعقة إليها واجتمع رؤساء أهل الجزيرة قالوا لها : ما تأمريننا ؟ فقد صالح مالك ووكيع قومهما ؛ فلا ينصروننا ولا يزيدوننا على أن نجوز في أرضهم ، وقد عاهدنا هؤلاء القوم . فقالت : اليمامة ؛ فقالوا : إن شوكة أهل اليمامة شديدة ؛ وقد غلظ أمر مسيلمة ؛ فقالت : ((عليكم باليمامة ؛ ودفوا دفيف الحمامة ؛ فإنها غزوة صرامة ؛ لا يلحقكم بعدها ملامة)) . فنهدت لبنى حنيفة ؛ وبلغ ذلك مسيلمة فهابها ؛ وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه ثمامة على حجر أو شرحبيل بن حسنة ، أو القبائل التي حولهم ، فأهدى لها ؛ ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها . فنزلت الجنود على الأمواه ، وأذنت له وآمنته ؛ فجاءها وافداً في أربعين من بني حنيفة - وكانت راسخة في النصرانية ، قد علمت من علم نصاري تغلب - فقال مسيلمة : لنا نصف الأرض ؛ وكان لقريش نصفها لو عدلت ؛ وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش ؛ فحباك به ، وكان لها لو قبلت . فقالت : ((لا يرد النصف إلا من حنف ، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف )) . فقال مسيلمة : ((سمع الله لمن سمع ، وأطمعه بالخير إذا طمع ؛ ولا زال أمره في كل ما سر نفسه يجتمع . رآكم ربكم فحياكم ، ومن وحشة خلاكم ؛ ويوم دينه أنجاكم . فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار ، لا أشقياء ولا فجار ، يقومون الليل ويصومون النهار ، لربكم الكبار ، رب الغيوم والأمطار)) .
وقال أيضاً : ((لما رأيت وجوههم حسنت ، وأبشارهم صفت ، وأيديهم طفلت ؛ قلت لهم : لا النساء تأتون ، ولا الخمر تشربون ؛ ولكنكم معشر أبرار ، تصومون يوماً ، وتكلفون يوماً ؛ فسبحان الله ! إذا جاءت الحياة كيف تحيون ، وإلى ملك السماء ترقون ! فلو أنها حبة خردلة ؛ لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور ، ولأكثر الناس فيها الثبور)) .
وكان مما شرع لهم مسيلمة أن من أصاب ولداً واحدا عقباً لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن فيطلب الولد ؛ حتى يصيب ابنا ثم يمسك ؛ فكان قد حرم النساء على من له ولد ذكر .
قال أبو جعفر : وأما غير سيف ومن ذكرنا عنه هذا الخبر ؛ فإنه ذكر أن مسيلمة لما نزلت به سجاح ، أغلق الحصن دونها ، فقالت له سجاح : انزل ، قال : فنحى عنك أصحابك ، ففعلت . فقال مسيلمة : اضربوا لها قبة وجمروها لعلها تذكر الباه ؛ ففعلوا ، فلما دخلت القبة نزل مسيلمة فقال : ليقف ها هنا عشرة ، وها هنا عشرة ؛ ثم دارسها ، فقال : ما أوحى إليك ؟ فقالت : هل تكون النساء يبتدئن ! ولكن أنت قل ما أوحى إليك ؟ قال : ((ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى )) . قالت : وماذا أيضاً ؟ قال : أوحى إلى : ((أن الله خلق النساء أفراجا ، وجعل الرجال لهن أزواجا ؛ فنولج فيهن قعساً إيلاجا ، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا ، فينتجن لنا سخالا إنتاجاً)) . قالت : أشهد أنك نبي ، قال : هل لك أن أتزوجك فآكل بقومي وقومك العرب ! قالت : نعم ، قال :
ألا قومي إلى النيك ... فقد هيى لك المضجع
وإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع
قالت : بل به أجمع ، قال بذلك أوحى إلى . فأقامت عنده ثلاثاً ثم انصرفت إلى قومها ، فقالوا : ما عندك ؟ قالت : كان على الحق فاتبعته فتزوجته ، قالوا : فهل أصدقك شيئاً ؟ قالت : لا ، قالوا : ارجعي إليه ، فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق ! فرجعت ، فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن ، وقال : مالك ؟ قالت : أصدقني صداقاً ، قال : من مؤذنك ؟ قالت : شبث بن ربعي الرياحي ، قال : على به ، فجاء فقال : ناد في أصحابك أن مسلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد : صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر .
قال : وكان من أصحابها الزبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب ونظراؤهم .
وذكر الكلبي أن مشيخة بني تميم حدثوه أن عامة بني تميم بالرمل لا يصلونهما - فانصرفت ومعها أصحابها ، فيهم الزبرقان ، وعطارد بن حاجب ، وعمرو بن الأهتم ، وغيلان بن خرشة ، وشبث ابن ربعي ، فقال عطارد بن حاجب :
أمست نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
وقال حكيم بن عياش الأعور الكلبي ، وهو يعير مضر بسجاح ، ويذكر ربيعة :
أتوكم بدين قائم وأتيتم ... بمنتسخ الآيات في مصحف طب
رجع الحديث إلى حديث سيف . فصالحها على أن يحمل إليها النصف من غلات اليمامة ، وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها ؛ فباح لها بذلك ؛ وقال : خلفي على السلف من يجمعه لك ، وانصرفي أنت بنصف العام ؛ فرجع فحمل إليها النصف ، فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة ، وخلفت الهذيل وعقة وزياداً لينجز النصف الباقي ؛ فلم يفجأهم إلا دنو خالد بن الوليد منهم ؛ فارفضوا . فلم تزل سجاح في بني تغلب ؛ حتى نقلهم معاوية عام الجماعة في زمانه ؛ وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد علي عليه السلام يخرج من الكوفة المستغرب في أمر علي ، وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشأم وأهل البصرة وأهل الجزيرة ؛ وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار ؛ فأخرج من الكوفة قعقلع بن عمرو بن مالك إلى إيليا بفلسطين ، فطلب إليه أن ينزل منازل بني أبيه بني عقفان ، وينقلهم إلى بني تميم ، فنقلهم من الجزيرة إلى الكوفة ، وأنزلهم منازل القعقاع وبني أبيه ؛ وجاءت معهم وحسن إسلامها ؛ وخرج الزبرقان والأقرع إلى أبي بكر ، وقالا : اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك ألا يرجع من قومنا أحد ، ففعل وكتب الكتاب . وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهوداً منهم عمر . فلما أنى عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد ، ثم قال : لا والله ولا كرامة ! ثم مزق الكتاب ومحاه ، فغضب طلحة ، فأتى أبا بكر ، فقال : أأنت الأمير أم عمر ؟ فقال : عمر ؛ غير أن الطاعة لي . فسكت .
وشهدا مع خالد المشاهد كلها حتى اليمامة ، ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل إلى دومة .
ذكر البطاح وخبره كتب إلى السري بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب بن عطية بن بلال ، قال : لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ، ارعوى مالك بن نويرة ، وندم وتحير في أمره ، وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا ، فرجعا رجوعاً حسناً ، ولم يتجبرا ، وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالداً ؛ فقال خالد : ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم ؟ فقالا : ثأر كنا نطلبه في بني ضبة ؛ وكانت أيام تشاغل وفرص ، وقال وكيع في ذلك :
فلا تحسبا أني رجعت وأنني ... منعت وقد تحنى إلى الأصابع
ولكنني حاميت عن جل مالك ... ولاحظت حتى أكحلتني الأخادع
فلما أتانا خالد بلوائه ... تخطت إليه بالبطح الودائع
ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نويرة ومن تأشب إليه بالبطاح ؛ فهو على حاله متحير شج .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل ، عن القاسم وعمرو بن شعيب ، قالا : لما أراد خالد السير خرج من ظفر ، وقد استبرأ أسداً وغطفان وطيئاً وهوازن ؛ فسار يريد البطاح دون الحزن ؛ وعليها مالك بن نويرة ، وقد تردد عليه أمره ، وقد ترددت الأنصار على خالد وتخلفت عنه ، وقالوا : ما هذا بعهد الخليفة إلينا ! إن الخليفة عهد إلينا . فقال خالد : إن يك عهد إليكم هذا فقد عهد إلى أن أمضي ، وأنا الأمير وإلى تنتهي الأخبار . ولو أنه لم يأتني له كتاب ولا أمر ؛ ثم رأيت فرصةً ؛ فكنت إن أعلمته فاتتني لم أعلمه حتى أنتهزها ؛ كذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما بحضرتنا ، ثم نعمل به . وهذا مالك بن نويرة بحيالنا ، وأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان ؛ ولست أكرهكم . ومضى خالد ، وندمت الأنصار ، وتذامروا ، وقالوا : إن أصاب القوم خيراً إنه لخير حرمتموه ، وإن أصابتهم مصيبة ليجتنبنكم الناس . فأجمعوا اللحاق بخالد وجردوا إليه رسولا ؛ فأقام عليهم حتى لحقوا به ؛ ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد به أحداً .
قال أبو جعفر : فيما كتب به إلى السري بن يحيى ، يذكر عن شعيب ابن إبراهيم أنه حدثه عن سيف بن عمر ، عن خزيمة بن شجرة العقفاني ، عن عثمان بن سويد ، عن سويد بن المثعبة الرياحي ؛ قال : قدم خالد ابن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحداً ، ووجد مالكاً قد فرقهم في أموالهم ، ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره ، وقال : يا بني يربوع ؛ إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين ، وبطأنا الناس عنه فلم نفلح ولم ننجح ، وإني قد نظرت في هذا الأمر ، فوجدت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة ، وإذا الأمر لا يسوسه الناس ؛ فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم ؛ فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر . فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم ، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله . ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام أن يأتوه بكل من لم يجب ، وإن امتنع أن يقتلوه ؛ وكان مما أوصى به أبو بكر : إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا ؛ فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم ؛ وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة ؛ ثم اقتلوهم كل قتلة ؛ الحرق فما سواه ؛ وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم ؛ فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم ؛ وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة . فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من نبي ثعلبة بن يربوع ، من عاصم وعبيد وعرين وجعفر ، فاختلفت السرية فيهم ، وفيهم أبو قتادة ؛ فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا . فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء ؛ وجعلت تزداد برداً ، فأمر خالد منادياً فنادى : ((أدفئوا أسراكم)) ، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا : دثروا الرجل فأدفئوه ، دفئه قتله وفي لغة غيرهم : أدفه فاقتله ، فظن القوم - وهي في لغتهم القتل - أنه أراد القتل ، فقتلوهم ، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً ، وسمع خالد الواعية ؛ فخرج وقد فرغوا منهم ، فقال : إذا أراد الله أمراً أصابه .
وقد اختلف القوم فيهم ، فقال أبو قتادة : هذا عملك ، فزبره خالد فغضب ومضى ، حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر ؛ حتى كلمه عمر فيه ، فلم يرض إلا أن يرجع إليه ، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة ، وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال ، وتركها لينقضي طهرها ، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره ، وقال عمر لأبي بكر . أن في سيف خالد رهقاً ، فإن لم يكن هذا حقاً حق عليه أن تقيده ؛ وأكثر عليه في ذلك - وكان أبو بكر لا يقيد من عماله ولا وزعته - فقال : هيه يا عمر ! تأول فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد . وودى مالكاً وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ، ففعل ، فأخبره خبره فعذره وقبل منه ، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك
وكتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا ، ففعلوا مثل ذلك . وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء ، فقتلوا . وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ، ويطلب إليه في سبيهم ؛ فكتب له برد السبي ، وألح عليه عمر في خالد أن يعزله ، وقال : إن في سيفه رهقاً . فقال : لا يا عمر ؛ لم أكن لأشيم سيفاً سله الله على الكافرين .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن خزيمة ، عن عثمان ، عن سوبد ، قال : كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعراً ؛ وإن أهل العسكر أثفوا برءوسهم القدور ، فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً ، فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره ، وقى الشعر البشرة حرها أن يبلغ منه ذلك .
وأنشده متمم ؛ وذكر خمصه ؛ وقد كان عمر رآه مقدمه على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أكذاك يا متمم كان ! قال : أما ما أعني فنعم .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ؛ أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه : أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة ، فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا ! وإن لم تسمعوا أذاناً ، فشنوا الغارة ، فاقتلوا ، وحرقوا .
وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة ، وقد كان عاهد الله ألا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها ؛ وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل ، فأخذ القوم السلاح . قال : فقلنا : إنا المسلمون ، فقالوا : ونحن المسلمون ، قلنا : فما بال السلاح معكم ! قالوا لنا : فما بال السلاح معكم ! قلنا : فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح ، قال : فوضعوها ؛ ثم صلينا وصلوا . وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال له وهو يراجعه : ما إخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا . قال : أو ما تعده لك صاحباً ! ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه ، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب ، تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر ، وقال : عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ، ثم نزا على امرأته ! وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد ، معتجراً بعمامة له ، قد غرز في عمامته أسهماً ؛ فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها ، ثم قال : أرئاء ! قتلت امرأ مسلما ، ثم نزوت على امرأته ! والله لأرجمنك بأحجارك - ولا يكلمه خالد بن الوليد ، ولا يظن إلا أن رأى أبي بكر على مثل رأى عمر فيه - حتى دخل على أبي بكر ، فلما أن دخل عليه أخبره الخبر ، واعتذر إليه فعذره أبو بكر ، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك . قال : فخرج خالد حين رضى عنه أبو بكر ، وعمر جالس في المسجد ، فقال : هلم إلى يا بن أم شملة ! قال : فعرف عمر أن أبا بكر قد رضى عنه فلم يكلمه ، ودخل بيته .
وكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسدى . وقال ابن الكلبي : الذي قتل مالك بن نويرة ضرار بن الأزور .
ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : كان أبو بكر حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة وأتبعه شرحبيل عجل عكرمة ، فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم ، فنكبوه ، وأقام شرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر ؛ وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره ، قكتب إليه أبو بكر : يا بن أم عكرمة ، لا أرينك ولا تراني على حالها ! لا ترجع فتوهن الناس ؛ امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عمان ومهرة ، وإن شغلا فامض أنت ، ثم تسير وتسير جندك تستبرئون من مررتم به ؛ حتى تلقوا أنتم والمهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت .
وكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه أمره ، ثم كتب إليه قبل أن يوجه خالداً بأيام إلى اليمامة : إذا قدم عليك خالد ، ثم فرغتم إن شاء الله فالحق بقضاعة ؛ حتى تكون أنت وعمرو بن العاص على من أبى منهم وخالف . فلما قدم خالد على أبي بكر من البطاح رضي أبو بكر عن خالد ، وسمع عذره وقبل منه وصدقه ورضى عنه ، ووجهه إلى مسيلمة وأوعب معه الناس . وعلى الأنصار ثابت بن قيس والبراء بن فلان ، وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد ، وعلى القبائل ؛ على كل قبيلة رجل . وتعجل خالد حتى قدم على أهل العسكر بالبطاح ، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة ؛ فلما قدم عليه نهض حتى أتى اليمامة وبنو حنيفة يومئذ كثير .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي عمرو بن العلاء ، عن رجال ، قالوا : كان عدد بني حنيفة يومئذ أربعين ألف مقاتل ؛ في قراها وحجرها ، فسار خالد حتى إذا أظل عليهم أسند خيولاً لعقة والهذيل وزياد ؛ وقد كانوا أقاموا على خرج أخرجه لهم مسيلمة ليلحقوا به سجاح . وكتب إلى القبائل من تميم فيهم ؛ فنفروهم حتى أخرجوهم من جزيرة العرب ، وعجل شرحبيل بن حسنة ، وفعل فعل عكرمة ، وبادر خالداً بقتال مسيلمة قبل قدوم خالد عليه ؛ فنكب ، فحاجز ؛ فلما قدم عليه خالد لامه ؛ وإنما أسند خالد تلك الخيول مخافة أن يأتوه من خلفه ؛ وكانوا بأفنية اليمامة .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ، عمن حدثه ، عن جابر بن فلان ، قال : وأمد أبو بكر خالداً بسليط ؛ ليكون ردءاً له من أن يأتيه أحد من خلفه ؛ فخرج ؛ فلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا ؛ فهربوا ، وكان منهم قريباً ردءاً لهم ؛ وكان أبو بكر يقول : لا أستعمل أهل بدر ؛ أدعهم حتى يلقوا الله بأحسن أعمالهم ؛ فإن الله يدفع بهم وبالصلحاء من الأمم أكثر وأفضل ، مما ينتصر بهم ؛ وكان عمر بن الخطاب يقول : والله لأشركنهم وليواسننى .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير ، عن أثال الحنفي - وكان مع ثمامة بن أثال - قال : وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح ؛ وكان معه نهار الرجال بن عنفوة ، وكان قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقرأ القرآن ؛ وفقه في الدين ، فبعثه معلماً لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة ، وليشدد من أمر المسلمين ؛ فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة ؛ شهد له أنه سمع محمداً صلى الله عليه وسلم يقول : إنه قد أشرك معه ؛ فصدقوه واستجابوا له ، وأمروه بمكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه ؛ فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئاً إلا تابعه عليه ؛ وكان ينتهى إلى أمره ، وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويشهد في الأذان أن محمداً رسول الله ؛ وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة ، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير ، ويشهد له ، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة ، قال : صرح حجير ؛ فيزيد في صوته ، ويبالغ لتصديق نفسه ، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم ؛ فعظم وقاره في أنفسهم .
قال : وضرب حرماً باليمامة ، فنهى عنه ؛ وأخذ الناس به ، فكان محرما فوقع في ذلك الحرم قرى الأحاليف ؛ أفخاذ من بني أسيد ، كانت دراهم باليمامة ؛ فصار مكان دراهم في الحرم - والأحاليف : سيحان المارة ونمر والحارث بنو جرة - فإن أخصبا أغاروا على ثمار أهل اليمامة ، واتخذوا الحرم دغلا ، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم ؛ وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون . فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم ؛ فقال : أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم . ثم قال لهم : ((والليل الأطحم ، والذئب الأدلم . والجذع الأزلم ، ما انتهكت أسيد من محرم)) ؛ فقالوا : أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال ! ثم عادوا للغارة ، وعادوا للعدوى فقال : أنتظر الذي يأتينى ، فقال : ((والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس)) ؛ فقالوا : أما النخيل مرطبة فقد جدوها ، وأما الجدران يابسة فقد هدموها ؛ فقال : اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم .
وكان فيما يقرأ لهم فيهم : ((إن بني تميم قوم طهر لقاح ، لا مكروه عليهم ولا إتاوة ، نجاورهم ما حيينا بإحسان ، نمنعهم من كل إنسان ؛ فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن)) .
وكان يقول " ((والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها . والشاة السوداء واللبن الأبيض ، إنه لعجب محض ، وقد حرم المذق ، فما لكم لا تمجعون !)) .
وكان يقول : ((يا ضفدع ابنة ضفدع ، نقى ما تنقين ، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين)) .
وكان يقول : ((والمبذرات زرعا ، والحاصدات حصداً ، والذاريات قمحاً ، والطاحنات طحناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ؛ واللاقمات لقماً ، إهالة وسمناً ، لقد فضلتم على أهل الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ؛ ريفكم فامنعوه ، والمعتر فآووه ، والباغى فناوئوه)) .
قال : وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأم الهيثم فقالت : إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز ؛ فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان)) . فقال : يا نهار ما تقول هذه ؟ فقال : إن أهل هزمان أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فشكوا بعد مائهم ؛ - وكانت آبارهم جرزاً - ونخلهم أنها سحق ، فدعا لهم فجاشت آبارهم ، وانحنت كل نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها ، فحكت به الأرض حتى أنشبت عروقاً ثم قطعت من دون ذلك ، فعادت فسيلا مكمماً ينمى صاعداً . قال : وكيف صنع بالأبار ؟ قال : دعا بسجل ، فدعا لهم فيه ثم تمضمض بفمه منه ، ثم مجه فيه ، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك الآبار ، ثم سقوه نخلهم ، ففعل النبي ما حدثتك ، وبقي الآخر إلى انتهائه . فدعا مسيلمة بدلو من ماء فدعا لهم فيه ، ثم تمضمض منه ، ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم . فغارت مياه تلك الآبار ، وخوى نخلهم ؛ وإنما استبان ذلك بعد مهلكه .
وقال له نهار : برك على مولودى بني حنيفة ، فقال له : وما التبريك ؟ قال : كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمداً صلى الله عليه وسلم فحنكه ومسح رأسه ؛ فلم يؤت مسيلمة بصبى فحنكه ومسح رأسه إلا قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكه .
وقالوا : تتبع حيطانهم كما كان محمد صلى الله عليه وسلم يصنع فصل فيها . فدخل حائطاً من حوائط اليمامة ، فتوضأ ، فقال نهار لصاحب الحائط : ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقى به حائطك حتى يروى ويبتل ، كما صنع بنو المهرية ، أهل بيت من بني حنيفة - وكان رجل من المهرية قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ وضوءه فنقله معه إلى اليمامة فأفرغه في بئره ، ثم نزع وسقى ، وكانت أرضه تهوم فرويت وجزأت فلم تلف إلا خضراء مهتزة - ففعل فعادت يباباً لا ينبت مرعاها .
وأتاه رجل فقال : ادع الله لأرضى فإنها مسبخة ؛ كما دعا محمد صلى الله عليه وسلم لسلمى على أرضه . فقال : ما يقول يا نهار ؟ فقال : قدم عليه سلمى ، وكانت أرضه سبخة فدعا له ، وأعطاه سجلا من ماء ومج له فيه ، فأفرغه في بئره ، ثم نزع ، فطابت وعذبت ؛ ففعل مثل ذلك فانطلق الرجل ، ففعل بالسجل كما فعل سلمى ، فغرقت أرضه ، فما جف ثراها ، ولا أدرك ثمرها .
وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها ، فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها ؛ وكانوا قد علموا واستبان لهم ؛ ولكن الشقاء غلب عليهم .
كتب إلى السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن خليد بن ذفرة النمرى ، عن عمير بن طلحة النمرى ، عن أبيه ، أنه جاء اليمامة ، فقال : أين مسيلمة ؟ قالوا : مه رسول الله ! فقال : لا ، حتى أراه ؛ فلما جاءه ، قال : أنت مسيلمة ؟ قال : نعم ، قال : من يأتيك ؟ قال : رحمن ، قال : أفى نور أو في ظلمة ؟ فقال : في ظلمة ، فقال : أشهد أنك كذاب وأن محمداً صادق ؛ ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر ، فقتل معه يوم عقرباء .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الكلبى مثله ؛ إلا أنه قال : كذاب ربيعة أحب إلى من كذاب مضر .
وكتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير ، عن رجل منهم ، قال : لما بلغ مسيلمة دنو خالد ، ضرب عسكره بعقرباء ، واستنفر الناس ، فجعل الناس يخرجون إليه ، وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأراً له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته ، وبادر به الشغل ، فأما ثأره في بني عامر فكانت خولة ابنة جعفر فيهم ، فمنعوه منها ، فاختلجها ؛ وأما ثأره في بني تميم فنعم أخذوا له . واستقبل خالد شرحبيل بن حسنة ، فقدمه وأمر على المقدمة خالد بن فلان المخزومى ، وجعل على المجنبتين زيداً وأبا حذيفة ، وجعل مسيلمة على مجنبتيه المحكم والرجال ، فسار خالد ومعه شرحبيل ، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة ، هجم على جبيلة هجوم - المقلل يقول : أربعين ، والمكثر يقول : ستين - فإذا هو مجاعة وأصحابه ، وقد غلبهم الكرى ، وكانوا راجعين من بلاد بني عامر ، قد طووا إليهم ؛ واستخرجوا خولة ابنة جعفر فهى معهم ، فعرسوا دون أصل الثنية ؛ ثنية اليمامة ، فوجدوهم نياماً وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم ؛ فأنبهوهم ، وقالوا : من أنتم ؟ قالوا : هذا مجاعة وهذه حنيفة ، قالوا : وأنتم فلا حياكم الله ! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بن الوليد ، فأتوه بهم ؛ فظن خالد أنهم جاءوه ليستقبلوه وليتقوه بحاجته ، فقال : متى سمعتم بنا ؟ قالوا : ما شعرنا بك ؛ إنما خرجنا لئأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم ، ولو فطنوا لقالوا : تلقيناك حين سمعنا بك . فأمر بهم أن يقتلوا ، فجادوا كلهم بأنفسهم دون مجاعة بن مرارة ، وقالوا : إن كنت تريد بأهل اليمامة غداً خيراً أو شراً فاستبق هذا ولا تقتله ؛ فقتلهم خالد وحبس مجاعة عنده كالرهينة .
كتب إلى السري ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، وعبد الله بن سعيد عن أبي سعيد عن أبي هريرة ، قال : قد كان أبو بكر بعث إلى الرجال فأتاه فأوصاه بوصيته ، ثم أرسله إلى أهل اليمامة ؛ وهو يرى أنه على الصدق حين أجابه . قالا : قال أبو هريرة : جلست مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط معنا الرجال ابن عنفوة ، فقال : إن فيكم لرجلاً ضرسه في النار أعظم من أحد ، فهلك القوم وبقيت أنا والرجال ، فكنت متخوفاً لها ؛ حتى خرج الرجال مع مسيلمة ، فشهد له بالنبوة ؛فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة ، فبعث إليهم أبو بكر خالداً ، فسار حتى إذا بلغ ثنية اليمامة ، استقبل مجاعة ابن مرارة - وكان سيد بني حنيفة - في جبل من قومه ، يريد الغارة على بني عامر ، ويطلب دماً ، وهم ثلاثة وعشرون فارساً ركباناً قد عرسوا . فبيتهم خالد في معرسهم ، فقال : متى سمعتم بنا ؟ فقالوا : ما سمعنا بكم ؛ إنما خرجنا لنثئر بدم لنا في بني عامر . فأمر بهم خالد فضربت أعناقهم ، واستحيا مجاعة ؛ ثم سار إلى اليمامة ؛ فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد ، فنزلوا بعقرباء ، فحل بها عليهم - وهي طرف اليمامة دون الأموال - وريف اليمامة وراء ظهورهم . وقال شرحبيل بن مسيلمة : يا بنى حنيفة ، اليوم يوم الغيرة ، اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات ، وينكحن غير خطيبات ؛ فقاتلوا عن أحسابكم ، وامنعوا نساءكم . فاقتتلوا بعقرباء ، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا : تخشى علينا من نفسك شيئاً ! فقال : بئس حامل القرآن أنا إذاً ! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت العرب على راياتها ومجاعة أسير مع أم تميم في فسطاطها . فجال المسلمون جولة ، ودخل أناس من بني حنيفة على أم تميم ، فأرادوا قتلها ، فمنعها مجاعة . قال : أنا لها جار ، فنعمت الحرة هى ! فدفعهم عنها ، وتراد المسلمون ، فكروا عليهم ؛ فانهزمت بنو حنيفة ، فقال المحكم بن الطفيل : يا بنى حنيفة ، ادخلوا الحديقة ؛ فإنى سأمنع أدباركم ، فقاتل دونهم ساعة ثم قتله الله ؛ قتله عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ ودخل الكفار الحديقة ، وقتل وحشي مسيلمة ، وضربه رجل من الأنصار فشاركه فيه .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، بنحو حديث سيف هذا ؛ غير أنه قال : دعا خالد بمجاغة ومن أخذ معه حين أصبح ، فقال : يا بنى حنيفة ، ما تقولون ؟ قالوا : نقول : منا نبي ومنكم نبي ؛ فعرضهم على السيف ؛ حتى إذا بقى منهم رجل يقال له سارية بن عامر ومجاعة بن مرارة ، قال له سارية : أيها الرجل ؛ إن كنت تريد بهذه القرية غداً خيراً أو شراً ، فاستبق هذا الرجل - يعنى مجاعة - فأمر به خالد فأوثقه في الحديد ؛ ثم دفعه إلى أم تميم امرأته ، فقال : استوصى به خيراً ، ثم مضى حتى نزل اليمامة على كثيب مشرف على اليمامة ، فضرب به عسكره ، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرحال - قال أبو جعفر ، هكذا قال ابن حميد بالحاء - بن عنفوة بن نهشل ، وكان الرحال رجلاً من بني حنيفة قد كان أسلم ، وقرأ سورة البقرة ، فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان أشركه في الأمر ؛ فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة ؛ وكان المسلمون يسألون عن الرحال يرجون أنه يثلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه ، فلقيهم في أوائل الناس متكتباً ، وقد قال خالد بن الوليد وهو جالس على سريره ، وعنده أشراف الناس والناس على مصافهم ؛ وقد رأى بارقة في بنى حنيفة : أبشروا يا معشر المسلمين ؛ فقد كفاكم الله أمر عدوكم . واختلف القوم إن شاء الله ؛ فنظر مجاعة وهو خلفه موثقاً في الحديد ، فقال : كلا والله ، ولكنها الهندوانية خشوا عليها من تحطمها ، فأبرزوها للشمس لتلين لهم ؛ فكان كما قال . فلما التقى المسلمون كان أول من لقيهم الرحال بن عنفوة ، فقتله الله .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن شيخ من بنى حنيفة ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً - وأبو هريرة ورحال بن عنفوة في مجلس عنده : ((لضرس أحدكم أيها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحد)) . قال أبو هريرة : فمضى القوم لسبيلهم ، وبقيت أنا ورحال بن عنفوة ، فما زلت لها متخوفاً ؛ حتى سمعت بمخرج رحال ، فأمنت وعرفت أن ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حق .
ثم التقى الناس ولم يلقهم حرب قط مثلها من حرب العرب ؛ فاقتتل الناس قتالا شديداً ؛ حتى انهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد ، فزال خالد عن فسطاطه ودخل أناس الفسطاط وفيه مجاعة عند أم تميم ، فحمل عليها رجل بالسيف ، فقال مجاعة : مه ، أنا لها جار ، فنعمت الحرة ! عليكم بالرجال ، فرعبلوا الفسطاط بالسيوف . ثم إن المسلمين تداعوا ، فقال ثابت بن قيس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! اللهم إنى أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعنى المسلمين - ثم جالد بسيفه حتى قتل . وقال زيد بن الخطاب حين انكشف الناس عن رحالهم : لا تحوز بعد الرحال ، ثم قاتل حتى قتل . ثم قام البراء بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العرواء حتى يقعد عليه الرجال ؛ ثم ينتفض تحتهم حتى يبول في سراويله ؛ فإذا بال يثور كما يثور الأسد - فلما رأى ما صنع الناس أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال ، فلما بال وثب ، فقال : أين يا معشر المسلمين ! أنا البراء بن مالك ، هلم إلى ! وفاءت فئة من الناس ، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله ، وخلصوا إلى محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل - فقال حين بلغه القتال : يا معشر بنى حنيفة ، الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات ، وينكحن غير خطيبات ؛ فما عندكم من حسب فأخرجوه . فقاتل قتالا شديداً ؛ ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله . ثم زحف المسلمون حتى ألجئوهم إلى الحديقة ؛ حديقة الموت ؛ وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب ، فقال البراء : يا معشر المسلمين ، ألقونى عليهم في الحديقة . فقال الناس : لا تفعل يا براء ، فقال : والله لتطرحنى عليهم فيها ؛ فاحتمل حتى فتحها للمسلمين ، ودخل المسلمون عليهم فيها ؛ فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله ؛ واشترك في قتله وحشى مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار ، كلاهما قد أصابه ؛ أما وحشى فدفع عليه حربته ، وأما الأنصارى فضربه بسيفه ، فكان وحشى يقول : ربك أعلم أينا قتله !
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : وحدثنى محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الله بن عمر ، قال : سمعت رجلاً يومئذ يصرخ يقول ، قتله العبد الأسود ! كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن عبيد بن عمير ، قال : كان الرجال بحيال زيد بن الخطاب ؛ فلما دنا صفاهما ، قال زيد : يا رجال ، الله الله ! فو الله لقد تركت الدين ، وإن الذي أدعوك إليه لأشرف لك ، وأكثر لدنياك . فأبى ، فاجتلدا فقتل الرجال وأهل البصائر من بني حنيفة في أمر مسيلمة ، فتذامروا وحمل كل قوم في ناحيتهم ؛ فجال المسلمون حتى بلغوا عسكرهم ، ثم أعروه لهم ، فقطعوا أطناب البيوت ، وهتكوها ، وتشاغلوا بالعسكر ، وعالجوا مجاعة ؛ وهموا بأم تميم ، فأجارها ، وقال : نعم أم المثوى ! وتذامر زيد وخالد وأبو حذيفة ، وتكلم الناس - وكان يوم جنوب له غبار - فقال زيد : لا والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم أو ألقى الله فأكلمه بحجتى ! عضوا على أضراسكم أيها الناس ، واضربوا في عدوكم ، وامضوا قدماً . ففعلوا ، فردوهم إلى مصافهم حتى أعادوهم إلى أبعد من الغاية التي حيزوا إليها من عسكرهم ، وقتل زيد رحمه الله . وتكلم ثابت فقال : يا معشر المسلمين ، أنتم حزب الله وهم أحزاب الشيطان ، والعزة لله ولرسوله ولأحزابه ، أرونى كما أريكم ، ثم جلد فيهم حتى حازهم . وقال أبو حذيفة : يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بالفعال . وحمل فحازهم حتى أنفذهم ، واصيب رحمه الله ، وحمل خالد بن الوليد ، وقال لحماته : لا أوتين من خلفى ، حتى كان بحيال مسيلمة يطلب الفرصة ويرقب مسيلمة .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مبشر بن الفضيل ، عن سالم بن عبد الله ، قال : لما أعطى سالم الراية يومئذ ، قال : ما أعلمنى لأى شئ أعطيتمونيها ! قلتم : صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات ! قالوا : أجل . وقالوا : فانظر كيف تكون ؟ فقال : بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أثبت ! وكان صاحب الراية قبله عبد الله بن حفص بن غانم .
وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت وابن إسحاق : فلما قال مجاعة لبنى حنيفة : ولكن عليكم بالرجال ، إذا فئة من المسلمين قد تذامروا بينهم فتفانوا وتفانى المسلمون كلهم ، وتكلم رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال زيد بن الخطاب : والله لا أتكلم أو أظفر أو أقتل ، واصنعوا كما أصنع أنا ؛ فحمل وحمل أصحابه . وقال ثابت بن قيس : بئسما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين ! هكذا عنى حتى أريكم الجلاد . وقتل زيد بن الخطاب رحمه الله .
كتب إلى السرى ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن مبشر ، عن سالم ، قال : قال عمر لعبد الله بن عمر حين رجع : ألا هلكت قبل زيد ! هلك زيد وأنت حي ! فقال : قد حرصت على ذلك أن يكون ، ولكن نفسى تأخرت ، فأكرمه الله بالشهادة . وقال سهل : قال : ما جاء بك وقد هلك زيد ؟ ألا واريت وجهك عنى ! فقال : سأل الله الشهادة فأعطيها ، وجهدت أن تساق إلى فلم أعطها .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن عبيد بن عمير : إن المهاجرين والأنصار جبنوا أهل البوادى وجبنهم أهل البوادى ، فقال بعضهم لبعض : امتازوا كي نستحيا من الفرار اليوم ، ونعرف اليوم من أين نؤتى ! ففعلوا . وقال أهل القرى : نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم ، فقال لهم أهل البادية : إن أهل القرى لا يحسنون القتال ، ولا يدرون ما الحرب ! فسترون إذا امتزنا من أين يجئ الخلل ! فامتازوا ، فما رئى يوم كان أحد ولا أعظم نكاية مما رئى يومئذ ؛ ولم يدر أى الفريقين كان أشد فيهم نكاية ! إلا أن المصيبة كانت في المهاجرين والأنصار أكثر منها في أهل البادية ، وأن البقية أبداً في الشدة . ورمى عبد الرحمن بن أبى بكر المحكم بسهم فقتله وهو يخطب ، فنحره وقتل زيد بن الخطاب الرجال بن عنفوة .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الضحاك بن يربوع ، عن أبيه ، عن رجل من بنى سحيم قد شهدها مع خالد ، قال : لما اشتد القتال - وكانت يومئذ سجالا إنما تكون مرة على المسلمين ومرة على الكافرين - فقال خالد : أيها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حى ، ولنعلم من أين نؤتى ! فامتاز أهل القرى والبوادى ، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحاضر ؛ فوقف بنو كل أب على رايتهم ، فقاتلوا جميعاً ، فقال أهل البوادى يومئذ : الآن يستحر القتل في الأجزع الأضعف ، فاستحر القتل في أهل القرى ، وثبت مسيلمة ، ودارت رحالهم عليه ، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ؛ ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم . ثم برز خالد ، حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى البراز وانتمى ، وقال : أنا ابن الوليد العود ، أنا ابن عامر وزيد ! ونادى بشعارهم يومئذ ، وكان شعارهم يومئذ : يا محمداه ! فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله ، وهو يرتجز :
أنا ابن أشياخ وسيفى السخت ... أعظم شئ حين يأتيك النغت
ولا يبرز له شئ إلا أكله ، ودارت رحا المسلمى وطحنت . ثم نادى خالد حين دنا من مسيلمة - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن مع مسيلمة شيطاناً لا يعصيه ، فإذا اعتراه أزبد كأن شدقيه زبيبتان لايهم بخير أبداً إلا صرفه عنه ، فإذا رأيتم منه عورة ؛ فلا تقيلوه العثرة - فلما دنا خالد منه طلب تلك ، ورآه ثابتاً ورحاهم تدور عليه ؛ وعرف أنها لا تزول إلا بزواله ، فدعا مسيلمة طلباً لعورته ، فأجابه ، فعرض عليه أشياء مما يشتهى مسيلمة ، وقال : إن قبلنا النصف ، فأى الأنصاف تعطينا ؟ فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه مستشيراً ، فينهاه شيطانه أن يقبل ، فأعرض بوجهه مرة من ذلك ؛ وركبه خالد فأرهقه فأدبر ، وزالوا فذمر خالد الناس ، وقال : دونكم لا تقيلوهم ! وركبوهم فكانت هزيمتهم ؛ فقال مسيلمة حين قام ، وقد تطاير الناس عنه ، وقال قائلون : فأين ما كنت تعدنا ؟ فقال : قاتلوا عن أحسابكم ، قال : ونادى المحكم : يا بنى حنيفة ؛ الحديقة الحديقة ! ويأتى وحشى على مسيلمة وهو مزبد متساند لا يعقل من الغيظ ، فخرط عليه حربته فقتله ، واقتحم الناس عليهم حديقة الموت من حيطانها وأبوابها ، فقتل في المعركة ، وحديقة الموت عشرة آلاف مقاتل .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هارون ، وطلحة ، عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق أنهم لما امتازوا وصبروا ، وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم ؛ حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت ، فاختلفوا في قتل مسيلمة عندها ، فقال قائلون : فيها قتل ، فدخلوها وأغلقوها عليهم ، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بن مالك ، فقال : يا معشر المسلمين ، احملونى على الجدار حتى تطرحونى عليه ؛ ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى : أنزلونى ، ثم قال : احملونى ؛ ففعل ذلك مراراً ثم قال : أف لهذا خشعا ! ثم قال : احملونى ، فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم ، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين وهم على الباب من خارج فدخلوا ؛ فأغلق الباب عليهم ، ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار ، فاقتتلوا قتالا شديداً لم يروا مثله ، وأبير من في الحديقة منهم ؛ وقد قتل الله مسيلمة ، وقالت له بنو حنيفة : أين ما كنت تعدنا ! قال : قاتلوا عن أحسابكم ! كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هاوون وطلحة وابن إسحاق ، قالوا : لما صرخ الصارخ أن العبد الأسود قتل مسيلمة ؛ خرج خالد بمجاعة يرسف في الحديد ليريه مسيلمة ، وأعلام جنده ، فأتى على الرجال فقال : هذا الرجال !
الصفحة الرئيسية حول الموقع اتصل بنا
=================================================ج10.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما فرغ المسلمون من مسيلمة أتى خالد فأخبر ، فخرج بمجاعة يرسف معه في الحديد ليدله على مسيلمة ، فجعل يكشف له القتلى حتى مر بمحكم بن الطفيل - وكان رجلا جسيماً وسيماً - فلما رآه خالد ، قال : هذا صاحبكم . قال : لا ، هذا والله خير منه وأكرم ، هذا محكم اليمامة . قال : ثم مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخل الحديقة ، فقلب له القتلى ؛ فإذا رويجل أصيفر أخينس . فقال مجاعة : هذا صاحبكم ، قد فرغتم منه ، فقال خالد لمجاعة : هذا صاحبكم الذي فعل بكم ما فعل ، قال : قد كان ذلك يا خالد ، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس ؛ وإن جماهير الناس لفى الحصون . فقال : ويلك ما تقول ! قال : هو والله الحق ؛ فهل لأصالحك على قومي .
كتب إلى أسرى ، عن تشعيب ، عن سيف ، عن الضحاك ، عن أبيه ، قال : كان رجل من بنى عامر بن حنيفة يدعى الأغلب بن عامر بن حنيفة ، وكان أغلظ أهل زمانه عنقاً ؛ فلما انهزم المشركون يومئذ ، وأحاط المسلمون بهم ، تماوت ، فلما أثبت المسلمون في القتلى أتى رجل من الأنصار يكنى أبا بصيرة ومعه نفر عليه ، فلما رأوه مخضلا في القتلى وهم يحسبونه قتيلا ، قالوا : يا أبا بصيرة ، إنك تزعم - ولم تزل تزعم - أن سيفك قاطع ، فاضرب عنق هذا الأغلب الميت ، فإن قطعته فكل شئ كان يبلغنا حق ، فاختره ثم مشى إليه ولا يرونه إلا ميتاً ، فلما دنا منه ثار ، فحاضر ، واتبعه أبو بصيرة ، وجعل يقول : أنا أبو بصيرة الأنصاري ! وجعل الأغلب يتمطر ولا يزداد منه إلا بعداً ؛ فكلما قال ذلك أبو بصيرة ، قال الأغلب : كيف ترى عدو أخيك الكافر ! حتى أفلت .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : لما فرغ خالد من مسيلمة والجند ، قال له عبد الله ابن عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر : ارتحل بنا وبالناس فانزل على الحصون ، فقال : دعانى أبث الخيول فألقط من ليس في الحصون ، ثم أرى رأيى . فبث الخيول فحووا ما وجدوا من مال ونساء وصبيان ، فضموا هذا إلى العسكر ، ونادى بالرحيل لينزل على الحصون ، فقال له مجاعة : إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس ، وإن الحصون لمملوءة رجالاً ، فهلم لك إلى الصلح على ما ورائى ، فصالحه على كل شئ دون النفوس . ثم قال : أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر ؛ ثم أرجع إليك . فدخل مجاعة الحصون ، وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية ، ورجال ضعفى فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن ، وأن يشرفن على رءوس الحصون حتى يرجع إليهن ؛ ثم رجع فأتى خالداً فقال : قد أبوا أن يجيزوا ما صنعت ، وقد أشرف لك بعضهم نقصاً على وهم منى برآء . فنظر خالد إلى رءوس الحصون وقد اسودت ، وقد نهكت المسلمين الحرب ، وطال اللقاء ؛ وأحبوا أن يرجعوا على الظفر ، ولم يدروا ما كان كائناً لو كان فيها رجال وقتال ، وقد قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة المدينة يومئذ ثلثمائة وستون . قال سهل : ومن المهاجرين من غير أهل المدينة والتابعين بإحسان ثلثمائة من هؤلاء وثلثمائة من هؤلاء ؛ ستمائة أو يزيدون . وقتل ثابت بن قيس يومئذ ؛ قتله رجل من المشركين قطعت رجله ، فرمى بها قاتله فقتله ، وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف ، وفي حديقة الموت سبعة آلاف ؛ وفي الطلب نحو منها .
وقال ضرار بن الأزور في يوم اليمامة :
ولو سئلت عنا جنوب لأخبرت ... عشية سالت عقرباء وملهم
وسال بفرع الواد حتى ترقرقت ... حجارته فيها من القوم بالدم
عشية لا تغنى الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
فإن تبتغى الكفار غير مليمة ... جنوب ، فإنى تابع الدين مسلم
أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ... ولله بالمرء المجاهد أعلم
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال مجاعة لخالد ما قال إذ قال له : فهلم لأصالحك عن قومي لرجل قد نهكته الحرب ، وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب ؛ فقد رق وأحب الدعة والصلح . فقال : هلم لأصالحك ، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة ونصف السبي . ثم قال : إني آتى القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت . قال : فانطلق إليهم ، فقال للنساء : البسن الحديد ثم أشرفن على الحصون ، ففعلن . ثم رجع إلى خالد ، وقد رأى خالد الرجال فيما يرى على الحصون عليهم الحديد . فلما انتهى إلى خالد ، قال : أبوا ما صالحتك عليه ، ولكن إن شئت صنعت لك شيئاً ، فعزمت على القوم . قال : ما هو ؟ قال : تأخذ منى ربع السبي وتدع ربعاً . قال خالد : قد فعلت ، قال : قد صالحتك ، فلما فرغا فتحت الحصون ، فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان ، فقال خالد لمجاعة : ويحك خدعتني ! قال : قومي ، ولم أستطع إلا ما صنعت .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، قال : قال مجاعة يومئذ ثانية : إن شئت أن تقبل مني نصف السبي والصفراء والبيضاء والحلقة والكراع عزمت وكتبت الصلح بيني وبينك . ففعل خالد ذلك ، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع وعلى نصف السبي وحائط من كل قرية يختاره خالد ، ومزرعة يختارها خالد . فتقاضوا على ذلك ، ثم سرحه ، وقال : أنتم بالخيار ثلاثاً ؛ والله لئن تتموا وتقبلوا لأنهدن إليكم ، ثم لا أقبل منكم خصلة أبداً إلا القتل . فأتاهم مجاعة فقال : أما الآن فاقبلوا ، فقال سلمة بن عمير الحنفى : لا والله لا نقبل ؛ نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضى خالداً ، فإن الحصون حصينة والطعام كثير ، والشتاء قد حضر . فقال مجاعة : إنك امرؤ مشئوم ، وغرك أني خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح ، وهل بقي منكم أحد فيه خير ، أو به دفع ! وإنما أنا بادرتكم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة ، فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالدا ، فقال : بعد شد مارضوا ؛ اكتب كتابك ، فكتب : هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد بن مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلانا وفلانا ؛ قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ؛ ومزرعة ؛ على أن يسلموا . ثم أنتم آمنون بأمان الله ؛ ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذمة المسلمين على الوفاء .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، قال : لما صالح خالد مجاعة ؛ صالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة وكل حائط رضانا في كل ناحية ونصف المملوكين . فأبوا ذلك ، فقال خالد : أنت بالخيار ثلاثة أيام ، فقال سلمة بن عمير : يا بني حنيفة ، قاتلوا عن أحسابكم ، ولا تصالحوا على شئ ، فإن الحصن حصين ، والطعام كثير وقد حضر الشتاء . فقال مجاعة : يا بني حنيفة ، أطيعوني واعصوا سلمة ، فإنه رجل مشئوم ، قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة ((قبل أن تستردف النساء غير رضيات ، وينكحن غير خطيبات)) . فأطاعوه وعصوا سلمة ، وقبلوا قضيته . وقد بعث أبو بكر رضى الله عنه بكتاب إلى خالد مع سلمة بن سلامة بن وقش ، يأمره إن ظفره الله عز وجل أن يقتل من جرت عليه المواسى من بني حنيفة ، فقدم فوجده قد صالحهم ، فوفى لهم ، وتم على ما كان منه ، وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد ، وخالد في عسكره ؛ فلما اجتمعوا قال سلمة بن عمير لمجاعة : استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة - وقد أجمع أن يفتك به - فكلمه فأذن له ، فأقبل سلمة بن أمير ، مشتملاً على السيف يريد ما يريد ، فقال : من هذا المقبل ؟ قال مجاعة : هذا الذي كلمتك فيه ، وقد أذنت له ، قال : أخرجوه عني ؛ فأخرجوه عنه ، ففتشوه فوجدوا معه السيف ، فلعنوه وشتموه وأوثقوه ، وقالوا : لقد أردت أن تهلك قومك ، وايم الله ما أردت إلا أن تستأصل بنو حنيفة ، وتسبى الذرية والنساء ؛ وايم الله لو أن خالداً علم أنك حملت السلاح لقتلك ، وما نأمنه إن بلغه ذلك أن يقتلك و أن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت ؛ ويحسب أن ذلك عن ملإ منا . فأوثقوه وجعلوه في الحصن ؛ وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه ، وعلى الإسلام ، وعاهدهم سلمة على ألا يحدث حدثاً ويعفوه ، فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهداً ، فأفلت ليلاً ؛ فعمد إلى عسكر خالد ، فصاح به الحرس ، وفزعت بنو حنيفة ، فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط ، فشد عليهم بالسيف ؛ فاكتنفوه بالحجارة ، وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه ، فسقط في بئر فمات .
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الضحاك بن يربوع ، عن أبيه ، قال : صالح خالد بني حنيفة جميعاً إلا ما كان بالعرض والقرية فإنهم سبوا عند انبثات الغارة ، فبعث إلى أبي بكر ممن جرى عليه القسم بالعرض والقرية من بني حنيفة أو قيس بن ثعلبة أو يشكر ، خمسمائة رأس .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثم إن خالداً قال لمجاعة : زوجني ابنتك ، فقال له مجاعة : مهلاً ، إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك . قال : أيها الرجل ، زوجني ؛ فزوجه ؛ فبلغ ذلك أبا بكر ، فكتب إليه كتاباً يقطر الدم : لعمري يا بن أم خالد ، إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتى رجل من المسلمين لم يجفف بعد ! قال : فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول : هذا عمل الأعيسر - يعنى عمر بن الخطاب - وقد بعث خالد بن الوليد وفداً من بني حنيفة إلى أبي بكر ، فقدموا عليه ، فقال لهم أبو بكر : ويحكم ! ما هذا الذي استزل منكم ما استزل ! قالوا : يا خليفة رسول الله ؛ قد كان الذي بلغك مما أصابنا كان أمراً لم يبارك الله عز وجل له ولا لعشيرته فيه ، قال : على ذلك ، ما الذي دعاكم به ! قالوا : كان يقول : ((يا ضفدع نقي نقي ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ؛ لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ؛ ولكن قريشاً قوم يعتدون)) .
قال أبو بكر : سبحان الله ! ويحكم ! إن هذا لكلام ما خرج من إل ولا بر ، فأين يذهب بكم ! فلما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة - وكان منزله الذي به التقى الناس أباض ؛ واد من أودية اليمامة . ثم تحول إلى واد من أوديتها يقال له الوبر - كان منزله بها .
ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم ومن تجمع معه بالبحرين
قال أبو جعفر : وكان فيما بلغنا من خبر أهل البحرين وارتداد من ارتد منهم ما حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي يعقوب بن إبراهيم ، قال : أخبرنا سيف ، قال : خرج العلاء بن الحضرمي نحو البحرين ؛ وكان من حديث البحرين أن النبي صلى الله عليه وسلم والمنذر بن ساوى اشتكيا في شهر واحد ، ثم مات المنذر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بقليل ، وارتد بعده أهل البحرين ، فأما عبد القيس ففاءت ، وأما بكر فتمت على ردتها ؛ وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود حتى فاءوا .
حدثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن بن أبي الحسن ، قال : قدم الجارود بن المعلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرتاداً ، فقال : أسلم يا جارود ، فقال : إن لي ديناً ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن دينك يا جارود ليس بشئ ، وليس بدين ؛ فقال له الجارود : فإن أنا أسلمت فما كان من تبعة في الإسلام فعليك ؟ قال : نعم . فأسلم ومكث بالمدينة حتى فقه فلما أراد الخروج ، قال : يا رسول الله ، هل نجد عند أحد منكم ظهراً نتبلغ عليه ؟ قال : ما أصبح عندنا ظهر ، قال : يا رسول الله ؛ إنا نجد بالطريق ضوال من هذه الضوال ، قال : تلك حرق النار ، فإياك وإياها . فلما قدم على قومه دعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلهم ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم . فقالت عبد القيس : لو كان محمد نبياً لما مات ؛ وارتدوا ، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم ، ثم قام فخطبهم ، فقال : يا معشر عبد القيس ؛ إني سائلكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تعلموا . قالوا : سل عما بدا لك ، قال : تعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى ؟ قالوا : نعم ، قال : تعلمونه أو ترونه ؟ قالوا : لا بل نعلمه ، قال : فما فعلوا ؟ قالوا : ماتوا ، قال : فإن محمداً صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، قالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ؛ وأنك سيدنا وأفضلنا . وثبتوا على إسلامهم ، ولم يبسطوا ولم يبسط إليهم وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين ، فكان المنذر مشتغلاً بهم حياته ، فلما مات المنذر حصر أصحاب المنذر في مكانين حتى تنقذهم العلاء .
قال ابو جعفر : وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عنه ، قال : لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث أبو بكر رضى الله عنه العلاء بن الحضرمي . وكان العلاء هو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المنذر بن ساوى العبدي ، فأسلم المنذر ، فأقام بها العلاء أميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عمرو بن العاص بعمان ، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرو بها فأقبل عمرو ، فمر بالمنذر بن ساوى وهو بالموت فدخل عليه فقال المنذر له : كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل للميت من المسلمين من ماله عند وفاته ؟ قال عمرو : فقلت له : كان يجعل له الثلث ؛ قال : فما ترى لي أن أصنع في ثلث مالي ؟ قال عمرو : فقلت له : إن شئت قسمته في أهل قرابتك ، وجعلته في سبيل الخير ؛ وإن شئت تصدقت به فجعلته صدقة محرمة تجري من بعدك على من تصدقت به عليه . قال : ما أحب أن أجعل من مالي شيئاً محرماً كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ولكن أقسمه ، فأنفذه على من أوصيت به له يصنع به ما يشاء .
قال : : فكان عمرو يعجب لها من قوله . وارتدت ربيعة بالبحرين فيمن ارتد من العرب ، إلا الجارود بن عمرو بن حنش بن معلى ؛ فإنه ثبت على الإسلام ومن معه من قومه ، وقام حين بلغته وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وأكفر من لا يشهد . واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدت ، فقالوا : نرد الملك في آل المنذر ، فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر ، وكان يسمى الغرور ، وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف : لست بالغرور ؛ ولكنى المغرور
حدثنا عبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمي ، قال : أخبرنا سيف ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن عمير بن فلان العبدي ، قال : لما مات النبي صلى الله عليه وسلم خرج الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بن وائل على الردة ، ومن تأشب إليه من غير المرتدين ممن لم بزل كافراً ، حتى نزل القطيف وهجر ، واستغوى الخط ومن فيها من الزط والسيابجة ، وبعث بعثاً إلى دارين ، فأقاموا له ليجعل عبد القيس بينه وبينهم ، وكانوا مخالفين لهم ، يمدون المنذر والمسلمين ؛ وأرسل إلى الغرور بن سويد ، أخي النعمان بن المنذر ؛ فبعثه إلى جؤاثي ، وقال : اثبت ، فإني إن ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة . وبعث إلى جؤاثي ، فحصرهم وألحوا عليهم فاشتد على المحصورين الحصر ، وفي المسلمين المحصورين رجل من صالح المسلمين يقال له عبد الله بن حذف ؛ أحد بني أبي بكر بن كلاب ، وقد اشتد عليه وعليهم الجوع حتى كادوا أن يهلكوا . وقال في ذلك عبد الله بن حذف :
ألا أبلغ أبا بكر رسولاً ... وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام ... قعود في جؤائي محصرينا !
كأن دماءهم في كل فج ... شعاع الشمس يغشى الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا الصبر للمتوكلينا
كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب بن عطية ابن بلال ، عن سهم بن منجاب ، عن منجاب بن راشد ، قال : بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين ؛ فلما أقبل إليها ؛ فكان بحيال اليمامة ، لحق به ثمامة بن أثال في مسلمة بني حنيفة من بني سحيم ومن أهل القرى من سائر بني حنيفه ، وكان متلدداً ؛ وقد ألحق عكرمة بعمان ثم مهرة ، وأمر شرحبيل بالمقام حيث انتهى إلى أن يأتيه أمر أبي بكر ، ثم يغاور هو وعمرو بن العاص أهل الردة من قضاعة . فأما عمرو بن العاص فكان يغاور سعداً وبلياً وأمر هذا بكلب ولفها ، فلما دنا منا ونحن في عليا البلاد لم يكن أحد له فرس من الرباب وعمرو بن تميم إلا جنبه ، ثم استقبله ؛ فأما بنو حنظلة فإنهم قدموا رجلا وأخروا أخرى . وكان مالك بن نويرة في البطاح ومعه جموع يساجلنا ونساجله . وكان وكيع بن مالك في القرعاء معه جموع يساجل عمرا وعمرو يساجله ، وأما سعد بن زيد مناة فإنهم كانوا فرقتين ؛ فأما عوف والأبناء فإنهم أطاعوا الزبرقان بن بدر ، فثبتوا على إسلامهم وتموا وذبوا عنه ؛ وأما المقاعس والبطون فإنهما أصاخا ولم يتابعا ؛ إلا ما كان من قيس بن عاصم ؛ فإنه قسم الصدقات التي كانت اجتمعت إليه في المتقاعس والبطون حين شخص الزبرقان بصدقات عوف والأبناء ؛ فكانت عوف والأبناء مشاغيل بالمقاعس والبطون . فلما رأى قيس بن عاصم ما صنعت الرباب وعمرو ومن تلقى العلاء ندم على ما كان فرط منه ، فتلقى العلاء بإعداد ما كان قسم من الصدقات ، ونزع عن أمره الذي كان هم به ، واستاق حتى أبلغها إياه ، وخرج معه إلى قتال أهل البحرين ؛ وقال في ذلك شعراً كما قال الزبرقان في صدقته حين أبلغها أبا بكر ؛ وكان الذي قال الزبرقان في ذلك :
وفيت بأذواد الرسول وقد أبت ... سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها
معاً ومنعناها من الناس كلهم ... ترامى الأعادي عندنا ما يضيرها
فأديتها كي لا أخون بذمتى ... محانيق لم تدرس لراكب ظهورها
أردت بها النقوى ومجد حديثها ... إذا عصبة سامى قبيلي فخورها
وإني لمن حي إذا عد سعيهم ... يرى الفخر منها حيها وقبورها
أصاغرهم لم يضرعوا وكبارهم ... رزان مراسيها ، عفاف صدورها
ومن رهط كناد توفيت ذمتي ... ولم يثن سيفي نبحها وهريرها
ولله ملك قد دخلت وفارس ... طعنت إذا ما الخيل شد مغيرها
ففرجت أولاها بنجلاء ثرة ... بحيث الذي يرجو الحياة يضيرها
ومشهد صدق قد شهدت فلم أكن ... به خاملاً واليوم يثنى مصيرها
أرى رهبة الأعداء مني جراءةً ... ويبكي إذا ما النفس يوحى ضميرها
وقال قيس عند استقبال العلاء بالصدقة :
ألا أبلغا عني قريشاً رسالة ... إذا ما أتتها بينات الودائع
حبوت بها في الدهر أعراض منقر ... وأيأست منها كل أطلس طامع
وجدت أبي والخال كانا بنجوة ... بقاع فلم يحلل بها من أدافع
فأكرمه العلاء ، وخرج مع العلاء بن عمرو وسعد الرباب مثل عسكره ، وسلك بنا الدهناء ؛ حتى إذا كنا في بحبوحتها والحنانات والعزافات عن يمينه وشماله ، وأراد الله عز وجل أن يرينا آياته نزل وأمر الناس بالنزول ، فنفرت الإبل في جوف الليل ؛ فما بقي عندنا بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل ، وذلك حين نزل الناس ، وقبل أن يحطوا ؛ فما علمت جمعاً هجم عليهم من الغم ما هجم علينا وأوصى بعضنا إلى بعض ، ونادى منادي العلاء : اجتمعوا ، فاجتمعنا إليه ، فقال : ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم ؟ فقال الناس : وكيف نلام ونحن إن بلغنا غداً لم تحم شمسه حتى نصير حديثاً ! فقال : أيها الناس ؛ لا تراعوا ، ألستم مسلمين ! ألستم في سبيل الله ! ألستم أنصار الله ! قالوا : بلى ، قال : فأبشروا ؛ فواله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم . ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بنا ، ومنا المتيمم ، ومنا من لم يزل على طهوره ؛ فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس ، فنصب في الدعاء ونصبوا معه ؛ فلمع لهم سراب الشمس ؛ فالتفت إلى الصف ، فقال : رائد ينظر ما هذا ؟ ففعل ثم رجع ، فقال : سراب ، فأقبل على الدعاء ، ثم لمع لهم آخر فكذلك ، ثم لمع لهم آخر ، فقال : ماء ، فقام وقام الناس ، فمشينا إليه حتى نزلنا عليه ، فشربنا واغتسلنا ، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد من كل وجه ، فأناخت إلينا ، فقام كل رجل إلى ظهره ، فأخذه ، فما فقدنا سلكاً . فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل ؛ وتروينا ثم تروحنا - وكان أبو هريرة رفيقي - فلما غبنا عن ذلك المكان ، قال لي : كيف علمك بموضع ذلك الماء ؟ فقلت : أنا من أهدى العرب بهذه البلاد قال : فكن معي حتى تقيمني عليه ، فكررت به ، فأتيت به على ذلك المكان بعينه ؛ فإذا هو لا غدير به ، ولا أثر للماء ، فقلت له : والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان ؛ وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعاً قبل اليوم ؛ وإذا إداوة مملوءة ، فقال : يا أبا سهم ، هذا والله المكان ؛ ولهذا رجعت ورجعت بك . وملأت إداوتي ثم وضعنها على شفيره ، فقلت صلى الله عليه وسلم إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها؛ وإن كان غياثاً عرفته ؛ فإذا من من المن ، فحمد الله ، ثم سرنا حتى ننزل هجر. قال: فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر أن انضما في عبد القيس حتى تنزل على الحطم مما يليكما ؛ وخرج هو فيمن جاء معه وفيمن قدم عليه ؛ حتى ينزل عليه مما يلي هجر، وتجمع المشركون كلهم إلى الحطم إلا أهل دارين، وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي وخندق المسلمون والمشركون، وكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم ؛ فكانوا كذلك شهراً ؛ فبينا الناس ليلة إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة ؛ كأنها ضوضاء هزيمة أو قتال ، فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال عبد الله بن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم - وكانت أمه عجلية - فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له صلى الله عليه وسلم من أنت ؟ فانتسب لهم ، وجعل ينادي: يا أبجراه ! فجاء أبجر بن بجير ، فعرفه فقال : ما شأنك ؟ فقال : لا أضيعن الليلة بين اللهازم ! علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة ! أيتلاعب بي الحطم ونزاع القبائل وأنتم شهود ! فتخلصه، وقال : والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة ! فقال : دعني من هذا وأطمعني ؛ فإني قد مت جوعاً. فقرب له طعاماً ؛ فأكل ثم قال : زودني واحملني وجوزني أنكطلق إلى كيتي. ويقول ذلك لرجل قد غلب عليه الشراب ، ففعل وحمله على بعير ، وزوده وجوزه ؛ وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمين ، فأخبرهم أن القوم سكارى ، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عليهم عسكرهم، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاءوا ، واقتحموا الخندق هرابا ، فمترد ، وناج ودهش ، ومقتول أو مأسور ، واستولى المسلمون على ما في العسكر ؛ لم يفلت رجل إلا بما عليه ؛ فأما أبجر فأفلت ، وأما الحطم فإنه الحطم بعل ودهش، وطار فؤاده ؛ فقام إلى فرسه والمسلمون خلالهم يجوسونهم - ليركبه ؛ فلما وضع رجله في الركاب انقطع به ، فمر به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم ، والحطم يستغيث ويقول : ألا رجل من بني قيس بن ثعلبة يعقلني! فرفع صوته ، فعرف صوته
فقال : أبو ضبيعية ! قال : نعم ، قال : أعطني رجلك أعقلك ، فأعطاه رجله يعقله ، فنفحها فأطنها من الفخذ ، وتركه ، فقال : أجهز على ، فقال : إني أحب ألا تموت حتى أمضك. - وكان مع عفيف عدة من ولد أبيه ، فأصيبوا ليلتئذ - وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحد من المسلمين إلا قال : هل لك في الحطم أن تقتله ؟ ويقول : ذاك لمن لا يعرفه ، حتى مر به قيس بن عاصم ، فقال له ذلك ، فمال عليه فقتله ، فلما رأى فخذه نادرة ، قال : واسوأتاه ! لو علمت الذي به لم أحركه ؛ وحرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم ، فاتبعوهم ، فلحق قيس بن عاصم أبجر - وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس - فلما خشى أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب ، وسلم النسا ؛ فكانت رادة ، وقال عفيف بن المنذر :ال : أبو ضبيعية ! قال : نعم ، قال : أعطني رجلك أعقلك ، فأعطاه رجله يعقله ، فنفحها فأطنها من الفخذ ، وتركه ، فقال : أجهز على ، فقال : إني أحب ألا تموت حتى أمضك. - وكان مع عفيف عدة من ولد أبيه ، فأصيبوا ليلتئذ - وجعل الحطم لا يمر به في الليل أحد من المسلمين إلا قال : هل لك في الحطم أن تقتله ؟ ويقول : ذاك لمن لا يعرفه ، حتى مر به قيس بن عاصم ، فقال له ذلك ، فمال عليه فقتله ، فلما رأى فخذه نادرة ، قال : واسوأتاه ! لو علمت الذي به لم أحركه ؛ وحرج المسلمون بعد ما أحرزوا الخندق على القوم يطلبونهم ، فاتبعوهم ، فلحق قيس بن عاصم أبجر - وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس - فلما خشى أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب ، وسلم النسا ؛ فكانت رادة ، وقال عفيف بن المنذر :
فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النسا ... وما كل من يهوى بذلك عالم
ألم تر أنا قد فللنا حماتهم ... بأسرة عمرو والرباب الأكارم
وأسر عفيف بن المنذر الغرورين سويد ، فكلمته الرباب فيه ، وكان أبوه ابن أخت التيم ، وسألوه أن يجيره ، فقال للعلاء : إني قد أجرت هذا ، قال : ومن هذا ؟ قال : الغرور ، قال : أنت غررت هؤلاء ، قال : أيها الملك ، إني لست بالغرور ؛ ولكني المغرور ، قال : أسلم ، فأسلم وبقي بهجر ، وكان إسمه الغرور ، وليس بلقب ؛ وقتل عفيف المنذر بن سويد المنذر، أخا الغرور لأمه، وأصبح العلاء فقسم الأنفال ، ونفل رجالاً من أهل ثباتا ، فكان فيمن نفل عفيف بن المنذر وقيس بن عاصم وثمتنة بن أثال ؛ فأما ثمامة فنفل ثباباً فيها خميصة ذات أعلام ، كان الحطم يباهي فيها ، وباع الثباب وقصد عظم الفلال لدارين ، فركبوا فيها السفن ، ورجع الآخرون إلى وائل فيهم ؛ فكتب العلاء بن الحضرمي إلى عامر بن عبد الأسود بلزوم ما هم عليه والقعود لأهل الردة بكل سبيل ، وأمر مسمعاً بمبادرتهم ، وارسل إلى خصفة التيمي والمثنى بن حارثة الشيباني ، فأقاموا لأولئك بالطريق ، فمنهم من أناب ، فقبلوا منه واشتملوا عليه ؛ ومنهم من أبى ولج فمنع من الرجوع فرجعوا عودهم على بدئهم ؛ حتى عبروا إلى دارين ، فجمعهم الله بها ، وقال في ذلك رجل من بني ضبيعة بن عجل ، يدعى وهبا ، يعير من ارتد من بكر بن وائل
ألم تر أن الله يسبك خلقه ... فيخبث أقوام ويصفو معشر
لحى الله أقواماً اصيبوا بخنعة ... أصابهم زيد الضلال ومعمر!
ولم يزل العلاء مقيماً في عسكر المشركين حتى رجعت إليه الكتب من عند من كان كتب إليه من بكر بن وائل ، وبلغه عنهم القيام بأمر الله ، والغضب لدينه ، فلما جاءه عنهم من ذلك من ذلك ما كان يشتهي ، أيقن أنه لن يؤتى من خلقه بشئ يكرهه على أحد من أهل البحرين ، وندب الناس إلى دارين ، ثم جمعهم فخطبهم ، وقال : إن الله قد جمع لكم أحزاب الشياطين وشرد الحرب في هذا البحر ؛ وقد أراكم من آباته في البر لتعتبروا بها في البحر فانهضوا إلى عدوكم ، ثم استعرضوا البحر إليهم ، فإن الله قد جمعهم ، فاقلوا : مفعل ولا نهاب والله بعد الدهناء هولاً ما بقينا .
فارتحل وارتحلوا ، حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصاهل ، والجامل ، والشاحج والناهق ؛ والراكب والراجل ، ودعا ودعوا ؛ وكان دعاؤه ودعاؤهم : يا أرحم الراحمين ، يا كريم ، يا كحليم ، يا أحد ، يا صمد ي حي يا محيي الموتى ، يا حي يا قيوم ، لا إله إإلا أنت يا ربنا . فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعاً يمشون على مثل رملة ميثاء ، فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل ، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر في بعض الحالات ، فالتقوا بها ، واقتتلوا قتالاً شديداً ، فما تركوا بها مخبراً وسبوا الذراري ، واستاقوا الأموال ؛ فبلغ نفل الفارس ستة آلاف ، والراجل ألفين ، قطعوا ليلهم وساروا يومهم ؛ فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم حتى عبروا ، وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر :
ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل!
دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعجب من فلق البحار الأوائل
ولما رجع العلاء إلى البحرين ، وضرب الإسلام فيها بجرانه ، وعز الإسلام وأهله ، وذل الشرك وأهله ؛ أقبل الذين في قلوبهم ما فيها على الإرجاف مرجفون ، وقالوا : ها ذاك مفروق ، قد جمع رهطه. شيبان وتغلب والنمر ، فقال لهم أقوام من المسلمين : إذا تشغلهم عنا اللهازم - واللهازم يومئذ قد استجمع أمرهم على نصر العلاء وطابقوا . وقال عبد الله بن حذف في ذلك :
لا توعدنا بمفرق وأسرته ... إن يأتنا يلق فينا سنة الحطم
وإن ذا الحي من بكر وإن كثروا ... لأمة داخلون النار في أمم
فالنخل ظاهره خيل وباطنه ... خيل تكدس بالفتيان في النعم
وأقفل العلاء بن الحضرمي الناس ، فرجع الناس إلا من أحب المقام فقفلنا وقفل ثمامة ، ورأوا خميصة الحطم عليه دسوا له رجلاً ، وقالوا : سله عنها كيف صارت له ؟ وعن الحطم : أهو قتله أو غيره ؟ فأتاه ، فسأله عنها ، فقال : نفلتها . قال : أأنت قتلت الحطم : أهو قتله الحطم ؟ قال : لا ، ولوددت أنى كنت قتلته ، قال : فما بال هذه الخمصية معك ؟ قال : ألم أخبرك ! فرجع إليهم فأخبرهم ، فتجمعوا له ، ثم أتوه فاحتوشوه ؛ فقال : ما لكم ؟ قالوا : هل ينفل إلا القاتل ! قال إنها لم تكن عليه ، إنما وجدت في رحله ، قالوا : كذبت . فأصابوه .
قال : وكان مع المسلمين راهب في هجر ؛ فأسلم يومئذ فقيل : ما دعاك إلى الإسلام ؟ قال : ثلاثة أشياء ، خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل : فيض في الرمال ، وتمهيد أثباج البحار ، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر . قالوا : وما هو ؟ قال : اللهم أنت الرحمن الرحيم ؛ لا إله غيرك ، والبديع ليس قبلك شئ ، والدائم غير الغافل ، والحي الذي لا يموت ، وخالق ما يرى وما لا يرى ، وكل يوم أنت في شأن ، وعلمت اللهم كا شئ بغير تعلم فعلمت أن القوم لم يعانوا أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله .
فلقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون من ذلك الههجري بعد وكتب العلاء إلى أبي بكر : أما بعد ؛ فإن الله تبارك وتعالى فجر لنا الدهناء فيضاً لا ترى غوار به ، وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب ، لنحمد الله ونمجده ، فادع الله واستنصره لجنوده وأعوان دينه.
فحمد أبو بكر الله ودعاه ، وقال : وما زلت العرب فيما تحدث عن بلدانها يقولون : إن لقمان حين سئل عن الدهناء : أيحتقرونها أو يدعونها ؟ نهاهم ، وقال لا تبلغها الأرشية ، ولم تقر العيون ؛ وإن شأن هذا الفيض من عظيم الآيات، وما سمعنا به في أمة قبلها . اللهم أخلف محمداً صلى الله عليه وسلم فينا ثم كتب إليه العلاء بهزيمة أهل الخندق وقتل الحطم . قتله زيد ومعمر : أما بعد، فإن الله تبارك إسمه سلب عدونا عقولهم، وأذهب ريحهم بشراب أصابوه منالنهار، فاقتحمنا عليهم خندقهم ، فوجدناهم سكارى . فقلناهم إلا الشريد ، وقد قتل الله الحطم .
فكتب إلي أبو بكر : أما بعد، فإن بلغك عن نبي شيبان بن ثعلبة تمام على ما بلفك ، وخاض فيه المرجفون ، فابعث إليهم جنداً فأوطئهم وشرد بهم من خلفهم . فلم يجتمعوا ؛ ولم يصر ذلك من إرجافهم إلى شئ ذكر الخبر عن ردة أهل عمان ومهرة واليمن
قال أبو جعفر: وقد اختلف في تاريخ حرب المسلمين . فقال محمد بن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد ، عن سلمة عنه : كان فتح اليمانة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشأم في سنة اثنتي عشرة وأما زيد فحدثني عن أبي الحسن المدائني في خبر ذكره ، عن أبي معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبي عييدة بن محمد بن أبي عبيدة وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء ، بإسنادهم عن مشيخهم وغيرهم من علماء أهل الشأم وأهل العراق ؛ أن الفتوح في أهل الردة كلها كانت لخالد بن الوليد وغيره في سنة إحدى عشرة ، إلا أمر ربيعة بن بجير ؛ فإنه كان في سنة ثلاث عشرة .
وقصة ربيعة بن بجير التغلبي أن خالد بن الوليد - فيما ذكر في خبره هذا الذي ذكرت عنه - بالمصيخ والحصيد ، قام وهو في جمع من المرتدين فقتله ، وغنم وسبى ، وأصاب ابنة لربيعة بن بجير ، فسباها وبعث بالسبى إلى أبي بكر رحمه الله ، فصارت ابنة ربيعة إلى على بن أبي طالب عليه السلام .
فأما أمر عمان فإنه كان - فيما كتب إلى السرى بن يحيى يخبرني عن شعيب ، عن شيف ، عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد والغصن بن القاسم وموسى الجليوسي عن ابن محيريز ، قال : نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي ، وكا يسامي في الجاهلية الجلندي ؛ وادعى بمثل ما ادعى به من كان نبياً ن وغلب على عمان مرتداً ، وألجأ جيفراً وعباداً إلى الأجبال والبحر ؛ فبعث جيفر إلى أبي بكر يخبره بذلك ، ويستجيشه عليه . فبعث أبو بكر الصديق حذيفة بين محصن الغلفاني من حمير ، وعرفجة البارقي من الأزد ؛ حذيفة إلى عمان وعرفجه إلى نهرة . وأمرهما أن يجدا السير تى يقدما عمان ؛ فإذا كانا منها قريباً كاتباً جيفراً وعباداً وعملاً برأيهما . فمضيا لما أمرا به ؛ وقد كان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة ، وأتبعه شر حبيل بن حسنة وسمى لهما اليمامة ؛ وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة . فبادر عكرمة شرحبيل وطلب حظوة الظفر ، فنكبه مسيلمة ؛ فأحجم عن مسيلمة ، وكتب إلى أبي بكر بالخبر ، وأقام شرحبيل عليه حيث بلغه الخبر ، وكتب أبو بكر إلى شرحبيل بن حسنة ؛ أن أقم بأدنى اليمامة حتى يأتيك أمري ، وترك أن يمضيه لوجهه له ؛ وكتب إلى عكرمة يعنفه لتسرعه ، ويقول : لا أرينك ولا أسمعن بك إلا بعد بلاء ، والحق بعمان حتى نقاتل أهل عمان ، وتعين حذيفة وعرفجة ، وكل واحد منكم على خيلة ، وحذيفة ما دمتم في عمله على الناس ، فإذا فرغتم فامض إلى مهرة ثم ليكن وجهك منها إلى اليمين ؛ حتى تلاقى المهاجر ابن أبي أمية باليمن وبحضرموت ، وأوططئ من بين عمان واليمن ممن ارتد ؛ وليبلعنى بلاؤك .
فمضى عكرمة في أثر عرفجة وحذيفة فيمن كان معه حتى لحق بهما قبل أن ينتهيا إلى عمان ، وقد عهد إليهم أن ينتهوا إلى رأى عكرمة بعد الفراغ في السير معه أو المقام بعمان ، فلما تلاحقوا - وكانوا قريباً من عمان بمكتان يدعى رجاماً - واسلوا جيفراً وعباداً . وبلغ لقيطاً مجئ الجيش ، فجمع جموعه وعسكر بدباً ، وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه ، فعسكرا بصحار ، وبعثا إلى حذيفة وعرفجة وعكرمة في القدوم عليهما ، فقدموا عليهما بصحار ، فاستبرءوا ما يليهم حتى رضوا ممن يليهم ؛ وكاتبوا رؤساء مع لقيط وبدءوا بسيد بني جديد فكاتبهم وكاتبوه حتى ارفضوا عنه ؛ ونهدوا إلى لقيط ، فالتقوا على دبا ، وقد كمع لقيط العيالات ، فجعلهم وراء صفوفهم ليجربهم ؛ وليحافظوا على حرمهم - ودبا هي المصر والسوق العظمى - فاقتتلوا بدبا قتالاً شديداً ؛ وكاد لقيط يستعلى الناس ؛ فبيناهم كذلك ، وقد رأى المسلمون الخلل ورأى المشركون الظفر ، جاءت المسلمين موادهم العظمى من بني ناجية ؛ وعليهم الخريت بن راشد ، ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان ، وشواذب عمان من نبي ناجية وعبد القيس ، فقوى الله بهم أهل الإسلام ، ووهن الله بهم أهل الشرك ؛ فولى المشركون الأدبار ، فقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف ، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم ، وسبوا الذراري ، وقسموا الأموال على المسلمين ، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة ، ورأى عكرمة وحذيفة أن يقيم حذيفة بعمان حتى يوطئ الأمور ، ويسكن الناس ؛ وكان الخمس ثمانمائة رأس ، وغنموا السوق بحذافيرها . فسار عرفجة إلى أبي بكر بخمس السبى والمغانم ، وأقام حذيفة لتسكن الناس ، ودعا القبائل حول عمان في الناس ، وبدأ بمهرة ، وقال في ذلك عباد الناجي :
لعمري لقدي لاقى لقيط بن مالك ... من الشر ما أخزى وجوه الثعالب
وادي أبا بكر ومنهل فارتمى ... خليجان من تياره المتراكب
ولم تنهه الأولى ولم ينكأ العدا ... فألوت عليه خيله بالجنائب
ذكر خبر مهرة بالنجد ولما فرغ عكرمة وعرفجة وحذيفة من ردة عمان ، خرج عكرمة في جنده نحوه مهرة ، واستنصر من حول عمان وأهل عمان ، وشسار حتى يأتي مهرة ، ومعه ممن استنصره من ناجية والأزد وعبد القيس وراسب وسعد من بني تميم بشر ؛ حتى اقتحم على مهرة بلادها ، فوافق بها جمعين من مهرة : أما أحدهما فبمكان من أرض مهرة يقال له : جيروت وقد امتلأ ذلك الحيز إلى نذدون - قاعين من قيعان مهرة - عليهم شخريت ، رجل من بني شخراة ؛ وقد انقادت مهرة جميعاً لصاحب هذا الجمع ؛ عليهم المصبح ، أحد بني محارب والناس كلهم كعه ؛ إلا ما كان من شخريت ، فكانا مختلفين ؛ كل واحد من الرئيسين يدعو الآخر إلى نفسه ، وكل واحد من الجندين يشتهي أن يكون الفلج لرئيسهم ؛ وكان ذلك مما أعان الله به المسلمين وقواهمم على عدوهم ؛ ووهنهم .
ولما رأى عكرمة قلة من مع شخريت دعاه إلى الرجوع إلى الإسلام فكان لأول الدعاء ، فأجابه ووهن الله بذلك المصبح . ثم أرسل إلى المصبح يدعوه إلى الإسلام والرجوع عن الكفر ؛ فاغتر بكثرة من معه وازداد مباعدة لمكان شخريت ، فسار إليه عكرمة ، وسار معه شخريت ، فالتقوا هم والمصبح بالنجد ؛ فاقتتلوا أشد من قتال دبا .
ثم أن الله كشف ج - نود المرتدين وقتل رئيسهم ، وركبهم المسلمون فقتلوا منهم ما شاؤا وأصابوا ما شاءوا ، وأصابوا فيما أصابوا ألفى نجيبة ، فخمس عكرمة الفئ ، فبعث بالأخماس مع شخريت إلى أبي بكر ، وقسم الأربعة الأخماس على المسلمين وازداد عكرمة وجنده قوة بالظهر والمتاع والأداة وأقام عكرمة حتى جمعهم على الذي يجب ، وجمع أهل النجد ؛ أهل رياض الروضة ، وأهل الساحل ؛ وأهل الجزائر وأهل المر واللبان وأهل جيروت ، وظهور الشحر والصبرات ، وينعت ، وذات الخيم ؛ فبايعوا على الإسلام فكتب بذلك مع البشير - وهو السائب أحد نبي عابد من مخزوم - فقدم على أبي بكر بالفتح ، وقدم شخريت بعده بالأخماس ، وقال في ذلك علجوم المحاربي :
جزى الله شخريتاً وأفناء هيثم ... وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب
جزاء مسئ لم يراقب لذمة ... ولم يرجها فيما يرجى الأقارب
أعكرمة لولا قومي وفعلهم ... لضاقت عليك بالفضاء المذاهب
وكنا كمن إقتاد كفاً بأخنها ... وحلت علينا في الدهور النوائب
ذكر خبر المرتدين باليمن قال أبو جعفر : كتب إلى السري بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف عن طلحة ، عن عكرمة وسهل عن القاسم بن محمد ، قال : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مكة وأرضها عتاب بن أسيد والطاهر بن أبي هالة؛ عتاب على بني كنانة ، والطاهر على عك ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اجعلوا عمالة عك في بني أبيها معد بن عدنان وعلى الطائف وأرضها عثمان بن أبي العاص ومالك بن عوف النصري ؛ عثمان على أهل المدر ومالك على أهل الوبر أعجاز هوازن ، وعلى نجران وأرضها عمرو بن حزم وأبو سيفان بن حرب ؛ عمرو بن حزم على الصلاة وأبو سفيان بن حرب على الصدقات ، وعلى ما بين رمع وزبيد إلى حد نجران خالد بن سعيد بن العاص ، وعلى همدان كلها عامر بن شهر ، وعلى صنعاء فيروز الديلمي يسانده داذواية وقيس بن المكشوف ، وعلى الجند يعلى بن أمية ، وعلى مأرب أبو موسى الأشعري وعلى الأشعريين مع عك الطاهرين أببي هالة ومعاذ بن جبل يعلم القوم ، وينتقل في عمل كل عامل ، فنزابهم الأسود في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فحاربه النبي عليه السلام بالرسل والكتب حتى قتله الله وعاد أم رالنبي عليه السلام كما كان قبل وفاة النبي عليه السلام بليلة ؛ إلا أن مجيئهم لم يحرك الناس ، والناس مستعدون له .
فلما بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم انتقضت اليمن والبلدان ؛ وقد كانت تذبذبت خيول العنسي - فيما بين نجران إلى صنعاء في عرض ذلك البحر - لا تأوى إلى أحد ، ولا يأوى إليها أحد ؛ فعمرو بن معد يكرب بحيال فروة بن مسك ، ومعاوية بن أس في فالة العيني يتردد ؛ ولم يرجع من عمال النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد ، ولجأ سائر العمال إلى المسلمين ؛ واعترض عمرو بن معد يكرب خالد بن سعيد فسلبه الصماصمة . ورجعت الرسل مع من رجع بالخبر ، فرجع جرير بن عبد الله والأقراع بن عبد الله ووبر بن يحنس ، فحارب أبو بكر المرتدة جميعاً بالرسل والكتب ، كما كان رسول صلى الله عليه وسلم حاربهم ؛ إلى أن رجع أسامة بن زيد من الشأم ، وحزر ذلك ثلاثة أشهر ، إلا ما كان من أهل ذي حسي وذي القصة . ثم كان أول مصادم عند رجوع أسامة هم . فخرج إلى الأبرق فلم يصمد لقوم فيفلهم إلا استنفر من لم يرتد منهم إلى آخرين ، فيفل بجطائفة من المهاجرين والأنصار والمستنفرة ممن لم يرتد إلى التي تليهم ؛ حتى فرغ من آخر أمور الناس ، ولا يستعين بالمرتدين.
فكان أول من كتب إليه عتاب بن أسيد ، كتب إليه بركوب من ارتد من أهل عمله بمن ثبت على الإسلام ، وعثمان بن أبي العاص بركوب من ابن أسيد إلى أهل عمله بمن ثبت على الإسلام فأا عتاب فإنه بعث خالد ابن أسيد إلى أهل تهامة ، وقد تجمعت بها جماع من مدلج ، وتأشش إليهم شذاذ من خزاعة وأفناء كنانة ، عليهم جندب بن سلمى ، أحد بني شنوق ، من بني مدلج ، ولم يكن في عمل عتاب جمع غيره، فالتقوا بالأبارق ، ففرقهم وقتلهمم ، واستحر القتل في نبي شنوق ، فما زالوا أذلاء قليلاً ، وبرت عمالة عتاب ، وأفلت جندب ، فقال جندب في ذلك :
ندمت وأيقنت الغداة بأنني ... أتيت التي يبقى على المرء عارها
شهدت بأن الله لا شئ غيره ... بنى مدلج فالله ربى وجارها
وبعث عثمان بن أبي العاص بعثا إلى شنوءة ، وقد تجمعت بها جماع من الأزد وبجيلة وخثعم ؛ عليهم حميضة بن النعمان ، وعلى أهل الطائف عثمان بن ربيعة ، فالتقوا بشنوءة ، فهزموا تلك الجماع ، وتفقوا عن حمضية وهرب حمضية في البلاد ، فقال في ذلك عثمان بن ربيعة :
فضضنا جمعهم والنقع كاب ... وقد تعدى على الغدر الفتوح
وأبرق بارق لما إلتقينا ... فعاد خلباً تلك البروق
خبر الأخابث من عك
قال أبو تجعفر : وكان أول منتفض بعد النبي صلى الله عليه وسلم بتهامة عك والأشعرون ، وذلك أنهم حين بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم تجمع منهم طخارير ، فأقبل إليهم طخارير من الأشعرين وخضهم فانضموا إليهم ، فأقاموا على الأعلاب طريق الساحل ، وتأشب إليهم أوزاع على غيري رئيس ؛ فكتب بذلك الطاهر بن أبي هالة إلى أبي بكر ؛ وسار إليهم وكتب أيضاً بمسيرة إليهم ، ومعه مسروق العكي حتى انتهى إلى تلك الأوزاع ، على الأعلاب ، فالتقوا فاقتتلوا ، فهزمهم الله ، وقتلوهم كل قتلة ؛ وأنتنت السبل لقتلهم ؛ وكان مقتلهم فتحاً عظيماً . وأجاب أبو بكر الطاهر قبل أن يأتيه كتابه بالفتح : بلغني كتابك نخبرني فيه مسيرك واستنفارك مسروقاً وقومه إلى الأخابث وباعلاب، فقد أصبت ، فعاجلوا هذا الضرب ولا ترفهوا عنهم ، وأقيموا بالأعلاب حتى يأمن طريق الأخابث ، ويأتيكم أنري . فسميت تلك الجوع من عك ومن تأشب إليهم إلى اليوم الأخابث ، وسمى ذلك الطريق طريق الأخابث ؛ وقال في ذلك الطاهرين أبي هالة:
ووالله لولا الله لا شئ غيره ... لما فض بالأجراع جمع العثاعث
فلم تر عيني مثل يوم رأيته ... بجنب صحار في جموع الأخابث
قتلناهم ما بين قنة خامر ... إلى القيمة الحمراء ذات النبائث
وفئنا بأموال الأخابث عنوة ... جهاراً ولم نحفل بتلك الهثاهث
وعسكر طاهر على طريق الأخابث ، ومعه مسروق في عك ينتظر أمر أبي بكر رحمه الله قال أبو جعفر : ولما بلغ أهل نجران وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل ، من بني الأفعى ؛ الأمة التي كانوا بها قبل بني الحارث ؛ بعثوا وفداً ليجددوا عهداً ، فقدموا إليه فكتب لهم كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا الكتاب من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران ، أجارهم من جنده ونفسه وأجاز لهم ذمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما رجع عنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله عز وجل في أرضهم وأرض العرب ؛ ألا يسكن بها دينان ؛ أجارهم على أنفسهم بعد ذلك وملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم وعاديتهم ، وغائبهم وشاهدهم ، وأسقفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت ؛ وعلى ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير ؛ عليهم ما عليهم ، فإذا أدوه فلا يحشرون ولا يعشرون . ولا يغير أسقف من أسقفيته ، ولا راهب من رهبانيه ؛ ووفى لهم بكل ما كتب يحشرون ولا يعشرون . ولا يغير أسقف من أسقفيته ، ولا راهب من رهبانيته ؛ ووفى لهم بكل ما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ما في الكتاب من ذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار المسلين . وعليهم النصح والإصلاح فيما عليهم من الحق . شهد المسور بن عمرو ، وعمرو مولى أبي بكر.
ورد أبو بكر جرير بن عبد الله ، وأمره أن يدعو من قومه من ثبت على أمر الله ، ثم يستنفر مقويهم ، فيقاتل بهم من ولى عن أمر الله ، وأمره أن يأتي خثعم ؛ فيقاتل من خرج غضباً لذى الخلصة ؛ ومن أراد إعادته حتى يقتلهم الله ، ويقتل من شاركهم فيه ؛ ثم يكون وجهه إلى نجران ، فيقيم بها حتى يأتيه أمره .
فخرج فنفذ لما أمره به أبو بكر ، فلم يقر له أحد إلا رجال في عدة قليلة ، فقتلهم وتتبعهم ؛ ثم كان وجهه إلى نجران ، فأقام بها انتظاراً أمر أبي بكر رحمه الله .
وكتب إلى عثمان بن أبي العاص أن يضرب بعثاً على أهل الطائف على كل مخلاف بقدره ، ويلى عليهم رجلا يأمنه ويثق بناجيته ؛ فضرب على كل مخلاف عشرين رجلاً ، وأمر عليهم أخاه وكتب إلى عتاب بن أسيد ؛ أن اضرب على أهل مكة وعملها خمسمائة مقو ؛ وابعث عليهم رجلاً تأمنه ، فسمى من يبعث ، وأمر عليهم خالد بن أسيد ؛ وأقام أمير كل قوم ، وقاموا على رجلً ليأتيهم أمر أبي بكر ، وليمر عليهم المهاجر.
ردة أهل اليمن ثانية
قال أبو جعفر : فممن ارتد ثانية منهم ، قيس بن عبد يغوث المكشوح ؛ كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف، قال : كان من حديث قيس في ردته الثانية ، أنه حين وقع إليهم الخبر بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم انتكث ، وعمل في تقل فيروز وداذويه وحشيش ، وكتب أبو بكر إلى عمير ذي مران وإلى سعيد ذي زود وإلى سميفع ذي الكلاع، وإلى حوشب ذي ظليم ، وإلى شهر ذي يناف ؛ يأمرهم بالتمسك بالذي هم عليه والقيام بأمر الله والناس ، وبعدهم الجنود: من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمير بن أفلح ذي مران ، وسعيد بن العاقب ذي زود ؛ وسميفع بن ناكور ذي الكلاع وحوشب ذي ظليم ، وشهر ذي يناف . أما بعد ، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم وحوطوهم واسمعوا من فيروز وجدوا معه فإني قد وليته.
كتب إلى السري عن شعيب عن سيف ، عن المستنير بن يزيد، عن عروة بن غزية الدثينى ، قال : لما ولى أبو بكر أمر فيروز ؛ وهم قبل ذلك متساندون ؛ هو وداً ذويه وجشيش وقيس ؛ وكتب إلى وجوه من وجوه أهل اليمن ؛ ولما سمع بذلك قيس أرسل إلى ذي الكلاع وأصحابه: إن الأبناء نزاع في بلادكم ، ونقلاء فيكم ؛ وإن تتركوهم لن يزالزا عليكم ؛ وقد أرى من الرأى أن أقتل رءوسهم وأخرجهم من بلادنا . فتبرءوا ، فلم يمالئوه ولم ينصروا الأبناء ، واعتزلوا وقالوا : لسنا مما ها هنا في شئ ، أنت صاحبهم وهم أصحابك .
فتربص لهم قيس . واستعد لقتل رؤسائهم وتسيير عامتهم ؛ فكاتب قيس تلك الفالة السيارة اللحجية ؛ وهم يصعدون في البلاد ويصوبون، محاربين لجميع من خالفهم ؛ فكاتبهم قيس في السر ؛ وأمرهم أن يتعجلوا إليه ؛ وليكون أمره وأمرهم واحداً ؛ وليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن فكتبوا إليه بالإستجابة له ، وأخبروه أنهم إليه سراع فلم يفجأ أهل صنعاء إلا الخبر بدونهم منها ، فأتى قيس فيروز في ذلك كالفرق من هذا الخبر وأتى داذويه ؛ فاستشارهما ليلبس عليهما ، ولئلا يتهماه ، فنظروا في ذلك واطمأنوا إليه.
ثم إن قيساً دعاهم من الغد إلى طعام ، فبدأ بداذويه ، وثنى بفيروز ، وثلث بجيشيش ؛ فخرج داذويه حتى دخل عليه ؛ فلما دخل عليه عاجله فقتله ، وخرج فيروز يسير حتى إذا دنا سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما : هذا مقتول كما قتل داوذويه ؛ فلقيهما فعاج حتى يرى أوى القوم الذي أربئوا ، فأخبر برجوع فيروز ؛ فخرجوا يرطضون ، وركض فيروز ، وتلقاه جشيش ، فخرج معه متوجهاً نحو جبل خولن - وهم أخوال فيروز - فسبقا الخيول إلى الجبل ، ثم ينزلا فتوقلا وعليهما خفاف ساذجة فما وصلا حتى تقطعت أقدامهما ، فانتهيا إلى خولان وامتنع فيروز بأخواله ، وآلى ألا ينتعل ساذجاً ، ورجعت الخيول إلى قيس ؛ فثار بصنعاء فأخذها ، وجبى ما حولها ، مقدماً رجلاً ومؤخراً أخرى ، وأتته خيول الأسود. ولما أوى فيروز إلى أخواله خولان فمنعوه وتأشب إليه الماس كتب إلى أبي بكر بالخبر . فقال قيس : وما خولان ! وما فيروز! وما قرار أووا إليه! وطابق على قيس عوام قبائل من كتب أبو بكر إلى رؤسائهم وبقى الرؤساء معتزلين ، وعمد قيس إلى الأبناء ففرقهم ثلاث فرق : أقر من أقام وأقر عياله ، وفرق عيال الذين هربوا إلى فيروز فرقتين ؛ فوجه إحداهما إلى عدن ؛ ليحملوا في البحر ، وحمل الأخرى في البر، وقال لهم جميعاً : الحقوا بأرضكم ؛ وبعث معهم من يسيرهم ؛ فكان عيال الديلمي ممن سير في البر وعيال داذويه ممن شسير في البحر ؛ فلما رأى فيروز أن قد اجتمع عوام أهل اليمن على قيس ؛ وأن العيال قد سيروا وعرضهم للنهب، ولم يجد إلى فراق عسكره في تنقذهم سبيلا ؛ وبلغه ما قال قيس في استصغاره الأخوال والأبناء، فقال فيروز منتمياً ومفاخراً وذكر الظعن:
ألا ناديا ظعناً إلى الرمل ذي النخل ... وقولا لها ألا يقال ولا عذلي
وما ضرهم قول العداوة لو أنه ... أتى قومه عن غير فحش ولا بخل
فدع عنك ظعناً بالطريق التي هوت ... لطيتها صمد الرمال إلى الرمال
وإنا وإن كانت بصنعاء دارنا ... لنا نسل قوم من عرانينهم نسلى
وللديلم الرزام من بعد باسل ... أبى الخفض واختار الحرور على الظل
وكانت منابيت العراق جسامها ... لرهطى إذا كسرى مراجله تغلي
وباسل أصلى إن نميت ومنصبي ... كما كل عود منتهاه إلى الأصل
هم تركوا مجراى سهلاً وحصنوا ... فجاجي بحسن القول والحسب الجزل
فما عزنا فيالجهل من ذي عداوة ... أبي الله إلا أن يعز على الجهل
ولا عاقنا في السلم عن آل أحمد ... ولا خس في الإسلام إذ أسلموا قبلي
وإن كان سجل من قبيلي أرشنى ... فإني لراج أن يغرقهم سجلي
وقام فيروز في حربه، وتجرد لها، وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة بن عامر بن صعصعة رسولاً بأنه متخفر بهم، يستمدهم ويستنصرهم في ثقله على الذين يزعجون أثقال الأبناء، وأرسل إلى عك رسولا يستمدهم ويستنصرهم على الذين يزعجون أثقال الأبناء . فركبت عقيل وعليهم رجل من الحلفاء يقال له معاوية، فاعترضوا خيل قيس فتنقذوا أولئك العيال وقتلوا الذين سيرهم، وقصروا عليهم القرى ؛ إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء، ووثبت عك ؛ وعليهم مسروق، فساروا حتى تنقذوا عيالات الأبناء وقصروا عليهم القرى، إلى أن رجع فيروز إلى صنعاء، وأمدت عقيل وعك فيروز بالرجال فلما أتته أمدادهم - فيمن كان اجتمع إليه - خرج فيمن كان تأشب إليه ومن أمده من عك وعقيل ، فناهد قيساً فالتقوا دون صنعاء ، فاقتتلوا فهزم الله قيساً في قومه ومن أنهضوا، فخرج هارباً في جنده حتى عاد معهم وعادوا إلى مكان الذي كانوا به مبادرين حين هربوا بعد مقتل العنسي، وعليهم قيس، وتذبذبت رافضة العنسي وقيس معهم فيمتا بين صنعاء ونجران، وكان عمرو بن معد يكرب بإزاء فروة بن مسيك في طاعة العنسي.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن عمرو بن سلمة، قال: وكان من أمر فروة بن مسيك أنه كان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال في ذلك:
لما رأيت ملوك حمير أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسائها
يممت راحلتي أمام محمد ... أرجو فواضلها وحسن ثنائها
وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال له : هل ساءت ما لقى قومك يوم الرزم يا فروة أو سرك؟ قال: ومن يصيب في قومه بمثل الذي أصبت به في قوم الرزم إلا ساءت ذلك ! وكمان يوم الرزم بينهم وبين همدان على يغوث ؛ وثن كان يكون في هؤلاء مرة وفي هؤلاء مررة، فأرادت مراد أن تغلبها عليه في مرتهم فقتلهم همدان، ورئيسهم الأجدع أبو مسروق ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن ذلك لم يزدهم في الإسلام إلا خيراً ؛ فقال : قد سرني إذ كان ذلك ، فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات مراد ومن نازلهم أو نزل دارهم . وكان عمرو بن معد يكرب قد فارق قومه سعد العشيرة في بني زبيد وأخلاقها، وانحاز إليهم وأسلم معهم ؛ فكان فيهم، فلما ارتد العنسي واتبعه عوام مذحج، اعتزل فروة فيمن أقام معه على الإسلام، وارتدعمرو فيمن ارتد، فخلفه العنسي، فجعله بإزاء فروة، فكان بحياله ويمتنع كل واحد منهما لمكان صابحه من البراح، فكانا ينهاديان الشعر، فقال عمرو يذكر إمارة فروة ويعينبها:
وجدنا ملك فروة شر ملك ... حماراً ساف منخره بقذر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر
فأجابه فروة:
أتاني عن أبي ثور كلام ... وقدماً كان في الأبغال يجري
وكان الله يبغضه قديماً ... على ما كل من خبث وغدر
فبيناهم كذلك قدم عكرمة أبين.
وكتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم وموسى بن الغصن، عن ابن محيريز، قال: فخرج عكرمة من مهرة سائراً نحو اليمن حتى ورد أبين، ومعه بشر كثير من مهرة، وسعد بن زيد، والأزد، وناجية، وعبد القيس، وحدبان من بني مالك بن كنانة، وعمرو بن جندب من العنبر، فجمع النخع بعد من أصاب من مدبريهم فقال لهم: كيف كنتم في هذا الأمر؟ فقالوا : كنا في الجاهلية أهل صرنا إلى دين. لا نتعاطى ما يتعاطى العرب بعضها من بعض فكيف بنا إذا ثبت عوامهم وهرب من كان فارق من خاصتهم؛ واستبرأ النخع وحمير، وأقام لإجتماعهم، وأرز قيس بن عبد يغوث لهبوط عكرمة إلى اليمن إلى عمرو بن معد يكرب، فلما ضامه وقع بينهما تنازع، فتعايرا، فقال عمرو بن معد يكرب يعير قيساً غدره بالأبناء وقتله داذويه، ويذكر فراره من فيروز:
غدرت ولم تحسن وفاء ولم يكن ... ليحتمل الأسباب إلا المعود
وكيف لقيس أن ينوط نفسه ... إذا ما جرى والمضرحي المسود !
وقال قيس:
وفيت لقومي وأحتشدت لمعشر ... أصابوا على الأحياء عمراً ومرثدا
وكنت لدى الأبناء لما لقيتهم ... كأصيد يسمو بالعزازة أصيدا
وقال عمرو بن معد يكرب:
فما إن داذوى لكم بفخر ... ولكن داذوى فضح الذمارا
وفيروز غداة أصاب فيكم ... وأضرب في جموعكم استجارا
ذكر خبر طاهر حين شخص مدداً لفيروز قال أبو جعفر الطبري رحمة الله : قد كان أبو بكر رحمة الله كتب إلى طاهر بن أبي هالة بالنزول إلى صنعاء وإعانة الأبناء ؛ مإلى مسروق، فخرجا حتى أتيا صنعاء، وكتب إلى عبد الله بن ثور بن أصغر، بأن يجمع إليه العرب ومن استجاب له من أهل تهامة، ثم يقيم بمكانه حتى يأتيه أمره.
وكان أول ردة عمرو بن معد يكرب أنه كان مع هخالد بن سعيد فخالفه، واستجاب لأسود، فسار إليه خالد بن سعيد حتى لقيه ؛ لافاختلفا ضربتين، فضربه خالد على عاتقه فقطع حمالة سيفه فوقع، ووصلت الضربة إلى عاتقه، وضربه عمرو فلم يصنع شيئاً، فلما أراد خالد أن يثنى عليه نزل فتوقل في الجبل، وسلبه فرسه وسيفه الصمصمامة، والحج عمرو فيمن لحج . وصارت إلى سعيد بن العاص الأصغر مواريث آل سعيد بن العاص الأكبر. فلما ولى الكوفة عرض عليه عمرو ابنته، فلم يقبلها، وأتاه في داره بعده سيوف كان خالداً أصابها باليمن فقال: أيها فضرب الإكاف فقطعه والبرذعة ؛ وأسرع في البغل، ثم رده على سعيد، وقال : لو زرتني في بيتي وهو لي لوهبته لك، فما كنت لأقبله إذ وقع.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عنسيف، عن المستنير بن يزيد عن عروة بن غزية وموسى، من عند أبي بكر - وكان في آخر من فصل - اتخذ مكة طريقاً، فمر بها فاتبعه خالد بن أسيد، ومر بالطائف فاتبعه عبد الرحمن بن أبي العاص، ثم مضى حتى إذا حاذى جرير بن عبد الله ضمه إليه، وانضم إليه عبد الله بن ثور حين حازاه، ثم قدم على أهل نجران ؛ فانضم إليه فروة بم مسيك وفارق عمرو بن معد يكرب قيساً، وأقبل مستحيباً ؛ حتى دخل على المهاجر على غير أمان ؛ فأوثقه المهاجر ؛ وأوثق قيساً، وكتب بحالهما إلى أبي بكر رحمه الله، وبعث بهما إليه. فلما سار المهاجر من نجران إلى اللحجية، والتقت الخيول على تلك الفالة استأمنوا، فأبى أن يؤمنهم، فافترقوا فرقتين ؛ فلقى المهاجر إحداهمابعجيب، فأتى عليهم، ولقيت خيوله الأخرى بطريق الأخابث، فأتوا عليهم - وعلى الخيول عبد الله - وقتل الشرداء بكل سبيل، فقدم بقيس وعمرو على أبي بكر، فقال: يا قيس، أعدوت على عباد الله تقتلهم وتتخذ المرتدين والمشركين وليجة من دون المؤمنين! وهم بقتلة لووجد أمراً جلياً. وانتفى قيس من أن يكون قارف من أمر داذويه شيئاً، وكان ذلك عملاً عمل في سر لم يكن به بينه، فتجافى له عن دمه، وقال لعمرو ابن معد يكرب: أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور! لو نصرت هذا الدين لرفعك الله . ثم خلى سبيله، ورد هما إلى عشائرهما، وقال عمرو: لا جرم!لأقبلن ولا أعود.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير وموسى قالا: سار المهاجر من عجيب، حتى ينزل صنعاء، وأمر أن يتبعوا شذاذ القبائل الذين هربوا ؛ فقتلوا من قدروا عليه منهم كل قتلة، ولم يعف متمرداً، وقبل توبة من أناب من غير المتمرد ؛ وعملوا في ذلك على قدر ما رأوا من آثارهم، ورجوا عندهم. وكتب إلى بكر بدخوله صنعاء وبالذي يتبع من ذلك.
ذكر خبر حضرموت في ردتهم قال أبو جعفر: كتب إلى السرى، عنشعيب، عنسيف، عن سهل بن يوسف، عن الصلت، عن كثير بن الصلت، قال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعماله على بلاد حضرموت: زياد بن لبيد البياض على حضرموت. وعكاشة بن محض على السكاسك والسكون، والمهاجر على كندة - وكان بالمدينة لم يكن خرج حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعثه أبو بكر بعد إلى قتال من باليمن والمضي بعد إلى عمله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي السائب، عطاء ابن فلان المخزومي، عن أبيه عن أم سلمة والمهاجرين أبي أمية، أ،ه كان تخلف عن تبوك، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه عاتب ؛ فبينا أم سلمة تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كيف ينفعني شئ وأنت عاتب على أخي! فرأت منه رقة ؛ فأومأت إلى خادمها ؛ فدعته، فلم يزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ينشر عذره حتى عذره ورضى عنه وأمره على كندة. فاشتكى ولم يطق الذهاب ؛ فكتب إلى زياد ليقوم له على عمله: وبرأ بعد، فأتم له أبو بكر إمرته، وأمره بقتال من بين نجران إلى أقصى اليمن ؛ ولذلك أبطأ زياد وعكاشة عن مناجرة كندة انتظاراً له كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد ؛ قال : كان سبب ردة كندة إحابتهم الأسود العنسى حتى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الملوك الأربعة، وأنهم قبل ردتهم حين أسلموا وأسلم أهل بلاد حضرموت كلهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوضع من الصدقات أن يوضع صدقة بعض حضرموت في السكون والسكون في بعض حضرموت . فقال نفر من بني وليعة: يا رسول الله ، إنا لسنا بأصحاب إبل ؛ فإن رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظهر ! فقال: إن أنتكم! قالوا: فإنغ ننظر، وجاء ذلك الإبان، دعا زياد الناس إلى ذلك، فحضروه فقالت بنو وليعة: أبلغونا كما وعدتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن لكم ظهراً، فهملوا فاحتملوا، ولا حوهم ؛ حتى لاحوا زيادا ؛ وقالوا له : أنت معهم علينا. فأبى الحضرميون، ولج الكنديون، فرجعوا إلى دارهم، وقدموا رجلً وأخروا أخرى، وأمسك عنهم زياد انتظاراً للمهاجر ؛ فلما قدم المهاجر صنعاء، كتب إلى أبي بكر بكل الذي صنع ، وأقام حتى قدم عليه جواب كتابه من قبل أبي بكر ؛ فكتب إليه أبو بكر وإلى عكرمة، أن يسيرا حتى يقدما حضرموت، وأقر زياداً على علمه، وأذن لمن معك من بين مكة واليمن في القفل؛ إلا أن يؤثر قوم الجهاد. وأمده بعبيده ابن سعد. ففعل ؛ فسار المهاجر من صنعاء يريد حضرموت، وسار عكرمة من أبين يريد حضرموت، فاتقيا بمأرب ؛ ثم فوزا من صهيد ؛حتى اقتحما حضرموت، فنزل أحدهما على الأشعث والآخر علة وائل.
كتب إلى السى، عن شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف، عن سهيل بن يوسف، عن أبيه، عن كثير بن الصلت ؛ قال: وكان زياد بن لبيد حين رجع الكنديون ولجوا ولج الحضرميون، ولى صدقات بني عمرو بم معاوية بنفسه، فقدك عليهم وهم بالرياض، فصدق أول من انتهى إليه منهم ؛ وهو غلام، يقال له شيطان بن حجر ؛ فأعجبته بكرة من الصدقة، فدعا بنار فوضع عليها الميسم، وإذا الناقة لأخي الشيطان العداء بن حجر، وليست عليه صدقة، وكان أخوه قد أوهم حين أخرجها وظنها غيرها ؛ فقال العداء: هذه شذرة بإسمها ؛ فقال الشيطان: صدق أخي ؛ فإني لم أعطوكموها إلا وأنا أراها غيرها ؛ فأطلق شذرة وخذ غيرها، فإ،ها غير متروكة . فرأى زياد أن ذلك منه اعتلال، واتهمه بالكفر ومباعدة الإسلام وتحري الشر. فحمى وحمى الرجلان، فقال زياد : لا ولا تنعم ؛ ولا هي لك ؛ لقد وقع عليها ميسم الصدقة وصارت في حق الله، ولا سبيل إلى ردها، فلا تكونن شذرة عليكم كالبسوس ؛ فنادى العداء: يا آل عمرو ، بالرياض أضام وأضهد! إن الذليل من أكل في داره!ونادى : يا أبا السميط، فأقبل أبو السميط حارثة بن سراقة بن معد يكرب ؛ فقصد لزياد بن لبيد وهو واقف، فقال: أطلق لهذا الفتى بكرته، وخذ بعيراً مكانها، فإ،ما بعير مكان بعير، فقال : مكا إلى ذلك سبيل! فقال: ذاك إذا كنت يهودياً!وعاج إليها، فأطلق عقالها، ثم ضرب على جنبها ؛ فبعثها وقام دونها، وهو يقوا:
يمنعها شيخ بخديه الشيب ... ملمع كما يلمع الثوب
فأمر به زياد شباباً من حضرموت والسكون، فمبعثره وتوطئوه، وكتفوه وكتفوا أصحابه، وارتهنوهم، وأخذوا البكرة فعقلوها كمات انت؛ وقال زياد ابن لبيد في ذلك:
لم يمنع الشذرة أركوب ... والشيخ قد يثنيه أرجوب
وتصايح أهل الرياض وتنادوا، وغضبت بنو معاوية لحارثة، وأظهروا أمرهم، وغضبت السكون لزياد، وغضبت له حضرموت، وقاموا جميعاً دونه. وتوافى عسكران عظيمان من هؤلاء وهؤلاء؛ لا تحدث بنو معاوية لمكان أسرئهم شيئاً، ولا يجد أصحاب زياد على بني معاوية سبيلاً يتعقلون به عليهم ؛ فأرسل إليهم زياد: إما أن تصعوا السلاح، وإما أن تؤذنوا بحرب ؛ فقالوا: لا نضع السلاح أبداً حتى ترفضوا وأنتم صغرة قمأة. يا أخابث الناس، ألستم سكان حضرموت وجيران السكون!فما عسيتم أن تكونوا وتصنعوا في دار حضرموت ؛ وفي جنوب مواليكم !وقالت له السكون : ناهد القوم، فإنه لا يفطمهم إلا ذلك، فنهد إليهم ليلاً، فقتل منهم، وكاروا عباديد، وتمثل زياد حين أصبح في عسكرهم:
وكنت امرأ لا أبعث الحرب ظالماً ... فلما أبوا سامحت في حرب حاطب
ولما هرب القوم خلى عن النفر الثلاثة ؛ ورجع زياد إلى منزله على الظفر. ولما رجع الأسراء إلى أصحابهم ذمروهم فتذامروا، وقالوا: لا تصلح البلدة علينا وعلى هؤلاء حتى تخلو لأحد الفريقين. فأجمعوا وعسكروا جميعاً، ونادوا بمنع الصدقة، فتركهم زياد لم يخرج إليهم، وبين زياد وحضرموت والسكون حتى سكن بعضهم عن بعض ؛ وهذه النفرة الثانية، وقال السكوني في ذلك:
لعمري وما عمري بعرضة جانب ... ليجتلبن منها المرار بنو عمرو
كذبتم وبيت الله لا تمنعونها ... زياداً، وقد جئنا زياداً على قدر
فأقاموا بعد ذلك يسيراً. ثم أن بني عمرو بن معاوية خصوصاً خرجوا إلى المحاجر، إلى أحماء ححكوها، فنزل جمد محجراً، ومخوص محجراً، ومشرح محجراً، وأبضعة محجراً، وأختهم العمردة محجراً - وكانت بنو عمرو بن معاوية على هؤلاء الرؤساء - ونزلت بنو الحارث بن معاوية محاجرها، فنزل الأشعث بن قيس محجراً، والسمط بن الأسود محجراً وكابقت معاوية كلها على منع الصدقة، وأجمعوا على الردة إلا ما كان من شرحبيل بن السمط وابنه، فإنهما قاما في بني معاوية، فقالا: والله إن هذا لقبيح بأقوام أحرار التنقل ؛ إن الكرام ليكونون على الشبهة فيتكرمون أن يتنقلوا منها إلى أوضح منها مخافة العار ؛ فكيف بالرجوع عن الجميل وعن الحق إلى الباطل والقبيح ! اللهم إنا لا نمالئ قومنا على هذا، وإنا لنادمون على مجامعتهم إلى يومنا هذا - يعني يوم البكرة ويوم النفرة - وخرج ابن صالح وامرؤ القيس بن عابس ؛ حتى أتيا زياداً، فقالا له: بيت القوم، فإن أقواماً من السكاسك قد انضموا إليهم، وقد تسرع إليهم قوم من السكونوشذاذ من حضرموت، لعلنا نوقع بهم وقعة تورث بيننا عداوة، وتفرق بيننا ؛ وإن أبيت خشينا أن يرفض الناس عنا إليهم ؛ والقوم غارون لمكان من أتاهم، راجون لمن بقي. فقال : شأنكم. فجمعوا جمعهم، فطرقوهم في محاجرهم، فوجودوهم حول نيرانهم جلوساً، فعرفوا من يريدون، فأكبوا على بني عمرو بن معاوية؛ وهم عدد القوم وشوكتهم، من خمسة أوجه في خمس فرق ، فأصابوا مشرحاً ومخوصاً وجمداً وأبضعة وأختهم العمردة أدركتهم اللعنة، وقتلوا فأكثروا، وهرب من أطاق الهرب، ووهنت بنو عمرو بن معاوية، فلم يأتوا بخير بعدها، وانكفأ زياد بالسبى والأموال، وأخذوا طريقاً يفضي بهم إلى عسكر الأشعث وبني الحارث بن معاوية ؛ فلما مروا بهم فيه استغاث نسوة بني عمرو بن معاوية ببني الحارث وناديته: يا أشعث، يا أشعث! خلاتك خالاتك! فثار في بني الحارث فتنقذهم - وهذه الثالثة - وقال الأشعث:
منعت بني عمرو وقد جاء جمعهم ... بأمعز من يوم البضيض وأصبرا
وعلم الأشعث أن زياداً وجنده إذا بلغهم ذلك لم يقلعوا عنه ولا عن بني الحارث بن معاوية وبنيعمرو بن معاوية، فجمع إليه بني الحارث بن معاوية وبني عمرو بن معاوية، ومن أطاعه من السكاسك والخصائص من قبائل ما حولهم، وتباين لهذه الوقعة من بحضرموت من القبائل، فثبت أصحاب زياد على طاعة زياد، ولجت كندة فلما تباينت القبائل كتب زياد إلى المهاجر؛ وكاتبه الناس فتلقاه بالكتاب، وقد قطع صهيد - مفازة ما بين مأرب حضرموت - واستخلف على الجيش عكرمة وتعجل في سرعان الناس، ثم سار حتى قدم على زياد ؛ فنهد إلى كندة وعليهم الأشعث، فالتقوا بمحجر الزرقان فاقتتلوا به فهزمت كندة، وقتلت وخرجوا هراباً، فالتجأت إلى النحير وقد رموه وحصنوه، وقال في يوم محجر الزرقان المهاجر:
كنا بزرقان إذ يشردكم ... بحر يزجى في موجه الحطبا
نحن قتلناكم بمحجركم ... حتى ركبتم من خوفنا السببا
إلى حصار يكون أهوانه ... سبى الذرارى وسوقها خببا
وسار المهاجر في الناس من محجر الزرقان حتى نزل على النجير، وقد اجتمعت إليه كنده، فتحصنوا فيه، ومعهم من استغووا من السكاسك وشذاذ من السكون وحضرموت والنجير، على ثلاثة سبل فنزل زياد على أحدهما، ونزل المهاجر على الآخر، وكان الثالث لهم يؤتون فيه ويذهبون فيه، إلى أن قدم عكرمة في الجيش ، فأ،زله على ذلك الطريق، فقطع عليهم المواد وردهم، وفرق في كندة الخيول، وأمرهم أن يوظئهم. وفيمن بعث يزيد بن قنان من بني مالك بن سعد، فقتل من بقرى بني هند إلى برهوت، وبعث فيمن بعث إلى الساحل خالد بن فلان المخزومي وربيعة الحضرمي، فقتلوا أهل محا وأحيا أخر ؛ وبلغ كندة وهم في الحصار ما لقى سائر قومهم، فقالوا: الموت خير مما أنتم فيه ؛ جزوا نواصيكم حتى كأنكم قوم قد وهبتم لله أنفسكم فأنعم عليكم فبؤتم بنعمة ؛ لعله أن ينصركم على هؤلاء الظلمة. فجزوا نواصيهم، وتعاقدوا وتواثقوا ألا يفر بعضهم عن بعذض ، وجعل راجزهم يرتجز في جوف الليل فوق حصنهم:
صباح سوء لبني قتيره ... وللأمير من بني المغيره
وجعل راجز المسلمين زياد بن دينار يريد عليهم:
لا تواعدونا واصبرواحصيرة ... نحن خيول ولد المغيره
وفي الصباح تظفر العشيرة فلما أصبحزا خرجوا على الناس، فاقتتلوا بأفنية النجير، حتى كثرت القتلى بحيال كل طريق من الطرق الثلاثة، وجعل عكرمة يرتجز يومئذ، ويقول:
أطعنهم وأنا على أوفاز ... طعناً أبوء به على مجاز
ويقول:
أنفذ قولي وله نفاذ ... وكل من جاورني معاذ
فهزمت كندة، وقد أكثروا فيهم القتل.
وقال هشام بن محمد: قدم عكرمة بن أبي جهل بعدما ما فرغ المهاجر من امر القوم مدداً لكم، وقد سبقتموهم بالفتح فأشركوهم في الغنيمة. ففعلوا وأشركوا من لحق بهم، وتواصلوا بذلك، وبعثوا بالأخماس والأسرى، وسار البشير فسبقهم؛ وكانوا يبشرون القبائل ويقرءون عليهم الفتح.
وكتب إلى السرى، قال: كتب أبو بكر رحمه الله إلى المهاجر مع المغيرة بن شعبة: إذا جاءكم كتابي هذا ولم يظفروا ؛ فإن ظفرتم بالقوم فاقتلوا المقاتلة، واسبوا الذرية إن أخذتموهم عنوة، أو ينزلوا على حكمي، فإن جرى بينكم صلح قبل ذلك فعلى أن تخروجوهم من ديارهم ؛ فإني أكره أن أقر أقواماً فعلوا فعلهم في منازلهم، ليعلموا أن قد أساءوا، وليذوقوا وبال بعض الذي أتوا.
قال أبو جعفر: ولما رأى أهل النجير المواد لا تنقجطع عن المسلمين، وأيقنوا أنهم غير منصرفين عنهم، خشعت أنفسهم، ثم خافوا القتل وخاف الرؤساء على أنفسهم ؛ ولو صبروا حتى يجئ المغيرة لكانت لهم في الثالثة الصلح على الجلاء نجاة. فعجل الأشعث، فخرج إلى عكرمة بأمان، وكان لا يأمن غيره ؛ وذلك أنه كانت تحته أسماء ابنة النعمان بن الجون ، خطبها وهو يومئذ بالجند ينتظر المهاجر، فأهداها إليه أبوها قبل أن يبادوا، فأبلغه عكرمة المهاجر، واستأمنه له على نفسه، ونفر معه تسعة ؛ على أن يؤمنهم وأهليهم وأن يفتحوا لهم الباب ؛ فأجابه إلى ذلك، وقال: انطلق فاستوثق لنفسك، ثم هلم كتابك أختمه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن عامر، أنه دخل عليه فاستأمنه على أهله وماله، وتسعة ممن أحب، وعلى أن يتفح لهم الباب فيدخلوا على قومه. فقال له المهاجر: اكتب ما شئت واعجل، فكتب أمانة وأمانهم، وفيهم أخوه وبنو عمه وأهلوهم، ونسى نفسه؛ عجل ودهش. ثم جاء بالكتاب فختمه ؛ ورجع فسرب الذين في الكتاب.
وقال الأجاح والمجالد: لما لم يبق إلا أن يكتب نفسه وثب عليه جحدم بشفيرة، وقال: نفسك أو تكتبني! فكتبه وترك نفسه.
قال أبو إسحاق: فلما فتح الباب اقتحمه المسلمون فلم يدعوا فيه مقاتلاً إلا قتلوه ؛ ضربوا أعناقهم صبراً، وأحصى ألف امرأة ممن في النجير والخندق ؛ ووضع على السبي والفئ الأحراس، وشاركهم كثير.
وقال كثير بن الصلت: لما فتح الباب وفرغ ممن في النجير، وأحصى ما أفاء الله عليهم، دعا الأشعث بأولئك النفر، ودعا بكتابة فعرضهم، فأجاز من في لكتاب، فإذا الأشعث يا عدو الله! قد كنت أشتهي أن يخزنك الله. الذي أخطأك نوءك يا أشعث، يا عدو الله !قد كنت أشتهي أن يخزيك الله.فشد وثاقاً، وهم بقتله، فقال له عكرمة: أخره، وأبلغه أبا بكر، فهو أعلم بالحكم في هذا . وإنه كان رجلاً نسى إسمه أن يكتبه ؛ وهو ولي المخاطبة. أفداك يبطل ذاك ! فقال المهاجر: إن أمره لبين، ولكني أتبع المشورة وأورها. وأخره وبعث به إلى أبي بكر مع السبي، فكان معهم يلعنه المسلمون ويلعنه سبايا قومه، وسماه نساء قومه عرف النار - كلام يمان يسمون به الغادر - وقد كان المغيرة تحير ليله للذي أراد الله، فجاء والقوم في دمائهم والسبي على ظهر، وسارت السبايا والأسرى، فقدم القوم على أبي بكر رحمه الله بالفتح والسبايا والأسرى. فدعا بالأشعث، فقال: استزلك بنو وليعة، ولم تكن لتستنزل لهم - ولا يرونك لذلك أهلاً - وهلكوا وأهلكوك! أما تخشى أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل إليك منها طرف! ما تراني صانعاً بك؟ قال: إني لا علم لي برأيك، وأنت أعلم برأيك، قال : فإني أرى قتلك . قال : فإني أنا الذي راوضت القوم في عشرة، فما يحل دمي، قال: أفوضوا إليك؟ قال نعم، قال: ثم أتيتهم بما فوضوا إليم فختموه لك؟ قال: نعم، قال: فإنما وجب الصلح بعد ختم الصحيفة على من في الصحيفة، وإنما كنت قبل ذلك مراوضاً.فلما خشى أن يقع به قال: أو تحتسب في خيراً فتطلق إساري وتقيلني عثرني، وتقبل إسلامي، وتفعل بي مثل ما فعلته بأمثالي وترد على زوجتي - وقد كان خطب أم فروة بنت أبى قحافة مقدمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية، فمات رسول صلى الله عليه وسلم وفعل الأشعث ما فعل، فخشى ألا ترد عليه - تجدني خير أهل بلاد لدين الله! فتجافى له عن دمه، وقبل منه، ورد عليه أهله، وقال : انطلق فليبلغني عنك خير، وخلى عن القوم فذهبوا، وقسم أبو بكر في الناس الخمس، واقتسم الجيش الأربعة الأخماس.
قال أبو جعفر: وأما ابن حميد، فإنه قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن الأشعث لما قدم به على بكر، قال: ماذا تراني أصنع بك ؛ فإنك قد فعلت ما علمت ! قال : تمن على فتفكني من الحديد وتزوجني أختك ؛ فإني قد راجعت وأسلمت . فقال أبو بكر: قد فعلت. فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة، فكان بالمدينة بالمدينة حتى فتح العراق.
رجع الحديث إلى حديث سيف . فلما ولى عمر رحمه الله، قال : إنه ليقبح بالعرب أن يملك بعضهم بعضاً. وقد وسع الله، وفتح الأعاجم. واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام إلا امرأة ولدت لسيدها، وجعل فداء كل إنسان سبعة أبعرة وستة أبعرة إلا حنيفة كندة ؛ فإنه خفف عنهم لقتل رجالهم، ومن لا يقدر على فداء لقيامهم وأهل دبا، فتتبعت رجالهم نساءهم بكل مكان. فوجد الأشعث في بني ننهد وبني غطيف امرأتين ؛ وذلك أنه وقف فيها يسأل عن غراب وعقاب ، فقيل: ما تريد إلى ذلك ؟ قال: إن نساءنا يوم النجير خطفهن العقبان والغربان والذئاب والكلام. فقال بنو غطيف: هذا غراب، قال: فما موضعه فيكم؟ قالوا: في الصيانة ، قال: فنعم، وانصرف. وقال عمر : لا ملك على عربي، للذي أجمع عليه المسلمون معه.
قالوا: ونظر المهاجر في أمر المرأة التي كان أبوها النعمان بن الجون أهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فوصفها أنها لم تشتك قط. فردها، وقال: لا حاجة لنا بها، بعد أن أجلسها بين يديه وقال له : لو كان لها عند الله خير لا شتكت. فقال المهاجر لعكرمة: متى تزوجتها؟ قال " وأنتا بعدن، فأهديت إلى بالجند، فسافرت بها إلى مأرب، ثم أوردتها العسكر. فقال بعضهم: دعها فإنها ليست بأهل أن يرغب فيها. وقال بعضهم: دعها فكتب المهاجر إلى أبي بكر رحمه الله يسأله عن ذلك فكتب إليه أبو بكر: إن أباها النعمان بن الجون أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزينها له حتى أمره أن يجيئه بها، فلما جاءه بها قال : أزيدك أنها لم تيجع شيئاً قط، فقال: لو كان لها عند الله خير لا شتكت، ورغب عنها ؛ فارغبوا عنها. فأرسلها وبقي في قريش بعد ما أمر عمر في السبي بالفداء عدة منهم بشرى بنت فيس بن أبي الكيسم، عند سعد بن مالك، فولدت له عمر، وزرعة بنت مشرح عند عبد الله بن العباس ولدت له علياً.
كتب أبو بكر إلى المهاجر يخيره اليمن أو حضرموت ؛ فاختار اليمن، فكانت اليمن على أميرين: فيروز والمهاجر، زكانت حضرموت على أميرين: عبيدة بن سعد على كندة والسكاسك، وزياد بن لبيد على حضرموت.
وكتب أبو بكر إلى عمان الردة: أما بعد، فإن أحب من أدخلتم في أموركم إلى من لم يرتد ومن كان ممن لم يرتد، فأجتمعوا على ذلك، فاتخذوا منها صنائع وائذنوا لمن شاء في الأنصراف، ولا تستعينوا بمرتد في جهاد عدو.
وقال الأشعث بن مئناس السكوني يبكي أهل النجير:
لعمري وما عمري على بهين ... لقد كنت بالقتلى لحق ضنين
فلا غزو إلا يوم أقرع بينهم ... وما الدهر عندي بعدهم بأمين
فليت جنوب الناس تحت جنوبهم ... ولم تمش أنثى بعدهم لجنين
وكنت كذاب البو ريعت ... فأقبلت على بوها إذ كربت بحنين
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن موسى بن عقبة، عن الضحاك بن خليفة، قال: وقع إلى المهاجر امرأتان مغنيتان؛ غنت إحداهما بشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقطع يدها، ونزع ثنيتها ؛ فكتب إليه أبو بكر رحمه الله: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتيمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلو لا ما قد سبقتني فيها لأمرتك بقتلها ؛ لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد، أو يمعاهد فهو محارب.
وكتب إليه أبو بكر في التي تغنت بهجاء المسلمين: أما بعد ؛ فإنه بلغني أنك قطعت يداً امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين، ونزعت تنيتها ؛ فإن كانت ممن تدعى الإسلام فأدب وتقدمه دون المثلة، وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ؛ لو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروهاً ؛ فأقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس ؛ فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص.
وفي هذه السنة - أعني سنة إحدى عشرة - انصرف معاذ بن جبل من اليمن.
وستقضى أبو بكر فيها عمر بن الخطاب، فكان على القضاء أيام خلافته كلها.
وفيها أمر أبو بكر رحمه الله على الموسم عتاب بن أسيد - فيما ذكره الذين أسند إليهم خبره على بن محمد الذين ذكرت قبل في كتابي هذا أسماءهم.
وقال علي بن محمد: وقال قوم: بل حج بالناس في إحدى عشرة عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبي إياه بذلك .
ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة
مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة
قال أبو جعفر، ولما فرغ خالد من أمر اليمامة، كتب إليه أبو بكر الصديق رحمه الله ؛ وخالد مقيم باليمامة - فيما حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري، قال: أخبرنا عمى، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن عمرو بم محمد، عن الشعبي: أن سر إلى العراق حتى تدخلها، وابدأ بفرج الهند، وهي الأبلة، وتألف أهل فارس، ومن كان في ملكهم من الأمم.
حدثني عمر بن شبة، قال حدثنا على بن محمد بالأسناد الذي قد تقدم ذكره، عن القوم الذين ذكرتهم فيه، أن أبا بكر رحمه الله وجه المحرم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة ، وفيها قطبة بن قتادة السدوسي.
قال أبو جعفر: وأما الواقدي، فإنه قال : اختلف في أمر خالد بن الوليد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق . وقائل يقول : رجع من اليمامة، فقدم المدينة، ثم سار إلى العراق من المدينة على كطريق الكوفة؛ حتى انتهى إلى الحيرة.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان ؛ أن أبا بكر رحمه الله كتب إلى خالد بن الوليد يأمره أن يسير إلى العراق، فمضى خالد يريد العراق، حتى نزل بقريات من السواد، يقال لها: بانقياً وباروسما وأليس ؛ فصالحه أهلها، وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا، وذلك في سنة اثنتي عشرة، فقبل منهم خالد الجزية وكتب لهم كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد لأبن صلوبا السوادي - ومنزله بشاطئ الفرات - إنك آمن بأمان الله - إذ حقن دمه بإعطاء الجزية - وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتيك - بانقاً وباروسيما ألف درهم، فقبلتها منك، ورضى من معي من المسلمين بها منك، ولك ذمة الله وذمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وذمة المسلمين على ذلك. وشهد هشام بن الوليد.
ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة، فخرج إليه أشرفهم مع قبيصة بن إياس بن حية الطائي - وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر - فقال له خالد ولأصحابه: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين، لكم ما لهم وعليكم وما عليهم ؛ فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة ؛ جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم.
فقال له قبيضة بن إياس: ما لنا بحربك من حاجة، بل نقيم على ديننا، ونعطيك الجزية. فصالحهم على تسعين ألف درهم، فكانت أول جزية وقعت بالعراق، هي القربات التي صالح عليها ابن صلوبا.
قال أبو جعفر: وأما هشام بن الكلبي ؛ فإنه قال: لما كتب أبو بكر خالد بن الوليد وهو باليمامة أن يسير إلى الشأم ، أمره أن يبدأ بالعراق فيمر بها ؛ فأقبل خالد منها يسير حتى نزل النباج.
قال هشام : قال أبو مخنف: فحدثني أبو الخطاب حمزة بن علي، عن رجل من بكر بن وائل، فقال : أمرني على من قبلي من قومي، أقاتل من يليني من أهل فارس، وأكفيك ناحيتي، ففعل ذلك ؛ فأقبل فجمع قومه وأخذ يغير بناحية كسكر مرة، وفي أسفل الفرات مرة، ونزل خالد بن الوليد النباج والمثنى بن حارثة بخفان معسكر ؛ فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتيه ، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر يأمره فيه بطاعته ؛ فانقص إليه جواداً حتى لحق به، وقد زعمت بنو عجل أنة كان خرج من المثنى بن حارثة رجل منهم يقال له مذعور بن عدي، نازع المثنى بن حارثة، فتكاتبا إلى أبي بكر ؛ فكتب أبو بكر إلى العجلي مصر ، فشرف بها وعظم شأنه ، فداره اليوم بها معرفة ؛ وأقبل خالد بن الوليد يسير، فعرض له جابان صاحب أليس، فبعث إليه المثنى بن حارثة، فقاتله فهزمه، وقتل جل أصحابه، إلى جانب نهر ثم يدعى نهر دم لتلك الوقعة ؛ وصالح خيل كسرى التي كانت في مسالح ما بينه وبين العرب، فلقوهم بمجتمع الأنهار، فتوجه إليهم المثنى بن حارثة، فهزمهم الله.
ولما راى ذلك أهل الحيرة خرجوا يستقبلونه ؛ فيهم عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة وهانئ بن قبضية ، فقال خالد لعبد المسيح: من أين أثرك؟ قال : من ظهر أبي، قال: من أين خرجت؟ قال : من بطن أمي، قال: ويحك ! على أي شئ أنت؟ قال: ويحك!تعقل ؟ قال: نعم وأقيد، قال إنما أسألك، قال: وأنا أجيبك، قال أسلم أنت أم حرب؟ قال : بل سلم قال : فما هذه الحصون التي أرى ؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجئ الحليم فينهاه. ثم قال لهم خالد: إني أدوكم إلى الله وإلى عبادته وإلى الإسلام، فإن قبلتم فلكم مآلنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد جئناكم يقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر . فقالوا: لاحاجة لنا في حربك، فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم، فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق. ثم نزل على بانقياً، فصالحه بصيري بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان ؛ وكتب لهم كتاباً وكان صالح خالد أهل الحيرة على أن يكونوا له عيوناً، ففعلوا.
قال هشام، عن أبي مخنف، قال : حدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: أقرأني بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن:
من خالد بن الوليد إلى مرازية أهل فارس ؛ سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فالحمد لله الذي فض خدمتكم ، وسلب ملككم، ووهن كيدكم. وإنه من صلى صلاتنا ؛ واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا ؛ فذلك المسلم الذي له مالنا، وعليه ما علينا. أما بعد، فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلى بالرهن، واعتقدوا منى الذمة، وإلا فوالذي لا إله لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة.
فلما قرءوا الكتاب، أخذوا يتعجبون، وذلك سنة اثنتي عشرة.
قال أبو جعفر: وأما غير ابن إسحاق وغير هشام ومن ذكرت قوله من قبل، فإنه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري، قال: حدثني عمي، عن سيف بن عمر، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة، كتب إليه أبو بكر رحمه الله: إن الله فتح عليك فعارق حتى تلقى عياضاً. وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين النباج والحجاز: أن سر حتى تأتي المصيخ فابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها، وعارق حتى تلقى خالداً. وأذنا لمن شاء بالرجوع، ولا تستفتحا بمتكاره.
ولما قدم الكتاب على خالد وعياض، وأذنا في القفل عن أمر أبي بكر قفل أهل المدينة وما حولها وأعروهما ، فاستمدا أبا بكر، فأمد أبو بكر خالداً بالقعقاع بن عمرو التيمي، فقيل له : أتمد رجلاً قد ارفض عنه جنزده برجل! فقال: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا. وأمد عياضاً بعبد بن عوف الحميري، وكتب إليهما أن استنفرا من قاتل أهل الردة، ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يغزون معكم أحد ارتد حتى أرى رأيي. فلم يشهد الأيام مرتد.
فلما قدم الكتاب على خالد بتأمير العراق، كتب إلى حرملة وسلمى والمثنى ومذعور باللحاق به، وأمرهم أن يواعدوا جنود هم الأبلة، وذلك أن أبا بكر أمر خالداً في كتابه: إذا دخل العراق أن يبدأ بفرج أهل السند والهند - وهو يومئذ الأبلة - ليوم قد سماه، ثم حشر من بينه وبين العراق، فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه، فقدم في عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممن كان مع الأمراء الأربعة - يعني بالأمراء الأربعة: المثنى، ومذعوراً، وسلمى، وحرملة - فلقى هروز في ثمانية عشر ألفاً حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمتي، عن سيف، عن المهلب الأسدي عن عبد الرحمن بن سياه، وطلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتيبة، قالوا: كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد، إذ أمره على حرب العراق ؛ أن يدخلها من أسفلها . وإلى عياض إذ أمره على حرب العراق ؛ أن يدخلها من أعلاها ؛ ثم يستبقا إلى الحيرة، فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه، وقال: إذا اجتمعتما بالحيرة، وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ولصاحبه بالحيرة ؛ وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم ومستقر عزهم ؛ المدائن.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي عن سيف عن المجالد، عن الشعبي، قال: كتب خالد إلى هرمز قبل خروجه مع آزاذبه - أبي الزياذبة الذين باليمامة - وهرمز صاحب الثغر يومئذ: أما بعد، فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية ؛ وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
قال سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتيبة - وكان قاضي أهل الكوفة - قال: فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريق واحدة. فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر، وسرح عدي بن حاتم وعاصم بن عمرو ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم ؛ وخرج خالد ودليله رافع ؛ فواعدهم جميعاً الحفير ليجتمعوا به وليصادموا به عدوهم ؛ وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأناً، وأشدها شوكة، وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر.
قال - وشاركه المهلب بن عقبة وعبد الرحمن بن سياه الأحمري، الذي تنسب إليه الحمراء سياه - قال: لما قدم كتاب خالد على هرمز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى وإلى أردشير بن شيرى وجمع جموعه، ثم تعجل إلى الكواظم في سرعامن أصحابه ليتلقى خالداً، وسبق حلبته فلم يجدها طريق خالد، وبلغه أنهم تواعدوا الحفير، فعاج يبايبادره إلى الحفير فنزله، فتبعني به
يبادره إلى الحفير فنزله، فتبعني به، وجعل على مجنبته أخوين يلاقيان أرد شير وشيرى إلى أردشير الأكبر، يقال لهما: فماذا وأنو شجان، واقترنوا في السلاسل، فقال من لم ير ذلك لمن رآه: قيدتم أنفسكم لعدوكم، فلا تفعلوا ؛ فإن هذا طائر سوء. فأجابوهم وقالوا: أما أنتم فحدثوننا أنكم تريدون الهرب. فلما أتى الجبر خالداً بأن هرمز في الحفير أمال الناس إلى كاظمة، وبلغ هرمز ذلك. فبادره إلى كاظمة فنزلها وهو حسير ؛ وكان من أسوأ أمراء ذلك الفرج جوراً للعرب، فكل العرب عليه مغيظ ؛ وقد كانوا ضربوه مثلاً في الخبث حتى قالوا: أخبث من هرمز، وأكفر من هرمز. وتعبني هرمز وأصحابه واقترنوا في السلاسل، والماء في أيديهم. وقدم خالد عليهم فنزل على غير ماء، فقالوا له في ذلك، فأمر مناديه، فنادى: ألا انزلوا وحطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين ؛ فحطت الأثقال والخيل وقوف، وتقدم الرجل، ثم زحف إليهم حتى لاقاهم ؛ فاقتتلوا ؛ وأرسل الله سحابة فأغزرت ما وراء صف المسلمين ، فقواهم بها ؛ وما ارتفع النهار وفي الغائط مقترن.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن عبد الملك لن عطاء البكائي ؛ عن المقطع بن الهيثم البكائي بمثله، وقالوا: وأرسل هرمز أصحابه بالغد ليغدروا بخالد، فواطئواه على ذلك، ثم خرج هرمز، فنادى رجل ورجل: أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عهده، فلما نزل خالد نزل هرمز، ودعاه إلى المنزل فنزل خالد فمشى إليه، فالتقيا فاختلفا ضربتين، واحتضنه خالد، وحملت حامية هرمز وغدرت، فاستلحموا خالداً فما شغله ذلك عن قتله. وحمل القععقاع بن عمرو واستلحم حماة هرمز فأناموا ؛ وإذا خالد يماصعهم ، وانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وجمع خالد الرثاث وفيها السلاسل، فكانت وقر بعير ؛ ألف رطل، فسميت ذات السلاسل، وأفلت قباذ وأنو شجان.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن عمرو بن محمد ؛ عن الشعبي، قال: كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف. فكان هرمز ممن تم شرفه، فكانت قيمتها مائة ألف ؛ فنفلها أبو بكر خالداً، وكانت مفصصة بالجوهر، وتمام شرف أحدهم أن يكون من بيوتات حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، نعن سيف، عن محمد بن نويرة، عن حنظلة بن زياد بن حنظلة، قال: لما تراجع الطلب من ذلك اليوم، نادى منادي خالد بالرحيل، وسار بالناس، واتبعته الأثقال ؛ حتى ينزل بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم، وقد أفلت قباذ وأنوشجان، وبعث خالد بالفتح وما بقي من الأخماس وبالفيل، وقرأ الفتح على الناس . ولما قدم زر بم كليب بالفيل مع الأخماس، فطيف به في المدينة ليراه الناس. جعل ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق الله ما نرى! ورأينه مصنوعاً، فرده أبو بكر مع زر. قال ولما نزل خالد موضع الجسر الأعظم اليوم بالبصرة ؛ بعث المثنى بن حارثة في آثار القوم ؛ وأرسل معقل بن مقرن المزني إلى الأبلة ليحجمع له مالها والسبي، فخرج معقل حتى نزل الأبلة فجمع الأموال والسبايا.
قال أبو جعفر: وهذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح، وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر رحمه الله، وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة ؛ وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله.
رجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمد بن نويرة، عن حنظلة بن زياد، قال: وخرج المثنى حتى انتهى إلى نهر المرأة، فانتهى إلى الحصن الذي فيه المرأة، فخلف المعنى بن حارثة عليه، فحاصرها في قصرها، ومضى المثنى إلى الرجل فحاصره ثم استنزلهم عنوة ؛ فقتلهم واستفاء أموالهم ؛ ولما بلغ ذلك المرأة صالحت المثنى وأسلمت، فتزوجها المعنى، ولم يحرك خالد وأمراؤه الفلاحين في شئ من فتوحهم لتقدم أبي بكر إليه فيهم، وسبى أولاد المقاتلة الذين كانوا يقومون بأمور الأعاجم، وأقر من لم ينهض من الفلاحين ؛ وجعل لهم الذمة ؛ وبلغ سهم الفارس في يوم ذات السلاسل والثنى ألف درهم، والراجل على الثلث من ذلك.
ذكر وقعة المذار
قال: وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتي عشرة، ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار . حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن زياد والمهلب، عن عبد الرحمن بن سياه الأحمري.
وأما فيما كتب به إلى السري، عن شعيب، عن سيف، فإنه عن سيف، عن المهلب بن عقبة وزياد بن سرجس الأحمري وعبد الرحمن بن سياه الأحمري وسفيان الأحمري، قالوا: وقد كان هرمز كتب إلى أردشير وشيرى بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، فأمده بقارن بن قريانس، فخرج قارن من المدائن ممداً لهرمز ؛ حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة ؛ وانتهت إليه الفلال السواد والجبل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبداً؛ فاجتمعوا على العود مرة واحدو، فهذا مدد الملك وهذا قارن، لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منا ففعلوا وعسكروا بالمذار، واستعمل قارن على مجنبته قباذ وأنوشجان، وأرز المثنى والمعنى إلى خالد بالخبر ؛ ولما انتهى الخبر إلى خالد عن قارن قسم الفئ على من أفاءه الله عليه، ونفل من الخمس ما شاء الله، وبعث ببقيته وبالفتح إلى أبى ابن عقبة - والعرب تسمى كل نهر الثنى - وخرج خالد سائراً حتى ينزل المذار على قارن في جموعه، فالتقوا وخالد على تعبيته، فاقتتلوا على حنق وحفيظة، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش، فابتدراه، فسبقه إليه معقل، فقتله وقتل عاصم الأنوشجان، وقتل عدي قباذ . وكان شرف قارن قد النتهى ؛ ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحداً انتهى شرفه في الأعاجم، وقتلت فارس مقتله عظيمة ؛ فضموا السفن، ومنعت المياه المسلمين من طلبهم، وأقام خالد بالمذار، وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفئ ونفل من الأخماس أهل البلاء، وبعث ببقية الأخماس، ووفد وفداً مع سعيد بن النعمان أخي بني عدي بن كعب.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفاً سوى من غرق ولولا المياه لأتى على آخرهم ؛ ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة وأشباه العراة.
قال سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبي، قال: كان أول من لقي خالد مهبطه العراق هرمز بالكواظم، ثم نزل الفرات بشاطئ دجلة ؛ فلم يلق كيداً، وتبحبح بشاطئ دجلة، ثم الثنى، ولم يلق بعد هرمز أحداً إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التي قبلها، حتى أتى دومة الجندل، وزاد سهم الفارس في يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل. فأقام خالد بالثنى يسبي عيالات النقاتلة ومن أعانهم، وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوزا، وكل ذلك أخذ عنوة ولكن دعوا إلى الجزاء ، فأجابوا وتراجعوا، وصاروا ذمة وصارت أرضهم لهم كذلك جرى ما لم يقسم فإذا اقتسم فلا.
وكان في السبي حبيب أبو الحسن - يعني أبا الحسن البصري - وكان نصرانياً، وما فنة مولى عثمان، وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة.
وأمر على الجند سعيد بن النعمان، وعلى الجزاء سويد بن مقرن المزني، وأمره بنزول الحفير، وأمرهي ببث عماله ووضع يده في الجباية، وأقام لعدوه يتحسس الأخبار.
ذكر وقعة الولجة ثم كان أمراً الولجة في صفر من سنة اثنتي عشرة ؛ والولجة مما يلي كسكر من البر.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، قال " حدثني سيف، عن عمرو والمجالد عن الشعبي قال لما فرغ خالد من الثنى وأتى الخبر أردشير، بعث الأندر زغر ؛ وكان فارسياً من مولدي السواد.
حدثنا عبيد الله قال: حدثني عمي، قال: حدثني سيف، عن زياد بن سرجس، عن عبد الرحمن بن سياده، قال - وفيما كتب به إلى السرى، قال حدثنا شعيب ؛ قال حدثنا سيف، عن المهلب بن عقبة وزياد بن سرجيس وعبد الرحمن بن سياده - قالوا: لما وقع الخبر بأرد شير بمصاب قارن وأهل المذار، أرسل الأنذار زغر ؛ - وكان فارسياً من مولدي السواد وتنائهم ؛ ولم يكن ممن ولد في المدائن ولا نشأ بها - وأرسل بهمن جاذويه في أثره في جيش، وأمره أن يعبر طريق الأنذرزعر ؛ وكان الأنذازعر قبل ذلك على فرج خراسان ؛ فخرج الأنذرزغر سائراً من المدائن حتى أتى كسكر، ثم جازها إلى الولجة، وخرج بهمن جاذويه في أثر كسكر، من عرب الضاحية والد هاقين فعسكروا إلى جنب عسكره بالولجة ؛ فلما اجتمع له ما أراد واستم أعجبه ما هو فيه، وأجمع السير إلى خالد ؛ ولما بلغ خالداً وهو بالثنى خبر الأنذرزعر ونزوله الولجة، نادى بالرحيل، وخلف سويد بن وأمرهم بالحذر وقلة الغفلة، وترك الإغترار، وخرج سائراً في الجنود نحو الولجة، حتى ينزل على الأندرزغر وجنوده ومن تأشب إليه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ هو أعظم من قتال الثنى.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمتي، عن سيف، عن محمد بن أبي عثمان، قال: نزل خالد على الأندرزعر بالولجة في صفر، فاقتتلوا بها قتالاً شدياً، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، واستبطأ خالد كمينه ؛ وكان قد وضع لهم كميناً في ناحيتين، عليهم بسرين أبي رهم وسعيد بن مرة العجلي، فخرج الكمين في وجهين، فانهزمت صفوف الأعاجم وولوا، فأخذهم خالد من بين أيديهم والكمين من خلفهم، فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه؛ ومضى الأندرزعر في هزيمته، فمات عطشاً . وقام خالد في الناس خطيباً يرغبهم في بلاد العجم، ويزهدهم في بلاد العرب، وقال: ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش، لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولى الجوع والإقلاع من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه. وسار خالد في الفلاحين بسيرته فلم يقتلهم، وسبى ذراري المقاتلة ومن أعانهم، ودعا أهل الأرض إلى الجزاء والذمة، فتراجعوا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن شيف - وحدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمتي، عن سيف - عن عمرو، عن الشعبي، قال: بارز خالد يوم الولجة رجلاً من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه، ودعا بغدائه. وأصاب في أناس من بكر بن وائل ابناً لجابر بن بجير وابناً لعبد الأسو.
خبر أليس، وهي صلب الفرات
قال أبو جعفر، حدثنا عبيد الله، قال حدثني عمي، قال: حدثنا سيف، عن محمد بن طلحة، عن أبي عثمان وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عتيبة. وأما السرى فإنه قال فيما كتب إلى : حدثنا شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عتيبة، قالا: ولما أصاب خالد يوم الولجة من أصاب من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا أهل فارس غضب لهم نصارى قومهم؛ فكاتبوا الأعاجم وكاتبهم الأعاجم ؛ فاجتمعوا إلى أليس، وعليهم عبد الأسود العجلي، وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلمو بني عجل: عتيبة بن النهاس وسعيد بن مروة وفرات بن ح0يان والمثنى بن لاحق ومذعور بن عدي. وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه، وهو بقسيانا وكان رافد فارس في كل يوم رافد قد نصب لذلك يرفدهم عند الملك ؛ فكان رافدهم بهمن روز أن سرحتي تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب. فقدم بهمن جاذويه جابان وأمره بالحث، وقال كفكف نفسك وجندك من قتال القوم حتى ألحق بك إلا أن يعجلوك. فسار جابان نحو أليس ؛ وانطلق بهمن جاذويه إلى أرشير ليحدث به عهداً، وليستأمره فيما يريد أن يشير به، فوجده مريضاً ؛ فعرج عليهخ، وأخلى جابان بذلك الوجه، ومضى حتى أتى أليس، فنزل بها في صفر، واجتمعت إليه المسالح التي كانت بإزاء العرب ؛ وعبد الأسود في نصارى العرب من بني عجل زتيم اللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة ؛ وكان جابر بن بجير نصرانياً، فساند عبد الأسود ؛ وقد كان خالد بلغه تجمع عبد الأسود وجابر وزهير فيمن تأشب إليهم، فنهد لهم ولا يشعر بدنو جابان، وليست لخالد همة إلا من تجمع له من عرب الضاحية ونصاراهم ؛ فأقبل فلما طلع على جابان بأليس، قالت الأعاجم لجابان: أنعاجلهم أم نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم، ثم نقاتل بعد الفراغ؟ فقال جابان: إن تركوكم والتهاون بكم فتهاونوا، ولكن ظني بهم أن سيعجلونكم ويعجلونكم عن الطعام . فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة، وتداعوا إليها، وتوافوا عليها. فلما انتهى خالد إليهم ، وقف وأمر بحط الأثقال، فلما وضعت توجه إليهم، ووكل خالد بنفسه حوامى يحمون ظهره، ثم بدر أمام الصف، فنادى: أين أبجر؟ أين عبد الأسود؟ أين مالك بن قيس؟ رجل من جذرة ؛ فنكلوا عنه جميعاً إلا مالكاً، فبرز له، فقال له خالد: يا بن الخبيثة، ما جرأك على من بينهم، وليس فيك وفاء! فضربه فقتله، وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوا ؛ فقال جابان: ألم أقل لكم يا قوم ! أما الله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم ؛ فقالوا حيث لم يقدوا على الأكل تجلداً: ندعها حتى نفرغ منهم ؛ ونعود إليها. فقال جابان: وأيضاً أظنكم والله لهم وشعتموها وأنتم لا تشعرون ؛ فالآن فأطيعوني ؛ سموها ؛ فإن كانت لكم فأهون هالك، وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئأً ؛ وأبليتم عذراً. فقالوا: لا اقتداراً عليكم. فجعل جابان على مجنبتيه عبد الأسود وأبجر ؛ وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها، فاقتتلوا قتالاً شديداً، والمشركون يزيدهم كلباً وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين للذي كان في علم الله أن يصيرهم إليه، وحرب المسلمون عليهم، وقال خالد: اللهم إن لك على نهرهم بدمائهم! ثم أن الله عز وجل كشفهم للمسلمين، ومنحهم أكتافهم، فأمر خالد مناديه، فنادى في الناس: الأسر الأسر! لا تقتلوا إلا من امتنع ؛ فأقبلت اليول بهم أفواجاً مستأسرين يساقون سوقاً، وقد وكل بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد ؛ حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جوانب أليس فضرب أعناقهم، وقال له القعقاع وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم ؛ إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان، ونهيت الأرض عن نشف الدماء ؛ فأرسل عليها الماء تبر يمينك. وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده، فجرى دماً عبيطاً فسمى نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم.
وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصية، قال: وبلغنا أن الأرض لما نشف دم ابن آدم نهيت عن نشف الدماء ونهى الدم عن السيلان إلا مقدار برده.
ولما هزم القوم وأجلوا عن عسكرهم ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه ؛ وقف خالد على الطعام ، فقال : قد نفلتكموه فهو لكم. وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى على كعام مصنوع نفله. فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل، وجعل من لم ير الأريلف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاق البيض! وجعل من قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازجاً: هل سمعتم برفيق العيش؟ فيقولن: نعم ، فيقول: هو هذا ؛ فسمى الرقاق، وكانت العرب تسمية القرى.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، قال: حدثنا سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، عمن حدث، عن خالد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خبير الخبر والطبيخ والشواء، وما أكلوا غير ذلك في بطونهم غير متأثليه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن المغيرة، قال: كانت على النهر أرحاء، فطحنت بالماء وهو أحمر قوت العسكر؛ ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون ثلاثة أيام. وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلاً من بني عجل، وكان دليلاً صارماً، فقدم على أبي بكر بالخبر، وبفتح أليس، وبقاه الفئ وبعدة السبي، وبما ح0صل من الخماس؛ وبأهل البلاء من الناس؛ فلما قدم على أبي بكر، فرأى صرامته وثبات خبره، قال: ما إسمك؟ قال جندل، قال : ويهاً جندل!
نفس عصام سودت عصاما ... وعودته الكر والإقداما
وأمر له بجارية من ذلك السبي، فولدت له.
قال: وبلغت قتلاهم من أليس سبعين ألفاً جلهم من أمغيشياً.
قال أبو جعفر: قال لنا عبيد الله بن سعد: قال عمي: سألت عن أمغيشياً بالحيرة فقيل لي منشياً، فقلت لسيف، فقال: هذاان إسمان .
حديث أمغشياً في صفر وأفاءها الله عز وجل بغير خيل.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان وطلحة، عن المغيرة، قال : لما فرغ خالد من وقعة أليس، نهض فأتى أمغشيياً، وقد أعجلهم عما فيها، وقد جلا أهلها ؛ وتفرقوا في السواد، ومن يومئذ صارت السكرات في السواد ؛ فأمر خالد بهدم أمغيشياً وكل شئ كان فيحيزها، وكانت مصراً كالحيرة ؛ وكان فرات بادقلي ينتهي إليها، وكانت أليس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قط.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن بحر بن الفرات العجلي، عن أبيه، قال: لم يصب المسلمون فيما بين السلاسل وأمغيشياً مثل شئ أصابوه في أمغيشيا، بلغ سهم الفارس ألفاً وخمسمائة، سوى النفل الذي نفله أهل البلاء. وقالوا جميعاً: قال أبو بكر رحمه الله حين بلغه ذلك: يا معشر قريش - يخبرهم بالذي أتاه: عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله ؛ أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد! حديث يوم المقر وفم فرات بادقلي قال أبو جعفر: كتب إلى السرى، عن شعيب عن سيف عن محمد عن أبي عثمان وطلحة، عن المغيرة: أن الآزاذبه كان مرزبان الحيرة أزمان كسرى إلى ذلك اليوم؛ فكانوا لا يمد بعضهم بعضاً إلا بإذن الملك، وكان قد بلغ نصف الشرف، وكان قيمة قلنسوته خمسين ألفاً؛ فلما أخرب خالد أمغشياً، وعاد أهلها سكرات لدهاقين القرى علم الآزاذيه أنه غير متروكط، فأخذ في أمره وتهيأ لحرب خالد، وقدم ابنه ثم خرج في أثره حتى عسكر خارجاً من الحيرة؛ وأمر ابنه بسد الفرات، ولما استقل خالد من أمغيشاً وحمل الرجل في السفن مع الأنفال والأثقال، لم يفجأ خالد إلا فسلك الماء غير طريقه ؛ فلا يأتينا الماء إلا بسد الأنهار، فتعجل خالد في خيل نحو ابن الآزاذيه، فتلقاه على فم العتيق خيل من خيله ؛ فجأهم وهم آمنوا لغارة خالد في تلك الساعة، فأنامهم بالمقر، ثم سار من فوره وسبق الأخبار إلى ابن الآزاذبة حتى يلقاه وحنده على فم فرات بادقلي؛ فاقتتلوا فأنامهم ؛ وفجر الفرات وسد الأنهار وسلك الماء سبيله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان وطلحة عن المغيرة، وبحر عن أبيه، قالوا. وحدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي ، قال حدثنا سيف عن محمد عن أبي عثمان، قال حدثني عمي، قال حدثنا سيف، عن محمد عن أبي عثمان، وطلحة عن المغير، قالا: لما أصاب خالد ابن الآزاذبه على فم فرات بادقلي، قصد للحيرة، واستلحق أصحابه، وسار حتى ينول بين الخورنق والنجف، فقدم خالد الخورنق، وقد قطع الآزاذبه الفرات هارباً من غير قتال؛ وإنما حداه على الهرب أن الخبر وقع إليه بموت أردشير ومصاب ابنه، وكان عسكره بين الغريين والقصر الأبيض. ولما تتام أصحاب خالد إليه بالخوانق خرج من العسكر حتى يعسكر بموضع عسكر الآزاذبه بين الغريين والقصر الأبيض، وأهل الحيرة متحصنون، فأدخل خالد الحيرة الخيل من عسكره، وأمر بكل قصر رجلاً من قواده يحاصر أهله ويقاتلهم، فكان ضرار بن الخطاب محاصراً القصر الأبيض، وفيه إياس بن قبيصة الطائي، المقتول، وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة إخوة له محاصراً قصر بني ابن عبد المسيح؛ فدعوهم جميعاً، وأجلوهم يوماً، فأبى أهل الحيرة ولجوا، فناوشهم المسلمون.
حدثني عبيد الله بن سعد، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، رجل من بني كنانة - قال أبو جعفر: هكذا قال عبيد الله. وقال السرى فيما كتب به إلى: حدثنا شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة - قال عهد خالد إلى أمرائه أن يبدءوا بالدعاء، فإن قبلوا قبلوا منهم وإن أبوا أن يؤجلوهم يوماً، وقال: لا تمكنوا عدوكم من آذنكن، فيتربصوا بكم الدوائر؛ ولكن ناجزوهم ولا ترددوا المسلمين عن قتال عدوهم. فكان أول القواد أنشب القتال بعد يوم أجلوهم فيه ضرار بن الأزور، وكان على قتال أهل القصر الأبيض، فأصبحوا وهم مشرفون ؛ فدعاهم إلى إحدى ثلاث: الإسلام، أو الجزاء، او المنابذة، فاختاروا المنابذة وتنادوا: عليكم الخزازيف ، فقال ضرار: تنجوا لا ينالكم الرمى ؛ حتى ننظر في الذي هتفوا به. فلم يلبث أن امتلأ رأس القصر من رجال متعلق المخالي، يرمون المسلمين بالخزازيف - وهي المداحي من الخزف - فقال ضرار: ارشفوهم، فدنوا منهم فرشقوهم بالنبل، فأعروا رءوس الحيطان، ثم بثوا غارتهم فيمن يليهم، وصبح أمير كل قوم أصحابه بمثل ذلك ، فافتتحوا الدور والديرات، وأكثروا القتل، فنادى القسيسون والرهبان: يا أهل القصور، ما يقتلنا غيركم. فنادى أهل القصور: يا معشر العرب، قد قبلنا واحدة من ثلاث؛ فاعوا بنا وكفوا عنا حتى تبلغونا خالداً. فخرج إياس بن قبيضة وأخوه إلى ضرار بن الأزور، وخرج عدى بن عدي وزيد بن عدي إلى ضرار بن الخطاب - وعدي الأوسط الذي رئته أمه وقتل يوم ذي قار - وخرج عمرو بن عبد المسيح وأبن أكال، هذا إلى ضرار بن مقرن، وهذا إلى المثنى بن حارثة، فأرسلوهم إلى خالد وهم على مواقفهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، قالا: كان أول من طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح ابن قيس بن حيان بن الحارث وهو بقيلة - وإنما سمى بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا: يا حار ما أنت إلا بقيلة خضراء - وتتابعوا على ذلك، فأرسلهم الرؤساء إلى خالد، مع كل رجل منهم دون الآخرين، وبدأ بأصحاب عدي، وقال: ويحكم! ماأنتم! أعرب؟ فما تنقمون من العرب! أو عجم؟ فما تنقمون من الأنصاف والعدل! فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو كنتم كما تقول لم تحادونا وتكرهوا أمرنا، فقال له عدي: ليدلك على ما تقولون أنه ليس لنا لسان إلا العربية، فقال: صدقت . وقال : اختاروا واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم ما لنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجرة ؛ فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة. فقال: بل تعطيك الجزية، فقال خالد: تباً لكم، ويحكم! إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكها فلقيه دليلان: أحدهما عربي فتركه واستدل العجمي. فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفاً؛ وتتابعوا على ذلك، وأهدوا له هدايا، وبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر رحمه الله مع الهذيل الكاهلي، فقبلها أبو بكر من الجزاء، وكتب إلى خالد أن احسب لهم هديتهم من الجزاء، إلا أن تكون من الجزاء، وخذ بقية ما عليهم فقو بها أصحابك: وقال ابن بقيلة:
أبعد المنذرين أرى سواماً ... تروح بالخوانق والسدير!
وبعد فوارس النعمان أرعى ... قلوصاً بين مرة والحفير
فصرنا بعد هلك أبي قبيس ... كجرب المعز في اليوم المطير
تقسمنا القبائل من معد علانية كأيسار الجزور
وكنا لا يرام لنا حريم ... فنحن كضرة الضرع الفخور
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنضير
كذاك الدهر دولته سجال ... فيوم من مساءة أو سرور
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم عن رجل من بني كنانة، ويونس بن أبي إسحاق بنحو منه، وقالا: فكانوا يختلفون إليه ويقدمون في جوائجهم عمرو بن عبد المسيح فقال له خالد: كم أتت عليك من السنين قال: مئو سنين، قال: فما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة، تخرج المرأة من الحيرة فلا تزود إلا رغيفاً. فتبسم خالد، وقال: هل لك م شيخك إلا عمله خرقت والله يا عمرو! ثم أقبل على أهل الحيرة فقال: ألم يبلغني أنكم خبثة خدعه مكرة ! فما لكم تتناولون حوائجكم بخرف لا يدري من أين جاء! فتجاهل له عمرو وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف بع عقله، ويستدل به على صحة ما حدثة به، فقال : وحقك أيها الأمير، إني لأعرف من أين ج - ئت؟ قال: فمن أين جئت؟ قال: أقرب أم أبعد؟ قال: ما شئت، قال: من بطن أمي، قال: فأين تريد؟ قال: أمامي، قال: وما هو؟ قال: الآخرة . قال فمن أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي، قال فوجده حين جاهلها، وقتل أرضاً عالمها ؛ والقوم أعلم بما فيهم. فقال عمرو: أيها الأمير. النملة أعلم بما في بيتها من الجمل بما في بيت النملة. وشاركهم في هذا الحديث من هذا المكان محمد بن أبي السفر، عن ذي الجوشن الضبابي، وأما الزهري فإنه حدثنا به، فقال شاركهم في هذا الحديث رجل من الضباب.
قالوا: وكان مع ابن بقيلة منصف له فعلق كيساً في حقوه، فتناول خالد الكيس، ونثر ما فيه في راحته، فقال: ما هذا يا عمرو؟ قال: هذا وأمانة الله سم ساعة، قال: لم تحتقب السم؟ قال: حشيت أن تكونوا على غير ما رأيت، وقد أتيت على أجلي، والموت أحب إلى من مكروه أدخله على قومي وأهل قريتي. فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، وقال بمم الله خير الأسماء، رب الأرض ورب السماء، الذي ليس يضر مع إسمه داء، الرحمن الرحيم. فأهووا إليه ليمنعوه منه، وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن . وأقبل على أهل الحيرة، فقال: لم أر كاليوم أمراً أوضح إقبالاً!
وأبي خالد أن يكاتبهم إلا على إسلام كرامة بنت عبد المسيح إلى شويل ؛ فثقل ذلك عليهم، فقالت: هونوا عليكم وأسلموني، فإني سأفتدى. ففعلوا ؛ وكتب خالد بينه وبينهم كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عدياً وعمراً ابني عدي، وعمرو بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيري بن أكال - وقال عبيد الله: جبري - وهم نقباء أهل الحيرة ؛ ورضى بذلك أهل الحيرة، وأمروهم به - عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم، تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا ؛ رهبانهم وقسيسهم ؛ إلا من كان منهم على غير ذي يد، حبيساً عن الدنيا، تاركاً لها - وقال عبيد الله: إلا من كان غير ذي يد حبيساً عن الدنيا تاركاً لها - أوسائحاً تاركاً للدنيا، وعلى المنعة، فإن لم يمنعهم فلا شئ عليهم حتى يمنعهم، وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة. وكتب في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة، ودفع الكتاب إليهم.
فلما كفر أهل السواد بعد موت أبي بكر استخفوا بالكتاب، وضيعوه، وكفروا فيمن كفر، وغلب عليهم أهل فارس ؛ افتتح المثنى ثانية ؛ أدلوا بذلك، فلم يجيبهم إليه، وعاد بشرط آخر ؛ فلما غلب المثنى على البلاد كفروا وأعانوا واستخفوا وأضاعوا الكتاب. فلما افتتحها سعد ةأدلوا بذلك سألهم واحداً من الشرطين، فلم يجيئوا بهما ؛ فوضع عليهم وتحرى ما يرى أنهم مطيقون ، فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الحرزة - قال عبيد الله: سوى الخرزة .
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف - والسري، عن شعيب، عن سيف - عن الغصن بن القاسم الكناني عن رجل من بني كنانة ويونس بن أبي إسحاق، قالا: كان جرير بن عبد الله ممن خرج مع خالد بن سعيد بن العاصى إلى الشأم، فاستأذن الداً إلى أبي بكر ليكلمه في قومه وليجمعهم له ؛ وكانوا أوزاعاً في العرب، وليتخلصهم ؛ فأذن له، فقدم على أبي بكر، فذكر له عدة من النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه على العدة بشهود، وسأله إنجاز ذلك، فغضب أبو بكر، وقال له: ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين ممن بإزائهم من الأسدين فارس والروم؛ ثم أنت تكلفني التشاغل بما لا ينبغي عما هو أرضى لله ولرسوله! دعني وسر نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله في هذين الوجهين.
فسار حتى قدم على خالد وهو بالحيرة، ولم يشهد شيئاً مما كان بالعراق إلا ما كان بعد الحيرة ؛ ولا شيئاً مما كان خالد فيه من أهل الردة. وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة :
سقى الله بالفرات مقيمة ... وأخرى بأنباج النجاف الكوانف
فنحن وطئنا بالكواظم هرمزاً ... وبالثنى قرني قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت ... على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كاد عرشهم ... يميل بهم فعل الجبان المخالف
رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا ... غبوق المنايا حول تلك المحارف
صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا ... إلى الريف من أرض العريب المقانف
خبر ما بعد الحيرة حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن جميل الطائي، عن أبيه، قال: لما أعطى شويل كرامة بنت عبد المسيح قلت لعدي بن حاتم: ألا تعجب من مسألة شويل كرامة بنت المسيح على ضعفه!قال: كان يهرف بها دهره، قال وذلك أني لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما رفع له من البلدان، فذكر الحيرة فيما رفع له، وكأن شرف قصورها أضراس الكلاب ؛ عرفت أن قد أريها، وأنها ستفتح، فلقيته مسألتها.
وحدثنا عبيد الله، قال: حدثني، عن سيف، قال: قال لي عمرو والمجالد، عن الشعبي - والسري، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي - قال: لما قدم شويل إلى خالد، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتح الحيرة، فسألته كرامة، فقال: هي لك إذا فتحت عنوة. وشهد له بذلك، وعلى ذلك صالحهم ؛ فدفعها إليه، فاشتد ذلك على أهل بيتها وأهل قريتها ما وقعت فيه، وأعظموا الخطر، فقالت " : لا تخطروه، ولكن اصبروا؛ ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة! فإنما هذا أحمق رآني في شبيبتي فظن أن الشاب يدوم. فدفعوها إلى خالد ؛ فدفعها خالد إليه، فقالت: ما رأبك إلى عجوز كما ترى!فادنى، قال: لا، إلا على حكمي، قالت: فلك حكمك مرسلً. فقال: لست لأم شويل إن نقصك من ألف درهم! فاستكثرت ذلك لتخدعه، ثم أتته بها. فرجعت إلى أهلها، فتسامع الناس بذلك، فعنفوه، فقال: ما كنت أرى أن عدداً يزيد على ألف!فأبوا عليه إلا أن يخاصمهم فخاصمهم ، فقال: كانت نيتي غاية العدد، وقد ذكروا أن العدد يزيد على ألف، فقال خالد: أردت أمراً وأراد الله غيره ؛ نأخذ بما يظهر وندعك ونيتك، كاذباً كنت أو صادقاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: لما فتح خالد الحيرة صلى صلاة الفتح ثماني ركعات لا يسلم فيهن، ثم انصرف، وقال: لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف، وما لقيت قوماً كقوم لقيتهم من أهل فارس؛ وما لقيت من أهل فارس قوماً كأهل أليس! حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبي، قال صلى خالد صلاة الفتح ، ثم انصرف . ثم ذكر مثل حديث السري.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف - والسري، عن شعيب، عن سيف - عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم - وكان قدم مع جرير على خالد - قال: أتينا خالداً بالحيرة وهو متوشح قد شد ثوبه في عنقه يصلي فيه وحده، ثم انصرف، فقال: اندق في يدي تسعة أسياف يوم مؤتة، ثم صبرت في يدي صفيحة يمانية، فما زالت معي.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عتيبة والغصن ابن القاسم، عن رجل من بني كنانة وسيفان الأحمري عن ماهان، قال: ولما صالح أهل الحيرة خالداً خرج صلوباً بن نسطوناً صاحب قس الناطف، حتى دخل على خالد عسكره؛ فصالحه على بانقياً وبسماً، وضمن له ما عليهما وعلى أرضهما من شاطئ الفرات جميعاً، واعتقد لنفسه وأهله وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة، خرزة كسرى؛ وكانت على كل رأس أربعة دراهم، وكتب لهم كتاباً فتموا وتم، ولم يتعلق عليه في حال غلبة فارس بغدر، وشاركهم المجالد في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلو بابن نسطونا وقومه ؛ إني عاهدتكم على الجزية والمنعة؛ على كل ذي يد؛ بانقياً وبسماً جميعاً، على عشر آلاف دينار سوى الخرزو، القوى على قدر قوته، والمقل على قدر إقلاله، في كل سنة. وإن قد نقبت على قومك، وإن قومك قد رضوا بك. وقد قبلت ومن معي من المسلمين، ورضيت ورضى قومك؛ فلك الذمة والمنعة ؛ فإن منعناكم فلنا الجزية؛ وإلا فلا حتى نمنعكم. شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميري، وحنطلة الربيع. وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر.
كتب إلى السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، عن ابن أبي مكنف، وطلحة عن المغيرة، وسيفان عن ماهان، وحدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، وطلحو عن المغيرة، قال " كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة. فلما استقام ما بين أهل الحيرة وبين خالد، واستقاموا له أتته دهاقين الملطاطين ، وأتاه زاذبن بهيش دهقان فرات سرياً ، وصلوباً بن بصبهري ونسطونا - فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هرمز جرد على ألفي ألف - وقال عبيد الله في حديثه: على ألف ألف ثقيل - وأن للمسلمين ما كان لآل كسرى ومن مال معهم عن المقام في داره فلم يدخل في الصلح. وضرب خالد رواقه في عسكره، وكتب لهم كتاباً:
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاد بن بهميش وصلوبا بن نسطونا ؛ لكم الذمة وعليكم الجزية، وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من أهل البهقاباذ الأسفل والأوسط وقال عبيد الله: وأنتم ضامنون جزية من نقبتم عليه على ألفي ثقيل في كل سنة ؛ عن كل ذي يد سوى ما على بانقاً وبسماً وإنكم قد أرضيتموني والمسلمين؛ وإنا قد أرضيناكم وأهل البهقباذ الأسفل؛ ومن دخل معكم من أهل البهقباذ الأوسط على أموالكم ؛ ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلهم. شهد هشام بن الوليد ، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحكيري، وبشير بن عبيد الله بن الخصاصة، وحنظلة بن الربيع. وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر وبعث خالد ابن الوليد عماله ومسالحه ؛ فبعث في العمالة عبد الله بن وثيمة النصري ، فنزل في أعلى العمل بالفلاليج على المنعة وقبض الجزية ، وجرير بن عبد الله على بانقيا وبسما، وبشير بن الخصاصية على النهرين فنزل الكوفية ببانبورة، وسويد بن مقرن المزني إلى سنتر، فنزل العقر - فهي تسمى عقر سويد إلى اليوم، وليست بسويد المنقري سميت - وأط بن أبي إط إلى روذمستان، فنزل منزلاً على نهر سمى ذلك النهر به - ويقال له : نهر إط إلى اليوم؛ وهو رجل من بن يسعد بن زيد مناة ؛ فهؤلاء كانوا عمال الخراج زمن خالد بن الوليد .
وكانت الثغور في زمن خالد بالبسيب، بعث ضرار بن الأزور وضرار بن الخطاب والمثنى بن حارثة ضرار بن مقرن والقعقاع بن عمرو وبسر بن أبي رهم وعتيبة بن النهاس ؛ فنزلو ا على السيب في عرض سلطانه. فهؤلاء أمراء ثغور خالد. وأمرم خالد بالغارة والإلحاح، فمخروا ما رواء ذلك إلى شاطئ دجلة.
قالوا: ولما غلب خالد على أحد جانبي السواد، دعا من أهل الحيرة برجل، وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير ؛ إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببهر سير ؛ وكأنه على المقدمة، ومع بهمن جاذويه الآزاذبة في أشباه له ، ودعى صلوبا برجل ، وكتب معهما كتابين؛ فأما أحدهما فإلى الخاصة وأما الآخر فإلى العامة ؛ أحدهما حيري والآخر نبطي ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة : ما اسمك؟ قال: مرة، قال: خذ الكتاب فأت به أهل فارس، لعل الله أن يمر عليهم عيشهم، أو يسلموا، أو ينبهوا، وقال لرسول صلوبا: ما أسمك؟ قال: هزميل ، قال: فخذ الكتاب. وقال : اللهم أزهق نفوسهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وغيره، بمثله، والكتابان: بسم الله الرحمن الرحيم .من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس ؛ أما بعد ؛ فالحمد لله الذي حل نظامكم، ووهن كيديطم، وفرق كلمتكم، ولو لم يفعل ذلك بكم كان شراً لكم ؛ فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم، ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غلب، على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.
بسم الله الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد إلى مرازية فارس ؛ أما بعد فأسلموا تسلموا ؛ وإلا فاعتقدوا مني الذمة، وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت، كما تحبون شرب الخمر.
جدثني عبيد الله، قال: حدثني، عن سيف، عن محمد بن نوريرة، عن أبي عثمان. والسري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان والمهلب بن عقبة وزياد بن سرجس، عن سياده وسيفان الأحمري، عن ماهان: أن الخراج جبي إلى خالد في خمسين ليلة، وكان الذين ضمنوه والذين هم رءوس الرساتيق رهناً في يده، فأعطى ذلك كله للمسلمين، فقووا على أمورهم. وكان أهل فارس بموت أردشير مختلفين في الملك، مجتمعين على قتال خالد، متساندين ؛ وكانوا بذلك سنة، والمسلمون يمخرون كا دون دجلة، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر ؛ وليست لأحد منهم ذمة إلا الذين كاتبوه واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جلاء، ومتحصنون ، ومحاربون، واكتتب عمال الخراج، وكتبوا البراءات لأهل الخراج، من نسخة واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم .براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التي صالحهم عليها الأمير خالد بن الوليد، وقد قبضت الذي صالحهم عليه خالد، يوخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد ؛ ما أقررتم بالجزية وكففتم. أمانكم أمان، وصلحكم صلح ؛ نحن لكم على الوفاء
وأشهدوا لهم النفر من الصحابة الذين كان خالد أشهدهم: هشاما، والقعقاع، وجابر بن طارق، وجريراً، وبشيراً، وحنظلة، وأزداذ، والحجاج بن ذي العنق، ومالك بن زيد.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، سيف، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، قال: وخرج خالد وقد كتب أهل الحيرة عنه كتاباً: إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد العبد الصالح والمسلمون عباد الله الصالحون، على أن يمنعونا وأميرهم البغي من المسلمين وغيرهم.
وأما المرى ؛ فإنه قال في كتابه إلى: حدثنا شعيب، عن سيف عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، عن هشام بن الوليد، قال: فرغ خالد....ثم سائر الحديث مثل حديث عبيد الله بن سعد.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي عن سيف والسرى، عن شعيب عن سيف عن عبد العززيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن الهذيل الكاهلي نحواً منه، قالوا: وأمر الرسولين اللذين بعثهما أن يوافياه بالخبر، وأقام خالد في عمله سنة ومنزله الحيرة، يصعد ويصوب قبل خروجه إلى الشأم، وأهل فارس يخلعون ويملكون ؛ ليس إلا الدفع عن بهر سير ؛ وذلك أن شيري بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أرشير ابنة ، فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور، فقوا لا يقدرون على من يملكون ممن يجتمعون عليه.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، قال: حدثني سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبي، قال: أقام خالد بن الوليد فيما بين فتح الخيرة إلى خروجه إلى الشأم اكثر من سنة ، يعالج عمل عياض الذي سمى له، وقال خالد للمسلمين: لولا ما عهد إلى الخليفة لم أتنقذ عياضاً، وكان قد شجى وأشجى بدومة، وكا كان دون فتح فارس شئ ؛ إنها لسنة كأنها سنة نساء. وكان عهد إليه ألا يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم. وكان بالعين عسكر لفارس وبالأنبار آخر وبالفراص آخر ولما وقعت كتب خالد إلى أهل المدائن تلكم نساء آل كسرى، فولى الفرخزاذين البندوان إلى أن يجتمع آل كسرى على رجل إن وجدوه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلب عن سياه، وسفين عن ماهان، قالوا: كان أبو بكر رحمه الله قد عهد إلى خالد أن يأتي العراق من أسفل منها، وإلى عياض أن يأتي العراق من فوقها، وأيكما ما سبق إلى الحيرة فهو أمير على الحيرة ؛ فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليم بالحيرة أحدكما، وليقتحم الآخر على القوم، وجالوهم عما في أيديهم، واستعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ؛ ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما. واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعالجة التوبة ؛ وإياكم والإصرار وتأخير التوبة.
فأتى خالد على ما كان أمر به ، ونزل الحيرة، واستقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السواد، وفرق سواد الحيرة يومئذ على جرير بن عبد الله الحميري، وبشير بن الخصاصية، وخالد بن الواشمة، وابن ذي العنق، وأط وسويد وضرار ؛ وفرق سواد الأبلة على سويد بن مقرن، وحسحكة الحبطى، والحصين بن أبي الحر، وربيعة بن عسل، وأقر المسالح على ثغورهم، واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو. وخرج خالد في عمل عياض ليقضي ما بينه ، وإغاثته، فسلك الفلوجة حتى نزل بكربلاء وعلى مسلحتها عاصم بن عمرو، وعلى مقدمة خالد الأقرع بم جابس ؛ لأن المثنى كان على ثغر من الثغور التي تلى المدائن ؛ فكانوا يغارون أهل فارس، وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه في إغاثة عياض.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي روق، عمن شهدهم بمثله، إلى أن قال: وأقام خالد على كربلاء أياماً، وشكاً إليه عبد الله بن وثيمة الذباب، فقال له خالد: اصبر فإني إنما أريد أن أستفرغ المسالح التي أمر بها عياض فنسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتوا ورأيه يعدل نجدة الأمة. وقال رجل من أشجع فيما حكى ابن وثيمة:
لقد حبست في كربلاء مطيتي ... وفي العين حتى عاد غثا سمنيها
إذا زحلت من مبرك رجعت له ... لعمر أبيها إنني لأهينها
ويمنعها من ماء كل شريعة ... رفاق من الذبان زرق عيونها
حديث الأنبار وهي ذات العيون وذكر كلواذى
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأصحابهما، قالوا: خرج خالد بن الوليد في تعبيته التي خرج فيها من الحيرة ، وعلى مقدمته الأقرع بن حابس فلما نزل الأقرع المنزل الذي يسلمه إلى الأنباء أنتج قوم من المسلمين إبلهم، فلم يستطيعوا العرجة ، ولم يجدوا بدا من الإقدام، ومعهم بنات مخاض ، تتبعهم. فلما نودى بالرحيل صروا الأمهات، واحتقبوا المنتوجات ؛ لأنها لم تطق السير ؛ فانتهوا ركبانا إلى الأنبار، وقد تحصن أهل الأنبار، وخندقوا عليهم، وأشرفوا من حصنهم، وعلى تلك الجنود شير زاد صاحب ساباط وكان أعقل أعجمي يومئذ من السور، وقالوا: صبح الأنبار شر ؛ جمل يحمل جميله وجمل تربه عوذ . فقال شيرزاد: ما يقولن؟ ففسر له، فقال: أما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم؛ وذلك أن القوم إذا القوم إذا قضوا على أنفسهم قضاء كاد يلزمهم ؛ والله لئن لم يكن خالد مجتازاً لأصالحنه ؛ فبيناهم كذلك قدم خالد على المقدمة، فأطاف بالخندق، وأنشب القتال ؛ وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به ؛ وتقدم إلى رماته، فأوصاهم وقال: إني أرى أقواماً لا علم لهم بالحرب، فارموا عيونهم ولا توخروا غيرها، فرموا رشقاً واحداً، ثم تابعوا ، ففقئ ألف عين يومئذ، فسميت تلك الوقعة ذات العيون ؛ وتصالح القوم: ذهبت عيون أهل الأنبار! فقال شيرزاد: ما يقولون؟ ففسر له ، فقال: آباذ آباذ . فراسل خالداً في الصلح على أمر لم يرضه خالد، فرد رسله، وأتى خالد أضيق مكان في الخندق برذابا الجيش فنحرها ؛ ثم رمى بها فيه فأفعمه ؛ ثم اقتحم الخندق والردايا جسورهم فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق. وأرز القوم إلى حصنهم، وراسل شيرازاذ خالداً في الصلح على ما أراد، فقبل منه على أن يخليه ويلحقه بمأمنه في جريدة خيل ، ليس معهم من المتاع والأموال شئ ؛ فخرج شيرزاذ، فلما قدم على بهمن جاذوبه، فأخبره الخبر لأمه ، فقال: إني كنت في قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم. ثم قاتلهم الجند، ففقئوا فيهم وفي أهل الأرض ألف عين ؛ فعرفت أن المسلمة أسلم . ولم اطمأن خالد بالأنبار والمسلمون، وأمن أهل الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها، فسألهم : فسألهم : ما انتم ؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا فكانت أوائلهم نزلوها أيام بختنصر حين أباح العرب ؛ ثم لم تزل عنها فقال: ممن تعلمتم الكتاب؟ فقالوا: تعلمنا الخجط من إياد وأنشدوه قول الشاعر:
قومي إياد لو أنهم أمم ... أو لو أقاموا فتهزل التعم
قوم لهم باحة العراق إذا ... ساروا جميعاً والخط والقلم
وصالح خالد من حولهم وبدأ بأهل البروازيخ ؛ وبعث إليه أهل كلواذى ليعقد لهم، فكاتبهم فكانوا عيبته من وراء دجلة. ثم إن أهل الأنبار وما حولها نقضوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدول ما خلا أهل البوازيخ، فإنهم ثبتوا كما نبت أهل بانقيا.
كتب إلى السرى ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز يعني ابن سياه عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ليس لأحد من أهل السواد عقد قبل الوقعة إلا بني صلوبا - وهم أهل الحيرة - وكلواذي، وقرى من قرى الفرات ثم غدروا حتى دعوا إلى الذمة بعد ما غدروا.
كتب إلى السرى ، عن شعيب عن سيف، عن محمد بن قيس، قاغل: قلت للشعبي: أخذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكل أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإن بعضهم صالح به، وبعضهم غلب . فقلت: فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الهرب ؟ قال: لا، ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأحذ منهم صاروا ذمة.
خبر عين التمر
كتب إلى السرى، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وزياد، قالوا: ولما فرغ خالد من النبار، واستحكمت له ، استخلف على الأنبار الزبرقانبن بدر، وقصد لعين التمر؛ وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم، وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد ومن لأفهم . فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالداً، قال : صدقت، لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب، وإنكم لمثلنا في قتال العجم. فخدعه واتقى به، وقال : دونكمهم وإن احتجتم إلينا أعناكم. فملا مضى نحو خالد قالت له الأعاجم: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب! فقال: دعوني فإني لم أرد إلا ما ه خير لكم وشر لهم ؛ إنه قد جاءكم من قتل ملوككم، وفل حدكم، فاتقته بهم ؛ فإن كانت لهم على خالد فهي لكم ؛ وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا، فنقاتلهم ونحن أقياء وهم مضعفون. فاعترفوا له بفضل الرأي، فلزم مهران العين، ونزل عقة لخالد على الطريق، وعلى ميمنته بجير بن فلان أحدبني عتبة بن سعد بن زهير، وعلى مسيرته الهذيل ابن عمران، وبين عقة على طريق الكرخ كالخفير. فقدم عليه خالد وهو في تعبئة جنده، فعبى خالده وقال لمجنبتيه : اكفونا ما عنده، فإني حامل ؛ ووكل بنفسه حوامي ، ثم يحمل وعقة يقيم صفوفه؛ فاحتضنه فأخذه أسيراً، وانهزم صفة من غير قتال، فأكثروا فيهم الأسر، وهرب بجير والهذيل، واتبعهم المسلمون. ولما جاء الخبر مهران هرب في حنده، وتركوا الحصن. ولما انتهت فلال عقة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموا واعتصموا به ؛ وأقبل خالد في الناس حتى ينزل على الحصن ومعه عقة أسير وعمرو بن الصعق، وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان بغير من العرب، فلما رأوه يحاولهم سألوه الأمان، فأبى إلا على حكمه فسلسوا له به. فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكاً ، وأمر خالد بعقبة وكان خفير القوم فضربت عنقه ليؤنس الأسراء من الحياة، ولما رآه الأسراء مطروحاً على الجسر يئسوا من الحياة، ثم دعا بعمرو بن الصعق فضرب عنقه، وضرب أعناق أهل الحصن أجمعين. وسبى كل من حوى حصنهم، وغنم ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق ؛ فكسره عنهم ، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن ؛ ففسمهم في أهل البلاء؛ منهم أبو زياد مولى ثقيف، ومنهم نصير أبو موسى بن نصير، ومنهم أبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد بن سيرين ، وحريث ، وعلاثة. فصار أبو عمرة للمعنى، وحمران لعثمان. ومنهم عمير وأبو قيس ؛ فثبت على نسبه من موالى أهل الشأم القدماء، وكان نصير ينسب إلى بني يشمكر، وأبو عمرة إلى بني مرة ومنهم ابن أخت النمر.
كتب إلى السرى ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي سفيان طلحة بن عبد الرحمن والمهلب بن عقبة، قالوا: ولما قدم الوليد بن عقبة من عند خالد على أبي بكر رحمه الله بما بعث به إليه من الأخماس وجهه إلى عياض، وأمده به ، فقدم عليه الوليد، وعياض محاصرهموه ، وقد أخذوا عليه بالطريق، فقال له : الرأي في بعض الحالات خير من جند كثيف ؛ ابعث إلى خالد فاستمده. ففعل ؛ فقدم عليه رسوله غب وقعة العين مستغيثاً، فعجل إلى عياض بكتابه: من خالد إلى عياض إياك أريد.
لبث قليلا تأتك الحلائب
يحملن آساداً عليها القاشب
كتاب يتبعها كتائب
خبر دومة الجندلقالوا: ولما فرغ خالد من عين التمر حلف فيها عويم بن الكاهل الأسلمى، وخرج في تعبيته التي دخل فيها العين ؛ ولما بلغ أهل دومة مسير خالد إليهوم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وقبل ما قد أتاهم وديعة في كلب بهراء ، ومسانده ابن وبرة بن رومانس، وآتاهم ابن الحدرجان في الضجاعم، وابن الأيهم في طوائف من غسان وتنوخ، فأشجوا عياضاً وشجوا به.
فلما بلغهم دنو خالد؛ وهم على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك والجودى ابن ربيعة، اختلفوا، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد؛ لا أحد أيمن طائراً منه، ولا أحد في حرب، ولا يرى وجه خالد قومن أبداً قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه ؛ فأطعوني وصالحوا القوم. فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد، فشأنكم.
فخرج لطيته، وبلغ ذلك خالداً؛ فبعث عاصم بن عمرو معارضاً له، فأخذه فقال: إنما تلقبت الأمير خالداً؛ فلما أتى به خالداً أمر به فضربت عنقه، وأخذ ما كان معه من شئ، ومضى خالد حتى ينزل على أهل دومة، وعليهم الجودي بن ربيعة، ووديعة الكلبي، وابن رومانس الكلبي، وابن الأيهم وابن الحدرجان ؛ فجعل خالد دومة بين عسكره وعسكر عياض. وكان النصارى الذين أمدوا أهل دومة من العرب محيطين بحصن دومة ، ولم يحملهم الحصن، فلما اطمأن خالد خرج الجودي، فنهض بوديعة فزحفا لخالد، وخرج ابن الحدرجان وابن الأيهم إلى عياض ؛ فاقتتلوا ، فهزم الله الجودي ووديعة على يدي خحالد، وهزم عياض من يليه، وركبهم المسلمون ؛ فأما خالد فإنه أخذ الجودي أخذاً، وأخذ الأقرع بن حابس وديعة، وأرز بقية الناس إلى الحصن؛ فلم يحملهم؛ فلما امتلأ الحصن أغلق من في الحصن الحصن دون أصحابهم، فبثقوا حوله حرداء ؛ وقال عاصم بن عمرو : يا بني تميم ، حلفاؤكم كلب، آسوهم وأجيروهم؛فإنكم لا تقدرون لهم على مثلها، ففعلوا. وكان سبب نجاتهم يومئذ وصية عاصم بني تميم بهم، وأقبل خالد على الذين أرزوا إلى الحصن فقتلهم حتى سد بهم باب الحصن ، ودعا خالد بالجودي فضرب عنقه ؛ ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلا أسارى كلب، فإن عاصماً والأقرع وبني تميم قالوا: قد آمناهم ؛ فأطلقهم لهم خالد، وقال : مالي ولكم! أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الإسلام ! فقال له عاصم: لا تحسدوهم العافية ؛ ولا يحوزهم الشيطان . ثم أطاف خالد بالباب ، فلم يزل عنه حتى اقتلعه ؛ واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشرخ ؛ فأقاموهم فيمن يزيد ؛ فاشترى خالد ابنة الجودي وكانت موصوفة، وأقام خالد بدومة ورد الأقرع إلى الأنبار.
ولما رجع خالد إلى الحيرة - وكان منها قريباً حيث يصيبحها - أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتقليس ، فخرجوا يتلقونه وهم يقلسون؛ وجعل بعضهم يقول لبعض: مروا بنا فرج الشر! كتب إلى السرى، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: وقد كان خالد أقام بدومة ، فظن الأعاجم به ؛ وكاتبهم عرب الجزيرة غضباً لعقة؛ فخرج، زرمهر من بغدادج ومعه روزيه يريدان الأنبار ؛ واتعدا حصيداً والخنافس، فكتب الزبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة ؛ فبعث القعقاع أعبد بن فدكي السعدي وأمره بالحصيد، وبعث عروة بن الجعد البارقي وأمره بالخنافس، وقال لهما: رأيتما مقدماً فأقد ما. فخرجا فحالا بينهما وبين الريف، وأغلقاهما، وانتظر رزوبه وززرمهر بالمسلمين اجتماع من كاتبهما من ربيعة؛ وقد كانوا تكاتبوا واتعدوا ؛ فلما رجع خالد من دومة إلى الحيرة على الظهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادقة أهل المدائن، كره خلاف أبي بكر، وأن يتعلق عليه بشئ، فعجل القعقاع ابن عمرو وأبو ليلى بن فدكي إلى رزوبه وزمهير، فسبقاه إلى عين التمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبي، أن الهذيل بن عمران قد عسكر بالمصيخ، ونزل ربيعة بن بجير بالثنى وبالبشر في عسكر غضباً لعقة، يريدان زرمهر وروزبه. فخرج خالد وعلى مقدمته الأقرع بن حابس، واستخلف على الحيرة عياضين غنم، وأخذ طريق القعقاع وأبى ليلى إلى الخنافس حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حصيد، وأمره على الناس، وبعث أبا ليلى الخنافس، وقال: زجياهم ليجتمعوا ومن استأرهم؛ وغلا فواقعاهم. فأبيا إلا المقام خبر حصيد فلما رأى القعقاع أن زرمهر وروزبه لا يتحركان سار نحو حصيد، وعلى من مر به من العرب والعجم روزبه. ولما رأى روزبه أن القعقاع قد قصد له استمد زرمهر، فأمده بنفسه، واستخلف على عسكره المهبوذان، فالتقوا بحصيد، فاقتتلوا، فقتل الله العجم مقتله عظيمة، وقتل القعقاع زرمهر، وقتل روزبه ؛ قتله عصمة بن عبد الله أحد بني الحجارث بن كطريف، من بني ضبة، وكان عصمة من البررة - وكل فخذ هاجرت بأسرها تدعى البررة، وكل قوم هاججروا من بطن يدعون الخيرة - فكان المسلمون خيرة وبررة . وغنم المسلمون يوم حصيد عنائم كثيرة وأرز فلال حصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها.
الخنافس
وسار أبو ليلى بن فدكى بمن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس؛ وقد أرزت فلال حصيد إلى المهبوذان، فلما أحس المهبوذان بقدومهم هرب ومن معه وأرزوا إلى المصيخ، وبه الهذيل بن عمران، ولم يلق بالخنافس كيداً، وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعاً.
مصيخ بني البرشاء قالوا: ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إليهم، ووعد القعقاع وأبا ليلى وأعبد وعروة ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيخ - وهو بين حوران والقلت - وخرج خالد من العين قاصداً. للمصيخ على الإبل يجنب الخيل، فنزل الجناب فالبردان فالحنى، واستقل من الحنى ؛ فلما كان تلك الساعة من لييلة الموعد اتفقوا جميعاً بالمصيخ، فأغاروا على الهذيل ومن معه ومن أوى إليه؛ وهم نائمون من ثلاثة أوجه، فقتلوهم. وأفلت الهذيل في أناس قليل ؛ وامتلأ الفضاء قتلى، فما شبهوا بهم إلا غنما مصرعة ؛ وقد كان حر قوص بن النعمان قد محضهم النصح وأجاد الرأي ، فلم ينتفعوا بتحذيره، وقال حورقوص بن النعمان قبل الغار: ألا سقياني قبل خيل أبي بكر الأبيات. وكان حرقوص معرساً بأمرأة من بني هلال تدعى أم تغلب، فقتلت تلك الليلة، وعبادة بن البشر وامرؤ القيس بن بشر وقيس بن بشر ؛ وهؤلاء بنو الثورية من بني خلال. وأصاب جرير بن عبد الله يوم المصيخ من النمر عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش أخاً أوس مناة من النمر، وكان معه ومع لبيد بن جرير كتاب من أبي بكر بإسلامهما، وبلغ أبا بكر قول عبد العزى وقد سماه عبد الله ليلة الغارة، وقال: سبحانك اللهم رب محمد فوداه وودى لبيداً - وكانا أصيبا في المعركة - وقال: أما إن ذلك ليس على إذ نازلً أهل الحرب؛ وأوصى بأولادهما ، وكان عمر يعتد على خالد بقتلهما إلى قتل مالك - يعني أبن نزيرة - فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من ساكن أهل الحرب في ديارهم. وقال عبد العزى:
أقول إذ طريق الصباح بغارة: ... سبحانك اللهم رب محمد
سبحان ربي لا غله غيره ... رب البلاد ورب من يتورد
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن عدي بن حاتم، قال: أغرنا على أهل المصيخ، وإذا رجل يدعى بإسمه حروقوص ابن النعمان، من النمر ، وإذا حوله بنوه وامرأته، وبينهم جفنة من خمر ؛ وهم عليها عكوف يقولن له: ومن يشرب هذه الساعة وفي أعجاز الليل! فقال: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمراً بعدها، هذا خالد بالعين وجنوده بحصيد، وقد بلغه جمعنا وليس بتاركنا ؛ ثم قال:
ألا فاشربوا من قبل قاصمه الظهر ... بعيد انتفاخ القوم بالعكر الدثر
وقبل منايانا المصيبة بلقدر ... لحين لعمري لا يزيد ولا يحرى
فسبق إليه وهو في ذلك في بعض الخيل، فضرب رأسه، فإذا هو في جفنته، وأخذنا بناته وقتلنا بنيه.
الثنى والزميل
وقد نزل ربيعة بن بجير التغلبي الثنى والبشر غضباً لعقة، وواعد روزبه وزرمهر والهذيل. فلما أصاب خالد أهل المصيخ بما أصابهم به ، تقدم إلى القعقاع وإلى أبي ليلى، بأن يرتحلا أمامه، وواعدهما الليلة ليفتقروا فيها للغارة عليهم من ثلاثة أوجه؛ كما فعل بأهل المصيخ. ثم خرج خالد من المصيخ، فنزل حوران، ثم الرنق، ثم الحماة - وهي اليوم لبنى جنادة بن زهير من كلب - ثم الزميل ؛ وهو البشر والثنى معه - وهما اليوم شرقي الرصافة - فبدأ بالثنى، واجتمع هو وأصحابه، فبيته من ثلاثة أوجه بياتاً ومن أجتمع له إليه ، ومن تأشب لذلك من الشبان ؛ فجرودوا فيهم السيوف، فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر، واستبى الشرخ، وبعث بخمس الله إلى أبي بكر مع النعمان بن عوف بن النعمان الشيباني، وقسم النهب والسبايا، فاشترى على بن أبي طالب عليه السلام بنت ربيعة ابن بجير التغلبي، فاتخذها؛ فولدت؛ له عمر ورقية ، وكان الهذيل حين نجا أوى إلى الزميل، إلى عتاب بن فلان؛ وهو بالبشر في عسكر ضخم ؛ فبيتهم بمثلها غارة شعواء من ثلاثة أوجه سبقت إليهم الخبر عن ربيعة، فقتل منهم مقتله عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها؛ وأصابوا منهم ما شاءوا وكانت على خالد يمين: ليبتغن تغلب في دارها؛ وقسم خالد فيئهم في الناس، وبعث بالأخماس إلى أبي بكر مع الصباح بن فلان المزني، وكانت في الأخماس ابنة مؤذن النمري ؛ وليلى بنت خالد ، وريحانة بنت الهذيل بن هبيرة. ثم عطف خالد من البشر إلى الرضاب ؛ وبها هلال بن عقة، وقد ارفض عنه أصحابه حين سمعوا بدنو خالد ؛ وانقشع عنها هلال فلم يلق كيداً بها.
حديث الفراض ثم قصد خالد بعد الرضاب وبغتته تغلب إلى الفراض، والفراض: تخوم الشأم والعراق والجزيرة - فأفطر بها رمضان في تلك السفرة التي اتصلت له فيها الغزوات والأيام، ونظمن نظماً أكثر فيهن الرجاز إلى ما كان قبل ذلك منهن.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة - وشاركهما عمرو بن محمد ؛ عن رجل من بني سعد، عن ظفر بن دهي - والمهلب بن عقبة، قالوا فلما اجتمع المسلمون بالفراض، حميت الروم واغتاظت، واستعانوات بمن يليهم من مسالح أهل فارس، وقد حملوا واغتاظت، واستعانوات بمن يليهم من مسالح أهل فارس، وقد حموا واغتاظوا واستمدوا تغلب وإياد والنمر ؛ فأمدوهم ؛ ثم ناهدوا خالداً ؛ حتى إذا صار الفرات بينهم ، قالوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. قال: خالد: اعبروا أسفل منا. وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثني عشرة. فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتبوا ملككم ؛ هذا رجل بقاتل على دين ، وله عقل وعلم ، والله لينصرن ولنخلن. ثم لم ينتفعوا بذلك ؛ فعبروا أسفل من خالد ؛ فلما تتاتموا قالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان من حسن أو قبيح ؛ من أينا يجئ ! ففعلوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً طويلاً. ثم أن الله عز وجل هزمهم، وقال خالد للمسلمين: ألحوا علهيم ولا ترفهوا عنهم ؛ فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه، فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفراض في المعركة وفي الطلب مائة ألف، وأقام خالد على الفراض بعد الوقعة عشراَ، ثم أذن في القفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة ؛ وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم ؛ وأمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم، وأظهر خالد أنه في الساقة.
حجة خالد قال أبو جعفر: وخرج خالد حاجاً من الفراض لخمس بقين من ذي القعدة، مكتتماً بحجة، ومعه عدة من أصحابه ؛ يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت ، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل ولا رئبال، فسار طريقاً من طريق أهل الجزيرة، لم ير طريق أعجب منه ؛ ولا أشد على صعوبته منه فكانت غيبته عن الجند يسيرة ؛ فما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذي وضعه. فقدما معاً ؛ وخالد وأصحابه محلقون ؛ لم يعلم بحجة إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة، ولم يعلم أبو بكر رحمه الله بذلك إلا بعد ؛ فعتب عليه. وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشأم. وكان مسير خالد من الفراض أن استعرض البلاد متعسفاً متسمتاً، فقطع طريق الفراض ماء العنبري، ثم مثقباً، ثم أنتهى إلى ذات عرق، فشرق منها، فأسلمه إلى عرفات من الفراض، وسمى ذلك الطريق الصد ؛ ووافاه كتاب من أبي بكر منصرفه من حجة بالحيرة يأمره بالشأم ؛ يقاربه ويباعده.
قال أبو جعفر: قالوا: فوافى خالداً كتاب أبي بكر بالحيرة، منصرفه من حجة: أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا ؛ وإياك أن تعود لمثل ما فعلت ؛ فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجي من الناس نزعك ؛ فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة ؛ فأتمم يتمم الله لك ، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن وهو ولي الجزاء.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عطاء بن البكائيي، عن المقطع بن الهيثم البكائي، عن أبيه قال: كان أهل الأيام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذي يبلغهم، ويقولون: ما شاء معاوية! نحن أصحاب ذات السلاسل. ويسمون ما بينها وبين الفراض ما يذكرون ما كان بعد احتقاراً لما كان بعد فيما كان قبل.
وحدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا على بن محمد بالأسناد الذي قد مضى ذكره، أن خالد بن الوليد أتى الأنبار فصالحوه على الجلاء، ثم أعطوه شيئاً رضى به وأنه أغار على سوق بغداد من رستاق العال، وأنه وجه المثنى فأغار على سوق فيها جمع لقضاعه وبكر، فأصاب ما في السوق ، ثم سار إلى عين التمر، ففتحها عنوة، فقتل وسبي، وبعث بالسبي إلى أبي بكر، فكان أول سبي قدم المدينة من العجم ؛ وسار إلى دومة الجندل، فقتل أكيدر، وسبى ابنة الجودى، ورجع فأقام بالحيرة.
هذا كله سنة اثني عشرة.
وفيها تزوج عمر رحمه الله عاتكة بنت زيد.
وفيها مات أبو مرثد الغنوي.
وفيها مات أبو العاصى بن الربيع في ذي الحجة ؛ وأوصى إلى الوبير، وتزوج على عليه السلام ابنته وفيها اشترى عمر أسلم مولاه.
واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حج بهم فيها أبو بكر رحمه الله ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة، عن رجل من بني سهم، عن ابن ماجدة السهمي، أنه قال: حج أبو بكر في خلافته سنة اثنتي عشرة وقد عارمت غلاماً من أهلي، فغص بأذني فقطع منها - أو غضضت بأذنه فقطعت منها - فرفع شأننا إلى أبي بكر، فقال: اذهبوا بهما إلى عمر فلينظر، فإن كان الجارح قد بلغ فليقد مكنه. ادعوا لي حجاماً. قال : فلما ذكر الحجام، قال: أما أني قد سمعت النبي الله لها فيه، وقد نهينتها أن تجعله حجاماً أو قصابا أو صانغاً ؛ فاقتص منه.
وذكر الواقدي، عن عثمان بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد، عن أبيه، أن أبا بكر حج في سنة اثنتي عشرة واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رحمه الله.
وقال بعضهم: حج بالناس سنة اثنتي عشرة عمر بن الخطاب.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبن إسحاق، قال: بعض الناس يقول: لم يحج أبو بكر في خلافته، وإنه بعث سنة اثنتي عشرة على الموسم عمر بن الخطاب، أو عبد الرحمن بن عوف.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها وجه أبو بكر رحمه الله الجيوش إلى الشأم بعد منصرفه من مكة إلى المدينة حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال لما قفل أبو بكر من الحج سنة اثنتي عشرة جهز الجيوش إلى اشأم، فبعث عمرو بن العاص قبل فلسين، فأخذ طريق المعرقة على أيلة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل ين حسنة - وهو أحد الغوث - وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشأم.
حدثني عمر بن شبة، عن على بن حمد بالأسناد الذي ذكرت قبل، عن شيوخه الذين مضى ذكرهم، قال: ثم وجه أبو بكر الجنود إلى الشأم أول سنة ثلاث عشرة، فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير، وولى يزيد بن أبي سفيان، فكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشأم، وخرجوا في سبعة آلاف.
قال أبو جعفر: وكان سبب عزل أبي بكر خالد بن سعيد - فيما ذكر - ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر ؛ أن خالد بن سعيد لما قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ثم تربص ببيعته شهرين، يقول: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لم يعزلني حتى قبضه الله. وقد لقى على بن أبي طالب وعثمان بن عفان ؛ فقال: يا بني عبد مناف ؛ لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم! فأما أبو بكر فلم يحفلها عليه ، وأما عمر فاضطغنها عليه. ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشأم، وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: اتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال! فلم يزل بأبي بكر حتى عزله، وأمر يزيد بن أبي سفيان.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن فضيل، عن جبير بن صخر حارس النبي صلى الله عليه وسلم ؛ عن أبيه، قال: كان خالد بن سعيد بن العاصى باليمن زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بها، وقدم بعد وفاته بشهر، وعليه جبة ديباج عليه جبته! أيلبس الحرير وهو في رجلنا في السلم مهجور! فمزقوا جبته، فقال خالد: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغلبتم عليها! فقال على عليه السلام: أمغالبة ترى أم خلافة؟ قال: لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم يا بني عبد مناف. وقال عمر لخالد: فض الله فاك! والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ثم لا يضر إلا نفسه. فأبلغ عمر أبا بكر مقالته ؛ فلما عقد أبو بكر الألوية لقتال أهل الردة عقد له فيمن عقد، فنهاه عنه عمر الأرض مدل بها وخائض فيها، فلا تستنصر به . فلم يحتمل أبو بكر عليه، وجعله رداءاً بتيماء ؛ أطاع عمر في بعض أمره وعصاه في بعض.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي عثمان، قالوا: أمر أبو بكر خالداً بأن ينزل تيماء، ففضل ردءاً حتى ينزل بتيماء ؛ وقد أمره أبو بكر ألا يبرحها، وأن يدعو من حوله بالإنضمام إليه، وألا تقبل إلا ممن لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قتله؛ حتى يأتيه أمره. فأقام فاجتمع إليه جموع كثيرة ؛ وبلغ الروم عظم ذلك العسكر، فضربوا على العرب الضاحية البعوث بالشأم إليهم ؛ فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك، وبنزول من استنفرت الروم ؛ ونفر إليهم من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان من دون زيزاء بثلاث ؛ فكتب إليه أبو بكر: أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله ؛ فسار خالد، فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم ؛ فنزله ودخل عامة من كان تجمع له في الإسلام ؛ وكتب خالد إلى أبي بكر بذلك فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولاتقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك. فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به من طرف الرمل ؛ حتى نزلوا فيما بين آبل وزيزاء والقسطل ؛ فسار إليه بطريق من بطارقة الروم، يدعى بدهان ؛ فهزمه وقتل جنده، وكتب بذلك إلى أبي بكر واستمده. وقدم على أبي بكر أوائل مستنفري اليمن ومن بين مكة واليمن ؛ وفيهم ذو الكلاع، وقدم عليه عكرمة قافلاً وغازياً فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو. فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدلوا من استبدل ؛ فكلهم استبدل ؛ فسمى ذلك الجيش جيش البدال. فقدموا على خالد بن عسيد؛ وعند ذلك اهتاج أبو بكر الشأم ، وعناه أمره. وقد كان أبو بكر رد عمرو بن العاص على عمالة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاها إياه م صدقات سعد هذيم، وعذرة ومن لفها من جذام، وحدس قبل ذهابه إلى عمان. فخرج إلى عمان وهو على عدة من عمله ؛ إذا هو رجع . فأ،جز له ذلك أبو بكر.
فكتب أبو بكر عند اهتياجه للشأم إلى عمرو: إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة ، وسماه لك أخرى ؛ مبعثك إلى عمان إنجازاً لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقد وليته ثم وليته ؛ وقد أحببت - أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه ؛ إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك . فكتب إليه عمرو : إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئاً إن جاءك من ناحية من النواحي. وكتب إلى الوليد بن عقبة بنحو ذلك، فأجابه بإيثار الجهاد.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كتب أبو بكر إلى عمرو، وإلى الوليد بن عقبة - وكان على النصف من صدقات قضاعة - وقد كان أبو بكر شيعهما مبعثهما على الصدقة، وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة: اتق الله في السر والعلانية ؛ فإنه من يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب ؛ ومن يتق الله بكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً . فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله ؛ إنك في سبيل من سبيل الله ؛ لا يسعك فيه الإذهان والتفريط والغفلة عما فيه قوام دينكم ، وعصمة أمركم، فلا تن ولا تفتر. وكتب إليهما: استخلفا على أعمالكما، واندبا من يليكما.
فولى عمرو على عليا قضاعة عمرو بن فلان العذري، وولى الوليد على ضاحية قضاعة مما يلي دومة امرأ القيس، وندبا الناس، فتتام إليهما بشر كثير، وانتظر أمر أبي بكر.
وقام أبو بكر في الناس خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، وقال: ألا إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبة ؛ ومن عمل لله كفاه اللهش. عليكم بالجد والقصد ؛ فإن القصد أبلغ؛ ألا أنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له. ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به ؛ هي التجارة التي دل الله عليها، ونجى بها من الخزي ؛ وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة.
فأمد عمراً ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه، وأمره على فلسطين، وأمره بطريق سماها له ؛ وكتب إلى الوليد وأمره بالأردن، وأمد ببعضهم. ودعا يزيد بن أبي سفيان، فأمره على جند عظيم ، هم جمهور من انتدب له ، وفي جنده سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة، وأمره على حمص وخرج معه وهما ماشيان والناس معهما وخلفهما، وأوصى كل واحد منهما.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم، ومبشر عن سالك، ويزيد بن أسيد الغساني عن خالد، وعبادة، قالوا: ولما قدم الوليد على خالد بن سعيد فسانده ، وقدمت جنود المسلمين الذين كان أبو بكر أمده بهم وسموا جيش البدال، وبلغه عن الأمراء وتوجههم إليه، اقتحم على الروم طلب الحظوة، وأعرى ظهره، وبادر الأمراء بقتال الروم، واستطرد له باهان فأرز هو ومن منه إلى دمشق ؛ واقتحم خالد في الجيش ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد حتى ينزل مرج الصفر ؛ من بين الواقوصة ودمشق ؛ فانطوت مسالح باهان عليه، وأخذوا عليه الطريق ولا يشعر ، وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمر في الناس، فقتلوهم. وأتى الخبر خالداً، فخرج هارباً في جريدة، فأفلت من أفلت من أصحابه على ظهور الخيل والإبل، وقد أجهضوا عن عسكرهم؛ ولم ينته بخالد بن سعيد الهزيمة عن ذي المروة، وأقام عكرمة في الناس ردءاً لهم ، فرد عنهم باهان وجنوده أن يطلبوه، وأقام من الشأم على قريب، وقد قدم شرحبيل بن حسنة وافداً من عند خالد بن الوليد، فندب معه الناس، ثم استعمله أبو بكر على عمل الوليد، وخرج معه يوصيه، فأتى شرحبيل على خالد، ففصل بأصحابه إلا القليل، واجتمع إلى أبي بكر أناس، فأمر عليهم معاوية، وأمره باللحاق بيزيد، فخرج معاوية حتى لحق بيزيد ؛ فلما مر بخالد فصل ببقية أصحابه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب لم يزل يكلم أبا بكر في خالد بن الوليد وفي خالد ابن سعيد ؛ فأبى أن يعطيه في خالد بن الوليد، وقال: لا أشيم سيفاً سله الله على الكفار، وأطاعه في خالد بن سعيد بعد كا فعل فعلته. فأخذ عمرو طريق المعرفة ، وسلك أبو عبيدة طريقه، وأخذ يزيد طريق التبوكية ؛ وسلك شرحبيل طريقه، وسمى لهم أمصار الشأم، وعرف أن الروم ستشغلهم ؛ فأحب أن يصعد المصوب ويصوب المصعد ؛ لئلا يتوكلوا، فكان كما ظن وصاروا إلى ما أحب.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: لما قدم خالد بن سعيد ذا المروة، وأتى أبا بكر الخبر كتب إلى خالد: أقم مكانك ، فلعمري إنك مقدام محجام، نجاء من الغمرات، لا تخزوضها إلا إلى الحق، ولا تصبر عليه. ولما كان بعد؛ وأذن له في دخوله المدينة قال خالد: اعذرني، قال: كان عمر وعلى أعلم بخالد؛ ولو أطعتهما فيه اختشيته واتقيته!
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر وسهل وأبي عثمان، عن خالد وعبادةة وأبي حارثة، قالوا: وأوعب القواد بالناس نحو الشأم وعكرمة ردء للناس، وبلغ الروم ذلك؛ فكتبوا إلى هرقل؛ وخرج هرقل حتى نزل بحمص، فاعد لهم الجنود، وعبى لهم العساكطر؛ وأراد اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة حنده، وفضول رجاله؛ وأرسل إلى عمرو أخاه تذارق لأبيه وأمنه، فخرج نحوهم في تسعين ألفاً، وبعث من يسوقهم، حتى نزل صاحب الساقة ثنية جلق بأعلى فلسطين، وبعث جرحه بن توذار نحو يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه ، وبعث الدراقص فاستقبل شرحبيل بن حسنة، وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفاً نحو أبي عبيدة؛ فهاجم المسلمون وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفاً؛ سوى عكرمة في ستة آلاف؛ ففزعوا جميعاً بالكتب وبالرسل إلى عمرو: أن ما الرأي ؟ فكاتبهم وراسلهم: إن الرأي الإجماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة ؛ وإذا نحن تفرقنا لم يبق الرجل منا في عدد يقرن فيه لأحد ممن استقبلنا وأعد لنا لكل طائفة منا. فاتعدوا اليرموك ليجتمعوا به. وقد كتب إلى أبي بكر بمثل كا كاتبوا به عمراً ؛ فطلع عليهم كتابه بمثل رأى عمرو، بأن اجتمعوا عسكراً واحداً، وألقوا زحوف المشركين بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله؛ والله ناصر من نصرهن، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم من قلة ؛ وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب ؛ فاحترسوا من الذنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين وليصل كل رجل منكم بأصحابه.
وبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطاقته: أن اجتمعوا لهم، وانزلوا بالروم منزلاً واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب؛ وعلى الناس التذارق وعلى المقدمة جرجة، وعلى مجنبتيه باهان والد راقص، وعلى الحرب الفيقار ؛ وأبشروا فإن باهان في الأثر مدد لكم. ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهي على ضفة اليرموك، وصار الوادي خندقاً لهم؛ وهو لهب لا يدرك ؛ وإنما أراد باهان وأصحابه أن تستفيق الروم ويأنسوا بالمسلمين ؛ وترجع إليهم أفئتهم عن طيرتها.
وانتقل المسلمون عن عسكرهم الذي اجتمعوا به فنزل عليهم بحذائهم على كريقهم؛ وليس للروم طريق إلا عليهم . فقال عمرو: أيها الناس، أبشروا، حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير؟ فأقاموا بإزائهم وعلى ريقهم ؛ ومخرجهم صفر من سنة ثلاث عشرة وشهري ربيع، لا يقدون من الروم على شئ ؛ ولا يخلصون إليهم ؛ اللهب - وهو الواقصة - من ورائهم ، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرجه إلا أديل المسلمون منهم ؛ حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول ؛ وقد استمدوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر ؛ فكتب إلى خالد ليلحق بهم، وأمره أن يخلف على العراق المثنى ؛ فوافهاهم في ربيع.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو والمهلب، قالوا: ولما نزل المسلمون اليرموك، واستمدوا أبا بكر، قال: خالد لها فبعث إليه وهو بالعراق، وعزم عليه واستحثه في السير، فنفذ خالد لذلك فطلع عليهم خالد؛ وطلع باهان على الروم، وقد قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين ؛ يغرونهم ويخضضونهم على التقال ؛ ووافق قدوم خالد قدوم باهان، فخرج بهم باهان كالمقتدر ؛ فولى خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم ؛ فهزم باهان، وتتابع الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقهم ؛ وتيمنت الروم بباهان ؛ وفرح المسلمون بخالد وحرد المسلمون. وحرب المشركون وهم أربعون ومائتا ألف ؛ منهم ثمانون ألف مقيد، وأربعون ألفاً منهم مسلسل للموت، وأربعون ألفاً مربطوزن بالعمائم، وثمانون ألف فارس وثمانون ألف راجل، والمسلمون سبعة وعشرون ألفاً ممن كان مقيماً ؛ إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف ؛ فصاروا ستة وثلاثين ألفاً.
ومرض أبو بكر رحمه الله في جمادى ا " لولى، وتوفى للنصف من جمادى الآخرة، قبل الفتح بعشر ليال.
خبر اليرموك قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشأم كورة ؛ فسمى لأبي عبيدة بن عبد الله بن الجراح حمص، وليزيد بن أبي سفيان دمشق ؛ ولشرحبيل بن حسنة الأردن، ولعمرو بن العاص ولعلقمة بن مجزز فلسطن، فلما فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مصر. فلما شارفوا الششأم، دهم كل أمير منهم قوم كثير، فأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد، وأن يلقوا جمع المشركين بجمع المسلمين.
ولما رأى خالد أن المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم: هل لكم يا معشر الرؤساء في أمر يعز الله به الدين، ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه ! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني، عن خالد وعبادة، قالا: توافى إليها مع الأمراء والجنود الأربعة سبعة وعشرون ألفاً وثلاثة آلاف من فلال خالد بن سعيد، أمر عليهم أبو بكر معاوية وشرحبيل، وعشرة آلف من أمداد أهل العراق مع خالد ابن الوليد سوى ستة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردءا بعد خالد بن سعيد؛ فكانوا ستة وأربيعن ألفاً، وكل قتالهم كان على تساند، كل جند وأميره ؛ لا يجمعهم أحد؛ حتى قدم عليهم خالد من العراق. وكان عسكر أبي عبيدة باليرموك مجاوراً لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شرجبيل مجاوراً لعسكر يزيد بن أبي سفيان ؛ فكان أبو عبيدة ربما صلى مع عمرو، وشرحبيل، وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك؛ فعسكر على حدة ؛ فصلى بأهل العراق، ووافق خالد بن الوليدالمسلمين وهم متضايقون بمدد الروم ؛ عليهم باهان ووافق الروم وهم نشاط بمددهم ، فالتقوا فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادهم إلى إلى الخنادق - والواقوصة أحد حدوده - فلزموا خندقهم عامة شهر يحضضهم القسيسون والشمامسة والرهبان وينعمون لهم النصرانية ؛ حتى استبصروا. فخرجوا للقتال الذي لم يكن بعده قتال مثله ، في جمادى الآخر.
فلما أحس المسلمون خروجهم، وأرادوا الخروج متساندة، سار فيهم خالد بن الوليد ؛ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملهم ؛ فإن هذا يوم له ما بعده ؛ ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية ؛ على تساند وانتشار ؛ فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي. وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا ؛ فاعلموا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته، قالوا: فهات ، فما الرأي ؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يلاى أنا سنتياير، ولو علم بالذي كان ويكون ؛ لقد جمعطم . إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم ؛ ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله ، فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه آن دانوا له. إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . هلموا فإن هؤلاء تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غداً، والآخر بعد غد ؛ حتى يتأمر كلكم ، ودعونني أليكم اليوم .
فأمروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن المر أطول مما صاروا إليه؛ فخرجت الروم في تعبية لم ير الرءون مثلها قط، وخرج خالد في تعبية لم تعبها العرب قبل ذلك ؛ فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين، وقال: إن عدوكم قد كثر وطغى، وليس من التعبية تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس. فجعل القلب كراديس، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة. وجعل المسيرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان. وكان على كردوس من كراديس أهل العراق القعقاع بن عمرو، وعلى كردوس مذعور بن عدي، وعياض بن غنم على كردوس، وهاشم بن عتبة على كردوي، وزياد بن حنظلة على كردوس، وخالدفي كردوس؛ وعلى فالة خالد بن سعيد دحية بن خلفية على كردوس، وخالد في كردوس؛ وعلى فالة خالد بن سعيد دححية بن خليفة على كردوس، وأبو عبيدة على كردوس، وعكرمة على كردوس، وسهيل على كرودس وعبد الحمن بن خالد على كردوس - وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة - وحبيب بن مسلمة على كردس، وصفوان بن أمية على كردوس، وسعيد بن خالد على كردوس، وأبو الأعور بن سفيان على كردوس، وابن ذي خالد على كردوس ؛ وفي الميمنة عمارة بن مخشي ابن خويلد على كردوس ؛ وشرحبيل على كردوس ومعه خالد بن سعيد، وعبد الله بن قيس على كردوس ؛ وعمرو بن عبسة على كردوس، والسمط ب الأسود على كردوس، وذو الكلاع على كردوس، ومعاوية بن حديج على آخر ؛ وجندب بن عمرو بن حممة على كردوس، وعمرو بن فلان على كردوس، وفي المسيرة يزيد بن أبي سفيان على كردوس، والزبير على كردوس، وحوشب ذو ظليم على كردوس، وقيس ين عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن - حليف لبنى النجار - على كردوس، وعصمة بن عبد الله - حليف لبني النجار من بني أسد - على كردوس، وضرار بن الأزور على كردوس، ومسروق بن فلان على كردوس وعتبة بن ربيعة بن بهز - حليف لبني عصمة - على كردوس، وجارية بن عبد الله الأشجعي - حليف لبني سلمة - على كردوس، وقباث على كردوس.
وكان القاضي أبو الدراداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب، وكان على الطلائع قباث بن أشيم ؛ وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود.
كتب إلى السرى، عن شعيبن عن سيف، عن محمد وطلحة نحواً من حديث أبي عثمان ؛ وقالوا جميعاً: وكان القارئ المقداد. ومن السنة التي سن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء ؛ ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك.
كتب إلى السري، عن شعيب، عنسيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني، عن عبادة وخالد ؛ قالا: شهد اليرموك ألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم نحو من مائة من أهل بدر. قالا: وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس، فيقول: الله الله ! إنكم ذادة العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك! اللهم إن هذا يوم من أيامك ؛ اللهم أنزل نصرك على عبادك! قالا: وقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: وما أقل الروم وأكثر المسلمين! إنما الجنود بالنصر وتقل بالخذلان ؛ لا بعدد الرجال؛ والله لوددت أن الأشقر براء من توجيه ؛ وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفى في مسيره - قالا: فأمر خالد عكرمة والقعقاع، وكانا على مجنبتي القلب، فأنشبا القتال، وارتجز القعقاع وقال:
يا ليتني ألقاك في الطراد ... قبل اعترام الجحفل الوراد
وأنت في حلبتك الوارد وقال عكرمة: قد علمت بهنكة الجواري أني على مكرمة أحامي
فنشب القتال، والتحم الناس، وتطارد الفرسان ؛ فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة ؛ فأخذته الخيول ؛ وسألوه الخبر ؛ فلم يخبرهم إلا بسلامة ؛ وأخبرهم عن أمداد ؛ وإنما جاء بموت أبي بكر رحمه الله وتأمير أبي عبيدة ؛ فأبلغوه خالداً، فأخبره خبراً أبي بكر؛ أسره إليه ، وأخبره بالذي أخبر به الجند. قال: أحسنت فقف، وأخذ الكتاب وجعله في منانته ؛ وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند ؛ فوقف محمية بن زنيم مع خالد وهو الرسول ؛ وخرج جرجة حتى كان بين الصفين ونادي : ليخرج إلى خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فوفقه بين الصفين ؛ حتىاختلف أعناق دابتيهما ، وقد أمن أحدهما صاحبه، فقال جرجة: يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله ؛ هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه. فلا تله على قوم إلا هزمتهم؟ قال: لا ، قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم ، فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعاً. ثم إن بعضنا صدقه وتابعه ؛ وبعضنا باعده وكذبه ؛ فكنت فيمن كذبة وباعده وقاتله. ثم أن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به، فتابعناه. فقال : أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين! ودعا لي بالنصر ؛ فسميت سيف الله بذلك ؛ فأنا من أشد المسلمين على المشركين. قال صدقني، ثم أعاد عليه جرجة: يا خالد، أخبرني إلا م تدعوني؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم، قال: فإن لم يعطيها ، قال: نؤذبه بحرب، ثم نقاتله، قال : فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكن إلى هذا المر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا. ثم أعاد عليه جرجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل مالكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم، وأفضل؛ قال : وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ قال " إنا دخلنا في هذا الأمر، وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج ؛ فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا. قال جرجة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني! قال : بالله ؛ لقد صدقتك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة ؛ وإن الله لولي ما سألت عنه. فقال: صدقني ؛ وقلب الترس ومال مع خالد، وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه قربة من ماء، ثم صلى ركعتين ؛ وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد ؛ وهم يرون أنها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة والحارث بن هشام. وركب خالد ومعه جرجة والروم خلال المسلمين ؛ فتنادى الناس ، فثابوا ، وتراجعت الروم إلى مواقفهم، فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف، فضربفيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغرةوب، ثم أصيب جرجة ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما، وصلى الناس الأولى والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، وكان مقاتلهم واسع المطرد، ضيق المهرب ؛ فلما وجدت خيلهم مذهباً ذهبت وتركوا رجلهم في مصافهم ؛ وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء، وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح. ولما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب، أفرحوا لها، ولم يحرجوها ؛ فذهبت فتفرقت في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرجل ففضوهم ؛ فكأنما هدم بهم حائط ؛ فاقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم فعمدوا إلى الواقوصة، حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من خشعت نفسه فيهوى الواحد بالعشرة لا يطيقونه ؛ كلما هوى اثنان كانت البقية أضعف ، فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف ؛ ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق ؛ سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل ؛ فكان سهم الفارس يومئذ ألفا وخمسمائة، وتجلل الفيقار وأشراف من أشراف الروم برانسهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور ؛ وإذا لم نستطع أن نمنع النصرانية ؛ فأصيبوا في تزملهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة ؛ قالا: أصبح خالد من تلك الليلة، وهو في رواق تذارق، لما دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله، وقاتل الناس حتى أصبحوا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان الغساني، عن أبيه، قال: قال عكرمة بن أبي جهل يومئذ: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن، وأفر منكم اليوم! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هاشم وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ؛ فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً، وقتلوا إلا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور. قال: وأتى خالد بعدما أصبحواا بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجههما، ويقطر في حلوقهما الماء، ويقول: كلا، زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عميس، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة - وكان شهد اليرموك هو وعبادة بن الصامت - أن النساء قاتلن يوم اليرموك في جولة، فخرج - ت جوريرية ابنة أبي سفيان في جولة، وكانت مع زوجها وأصيب بعد قتال شديد، وأصيبت يومئذ عين أبي سفيان، فأخرج السهم من عينه أبو حثمة.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد بن أرطأة بن جهيش، قال: كان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية ؛ فخرج يومئذ رجل من الروم، فقال: من يبارز؟ فخرج إليه الأشتر ؛ فاختلفا شربتين، فقال للرومي: خذها وأنا الغلام الإيادي فقال: الرومي: أكثر الله في قومي مثلك! أما والله لو أنك من قومي لآزرت الروم، فأما الآن فلا أعينهم ! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وخالد: وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك عكرمة، وعمرو بن عكرمة، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد - وأثبت خالد بن سعيد فلا يدري أين مات بعد - وجندب بن عمرو بن حممة الدوسي، والطفيل بن عمرو، وضرار بن الأزور أثبت فبقي وطليب بن عمير بن وهب من بني عبد قصي، وهبار بن سفيان، وهشام بن العاصي.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: لقي خالداً مقدمة الشأم مغيثاً لأهل اليرموك رجل من روم العرب، فقال: يا خالد، إن الروم في جمع كثير ؛ مائتي ألف أو يزيدون ؛ فإن رأيت أن ترجع على حاميتك فافعل ؛ فقال خالد: أبا لروم تخوفني! والله لوددت أن الأشقر براء من توجيه، وأنهم أضعفوا ضعفهم، فهزمهم الله على يديه! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن أرطأة بن جهيش، قال : قال خالد يومئذ: المد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إلى من عمر، والحمد لله ولي عمر، وكان أبعض إلى من أبي بكر ثم ألزمني حبه! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بن ميمون، قالوا: وقد كان هرقل حج قبل مهزم خالد بن سعيد، فحج بيت المقدس، فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه، فجمع الروم، وقال: أرى من الرأي ألا تقاتلون هؤلاء القوم، وأن نصالحوهم ؛ فوالله لأن تعطوهم نصف ما أخرجت الشأم ؛ وتأخذوا نصفاً وتقر لكم جبال الروم ؛ خير لكم من أن يبلغوكم على الشأم، ويشاركوكم في جبال الروم ؛ فنخر أخوه ونخر ختنه ؛ وتصدع عنه من كان حوله ؛ فلما رآهم يعصونه ويردون عليه بعث أخاه، وأمر الأمراء ووجه إلى كل جند جنداً. فلما اجتمع المسلمون، أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين، فنزلوا بالواقوصة، وخرج فنزل حمص، فلما بلغه أن خالداً قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم، وعمد إلى بصرى وافتتحها وأباح عذراء، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم ! فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم ؛ إن دينهم دين جديد يجدد لهم ثبارهم ، فلا يقوم لهم أحد حتى يبلى. فقالوا: قاتل عن دينك ولا تجبن الناس، واقض الذي عليك ؛ قال: وأي شئ أطلب إلا توفير دينكم!
ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك، بعث إليهم المسلمون: إنا نريد كلام أميركم وملاقاته ؛ فدعونا نأته ونكلمه، فأبلغوه فأذن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان كالرسول، والحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأبو جندل بن سهيل ؛ ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رواقاً في عسكره وثلاثون سرادقاً، كلها من ديباج ؛ فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحل الحرير فابرز لنا . فبرز إلى فرش ممهدة وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم إ ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتعدوا، فكان القتال ؛تى جاء الفتح.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مطرح، عن القاسم، عن أبي أمامة وأبي عثمان، عن يزيد بن سنان، عن رجال من أهل الشأم ومن أشياخهم ؛ قالوا: لما كان اليوم الذي تأمر فيه خالد، هزم الله الروم مع الليل، وصعد المسلمون العقبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل الله صناديدهم ورءوسهم وفرسانهم، وقتل الله أخاً هرقل، وأخذ التذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص، فارتحل فجعل حمص بينه وبينهم، وأمر عليها أميراً وخلفه فيها، كما كان أمر على دمشق، وأتبع المسلمون الروم حين هزموهم خيولاً يثفنونهم . ولما صار إلى أبي عبيدة الأمر بعد الهزيمة ؛ نادى بالرحيل، وارتحل المسلمون بزحفهم حتى وضعوا عساكرهم بمرج الصفر. قال أبو أمامة: فبعث طليعة من مرج الصفر، معي فارسان ؛ حتى دخلت الغوطة فجستها بين أبياتها وشجراتها، فقال أحد صاحبي: قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا، فقلت: قف مكانك حتى تصبح أو آتيك. فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة ؛ وليس في الأرض أحد ظاهر، فنزعت لجام فرسي وعلقت عليها مخلاتها، وركزت رمحي، ثم وضعت رأسي فلم أشعر إلا بالمفتاح يحرك عند الباب ليفتح ؛ فقمت فصليت الغداة ، ثم ركبت فرسي، فحملت عليه، فطعنت البواب فقتله، ثم انكفأت راجعاً؛ وخرجوا يطلبونني، فجعلوا يكفون عني مخافة أن يكون لي كمين، فدفعت إلى صاحبي الأدنى الذي أمرته أن يقف، فلما رأوه قالوا: هذا كمين انتهى إلى كمينه. فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني، فسرنا حتى انتهينا إلى المسلمين ؛ وقد عزم أبو عبيدة ألا يبرح حتى يأتيه رأى عمر وأمره ؛ فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دمشق، وخلف باليرموك بشير بن كعب بن أبي الحميري في خيل.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد عن أبي سعيد، قال: قباث: كنت في الوفد بفتح اليرموك، وقد أصبنا خيراً ونفلاً كثيراً، فمر بنا الدليل على ماء رجل قد كنت اتبعته في الجاهلية حين أدركت وآنست من نفسي لأصيب منه ؛ كنت دللت عليه، فأتيته فأخبرته، فقال: قد أصيب، فإذا ريبال من ريابلة العرب قد كان يأكل في اليوم عجز جزور بأدمها ومقدار ذلك منغير الغجز ما يفضل عنه إلا ما يقوتني. وكان يغير على الحي ويدعني قريباً، ويقول: إذا مر بك راجز يرتجز بكذا وكذا، فأنا ذلك ؛ فشل معي . فمكثت بذلك حتى أقطعني قطيعاً من مال، وأتيت به أهلي ؛ فهو أول مال أصبته. ثم إني رأست قومي ؛ وبلغت مبلغ رجال العرب، فلما مر بنا على ذلك الماء عرفته، فسألت عن بيته فلم يعرفوه، وقالوا: هو حي، فأتيتت ببنين استفادهم بعدي، فأخبرتهم خبري، فقالوا: اغد علينا غداً، فإنه أقرب ما يكون إلى ما تحب بالغداة، فغاديتهم فأدخلت عليه، فأخرج من خدره ؛ فأجلس لي، فلم أزل أذكره حتى ذكر، وتسمع وجعل يطرب للحديث ويستطعمنيه، وكال مجلسنا وثقلنا على صبيانهم ؛ ففرقوه ببعض ما كان يفرق منه ليدخل خدره، فوافق ذلك عقله، فقال: قد كنت وما أفزع! فقلت أجل، فأعطيته ولم أدع أحداً من أهله إلا أصبته بمعروف ثم ارتحلت.
كتب إلى السرى، عن سيف، عن أبي سعيد المقبري، قال: قال مروان بن الحكم لقباث: أانت منى ، وأنا أقدم منه، قال: فما أبعد ذكرك؟ قال: حثى الفيل لسنة. قال: وما أعجب ما رأيت؟ قال: رجل من قضاعة ؛ إني لما أدركت وآنست من نفسي سألت عن رجل أكون معه وأصيب منه، فدللت عليه.... واقتص هذا الحديث.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، أن أبا بكر رحمه الله حين سار القوم خرج مع يزيد بن أبي سفيان يوصيه، وأبو بكر يمشي ويزيد راكب، فلما فرغ من وصيته قال: أقرئك السلام، وأستودعك الله. ثم انصرف ومضى يزيد، فأخذ التبوكية ثم تبعه شرحبيل بن حسنة ثم يأبو عبيدة بن الجراح مدداً لهما على ربع، فسلكوا ذلك الطريق، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل بغمر العربات، ونزلت الروم بثنية جلق بأعلى فلسطين في سبعين ألفاً، عليهم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه. فكتب عمرو بن العاص ؛ وهو بمرج الصفر من أرض الشأم في يوم مطير يستمطر فيه ؛ فتعاوى عليه أعلاج الروم، فقتلوه، وقد كان عمرو بن العاص كتب إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمده.
قال أبو جعفر: وأما أبو يزيد، فحدثني عن علي بن محمد بالإسناد الذي قد ذكرت قبل ؛ أن أبا بكر رحمه الله وجه بعد خروج يزيد بن أبي سفيان موجهاً إلى الشأم بأيام، شرحبيل بن حسنة - قال: وهو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن عمرو، من كندة، ويقال من الأزد - فسار في سبعة آلاف، ثم أبا عبيدة بن الجراح في سبعة آلاف، فنزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن - ويقال بصرى - ونزل أبو عبيدة الجابية، ثم أمدهم بعمرو بن العاص، فنزل بغمر العربات، ثم رغب الناس في الجهاد ؛ فكانوا يأتون المدينة فيوجههم أبو بكر إلى الشأمفمنهم من يصير مع أبي عبيدة، ومنهم من يصير مع يزيد، يصير كل قوم مع من أحبوا.
قالوا: فأول صلح كان بالشأم صلح مآب؛ وهي فسطاط ليست بمدينة ، مر أبو عبيدة بهم في طريقه، وهي قرية من البلقاء، فقاتلوه، ثم سألوه الصلح فصالحهم . واجتمع الروم جمعاً بالعربة من أرض فلسطين ؛ فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان أبا أمامة الباهلي ؛ ففض ذلك الجمع قالوا: فأول حرب كانت بالشأم بعد سرية أسامة بالعربة. ثم أتوا الدائية - ويقال الدائن - فهزمهم أبو أمامة الباهلي، وقتل بطريقاً منهم . ثم كانت مرج الصفر، استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص، أتاهم أدرنجار في أربعة آلاف وهم غارون، فاستشهد خالد وعدة من المسلمين.
قال أبو جعفر: وقيل إن المقتول في هذه الغزوة كان ابناً لخالد بن سعيد، وإن خالداً انحاز حين قتل ابنه، فوجه أبو بكر خالد بن الوليد أميراً على الأمراء الذين بالشأم، ضمهم إليه ؛ فشخص خالد من الحيرة في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمائة - ويقال في خمسمائة - واستخلف على عمله المثنى بن حارثة، فلقيه عدو بصندوداء، فظفر بهم، وخلف بها ابن حرام الأنصار ؛ ولقى جمعاً بالمصيخ والحصيد، عليهم ربيعة بن بجير التغلبي، فهزمهم وسبى وغنم، وسار ففوز من قراقر إلى سوى ؛ فأغار على أهل سوى ؛ واكتسح أموالهم، وقتل حرقوص ابن النعمان البهراني، ثم أتى أرك فصالحوه، وأتى تدمر فتحصنوا ، ثم صالحوه ؛ ثم أتى القريتين، فقاتلهم فظفر بهم وغنم، وأتى حوارين ؛ فقاتلهم فهزمهم وقتل وسبى، وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة، وأتى مرج راهط، فأغار على غسان في يوم فصحهم فقتل وسبى، ووجه بسرين أبى ارطاة وحبيب بن مسلمة إلى الغوطة، فأتوا كنيسة فسبوا الرجال والنساء، وساقوا العيال إلى خالد.
قال: فوافى خالداً كتاب أبي بكر بالحيرة منصرفة من حجه: أن سر حتى تأتى جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا ، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجي من الناس نزعك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة ؛ فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل ؛ وإياك أن تدل بعمل، فإن الله عز وجل له المن، وهو ولي الجزاء.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عطاء، عن الهيثم البكائي، قال: كان أهل الأيام من أهل الكوفة يوعدون معاوية عند بعض الذي يبلغهم، ويقولن: ما شاء معاوية! نحن أصحاب ذات السلاسل، ويسمون ما بينهما وبين الفراض ؛ ما يذكرون ماكان بعد ؛ احتقاراً لكا كان بعد فيما كان قبل.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظفر بن دهى ، ومحمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سياه الأحمري، قالوا: كان أبو بكر قد وجه خالد بن سعيد بن العاص إلى الشأم حيث وجه خالد بن الوليد إلى العراق، وأوصاه بمثل الذي أوصى به خالداً . وإن خالد بن سعيد سار حتى نزل على الشأم ولم يقتحك ؛ واستجلب الناس فعز ، فهابته الروم، فأحجموا عنه، فلم يصبر على أمر أبي بكر ولكن توردها فاستطردت له الروم، حتى أوردوه الصفر، ثم تعطفوا عليه بعد ما أمن ؛ فوافقوا ابنة سعيد بن خالد مسمطراً ؛ فقتلوه هو ومن معه، وأتى الخبر خالداً، فخرج هارباً حتى يأتي البر، فينزل منزلاً، واجتمعت الروم إلى اليرموك ؛ فنزلوا به، وقالوا: والله لنشعلن أبا بكر في نفسه عن تورد بلادنا بخيوله.
وكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بالذي كان، فكتب أبو بكر إلى عمرو ابن العاص - وكان بلاد قضاعة - بالسير إلى اليرموك، ففعل . وبعث أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان، وأمر كل واحد منهما بالغارة، وألا توغلوا حتى لا يكون وراءكم أحد من عدوكم.
وقدم عليه شرحبيل بن حسنة بفتح من فتوح خالد، فسرحه نحو الشأم في جند، وسمى لكل رجل من أمراء الأجناد كورة من كور الشأم ؛ فتوافروا باليرموك، فلما رأت الروم توافيهم، ندموا على الذي ظهر منهم، ونسوا الذي كانوا يتوعدون به أبا بكر، واهتموا وهمتهم أنفسهم، وأشجوهم وشجوا بهم، ثم نزلوا الواقصة. وقال أبو بكر: والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، فكتب إليه بهذا الكتاب الذي فوق هذا الحديث، وأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة على العراق في نصف الناس، فإذا فتح الله على المسلمين الشأم، فارجع إلى عملك بالعراق. وبعث خالد بالخماس إلا ما نفل منها مع عمير بن سعد الأنصاري وبمسيرة إلى الشأم. ودعا خالد الأدلة، فارتحل من الحيرة شائراً إلى دومة، ثم طعن في البر إلى قراقر، ثم قال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم! فإن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين، فكلهم قال : لا نعرف إلا طريقاً لا يحمل الجيوش، يأخذ الفذ الراكب، فإياك أن تغرر بالمسلمين. فعزم عليهم ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيب شديد ، فقام فيهم، فقال: لا يختلفن هديكم، ولا يضعفن يقينكم، واعلموا أم المعونة تأتي على قدر النية ، والأحر على قدر الحسبة ؛ وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشئ يقع فيه مع معونة الله له، فقالوا : أنت رجل قد جمع الله لك الخير ، فشأنك. فطابقوه ونووا واحتسبوا، واشتهوا مثل الذي خيل بقدر ما يستقيها، فظمأ كل قائد من الإبل الشرف الجلال ما يكتفيبه، ثم سقوها العلل بعد النهل ؛ ثم صروا آذن الإبل وكعموها، وخلوا أدبارها، ثم ركبوا من قراقر مفوزين إلى سوى - وهي على جانبيها الآخر مما يلي الشأم - فلما ساروا يوماً افتظوا لكل عدة من الخيل عشراً من تلك الإبل فمزجوا ما في كروشها بما كان من الألبان، ثن سقوا الخيل، وشربوا للشفعة جرعاً، ففعلوا ذلك أربعة أيام.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز ابن ثعلبة ؛ عمن حدثة من بكر بن وائل، أن محرز بن حريش المحاربي قال لخالد: اجعل كوكب الصبح على حاجبك اليمن، ثم أمه تفض إلى سوى ؛ فكان أدلهم.
قال أبو جعفر الطبري: وشاركهم محمد وطلحة، قالوا: لما نزل بسوى وخشى أن يفضحهم حر الشمس، نادى هالد رافعاً: ما عندك؟ قال: خير، أدركتم الري ، وأنتم على الماء! وشجعهم وهو متحير أرمد، وقال: أيها الماس، انظروا علمين كأنهما ثديان. فأتوا عليهما وقالوا: علمان، فقام عليهما فقال: اضربوا يمنة ويسرة - لعوسجة كعقدة الرجل - فوجدوا جذمها، فقالوا: جذم ولا نرى شجرة، فقال: احتفروا حيث شئتم، فاسشتثاروا وأحساء رواء، فقال رافع: أيها الأمير، والله ما وردت هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته إلا مرة وأنا غلام مع أبي. فاستعدوا ثم أغاروا والقوم لا يرون أن جيشاً يقطع إليهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن أبراهيم، عن ظفر بن دهى، قال: فأغار بنا خالد من سوى على مصيخ بهراء بالقصواني - ماء من المياه - فصبح المصيخ والنمر ؛ وإنهم لغارون، وإن رفقة لتشرب في وجه الصبح، وساقيهم يغنيهم، ويقول:
ألا صبحاني قبل جيش أبي بكر فضربت عنقه، فاختلط دمه بخمره.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بإسنادهالذي تقدم ذكره، قال: ولما بلغ غسان خروج خالد على سوى وانتسافها، وغارته على مسيخ بهراء وانتسافها، فاجتمعوا بمرج واهط، وبلغ ذلك خالداً، وقد خلف ثغور الروم وجنودها مما يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، صمد لهم ؛ فخرج من سوى بعد مارجع إليها بسبي بهراء، فنزل الرمانتين - علمين على الطريق - ثم نزل الكثب ؛ حتى صار إلى دمشق ، ثم مرج الصفر، فلقى عليه غسام وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتسف عسكرهم وعيالاتهم. ونزل بالمرج أياماً، وبعث إلى أبي بكر بالأخماس مع بلال بن الحارث المزني، ثم خرج من المرج حتى ينزل قناة بصرى ؛ فكانت أول مدينة افتتحت بالشأم على يدي خالد فيمن معه من جنود العراق، وخرج منها، فوافى المسلمين بالواقوصة، فنازلهم بها في تسعة آلاف.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: ولما رجع خالد من حجة وافاه كتاب أبي بكر بالخروج في شطر الناس، وأن يخلف على الشطر الباقي المثنى بن حارثة، وقال: لا تأخذن نجداً إلا خلفت له نجداً، فإذا فتح الله عليكم فارد هم إلى العراق، وأنت معهم، ثم أنت على عملك ؛ وأحضر خالد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأثر بهم على المثنى، وترك للمثنى أعدادهم من أهل القناعة ممن لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقي، فاختلج من كان قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافداً أو غير وافد، وترك للمثنى أعدادهم من أهل القناعة ؛ ثم قسم الجند نصفين، فقال المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة أو بع النصف ؛ وبالله ماأرجو النصر إلا بهم، فأنى تعريني منهم! فلما رأى ذلك خالد بعدما تلكأ عليه أعاضه منهم حتى رضى، وكان فيمن أعاضه منهم فرات بن حيان العجلي، وبشير بن الخصاصية والحارث بن حسان الذهليان، ومعبد بن أم معبد الأسلمى، وعبد الله بن أبي أوفى الأسلمى؛ والحارث بن بلال المزنى، وعاصم بن عمرو التميمي ؛ حتى إذا رضى المثنى وأخذ حاجته، انجذب خالد فمضى لوجهه وشيعه المثنى إلى قراقر، ثم رجع إلى الحيرة في المحرم ، فأقام في سلطانه، ووضع في المسلحة التي كان فيها على السيل أخاه، ومكان ضرار بن الخطاب عتيبة بن النهاس، ومكان ضرار بن الأزور مسعوداً أخاه الآخر، وسد أماكن كل من خرج من الأمراء برجال أمثالهم من أهل الغناء، ووضع مذعور بن عدي في بعض تلك الأماكن، واستقام أهل فارس - على رأس سنة من مقدم خالد الحيرة ؛ بعد خروج خالد بقليل ؛ وذلك في سنة ثلاث عشرة - على شهر براز بن أرشير بن شهريار ممن يناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجه إلى المثنى جنداً عظيماً عليهم هرمز جاذويه في عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتب المسالح إلى المثنى بإقباله، فخرج المثنى من الحيرة نحوه، وضم إليه المسالح، وجعل على مجنبتيه المعنى ومسعوداً ابني حارثة، وأقام له ببابل، وأقبل هرمز جاذويه، وعلى مجنبتيه الكوكبد والخر كبذ. وكتب إلى المثنى: من شهر براز إلى المثنى ؛ إني قد بعثت إليك جنداً من وخش أهل فارس ، إنما هم رعاة الدحاج والخنازير ؛ ولست أقاتلك إلا بهم فأجابه المثنى: من المثنى إلى شهر براز ؛ إنما أنت أحد رجلين: إما باغ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك. وأما الذي يدلنا عليه الرأى ؛ فإنكم إنما اضطررتم إليهم ؛ فالخمد لله الذي رد كيدطمك إلى رعاة الدجاج والخنازير. فجزع أهل فارس من كتابه، وقالوا: إنما أتى شهر براز من شؤم مولده ولؤم منشئه - وكان يسكن ميسان - وبعض البلدان شين على من يسكنه. وقالوا له : جرأت علينا عدونا بالذي كتبت به إليهم ؛ فإذا كاتبت أحداً فاستشر. فالتقوا ببابل، فاقتتلوا بعدوة الصراة الدنيا على الطريق الأول قتالاً شديداً.
ثم إن المثنى وناساً من المسلمين اعتوروا الفيل - وقد كان يفرق بين الصفوف والكراديس - فأصابوا مقتله، فقتلوه وهزموا أهل فارس، واتبعهم المسلمون يقتلون ، حتى جازوا بهم مسالحهم، فأقاموا فيها، وتتبع الطلب الفالة ؛ حتى انتهوا إلى المدائن ؛ وفي ذلك يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان عبدة قد هاجر لمهاجر حليلة له حتى شهد وقعة بابل ؛ فلما آيسته رجع إلى البادية، فقال:
هل حبل خولة بعد البين موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول!
وللأحبة أيام تذكرها ... والمنوى قبل يوم البين تأويل
حلت خويلة في حي عهدتهم ... دون المدائن فيها الديك والفيل
يقارعون رءوس العجم ضاحية ... منهم فوارس، لا عزل ولا ميل
القصيدة. وقال الفرزدق يعدد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنى وقتله الفيل:
وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة ... ببابل إذا في فارس ملك بابل
ومات شهر براز منهزم هرمز جاذويه.
واختلف أهل فارس، وبقي ما دون دجلة وبرس من السواد في يدي المثنى والمسلمين.
ثم إن أهل فارس اجتمعوا بعد شهر براز على دخت زنان ابنة كسرى ؛ فلم ينقذ لها أمر فخلعت.
وملك سابور بن شهر براز. قالوا: ولما ملك سابور بن شهر براز قام بأمره الفر خزاذ بن البنوان، فسأله أن يزوجه آزرميدخت ابنة كسرى، ففعل، فغضبت من ذلك، وقالت: يا بن عم، أتزوجني عبدي!قال: استحي من هذا الكلام ولا تعيديه على ، فإنه زوجك، فبعثت إلى سياوخش الرازي - وكان من فتاك الأعاجم - فشكت إليه الذي تخاف، فقال لها: إن كنت كارهة لهذا فلا تعاوديه فيه، وأرسلى إليه وقولي له: فليقل له فليأتك ؛ فأنا أكفيكه. ففعلت وفعل؛ واستعد سياوخش، فلما كان ليلة العرس أقبل الفرخزاذ حتى دخل، فثار به سياوخش فقتله ومن معه، ثم نهد بها معه إلى سابور، فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوخه. وملكت آزر ميدخت بنت كسرى، وتشاغلوا بذلك ؛ وأبطأ خبر أبي بكر على المسليمن فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية، ووضع مكانه في المسالح سعيد بن مرة العجلي ؛ وخرج المثنى نحو أبي بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين، وليستأذنه في الإستعانة بمن قد ظهرت توبته وندمه من أهل الردة ممن يستطعمه الغزو ، وليخبره أنه لم يخلف أحداً أنشط إلى قتال فارس وحربها ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة وأبو بكر مريض، وقد كان مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشأم - مرضته التي مات فيها - بأشهر ؛ فقدم المثنى وقد أشفى، وعقد لعمر، فأخبر الخبر، فقال: على بعمر، فجاء فقال له : اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به ؛ إني لأرجو أن أموت من يومي هذا - وذلك يوم الإثنين - فإن أنامت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى ، ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم، ووصية ربكم ؛ وقد رأيتني متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله ؛ وبالله لو أني أنى عن أمر رسوله لخذلنا ولعاقبنا، فاضطرمت المدينة ناراً. وإن فتح الله على أمراء الشأم فاردد أصحاب خالد إلى العراق، فإنهم أهله وولادة أمره وحده وأهل الضراوة منهم والجراءة عليهم.
ومات أبو بكر رحمه الله مع الليل، فدفنه عمر ليلاً، وصلى عليه في المسجد، وندب الناس مع المثنى بعدما سوى على أبي بكر، وقال عمر: كان أبو بكر قد علم أنه يسوءني أن أؤمر خالداً على حرب العراق حين أمرني بصرف أصحابي، وترك ذكره.
قال أبو جعفر: وإلى آزر ميخت انتهى شأن أبي بكر، وأحد شقي السواد في سلطانه، ثم مات وتشاغل أهل فارس فيما بينهم عن إزالة المسلمين عن السواد، فيما بين ملك أبي بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنى مع أبي عبيد إلى العراق، والجمهور من جند أهل العراق بالحيرة، والمسالح بالسيب، والغازات تنتهي بهم إلى شاطئ دجلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم.
فهذا حديث العراق في إمارة أبي بكر من مبتدئه إلى منهاه.
رجع الحديث إلى حديث أبن إسحاق . وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحيرة، يأمره أن يمد أهل الشأم بمن معه من أهل القوة ، ويخرج فيهم، ويستخلف على ضعفه الناس رجلاً منهم ؛ فلما أتى خالداً كتاب أبي بكر بذلك، قال خالد: هذا عمل الأعسير بن أم شملة - يعني عمر بن الخطاب - حسدني أن يكون فتح العراق على يدي. فسار خالد بأهل القوة من الناس ورد الضعفاء والنساء إلى المدينة ؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر عليهم عمير بن سعد الأنصاري، واستخلف خالد على من أسلم بالعراق من ربيعة وغيرهم المثنى بن حارثة الشيباني. ثم سار حتى نزل على عين التمر، فأغار على أهلها، فأصاب منهم، ورابط حصناً بها فيه مقاتلة كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم، فضرب أعناقهم، وسبى من عين التمر ومن أبناء تلك المرابطة سبايا كثيرة فبعث بها إلى أبي بكر ؛ فكان من تلك السبايا أبو عمرة مولى شبان ؛ وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وأبو عبيدة مولى المعلى، من الأنصار من بني زريق، وأبو عبد الله مولى زهرة، وخير مولى أبي داود الأنصاري ثم أحد بني مازن بن النجار، ويسار وهو جد محمد بن إسحاق مولى قيس بن مخرومة بن المطلب بن عبد مناف، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ثم أحد بني مالك بن النجار، وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان. وقتل خالد بن الوليد هلال بن عقة ابن بشر النمري وصلبة بعين التمر، ثم أراد السير مفوزا من قراقر - وهو ماء لكلب إلى سوى ، وهو ماء لبهران بينهما خمس ليال - فلم يهتد خالد الطريق، فالتمس دليلاً، فدل على رافع بن عميرة الطائي ؛ فقال له خالد: انطلق، بالناس فقال له رافع: إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال ؛ والله إن الراكب المفرد ليخافها على نفسه وما يسلطها إلا مغرراً؛ إنها لخمس ليال جياد لا يصاب فيها ماء مع مضلتها، فقال له خالد: ويحك! إنه والله إن لي بد من ذلك، إنه قد أتتني من الأمير عزمة بذلك فمر بأمرك . قال : استكبروا من الماء ؛ من استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل ؛ فإنها المهالك إلا ما دفع الله؛ ابغني عشرين جزوراً عظاماً سماناً مسان . فأتاه بهن خالد، فعمد إليهن رافع فظمأهن، حتى إذا أجهدهن عطشاً أوردهن فشربن حتى إذا تملأن عمد إليهن، فقطع مشافرهن، ثم كعمهن لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهن.
ثم قال لخالد: سر؛ فسار خالد معه مغذاً بالخيول والأثقال ؛ فكلما نزل منزلاً افتظ أربعاً من تلك الشوارف ؛ فأخذ كا في أكراشها، فسقاه الخيل؛ ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء ؛ فلما خشي خالد على أصحابه في آخر يوم من المفاز قال لرافع بن عميرة وهو أرمد: ويحك يا رافع! ما عندك؟ قال أدركت الري إن شاء الله فلما دنا من العلمين، قال للناس: انظروا هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل ؟ قالوا: ما نراها. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون!هلكتم والله إذاًي وهلكت ؛ لا أباكم!انظروا فطلبوا فوجودها قد قطعت وبقيت منها بقية، فلما فحفروا فاستخرجوا عيناً، فشربوا حتى روى الناس، فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة، وردته مع أبي وأنا غلام، فقال شاعر من المسلمين:
لله عيناً رافع أنى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى!
خماً إذا ما سارها الجيش بكى ... ما سارها قبلك إني يرى
فلما انتهى خالد إلى سوى، أغار على أهله - وهم بهراء - قبيل الصبح، وناس منهم يشربون خمراً لهم في جفنة قد اجتمعوا عليها، ومغنيهم يقول:
ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري
ألا عللاني بالزجاج وكررا ... على كميتاللون صافية تجري
ألا عللاني من سلافة قهوة ... تسلى هموم النفس من جيد الخمر
أظن خيول المسلمين وخالداً ... ستطرقكم قبل الصباح من البشر
فهل لكم في السيرقبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر
فيزعمون أن مغنيهم ذلك قتل تحت الغارة، فسال دمه في تلك الجفنة. ثم سار خالد على وجهه ذلك، حتى أغار على غسان بمرج راهط، ثم سار حتى نزل على قناة بصرى، وعليها عيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان ؛ فاجتمعوا عليها، فرابطواها حتى صالحت بصرى على الجزية،وفتحها الله على المسلمين، فكانت أول مدينة من مدائن الشأم فتحت في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعاً إلى فلسطين مدداً لعمرو العاص ، وعمرو مقيم بالعربان من غور فلسطين، وسمعت الروم بهم، فانكشفوا عن جلق إلى أجنادين ؛ وعليهم تذارق أخو هرقل لأبيه وأمه - وأجنادين بلد بين الرملة وبين جبرين من أرض فلسطين - وسار عمرو بن العاص حين سمع بأبي عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان حتى لقيهم، فاجتمعوا بأجنادين ؛ حتى عسكروا عليهم.
حدثنا بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، أنه قال: كان على الروم رجل منهم يقال له القبقلار ؛ وكان هرقل استخلفه على أمراء الشأم حين سار إلى القسطنطينية، وإليه انصرف تذارق بمن معه من الروم.قأما علماء الشأم فيزعمون أنما كان على الروم تذارق. والله أعلم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: تدانى العسكران بعث القبقلا رجلاً عربياً - قال: فحدثت أن ذلك الرجل رجل من قضاعة، من تزيد بن حيدان، يقال له ابم هزارف - فقال: ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوماً وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال: فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر ؛ فأقام فيهم يوماً وليلة، ثن يأتاه فقال له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم ؛ لإقامة الحق فيهم. فقال له القبقلار: لئن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها ، ولوددت أن حظى من الله أن يخلى بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصرهم على. قال:ثم تزحف الناس، فاقتتلوا، فلما رأى القبقلار ما رأى من قتال المسلمين ؛ قال للروم: لفوا رأسي بثوب، قالوا له: لم ؟ قال: يوم البئيس، لا أحب أن أراه! ما رأيت في الدنيا يوماً أشد من هذا! قال فاحتز المسلمون رأسه، وإنه لملفف.
وكانت وقعة أجنادين في سنة ثلاث عشرة لليلتين بقيتا من جمادى الأولى. وقتل يومئذ من المسلمين جماعة ؛ منهم سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبار بن الأسود بن عبد الأسد، ونعيم بن عبد الله النحام، وهشام بن العاصي بم وائل، وجماعة أخر من قريش. قال: ولم يسم لنا من الأنصار أحد أصيب بها.
وفيها توفي أبو بكر لثمان ليال بقين - أو سبع بقين - من جمادى الآخر.
رجع الحديثإلى حديث أبي يزيد، عن على بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره. قال: وأني خالد دمشق فجمعله صاحب بصرى، حصنهم ؛ وطلبوا الصلح، فصالحهم على كل رأس دينار في كل عام وجريب حنطة. ثم رجع العدو للمسلمين، فتوافت جنود المسلمين والروم بأجنادين، فالتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ؛ فظهر المسلمون، ثم رجع هرقل للمسلمين، فالتقوا بالواقوصة فقاتلوهم ؛ وقاتلهم العدو، وجاءتهم وفاة أبي بكر وهم مصافون وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب.
ذكر مرض أبي بكر ووفاتهحدثني أبو زيد ؛ عن على بن محمد، بإسناده الذي قد مضى ذكره ؛ قالوا: توفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة في جمادى الآخرة يوم الإثنين لثمان بقين منه. قالوا: وكان سبب وفاته أن اليهود سمته في أرزة، ويقال في جذيذة، وتناول معه الحارث بن كلدة منها، ثم كف وقال لأبي بكر: أكلتطعاماً مسموما ً سم سنة. فمات بعد سنة، ومرض خمسة عشر يوماً، فقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب! فقال: قد رآني، قالوا فما قال لك؟ إني أفعل ما أشاء.
قال أبو جعفر : ومات عتاب بن أسيد بمكة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر - وكانا سما جميعاً - ثم مات عتاب بمكة.
وقال غير من ذكرت في سبب مرض أبي بكر الذي توفي فيه، ما حدثني الحادث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أسامة بن يزيد الليثي، عن محمد بن حمزة، عن عمرو، عن أبيه قال . وأخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة عن عائشة، قال. وأخبرنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عمر بن الحسين مولى آل مظعون، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر، قالوا: كان أول ما بدأ مرض أبي بكر به بارداً فحم خمسة عشر يوماً لا يخرد إلى الصلاة ؛ وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس ؛ ويدخل الناس يعودونه ؛ وهو يثقل كل يوم، وهو نازل داره التي قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاه دار عثمان بن عفان اليوم، وكان عثمان ألزمهم في مرضه ؛ وتوفى أبو بكر مسى ليلة الثلاثاء ؛ لثمال ليال بقين من جمادى الآخر سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال. قال: وكان أبو معشر يقول: كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، فتوفى سن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو ولد بعد الفيل بثلاث سنين .
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا جرير، عن يحيى بن يعيد، قال: قال سعيد بن المسيب: استكمل أبو بكر بخلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوفى وهو بسن النبي صلى الله عليه وسلم .
حدثنا أبو كريب، قال حدثنا أبو نعيم، عن يونس بن إسحاق، عن أبي السفر، عن عامر، عن جرير، قال كنت عند معاوية فقال: توفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وحدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد ، عن جرير، قال: قال معاوية: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين، وتوفى أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين.
وقال على بن محمد في خبره الذي ذكرت عنه: كانت ولاية أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يوماً، ويقال: عشرة أيام.
ذكر الخبر عمن غسله والكفن الذي كفن فيه أبو بكر ومن صلى عليه والوقت الذي صلى عليه فيه والوقت الذي توفى فيه حدثني الحارث، عن أبن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني مالك بن أبي الرحال ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفى أبو بكر رحمه الله بين المغرب والعشاء.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، عن محمد بن عبد الله، عن غطاء وابن أبي نليكة، أن أسماء بنت عميس، قالت: قال لي أبو بكر: غسليني، قلت: لا أطيق ذلك، قال : يعينك عبد الرحمن ابن أبي بكر، يصب الماء.
حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، قال: أخبرنا معاذ بن معاذ ومحمد بن عبد الله الأنصاري، قالا: حدثنا الأشعث، عن عبد الواحد بن صبرة، عن القاسم بن محمد. قال ابن سعد: قال محمد بن عمر: وهذا الحديث وهل ؛ وإنما كان لمحمدج يوم توفي أبو بكر ثلاث سنين .
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، سألها أبو بكر ؛ كم كفن النبي صلى الله عليه وسلم ؟قالت: في ثلاثة أثواب، قال: اغسلوا ثوبي هذين - وكانا ممشقين - وابتاعوا لي ثوباً آخر. قلت: يا أبه، إنا موسرون، قال: أي بنية، الحي أحق بالجديد من الميت، وإنما هما للمهلة والصديد.
حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا الأوزاعي ؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم ؛ أن أبا بكر توفى عشاء بعد ما غابت الشمس ليلة الثلاثاء، ودفن ليلاً ليلة الثلاثاء.
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا غنام عن هشام، عن أبيه أن أبا بكر مات ليلة الثلاثاء ودفن ليلاً.
حدثني أبو زيد، عن على بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكريه، أن أبا بكر حمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى عليه عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل قبره عمر ، وعثمان ؛ وطلحة ؛ وعبد الرحمن بن أبي بكر ؛ وأراد عبد الله أن يدخل قبره، فقال له عمر: كفيت.
قال أبو جعفر: وكان أوصى - فيما حدثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عمر بن عبد الله - يعني ابن عروة - أنه سمع عروة والقاسم بن محمد يقولان: أوصى أبو بكر عائشة أن يدفن إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما توفي حفر له، وجعل رأسه عند كتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألصقوا اللحد يلحد النبي صلى الله عليه وسلم فقير هنالك .
قال الحارث: حدثني ابن سعد، قال: وأخبرنا محمد بن عمر، يقال: حدثني ابن عثمان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، جعل رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأس عمر عند حقوى أبي بكر .
حدثني على بن مسلم الكوسي، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم بن محمد، قال: دخلت على عائشة رضى الله تعالى عنها، فقلت: يا أمه، اكشفى لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ؛ فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ؛ قال: فرأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مقدماً وقبر أبي بكر عند رأسه، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم .
حدثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، قال: جعل قبر أبي بكر مثل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحاً ؛ ورش عليه الماء، وأقامت عليه عائشة النوح .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب ؛ قال: حدثني سعيد بن المسيب، قال: لما توفى أبو بكر رحمه الله أقامت عليه عائشة النوح، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها، فنهاهن عن البكاء على أبي بكر، فأبين أن ينتهين، فقال عمر لهشام بن الوليد: ادخل فأخرج إلى ابنة أبي قحافة ؛ أخت أبي بكر، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر: إني أحرج عليك بيتي. فقال عمر لهشام : ادخل فقد أذنت لك، فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبي بكر إلى عمر، فعلاها بالدرة، فضربها ضربات، فتفرق النوح حين سمعوا ذلك.
وتمثل في مرضه - فيما حدثني أبو زيد، عن علي ابن محمد بإسناده - الذي توفى فيه:
وكل ذي إبل موروث ... وكل ذي سلب مسلوب
وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب
وكان آخر ما تكلم به، رب (توفى مسلماً وألحقني بالصالحين).
ذكر الخبر عن صفة جسم أبي بكر رحمه الله حدثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال حدثنا شعيب بن طلحة بن عبد الله بم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه، عن عائشة، رضى الله تعالى عنها، أنها نظرت إلى رجل من العرب مر وهي في هودجها، فقالت: ما رأيت رجلاً أشبه بأبي بكر من هذا، فقلنا لها: صفي أبا بكر، فقالت: رجل أبيض نفيف العارضين، أجنأ لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حقويه ، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع .
وأما على بن محمد ؛ فإنه قال في حديثه الذي ذكرت إسناده قبل: إنه كان أبيض يخالطه صفرة، حسن القامة، نحيفاً أجنأ، رقيقاً عتيقاً، أقنى، معروق الوجه، غائر العينين، حمش الساقين، ممحوص الفخذين، يخضب بالحناء والكتم.
وكان أبو قحافة حين توفي حياً بمكة، فلما نعي إليه قال: رزء جليل! ذكر نسب أبي واسمه وما كان يعرف به حدثني أبو زيد، قال: حديثنا على بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره، أنهم أجمعوا على أن إسم أبي بكر عبد الله، وأنه إنما قيل له عتيق عن عتقه قال: قال بعضهم: قيل له ذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال له : أنت عتيق من النار.
حدثني الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن معاوية بن إسحاق، عن أبيه، عن عائشة، أنها سئلت: لم سمى أبو بكر عتيقاً؟ فقالت: نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال: هذا عتيق الله من النار .
واسم أبيه عثمان، وكنيته أبو قحافة، قال: فأبو بكر عبد الله بن عثمان ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى ابن غالب بن فهر بن مالك، وأمه أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
وقال الواقدي: اسمه عبد الله بن أبي قحافة - وإسمه عثمان - بن عامر. وأمه أم الخير، واسمها بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.
وأما هشام، فإنه قال - فيما حدثت عنه - إن اسم أبي بكر عتيق ابن عثمان بن عامر.
وحدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، قال: سألت عبد الرحمن بن القاسم عن اسم أبي بكر الصديق، فقال: عتيق ؛ وكانوا إخوة ثلاثة بني أبي قحافة: عتيق ومعتق وعتيق.
ذكر أسماء نساء أبي بكر الصديق رحمه الله حدث على بن محمد، عمن حدثه ومن ذكرت من شيوخه، قال: تزوج أبو بكر في الجاهلية قتيلة - ووافقه على ذلك الواقدي زالكلبي - قالوا: وهي قتيلة ابنة عبد العزى بن عبد بن أسعد بن جابر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، فولدت له عبد الله أسماء. وتزوج أيضاً في الجاهلية أم رومان بنت عامر بن عمير بن ذهل بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة - وقال بعضهم : هي أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذنية بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة - فولدت له عبد الرحمن وعائشة فكل هؤلاء الأربعة من أولاده، ولدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية.
وتزوج في الإسلام أسماء بنت عميس؛ وكانت قبله عندج جعفر بن أبي طالب ؛ وهي أسماء بنت عميس بن معد بن تيم بن الحارث بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بم ربيعة بن عامر بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل - وهو خثعم - فولدت له محمد بن أبي بكر.
وتزوج أيضاً فيالإسلام حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير ؛ من بني الحارث بن الخروج ؛ وكانت نشأ حين توفى أبو بكر ؛ فولدت له بعد وفاته جارية سميت أم كلثوم.
ذكر أسماء قضاته وكتابه وعماله على الصدقات حدثنا محمد بن عبد الله المخزمي، قال: حدثنا أبو الفتح نصر بن المغيرة، قال قال سفيان - وذكره عم مسعر: لما ولى أبو بكر ؛ قال أبو عبيدة: أنا أكفيك المال - يعني الجزاء - وقال عمر: أنا أكفيك القضاء : فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان.
وقال علي بن محمد عن الذين سميت: قال بعضهم: جعل أبو بكر عمر قاضياً في خلافته، فمكث سنة لم يخاصم إليه أحد.
قال: قالوا: كان يكتب له زيد بن ثابت، ويكتب له الأخبار عثمان بن عفان رضى الله عنه، وكان يكتب له من حضر.
وقالوا: كان عامله على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاصي، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد، وعلى خولان يعلى بن أمية ؛ وعلى زبيد ورمع أبو موسى الأشعري، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي. وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران، وبعث بعبد الله بن ثمر ؛ أحد بني الغوث إلى ناحية جرش، وبعث عياض بن غنم الفهري إلى دومة الجندل ؛ وكان بالشأم أبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص ؛ كل رجل منهم على جند، وعليهم خالد بن الوليد.
قال أبو جعفر: وكان رضى الله عنه سخياً ليناً، عالماً بأنساب العرب ؛ وفيه يقول خفاف بن ندبة - وندبة أمه، وأبوه عمير بن الحارث - في مرثبته أبا بكر:
أبلج ذو عرف وذو منكر ... مقسم المعروف رحب الفناء
للمجد في منزله بادياً ... حوض رفيع لم يخنه الإزاء
والله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر حاف ولا ذو رداء
من يسع كي يدرك ايامه ... يجتهد الشد بأرض فضاء
وكان - فيما ذكر الحارث، عن ابن سعد، عن عمرو بن الهيثم أبي قطن ؛ قال : حدثنا الربيع عن حيان الصائغ، قال : كان نقش خاتم أبي بكر رحمه الله: نعم القادر الله.
قالوا: ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياماً ؛ وتوفى في المحرم سنة أربع عشرة بمكة ؛ وهو ابن سبع وتسعين سنة.
ذكر استخلافه عمر بن الخطابوعقد أبو بكر في مرضته التي توفى فيها لعمر بن الخطاب عقد الخلافة من بعده.
وذكر أنه لما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بن عوف ؛ فيما ذكر ابن سعد، عن الواقدي، عن ابن سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ؛ قال: لما نزل بأبي بكر رحمه الله الوفاة دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر، فقال: يا خليفة رسول الله، هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل ؛ ولكن فيه غلطة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه. ويا أبا محمد قد رمقته، فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشئ أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه؛ لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئاً، قال: نعم. ثم دعا عثمان بن عفان، قال: يا أبا عبد الله، أخبرني عن عمر، قال: أنت أخبر به، فقال أبو بكر: على ذاك يا أبا عبد الله ! قال اللهم علمني به أن سريرته خير من علانيته ؛ وأن يس فينا مثله. قال أبو بكر رحمه الله: رحمك الله يا أبا عبد الله ، لا تذكر مما ذكرت لك شيئاً، قال أفعل ، فقال له أبو بكر: لو تركته ما وعدتتك، وما أدري لعله تاركه، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئاً، ولوددت أني كنت خلواً من أموركم ؛ وأني كنت فيمن مضى من سلفكم ؛ يا أبا عبد الله، لا تذكرون مما قلت لك من أمر عمر، ولا مما دعوتك له شيئاً .
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يونس بن عمرو، عن أبي السفر، قال : أشرف أبو بكر على الماس من كنيفه وأسماء ابنة عميس ممسكته، موشومة اليدين، وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلف عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا.
حدثني عثمان بن يحيى، عن عثمان القرقساني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن اسماعيل، عن قيس، قال: رأيت عمر بن الخطاب وهو يجلس والناس معه، وبيده جريدة، وهو يقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إنه يقول: إني لم آلكم نصحاً. قال: ومعه مولى لأبي بكر يقال له: شديد، معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر.
قال أبو جعفر: وقال الواقدي: حدثني ابراهيم بن أبي النضر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: دعا أبو بكر عثمان خالياً، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ؛ أما بعد. قال: ثم أغمى عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أما بعد ؛ إني قد استخلف عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً منه، ثم أفاق أبو بكر، فقال: اقرأ على، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر ، وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن افتلتت نفسي في غشيتى! قال: نعم، قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله، وأقرها أبو بكر رضى الله عنه من هذا الموضع.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا علوان، عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، أنه دخل على أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنه في مرضه الذي توفى فيه ؛ فأصابه مهتماً، فقال له عبد الرحمن: أصبحت والحمد لله بارئاً! فقال أبو بكر رضى الله عنه: أتراه؟ قال: نعم، قال: إني وليت أمركم خيركم في نفسي؛ فكلكم ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر لخ دونه،؛ ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولما تقبل، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ومنضائد الديباج، وتألموا الإضطجاع على الصوف الأذري ؛ كما يألم أحدكم أن ينام على حسك ؛ والله لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا وأنتم أول ضال بالناس غداً، فتصدونهم عن الطريق يميناً وشمالاً. يا هادي الطريق، إنما هو الفجر أو البجر ، فقلت له : خفض عليك رحمك الله ؛ فإن هذا يهيضك في أمرك. إنما الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل خالفك فهو مشير عليك وصاحبك كما تحب ؛ ولا نعلمك أردت إلا خيراً، ولم تزل صالحاً مصلحاً، وأنك لا تأسى على شئ من الدنيا .
قال أبو بكر رضى الله عنه: أجل، إني لا آسي على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن وددت أنى فعلتهن ؛ وثلاث وددت أنى سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما الثلاث اللاتي وددت أنى تركتهن ؛ فوددت أنى لم أكشف بيت فاطمة عن شئ. وإن كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمى، وأني كنت قتلته سريحاً أو خليته نجيحاً. ووددت أنى يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميراً ؛ وكنت وزيراً. وأما اللاتي تركتهن ؛ فوددت أنى يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إلى أنه لا يرى شراً إلا أعان عليه. ووددت أنى حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة ؛ كنت أقمت بذي القصة ؛ فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدداًز ووددت أنى كنت إذا وجهت خالد بن الوليد إلى الشأم كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ؛ فكنت قد بسطت يدي كليتهما في سبيل الله - ومد يديه - ووددت أنى كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : لمم هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد ؛ ووددت أنى كنت سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ ووددت أنى كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة ؛ فإن في نفسي منهما شيئاً.
قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثم قدم علينا علوان بعد وفاة الليث، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني به كما حدثني الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه، فأخبرني أنه علوان بن داود.
وحدثني محمد بن إسماعيل المرادي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح المصري، قال حدثني الليث، عن علوان بن صالح، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ؛ أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه، قال - ثم ذكر نحوه، ولم يقل فيه: عن أبيه.
قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجراً، وكان منزله بالسنخ، ثم تحول إلى المدينة. فحدثني الحارث ، قال: حدثنا بن سعيد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن مروان بن أبي سعيد بن المعلى، قال: سمعت سعيد بن المسيب. قال: وأخبرنا موسى بن محمد بن أبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن صبيحة التيميمي، عن أبيه، قال. وأخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر، قال: وأخبرنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: وأخبرنا أبو قدامة عثمان بن محمد، عن أبي وجزة، عن أبيه ؛ قال. وغير هؤلاء أيضاً قد حدثني ببعضه ، فدخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: قالت عائشة: كان منزل أبي بالسنح عند زوجته حبيبة ابنة خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث ابن الخزرج، وكان قد حجر عليه حجرة من سعف ؛ فما زاد على ذلك حتى تحول إلى منزلة بالمدينة ؛ فأقام هنالك بالسنح بعدما بويع له ستة أشهر، يغدو على رجليه إلى المدينة فيصلى الصلوات بالناس، فإذا صلى العشاء ؛ رجع إلى أهله بالسنح ؛ فكان إذا حضر صلى بالناس وإذا لم يحضر صلى بهم عمر بن الخطاب. قال: فكان يقيم يوم الجمعة صدر النهار بالسنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقدر الجمعة، فيجمع بالناس. وكان رجلاً تاجراً، فكان يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع ؛ وكانت له قطعة غنم تروح عليه ؛ وربما خرج هو بنفسه فيها ؛ وربما كفيها فرعيت له، وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا تحلب لنا منائح دارنا، فسمعها أبو بكر، فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم ؛ وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه. فكان يحلب لهم، فربما قال للجارية من الحي: يا جارية أتحبينأن أرعى لك، أو أصرح؟ فربما قالت: ارع، وربما قالت: صرح ؛ فأي ذلك قالته فعل ؛ فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر ؛ ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها، ونظر في أمره، فقال: لا والله، ما تصلح أمور الناس التجارة، وما يصلحهم. فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج ويعتمر. وكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم ؛ فلما حضرته الوفاة، قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين ؛ فإ،ي لا أصيب من هذا المال شيئاً، وإن أرضى التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصيب من أموالهم ؛ فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحاً وعبداً صقيلاً، وقطيفة ما تساوى خمسة دراهم ؛ فقال عمر: لقد أتعب من بعده.
وقال على بن محمد - فيما حدثني أبو زيد عنه في حديثه عن القوم الذين ذكرت روايته عنهم - قال أبو بكر: انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه عني. فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف درهم في ولايته.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن أسماء ابنة عميس، قالت " دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ؛ فكيف به إذا خلا بهم! وأنت لاق ربك فسئلك عن رعيتك. فقال أبو بكر - وكان مضطجعاً: أجلسوني، فأجلسوه، فقال لطلحة: أبا لله تفرقني - أو أبالله تخوفني - إذا لقيت الله ربي فساءلني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك.
قال أبو جعفر: قد تقدم ذكرنا وقت عقد أبي بكر لعمر بن الخطاب الخلافة، ووقت وفاة أبي بكر، وأن عمر صلى عليه، وأنه دفن ليلة وفاته قبل أن يصبح الناس، فأصبح عمر صبيحة تلك الليلة، فكان أول ما عمل وقال - فيما ذكر - ما حدثنا أبة كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن أبيه؛ قال: لما استخلف عمر صعد المنبر، فقال: إني فائل كلمات فأمنوا عليهن، فكان أول منطق نطق به حين استخلف - فيما حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن فضيل، عن ضرار ، عن حصين المرى، قال: قال عمر: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائدة، فلينظر قائده حيث يقود ؛ وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق.
حدثنا عمر، قال: حدثني على، عن عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، قال: كان أول كتاب كتبه عمر حين ولى إلى أبي عبيدة يوليه على جند خالد:أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ؛ الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكه رجاء غنيمة؛ ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم ؛ وتعلم كيف مأتاه ؛ ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس ؛ وإيامك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك ؛ فغمض بصرك عن الدنيا، وأله قبلك عنها ؛ وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم.
ذكر غزوة فحل وفتح دمشقحدثني عمر، عن علي بن محمد، بإسناده، عن النفر الذين ذكرت روايتهم عنهم في أول ذكرى أمر أبي بكر ؛ أنهم قالوا: قدم بوفاة أبي بكر إلى الشأم شداد بن أوس بن ثابت الأنصارى ومحمية بن جزء، ويرفأ ؛ فكتموا الخبر الناس حتى ظفر المسلمون - وكانوا بالياقوصة يقاتلون عدوهم من الروم ؛ وذلك في رجب - فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبي بكر وولايته حرب الشأم، وضم عمر إليه الأمراء، وعزل خالد بن الوليد.
فحدثنا ابن حميد، قال: حدثناي سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ المسلمون من أجنادين ساروا إلى يفحل من أرض الأردن؛ وقد اجتمعت فيها رافضة الروم ، والمسلمون على أمرائهم وخالد على مقدمة الناس. فلما نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها ؛ وهي أرض سبخة، فكانت وحلاً، ونزلوا فحلاً - وبيسان بين فلسطين وبين الأردن - فلما غشيها المسلمون ولم يعلمون بما صنعت الروم، وحلت خيولهم، ولقوا فيها عناء ، ثم سلمهم الله - وسميت بيسان ذات الردغة لما لقى المسلمون فيها - ثم نهضوا إلى الروم وهم بفحل ؛ فاقتتلوا فهزمت الروم، ودخل المسلمون فحلاً ولحقت وافضة الروم بدمشق ؛ فكانت فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، على ستة أشهر من خلافة عمر. وأقام تلك الحجة للناس عبد الرحمن بن عوف. ثم ساروا إلى دمشق وخالد على مقدمة الناس ؛ وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له باهان بدمشق - وقد كان عمر عزل خالد بن الوليد واستعمل أبا عبيدة على جميع الناس - فالتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هزم الله الروم، وأصاب منهم المسلمون، ودخلت الروم دكشق ؛ فغلقوا أبوابها وجثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فتحت دمشق، وأعطوا الجزية، وقد قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يقرئ خالداً الكتاب حتى فتحت دمشق لحق باهان - صاحب الروم الذي قاتل المسلمين - بهرقل. وكان فتح دمشق دمشق في سنة أربع عشرة في رجب، وأظهر أبو عبيدة إمارته وعزل خالد ؛ وقد كان المسلمون، التقوا هم والروم ببلد يقال له عين فحل بين فلسطين والأردن، فاقتتلوا به قتالاً شديداً، ثم لحقت الروم بدمشق.
وأما سيف - فيما ذكر السرى، عن شعيب، عنه عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة - فإنه ذكر في خبره أن البريد قدم على المسلمين من المدينة بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة؛ وهم باليرموك ؛ وقد إلتحم القتال بينهم وبين الروم. وقص من خبر اليرموك وخبر اليرموك ؛ وخبر دمشق غير الذي اقتصه ابن إسحاق ؛ وأنا ذاكمر بعض الذي اقتص من ذلك: كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، عن أبي سعيد، قال: لما قام عمر رضى عن خالد بن سعيد والوليد بن عقبة فأذن لهما بدخول المدينة، وكان أبو بكر قد منعهما لفرتهما التي فراها وردهما إلى الشام، وقال: ليبلغني غناء أبلكما بلاء ؛ فانضما إلى أي أمرائنا أحببتما ؛ فلحقا بالناس فأبليا وأغنيا.
خبر دمشق من رواية سيف:
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة ؛ قالا لما هزم الله جند اليرموك، وتهافت أهل الواقوصة وفرغ من المقاسم والأنفال ، وبعث بالأخماس وسرحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب بن أبي الحميري كيلا يغتال بردة ؛ ولا تقطع الروم على مواده، وخرج أبو عبيدة حتى ينزل بالصفر ؛ وهو يريد إتباع الفالة ؛ ولا يدري يجتمعون أو يفترقون ؛ فأتاه الخبر بأنهم أزروا إلى فحل، وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص ، فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أم بفحل من بلاد الأردن. فكتب في ذلك إلى عمر، وانتظر الجواب، وأقام بالصفر، فلما جاء عمر فتح اليرموك أقر الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضم خالداً إلى أبي عبيدة، وأمر عمراً بمعونة الناس؛ حتى يصير الحرب إلى فلسطين، ثم يتولى حربها.
وأما ابن إسحاق ؛ فإنه قال في أمر خالد وعزل عمر إياه ما حدثنا محمد بن حميد، قال حدثنا سلمة عنه، قال: إنما نزع عمر خالداً في كلام كان خالداً في كلام كان خالداً تكلم به - فيما يزعمون - ولم يزل عمر عليه ساخطاً ولأمره كارهاً في زمان أبي بكر كله، لوقعته بابن نويرة، وما كان يعمل به في حربه ؛ فلما استخلف عمر كان أول ما تكلم به عزله، فقال: لا يلي لي عملاً أبداً ؛ فكتب عمر إلى أبي عبيدة: إن خالداً أكذب نفسه فهو أمير على ما هو عليه ؛ وإن هو لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه ؛ ثم انزع عمامته عن رأسه ، وقاسمه ماله نصفين. فلما ذكر أبو عبيدة ذلك لخالد، قال أنظرني أستشر أختي في أمري، ففعل أبو عبيدة ؛ فدخل خالد على أخته فاطمة بنت الوليد - وكانت عند الحارث بن هشام - فذكر لها ذلك ، فقالت: والله لا يحبك عمر أبداً، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ثم ينزعك. فقبل رأسها وقال: صدقت والله ! فتم على أمره، وأبى أن يكذب نفسه. فقام بلال مولى أبي بكر إلى أبي عبيدة، فقال: مأ امرت به خالد؟ قال: أمرت أن أنزع عمامته، وأقاسمه ماله. فقاسمه ماله حتى بقيت نعلاه، فقال أبو عبيدة: إن هذا لا يصلح إلا بهذا فقال خالد: أجل، ما أنا بالذي أعصى أمير المؤمنين ؛ فاصنع ما بدا لك ! فأخذ نعلاً وأعطاه نعلاَ. ثم قدم خالد على عمر المدينة حين عزله.
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمر بم عطاء، عن سليمان بن يسار، قال: كان عمر كلما مر بخالد قال: يا خالد، أخرج مال الله من تحت استك، فيقول: والله ما عندي من مال ؛ فلما أكثر عليه عمر قال له خالد : يا أمير المؤمنين، ما قيمة ما أصيب في سلطانهكم! أربعين ألف درهم! فقال عمر: قد أخذت ذلك منك بأربعين ألف درهم، قال: هو لك ، قال: قد أخذته. ولم يكن لخالد مال إلا عدة ورقيق، فحسب ذلك ، فبلغت قيمته ثمانين ألف درهم فناصفه عمر ذلك، فأعطاه أربعين ألف درهم، وأخذ المال. فقيل له : يا أمير المؤمنين، لو رددت على خالد ماله ! فقال: إنما أنا تاجر للمسلمين ، والله لا أرده عليه أبداً فكان عمر يرى أنه قد اشتفى من خالد حين صنع به ذلك.
رجع الحديث إلى حديث سيف ، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة، قالا: ولما جاء عمر الكتاب عن أبي عبيدة بالذي ينبغي أن يبدأ به كتب إليه:
أما بعد؛ فابدءوا بدمشق، فانهدوا لها ؛ فإنها حصن الشأم وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهل فحل بخيل تكون بإزائهم في نحورهم وأهل فلسطين وأهل حمص ؛ فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك الذي نحب، وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق من يمسك بها، ودعوها، وانطلق أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمراً وأخلهما بالأردن وفلسطين، وأمير كل بلد وجند على الناس حتى يخرجوا من إمارته. فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة قواد: أبا الأعور السلمى، وعبد عمرو بن يزيد ين عامر الجرشي، وعامر بن حثمة، وعمرو بن كليب من يحصب، وعمارة بن الصعق بن كعب، وصيفي بن علبة بن شامل، وعمرو بن الحبيب بن عمرو ، ولبدة بن عامر بن خثعمة، وبشر بن عصمة، وعمارة بن مخش قائد الناس ؛ ومع كل رجل خمسة قواد ؛ وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا من يحتمل ذلك منهم، فساروا من الصفر حتى نزلوا قريباً من فحل، فلما رأت الروم أن الجنود تريدهم بثقوا المياه جول فحل، فأردغت الأرض، ثم وحلت، واغتم المسلمون من ذلك، فحسبوا عن المسلمين بها ثمانين ألف فارس. وكان أول محصور بالشأم أهل فحل، ثم أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة ذا الكلاع حتى كان بين دمشق وحمص رداءاً. وبعث علقمة بن حكيم ومسروقاً فكانا بين دمشق وفلسطين، والأمير يزيد. ففصل ، وفصل بأبي عبيدة من المرج ؛ وقدم خالد بن الوليد، فقدموا على دمشق، وعليهم نسطاس بن نسطورس ؛ فحصروا أهل دمشق، ونزلوا حواليها، فكان أبو عبيدة على ناحية، وعمرو على ناحية، ويزيد على ناحية، وهرقل يومئذ بحمص، ومدينة حمص بينه وبينهم. فحاصروا أهل دمشق نحواً من سبعين ليلة حصاراً شديداً بالزحوف والترامي والمجانيق ؛ وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغياث، وهرقل منهم قريب وقد استمدواه . وذو الكلاع بين المسلمين وبين حمص على رأس ليلة من دمشق ؛ كأنه يريد حمص، وجاءت خيول هرقل مغيثة لأهل دمشق، فأشجتها الخيول التي مع ذي الكلاع، وشغلتها عن الناس ، فأرزوا بإزائه، وأهل دمشق على حالهم.
فلما أيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا وأبلسوا وازداد المسلمون طعماً فيهم ؛ وقد كانوا يرون أنها كالغارات قبل ذلك ؛ إذا هجم البرد قفل الناس، فسقط النجم والقوم مقيمون ؛ فعند ذلك انقطع رجاؤهم، وندموا على دخول دمشق، وولد للبطريق الذي دخل على أهل دمشق مولود ح فصنع عليه، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم ؛ ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد ؛ فإنه كان لا ينام ولا ينيم، ولا يخفي عليه من أمورهم شئ ؛ عيونه ذاكية وهو معنى بما يليه، قد اتخذ حبالاً كهيئة السلاليم وأوهاقاً فلما أمسى من ذلك اليوم نهد ومن معه من جنده الذين قدم بهم عليهم، وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وأمثاله من أصحابه في أول يومه، وقالوا: إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا، وانهدوا للباب. فلما انتهى إلى الباب الذي يليه هو وأصحابه المتقدمون رموا بالحبال الشرف وعلى ظهورهم القرب التي قطعوا بها خنمدقهم. فلما ثبت لهم وهقان تسلق فيهما القعقاع ومذعور، ثم لم يدعا أحبولة إلا أثبتاها - والأوهاق بالشرف - وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثره ماء، وأشده مدخلاً وتوافوا لذلك فلم يبق ممن دخل معه أحد إلا رقى أو دنا من الباب ؛ حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه، وانحدر معهم ؛ وخلف من يحمي ذلك لمن يرتقى، وأمرهم بالتكبير، فكبر الذين على رأس السور، فنهد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشر كثير، فوثبوا فيها، وانتهى خالد إلى أول من يليه فأنامهم، وانحدر إلى الباب، فقتل البوابين، وثار أهل المدينة وفزع سائر الناس ؛ فأخذوا مواقفهم، ولا يدرون ما الشأ، ! وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم، وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل ، حتى ما بقي مما يلي باب خالد مقاتل إلا أنيم. ولما شد خالد على من يليه ؛ وبلغ منهم الذي أراد عنوة أرز من أفلت إلى أهل الأبواب التي تلي غيره ؛ وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا ، فلم يفجأهم إلا وهم يبوحون لهم بالصلح، فأجابوا وقبلوا منهم ، وفتحوا لهم الأبواب، وقالوا: ادخلوا وامنعونا من أهل ذلك الباب. فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم، ودخل خالد مما يليه عنوة، فالتقى خالد والقواد في وسطها ؛ هذا استعراضاً وانتهاباً وكان صلح دمشق على المقاسمة، الدينار والعقار، ودينار عن كل رأس، فاقتسموا الأسلاب ؛ فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القواد ، وجرى على الديار ومن بقي في الصلح جريب من كل جريب أرض ؛ ووقف كا كان للملوك ومن صوب معهم فيسئاً، وقسموا لذي الكلاع ومن معه، ولأبي الأعور ومن معه، ولبشير ومن معه، وبعثوا بالبشارة إلى عمر، وقدم على أبي عبيدة كتاب عمر ؛ بأن اصرف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحث إلى سعد بن مالك، فأمر على جند العراق هاشم بن عتبة، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنبتيه عمرو بن مالك الزهري وربعي بن عامر، وضربوا بعد دمشق نحو سعد، فخرج هاشم نحو العراق في جند العراق ؛ وخرج القواد نحو فحل وأصحاب هاشم عشرة آلاف إلا من أصيب منهم، فأتموهم بأناس ممن لم يكن منهم ؛ ومنهم قيس والأشير، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياء، فنزلا على طريقها، وبقي بدمشق مع يزيد بن أبي سفيان من قواد أهل اليمن عدد ؛ منهم عمرو بم شمرين غزية، وسهم بن المسافر بن هزمة، ومشافع ابن عبد الله بن شافع. وبعث يزيد دحية ين خليفة الكلبي في خيل بعد ما فتح دمشق إلى تدمر، وأبا الزهراء القشيري إلى البثنية وحوران، فصالحوهما على صلح دمشق ؛ وولياً القيام على فتح ما بعثا إليه.
وقال محمد بن إسحاق: كان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب.
قال أيضاً: كانت وقعة فحل قبل دمشق ؛ وإنما صار إلى دمشق رافضة فحل، واتبعهم المسلمون إليها. وزعم أن وقعة فحل كانت سنة ثلاث عشرة في ذي القعدة منها ؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه.
وأما الواقدي: فإنه زعم أن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة ؛ كما قال ابن إسحاق. وزعم أن حصار المسلمين لها كان ستة أشهر. وزعمأن وقعة اليرموك كانت في سنة خمس عشرة وزعم أن هرقل جلا في هذه السنة بعد وقعة اليرموك في شعبان من أنطاكية إلى قسجطنطينية، وأنه لم يكن بعد اليرموك وقعة.
قال أبو جعفر: وقد مضى ذكرى ماروى عن سيف، عمن روى عنه ؛ أن وقعة اليرموك كانت في سنة ثلاث عشرة ؛ وأن المسلمين ورد عليهم البريد بوفاة أبي بكر باليرموك، في اليوم الذي هزمت الروم في آخره، وأن عمر أمرهم بعد فراغهم من اليرموك بالمسير إلى دمشق، وزعم أن فحلاً كانت بعد دمشق ؛ وأن حروباً بعد ذلك كانت بين المسلمين والروم سوى ذلك، قبل شخوص هرقل إلى قسطنطينية ؛ سأذكرها إن شاء الله في مواضعها.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث عشرة - وجه عمر بن الخطاب أبا عبيد بن مسعود الثقفينحو العراق. وفيها استشهد في قول الواقدي. وأما ابن إسحاق ؛ فإنه قال: كان يوم الجسر، جسر أبي عبيد بن مسعود الثقفي في سنة أربع عشرة.
ذكر أمر فحل من رواية سيف: قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر فحل إذا كان في الخبر الذي فيه من الاختلاف ما ذكرت من فتوح جند الشأم . ومن الأمور التي تستنكر وقوع مثل الإختلاف الذي ذكرته في وقته ؛ لقرب بعض ذلك من بعض.
فأما ما قال ابن إسحاق من ذلك وقص من قصته، فقد تقدم ذكريه قبل.
وأما السري فإنه فيما كتب به إلى، عن شعيب، عن سيف عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني وأبي حارثة العبشمي ، قالا: خلف الناس بعد فتح دمشق يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق، ساروا نحو فحل، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة، فبعث خالداً على المقدمة وأبا عبيدة وعمرا على مجنبتيه، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجل عياض، وكرهوا أن يصمدوا لهرقل، وخلفهم ثمانون ألفاً، وعلموا أن من بإزاء فحل جنة الروم وإليهم ينظرون، وأن الشأم بعدهم سلم. فلما انتهوا إلى أبي الأعور، قدموه إلى طبرية، فحاصرهم ونزلوا على فحل من الأردن، - وقد كان أهل فحل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرزوا إلى بيسان - فنزل شرحبيل بالناس فحلاً، والروم بيسان، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر بالخبر، وهم يحدثون أنفسهم بالمقام، ولا يريدون أن يريموا فحلاً حتى يرجع جواب كتابهم من عند عمر، ولا يستطيعون الإقدام على عدوهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال، وكانت العرب تسمى تلك الغراة فحلاً وذات الردغة وبيسان. وزأصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل مما فيه المشركون ؛ مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد ؛ فاغترهم القوم، وعلى القوم سقلا ربن مخراق ؛ ورجوا أن يكونوا على غرة فأتوهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم، فهم على حذر وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبية. فلما هجموا على المسلمين غافصوهم ، فلم يناظروهم، واقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوا قط ليلتهم ويومهم إلى الليل، فأظلم الليل عليهم وقد حاروا، فانهزموا وهم حيارى. وقد أصضيب وئيسهم سقلاً ربن مخراق ؛ والذي يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهنأه، وركبوهم وهم يرون أنهم على قصد وجدد، فوجدوهم حيارى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل، فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم؛ وقد وحلوا فركبوهم ؛ وما يمنعون يد لامس ح فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة في فحل ؛ وكان مقتلهم في الرداغ، فأصيب الثمانون ألفا، لم يفلت منهم إلا الشريد ؛ وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البثوق فكانت عوناً لهم على عدوهم، وأناة من الله ليزدادوا بصيرة وجداً، واقتسموا ما أفاء الله عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص، وصرفوا سمير بن كعب معهم، ومضوا بذي الكلاع ومن معه، وخلفوا شرحبيل ومن معه.
ذكر بيسان ولما فرغ شرحبيل من وقعة فحل نهد في الناس ومعه عمرو إلى أهل بيسان، فنزلوا عليهم، وأبو الأعور والقواد معه على طبرية، وقد بلغ أفناء أهل الأردن ما لقيت دمشق، وما لقى سقلار والروم بفحل وفي الردغة، ومسير شرحبيل إليهم، معه عمرو بن العاص والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو ؛ يريد بيسانح فحصروهم أياماً. ثم إنهم مخرجوا عليهم فقاتلوهم، فأناموا من خرج إليهم، وصالحوا بقية أهلها، فقبل ذلك على صلح دمشق.
طبرية
وبلغ أهل طبرية الخبر، فصالحوا أبا الأعور، على أن يبلغهم شرحبيل، ففعل ؛ فصالحوهم وأهل بيسان على صلح دمشق ؛ على أن يشاطروا المسلمين المنازل في المدائن، وما أحاط بها مما يصلها، فيدعون لهم نصفاً، ويجتمعون في النصف الآخر، وعن كل رأس دينار كل سنة، وعن كل جريب أرض جريب بر أو شعير ؛ أي ذلك حرث ؛ وأشياء في ذلك صالحوهم عليها، ونزلت القواد وخيولهم فيها، وتم صلح الأردن، وتفرقت الأمداد في مدائن الأردن وقراها، وكتب إلى عمر بالفتح.
ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيفبن عمر، عن محمد بن عبد الله بن سواد وطلحة بن الأعلم وزياد بن سرجس الأحمري بإسنادهم، قالوا: أول ما عمل به عمر أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر رضى الله عنه، ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس إلى فارس، وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم ألأمم. قالوا: فلما كان اليوم الرابع؛ عاد فندب الناس إلى العراق؛ فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود وسعد بن عبيد الأنصاري حليف بني فزازة ؛ هرب يوم الجسر، فكانت الوجوه تعرض عليه بعد ذلك، فيأبى العراق، ويقول: إن الله جل وعز اعتد على فيها بفرة ؛ فلعله أن يرد على فيها كرة وتتابع الناس.
كتب إلى السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: وتكلم المثنى بن حارثة ، فقال: يا أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه ؛ فإنا قد تبحبحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقي السواد وشاطرناهم ونلنا منهم ؛ وأجترأ من قبلنا عليهم ؛ ولها إن شاء الله ما بعدها. وقام عمر رحمه الله في الناس ؛ فقال: إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النعجة، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك ؛ أين الطراء المهاجرون عن موعود الله ! سيروا في الأرض التي وعدوكم الله في الكتاب أن يورثكموها؛ فإنه قال:(ليظهره على الدين كله)، والهل مظهر دينه، ومعز ناصره، ومول أهله مواريث الأمم. أين عباد الله الصالحون! فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود، ثم ثنى سعد بن عبيد - أو سليط بن قيس - فلما اجتمع ذلك البعث ، قيل لعمر: أمر عليهم رجلاً من السابقين من المهاجرين واظلنصار. قال : لا والله لا أفعل ؛ إن الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو ؛ فإذا جبتم وكرهتم اللقاء ؛ فأولى بالرياسة منكم من سبق إلى الدفع، وأجاب إلى الدعاء! والله لآ أؤمر عليهم إلا أولهم انتداباً. ثم دعا أبا عبيد، وسليطاً وسعداً ؛ فقال: أما إنكما لو سبقتماه لوليتكما ولأدركتما بها إلى مالكما من القدمة. فأمر أبا عبيد على الجيش، وقال لأبي عبيد: اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشركهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعاً حتى تتبين؛ فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف.
وقال رجل من الأنصار: قال عمر رضي الله عنه لأبي عبيد: إنه لم يمنعني أن أؤمر سليطاً إلا سرعته إلى الحرب ، وفي التسرع إلى الرحب ضياع إلا عن بيان، والله لولا سرعته لأمرته ؛ ولكن الحرب لا يصلحها إلا المكيث.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب بن ابراهيم، عن سيف بن عمر، عن المجالد، عن الشعبي، قال: قدم المثنى بن حارثة على أبي بكر سنة ثلاث عشرة ؛ فبعث معه بعثاً قد كان ندبهم ثلاثاً ؛ فلم ينتدب له أحد حتى انتداب له أبو عبيد ثم سعد بن عبيد، وقال أبو عبيد حين انتدب: أنا لها، وقال سعد: أنا لها؛ لفعله فعلها. وقال سليط: فقيل لعمر : أمر عليهم رجلاً له صحبة، فقال عمر إنما فضل الصحابة بسرعتهم إلى العدو وكفايتهم من أبي ؛ فإذا فعل فعلهم قوم واثاقلوا كان الذي ينفرون خفافاً وثقالاً أولى بها منهم؛ والله لا أبعث عليهم إلا أولهم انتداباً فأمر أبا عبيد، وأوصاه بجنده.
كتب إلى السري بن يحيى، عن شعيبب بن أبراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل، عن القاسم مبشر، عن سالم، قال: كان أول بعث بعثه عمر بعث أبي عبيد، ثم بعث يعلي بن أمية إلى اليمن وامره بإجلاء أهل نجران، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه بذلك، ولوصية أبي بكر رحمه الله بذلك في مرضه، وقال: ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم عن دينهم، ثم أجلهم ؛ من أقام منهم على دينه، وأقرر المسلم ، وامسح أرض كل من تجلى منهم ، ثم خيرهم البلدان، وأعلمهم أنا نجليهم بأمر الله ورسوله ؛ ألا يترك بجزيرة العرب دينان ؛ فليخرجوا ؛ من أقام على دينه منهم ؛ ثم نعطيهم أرضاً كأرضهم، إقراراً لهم بالحق على أنفسنا، ووفاء بذمتهم فيما أمر الله من ذلك ، بدلاً بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف.
خبر النمارق كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن سهل ومبشر بإسنادهما، ومجالد عن الشعبي قالوا: فخرج أبو عبيد ومعه سعد بن عبيد ، وسليط بن قيس ؛ أخو بني النجار، والمثنى بن حارثة أخو بني شيبان، ثم أحد بني هند.
كتب إلى السرى ، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، وعمرو عن الشعبي، وأبي روق، قالوا: كانت بوران بنت كسرى - كلما اختلف الناس بالمدائن - عدلاً بين الناس حتى يصطلحوا ، فلما قتل الفرخزاذبن البندوان وقدم رستم فقتل آزرميدخت، كانت عدلاً إلى أن استخرجوا يزدجرد، فقدم أبو عبيد والعدل بوران، وصاحب الحرب رستم ؛ وقد كانت بوران أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم فقبل هديتها ، وكانت ضداً على شيرى سنة، ثم إنها تابعته، واجتمعا على أن رأس وجعلها عدلاً.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإستنادهم، لما قالوا: قتل سياوخش فرخزاذ بن البندوان ، وملكت آزرميدخت، اختلف أهل فارس، وتشاغلوا عن المسلمين غيبة المثنى كلها إلى أن رجع من المدينة. فبعث بوران إلى رستم بالخبر، واستحثته بالسير ؛ وكان على فرج خراسان، فأقبل في الناس حتى نزل المدائن ؛ لا يلقى جيشاً لآزرميدخت إلا هزمه، فاقتتلوا بالمدائن، فهزم سياوخش وحصر وحصرت آزرميدخت ؛ ثم افتتحها فقتل سياوخش، وفقأ عين آزرميدخت، ونصب بوران ودعته إلى القيام بأمر أهل فارس، وشكت إليه تضعضعهم وإدبار أمرهم ؛ على أن تملكه عشر حجج ؛ ثم يكون الملك في آل كسرى، إن وجدوا من غلمانهم أحداً ؛ وإلا ففي نسائهم. فقال رستم: أما أنا فسامع مطيع، غير طالب عوضاً ولا ثواباً، وإن شرفتموني وصنعتم إلى شيئاً فأنتم أولياء ما صنعتم ؛ إنما أنا سمهكم وطوع أيديكم. فقالت بوران: اغد على ، فغدا عليها ودعت مرازبة فارس، وكتبت له بأنك على حرب فارس ؛ ليس عليك إلا الله عز وجل، عن رضا منا وتسليم لحكمك، وحكمك جائز فيهم ما كان حكمك في منع أرضهم وجمعهم عن فرقتهم. وتوجته وأمرت أهل فارس أن يسمعوا له ويطيعوا. فدانت له فارس بعد قدوم أبي عبيد ؛ وكان أول شئ أحدثه عمر بعد موت أبي بكر من الليل ؛ أن نادى: الصلاة جامعة! ثم ندبهم فتفرقوا على غير إجابة من أحد، ثم ندبهم في اليوم الرابع، فأجاب أبو عبيد في اليوم الرابع أول الناس، وتتابع الناس، وانتخب عمر من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل، أمر عليهم أبا عبيد ، فقيل له: استعمل عليهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: لاها الله ذا يا أصحاب النبي، لا أندبكم فتنكلون ، وينتدب غيركم فأمروكم عليهم! إنكم إنما فضلتم بتسرعكم إلى مثلها ؛ فإن نلكتم فضلوكم ؛ بل أؤمر عليكم أولكم انتداباً. وعجل المثنى، وقال: النجاء حتى يقدم عليك أصحابك! فكان أول شئ أحدثه عمر في خلافته مع بيعته بعثه أبا عبيد، ثم بعث أهل نجران، ثم ندب أهل الردة فأقبلوا سراعاً من كل أوب ؛ فرمى بهم الشأم والعراق؛ وكتب إلى أهل اليرموك ؛ بأن عليكم أبا عبيدة بن الجراح؛ وكتب إليه: إنك على الناس ؛ فإن أظفرك الله فاصرف أهل العراق إلى العراق ؛ ومن أحب من أمدادكم إذا هم قدموا عليكم. فكان أول فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفى أبي بكر ؛ وكان في الإمداد إلى اليرموك في زمن عمر قيس بن هبيرة ، ورجع مع أهل العراق ولم يكن منهم، وإنما غزا حين أذن عمر لأهل الردة في الغزو. وقد كانت فارس تشاغلت بموت شهر براز عن المسلمين ؛ فملكت شاه زنان ؛ حتى اصطلحوا على سابور بن شهر براز بن أردشير بن شهريار، فثارت به آزرميدخت، فقتله والفرخزاذ، وملكت - ورستم بن الفرخزاذ بخراسان على فرجها - فأتاه الخبر عن بوران. وقدم المثنى الحيرة من المدينة في عشر، ولحقه أبو عبيد بعد شهر، فأقام المثنى بالحيرة خمس عشرة ليلة ؛ وكتب رستم إلى دهاقين السواد أن يثورا بالمسلمين، ودس في كل رستاق رجلً ليثور بأهله، فبعث جابان إلى البهقباذ الأسفل ؛ وبعث نرسى إلى كسكر، ووعدهم يوماً ؛ وبعث جنداً لمصادمة المثنى ؛ وبلغ المثنى ذلك ؛ فضم إليه مسالحه وحذر، وعجل جابان، فثار ونزل النمارق.
وتوالوا على الخروج ؛ فخرج نرسي، فنزل زندورد، وثار أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله ؛ وخرج المثنى في جماعة حتى ينزل خفان ؛ لئلا يؤتى من خلفه بشئ يكرهه، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيدة ؛ فكان أبو عبيد على الناس، فأقام بخفان أياماً ليستجم أصحابه ؛ وقد اجتمع إلى جابان بشر كثير، وخرج أبو عبيد بعد ما جم الناس وظهورهم، وتعبى، فجعل المثنى على الخيل، وعلى ميمنته والق بن جيدارة، وعلى ميسرته عمرو بن الهيثم بن الصلت بن حبيب السلمى. وعلى مجنبتى جابان جشنس ماه ومردانشاه. فنزلوا على جابان بالنمارق، فاقتتلوا قتالاً شديداً. فهزم الله أهل فارس، وأسرجابان، أسره مطر بن فضة التيمي، وأسر مردانشاه، أسرة أكتل بن شماخ العكلي فأما أكتل فأنه ضرب عنق مردنشاه وأما مطر بن فضة فإن جابان خدعه، حتى تفلت منه بشئ فخلى عنه ؛ فأخذه المسلمون، فأتوا به أبا عبيد وأخبروه أنه الملك، وأشاروا عليه بقتله، فقال: إني أخاف الله أن أقتله ؛ وقد آمنه رجل مسلم والمسلمون، فقالوا له : إنه الملك، قال: وإن كان لا أغدر، فتركه.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن أبي عمران الجعفى، قال: ولت حربها فارس رستم عشر سنين، وملكوه، وكان منجماً عالماً بالنجوم، فقال له قائل: ما دعاك إلى هذا الأمر وأنت ترى ما ترى ! قال: الطمع وحب الشرف. فكاتب أهل السواد، ودس إليهم الرؤساء، فثارروا بالمسلمين ؛ وقد كان عهد إلى القوم أن الأمير عليكم أول من ثار، فثار جابان في فرات بادقلي، وثار الناس بعده، وأرز المسلمون إلى المثنى بالحيرة، فصمد لخفان، ونزل خفان حتى قدم عليه أبو عبيد وهو الأمير على المثنى وغيره، ونزل جابان النمارق، فسار إليه أبو عبيد من خفان، فالتقوا بالنمارق ؛ فهزم الله أهل فارس وأصابوا منهم ما شاءوا وبصر مطر بن فضة - وكان ينسب إلى أمه - وأبى برجل عليه حلى ؛ فشدا عليه فأخاه أسيراً، فوجداه شيخاً كبيراً فزهد فيه أبى ورغب مطر في فدائه، فاصطلحا على أن سلبه لأبى ، وأن إساره لمطر، فلما خلص مطر به، قال: إنكم معاشر العرب أهل وفاء، فهل لك أن تؤمنني وأعطيتك غلامين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا ! قال : نعم، قال: فأدخلني على ملككم؛ حتى يكون ذلك بمشهد منه، ففعل فأدخله على أبي عبيد، فتم له على ذلك ؛ فأجاز أبو عبيد، فقام أبي وأناس من ربيعة ؛ فأما أبي فقال : أسرته أما وهو على غير أمان ؛ وإما الآخرون فعرفوه، وقالوا: هذا الملك جابان ؛ وهو الذي لقينا بهذا الجمع، فقال: ما تروني فاعلاً معاشر ربيعة؟ أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا ! معاذ الله من ذلك! وقسم أبو عبيد الغنائم، وكان فيها عطر كثير ونفل، وبعث بالأخماس مع القاسم.
السقاطية بكسكر كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب بن ابراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقال أبو عبيد حين انهرموا وأخذوا نحو كسكر ليلجئوا إلى نرسي - نرسى ابن خالة كسرى ؛ وكانت كسكر قطيعة له ؛ وكان النرسيان له، يحميه لا يأكله بشر، ولا يغرسه غيرهم أو ملك فارس إلا من أكرمه بشئ منه، وكان ذلك مذكوراً من فعلهم في الناس، وأن ثمرهم هذا حمى، فقال له رسم وبوران: اشخص إلى قطيعتك فاحمها من عدوك وعدونا وكن رجلاً، فلما انهزم الناس يوم النمارق، ووجهت الفالة نحو نرسى - ونرسى في عسكره ت نادى أبو عبيد بالرحيل، وقال للمجردة: أتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسى، أو تبيدهم فيما بين النمارق إلى بارق إلى درتا. وقال عاصم بن عمرو في ذلك:
لعمري وما على بهين ... لقد صبحت بالخزى أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درتا وبارق
قتلناهم ما بين مرج مسلح ... وبين الهوافي من طريق البذارق
ومضى أبو عبيد حين ارتحل من النمارق حتى ينزل على نرسى بكسكر - ونرسى يومئذ بأسفل كسكر - والمثى في تعبيته التي قاتل فيها جابان، ونرسى على مجنبتيه ابنا خاله - وهما ابنا خال كسرى بندويه وتيرويه ابنا بسطام - وأهل باروسما ونهر جوبر والزوابي معه إلى جنده وقد أتى الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان؛ فبعثوا إلى الجالنوس، وبلغ ذلك نرسى وأهل كسكر وباروسما ونهر جوبر والزاب، فرجوا أن يلحق قبل الوقعة ، وعاجلهم أبو عبيد فالتقوا أسفل من كسكر بمكان يدعى السقاطية فاقتتلوا في صحارى ملس قتالا شديداً. ثم إن الله هزم فارس، وهرب نرسى، وغلب على عسكره وأرضه، وأخرب أبو عبيد ما كان حول معسكرهم من كسكر ، وجمع الغنائم فرأى من الأطعمة شيئاً عظيماً، فبعث فيمن يليه من العرب فانتقلوا ما شاءوا، وأخذت خزائن نرسى ؛ فلم يكونوا بشئ مما خزن أفرح منهم بالنرسيان ؛ لأنه كان يحميه ويمالئه عليه ملوكهم ؛ فاقتسموه فجعلوا يطعمونه الفلاحين ؛ وبعثوا بخمسة إلى عمر وكتبوا إليه: إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها، وأجبنا أن تروها ؛ ولتذكروا إنعام الله وإفضاله.
وأقام أبو عبيد وسرح المثنى إلى باروسما، وبعث والقا إلى الزوابي وعاصماً إلى نهر جوبر؛ فهزموا من كان تجمع وأخبروا وسبوا، وكان مما أخرب المثنى وسبى أهل وزندورد وبسوسيا ، وكانوكان أبو زعبل من سبى زندورد ؛ وهرب ذلك الجند إلى الجالنوس ؛ فكان ممن أسر عاصم أهل بيتيق من نهر جوبر، وممن أسر والق أبو الصلت . وخرج فروخ وفر ونداد إلى المثنى ، يطلبان الجزاء والذمة، دفعاً عن أرضهم ؛ فأبلغهما أبا عبيد: أحدهما باروسما والآخر نهر جوبر، فأعطياه كل رأس أربعة ، فروخ عن باروسما وفر ونداد عن نهر جوبر، ومثل ذلك الزوابي وكسكر، وضمنا لهم الرجال عن التعجيل، ففعلوا وصاروا صلحاً. وجاء فروخ وفر ونداد إلى أبي عبيد بآنية فيها أنواع أطعمة فارس م الألوان والأخبصة وغيرها ؛ فقالوا: هذه كرامة أكرمناك بها، وقرى لك. قال: أأكرمتم الجند وقريتموهم مثله؟ قالوا: لم يتيسر ونحن فاعلون ؛ وإنما يتربصون بهم قدوم الجالنوس وما يصنع ؛ فقال أبو عبيد: فلا حاجة لنا فيما لا يسع الجند، فرده، وخرج أبو عبيد حتى ينزل بباروسما فبلغه مسير الجالنوس.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى الضبي، قال: فأتاه الأندرزغربن الحركبذ بمثل ما جاء به فروج وفرونداذ. فقال لهم: أأكرمتم الجند بمثله وقريتموهم؟ قالوا: لا، فرده، وقال: لا حاجة لنا فيه ؛ بئس المرء أبو عبيد ؛ إن صحب قوماً من بلادهم أهراقوا دماءهم دونه، أو لم يهريقوا فاستأثر عليهم بشئ يصيبه! لا والله لا يأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل ما يأكل أوساطهم.
قال أبو جعفر: وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بنحو من حديث سيف هذا، عن رجاله في توجيه عمر المثنى وأبا عبيد ابن مسعود إلى العراق في حرب من بها من الكفار وحروبهم، ومن حاربهم بها ؛ غير أنه قال: لما هزم جالنوس وأصحابه، ودخل أبو عبيد باروسما، نزل هو وأصحابه قرية من قراها ؛ فاشتملت عليهم، فصنع لأبي عبيد طعام فأتى به؛ فلما رآه قال: ما أنا بالذي آكل هذا دون المسلمين! فقالوا له : كل فإنه ليس من أصحابك أحد إلا وهو يؤتى في منزله بمثل هذا أو أفضل ؛ فأكل فلما رجعوا إليه سألهم عن طعامهم، فأخبروه بما جاءهم من الطعام.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب بن ابراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة وزيادة بإسنادهم، قالوا: كان جابان ونرسي استمدا بوران، فأمدتهما بالجالنوس في جند جابان، وأمر أن يبدأ بنرسى ؛ ثم يقاتل أبا عبيد بعد، فبادره أبو عبيد، فنهض في جنده قبل أن يدنو، فلما دنا استقبله أبو عبيد، فنزل الجالنوس بباقسياثا من باروسما، فنهد إليه أبو عبيد في المسلمين ؛ وهو على تعبيته ؛ فالتقوا على باقسياثا، فهزمهم المسلمون وهرب الجالنوس، وأقام أبو عبيد، قد غلب على تلك البلاد.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى والمجالد بنجو من وقعة باقسياثا.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة ومجالد وزياد والنضر بإسنادهم، قالوا: أتاه أولئك الدهاقين المتربصون جميعاً بما وسع الجند، وهاربوا وخافوا على أنفسهم. وأما النضر ومجالد فإنهما قالا: قال أبو عبيد: ألم أعلمكم أني لست آكلا إلا ما يسع من معي ممن أصبتم بهم! قالوا: لم يبق أحد إلا وقد أتى بشبعه من هذا في رحالهم وأفضل. فلما راح الناس عليه سألهم عن قرى أهل الأرض فأخبروه، وإنما كانوا قصروا أولا تربصا ومخافة عقوبة أهل فارس. وأما محمد وطلحة وزياد فإنهم قالوا: فلما علم قبل منهم، وأكل وأرسل إلى قوم كانوا يأكلون معه أضيافاً عليه يدعوهم إلى الطعام وقد أصابوا من نزل فارس ولم يروا أنهم أتوا أبا عبيد بشئ فظنوا أنهم يدعون إلى مثل ما كانوا يدعون إليه من غليظ عيش أبي عبيد ؛ وكرهوا ترك ما أتوا به من ذلك ؛ فقالوا له: قل للأمير إنا لا نشتهي شيئاً مع شئ أتتنا به الدهاقين ؛ فأرسل إليهم : إنه طعام كثير من أطعمة الأعاجم؛ أين هو مما أتيتم به؟ أنه قوؤ نجم وجدزل وشواء وخردل وشواء وخردل فقال في ذلك عاصم بن عمرو وأضيافه عنده: ذلك عاصم بن عمرو وأضيافه عنده:
إن تك ذا قرو ونجم وجوزل ... فعند ابن فروخ شواء وخردل
وقرو رقاق كالصحائف طويت ... على مزع فيها بقول وجوزل
وقال أيضاً
صبحنا بالبقايس رهط كسرى ... صبوحاً ليس من خمر السواد
صبحناهم بكل فتى كمى ... وأجرد سابح من خيل عاد
ثم ارتحل أبو عبيد، وقدم المثنى، وسار في تعبيته حتى قدم الحيرة. وقال النضر ومجالد ومحمد وأصحابه: تقدم عمر إلى أبي عبيد، فقال: إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، تقدم على قوم جرءوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوا، فانظر كيف تكون! واخزن لسانك، ولا تفشين سرك ؛ فإن صاحب السر ما ضبطه، متحصن لا يؤتى من وجه يكرهه ؛ وإذا ضيعه كان بمضيعة وقعة القرقس ويقال لها القس قس الناطف، ويقال لها الجسر، ويقال لها المروحة.
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم ، قالوا: ولما رجع الجالنوس إلى رستم ومن أفلت من جنوده، قال رستم: أي العجم أشد على العرب فيما ترون؟ قالوا: بهمن جاذويه ؛ فوجهه ومعه فيلة ورد الجالنوس معه، وقال له : قدم الجالنوس، فإن عاد لمثلها فاضرب عنقه، فأقبل بهمن جاذويه ومعه درفش كابيان راية كسرى - وكانت من جلود النمر، وعرض ثمانية أذرع في طول اثني عشر ذراعاً - وأقبل أبو عبيد، فنزل المروحة، موضع البرج والعاقول، فبعث إليه بهمن جاذويه: إما أن تعبروا إلينا وندعهم والعبور وإما أن تدعونا نعبر إليكم؟ فقال الناس: لا تعبر يا أبا عبيد يا أبا عبيد، ننهاك عن العبور. وقالوا له: قل لهم: فليعبروا - وكان من أشد الناس عليه في ذلك سليط - فلج أبو عبيد، وترك الرأي ، وقال: لا يكونون أجرأ على الموت منا ؛ بل نعبر إليهم. فعبروا إليهم وهم في منزل ضيق المطرد والمذهب، فاقتتلوا يوماً - وأبو عبيد فيما بين الستة والعشرة - حتى إذا كان من آخر النهار، واستبطأ رجل من ثقيف الفتح ألف بين الناس فتصافحوا بالسيوف وضرب أبو عبيد الفيل، وخبط الفيل أبا عبيد، وقد أسرعت السيوف في أهل فارس، وأصيب منهم ستة آلاف في المعركة، ولم يبق ولم ينتظر إلا الهزيمة، فلما خبط أبو عبيد، وقام عليه الفيل جال المسلمون جولة، ثم تموا عليها، وركبهم أهل فارس، فبادر رجل من ثقيف إلى الجسر فقطعه، فانتهى الناس إليه والسيوف تأخذهم من خلفهم، فتهافتوا في الفرات، فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف ؛ من بين غريق وقتيل، وحمى المثنى الناس وعاصم والكلج الضبى ومذعور، حتى عقدوا الجسر وعبروهم ثم عبروا في آثارهم، فأقاموا بالمروحة والمثنى جريح، والكلج ومذعور وعاصم - وكانوا حماة الناس - مع المثنى ، وهرب من الناس بشر كثير على وجوههم ؛ وافتضحوا في أنفسهم، واستحيوا مما نزل بهم، وبلغ ذلك عمر عن بعض من أوى إلى المدينة فقال: عباد الله! اللهم إن كل مسلم في حل منى، أنا فئة كل مسلم ، يرحم الله أبا عبيد ! لو كان عبر فاعتصم بالخيف، أو تحيز إلينا ولم يستقبل لكنا به فئة!
وبينا أهل فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر أن الناس بالمدائن قد ثاروا برستم، ونقضوا الذي بينهم وبينه فصاروا فرقتين: الفهلوج على رستم، وأهل فارس على الفيرزان ؛ وكان بين وقعة اليرموك والجسر أربون ليلة. وكان الذي جاء بالخبر عن اليرموك جرير بن عبد الله الحميري ؛ والذي جاء بالخبر عن الجسر عبد الله بن زيد الأنصاري - وليس بالذي رأى الرؤيا - فانتهى إلى عمر وعمر على المنبر. فنادى عمر : الخبر يا عبد الله بن زيد !قال: أتاك الخبر اليقين ؛ ثم صعد إليه المنبر فأسر ذلك إليه.
وكانت اليرموك في أيام من جمادى الآخر، والجسر في شعبان.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد وسعيد ابن المرزيان، قالا : واستعمل رستم على حرب أبي عبيد بهمن جاذويه ؛ وهو ذو الحاجب، ورد الجالنوس ومعه الفيلة، فيها فيل أبيض عليه النخل ، وأقبل في الدهم ، وقد استقبله أبو عبيد حتى انتهى إلى بابل ؛ فلما بلغه انحاز حتى جعل الفرات بينه وبينه ؛ فعسكر بالمروحة.
ثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به قالوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر، فحلف ليقطعن الفرات إليهم، وليمحصن ما صنع، فناشده سليط بن قيس ووجوه الناس، قالوا إن العرب لم تلق مثل جنود فارس منذ كانوا، وإنهم قد حفلوا لنا واستقبلوا من الزهاء والعدة بما لم يلقنا به أحد منهم ؛ وقد نزلت منزلاً لنا فيه مجال وملجأ ومرجع؛ من فرة إلى كرة. فقال: لاأفعل ؛ جبنت والله! وكان الرسول فيما بين ذي الحاجب وأبي عبيد مردانشاه الخصى ؛ فأخبرهم أن أهل فارس قد عيروهم ؛ فازداد أبو عبيد محكاً ، ورد على أصحابه الرأى، وجبن سليطاً، فقال: سليط: أنا والله أجرأ منك نفساً ؛ وقد أشرنا عليك الرأي فستعلم! كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى، عن الأغر العجلي، قال: أقبل ذو الحاجب حتى وقف على شاطئ الفرات بقس الناطف، وأبو عبيد معسكر على شاطئ الفرات بالمروحة فقال: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال أبو عبيد: بل نعبر إليكم. فعقد ابن صلوبا الجسر للفريقين جميعاً ؛ وقبل ذلك ما قد رأت دومة امرأة أبي عبيد رؤيا وهي بالمروحة؛ أن رجلاً نزل من السماء بإناء فيه شراب ، فشرب أبو عبيد وجبر في أناس من أهله؛ فأخبرت بها أبا عبيد، فقال: هذه الشهادة وعهد أبو عبيد إلى الناس، فقال: إن قتلت فعلى الناس جبر، فإن قتل فعليكم فلان، حتى أمر الذين شربوا من الإناء على الولاء من كلامه. ثم قال: إ، قتل أبو القاسم فعليكم المثنى، ثم نهد بالناس فعبر وعبروا إليهم، وعضلت الأرض بأهلها، وألحم الناس الحرب. فلما نظرت الخيول إلى الفيلة عليها النخل ؛ والخيل عليها التجافيف والفرسان عليهم الشعر رأت شيئا منكراً لم تكن ترى مثله فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت بين كراديسهم ؛ لا تقوم لها الخيل إلا على نفار. وخزقهم الفرس بالنشاب، وعض المسلمين الألم ؛ وجعلوا لا يصلون إليهم ؛ فترجل أبو عبيد وترجل الناس، ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف ؛ فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم ؛ فنادى أبو عبيد: احتوشوا الفيلة ؛ وقطعوا بطنها واقبلوا عنها أهلها ؛ وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلق ببطانة فقطعه ؛ ووقع الذين عليه، وفعل القوم مثل ذلك ؛ فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله؛ وقتلوا أصحابه، وأهوى الفيل لأبي عبيد، فنفخ مشفره بالسيف، فاتقاه الفيل بيده؛ وأبو عبيد يتجرثمه ؛ فأصابه بيده فوقع فخبطه الفيل، وقام عليه ؛ فلما بصر الناس بأبي عبيد تحت الفيل، خشعت أنفس بعضهم، وأخذ اللواء الذي كان أمره بعده، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد، فاجتراه إلى المسلمين، وأحرزوا شلوه ؛ وتجرثم الفيل فاتقاه الفيل بيده، دأب أبي عبيد وخبطه الفيل. وقام عليه وتتابع سبعة من ثقيف ؛ كلهم بأخذ اللواء فيقاتل حتى يموت. ثم أخذ اللواء المثنى، وهرب الناس، فملا رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقى أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس، بادرهم إلى الجسر فقطعه، وقال يا أيها الناس، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا. وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر ؛ وخشع ناس فتواثبوا في الفرات ؛ فغرق من لم يصبر وأسرعوا فيمن صبر، وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس، ونادى: يأيها الناس، إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا ؛ فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تغرقوا أنفسكم. فوجدوا الجسر وعبد الله بن مرثد قائم عليه يمنع الناس من العبور، فأخذوه فأتوه به المثنى، فضربه وقال: مما حملك على الذي صنعت؟ قال: ليقاتلوا، ونادى من عبر فجاءوا بعلوج، فضموا إلى السفينة التي قطعت سفائنها، وعبر الناس، وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس، وعبر المثنى وحمى جانبه ؛ فاضرب عسكره، ورامهم ذو الحاجب فلم يقدر عليهم ؛ فلما عبر المثنى وحمى جانبه ارفض عنه أهل المدينة حتى لحقوا بالمدينة وتركها بعضهم ونزلوا البوادي وبقي المثنى في قلة.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن رجل، عن أبي عثمان النهدي، قال: هلك يومئذ أربعة آلاف بين قتيل وغريق ؛ وهرب ألفان، وبقى ثلاثة آلاف، وأتى ذا الحاجب الخبر باختلاف فارس ؛ فرجع بجنده ؛ وكان ذلك سبباً لرفضاضهم عنه ، ورجح المثنى، وأثبت فيه حلق من درعه هتكهن الرمح.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعطية نحواً منه.
كتب إلىالسرى، عن شعيب عن سيف، عن مجالد وعطية والنضر، أن أهل المدينة لما لحقوا بالمدينة وأخبروا عمن سار في البلاد استحيا من الهزيمة، اشتد على عمر ذلك ورحمهم. قال الشعبي: قال عمر: اللهم كل مسلم في حل منى، أنا فئة كل مسلم، من لقى العدو ففظع بشئ من أمره فأنا له فئة ؛ يرحم الله أبا عبيد لو كان انحاز إلى لكنت له فئة ؟ وبعث المثنى بالخبر إلى عمر مع عبيد بن زيد، وكان أول من قدم على عمر.
وحدثناابن حميد ؛ قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق بنحو خير سيف هذا في أمر أبي عبيد وذي الحاجب، وقصة حربهما، إلا أنه قال: وقد كانت رأت دومة أم المختار بن أبي عبيد، أن رجلاً نزل من السماء معه إناء فيه شراب من الجنة فيما يرى النائم، فشرب منه أبو عبيد وجبر بن أبي عبيد وأناس من أهله. وقال أيضاً: فلما رأى أبو عبيد ما يصنع الفيل، قال: هل لهذه الدابة من مقتل؟ قالوا: نعم ؛ فإذا قطع مشفرها ماتت، فشد على الفيل فضرب ممشفرة فقطعه، وبرك عليه الفيل فقتله. وقال أيضاً: فرجعت الفرس ونزل المثنى بن حارثة أليس، وتفرق الناس، فلحقوا بالمدينة، فكان أول من قدم المدينة بخبر الناس عبد الله بن زيد بن الحصين الخطمى، فأخبر الناس.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة ابنة عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت: سمعت عمر بن الخطاب حين قدم عبد الله بن زيد؟ وهو داخل المسجد، وهو يمر على باب حجرتي، فقال: ما عندك يا عبد الله بن زيد؟ قال: أتاك الخبر يا أمير المؤمنين ؛ فلما انتهى إليه أخبره خبر الناس، فما سمعت برجل حضر أمراً فحدث عنه كان أثبت خبراً منه. فملما قدم فل الناس، ورأى عمر جزع المسلمين من المهاجرين والأنصار من الفرار، قال: لا تجزعوا يا معشر المسلمين، أنا فئتكم، إنما انحزتم إلى.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ؛ عن ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحصين وغيره ؛ أن معاذاً القارئ أخا بني النجار ؛ كان ممن شهدها ففر يومئذ، فكان إذا قرأ هذه الآية: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) ، بكى، فيقول له عمر: لا تبك يا معاذ، أنا فئتك، وإنما انحزت إلى.
خبر أليس الصغرى
قال أبو جعفر: كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب بن ابراهيم، عن سيف بن عمر، عن محمد بن نويرة وطلحة وزياد وعطية، قالوا: وخرج جابان مراد انشاه حتى أخذا بالطريق، وهم يرون أنهم سيرفضون ولا يشعرون بما جاء ذا الحاجب من فرقة أهل فارس ، فلما ارفض أهل فارس. وخرج ذو الحاجب في آثارهم، وبلغ المثنى فعله جابان ومردانشاه؛ استخلف على الناس عاصم بن عمرو، وخرج في جريدة خيل يريدهما، فظنا أنه هارب، فاعترضاه فأخذهما أسيرين، وخرج أهل أليس على أصحابهعما، فأتوه بهم أسراء ؛ وعقد لهم بها ذمة وقد مهما، قال: أنتما غررتما أميرنا، وكذبتماه واستفززتماه. فضرب أعناقهما، وضرب أعناق الأسراء ؛ ثم رجع إلى عسكره وهرب أبو محجن من أليس؛ ولم يرجع مع المثنى ؛ وكان جرير بن عبد الله وحنظلة بن الربيع ونفر استأذنوا خالداً من سوى، فأذن لهم، فقدموا على أبي بكر، فذكر له جرير حاجته، فقال: أعلى حالنا؟ وأخره بها ، فلما ولى عمر دعاه بالبينة؛ فأقامها، فكتب له عمر إلى عماله السعادة في العرب كلهم: من كان فيه أحد ينسب إلى بجيلة في الجاهلية، وثبت عليه في الإسلام يعرف ذلك فأخرجوه إلى جرير. ووعدهم جرير مكاناً بين العراق والمدينة . ولما أعطى جرير حاجته في استخراج بجيلة من الناس فجمعهم فأخرجوا له، وأمرهم بالموعد ما بين مكة والمدينة والعراق، فتتاموا، قال لجرير: اخرج حتى تلحق بالمثنى، فقال: بل الشأم ، قال " بل العراق، فإن أهل الشأم قد قووا على عدوهم، فأبى حتى أكرهه ؛ فلما خرجوا له وأمرهم بالموعد عوضة إكراهه واستصلاحاً له، فجعل له ربع خمس ما أفاء الله عليهم في غزاتهم هذه له ولمن اجتمع إليه، ولمن أخرج له إليه من القبائل، وقال: اتخذونا طريقاً، فقدموا المدينة، ثم فصلوا منها إلى العراق ممدين للمثنى، وبعث عصمة بن عبد الله من بني عبد الحارث الضبي فيمن تبعه من بني ضبة ؛ وقد كان كتب إلى أهل الردة، فلم يواف شعبان أحد إلا رمى به المثنى.
البويب كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمدوطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وبعث المثنى بعد الجسر فيمن يليه من الممدين، فتوافوا إليه في جمع عظيم، أو بلغ رستم والفيرزان ذلك ، وأتتهم العيون به بما ينتظرون من الإمداد، واجتمعا على أن يبعثا مهران الهمذاني؛ حتى يريا من رأيهما، فخرج مهران في الخيول وأمرأه بالحيرة، وبلغ المثنى الخبر وهو معسكر بمرج السباخ بين القادسية وخفان في الذين أمدوه من العرب عن خبر بشير وكنانة - وبشير يومئذ بالحيرة - فاستبطن فرات بادقلي، وأرسل إلى جرير ومن معه: إنا جاءنا أمر لم نستطع معه المقام حتى تقدموا علينا، فعجلوا اللحاق بنا، وموعدكم البويب.
وكان جرير ممداً له، وكتب إلى عصمة ومن معه، وكان ممداً له بمثل ذلك، وإلى كل قائد أظله بمثل ذلك، وقال: خذوا على الجوف، فسلكوا القادسية والجوف، وسلك المثنى وسط السواد، فطلع على النهرين ثم على الخورنق، وطلع عصمة على النجف، ومن سلك معه طريقه، وطلع جرير على الجوف ومن سلك معه طريقه، فانتهوا إلى المثنى، وهو على البويب، ومهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البويب مما يلي موضع الكوفة اليوم؛ وعليهم المثنى وهم بإزاء مهران وعسكره. فقال المثنى لرجل من أهل السواد: ما يقال للرقعة للتي فيها مهران وعسكره؟ قال: بسوسيا. فقال: أكدى مهران وهلك نزل منزلاً هو البسوس؛ وأقام بمكانه حتى كاتبه مهران: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم ؛ فقال المثنى : اعبروا ؛ فعبر مهران، فنزل على شاطئ الفرات معهم في الملطاط، قال: المثنى - لذلك الرجل: ما يقال لهذ الرقعة التي نزلها مهران وعسكره ؟ قال: شوميا - ذلك في رمضان أ فنادى الناس: انهدوا لعدوكم، فتناهدوا، وقد كان المثنى عبى جيشه، فجعل على مجنبتيه مذعوراً والنسير، وعلى المجردة عاصماً، وعلى الطلائع عصمة ، واصطف الفريقان ؛ وقام المثنى فيهم خطيباً ؛ فقال: إنكم صوام ؛ والصوم مرقة ومضعفة ؛ وإني أرى من الرأي أن تفطروا ثم تقووا بالطعام على قتال عدوكم . قالوا: نعم فأفطروا ؛ فأبصر رجلاً يستوفز ويستنتل من الصف، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: هو ممن فر من الزحف يوم الجسر ؛ وهو يريد أن يستقتل، فقرعه بالرمح، وقال: لا أبالك؟ الزم موقفك، فإذا أتاك قرنك فأغنه عن صاحبك ولا تستقتل، قال: إني بذلك لجدير، فاستقر ولزم الصف.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيباني بمثله.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن عطية. وعن سفيان الأحمري، عن المجالد، عن الشعبي، قالا: قال عمر حين استجم جمع بجيلة: اتخذونا طريقاً، فخرج سروات بجيلة ووفدهم نحوه، وخلفوا الجمهور، فقال: أي الوجوه أحب إليكم؟ قالوا: الشأم فإن أسلافنا بها فقال: بل العراق؛ فإن الشأم في كفاية؛ فلم يزل بهم، ويأبون عليه حتى عزم على ذلك ؛ وجعل لهم ربع خمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم من الفئ، فاستعمل عرفجة على من كان مقيماً على جديلة من بجيلة، وجريراً على من كان من بني عامر وغيرهم ؛ وقد كان أبو بكر ولاه قتال أهل عمان في نفر، وأقفله حين غزا في البحر، فولاه عمر عظم بجيلة، وقال : اسمعوا لهذا، وقال للآخرين: اسمعوا لجرير، فقال جرير لبجيلة: تقرون بهذا - وقد كانت بجيلة غضبت على عرفجة في امرأة منهم - وقد أدخل علينا ما أدخل علينا ما أدخل فاجتمعوا فأتوا عمر، فقالوا: أعفنا من عرفجة، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرة وإسلاماً، فقالوا: اعفنا من عرفجة فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرة وإسلاماً، وأعظمكم بلاء وإحساناً، قالوا: استعمل علينا رجلاً منا، ولا يستعمل علينا نزيعاً فينا، فظن عمر أنهم ينفوفنه من نسبه، فقال: انظروا ما تقولون قالوا: نقول ما تسمع ؛ فأرسل إلى عرفجة ، فقال: إن هؤلاء استعفوني منك، وزعموا أنك لست منهم ؛ فما عندك؟ قال : صدقوا، وما يسرني أني منهم. أنا امرؤ من الأزد، ثم من بارق، في كهف لا يحصى عدده، وحسب غير مؤتشب . فقال عمر: نعم الحي الأزد؟ يأخذون نصيبهم من الخير والشر. قال عرفجة: إنه كان من شأني أن الشر تفاقم فينا، ودارنا واحدة؛ فأصبنا الدماء، ووتر بعضنا بعضا، فاعتزلتهم لما خفتم، فكنت في هؤلاء أسود وأقودهم، فحفظوأ على لأمر دار بيني وبين دهاقينهم، فحسدوني وكفروني. فقال: لا يضرك فاعتزلهم إذ كرهوك. واستعمل جريراً مكانه، وجمع له بجلية، وأرى جريراً وبجيلة أنه يبعث عرفجة إلى الشأم، فجبب ذلك إلى جرير العراق، وخرج جرير في قومه ممداً للمثنى بن حارثة، حتى نزل ذا قار، ثم ارتفع حتى إذا كان بالجل والمثنى بمرج السباخ، أتى المثنى الخبر عن حديث بشير وهو بالحيرة. فأرسل المثنى إلى قد بعثوا مهران، ونهض من المدائن شاخصاً نحو الحيرة. أن الأعاجم جرير وإلى عصمة بالحث، وقد كان عهد إليهم عمر ألا يعبروا بحراً ولا جسراً إلا بعد ظفر، فاجتمعوا بالبويب فاجتمع العسكران على شاطئ البويب الشرقي وكان البويب مغيضاً للفرات أيام المدود، وأزمان فارس، يصب في الجوف، والمشركون بموضع دار الرزق، والمسلمون بموضع السكون.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب بن ابراهيم، عن سيف بن عمر، عن عطية والمجالد بإسنادهما ، قالا: وقدما على عمر غزاة بني كنانة والأزد في سبعمائة جميعاً، فقال: أي الوجوه أحب إليكم؟ قالوأ: الشأم، أسلافنا أسلافنا؟ فقال: ذلك قد كفيتموه ؛ العراق العراق ذروا بلدة قد قلل الله شوكتها وعددها، واستقبلوا جهاد قوم قد حووا فنون العيش، لعل الله أن يورثكم بقسطكم من ذلك فتعيشوا مع من عاش من الناس. فقال غالب بن عبد الله الليثي وعرفجة البارقي، كل واحد منهما لقومه ، وقاما فيهم يا عشيرتاه أجيبوا أمير المؤمنين إلى ما أرى وأراد. فدعا لهم عمر بخير وقاله لهم، وأمر على بني كنانة غالب بن عبد الله وسرحه، وأمر على الأزد عرفجة بن هرثمة وعامتهم من بارق، وفرحوا برجوع عرفجة إليهم. فخرج هذا في قومه، وهذا في قومه ، حتى قدما على المثنى.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وخرج هلال بن علفة التيمي فيمن اجتمع إليه من الرباب حتى أتى عمر، فأمره عليهم وسرحه، فقدم على المثنى وخرج ابن المثنى الجشمى ؛ جشم سعد، حتى قدم عليه، فوجهه وأمره على بني سعد، فقدم على المثنى.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي وعطية بإسنادهما، قالا: وجاء عبد الله بن ذي السهمين في أناس من خثعم ، فأمره عليهم ووجهه إلى المثنى، فخرج نحوه حتى قدم عليه.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وجاء ربعي في أناس من بني حنظلة، فأمره عليهم وسرحهم، وخرجوا حتى قدم بهم على المثنى، فرأس بعده ابنة شبث بن ربعى وقدم عليه أناس من بني عمرو، فأمر عليهم ربعي بن عامر بم خالد العنود، وألحقه بالمثنى، وقدم عليه قوم من بني ضبة، فجعلهم فرقتين، فجعل على إحدى الفرقتين ابن الهوبر، وعلى الأخرى المنذر بن حسان، وقدم عليه قرط بن جماح في عبد القيس، فوجهه. وقالوا جميعاً: اجتمع الفيرزان ورستم على أن يبعثا مهران لقتال المثنى واستأذنا بوران - وكانا إذا أرادا شيئاً دنوا من حجابها حتى يكلماها به - فقالا بالذي رأيا وأخبراها بعدد الجيش - وكانت فارس لا تكثر البعوث ؛ حتى كان من أمر العرب ما كان - فلما أخبراها بكثرة عدد الجيش، قالت : ما بال أهل فارس لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم ؟ وما لكما لا تبعثان كما لا يخرجون إلى العرب كما كانوا يخرجون قبل اليوم؟ ومالكما لا تبعثان كما كانت الملوك تبعث قبل اليوم قالا : إن الهيبة كانت مع عدونا يومئذ، وإنها فينا اليوم ؛ فما لأتهما وعرفت ما جاءاها به ، فمضى مهران في جنده حتى نزل من دون الفرات والمثنى وجنده على شاطئ الفرات؛ والفرات بينهما؛ وقدم أنس بن هلال النمري ممداً للمثنى في أناس من النمر نصارى وجلاب جلبوا خيلاً - وقدم ابن مردى الفهري التغلبي من أناس بن تغلب يصارى وجلاب خيلا - وهو عبد الله بن كليب بن خالد - وقالوا حين رأوا نزول العرب والعجم: نقاتل مع قومنا. وقال مهران: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم، فقال المسلمون: اعبروا إلينا، فارتحلوا من بسوسيا إلى شوميا، موضع دار الرزق.
كتب إلى السرى، عن شعيب بن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أبيه، أن العجم لما أذن لهم في العبور نزلوا شوميا موضع دار الرزق، فتعبوا هنالك ؛ فأقبلوا إلى المسلمين في صفوف ثلاثة مع كل صف فيل، ورجلهم أمام فيلهم، وجاءوا ولهم زجل. فقال المثنى للمسلمين: إن الذي تسمعون فشل، فالزموا الصمت وائتمروا همساً. فدنوا من المسلمين وجاءوهم من قبل نهر بني سليم نحو موضع نهر بني سليم، فلما دنوا زحفوا، وصف المسلمين فيما بين نهر بني سليم اليوم وما وراءها.
==============================================ج11.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وكان على مجنبتي المثنى بشير وبسرين أبي رهم، وعلى مجردته المعنى، وعلى الرجل مسعود، وعلى الطلائع قبل ذلك اليوم النسير، وعلى الردء مذعور؛ وكان على مجنبتي مهران ابن الآزاذبه مرزبان الحيرة ومردانشاه. ولما خرج المثنى طاف في صفوفه يعهد إليهم عهده، وهو على فرسه الشموس - وكان يدعى الشموس من لين عريكته وطهارته، فكان إذا ركبه قاتل ؛ وكان لا يركبه إلالقتال ويدعه ما لم يكن قتال - فوقف على الرايات راية راية يخضضهم، ويأمرهم بأمره، ويهزمهم بأحسن ما فيهم، تحضيضاً لهم، ولكلهم يقول: إني لأرجو ألا تؤتى العرب اليوم من قبلكم ؛ والله ما يسرني اليوم لنفسي شئ إلا وهو يسرني لعامتكم ؛ فيجيبونه بمثل ذلك. وأنصفهم المثنى في القول والفعل، وخلط الناس في المكروه والمحبوب ؛ فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولاً ولا عملاً. ثم قال: المكروه والمحبوب ؛ فلم يستطع أحد منهم أن يعيب له قولا ولا عملا. ثم قال: إني مكبر ثلاثاً فتهيئوا ؛ ثم احملوا مع الرابعة، فلما كبر أول تكبير أعجلهم أهل فارس وعاجلوهم فخالطوهم مع أول تكبير ؛ وركدت حربهم ملياً، فرأى المثنى خللاً في بعض صفوفه، فأرسل إليهم رجلاً، وقال: إن الأمير يقرأ عليكم السلام، ويقول: لا تفضحوا المسلمين اليوم، فقالوا : نعم، واعتدلوا، وجعلوا قبل ذلك يرونه وهو يمد لحيته لما يرى منهم ؛ فاعتنوا بأمر لم يجئ به أحد من المسلمين يومئذ فرمقوه، فرأوه يضحك فرحاً والقوم بنو عجل . فلما طال القتال واشتد ، عمد المثنى إلى أنس بن هلال، فقال: يا أنس، إنك امرؤ عربي، وإن لم تكن على ديننا ؛ فإذا رأيتني قد حملت على مهران فاحمل معي، وقال لأبن مردي الفهر مثل ذلك فأجابه. فحمل المثنى على مهران ؛ فأزاله حتى دخل في ميمنته، ثم خالطوهم ، واجتمع القلبان وارتفع الغبار والمجنبات تقتتل ، لا يستطيعون أن يفرغوا لنصر أميرهم، لا المشركون ولا المسلمون، وارتث مسعود يومئذ وقواد من قواد المسلمين ؛ وقد كان قال لهم: إن رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه ؛ فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف ؛ الزموا مصافكم ، وأغنوا غناء من يليكم. وأرجع قلب المسلمين في قلب المشركين، وقتل غلام من التغلبيين نصراني مهراني واستوى على فرسه، فجعل المثنى سلبه لصاحبه خيله ؛ وكذلك إذا كان المشرك في خيل رجل فقتل وسلب فهو للذي هو أمير على من قتل ؛ وكان له قائدان: أحدهما جرير والآخر ابن الهوبر ؛ فاقتسما سلاحه.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أبيه محفز بن ثعلبة ؛ قال: جلب فتية من بني تغلب أفراساً، فلما التقى الزحفان يوم البويب، قالوا: نقاتل العجم مع العرب، فأصاب أحدهم مهران يومئذ، ومهران على فرس له ورد مجفف بتجفاف أصفر، بين عبينيه هلال، وعلى ذنبه أهلة من شبه، فاستوى على فرسه، ثم انتمى: أنا الغلام التغلبي، أنا قتلت المرزبان ؟ فأتاه جرير وابن الهوبر في قومهما فأخذ برجله فأنزلاه.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، أن جريراً والمنذر اشتركا فيه فاختصما في سلاحه، فتقاضيا إلى المثنى، فجعل سلاحه بينهما والمنطقة والسوارين بينهما، وأفنوا قلب المشركين.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن أبي روق، قال: والله إن كنا لنأتي البويب، فنرى فيما بين موضع السكون وبني سليم عظاماً بيضاً تلولاً تلوح من هامهم وأوصالهم ؛ يعتبر بها. قال: وحدثني بعض من شهدها أنهم كانوا يحزرونها مائة ألف، وما عفى عليها حتى دفنها أدفان البيوت.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة ؛ قالا: وقف المثنى عند ارتفاع الغبار ؛ حتى أسفر الغبار، وقد فنى قلب المشركين، والمجنبات قد هز بعضها بعضاً، فملا رأوه وقد أزوال القلب، وأفنى أهله، قويت المجنبات - مجنبات المسلمين - على المشركين ، وجعلوا يردون الأعاجم على أدبارهم، وجعل المثنى والمسلمون من القلب يدعون لهم بالنصر ويرسل عليهم من يزحرهم، ويقول: إن المثنى يقول: عاداتكم في أمثالهم ؛ انصروا الله ينصركم ؛ حتى هزموا القوم، فسابقهم المثنى إلى الجسر فسبقهم وأخذ الأعاجم، فافترقوا بشاطئ الفرات مصعدين ومصوبين، واعتورتهم خيول المسلمين حتى قتلوهم، ثم جعلوهم جثاً؛ فما كانت بين العرب والعجم وقعة كانت أبقى رمة منها. ولما ارتث مسعود بن حارثة يومئذ - وكان صرع قبل الهزيمة، فتضعضع من معه، فرأى ذلك وهو دنف - قال: يا معشر بكر بن وائل، ارفعوا رايتكم، رفعكم الله لا يهولنكم مصرعي. وقاتل أنس بن هلال النمري يومئذ حتى ارتث، ارتثه للثنى، وضمه وضم مسعوداً إليه. وقاتل قرط بن جماح العبدي يومئذ حتى دق قناً ، وقطع أسيافاً. وقتل شهر براز من دهاقين فارس صاحب مجردة مهران.
قال: ولما فرغوا جلس المثنى للناس من بعد الفراغ يحدثونه، وكلما جاء رجل فتحدث قال له: أخبرني عنك ؛ فقال له قرط بن جماح: قتلت رجلاً فوجدت منه رائحة المسك، فقلت : مهران، ورجوت أن يكون إياه، فإذا هو صاحب الخيل شهر براز، فوالله ما رأيته إذ لم يكن مهران شيئاً.
فقال: المثنى: قد قاتلت العرب والعجم في الجاهلية والإسلام ؛ والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد على من ألف من العرب، ولمائة اليوم من العرب أشد على من ألف من العجم ؛ إن الله أذهب مصدوقتهم، ووهن كيدهم ؛ فلا يروعنكم زهاء ترونه، ولا سواد ولا قسي فج ، ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها، كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت.
وقال ربعي وهو يحدث المثنى: لما رأيت ركود الحرب واحتدامها، قلت: تترسوا بالمجان، فإنهم شادون عليكم ؛ فاصبروا لشدتين وأنا زعيم لكم بالظفر في الثالثة ؛ فأجابوني والله ؛ فوفى الله كفالتي.
وقال أبن ذي السهمين محدثاً: قلت لأصحابي: إني سمعت الأمير يقرأ ويذكر في قراءته الرعب ؛ فما ذكره إلا لفضل عنده ؛ اقتدوا برايتكم، وليحم راجلكم خيلكم، ثم احملوا فما لقول الله من خلف ؛ فأنجز الله لهم وعده، وكان كما رجوت.
وقال عرفجة محدثاً: حزنا كتبة منهم إلى الفرات، ورجوت أن يكون الله تعالى قد أذن في غرقهم وسلى عنا بها مصيبة الجسر، فلما دخلوا في حد الإحراج، كروا علينا، فقاتلناهم قتالاً شديداً حتى قال بعض قومي: لو أخرت رايتك ؟ فقلت: على إقدامها، وحملت بها على حاميتهم فقتلته، فولوا نحو الفرات، فما بلغه منهم أحد فيه الروح.
وقال ربعي بن عامر بن خالد: كنت مع أبي يوم البويب - قال وسمى البويب يومي الأعشار - أحصى مائة رجل، قتل كل رجل منهم عشرة في المعركة يومئذ، وكان عروة بن زيد الخيل من أصحاب التسعة، وغالب في بني كنانة من أصحاب التسعة ، وعرفجة في الأزاد من أصحاب التسعة.
وقتل المشركون فيما بين السكون اليوم إلى شاطئ الفرات، ضفة البويب الشرقية ؛ وذلك أن المثنى بادرهم عند الهزيمة الجسر، فأخذه عليهم، فأخذوا يمنة ويسرة، وتبعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى الليل، وندم المثنى على أخذه بالجسر، وقال: لقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر وقطعة ؛ حتى أحرجتهم ؛ فإني غير عائد ؛ فلا تعودوا ولا تقتدوا بي أيها الناس، فإنها كانت منى زلة لا ينبغي إحراج أحد إلا من لا يقوى على امتناع. ومات أناس من الجرحى من أعلام المثنى، المسلمين منهم خالد بن هلال ومسعود بن حارثة فصلى عليهم المثنى وقدمهم على الأسنان والقرآن ؛ وقال: والله إنه ليهون على وجدى أن شهدوا البويب، أقدموا وصبروا، ولم يجرعوا ولم ينكلوا، وإن كان في الشهادة كفارة لتجوز الذنوب.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقد كان المثنى وعصمة وجرير أصابوا في أيام البويب على الظهر نزل مهران غنماً ودقيقاً وبقراً، فبعثوا بها إلى عيالات من قدم من المدينة وقد خلفوهن بالقوادس، وإلى عيالات أهل الأيام قبلهم ؛ وهم بالحيرة. وكان دليل الذين ذهبوا بنصيب العيالات الذين بالقوادس عمرو بن عبد المسيح بن بقيلة، فلما رفعوا للنسوة فرأين الخيل، تصايحن وحسبنها غارة، فقمن دون الصبيان بالحجارة والعمد، فقال عمرو: هكذا ينبغي لنساء هذا الجيش وبشروهن بالفتح، وقالوا: هذا أوله، وعلى الخيل التي أتتهم بالنزل النسير ؛ وأقام في خيله حامية لهم، ورجع عمرو بن عبد المسيح فبات بالحيرة. وقال المثنى يومئذ: من يتبع الناس حتى ينتهي إلى السبب؟ فقام جرير بن عبد الله في قومه، فقال: يا معشر بجيلة، إنكم وجميع من شهد هذا اليوم في السابقة والفضيلة والبلاء سواء، وليس لأحد منهم في هذا الخمس غداً من النفل مثل الذي لكم منه ؛ ولكم ربع خمسه نفلا من أمير المؤمنين؛ فلا يكونن أحد أسرع إلى هذا العدو ولا أشد عليه منكم للذي لكم منه، ونية إلى ما ترجون فإنما تنتظرون إحدى الحسنين: الشهادة والجنة أو الغنيمة والجنة.
ومال المثنى على الذين أرادوا أن يستقتلوا من منهزمة يوم الجسر، ثم قال: أين المستبسل بالأمس وأصحابه ! انتدبوا في آثار هؤلاء القوم إلى السيب، وابلغوا من عدوكم ما تغيظونهم به ، فهو خير لكم وأعظم أجراً ؛ واستغفروا الله أن الله غفور رحيم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حمزة بن علي بن محفز، عن رجل من بكر بن وائل، قال: كان أول الناس انتدب يومئذ للمثنى واتبع آثارهم المستبسل وأصحابه ؛ وقد كان أراد الخروج بالأمس إلى العدو من صف المسلمين واستوفز واستنتل ، فأمر المثنى أن يعقد لهم الجسر ؛ ثم أخرجهم في آثار للقوم، واتبعهم بجيلة وخيول من المسلمين تغذ من كل فارس، فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السيب، ولم يبق في العسكر جسرى إلا خرج في الخيل، فأصابوا من البقر والسبي وسائر الغنائم شيئاً كثيراً فقسمه المثنى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفل بجيلة يومئذ ربع الخمس بينهم بالسوية، وبعث بثلاثة أرباع مع عكرمة، وألقى الله الرعب في قلوب أهل فارس. وكتب القواد الذين قادوا الناس في الطلب إلى المثنى، وكتب عاصم وعصمة وجرير: إن الله عز وجل قد سلم وكفى، ووجه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شئ ؛ فتأذن لنا في الإقدام؛ فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصن أهل ساباط منهم واستباحوا القربات دونها ؛ وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أول من دخل حصنهم ثلاثة قواد: عصمة، وعاصم، وجرير ؛ وقد تبعهم أوزاع من الناس كلهم. ثم انكفؤا راجعين إلى المثنى.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية بن الحارث، قال: لما أهلك الله مهران استمكن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة فمخروها، لا يخافون كيداً، ولا يلقون فيها مانعاً، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم ؛ واعتصموا بساباط، وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة.
وكانت وقعة البويب في رمضان سنة ثلاث عشرة قتل الله عليه مهران وجيشه، وأفعموا جنبتى البويب عظاماً، حتى استوى وما عفى عليها إلا التراب أزمان الفتنة، وما يثار هنالك شئ إلا وقعوا منها على شئ ؛ وهو ما بين السكون ومر هبة وبنى سليم ؛ وكان مغيضاً للفرات أزمان الأكاسرة بصب في الجوف. وقال الأعور العبدي الشنى:
هاجت لأعور دار الحي أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس خفانا
وقد أرانا بها واشمل ومجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا
أزمان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتل الزحف من فرس وجيلانا
سما لمهران والجيش الذي معه ... حتى أبادهم مثنى ووحداناً
قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه قال في أمر جرير وعرفجة والمثنى وقتال المثنى مهران غير ما قص سيف من أخبارهم ؛ والذي قال في أمرهم ما حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبة أصحاب الجسر، وقدم عليه فلهم ؛ قدم عليه جرير بن عبد الله البجلي من اليمن في ركب من بجيلة، وعرفجة بن هرثمة - وكان عرفجة يومئذ سيد بجيلة، وكان حليفاًي لهم من الأزد - فكلمهم عمر، فقال لهم: إنكم قد علمتم ما كان حليفاً لهم من إخوانكم بالعراق ؛ فسيروا إليهم وأنا أخرج إليكم من كان منكم في قبائل العرب فأجمعهم إليكم. قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين، فأخرج لهم قيس كبة وسحمة وعرينة ؛ وكانوا في قبائل بني عامر بم صعصعة، وأمر عليهم عرفجة بن هرثمة، فغضب من ذلك جرير بن عبد الله البجلي، فقال لبجلية: كلموا أمير المؤمنين، فقالوا له: استعملت علينا رجلاً ليس منا، فأرسل إلى عرفجة، فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: صدقوا يا أمير المؤمنين، لست منهم، ولكني رجل من الأزد، كنا أصبنا في الجاهلية دماً في قومنا، فلحقنا بجلية فبلغنا فيهم من السؤدد ما بلغك. فقال له عمر: فاثبت على منزلتك، ودافعهم كما يدافعونك. قال: لست فاعلاً ولا سائراً معهم ؛ فسار عرفجة إلى البصرة بعد أن نزلت، وترك بجلية، وأمر عمر على بجيلة جرير بن عبد الله، فسار بهم مكانه إلى الكوفة، وضم إليه عمر قومه من بجلية، فأقبل جرير حتى إذا مر قريباً من المثنى بن حارثة، كتب إليه المثنى أن أقبل إلى ، فإنما أنت مدد لي. فكتب إليه جرير: إني لست فاعلاً إلا أن يأمرني بذلك أمير المؤمنين ؛ أنت أمير وأنا أمير.
ثم سار جرير نحو الجسر، فلقيه مهران بن باذان - وكان من عظماء فارس - عند النخيلة، قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالاً شديداً، وشد المنذر بن حسان بن ضرار الضبي على مهران فطعنه، فوقع عن دابته، فاقتحم عليه جرير فاختر رأسه فاختصما في سلبه اصطلحا فيه فأخذ جرير السلاح، وأخذ المنذر بن حسان منطقته.
قال: وحدثت أن مهران لما لقى جريراً قال:
إن تسألوني عنى فإني مهران ... أنا لمن انكرني ابن باذان
قال: فأنكرت ذلك حتى حدثني من لا أتهم من أهل العلم أنه كان عربياً نشأ مع أبيه باليمن إذ كان عاملا لكسرى. قال: فلم أنكر ذلك حين بلغني.
كتب المثنى إلى عمر يمحل بجرير، فكتب عمر إلى المثنى: إني لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - يعني جريراً. وقد وجه عمر سعد بن بي وقاص إلى العراق في ستة آلاف، أمره عليهم ؛ وكتب إلى المثنى وجرير بن عبد الله أن يجتمعا إلى سعد بن أبي وقاص، وأمر سعداً عليهما ؛ فسار سعد حتى نزل شراف ، وسار المثنى وجرير حتى نزلا عليه، فشتا بها سعد، واجتمع إليه الناس، ومات المثنى بن حارثة رحمه الله.
خبر الخنافس
رجع الحديث إلى حديث سيف. كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ومخر المثنى السواد وخلف بالحيرة بشير بن الخصاصية، وأرسل جريراً إلى ميسان، وهلال بن علفة التيمي إلى دست ميسان، وأذكى المسالح بعصمة بن فلان الضبي وبالكلج الضبي وبعرفجة البارقي ؛ وأمثالهم في قواد المسلمين ؛ فبدأ فنزل أليس - قرية من قرى الأنبار - وهذه الغزاة تدعى غزاة الأنبار الآخر ؛ وغزاة أليس الآخر، وألز رجلان بالمثنى : أحدهما أنباري والآخر حيري يدله كل واحد منهما على سوق، فأما الأنباري فدله على الخنافس، وأما الحيري فدله على بغداد. فقال المثنى: أيتهما قبل صاحبتها؟ فقالوا: بينهما أيام، قال: أيهما أعجل؟ قالوا: الخنافس سوق يتوافى إليها الناس، ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم. فاستعد لها المثنى ؛ حتى إذا ظن أنه موافيها يوم سوقها ركب نحوهم، فأغار على الخنافس يوم سوقها، وبها خيلان من ربيعة وقضاعة، وعلى قضاعة رومانس بن وبرة، وعلى ربيعة السليل بن قيس وهم الخفراء، فانتسف السوق وما فيها، وسلب الخفراء، ثم رجع عوده على بدئه حتى يطرق داهاقين الأنبار طروقاً في أول النهار يومه، فتحصنوا منه، فلما عرفوه نزلوا إليه فأتوه بالأعلاف والزاد ؛ وأتوه بالأدلاء على بغداد ؛ فكان وجهه إلى سوق بغداد، فصبحهم والمسلمون يمخرون السواد والمثنى والأنبار، ويشنون الغارات فيما بين أسفل كسكر وأسفل الفرات وجسور مثقف إلى عين التمر وما والاها من الأرض في أرض الفلاليج والعال.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن مخفر، عن أبيه، قال: قال رجل من أهل الحيرة للمثنى: ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى والسواد، وتجتمع بها في كل سنة مرة ومعهم فيها الأموال ؛ كبيت المال ؛ وهذه أيام سوقهم، فإن أنت قدرت أن تغير عليهم وهم لا يشعرون أصبت فيها مالاً يكون غناء للمسلمين ؛ وقووا به على عدوهم دهرهم، قال: وكم بين كسرى وبينها؟ قال بعض يوم أو عامة يوم، قال: فكيف لي بها؟ قالوا: نأمرك إن أردتها أن تأخذ طريق البر، حتى تنتهي إلى الخنافس، فإن الأنبار سيضربون إليها، ويخبرون عنك فيأمنون، ثم تعوج على أهل الأنبار فتأخذ الدهاقين بالأدلاء، فتسير سواد ليلتك من الأنبار حتى تأتيهم صبحاً فتصبحهم غارة.
فخرج من أليس حتى أتى الخنافس، ثم عاج حتى رجع على الأنبار، فلما أحسه صاحبها تحصن وهو لا يدري من هو ؛ وذلك ليلاً ؛ فلما عرفه نزل إليه فأطعمه المثنى، وخوفه واستكتمه، وقال: إني أريد أن أغير فابعث معي الأدلاء إلى بغداد، حتى أغير منها إلى المدائن. قال: انا أجئ معك، قال: لا أريد أن تجئ معي، ولكن ابعث من هو أدل منك فزودهم الأطعمة والأعلاف وبعث معهم الأدلة، فساروا حتى إذا كانوا بالنصف، قال لهم المثنى: كم بيني وبين هذه القرية؟ قالوا: أربعة أو خمسة فراسخ. فقال لأصحابه: من ينتدب للحرس؟ فانتدب له قوم فقال لهم: أذكوا حرسكم، ونزل وقال: أيها الناس، أقيموا واطعموا وتوضئوا وتهيؤا. وبعث الطلائع فحسبوا الناس ليسبقوا الأخبار، فلما فرغوا أسرى إليهم آخر الليل، فعبر إليهم، فصبحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف فقتل، وأخذوا ما شاءوا، وقال المثنى: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ولا تأخذوا من المتاع إلا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته. وهرب أهل الأسواق، وملأ السلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحر من كل شئ، ثم خرج كاراً حتى نزل بنهر السيلحين بالأنبار ؛ فنزل وخطب الناس، وقال: أيها الناس، انزلوا وقضوا أوطاركم، وتأهبوا للسير، واحمدوا لله وسلوه العافية، ثم انكشفوا قبيضاً . ففعلوا، فسمع همساً فيما بينهم: ما أسرع القوم في طلبنا! فقال: تناجوا بالبر والتقوى ولا تتناجوا بالإثم والعدوان، انظروا في الأمور وقد روها ثم تكلموا ؛ إنه لم يبلغ النذير مدينتهم بعد ؛ ولو بلغهم لحال الرعب بينهم وبين طلبكم. إن للغارات روعات تنتشر عليها؛ يوماً إلى الليل ولو طلبكم المحامون من رأى العين ما أدركوكم وأنتم على العراب حتى تنتهوا إلى عسكركم وجماعتكم، ولو أدركوكم لقاتلتهم لأثنتين: التماس الأجر ورجاء النصر ؛ فثقوا بالله وأحسنوا به الظن، فقد نصركم الله في مواطن كثيرة وهم أعد منكم ؛ وسأخبركم غنى وعن انكماشي والذي أريد بذلك ؛ إن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أوصانا أن نقلل العرجة ، ونسرع الكرة في الغارات، ونسرع في غير ذلك الأوبة. وأقبل بهم ومعهم أدلاؤهم يقطعون بهم الصحارى والأنهار ؛ حتى انتهى بهم إلى الأنبار ؛ فاستقبلهم دهاقين الأنبار بالكرامة، واستبشروا بسلامته، وكان موعده الإحسان إليهم إذا استقام لهم من أمرهم ما يحبون.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما رجع المثنى من بغداد إلى الأنبار سرح المضارب العجلي وزيداً إلى الكباث، وعليه فارس العناب التغلبي، ثم خرج في آثارهم، فقدم الرجلان الكباث، وقد ارفضوا وأخلوا الكباث، وكان أهله كلهم من بني تغلب فركبوا آثارهم يتبعونهم، فأدركوا أخرياتهم وفارس العناب يحميهم، فحماهم ساعة ثم هرب، وقتلوا في أخرياتهم وأكثروا، ورجع المثنى إلى عسكره بالأنبار والخليفة عليهم فرات بن حيان فلما رجع إلى الأنبار سرح فرات بن حيان وعتيبة بن النهاس وأمرهما بالغارة على أحياء من تغلب والنمر بصفين، ثم اتبعهما وخلف على الناس عمرو بن أبي سلمى الهجيمي ؛ فلما دنوا من صفين، افترق المثنى وفرات وعتيبة، وفر أهل صفين وعبروا الفرات إلى الجزيرة، وتحصنوا، وأرمل المثنى وأصحابه من الزاد، حتى أقبلوا على رواحلهم إلا مالا دياف وحوران، فقتلوا العلوج وأصابوا ثلاثة نفر من بني تغلب خفراء، بد منه فأكلوها حتى أخفافها وعظامها وجلودها ثم أدركوا عيراً من أهل واخذوا العير وكان ظهيراً فاضلاً وقال لهم: دلوني فقال أحدهم آمنوني على أهلي ومالي، وأدلكم على حتى من تغلب غدوت من عندهم اليوم ؛ فآمنه المثنى وسار معه يومه، حتى إذا كان العشى هجم على القوم، فإذا النعم صادرة عن الماء، وإذا القوم جلوس بأفنية البيوت، فبث غارته، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية ؛ واستاقوا الأموال، وإذا هم بنو ذي الرويحلة ؛ فاشترى من كان بين المسلمين من ربيعة السبايا بنصيبه من الفئ، وأعتقوا سبيهم ؛ وكانت ربيعة لا تسبى إذ العرب يتسابون في جاهليتهم.
وأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجعوا الشط ؛ شاطئ دجلة، فخرج المثنى، وعلى مقدمته في غزواته هذه بعد البويب كلها حذيفة بن محصن الغلفاني، وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف بن النعمان ومطر الشيبانيات، فسرح في أدبارهم حذيفة واتبعه ؛ فأدركوهم بتكريت دوينها من حيث طلبوهم يخوضون الماء، فأصابوا ما شاءوا من النعم، حتى أصاب الرجل خمساً من النعم، وخمساً من السبي، وخمس المال ؛ وجاء به حتى ينزل على الناس بالأنبار ؛ وقد مضى فرات وعتيبة في وجوههما ؛ حتى أغاروا على صفين وبها النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا بطائفة منهم في الماء، فناشدوهم فلم يقلعوا عنهم، وجعلوا ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمرون الناس، وينادونهم: تغريق بتحريق - يذكرونهم يوماً من أيامهم في الجاهلية أحرقوا فيه قوماً من بكر بن وائل في غيضة من الغياض - ثم انكفئوا راجعين إلى المثنى، وقد غرقوهم.
ولما تراجع الناس إلى عسكرهم بالأنبار وتوافى بها البعوث والسرايا، انحدر بهم المثنى إلى الحيرة، فنزل بها. وكانت تكون لعمر رحمه الله العيون في كل جيش، فكتب إلى عمر بما كان في تلك الغزاة، وبلغه الذي قال عتيبة وفرات يوم بني تغلب والماء ؛ فبعث إليهما فسألهما، فأخبراه أنهما قالا ذلك على وجه أنه مثل، فحلفا أنهما ما أرادا بذلك إلا المثل وإعزاز الإسلام، فصدقهما وردهما حتى قد ما على المثنى.
ذكر الخبر عما هيج أمر القادسيةكتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، عن عزيز بن مكنف التميمي ثم الأسيدي، وطلحة بن الأعلم الحنفي، عن المغيرة بن عتيبة بن النهاس العجلي، وزياد بن سرجس الأحمري، عن عبد الرحمن بن ساباط الأحمري، قالوا جميعاً: قال أهل فارس لرستم والفيرزان - وهما على أهل فارس، أين يذهب بكما! لم يبرح الإختلاف حتى وهنتما أهل فارس واطعمتما فيهم عدوهم ! وإنه لم يبلغ من خطركما أن يقركما فارس على هذا الرأي، وأن تعرضاها للهلكة ؛ ما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن ؛ والله لتجتمعان أو لنبدأن بكما قبل أن يشمت بنا شامت.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفز، عن أبيه، قال: قال أهل فارس لرستم والمسلمون يمخرون السواد: ما تنتظرون والله إلا أن ينزل بنا ونهلك! والله ما جر هذا الوهن علينا غيركم يا معاشر القواد! لقد فرقتم بين أهل فارس وثبطتموهم عن عدوهم. والله لولا أن في قتلكم هلاكنا لعجلنا لكم القتل الساعة، ولئن لم تنتهوا لنهلكنكم ثم نهلك وقد اشتفينا منكم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فقال الفيرزان ورسم لبوران ابنة كسرى: اكتبي لنا نساء كسرى وسراريه ونساء آل كسرى وسراريهم. ففعلت، ثم أخرجت ذلك إليهم في كتاب، فأرسلوا في طلبهن فلم يبق منهن امرأة إلا أتوابها، فأخذوهن بالرجال ووضعوا عليهن العذاب يستدلونهن على ذكر من أبناء كسرى، فلم يوجد عندهن منهم أحد، وقلن - أو من قال منهن: لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى، وأمه من أهل بادوريا. فأرسلوا إليها فأخذوها به، وكانت قد أنزلته في أيام شيرى حين جمعهن في القصر الأبيض، فقتل الذكور، فواعدت أخواله، ثم دلته إليهم في زبيل فسألوها عنه وأخذوها به، فدلتهم عليه، فأرسلوا إليه فجاءوا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين سنة، واجتمعوا عليه، واطمأنت فارس واستوثقوا وتبارى الرؤساء في طاعته ومعونته فسمى الجنود لكل مسلحة كانت لكسرةى أو موضع ثغر، فسمى جند الحيرة والأنبار والمسالح والأبلة. وبلغ ذلك من أمرهم واجتماعهم على يزدجرد المثنى والمسلمين، فكتبوا إلى عمر بما ينتظرون ممن بين ظهرانيهم، فلم يصل الكتاب إلى عمر حتى كفر أهل السواد ؛ من كان له منهم عهد ومن لم يكن له منهم عهد، فخرج المثنى على حاميته حتى نزل بذى قار، وتنزل الناس بالطف في عسكر واحد حتى جاءهم كتاب عمر: أما بعد ؛ فاخرجوا من بين ظهري الأعاجم، وتفرقوا في المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا في ربيعة أحداً ولا مضر ولا حلفائهم أحداً من أهل النجدات ولا فارساً إلا اجتلبتموه ؛ فإن جاء طائعاً وإلا حشرتموه، احملوا العرب على الجد إذ جد العجم ؛ فلتلقوا جدهم بجدكم.
فنزل المثنى بذي قار، ونزل الناس بالجل وشراف إلى غضى - وغضى حيال البصرة - فكان جرير بن عبد الله بغضى وسبرة بن عمرو والعنبرى ومن أخذ أخذهم فيمن معه إلى سلمان، فكانوا في أمواه الطف من أولها إلى آخرها مسالح بعضهم ينظر إلى بعض ؛ ويغيث بعضهم بعضاً إن كان كون، وذلك في ذي العقدة سنة ثلاث عشرة.
حدثنا السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: كان أول ما عمل به عمر حين بلغه أن فارس قد ملكوا يزدجرد، أن كتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة مخرجة إلى الحج، وحج سنواته كلها: لا تدعا أحداً له سلاح، أو فرس، أو نجدة، أو أرى إلا انتخبتموه، ثم وجهتموه إلى، والعجل العجل! فمضت الرسل إلى من أرسلهم إليهم مخرجة إلى الحج، ووافاه أهل هذا الضرب من القبائل التي طرقها على مكة والمدينة، فأما من كان من أهل المدينة على النصف ما بينه وبين العراق فوافاه بالمدينة مرجعه من الحج، وأما من كان أسفل من ذلك فانضموا إلى المثنى، فأما من وافى عمر فإنهم أخبروه عمن وراءهم بالحث.
وقال أبو معشر، فيما حدثنى الحارث، عن ابن سعد، عنه. وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عنه: الذي حج بالناس سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف.
وقد حدثني المقدمى ، عن إسحاق الفروى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: استعمل عمر على الحج عبد الرحمن بن عوف في السنة التي ولى فيها، فحج بالناس، ثم حج سنية كلها بعد ذلك بنفسه.
وكان عامل عمر في هذه السنة - على ما ذكر - على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن على البحرين العلاء بن الخضرمي الشأم أبو عبيدة بن الجراح، وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى بن حارثة.
وكان على القضاء - فيما ذكر - على بن أبي طالب. وقيل: لم يكن لعمر في أيامه قاض.
ثم دخلت سنة أربع عشرة
ذكر ابتداء أمر القادسية
ففي أول يوم من المحرم سنة أربع عشرة - فيما كتب إلى به السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد يإسنادهم - خرج عمر حتى نزل على ماء يدعى صراراً، فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد ؛ أيسير أم يقيم. وكانوا إذا ارادوا أن يسألوه عن شئ رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف ؛ وكان عثمان يدعى في إمارة عمر رديفاً - قالوا: والرديف بلسان العرب الرجل الذي بعد الرجل، والعرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد رئيسهم - وكانوا إذا لم يقدر هذان على علم شئ مما يريدون، ثلثوا بالعباس، فقال عثمان لعمر: ما بلغك؟ ما الذي تريد؟ فنادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه، فأخبرهم الخبر. ثم نظر ما يقول الناس، فقال العامة: سر وسر بنا معك ؛ فدخل معهم في رأيهم، وكره أن يدعهم حتى يخرجهم منه في رفق، فقال: استعدوا وأعدوا فإني سائر إلا أن يجئ رأى هو أمثل من ذلك . ثم بعث إلى أهل الرأى، فاجتمع إليه وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأعلام العرب، فقال: أحضروني الرأي فإني سائر. فاجتمعوا جميعاً، وأجمع ملؤهم على أن يبعث رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيم، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي من الفتح، فهو الذي يريد ويريدون ؛ وإلا أعاد رجلاً وندب جنداً آخر ؛ وفي ذلك ما يغيظ العدو، ويرعوى المسلمون، ويجئ نصر الله بإنجاز موعود الله. فنادى عمر: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس إليه، وأرسل إلى على عليه السلام، وقد استخلفه على المدينة، فأتاه، وإلى طلحة وقد بعثه على المقدمة، فرجع إليه، وجعل على المجنبتين الزبير وعبد الرحمن بن عوف، فقام الناس فقال: إن الله عز وجل قد جمع على الإسلام أهله؛ فألف بين القلوب، وجعلهم فيه إخواناً، والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شئ من شئ أصاب غيره ؛ وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا أمرهم شورى بينهم وبين ذوى الرأى منهم؛ فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر ؛ ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعاً لهم، ومن أقام بهذا الأمر تبع لأولى رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعاً لهم. بأيها الناس، إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلاً، وقد أحضرت هذا الأمر ؛ من قدمت ومن خلفت. وكان على عليه السلام خليفته على المدينة، وطلحة على مقدمته بالأعوص ؛ فأحضرهما ذلك.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبد العزيز، قال: لما انتهى قتل أبي عبيد ابن مسعود إلى عمر، واجتماع أهل فارس على رجل من آل كسرى، ونادى في المهاجرين والأنصار ؛ وخرج حتى أتى صراراً، وقدم طلحة بن عبيد الله حتى بأتي الأعوص، وسمى لميمنته عبد الرحمن بن عوف، ولميسرته الزبير بن العوام، واستخلف علياً رضى الله عنه على المدينة، واستشار الناس، فكلهم أشار عليه بالسير إلى فارس، ولم يكن استشار في الذي كان حتى نزل بصرار ورجع طلحة، فاستشار ذوى الرأي فكان طلحة ممن تابع الناس، وكان عبد الرحمن ممن نهاه، فقال عبد الرحمن: فما فديت أحداً بأبي وأمي بعد النبي صلى الله عليه وسلم قبل يومئذ ولا بعده ؛ فقلت: يا بأبي وأمي، اجعل عجزها بي وأقم وابعث جنداً، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد، فإنه إن يهزم جيشك ليس كهزيمتك ؛ وإنك إن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت ألا يكبر المسلمون وألا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبداً وهو في ارتياد من رجل ؛ وأتى كتاب سعد علىحفف كشورتهم ؛ وهو على بعض صدقات نجد، فقال عمر: فأشيروا على برجل، فقال عبد الرحمن: وجدته، قال: من هو ؟ قال: الأسد في براثنه ؛ سعد بن مالك ؛ ومالأه أولو الرأى.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن خليد بن ذفرة ، عن أبيه، قال: كتب المثنى إلى عمر بإجتماع فارس على يزد جرد وببعوثهم، وبحال أهل الذمة. فكتب إليه عمر ؛ أن تنح إلى البر، وادع من يليك، وأقم منهم قريباً على حدود أرضك وأرضهم ؛ حتى يأتيك أمري.
وعاجلتهم الأعاجم فزاحفتهم الزحوف ، وثار بهم أهل الذمة ؛ فخرج المثنى بالناس حتى ينزل الطف، ففرقهم فيه من أوله إلى آخره، فأقام ما بين غضى إلى القططقانة مسالحه، وعادت مسالح كسرى وثغوره، واستقر أمر فارس وهم في ذلك هائبون مشفقون، والمسلمون متدفقون قد ضروابهم كالأسد ينازع فريسته ثم يعادود الكر ؛ وأمراؤهم يكفكفونهم بكتاب عمر وأمداد المسلمين.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب بن ابراهيم، عن سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: قد كان أبو بكر استعمل سعداً على صدقات هوازن بنجد، فأقره عمر، وكتب إليه فيمن كتب إليه من العمال حين استنفر الناس أن ينتخب أهل الخيل والسلاح ممن له رأى ونجدة. فرجع إليه كتاب سعد بمن جمع الله له من ذلك الضرب ؛ فوافق عمر وقد استشارهم في رجل، فشاروا عليه به عند ذكره.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: كان سعد بن أبي وقاص على صدقات هوزان، فكتب إليه عمر فيمن كتب غليه بانتخاب ذوى الرأى والنجدة ممن كان له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد: إني قد انتخبت لك ألف فارس مؤذ كلهم له نجدة ورأى، وصاحب حيطة يحوط حريم قومه، ويمنع ذمارهم، إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم، فشأنك بهم. ووافق كتابه مشورتهم، فقالوا: قد وجدته، قال: فمن؟ قالوا: الأسد عادياً، قال: من؟ قالوا: سعد، فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه، فقدم عليه، فأمره على حرب العراق وأوصاه. فقال: يا سعد، سعد بنى وهيب ؛ لا يغرنك من الله أن عز وجل لا يمحو السيئ ؛ ولكنه يمحو السيئ بالحسن ؛ فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته ؛ فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ؛ الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمة فإنه الأمر. هذه عظتى إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك ؛ وكنت من الخاسرين.
ولما أراد أن يسرحه دعاه، فقال: إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتى فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يخلص منه إلا الحق، فعود نفسك ومن معك الخير، واستفتح به. واعلم أن لكل عادة عتاداً، فعتاد الخير الصبر ؛ فالصبر على ما أصابك أو نابك ؛ يجتمع لك خشية الله. واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته واجتناب معصيته ؛ وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة ؛ وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء ؛ منها السر، ومنها العلانية ؛ فأما العلانية فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس ؛ فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم ؛ وإن الله إذا أحب عبداً حببه ؛ وإذا أبغض عبداً بغضه. فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس، ممن بشرع معك في أمرك. ثم سرحه فيمن اجتمع إليه بالمدينة من نفير المسلمين. فخرج سعد بن أبي وقاص من المدينة قاصداً العراق في أربعة آلاف ؛ ثلاثة ممن قدم عليه من اليمن والسراة ؛ وعلى أهل السروات حميضة بن النعمان بن حميضة البارقى ؛ وهم بارق وألمع وغامد وسائر إخوانهم ؛ وفي سبعمائة من أهل السراة، وأهل اليمن ألفان وثلاثمائة ؛ منهم النخع بن عمرو، وجميعهم يومئذ أربعة آلاف ؛ مقاتلهم وذرارتهم ونساؤهم ؛ وأتاهم عمر في عسكرهم ؛ فأرادهم جميعاً على العراق، فأبوا إلا الشأم، وأبى إلا العراق، فسمح نصفهم فأمضاهم نحو العراق، وأمضى النصف الآخر نحو الشأم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حنش النخعي، عن أبيه وغيره منهم، أن عمر أتاهم في عسكرهم ؛ فقال: إن الشرف فيكم يا معشر النخع لمتربع ، سيروا مع سعد. فنزعوا إلى الشأم، وأبى إلا العراق، وأبوا إلا الشأم؛ فسرح نصفهم إلى الشأم ؛ فسرح نصفهم إلى الشأم ونصفهم إلى العراق.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمستنير وحنش؛ قالوا: وكان فيهم من حضرموت والصدف ستمائة ؛ عليهم شداد بن ضمعج، وكان فيهم ألف وثلثمائة من مذحج، على ثلاثة رؤساء: عمرو بن معد يكرب على بني منبه، وأبو سبرة بن ذؤيب على جعفى ومن في حلف جعفى من إخوة جزء وزبيد وأنس الله ومن لفهم، ويزيد بن الحارث الصدائي على صداء وجنب ومسلية في ثلثمائة ؛ هؤلاء شهدوا من مذحج فيمن خرج من المدينة مخرج سعد منها، وخرج معه من قيس عيلان ألف بشر بن عبد الله الهلالي.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن ابراهيم، قال: خرج أهل القادسية من المدينة، وكانوا أربعة آلاف ؛ ثلاثة آلاف منهم من أهل اليمن وألف من سائر الناس.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وسهل، عن القاسم، قالوا: وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص، ثم قام في الناس خطيباً، فقال: إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول، ليحيى به القلوب ؛ فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله؛ من علم شيئاً فلينتفع به ؛ وإن للعدل أمارات وتباشير ؛ فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل أمر باباً ويسر لكل باب مفتاحاً، فباب العدل الإعتبار ومفتاحه الزهد. والإعتبار. ذكر الموت بتذكر الأموات، والإستعداد له بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، وتأديه الحق إلى كل أحد له حق. ولا تصانع في ذلك أحداً، واكتف بما يكفيك من الكفاف ؛ فإن من لم يكفه الكفاف لم يغنه شئ. إني بينكم وبين الله ؛ وليس بيني وبينه أحد ؛ وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه، فأنهوا شكاتكم إلينا ؛ فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها نأخذ له الحق غير متعتع. وأمر سعداً بالسير، وقال: إذا انتهت إلى زرود فانزل بها ؛ وتفرقوا فيما حولها، واندب من حولك منهم، وانتخب أهل النجدة والرأى والقوة والعدة.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن رجل، قال: مرت السكون مع أول كندة مع حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج في أربعمائة ؛ فاعترضهم ؛ فإذا فيهم فتية دلم سباط مع معاوية بن حديج، فأعرض عنهم، ثم أعرض، ثم أعرض ؛ حتى قبل له: مالك ولهؤلاء! قال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلى منهم. ثم أمضاهم، فكان بعد يكثر أن يتذكرهم بالكراهية، وتعجب الناس من رأى عمر. وكان منهم رجل يقال له سودان بن حمران، قتل عثمان بن عفان رضى الله عنه ؛ وإذا منهم حليف لهم يقال له خالد بن ملجم ، قتل علي بن أبي طالب رحمه الله ؛ وإذا منهم معاوية بن حديج ؛ فنهض في قوم منهم يتبع قتلة عثمان يقتلهم ؛ وإذا منهم قوم يقرون قتلة عثمان.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، عن ماهان، وزياد بإسناده، قالوا: وأمد عمر سعداً بعد خروجه بألفى يماني وألفى نجدي مؤد من غطفان وسائر قيس، فقدم سعد زرود في أول الشتاء، فنزلها وتفرقت الجنود فيما حولها من أمواه بني تميم وأسد، وانتظر اجتماع الناس، وأمر عمر، وانتخب من بني تميم والرباب أربعة آلاف ؛ ثلاثة آلاف تميمي وألف ربي ؛ وانتخب من بني أسد ثلاثة آلاف ، وأمرهم أن ينزلوا على حد أرضهم بين الحزن والبسيطة، فأقاموا هنالك بين سعد بن أبي وقاص وبين المثنى بن حارثة، وكان المثنى في ثمانية آلاف ؛ من ربيعة ستة آلاف من بكر بن وائل، وألفان من سائر ربيعة أربعة آلاف ممن كان النحت بعد فصول خالد زأربعة آلاف كانوا معه ممن بقي يوم الجسر وكان معه من أهل اليمن ألفان من بحيلة، وألفان من قضاعة وطيئ ممن النتخبوا إلى ما كان قبل ذلك ، على طيئ عدي بن حاتم، وعلى قضاعة عمرو بن وبرة، وعلى بجيلة جرير بن عبد الله، فبينا الناس لذلك سند يرجو أن عليه عليه المثنى، والمثى يرجو أن يقدم عليه سعد، مات المثنى من جراحته التي كان جرحها يوم الجسر، انتفضت به؛ فاستخلف المثنى على الناس بشير بن الخصاصية، وسعد يومئذ بزرود، ومع بشير يومئذ وجوه أهل العراق، ومع سعد وفود أهل العراق الذين كانوا قدموا على عمر، منهم فرات بن حيان العجلي وعتيبة، فردهم مع سعد.
كتب إلى السسرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بإسناده، وزياد عن ماهان، قالا: فمن أجل ذلك اختلف الناس في عدد أهل القادسية، فمن قال: اربعة آلاف فلمخرجهم مع سعد من المدينة، ومن قال: ثمانية آلاف فلاجتماعهم يزرود، ومن قال: تسعة آلاف فللحاق القيسيين، ومن قال: اثنا عشر ألفاً فلدفوف بني أسد من فروع الحزن بثلاثة آلاف. وأمر سعداً بالإقدام، فأقام ونهض إلى العراق وجموع الناس بشراف، وقدم عليه مع قومه شراف الأشعث بن قيس في ألف وسبعمائة من أهل ؛ فجميع من شهد القادسية بضعة وثلاثون ألفاً، وجميع من قسم عليه فئ القادسية نحو من ثلاثين ألفاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد، عن جرير، قال: كان أهل اليمن ينزعون إلى الشأم ؛ وكانت مضر تنزع إلى العراق، فقال عمر: أرحامكم أرسخ من أرحامنا! ما بال مضر لا تذكر أسلافها من أهل الشأم! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي سعد بن المرزبان، عمن حدثه، عن محمد بن حذيفة بن اليمان، قال: لم يكن أحد من العرب أجرأ على فارس من ربيعة، فكان المسلمون يسمونهم ربيعة الأسد إلى ربيعة الفرس، وكانت العرب في جاهليتها تسمى فارس الأسد ولاروم الأسد.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: قال عمر: والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب ؛ فلم يدع رئيساً، ولا ذا رأي، ولا ذا شرف، ولا ذا سطة ولا خطيباً ؛ ولا شاعراً ؛ إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: كان عمر قد كتب إلى سعد مرتحله من زرود؛ أن ابعث إلى فرج الهند رجلاً ترضاه يكون بحياله، ويكون ردءاً لك من شئ إن أتاك من تلك التخوم ؛ فبعث المغيرة بن شعبة في خمسمائة ؛ فكان بحيال الأبلة من أرض العرب ؛ فأتى غضياً، ونزل على جرير ؛ وهو فيما هنالك يومئذ. فلما نزل سعد بشراف، كتب إلى عمر بمنزله وبمنازل الناس فيما بين غضى إلى الجبانة، فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابي هذا فعشر الناس وعرف عليهم، وأمر على أجنادهم، وعبهم، ومرو رؤساء المسلمين فليشهدوا، وقدر هم وهم شهود ؛ ثم وجههم إلى اصحابهم، وواعدهم القادسية ؛ واضمم إليك المغيرة بن شعبة في خيلة ؛ والتب إلى بالذي يستقر عليه أمرهم.
فبعث سعد إلى المغيرة ؛ فانضم إليه وغلى رؤساء القبائل، فأتوه، فقدر الناس وعباهم بشراف، وأمر أمراء الأجناد، وعرف العرفاء ؛ فعرف على كل عشرة رجلاً، كما كانت العرافات أزمان النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك كانت إلى أن فرض العطاء، وأمر على الرايات رجالاً من أهل السابقة، وعشر الناس، وأمر على الأعشار رجالاً من الناس لهم وسائل في الإسلام، وولى الحروب رجالاً، فولى على مقدماتها ومجنباتها وساقتها ومجرداتها وطلائعها ورجلها وركبانها، فلم بفصل إلا على تعبية، ولم بفصل منها إلا بكتاب عمر وإذنه ؛ فأما أمراء التعبية، فاستعمل زهرة بن عبد الله بن قتادة بن الحوية بن مرثد بن معاوية بن معن بن مالك بن أرثم بن جشم بن الحارث الأعرج ؛ وكان ملك هجر قد سوده في الجاهلية، ووفده على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدمه، ففصل بالمقدمات بعد الإذن من شراف ؛ حتى انتهى إلى العذيب، واستعمل على الميمنة عبد الله بن المعتم، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فتممهم طلحة بن عبيد الله عشرة ؛ فكانوا عرافة، واستعمل على الميسرة شرحبيل بن السمط بن شرحبيل الكندي - وكان غلاماً شاباً، وكان قد قاتل أهل الردة، ووفى الله ، فعرف ذلك له، وكان قد غلب الأشعث على الشرف فيما بين المدينة ؛ إلى أن اختلطت الكوفة وكان أبوه ممن تقدم إلى الشأم مع أبي عبيدة بن الجراح - وجعل خليفة خالد أبن عرفطة، وجعل عاصم بن عمرو التيمي ثم العمري على الساقة، وسواد بن مالك التيمي على الطلائع، وسلمان بن ربيعة الباهلي على المجردة، وعلى الرجل حمال بن مالك الأسدي، وعلى الركبان عبد الله بن ذي السهمين الخثعمي، فكان أمراء التعبية يلون الأمير، والذين يلون أمراء الأعشار، والذين يلون أمراء الأعشار أصحاب الرايات، والذين يلون أصحاب الرايات والقواد رءوس القبائل وقالوا جميعاً: لا يستعين أبو بكر في الردة ولا على الأعاجم بمرتد، واستنفرهم عمر ولم يول منهم أحداً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد وعمرو بإسنادهم، وسعيد بن المرزبان، قالوا: بعث عمر الأطبة، وجعل على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النور، وجعل إليه الأقباص وقسمة الفئ، وجعل داعيتهم ورائدهم سلمان الفارسي.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن أبي عثمان النهدي ؛ قال : والترجمان هلال الهجري والكاتب زياد بن أبي سفيان. فملا فرغ سعد من تعبيته، وعد لكل شئ من أمره جماعاً ورأساً، كتب بذلك إلى عمر، وكان من أمر سعد فيما بين كتابه إلى عمر بالذي جمع عليه الناس وبين رجوع جوابه ورحله من شراف إلى القادسية قدوم المعنى بن حارثة وسلمى بنت خصفة التيمية ؛ تيم اللات، إلى سعد بوصية المثنى، وكان قد أوصى بها، وأمرهم أن يعجلوها على سعة بزرود، فلم يفرغوا لذلك وشغلهم عنه قابوس بن قابوس بن المنذر ؛ وذلك أن الآزاذمرد بن الآزاذبه بعثه إلى القادسية، وقال له : ادع العرب، فأنت على من أجابك، وكن كما كان آباؤك . فنزل القادسية، وكاتب بكر بن وائل بمثل ما كان النعمان يكاتبهم به مقاربة ووعيداً . فملا انتهى إلى المعنى خبره، اسرى المعنى من ذي قار حتى بيته، فأنامه ومن معه، ثم رجع إلى ذي قار، وخرج منها هو وسلمى إلى سعد بوصية المثنى بن حارثة ورأيه، فقدموا عليه وهو بشراف، يذكر فيها أن رأيه لسعد ألا يقاتل عدوه وعدوهم - يعني المسلمين - ومن أهل فارس ؛ إذا استجمع أمرهم وملؤهم في عقر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب وأدنى مدرة من أرض العجم ؛ فإن يظهر الله المسلمين عليهم فلهم ما وراءهم ؛ وإن تكن الأخرى فاءوا إلى فئة، ثم يكونوا أعلم بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم ؛ إلى أن يرد الله الكرة عليهم.
فلما انتهى إلى سعد رأى المثنى ووصيته ترحم عليه، وأمر المعنى على عمله، وأوصى بأهل بيته خيراً، وخطب سلمى فتزوجها وبنى بها ؛ وكان في الأعشار كلها بضعة وسبعون بدرياُ، وثلثمائة وبضعة عشر ممن كانت له صحبة، فيما بين بيعة الرضوان إلى ما فوق ذلك، وثلثمائة ممن شهد الفتح، وسبعمائة من أبناء الصحابة، في جميع أحياء العرب. وقدم على سعد وهو بشراف كتاب عمر بمثل رأى المثنى ؛ وقد كتب إلى أبي عبيدة مع كتاب سعد ؛ ففصل كتاباهما إليهما، فأمر أبا عبيدة في كتابه بصرف أهل العراق وهم ستة آلاف، ومن اشتهى أن يلحق بهم ؛ وكان كتابه إلى سعد: أما بعد، فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين ؛ وتوكل على الله، واستعن به على أمرك كله ؛ واعلم فيما لديك أنك تقدم على أمة عددهم كثير، وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع - وإن كان سهلا - كؤود لبحوره وفيوضه ودآدئه ؛ إلا أن توافقوا غيضاً من فيض، وإذا لقيم القوم أو أحد منهم فابدءوهم الشدة والضرب ، وإياكم والمناظرة لجموعهم ولا يخدعنكم ؛ فإنهم خدعة مكرة ؛ أمرهم غير أمركم ؛ إلا أن تجادوهم، وإذا انتهت إلى القادسية - والقادسية باب فارس في الجاهلية، وهي أجمع تلك الأبواب لما دتهم، ولما يريدونه من تلك الآصل ؛ وهو منزل رغيب خصيب حصين دونه قناطر، وأنهار ممتنعة - فتكون مسالحك على أنقابها ، ويكون الناس بين الحجر والمدر علىحافات الحجر وحافات المدر، والجزاع بينهما ؛ ثم الزم مكانك فلا تبرحه ؛ فإنهم إذا أحسوك أنغضتهم ورموك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم ؛ فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم لقتاله ونويتم الأمانة؛ رجوت أن تنصروا عليهم ؛ ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبداً إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى كان الحجر في أدباركم ؛ فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم ؛ ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن وبها أجهل ؛ حتى يأتى الله بالفتح عليهم، ويرد لكم الكرة.
وكتب إليه أيضاً باليوم الذي يرتحل فيه من شراف: فإذا كان يوم كذا وكذا فارتحل بالناس حتى تنزل فيما بين عذيب الهجانات وعذيب القوادس، وشرق بالناس وغرب بهم.
ثم قدم عليه كتاب جواب عمر: أما بعد، فتعاهد قبلك، وحادث جندك بالموعظة والنية والحسبة، ومن غفل فليحدثهما ؛ والصبر الصبر ؛ فإن المعونة تأتى من الله على قدر النية ؛ والأحر على قدر الحسنة. والحذر الحذر على من أنت عليه وما أنت بسبيله، واسألوا الله العافية، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله ، واكتب إلى أين بلغك جمعهم، ومن رأسهم الذي يلي مصادمتكم ؛ فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي بما هجمتم عليه، والذي استقر عليه أمر عدوكم ؛ فصف لنا منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأنى أنظر إليها، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه، ولا تدل بشئ .واعلم أن الله قد وعدكم. وتوكل لهذا الأمر بما لا خلف له ؛ فاحذر أن تصرفه عنك، ويستندل بكم غيركم.
فكتب إليه سعد بصفة البلدان: إن القادسية بين الخندق والعتيق، وإن ما عن يسار القادسية بحر أخضر في جوف لاح إلى الحيرة بين طريقين ؛ فأما أحدهما فعلى الظهر، وأما الآخر فعلى شاطئ نهر يدعى الحضوض ؛ يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق والحيرة ؛ وما عن يمين القادسية إلى الولجة فيض من فيوض مياههم. وإن جميع من صالح المسلمين من أهل السواد قبلى ألب لأهل فارس قد خفوا لهم، واستعدوا لنا . وإن الذي أعدوا لمصادمتنا رستم في أمثال منهم ؛ فهم يحاولون إنغاضنا وإقحامنا ؛ ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم ؛ وأمر الله بعد ماض؛ وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا ؛ فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر في عافية.
فكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فأقم بمكانك حتى ينغض الله لك عدوك ؛ واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن ؛ فإنه خرابها إن شاء الله.
وجعل عمر يدعو لسعد خاصة، ويدعون له معه، وللمسلمين عامة، فقدم زهرة سعد حتى عسكر بعذيب الهجانات، ثم خرج في أثره حتى ينزل على زهرة بعذيب الهاجنات، وقدمه، فنزل زهرة القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنظرة ؛ وقديس يومئذ أسفل منها بميل.
كتب إلىالسرى، عن شعيب، عن سيف، عن القعقاع بإسناده، قال:وكتب عمر إلى سعد: إني قد أقى في روعى أنكم إذا لقيم العدو هزكتمزهم، فاطرحوا الشك، وآثروا التقية عليه؛ فإن لاعب أحد منكم أحداً من العجم بأمان أو قرفة بإشارة أو بلسان، فكان لا يدري الأعجمي ما كلمه به، وكان عندهم أماناً ؛ فأجروا ذلك له مجرى الأمان. وإياكم والضحك ؛ والوفاء الوفاء! فإن الخطأ بالوفاء بقية وإن الخطأ بالغدر الهلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم، وذهاب ريحكم، وإقبال ريحكم. واعلموا أنى أحذركم أن تكونوا شيئاً على المسلمين وسبباً لتوهينهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن مسلم العكلى والمقدام بن أبي المقدام، عن أبيه، عن كرب بن أبي كرب العكلى - وكان في المقدمات أيام القادسية - قال: قدمنا سعد من شراف، فنزلنا بعذيب الهجانات ثم ارتحل ؛ فلما نزل علينا بعذيب الهاجانات وذلك في وجه الصبح خرج زهرة بن الحوية في المقامات، فلما رفع لنا العذيب - وكان من مسالحهم - استبناً على بروجه ناساً، فما نشاء أن نرى على برج من بروجه رجلاً أو بين شرفتين إلا رأيناه، وكنا في سرعان الخيل ، فأمسكنا حتى تلاحق بنا كثف ونحن نرى أن فيها خيلاً، ثم أقدمنا على العذيب، فلما دنونا منه، خرج رجل يركض نحو القادسية، فانتهينا إليه، فدخلناه فإذا ليس فيه أحد ؛ وإذا ذلك الرجل هو الذي كان يتراءى لنا على البروج وهو بين الشرف مكيدة، ثم انطلق بخبرنا، فطلبناه فأعجزنا، وسمع بذلك زهرة فاتبعنا، فلحق بنا وخلفنا واتبعه. وقال: إن أفلت الربئ أتاهم الخبر. فلحقه بالخندق فطعنه فجد له فيه، وكان أهل القادسية يتعجبون من شجاعة ذلك الرجل، ومن علمه بالحرب، لم يلحق به، ولم يصبه زهرة، ووجد المسلمون في العذيب رماحاً ونشاباً وأسفاطاً من جلود وغيرها، انتفع بها المسلمون. ثم بث الغازات، وسرحهم في جوف الليل، وأمرهم بالغارة على الحيرة، وأمر عليهم بكير بن عبد الله الليثي - وكان فيها الشماخ الشاعر القيسي في ثلاثين معروفين بالنجدة والبأس - فسروا حتى جازوا السيلحين، وقطعوا جسرها يريدون الحيرة، فسمعوا جلبة وأزفلة، فأحجموا عن الإقدام، وأٌاموا كميناً حتى يتبينوا، فما زالوا كذلك حتى جازوا بهم، فإذا خيول تقدم تلك الغوغاء، فتركوها فنفذت الطريق إلى الصنين، وإذا هم لم يشعروا بهم ؛ وإنما ينتظرون ذلك العين لا يريدنهم، ولا يأبهون لهم، إنما همتهم الصنين ؛ وإذا أخت آزاذ مردبن آزاذبه مرزبان الحيرة تزف إلى صاحب الصنين - وكان من أشرف العجم - فسار معها من يبلغها مخافة ما هو دون الذي لقوا ؛ فلما انقطعت الخيل عن الزواف، والمسلمون كمين في النخل، فقصم صلبه، وطارت الخيل على وجوهها، وأخذوا الأثقال وابنة آزاذبه في ثلاثين امرأة من الدهاقين ومائة من التوابع، ومعهم مالا يدري قيمته، ثم عاج واستاق ذلك، فصبح سعداً بعذيب الهجانات بما أفاء الله على المسلمين، فكبروا تكبيرة شديدة. فقال سعد: أقسم بالله لقد كبرتم تكبيرة قوم عرفت فيهم العز، فقسم ذلك سعد على المسلمين فالخمس نفله، وأعطى المجاهدين بقيته، فوقع منهم موقعاً، ووضع سعد بالعذيب خيلاً تحوط الحريم، وانضم إليها حاطة كل حريم، وأمر عليهم غالب بن عبد الله الليثي، ونزل سعد القادسية، فنزل بقديس، ونزل زهرة بحيال قنطرة العتيق في موضع القادسية اليوم ؛ وبعث بخبر سرية يكبر، وبنزوله قديساً، فأقام بها شهراً، ثم كتب إلى عمر: لم يوجه القوم غلينا أحداً، ولم يسندوا حرباً إلى أحد علمناه، ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به ؛ واستنصر الله، فإنا بمنحاة دنيا عريضة ؛ دونها بأس شديد ؛ قد تقدم إلينا في الدعاء إليهم، فقال: (ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد).
وبعث سعد في مقامه ذلك إلى أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أنى ميسان فطلب غنماً أو بقراً فلم يقدر عليها، وتحصن منه من في الأفدان، ووغلوا في الآجام، ووغل حتى أصاب رجلاً على طف أجمة، فسأله واستد له على البقر والغنم، فحلف له وقال: لا أعلم ؛ وإذا هو راعى ما في تلك الأجمة، فصاح منها ثور كذب والله وها نحن أولاء ؛ فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياماً ؛ وبلغ ذلك الحجاج في زمانه، فأرسل إلى نفر ممن شهدها أحدهم نذير بن عمرو والوليد بن عبد شمس وزاهر، فسألهم فقالوا: نعم، نحن سمعنا ذلك، ورأيناه واستقناها، فقال: كذبتم! فقالوا: كذلك ؛ إن كنت شهدتها وغبنا عنها، فقال: صدقتم، فما كان الناس يقولون في ذلك ؟ قالوا: آية تبشير يستدل بها على رضا الله، وفتح عدونا ؛ فقال: والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار أتقياء، قالوا: والله ما ندري ما أجنت قلوبهم ؛ فأما ما رأينا فإنا لم نر قوماً قط أزهد في دنيا منهم، ولا أشد لها بغضاً؛ ما اعتد على رجل منهم في ذلك اليوم بواحدة من ثلاث ؛ لا بجبن ولا بغدر ولا بغلول ؛ وكان هذا اليوم يوم الأباقر ؛ وبث الغازات بين كسكر والأنبار، فحووا من الأطعمة ما كانوا يستكفون به زماناً، وبعث سعد عيوناً إلى أهل الحيرة وإلى صلوبا، ليعلموا له خبر أهل فارس ؛ فرجعوا إليه بالخبر ؛ بأن الملك قد ولى رستم بن الفرخزاذ الأزمنى حربه، وأمره بالعسكرة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به ؛ واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالاً من أهل المنظرة والرأى والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم، وفلجاً عليهم ؛ واكتب إلى كل يوم. ولما عسكر رستم بساباط كتبوا بذلك إلى عمر.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضمرة، عن بن سيرين، وإسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قالا: لما بلغ سعداً فصول رسم إلى ساباط، أقام في عسكره لاجتماع الناس ؛ فأما إسماعيل فإنه قال: كتب إليه سعد أن رستم قد ضرب عسكره بساباط دون المدائن وزحف إلينا ؛ وأما أبو ضمرة فإنه قال: كتب إليه أن رستم قد عسكر بساباط، وزحف إلينا بالخيول والفيول وزهاء فارس، وليس شئ أهم إلى ولا أنا له أكثر ذكراً منى لما أحببت أن أكون عليه ؛ ونستعين بالله، ونتوكل عليه، وقد بعثت فلاناً وفلاناً وهم ما وصفت.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والمجالد بإسنادهما، وسعيد بن المرزبان ؛ أن سعد بن أبي وقاص حين جاءه أمر عمر فيهم، جمع نفراً عليهم نجار، ولهم آراء، ونفراً لهم منظر ؛ وعليهم مهابة ولهم آراء ؛ فأما الذين عليهم نجار لهم آراء ولهم اجتهاد فالنعمان بن مقرن وبسر بن أبي رهم وحملة بن جوية الكناني وحنظلة بن الربيع التميمي وفرات بن حيان العجلي وعدي بن سهيل والمغيرة بن زرارة بن البناش بن حبيب ؛ وأمامن لهم منظر لأجسامهم ؛ وعليهم مهابة ولهم آراء ؛ فعطارد بن حاجب والأشعث بن قيس والحارث بن حسان وعاصم بن عمرو وعمرو بن معد يكرب والمغيرة بن شعبة والمعنى بن حارثة ؛ فبعثهم دعاة إلى الملك.
حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، قال: حدثنا أمية بن خالد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو وائل: جاء سعد حتى نزل القادسية، ومعه الناس، قال: لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو نحو من ذلك، والمشركين ثلاثون ألفاً أو نحو ذلك: فقالوا لنا: لا يدى لكم ولا قوة ولا سلاح، ما جاء بكم؟ ارجعوا، قال: قلنا: لا نرجع؛ وما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا، ويقولون: دوك دوك ، ويشيهونها بالمغازل. قال: فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا: ابعثوا إلينا رجلاً منكم، عاقلاً يبين لنا ما جاء بكم ؛ فقال المغيرة بن شعبة: أنا، فعبر إليهم، فقعد مع رستم على السرير، فنخروا وصاحوا، فقال: إن هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم، قال رستم: صدقت، ماجاء بكم؟ قال: إنا كنا قوماً في شر وضلالة ؛ فبعث الله فينا نبياً، فهدانا الله به ورزقنا على يديه ؛ فكان مما رزقنا حبة زعمت تنبت بهذا البلد ؛ فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عن هذه، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة، فقال رستم: إذاً نقتلكم، فقال: إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار ؛ أو أديتم الجزية. قال: فلما قال: أديتم الجزية، نخروا وصالحوا، وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم، فقال المغيرة: تعبرون غلينا أو نعبر إليكم؟ فقال رستم: بل نبد إليكم، فاستأخر المسلمون حتى عبر منهم من عبر، فحملوا عليهم فهزموهم.
قال حصين: فحدثني رجل منا يقال له عبيد بن جحش السلمى، قال: لقد رأيتنا وإنا لنطأ على ظهور الرجال، ما مسهم سلاح، قتل بعضهم بعضاً، ولقد رأينا أصبنا جراباً من كافور، فحسبناه ملحاً لا نشك أنه ملح ؛ فطبخنا لحماً، فجعلنا نلقه في القدر فلا نجد له طعماً، فمر بنا عبادي معه قميص فقال: يا معشر المعربين، لا تفسدوا طعامكم ؛ فإن ملح هذه الأرض لا خير فيه، هل لكم أن تأخذوا هذا القميص به؟ فأخذناه منه، وأعطيناه منا رجلاً يلبسه، فجعلنا نطيف به ونعجب منه، فلما عرفنا الثياب، إذا ثمن ذلك القميص درهمان. قال: ولقد رأيتني أقرب إلى رجل عليه سواران من ذهب، وسلاحه، فجاء فما كلمته حتى صربت عنقه.
قال: فانهزموا حتى انتهوا إلى الصراة ؛ فطلبناهم فانهزموا حتى انتهوا إلى المدائن ؛ فكان المسلمون بكوثى وكان مسلحة المشركين بدير المسلاخ، فأتاهم المسلمون فالتقوا، فهزم المشركون حتى نزلوا بشاطئ دجلة، فمنهم من عبر من كلواذى، ومنهم من عبر من أسفل المدائن، فحصروهم حتى ما يجدون طعاماً يأكلونه، إلا كلابهم وسنانيرهم. فخرجوا ليلاً، فلحقوا بجلولاء فأتاهم المسلمون ؛ وعلى مقدمة سعد هاشم بن عتبة، وموضع الوقعة التي ألحقهم منها فريد. قال أبو وائل: فبعث عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان على أهل الكوفة، ومجاشع بن مسعود على أهل البصرة.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، وطلحة عن المغيرة، قالوا: فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائن احتجاجاً ودعاة ليزدجرد، فطووا رستم، حتى انتهوا إلى باب يزدجرد، فوقفوا على خيول عروات، معهم جنائب، وكلها صهال، فاستأذنوا فحبسوا، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه يستشيرهم فيما يصنع بهم، ويقوله لهم، وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم، وعليهم المقطعات والبرود، وفي أيديهم سياط دقاق، وفي أرجلهم النعال. فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فأدخلوا عليه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن بنت كيسان الضبية، عن بعض سبايا القادسية ممن حسن إسلامه، وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب. قال: وثاب إليهم الناس ينظرون إليهم ؛ فلم أر عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم، وخيلهم تخبط ويوعد بعضها بعضاً. وجلع أهل فارس يسوءهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم ؛ فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس ؛ وكان سيئ الأدب، فكان أول شئ دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم فقال: سلهم ما يسمون هذه الأردية؟ فسأل النعمان - وكان على الوفد: ما تسمى رداءك؟ قال: البرد، فتطير وقال بردجهان، وتغيرت ألوان فارس وشق ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن أحذيتهم، فقال: ما تسمون هذه الحذية؟ فقال: النعال، فعاد لمثلها، فقال: ناله ناله في أرضنا ، ثم سأله عن الذي في يده فقال: سوط، والسوط بالفارسية الحريق، فقال: أحرقوا فارس أحرقهم الله! وكان تطيره على أهل فارس، وكانوا يجدون من كلامه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، بمثله وزاد: ثم قال الملك: سلهم ما جاء بكم؟ وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أنا أجممناكم، وتشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا! فقال لهم النعمان بن مقرن: إن شئتم أجبت عنكم ؛ ومن شاء آثرته. فقالوا: بل تكلم، وقالوا للملك: كلام هذا الرجل كلامنا. فتكلم النعمان، فقال: إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة ؛ فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين؛ فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص. فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينبذ إلى من خالفه من العرب ؛ وبدأ بهم وفعل ؛ فدخلوا معه جميعاً على وجهين: مكروه عليه فاغتبط ؛ وطائع أتاه فازداد ؛ فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كما عليه من العداوة والضيق ؛ ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء ؛ فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم ؛ وإن اتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم ؛ وإلا قاتلناكم.
قال: فتكلم يزدجرد، فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم ؛ قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى فيكفونناكم . لا تغزون فارس ولا تطعمون أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم ؛ وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.
فأسكت القوم. فقام المغيرة بن زرارة بن النباش الأسيدى، فقال أيها الملك، إن هؤلاء رءوس العرب ووجوههم ؛ وهم أشراف يستحيون من الأشراف ؛ وإنما يكرم الأشراف الأشراف، ويعظم حقوق الأشراف الأشراف، ويفخم الأشراف الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك؛ فجاوبني لأكون الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك ؛ إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً، فأنا ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ؛ فنرى ذلك طعامنا. وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ؛ ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأل من طعامنا ؛ فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك ؛ فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً، نعرف نسبة، ونعرف وجهه ومولده ؛ فأرضه خير أرضنا، وحسبة خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا ؛ وقبيلته خير قبائلنا ؛ وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي فيها أصدقنا وأحملنا ؛ فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد قبل ترب كان له وكان الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصثديق له واتباعه ؛ فصار فيما بيننا وبين رب العالمين ؛ فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله ؛ فقال لنا: إن ربكم يقول: إني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شئ، وكل شئ هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شئ، وإلى يصير كل شئ، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري ؛ دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبي فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوا مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبي فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم. فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من نأوأه ؛ فاختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر ؛ وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجى نفسك. فقال: أتستقبلني بمثل هذا! فقال: ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم أأستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ؛ لا شئ لكم عندي، وقال : ائتوني بوقر من تراب، فقال: احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن ؛ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنى مرسل إليكم رستم حتى يدفيكم ويدفيه في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
ثم قال: من أشرفكم؟ فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو - وافتأت ليأخذ التراب: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملينه، فقال : أكذاك؟ قالوا: نعم فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ؛ ثم انجذب في السير، فأتوا به سعداً وسبقهم عاصم فمر بباب قديس فطواه، فقال: بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله. ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر، ثم رجع فدخل على سعد، فأخبر الخبر فقال: أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم.
وجاء أصحابه وجعلوا يزدادون في كل يوم قوة، ويزداد عدوهم في كل يوم وهناً، واشتد ما صنع المسلمون، وصنع الملك من قبول التراب على جلساء الملك، وراح رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم، وكيف رآهم، فقال الملك: ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا على وما أنتم بأعقل منهم، ولا أحسن جواباً منهم ؛ وأخبره بكلام متكلمهم، وقال: لقد صدقني القوم، لقد وعد القوم أمراً ليدركنه أو ليموتن عليه، على أنى قد وجدت أفضلهم أحمقهم، لما ذكروا الجزية أعطيته تراباً فحمله على رأسه، فخرج به، ولو شاء أتقى بغيره ؛ وأنا لا أعلم .
قال: أيها الملك، إنه لأعقلهم، وتطير إلى ذلك، وأبصرها دون أصحابه.
وخرج رستم من عنده كئيباً غضبان - وكان منجماً كاهناُ - فبعث في أثر الوفد، وقال لثقته : إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا ، وإن أعجزوه سلبكم الله أرضكم وأبناءكم. فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم غير ذي شك، ماكان من شأن ابن الحجامة الملك ذهب القوم بمفاتيح أرضنا؟ فكان ذلك مما زاد الله به فارس غيظاً. وأغاروا بعدما خرج الوفد إلى يزدجرد، إلى أن جاءوا إلى صيادين قد اصطادوا سمكاً، وسار سواد بن مالك التيمي إلى النجاف والفراض إلى جنبها، فاستاق ثلثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور، فأوقروها سمكاً، واستاقوها، فصبحوا العسكر، فقسم السمك بين الناس سعد، وقسم الدواب، ونفل الخمس إلا ما رد على المجاهدين منه، وأسهم على السبى ؛ وهذا يوم الحيتان، وقد كان الآزاذ مرد بن الآزاذبه خرج في الطلب، فعطف عليه سواد وفوارس معه، فقاتلهم على قنطرة السليحين ؛ حتى عرفوا أن الغنيمة قد نجت، ثم اتبعوها فأبلغوها المسلمين، فكانوا قد اكتسبوا منها ما اكتفوا به لو أقاموا زماناً ؛ فكانت السرايا إنما تسرى للحوم، ويسمون أيامها بها، ومن أيام الحم يوم الأباقر ويم الحيتان. وبعث مالك بن ربيعة بم خالد التيمي ؛ تيم الرباب، ثم الواثلي ومعه المساور بن النعمان التيمي ثم الربيعي في سرية أخرى ؛ فأغاروا على الفيوم ؛ فأصابا إبلاً لبني تغلب والنمر فشلاها ومن فيها، فغدوا بها على سعد فنحرت الإبل في الناس. وأخصبوا، وأغار على النهرين عمرو بن الحارث، فوجدوا على باب ثوراء مواشي كثيرة، فسلكوا أرض شيلى - وهي اليوم نهر زياد - حتى أتوا بها العسكر.
وقال عمرو: ليس بها يومئذ إلا نهران. وكان بين قدوم خالد العراق ونزول سعد القادسية سنتان وشئ. وكان مقام سعد بها شهرين وشيئاً حتى ظفر.
وقال - والإسناد الأول - : وكان من حديث فارس والعرب بعد البويب أن الأنوشجان بن الهربذ خرج من سواد البصرة يريد أهل غض، فاعترضه أربعة نفر على أفناء تميم ؛ وهم بإزائهم: المستورد وهو على الرباب، وعبد الله بن زيد يسانده ؛ الرباب بينهما، وجزء بن معاوية وابن النابغة يسانده ؛ سعد بينهما، والحصين بن نيار والأعور بن يشامة يسانده على عمرو، والحصين بن معبد والشبه على حنظلة، فقتلوه دونهم. وقدم سعد فانضموا إليه هم وأهل غضى وجميع تلك الفرق.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: وعج أهل السواد إلى يزدجرد بن شهريار، وأرسلوا إليه أن العرب قد نزلوا القادسية بأمر ليس يشبه إلا الحرب، وإن فعل العرب مذ نزلوا القادسية لا يبقى عليه شئ؛ وقد أخربوا ما بينهم وبين الفرات ؛ وليس فيما هنالك أنيس إلا في الحصون، وقد ذهب الدواب وكل شئ لم تحتمله الحصون من الأطعمة، ولم يبق إلا أن يستنزلونا ، فإن أبطأ عنا الغياث أعطيناهم بأيدينا. وكتب إليه بذلك الملوك الذين لهم الضياع بالطف، وأعانهم عليه، وهيجوه على بعثه رستم.
ولما بدا ليزدجرد أن يرسل رستم أرسل إليه، فدخل عليه، فقال له: إني أريد أن أوجهك في هذا الوجه ؛ وإنما يعد للأمور على قدرها، وأنت رجل أهل فارس اليوم ، وقد ترى ما جاء أهل فارس من أمر لم يأتهم مثله منذ ولى آل أردشير. فأراه أن قد قبل منه، وأثنى عليه.
فقال له الملك: قد أحب أن أنظر فيما لديك لأعرف ما عندك، فصف لي العرب وفعلهم منذ نزلوا القادسية، وصف لي العجم وما يلقون منهم.
فقال رستم: صفة ذئاب صادفت غرة من رعاء فأفسدت. فقال: ليس كذلك ؛ إني إنما سألتك رجاء أن تعرب صفتهم فأقويك لتعمل على قدر ذلك فلم تصب، فافهم عنى ؛ إنما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفى على جبل يأوى إليه الطير بالليل، فتبيت في سفحه في أوكارها، فلما أصبحت تجلت الطير، فأبصرته يرقبها، فإن شذ منها شئ اختطفه، فلما أبصرته الطير لم تنهض من مخافته ؛ وجعلت كلما شذ منها طائر اختطفه، فلو نهضت نهضة واحدة ردته ؛ وأشد شئ يكون في ذلك أن تنجو كلها إلا واحداً ؛ وإن اختلفت لم تنهض فرقة إلا هلكت ؛ فهذا مثلهم ومثل الأعاجم ؛ فاعمل على قدر ذلك. فقال له رستم: أيها الملك، دعني ؛ فإن العرب لا تزال تهاب العجم ما لم تضرهم بي ؛ ولعل الدولة أن تثبت بي فيكون الله قد كفى، ونكون قد أصبنا المكيدة ورأى الحرب ؛ فإن الرأى فيها والمكيدة أنفع من بعض الظفر. فأبى عليه، وقال : أي شئ بقى! فقال رستم: إن للأناة في الحرب خير من العجلة، والأناة اليوم موضع، وقتال جيش بعد جيش أمثل من هزيمة بمرة وأشد على عدونا. فلج وأبى، فخرج حتى ضرب عسكره بساباط، وجعلت تختلف إلى الملك الرسل ليرى موضعاً لإعفائه وبعثه غيره، ويجتمع إليه الناس. وجاء العيون إلى سعد بذلك من قبل الحيرة وبني صلوبا، وكتب إلى عمر بذلك. ولما كثرت الإستغاثة على يزدجر من أهل السواد على يدى الآزاذ به جشعت نفسه واتقى الحرب برستمر، وترك الرأي - وكان ضيفاً لجوجاً - فاستحث رستم، فأعاد عليه رستم القول، وقال: أيها الملك ؛ لقد اضطرني تضييع الرأى إلى إعظام نفسي وتزكيتها ؛ ولو أجد من ذلك بداً لم أتكلم به، فأنشدك الله في نفسك وأهلك وملكك ؛ دعنى أقم بعسكري وأسرح الجالنوس ؛ فإن تكن لنا فذلك ؛ وإلا فأنا على رجل وأبعث غيره، حتى إذا لم نجد بداً ولا حيلة صبرنا لهم ؛ وقد وهنا هم وحسرناهم ونحن جامون. فأبى إلا أن يسير.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى الضبى، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما نزل رستم بساباط، وجمع آله الحرب وأداتها بعث على مقدمته الجالنوس في أربعين ألفاً، وقال: ازحف زحفاً، ولا تنجذب إلا بأمري ؛ واستعمل على ميمنته الهرمزان، وعلى ميسرته مهران بن بهران الرازي، وعلى ساقته البيرزان، وقال رستم ليشجع الملك: إن فتح الله علينا القوم فهو وجهنا إلى ملكهم في دارهم حتى نشغلهم في أصلهم وبلادهم، إلى أن يقبلوا المسالمة أو يرضوا بما كانوا يرضون به. فلما قدمت وفود سعد على الملك، ورجعوا من عنده رأى رستم فيما يرى النائم رؤيا فكرهها، وأحس بالشر، وكره لها الخروج ولقاء القوم، واختلف عليه رأيه واضطرب، . وسأل الملك أن يمضى الجالنوس ويقيم حتى ينظر ما يصنعون، وقال : إن غناء الجالنوس كغنائي، وإن كان إسمي أشد عليهم من إسمه، فإن ظفر فهو الذي نريد، وإن تكن الأخرى وجهت مثله، ودفعنا هؤلاء القوم إلى يوم ما ؛ فإني لا أزال مرجواً في أهل فارس، ما لم أهزم ينشطون، ولا أزال مهيباً في صدرور العرب ؛ ولا يزالون يهابون الإقدام ما لم أباشرهم ؛ فإن باشرتهم اجترءوا آخر دهرهم، وانكسر أهل فارس آخر دهرهم. فبعث مقدمته أربعين ألفاً ؛ وخرج في ستين ألفاً، وساقته في عشرين ألفاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم ؛ قالوا: وخرج رستم في عشرين ومائة ومائة ألف، كلهم متبوع، وكانوا بأتباعهم أكثر من مائتي ألف، وخرج من المدائن في ستين ألف متبوع.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رستم زحف لسعد وهو بالقادسية في ستين ألف متبوع.
كتب إلى السرى عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لما أبى الملك إلا السير، كتب رستم إلى أخيه وإلى رءوس أهل بلادهم: من رستم إلى البندوان مرزبن الباب، وسهم أهل، الذي كان لكل كون يكون، فيفض الله به كل جند عظيم شديد، ويفتح به كل حصن حصين، ومن يليه ؛ فرموا حصونكم، وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب قد وردوا بلادكم، وقارعكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأي مدافتهم ومطاولتهم حتى تعود سعود هم نحوساً ؛ فأبى الملك.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن رجل ؛ أن يزدجرد لما أمر رستم بالخروج من ساباط، كتب إلى أخيه بنحو من الكتاب الأول، وزاد فيه: فإن السمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم قد حسنت، وحسنت الزهرة ، واعتل الميزان، وذهب بهرام ؛ ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، ويستولون على ما يلينا. وإن أشد ما رأيت أن الملك قال: لتسيرن إليهم أو لأسير إليهم أنا بنفسي. فأنا سائر إليهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: كان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى، وكان من أهل فرات بادقلى، فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسير رستم وحرب العرب اليوم؟ فخافه على الصدق فكذبه، وكان رستم يعلم نحواً من علمه، فثقل عليه مسيره لعلمه، وخف على الملك لما غره منه، وقال: إني أحب أن تخبرني بشئ أراه أطمئن به إلى قولك، فقال الغلام لزرنا الهندي: أخبره، فقال: سلنى، فسأله فقال: أيها الملك يقبل طائر فيقع على إيوانك فيقع منه شئ في فيه ها هنا - وخط دارة - فقال العبد: صدق، والطائر غراب، والذي في فيه درهم. وبلغ جابان أن الملك طلبه، فأقبل حتى دخل عليه، فسأله عما قال غلامه، فحسب فقال: صدق ولم يصب ؛ هو عقيق، والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان، وكذب زرنا. ينزو الدرهم فيستقر ها هنا - ودور دارة أخرى - فما قاموا حتى وقع على الشرفات عقعق، فسقط منه الدرهم في الخط الأول، فنزا فاستقر في الخط الآخر ونافر الهندي جابان حيث خطأه ؛ فأتيا ببقرة نتوج ؛ فقال الهندي: سخلتها غراء سوداء، فقال جابان: كذبت، بل سوداء صبغاء ، فنحرت البقرة فاستخرجت سخلتها، فإذا هي ذنبها بين عينيها، فقال جابان: من ها هنا أتى زرنا، وشجعاه على إخراج رستم، فأمضاه، وكتب جابان إل جشنسماه: إن أهل فارس قد زال أمرهم، وأديل عدوهم عليهم، وذهب ملك المجوسية، وأقبل ملك العرب، وأديل دينهم ؛ فاعتقد منهم الذمة، ولا تخلبنك الأمور، والعجل العجل قبل أن تؤخذ!فلما وقع الكتاب إليه خرج جشنسماه إليهم حتى أتى المعنى ؛ وهو في خيل بالعتيق، وأرسله إلى سعد، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومن استجاب له ورده، وكان صاحب أخبارهم. وأهدى للمعنى فالوذق ، فقال لأمرأته: ما هذا؟ فقالت: أظن البائسة امرأته أراغت العصيدة فأخطأتها، فقال المعنى: بؤساً لها! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لما فصل رستم من ساباط، لقيه جابان على القنطرة، فشكا إليه، وقال: ألا ترى ما أرى؟ فقال له رستم: أما أنا فأقاد بخشاش وزمام، ولا أجد بداً من الإنقياد. وأمر الجالنوس حتى قدم الحيرة ؛ فمضى واضطرب فسطاطه بالنجف، وخرج رستم وأمر الجالنوس حتى ينزل بكوني، وكتب إلى الجالنوس والآززاذ مرد: أصيبا لي رجلاًمن العرب من جند سعد فركبا بأنفسهما طليعة فأصابا رجلاً، فبعثا به إليه وهو بكوثى فاستخبره، ثم قتله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرى، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما فصل رستم، وأمر الجالنوس بالتقدم إلى الحيرة، أمره أن يصيب له رجلاً من العرب، فخرج هو والآزاذ مرد سرية في مائة ؛ حتى انتهيا إلى القادسية، يفأصابا رجلاً دون قنطرة القادسية فاختطفاه، فنفر الناس فأعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون في أخرياتهم. فملا انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رستم، وهو بكوثى، فقال له رستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله، قال: وما هو؟ قال: ارضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تسلموا. قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال: في موعود الله أن من قتل منا قبل ذلك أدخله الجنة. وأنجز لمن بقي منا ما قلت لك، فنحن على يقين . فقال رستم: قد وضعنا إذاً في أيديكم ؛ قال: ويحك يا رستم! إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها ؛ فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تحاول الإنس ؛ وإنما تحاول القضاء والقدر! فاستشاط غضباً ؛ فأمر به فضربت عنقه، وخرج رستم من كوثى ؛ حتى ينزل ببرس، فغضب أصحابه الناس أموالهم ووقعوا على النساء، وشربوا الخمور. فضج العلوج إلى رستم، وشكوا إليه ما يلقون في أموالهم وأبنائهم. فقام فيهم، فقال: يا معشر أهل فارس، والله لقد صدق العربي ؛ والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم. إن الله كان ينصركم على العدو، ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان ؛ فأما إذ تحولتم عن ذلك إلى هذه الأعمال، فلا أرى الله إلا مغيراً ما بكم، وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم. وبعث الرجال ؛ فلقطوا له بعض من يشكى فأتى بنفر، فضرب أعناقهم، ثم ركب ونادى في الناس بالرحيل، فخرج ونزل بحيال أهل دير الأعور، ثم انصب إلى المطاط؛ فعسكر مما يلي الفرات بحيال أهل النجف بحيال الخورنق إلى الغريين، ودعا بأهل الحيرة، فأوعدهم وهم بهم، فقال له ابن بقيلة: لا تجمع علينا اثنتين: أن تعجز عن نصرتنا، وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا. فسكت.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، والمقدام الحارثى عمن ذكره، قالا: دعا رستم أهل الحيرة وسرادقه إلى جانب الدير، فقال: يا أعداء الله، فرحتم بدخول العرب علينا بلادنا، وكنتم عيوناً لهم علينا، وقويتموهم بالأموال! فاتقوه بابن بقيلة، وقالوا له: كن أنت الذي تكلمه، فتقدم، فقال: أما أنت وقولك: إنا فرحنا بمجيئهم . فماذا فعلوا؟ وبأى ذلك من أمورهم نفرح ! إنهم ليزعمون أنا عبيد لهم، وما هم على ديننا ؛ وإنهم ليشهدون علينا أنا من أهل النار. وأما قولك: إنا كنا عيوناً لهم، فما الذي يحوجهم إلى أن نكون عيوناً لهم، وقد هرب أصحابكم منهم، وخلوا لهم القرى! فليس يمنعهم أحد من وجه ارادوه ؛ إن شاءوا أخذوا يميناً أو شكالاً. وأما قولك: إنا قويناهم بالأموال ؛ فإنا صانعناهم بالأموال عن أنفسنا ؛ وإذ لم تمنعونا مخافة أن نسبى وأن نحرب ، وتقتل مقاتلتنا - وقد عجز منهم من لقيهم منكم - فكنا نحن أعجز ؛ ولعمري لأنتم أحب إلينا منهم ؛ وأحسن عندنا بلاء، فامنعونا منهم لكن لكم أعواناً؛ فإنما نحن بمنزلة علوج السواد، عبيد من غلب. فقال رستم: صدقكم الرجل.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: رأى رستم بالدير أن ملكاً جاء حتى دخل عسكر فارس، فختم السلاح أجمع.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وأصحابه ؛ وشاركهم النضر بإسناده، قالوا: ولما اطمأن رستم أمر الجالنوس أن يسير من النجف، فسار في المقدمات، فنزل فيما بين النجف والسيلحين، وارتحل رستم، فنزل النجف - وكان بين خروج رستم من المدائن وعسكرته بساباط وزحفه منها إلى أن لقى سعداً أربعة أشهر، ولا يقدم ولا يقاتل - رجاء أن يضجروا بمكانهم، وأن يجهدوا فينصرفوا، وكره قتالهم مخافة أن يلقى ما لقى من قبله . وطالهم لولا ماجعل الملك يستعجله وينهضه ويقدمه ؛ حتى أقحمه ؛ فملا نزل رستم النجف عادت عليه الرؤيا، فرأى ذلك الملك ومعه النبي صلى الله عليه وسلم وعمر، فأخذ الملك سلاح أهل فارس، فختمه، ثم دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر. فأصبح رستم، فازداد حزناً، فملا رأى الرفيل ذلك رغب في الإسلام ؛ فكانت داعيته إلى اٌسلام، وعرف عمر أن القوم سيطاولونهم، فعهد إلى سعد وإلى المسلمين أن ينزلوا حدود أرضهم، وأن يطالوهم أبداً حتى ينغضوهم، فنزلوا القادسية، وقد وطنوا أنفسهم على الصبر والمطاولة، وأبى الله إلا أن يتم نوره، فأقاموا واطمأنوا، فكانوا يغيرون على السواد، فانتسفوا ما حولهم فحووه وأعدوا للمطاولة؛ وعلى ذلك جاءوا، أو يفتح الله عليهم . وكان عمر يمدهم بالأسواق إلى ما يصيبون؛ فلما رأى ذلك الملك ورستم وعرفوا حالهم، وبلغهم عنهم فعلهم؛ علم أن القوم غير منتهين، وأنه إن أقام لم يتركوه ؛ فرأى أن يشخص رستم، ورأى رستم أن ينزل بين العتيق والنجف، ثم يطالولهم مع المنازلة، ورأى أن ذلك أمثل ما هم فاعلون ، حتى يصيبوا من الإحجام حاجتهم ، أو تدور لهم سعود.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وجعلت السرايا تطوف، ورستم بالنجف والجالنوس بين النجف والسيلحين وذو الحاجب بين رستم والجالنوس، والهرمزان ومهران على مجنبتيه، والبيرزان على ساقته وزاد بن بهيش صاحب فرات سريا على الرجالة ؛ وكنارى على المجردة ؛ وكان جنده مائة وعشرين ألفاً ، وستين ألف متبوع مع الرجل الشاكرى، ومن الستين ألفاً خمسة عشر ألف شريف متبوع، وقد تسلسلوا وتقارنوا لتدور عليهم رحى الحرب.
كتب إلى السرى، عن شعيب،عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بن طريف، قال: قال الناس لسعد: لقد ضاق بنا المكان؛ فأقدم، فزبر من كلمه بذلك، وقال: إذا كفيتم الرأى، فلا تكلفوا؛ فإنا لن نقدم إلا على رأى ذوى الرأى، فاسكتوا ما سكتنا عنكم وبعث طليحة وعمراً في غير خيل كالطليعة، وخرج سواد وحمضية في مائة مائة ؛ فأغاروا على النهرين ؛ وقد كان سعدنها هما أن يمنعا، وبلغ رستم، فأرسل إليهم خيلاً، وبلغ سعداً أن خيله قد وغلت: فدعا عاصم بم عمرو وجابراً الأسدي، فأرسلهما في آثارهما يقتصانها، وسلكا طريقهما، وقال لعاصم: إن جمعكم قتال فأنت عليهم، فلقيهم بين النهرين وإصطيميا ؛ وخيل أهل فارس محتوشتهم، يريدون تخلص ما بين أيديهم؛ وقد قال سواد لحمضية: أختر؛ إما أن تقيم لهم وأستاق الغنيمة، أو أقيم لهم وتستاق الغنيمة. قال: أقم لهم ونهنههم عنى، وأنا أبلغ لك الغنيمة ؛ فأقام لهم سواد ، وانجذب حمضية، فلقيه عاصم بن عمرو، فطن حمضية أنها خيل للأعاجم أخرى، فصد عنها منحرفاً ؛ فلما تعارفوا ساقها ؛ ومضى عاصم إلى سواد - وقد كان أهل فارس تنقذوا بعضها - فلما رأت الأعاجم عاصماً هربوا، وتنقذ سواد ما كانوا ارتجعوا ؛ فأتوا سعداً بالفتح والغنائم والسلامة ؛ وقد خرج طليحة وعمرو ؛ فأما طليحة فأمره بعسكر رستم، وأما عمرو فأمره بعسكر الجالنوس ؛ فخرج طليحة وحده، وخرج عمرو في عدة، فبعث قيس بن هبيرة في آثارهما ؛ فقال: إن لقيت قتالاً فأنت عليهم - وأراد إذلال طليحة لمعصيته، وأما عمرو فقد أطاعه - فخرج حتى تلقى عمراً، فسأله عن طليحة، فقال: لا علم لي به، فلما انتهينا إلى النجف من قبل الجوف، قال له قيس: ما تريد؟ قال: أريد أن أغير على أدنى عسكرهم ؛ قال: في هؤلاء! قال: نعم، قال: لا أدعك والله وذاك! أتعرض المسلمين لما لا يطيقون قال: وما أنت وذاك! قال: إني أمرت عليك ؛ ولو لم أكن أميراً لم أدعك طليحة إذا اجتمعتم، فقال عمرو: والله يا قيس؛ إن زماناً تكون على فيه أميراً لزمان سوء! لأن أرجع عن دينكم هذا إلى ديني الذي كنت عليه وأقاتل عليه حتى أموت أحب إلى من أن تتأمر على ثانية. وقال: لئن عاد صاحبك الذي بعثك لمثلها لنفارقنه ؛ قال: ذاك إليك بعد مرتك هذه، فرده؛ فرجعا إلى سعد بالخبر. وبأعلاج وأفراس، وشكاكل واحد منهما صاحبه ؛ أما قيس فشكا عصيان عمرو، وأما عمرو، فشكا غلظة قيس، فقال سعد: يا عمرو، الخبر والسلامة أحب إلى من مصاب مائة بقتل ألف، أتعمد إلى حلبة فارس فتصاد مهم بمائة إن كنت لأراك أعلم بالحرب مماأرى. فقال: إن الأمر لكما قلت ؛ وخرج طليحة حتى دخل عسكرهم في ليلة مقمرة، فتوسم فيه، فهتك أطناب بيت رجل عليه، واقتاد فرسه، ثم خرج حتى مر بعسكر ذي الحاجب، فهتك علىرجل آخر بيته، وحل فرسه ثم دخل على الجالنوس عسكره فهتك على آخر بيته، وحل فرسه، ثم دخل على الجالنوس ؛ فهتك على آخر بيته، وحل فرسه ثم حتى أتى الحرارة وخرج الذي كان بالنجف، والذي كان في عسكر ذي الحاجب فاتبعه الذي كان في عسكر الجالنوس، فكان أولهم لحاقاً به الجالنوس ثم الحاجبي، ثم النجفى ؛ فأصاب الأولين، وأسر الآخر. وأتى به سعداً فأخبره، وأسلم ؛ فسماه سعد مسلماً ؛ ولزم طليحة ؛ فكان معه في تلك المغازى كلها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن أبي عثمان النهدي، قال: كان عمر قد عهد إلى سعد جين بعثه إلى فارس ؛ ألا يمر بماء من المياه بذي قوة ونجدة ورياسة إلا أشخصه ؛ فإن أبي انتخبه، فأمره عمر، فقدم القادسية في أثنى عشرألفاً من أهل الأيام، وأناس من الحمراء استجابوا للمسلمين، فأعانوهم ؛ أسلم بعضهم قبل القتال، وأسلم بعضهم غب القتال، فأشركوا في الغنيمة، وفرضت لهم فرائض أهل القادسية: ألفين ألفين ؛ وسألوا عن أمنع قبائل العرب، فعادوا تميماً ؛ فلما دنا وستم، ونزل النجف بعث سعد الطلائع ؛ وأمرهم أن يصيبوا رجلا ليسأله عن أهل فارس ؛ فخرجت الطلائع بعد اختلاف ؛ فلما أجمع ملأ الناس أن الطليعة من الواحد إلىالعشرة سمحوا فأخرج سعد طليحة في خمسة، وعمرو بن معد يكرب في خمسة ؛ وذلك صبيحة قدم رستم الجالنوس وذا الحاجب ؛ ولا يشعرون بفصولهم من النجف ؛ فلم يسيروا إلا فرسخاً وبعض آخر ؛ حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملئوها، فقال بعضهم: ارجعوا إلى أميركم فإنه سرحكم ؛ وهو يرى أن القوم بالنجف ؛ فأخبروه الخبر، وقال بعضهم: ارجعوا لا ينذر بكم عدوكم! فقال عمرو لأصحابه: صدقتم، وقال طليحة لأصحابه: كذبتم؛ ما بعثتم لتخبروا عن السرح، وما بعثتم إلا للخبر قالوا: فما تريد؟ قال: أريد أن أخاطر القوم أو أهلك، فقالوا: أنت رجل في نفسك غدر ؛ ولن تفلح بعد قتل عكاشة بن محصن؛ فاجع بنا فأبى . وأتى سعداً الخبر برحيلهم ؛ فبعث قيس بن هبيرة الأسدي، وأمره على مائة، وعليهم إن هو لقيهم. فانتهى إليهم وقد افترقوا، فلما رآه عمرو قال: تجلدوا له، أروه أنهم يريدون الغارة ؛ فردهم، ووجد طليحة قد فارقهم فرجع بهم. فأتوا سعداً، فأخبروه بقرب القوم، ومضى طليحة، وعارض المياه على الطفوف ؛ حتى دخل عسكر رستم، وبات فيه يجوسه وينظر ويتوسم ؛ فلما أدبر الليل، خرج وقرأتي أفضل من توسم في ناحية العسكر،فإذا فرس له لم ير في خيل القوم مثله، وفسطاط أبيض لم ير مثله ؛ فانتضى سيفه، فقطع مقود الفرس، ثم ضمه إلى مقود فرسه، ثم حرك فرسه، فخرج يعدو به، ونذر به الناس والرجل، فتنادوا وركبوا الصعبة والذلول، وعجل بعضهم أن يسرج، فخرجوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارس من الجند، فلما غشيه وبوأ له الرمح ليطعنه عدل طليحة فرسه، فندر الفارسي بين يديه، فكر عليه طليحة، فقصم ظهره بالرمج، ثم لحق له آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم لحق به آخر؛ وقد رأى مصرع صاحبيه - وهما ابنا عمه - فازداد حنقاً، فلما لحق بطليحة، وبوأ له الرمح، عدل طليحة فرسه، فندر الفارسى أمامه، وكر عليه طليحة أن يركض ؛ ودعاه إلى الإسار، فعرف الفارسي أنه قاتله فاستأسر، وأمره طليحة أن يركض بين يديه؛ ففعل . ولحق الناس فرأوا فارسى الجند قدقتلا وقد أسرى الثالث، وقد شارف طليحة عسكرهم، فأحجموا عنه، ونكسوا، وأقبل طليحة حتى غشى العسكر، وهم على تعبية، فأفرغ الناس، وجوزوه إلى سعد ؛ فلما انتهى إليه، قال: ويحك ما وراءك! قال: دخلت عساكرهم وجستها منذ الليلة، وقد أخذت أفضلهم توسماً، وما أدري أصبت أم أخطأت ! وها هو ذا فاستخبره. فأقيم الترجمان بين سعد وبين الفارسي، فقال له الفارس: أتؤمننى على دمى إن صدقتك؟ قال: نعم، الصدق في الحرب أحب إلينا من الكذب، قال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي ؛ باشرت الحروب وغشيتها، وسمعت بالأبطال ولقيتها ؛ منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى، ولم أر ولم أسمع بمثل هذا ؛ أم رجلاً قطع عسكرين لا يجترى عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفاً ، يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون ؛ فلم يرض أم يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند ؛ وهتك أطناب بيته فأنذروه، فأنذرنا به، فطلبناه، فأدركه الأول وهو فارس الناس، يعدل ألف فارس فقتله، فأدركه الثاني وهو نظيره فقتله، ثم أدركته، ولا أظن أنني خلقت بعدي من يعدلني وأنا الثائر بالقتيلين، وهما ابنا عمي، فرأيت المونت فاستأسرت. ثم أخبره عن أهل فارس ؛ بأن الجند عشرون ومائة ألف، وأن الأتباع مثلهم خدام لهم . وأسلم الرجل وسماه سعد مسلماً، وعاد إلى طليحة، وقال: لا والله، لا تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاءوالصدق والإصلاح والمؤاساة ؛ لا حاجة لي في صحبة فارس ؛ فكان من أهل البلاء يومئذ.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بنطريف، قال: قال سعد لقيس بن هبيرة الأسدي: اخرج يا عاقل، فإنه ليس وراءك من الدنيا شئ تحنو عليه حتى تأتينى بعلم القوم. فخرج وسرح عمرو بن معد يكرب وطليحة ؛ فلما حاذى القنطرة لم يسر إلا يسيراً حتى لحق، فانتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم، فإذا رستم قد ارتحل من النجف، فنزل منزل ذي الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل ذو الحاجب منزله، والجالنوس منزله، والجالنوس يريد طيزنا باذ ؛ فنزل بها، وقدم تلك الخيل. وإن ما خمل سعداً على إرسال عمرو وطليحة معه لمقالة بلغته عن عمرو، وكلمة قالها لقيس بن هبيرة قبل هذه المرة، فقال: قاتلوا عدوكم يا معشر المسلمين. فأنشب القتال، وطاردهم ساعة. ثم إن قيساً حمل عليهم، فكانت هزيمتهم، فأصاب منهم اثني عشر رجلاً، وثلاثة أسراء، وأصاب أسلاباً، فأتوا بالغنيمة سعداً وأخبروه الخبر ؛ فقال: هذه بشرى إن شاء الله ؛ إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم ؛ فلهم أمثالهم، ودعا عمرا وطليحة، فقال: كيف رأيتما قيساً؟ فقال طليحة: رأيناه أكمانا ، وقال عمرو: الأمير أعلم بالرجال منا. قال سعد: إن الله تعالى أحياناً بالإسلام وأحيا به قلوباً كانت ميتة، وأمات به قلوباً كانت حية، وإني أحذركما أن تؤثرا أمر الجاهلية على الإسلام ؛ فتموت قلوبكما وأنتما حيان ؛ الزما السمع والطاعة والإعتراف بالحقوق ؛ فما رأى الناس كأقوام أعزهم الله بالإسلام.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد ؛ وشاركهم المجالد وسعيد بن المرزبان، قالوا: فلما أصبح رستم من الغد من يوم نزل السيلحين قدم الجالنوس وذا الحاجب، فارتحل الجالنوس، فنزل من دون القنطرة بحيال زهرة، ونزل إلى صاحب المقدمة، ونزل ذو الحاجب؛ منزله بطرنا باذ، ونزل رستم منزل ذي الحلجب بالحرارة ثم قدم ذا الحاجب فلما انتهى إلى العتيق تياسر حتى إذا كان بحيال قديس خندق خندقاً، وارتحل الجالنوس فنزل عليه وعلى مقدمته - أعني سعداً - زهرة بن الحوية، وعلى مجنبتيه عبد الله بن المعتم، وشرحبيل بن السمط الكندي، وعلى مجردته عاصم بن عمرو، وعلى المرامية فلان، وعلى الرجل فلان، وعلى الطلائع سواد بن مالك، وعلى مقدمة رستم الجالنوس، وعلى مجنبتيه الهرمزان ومهران وعلى مجردته ذو الحاجب، وعلى الطلائع البيرزان، وعلى الرجالة زاذ بن بهيش. فملا انتهى رستم إلى العتيق، وقف عليه بحيال عسكر سعد ؛ ونزل الناس ؛ فما زالوا يتلاحقون وينزلولهم فينزلون ؛ حتى أعتموا من كثرتهم ؛ فبات بها تلك الليلة والمسلمون ممسكون عنهم.
قال سعيد بن المرزبان: فلما أصبحوا من ليلتهم بشاطئ العتيق غدا منجم رستم على رستم برؤيا أريها من الليل، قال: رأيت الدلو في السماء ؛ دلواً أفرغ ماؤه، ورأيت السمكة ؛ سمكة في ضحضاح من الماء تضطرب، ورأيت النعائم والزهرة تزدهر، قال: ويحك! هل أخبرت أحداً؟ قال: لا، قال: فاكتمها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كان رستم منجماً، فكان يبكي مما يرى ويقدم عليه، فلما كان بظهر الكوفة رأى أن عمر دخل عسكر فارس، ومعه ملك ، فختم على سلاحهم، ثم حزمه ودفعه إلى عمر.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم - وكان قد شهد القادسية - قال : كان مع رستم ثمانية عشر فيلاً، ومع الجالنوس عشر فيلا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبي ؛ قال: كان مع رستم يوم القادسية ثلاثون فيلا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن رجل ، قال: كان مع رستم ثلاثة وثلاثون فيلا ؛ منها فيل سابور الأبيض ؛ وكانت الفيلة تألفه، وكان أعظمها وأقدمها.
كتب إلى السرى، عن شعيب عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: كان معه ثلاثة وثلاثون فيلا، معه في القلب ثمانية عشر فيلاً، ومعه المجنبتين خمسة عشر فيلا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد وسعيد وطلحة وعمرو وزياد، قالوا: فلما أصبح رسم من ليلته التي باتها بالعتيق، أصبح راكباً في خيله، فنظر إلى المسلمين، ثم صعد نحو القنطرة، وقد حزر الناس، فوقف بحيالهم دون القنظرة ؛ وأرسل إليهم رجلاً ؛ إن رستم يقول لكم: أرسلوا إلينا رجلاً نكلمه ويكلمنا، وانصرف فأرسل زهرة إلى سعد بذلك ؛ فأرسل إليه المغيرة بن شعبة، فأخرجه زهرة إلى الجالنوس ؛ فأبلغه الجالنوس رستم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما نزل رستم على العتيق وبات به، أصبح غادياً على التصفح والحزر ، فساير العتيق نحو خفان ؛ حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة ؛ فتأمل القوم ؛ حتى أتى على شئ يشرف منه عليهم ؛ فلما وقف على القنطرة راسل زهرة، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جعلاً على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول فيما يقول : انتم جيراننا وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا ؛ فكنا نحسن جوارهم، ونكف الأذى عنهم، ونوليهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم ؛ فنزعيهم مراينا، ونميرهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شئ من أرضنا ؛ وقد كان لهم في ذلك معاش - يعرض لهم بالصلح ؛ وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرح - فقال له زهرة: صدقت، قد كان ما تذكر ؛ وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا. إنا لم نأتكم لطلب الدنيا ؛ إنما طلبنا وهمتنا الآخرة ؛ كنا كما ذكرت، يدين لكم من ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم. ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولاً، فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم ؛ وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز. فقال له رستم: وما هو؟ قال: أما عموده الذي لا يصلح منه شئ إلا به، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى. قال: ما أحسن هذا ؟ وأي شئ أيضاً؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. قال: حسن، وأي شئ أيضاً؟ قال: والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم، قال: ما أحسن هذا؟ ثم قال له رستم : أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه ؛ ومعي قومي كيف يكون أمركم أترجعون؟ قال: إي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبداً إلا في تجارة أو حاجة . قال: صدقني الله، أما إن أهل فارس منذ ولى أردشير لم يدعوا أحداً يخرج من عمله من السفلة، كانوا يقولن إذا خرجوا من أعمالهم: تعدوا طورهم. وعادوا أشرافهم. فقال له زهرة: نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون ؛ نطيع الله في السفلة، ولا يضرنا من عصى الله فينا. فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا فحموا من ذلك وأنفوا ، فقال: ابعدكم الله وأسحقكم أخزى الله أخرعنا وأجبنا ؟ فلما انصرف رستم ملت إلى زهرة، فكان إسلامي ؛ وكنت له عديداً. وفرض لي فرائض أهل القادسية.
كتب إلى السرى، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد بإسنادهم مثله. قالوا: وأرسل سعد إلى المغيرة بن شعبة وبسر بن أبلي رهم وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن وربعي بن عامر وقرفة بن زاهر التيمي ثم الوائلى ومذعور بن عدي العجلي، والمضارب بن يزيد العجلي ومعبد بن مرة العجلي - وكان من دهاة العرب - فقال: إني مرسلكم إلى هؤلاء القوم ؛ فما عندكم؟ قالوا جميعاً: نتبع ما تأمرنا به، وننتهي غليه ؛ فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شئ نظرنا أمثل ما ينبغي وأنفعه للناس؛ فكلمناهم به. فقال سعد: هذا فعل الحزمة، اذهبوا فتهيئوا، فقال ربعي بن عامر: إن الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعاً يروا أنا قد احتفلنا بهم؟ فلا تزدهم على رجل ؛ فمألئوه جميعاً على ذلك، فقال: فسرحوني، فسرحه، فخرج ربعي ليدخل على رستم عسكره، فاحتسبه الذين على القنطرة، وأرسل إلى رستم لمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس ، فقال: ما ترون أنباهي أم نتهاون فأجمع ملؤهم على التهاون، فأظهروا الزبرج، وبسطوا البسط والنمارق، ولم يتركوا شيئاً، ووضع لرستم سرير الذهب، وألبس زينته من النماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعي يسير على فرس له رباء قصيرة، معه سيف له، غمدة لفلفه ثوب خلق، ورمحه مغلوب بقدمعه حجفة من جلود البقر ؛ على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونبله. فلما غشى الملك، وانتهى إليه وإلى أدنى البسط، قيل له: انزل، فحملها على البساط، فلما استوت عليه، نزل عنها وربطها بوسادتين فشقهما، ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه ؛ وإنما أرواه التهاون وعرف ما أرادوا، فأراد استحراجهم ، وعليه درع له كأنها أضاة ويلمقه عباءة بعيره، قد جابها وتدرعها، وشدها على وسطه بسلب وقد شد رأسه بمعجرته؛ وكان أكثر العرب شعرة، ومعجرته نسعة بعيره ؛ ولرأسه أربع ضفائر؛ قد قمن قياماً، كأنهن قرون الوعلة. فقالوا: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت. فأخبروا رستم ؛ فقال: ائذنوا له؛ هل هو إلا رجل واحد؟ فأقبل يتوكأ على رمحه، وزجه نصل يقارب الخطو، ويزج النمارق والبسط ؛ فما ترك لهم نمرقه ولا بساطاً إلا أفسده وتركه منهتكاً مخرقاً ؛ فملما دنا من رستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه فكلمه، فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عباده العبادة إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه حتى نفضي إلى موعود الله قال: وما موعود الله: قال الجنة لمن مات على قتال من أبي لمن بقي فقال رستم: قد سمعت مقالتكمورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبي قاتلناه أبداً ؛ فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا! قال: نعم، كم أحب إليكم؟ أيوماً أو يومين؟ قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. وأراد مقاربته ومدافعته، فقال: إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئتمتنا، ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء، فنقبل ونكف عنك ؛ وإن كنت عن نصرنا غنياً تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجاً منعناك ؛ أو المنابذة في اليوم الرابع ؛ ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا ؛ أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى. قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا ؛ ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض ؛ يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، ما تورن؟ هل رأيتم كلاماً قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شئ من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه! فقال: ويحكم لا تنظرو إلى الثبات ؛ ولكن انظروا ؛ ولكن انظروا إلى الرأى والكلام والسيرة ؛ إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللباس، ولا يرون فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه، ويزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم إلى أن تروني
فأريكم؟ فأخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار. فقال القوم: اغمد ، فغمده ؛ ثم رمى ترساً ورموا حجفته، فخرق ترسهم، وسلمت حجفته، فقال: يا أهل فارس ؛ إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب ؛ وإنا صغرناهن. ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل ، فلما كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرجل ؛ فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي، حتى إذا كان على أدنى البساط، قيل له: انزل، قال: ذلك لو جئتكم في حاجتي ؛ فقولا لملككم: أله الحاجة أم لي؟ فإن قال: لي ؛ فقد كذب ؛ ورجعت وتركتكم ؛ فإن قال: له، لم آتكم إلا على ما أحب. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره، فقال: انزل، قال: لا أفعل، فلما أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس ؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء ؛ فهذه نوبتي. قال: ما جاء بكم؟ قال: إن الله عو وجل من علينا بدينه، وأرانا آياته، حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث ؛ فأيها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة فقال: أو الموادعة إلى يوم ما؟ فقال: نعم، ثلاثاً من أمس. فلما لم يجد عنده إلا ذلك رده وأقبل على أصحابه، فقال: ويحكم ! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به ؛ فهو في يمن الطائر، وذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا ؛ فهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا ؛ حتى أغضبهم وأغضبوه. فلما كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلاً، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة.؟ فأخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار. فقال القوم: اغمد ، فغمده ؛ ثم رمى ترساً ورموا حجفته، فخرق ترسهم، وسلمت حجفته، فقال: يا أهل فارس ؛ إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب ؛ وإنا صغرناهن. ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل ، فلما كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرجل ؛ فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي، حتى إذا كان على أدنى البساط، قيل له: انزل، قال: ذلك لو جئتكم في حاجتي ؛ فقولا لملككم: أله الحاجة أم لي؟ فإن قال: لي ؛ فقد كذب ؛ ورجعت وتركتكم ؛ فإن قال: له، لم آتكم إلا على ما أحب. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه ورستم على سريره، فقال: انزل، قال: لا أفعل، فلما أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس ؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء ؛ فهذه نوبتي. قال: ما جاء بكم؟ قال: إن الله عو وجل من علينا بدينه، وأرانا آياته، حتى عرفناه وكنا له منكرين. ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث ؛ فأيها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة فقال: أو الموادعة إلى يوم ما؟ فقال: نعم، ثلاثاً من أمس. فلما لم يجد عنده إلا ذلك رده وأقبل على أصحابه، فقال: ويحكم ! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به ؛ فهو في يمن الطائر، وذهب بأرضنا وما فيها إليهم، مع فضل عقله. وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا ؛ فهو في يمن الطائر يقوم على أرضنا دوننا ؛ حتى أغضبهم وأغضبوه. فلما كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلاً، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة.
كتب إلى السرى، عن سيف، عن سيف، عن أبي عثمان النهدي. قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس حبسوه واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا شيئاً من شارتهم، تقوية لتهاونهم ؛ فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة لا يصل إلى صاحبهم ؛ حتى يمشي عليهم غلوة ؛ وأقبل المغيرة وله أربع ضفائر يمشي ؛ حتى جلس معه على سريره وووسادته ؛ فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوا ومغثوه . فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام ؛ ولا أرى قوماً أسفه منكم! إنا معشر العرب سواء ؛ ولا يستعبد بعضنا بعضاً إلا أن يكون محارباً لصاحبه ؛ فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى ؛ وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر فيكم فلا نصفه، نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموين اليوم، علمت أن أمركم لا يستقم فيكم مضمحل، وأنكم مغلوبون ؛ وأن ملكاً لا يقول على هذه السيرة، ولا على هذه العقول.
فقال السفلة: صدق والله العربي، وقالت الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه ؛ قاتل الله أولينا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة ! فمازحه رستم ليمحو ما صنع، وقال له: يا عربي ؛ إن الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغي من ذلك ؛ فالأمر على ماتحب من الوفاء وقبول الحق ؛ ما هذه المغازل التي معك؟ قال: ما ضر الجمرة ألا تكون طويلة ! ثم راماهم. وقال: ما بال سيفك رثاً! قال: رث الكسوة ، حديد المضربة . ثم عاطاه سيفه، ثم قال له رستم: تكلم أم أتكلم؟ فقال المغيرة: أنت الذي بعثت إلينا، فتكلم. فأقام الترجمان بينهما، وتكلم رستم، فحمد قومه، وعظم أمرهم وطوله. وقال: لم نزل متمكنين في البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافاً في الأمم ؛ فليس لأحد من الملوك مثل عزنا وشرفنا وسلطاننا، ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين، أو الشهر والشهرين ؛ للذنوب ؛ فإذا انتقم الله فرضى رد إلينا عزنا، وجمعنا لعدونا شر يوم هو آت عليهم. ثم إنه لم يكن في الناس أمة أصغر عندنا أمراً منكم ؛ كنتم أهل قشف ومعيشة سيئة، لا نراكم شيئاً ولا نعدكم، وكنتم إذا قطحت أرضكم، وأصابتكم السنة استغثتم بناحية أرضنا فنأمر لكم بالشئ من التمر والشعير ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنتعتم إلا ما أصابكم من الجهد في بلاد، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين، وتنصرفون عنا، فإني لست أشتهى أن أقتلكم ولا آسركم.
فتكلم المغيرة بن شعبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله خالق كل شئ ورازقه ؛ فمن صنع شيئاً فإنما هو الذي يصنعه هو له . وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك ؛ من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا ؛ فنحن نعرفه، ولسنا ننكره ؛ فالله صنعه بكم ؛ ووضعه فيكم وهو له دونكم ؛ وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال، وضيق المعيشة واختلاف القلوب ؛ فنحن نعرفه ؛ ولسنا ننكره ؛ والله ابتلانا بذلك، وصيرنا إليه، والدنيا دول ؛ ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليها ؛ ولو يزل أهل رخاتها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها ولوكنتم فيما آتاكم الله ذوى شكر، كان شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ؛ ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر ؛ كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا، ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه ؛ أو كنتم تعرفوننا به ؛ إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولاً....ثم ذكر مثل الكلام الأول ؛ حتى انتهى إلى قوله: وإن احتجت إلينا أن نمنعك فكن لنا عبد تؤدى الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلا فالسيف إن أبيت! فنخر نخرة، واستشاط غضباً، ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الصبح غداً حتى أقتلكم أجمعين.
فانصرف المغيرة ؛ وخلص رستم تألفا بأهل فارس، وقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا! ألم يأتكم الأولان فحسراكم واستحرجاكم، ثم جاءكم هذا، فلم يختلوفا، وسلكوا طريقاً واحجداً، ولزموا أمراً واحداً ؛ هؤلاء والله الرجال ؛ صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن كان بلغ من إربهم وصونهم لسرهم ألا يختلفوا، فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم ؛ لئن كانوا صادقين ما يقول لهؤلاء شئ! فلجوا وتجلدوا وقال: والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم ؛ وإن هذا منكم رئاء ؛ فازدادوا لجاجة.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: فأرسل مع المغيرة رجلاً. وقال له: إذا قطع القنطرة، ووصل إلى أصحابه، فناد: إن الملك كان منجماً قد حسب لك ونظر في أمرك، فقال: إنك غداً تفقأ عينك . ففعل الرسول، فقال المغيرة: بشرتني بخير وأجر ؛ ولولا أن أجاهد بعد اليوم أشباهكم من المشركين، لتمنيت أن الأخرى ذهبت أيضاً. فرآهم يضحكون من مقالته، ويتعجبون من بصيرته ؛ فرجع إلى الملك بذلك، فقال: أطيعوني يا أهل فارس ؛ وإني لأرى لله فيكم نقمة لا تستطيعون ردها عن أنفسكم. وكانت خيولهم تلقى على القنطرة لا تلقى إلا عليها، فلا يزالون يبدءون المسلمين، والمسلمون كافون عنهم الثلاثة الأيام؛ لا يبدءونهم ؛ فإذا كان ذلك منهم صدوهم ورد عوهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان ترجمان رستم عن أهل الحيرة يدعى عبود.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي وسعيد بن المرزبان، قالا: دعا رستم بالمغيرة، فجاء ححتى جلس على سريره، ودعا رستم ترجمانه - وكان عربياً من أهل الحيرة، يدعى عبود - فقال له المغيرة: ويحك يا عبود! أنت رجل عربي ؛ فأبلغه عنى إذا أنا تكلمت كما تبلغي عنه. فقال له رستم مثل مقالته، وقال له المغيرة مثل ومقالته، إلى إحدى ثلاث خلال: إلى الإسلام ولكم فيه مالنا وعليكم فيه ما علينا ؛ ليس فيه تفاضل بيننا، أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: ما صاغرون؟ قال: أن يقوم الرجل منكم على رأس أحدنا بالجزية يحمده أن يقبلها منه ... إلى آخر الحديث؛ والإسلام أحب إلينا منهما.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: شهدت القادسية غلاماً بعدما احتملت ؛ فقدم سعد القادسية في اثنى عشر ألفاً ؛ وبها أهل الأيام، فقدمت علينا مقدمات رستم، ثم زحف إلينا في ستين ألفاً، فملا أشرف رستم على العسكرقال: يا معشر العرب، ابعثوا إلينا رجلاً يكلمنا ونكلمه ؛ فبعث إليه المغيرة بن شعبة ونفراً، فلما أتوا رستم جلس المغيرة على السرير، فنخر أخو رستم، فقال المغيرة: لا تنخر ؛ فما زادني هذا شرفاً ولا نقص أخاك. فقال رستم: يا مغيرة، كنتم أهل شقاء، حتى بلغ ؛ وإن كان لكم أمر سوى ذلك، فأخبرونا. ثم أخذ رستم سهماً من كنانته، وقال: لا تروا أن هذه المغازل تغنى عنكم شيئاً ؛ فقال المغيرة مجيباً له، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال : فكان مما رزقنا الله على يديه حبة تنبت في أرضكم هذه ؛ فلما أذقناها عيالنا، قالوا: لا صبر لما عنها، فجئنا لنطعمهم أو نموت. فقال رستم: إذاً تموتون أو تقتلون، فقال المغيرة: إذاً يدخل من قتل منا الجنة، ويدخل من قتلنا منكم النار، ويظفر من بقى منا بمن بقى منكم ؛ فنحن نخيرك بين ثلاث خلال ...إلى آخر الحديث فقال رستم: لا صلح بيننا وبينكم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: أرسل إليهم سعد بقية ذوى الرأى جميعاً، وحبس الثلاثة ، فخرجوا حبى أتوه ليعظموا عليه استقباحاً، فقالوا له: إن أميرنا يقول لك: إن الجوار يحفظ الولاة، وإنى أدعوك إلى ما هو خير لنا ولك، العافية أن تقبل ما دعاك الله إليه، ونرجع إلى أرضنا، وترجع إلى أرضك وبعضنا من بعض ؛ إلا أن داركم لكم، وأمركم فيكم ؛ وما أصبتم مما وراءكم كان زيادة لكم دوننا ؛ وكنا لكم عونا على أحد إن ارادكم أو قوى عليكم. واتق الله يا رستم ؛ ولا يكونن هلاك قومك على يديك، فإنه ليس بينك وبين أن تغبط به إلا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك ؛ فقال: إني قد كلمت منكم نفراً، ولو أنهم فهموا عنى رجوت أن تكونوا قد فهمتم، وإن الأمثال أوضح من كثير من الكلام، وسأضرب لكم مثلكم تبصروا. إنكم كنتم أهل جهد في المعيشة، وقشف في الهيئة، لا تمتنعون ولا تنتصفون، فلم نسئ جواركم، ولم ندع مواساتكم، تقحمون المرة بعد المرة، فنميركم ثم نردكم ، وتأتوننا أجراء وتجاراً، فنحسن إليكم ؛ فلما تطاعمتم بطعامنا، وشربتم شرابنا، وأظلكم ظلنا، وصفتم لقومكن ؛ فدعوتموهم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل كان له كرم، فرأى فيه ثعلباً، فقال: وما ثعلب ! فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعن عليه سد عليهن صاحب الكرم الحجر الذي كن يدخلن منه، فقتلهن، وقد علمت أنا الذي حملكم على حملكم علىهذا الحرص والطمع والجهد، فارجعوا عنا عامكم هذا، وامتاروا حاجتكم، ولكم العود كلما احتجتم، فإني لا أشتهي أن أقتلكم.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن عمارة بن القعقاع الضبى، عن رجل من يربوع شهدها، قال: وقال وقد أصاب أناس كثير منكم من أرضنا ما أرادوا، ثم كان مصيركم القتل والهرب، ومن سن هذا لكم خير منكم وأقوى ؛ وقد رأيتم أنتم كلما أصابوا شيئاً أصيب بعضهم ونجا بعضهم ؛ وخرج مما كان أصاب، ومن أمثالكم فيما تصنعون مثل جردان ألفت جرة فيها حب ، وفي الجرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، وجعل الأخر ينقلن منها ويرجعن ويكلمنه في الرجوع، فيأبى فانتهى سمن الذي في الجرة، فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله، فضاق عليه الحجر، ولم يطق الخروج، فشكا القلق إلى أصحابه، وسألهم المخرج، فقلن له: ما أنت بخارج منها حتى تعود كماكنت قبل أن تدخل، فكف وجوع نفسه، وبقى في الخوف، حتى إذا عاد كما كان قبل أن يدخلها أتى عليه صاحب الجرة فقتله. فاخرجوا ولا يكونن هذا لكم مثلاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: وقال: لم يخلق الله خلقاً أولع من ذباب ولا أضر ؛ ما خلاكم يا معشر العرب ؛ ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع ؛ وسأضرب لكم مثلكم: إن الذباب إذا رأى العسل طار، وقال: من يوصلني إليه وله درهمان حتى يدخله؟ لا ينهنهه أحد إلا عصاه، فإذا دخله غرق ونشب وقال: من يخرجني وله اربعة دراهم؟ وقال أيضاً: إنما مثلكم مثل ثعلب دخل حجراً وهو مهزول ضعيف إلى كرم، فكان فيه يأكل ما شاء الله، فرآه صاحب الكرم، ورأى ما به، فرحمه، فملا طال مكثه في الكرم وسمن، وصلحت حاله، وذهب ما كان به من الهزال أشر، فجعل يبعث بالكرم ويفسد أكثر مما يأكل، فاشتد على صاحب الكرم، فقال: لا أصبر على هذا من أمر هذا، فأخذ له خشبة واستعان عليه غلمانه، فطلبوه وجعل يراوغهم في الكرم، فملا رأى أنهم غير مقلعين عنه، ذهب ليخرج من الحجر الذي دخل منه، فنشب. أتسع عليه وهو مهزول، وضاق عليه وهو سمين ؛ فجاءه وهو على تلك الحال صاحب الكرم، فلم يزل يضربه حتى قتله، وقد جئتم وأنتم مهازيل ؛ وقد سمنتم شيئاً من سمن ؛ فانظروا كيف تخرجون! وقال أيضاً: إن رجلا وضع سلا، وجعل طعامه فيه ؛ فأتى الجرذان ، فخرجوا سله، فدخلوا فيه فأراد سده، فقيل له: لا تفعل، إذاً يخرقنه، ولكن انقب بحياله ؛ ثم اجعل فيها قصبة مجوفة، فإذا جاءت الجرذان دخلن من القصبة وخرجن منها، فلكما طلع عليكم جرذ قتلموه. وقد سددت عليكم ؛ فإياكم أن تقتحموا القصبة، فلا يخرج منها أحد إلا قتل، وما دعاكم إلى ما صنعتم ؛ ولا أرى عدد ولا عدة!
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادهما وزياد معهما، قالوا فتكلم القوم فقالوا: أما ما ذكرتم من سوء حالنا فيما مضى، وانتشار أمرنا، فلما تبلغ كنهه! يموت الميت منا إلى النار، ويبقى الباقي منا في بؤس؛ فبينا نحن في أسوإ ذلك ؛ بعث الله فينا رسولاً من أنفسنا إلى الإنس والجن، رحمة رحم بها من أراد رحمته، ونقمة ينتقم بها من رد كرامته ؛ فبدأ بنا قبيلة قبيلة، فلم يكن أحد أشد عليه ؛ ولا أشد إنكاراً لما جاء به، ولا أجهد على قتله ورد الذي جاء به من قومه، ثم الذين يلونهم، حتى طابقناه على ذلك كلنا، فنصبنا له جميعاً، وهو وحده فرد ليس معه إلا الله تعالى، فأعطى الظفر علينا، فدخل بعضنا طوعاً، وبعضنا كرهاً، ثم عرفنا جميعاً الحق والصدق لما أتانا به من الآيات المعجزة ؛ وكان مما أتانا به من عند ربنا جهاد الأدنى فالأدنى، فسرنا بذلك فيما بيننا، نرى أن الذي قال لنا ووعدنا لا يخرم عنه ولا ينقض ؛ حتى اجتمعت العرب على هذا، وكانوا من اختلاف الرأى فيما لا يطيق الخلائق تألفيهم. ثم اتيناكم بأمر ربنا، نجاهد في سبيله، وننفذ لأمره ، وننتجز موعوده، وندعوكم إلى الإسلام وحكمه؛ فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلفنا فيكم كتاب الله ؛ وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزى ؛ فإن فعلتم وإى فإن الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم. فاقبلوا نصيحتنا ؛ فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم، ولقتالكم بعد أحب من صلحكم. وأما ما ذكرت من رثائتنا وقلتنا فإن أداتنا الطاعة، وقتالنا الصبر . وأما ما ضربتم لنا من الأمثال، فإنكم ضربتم للرجال والأمور الجسام وللجد الهزل؛ ولكنا سنضرب مثلكم، وإنما مثلكم مثل رجل غرس أرضاً، واختار لها الشجر والحب، وأجرى إليها ألأنهار، وزينها بالقصور، وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها، ويقومون على جناتها، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحب، وفي الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم ؛ فلما لم يستحيوا من تلقاء أنفسهم ؛ استعتبهم فكابروه، فدعا إليها غيرهم، وأخرجهم منها ؛ فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس، وإن أقاموا فيها صاروا خولاً لهؤلاء يملكونهم ؛ ولا يملكون عليهم؛ فيسمونهم الخسف أبداً ؛ والله أن لو لم يكن ما نقول لك حقاً، ولم يكن إلا الدنيا، لما كان لنا عما ضربنا به من لذيذ عيشكم، ورأينا من زبر جكم من صبر، ولقارعناكم حتى نغلبكم عليه.
فقال رستم: أتعبرون إلينا أن نعبر إليكم؟ فقالوا: بل عبروا إلينا، فخرجوا من عنده عشياً، وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم: شأنكم والعبور ؛ فأرادوا القنظرة، فأرسل إليهم: لا ولا كرامة ! أما شئ قد غلبناكم عليه فلم نرده عليكم ؛ تكفلوا معبراً غير القناطر، فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بأمتعتهم.
يوم ارماثكتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن نافع وعن الحكم، قالا: لما أراد رستم العبور أمر بسكر العتيق بحيال قادس، وهو يومئذ أسفل منها اليوم مما يلي عين الشمس، فباتوا ليلتهم حتى الصباح يسكرون العتيق بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقاً، واستتم بعد ما ارتفع النهار من الغد.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: ورأى رستم من الليل أن ملكاً نزل من السماء، فأخذ قسى أصحابه، فختم عليها، ثم صعد بها السماء ؛ فاستيقظ مهموماً محزوناً فدعا خاصته فقصها عليهم،وقال إن الله ليعظنا، لو أن فارس تركوني أتعظ ! أما ترون النصر قد رفع عنا ، وترون الريح مع عدونا، وأنا لا نقوم لهم في فعل ولا منطق، ثم هم يريدون مغالبة بالجبرية! فعبروا بأثقالهم حتى نزلوا على ضفة العتيق.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الأغمش، قال: لما كان يوم السكر، لبس رستم درعين ومغفراً وأخذ سلاحه، وأمر بفرسه فأسرج، فأتى به فوثب ؛ فإذا هو عليه لم يمسه ولم يضع رجله في الركاب، ثم قال: غداً ندقهم دقاً، فقال له رجل: إن شاء الله، فقال: وإن لم يشأ!
كتب إلى السرى، بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال رستم: إنما ضغا الثعلب حين مات الأسد أيذكرهم موت كسرى ثم قال لأصحابه: قد خشيت أن تكون هذه سنة القدود ولما عبر أهل فارس أخذوا مصافهم، وجلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة، وعبى في القلب ثمانية وسبعةعشرة فيلاً، عليها الصناديق والرجال، وأقام الجالنوس بينه وبين ميمنته والبيرزان بينه وبين ميسرته، ويقيت القنطرة بين خيلين من خيول المسلمين وخيول المشركين ؛ وكان يزدجرد وضع رجلاً على باب إيوانه، إذ سرح رستم، وأمره بلزومه وإخباره، وآخر حيث يسمعه من الدار، وآخر خارج الدار، وكذلك على كل دعوة رجلاً ؛ فلما نزل رستم، قال الذي بساباط: قد نزل، فقاله الآخر... حتى قاله الذي على باب الإيوان ؛ وجعل بين كل مرحلتين على كل دعوة رجلاً ؛ فكلما نزل وارتحل أو حدث أمر قاله ؛ فقاله الذي يليه، حتى يقوله الذي يلي باب الإيوان ؛ فنظم ما بين العتيق والمدائن رجالاً، وترك البرد، وكان ذلك هو الشأن .
وأخذ المسلمون مصافهم، وجعل زهرة وعاصم بين عبد الله وشرحبيل، ووكل صاحب الطلائع بالطرد، وخلط بين الناس في القلب والمجنبات، ونادى مناديه: ألا إن الحسد لا يحل إلا على الجهاد في أمر الله يأيها الناس ؛ فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد. وكان سعد يومئذ لا يستطيع أن يركب ولا يجلس، به حبون ، فإنما هو على وجهه في صدره وسادة، هو مكب عليها، مشرف على الناس من القصر، يرمى بالرقاع فيها أمره ونهيه، إلى خالد بن عرفطة، وهو أسفل منه ؛ وكان الصف إلى جنب القصر، وكان خالد كالخليفة لسعد لو لم يكن سعد شاهداً مشرفاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد الهمداني، عن أبيه عن أبي نمران، قال لما عبر رستم تحول زهرة والجالنوس جهل سعد الزهرة مكان ابن السمط وجعل رستم الجالنوس مكان الهرمزان، وكان بسعد عرق على الناس، فاختلف عليه الناس، فقال: احملوني، وأشرفوا بي على الناس والد ما قبل وكان إنما هو مكب فاستخلف خالد بن عرفطة على الناس، فاتقوا به، فأكب مطلعاً عليهم، والصف في أصل حائط قديس ؛ يأمر خالداً فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وشتمهم، وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم! فحسبهم - ومنهم أبو محجن الثقفي - وقيدهم في القصر، وقال جرير: أما إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر وإن كان عبداً حبشياً ، وقال سعد: والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويشاغلهم وهم بإزائهم إلا سنت به سنة يؤخذ بها من بعدي.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: إن سعداً خطب من يليه يومئذ ؛ وذلك يوم الإثنين في المحرم سنة أربع عشرة، بعد ما تهدم على الذين اعترضوا على خالد بن عرفطة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله هو الحق لا شريك له في الملك ؛ وليس لقوله خلف، قال الله جل ثناؤه : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، إن هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج ؛ فأنتم تطعمون منها، وتأكلون منها، ونقتلون أهلها، يوتجبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع ؛ وأنتم وجوه العرب وأعيانهم، وخيار كل قبيلة ، وعز من وراءكم فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرب ذلك احداً إلى أجله، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم، وتوبقوا آخرتكم.
وقام عاصم بن عمرو في المجردة ح فقال: إن هذه بلاد قد أحل الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين مالا ينالون منكم، وأنتم الأعلون والله معكم ؛ إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم وبلادهم؛ وإن خرتم وفشلتم فالله لكم من ذلك جار وحافظ، لم يبق هذا الجمع منكم باقية ؛ مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك . الله الله! اذكروا الأيام وما منحكم الله فيها خمر ولا وزر يعقل إليه، ولا يمتنع به! اجعلوا همكم الآخرة.
وكتب سعد إلى الرايات: إني قد استخلف عليكم خالد بن عرفطة، وليس يمنعني أن أكون إلا وجعي الذي يعودني وما بي من الحبون، فإني مكب على وجهي وشخصي لكم باد، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه إنما يأمركم بأمري، ويعمل برأي فقرى على الناس فزادهم خيراً، وانتهوا إلى رأيه، وقبلوا منه وتحاثوا على السمع والطاعة، وأجمعوا على عذر سعد والرضا بما صنع.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن حلام، عن مسعود، قال: وخطب أمير كل قوم أصحابه، وسير فيهم، وتحاضوا على الطاعة والصبر تواصوا ؛ ورجع كل أمير إلى موقفه بمن والاه من أصحابه عند المواقف ؛ ونادى منادى سعد بالظهر، ونادى رستم: باد شهان مرندر، أكل عمر كبدى أحرق الله كبده! علم هؤلاء حتى علموا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، قال: حدثنا سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، قال: لما نزل رستم النجف بعث منها عيناً إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسية كبعض من ند منهم، فرآهم يستاكون عند كل صلاة ثم يصلون فيفترقون إلى مواقفهم، فرجع غليه فأخبره بخبرهم، وسيرتهم، حتى سأله: ما طعامهم؟ فقال: مكثت فيهم ليلة، لا والله ما رأيت أحداً منهم يأكل شيئاً إلا يمصوا عيداناً لهم حين يمسون، وحين ينامون، وقبيل أن يصبحوا . فلما سار فنزل بين الحصن والعتيق وافقهم وقد اذن مؤذن سعد الغداة ، فرآهم يتحشحشون ، فنادى في أهل فارس أن يركبوا، فقيل له: ولم ؟ قال: أما ترون إلى عدوكم ق نودى فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه: ذلك إنما تخشخشهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية، وهذا تفسيره بالعربية: أتاني صوت عند الغداة، وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل، فلما عبروا توافقوا، وأذن نؤذن سعد للصلاة، فصلى سعد ، وقال رستم: أكل عمر كبدي! كتب إلى السرى، قال: حدثنا شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: وأرسل سعد الذين انتهى إليهم رأى الناس، والذين انتهت إليهم نجدتهم وأصناف الفضل منهم إلى الناس، فكان منهم من ذوي الرأى النفر الذين أتوا رستم المغيرة، وحذيفة، وعاصم ؛ وأصحابهم ؛ ومن أهل النجدة طليحة، وقيس الأسدي، وغالب، وعمرو بن معد يكرب وأمثالهم ؛ ومن الشعراء الشماخ والحطيئة، وأوس ين مغراء، وعبدة بن الطبيب ؛ ومن سائر الأصناف أمثالهم. وقال قبل أن يرسلهم: انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق عليهم عند مواطن البأس ؛ فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس، فذكروهم وحرضوهم على القتال، فساروا فيهم. فقال قيس بن هبيرة الأسدي: أيها الناس، احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم يزدكم، واذكروا آلاء الله، وارغبوا إليه في عادته ؛ فإن الجنة أو الغنيمة أمامكم ؛ وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء والأرض الفقر، والظراب الخشن، والفلوات التي لا تقطعها الأدلة.
وقال غالب: ايها الناس، احمدوا الله على ما أبلاكم، وسلوه يزدكم، وادعوه يجبكم ؛ يا معاشر معد ؛ ما علتكم اليوم وأنتم في حصونكم - يعنى الخيل أ ومعكم من لا يعصكم يعنى السيوف؟ اذكروا حديث الناس في غد ؛ فإنه بكم غداً يبدأ عنده، وبمن بعدكم يثنى.
وقال ابن الهذيل الأسدي: يا معاشر معد، اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم كأسود الأجم، وتربدوا لهم تربد النمور، وادرعوا العجاج، وثقوا بالله وغضبوا الأبصار، فإذا كلت السيوف فإنها مأمورة، فأرسلوا عليهم الجنادل، فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه.
وقال بسرين أبي رهم الجهنى: احمدوا الله، وصدقوا قولكم بفعل، فقد حمدتم الله على ما هداكم له ووحدتموه ولا إله غيره، وكبرتموه، وىمنتم بنبيه ورسله فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ؛ ولا يكونن شئ بأهون عليكم من الدنيا، فإنها تأتى من تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرب منكم لتميل بكم انصروا الله ينصركم.
وقال عاصم بن عمرو: يا معاشر العرب ؛ إنكم أعيان العرب، وقد صمدتم الأعيان من العجم ؛ وإنما تخاطرون بالجنة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم. لا تحدثوا اليوم أمراً تكونون به شيئاً على العرب غداً.
وقال ربيع بن البلاد السعدي: يا معاشر العرب، قاتلوا للدين والدنيا ؛ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقي ، وإن عظك الشيطان عليكم الأمر، فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل.
وقال ربعي بن عامر: إن الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزيادة، وفي الصبر الراحة، فعودوا أنفسكم الصبر تعتادوه، ولا تعودوها الجزع فتعتادوه.
وقام كلهم بنحو من هذا الكلام، وتوائق الناس، وتعاهدوا، واهتاجوا لكل ما كان ينبغي لهم، وفعل أهل فارس فيما بينهم مثل ذلك، وتعاهدوا وتواصوا ؛ واقتربوا بالسلاسل ؛ وكان المقتربون ثلاثين ألفاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي: إن أهل فارس كانوا عشرين ومائة ألف، معهم ثلاثون فيلاً، مع كل فيل أربعة آلاف.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن حلام، عن مسعود بن خراش، قال: كان صف المشركين على شفير العتيق، وكان صف المسلمين مع حائط قديس، الخندق من ورائهم. فكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق. ومعهم ثلاثون ألف مسلسل، وثلاثون فيلا تقاتل، وفيلة عليها الملوك وقوف لا تقاتل. وأمر سعد الناس أن يقرءوا على الناس سورة الجهاد، وكانوا يتعلمونها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: قال سعد: الزموا مواقفكم، لا تحركوا شيئاً حتى تصلوا الظهر ، فإذا صليتم الظهر فإنى مكبر تكبيرة، فكبروا واستعدوا. واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم، واعلموا أنما أعطيتموه تأييداً لكم. ثم إذا سمعتم الثانية فكبروا ولتستتم عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس ليبرزوا وليطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم؛ وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الريان، عن مصعب بن سعد مثله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، قال: ارسل يعد يوم القادسية في الناس: إذا سمعتم التكبير فشدوا شسوع نعالكم، فإذا كبرت الثانية فتهيئوا، فإذا كبرت الثالثة فشدوا النواجذ على الأضراس واحملوا.
كتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد يإسنادهم، قالوا: لما صلى سعد الظهر أمر الغلام الذي كان ألزمه عمر إياه - وكان من القراء - أن يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون يتعلمونها كلهم، فقرأ على الكتيبة الذين يلونه سورة الجهاد، فقرئت في كل كتبية، فهشت قلوب الناس وعيونهم وعرفوا السكينة مع قراءتها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، قالوا: لما فرغ القراء كبر سعد، فكبر الذين يلونه تكبيرة، وكبر بعض الناس بتكبير بعض، فتحشحش الناس، ثم ثنى فاستتم الناس، ثم ثلث فبرز أهل النجدات فأنشبوا القتال، وخرج من أهل فارس أمثالهم، فاعتروا الطعن والضرب، وخرج غالب بن عبد الله الأسدي وهو يقول:
قد علمت واردة المسائح ... ذات اللبان والبنان الواضح
أنى سمام البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح
فخرج إليه هرمز - وكان من ملوك الباب، وكان متوجاً - فأسره غالب أسراً، فجاء سعداًن فأدخل، وانصرف عالب إلى المطاردة، وخرج عاصم ابن عمرو وهو يقول:
قد علمت بيضاء صفراء اللبب ... مثل اللجين إذ تغشاه الذهب
أنى أنى امرؤ لا من تعبيه السبب ... مثلى على مثلك يغريه العتب
فطارد رجلاً من أهل فارس، فهرب منه اتبعه، حتى إذا خالط صفهم التقى بفارس معه بغلة، فترك الفارس البغل، واعتصم بأصحابه فمحوه، واستاق عاصم البغل والرحل، حتى أفضى به إلى الصف، فإذا هو خباز الملك وإذا الذي معه لطف الملك الأخبصة والعسل المعقود، فأتى به سعداً، ورجع إلى موقفه، فلما نظر فيه سعد، قال: انطلقوا به إلى أهل موقفه، وقال: إن الأمير قد نفلكم هذا فكلوه، فنفلهم إياه. قالوا: وبينا الناس ينتظرون التكبيرة الرابعة، إذ قام صاحب رجالة بني نهد قيس بن حذيم بن جرثومة، فقال: يا بني نهد انهدوا، إنما سميتم نهداً لتفعلوا، فبعث إليه خالد بن عرفطة: والله لتكفن أو لأولين عملك غيرك. فكف.
ولما تطاردت الخيل والفرسان خرج رجل من القوم ينادى: مرد ومرد، فانتدب له عمرو بن معد يكرب وهو بحياله، فبارزه فاعتنقه، ثم جلد به الأرض فذبحه، ثم التفت إلى الناس، فقال: إن الفارسي إذا فقد قوسه فإنما هو تيس. ثم تكتتب الكتائب من هؤلاء وهؤلاء.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: مر بنا عمرو بن معد يكرب وهو يحضض الناس بين الصفين، وهو يقول: إن الرجل من هذه الأعاجم إذا ألقى مزراقه، فإنما هو تيس ؛ فبينا هو كذلك يحرضنا إذ خرج إليه رجل من الأعاجم، فوقف بين الصفين فرمى بنشابة، فما أخطأت سية قوسه وهو متنكبها، فالتفت إليه فحمل عليه، فاعتنقه، ثم أخذ بمنطقته، فاحتمله فوضعه بين يديه، فجاء به حتى إذا دنا منا كسر عنقه، ثم وضع سيفه على حلقه فذبحه ؛ ثم ألقاه. ثم قال: هكذا فاصنعوا بهم ! فقلنا: يا أبا ثور، من يستطيع أن يصنع كما تصنع! وقال بعضهم غير إسماعيل: وأخذ سواريه ومنطقته ويلمق ديباج عليه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ؛ أن الأعاجم وجهت إلى وجه الذي فيه بجيلة ثلاثة عشر فيلاً .
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: كانت - يعني وقعة القادسية - في المحرم سنة أربع عشرة في أوله. وكان قد خرج من الناس إليهم، فقال له أهل فارس: أحلنا، فأحالهم على بجيلة، فصرفوا إليهم ستة عشر فيلاً كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما تكتتبت الكتائب بعد الطراد حمل أصحاب الفيلة عليهم، ففرقت بين الكتائب، فابذعرت الخيل ؛ فكادت بجلية أن تؤكل ؛ فرت عنها خيلها نفاراً، وعمن كان معهم في مواقفهم ، وبقيت الرجالة من أهل المواقف، فأرسل سعد إلى بني أسد: ذببوا عن بجيلة ومن لافها من الناس ؛ فخرج طليخحة بن خويلد وحمال بني مالك وغالب بن عبد الله والربيل بن عمرو في كتائبهم، فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها ؛ وإن على كل فيل عشرين رجلاً.
كتب إلى السرى،عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن موسى بن طريف، أن طليحة قام في قومه حين استصرخهم سعد، فقال : يا عشيرتاه ؛ إن المنوه بإسمه، الموثوق به، وإن هذا لو علم أن أحداً أحق بإغاثة هؤلاء منكم استغاثهم ؛ ابتدءوهم الشدة، وأقدموا عليهم إقدام الليوث الحربة ؛ فإنما سميتم أسداً لتفعلوا فعله ؛ شدوا ولا تصدوا، وكروا ولا تفروا، لله در ربيعة ! أي فرى يفرون ! وأي قرن يغنون ! هل يوصل إلى مواقفهم ! فأغنوا عن مواقفكم أعانكم الله! شدوا عليهم باسم الله ! فقال المعرور بن سويد وشقسيق. فشدوا والله عليهم فما زالوا يطعنونهم ويضربونهم حتى حسبنا الفيلة عنهم ؛ فأخرت ، وخرج إلى طليحة عظيم منهم فبارزه ؛ فما لبثه طليحة أن قتله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقام الأشعث بن قيس فقال: يا معشر كندة ؛ لله دربني أسد! أي فرى يفرون ! وأي هذ1 يهذون عن موقفهم منذ اليوم ! أغنى كل قوم ما يليهم ؛ وأنتم تنتظرون من يكفيكم البأس ! أشهد ما أحسنتم أسوة قومكم العرب منذ اليوم، وإنهم ليقتلون ويقاتلون ؛ وأنتم جثاة على الركب تنظرون! فوثب إليه عدد منهم عشرة ؛ فقالوا: عثر الله جدك ! إنك لتؤبسنا جاهداً ، ونحن أحسن الناس موقفاً! فمن أين خذلنا قومنا العرب وأسأنا إسوتهم فها نحن معك. فنهد ونهدوا، فأزالوا الذين بإزائهم ؛ فلما رأى أهل فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد رموهم بحدهم وبدر المسلمين الشدة عليهم ذو الحاجب والجالنوس، والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت حلبة فارس على أسد ومعهم تلك الفيلة، وقد ثبتوا لهم ؛ وقد كبر سعد الرابعة فزحف إليهم المسلمون ورحى الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة على الخيول ؛ فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد، وتلح فرسانها على الرجل يشمسون بالخيل؛ فكانت الخيول تحجم عنها وتحيد ، وتلح فرسانها على الرجل يشمسون بالخيل ؛ فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم ؛ ألستم أصحاب الإبل والخيل ! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة! قالوا: بلى والله ؛ ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة ، فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، وقال: يا معشر أهل الثقافة استدبروا الفيلة فقطعوا وضنها ؛ وخرج يحميهم والرحى تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد ؛ واقبل أصحاب عاصم على الفيلة، فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها، فقطعوا وضنها ، وارتفع عواؤهم ؛ فما بقي لهم يومئذ فيل إلا أعرى، وقتل أصحابها، وتقابل الناس ونفس عن أسد، وردوا فارس عنهم إلى مواقفهم ؛ فاقتتلوا حتى غربت الشمس. ثم حتى ذهبت هدأة من الليل ؛ ثم رجع هؤلاء وهؤلاء ؛ وأصيب من أسد تلك العشية خمسمائة ؛ وكانوا ردءاً للناس ؛ وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم ؛ وهذا يومها الأول وهو يوم أرماث.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن رجل من بني كنانة، قال: حالت المجنبات ودارت على أسد يوم أرماث فقتل تلك العشية منهم خمسمائةو رجل ؛ فقال عمرو بن شأس الأسدى:
جلبنا الخيل من أكناف نيق ... إلى كسرى فوافقها رعالا
تركن لهم على الأقسام شجواً ... وبالحقوين أياماً طوالا
وداعية بفارس قد تركنا ... تبكىكلما رأت الهلالا
قتلنا رستما وبنية قسراً ... تثير الخيل فوقهم الهيالا
تركنا منهم حيث التقينا ... فئاماً ما يريدون ارتحالا
وفر البيرزان ولم يحامى ... وكان على كتيبته وبالا
ونجى الهرمزان حذار نفس ... وركض الخيل موصلة عجلا
يوم أغواث
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وكان سعد قد تزوج سلمى بنت خصفة ؛ امرأة المثنى بن حارثة قبله بشراف، فنزل بها القادسية، فلما كان يوم أرمات،ث وجال الناس، وكان لا يطيق جلسة إلا مستوفزاً أو على بطنه ؛ جعل سعد يتململ ويحول جزعاً فوق القصر ؛ فملا رأت ما يصنع أهل فارس، قالت: وامثنياه ولا مثنى للخيل لايوم! - وهي عند رجل قد أضجره ما يرى من أصحابه وفي نفسه - فلطم وجهها، وقال: اين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحى! - يعنى أسداً وعاصماً وخيله - فقالت: أغيرة وجبناً! قال: والله لا يعذروني اليوم أحد إذا أنت لم تعذريني وأنت ترين ما بي، والناس أحق ألا يعذرونى! فتعلقها الناس ؛ فلما ظهر الناس لم يبق شاعر إلا اعتد بها عليه ؛ وكان غير جبان ولا ملوم. ولما أصبح القوم من الغد أصبحوا على تعبية، وقد وكل سعد رجالاً بنقل الشهداء إلى العذيب ونقل الرثيث ؛ فأما الرثيث فأسلم إلى النساء يقمن عليهم إلى قضاء الله عز وجل عليهم ؛ وأما الشهداء فدفنوهم هنالك على مشرق - وهو واد بين العذيب وبين عين الشمس في عدوتيه جميعاً ؛ الدنيا منهما إلى العذيب والقصوى منهما من العذيب - والناس ينتظرون بالقتال حمل الرثيث الأموت ؛ فلما استقلت بهم الإبل وتوجهت بهم نحو العذيب طلعت نواصى الخيل من الشأم - وكان فتح دمشق قبل القادسية بشهر - فلما قدم على أبي عبيدة كتاب عمر بصرف أهل العراق أصحاب خالد ؛ ولم يذكر خالداً ضن بخالد فحبسه وسرح الجيش ؛ وهم ستة آلاف؛ خمسة آلاف من ربيعة ومضر وألف من أفناء اليمن من أهل الحجاز ؛ وأمر عليهم هاشم بن عتيبة بن أبي وقاص، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، فجعله أمامه ؛ وجعل على إحدى مجنبتيه قيس بن هبيرة بن عبد يغوث المرادي - ولم يكن شهد الأيام، أتاهم وهم باليرموك حين صرف أهل العراق وصرف معهم - نوعلى المجنة الأخرى الهزهاز بن عمرو العجلي، وعلى الساقة أنس بن عباس. فانجذب القعقاع وطوى وتعجل، فقدم على الناس صبيحة يوم أغواث، وقد عهد إلى أصحابه أن يتقطعوا أعشاراً ؛ وهم ألف فكلما بلغ عشرة مدى البصر سرحوا في آثارهم عشرة، فقدم القعقاع أصحابه في عشرة، فأتى الناس فسلم عليهم، وبشرهم بالجنود، فقال: يأيها الناس ؛ إني قد جئتكم في قوم ؛ والله أن لو كانوا بمكانكم، ثم أحسوكم حسدوكم حظوتها، وحاولوا أن يطيروا دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا، وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: من أنت؟ قال: أنا بهمن جاذويه، فنادى: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر! فاجتلدا، فقتله القعقاع، وجعلت خيله ترد قطعاً، وما زالت ترد إلى الليل وتنشط الناس ؛ وكأن لم يكن بالأمس مصيبة ؛ وكأنما استقبلوا قتالهم بقتل الحاجبي وللحاق القطع ، وانكسرت الأعاجم لذلك. ونادى القعقاع أيضاً: من يبارز؟ فخرج إليه رجلان: أحدهما البيرزان والآخر البندوان ؛ فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أخو بني تيم اللات، فبارز القعقاع البيرزان، فضربه فأذرى رأسه ، وبارزا بن ظبيان البندوان، فضربه فأذرى رأسه، وتوردوهم فرسان المسلمين، وجعل القعقاع يقول: يا معاشر المسلمين، باشروهم بالسيوف، فإنما يحصد الناس بها فتواصى الناس، نوتشايعوا إليهم، فاجتلدوا بها حتى المساء. فلم ير أهل فارس في هذا اليوم شيئاً مما يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيل، كانت توابيتها تكسرت بالأمس، فاستأنفوا علاجها حين أصبحوا فلم ترتفع حتى كان الغد.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كانت امرأة من النخع لها بنون أربعة شهدوا القادسية ؛ فقالت لبنيها: إنكم أسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثوبوا ، ولم تنب بكم البلاد، ولم تقحمكم السنة، ثم جئتم بأمكم عجوز كبيرة فوضعتموها بين أهل فارس ؛ والله إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم ؛ انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره. فأقبلوا يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء، وهي تقول: اللهم ادفع عن بني! فرجعوا إليها، وقد أحسنوا القتال ؛ ما كلم منهم رجل كلماً ؛ فرأيتهم بعد ذلك يأخذون ألفين ألفين من العطاء، ثم يأتون أمهم، فيلقونه في حجرها، فترده عليهم وتقسمه فيهم على ما يصلحهم ويرضيهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: فأزر القعقاع يومئذ ثلاثة نفر من بني يربوع رياحيين، وجعل القعقاع كلما طلعت قطعة كبر وكبر المسلمين، ويحمل ويحملون، واليربوعيون: نعيم بن عمرو بن عتاب، وعتاب بن نعيم بن عتاب ابن الحارث بن عمر بن همام، وعمرو بن شيب بن زنباع بن الحارث بن ربيعة ؛ أحد بني زيد. وقدم ذلك اليوم رسول لعمر بأربعة أسياف وأربعة أفراس يقسمها فيمن انتهى إليه البلاء، إن كنت لقيت حرباً. فدعا حمال بن مالك والربيل بن عمرو بن ربيعة الوالبيين وطليحة بن خويلد الفقعسي - وكلهم من بني أسد - وعاصم بن عمرو التميمي ؛ فأعطاهم الأسياف، ودعا القعقاع ابن عمرو واليربوعيين فحملهم على الأفراس ؛ فأصاب ثلاثة من بني يربوع ثلاثة أرباعها، وأصاب ثلاثة من بني أسد ثلاثة أرباع السيوف، فقال في ذلك الربيل بن عمرو:
لقد علم الأقوام أنا أحقهم ... إذا حصلوا بالمرهفات البواتر
وما فتئت خيلي عشية أرمثوا ... يذودون رهواً عن جموع العشائر
لدن غدوة حتى أتى الليل دونهم ... وقد أفلحت أخرى الليالي الغوابر
وقال القعقاع في شأن الخيل:
لم تعرف الخيل العراب سواءنا ... عشية أغواث بجنب القوادس
عشية رحنا بالرماح كأنها ... على القوم ألوان الطيور الرسارس
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سليم بن عبد الرحمن السعدي، عن أبيه، قال: كان يكون أول القتال في كل أيامها المطاردة، فلما قدم القعقاع قال: يأيها الناس، اصنعوا كما أصنع، ونادى : من يبارز؟ فبرز له ذو الحاجب فقتله، ثم البيرزان فقتله، ثم خرج الناس من كل ناحية، وبدأ الحرب والطعان، وحمل بنو عم القعقاع يومئذ ؛ عشرة عشرة من الرجالة، على إبل قد ألبسوها فهي مجللة مبرقعة، وأطافت بهم خيولهم تحميهم ، وأمرهم أن يحملوا على خيلهم بين الصفين يتشبهون بالفيلة، ففعلوا بهم يوم أغواث كما فعلت فارس يوم أرماث، فجعلت تلك الإبل لا تصمد لقليل ولا لكثير إلا نفرت بهم خيلهم، وركبتهم خيول المسلمين. فلما رأى ذلك الناس استنوا بهم، فلقى فارس من الإبل يوم أغواث أعظم مما لقى المسلمون من الفيلة يوم أرماث.
وحمل رجل من بني تميم ممن كان يحمى العشيرة يقال له سواد، وجعل يتعرض للشهادة، فقتل بعد ما حمل، وأبطأت عليه الشهادة ؛ حتى تعرض لرستم يريده، فأصيب دونه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن عن العلاء بن زياد، والقاسم بن سليم عن أبيه، قالا: خرج رجل من أهل فارس، ينادى : من يبارز؟ فبرز له علباء بن جحش العجلى، فنفحه علباء، فأسحره ، ونفحه الآخر فأمعاه، وخرا ؛ فأما الفارسي فمات من ساعته، وأما الآخر فانتثرت أمعاؤه، فلم يستطع القيام، فعالج إدخالها فلم يتأدت له حتى مر به رجل من المسلمين، فقال: يا هذا، أعني على بطني، فأدخله له، فأخذ بصفاقيه ، ثم زحف صف فارس ما يلتفت إلى المسلمين، فأدركه الموت على رأس ثلاثين ذراعاً من مصرعه، إلى صف فارس، وقال:
أرجو بها من ربنا ثواباً ... قد كنت ممن أحسن الضرابا
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: وخرج رجل من أهل فارس فنادى: من يبارز؟ فبرز له الأعراف بن الأعلم العقيلي فقتله، ثم برز له آخر فقتله، وأحاطت به فوارس منهم فصرعوه، وندر سلاحه فأخذوه، فغبر في وجوههم بالتراب حتى رجع إلى أصحابه ؛ وقال في ذلك:
وإن يأخذوا بزى فإني مجرب ... خروج من الغماء محتضر النصر
وإني لحام من وراء عشيرتي ... ركوب لآثار الهوى محفل الأمر
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن عن العلاء، والقاسم عن أبيه، قالا: فحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة ؛ كلما طلعت قطعة حملة، وأصاب فيها، وجعل يرتجز ويقول:
أزعجهم عمداً بها إزعاجاً ... أطعن طعناً صائباً ثجاجا
أرجو به من جنة أفواجاً كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: قتل القعقاع يوم أغواث ثلاثين في ثلاثين حملة ؛ كلما حمل حملة قتل فيها، فكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني، وقال في ذلك القعقاع:
حبونه جيلشة بالنفس ... هدارة مثل شعاع الشمس
في يوم أغواث فليل الفرس ... أنخش بالقوم أشد النخس
حتى تفيض معشري ونفسي وبارز الأعور بن قطبة شهر براز سجستان، فقتل كل واحد منهما صاحبه، فقال أخوه في ذلك:
لم ار يوما " ً كان أحلى وأمر ... من يوم أغواث إذا افتر الثغر
من غير ضحك كان أسوا وأبر كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد ؛ وشاركهم ابن مخراق عن رجل من طيئ، قالوا: وقاتلت الفرسان يوم الكتائب فيما بين أن أصبحوا إلى انتصاف النهار ؛ فلما عدل النهار تزاحف الناس ؛ فاقتتلوا بها صتيتا حتى انتصف الليل ؛ فكانت ليلة أرماث تدعى الهدأة، وليلة أغواث تدعى السواد، والنصف الأول يدعى السواد. ثم لم يزل المسلمون يرون في يوم أغواث في القادسية الظفر، وقتلوا فيه عامة أعلامهم ؛ وجالت فيه خيل القلب، وثبت رجلهم ؛ فلولا أن خيلهم كرت أخذ رستم أخذا، فلما ذهب السواد بات الناس على مثل ما بات عليه القوم ليلة أرماث ؛ ولم يزل المسلمون ينتمون لدن أمسوا حتى تفايئوا. فلما أمسى سعد وسمع ذلك نام، وقال لبعض من عنده: إن تم الناس على الإنتماء فلا توقظني، فإنهم أقوياء على عدوهم ؛ وإن سكتوا ولم ينتم الآخرون فلا توقطنى، فإنهم على السواء فإن سمعتهم ينتمون فأيقظني ؛ فإن انتماءهم عن السوء.
فقالوا: ولما اشتد القتال بالسواد، وكان أبو محجن قد حبس وقيد، فهو في القصر، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفييه ويستقيله، فزبره ورده، فنزل، فأتى سلمى بنت خصفة، فقال: يا سلمى يا بنت آل خصفة ؛ هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عنى وتعيرينني البلقاء ؛ فلله على إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجلي في قيدي، فقالت: وما أنا وذاك! فرجع يرسف في قيوده، ويقول:
كفى حزناً أن تردى الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً على وثاقياً
إذا قمت عنانى الحديد وأغلقت ... مصاريع دونى قد تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحداً لا أخاليا
ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألا أزور الحوانيا
فقالت سلمى: إني استخرت الله ورضيت بعهدك، فأطلقته. وقالت: أما الفرس فلا أعيرها ؛ ورجعت إلى بيتها، فاقتادها فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها ؛ ثم دب عليها ؛ حتى إذا كان بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة القوم يلعب برمحه وسلاحه بين الصفين ؛ فقالوا: بسرجها، وقال سعيد والقاسم: عرياً ؛ ثم رجع من خلف المسلمين إلى المسيرة فكبر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فنذر أمام الناس، فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه ؛ وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفاً منكراً وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار، فقال بعضهم: أوائل أصحاب هاشم أو هاشم نفسه. وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس مكب من فوق القصر: والله لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن وهذه البلقاء! وقال بعض الناس: إن كان الخضر يشهد الحروب فنظن صاحب البلقاء الخضر، وقال بعضهم: لولا أن الملائكة لآ تباشر القتال لقلنا: ملك يثبتنا ؛ ولا يذكره الناس ولا يأبهون له ؛ لأنه بات في محبسه، فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج ؛ ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجليه في قيديه، وقال:
لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفاً
وأكثرهم دروعاً سابغات ... وأصبهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنا وفدهم في كل يوم ... فإن عميوا فسل بهم عريفاً
وليلة قادس لم بشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحوفا
فإن أحبس فذلكم بلائي وإن أترك أذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن، في أي شئ حبسك هذا الرجل؟ قال: أما والله ما حبسني بحرام أكتله ولا شربته ؛ ولكني كنت صاحب شراب في الجاهليه، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني، يبعثه على شفتي أحياناً، فيساء لذلك ثنائي ؛ ولذلك حبسني، قلت:
إذا مت فادفنى إلى أصل كرمة ... تروى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفننى بالفلاة فإني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
وتروى بخمر الحص لحدى فإنني ... أسير لها من عبد ما قد أسوقها
ولم تزل سلمى مغاضبة لسعد عشية أرماث، وليلة الهدأة، وليلة السواد ؛ حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن، فدعا به فأطلقه، وقال: اذهب فما مؤاخذك بشئ تقوله حتى تفعله، قال: لا جرم، والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبداً .
يوم عماسكتب إلى السرى بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد بإسنادهم، وابن مخراق عن رجل من طيئ، قالوا: فأصبحوا من اليوم الثالث ؛ وهم على مواقفهم ؛ وأصبحت الأعاجم على مواقفهم، وأصبح ما بين الناس كالرجلة الحمراء - يعني الحرة - ميل في عرض ما بين الصفين، وقد قتل من المسلمين ألفان من رثيث وميت، ومن المشركين عشرة آلاف من رثيث وميت. وقال سعد: من شاء غسل الشهداء، ومن شاء فليدفنهم بدمائهم، وأقبل المسلمون على قتلاهم فأحزروهم، فجعلوهم من وراء ظهورهم، وأقبل الذين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر، ويبلغون الرثيث إلى النساء، وحخاجب بن زيد على الشهداء، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور في اليومين: يوم أغواث، ويم أرماث، بعدوتي مشرق، فدفن ألفان وخمسمائة من أهل القادسية وأهل الأيام، فمر حاجب وبعض أهل الشهادة وولاة الشهداء في أصل نخلة بين القادسية والعذيب، وليس بينهما يومئذ نخلة غيرها، فكان الرثيث إذا حملوا فانتهى بهم إليها وأحدهم يعقل سألهم أن يقفوا به تحتها يستروح إلى ظلها، ورجل من الجرحى يدعى بجيراً، يقول وهو مستظل بظلها:
ألا اسلمى يا نخلة بين قادس ... وبين العذيب لا يجاورك النخل
ورجل من بني ضبة، أو من بني ثور يدعى غيلان، يقول:
ألا يا سلمى يا نخلة بين جرعة ... يجاورك الجمان دونك والرغل
ورجل من بني تيم الله، يقال له: ربعي سقول:
أيا نخلة الجرعاء يا جرعة العدى ... سقتك الغوادى والغيوث الهواطل
وقال الأعور بن قطبة:
أيا نخلة الركبان لا زلت فانضرى ... ولا يزال في أكناف جرعاتك النخل
وقال عوف بن مالك التيمي - ويقال التيمي تيم الرباب:
أيا نخلة دون العذيب بتلعة ... سقيت الغوادى المدجنات من النخل
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وبات القعقاع ليلته كلها يسرب أصحابه إلىالمكان الذي فارقهم فيه من الأمس، ثم قال: إذا طلعت لكم الشمس، فأقبلوا مائة مائة ، كلما توارى عنكم مائة فليتبعها مائة ؛ فإن جاء هاشم فذاك وإلا جددتم للناس رجاء وجداً، ففعلوا ولا يشعر بذلك أحد، وأصبح الناس على مواقفهم قد أحرزوا قتلاهم ؛ وخلوا بينهم وبين حاجب بن زيد وقتلى المشركين بين الصفين قد أضيعوا، وكانوا لا يعرضون لأمواتهم ، وكان مكانهم مما صنع الله للمسلمين مكيدة فتحها ليشد بها أعضاد المسلمين ؛ فلما ذر قرن الشمس والقعقاع يلاحظ الخيل، وطلعت نواصيها كبر وكبر الناس، وقالوا: جاء المدد، وقد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاءوا من قبل خفان، فتقدم الفرسان وتكتبت الكتائب، فاختلفوا الضرب والطعن، ومددهم متتابع ؛ فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم ؛ وقد طلعوا في سبعمائة، فأخبروه برأى القعقاع وما صنع في يوميه، فعبى أصحاب سبعين سبعين، فلما جاء آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم في سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة بن عبد يغوث - ولم يكن من أهل الأيام ؛ إنما أتى من اليمن اليرموك - فانتدب مع هاشم، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب ؛ كبر وكبر المسلمون ؛ وقد أخذوا مصافهم، وقال هاشم: أول القتال المطاردة ثم المراماة ؛ فأخذ قوسه، فوضع سهماً على كبدره، ثم نزع فيها، فرفعت فرسه رأسها، فخل أذنها، فضحك وقال: واسوأتاه من رمية رجل كل من رأى ينتظره أين ترون سهمي كان بالغاً؟ فقيل: العتيق، فنزقها وقد نزع السهم، ثم ضربها حتى بلغت العتيق، ثم ضربها فأقبلت به تخرقهم، حتى عاد إلى مموقفه، وما زالت مقانبه تطلع إلى الأول، وقد بات المشركون في علاج توابيتهم، حتى أعادوها، وأصبحوا على مواقفهم، وأقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة فرسان يحمونها، إذا أرادوا كتيبة دلفوا لها بفيل وأتباعه لينفروا بهم خيلهم فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس، لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش، وإذا أطافوا به كان آنس، فكان القتال كذلك، حتى عدل النهار، وكان يوم عماس من أوله إلى آخره شديداً ؛ العرب والعجم فيه على السواء، ولا يكون بينهم نقطة إلا تعاورها الرجال بالأصوات حتى تبلغ يزدجرت، فيبعث إليهم أهل النجدات ممن بقى عنده، فيقوون بهم، وأصبحت عنده للذي لقى بالأمس الأمداد على البرد، فلولا الذي صنع الله للمسلمين بالذي ألهم القعقاع في اليومين وأتاح لهم بهاشم، كسر ذلك المسلمين.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قدم هاشم بن عتيبة من قبل الشأم، معه قيس بن المكشوح المرادي في سبعمائة بعد فتح اليرموك ودمشق ؛ فتعجل في سبعين، فيهم سعيد بن نمران الهمداني. قال مجالد: وكان قيس بن أبي حازم مع القعقاع في مقدمة هاشم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن جخدب بن جرعت، عن عصمة الوابلي - وكان قد شهد القادسية - قال: قدم هاشم في أهل العراق من الشأم، فتعجل أناس ليس معه أحد من غيرهم إلا نفير، منهم ابن المكشوح ؛ فلما دنا تعجل في ثلثمائة، فوافق الناس وهم على مواقفهم، فدخلوا مع الناس في صفوفهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كان اليوم الثالث يوم عماس ؛ ولم يكن في أيام القادسية مثله ؛ خرج الناس منه على السواء، كلهم على ما أصابه كان صابراً، وكلما بلغ منهم المسلمون بلغ الكافرون من المسلمين مثله، وكلما بلغ الكافرون من المسلمين بلغ المسلمون من الكافرين مثله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الريان، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، قال: قدم هاشم بن عتبة القادسية يوم عماس، فكان لا يقاتل إلا على فرس أنثى، لا يقاتل على ذكر ؛ فلما وقف في الناس رمى بسهم، فأصاب أذن فرسه، فقال: واسوأتاه من هذه أين ترون سهمي كان بالغاً لو لم يصب أذن الفرس قالوا: كذا وكذا، فأجال فنزل وترك فرسه، ثم خرج يضربهم حتى بلغ حيث قالوا.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وكان في الميمنة.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الريان، عن إسماعيل بن محمد، قال: كنا نرى أنه كان على الميمنة، وما كان عامة جنن الناس إلا البراذع ؛ براذع الرحال، قد أعرضوا فيها الجريد، وعصب من لم يكن له وقاية رءوسهم بالأنساع .
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي كبران الحسن بن عقبة، أن قيس بن المكشوح، قال: مقدمه من الشأم مع هاشم، وقام فيمن يليه، فقال لهم: يا معشر العرب، إن الله قد من عليكم بالإسلام، وأكرمكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأصبحتم بنعمة الله إخواناً. دعوتكم واحدة، وأمركم واحد، بعد أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد، ويختطف بعضكم بعضاً اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، وتنجزوا من الله فتح فارس ؛ فإن إخوانكم من أهل الشأم قد أنجز الله لهم فتح الشأم، وانتثال القصور الحمر والحصون الحمر.
كتب إلى إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثى، عن الشعبي، قال: قال عمرو بن معد يكرب: إني حامل على الفيل ومن حوله - لفيل بإزائهم - فلا تدعوني أكثر من جزر جزور؛ فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور ؛ فأنى لكم مثل أبي ثور؟ فإن أدركتموني وجدتموني وفي يدي السيف. فحمل فما انثنى حتى ضرب فيهم، وستره الغبار، فقال أصحابه: ما تنتظرون ما أنتم بخلقاء أن تدركوه، وإن فقدتموه فقد المسلمون فارسهم، فحملوا حملة، فأفرج المشركون عنه بعد ما صرعوه وطعنوه، وإن سيفه لفي يده يضاربهم، وقد طعن فرسه، فلما رأى أصحابه، وانفرج عنه أهل فارس أخذ برجل فرس رجل من أهل فارس، فحركه الفارسي، فاضطرب الفرس، فالتفت الفارسي إلى عمرو؛ فهم به وأبصره المسلمون، فغشوه، فنزل عنه الفارسي، وحاضر إلى أصحابه، فقال عمرو: أمكنوني من لجامه، فأمكنوه منه فركبه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبدي، عن الأسواد بن قيس، عن أشياخ لهم شهدوا القادسية، قالوا: لما كان يوم عماس خرج رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر وشقشق ونادى: من يبارز؟ فخرج رجل منا يقال له شبر بن علقمة - وكان قصيراً قليلاً دميماً - فقال: يا معشر المسلمين قد أنصفكم الرجل، فلم يجبه أحد ؛ ولم يخرج إليه أحد، فقال: أما والله لولا أن تزدروني لخرجت إليه. فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه وحجفته ، وتقدم. فلما رآه الفارسي هدر، ثم نزل إليه فاحتمله، فجلس على صدره،ثم أخذ سيفه ليذبحه مقود فرسه مشدود بمنطقته، فملا استل السيف حاص الفرس حيصة فجذبه المقود، فقبله عنه، فأقبل عليه وهو يسحب، فافترشه ، فجعل أصحابه يصيحون به، فقال: صيحوا ما بدا لكم ؛ فوالله لا أفارقه حتى أقتله وأسلبه. فذبحه وسلبه، ثم أتى به سعداً، فقال: إذا كان حين الظهر فأتنى، فوافاه بالسلب، فحمد الله سعد وأثنى عليه، ثم قال: إني قد رأيت أن أنحله إياه، وكل من سلب سلباً فهو له، فباعه باثنى عشر ألفاً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: ولما رأى سعد الفيلة تفرق بين الكتائب وعادت لفعلها يوم أرماث، أرسل إلى أولئك المسلمة: ضخم، ومسلم، ورافع، وعشنق ؛ وأصحابهم من الفرس الذين أسلموا، فدخلوا عليه، فسألهم عن الفيلة: هل لها مقاتل؟ فقالوا: نعم، المشافر والعيون لا ينتفع بها بعدها. فأرسل إلى القعقاع وعاصم ابنى عمرو: اكفياني الأبيض - وكانت :لها آلفة له، وكان بإزائهما - وأرسل إلى حمال والربيل: اكفياني الفيل الجرب، وكانت آلفة له كلها، وكان بإزائهما، فأخذ القعقاع وعاصم ومحين أصمين لينين ودباً في خيل ورجل فقالا: اكتنفوه لتحيروه، وهما مع القوم، ففعل حمال والربيل مثل ذلك، فلما خالطوهما اكتنفوهما، فنظر كل واحد منهما يمنة ويسرة، وهما يريدان أن يتخبطا، فحمل القعقاع وعاصم، والفيل متشاغل بمن حوله، فوضعا ومحيهما معاً في عيني الفيل الأبيض، وقبع ونفض رأسه، فطرح سائسه ودلى مشفره، فنفحه القعقاع، فرمى به ووقع لجنبه، فقتلوا من كان عليه، وحمل حمال، وقال للربيل: اختر، إما أن تضرب المشفر وأطعن في عينه، أو تطعن في عينه وأضرب مشفره ؛ فاختار الضرب، فحمل عليه حمال وهو متشاغل بملاحظة من اكتنفه ؛ لا يخاف سائسه إلا على بطانه، فانفرد به أولئك، فطعنه في عينه، فأقعى؛ ثم استوى ونفحه الربيل، فأبان مشفره وبصر به سائسه، فبقر أنفه وجبينه بفأسه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن الشعبي، قال: قال رجلان من بني أسد؛ يقال لهما الربيل وحمال: يا معشر المسلمين أي الموت أشد؟ قالوا: أن يشد على هذا الفيل، فنزقا فرسيهما حتى إذا قاما على السنابك ضرباهما على الفيل الذي بإزائهما، فطعن أحدهما في عين الفيل، فوطئ الفيل من خلفه، وضرب الآخر مشفره، فضربه سائس الفيل ضربه شائنة بالطبرزين في وجهه ؛ فأفلت بها هو والربيل، وحمل القعقاع وأخوه على الفيل الذي بإزائهما، ففقآ عينه، وقطعا مشفره، فبقي متلدداً بين الصفين ؛ كلما أتى صف المسلمين وخزوه، وإذا أتى صف المشركين نخسوه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبي، قال: كان في الفيلة فيلان يعلمان الفيلة، فلما كان يوم القادسية حملوهما على القلب ؛ فأمر بهما سعد القعقاع وعاصماً التميميين وحمالا والربيل الأسديين ؛ فذكر مثل الأول إلا أن فيه: وعاش بعد، وصاح الفيلان صياح الخنزير، ثم ولى الأجرب الذي عور، فوثب في العتيق، فاتبعه الفيلة ؛ فخرقت صف الأعاجم فعبرت العتيق في أثره، فأتت المدائن في توابيتها، وهلك من فيها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد ؛ قالوا: فلما ذهبت الفيلة، وخلص المسلمون بأهل فارس، ومال الظل تزاحف المسلمون، وحماهم فرسانهم الذين قاتلوا أول النهار، فاجتلدوا بها حتى أمسوا على حرد ؛ وهم في ذلك على السواء، لأن المسلمين حين فعلوا بالفيول ما فعلوا، تكتبت كتائب الإبل المجففة ، فعرقبوا فيها ؛ وكفكفوا عنها. وقال في ذلك القعقاع بن عمرو:
حضض قومي مضرحي بن يعمر ... فلله قومي حين هزوا العواليا
وما خام عنها يوم سارت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا
فإن كنت قاتلت العدو فللته ... فإني لألقى في الحروب الدواهيا
فيولا أراها كالبيوت مغيرة ... أسمل أعياناً لها ومآقيا
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما أمسى الناس من يومهم ذلك، وطعنوا في الليل ؛ اشتد القتال وصبر الفريقان، فخرجا علىالسواء إلا الغماغم من هؤلاء وهؤلاء، فسميت ليلة الهرير ؛ لم يكن قتال بليل بعدها بالقادسية.
قال أبو جعفر: كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن جيش ؛ أن سعداً بعث ليلة الهرير طليحة وعمراً إلى مخاضة أسفل من العسكر ليقوما عليها خشية أن يأتيه القوم منها ؛ وقال لهما: إن وجدتما القوم قد سبقوكما إليها فانزلا بحيالهم ؛ وإن لم تجداهم علموا بها، فأقيما حتى بأتيكما أمري كان عمر قد عهد إلى سعد ألايولي رؤساء أهل الردة على مائة - فلما انتهيا إلى المخاضة فلم يريا فيها أحداً، قال طليحة: لو خضنا فأتينا الأعاجم من خلفهم فقال عمرو: لا، بل نعبر أسفل ؛ فقال طليحة: إن الذي أقوله أنفع للناس، فقال عمرو: إنك تدعوني إلى مالا أطيق ، فافترقا، فأخذ طليحة نحو العسكر من وراء العتيق وحده، وسفل عمرو بأصحابهما جميعاً، فأغاروا، وثارت بهم الأعاجم، وخشى سعد منهما الذي كان فبعث قيس ين المكشوح في آثارهما في سبعين رجلاً، وكان من أولئك الرؤساء الذين نهى عنهم أن يوليهم المائة، وقال: إن احقتهم فأنت عليهم. فخرج نحوهم، فلما كان عند المخاضة وجد القوم يكردون عمراً وأصحابه، فنهنه الناس عنه، وأقبل قيس على عمرو ويلومه، فتلاحيا، فقال أصحابه: إنه قد أمر عليك ؛ فسكت ، وقال: يتأمر على رجل قد قاتلته في الجاهلية عمر رجل فرجع إلى العسكر، وأقبل طليحة حتى إذا كان بحيال السكر، كبر ثلاث تكبيرات ؛ ثم ذهب، فطلبه القوم فلم يدروا أين سلك ؟ وسفل حتى خاض، ثم أقبل إلى العسكر، فأتى سعداً فأخبره ؛ فاشتد ذلك على المشركين، وفرح المسلمون وما يدرون ما هو؟ كتب إلى السرى، ع، شعيب، عن سيف، عن قدامة الكاهلي، عمن حدثه، أن عشرة إخوة من بني كاهل بن أسد، يقال لهم بنو حرب ؛ جعل أحدهم يرتجز ليلتئذ، ويقول:
أنا ابن حرب ومعي مخراقي ... أضربهم بصارم رقراق
إذ كره الموت أبو إسحاق ... وجاشت النفس على التراقي
صبراً عفاق إنه الفراق وكان عفاق أحد العشرة، فأصيب فخذ صاحب هذا الشعر يومئذ، فأنشأ يقول:
صبراً عفاق إنها الأساورة ... صبراً ولا تغررك رجل نادره
فمات من ضربته يومئذ كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، عن حميد بن أبي شجار، قال: بعث سعد طليحة في حاجة فتركها، وعبر العتيق ؛ فدار إلى عسكر القوم ، حتى إذا وقف على ردم النهر كبر ثلاث تكبيرات، فراغ أهل فارس، وتعجبت المسلمون، فكف بعضهم عن بعض للنظر في ذلك، فأرسلت الأعاجم في ذلك، وسأل المسلمون عن ذلك. ثم أنهم عادوا وجدوا تعبية، وأخذوا في أمر لم يكونوا عليه في الأيام الثلاثة، والمسلمون على تعبيتهم، وجعل طليحة يقول: لا تعدموا امرأ ضعضعكم. وخرج مسعود بن مالك الأسدي وعاصم بن عمرو التيمي وابن ذي البردين الهلالي وابن ذي السهمين وقيس بن هبيرة الأسدي ؛ وأشباهههم، فطاردوا القوم، وانبعثوا للقتال، فإذا القوم لمة لا يشدون، ولا يريدون غير الزحف ؛ فقدموا صفاً له أذنان، وأتبعوا آخر مثله، وآخر وآخر، حتى تمت صفوفهم ثلاثة عشر صفاً في القلب والمجنبتين كذلك ؛ فملا أقدم عليهم فرسان العسكر راموهم فلم يعطفهم ذلك عن ركوبهم؛ ثم لحقت بالفرسان الكتائب، فأصيب ليلتئذ خالد بن يعمر التيمي، ثم العمري؛ فحمل القعقاع على ناحية التي رمى بها مزدلفاً، فقاموا على ساق، فقال القعقاع :
سقى الله يا خوصاء قبر ابن يعمر ... إذا ارتحل السفار لم يترحل
سقى الله أرضاً حلها قبر خالد ... ذهاب غواد مدجنات تجلجل
فأقسمت لا ينفك سيفى يحسهم ... فإن زحل الأقوام لم أتزحل
فزاحفهم والناس على راياتهم بغير إذن سعد ؛ فقال سعد: اللهم اغفرها له، وانصره قد أذنت له إذ لم يستأذني، والمسلمون على مواقفهم، إلا من تكتب أو طاردهم وهم ثلاثة صفوف، فصف فيه الرجالة أصحاب الرماح والسيوف، وصف فيه الميرامية، وصف فيه الخيول ، وهم أمام الرجالة ، وكذلك الميمنة، وكذلك الميسرة. وقال سعد: إن الأمر الذي صنع القعقاع، فإذا كبرت ثلاثاً فازحفوا، فكبر تكبيرة فتهيئوا، ورأى الناس كلهم مثل الذي رأى والرحى تدور على القعقاع ومن معه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عبد الأعلى، عن عمرو بن مرة، قال: وقام قيس بن هميرة المرادي فيمن يليه، ولم يشهد شيئاً من لياليها إلا تلك الليلة ؛ فقال: إن عدوكم قد أبى إلا المزاحفة، والرأى رأى أميركم ، وليس بأن تحمل الخيل ليس معها الرجالة، فإن القوم إذا زحفوا وطاردهم عدوهم على الخيل لا رجال معهم عقروا بهم ؛ ولم يطيقوا أن يقدموا عليهم، فتيسروا للحملة. فتيسروا وانتظروا التكبيرة وموافقة حمل الناس ؛ وإن نشاب الأعاجم لتجوز صف المسلمين.
كتب إلى، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عمن حدثه، قال: وقال دريد بن كعب النخعي، وكان معه لواء النخع: إن المسلمين تهيئوا للمزاحفة، فاسبقوا المسلمين الليلة إلى الله والجهاد، فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سيقه؛ نافسوهم في الشهادة، وطيبوا بالموت نفساً؛ فإنه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا مالآخرة ما أردتم.
كتب إلىالسرى، عن شعيب، عن سيف، عن الأجلح، قال: قال الأشعث بن قيس: يا معشر العرب ؛ إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت، ولا أسخى أنفسناً عن الدنيا، تنافسوا الأزواج والأولاد، ولا تجزعوا من القتل، فإنه أماني الكرام، ومنايا الشهداء، وترجل.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، قال: قال حنظلة بن الربيع وأمراء الأعشار: ترجلوا أيها الناس، وافعلوا كما نفعل، ولا تجزعوا مما لا بد منه، فالصبر أنجى من الفزع. وفعل طليحة وغالب وحمال وأهل النجدات من جميع القبائل مثل ذلك.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والنضر بن السرى، قالا: ونزل ضرار بن الخطاب القرشي، وتتابع على التسرع إليهم الناس كلهم فيها ين تكبيرات سعد حين استبطئوا. فلما كبر الثانية، حمل عاصم بن عمرو حتى انضم إلى القعقاع، وحملت النخع، وعصى الناس كلهم سعداً، فلم ينتظر الثالثة إلا الرؤساء، فلما كبر الثالثة زحفوا فلحقوا بأصحابهم، وخالطوا القوم، فاستقبلوا الليل استقبالا بعد ما صلوا العشاء.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله بن أبي طبية، عن أبيه، قال: حمل ليلة الهرير عامة ؛ ولم ينتظروا بالحملة سعداً، وكان أول من حمل القعقاع، فقال: اللهم اغفرها له وانصره. وقال: واتميماه سائر الليلة ؟ ثم قال: أرى الأمر ما فيه هذا ، فإذا كبرت ثلاثاً فاخملوا. فكبر واحدة فلحقتهم أسد، فقيل: قد حملت أسد، فقال: اللهم اغفرها لهم وانصرهم ؛ واأساه سائر الليلة؟ ثم قيل؟ ثم قيل: حملت بجلية، فقال: اللهم اغفرها لهم، وانصرهم ؛ وابجيلتاه ؟ ثم حملت الكنود، فقيل: حملت كندة، فقال: واكندتاه ثم زحف الرؤساء بمن انتظر التكبيرة، فقامت حربهم على ساق حتى الصباح، فذلك ليلة الهرير.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نويرة، عن عنه أنس بن الحليس، قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغاً، بات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستم وسعد، وأقبل سعد على الدعاء، حتى إذا كان وجه الصبح، انتهى الناس فاستدل بذلك على أنهم الأعلون، وأن الغلبة لهم.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الأعور بن بنان المنقري، قال: أول شئ سمعه سعد ليلتئذ مما يستدل به على الفتح في نصف الليل الباقي صوت القعقاع بن عمرو وهو يقول:
نحن قتلنا معشراً وزائداً ... أربعة وخمسة وواحداً
نحسب فوق اللبد الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوتن جاهداً
الله ربي، واحترزت عامداً كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الأعور ومحمد عن عمه، والنضر عن ابن الرفيل، قالوا: اجتلدوا تلك الليلة من أولها حتى الصباح لا ينطقون، كلامهم الهرير، فسميت ليلة الهرير.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن الريان، عن مصعب بن سعد، قال: بعث سعد في تلك الليلة بجاداً وهو غلام إلى الصف، إذ لم يجد رسولاً، فقال: انظر ما ترى من حالهم ؛ فرجع فقال: ما رأيت أي بني؟ قال: رأيتهم يلبعون، فقال: أو يجدون! كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن جرير العبدي، عن عابس الجعفى، عن أبيه، قال: كانت بإزاء جعفى يوم عماس كتبة من كتائب العجم، عليهم السلاح التام، فازدلفوا لهم، فجالدوهم بالسيوف، فرأوا أن السيوف لا تعمل في الحديد فارتدعوا، فقال حميضة: ما لكم؟ قالوا: لا يجوز فيهم السلاح، قال: كما أنتم حتى أريكم، انظروا. فحمل على رجل منهم، فدق ظهره بالرمح، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: ما أراهم إلا يموتون دونكم. فحملوا عليهم فأزالوهم إلى صفهم.
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: لا والله ما شهدها من كندة خاصة إلا سبعمائة ؛ وكان بإزائهم ترك الطبرى، فقال الأشعث: يا قوم ازحفوا لهم، فزحف لهم في سبعمائة، فأزالهم وقتل تركاً، فقال راجزهم:
نحن تركنا في المصطره ... مختضباً من بهران الأبهره
ليلة القادسيةكتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وأصبحوا ليلة القادسية ؛ وهي صبحة ليلة الهرير، وهي تسمى ليلة القادسية، من بين تلك الأيام والناس حسرى، لم يغمضوا ليلتهم كلها، فسار القعقاع في الناس، فقال: إن الدبرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر. فآثروا الصبر على الجزع ؛ فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء وصمدوا لرستم، حتى خالطوا الذين دونه مع الصبح
ولما رات ذلك القبائل قام فيها رجال، فقام قيس بن عبد يغوث والأشعث بن قيس وعمرو بن معد يكرب وابن ذي السهمين الخثعمى وابن ذي البردين الهلالي، فقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم، ولا يكونن هؤلاء - لأهل فارس - أجرأ على الموت منكم ؛ ولا اسخى أنفساً عن الدنيا، تنافسوها. فحملوا مما يليهم حتى خالطوا الذين يإزائهم وقام في ربيعة رجال، فقالوا: أنتم أعلم الناس بفارس وأجرؤهم عليهم فيما مضى ؛ فما يمنعكم اليوم أن تكونوا أجرأ مما كنتم بالجرأة! فكان أول من زال حين قام قائم الظهيرة الهزمزان والبيرزان، فتأخرا وثبتا حيث انتهيا، وانفرج القلب حين قام قائم الظهيرة، وركد عليهم النقع، وهبت ريح عاصف، فقلعت طيارة رستم عن سريره، فهوت في العتيق ؛ وهي ذبور، ومال الغبار عليهم، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين طارت الريح بالطيارة إلى بغال قد قدمت عليه بمال يومئذ فهي واقفة، فاستظل في ظل بغل وحمله، وضرب هلال بن علفة الحمل الذي رستم تحته ؛ فقطع حباله، ووقع عليه أحد العدلين، ولا يراه هلال ولا يشعر به ؛ فأزال من ظهره فقاراً، ويضربه ضربه فنفحت مسكاً، ومضى رستم نحو العتيق فرمى بنفسه فيه، واقتحمه هلال عليه ؛ فتناوله وقد عام ؛ وهلال قائم، فأخذ برجله، ثم خرج به إلى الجد ، فضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم جاء به حتى رمى به بين أرجل البغال، وصعد السرير، ثم نادى: قتلت رستم ورب الكعبة ؛ إلى ؛ فأطافوا به وما يحسون السرير ولا يرونه ؛ وكبروا وتنادوا، وانبت قلب المشركين عندها وانهزموا ، وقام الجالنوس على الردم، ونادى أهل فارس إلى العبور، وانسفر الغبار ؛ فأما المقترنون فإنهم جشعوا فتهافتوا في العتيق، فوخزهم المسلمون برماحهم فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفاً، وأخذ ضرار بن الخطاب درفش كابيان، فعوض منها ثلاثين ألفاً وكانت قيمتها ألف ألف ومائتي ألف، وقتلوا في المعركة عشرة آلاف سوى من قتلوا في الأيام فبله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن عمرو بن سلمة، قال: قتل هلال بن علفة رستم يوم القادسية.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن مخراق، عن أبي كعب الطائي، أبيه قال: أصيب من الناس قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة، وقتل ليلة الهرير ويم القادسية ستة آلاف من المسلمين، فدفنوا في الخندق بحيال مشرق.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: لما انكشف أهل فارس ؛ فلم يبق منهم بين الخندق والعتيق أحد، وطبقت القتلى ما بين قديس والعتيق أمر سعد زهرة باتباعهم، فنادى زهرة في المقدمات، وأمر القعقاع بمن سفل، وشرحبيل بمن علا، وأمر خالد بن عرفطة بسلب القتلى وبدفن الشهداء، فدفن الشهداء ، شهداء ليلة الهرير ويوم القادسية ، حول قديس ألفان وخمسمائة وراء العتيق بحيال مشرق، ودفن شهداء ما كان قبل ليلة الهرير على مشرق، وجمعت الأسلاب والأموال فجمع منها شئ لم يجمع قبله ولا بعده مثله ؛ وأرسل سعد إلى هلال، فدعا له، فقال: أين صاحبك؟ قال: رميت به تحت أبغل ؛ قال: اذهب فجئ به، فذهب فجاء به، فقال: جرده إلا ما شئت، فأخذ سلبه فلم يدع عليه شيئاً، ولما رجع القعقاع وشرحبيل قال لهذا: أغد فيما طلب هذا، وقال لهذا: أغد فيما طلب هذا ؛ فعلا هذا، وسفل هذا، حتى بلغا مقدار الحرارة من القادسية، وخرج زهرة بن الحوية في آثارهم، وانتهى إلى الردم وقد بثقوه ليمنعوهم به من الطلب، فقال زهرة: يا بكير، أقدم، فضرب فرسه، وكان يقاتل على الإناث، فقال: ثبي أطلال، فتجمعت وقالت: وثبا وسورة البقرة! ووثب زهرة - وكان عن حصان - وسائر الخيل فاقتحمته، وتتابع على ذلك ثلثمائة فارس، ونادى زهرة حيث كاعت الخيل: خذوا أيها الناس على القنطرة، وعارضونا، فمضى ومضى الناس إلى القنطرة يتبعونه، فلحق بالقوم والجالنوس في آخرهم يحميهم، فشاوله زهرة، فاختلفا ضربتين، فقتله زهرة، وأخذ سلبه، وقتلوا ما بين الحرارة إلى السيلحين، إلى النجف؛ وأمسوا فرجعوا فباتوا بالقادسية.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة، عن شقيق، قال: اقتحمنا القادسية صدر النهار، فتراجعنا وقد أتى الصلاة ؛ وقد أصيب المؤذن، فتشاح الناس في الأذن حتى كادوا أن يجتلدوا بالسيوف، فأقرع سعد بينهم ؛ فخرج سهم رجل فأذن.
ثم رجع الحديث. وتراجع الطلب الذين طلبوا من علا على القادسية ومن سفل عنها، وقد أنى الصلاة وقد قتل المؤذن فتشاحوا على الأذن، فأقرع بينهم سعد، وأقاموا بقية يومهم ذلك وليلتهم حتى رجع زهرة، وأصبحوا وهم جميع لا ينتظرون أحداً من جندهم ؛ وكتب سعد بالفتح وبعدة من قتلوا ومن أصيب من المسلمين، وسمى لعمر من يعرف مع سعد بن عميلة الفزاري.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن النضر، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: دعاني سعد، فأرسلني أنظر له في القتلى، وأسمى له رءوسهم، فأتيته فأعلمته، ولم أر رستم في مكانه، فأرسل إلى رجل من التيم يدعى هلالاً، فقال: ألم تبلغني أنك قتلت رستم ! قال: بلى، قال: فما صنعت به؟ قال: ألقته تحت قوائم الأبغل، قال: فكيف قتله؟ فأخبره، حتى قال: ضربت جبينه وأنفه. قال: فجئنا به، فأعطاه سلبه، وكان قد تخفف حين وقع إلى الماء، فباع الذي عليه بسبعين ألفاً، وكانت قيمة قلنسوته مائة ألف لو ظفر بها. وجاء نفر من العباد حتى دخلوا على سعد، فقالوا: أيها الأمير ؛ رأينا جسد رستم على باب قصرك وعليه رأس غيره ؛ وكان الضرب قد شوهه ؛ فضحك.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد، قالوا: وقال الديلم ورؤساء أهل المسالح الذين استجابوا للمسلمين، وقاتلوا معهم على غير الإسلام: إخواننا الذين دخلوا في هذا الأمر من أول الشأن أصوب منا خير، ولا والله لا يفلح اهل فارس بعد رستم إلا من دخل في هذا الأمر منهم ؛ فأسلموا ؛ وخرج صبيان العسكر في القتلى، ومعهم الأداوى يسقون من به رمق من المسلمين، ويقتلون من به رمق من المشركين، وانحدروا من العذيب مع العشاء. قال: وخرج زهرة في طلب الجالنوس، وخرج القعقاع وأخوة وشرحبيل في طلب من ارتفع وسفل، فقتلوهم في كل قرية وأجمة وشاطئ نهر، ورجعوا فوافوا صلاة الظهر، وهنأ الناس أميرهم، وأثنى على كل حي خيراً، وذكره منهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، قال: خرج زهرة حتى أدرك الجالنوس ؛ ملكاً من ملوكهم ؛ بين الحرارة والسيلحين، وعليه يارقان وقلبان وقرطان على برذون له قد خضد، فحمل عليه، فقتله. قال: والله إن زهرة يومئذ لعلى فرس له ما عنانها إلا من حبل مضفور كالمقود، وكذلك حزامها شعر منسوج، فجاء بسلبه إلى سعد، فعرف الأسارى الذين عند سعد سلبه، فقالوا: هذا سلب الجالنوس، فقال له سعد: هل أعانك عليه أحد؟ قال: نعم، قال: من ؟ قال: الله، فنفله سلبه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم، قال: كان سعد استكثر له سلبه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر: إني قد نفلت من قتل رجلاً سلبه ؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفاً.
وعن سيف، عن البرمكان، والمجالد عن الشعبي، قالك لحق به زهرة، فرفع له الكرة فما يخطئها بنشابة، فالتقيا فضربه زهرة فجد له - ولزهرة يومئذ ذاؤبه وقد سود في الجاهلية، وحسن بلاؤه في الإسلام وله سابقة، وهو يومئذ شاب - فتذرع زهرة ما كان على الجالنوس، فبلغ بضعة وسبعين ألفاً. فلما رجع إلى سعد نزع سلبه، وقال: ألا انتظرت إذني! وتكاتبا، فكتب عمر إلى سعد: تعمد إلى مثل زهرة - وقد صلى بمثل ما صلى به، وقد بقى عليك من حربك ما بقى - تكسر قرنه، وتفسد قلبه! أمض له سلبه، وفضله على أصحابه عند العطاء بخمسمائة.
وعن سيف، عن عبيد، عن عصمة، قال: كتب عمر إلى سعد: أنا أعلم بزهرة منك، وإن زهرة لم يكن ليغيب من سلب سلبه شيئاً ؛ فإن كان الذي سعى به إليك كاذباً فلقاه الله مثل زهرة، في عضديه يا رقان ؛ وإني قد نفلت كل من قتل رجلاً سلبه ؛ فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفاً.
وعن سيف، عن عبيدة، عن إبراهيم وعامر، أن أهل البلاء يوم القادسية فضلوا عند العطاء بخمسمائة خمسمائة في أعطياتهم، خمسة وعشرين رجلاً ؛ منهم زهرة، وعصمة الضبى، والكلج. وأما أهل الأيام، فإنه فرض لهم على ثلاثة آلاف فضلوا على أهل القادسية.
وعن سيف، عن عبيدة، عن يزيد الضخم، قال: فقيل لعمر: لو ألحقت بهم أهل القادسية! فقال: لم أكن لألحق بهم من لم يدركهم. وقيل له في أهل القادسية. لو فضلت من بعدت داره على من قاتلهم بفنائه! قال: وكيف أفضلهم عليهم على بعد دارهم، وهم شجن العدو، وما سويت بينهم حتى استطبتهم ؛ فهلا فعل المهاجرون بالأنصار إذ قاتلوا بفنائهم مثل هذا!
وعن سيف، عن المجالد، عن الشعبي، وسعيد بن المرزبان عن رجل من بني عبس، قال: لما زال رستم عن مكانه ركب بغلاً، فلما دنا منه هلال نزع له نشابة، فأصاب قدمه فشكها في الركاب، وقال: بيابه ، فأقبل عليه هلال. فنزل فدخل تحت البغل، فلما لم يصل إليه قطع عليه المال، ثم نزل إليه ففلق هامته.
وعن سيف، عن عبيدة، عن شقيق، قال: حملنا على الأعاجم يوم القادسية حملة رجل واحد، فهزمهم الله، فلقد رأيتني أشرت إلى أسوار منهم فجاء إلى وعليه التام، فضربت عنقه، ثم أخذت ما كان عليه.
وعن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن رجل من بني عبس، قال: أصاب أهل فارس يومئذ بعد ما انهزموا ما أصاب الناس قبلهم ؛ قتلوا حتى إن كان الرجل من المسلمين ليدعوا الرجل منهم فيأتيه حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه، وحتى إنه ليأخذ سلاحه فيقتله به، وحتى إنه ليأمر الرجلين أحدهما بصاحبه ؛ وكذلك في العدة.
وعن سيف، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عمن شهدها، قال: أبصر سلمان بن ربيعة الباهلي أناساً من الأعاجم تحت راية لهم قد حفروا لها، وجلسوا تحتها، وقالوا لا نبرح حتى نموت، فحمل عليهم فقتل من كان تحتها وسلبهم. وكان سلمان فارس الناس يوم القادسية وكان أحد الذين مالوا بعد الهزيمة على من ثبت، والآخر عبد الرحمن بن ربيعة ذو النور، ومال على آخرين قد تكتبوا، ونصبوا للمسلمين فطحنهم بخيله.
وعن سيف، عن الغصن، عن القاسم، عن البهى، أن الشعبي قال: كان يقال: لسلمان أبصر بالمفاصل من الجازر بمفاصل الجزور. فكان موضع المحبس اليوم دار عبد الرحمن بن ربيعة، والتي بينها وبين دار المختار دار سليمان ؛ وإن الأشعث بن قيس استقطع فناء كان قدامها، هو اليوم في دار المختار، فأقطعه فقال له: ما جرأك على يا أشعث؟ والله لئن حزتها لأضربنك بالجنثى - يعنى سيفه - فانظر ما يبقى منك بعد فصدف عنها ولم يتعرض لها.
وعن سيف، عن المهلب ومحمد وطلحة وأصحابه، قالوا: وثبت بعد الهزيمة بضع وثلاثون كتيبة، واستقتلوا واستحيوا من الفرار، فأبادهم الله، فصمد لهم بضعةوثلاثون من رؤساء المسلمين، ولم يتبعوا فاله القوم، فصمد سلمان بن ربيعة لكتبية وعبد الرحمن بن ربيعة ذو النور لأخرى ؛ وصمد لكل كتيبة منها رأس من رؤساء المسلمين. وكان قتال أهل هذه الكتائب، من أهل فارس على وجهين ؛ فمنهم من كذب فهرب، ومنهم من ثبت حتى قتل ؛ فكان ممن هرب من أمراء تلك الكتائب الهرمزان وكان بإزاء عطارد، وأهود وكان بإزاء حنظلة بن الربيع، وهو كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وزاد بن بهيش وكان بإزاء عاصم بن عمرو، وقارن وكان بإزاء القعقاع بن عمرو ؛ وكان ممن استقتل شهريار بن كنار وكان بإزاء سلمان. وابن الهربذ وكان بإزاء عبد الرحمن، والفرخان الأهوازي بإزاء يسر بن أبي رهم الجهني، وحشر وشنوم والهمذاني وكان بحيال ابن الهذيل الكاهلي.
ثم إن سعداً أتبع بعد ذلك القعقاع وشرحبيل من صوب في هزيمته أو صعد عن العسكر وأتبع زهرة بن الحوية الجالنوس.
ذكر حديث ابن سحاق:
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ومات المثنى بن حارثة، وتزوج سعد بن أبي وقاص امرأته سلمى ابنة خصفة وذلك في سنة أربع عشرة. وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب. ودخل أبو عبيدة بن الجراح تلك السنة دمشق، فشتا بها، فلما أصافت الروم سار هرقل في الروم حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلى وعاملة، وتلك القبائل من قضاعة، غسان بشر كثير ؛ ومعه من أهل أرمينية مثل ذلك، فلما نزلها أقام بها، وبعث الصقلار ؛ خصياً له، فسار بمائة ألف مقاتل، معه من أهل أرمينة اثنا عشر ألفاً، عليهم جرحة، ومعه من المستعربة من غسان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفاً عليهم جبلة بن الأيهم العساني، وسائرهم من الروم ؛ وعلى جماعة الناس الصقلار خصى هرقل ؛ وسار إليهم المسلمون وهم أربعة وعشرون ألفاً عليهم أبو عبيدة بن الجراح، فالتقوا باليرموك في رجب سنة خمس عشرة ؛ فاقتتل الناس قتالاً شديداً حتى دخل عسكر المسلمين، وقاتل نساء من نساء قريش بالسيوف حين دخل العسكر - منهن أم حكيم بنت الحارث بن هشام - حتى سابقن الرجال، وقد كان انضم إلى المسلمين حين ساروا إلى الروم ناس من لخم وجذام ؛ فلما رأوا جد القتال فروا ونجوا إلى ما كان قربهم من القرى، وخذلوا المسلمين.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محي بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: قال قائل من المسلمين حين رأى من لخم وجذام ما رأى:
القوم لخم وجذام في الهرب ... ونحن والروم بمرج نضطرب
فإن يعودوا بعدها لا نصطحب حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب ابن كيسان، عن عبد الله بن الزبير، قال: كنت مع أبي الزبير عام اليرموك؛ فلما تعبى المسلمون للقتال، لبس الزبير لأمته، ثم جلس على فرسه، ثم قال لموليين له: احبسا عبد الله بن الزبير معكما في الرحل ؛ فإنه غلام صغير. قال: ثم توجه فدخل في الناس ؛ فلما اقتتل الناس والروم نظرت إلى ناس وقوف على تل لا يقاتلون مع الناس. قال: فأخذت فرساً للزبير كان خلفه في الرحل فركبته، ثم ذهبت إلى أولئك الناس فوقفت معهم ؛ فقلت: أنظر ما يصنع الناس ؛ فإذا أبو سفيان بن حرب في مشيخة من قريش من مهاجرة الفتح وقوفاً لا يقاتلون ؛ فلما رأوني رأوا غلاماً حدثا، فلم يتقوني. قال: فجعلوا والله إذا مال المسلمون وركبتهم الحرب، للروم يقولون: إيه بلأ صفر ! فإذا مالت الروم وركبهم المسلمون، قالوا: يا ويح بلأ صفر! فجعلت أعجب من قولهم، فلما هزم الله الروم ورجع الزبير، جعلت أحدثه خبرهم. قال: فجعل يضحك ويقول: قاتلهم الله، أبوا إلا ضغناً! ماذا لهم إن يظهر علينا الروم! لنحن خير لهم منهم.
ثم إن الله تبارك وتعالى أنزل نصره، فهزمت الروم وجموع هرقل التي جمع فأصيب من الروم أهل إرمينية والمستعربة سبعون ألفاً، وقتل الله الصقلار وباهان ؛ وقد كان هرقل قدمه مع الصقلار حين لحق به، فملا هزمت الروم بعث أبو عبيدة عياض بن غنم في طلبهم، فسلك الأعماق حتى بلغ ملطية، فصالحه أهلها على الجزية، ثم انصرف ، ولما سمع هرقل بذلك بعث إلى مقاتلتها ومن فيها، فساقهم إليه، وأمر بملطية فحرقت. وقتل من المسلمين يوم اليرموك من قريش من بني أمية بن عبد شمس عمرو بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد بن العاص ؛ ومن بني مخزوم عبد الله بن سفيان بن عبد الأسد، ومن بني سهم سعيد بن الحارث بن قيس.
قال: وفي آخر سنة خمس عشرة، قتل الله رستم بالعراق ؛ وشهد أهل اليرموك حين فرغوا منه يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص، وذلك أن سعداً حين حسر عنه الشتاء، سار من شراف يريد القادسية، فسمع به رستم، فخرج إليه بنفسه ؛ فلما سمع بذلك سعد وقف، وكتب إلى عمر يستمده ؛ فبعث إليه عمر المغيرة بن شعبة الثقفي في أربعمائة رجل مدداً من المدينة، وأمده بقيس بن مكشوح المرادي في سبعمائة، فقدموا عليه من اليرموك، وكتب إلى أبي عبيدة: أن أمد سعد بن أبي وقاص أمير العراق بألف رجل من عندك ؛ ففعل أبو عبيدة، وأمر عليهم عياض بن غنم الفهري ؛ وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة.
وقد كان لكسرى مرابطة في قصر بني مقاتل، عليها النعمان بن قبيصة ؛ وهو ابن حية الطائي ابن عم قبيصة بن إياس بن حية الطائي صاحب الحيرة ؛ فكان في منظرة له، فلما سمع بسعد بن أبي وقاص سأل عنه عبد الله بن سنان ابن جرير الأسدي ؛ ثم الصيداوى، فقيل له: رجل من قريش، فقال: أما إذ كان قرشياً فليس بشئ ؛ والله لأجاهدنه القتال ؛ إنما قريش عبيد من غلب ؛ والله ما يمنعون خفيراً، ولا يخرجون من بلادهم إلا بخفير ؛ فغضب حين قال ذلك عبد الله بن سنان الأسدي، فأمهله حتى إذا دخل عليه وهو نائم، فوضع الرمح بين كتفيه فقتله، ثم لحق بسعد فأسلم. وقال في قتله النعمان بن قبيصة:
لقد غادر الأقوام ليلة أدلجو ... بقصر العبادى ذا الفعال مجدلا
دلفت له تحت العجاج بطعنة ... فأصبح منها في النجيع مرملاً
أقول له والرمح في نغض كتفه ... أبا عامر عنك اليمين تحللا
سقيت بها النعمان كأساً روية ... وعاطيته بالرمح سماً مثملاً
تركت سباع الجو يعرفن حوله ... وقد كان عنها لأبن حية معزلا
كفيت قريشاً إذ تغيب جمعها ... وهدمت للنعمان عزاً مؤثلا
ولما لحق سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة وقيس بن مكشوح فيمن معهما، سار إلى رستم حين سمع به حتى نزل قادس - قرية إلى جانب العذيب - فنزل الناس بها، ونزل سعد في قصر العذيب، وأقبل رستم في جموع فارس ستين ألفاً مما أحصى لنا في ديوانه، سوى التباع والرقيق، حتى نزل القادسية وبينه وبين الناس جسر القادسية، وسعد في منزله وجع، قد خرج به قرح شديد، ومعه أبو محجن بن حبيب الثقفي محبوس في القصر، حبسه في شرب الخمر، فلما أن نزل بهم رستم بعث إليهم أن ابعثوا إلى رجلاً منكم جليداُ أكلمه، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة، فجاءه وفد فرق رأسه أربع فرق: فرقة من بين يديه إلى قفاه، وفرقة إلى أذنيه، ثم عقص شعره، ولبس برداً له، ثم أقبل حتى انتهى إلى رستم، ورستم من وراء الجسر العتيق مما يلي العراق، والمسلمون من ناحيته الأخرى مما يلي الحجاز فيما بين القادسية والعذيب، فكلمه رستم، فقال: إنكم معشر العرب كنتم أهل شقاء وجهد، وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد، فأكلتم من طعامنا، وشربتم من شرابنا، واستظللتم من طلالنا ؛ فذهبتم فدعوتم أصحابكم، ثم أتيتمونا بهم، وإنما مثلكم مثل رجل كان له حائط من عنب، فرأى فيه ثعلباً واحداً، فقال: ما ثعلب واحد ! فانطلق الثعلب، فدعا الثعالب إلى الحائط ؛ فلما اجتمعن فيه جاء الرجل فسد الجحر الذي دخلن منه، ثم قتلهن جميعاً. وقد أعلم أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي قد أصابكم ؛ فارجعوا عنا عامكم هذا، فإنكم قد شغلتمونا عن عمارة بلادنا، وعن عدونا، ونحن نوقر لكم ركائبكم قمحاً وتمراً، ونأمر لكم بكسوة، فارجعوا عنا عافاكم الله! فقال المغيرة بن شعبة: لا تذكر لنا جهداً إلا وقد كنا في مثله أو أشد منه ؛ أفضلنا في أنفسنا عيشاً الذي يقتل ابن عمه، ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة والدم والعظام، فلم نزل كذلك حتى بعث الله فينا نبياً، وأنزل عليه الكتاب، فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مصدق، وكذبه منا آخر، فقاتل من صدقه من كذبه، حتى دخلنا في دينه من بين موقن به، وبين مقهور؛ حتى استبان لنا أنه صادق، وأنه رسول من عند الله. فأمرنا أن نقاتل من خالفنا ، وأخبرنا أن من قتل منا على دينه فله الجنة، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه ؛ فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت ذلك فالجزية ؛ وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
قال له رستم: ما كنت أظن أنى أعيش حتى حتى أسمع منكم هذا معشر العرب. لا أمسى غداً حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم. ثم بالعتيق أن يسكر، فبات ليلته يسكر بالبراذع والتراب والقصب حتى أصبح، وقد تركه طريقاً مهيعاً وتعبى له المسلمون، فجعل سعد على جماعة الناس خالد بن عرفطة حليف بني أمية بن عبد شمس، وجعل على ميمنة الناس جرير بن عبد الله البجلي، وجعل على ميسرتهم قيس بن المكشوح المرادي.
ثم زحف إليهم رستم، وزحف إليه المسلمون، وما عامة جننهم - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر - غير براذع الرحال، قد عرضوا فيها الجريد، يترسون بها عن أنفسهم، وما عامة ما وضعوه على رءوسهم إلا أنساع الرحال، يطوى الرجل نسع رحله على رأسه يتقى به، والفرس فيما بينهم من الحديد واليلامق ؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً، وسعد في القصر ينظر، معه سلمى بنت خصفة ؛ وكانت قبله عند المثنى بن حارثة، فجالت الخيل، فرعبت سلمى حين رأت الخيل جالت، فقالت : وامثنياه ولا مثنى لي اليوم !فغار سعد فلطم وجهها، فقالت: أغيرة وجبناً! فلما رأى أبو محجن ما تصنع الخيل حين جالت، وهو ينظر من قصر العذيب وكان مع سعد فيه، قال:
كفى حزناً أن تردى الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً على وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع دوني لا تجيب المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحداً لا أخا ليا
فكلم زبراء أم ولد سعد - وكان عندها محبوساً، وسعد في رأس الحصن ينظر إلى الناس - فقال: يا زبراء، أطلقينى ولك على عهد الله وميثاقه، لئن لم أقتل لأرجعن إليك حتى تجعلى الحديد في رجلى، فأطلقته وحملته على فرس لسعد بلقاء وخلت سبيله، فجعل يشد على العدو وسعد ينظر. فجعل سعد يعرف فرسه وينكرها، فلما أن فرغوا من القتال ؛ وهزم الله جموع فارس، رجع أبو محجن إلى زبراء، فأدخل رجله في قيده، فلما نزل سعد من رأس الحصن رأى فرسه تعرق، فعرف أنها قد ركبت، فسأل عن ذلك زبراء، فأخبرته خبر أبي محجن فخلى سبيله.
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: وقد كان عمرو بن معد يكرب شهد القادسية مع المسلمين.
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود النخعي، عن أبيه، قال: شهدت القادسية ؛ فلقد رأيت غلاماً منا من النخع يسوق ستين أو ثمانين رجلا من أبناء الأحرار. فقلت: لقد أذل الله أبناء الأحرار؟؟! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي خالد، مولى بجيلة، عن قيس بن ابي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية مع المسلمين - قال: كان معنا يوم القادسية رجل من ثقيف، فلحق بالفرس مرتداً، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي به بجيلة. قال: وكنا ربع الناس ؛ فوجهوا إلينا ستة عشر فيلا وإلى سائر الناس فيلين، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا مسك الحديد، ويرشفوننا بالنشاب، فكأنه المطر علينا، وقرنوا خيلهم بعضها إلى بعض لئلا يفروا. قال: وكان عمرو بن معد يكرب يمر بنا فيقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسوداً، فإنما الأسد من أغنى شأنه ؛ فإنما الفارس تيس إذا ألقى نيزكه.
قال: وكان أسوار منهم لا يكاد تسقط له نشابة، فقلنا له: يا أبا ثور، اتق ذلك الفارس فإنه لا تقع له نشابة ؛ فتوجه إليه ورماه الفارس بنشابة فأصاب قوسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه، واستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقاً من ديباج، وقتل الله رستم، وأفاء على المسلمين عسكره وما فيه، وإنما المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، وكان الذي قتل رستم هلال بن علفة التيمي رآه فتوجه إليه، فرماه رستم بنشابة فأصاب قدمه وهو يتبعه، فشكها إلى ركاب سرجه، ورستم يقول بالفارسية: بيابه، أي كما أنت ؛ وحمل عليه هلال بن علفة فضربه فقتله، ثم احتز رأسه فعلقه، وولت الفرس فأتبعهم المسلمون يقتلونهم ؛ فلما بلغت الفرس الحرارة نزلوا فشربوا من الخمر، وطعموا من الطعام، ثم خرجوا يتعجبون من رميهم، وأنه لم يعمل في العرب. وخرج جالنوس فرفعوا له كرة فهو يرميها ويشكها بالنشاب، ولحق بهم فرسان من المسلمين وهم هنالك ، فشد على جالنوس زهرة بن حوية التيمي فقتله، وانهزمت الفرس، فلحقوا بدير قرة وما وراءه، ونهض سعد بالمسلمين حتى نزل بدير قرة على من هنالك من الفرس ؛ وقد قدم عليهم وهم بدير قرة عياض بن غنم في مدده من أهل الشأم، وهم ألف رجل، فأسهم له سعد ولأصحابه مع المسلمين فيما أصابوا بالقادسية، وسعد وجع من قرحته تلك، وقال جرير بن عبد الله:
أنا جرير كنيتي أبو عمرو ... قد نصر الله وسعد في القصر
وقال رجل من المسلمين أيضاً:
نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم
قال: ولما بلغ ذلك من قولهما سعداً، خرج إلى الناس فاعتذر إليهم، ورأاهم ما به من القرح في فخذيه وأليتيه، فعذره الناس، ولم يكن سعد لعمري يجبن ؛ فقال سعد يجيب جريراً فيما قال:
وما أرجو بجلية غير أنى ... أومل أجرهم يوم الحساب
فقد لقيت خيولهم خيولا ... وقد وقع الفوارس في ضراب
وقد دلفت بعرصتهم فيول ... كأن زهاءها إبل جراب
ثم أن الفرس هربت من دير قرة إلى المدائن يريدون نهاوند، واحتملوا معهم الذهب والفضة والديباج والفرند والحرير والسلاح وثياب كسرى وبناته، وخلوا ما سوى ذلك، وأتبعهم سعد الطلب من المسلمين، فبعث خالد بن عرفطة حليف بني أمية، ووجه معه عياض بن غنم في أصحابه، وجعل على مقدمة الناس هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى ميمنتهم جرير بن عبد الله البجلي، وعلى ميسرتهم زهرة بن حوية التيمي ؛ وتخلف سعد لما به من الوجع ؛ فلما أفاق سعد من وجعه ذلك اتبع الناس بمن بقى معه من المسلمين ؛ حتى أدركهم دون دجلة على بهر سير، فلما وضعوا على دجلة العسكر والأثقال طلبوا المخاضة، فلم يهتدوا لها ؛ حتى أتى سعداً علج من أهل المدائن، فقال: أدلكم على طريق تدركونهم قبل أن يمعنوا في السير! فخرج بهم على مخاضة بقطر بل، فكان أول من خاض المخاضة هاشم بن عتبة في رجله، فلما جاز اتبعه خيلة، ثم أجاز خالد بن عرفطة بخيله، ثم أجاز عياض بن غنم نجيلة، ثم تتابع الناس فخاضوا حتى أجازوا فزعموا أنه لم يهتد لتلك المخاضة بعد.ثم ساروا حتى انتهوا إلى مظلم ساباط، فأشفق الناس أن يكون به كمين للعدو، فتردد الناس، وجبنوا عنه ؛ فكان أول من دخله بجيشه هاشم بن عتبة، فلما أجاز ألاح للناس بسيفه، فعرف الناس أن ليس به شئ يخافونه ، فأجازوا بهم خالد بن عرفطة، ثم لحق سعد بالناس، حتى انتهوا إلى جاولاء وبها جماعة من الفرسفكانت وقعة جلولاء بها، فهزم الله الفرس، وأصاب المسلمون بها من الفئ أفضل مما أصابوا بالقادسية، وأصيب ابنة لكسرى، يقال لها منجانة ؛ ويقال: بل ابنة ابنة. وقال شاعر ن المسلمين:
يا رب مر حسن مطهم ... يحمل أثقال الغلام المسلم
ينجو إلى الرحمن من جهنم ... يوم جلولاء ويوم رستم
ويم زحف الكوفة المقدم ... ويم لاقى حنيقة مهزم
ثم كتب إلى سعد إلى عمر بما فتح الله بلى المسلمين ؛ فكتب إليه عمر: أن قف ولا تطلبوا غير ذلك. فكتب إليه سعد أيضاً: إنما هي سربة واتخذ للمسلمين دار هجرة ومنزل جهاد، ولا تجعل بيني وبين المسلمين بحراً. فنزل سعد بالناس الأنبار، فاجتووها وأصابتهم بها الحمى، فلم توافقهم، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك، فكتب إلى سعد أنه لا تصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العشب ؛ فانظر فلاة في جنب البحر فارتد للمسلمين بها منزلا.
قال: فسار سعد حتى نزل كويفة عمرو بن سعد، فلم توافق الناس مع الذباب والحمى. فبعث سعد رجلاً من الأنصار يقال له الحارث بن سلمة - ويقال: بل عثمان بن حنيف، أخابني عمرو بن عوف - فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم، فنزلها سعد بالناس، وخط مسجدها، وخط فيها الخطط للناس.
وقد كان عمر بن الخطاب خرج في تلك السنة إلى الشأم فنزل الجابية، وفتحت عليه إيلياء ؛ مدينة بيت المقدس، وبعث فيها أبو عبيدة بن الجراح حنظلة بن الطفيل السلمى إلى حمص، ففتحها الله على يديه، واستعمل سعد بن أبي وقاص على المدائن رجلاً من كندة، يقال له شرحبيل بن السمط ؛ وهو الذي يقول فيه الشاعر:
ألا ليتني والمرء سعد بن مالك ... وربراء وابن السمط في لجة البحر
ذكر أحوال أهل الواد كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: قال رجل منا يوم القادسية مع الفتح:
نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم
فبعث بها في الناس، فبلغت سعداً، فقال: اللهم إن كان كاذباً، أو قال الذي رياء وسمعه وكذباً، فاقطع عنى لسانه ويده.
وقال قبيضة: فو الله إنه لواقف بين الصفين يومئذ ؛ إذا أقبلت نشابة لدعوة سعد، حتى وقعت في لسانه فيبس شقة ؛ فما تكلم بكلمة حتى لحق الله.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام بن شريح الحارثى، عن أبيه، قال: قال جرير يومئذ:
أنا جرير كنيتي أبو عمرو ... قد نصر الله وسعد في القصر
فأشرف عليه، فقال:
وما أرجو بجيلة غير أنى ... أؤمل أجرها يوم الحساب
وقد لقيت خيولهم خيولاً ... وقد وقع الفوارس في الضراب
فلولا جمع قعقاع بن عمرو ... وحمال للجوا في الكذاب
هم منعوا جموعكم بطعن ... وضرب مثل تشقيق الإهاب
ولولا ذاك ألفيتم رعاعاً ... تشل جموعكم مثل الذباب
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن سليم بن عبد الرحمن السعدي، عن عثمان بن رجاء السعدي، قال: كان سعد بن مالك أجرأ الناس وأشجعهم ؛ إنه نزل قصراً غير حصين بين الصفين، فأشرف منه على الناس، ولو أعراه الصف فواق ناقة أخذ برمته ؛ فوالله ما أكرثه هول تلك الأيام ولا أقلقه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن بشير، عن أم كثير ؛ امرأة همام بن الحارث النخعي، قالت: شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوى، ثم أتينا القتلى ؛ فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه؛ وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك ، ونصرفهم به.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عطية - وهو ابن الحارث - عمن أدرك ذلك ؛ قال: لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر امرأوة يوم القادسية من بجلية والنخع، وكان في النخع سبعمائة امرأة فارغة، وفي بجيلة ألف، فصاهر هؤلاء ألف من أحياء العرب، وهؤلاء سبعمائة، وكانت النخع تسمى أصهار المهاجرين، وبجيلة، وإنما جرأهم على الإنتقال بأثقالهم توطئة خالد، والمثنى بعد خالد، وأبي عبيد بعد المثنى، وأهل الأيام، فلا قوا بأساً بعد ذلك شديداً.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة، قالوا: وكان بكير بن عبد الله الليثي وعتبة بن فرقد السلمى وسماك بن خرشة الأنصاري - وليس بأبي دجانة - قد خطبوا امرأة يوم القادسية، وكان مع الناس نساؤهم ؛ وكانت مع النخع سبعمائة امرأة فارغة ؛ وكانوا يسمون أختان المهاجرين حتى كان قريباً ؛ فتزوجهن المهاجرون قبل الفتح وبعد الفتح ؛ حتى استوعبهن، فصار إليهن سبعمائة رجل من الأفناء ؛ فلما فرغ الناس خطب هؤلاء النفر هذه المرأة - وهي أروى ابنة عامر الهلالية - هلال النخع ؛ وكانت أختها هنيدة تحت القعقاع بن عمرو التيمي، فقالت لأختها: استشيري زوجك أيهم يراه لنا ! ففعلت ؛ وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسية ؛ فقالك القعقاع: سأصفهم في الشعر فانظرى لأختك، وقال:
إن كنت حاولت الداراهم فانكحى ... سماكاً أخا الأنصار أو إبن فرقد
وإن كنت حاولت الطعان فيممى ... بكيراً إذا ما الخيل جالت عن الردى
وكلهم في ذروة المجد نازل ... فشأنكم إن البيان عن الغد
وقالوا: وكانت العرب توقع وقعة العرب وأهل فارس في القادسية فيما بين العذيب إلى عدن أبين، وفيما بين الأبلة وأيلة ؛ يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وكانت في كل بلد مصيخة إليها، تنظر مايكون من أمرها ؛ حتى إن كان الرجل ليريد الأمر فيقول :لا أنظر فيه حتى أنظرما يكون من أمر القادسية. فلما كانت وقعة القادسية سارت بها الجن فأتت بها ناساً من الإنس، فسبقت أخبار الإنس إليهم ؛ قالوا: فبدرت امرأة ليلاً على جبل بصنعاء، لا يدري من هي ؟ وهي تقول:
حييت عنا عكرم ابنة خالد ... وما خير زاد بالقليل المصرد
وحيتك عنى الشمس عند طلوعها ... وحياك عنى كل ناج مفرد
وحيتك عنى عصبة نخعية ... حسان الوجوه آمنوا بمحمد
أقاموا لكسرى يضربون جنوده ... بكل رقيق الشفرتين مهند
إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكل ... من الموت تسود الغياطل مجرد
وسمع أهل اليمامة مجتازاً يغنى بهذه الأبيات:
وجدنا الأكثرين بني تميم ... غداة الروع أصبرهم رجالاً
هم ساروا بأرعن مكفهر ... إلى لجب فزرتهم رعالا
بحور للأكاسير من رجال ... كأسد الغاب تحبهم جبالاً
تركن لهم بقادس عز فخر ... وبالخيفين أياماً طوالا
مقطعة أكفهم وسوق ... بمردى حيث قابلت الرجالا
قال: وسمع بنجو ذلك في عامة بلاد العرب.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة، قالوا: وكتب سعد بالفتح وبعدة من قتلوا وبعدة من أصيب من المسلمين ؛ وسمى لعمر من يعرف مع سعد بن عميله الفزارى، وشاركهم النضر بن السرى عن ابن الرفيل بن ميسور ؛ وكان كتابه: أما بعد ؛ فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراءون مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام وفي الفجاج ؛ وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان، وفلان، ورجال من المسلمين لاتعلمهم، الله بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل ذوى النحل، وهم آساد الناس؛ لا يشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد بن سعيد، قال: لما أتى عمر بن الخطاب نزول رسم القادسية، كان يستخبر الركبان عن أهل القادسية من حين يصبح إلى انتضاف النهار، ثم يرجع إلى أهله ومنزله. قال: فلما لقى البشير سأله من أين ؟ فأخبره، قال: يا عبد الله حدثني، قال: هزم الله العدو ، وعمر يخب معه ويستخبره والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه ؛ حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلمون عليه بإمره المؤمنين، فقال: فهلا أخبرتني رحمك الله، أنك أمير المؤمنين! وجعل عمر يقول: لا عليك يا أخي! كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وزيادة، قالوا: وأقام المسلمون في انتظار بلوغ البشير وأمر عمر، يقومون أقباضهم، ويحزرون جندهم، ويرمون أمروهم. قالوا: وتتابع أهل العراق من أصحاب الأيام الذين شهدوا اليرموك ودمشق، ورجعوا ممدين لأهل القادسية ؛ فتوافوا بالقادسية من الغد ومن الغد، وجاء أولهم يوم أغواث، وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح، وقدمت أمداد فيها مراد وهمدان، ومن أفناء الناس، فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عما يسألونه عما ينبغي أن يسار به فيهم - وهذا الكتاب الثاني بعد الفتح - مع نذير بن عمرو. ولما أتى عمر الفتح قام الناس فقرأ عليهم الفتح ، وقال: إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تآسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل ؛ إني والله ما أنا بملك فأستعبدكم، وإنما أنا عبد الله عرض على الأمانة، فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم وترووا سعدت، وإن أنا حملتها واستتبقها إلى بيتي شقيت ؛ ففرحت قليلا، وحزنت طويلاً، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب.
قالوا: وكتبوا إلى عمر مع أنس بن الحليس: إن أقواماً من أهل السواد أدعوا عهوداً، ولم يقم على عهد أهل الأيام لنا، ولم يف به أحد علمناه إلا أهل بانقياً وبسماً وأهل أليس الآخرة وادعى أهل السواد أن فارس أكرهوهم وحشروهم ؛ فلم يخالفوا إلينا ؛ ولم يذهبوا في الأرض.
كتب مع أبي الهياج الأسدي - يعنى ابن مالك - إن أهل السواد جلوا، فجاءنا من أمسك بعهده ولم يجلب علينا ؛ فتممنا لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم ؛ وزعموا أن أهل السواد قد لحقوا بالمدائن، فأجدث إلينا فيمن تم وفيمن جلا وفيمن ادعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل، او استسلم ؛ فإنا بأرض رغيبة ، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صلحنا ؛ وإن عمر لنا وأوهن لعدونا تألفهم. فقام عمر في الناس فقال:إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا بضر إلا نفسه، ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع، ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة ؛ أصاب أمره، وظفر بحظه، وذلك بأن الله عز وجل يقول: (ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحدا) ، وقد ظفر أهل الأيام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر ؛ وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئاً، ولم يجل، وفيمن استسلم. فأجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف لم يزده غابه إلا خيرا، وأن من ادعى فصدق أو وفى فبمنزلتهم، وإن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم ؛ وأن يجعل أمر من جلا إليهم، فإن شاءوا وادعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاءوا تموا على منعهم من أرضهم ولم يعطوهم إلا القتال ؛ وأن يخيروا من أقام واستسلم: الجزاء، أو الجلاء، وكذلك الفلاح.
وكتب جواب كتاب أنس بن الحليس: أما بعد ؛ فإن الله جل وعلا أنزل في كل شئ رخصة في بعض الحالات إلا في أمرين: العدل في السيرة والذكر ؛ فأما الذكر فلا رخصة فيه في حالة، ولم يرضى منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا في رخاء، والعدل - وإن رئى ليناً - فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وإن رئى شديداً فهو أنكش للكفر ؛ فمن تم على عهده من أهل السواد، ولم يعن عليكم بشئ ؛ فلهم الذمة، وعليهم الجزية ؛ وأما من ادعى أنه استكره ممن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الأرض ؛ فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك إلا أن تشاءوا ؛ وإن لم تشاءوا فانبذوا إليهم، وأبلغوا مأمنهم.
وأجابهم في كتاب أبي الهياج: أما من أقام ولم يجل وليس له عهد فلم ما لأهل العهد بمقامهم لكم وكفهم عنكم إجابة، وكذلك الفلاحون إذا فعلوا ذلك ؛ وكل من ادعى ذلك فصدق فلهم الذمة ؛ وإن كذبوا نبذ إليهم ؛ وأما من أعان وجلا ؛ فذلك أمر جعله الله لكم ؛ فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقيموا لكم في أرضهم، ولهم الذمة وعليهم الجزية ؛ وإن كرهوا ذلك فاقسموا ما أفاء الله عليكم منهم.
فلما قدمت كتب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على من يليهم ممن جلا وتنحى عن السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمة وعليهم الجزية، فتراجعوا وصاروا ذمة كمن تم وازم عهده ؛ إلا أن خرجوا أثقل ؛ فأنزلوا من ادعى الإستكراه وهرب منزلتهم وعقدوا لهم، وأنزلوا من أقام منزلة ذي العهد وكذلك الفلاحين، ولم يدخلوا في الصلح ما كان لآل كسرى، ولا ما كان لمن خرج معهم، ولم يجبهم إلى واحدة من اثنتين: الإسلام، أو الجزاء، فصارت فيئاً لمن أفاء الله عليه ؛ فهي والصوافى الأولى ملك لمن أفاء الله عليه، وسائر السواد ذمة وأخذوهم بخراج كسرى، وكان خراج كسرى على رءوس الرجال على ما في أيديهم من الحصة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان لآل كسرى، ومن صوب معهم وعيال من قاتل معهم وماله، وما كان لبيوت النيران والآجام ومستنقع المياه، وكا كان للسكك، وما كان لآل كسرى، فلم يتأت قسم ذلك الفئ الذي كان لآل كسرى ومن صوب معهم ؛ لأنه كان متفرقاً في كل السواد، فكان يليه لأهل الفئ من وثقوا به، وتراضوا عليه ؛ فهو الذي يتداعاه أهل الفئ لآعظم السواد؛ وكانت الولاة عند تنازعهم فيها بقسمة بينهم ؛ فذلك الذي شبه على الجهلة أمر السواد، ولكن الحلماء أبوا، فتابع الولاة الحلماء، وترك قول السفهاء. كذلك صنع على رحمه الله، وكل من طلب إليه قسم ذلك فإنما تابع الحلماء، وترك قول السفهاء، وقالوا: لئلا يضرب بعضهم وجوه بعض.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن عامر الشعبي، قال: قلت له: السواد ما حاله؟ قال: أخذ عنوة، وكذلك كل أرض إلا الحصون، فجلا أهلها ؛ فدعوا إلى الصلح والذمة، فأجابوا وتراجعوا، فصاروا ذمة، عليهم الجزاء، ولهم المنعة، وذلك هو السنة، كذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدومة، وبقى ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم فيئاً لمن أفاء الله عليه.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة وسفيان، عن ماهان، قالوا: فتح الله السواد عنوة - وكذلك كل أرض بينهما وبين نهر بلخ - إلا حصناً، ودعوا إلى الصلح، فصاروا ذمة، وصارت لهم أرضوهم ولم يدخلوا في ذلك أموال آل كسرى ومن اتبعهم، فصارت فيئاً لمن أفاءه الله عليه، ولا يكون شئ من الفتوح فيئاً حتى يقسم ؛ وهو قوله: (ما غنمتم من شيء) ؛ مما اقتسمتم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: عامة ما أخذ المسلمون عنوة فدعوهم إلى الرجوع والذمة، وعرضوا عليهم الجزاء فقبلوه ومنعوهم.
وعن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي، قال: قلت له: إن أناساً يزعمون أن أهل السواد عبيد، فقال: فعلام يؤخذ الجزاء من العبيد؟ أخذ السواد عنوة، وكل أرض علمتها إلا حصناً في جبل أو نحوه. فدعوا إلى الرجوع، وقبل منهم الجزاء، وصاروا ذمة ؛ وإنما يقسم من الغنائم ما تغنم ؛ فأما ما لم يغنم وأجاب أهله إلى الجزاء من قبل أن يتغنم، فلهم جرت السنة بذلك.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضمرة، عن عبد الله بن المستورد، عن محمد بن سيرين، قالك البلدان كلها أخذت عنوة إلا حصون قليلة، عاهدوا قبل أن ينزلوا. ثم دعوا - يعنى الذين أخذوا عنوة - إلى الرجوع والجزاء، فصاروا ذمة أهل السواد، والجبل كله أمر لم يزل يصنع في أهل الفئ، وإنما عمل عمر والمسلمون في هذا الجزاء والذمة على إجرايا ما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وقد كان بعث خالد بن الوليد من تبوك إلى دومة الجندل، فأخذها عنوة، وأخذ ملكها أكيدر بن عبد الملك أسيراً، فدعاه إلى الذمة والجزاء، وقد أخذت بلاده عنوة، وأخذ أسيراً؛ وكذلك فعل با بني عريض ، وقد أخذا فادعيا أنهما أوداؤه، فعقد لهما على الجزية والذمة، وكذلك كان أمر يحنه ابن رؤية صاحب أيلة. وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصة، من روى غير ما عمل به الأئمة العدول المسلمون، فقد كذب وطعن عليهم.
وعن سيف، عن حجاج الصواف، عن مسلم مولى حذيفة، قال: تزوج المهاجرون والأنصار في أهل السواد - يعنى في أهل الكتابين منهم، ولو كانوا عبيداً لم يستحيوا ذلك، ولم يحل لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب ؛ لأن الله تعالى يقول: (ومن لم يستطع منكم طولاً ...) الآية، ولم يقل: " فتياتهم من أهل الكتابين " .
وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: بعث عمر بن الخطاب إلى حذيفة بعدما ولاه المدائن وكثر المسلمات: إنه بلغني أنك تزوجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلقها. فكتب إليه: لا أفعل حتى تخبرني: أحلال أم حرام، وما أردت بذلك! فكتب إليه: لا بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خلابة، فإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم. فقال: الآن ؛ فطلقها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أشعث، بن سوار، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: شهدت القادسية مع سعد، فتزوجنا نساء أهل الكتاب، ونحن لا نجد كثير مسلمات، فلما قفلنا ؛ فمنا من طلق، ومنا من أمسك.
وعن سيف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: أخذ السواد عنوة، فدعوا إلى الرجوع والجزاء، فأجابوا إليه، فصاروا ذمة، إلا ما كان لآل كسرى، وأتباعهم، فصار فيئاً لأهله، وهو الذي يتحجى أهل الكوفة إلى أن أجهل ذلك، فحسبوه السواد كله، وأما سوادهم ؛ فذلك.
وعن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن إبراهيم بن يزيد النخعى، قال: أخذ السواد عنوة، فدعوا إلى الرجوع، فن أجاب فعليه الجزية وله الذمة، ومن أبى صار ماله فيئاً، فلا يحل بيع شئ من ذلك الفئ فيما بين الجبل إلى العذيب من أرض السواد ولا في الجبل.
وعن سيف، عن محمد بن قيس، عن الشعبي، بمثله: لا يحل بيع شئ من ذلك الفئ فيما بين الجبل والعذيب.
وعن سيف، عن عمرو بن محمد، عن عامر، قال: أقطع الزبير وخباب وابن مسعود وابن ياسر وابن هبار أزمان عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأ ؛ وهم الذين أخذنا عنهم ديننا. وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والربيل بن عمرو، وأقطع أبا مفرزردار الفيل في عدد ممن أخذنا عنهم، وإنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء الله.وكتب عمر إلى عثمان بن حنيف مع جرير: أما بعد ؛ فأقطع جرير ابن عبد الله قدر ما يقوته لا وكس ولا شطط فكتب عثمان إلى عمر: إن جريراً قدم على بكتاب منك تقطعه ما يقوته ما يقوته، فكرهت أن أمضى ذلك حتى أراجعك فيه. فكتب إليه عمر: أن قد صدق جرير، فأنفذ ذلك، وقد أحسنت في مؤامرتي وأقطع أبا موسى. وأقطع على رحمه الله كردوس بن هانئ الكردوسية، وأقطع سويد بن غفلة الجعفى.
وعن سيف، عن ثابت بن هريم، عن سويد بن غفلة، قال: استقطعت علياً رحمه الله، فقال: اكتب : هذا ما أقطع على سويداً أرضاً لداذويه ؛ ما بين كذا إلى كذا وما شاء الله.
وعن سيف، عن المستنير، عن ابراهيم بن يزيد، قال: عمر: إذا عاهدتم قوماً فأبرءوا إليهم من معرة الجيوش. فكانوا يكتبون في الصلح لمن عاهدوا: ((ونبرأ إليكن من معرة الجيوش)).
وقال الواقدي: كانت وقعة القادسية وافتتاحها ست عشرة، وكان بعض أهل الكوفة يقول: كانت وقعة القادسية سنة خمس عشرة.
قال: والثبت عندنا أنها كانت في سنة عشرة.
وأما محمد بن إسحاق فإنه قال: كانت سنة خمس عشرة، وقد مضى ذكرى الرواية عنه بذلك
ذكر بناء البصرةقال أبو جعفر: وفي سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطاب رحمه الله - فيما زعم الواقدي - الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة، وكتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك.
وفي هذه السنة - أعني سنة أربع عشرة - وجه عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمن معه، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني وروايته.
وزعم سيف أن البصرة مصرت في ربيع سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت والحصنين ؛ وجهه غليها سعد بأمر عمر.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عنه. فحدثني عمر بن شبة ؛ قال: حدثنا على بن محمد، عن أبي مخنف، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قتل مهران سنة أربع عشرة في صفر، فقال عمر لعتبة - يعني ابن غزوان - : قد فتح الله جل وعز على إخوانكم الحيرة وما حولها، وقتل عظيم من عظمائها، ولست آمن أن يمدهم إخوانهم من أهل فارس ؛ فإني أريد أن أوجهك إلى أرض الهند ، لتمنع أهل تلك الجيزة من إمداد إخوانهم على إخوانكم، وتقاتلهم ؛ لعل الله أن يفتح عليكم. فسر على بركة الله، واتق الله ما استطعت، واحكم بالعدل، وصل الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله. فأقبل عتبة في ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، وضوى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادي، فقدم البصرة في خمسمائة، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، فنزلها في شهر ربيع الأول - أو الآخر - سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشن، فنزل الخريبة، وليس بها إلا سبع دساكر؛ بالزابوقة والخيبة وموضع بني تميم والأزد: ثنتان بالخريبة، وثنتان بالأزد، وثنتان في موضع بني تميم وواحدة بالزابوقة. فكتب إلى عمر، ووصف له منزله فكتب إليه عمر: اجمع للناس موضعاً واحداً؛ ولا تفرقهم ؛ فأقام عتيبة أشهراً لا يغزو ولا يلقى أحداً.
وأما محمد بن بشار ؛ فإنه حدثنا، قال: حدثنا صفوان بن عيسى الزهري، قال: حدثنا عمرو بن عيسى أبو نعامة العدوى، قال: سمعت خالد بن عمير وشويساً أبا الرقاد، قالا بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان، فقال له: انطلق أنت ومن معك ؛ حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم، فأقيموا. فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمريد وجدوا هذا الكذان . قالوا: ما هذه البصرة؟ فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فإذا فيه حلفاء وقصب نابتة، فقالوا: هاهنا قوماً معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل في أربعة أسوار، فقال: ماهم إلا ما أرى ؛ اجعلوا في أعناقهم الحبال ؛ وأتونى بهم ؛ فجعل عتبة يزحل ، وقال: إني شهدت الحرب مع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حتى إذا زالت الشمس، قال: احملوا ؛ فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، فلم يبق منهم أحداً إلا صاحب الفرات، أخذواه أسيراً، فقال عتبة بن غزوان: ابغوا لنا منزلاً هو أنزه من هذا - وكان يوم عكاك وومد - فرفعوا له منبراً، فقام يخطب، فقال: إن الدنيا قد تصرمت وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناة. ألا وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم. وقد ذكر لى: لو أن صخرة ألقت من شفير جهنم هوت سبعين خريفاً، ولتملأنه؛ أو عجبتم! ولقد ذكر لى أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ بزحام، ولقد رأيتنى وأنا سابع سبعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا؛ والتقت بردة فشققتها بينى وبين سعد، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا وهو أمير مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا.
وعن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما توجه عتبة بن غزوان المازني من بني مازن بن منصور من المدائن إلى فرج الهند، نزل على الشاطئ بحيال جزيرة العرب، فأقام قليلاً ثم أرز، ثم شكوا ذلك حتى أمره عمر بأن ينزل الحجر بعد ثلاثة أوطان إذا اجتووا الطين، فنزلوا في الرابعة البصرة - والبصرة كل أرض حجارتها جص - وأمر لهم بنهر يجري من دجلة، فساقوا إليها نهراً للشفة، وكان إيطان أهل البصرة اليوم وإيطال أهل الكوفة اليوم في شهر واحد. فأما أهل الكوفة فكان مقامهم قبل نزولها المدائن إلى أن وطنوها، وأما أهل البصرة فكان مقامهم على شاطئ دجلة. ثم أزروا مرات تحتى استقروا وبدءوا، فخنسوا فرسخاً وجروا معهم نهراً، ثم فرسخاً ثم جروه ثم فرسخاً، ثم جروه ثم أتوا الحجر، ثم جروه، واختطت على نحو من خطط الكوفة، وكان على إنزال البصرة أبو الجرباء عاصم بن الدلف، أحد بني غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم.
وقد كان قطبة بن قتادة - فيما حدثني عمر ، قال: حدثنا المدائني عن النضر بن إسحاق السلمى، عن قطبة بن قتادة السدوسي - يغير بناحية الخريبة من البصرة، كما :ان المثنى بن حارثة الشيباني يغير بناحية الحبيرة. فكتب إلى عمر يعلمه مكانه، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قبله من العجم، فنفاهم من بلادهم. وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهر المرأة فكتب إليه عمر: إنه أتاني كتابك أنك تغير على من قبلك من الأعاجم، وقد أصيب ووفقت ؛ أقم مكانك، واحذر على من معك من أصحابك حتى يأتيك أمرى. فوجه عمر شريح بن عامر، أحد بني سعد بن بكر إلى البصرة ؛ فقال له : كن ردءاً للمسلمين بهذه الجيزة، فأقبل إلى البصرة ؛ فترك بها قطبة، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة للأعاجم ؛ فقتلوه، وبعث عمر عتبة بن غزوان.
حدثنا عمر، قال: حدثني على، عن عيسى بن يزيد، عن عبد الملك بن حذيفة ومحمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير، قال: إن عمر قال لعتبة بن غزوان إذ وجهه إلى البصرة: يا عتبة، إني قد استعملتك على أرض الهند، وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها. وقد كتب إلى العلاء بن الحضرمى أن يمدك بعرفجة بن هرثمة ؛ وهو ذو مجاهدة العدو ومكايدته، فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله ؛ فمن أجابك فاقبل منه، من أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة. واتق الله فيما وليت، وإياك أن تناوعك نفسك إلى كبر يفسد عليك إخوتك، وقد صبحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت به بعد الذلة، وقويت به بعد الضعف، حتى صرت أميراً مسلطاً وملكاً مطاعاً، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، قيالها نعمة ؛ إن لم ترفعك فوق قدرك وتبرطرك على من دونك ! احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية ؛ ولهى أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك. إن الناس أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأراد الله ولا ترد الدنيا، واتق مصارع الظالمين.
حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا على، قال: حدثنا أبو إسماعيل الهمداني وأبو مخنف، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: قدم عتيبة بن غزوان البصرة في ثلثمائة، فلما رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أنزل أقصى البر من أرض العرب، وأدنى أرض الريف من أرض العجم ؛ فهذا حيث واجب علينا فيه طاعة إمامنا. فنزل الخربية وبالأبلة خمسمائة من الأساورة يحمونها. وكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عتيبة فنزل دون الإجانة، فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلة فناهضهم عتبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسي وقسامة بن زهير المازني في عشرة فوارس، وقال لهما: كونا في ظهرنا، فتردا المنهزم، وتمنعا من أرادنا من ورائنا ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جزر جزور وقسمها ؛ حتى منحهم الله أكتافهم، وولوا منهزمين ؛ حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره، فأقاموا أياماً، وألقى الله في قلوبهم الرعب. فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خف لهم، وعبروا إلى الفرات، وخلوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعاً وسلاحاً وسبياً وعيناً، فاقتسموا العين، فأصاب كل رجل منهم درهمان، وولى عتبة نافع بن الحارث أقباض الأبلة ؛ فأخرج خمسة، ثم قسم الباقي بين أفاءه الله عليه ؛ وكتب بذلك مع نافع بن الحارث.
وعن بشير بن عبيد الله ؛ قال: قتل نافع بن الحارث يوم الأبلة تسعة، وأبو بكر ستة.
وعن داود بن أبي هند، قال: أصاب المسلمون بالأبلة من الدراهم ستمائة درهم، فأخذ كل رجل درهمين، ففرض عمر لأصحاب الدرهمين ممن أخذهما من فتح الأبلة في ألفين من العطاء، وكانوا ثلثمائة رجل، وكان فتح الأبلة في رجب، أو في شعبان من هذه السنة.
وعن الشعبي، قال: شهد فتح الأبلة مائتان وسبعون، فيهم أبو بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، والمغيرة بن شعبة، ومجاشع بن مسعود، وأبو مريم البلوى، وربيعة بن كلدة بن أبي الصلت الثقفي، والحجاج.
وعن عباية بن عبد عمرو، قال: شهدت فتح الأبلة مع عتبة، فبعث نافع بن الحارث إلى عمر رحمه الله بالفتح، وجمع لنا أهل دست ملسان، فقال: عتبة: ارى أن نسير إليهم، فسرنا فلقينا مرزبان دست ميسان، فقاتلناه، فانهزم أصحابه وأخذ أسيراً، فأخذ قباؤه ومنطقته، فبعث به عتبة مع أنس ابن حجية اليشكرى.
وعن أبي المليح الهذلي، قال: بعث عتبة أنس بن حجية إلى عمر بمنطقة مرزبان دست ميسان؛ فقال له : كيف المسلمون؟ قال: انثالت عليهم الدنيا، فهم يهيلون الذهب والفضة. فرغب الناس في البصرة، فأتوها.
وعن علي بن زيد، قال: لما فرغ عتبة من الأبلة، جمع له مرزبان دست ميسان، فسار إليه عتيبة فقتله، ثم سرح بما سعود إلى الفرات وبها مدينة ووفد عتبة إلى عمر، وأمر المغيرة أن يصلى بالناس حتى يقدم مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير. فظفر مجاشع بأهل الفرات، ورجع إلى البصرة وجمع الفيلكان ؛ عظيم من عظماء أبز قباذ للمسلمين، فخرج إليه المغيرة بن شعبة، فلقيه بالمرغاب، فظفر به، فكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت على البصرة؟ قال: مجاشع بن مسعود، قال: لا، تستعمل رجلاً من أهل الوبر على أهل المدر؟ تدرى ما حدث! قال: لا، فأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات عتبة في الطريق، واستعمل عمر المغيرة بن شعبة.
وعن عبد الرحمن بن جوشن، قال: شخص عتبة بعدما ما قتل مرزبان دست ميسان، ووجه مجاشعاً إلى الفرات، واستخلفه على عمله، وأمر المغيرة ابن شعبة بالصلاة حتى يرجع مجاشع من الفرات، وجمع أهل ميسان، فلقيهم المغيرة، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات، وبعث بالفتح إلى عمر.
الطبري، بإسناده عن قتادة، قال: جمع أهل ميسان للمسلمين، فسار إليهم المغيرة، وخلف المغيرة الأثقال، فلقى العدو دون دجلة، فقالت أردة بنت الحارث بن كلدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنا معهم! فاعتقدت لواء من خمارها، واتخذ النساء من خمرهن رايات، وخرجن يردن المسلمين، فانتهين إليهم، والمشركون يقاتلونهم، فلما رأى المشركون الرايات مقبلة، ظنوا أن مدداً أتى المسلمين فانكشفوا، وأتبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدة.
وعن حارثة بن مضرب، قال: فتحت الأبلة عنوة فقسم بينهم عتبة - ككة - يعنى خبزاً أبيض. وعن محمد بن سيرين مثله.
قال الطبري، وكان ممن سبى من ميسان يسار أبو الحسن البصري، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان.
وعن المثنى بن موسى بن سلمة بن المحبق، عن أبيه، عن جدة، قال: شهدت فتح الأبلة، فوقع لي في سهمي قدر نحاس، فلما نظرت إذا هي ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب أن يصبر يمين سلمة بالله لقد أخذها وهي عنده نحاس، فإن حلف سلمت إليه ؛ وإلا قسمت بين المسلمين. قال: فحلفت، فسلمت لي.
قال: المثنى: فأصول أموالنا اليوم منها.
وعن عمرة ابنة قيس، قالت: لما خرج الناس لقتال أهل الأبلة خرج زوجي وابني معهم، فأخذوا الدرهمين ومكوك زبيب ، وإنهم مضوا حتى إذا كانوا حيال الأبلة، قالوا للعدو، نعبر إليكم أو تعبرون إلينا؟ قال: بل اعبروا إلينا فأخذوا خشب العشرة فأوثقوه، وعبروا إليهم، فقال المشركون: لا تأخذوا أولهم حتى يعبر آخرهم. فلما صاروا على لأرض كبروا تكبيرة، ثم كبروا الثانية، فقامت دوابهم على أرجلها، ثم كبروا الثالثة فجعلت الدابة تضرب بصاحبها الأرض، وجعلنا ننظر إلى رءوس تنذر، ما نرى من يضربها ؛ وفتح الله على أيديهم.
المدائني، قال: كانت عند عتبة صفية بنت الحارث بن كلدة، وكانت أختها أردة بنت الحارث عند شبل بن معبد البجلي، فلما ولى عتبة البصرة انحدر معه أصهاره: أبو بكرة، ونافع، وشبل بن معبد ؛ وانحدر معهم زياد ؛ فلما فتحوا الأبلة لم يجدوا قاسماً يقسم بينهم، فكان زياد قاسمهم ؛ وهو ابن أربع عشرة سنة، له ذؤابة، فأجروا عليه كل يوم درهمين.
وقيل : إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة، وقيل ست عشرة ؛ والأول أصح ؛ فكانت إمارته عليها ستة أشهر.
واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقى سنتين، ثم رمى بمارمى ؛ واستعمل أبا موسى، وقيل استعمل بعد عتبة أبا موسى، وبعده المغيرة.
وفيها - أعني أربع عشرة - ضرب عمر ابنة عبيد الله وأصحابه في شراب شربوه وأبا محجن.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان على مكة عتاب بن أسيد في قوله، وعلى اليمن يعلى بن منية، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعلى الشأم أبو عبيدة بن الجراح، وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص - وقيل: العلاء بن الحضرمى - وعلى عمان حذيفة بن محصن.
ثم دخلت سنة خمس عشرةقال ابن جرير: قال بعضهم: فيها مصر سعد بن أبي وقاص الكوفة ؛ دلهم عليها ابن بقيلة ؛ قال لسعد: أدلك على أرض ارتفعت عن البق، وانحدرت عن الفلاة ! فدلتهم على موضع الكوفة اليوم.
ذكر الوقعة بمرج الروم
وفي هذه السنة كانت الوقعة بمرج الروم، وكان من ذلك أن أبا عبيدة خرج بخالد بن الوليد من فحل إلى حمص، وانصرف إليهم من اليرموك ؛ فنزلوا جميعاً على ذي الكلاع، وقد بلغ الخبر هرقل، فبعث توذارا البطريق حتى نزل بمرج دمشق وغربها، فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم وجمعهم هذا، وقد هجم الشتاء عليهم والجراح فيهم فاشية، فلما نزل على القوم بمرج الروم نازله يوم نزل عليه شنس الرومي، في مثل خيل توذرا ؛ إمداداً لتوذرا وردءاً لأهل حمص ؛ فنزل في عسكر على حدة، فلما كان من الليل أصبحت الأرض من توذارا بلاقع، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالداً الخبر أن توذرا قد رحل إلى دمشق، فأجمع رأيه ورأى أبي عبيدة أن يتبعه خالد، فأتبعه خالد من ليلته في جريدة ؛ وقد بلغ يزيد بن أبي سفيان الذي فعل ، فاستقبله فاقتتلوا، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون ؛ فأخذهم من خلفهم ، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم؛ فأناموهم ولم يفلت منهم إلا الشريد ؛ فأصاب المسلمون ما شاءوا من ظهر وأداة وثياب، وقسم ذلك يزيد بن أبي سفيان على أصحابه وأصحاب خالد، ثم انصرف يزيد إلى دمشق، وانصرف خالد إلى أبي عبيدة، وقد قتل خالد توذرا، وقال خالد:
نحن قتلنا شوذرا ... وقبله ما قد قتلنا حيدراً
نحن أزرنا الغيضة الأكيدرا وقد ناهد أبو عبيدة بعد خروج خالد في أثر توذرا شنس، فاقتتلوا بمرج الروم، فقتلهم مقتلة عظيمة، وقتل أبو عبيدة شنس، وامتلأ المرج من قتلاهم، فأنتنت منهم الأرض، وهرب من هرب منهم، فلم يفلتهم، وركبوا أكساءهم إلى حمص .
ذكر فتح حمصحكى الطبرى عن سيف، عن كتابه، عن أبي عثمان، قال: ولما بلغ هرقل الخبر بمقتل أهل المرج، أمر أمير حمص بالسير والمضى إلى حمص، وقال: إنه بلغني أن طعامهم لحوم الإبل، وشرابهم ألبانها، وهذا الشتاء فلا تقاتلوهم إلا في كل يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحداً، هذا جل طعامه وشرابه. وارتحل من عسكره ذلك، فأتى الرهاء، وأخذ بعده حتى ينزل عليها، فكانوا يعارون المسلمين ويراوحونهم في كل يوم بارد ؛ ولقى المسلمون بها برداً شديداً، والروم حصاراً طويلاً، فأما المسلمون فصبروا ورابطوا، وأفرغ الله عليهم الصبر، وأعقبهم النصر، حتى اضطرب الشتاء، وإنما تمسك القوم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء.
وعن أبي الزهراء القشيرى، عن رجل من قومه، قال: كان أهل حمص يتواصون فيما بينهم، ويقولن: تمسكوا فإنهم حفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون؛ فكانت الروم تراجع، وقد سقطت أقدام بعضهم في خفافهم، وإن المسلمين في النعال ما أصيب أصبع أحد منهم، حتى إذا انخنس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة المسلمين. قالوا: كيف والملك في سلطانه وعزه، ليس بيننا وبينهم شيء فتركهم وقم فيهم آخر فقال ذهب الشتاء وانقطع الرجاء، فما تنتظرون؟ فقالوا: البرسام، فإنما يسكن في الشتاء ويظهر في الصيف، فقال: إن هؤلاء قوم يعانون ؛ ولأن تأتونهم بعهد وميثاق، خير من أن تؤخذوا عنوة ؛ أجيبوني محمودين قبل أن تجيبونى مذمومين! فقالوا: شيخ خرف، ولا علم له بالحرب.
وعن أشياخ من غسان وبلقين، قالوا أثاب الله المسلمين على صبرهم أيام حمص أن زلزل بأهل حمص ؛ وذلك أن المسلمين ناهدوهم، فكبروا تكبيرة زلزلت معها الروم في المدينة، وتصدعت الحيطان، ففزعوا إلى رؤسائهم وإلى ذوى رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة، فلم يجيبوهم وأذلوهم بذلك، ثم كبروا الثانية، فتهافتت منها دور كثيرة وحيطان ؛ وفزعوا إلى رؤسائهم وذوي رأيهم، فقالوا: ألا ترون إلى عذاب الله! فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيركم ؛ فأشرفوا فنادوا: الصلح الصلح! ولا يشعرون المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم، وعلى أن يترك المسلمون أموال الروم وبينانهم ؛ لا ينزلونه عليهم، فتركوه لهم، فصالح بعضهم على صلح دمشق على دينار وطعام، على كل جريب أبداً أيسروا أو أعسروا. وصالح بعضهم على قدر طاقته ؛ إن زاد ماله زيد عليه، وإن نقص نقص، وكذلك كان صلح دمشق والأردن ؛ بعضهم على شئ إن أيسروا وإن عسروا، وبعضهم على قدر طاقته، وولوا معاملة ما جلا ملوكهم عنه.
وبعث أبو عبيدة السمط بن الأسود بني معاوية، والأشعث بن مئناس في السكون، معه ابن عابس، والمقداد في بلى، وبلالا وخالداً في الجيش، والصباح بن شتير وذهيل بن عطية وذا شمستان، فكانوا في قصبتها. وأقام في عسكره، وكمتب إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع عبد الله بن مسعود، وقد وفده. وأخبر هرقل ؛ وأنه عبر الماء إلى الجزيرة، فهو بالرهاء ينغمس أحياناً، ويطلع أحياناً. فقدم ابن مسعود على عمر، فرده ، ثم بعثه بعدذلك إلى سعد بالكوفة، ثم كتب إلى أبي عبيدة: أن أقم في مدينتك وادع أهل القوة والجلد من عرب الشأم، فإني غير تارك البعثة إليك بمن يكانفك ؛ إن شاء الله.
حديث قنسرينوعن أبي عثمان وجارية، قالا: وبعث أبو عبيدة بعد فتح حمص خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر زحف إليهم الروم، وعليهم ميناس، وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل، فالتقوا بالحاضر، فقتل ميناس ومن معه مقتله لم يقتلوا مثلها، فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب، وأنهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربة، فقبل منهم وتركهم. ولما بلغ عمر ذلك قال: أمر خالد نفسه ؛ يرحم الله أبا بكر ؛ هو كل أعلم بالرجال منى، وقد كان عزله والمثنى مع قيامه، وقال: إني لم أعزلهما عن ريبة ؛ ولكن الناس عظموها، فخشيت أن يوكلوا إليهما. فلما كان من أمره وأمر قنسرين ما كان، رجع عن رأيه، وسار خالد حتى نزل قنسرين، فتحصنوا منه، فقال: إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم الله إلينا. قال: فنظروا في أمرهم، وذكروا ما لقى أهل حمص ؛ فصالحوه على صلح حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخبرها، واتطأت حمص وقنسرين ؛ فعند ذلك خنس هرقل ؛ وإنما كان سبب خنوسه أن خالداً حين قتل ميتاس ومات الروم على دمه، وعقد لأهل الحاضر وترك قنسرين، طلع من قبل الكوفة عمر بن مالك من قبل قرقيسيا، وعبد الله بن المعتم من قبل الموصل، والوليد بن عقبة من بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة، وطووا مدائن الجزيرة من نحو هرقل، وأهل الجزيرة في حران والرقة ونصيبين وذواتها لم يغرضوا غرضهم ؛ حتى يرجعوا إليهم ؛ إلا أنهم خلفوا في الجزيرة الوليد لئلا يؤتوا من خلفهم ؛ فأدرب خالد وعياض مما يلي الشأم، وأدرب عمر وعبد الله مما يلي الجزيرة ؛ ولم يكونوا أدبروا قبله ؛ ثم رجعوا، فهي أول مدربة كانت في الإسلام سنة ست عشرة . فرجع خالد إلى قنسرين فنزلها، وأتته امرأته، فلما عزله قال: إن عمرو ولا أن الشأم حتى إذا صارت بثينة وعسلاً عزلني .
قال أبو جعفر الطبري: ثم خرج هرقل نحو القسطنطينة، فاختلف في حين شخوصة إليها وتركه بلاد الشأم ؛ فقال ابن إسحاق: كان ذلك سنة خمس عشرة ؛ وقال سيف: كان سنة ست عشرة.
ذكر خبر ارتحال هرقل إلى القسطنطينيةذكر سيف عن أبي الزهراء القشيرى، عن رجل من بني قشير، قالوا: لما خرج هرقل من الرهاء واستتبع أهلها، قالوا: نحن ها هنا خير منا معك، وأبوا أن يتبعوه، وتفرقوا عنه وعن المسلمين ؛ وكان أول من أبج كلابها، وأنفر دجاجها زياد بن حنظلة، وكان من الصحابة، وكان مع عمر بن مالك مسانده، ةكان حليفاً لبني عبد بن قصى ؛ وقبل ذلك ما قد خرج هرقل حتى شمشاط ؛ فلما نزل القوم الرهاء أدرب فنفذ نحو القسطنطينية، ولحقه رجل من الروم كان أسيراً في أيدي المسلمين، فأفلت، فقال: له أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: احدثك كأنك تنظر إليهم ؛ فرسان بالنهار ورهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه، فقال: لئن كنت صدقتني ليرثنى ما تحت قدمي هاتين.
وعن عبادة وخالد، أن هرقل كان كلما حج بيت المقدس فخلف سورية، وظعن في أرض الروم التفت فقال: عليك السلام يا سورية تسليم مودع لم يقض منك وطره، وهو عائد. فلما توجه المسلمون نحو حمص عبر الماء، فنزل الرهاء، فلم يزل بها حتى طلع أهل الكوفة وفتحت قنسرين وقتل ميناس، فخنس عند ذلك إلى شمشاط ؛ حتى إذا فصل منها نحو الروم علا على شرف، فالتفت ونظر نحو سورية، وقال: عليك السلام يا سورية، سلاماً لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومى أبداً إلا خائفاً، حتى يولد المولود المشئوم، ويا ليته لا يولد ! ما أحلى فعله، وأمر عاقبته على الروم!
وعن أبى الزهراء وعمرو بن ميمون، قالا: لما فصل هرقل من شمشاط داخلا الروم التفت إلى سورية، فقال: قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، فأما اليوم فعليك السلام يا سورية تسلم المفارق، ولا يعود إليك رومى أبداً إلا خائفاً، حتى يولد المولود المشئوم، وليته لم يولد! ومضى حتى نزل القسطنطينية. وأخذ أهل الحصون التي بين اسكندرية وطرسوس معه ؛ لئلا يسير المسلمون لا يجدون بها أحداً، وربما كمن عندها الروم ؛ فأصابوا غرة المتخلفين، فاحتاط المسلمون لذلك.
ذكر فتح قيسارية وحصار غزةذكر سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة، عن خالد وعبادة، قالا لما انصرف أبو عبيدة وخالد إلى حمص من فحل، نزل عمرو وشرحبيل على بيسان فافتتحاها، وصالحته الأردن، واجتمع عسكر الروم بأجنادين. وبيسان وغزة، وكتبوا إلى عمر بتفرقهم، فكتب إلى يزيد بأن يدفئ ظهورهم بالرجال، وأن يسرح معاوية إلى قبسارية. وكتب إلى عمرو يأمره بصدم الأرطبون، وإلى علقمة بصدم الفيقار.
وكان كتاب عمر إلى معاوية: أما بعد، فإني قد وليتك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا مولانا، نعم المولى ونعم النصير)). فانتهى الرجلان إلى ما أمرا به، وسار معاوية في جنده حتى نزل على أهل قيسارية وعليهم أبنى، فهزمه وحصره في قيسارية. ثم إنهم جعلوا يزاحفونه، وجعلوا لا يزاحفونه من مرة إلا هزمهم وردهم إلى حصنهم. ثم زاحفوه آخر ذلك، وخرجوا من صياصيهم، فاقتتلوا في حفيظة واستماتة، فبغلت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفاً، كملها في هزيمتهم مائة ألف، وبعث بالفتح مع رجلين من بني الضبيب، ثم خاف منهما الضعف، فبعث عبد الله بن علقمة الفراسي وزهير بن الحلاب الخثعمى، وأمرهما أن يتبعاهما ويسبقاهما، فلحقاهما، فطوياهما وهما نائمان. وابن علقمة يتمثل وهي هجيراه:
أرق عيني أخوا جذام ... كيف أنام وهما أمامي!
إذ يرحلان والهجير طامي ... أخو حشيم وأخو حرام
وانطلق علقمة بن مجزز، فحصر الفيقار بغزة، وجعل يراسله، فلم يشفه مما يريد أحد ؛ فأتاه كأنه رسول علقمة، فأمر الفيقار رجلاً أن يقعد له بالطريق، فإذا مر قتله، ففطن علقمة، فقال: إن معى نفراً شركائي في الرأى، فأنطلق فآتيك بهم ؛ فبعث إلى ذلك الرجل: لا تعرض له. فخرج من عنده ولم يعد، وفعل كما فعل عمرو بالأرطبون، وانتهى بريد معاوية إلى عمر بالخبر، فجمع الناس وأباتهم على الفرح ليلاً، فحمد الله وقال: لتحمدوا الله على فتح قيسارية، وجعل معاوية قبل الفتح وبعده يحبس الأسرى عنده، ويقول: ما صنع ميخائيل بأسرانا صنعنا بأسراهم مثله، ففطمه عن العبث بأسرى المسلمين حتى افتتحها.
ذكر فتح بيسان ووقعه أجنادين
ولما توجه علقمة إلى غزة وتوجه معاوية إلى قيسارية، صمد عمرو بن العاص إلى الأرطبون، ومر بإزائه، وخرج معه شرحبيل بن حسنة على مقدمته، واستخلف على عمل الأردن أبا الأعور، وولى عمرو بن العاص مجنبتيه عبد الله بن عمرو وجناده بن تميم المالكي ؛ مالك بن كنانة، فخرج حتى ينزل علىالروم بأجنادين، والروم في حصونهم وخنادقهم وعليهم الأرطبون. وكان الأرطبون أدهى الروم وأبعدها غوراً، وأنكاها فعلاً، وقد كان وضع بالرملة جنداً عظيماً، وبإيلياء جنداً عظيماً ؛ وكتب عمرو إلى عمر بالخبر ؛ فلما جاءه كتاب عمرو، قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تتفرج ! وجعل عمر رحمه الله من لدن وجه أمراء الشأم يمد كل أمير جند ويرميه بالأمداد؛ حتى إذا أتاه كتاب عمرو بتفريق الروم، كتب إلى يزيد أن يبعث معاوية في خيله إلى قيسارية، وكتب إلى معاوية بإمرته على قتال أهل قيسارية؛ وليشغلهم عن عمرو؛ بن حكيم الفراسي ومسروق بن فلان العكي على قتال أهل إيلياء، فصاروا بإزاء أهل إيلياء، فشغلوهم عن عمرو ؛ وبعث أبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، وكان بإزائهما، ولما تتابعت الأمداد على عمرو، بعث محمد بن عمرو مدداً لعلقمة ومسروق، وبعث عمارة بن عمرو، بن أمية الضمرى مدداً لأبي أيوب، وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطه، ولا تشفيه الرسل، فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، وسمع كلامه، وتأمل حصونه حتى عرف ما أراد. وقال أرطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو، أو إنه للذي يأخذ عمرو برأيه؛ وما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله. ثم دعا حرسياً فساره بقتله، فقال: اخرج. فقم مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، وفطن له عمرو، فقال: قد سمعت منى وسمعت منك، فأما ما قتله فقد وقع منى موقعاً؛ وأنا واحد من عشرة؛ بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن ورأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير ؛ وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، وكنت على رأس أمرك. فقال: نعم، ودعا رجلاً فساره، وقال: اذهب إلى فلان فرده إلى، فرجع إليه الرجل وقال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك ؛ فخرج عمرو ورأى ألا يعود لمثلها، وعلم الرومى بأنه قد خدعه، فقال: خدعني الرجل ؛ هذا أدهى الخلق. فبلغت عمر، فقال: غلبه عمرو، لله عمرو! وناهده عمرو، وقد عرف مأخذه وعاقبته، والتقوا ولم يجد من ذلك بداً فالتقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالاً شديداً كقتال اليرموك ؛ حتى كثرت القتلى بينهم.
ثم أن أرطبون انهزم في الناس فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين. ولما أتى أرطبون إيلياء أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجنادين، فانضم علقمة ومسروق ومحمد بن عمرو وأبو أيوب إلى عمرو بأجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري ؛ أنت في قومك مثلى في قومى ؛ والله لا تفتتح من فلسطين شيئاً بعد أجنادين، فارجع ولا تغر فتلقى ما لقى الذين قبلك من الهزيمة. فدعا عمرو رجلاً يتكلم بالرومية، فأرسله إلى أرطبون، وأمره أن يغرب ويتنكر، وقال: استمع ما يقول حتى تخبرني به إذا رجعت إن شاء الله.
وكتب إليه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، وأستعدى عليك فلاناً وفلاناً - لو زرائه - فأقرئهم كتابي، ولينظروا فيما بيني وبينك.
فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر، فضحكوا وتعجبوا، واقبلوا على أرطبون، فقالوا: من أين علمت أنه ليس بصاحبها؟ قال: صاحبها رجل اسمه ((عمر)) ثلاثة أحرف ؛ فرجع الرسول إلى عمرو فعرف أنه عمر.
وكتب إلى عمر يستمده، ويقول: إني أعالج حرباً كئوداً صدوماً وبلاداً ادخرت لك ، فرأيك. ولما كتب عمرو إلى عمر بذلك، عرف أن عمراً لم يقل إلا بعلم، فنادى في الناس، ثم خرج فيهم حتى نزل بالجابية. وجميع ما خرج عمر إلى الشأم أربع مرات، فأما الأولى فعلى فرس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصر عنها أن الطاعون مستعر، وأما الرابعة فدخلها على حمار. فاستخلف عليها، وخرج وقد كتب مخرجه أول مرة إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بالجابية - ليوم سماه لهم في المجردة - وأن يستخلفوا على أعمالهم. فلقوه حيث رفعت لهم الجابية ؛ فكان أول من لقيه يزيد ثم أبو عبيدة ثم خالد على الخيول ؛ عليهم الديباج والحرير، فنزل وأخذ الحجارة، فرماهم بها، وقال: سرع ما لفتم عن رأيكم! إياي تستقبلون في هذا الزي ؛ وإنما شبعتم منذ سنتين ! سرع ما ندت بكم البطنة! وتالله لو فعلتموها على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنها يلامقة، وإن علينا السلاح، قال: فنعم إذاً. وركب حتى دخل الجابية وعمرو وشرحبيل بأجنادين لم يتحركا من مكانهما.
ذكر فتح بيت المقدسوعن سالم بن عبد الله، قال: لما قدم عمر رحمه الله الجابية، قال له رجل من يهود: يا أمير المؤمنين ؛ لا ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء ؛ فبينا عمر بن الخطاب بها ؛ إذ انظر إلى كردوس من خيل مقبل، فلما دنوا منه سلوا السيوف، فقال عمر: هؤلاء قوم يستأمنون، فأمنوهم ؛ فأقبلوا فإذا هم أهل إيلياء، فصالحوه على الجزية، وفتحوها له، فلما فتحت عليه دعا ذلك اليهودي، فقيل له: إن عنده لعماً. قال: فسأله عن الدجال - وكان كثير المسألة عنه - فقال له اليهودي: وما مسألتك عنه يا أمير المؤمنين! فأنتم والله معشر العرب تقتلونه دون باب لد ببضع عشرة ذراعاً.
وعن سالم، قال: لما دخل عمر الشأم تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال: السلام عليك يا فاروق! أنت صاحب إيلياء لا والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء ؛ وكانوا قد أشجوا عمراً وأشجاهم ؛ ولم يقدر عليها ولا على الرملة، فبينا عمر معسكراً بالجابية، فزع الناس إلى السلاح، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا ترى الخيل والسيوف ! فنظر، فإذا كردوس يلمعون بالسيوف ؛ فقال عمر: مستأمنة، ولا تراعوا وأمنوهم ؛ فأمنوهم ؛ وإذا هم أهل إيلياء، فأعطوه واكتتبوا منه على إيلياء وحيزها، والرملة وحيزها ؛ فصارت فلسطين نصفين: نصف مع أهل إيلياء، ونصف مع أهل الرملة؛ وهم عشر كور، وفلسطين تعدل الشأم كله ؛ وشهد ذلك اليهودي الصلح، فسأله عمر عن الدجال ؛ فقال: هو من بني بنيامين ؛ وأنتم والله يا معشر العرب تقتلونه على بضع عشرة ذراعاً من باب لد.
وعن خالد وعبادة، قالا: كان الذي صالح فلسطين العوام من أهل إيلياء والرملة ؛ وذلك أن أرطبون والتذارق لحقاً بمصر مقدم عمر الجابية، وأصبيا بعد في بعض الصوائف .
وقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشأم، أن أبا عبيدة حضر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشأم، وأن يكون المتولى للعقد عمر بن الخطاب ؛ فكتب إليه بذلك، فسار عن المدينة.
وعن عدى بن سهل، قال: لما استمد أهل الشأم عمر على أهل فلسطين، استخلف علياً، وخرج ممداً لهم، فقال على: أين تخرج بنفسك! إنك تريد عدواً كلباً، فقال: إني أبادر بجهاد العدو موت العباس ؛ إنكم لو قد فقدتم العباس لا نتقض بكم الشر كما ينتقض أول الحبل.
قال: وانضم عمرو وشرحبيل إلى عمر بالجابية حين جرى الصلح فيما بينهم، فشهد الكتاب.
وعن خالد وعباده، قالا: صالح عمر أهل إيلياء بالجابية، وكتب لهم فيها الصلح لكل كورة كتاباً واحداً، ما خلا أهل إيلياء.
بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ؛ أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ؛ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت ؛ فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم مأمنهم ؛ ومن أقام منهم فهو آمن ؛ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنوا على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم ؛ ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم ؛ وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. وكتب وحضر سنة خمس عشرة.
فأما سائر كتبهم فعلى كتاب لد. بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم ؛ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا مللها، ولا من صلبهم ولا من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ؛ ولا يضار أحد منهم ؛ وعلى أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل مدائن الشأم، وعليهم إن خرجوا مثل ذلك الشرط إلى آخره. ثم سرح إليهم، وفرق فلسطين على رجلين، فجعل علقمة بن حكيم على نصفها وأنزله الرملة، وعلقممة بن مجزز على نصفها وأنزله إيلياء ؛ فنزل كل واحد منهما في عمله في الجنود التي معه.
وعن سالم ، قال: استعمل علقمة بن مجزز على إيلياء وعلقمة بن حكيم على الرملة في الجنود التي كانت مع عمرو وضم عمراً وشرحبيل إليه بالجابية، فلما انتهيا إلى الجابية، وافقاً عمر رحمه الله راكباً، فقبلا ركبتيه، وضم عمر كل واحد منهما محتضنهما .
وعن عبادة وخالد، قالا: ولما بعث عمر بأمان أهل إيلياء وسكنها الجند، شخص إلى بيت المقدس من الجابية، فرأى فرسه يتوجى ، فنزل عنه، وأتى ببرذون فركبه، فهزه فنزل، فضرب وجهه بردائه، ثم قال: قبح الله من علمك هذا! ثم دعا بفرسه بعد ما أجمه أياماً يوقحه فركبه، ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس.
وعن أبي صفية ؛ شيخ من بني شيبان، قال: لما أتى عمر الشأم أتى ببرذون فركبه، فلما سار جعل يتخلج به، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علم الله من علمك! هذا من الخيلاء ؛ ولم يركب برذونا قبله ولا بعده. وفتحت إيلياء وأرضها كلها على يديه، ما خلا أجنادين فإنها فتحت على يدى عمرو، وقيسارية على يدي معاوية وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: افتتحت إيلياء وأرضها على يدي عمر في ربيع الآخر سنة ست عشرة.
وعن أبى مريم مولى سلامة، قال: شهدت فتح إيلياء مع عمر رحمه الله، فسار من الجابية فاصلاً حتى يقدم إيلياء، ثم مضى حتى يدخل المسجد، ثم مضى نحو محراب داود ؛ ونحن معه، فدخله ثم قرأ سجده داود، فسجد وسجدنا معه.
وعن رجاء بن حيوة، عمن شهد ؛ قال: لما شخص عمر من الجانية إلى إيلياء، فدنا من باب المسجد، قال: ارقبوا لي كعباً، فلما انفرق به الباب، قال: لبيك، اللهم لبيك، بما هو أحب إليك! ثم قصد المحراب ؛ محراب داود عليه السلام، وذلك ليلاً، فصلى فيه، ولم يلبث أن طلع الفجر، فأمر المؤذن باٌقامة، فتقدم فصلى بالناس، وقرأ بهم ((ص))، وسجد فيها، ثم قام، وقرأ بهم في الثانية صدر ((بني إسرائيل)) ، ثم ركع ثم انصرف، فقال: على بكعب، فأتى به، فقال: أين ترى أن نجعل المصلى؟ فقال:إلى الصخرة، فقال: ضاهيت والله اليهودية يا كعب، وقد رأيتك، وخلعك نعليك، فقال: أحببت أن أباشره بقدمي، فقال: قد رأيتك،بل نجعل قبلته صدره، كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها، اذهب غليك، فإنا لم نؤمر بالصخرة، ولكنا أمرنا بالكعبة، فجعل قبلته صدره، ثم قام من مصلاة إلى كناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني إسرائيل ؛ فلما صار إليهم أبرزوا بعضها، وتركوا سائرها، وقال: يا أيها الناس، اصنعوا كما أصنع، وجثا في أصلها، وجثا في فرج من فروج قبائه، وسمع التكبير من خلفه، وكان يكره سوء الرعة في كل شئ فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبر كعب وكبر الناس بتكبيره فقال: على به فأتى به، فقال: يا أمير المؤمنين ؛ إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة، فقال: وكيف ؟ فقال: إن الروم أغاروا على بني إسرائيل، فأديلوا عليهم، فدفنوه، ثم أديلوا فلم يفرغوا ثم أدليت الروم عليهم إلى أن وليت، فبعث الله نبياً على الكناسة، فقال: أبشرى أورى شلم! عليك الفاروق ينقيك مما فيك. وبعث إلى القسطنطينية نبي؛ فقام على تلها، فقال: يا قسطنطينية، ما فعل أهلك ببيتي! أخرجوه وشبهوك كعرشي؛ وتأولوا على، فقد قضيت عليك أن أجعلك جلحاء يوماً ما، لا يأوى إليك أحد، ولا يستظل فيك على أيدي بني القاذر سبأ وودان ؛ فما أمسوا حتى ما بقي شئ.
وعن ربيعة الشامي بمثله ؛ وزاد: أتاك الفاروق في جندي المطيع، ويدركون لأهلك بثأرك في الروم. وقال في قسطنطينية: أدعك جلحاء بارزة للشمس، لا يأوى إليك أحد، ولا تظلينه.
وعن أنس بن مالك، قال: شهدت إيلياء مع عمر، فبينا هو يطعم الناس يوماً بها أتاه راهبا وهو لا يشعر أن الخمر محرمة، فقال: هل لك في شراب نجده في كبتنا حلالاً إنا حرمت الخمر! فدعاه بها قال: من أي شئ هذا؟ فأخبره أنه طبخه عصيراً، حتى صار إلى ثلثه، فغرف بإصبعه، ثم حركه في الإناء فشطره، فقال: هذا طلاء ؛ فشبهه بالقطران، وشرب منه، وأمروأمراء الأجناد بالشأم به ؛ وكتب في الأمصار: إني أتيت بشراب مما قد طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه كالطلاء، فاطبخوه وارزقوه المسلمين.
وعن أبي عثمان وأبي حارثة، قالا: ولحق أرطبون بمصر مقدم عمر الجابية، ولحق به من أحب ممن أبى الصلح، ثم لحق عند صلح أهل مصر، وغلبهم بالروم في البحر، وبقى بعد ذلك ؛ فكان يكون على صوائف الروم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين فيختلف هو ورجل من قيس يقال له ضريس ؛ فقطع يد القيسى، وقتله القيسى ، فقال:
فإن يكن أرطبون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد الله منتفعاً
بنانتان وجرموز أقيم به ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعاً
وإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعاً
وقال زياد بن حنظلة:
تذكرت حرب الروم لما تطاولت ... وإذ نحن في عام كثير نزائله
وإذ نحن في أرض الحجاز وبيننا ... مسيرة شهر بينهن بلابله
وإذ أرطبون الروم يحمى بلاده ... يحاوله قرم هناك يساجله
فلما رأى الفاروق أزمان فتحها ... سما بجنود الله كيما يصاوله
فلما أحسوه وخافوا صواله ... أتوه وقالوا أنت ممن بواصله
وألقت إليه الشأم أفلاذ بطنها ... وعيشاً خصيباً ما تعد مآكله
أباح لنا ما بين شرق ومغرب ... مواريث أعقاب بنتها قرامله
وكم مثقل لم يضطلع باحتماله ... تحمل عبئاً حين شالت شوائله
وقال أيضاً:
سما عمر لما أتته رسائل ... كأصيد يحمى صرمة الحي أغيدا
وقد عضلت بالشأم أرض بأهلها ... تريد من الأقوام من كان أنحدا
فلما أتاه ما أتاه أجابهم ... بجيش ترى منه الشبائك سجدا
وأقبلت الشأم العريضة بالذي ... أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا
فقسط فيما بينهم كل جزية ... وكل رفاد كان أهنا وأحمدا
ذكر فرض العطاء وعمل الديوانوفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين الفروض، ودون الدواووين، وأعطى العطايا على السابقة، وأعطى صفوان بن أمية والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو في أهل الفتح أقل ما أخذ من قبلهم، فامتنعوا من أخذه وقالوا: لا نعترف أن يكون أحداً أكرم منا، فقال: إنى إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب ؛ قالوا: فنعم إذاً ، وأخذوا، وخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشأم ؛ فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب ؛ وقيل: ماتا في طاعون عمواس .
ولما أراد عمر وضع الديوان، قال له على وعبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك، قال: لا، بل أبدأ بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأقرب فالأقرب؛ ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف؛ في ذلك من شهد الفتح وقاتل عن أبي بكر، ومن ولى الأيام قبل القادسية؛ كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف. ثم فرض لأهل القادسية وأهل الشأم ألفين ألفين؛ وفرض لأهل البلاء البارع منهم ألفين وخمسمائة، ألفين وخمسمائة، فقيل له: لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، وقيل له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه، فقال: من قربت دارهأحق بالزيادة، لأنهم كانوا ردءاً للحوق وشجى للعدو، فهلا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار ؟فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم ؛ وهاجر إليهم المهاجرون من بعد ؛ وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفاً ألفاً، ثم فرض للروادف: المثنى خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم ؛ ثلثمائة ثلثمائة؛ سوى كل طبقة في العطاء، قويهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين، وألحق بأهل بدر أربعة من غير أهلها: الحسن والحسين وأباذر وسلمان ؛ وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفاً - وقيل. أثنى عشر ألفاً - وأعطى نساء النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف عشرة آلاف ؛ إلا من جرى عليها الملك ؛ فقال نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلنا عليهن في القسمة ؛ فسو بيننا ؛ ففعل وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها فلم تأخذ ؛ وجعل نساء أحل بدر في خمسمائة خمسمائة، ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة؛ ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلثمائة ثلثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين مائتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبان سواء على مائة مائة مسكيناً، وأطعمهم الخبر، فأحصوا ما أكلوا، فوجدوه يخرج من جريبتين، ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبتين في الشهر.
وقال عمر قبل موته: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، ألفاً يجعلها الرجل في أهله، وألفاً يزودها ، وألفاً يتجهز بها وألفاً يتفرق بها ؛ فمات قبل أن يفعل .
قال أبو جعفر الطبري: كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف ؛ عن محمد وطلحة والمهلب وزيادة والمجالد وعمرو، عن الشعبي ؛ وإسماعيل عن الحسن ، وابى ضمرة عن عبد الله بن المستورد عن محمد بن سيرين، ويحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب، والمستنير بن يزيد عن إبراهيم، وزهرة عن أبى سلمة، قالوا: فرض عمر العطاء حين فروض لأهل الفئ الذين أفاء الله عليهم ؛ وهم أهل المدائن، فصاروا بعد إلى الكوفة، انتقوا عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ودمشق وحمص والأردن وفلسطين ومصر، وقال: الفئ لأهل هؤلاء الأمصار ولمن لحق بهم وأعانهم، وأقام معهم ولم يفرض لغيرهم؛ ألا فبهم سكنت المدائن والقرى، وعليهم جرى الصلح؛ وإليهم أدى الجزاء، وبهم سدت الفروج ودوخ العدو. ثم كتب في إعطاء أهل العطاء أعطياتهم إعطاءاً واحداً سنة خمس عشرة.
وقال قائل: يا أمير المؤمنين، لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها ؛ وهي فتنة لمن بعدى؛ بل أعد لهم ما أمرنا الله ورسوله طاعة لله ورسوله ؛ فهما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد ؛ قالوا: لما فتح الله على المسلمين وقتل رستم، وقدمت على عمر الفتوح من الشأم جمع المسلمين، فقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعاً: أما لخاصته فقوته وقوت عياله، لا وكس ولا شطط، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابتان إلى جهاده وحوائجه وحملانه إلى حجة وعمرته، والقسم بالسوية، أن يعطى أهل البلاء على قدر بلائهم، ويرم أمور الناس بعد ؛ ويتعاهدهم عند الشدائد والنوازل حتى تكشف، ويبدأ بأهل الفئ.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: جمع الناس عمر المدينة حين انتهى إليه فتح القادسية ودمشق، فقال: إني كنت امرأ تاجراً، يغنى الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم، فماذا ترون أنه يحل لي من هذا المال ؟ فأكثر القوم وعلى عليه السلام ساكت، فقال: ما تقول يا علي؟ فقال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره، فقال القوم: القول قول ابن أبي طالب.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن نافع، عن أسلم، قال: رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: ما يحل لك من هذا المال؟ فقال: ما اصلحنى وأصلح عيالي بالمعروف، وحلة الشتاء وحلة الصيف، وراحلة عمر للحج والعمرة، ودابة في حوائجه وجهاده.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما ولى عمر قعد على رزق أبي بكر الذي كانوا فرضوا له، فكان بذلك ؛ فاشتدت حاجته، فاجتمع نفر من المهاجرين منهم عثمان، وعلى طلحة، والزبير، فقال الزبير: لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه فقال على: وددنا قبل ذلك ؛ فانطلقوا بنا فقال عثمان: إنه عمر! فهلموا فلنستبرئ ما عنده من وراء؛ نأتى حفصة فنسألها ونستكتمها ، فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر، ولا تسمى له أحداً، إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها، فلقيت عمر في ذلك ، فعرفت الغضب في وجهه، وقال: من هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك، فقال: لو علمت من هم لسؤت وجوهم ؛ أنت بيني وبينهم! أنشدك بالله؛ ما أفضل ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد، ويخطب فيهما للجمع ؛ قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خبزة شعير، فصببنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا، فجعلناها هشة دسمة؛ فأكل منها وتطعم منها استطابة لها. قال: فأي مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء لنا ثخين كنا نربعه في الصيف، فنجعله تحتنا ، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه ، قال : يا حفصة؛ فأبلغيهم عني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر فوضع الفضول مواضعها؛ وتبلغ بالتزجية ، وإني قدرت فو الله لأضعن الفضول مواضعها، ولأتبلغن بالتزجية؛ وإنما مثلى ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقاً ؛ فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ ، ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه ، فأفضى إليه ، ثم اتبعه الثالث ، فإن لزم طريقهما ورضى بزادهما لحق بهما وكان معهما ؛ وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما .
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطية ، عن أصحابه . والضحاك عن ابن عباس ، قال : لما افتتحت القادسية وصالح من صالح من أهل السواد وافتتحت دمشق ، وصالح أهل دمشق ، قال عمر للناس : اجتمعوا فأحضروني علمكم فيما أفاء الله على أهل القادسية وأهل الشأم . فاجتمع رأى عمر وعلي على أن يأخذوا من قبل القرآن ، فقالوا : " ماأفاء الله على رسوله من أهل القرى " - يعنى من الخمس - " فلله وللرسول " ؛ إلى الله وإلى الرسول ؛ من الله الأمر وعلى الرسول القسم " ولذي القربى واليتامى والمساكين.. " الآية ، ثم فسروا ذلك بالآية التي تليها : " للفقراء المهاجرين.. " الآية ، فأخذوا الأربعة أخماس على ما قسم عليه الخمس فيمن بدئ به وثنى وثلث ، وأربعة أخماس لمن أفاء الله عليه المغنم . ثم استشهدوا على ذلك أيضاً : " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " ، فقسم الأخماس على ذلك ، واجتمع على ذلك عمر وعلي ، وعمل به المسلمون بعده ، فبدأ بالمهاجرين ، ثم بالأنصار ، ثم التابعين الذين شهدوا معهم وأعانوهم ، ثم فوض الأعطية من الجزاء على من صالح أو دعى إلى الصلح من جزائه ، مردود عليهم بالمعروف ؛ وليس في الجزاء أخماس ، والجزاء لمن منع الذمة. ووفى لهم ممن ولى ذلك منهم؛ ولمن لحق بهم فأعانهم، إلا أن يؤاسوا بفضلة من طيب أنفس منهم من لم ينل مثل الذي نالوا.
قال الطبري: وفي هذه السنة - أعنى سنة خمس عشرة - كانت وقعات في قول سيف بن عمر، وفي قول ابن إسحاق : كان ذلك في سنة ست عشرة، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبل؛ وكذلك ذلك في قول الواقدي.
نذكر الآن الأخبار التي وردت بما كان بين ما ذكرت من الحروب إلى انقضاء السنة التي ذكرت أنهم اختلفوا فيما كان فيها من ذلك: كتب إلى السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: عهد عمر إلى سعد حين أمره بالسير إلى المدائن أن يخلف النساء والعيال بالعتيق، ويجعل معهم كثفا من الجند ، ففعل وعهد إليه أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم . قالوا : وكان مقام سعد بالقادسية بعد الفتح شهرين في مكاتبة عمر في العمل بما ينبغي ، فقدم زهرة نحو اللسان - واللسان لسان البر الذي أدلعه في الريف ، وعليه الكوفة اليوم ، والحيرة قبل اليوم - والنخيرجان معسكر به ، فارفض ولم يثبت حين سمع بمسيرهم إليه ، فلحق بأصحابه . قالوا : فكان مما يلعب به الصبيان في العسكر وتلقيه النساء عليهم ، وهم على شاطئ العتيق ، أمر كان النساء يلعبن به في زرود وذي قار ؛ وتلك الأمواه حين أمروا بالسير في جمادى إلى القادسية ، وكان كلاماً أبدن فيه كالأوابد من الشعر ؛ لأنه ليس بين جمادى ورجب شئ :
العجب كل العجب ... بين جمادى ورجب
أمر قضاه قد وجب ... يخبره من قد شجب
تحت غبار ولجب خبر يوم برس قال : ثم إن سعدا ارتحل بعد الفراغ من أمر القادسية كله ، وبعد تقديم زهرة بن الحوية في المقدمات إلى اللسان ، ثم أتبعه عبد الله بن المعتم ، ثم أتبع عبد الله شرحبيل بن السمط ، ثم أتبعهم هاشم بن عتبة ، وقد ولاه خلافته ، عمل خالد بن عرفطة ، وجعل خالداً على الساقة ، ثم أتبعهم وكل المسلمين فارس مؤد قد نقل الله إليهم ما كان في عسكر فارس من سلاح وكراع ومال ، لأيام بقين من شوال ، فسار زهرة حتى ينزل الكوفة - والكوفة كل حصباء حمراء وسهلة حمراء مختلطتين - ثم نزل عليه عبد الله وشرحبيل، وارتحل زهرة حين نزلا عليه نحو المدائن ، فلما انتهى إلى برس لقيه بها بصبهرى في جمع فناوشوه فهزمهم، فهرب بصبهري ومن معه إلى بابل وبها فالة القادسية وبقايا رؤسائهم: النخيرجان ومهران الرازي والهرمزان وأشباههم؛ فأقاموا واستعملوا عليهم الفيرزان، وقدم عليهم بصبهري وقد نجا بطعنة، فمات منها.
كتب إلى السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال : طعن زهرة بصبهري في يوم برس ، فوقع في النهر فمات من طعنته بعد ما لحق ببابل؛ ولما هزم بصبهري أقبل بسطام دهقان برس، فاعتقد من زهرة وعقد له الجسور، وأتاه بخير الذين اجتمعوا ببابل.
يوم بابل
قالوا: ولما أتى بسطام زهرة بالخبر عن الذين اجتمعوا ببابل من فلال القادسية، أقام وكتب إلى سعد بالخبر. ولما نزل سعد على من بالكوفة مع هاشم بن عتبة، وأتاه الخبر عن زهرة باجتماع الفرس ببابل على الفيرزان، قدم عبد الله، وأتبعه شرحبيل وهاشماً، ثم ارتحل بالناس، فلما نزل عليهم برس، قدم زهرة فأتبعه عبد الله وشرحبيل وهاشما، واتبعهم فنزلوا على الفيرزان ببابل، وقد قالوا: نقاتلهم دستاً قبل أن نفترق ، فاقتتلوا ببابل ، فهزموهم في أسرع من لفت الرداء، فانطلقوا على وجوههم؛ ولم يكن لهم همة إلا الإفتراق، فخرج الهرمزان متوجها نحو الأهواز، فأخذها فأكلها ومهرجان قذق، وخرج الفيرزان معه حتى طلع على نهاوند، وبها كنوز كسرى ؛ فأخذها وأكل الماهين ، وصمد النخيرجان ومهران الرازي للمدائن، حتى عبرا بهرسير إلى جانب دجلة الآخر ، ثم قطعا الجس، وأقام سعد ببابل أياماً ، وبلغه أن النخيرجان قد خلف شهريار ؛ دهقانا من دهاقين الباب بكوثى في جمع، فقدم زهرة ثم أتبعه الجنود، فخرج زهرة حتى ينزل على شهريار بكوثى بعد قتل فيومان والفرخان فما بين سورا والدير.
كتب إلى السري، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السري، عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: كان سعد قدم زهرة من القادسية فمضى متشعباً في حربه وجنده، ثم لم يلق جمعاً فهزمهم إلا قدم، فأتبعهم لا يمرون بأحد إلا قتلوه ممن لحقوا به منهم أو أقام لهم، حتى إذا قدمه من بابل قدم زهرة بكير بن عبد الله الليثي وكثير بن شهاب السعدي أخا الغلاق حين عبر الصراة، فيلحقون بأخريات القوم وفيهم فيومان والفرخان؛ هذا ميساني وهذا أهوازي، فقتل بكير الفرخان، وقتل كثير فيومان بسورا. ثم مضى زهرة حتى جاوز سورا، ثم نزل، وأقبل هاشم حتى نزل عليه، وجاء سعد حتى ينزل عليهم، ثم قدم زهرة ، فسار تلقاء القوم، وقد أقاموا له فيما بين الدير وكوثى، وقد التخلف النخيرجان ومهران على جنودهما شهريار، دهقان الباب. ومضيا إلى المدائن، وأقام شهريار هنالك ، فلما التقوا بأكناف كوثى ؛ جيش شهريار وأوائل الخيل ، خرج فنادى: ألا رجل ، ألا فارس منكم شديد عظيم يخرج إلى حتى أنكل به! فقال زهرة : لقد أردت أن أبارزك؛ فأما إذ سمعت قولك ، فإني لا أخرج إليك إلا عبداً؛ فإن أقمت له قتلك إن شاء الله ببغيك؛ وإن فررت منه فإنما فررت من عبد، وكايده ؛ ثم أمر أبا نباتة نائل بن جعشم الأعرجي - وكان من شجعان بني تميم - فخرج إليه، ومع كل واحد منهما الرمح، وكلاهما وثيق الخلق؛ إلا أن الشهريار مثل الجمل، فلما رأى نائلا ألقى الرمح ليعتنقه، وألقى نائل رمحه ليعتنقه، وانتضيا سيفيهما فاجتلدا، ثم اعتنقا فخرا عن دابتيهما، فوقع على نائل كأنه بيت ، فضغطه بفخذه، وأخذ الخنجر وأراغ حل أزرار درعه، فوقعت إبهامه في فم نائل، فحطم عظمهما، ورأى منه فتوراً، فثاوره فجلد به الأرض، ثم قعد على صدره، وأخذ خنجره، فكشف درعه عن بطنه، فطعنه في بطنه وجنبه حتى مات، فأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانكشف أصحابه، فذهبوا في البلاد، وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد، فأتى به سعداً، فقال سعد: عزمت عليك يا نائل بن جعشم لما لبست سواريه وقباءه ودرعه، ولتركبن برذونه! وغنمه ذلك كله. فانطلق، فتدرع سلبه، ثم أتاه في سلاحه على دابته، فقال: اخلع سواريك إلا أن ترى حرباً فتلبسهما؛ فكان أول رجل من المسلمين سور بالعراق.
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمر وسعيد ، قالوا : فأقام سعد بكوثى أياماً ، وأتى المكان الذي جلس فيه إبراهيم عليه السلام بكوثى ، فنزل جانب القوم الذين كانوا يبشرون إبراهيم ن وأتى البيت الذي كان فيه إبراهيم عليه السلام محبوساً ، فنظر إليه وصلى على رسول الله وعلى إبراهيم ، وعلى أنبياء الله صلوات الله عليهم ، وقرأ : " وتلك الأيام نداولها بين الناس " .
حديث بهرسير في ذي الحجة سنة خمس عشرة في قول سيف
كتب إلى السري ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد والنضر ، عن ابن الرفيل ، قالوا : ثم إن سعداً قدم زهرة إلى بهرسير ، فمضى زهرة من كوثى في المقدمات حتى ينزل بهرسير ، وقد تلقاه شيرزاذ بساباط بالصلح وتأدية الجزاء ، فأمضاه إلى سعد ، فأقبل معه وتبعته المجنبات ، وخرج هاشم ، وخرج سعد في أثره ، وقد فل زهرة كتيبة كسرى بوران حول المظلم ، وانتهى هاشم إلى مظلم ساباط ، ووقف لسعد حتى لحق به ، فوافق ذلك رجوع المقرط . أسد كان لكسرى قد ألفه وتخيره من أسود المظلم ؛ وكانت به كتائب كسرى التي تدعى بوران ، وكانوا يحلفون بالله كل يوم : لا يزول ملك فارس ما عشنا - ، فبادر المقرط الناس حين انتهى إليهم سعد ، فنزل إليه هاشم فقتله ، وسمى سيفه المتن ، فقبل سعد رأس هاشم ، وقبل هاشم قدم سعد ، فقدمه سعد إلى بهرسير ، فنزل إلى المظلم وقرأ : " أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال " ، فلما ذهب من الليل هدأة ارتحل ، فنزل على الناس ببهرسير ، وجعل المسلمون كلما قدمت خيل على بهرسير وقفوا ثم كبروا ، فكذلك حتى نجز آخر من مع سعد ، فكان مقامه بالناس على بهرسير شهرين ، وعبروا في الثالث .
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب ، وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد ، وعلى الطائف يعلى بن منية ، وعلى اليمامة والبحرين عثمان ابن أبي العاص ، وعلى عمان حذيفة بن محصن ، وعلى كور الشأم أبو عبيدة ابن الجراح ، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقاص ، وعلى قضائها أبو قرة ؛ وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة .
الجزء الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة ست عشرة
قال أبو جعفر: ففيها دخل المسلمون مدينة بهر سير، وافتتحوا المدائن، وهرب منها يزد جرد بن شهريار.
ذكر بقية خبر دخول المسلمين مدينة بهر سيركتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: لما نزل سعد على بهر سير بثّ الخيول، فأغارت على ما بين دجلة إلى عهد من أهل الفرات، فأصابوا مائة ألف فلاّح، فحسبوا، فأصاب كلّ منهم فلاحا؛ وذلك أنّ كلهم فارس ببهرسير. فخندق لهم، فقال له شيرزاذ دهقان ساباط: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئا؛ إنما هؤلاء علوج لأهل فارس لم يجرّوا إليك، فدعهم إلىّ حتى يفرق لكم الرأي. فكتب عليه بأسمائهم، ودفعهم إليه، فقال شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.
وكتب سعد إلى عمر: إنّا وردنا بهر سير بعد الذي لقينا فيما بين القادسيّة وبهر سير، فلم يأتنا أحد لقتال؛ فبثثت الخيول، فجمعت الفلاحين من القرى والآجام؛ فر رأيك.
فأجابه: إنّ من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين لم يعينوا عليكم فهو أمانهم، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به.
فلما جاء الكتاب خلّى عنهم. وراسله الدّهاقين، فدعاهم إلى الإسلام والرجوع، أو الجزاء ولهم الذمّة والمنعة، فتراجعوا على الجزاء والمنعة ولم يدخل في ذلك ما كان لآل كسرى، ومن دخل معهم؛ فلم يبق في غربي دجلة إلى أرض العرب سوادىّ إلاّ أمن واغتبط بملك الإسلام. واستقبلوا الخراج؛ وأقاموا على بهر سير شهرين يرمونها بالمجانيق ويدبّون إليهم بالدبّابات، ويقاتلونهم بكلّ عدّة.
كتب إلىّ السّرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام بن شريح الحارثيّ، عن أبيه، قال: نزل المسلمون على بهرسير، وعليها خنادقها وحرسها وعدّة الحرب، فرموهم بالمجانيق والعرادات، فاستصنع سعد شيرزاذ المجانيق، فنصب على أهل بهرسير عشرين منجنيقا، فشغلوهم بها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرىّ، عن ابن الرّفيل، عن أبيه، قال: فلما نزل سعد على بهرسير، كانت العرب مطيفة بها، والعجم متحصّنة فيها، وربما خرج الأعاجم يمشون على المسنّيات المشرفة على دجلة في جماعتهم وعدّتهم لقتال المسلمين؛ فلا يقومون لهم، فكان آخر ما خرجوا في رجّالة وناشبة، وتجرّدوا للحرب، وتبايعوا على الصّبر، فقاتلهم المسلمون فلم يثبتوا لهم، فكذّبوا وتولوا؛ وكانت على زهرة بن الجويّة درع مفصومة، فقيل له: لو أمرت بهذا الفصم فسرد! فقال: ولم؟ قالوا: نخاف عليك منه، قال: إنّي لكريم على الله، أن ترك سهم فارس الجند كلّه ثم أتاني من هذا الفصم، حتى يثبت فيّ! فكان أول رجل من المسلمين أصيب يومئذ بنشّابة، فثبتت فيه من ذلك الفصم؛ فقال بعضهم: انزعوها عنه، فقال: دعوني، فإنّ نفسي معي ما دامت فيّ، لعلّي أن أصيب منهم بطعنة أو ضربة أو خطوة، فمضى نحو العدوّ، فضرب بسيفه شهربراز من أهل إصطخر، فقتله، وأحيط به فقتل وانكشفوا.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت، عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن أسعد، عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت: لما فتح الله عزّ وجلّ وقتل رستم وأصحابه بالقادسيّة وفضّت جموعهم، اتّبعهم المسلمون حتى نزلوا المدائن، وقد ارفضّت جموع فارس، ولحقوا بجبالهم، وتفرّقت جماعتهم وفرسانهم، إلاّ أنّ الملك مقيم في مدينتهم، معه من بقي من أهل فارس على أمره.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن سماك بن فلان الهجيمىّ، عن أبيه ومحمد بن عبد الله،عن أنس بن الحليس، قال: بينا نحن محاصرو بهرسير بعد زحفهم وهزيمتهم، أشرف علينا رسول فقال: إنّ الملك يقول لكم: هل لكم إلى المصالحة على أنّ لنا ما يلينا من دجلة وجبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم! فبدر الناس أو مفزّر الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو ولا نحن؛ فرجع الرّجل ورأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقلنا: يا أبا مفزّر، ما قلت له؟ فقال: لا والذي بعث محمدا بالحقّ ما أدري ما هو؛ إلاّ أنّ علىّ سكينة، وأنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير؛ وانتاب الناس يسألونه حتى سمع بذلك سعد؛ فجاءنا فقال: يا أبا مفزّر، ما قلت؟ فو الله إنهم لهرّاب؛ فحدّثه بمثل حديثه إيّانا، فنادى في الناس، ثم نهد بهم؛ وإنّ مجانيقنا لتخطر عليهم؛ فما ظهر على المدينة أحد، ولا خرج إلينا إلاّ رجل نادى بالأمان فآمنّاه، فقال: إن بقي فيها أحد فما يمنعكم! فتسوّرها الرّجال، وافتتحناها، فما وجدنا فها شيئا ولا أحدا؛ إلاّ أسارى أسرناهم خارجا منها، فسألناهم وذلك الرجل: لأيّ شئ هربوا؟ فقالوا: بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح، فأجبتموه بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل أفريذين بأترجّ كوثى؛ فقال الملك: وايله ألا إنّ الملائكة تكلّم على ألسنتهم، تردّ علينا وتجيبنا عن العرب، والله لئن لم يكن كذلك؛ ما هذا إلاّ شئ ألقى على في هذا الرجل لننتهي؛ فأرزوا إلى المدينة القصوى.
كتب إلىّ السرىّ عن سيف، عن سعيد بن المرزبان، عن مسلم بمثل حديث سماك.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: لما دخل سعد والمسلمون بهرسير أنزل سعد الناس فيها، وتحوّل العسكر إليها، وحاول العبور فوجدوهم قد ضمّوا السفن فيما بين البطائح وتكريت. ولما دخل المسلمون بهرسير - وذلك في جوف الليل - لاح لهم الأبيض، فقال ضرار بن الخطاب: الله أكبر؟؟؟! أبيض كسرى؛ هذا ما وعد الله ورسوله، وتابعوا التكبير حتى أصبحوا. فقال محمد وطلحة: وذلك ليلة نزلوا على بهرسير.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان أبي مالك، قال: دفعنا إلى المدائن - يعني بهرسير - وهي المدينة الدّنيا، فحصرنا ملكهم وأصحابه، حتى أكلوا الكلاب والسنانير. قال: ثمّ لم يدخلوا حتى ناداهم مناد: والله ما فيها أحد؛ فدخلوها وما فيها أحد.
حديث المدائن القصوى
التي كان فيها منزل كسرى
================================================ج12.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
قال سيف: وذلك في صفر سنة ست عشرة، قالوا: ولما نزل سعد بهرسير، وهي المدينة الدنيا؛ طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى، فلم يقدر على شئ، ووجدهم قد ضمّوا السفن، فأقاموا ببهرسير أياما من صفر يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين، حتى أتاه أعلاج فدلّواه على مخاضة تخاض إلى صلب الوادي، فأبى وتردّد عن ذلك، وفجئهم المدّ، فرأى رؤيا؛ أنّ خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت من المدّ بأمر عظيم؛ فعزم لتأويل رؤياه على العبور؛ وفي سنة جود صيفها متتابع. فجمع سعد الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنّ عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه؛ فقد كفاكموهم أهل الأيام، وعطّلوا ثغورهم، وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدوّ بنيّاتكم قبل أن تحصركم الدّنيا. ألا إنيّ قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرّشد، فافعل. فندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: من يبدأ ويحمى لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس، وانتدب بعده ستّمائة من أهل النّجدات، فاستعمل عليهم عاصما، فسار فيهم حتة وقف على شاطئ دجلة، وقال: من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوّكم ولنحميكم حتى تعبروا؟ فانتدب له ستون؛ منهم أصمّ بنى ولاّد وشرحبيل، في أمثالهم، فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكورة، ليكون أساسا لعوم الخيل. ثم اقتحموا دجلة، واقتحم بقيّة الستمائة على أثرهم، فكان أوّل من فصل من الستين أصمّ التيم، والكلج، وأبو مفزّر، وشرحبيل، وجحل العجلى. ومالك بن كعب الهمدانىّ، وغلام من بنى الحارث بن كعب؛ فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أعدّوا للخيل التي تقدمت سعدا مثلها، فاقتحموا عليهم دجلة، فأعاموها إليهم، فلقوا عاصما في السّرعان، وقد دنا من الفراض، فقال عاصم: الرّماح الرماح! أشرعوها وتوخّوا العيون؛ فالتقوا فاطّعنوا، وتوخّى المسلمون عيونهم، فولّوا نحو الجدّ، والمسلمون يشمّصون بهم خيلهم. ما يملك رجالها منع ذلك منها شيئا. فلحقوا بهم في الجدّ، فقتلوا عامّتهم، ونجا من نجا منهم عورانا، وتزلزلت بهم خيولهم، حتى انتقضت عن الفراض، وتلاحق الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين. ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها، أذن للناس في الاقتحام، وقال: قولوا نستعين بالله، ونتوكّل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وتلاحق عظم الجند، فركبوا اللجّة، وإنّ دجلة لترمى بالزّبد، وإنها لمسودّة، إنّ الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقتربوا ما يكترثون، كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض، ففجئوا أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم، فأجهضوهم وأعجلوهم عن جمهور أموالهم، ودخلها المسلمون في صفر سنة ست عشرة، واستولوا على ذلك كلّه مما بقى في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف، ومما جمع شيرى ومن بعده. وفي ذلك يقول أبو بجيد نافع بن الأسود:
وأسلنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برّهنّ أريضا
فانتثلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولّوا وحاص منّا جريضا
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن أبي طيبة، عن أبيه، قال: لما أقام سعد على دجلة أتاه علج، فقال: ما يقيمك! لا يأتي عليك ثالثة حتى يذهب يزدجرد بكل شئ في المدائن؛ فذلك مما هيّجه على القيام بالدّعاء إلى العبور.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن رجل، عن أبي عثمان النهدىّ في قيام سعد في الناس في دعائهم إلى العبور بمثله، وقال: طبّقنا دجلة خيلا ورجلا ودوابّ حتى ما يرى الماء من الشاطئ أحد، فخرجت بنا خيلنا إليهم تنفض أعرافها، لها صهيل. فلما رأى القوم ذلك انطلقوا لا يلوون على شئ، فانتهينا إلى القصر الأبيض، وفيه قوم قد تحصّنوا، فأشرف بعضهم فكلمنا، فدعوناهم وعرضنا عليهم، فقلنا: ثلاث تختارون منهنّ أيّتهن شئتم، قالوا: ما هنّ؟ قلنا: الإسلام فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فمناجزتكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فأجابنا مجيبهم: لا حاجة لنا في الأولى ولا في الآخرة، ولكن الوسطى.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن عطيّة بمثله. قال: والسفير سليمان.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن النضر بن السرىّ، عن ابن الرّفيل، قال: لما هزموهم في الماء وأخرجوهم إلى الفراض، ثم كشفوهم عن الفراض أجلوهم عن الأموال، إلاّ ما كانوا تقدّموا فيه - وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف - فبعثوا مع رستم بنصف ذلك، وأقرّوا نصفه في بيوت الأموال.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن أبي بكر بن حفص بين عمر، قال: قال سعد يومئذ وهو واقف قبل أن يقحم الجمهور، وهو ينظر إلى حماة الناس وهو يقاتلون على الفراض: والله أن لو كانت الخرساء - يعني الكتيبة التي كان فيها القعقاع بن عمرو وحمّال بن مالك والرّبيل بن عمرو، فقاتلوا قتال هؤلاء القوم هذه الخيل - لكانت قد أجزأت وأغنت؛ وكتيبة عاصم هي كتيبة الأهوال؛ فشبّه كتيبة الأهوال - لما رأى منهم في الماء والفراض - بكتيبة الخرساء. قال: ثمّ إنهم تنادوا بعد هنات قد اعتوروها عليهم ولهم. فخرجوا حتى لحقوا بهم، فلما استووا على الفراض هم وجميع كتيبة الأهوال بأسرهم، أقتحم سعد الناس - وكان الذي يساير سعدا في الماء سلمان الفارسيّ - فعامت بهم الخيل، وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل! والله لينصرنّ الله وليّه، وليظهرنّ الله دينه، وليهزمنّ الله عدوّه؛ إن لم يكن في الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات. فقال له سلمان: الإسلام جديد، ذلّلت لهم والله البحور كما ذلّل لهم البرّ، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجا كما دخلوه أفواجا. فطبّقوا الماء حتى ما يرى الماء من الشاطئ، ولهم فيه أكثر حديثا منهم في البرّ لو كانوا فيه، فخرجوا منه - كما قال سلمان - لم يفقدوا شيئا، ولم يغرق منهم أحد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دثار، عن أبي عثمان النهديّ، أنهم سلموا من عند آخرهم إلاّ رجلا من بارق يدعى غرقدة، زال عن ظهر فرس له شقراء، كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عريا والغرق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرصه إليه، فأخذ بيده فجرّه حتى عبر، فقال البارفىّ - وكان من أشدّ الناس: أعجز الأخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع! وكان للقعقاع فيهم خؤولة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: فما ذهب لهم في الماء يومئذ إلاّ قدح كانت علاقته رثّة، فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الذي كان يعاوم صاحب القدح معيّرا له: أصابه القدر فطاح، فقال: والله إني لعلى جديلة ما كان الله ليسلبني قدحي من بين أهل العسكر. فلما عبروا إذا رجل ممن كان يحمى الفراض، قد سفل حتى طلع عليه أوائل الناس، وقد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرفه، فأخذه صاحبه، وقال للذي كان يعاومه: ألم أقل لك! وصاحبه حليف لقريش من عنز، يدعى مالك بن عامر، والذي قال: طاح يدعى عامر بن مالك.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن عمير الصائديّ، قال: لما أقحم سعد الناس في دجلة اقترنوا، فكان سلمان قرين سعد إلى جانبه يسايره في الماء، وقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم؛ والماء يطمو بهم، وما يزال فرس يستوي قائما إذا أعيا ينشز له تلعة فيستريح عليها؛ كأنه على الأرض، فلم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك، وذلك يوم الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلّب وطلحة وعمرو وسعيد، قالوا: كان يوم ركوب دجلة يدعى يوم الجراثيم، لا يعيا أحد إلا أنشزت له جرثومة يريح عليها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بين أبي حازم، قال: خضنا دجلة وهي تطفح، فلما كنّا في أكثرها ماء لم يزل فارس واقف ما يبلغ الماء حزامه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان أبي مالك، قال: لما دخل سعد المدينة الدنيا، وقطع القوم الجسر، وضموا السفن، قال المسلمون: ما تنتظرون بهذه النطفة! فاقتحم رجل، فخاض الناس فما غرق منهم إنسان ولا ذهب لهم متاع، غير أنّ رجلا من المسلمين فقد قدحا له انقطعت علاقته، فرأيته يطفح على الماء.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة، قالوا: وما زالت حماة أهل فارس يقاتلون على الفراض حتى أتاهم آت فقال: علام تقتلون أنفسكم! فوالله ما في المدائن أحد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: لما رأى المشركون المسلمين وما يهمون به بعثوا من يمنعهم من العبور، وتحمّلوا فخرجوا هرّابا، وقد أخرج يزدجرد - قبل ذلك وبعد ما فتحت بهرسير - عياله إلى حلوان، فخرج يزدجرد بعد حتى ينزل حلوان، فلحق بعياله، وخلّف مهران الرازيّ والنّخيرجان - وكان على بيت المال - بالنهروان، وخرجوا معهم بما قدروا عليه من حرّ متاعهم وخفيفة، وما قدروا عليه من بيت المال، وبالنساء والذّرارىّ، وتركوا في الخزائن نم الثياب والمتاع والآنية والفضول والألطاف والأدهان مالا يدري ما قيمته، وخلّفوا ما كانوا أعدّوا للحصار من البقر والغنم والأطعمة والأشربة، فكان أوّل من دخل المدائن كتيبة الأهوال، ثم الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون فيها أحدا ولا يحسّونه إلاّ من كان في القصر الأبيض، فأحاطوا بهم ودعوهم، فاستجابوا لسعد على الجزاء والذمّة، وتراجع إليهم أهل المدائن على مثل عهدهم؛ ليس في ذلك ما كان لآل كسرى ومن خرج معهم، ونزل سعد القصر الأبيض، وسرّح زهرة في المقدّمات في آثار القوم إلى النّهروان، فخرج حتى انتهى إلى النّهروان، وسرّح مقدار ذلك في طلبهم من كلّ ناحية.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان أبي مالك، قال: لما عبر المسلمون يوم المدائن دجلة، فنظروا إليهم يعبرون، جعلوا يقولون بالفارسيّة: ديوان آمد. وقال بعضهم لبعض: والله ما تقاتلون الإنس وما تقاتلون إلاّ الجنّ. فانهزموا.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة بن الحارث وعطاء بن السائب، عن أبي البختريّ، قال: كان رائد المسلمين سلمان الفارسيّ، وكان المسلمون قد جعلوه داعية أهل فارس. قال عطية: وقد كانوا أمروه بدعاء أهل بهرسير، وأمّروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثا. قال عطية وعطاء: وكان دعاؤه إيّاهم أن يقول: إني منكم في الأصل، وأنا أرقّ لكم، ولكم فيّ ثلاث أدعوكم إليها ما يصلحكم: أن تسلمو فإخواننا لكم مالنا وعليكم ما علينا، وإلا الجزية، وإلاّ نابذناكم على سواء؛ إنّ الله لا يحب الخائنين. قال عطية: فلما كان اليوم الثالث في بهرسير أبوا أن يجيبوا إلى شئ، فقاتلهم المسلمون حين أبوا. ولما كان اليوم الثالث في المدائن قبل أهل القصر الأبيض وخرجوا، ونزل سعد القصر الأبيض واتّخذ الإيوان مصلى، وإنّ فيه لتماثيل جصّ فما حرّكها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، وشاركهم سماك الهجيميّ، قالوا: وقد كان الملك سرّب عياله حين أخذت بهرسير إلى حلوان، فلما ركب المسلمون الماء خرجوا هرّابا، وخيلهم على الشاطئ يمنعون المسلمون وخيلهم من العبور، فاقتتلوا هم والمسلمون قتالا شديدا، حتى ناداهم مناد: علام تقتلون أنفسكم! فوالله ما في المدائن من أحد. فانهزموا واقحمتها الخيول عليهم، وعبر سعد في بقيّة الجيش.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: أدرك أوائل المسلمين أخريات أهل فارس، فأدرك رجل من المسلمين يدعى ثقيفا أحد بنى عدىّ ابن شريف؛ رجلا من أهل فارس، معترضا على طريق من طرقها يحمى أدبار أصحابه، فضرب فرسه على الأقدام عليه، فأحجم ولم يقدم، ثم ضربه للهرب فتقاعس حتى لحقه المسلم، فضرب عنقه وسلبه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطية وعمرو ودثار أبي عمر، قالوا: كان فارس من فرسان العجم في المدائن يومئذ مما يلي جازر، فقيل له: قد دخلت العرب وهرب أهل فارس؛ فلم يلتفت إلى قولهم، وكان واثقا بنفسه، ومضى حتى دخل بيت أعلاج له، وهم ينقلون ثيابا لهم، قال: ما لكم؟ قالوا: أخرجتنا الزنابير، وغلبتنا على بيوتنا، فدعا بجلاهق وبطين، فجعل يرميهنّ حتى ألزقهنّ بالحيطان، فأفناهنّ. وانتهى إليه الفزع، فقام وأمر علجا فأسرج له، فانقطع حزامه، فشدّه على عجل، وركب، ثم خرج فوقف. ومرّ به رجل فطعنه، وهو يقول: خذها وأنا ابن المخارق! فقتله ثم مضى ما يلتفت إليه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان بمثله، وإذا هو ابن المخارق بن شهاب.
قالوا: وأدرك رجل من المسلمين رجلا منهم معه عصابة يتلاومون، ويقولون: من أيّ شئ فررنا! فرماها لا يخطئ، فلما رأى ذلك عاج عاجوا معه وهو أمامهم؛ فانتهى إلى ذلك الرّجل، فرماه من أقرب مما كان يرمى منه الكرة ما يصيبه، حتى وقف عليه الرّجل، ففلق هامته، وقال: أنا ابن مشرّط الحجارة. وتفارّ عن الفارسيّ أصحابه.
وقالوا جميعا؛ محمد والمهلب وطلحة وعمرو وأبو عمر وسعيد، قالوا: ولما دخل سعد المدائن، فرأى خلوتها، وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ: " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأوثناها قوما آخرين " . وصلّى فيه صلاة الفتح - ولا تصلّى جماعة - فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهنّ، واتخذه مسجدا، وفيه تماثيل الجصّ رجال وخيل، ولم يمتنع ولا المسلمون لذلك، وتركوها على حالها. قالوا: وأتمّ سعد الصلاة يوم دخلها، وذلك أنه أراد المقام فيها. وكانت أوّل جمعة بالعراق جمعت جماعة بالمدائن، في صفر سنة ستّ عشرة.
ذكر ما جمع من فئ أهل المدائن كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وعقبة وعمرو وأبي عمر وسعيد، قالوا: نزل سعد إيوان كسرى، وقدّم زهرة، وأمره أن يبلغ النّهروان. فبعث في كلّ وجه مقدار ذلك لنفي المشركين وجمع الفيوء، ثمّ تحوّل إلى القصر بعد ثالثة، ووكّل بالأقباض عمرو بين عمرو ابن مقرّن، وأمره بجمع ما في القصر والإيوان والدّور وإحصاء ما يأتيه به الطلب؛ وقد كان أهل المدائن تناهبوا عند الهزيمة غارة، ثم طاروا في كلّ وجه، فما أفلت أحد منهم بشئ لم يكن في عسكر مهران بالنهروان ولا بخيط. وألحّ عليهم الطلب فتنقّذوا ما في أيديهم، ورجعوا بما أصابوا من الأقباض، فضمّوه إلى ماقدجمع؛ وكان أوّل شئ جمع يومئذ ما في القصر الأبيض ومنازل كسرى وسائر دور المدائن.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان، قال: دخلنا المدائن، فأتينا على قباب تركيّة مملوءة سلالا مختّمة بالرصاص، فما حسبناها إلاّ طعاما، فإذا هي آنية الذّهب والفضة فقسمت بعد بين الناس. وقال حبيب: وقد رأيت الرّجل يطوف ويقول: من معه بيضاء بصفراء؟ وأتينا على كافور كثير، فما حسبناه إلا ملحا، فجعلنا نعجن به حتى وجدنا مرارته في الخبز.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن النّضر بن السرىّ، عن ابن الرّفيل، عن أبيه الرّفيل بن ميسور، قال: خرج زهرة في المقدّمة يتبعهم حتى انتهى إلى جسر النّهروان، وهم عليه، فازدحموا، فوقع بغل في الماء فعجلوا وكلبوا عليه، فقال زهرة: إني أقسم بالله إنّ لهذا البغل لشأنا! ما كلب القوم عليه ولا صبروا للسيوف بهذا الموقف الضنك إلاّ لشئ بعد ما أرادوا تركه، وإذا الذي عليه حلية كسرى؛ ثيابه وخرزاته ووشاحه ودرعه التي كان فيها الجوهر، وكان يجلس فيها للمباهاة؛ وترجّل زهرة يومئذ حتى إذا أزاحهم أمر أصحابه بالبغل فاحتملوه، فأخرجوه فجاءوا بما عليه، حتى ردّه إلى الأقباض، ما يدرون ما عليه، وارتجز يومئذ زهرة:
فدى لقومي اليوم أخوالي وأعمامي ... هم كرهوا بالنهر خذلاني وإسلامي
هم فلجوا بالبغل في الخصام ... بكلّ قطّاع شئون الهام
وصرّعوا الفرس على الآكام ... كأنّهم نعم من الأنعام
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن هبيرة بن الأشعث، عنت جدّه الكلج، قال: كنت فيمن خرج في الطّلب، فإذا أنا ببغّالين قد ردا الخيل عنهما بالنّشاب، فما بقي معهما غير نشّابتين، فألظظت بهما، فاجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: ارمه وأحميك، أو أرميه وتحميني! فحمى كلّ واحد منهما صاحبه حتى رميا بها. ثم إني حملت عليهما فقتلتهما وجئت بالبغلين ما أدري ما عليهما، حتى أبلغتهما صاحب الأقباض، وإذا هو يكتب ما يأتيه به الرّجال وما كان في الخزائن والدّور، فقال: على رسلك حتى ننظر ما معك! فحططت عنهما، فإذا سفطان على أحد البغلين فيهما تاج كسرى مفسّخا - وكان لا يحمله إلاّ أسطوانتان - وفيهما الجوهر، وإذا على الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذّهب المنظوم بالجوهر وغير الدّيباج منسوجا منظوما.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: وخرج القعقاع بن عمرو يومئذ في الطلب، فلحق بفارسّ يحمى الناس؛ فاقتتلا فقتله؛ وإذا مع المقتول جنيبة عليها عيبتان وغلافان في أحدهما خمسة أسياف وفي الآخر ستّة أسياف؛ وإذا في العيبتين أدراع، فإذا في الأدراع درع كسرى ومغفره وساقاه وساعداه، ودرع هرقل، ودرع خاقان ودرع داهر ودرع بهرام شوبين ودرع سياوخش ودرع النعمان؛ وكانوا استلبوا ما لم يرثوا، استلبوها أيام غزاتهم خاقان وهرقل وداهر؛ وأمّا النعمان وبهرام فحين هربا وخالفا كسرى، وأما أحد الغلافين ففيه سيف كسرى وهرمز وقباذوفيروز، وإذا السيوف الأخر، سيف هرقل وخاقان وداهر وبهرام وسياوخش والنعمان. فجاء به إلى سعد، فقال: اختر أحد هذه الأسياف، فاختار سيف هرقل، وأعطاه درع بهرام، وأما سائرها فنفّلها في الخرساء إلاّ سيف كسرى والنعمان - ليبعثوا بهما إلى عمر لتسمع بذلك العرب لمعرفتهم بهما، وحبسوهما في الأخماس - وحلىّ كسرى وتاجه وثيابه؛ ثم بعثوا بذلك إلى عمر ليراه المسلمون، ولتسمع بذلك العرب، وعلى هذا الوجه سلب خالد بن سعيد عمرو بن معد يكرب سيفه الصّمصامة في الرّدة والقوم يستحيون من ذلك.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيدة بن معتّب، عن ردل من بني الحارث بن طريف، عن عصمة بن الحارث الضبىّ، قال: خرجت فيمن خرج يطلب، فأخذت طريقا مسلوكا وإذا عليه حمّار، فلما رآني حثّه فلحق بآخر قدّامه، فمالا، وحثّا حماريهما، فانتهيا إلى جدول قد كسر جسره، فثبتا حتى أتيتهما، ثم تفرّقا، ورماني أحدهما فألظظت به فقتلته وأفلت الآخر، ورجعت إلى الحمارين، فأتيت بهما صاحب الأقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سفطان في أحدهما فرس من ذهب مسرج بسرج من فضة، على ثفره ولببه الياقوت، والزّمرّد منظوم على الفضة، ولجام كذلك، وفارس من فضّة مكلّل بالجوهر، وإذا في الآخر ناقة من فضّة، عليها شليل من ذهب، وبطان من ذهب ولها شناق - أو زمام - من ذهب، وكلّ ذلك منظوم بالياقوت؛ وإذا عليها رجل من ذهب مكلّل بالجوهر، كان كسرى يضعهما إلى أسطوانتي التاج.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عبيدة العنبرىّ، قال: لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قطّ، ما يعد له ما عندنا ولا يقاربه؛ فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أنّ للرّجل شأنا، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحموني، ولا غيركم لبقرّظوني، ولكنّي أحمد الله وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا حتى أنتهى إلى أصحابه، فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محممد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: قال سعد: والله إنّ الجيش لذو أمانة، ولولا ما سبق لأهل بدر لقلت: وايم الله - على فضل أهل بدر - لقد تتبّعت من أقوام منهم هنات وهنات فيما أحرزوا، ما أحسبها ولا أسمعها من هؤلاء القوم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيل، عن جابر بن عبد الله، قال: والله الذي لا إله إلاّ هو؛ ما أطّلعنا على أحد من أهل القادسيّة، أنه يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتّهمنا ثلاثة نفر، فما رأينا كالذي هجمنا عليه من أمانتهم وزهدهم: طليحة بن خويلد، وعمرو بن معد يكرب، وقيس بن الكشوح.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس العجلىّ، عن أبيه، قال: لما قدم بسيف كسرى على عمر ومنطقته وزبرجه، قال: إنّ أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة! فقال علىّ: إنّك عففت فعفّت الرعيّة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبيّ، قال: قال عمر حين نظر إلى سلاح كسرى: إن أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة.
ذكر صفة قسم الفيء الذي أصيب بالمدائن بين أهله وكانوا - فيما زعم سيف - ستين ألفا
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد والمهلّب، قالوا: ولما بعث سعد بعد نزوله المدائن في طب الأعاجم، بلغ الطلب النّهروان؛ ثمّ تراجعوا، ومضى المشركون نحو حلوان، فقسّم سعد الفئ بين الناس بعد ما خمّسه؛ فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا، وكلّهم كان فارسا ليس فيهم راجل؛ وكانت الجنائب في المدائن كثيرة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبىّ بمثله، وقالوا جميعا: ونفّل من الأخماس ولم يجهدها في أهل البلاء. وقالوا جميعا: قسم سعد دور المدائن بين الناس، وأوطنوها، والذي ولى القبض عمرو بن عمرو المزنىّ، والذي ولى القسم سلمان بن ربيعة؛ وكان فتح المدائن في صفر سنة ستّ عشرة. قالوا: ولما دخل سعد المدائن أتمّ الصلاة وصام، وأمر الناس بإيوان كسرى فجعل مسجدا للأعياد، ونصب فيه منبرا، فكان يصلّى فيه - وفيه التماثيل - ويجمّع فيه، فلما كان الفطر قيل: ابرزوا، فإنّ السنّة في العيدين البراز. فقال سعد: صلّوا فيه؛ قال: فصلّى فيه، وقال: سواء في عقر القرية أو في بطنها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما نزل سعد المدائن، وقسم المنازل، بعث إلى العيالات، فأنزلهم الدّور وفيها المرافق، فأقاموا بالمدائن حتى فرغوا من جولاء وتكريت والموصل، ثم تحوّلوا إلى الكوفة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد والمهلب، وشاركهم عمرو وسعيد: وجمع سعد الخمس، وأدخل فيه كلّ شئ أراد أن يعجب منه عمر؛ من ثياب كسرى وجليّه وسيفه ونحو ذلك، وما كان يعجب العرب أن يقع إليهم، ونفّل من الأخماس، وفضل بعد القسم بين الناس وإخراج الخمس القطف، فلم تعتدل قسمته، فقال للمسلمين: هل لكم في أن تطيب أنفسنا عن أربعة أخماسه، فنبعث به إلى عمر فيضعه حيث يرى، فإنا لا نراه يتفق قسمه؛ وهو بيننا قليل؛ وهو يقع من أهل المدينة موقعا! فقالوا: نعم ها الله إذا؛ فبعث به على ذلك الوجه، وكان القطف ستين ذراعا في ستين ذراعا، بساطا واحدا مقدار جريب؛ فيه طرق كالصّور وفصوص كالأنهار؛ وخلال ذلك كالدّير، وفي حافاته كالأرض المزروعة والأرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب ونوّاره بالذهب والفضة وأشباه ذلك. فلما قدم على عمر نفّل من الخمس أناسا، وقال: إنّ الأخماس ينفل منها من شهد ومن غاب من أهل البلاء فيما بين الخمسين؛ ولا أرى القوم جهدوا الخمس بالنفل؛ ثم قسم الخمس في مواضعه، ثمّ قال: أشيروا علىّ في هذا القطف! فأجمع ملؤهم على أن قالوا: قد جعلوا ذلك لك، فر رأيك، إلاّ ما كان من علىّ فإنه قال: يا أمير المؤمنين، الأمر كما قالوا، ولم يبق إلى التروية؛ إنك إن تقبله على هذا اليوم لم تعدم في غد من يستحقّ به ما ليس له، قال: صدقتني ونصحتني. فقطّعه بينهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الملك بن عمير، قال: أصاب المسلمون يوم المدائن بهار كسرى، ثقل عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يعدّونه للشتاء إذا ذهبت الرّياحين، فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه؛ فكأنهم في رياض بساط ستين في ستين؛ أرضه بذهب، ووشيه بفصوص، وثمره بجوهر، وورقه بحرير وماء الذهب؛ وكانت العرب تسمّية القطف، فلما قسم سعد فيئهم فضل عنهم، ولم يتّفق قسمته، فجمع سعد المسلمين، فقال: إن الله قد ملأ أيديكم، وقد عسر قسم هذا البساط، ولا يقوى على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به نفسا لأمير المؤمنين يضعه حيث شاء؛ ففعلوا. فلما قدم على عمر المدينة رأى رؤيا فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره؛ فمن بين مشير بقبضه، وآخر مفوّض إليه، وآخر مرقّق، فقام علىّ حين رأى عمر يأبى حتّى انتهى إليه، فقال: لم تجعل علمك جهلا، ويقينك شكّا! إنه ليس لك من الدنيا إلاّ ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. قال: صدقتني. فقطّعه فقسمه بين الناس،فأصاب علياّ قطعة منه، فباعها بعشرين ألفا؛ وما هي بأجود تلك القطّع.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: وكان الذي ذهب بالأخماس؛ أخماس المدائن، بشير بن الخصاصيّة، والذي ذهب بالفتح خنيس بن فلان الأسديّ، والذي ولىّ القبض عمرو، والقمس سلمان. قالوا: ولما قسم البساط بين الناس أكثر الناس في فضل أهل القادسيّة، فقال عمر: أولئك أعيان العرب وغررها، اجتمع لهم مع الأخطار الدّين، هم أهل الأيام وأهل القوادس. قالوا: ولما أتى بحلىّ كسرى وزيّه في المباهاة وزيّه في غير ذلك - وكانت له عدّة أزياء لكلّ حالة زيّ - قال: علىّ بمحلّم - وكان أجسم عربيّ يومئذ بأرض المدينة - فألبس تاج كسرى على عمودين من خشب، وصبّ عليه أوشحته وقلائده وثيابه، وأجلس للناس؛ فنظر إليه عمر، ونظر إليه الناس، فرأوا أمرا عظيما من أمر الدنيا وفتنتها، ثم قام عن ذلك، فألبس زيّه الذي يليه، فنظروا إلى مثل ذلك في غير نوع، حتى أتى عليها كلها؛ ثم ألبسه سلاحه، وقلّده سيفه، فنظروا إليه في ذلك، ثم وضعه ثم قال: والله إنّ أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة. ونفّل سيف كسرى محلّما، وقال: أحمق بامرئ من المسلمين غرّته الدنيا! هل يبلغنّ مغرور منها إلاّ دون هذا أو مثله! وما خير امرئ مسلم سبقه كسرى فيم يضرّه ولا ينفعه! إنّ كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته، فجمع لزج امرأته أو زوج ابنته، أو امرأة ابنه، ولم يقدّم لنفسه، فقدّم امرؤ لنفسه ووضع الفضول مواضعها تحصل له، وإلاّ حصلت للثلاثة بعده؛ وأحمق بمن جمع لهم أو لعدوّ جارف! كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عمر مقدم الأخماس عليه حين نظر إلى سلاح كسرى وثيابه وحليّه، مع ذلك سيف النعمان بن المنذر، فقال لجبير: إنّ أقواما أدّوا هذا لذوو أمانة! إلى من كنتم تنسبون النعمان؟ فقال جبير: كانت العرب تنسبه إلى الأشلاء، أشلاء قنص، وكان أحد بني عجم بن قنص، فقال: خذ سيفه فنفّله إياه، فجهل الناس عجم، وقالوا لخم. وقالوا جميعا: وولّى عمر سعد بن مالك صلاة ما غلب عليه وحربه، فولى ذلك؛ وولّى الخراج النعمان وسويدا ابنى عمرو بن مقرّن؛ سويدا على ما سقى الفرات، والنعمان على ما سقت دجلة، وعقدوا الجسور، ثم ولّى عملهما، واستعفيا حذيفة بن أسيد وجابر بن عمرو المزنّى، ثم ولّى عملهما بعد حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف.
قال: وفي هذه السنة - أعني سنة ستّ عشرة - كانت وقعة جلولاء، وكذلك حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق. وكتب إلىّ السرىّ يذكر أن شعيبا حدّثه عن سيف بذلك.
ذكر الخبر عن وقعة جلولاء الوقيعةكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: لما أقمنا بالمدائن حين هبطناها واقتسمنا ما فيها، وبعثنا إلى عمر بالأخماس، وأوطنّاها، أتانا الخبر بأنّ مهران قد عسكر بجلولاء، وخندق عليه؛ وأنّ أهل الموصل قد عسكروا بتكريت.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن أبي طيبة البجلّى، عن أبيه بمثله؛ وزاد فيه: فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إلى سعد: أن سرّح هاشم بن عتبة إلى جلولاء في اثنى عشر ألفا، واجعل على مقدّمته القعقاع بن عمرو، وعلى ميمنته سعر بن مالك، وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة، واجعل على ساقته عمرو بن مرّة الجهنىّ.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وزياد، قالوا: وكتب عمر إلى عمر إلى سعد: إن هزم الله الجندين: جند مهران وجند الأنطاق؛ فقدّم القعقاع حتى يكون بين السواد وبين الجبل على حدّ سوادكم وشاركهم عمرو وسعيد. قالوا: وكان من حديث أهل جلولاء، أنّ الأعاجم لما انتهوا بعد الهرب من المدائن إلى جلولاء، وافترقت الطرق بأهل أذربيجان والباب وبأهل الجبال وفارس، تذامروا وقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبدا، وهذا مكان يفرّق بيننا، فهلمّوا فلنجتمع للعرب به ولنقاتلهم، فإن كانت لنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد قضينا الذي علينا، وأبلينا عذرا. فاحتفروا الخندق، واجتمعوا فيه على مهران الرازىّ، ونفذ يزدجرد إلى حلوان فنزل بها، ورماهم بالرّجال؛ وخلّف فيهم الأموال، فأقاموا في خندقهم، وقد أحاطوا به الحسك من الخشب إلاّ طرقهم. قال عمرو، عن عامر الشعبىّ: كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الرّدّة حتى مات، وكان عمر قد استعان بهم؛ فكان لا يؤمّر منهم أحدا إلى على النفر وما دون ذلك؛ وكان لا يعدل أن يؤمّر الصحابة إذا وجد من يجزى عنه في حربه؛ فإن لم يجد ففي التابعين بإحسان؛ ولا يطمع من انبعث في الردّة في الرياسة؛ وكان رؤساء أهل الردّة في تلك الحروب حشوة إلى أن ضرب الإسلام بجرانه.
ثم اشترك عمرو ومحمد والمهلب وطلحة وسعيد، فقالوا: ففصل هاشم ابن عتبة بالناس من المدائن في صفر سنة ستّ عشرة، في اثنى عشر ألفا؛ منهم وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ممن ارتدّ وممن لم يرتدّ؛ فسار من المدائن إلى جلولاء أربعا، حتى قدم عليهم، وأحاط بهم، فحاصرهم وطاولهم أهل فارس، وجعلوا لا يخرجون عليهم إلاّ إذا أرادوا؛ وزاحفهم المسلمون بجلولاء ثمانين زحفا، كلّ ذلك يعطى الله المسلمين عليهم الظّفر، وغلبوا المشركين على حسك الخشب، فاتّخذوا حسك الحديد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عقبة بن مكرم، عن بطان بن بشر، قال: لما نزل هاشم على مهران بجلولاء حصرهم في خندقهم، فكانوا يزاحفون المسلمين في زهاء وأهاويل، وجعل هاشم يقوم في الناس، ويقول: إنّ هذا المنزل منزل له ما بعده؛ وجعل سعد يمدّه بالفرسان حتى إذا كان أخيرا احتفلوا للمسلمين؛ فخرجوا عليهم، فقام هاشم في الناس، فقال: أبلوا الله بلاء حسنا يتم لكم عليه الأجر والمغنم، واعملوا لله. فالتقوا فاقتتلوا، وبعث الله عليهم ريحا أظلمت عليهم البلاد فلم يستطيعوا إلا المحاجزة، فتهافت فرسانهم في الخندق؛ فلم يجدوا بدّا من أن يجعلوا فرضا مما يليهم؛ تصعد منه خيلهم؛ فأفسدا حصنهم؛ وبلغ ذلك المسلمين، فنظروا إليه، فقالوا: أننهض إليهم ثانية فندخله عليهم أو نموت دونه! فلما نهد المسلمون الثانية خرج القوم، فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل، وتركوا للمجال وجها، فخرجوا على المسلمين منه، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله إلا ليلة الهرير، إلا أنه كان أكمش وأعجل؛ وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم، فأخذ به، وأمر مناديا فنادى: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فأقبلوا إليه؛ ولا يمنعنّكم من بينكم وبينه من دخوله. وإنما أمر بذلك ليقوّى المسلمين به، فحمل المسلمون ولا يشكّون إلا أن هاشما فيه، فلم يقم لحملتهم شئ، حتى انتهوا إلى باب الخندق، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو، وقد أخذ به؛ وأخذ المشركون في هزيمة يمنة ويسرة عن المجال الذي بحيال خندقهم؛ فهلكوا فيما أعدّوا للمسلمين فعقرت دوابّهم، وعادوا رجّالة؛ وأتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا من لا يعدّ، وقتل الله منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسمّيت جلولاء بما جللها من قتلاهم؛ فهي جلولاء الوقيعة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفّز، عن أبيه، قال: إني لفي أوائل الجمهور، مدخلهم ساباط ومظلمها، وإني لفي أوائل الجمهور حين عبروا دجلة، ودخلوا المدائن؛ ولقد أصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسدّ منهم مسداّ، عليه جوهر، فأدّيته؛ فما لبثنا بالمدائن إلاّ قليلا حتى بلغنا أنّ الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعا عظيما، وقدّموا عيالاتهم إلى الجبال، وحبسوا الأموال؛ فبعث إليهم سعد عمرو بن مالك بن عتبة بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وكان جند جلولاء اثنى عشر ألفا من المسلمين، على مقدّمتهم القعقاع بن عمرو، وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم؛ فلما مرّوا ببابل مهروذ صالحه دهقانها، على أن يفرش له جريب أرض دراهم؛ ففعل وصالحه. ثم مضى حتى قدم عليهم بجلولاء، فوجدهم قد خندقوا وتحصنوا في خندقهم، ومعهم بيت مالهم، وتواثقوا وتعاهدوا بالنيران ألاّ يفرّوا، ونزل المسلمون قريبا منهم، وجعلت الأمداد تقدم على المشركين كلّ يوم من حلوان، وجعل يمدّهم بكلّ من أمدّه من أهل الجبال، واستمدّ المسلمون سعدا فأمدّهم بمائتي فارس، ثم مائتين، ثم مائتين. ولما رأى أهل فارس أمداد المسلمين بادروا بقتال المسلمين. وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة بن فلان، أحد بنى عبد الدار، وعلى خيل الأعاجم خرّ زاذ بن خرّ هرمز - فاقتتلوا قتالا شديدا، لم يقاتلوا المسلمين مثله في موطن من المواطن، حتى أنفذوا النبل؛ وحتى أنفدوا النشّاب، وقصفوا الرماح حتى صاروا إلى السيوف والطّبرزينات. فكانوا بذلك صدر نهارهم إلى الظهر؛ ولما حضرت الصلاة صلى الناس إيماء، حتى إذا كان بين الصلاتين خنست كتيبة وجاءت أخرى فوقفت مكانها، فأقبل القعقاع بن عمرو على الناس، فقال: أهالتكم هذه؟ قالوا: نعم؛ نحن مكلّون وهم مريحون، والكالّ يخاف العجز إلا أن يعقب؛ فقال: إنا حاملون عليهم ومجادّوهم وغير كافّين ولا مقلعين حتى يحكم الله بيننا وبينهم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبنّ أحد منكم. فحمل فانفرجوا، فما نهنه أحد عن باب الخندق، وألبسهم الليل رواقه، فأخذوا يمنة ويسرة؛ وجاء في الأمداد طليحة وقيس بن المكشوح وعمرو بن معد يكرب وحجر بن عدىّ، فوافقوهم قد تحاجزوا مع الليل، ونادى منادى القعقاع بن عمرو: أين تحاجزون وأميركم في الخندق! فتفارّ المشركون، وحمل المسلمون، فأدخل الخندق، فآتى فسطاطا فيه مرافق وثياب؛ وإذا فرش على إنسان فأنبشه، فإذا امرأة كالغزال في حسن الشمس، فأخذتها وثيابها، فأدّيت الثياب، وطلبت في الجارية حتى صارت إلىّ فاتخذتها أمّ ولد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن حماد بن فلان البرجمىّ، عن أبيه، أنّ خارجة بن الصّلت أصاب يومئذ ناقة من ذهب أو فضة موشحة بالدرّ والياقوت مثل الجفرة إذا وضعت على الأرض، وإذا عليها رجل من ذهب موشّح كذلك، فجاء بها وبه حتّى أدّاهما.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد والوليد بن عبد الله والمجالد وعقبة بن مكرم، قالوا: وأمر هاشم القعقاع بن عمرو بالطلب، فطلبهم حتى بلغ خانقين، ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الجبال، وقدم القعقاع حلوان، وذلك أنّ عمر كان كتب إلى سعد: إن هزم الله الجندين؛ جند مهران وجند الأنطاق، فقدّم القعقاع؛ حتى يكون بين السّواد والجبل، على حدّ سوادكم. فنزل القعقاع بحلوان في جند من الأفناء ومن الحمراء، فلم يزل بها إلى أن تحوّل الناس من المدائن إلى الكوفة؛ فلما خرج سعد من المدائن إلى الكوفة لحق به القعقاع؛ واستعمل على الثغر قباذ - وكان من الحمراء، وأصله من خراسان - ونفّل منها من شهدها، وبعض من كان بالمدائن نائيا.
وقالوا - واشتركوا في ذلك: وكتبوا إلى عمر بفتح جلولاء وبنزول القعقاع حلوان واستأذنوه في إتباعهم، فأبى، وقال: لوددت أنّ بين السواد وبين الجبل سداّ لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم؛ حسبنا من الرّيف السواد، إنىّ آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. قالوا: ولما بعث هاشم القعقاع في آثار القوم، أدرك مهران بخانقين، فقتله وأدرك الفيرزان فنزل، وتوقّل في الظّراب، وخلّى فرسه، وأصاب القعقاع سبايا، فبعث بهم إلى هاشم من سباياهم، واقتسموهم فيما اقتسموا من الفئ، فاتّخذن، فولدن في المسلمين. وذلك السبي ينسب إلى جلولاء، فيقال: سبي جلولاء. ومن ذلك السبي أم الشعبيّ، وقعت لرجل من بني عبس، فولدت فمات عنها فخلف عليها شراحيل، فولدت له عامرا، ونشأ في بني عبس.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب، قالوا: واقتسم في جلولاء على كلّ فارس تسعة آلاف، تسعة آلاف؛ وتسعة من الدواب، ورجع هاشم بالأخماس إلى سعد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: أفاء الله على المسلمين ما كان في عسكرهم بحلولاء وما كان عليهم، وكلّ دابة كانت معهم إلاّ اليسير لم يفلتوا بشئ من الأموال، وولى قسم ذلك بين المسلمين سلمان بن ربيعة؛ فكانت إليه يومئذ الأقباض والأقسام، وكانت العرب تسمّيه لذلك سلمان الخيل؛ وذلك أنه كان يقسم لها ويقصّر بما دونها، وكانت العتاق عنده ثلاث طبقات، وبلغ سهم الفارس بجلولاء مثل سهمه بالمدائن.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد وعمرو، عن الشعبيّ، قال: اقتسم الناس فئ جلولاء على ثلاثين ألف ألف، وكان الخمس ستة آلاف ألف.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة ومحمد والمهلب وسعيد، قالوا: ونفّل سعد من أخماس جلولاء من أعظم البلاء ممن شهدها ومن أعظم البلاء ممن كان نائيا بالمدائن، وبعث بالأخماس مع قضاعىّ ابن عمرو الدّؤلي من الأذهاب والأوراق والآنية والثياب، وبعث بالسبي مع أبي مفزّر الأسود، فمضيا.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن زهرة و محمد بن عمرو، قالا : بعث الأخماس مع قضامىّ و أبى مفزّر، و الحساب مع زياد ابن أبى سفيان، و كان الذي يكتب للناس و يدوّنهم، فلما قدموا على عمر كلم زياد عمر فيما جاء له، ووصف له، فقال عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل الذي كلمتني به ؟ فقال: و الله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا من غيرك! فقام بالناس بما أصابوا و بما صنعوا، و بما تستأذنون فيه من الانسياح في البلاد. فقال عمر: هذا الخطيب المصقع، فقال: إنّ جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.
كتب إلى السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن زهرة و محمد، عن أبى سلمة، قال: لما قدم على عمر بالأخماس من جلولاء، قال عمر: و الله لا يجنه سقف بيت حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف و عبد الله بن أرقم يحرسانه في صحن المسجد، فلما أصبح جاء في الناس فكشف عن جلابيبه - وهي الأنطاع - فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال: عمر: والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلاّ ألقي بأسهم بينهم. وأشكل على عمر في أخماس القادسيّة حتى خطر عليه ما أفا الله - يعني من الخمس - فوضع ذلك في أهله، فأجرى خمس جلولاء مجرى خمس القادسيّة عن ملإ وتشاور وإجماع من المسلمين، ونفّل من ذلك بعض أهل المدينة.
كتب إلى السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وسعيد وعمرو، قالوا: وجمع سعد من وراء المدائن، وأمر بالإحصاء فوجدهم بضعة وثلاثين ومائة ألف، ووجدهم بضعة وثلاثين ألف أهل بيت، ووجد قسمتهم ثلاثة لكلّ رجل منهم بأهلهم؛ فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن أقرّ الفلاحين على حالهم؛ إلاّ من حارب أو هرب منك إلى عدوّك فأدركته، وأجر لهم ما أجريت للفلاحين قبلهم؛ وإذا كتبت إليك في قوم فأجروا أمثالهم مجراهم. فكتب إليه سعد فيمن لم يكن فلاحا فأجابه: أما من سوى الفلاّحين فذاك إليكم ما لم تغنموه - يعني تقتسموه - ومن ترك أرضه من أهل الحرب فخلاّها فهي لكم؛ فإن دعوتموهم وقبلتم منهم الجزاء ورددتموهم قبل قسمتها فذّمة؛ وإن لم تدعوهم ففئ لكم لمن أفاء الله ذلك عليه. وكان أحظى بفئ الأرض أهل جلولاء؛ استأثروا بفئ ما وراء النّهروان، وشاركوا الناس فيما كان قبل ذلك، فأقرّوا الفلاحين ودعوا من لجّ، ووضعوا الخراج على الفلاحين وعلى من رجع وقبل الذّمة، واستصفوا ما كان لآل كسرى ومن لجّ معهم فيئا لمن أفاء الله عليه، لا يجاز بيع شئ من ذلك فيما بين الجبل إلى الجبل من أرض العرب إلاّ من أهله الذين أفاء الله عليهم، ولم يجيزوا بيع ذلك فيما بين الناس - يعني فيمن لم يفئه الله تعالى عليه ممن يعاملهم من لم يفئه الله عزّ وجلّ عليه - فأقرّه المسلمون؛ لم يقتمسوه؛ لأن قسمته لم تتأتّ لهم؛ فمن ذلك الآجام ومغيض المياه وما كان لمن قتل، والأرحاء؛ فكان بعض من يرقّ يسأل الولاة قسم ذلك؛ فيمنعهم من ذلك الجمهور، أبوا ذلك، فانتهوا إلى رأيهم ولم يجيبوا، وقالوا: لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لفعلنا؛ ولو كان طلب ذلك منهم عن ملإ لقسمها بينهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن ماهان، قال: لم يثبت أحد من أهل السواد على العهد فيما بينهم وبين أهل الأيام إلاّ أهل قريات، أخذوها عنوة، كلهم نكث؛ ما خلا أولئك القريات، فلما دعوا إلى الرّجوع صاروا ذمّة، وعليهم الجزاء، ولهم المنعة، إلا ما كان لآل كسرى ومن معهم، فإنه صافية فيما بين حلوان والعراق؛ وكان عمر قد رضى بالسّواد من الرّيف.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كتبوا إلى عمر في الصّوافى، فكتب إليهم: أن اعمدوا إلى الصّوافى التي أصفاكموها الله، فوزّعوها على من أفاءها الله عليه؛ أربعة أخماس للجند، وخمس في مواضعه إلىّ، وإن أحبّوا أن ينزلوها فهو الذي لهم. فلما جعل ذلك إليهم رأوا ألاّ يفترقوا في بلاد العجم، وأقرّوها حبيسا لهم يولونها من تراضوا عليه، ثم يقتسمونها في كلّ عام، ولا يولونها إلا من أجمعوا عليه بالرّضا، وكانوا لا يجمعون إلاّ على الأمراء، كانوا بذلك في المدائن؛ وفي الكوفة حين تحوّلوا إلى الكوفة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله ابن أبي طيبة، عن أبيه، قال: كتب عمر: أن احتازوا فيئكم فإنكم إن لم تفعلوا فتقادم الأمر يلحج؛ وقد قضيت الذي علىّ. اللهمّ إنّي أشهدك عليهم فاشهد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه، قال: فكان الفلاّحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدّلالة مع الجزاء عن أيديهم على قدر طاقتهم؛ وكانت الدّهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة، وعلى كلهم الإرشاد وضيافة ابن السبيل من المهاجرين، وكانت الضّيافة لمن أفاءها الله خاصّة ميراثا.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت بنحو منه، وقالوا جميعا: كان فتح جلولاء في ذي القعدة سنة ستّ عشرة في أولها، بينها وبين المدائن تسعة أشهر. وقالوا جميعا: كان صلح عمر الذي صالح عليه أهل الذمة؛ أنهم إن غشّوا المسلمين لعدوّهم برئت منهم الذّمة، وإن سبّوا مسلما أن ينهكوا عقوبة، وإن قاتلوا مسلما أن يقتلوا؛ وعلى عمر منعتهم؛ وبرئ عمر إلى كلّ ذي عهد من معرّة الجيوش.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله والمستنير، عن إبراهيم بمثله.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان أشفى أهل فارس بجلولاء أهل الرّى؛ كانوا بها حماة أهل فارس ففنى أهل الرّى يوم جلولاء. وقالوا جميعا: ولما رجع أهل جلولاء إلى المدائن نزلوا قطائعهم، وصار السواد ذمة لهم إلا ما أصفاهم الله به من مال الأكاسرة، ومن لجّ معهم. وقالوا جميعا: ولما بلغ أهل فارس قول عمر ورأيه في السواد وما خلفه، قالوا: ونحن نرضى بمثل الذي رضوا به، لا يرضى أكراد كلّ بلد أن ينالوا من ريفهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير بن يزيد وحكيم بن عمير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: لا يحلّ اشتراء أرض فيما بين حلوان والقادسيّة؛ والقادسيّة من الصوافى، لأنه لمن أفاءه الله عليه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ مثله.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن المغيرة بن شبل، قال: اشترى جرير من أرض السواد صافية على شاطئ الفرات، فأتى عمر فأخبره، فردّ ذلك الشراء وكرهه، ونهى عن شراء شئ لم يقتسمه أهله.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبيّ: أخذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكلّ أرض إلاّ بعض القلاع والحصون؛ فإن بعضهم صالح وبعضهم غلب، قلت: فهل لأهل السواد ذمّة اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمّة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ليس لأحد من أهل السواد عقد إلاّ بني صلوبا وأهل الحيرة وأهل كلواذى وقرى من قرى الفرات، ثم غدروا، ثم دعوا إلى الذمّة بعد ما غدروا. وقال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء:
يوم جلولاء ويوم رستم ... ويوم زحف الكوفة المقدّم
ويوم عرض النهر المحرّم ... من بين أيّام خلون صرّم
شيّبن أصداغى فهنّ هرّم ... مثل ثغام البلد المحرّم
وقال أبو بجيذ في ذلك:
ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت ... كتائبنا تردى بأسد عوابس
ففضّت جموع الفرس ثمّ أنمتهم ... فتبا لأجساد المجوس النّجائس!
وأفلتهنّ الفيرزان بجرعة ... ومهران أردت يوم حزّ القوانس
أقاموا بدار للمنّية موعد ... وللتّرب تحثوها خجوج الرّوامس
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب ومرو وسعيد، قالوا: وقد كان عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد: إن فتح الله عليكم جلولاء فسرّح القعقاع بن عمرو في آثار القوم حتى ينزل بحلوان، فيكون ردءا للمسلمين ويحرز الله لكم سوادكم. فلما هزم الله عزّ وجلّ أهل جلولاء، أقام هاشم بن عتبة بجلولاء، وخرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم إلى خانقين في جند من أفناء الناس ومن الحمراء، فأدرك سبيا من سبيهم؛ وقتل مقاتلة من أدرك، وقتل مهران وأفلت الفيرزان؛ فلما بلغ يزدجرد هزيمة أهل جلولاء ومصاب مهران، خرج من حلوان سائرا نحو الرّيّ، وخلف بحلوان خيلا عليها خسروشنوم؛ وأقبل القعقاع حتى إذا كان بقصر شيرين على رأس فرسخ من حلوان خرج إليه خسروشنوم، وقدم الزّينبي دهقان حلوان، فلقيه القعقاع فاقتتلوا فقتل الزينبيّ، واحتقّ فيه عميرة بن طارق وعبد الله، فجعله وسلبه بينهما، فعدّ عميرة ذلك حقرة وهرب خسروشنوم، واستولى المسلمون على حلوان وأنزلها القعقاع الحمراء، وولّى عليهم قباذ، ولم يزل القعقاع هنالك على الثغر والجزاء بعد ما دعاهم، فتراجعوا وأقرّوا بالجزاء إلى أن تحوّل سعد من المدائن إلى الكوفة، فلحق به، واستخلف قباذ على الثغر، وكان أصله خراسانياّ.
ذكر فتح تكريتوكان في هذه السنة - أعنى سنة عشرة في رواية سيف - فتح تكريت، وذلك في جمادى منها.
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والملهب وسعيد، وشاركهم الوليد بن عبد الله بن أبي طيبة، قالوا: كتب سعد في اجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق وإقاله حتى نزلت بتكريت، وخندق فيه عليه ليحمى أرضه، وفي اجتماع أهل جلولاء على مهران معه؛ فكتب في جلولاء ما قد فرغنا منه، وكتب في تكريت واجتماع أهل الموصل إلى الأنطاق بها: أن سرّح إلى الأنطاق عبد الله بن المعتمّ، واستعمل على مقدّمته ربعىّ ابن الأفكل العنزىّ، وعلى ميمنته الحارث بن حسان الذهلىّ، وعلى ميسرته فرات بن حيّان العجلىّ، وعلى ساقته هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجة ابن هرثمة؛ ففصل عبد الله بن المعتمّ في خمسة آلاف من المدائن، فسار إلى تكريت أربعا؛ حتى نزل على الأنطاق؛ ومعه الرّوم وإياد وتغلب النّمر ومعه الشهارجة وقد خندقوا بها، فحصرهم أربعين يوما، فتزاحفوا فيها أربعة وعشرين زحفا؛ وكانوا أهون شركة، وأسرع أمرا من أهل جلولاء، ووكّل عبد الله بن المعتمّ بالعرب ليدعوهم إليه وإلى نصرته على الرّوم؛ فهم لا يخفون عليه شيئا؛ ولما رأت الرّوم أنهم لا يخرجون خرجة إلاّ كانت عليهم، ويهزمون في كلّ ما زاحفوهم؛ تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعهم إلى السفن، وأقبلت العيون من تغلب وإياد والنّمر إلى عبد الله بن المعتمّ بالخبر، وسألوه للعرب السلم، وأخبروه أنهم قد استجابوا له؛ فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين بذلك فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقرّوا بما جاء به من عند الله؛ ثم أعلمونا رأيكم. فرجعوا إليهم بذلك، فردّوهم إليه بالإسلام؛ فردّهم إليهم، وقال: إذا سمعتم تكبيرنا فاعلموا أنا قد نهدنا إلى الأبواب التي تلينا لندخل عليهم منها، فخذوا بالأبواب التي تلي دجلة، وكبّروا واقتلوا من قدرت عليه؛ فانطلقوا حتى تواطئوهم على ذلك. ونهد عبد الله والمسلمون لما يليهم وكبّروا، وكبّرت تغلب وإياد والنّمر؛ وقد أخذوا بالأبواب، فحسب القوم أنّ المسلمين قد أتوهم من خلفهم، فدخلوا عليهم مما يلي دجلة، فبادروا الأبواب التي عليها المسلمون، فأخذتهم السيوف؛ سيوف المسلمين مستقبلتهم، وسيرف الرّبعيّين الذين أسلموا ليلتئذ من خلفهم؛ فلم يفلت من أهل الخندق إلاّ من أسلم من تغلب وإياد والنّمر. وقد كان عمر عهد إلى سعد؛ إن هم هزموا أن يأمر عبد الله بن المعتمّ ابن الأفكل العنزيّ إلى الحصنين؛ فسّرح عبد الله بن المعتمّ ابن الأفكل العنزيّ إلى الحصنين، فأخذ بالطريق، وقال: اسبق الخبر، وسر ما دون القيل، وأحى الليل. وسرّح معه تغلب وإياد والنّمر، فقدمهم وعليهم عتبة بن الوعل؛ أحد بنى جشم بن سعد وذو القرط وأبو وداعة بن أبي كرب وابن ذي السّنينة قتيل الكلاب وبان الحجير الإياديّ وبشر بن أبي حوط متساندين، فسبقوا الخبر إلى الحصنين. ولما كانوا منها قريبا قدّموا عتبة ابن الوعل فادّعى بالظفر والنّفل والقفل، ثم ذو القرط، ثم ابن ذي السّنينة، ثم ابن الحجير، ثمّ بشر؛ ووقفوا بالأبواب، وقد أخذوا بها، وأقبلت سرعان الخيل مع ربعىّ بن الأفكل حتى اقتحمت عليهم الحصنين، فكانت إيّاها، فنادوا بالإجابة إلى الصلح، فأقام من استجاب، وهرب من لم يستجب، إلى أن أتاهم عبد الله بن المعتمّ، فلما نزل عليهم عبد الله دعا من لجّ وذهب، ووفّى لمن أقام، فتراجع الهرّاب واغتبط المقيم، وصارت لهم جميعا الذمة والمنعة، واقتسموا في تكريت على كلّ سهم ألف درهم، للفارس ثلاثة آلاف وللراجل ألف، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيّان، وبالفتح مع الحارث بن حسان وولى حرب الموصل ربعىّ بن الأفكل، والخراج عرفجة ابن هرثمة.
ذكر فتح ماسبذانوفي هذه السنة - أعنى سنة ست عشرة - كان فتح ماسبذان أيضا.
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة ومحمد والملهب وعمرو وسعيد قالوا: ولما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى المدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعا، فخرج بهم إلى السهل، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: ابعث إليهم ضرار بن الخطاب في جند واجعل على مقدّمته ابن الهذيل الأسدىّ، وعلى مجنّبتيه عبد الله بن وهب الراسبيّ حليف بجيلة، والمضارب بن فلان العجلىّ؛ فخرج ضرار بن الخطاب، وهو أحد بنى محارب بن فهر في الجند، وقدّم ابن الهذيل حتى انتهى إلى سهل ماسبذان، فالتقوا بمكان يدعى بهندف، فاقتتلوا بها، فأسرع المسلمون في المشركين، وأخذ ضرار آذين سلما، فأسره فانهزم عنه جيشه فقدّمه فضرب عنقه. ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان فأخذ ماسبذان عنوة فتطاير أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد من المدائن فأرسل إليه، فنزل الكوفة استخلف ابن الهذيل على ماسبذان فكانت إحدى فروج الكوفة.
ذكر وقعة قرقيسياءوفيها كانت وقعة قرقيسياء في رجب.
ذكر الخبر عن الوقعة بها كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة ومحمد والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: ولما رجع هاشم بن عتبة عن جلولاء إلى المدائن وقد اجتمعت جموع أهل الجزيرة، فأمدّوا هرقل على أهل حمص، وبعثوا جندا إلى أهل هيت، وكتب بذلك سعد إلى عمر، فكتب إليه عمر أن ابعث إليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند، وابعث على مقدّمته الحارث بن يزيد العامريّ، وعلى مجنّبتيه ربعىّ بن عامر ومالك ابن حبيب، فخرج عمر بن مالك في جنده سائرا نحو هيت، وقدّم الحارث ابن يزيد حتى نزل على من بهيت، وقد خندقوا عليهم. فلما رأى عمر ابن مالك امتناع القوم بخندقهم واعتصامهم به، استطال ذلك، فترك الأخبية على حالها وخلّف عليهم الحارث بن يزيد محاصرهم، وخرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى يجئ قرقيسياء في عرّة، فأخذها عنوة، فأجابوا إلى الجزاء، وكتب إلى الحارث بن يزيد إن هم استجابوا فخلّ عنهم فليخرجوا، وإلاّ فخندق على خندقهم خندقا أبوابه ممّا يليك حتى أرى من رأي. فسمحوا بالاستجابة، وانضمّ الجند إلى عمر والأعاجم إلى أهل بلادهم.
وقال الواقدىّ: وفي هذه السنة غرّب عمر أبا محجن الثقفيّ إلى باضع.
قال: وفيها تزوّج ابن عمر صفيّة بنت أبي عبيدة.
قال: وفيها ماتت مارية أمّ ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّ إبراهيم، وصلّى عليها عمر، وقبرها بالبقيع، في المحرّم.
قال: وفيها كتب التأريخ في شهر ربيع الأول.
قال: وحدّثني ابن أبي سبرة، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن المسيّب، قال: أوّل من كتب التأريخ عمر، لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لستّ عشرة من الهجرة بمشورة علىّ بن أبي طالب.
حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا نعيم ابن حمّاد، قال: حدّثنا الدراورديّ، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: جمع عمر بن الخطاب الناس، فسألهم من أيّ يوم نكتب؟ فقال علىّ: من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك أرض الشرك. ففعله عمر.
وحدّثني عبد الرحمن، قال: حدّثني يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: حدّثنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وفيها ولد عبد الله بن الزبير.
وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب، واستخلف على المدينة فيما زعم الواقديّ - زيد بن ثابت. وكان عامل عمر في هذه السنة على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى ابن أميّة، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرميّ، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشأم كلها أبو عبيدة بن الجرّاح، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعلى قضائها أبو قرّة، وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة، وعلى حرب الموصل ربعىّ بن الأفكل، وعلى الخراج بها عرفجة بن هرثمة في قول بعضهم، وفي قول آخرين عتبة بن فرقد على الحرب والخراج - وقبل ذلك كلّه كان إلى عبد الله بن المعتمّ - وعلى الجزيرة عياض بن عمرو الأشعريّ.
ثم دخلت سنة سبع عشرة
ففيها اختطّت الكوفة، وتحولّ سعد بالناس من المدائن إليها في قول سيف بن عمر وروايته.
ذكر سبب تحوّل من تحوّل من المسلمين من المدائن
إلى الكوفة وسبب اختطاطهم الكوفة في رواية سيفكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: لما جاء فتح جلولاء وحلوان ونزول القعقاع بن عمرو بحلوان فيمن معه، وجاء فتح تكريت والحصنين، ونزول عبد الله بن المعتمّ وابن الأفكل الحصنين فيمن معه؛ وقدمت الوفود بذلك على عمر، فلمّا رآهم عمر قال: والله ما هيئتكم بالهيئة التي أبدأتم بها؛ ولقد قدمت وفودالقادسيّة والمدائن وإنهم لكما أبدءوا، ولقد انتكيّم فما غيّركم؟ قالوا: وخومة البلاد. فنظر في حوائجهم، وعجل سراحهم؛ وكان في وفود عبد الله بن المعتمّ عتبة بن الوعل، وذو القرط، وابن ذي السّنينة، وابن الحجير وبشر، فعاقدوا عمر على بنى تغلب، فعقد لهم؛ على أنّ من أسلم منهم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ومن أبى فعليه الجزاء؛ وإنما الإجبار من العرب على من كان في جزيرة العرب. فقالوا: إذا يهربون وينقطعون فيصيرون عجما؛ فأمر أجمل الصّدقة؛ فقال: ليس إلاّ الجزاء، فقالوا: تجعل جزيتهم مثل صدقة المسلم، فهو مجهودهم، ففعل على ألاّ ينصّروا وليدا ممن أسلم آباؤهم، فقالوا: لك ذلك، فهاجر هؤلاء التغلبيون ومن أطاعهم من النمريّين والأدياديّين إلى سعد بالمدائن وخطّوا معه بعد بالكوفة، وأقام من أقام في بلاده على ما أخذوا لهم على عمر مسلمهم وذميّهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عن الشعبيّ، قال: كتب حذيفة إلى عمر: إنّ العرب قد أترفت بطونها، وخفّت أعضادها، وتغيّرت ألوانها. وحذيفة يومئذ مع سعد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأصحابهما، قالوا: كتب عمر إلى سعد: أنبئني ما الذي غيّر ألوان العرب ولحومهم؟ فكتب إليه: إنّ العرب خدّدهم وكفى ألوانهم وخومة المدائن ودجلة؛ فكتب إليه: إن العرب لا يوافقها إلاّ ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان رائدا وحذيفة - وكانا رائدي الجيش - فليرتادا منزلا برّيّا بحريّا، ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر، ولم يكن بقى من أمر الجيش شئ إلا وقد أسنده إلى رجل، فبعث سعد حذيفة وسلمان، فخرج سلمان حتى يأتي الأنبار، فسار في غربيّ الفرات لا يرضى شيئا، حتى أتى الكوفة. وخرج حذيفة في شرقيّ الفرات لا يرضى شيئا حتى أتى الكوفة، والكوفة على حصباء - وكلّ رملة حمراء يقال لها سلهة، وكلّ حصباء ورمل هكذا مختلطين فهو كوفة - فأتيا عليها، وفيها ديرات ثلاثة: دير حرقة، ودير أم عمرو، ودير سلسلة، وخصاص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا فصليّا، وقال كلّ واحد منهما: اللهمّ ربّ السماء وما أظلّت، وربّ الأرض وما أقلت، والريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلّت، والخصائص وما أجنّت؛ بارك لنا في هذه الكوفة، واجعله منزل ثبات. وكتب إلى سعد بالخبر.
حدّثني محمد بن عبد الله بن صفوان، قال: حدّثنا أميّة بن خالد، قال: حدّثنا أو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: لما هم الناس يوم جلولاء، رجع سعد بالناس، فلمّا قدم عمار خرج بالناس إلى المدائن فاجتووها؛ قال عمّار: هل تصلح بها الإبل؟ قالوا: لا؛ إنّ بها البعوض، قال: قال عمر: إنّ العرب لا تصلح بأرض لا تصلح بها الإبل. قال: فخرج عمار بالناس حتى نزل الكوفة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس، عن أبيه، عن النسير بن ثور، قال: ولما اجتوى المسلمون المدائن بعد ما نزلناها وآذاهم الغبار والذّباب، وكتب إلى سعد في بعثه روّادا يرتادون منزلا بريّا بحريّا، فإن العرب لا يصلحها من البلدان إلا ما أصلح البعير والشاة؛ سأل من قبله عن هذه الصفة فيما بينهم، فأشار عليه من رأى العراق من وجوه العرب باللّسان - وظهر الكوفة يقال له اللسان، وهو فيما بين النهرين إلى العين، عين بنى الحذاء، كانت العرب تقول: أدلع البرّ لسانه في الريف، فما كان يلي الفرات منه فهو الملطاط، وما كان يلي الطين منه فهو النّجاف - فكتب إلى سعد يأمره به:
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: ولما قدم سلمان وحذيفة على سعد، وأخبراه عن الكوفة، وقدم كتاب عمر بالذي ذكرا له، كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو: أن خلّف على الناس بجلولاء قباذ فيمن تبعكم إلى من كان معه من الحمراء. ففعل وجاء حتى قدم على سعد في جنده، وكتب سعد إلى عبد الله بن المعتمّ: أن خلّف على الموصل مسلم بن عبد الله الذي كان أسر أيام القادسيّة فيمن استجاب لكم من الأساورة، ومن كان معكم منهم. ففعل، وجاء حتى قدم على سعد في جنده، فارتحل سعد بالناس من المدائن حتى عسكر بالكوفة في المحرّم سنة سبع عشرة. وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران، وكان بين قيام عمر واختطاط الكوفة ثلاث سنين وثمانية أشهر؛ اختطّت سنة أربع من إمارة عمر في المحرّم سنة سبع عشرة من التأريخ، وأعطوا العطايا بالمدائن في المحرّم من هذه السنة قبل أن يرتحلوا. وفي بهرسير، في المحرّم سنة ستّ عشرة، واستقرّ بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث نزلات قبلها، كلها ارتحلوا عنها في المحرّم سنة سبع عشرة، واستقرّ باقي قرارهما اليوم في شهر واحد.
وقال الواقديّ: سمعت القاسم بن معن يقول: نزل الناس الكوفة في آخر سنة سبع عشرة.
قال: وحدّثني ابن أبي الرّقاد، عن أبيه، قال: نزلوها حين دخلت سنة ثماني عشرة، في أوّل السنة.
رجع الحديث إلى حديث سيف. قالوا: وكتب عمر إلى سعد بن مالك وإلى عتبة بن غزوان أن يتربّعا بالناس في كلّ حين ربيع في أطيب أرضهم، وأمر لهم بمعاونهم في الربيع من كلّ سنة، وبإعطائهم في المحرّم من كلّ سنة، وبفيئهم عند طلوع الشّعرى في كلّ سنة؛ وذلك عند إدراك الغلاّت، وأخذوا قبل نزول الكوفة عطاءين.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن قيس، عن رجل من بني أسد يدعى المغرور، قال: لما نزل سعد الكوفة، كتب إلى عمر: إنىّ قد نزلت بكوفة منزلا بين الحيرة والفرات برّيا بحريا، ينبت الحلّى والنّصىّ، وخيّرت المسلمين بالمدائن، فمن أعجبه المقام فيها تركته فيها كالمسلحة. فبقى أقوام من الأفناء، وأكثرهم بنو عبس.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد والمهلب، قالوا: ولما نزل أهل الكوفة الكوفة، واستقرّت بأهل البصرة الدار، عرف القوم أنفسهم، وثاب إليهم ما كانوا فقدوا. ثمّ إنّ أهل الكوفة استأذنوا في بنيان القصب، واستأذن فيه أهل البصرة، فقال عمر: العسكر أجدّ لحربكم وأذكى لكم، وما أحبّ أن أخالفكم، وما القصب؟ قالوا: العكرش إذا روى قصّب فصار قصبا، قال: فشأنكم؛ فابتنى أهل المصرين بالقصب.
ثم إنّ الحريق وقع بالكوفة وبالبصرة، وكان أشدّهما حريقا الكوفة، فاحترق ثمانون عريشا، ولم يبق فيها قصبة في شوّال، فما زال الناس يذكرون ذلك. فبعث سعد منهم نفرا إلى عمر يستأذنون في البناء باللبن، فقدموا عليه بالخبر عن الحريق، وما بلغ منهم - وكانوا لا يدعون شيئا ولا يأتونه إلاّ وآمروه فيه - فقال: افعلوا؛ ولا يزيدنّ أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنّة تلزمكم الدولة. فرجع القوم إلى الكوفة بذلك. وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك؛ وعلى تنزيل أهل الكوفة أو الهيّاج بن مالك، وعلى تنزيل أهل البصرة عاصم ابن الدّلف أبو الجرباء.
قال: وعهد عمر إلى الوقد وتقدّم إلى الناس إلاّ يفعوا بنيانا فوق القدر.
قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقرّبكم من السّرف، ولا يخرجكم من القصد.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد، قالوا: لما أجمعوا على أن يضعوا بنيان الكوفة، أرسل سعد إلى أبي الهيّاج فأخبره بكتاب عمر في الطّرق، أنه أمر بالمناهج أربعين ذراعا، وما يليها ثلاثين ذراعا، وما بين ذلك عشرين، وبالأزّفة سبع أذرع، ليس دون ذلك شئ، وفي القطائع ستين ذراعا إلاّ الذي لبنى ضبّة. فاجتمع أهل الرأى للتقدير؛ حتى إذا أقاموا على شئ قسّم أبو الهيّاج عليه؛ فأوّل شئ خطّ بالكوفة وبنى حين عزموا على البناء المسجد، فوضع في موضع أصحاب الصابون والتّمارين من السوق، فاختطوه، ثم قام رجل في وسطه، رام شديد النّزع، فرمى عن يمينه فأمر من شاء أن يبنى وراء موقع السهمين. فترك المسجد في مرّبعة غلوة من كلّ جوانبه، وبنى ظلّة في مقدمه، ليست لها مجنّبات ولا مواخير، والمربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا - وكذلك كامن المساجد ما خلا المسجد الحرام، فكانوا لا يشبّهون به المساجد تعظيما لحرمته، وكانت ظلّته مائتى ذراع على أساطين رخام كانت للأكاسرة، سماؤها كأسمية الكنائس الرّومية، وأعلموا على الصحن بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان، وبنوا لسعد دارا بحياله بينهما طريق منقب مائتى ذراع، وجعل فيها بيوت الأموال، وهي قصر الكوفة اليوم، بنى ذلك له بوزبه من آجرّ بنيان الأكاسرة بالحيرة، ونهج في الودعة من الصحن خمسة مناهج، وفي قبلته أربعة مناهج، وفي شرقيّه ثلاثة مناهج، وفي غربيّه ثلاثة مناهج، وعلّمها، فأنزل في ودعة الصحن سليما وثقيفا مما يلي الصحن على طريقين، وهمدان على طريق، وبجيلة على طريق آخر، وتيم اللاّت على آخرهم وتغلب، وأنزل في قبلة الصحن بنى أسد على طريق، وبين بنى أسد والنّخع طريق، وبي النّخع وكندة طريق، وبين كندة والأزد طريق، وأنزل في شرقىّ الصحن الأنصار، ومزينة على طريق، وتميما ومحاربا على طريق، وأسدا وعامرا على طريق، وأنزل في غربىّ الصحن بجالة وبجلة على طريق، وجديلة وأخلاطا على طريق، وجهينة وأخلاطا على طريق، فكان هؤلاء الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك. واقتسمت على السّهمان؛ فهذه مناهجها العظمى. وبنوا مناهج دونها تحاذى هذه ثم تلاقيها، وأخر تتبعها، وهي دونها في الذّرع، والمحالّ من ورائها؛ وفيما بينها، وجعل هذه الطرقات من وراء الصحن، ونزل فيها الأعشار من أهل الأيّام والقوادس، وحمى لأهل الثغور والموصل أماكن حتى يوافوا إليها؛ فلما ردفتهم الروادف؛ البدء والثّناء، وكثروا عليهم، ضيّق الناس المحالّ فمن كانت رادفته كثيرة شخص إليهم وترك محلّته، ومن كانت رادفته قليلة أنزلوهم منازل من شخص إلى رافته لقلته إذا كانوا جيرانهم؛ وإلاّ وسعوا على روادفهم وضيّقوا على أنفسهم؛ فكان الصحن على حاله زمان عمر كله، لا تطمع في القبائل؛ ليس فيه إلا المسجد والقصر، والأسواق في غير بنيان ولا أعلام. وقال عمر: الأسواق على سنّة المساجد، من سبق إلى مقعد فهو له؛ حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه؛ وقد كانوا أعدّوا مناخا لكل رادف؛ فكان كلّ من يجئ سواء فيه - وذلك المناخ اليوم دور بنى البكّاء - حتى يأتوا بالهيّاج، فيقوم في أمرهم حتى يقطع لهم حيث أحبّوا. وقد بنى سعدفي الذين خطّوا للقصر قصرا بحيال محراب مسجد الكوفة اليوم، فشيّده، وجعل فيه بيت المال، وسكن ناحيته. ثم إنّ بيت المال نقب عليه نقبا، وأخذ من المال، وكتب سعد بذلك إلى عمر، ووصف له موضع الدّار وبيوت المال من الصّحن مما يلي ودعة الدار. فكتب إليه عمر: أن انقل المسجد حتى تضعه إلى جنب الدار، واجعل الدّار قبلته؛ فإنّ للمسجد أهلا بالنهار وبالليل؛ وفيهم حصن لما لهم، فنقل المسجد وأراغ بنيانه، فقال له دهقان من أهل همذان؛ يقال له روزيبه بن بزرجمهر: أنا أبنيه لك، وأبنى لك قصرا فأصلهما، ويكون بنيانا واحدا. فخطّ قصر الكوفة على ما خطّ عليه، ثم أنشأه من نقض آجرّ قصر كان للأكاسرة في ضواحى الحيرة على مساحته اليوم، ولم يسمح به، ووضع المسجد بحيال بيوت الأموال منه إلى منتهى القصر، يمنة على القبلة، ثم مدّ به عن يمين ذلك إلى منقطع رحبة علىّ بن أبي طالب عليه السلام، والرحبة قبلته، ثم مدّ به فكانت قبلة المسجد إلى الرّحبة وميمنة القصر، وكان بنيانه على أساطين من رخام كانت لكسرى بكنائس بغير مجنّبات؛ فلم يزل على ذلك حتى بنى أزمان
معاوية بن أبي سفيان بنيانه اليوم؛ على يدى زياد. ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنّائين من بنّائي الجاهليّة، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهى من طوله في السماء، وقال: أشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته؛ فقال له بنّاء قد كان بنّاء لكسرى: لا يجئ هذا إلا بأساطين من جبال أهواز، تنقر ثم تثقب، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء، ثم تسقّفه، وتجعل له مجنّبات ومواخير؛ فيكون أثبت له. فقال: هذه الصّفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها. وغلّق باب القصر، وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث؛ فلمّا بنى ادّعى الناس عليه ما لم يقل، وقالوا: قال سعد: سكّن عنى الصّويت. وبلغ عمر ذلك، وأنّ الناس سيمّونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمة، فسّرحه إلى الكوفة، وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك؛ فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطبا، ثم أتى به القصر، فأحرق الباب، وأتى سعد فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسل لهذا من الشأن، وبعث لينظر من هو؟ فإذا هو محمد بن مسلمة، فأرسل إليه رسولا بأن ادخل، فأبى فخرج إليه سعد، فأراده على الدخول النزول، فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرا اتّخذته حصنا ، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا؛ فليس بقصرك؛ ولكنه قصر الخبال؛ انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت؛ فحلف له سعد ما قال الذي قالوا. ورجع محمد بن مسلمة من فوره؛ حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده، فتبلّغ بلحاء نمت لحاء الشجر، فقدم على عمر، وقد سنق فأخبره خبره كله، فقال: فهلا قبلت من سعد! فقال: لو أردت ذلك كتبت لي به، أو أذنت لي فيه، فقال عمر: إنّ أكمل الرّجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم، أو قال به، ولم ينكل؛ وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدّق سعدا وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني.وية بن أبي سفيان بنيانه اليوم؛ على يدى زياد. ولما أراد زياد بنيانه دعا ببنّائين من بنّائي الجاهليّة، فوصف لهم موضع المسجد وقدره وما يشتهى من طوله في السماء، وقال: أشتهى من ذلك شيئا لا أقع على صفته؛ فقال له بنّاء قد كان بنّاء لكسرى: لا يجئ هذا إلا بأساطين من جبال أهواز، تنقر ثم تثقب، ثم تحشى بالرصاص وبسفافيد الحديد، فترفعه ثلاثين ذراعا في السماء، ثم تسقّفه، وتجعل له مجنّبات ومواخير؛ فيكون أثبت له. فقال: هذه الصّفة التي كانت نفسي تنازعني إليها ولم تعبرها. وغلّق باب القصر، وكانت الأسواق تكون في موضعه بين يديه، فكانت غوغاؤهم تمنع سعدا الحديث؛ فلمّا بنى ادّعى الناس عليه ما لم يقل، وقالوا: قال سعد: سكّن عنى الصّويت. وبلغ عمر ذلك، وأنّ الناس سيمّونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمة، فسّرحه إلى الكوفة، وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك؛ فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطبا، ثم أتى به القصر، فأحرق الباب، وأتى سعد فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسل لهذا من الشأن، وبعث لينظر من هو؟ فإذا هو محمد بن مسلمة، فأرسل إليه رسولا بأن ادخل، فأبى فخرج إليه سعد، فأراده على الدخول النزول، فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ، ودفع كتاب عمر إلى سعد: بلغني أنك بنيت قصرا اتّخذته حصنا ، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا؛ فليس بقصرك؛ ولكنه قصر الخبال؛ انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابا يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم، ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا خرجت؛ فحلف له سعد ما قال الذي قالوا. ورجع محمد بن مسلمة من فوره؛ حتى إذا دنا من المدينة فنى زاده، فتبلّغ بلحاء نمت لحاء الشجر، فقدم على عمر، وقد سنق فأخبره خبره كله، فقال: فهلا قبلت من سعد! فقال: لو أردت ذلك كتبت لي به، أو أذنت لي فيه، فقال عمر: إنّ أكمل الرّجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم، أو قال به، ولم ينكل؛ وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدّق سعدا وقال: هو أصدق ممن روى عليه ومن أبلغني.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطاء أبي محمد، مولى إسحاق بن طلحة، قال: كنت أجلس في المسجد الأعظم قبل أن يبنيه زياد؛ وليست له مجنّبات ولا مواخير، فأرى منه دير هند وباب الجسر.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن شبرمة، عن الشعبيّ، قال: كان الرجل يجلس في المسجد فيرى منه باب الجسر.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمر بن عيّاش، أخى أبي بكر بن عيّاش، عن أبي كثير، أن روزبه بن بزرجمهر بن ساسان كان همذانيّا، وكان على فرج من فروج الرّوم، فأدخل عليهم سلاحا، فأخافه الأكاسرة، فلحق بالرّوم، فلم يأمن حتى قدم سعد بن مالك، فبنى له القصر والمسجد. ثم كتب معه إلى عمر، وأخبره بحاله، فأسلم، وفرض له عمر وأعطاه، وصرفه إلى سعد مع أكريائه - والأكرياء يومئذ هو العباد - حتى إذا كان بالمكان الذي يقال له قبر العبادىّ مات، فحفروا له ثم انتظروا به من يمرّ بهم ممن يشهدونه موته، فمرّ قوم من الأعراب، وقد حفروا له على الطريق، فأروهموه ليبرءوا من دمه، وأشهدوهم ذلك، فقالوا: قبر العبادىّ - وقيل قبر العبادىّ لمكان الأكرياء - قال أبو كثير: فهو والله أبى، قال: فقلت: أفلا تخبر الناس بحاله! قال: لا.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو وسعيد وزياد، قالوا: ورجح الأعشار بعضهم بعضا رجحانا كثيرا، فكتب سعد إلى عمر في تعديلهم، فكتب إليه: أن عدّ لهم، فأرسل إلى قوم من نسّاب العرب وذوى رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نمران ومشعلة ابن نعم، فعدّلوهم عن الأسباع، فجعلوهم أسباعا، فصارت كنانة وحلفاؤها من الأحابيش وغيرهم، وجديلة - وهم بنو عمرو بن قيس عيلان - سبعا، وصارت قضاعة - ومنهم يومئذ غسان بن شبام - وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت، والأزد سبعا، وصارت مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم سبعا، وصارت تميم وسائر الرّباب وهوزان سبعا، وصارت أسد وغطفان ومحارب والنّمر وضبيعة وتغلب سبعا، وصارت إياد وعكّ وعبد القيس وأهل هجر والحمراء سبعا، فلم يزالوا بذلك زمان عمر وعثمان وعلىّ، وعامّة إمارة معاوية، حتى ربّعهم زياد.
إعادة تعريف الناسوعرّفوهم على مائة ألفة درهم، فكانت كل عرافة من القادسيّة خاصّة ثلاثة وأربعين رجلا وثلاثا وأربعين امرأة وخمسين من العيال؛ لهم مائة ألف درهم، وكلّ عرافة من أهل الأيّام عشرين رجلا على ثلاثة آلاف وعشرين امرأة، وكلّ عيّل على مائة، على مائة ألف درهم، وكلّ عرافة من الرّادفة الأولى ستّين رجلا وستين امرأة وأربعين من العيال ممن كان رجالهم ألحقوا على ألف وخمسمائة على مائة ألف درهم، ثم على هذا من الحساب.
وقال عطيّة بن الحارث: قد أدركت مائة عريف، وعلى مثل ذلك كان أهل البصرة، كان العطاء يدفع إلى أمراء الأسباع وأصحاب الرّايات، والرّايات على أيادى العرب، فيدفعونه إلى العرفاء والنقباء والأمناء، فيدفعونه إلى أهله في دورهم.
فتوح المدائن قبل الكوفةكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو وسعيد، قالوا: فتوح المدائن السّواد وحلوان وماسبذان وقرقيسياء؛ فكانت الثّغور ثغور الكوفة أربعة: حلوان عليها القعقاع بن عمرو، وماسبذان عليها ضرار بن الخطاب الفهرىّ، وقرقيسياء عليها عمر بن مالك أو عمرو بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، والموصل عليها عبد الله بن المعتمّ، فكانوا بذلك، والناس مقيمون بالمدائن بعد ما تحوّل سعد إلى تمصير الكوفة، وانضمام هؤلاء النفر إلى الكوفة واستخلافهم على الثغور من يمسك بها ويقوم عليها؛ فكان خليفة القعقاع على حلوان قباذ بن عبد الله، وخليفة عبد الله على الموصل مسلم بن عبد الله، وخليفة ضرار رافع بن عبد الله، وخليفة عمر عشنّق بن عبد الله، وكتب إليهم عمر أن يستعينوا بمن احتاجوا إليه من الأساورة، ويرفعوا عنهم الجزاء، ففعلوا. فلما اختّطت الكوفة وأذن للناس بالبناء، نقل الناس أبوابهم من المدائن إلى الكوفة فعلّقوها على ما بنوا وأوطنوا الكوفة. وهذه ثغورهم، وليس في أيديهم من الرّيف إلا ذلك.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد عن عامر، قال: كانت الكوفة وسوادها والفروج: حلوان، والموصل، وماسبذان وقرقيسياء. ثم وافقهم في الحديث عمرو بن الريان، عن موسى بن عيسى الهمدانىّ بمثل حديثهم، ونهاهم عمّا وراء ذلك، ولم يأذن لهم في الانسياح. وقالوا جميعا: ولى سعد بن مالك على الكوفة بعد ما اختّطت ثلاث سنين ونصفا سوى ما كان بالمدائن قبلها، وعمالته ما بين الكوفة وحلوان والموصل وماسبذان وقرقيسياء إلى البصرة، ومات عتبة بن غزوان وهو على البصرة فظع بعمله، وسعد على الكوفة فولّى عمر أبا سبرة مكان عتبة بن غزوان، ثم عزل أبا سبرة عن البصرة، واستعمل المغيرة، ثم عزل المغيرة، واستعمل أبا موسى الأشعرىّ.
ذكر خبر حمصحين قصد من فيها من المسلمين صاحب الروم وفي هذه السنة قصدت الرّوم أبا عبيدة بن الجرّاح ومن معه من جند المسلمين بحمص لحربهم؛ فكان من أمرهم وأمر المسلمين ما ذكر أبو عبيدة؛ وهو فيما كتب به إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو وسعيد - قالوا: أوّل ما أذن عمر للجند بالانسياج؛ أن الرّوم خرجوا، وقد تكاتبوا هم وأهل الجزيرة يريدون أبا عبيدة والمسلمين بحمص، فضّم أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكروا بفناء مدينة حمص، وأقبل خالد من قنسرين حتى انضّم إليهم فيمن انضم من أمراء المسالح، فاستشارهم أبو عبيدة في المناجزة أو التحصّن إلى مجئ الغياث، فكان خالد يأمره أن يناجزهم، وكان سائرهم يأمرونه بأن يتحصّن ويكتب إلى عمر، فأطاعهم وعصى خالدا، وكتب إلى عمر يخبره بخروجهم عليه، وشغلهم أجناد أهل الشأم عنه، وقد كان عمر اتّخذ في كلّ مصر عل قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدّة لكون إن كان، فكان بالكوفة من ذلك أربعة آلاف فرس. فلمّا وقع الخبر لعمر كتب إلى سعد ابن مالك: أن اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرّحهم من يومهم الذي يأتيك في كتابي إلى حمص؛ فإنّ أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدّم إليهم في الجدّ والحثّ.
وكتب أيضا إليه أن سرّح سهيل بن عديّ إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإنّ أهل الجزيرة. هم الذين استثاروا الرّوم على أهل حمص؛ وإن أهل قرقيسياء لهم سلف. وسرّح عبد الله بن عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، فإن أهل قرقيسياء لهم سلف، ثم لينفضا حرّان والرّهاء. وسرّح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ وسرّح عياضا؛ فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض بن غنم - وكان عياض من أهل العراق الذين خرجوا مع خالد بن الوليد ممدّين لأهل الشأم، وممّن انصرف أيام انصرف أهل العراق ممدّين لأهل القادسيّة، وكان يرافد أبا عبيدة - فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب نحو حمص؛ وخرج عياض بن غنم وأمراء الجزيرة فأخذوا طريقة الجزيرة على الفراض وغير الفراض؛ وتوجّه كلّ أمير إلى الكورة التي أمّر عليها. فأتى الرّقة، وخرج عمر من المدينة مغيثا لأبى عبيدة يريد حمص حتى نزل الجابية. ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الرّوم على أهل حمص واستثاروهم وهم معهم مقيمون عن حديث من بالجزيرة منهم بأنّ الجنود قد ضربت من الكوفة، ولم يدروا: ألجزيرة يريدون أم حمص! فتفرّقوا إلى بلدانهم وإخوانهم، وخلّوا الرّوم. ورأى أبو عبيدة أمرا لما انفضّوا غير الأوّل، فاستشار خالدا في الخروج، فأمره بالخروج، ففتح الله عليهم. وقدم القعقاع بن عمرو في أهل الكوفة في ثلاث من يوم الوقعة، وقدم عمر فنزل الجابية، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم في ثلاث، وبالحكم في ذلك. فكتب إليهم أن أشركوهم، وقال: جزى الله أهل الكوفة خيرا! يكفون حوزتهم ويمدّون أهل الأمصار.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سياه، عن الشعبىّ، قال: استمدّ أبو عبيدة عمر، وخرجت عليه الرّوم، وتابعهم النصارى فحصروه، فخرج وكتب إلى أهل الكوفة، فنفر إليهم في غداة أربعة آلاف على البغال يجنبون الخيل، فقدموا على أبى عبيدة في ثلاث بعد الوقعة، فكتب فيهم إلى عمر، وقد انتهى إلى الجابية، فكتب إليه: أن أشركهم، فإنهم قد نفروا إليكم، وتفرّق لهم عدوّكم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة، عن ماهان، قال: كان لعمر أربعة آلاف فرس عدّة لكون إن كان، يشتّيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته؛ ومن أجل ذلك يسمّى ذلك المكان الآرىّ إلى اليوم، ويربّعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول، فسمّته الأعاجم آخر الشاهجان، يعنون معلف الأمراء، وكان قيّمه عليها سلمان ابن ربيعة الباهلىّ في نفر من أهل الكوفة، يصنّع سوابقها، ويجريها في كلّ عام، وبالبصرة نحو منها، وقيّمه عليها جزء بن معاوية، وفي كلّ مصر من الأمصار الثمانية على قدرها، فإن نابتهم نائبة ركب قوم وتقدّموا إلى أن يستعدّ الناس.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن حلاّم، عن شهر ابن مالك بنحو منه. فلما فرغوا رجعوا.
ذكر فتح الجزيرةوفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - افتتحت الجزيرة في رواية سيف. وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أنها افتتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة، وذكر من سبب فتحها ما حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة عنه؛ أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إنّ الله قد فتح على المسلمين الشام والعراق، فابعث من عندك جندا إلى الجزيرة، وأمّر عليهم أحد الثلاثة: خالد بن عرفطة، أو هاشم بن عتبة، أو عياض بن غنم. فلما انتهى إلى سعد كتاب عمر، قال: ما أخّر أمير المؤمنين عياض بن غنم آخر القوم إلا أنه له فيه هوى أن أولّيه؛ وأنا موليه. فبعثه وبعث معه جيشا، وبعث أبا موسى الأشعرى، وابنه عمر بن سعد - وهو غلام حدث السنّ ليس إليه من الأمر شئ - وعثمان بن أبى العاص بن بشر الثقفيّ، وذلك في سنة تسع عشرة. فخرج عياض إلى الجزيرة، فنزل بجنده على الرّهاء فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حرّان حين صالحت الرّهاء، فصالحه أهلها على الجزية. ثمّ بعث أبا موسى الأشعرىّ إلى نصيبين، ووجّه عمر بن سعد إلى رأس العين في خيل ردءا للمسلمين، وسار بنفسه في بقيّة الناس إلى دارا، فنزل عليها حتى افتتحها، فافتتح أبو موسى نصيبين، وذلك في سنة تسع عشرة. ثمّ وجه عثمان بن أبى العاص إلى أرمينية الرابعة فكان عندها شئ من قتال؛ أصيب فيه صفوان بن المعطّل السّلمى شهيدا. ثمّ صالح أهلها عثمان بن أبى العاص على الجزية، على كلّ أهل بيت دينار. ثم كان فتح قيساريّة من فلسطين وهرب هرقل.
وأما في رواية سيف؛ فإن الخبر في ذلك، فيما كتب به إلى السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد؛ قالوا: خرج عياض بن غنم في أثر القعقاع، وخرج القوّاد - يعنى حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددا لأبى عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص - فسلكوا طريق الجزيرة على الفراض وغيرها، فسلك سهيل بن عديّ وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرّقة، وقد ارفضّ أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بمقبل أهل الكوفة، فنزل عليهم، فأقام محاصرهم حتى صالحوه؛ وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين أهل العراق وأهل الشأم؛ فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة؛ فرأى أن يقبل منهم؛ فبايعوه وقبل منهم؛ وكان الذي عقد لهم سهيل بن عديّ عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروا ما أخذوا عنوة، ثم أجابوا مجرى أهل الذّمة، وخرج الوليد بن عقبة حتى قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلاّ إياد ابن نزار، فإنهم ارتحلوا بقلّيّتهم، فاقتحموا أرض الرّوم، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب. ولما أعطى أهل الرّقة ونصيبين الطاعة ضمّ عياض سهيلا وعبد الله إليه فسار بالناس إلى حرّان، فأخذ ما دونها. فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم، وأجرى من أجاب بعد غلبه مجرى أهل الذّمة. ثم إنّ عياضا سرّح سهيلا وعبد الله إلى الرّهاء، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية، وأجرى من دونهم مجراهم؛ فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمرا، وأيسره فتحا، فكانت تلك السهولة مهجنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بن غنم:
من مبلغ الأقوام أنّ جموعنا ... حوت الجزيرة يوم ذات زحام
جمعوا الجزيرة والغياث فنفّسوا ... عمّن بحمص غيابة القدّام
إنّ الأعزّة والأكارم معشر ... فضّوا الجزيرة عن فراخ الهام
غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا ... عن غزو من يأوى بلاد الشام
ولما نزل عمر الجابية، وفرغ أهل حمص أمدّ عياض بن غنم بحبيب ابن مسلمة، فقدم على عياض مدداً، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضمّ إليه عياض بن غنم إذ ضمّ خالدا إلى المدينة، فصرفه إليه، وصرف سهيل بن عدىّ وعبد الله بن عبد الله إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بن مسلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عقبة على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.
قالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم: إنه بلغني أن حيّا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك؛ فو الله لتخرجنّه أو لننبذنّ إلى النصارى؛ ثم لنخرجنّهم إليك. فأخرجهم ملك الرّوم، فخرجوا فتمّ منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبى عدىّ بن زياد، وخنس بقيّتهم، فتفرّقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم؛ فكلّ إيادىّ في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف؛ وأبى الوليد بن عقبة أن يقبل من بنى تغلب إلاّ الإسلام؛ فقالوا له: أمّا من نقّب على قومه في صلح سعد ومن كان قبله فأنتم وذاك، وأمّا من لم ينقب عليه أحد ولم يجر ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلاّ الإسلام، فدعهم على ألاّ ينصّروا وليدا، وأقبل منهم إذا أسلموا. فقبل منهم على ألاّ ينصّروا وليدا، ولا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، فأعطى بعضهم ذلك فأخذوا به، وأبى بعضهم إلى الجزاء، فرضى منهم بما رضى من العباد وتنوخ.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن أبي سيف التّغلبيّ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد وفدهم على ألاّ ينصّروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد وعلى من وفّدهم، ولم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر قال مسلموهم: لا تنفّروهم بالخراج فيذهبوا، ولكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم فيكون جزاء؛ فإنهم يغضبون من ذكر الجزاء على ألاّ ينصّروا مولودا إذا أسلم آباؤهم. فخرج وفدهم في ذلك إلى عمر؛ فلما بعث الوليد إليه برءوس النصارى وبديّانيهم، قال لهم عمر: أدّوا الجزية، فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلنّ أرض الرّوم، والله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمّتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية، وتالله لتؤدّنّه وأنتم صغرة قمأة، ولئن هربت إلى الرّوم لأكتبنّ فيكم، ثمّ لأسبينّكم. قالوا: فخذ منا شيئا ولا تسمّه جزاء، فقال: أمّا نحن فنسمّيه جزاء، وسمّوه أنتم ما شئتم. فقال له علىّ بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، ألم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى، وأصغى إليه، فرضى به منهم جزاء، فرجعوا على ذلك، وكان في بنى تغلب عزّ وامتناع، ولا يزالون ينازعون الوليد، فهمّ بهم الوليد، وقال في ذلك:
إذا ما عصبت الرأس منّى بمشوذ ... فغيّك منّى تغلب ابنة وائل
وبلغت عنه عمر، فخاف أن يحرجوه وأن يضعف صبره فيسطو عليهم، فعزله وأمّر عليهم فرات بن حيّان وهند بن عمرو الجملىّ، وخرج الوليد واستودع إبلا له حريث بن النعمان، أحد بنى كنانة بن تيم من بنى تغلب، وكانت مائة من الإبل فاختانها بعد ما خرج الوليد.
خروج عمر بن الخطاب إلى الشاموفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - خرج عمر من المدينة يريد الشام حتى بلغ سرغ، في قول ابن إسحاق، حدثنا بذلك ابن حميد عن سلمة عنه، وفي قول الواقدىّ.
ذكر الخبر عن خروجه إليها حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: خرج عمر إلى الشأم غازيا في سنة سبع عشرة؛ حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، فأخبروه أنّ الأرض سقيمة، فرجع بالناس إلى المدينة.
وقد كان عمر - كما حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزّهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، نعبد الله ابن عباس - خرج غازيا، وخرج معه المهاجرون والأنصار. وأوعب الناس معه، حتى إذا نزل بسرغ، لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة ابن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة؛ فأخبروه أنّ الأرض سقيمة، فقال عمر: اجمع إلىّ المهاجرين الأولين، قال: فجمعنهم له، فاستشارهم، فاختلفوا عليه، فمنهم القائل: خرجت لوجه تريد فيه الله وما عنده، ولا نرى أن يصدّك عن بلاء عرض لك. ومنهم القائل: إنه لبلاء وفناء ما نرى أن تقدم عليه؛ فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عنى، ثم قال: اجمع لي مهاجرة الأنصار، فجمعتهم له، فاستشارهم فسلكوا طريق المهاجرين، فكأنما سمعوا ما قالوا فقالوا مثله. فلما اختلفوا عليه قال: قوموا عنى، ثم قال: اجمع لي مهاجرة الفتح من قريش،فجمعتهم له، فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم اثنان، وقالوا: ارجع بالناس، فإنه بلاء وفناء. قال: فقال لي عمر: يابن عباس، اصرخ في الناس فقل: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم أني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه قال: فأصبح عمر على ظهر، وأصبح الناس عليه، فلما اجتمعوا عليه قال: أيّها الناس؛ إني راجع فارجعوا، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله! قال: نعم فرارا من قدر الله إلى قدر الله؛ أرأيت لو أن رجلا هبط واديا له عدوتان: إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس يرعى من رعى الجدبة بقدر الله، ويرعى من رعى الخصبة بقدر الله! ثم قال: لو غيرك يقول هذا يا أبو عبيدة! ثم خلا به بناحية دون الناس؛ فبينا الناس على ذلك إذ أتى عبد الرحمن بن عوف - وكان مخلّفا عن الناس لم يشهدهم بالأمس - فقال: ما شأن الناس؟ فأخبر الخبر، فقال: عندي من هذا علم، فقال عمر: فأنت عندنا الأمين المصدّق، فماذا عندك؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فرارا منه " ؛ ولا يخرجنّكم إلاّ ذلك، فقال عمر: فلله الحمد! انصرفوا أيها الناس، فانصرف بهم.
حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزهرىّ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة وسالم بن عبد الله بن عمر؛ أنهما حدّثاه أنّ عمر إنما رجع بالناس عن حديث عبد الرحمن بن عوف؛ فلما رجع عمّال الأجناد إلى أعمالهم.
وأما سيف، فإنه روى في ذلك ما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى حارثة وأبى عثمان والربيع، قالوا: وقع الطاعون ومصر والعراق، واستقرّ بالشام، ومات فيه الناس الذين هم في كلّ الأمصار في المحرّم وصفر، وارتفع عن الناس وكتبوا بذلك إلى عمر ما خلا الشام، فخرج حتى إذا كان منها قريبا بلغه أنه أشدّ ما كان، فقال وقال الصحابة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان بأرض وباء فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها " ، فرجع حتى ارتفع عنها؛ وكتبوا بذلك إليه وبما في أيديهم من المواريث، فجمع الناس في جمادى الأولى سنة سبع عشرة، فاستشارهم في البلدان، فقال: إني قد بدا لي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم لأنظر في آثارهم، فأشيروا علىّ - وكعب الأحبار في القوم، وفي تلك السنة من إمارة عمر أسلم - فقال كعب: بأيّها تريد أن تبدأ يا أمير المؤمنين؟ قال: بالعراق، قال: فلا تفعل؛ فإن الشرّ عشرة أجزاء والخير عشرة أجزاء، فجزء من الخير بالمشرق وتسعة بالمغرب، وإنّ جزءا من الشرّ بالمغرب وتسعة بالمشرق، وبها قرن الشيطان، وكلّ داء عضال.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد، عن الأصبغ، عن علىّ، قال: قام إليه علىّ، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إنّ الكوفة للهجرة بعد الهجرة، وإنها لقبّه الإسلام، وليأتينّ عليها يوم لا يبقى مؤمن إلاّ أتاها وحنّ إليها؛ والله لينصرنّ بأهلها كما انتصر بالحجارة من قوم لوط.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن المطرّح، عن القاسم، عن أبى أمامة، قال: وقال عثمان: يا أمير المؤمنين؛ إنّ المغرب أرض الشرّ، وأن الشرّ قسم مائة جزء؛ فجزء في الناس وسائر الأجزاء بها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى يحيى التميميّ، عن أبي ماجد، قال: قال عمر: الكوفة رمح الله، وقبّة الإسلام، وجمجمة العرب، يكفون ثغورهم، ويمدّون الأمصار، فقد ضاعت مواريث أهل عمواس، فأبدأ بها.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عثمان وأبى حارثة والربيع بن النعمان، قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشأم؛ أبدأ بها فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثمّ أرجع فأتقلّب في البلاد، وأنبذ إليهم أمري. فأتى عمر الشام أربع مرّات، مرّتين في سنة ست عشرة، ومرّتين في سنة سبع عشرة، لم يدخلها في الأولى من الآخرتين.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن بكر بن وائل، عن محمد بن مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قسّم الحفظ عشرة أجزاء، فتسعة في التّرك وجزء في سائر الناس، وقسّم البخل عشرة أجزاء، فتسعة في فارس، وجزء في سائر الناس؛ وقسّم السخاء عشرة أجزاء، فتسعة في السودان، وجزء في سائر الناس، وقسّم الشّبق عشرة أجزاء، فتسعة في الهند، وجزء في سائر الناس؛ وقسّم الحياء عشرة أجزاء، فتسعة في النساء، وجزء في سائر الناس، قسّم الحسد عشرة أجزاء، فتسعة في العرب وجزء في سائر الناس، وقسم الكبر عشرة أجزاء، فتسعة في الرّوم وجزء في سائر الناس.
واختلف في خبر طاعون عمواس وفي أيّ سنة كان، فقال ابن إسحاق ما حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه، قال: ثم دخلت سنة ثماني عشرة؛ ففيها كان طاعون عمواس، فتفانى فيها الناس، فتوفى أبو عبيدة ابن الجرح؛ وهو أمير الناس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث ابن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وأشراف الناس..وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر، قال: كان طاعون عمواس والجابية في سنة ثماني عشرة.
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن شعبة بن الحجاج، عن المخارق بن عبد الله البجليّ، عن طارق بن شهاب البجليّ، قال: أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدّث عنده، فلما جلسنا قال: لا عليكم أن تخفّوا، فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تنزّهوا عن هذه القرية، فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرفع هذا الوباء؛ سأخبركم بما يكره مما يتّقى، من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام مات، ويظنّ من أقام فأصابه ذلك لو أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظنّ هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج، وأن يتنزّه عنه؛ إني كنت مع أبى عبيدة بن الجرّاح بالشأم عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع، وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبى عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك، أمّا بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألاّ تضعه من يدك حتى تقبل إلىّ. قال: فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، قال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثمّ كتب إليه: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إلىّ، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه؛ فحلّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. قال: ثم كتب إليه: سلام عليك، أما بعد، فإنك أنزلت الناس أرضا غمقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة. فلما أتاه كتابه دعاني فقال: يا أبا موسى، إنّ كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج صاحبتى قد أصيبت، فرجعت إليه، فقلت له: والله لقد كان في أهلي حدث، فقال: لعلّ وضع رجله في غرزه طعن، فقال: والله لقد أصبت. ثم سار بالناس حتى نزل الجابية، ورفع عن الناس الوباء.
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب الأشعريّ، عن رابة - رجل من قومه، وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، كان شهد طاعون عمواس - قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في الناس خطيبا، فقال: أيّها الناس، إنّ هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وموت الصالحين قبلكم، وإنّ أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له من حظّه. فطعن فمات، واستخلف على الناس معاذ بن جبل. قال: فقام خطيبا بعده، فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذا يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن بن معاذ، فمات. ثمّ قام فدعا به لنفسه، فطعن في راحته؛ فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه، ثم يقول: ما أحبّ أنّ لي بما فيك شيئا من الدنيا، فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام خطيبا في الناس، فقال: أيها الناس، إنّ هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبّلوا منه في الجبال. فقال أبو وائلة الهذليّ: كذبت؛ والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شرّ من حماري هذا! قال: والله ما أردّ عليك ما تقول، وايم الله لا نقيم عليه. ثم خرج وخرج الناس فتفرّقوا، ورفعه الله عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاص، فوالله ما كرهه.
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل، عن أبى قلابة عبد الله بن زيد الجرمىّ، أنه كان يقول: بلغني هذا من قول أبى عبيدة وقول معاذ بن جبل: إنّ هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيّكم، وموت الصالحين قبلكم؛ فكنت أقول: كيف دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمّته، حتى حدّثني بعض من لا أتّهم عن رسول الله أنّه سمعه منه، وجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن فناء أمتك يكون بالطعن أو الطاعون؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهمّ فناء الطاعون! فعرفت أنها التي كان قال أبو عبيدة ومعاذ.
حدثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ولما انتهى إلى عمر مصاب أبى عبيدة ويزيد بن أبى سفيان، أمّر معاوية ابن أبى سفيان على جند دمشق وخراجها، وأمّر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها.
وأما سيف، فإنه زعم أن طاعون عمواس كان في سنة سبع عشرة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عثمان وأبى حارثة والربيع بإسنادهم، قالوا: كان ذلك الطاعون يعنون طاعون عمواس موتانا لم ير مثله طمع له العدوّ في المسلمين، وتخوّفت له قلوب المسلمينّ كثر موته، وطال مكثه، مكث أشهرا حتى تكلّم في ذلك الناس.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبى سعيد، قال: أصاب البصرة من ذلك موت ذريع، فأمر رجل من بنى تميم غلاما له أعجميّا أن يحمل ابنا له صغيرا ليس له ولد غيره على حمار، ثم يسوق به إلى سفوان، حتى يلحقه. فخرج في آخر الليل ثم اتّبعه، وقد أشرف على سفوان، ودنا من ابنه وغلامه، فرفع الغلام عقيرته يقول:
لن يعجزوا الله على حمار ... ولا على ذي غرّة مطار
قد يصبح الموت أمام السارى فسكت حتى انتهى إليهم، فإذا هم هم، قال: ويحك، ما قلت! قال: ما أدرى، قال: ارجع، فرجع بابنه، وعلم أنه قد أسمع آية وأريها.
قال: وعزم رجل على الخروج إلى أرض بها الطاعون فتردد بعد ما طعن، فإذا غلام له أعجميّ يحدو به:
يا أيّها المشعر همّا لا تهمّ ... إنّك إن تكتب لك الحمّى تحمّ
وفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - كان خروج عمر إلى الشأم الخرجة الأخيرة فلم يعد إليها بعد ذلك قي قول سيف؛ وأما ابن إسحاق فقد مضى ذكره.
ذكر الخبر عن سيف في ذلك والخبر عمّا ذكره عن عمر في خرجته تلك أنه أحدث في مصالح المسلمين:
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عثمان وأبى حارثة والرّبيع، قالوا: وخرج عمر وخلف عليّا في المدينة، وخرج معه الصحابة وأغذّوا السير واتّخذ أيلة طريقا؛ حتى إذا دنى منها تنحّى عن الطريق، واتّبعه غلامه، فنزل فبال، ثم عاد فركب بعير غلامه، وعلى رحله فروة مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلمّا تلقّاه أوائل الناس، قالوا: أين أمير المؤمنين؟ قال: أمامكم - يعنى نفسه - وذهبوا هم إلى أمامهم، فجاوزه حتى انتهى هو إلى أيلة فنزلها وقيل للمتلقّين: دخل أمير المؤمنين أيلة ونزلها. فرجعوا إليه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، قال: لما قدم عمر بن الخطاب أيلة، ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصا له كرابيس قد انجاب مؤخّره عن قعدته من طول السير إلى الأسقفّ، وقال: اغسل هذا وارقعه، فانطلق الأسقفّ بالقميص، ورقعه، وخاط له آخر مثله، فراح به إلى عمر، فقال: ما هذا؟ قال الأسقفّ: أمّا هذا فقميصك قد غسلته ورقعته، وأما هذا فكسوة لك منّي. فنظر إليه عمر ومسحه، ثم لبس قميصه، وردّ عليه ذلك القميص، وقال: هذا أنشفهما العرق.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة وهلال، عن رافع بن عمر، قال: سمعت العباس بالجابية يقول لعمر: أربع من عمل بهنّ استوجب العدل: الأمانة في المال، والتسوية في القسم، والوفاء بالعدة، والخروج من العيوب؛ نظّف نفسك وأهلك.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان والربيع وأبي حارثة بإسنادهم، قالوا: قسم عمر الأرزاق، وسمّى الشواتي والصوائف، وسدّ فروج الشأم ومسالحها، وأخذ يدور بها، وسمّى ذلك في كلّ كورة، واستعمل عبد الله بن قيس على السواحل من كلّ كورة، وعزل شرحبيل، واستعمل معاوية، وأمّر أبا عبيدة وخالدا تحته، فقال له شرحبيل: أعن سخطة عزلتني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، إنك لكما أحبّ ولكني أريد رجلا أقوى من رجل، قال: نعم، فاعزرني في الناس لا تدركني هجنة، فقام في الناس، فقال: أيّها الناس، إني والله ما عزلت شرحبيل عن سخطة، ولكني أردت رجلا أقوى من رجل. وأمّر عمرو بن عبسة على الأهراء، وسمى كلّ شئ، ثم قام في الناس بالوداع.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي ضمرة وأبي عمرو، عن المستورد، عن عديّ بن سهيل، قال: لما فرغ عمر من فروجه وأموره قسم المواريث، فورّث بعض الورثة من بعض، ثم أخرجها إلى الأحياء من ورثة كلّ امرئ منهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ: وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهل بيته، فلم يرجع منهم إلا أربعة، فقال المهاجر بن خالد بن الوليد:
من يسكن الشأم يعرّس به ... والشأم إن لم يفننا كارب
أفنى بنى ريطة فرسانهم ... عشرون لم يقصص لهم شارب
ومن بنى أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا أعجب العاجب
طعنا وطاعونا مناياهم ... ذلك ما خطّ لنا الكاتب
قال: وقفل عمر من الشأم إلى المدينة في ذي الحجة، وخطب حين أراد القفول، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا أني قد ولّيت عليكم وقضيت الذي عليّ في الذي ولاّني الله من أمركم، إن شاء الله قسطنا بينكم فيئكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغنا ما لديكم، فجنّدنا لكم الجنود، وهيّأنا لكم الفروج، وبوّأناكم ووسّعنا عليكم ما بلغ فيئكم وما قاتلتم عليه من شأمكم، وسمّينا لكم أطماعكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم، وأرزاقكم ومغانمكم فمن علم شئ ينبغي العمل به فبلّغنا نعمل به إن شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله. وحضرت الصلاة، وقال الناس: لو أمرت بلالاً فأذّن! فأره فأذّن، فما بقي أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذّن له إلاّ بكى حتى بلّ لحيته، وعمر أشدّهم بكاء، وبكى من لم يدركه ببكائهم، ولذكره صلى الله عليه وسلم.
ذكر خبر عزل خالد بن الوليد كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عثمان وأبى حارثة، قالا: فمازال خالد على قنّسرين حتى غزا غوته التي أصاب فيها، وقسم فيها ما أصاب لنفسه.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى المجالد مثله. قالوا: وبلغ عمر أنّ خالدا دخل الحمام، فتدلّك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر؛ فكتب إليه: بلغني أنك تدلّكت بخمر؛ وإنّ الله قد حرّم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرّم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرّم مسّ الخمر إلاّ أن تغسل كما حرّم شربها، فلا تمسّوها أجسادها فإنّها نجس، وإن فعلتم فلا تعودوا.
فكتب إليه خالد: إنّا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إنّي أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه! فانتهى إليه ذلك.
وفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - أدرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم في رواية سيف عن شيوخه.
ذكر من قال ذلك:كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عثمان وأبى حارثة والمهلّب، قالوا: وأدرب سنة سبع عشرة خالد وعياض، فسارا فأصابا أموالا عظيمة، وكانا توجّها من الجابية، مرجع عمر إلى المدينة، وعلى حمص أبو عبيدة وخالد تحت يديه على قنّسرين، وعلى دمشق يزيد بن أبي سفيان، وعلى الأردنّ معاوية، وعلى فلسطين علقمة بن مجزّز، وعلى الأهراء عمرو بن عبسة، وعلى السواحل عبد الله بن قيس، وعلى كلّ عمل عامل. فقامت مسالح الشأم ومصر والعراق على ذلك إلى اليوم لم تجز أمّة إلى أخرى عملها بعد؛ إلاّ أن يقتحموا عليهم بعد كفر منهم، فيقدّموا مسالحهم بعد ذلك، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى المجالد وأبى عثمان والربيع وأبى حارثة، قالوا: ولما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الصّائبة انتجعه رجال، فانتجع خالد رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بن قيس ممّن انتجع خالدا بقنّسرين، فأجازه بعشرة آلاف. وكان عمر لا يخفى عليه شئ في علمه، كتب إليه من العراق بخروج من خرج، ومن الشأم بجائزة من أجيز فيها - فدعا البريد، وكتب معه إلى أبى عبيدة أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلونسوته حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث؛ أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها فقد أقرّ بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف. وأعزله على كلّ حال، وأضمم إليك عمله. فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر، فقام البريد فقال: يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال إليه، فقال: إنّ أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته وقال: ما تقول! أمن مالك أم من إصابة؟ قال: لا بل من مالي، فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عمّمه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم ونخدم موالينا. قالوا: وأقام خالد متحيّرا لا يدري أمعزول أم غير معزول؟ وجعل أبو عبيدة لا يخبره حتى إذا طال على عمر أن يقدم ظنّ الذي قد كان. فكتب إليه بالإقبال، فأتى خالد أبا عبيدة، فقال: رحمك الله، ما أردت إلى ما صنعت! كتمتني أمرا كنت أحبّ أن أعلمه قبل اليوم! فقال أبو عبيدة: إنّي والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بداّ، وقد علمت أن ذلك يروعك. قال: فرجع خالد إلى قنّسرين، فخطب أهل علمه وودّعهم وتحمّل، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم، ثمّ خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر، فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين؛ وبالله أنّك في أمري غير مجمل يا عمر، فقال عمر: من أين هذا الثّراء؟ قال: من الأنفال والسّهمان، ما زاد عن الستين ألفا فهو لك ما زاد على الستين ألفا فلك. فقوّم عمر عروضه فخرجت إليه عشرون ألفا، فأدخلها بيت المال. ثم قال: يا خالد، والله إنك علىّ لكريم، وإنك إليّ لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شئ.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المستورد، عن أبيه، عن عدىّ بن سهيل، قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكنّ الناس فتنوا به، فخفت أن يوكّلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أنّ الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر، عن سالم، قال: لما قدم خالد على عمر قال عمر متمثّلا:
صنعت فلم يصنع كصنعك صانع ... وما يصنع الأقوام فالله يصنع
فأغرمه شيئا، ثمّ عوّضه، وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصّرهم.
ذكر تجديد المسجد الحرام والتوسعة فيه وفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - اعتمر عمر، وبنى المسجد الحرام - فيما زعم الواقديّ - ووسّع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها.
قال: وكان ذلك الشهر الذي اعتمر فيه رجب، وخلّف على المدينة زيد بن ثابت.
قال الواقدىّ: وفي عمرته هذه أمر بتجديد أنصاب الحرم، فأمر بذلك مخرمة بن نوفل والأزهر بن عبد عوف وحويطب بن عبد العزّى وسعيد بن يربوع.
قال: وحدّثني كثير بن عبد الله المزنىّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: قدمنا مع عمر مكة في عمرته سنة سبع عشرة، فمرّ بالطريق فكلّمه أهل المياه أن يبتنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم، وشرط عليهم أنّ ابن السبيل أحقّ الظلّ والماء.
قال: وفيها تزوّج عمر بن الخطاب أمّ كلثوم ابنة علىّ بن أبى طالب، وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة.
ذكر خبر عزل المغيرة عن البصرة وولاية أبى موسى قال: وفي هذه السنة ولىّ عمر أبا موسى البصرة، وأمره أن يشخص إليه المغيرة في ربيع الأول - فشهد عليه - فيما حدّثني معمر، عن الزهرىّ، عن ابن المسيّب - أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلىّ، ونافع بن كلدة، وزياد.
قال: وحدّثني محمد بن يعقوب بن عتبة، عن أبيه، قال: كان يختلف إلى أمّ جميل، امرأة من بنى هلال؛ وكان لها زوج هلك قبل ذلك من ثقيف، يقال له الحجّاج بن عبيد، فكان يدخل عليها، فبلغ ذلك أهل البصرة، فأعظموه، فخرج المغيرة يوما من الأيام حتى دخل عليها، وقد وضعوا عليها الرّصد، فانطلق القوم الذين شهدوا جميعا، فكشفوا الستر، وقد واقعها. فوفد أبو بكرة إلى عمر، فسمع صوته وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة؟ قال: نعم، قال: لقد جئت لشرّ، قال: إنما جاء بي المغيرة، ثم قصّ عليه القصّة، فبعث عمر أبا موسى الأشعريّ عاملا، وأمره أن يبعث إليه المغيرة، فأهدى المغيرة لأبى موصى عقيلة، وقال: إني رضيتها لك، فبعث أبو موسى بالمغيرة إلى عمر.
قال الواقدىّ: وحدّثني عبد الرحمن بن محمد بن أبى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: حضرت عمر حين قدم بالمغيرة، وقد تزوّج امرأة من بنى مرّة، فقال له: إنك لفارغ القلب، طويل الشّبق، فسمعت عمر يسأل عن المرأة. فقال: يقال لها الرقطاء، وزوجها من ثقيف، وهو من بنى هلال.
قال أبو جعفر: وكان سبب ما كان بين أبى بكرة والشهادة عليه - فيما كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلّب وطلحة وعمرو بإسنادهم، قالوا: كان الذي حدث بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة أنّ المغيرة كان يناغيه، وكان أبو بكر ينافره عند كلّ ما يكون منه، وكانا بالبصرة، وكانا متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كلّ واحدة منهما كوّة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبى بكرة نفر يتحدّثون في مشربته، فهبّت ريح، ففتحت باب الكوّة، فقام أبو بكرة ليصفقه، فبصر بالمغيرة، وقد فتحت الريح باب كوّة مشربته، وهو بين رجلى امرأة، فقال: للنّفر: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: من هذه؟ قال أمّ جميل ابنة الأفقم - وكانت أمّ جميل إحدى بنى عامر بن صعصعة، وكانت غاشية للمغيرة، وتغشى الأمراء والأشراف - وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها - فقالوا: إنما رأينا أعجازا، ولا ندرى ما الوجه؟ ثم إنهم صمّموا حين قامت، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة وقال: لا تصلّ بنا. فكتبوا إلى عمر بذلك، وتكاتبوا، فبعث عمر إلى أبي موسى، فقال: يا أبا موسى، إني مستعملك؛ إني أبعثك إلى أرض قد باض بها الشيطان وفرّخ، فالزم ما تعرف؛ ولا تستبدل فيستبدل الله بك. فقال: يا أمير المؤمنين، أعنّى بعدّة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فإنّي وجدتهم في هذه الأمة وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلاّ به، فاستعن بمن أحببت. فاستعان بتسعة وعشرين رجلاً؛ منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر. ثمّ خرج أبو موسى فيهم حتى أناخ بالمربد، وبلغ المغيرة أنّ أبا موسى قد أناخ بالمربد فقال: والله ما جاء أبو موسى زائراً، ولا تاجراً، ولكنّه جاء أميراً. فإنهم لفي ذلك، إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أو موسى كتابا من عمر، وإنه لأوجز كتاب كتب به أحد من الناس؛ أربع كلم عزل فيها، وعاتب، واستحثّ، وأمّر: أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميراً، فسلّم إليه ما في يدك، والعجل. وكتب إلى أهل البصرة: أمّا بعد، فإني قد بعثت أبا موسى أميراً عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويّكم، وليقاتل بكم عدوّكم، وليدفع عن ذمّتكم، وليحصى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم، ولينقّى لكم طرقكم.
وأهدى له المغيرة وليدة من مولّدات الطائف تدعى عقيلة، وقال: إني قد رضيتها لك - وكانت فارهة - وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد البجلىّ حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني؛ مستقبلهم أو مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة أو عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلىّ فكيف لم أستتر، أو مستدبرىّ فبأيّ شئ استحلّوا النظر إلىّ في منزلي على امرأتي! والله ما أتيت إلاّ امرأتي - وكانت شبهها - فبدأ بأبي بكرة، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أمّ جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: فكيف استثبتّ رأسها؟ قال: تحاملت. ثم دعا بشبل بن معبد، فشهد بمثل ذلك، فقال: استدرتهما أو استقبلتهما؟ قال: استقبلتهما. وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم؛ قال: رأيته جالساً بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين، وسمعت حفزاناً شديداً. قال: هل رأيت الميل في المكحلة؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن أشبّهها، قال: فتنحّ، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحدّ وقرأ: " فإذ لم يأتوا بالشّهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " فقال المغيرة: اشفني من الأعبد، فقال: اسكت أسكت الله نأمتك! أما والله لو تمّت الشهادة لرجمتك بأحجارك.
فتح سوق الأهواز ومناذر ونهر تيريوفي هذه السنة - أعني سنة سبع عشرة - فتحت سوق الأهواز ومناذر ونهر تيري في قول بعضهم، وفي قول آخرين: كان ذلك في سنة ستّ عشرة من الهجرة.
ذكر الخبر عن
سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى
كتب إليّ السريّ، يذكر أن شعيبا حدّثه عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو، قالوا: كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت أمتّه مهرجان قذق وكور الأهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس، فلما انهزم يوم القادسيّة كان وجهه إلى أمّته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من وجهين، من مناذر ونهرتيرى، فاستمدّ عتبة بن غزوان سعدا، فأمدّه سعد بنعيم بن مقرّن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا على ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى. ووجّه عتبة ابن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة - وكانا من المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما من بني العدوية من بني حنظلة - فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا بني العم، فخرج إليهم غالب الوائليّ وكليب بن وائل الكلبيّ، فتركا نعيما ونعيما ونكبا عنهما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما مترك؛ فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان، فإنّ أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى؛ فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شيء إن شاء الله. ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك.
قال: وكان من حديث العمى؛ والعمى مرّة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - أنه تنخت عليه وعلى العصيّة بن امرئ القيس أفناء معدّ فعمّاه عن الرشد من لم ير نصره فارس على آل أردوان، فقال في ذلك كعب بن مالك أخوه - ويقال: صديّ بن مالك:
لقد عم عنها مرّة الخير فانصمى ... وصمّ فلم يسمع دعاء العشائر
ليتنخ عنّا رغبة عن بلاده ... ويطلب ملكا عاليا في الأساور
فبهذا البيت سمى العم؛ فقيل بنو العم؛ عمّوه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله تبارك وتعالى: " عموا وصمّوا " ؛ وقال يربوع بن مالك:
لقد علمت عليا معدّ بأنّنا ... غداة التّباهى غرّ ذاك التّبادر
تنخنا على رغم العداة ولم ننخ ... بحيّ تميم والعديد الجماهر
نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل ... لنا فيهم إحدى الهنات والبهاتر
إذ العرب العلياء جاشت بحورها ... فخرنا على كلّ البحور الزواخر
وقال أيّوب بن العصية بن امرئ القيس:
لنحن سبقنا بالتّنوخ القبائلا ... وعمدا تنخنا حيث جاءوا قنابلا
وكنّا ملوكا قد عززنا الأوائلا ... وفي كلّ قرن قد ملكنا الحلائلا
فلما كانت تلك الليلة من ليلة الموعد من سلمى وحرملة وغالب وكليب، والهرمزان يومئذ بين نهر تيرى بين دلث، خرج سلمى وحرملة صبيحتها في تعبية، وأنهضا نعيماً ونعيماً فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى، وسلمى ابن القين على أهل البصرة، ونعيم بن مقرّن على أهل الكوفة. فاقتتلوا فبيناهم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأنّ مناذر نهر تيرى قد أخذتا، فكسر الله في ذرعه وذرع جنده، وهزمه وأيّاهم، فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا منهم ما شاءوا، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بين الهرمزان وحرملة وسلمى ونعيم ونعيم وغالب وكليب.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبدىّ، عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا، قال: قدمت على هرم ابن حيّان - فيما بين الدّلوث ودجيل - بجلال من تمر، وكان لا يصبر عنه، وكان جلّ زاده إذا تزوّد التّمر، فإذا فنى انتخب له مزاود من جلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثما كان من سهل أو جبل. قالوا: ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحياله من الأهواز رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عتبة بذلك يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلّها ومهرجان قذق، ما خلا نهر تيرى ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يردّ عليهم ما تنقّذنا. وجعل سلمى بن القين على مناذر مسحلة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرى وأمرها على كليب؛ فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بنى العم، فنزلوا منازلهم من البصرة، وجعلوا يتتابعون على ذلك، وقد كتب بذلك عتبة إلى عمر، وفّد منهم سلمى، وأمره أن يستخلف على عمله، وحرملة - وكانا من الصحابة - وغالب وكليب، ووفد وفود من البصرة يومئذ، فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم، فكلّهم قال: أما العمّة فأنت صاحبها، ولم يبق إلا خواصّ أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلاّ ما كان من الأحنف ابن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين؛ إنك لكما ذكروا، ولقد يعزب عنك ما يحقّ علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامّة، وإنّما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخير، ويسمع بآذانهم، وإنّا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البرّ، وإنّ إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة؛ من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم تخضد، وإنّا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة، زعقة نشّاشة، طرف لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج، يجرى إليها ما جرى في مثل مرىء النعامة. دارنا فعمة، ووظيفتنا ضيّقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فيناكثير، ودرهمنا كبير، وقفيزنا صغير؛ وقد وسّع الله علينا، وزادنا في أرضنا، فوسّع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة توظّف علينا، ونعيش بها. فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن صاروا إلى الحجر فنفّلهموه وأقطعهموه، وكان مما كان لآل كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة ينزلونه من أحبّوا، ويقتسمونه بينهم؛ لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى، بعد ما يرفعون خمسه إلى الوالي. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين: نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع؛ وكان أصحاب الألفين ممّن شهد القادسيّة. ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا، فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم، ألحق جميع من شهد الأهواز. ثم قال: هذا الغلام سيّد أهل البصرة، وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويشرب برأيه، وردّ سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهر تيرى، فكانوا عدّة فيه لكون إن كان، وليميّزا خراجها.
كتب إليّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: بينا الناس من أهل البصرة وذمتهم على ذلك وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف وادّعاء، فحضر ذلك سلمى وحرملة لينظروا فيما بينهم، فوجدا غالباً وكليباً محقّين والهرمزان مبطلاً، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان أيضا ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جنده. وكتب سلمى وحرملة وغالب وكليب ببغى الهرمزان وظلمه وكفره إلى عتبة بن غزوان، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر يأمره بأمره، وأمدّهم عمر بحرقوص بن زهير السعدىّ، وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّره على القتال وعلى ما غلب عليه. فنهد الهرمزان بمن معه وسلمى وحرملة وغالب وكليب، حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز أرسلوا إلى الهرمزان: إمّا أن تعبروا إلينا وإمّا أن نعبر إليكم، فقال: اعبروا إلينا، فعبروا من فوق الجسر، فاقتتلوا فوق الجسر ممّا يلي سوق الأهواز، حتى هزم الهرمزان ووجّه نحو رامهرمز، فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشّغر حتى حلّ برامهرمز، وافتتح حرقوص سوق الأهواز، فأقام بها ونزل الجبل، واتّسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، ووفّد وفدا بذلك، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة. وقال الأسود بن سريع في ذلك - وكانت له صحبة:
لعمرك ما أضاع بنو أبينا ... ولكن حافظوا فيمن يطيع
أطاعوا ربّهم وعصاه قوم ... أضاعوا أمره فيمن يضيع
مجوس لا ينهنهها كتاب ... فلاقوا كبّة فيها قبوع
وولّى الهرمزان على جواد ... سريع الشّدّ يثفنه الجميع
وخلّى سرّة الأهواز كرها ... غداة الجسر إذ نجم الرّبيع
وقال حرقوص:
غلبنا الهرمزان على بلاد ... لها في كلّ ناحية ذخائر
سواء برّهم والبحر فيها ... إذا صارت نواجبها بواكر
لها بحر يعجّ بجانبيه ... جعافر لا يزال لها زواخر
فتح تستروفيها فتحتتستر في قول سيف وروايته - أعنى سنة سبع عشرة - وقال بعضهم: فتحت سنة ستّ عشرة، وبعضهم يقول: في سنة تسع عشرة.
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز، وافتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، أقام بها، وبعث جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سرّق، وقد كان عهد إليه فيه: إن فتح الله عليهم أن يتبعه جزءا، ويكون وجهه إلى سرّق. فخرج جزء في أثر الهرمزان، والهرمزان متوجّه إلى رامهرمز هاربا، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشّغر، وأعجزه بها الهرمزان؛ فمال جزء إلى دورق من قرية الشّغر؛ وهي شاغرة برجلها - ودورق مدينة سرّق فيها قوم لا يطيقون منعها - فأخذها صافية، وكتب إلى عمر بذلك وإلى عتبة، وبدعائه من هرب إلى الجزاء والمنعة، وإجابتهم إلى ذلك. فكتب عمر إلى جزء بن معاوية وإلى حرقوص بن زهير بلزوم ما غلبا عليه، وبالمقام حتى يأتيهما أمره، وكتب إليه مع عتبة بذلك، ففعلا وأستأذن جزء في عمران بلاده عمر، فأذن له، فشقّ الأنهار، وعمر الموات. ولما نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الأهواز والمسلمون حلاّل فيها فيما بين يديه، طلب الصلح، وراسل حرقوصا وجزءا في ذلك، فكتب فيه حرقوص إلى عمر، فكتب إليه عمر وإلى عتبة، يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز وتستر والسوس وجندى سابور، والبنيان ومهرجا نقذق، فأجابهم إلى ذلك، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم، وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبّوا عنه. وكتب عمر إلى عتبة أن أوفد علىّ وفدا من صلحاء جند البصرة عشرة، فوفّد إلى عمر عشرة، فيهم الأحنف. فلما قدم على عمر قال: إنك عندي مصدّق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرني أأن ظلمت الذمّة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فقال: لا بل لغير مظلمة، والناس على ما تحبّ. قال: فنعم إذا! انصرفوا إلى رحالكم. فانصرف الوفد إلى رحالهم، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبة فشمّه، ثم قال: لمن هذا الثوب منكم؟ قال الأحنف: لي، قال: فبكم أخذته؟ فذكر ثمنا يسيرا، ثمانية أو نحوها، ونقص ممّا كان أخذه به - وكان قد أخذه باثنى عشر - قال: فهلاّ بدون هذا، ووضعت فضلته موضعا تغنى به مسلما! حصّوا وشعوا الفضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم، ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم؛ إن نظر امرؤ لنفسه وقدّم لها يخلف له. وكتب عمر إلى عتبة أن أعزب الناس عن الظلم، واتّقوا واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى، فإنكم إنّما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدّم إليكم فيما أخذ عليكم. فأوفوا بعهد الله، وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا.
وبلغ عمر أنّ حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل كئود يشقّ على من رامه.فكتب إليه: بلغني أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه إلاّ على مشقّة، فأسهل ولا تشقّ على مسلم ولا معاهد، وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا، ولا تدركنّك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك، وتذهب آخرتك.
ثم إن حرقوصا تحرّر يوم صفّين وبقى على ذلك، وشهد النّهروان مع الحروريّة.
غزو المسلمين فارس من قبل البحرينوفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - غزا المسلمون أرض فارس من قبل البحرين فيما زعم سيف ورواه.
ذكر الخبر بذلك كتب إلىّ السرىّ، يقول: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا سيف، عن محمد والمهلّب وعمرو، قالوا: كان المسلمون بالبصرة وأرضها - وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز عل ما هم عليه إلى ذلك اليوم، ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم، وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله، يؤدّون الخراج ولا يدخل عليهم، ولهم الذمّة والمنعة - وعميد الصلح الهرمزان. وقد قال عمر: حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أنّ بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم، كما قال لأهل الكوفة: وددت أنّ بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم.
وكان العلاء بن الحضرمي على البحرين أزمان أبي بكر، فعزله عمر، وجعل قدامة بن المظعون مكانه، ثم عزل قدامة وردّ العلاء، وكان العلاء يباري سعدا لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد في الردّة بالفضل؛ فلما ظفر سعد بالقادسيّة، وأزاح الأكاسرة عن الدّار، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به، سرّ العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم، فرجا أن يدال كما قد كان أديل، ولم يقدّر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجدّ، وكان أبو بكر قد استعمله، وأذن له في قتال أهل الردّة، واستعمله عمر، ونهاه عن البحر، فلم يقدّر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرّعوا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادا؛ على أحدهما الجارود بن المعلىّ، وعلى الآخر السوّار بن همّام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى؛ وخليد على جماعة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيا؛ يكره التغرير بجنده استنانا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر، لم يغز فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر، وبإزائهم أهل فارس، وعلى أهل فارس الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين بين سفنهم، فقام خليد في الناس، فقال: أمّا بعد؛ فإنّ الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم؛ وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس، وجعل السّوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه، ويقول:
يا آل عبد القيس للقراع ... قد حفل الأمداد بالجراع
وكلّهم في سنن المصاع ... يحسن ضرب القوم بالقطّاع
حتى قتل. وجعل الجارود يرتجز ويقول:
لو كان شيئا أمما أكلته ... أو كان ماء سادما جهرته
لكنّ بحرا جاءنا أنكرته حتى قتل. ويومئذ ولى عبد الله بن السّوار والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا. وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول:
يال تميم أجمعوا النّزول ... وكاد جيش عمر يزول
وكلكم يعلم ما أقول
انزلوا، فنزلوا. فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها. ثمّ خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم، ثمّ لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا. ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق؛ فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم. ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقى في روعه نحو من الذي كان. فاشتدّ غضبه على العلاء، وكتب إله يعزله وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه؛ بتأمير سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك، فخرج بمن معه نحو سعد. وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إنّ العلاء بن الحضرمىّ حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إلاّ ينصروا أن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا. فندب عتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، ونهار بن الحارث، والترجمان بن فلان، والحصين بن أبي الحرّ، والأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرجاء، وعبد الرحمن بن سهل، وصعصعة بن معاوية؛ فخرجوا في اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمّة، وهم ردء للغازي والمقيم. فسار أبو سبرة بالناس، وساحل لا يلقاه أحد، ولا يعرض له؛ حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غبّ وقعة القوم بطاوس، وإنما كان ولى قتالهم أهل إصطخر وحدهم، والشذّاذ من غيرهم؛ وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق، وأنشبوهم؛ استصرخوا عليهم أهل فارس كلّهم؛ فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك؛ فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا - وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة؛ وكانوا أفضل نوابت الأمصار؛ فكانوا أفضل المصرين نابتة - ثم انكفئوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة وكتب إليهم بالحثّ وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فخرج أهلها إلى منازلهم منها، وتفرّق الذين تنقّذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقّذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين. ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس؛ استأذن عمر في الحجّ، فأذن له، فلمّا قضى حجّه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعنّ إلى عمله؛ فدعا الله ثم انصرف؛ فمات في بطن نخلة، فدفن؛ وبلغ عمر، فمرّ به زائرا لقبره، وقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم؛ وأثنى عليه بفضله، ولم يختطّ فيمن اختطّ من المهاجرين؛ وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة ابنة غزوان، وكانت تحت عثمان بن عفان، وكان خبّاب مولاه قد لزم سمته فلم يختطّ، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن، وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم، وعمّاله على حالهم، ومسالحه على نهر تيرى ومناذر وسوق الأهواز وسرّق والهرمزان برامهرمز مصالح عليها، وعلى السوس والبنيان وجندى سابور ومهرجان قذق؛ وذلك بعد تنقّذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس، ونزولهم البصرة.
وكان يقال لهم أهل طاوس، نسبوا إلى الوقعة. وأقرّ عمر أبا سبرة ابن أبي رهم على البصرة بقيّة السنة. ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة، فعمل عليها بقيّة تلك السنة والسنة التي تليها، لم ينتقض عليه أحد في عمله؛ وكان مرزوقا السلامة؛ ولم يحدث شيئا إلاّ ما كان بينه وبين أبي بكرة.
ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة، ثم صرف إلى الكوفة، ثمّ استعمل عمر بن سراقة، ثمّ صرف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة، وصرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة؛ فعمل عليها ثانية.
ذكر فتح رامهرمز وتستروفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - كان فتح رامهرمز والسوس وتستر. وفيها أسر الهرمزان في رواية سيف.
ذكر الخبر عن فتح ذلك في روايته
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو؛ قالوا: ولم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج منهم؛ فكتب يزدجرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرو، يذكّرهم الأحقاد ويؤنّبهم؛ أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد ما والاه، والأهواز. ثم لم يرضوا بذلك حتى تورّدوكم في بلادكم وعقر داركم، فتحرّكوا وتكاتبوا: أهل فارس وأهل الأهواز، وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النّصرة، وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير، وجاءت جزءا وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب؛ فكتب سلمى وحرملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة، فسبق كتاب سلمى حرملة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث سويد بن مقرّن، وعبد الله بن ذي السهمين، وجرير بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البجلىّ؛ فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبيّنوا أمره. وكتب إلى أبى موسى أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمّر عليهم سهل بن عدىّ - أخا سهيل ابن عدىّ - وابعث معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن ابن سهيل، والحصين بن معبد؛ وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة ابن أبي رهم؛ وكلّ من أتاه فمدد له.
وخرج النّعمان بن مقرّن في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البرّ إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهر تيرى فجازها، ثم جاز مناذر، ثم جاز سوق الأهواز، وخلّف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثمّ سار نحو الهرمزان - والهرمزان يومئذ برامهرمز - ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشّدّة، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالا شديدا. ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ هزم الهرمزان للنعمان، وأخلى رامهرمز وتركها ولحق بتستر، وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز، ثم صعد لإيذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز فأقام بها.
قالوا: ولما كتب عمر إلى سعد وأبى موسى، وسار النعمان وسهل، سبق النعمان في أهل الكوفة سهلا وأهل البصرة، ونكّب الهرمزان، وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر أنّ الهرمزان قد لحق بتستر، فمالوا من سوق الأهواز نحوه، فكان وجههم منها إلى تستر، ومال النعمان من رامهرمز إليها، وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء، فنزلوا جميعا على تستر والنعمان على أهل الكوفة، وأهل البصرة متساندون، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز في الخنادق، وكتبوا بذلك إلى عمر، واستمدّه أبو سبرة فأمدّهم بأبي موسى، فسار نحوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين جميعا أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل. وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائة مبارز، سوى من قتل في غير ذلك، وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وقتل كعب بن سور مثل ذلك، وقتل أبو تميمة مثل ذلك في عدّة من أهل البصرة. وفي الكوفيين مثل ذلك؛ منهم حبيب بن قرّة، وربعىّ بن عامر، وعامر بن عبد الأسود - وكان من الرؤساء - في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم؛ يكون عليهم مرّة ولهم أخرى؛ حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتدّ القتال قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربّك ليهزمنّهم لنا! فقال: اللهمّ اهزمهم لنا، واستشهدنى. قال: فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، وأرزوا إلى مدينتهم، وأحاطوا بها، فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة، وطالت حربهم، خرج إلى النّعمان رجل فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل يؤتون منه، ورمى في ناحية أبى موسى بسهم فقال: قد وثقت بكم وأمنتكم واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة، ويكون منه فتتحها، فآمنوه في نشابة فرمى إليهم بآخر، وقال: انهدوا من قبل مخرج الماء؛ فإنكم ستفتحونها، فاستشار في ذلك وندب إليه، فانتدب له عامر بن عبد قيس، وكعب بن سور، ومجزأة بن ثور، وحسكة الحبطىّ، وبشر كثير؛ فنهدوا لذلك المكان ليلا، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرّجل، فانتدب له سويد بن المثعبة، وورقاء بن الحارث، وبشر بن ربيعة الخثعمىّ، ونافع ابن زيد الحميرىّ، وعبد الله بن بشر الهلالىّ، فنهدوا في بشر كثير، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، وقد انسرب سويد وعبد الله بن بشر، فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء؛ حتى إذا اجتمعوا فيها - والناس على رجل من خارج - كبّروا فيها، وكبّر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب؛ فاجتلدوا فيها، فأناموا كلّ مقاتل، وأرز الهرمزان إلى القلعة، وأطالف به الذين دخلوا من مخرج الماء؛ فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم: ما شئتم! قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جعبتي مائة نشّابة؛ ووالله ما تصلون إلىّ ما دام معي منها نشّابة؛ وما يقع لي سهم؛ وما خير إساري إذا أصبت منكم مائة بين قتيل أو جريح! قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدّوه وثاقا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم؛ فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، والراجل ألفا؛ ودعا صاحب الرميّة بها، فجاء هو والرّجل الذي خرج بنفسه، فقالا: من لنا بالأمان الذي طلبنا؛ علينا وعلى من مال معنا؟ قالوا: ومن مال معكم؟ قالا: من أغلق بابه عليه مدخلكم. فأجازوا ذلك لهم، وقتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير، وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور، والبراء بن مالك.
قالوا: وخرج أبو سبرة في أثر الفلّ من تستر - وقد قصدوا للسّوس - إلى السوس، وخرج بالنعمان وأبي موسى ومعهم الهرمزان؛ حتى اشتملوا على السّوس، وأحاط المسلمون بها، وكتبوا بذلك إلى عمر. فكتب عمر إلى عمر بن سراقة بأن يسير نحو المدينة، وكتب إلى أبى موسى فردّه على البصرة، وقد ردّ أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه، وردّ عمر عليها مرتين؛ وكتب إلى زرّ بن عبد الله بن كليب الفقيمىّ أن يسير إلى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر، وأمّر عمر على جند البصرة المقترب، الأسود بن ربيعة أحد بنى ربيعة بن مالك، وكان الأسود وزرّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين - وكان الأسود قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: فنى بطنى، وكثر إخوتنا، فادع الله لنا، فقال: اللهمّ أوف لزرّ عمره، فتحوّل إليهم العدد - وأوفدوا أبو سبرة وفدا؛ فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، وأرسل الهرمزان معهم، فقدموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة؛ حتى إذا دخلوا هيّئوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الدّيباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين، مكلّلا بالياقوت، وعليه حليته، كما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروه، فلما انصرفوا مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدّدكم!؟ تريدون أمير المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسد برنسه - وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس، فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلوه نزع برنسه ثم توسّده فنام - فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدّرّة في يده معلّقة، فقال: الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا؛ وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه؛ وأصغى الهرمزان إلى الوفد، فقال: أين حرسه وحجّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبيّا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء؛ وكثر الناس؛ فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم؛ فتأمّله، وتأمّل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين الله! وقال: الحمد لله الذي أذّل بالإسلام هذا وأشياعه؛ يا معشر المسلمين، تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيّكم، ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غرّارة. فقال الوفد: هذا ملك الأهواز، فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شئ، فرمى عنه بكلّ شئ عليه إلا شيئا يستره، وألبسوه يوبا صفيقا، فقال عمر: هيه يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله! فقال: يا عمر، إنا وإيّاكم في الجاهليّة كان الله قد خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهليّة باجتماعكم وتفرّقنا. ثم قال عمر: ما عذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك. واستسقى ماء، فأتى به في قدح غليظ، فقال: لو متّ عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا، فأتى به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه، فقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد آمنتني! فقال: كذبت! فقال أنس: صدق أمير المؤمنين، قد آمنته، قال: ويحك يا أنس! أنا أؤمّن قاتل مجزأة والبراء! والله لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك! قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني، وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم؛ فأسلم. ففرض له على ألفين؛ وأنزله المدينة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي سفيان طلحة ابن عبد الرحمن، عن ابن عيسى، قال: كان التّرجمان يوم الهرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجم، وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسيّة، فقال عمر للمغيرة: قل له: من أيّ أرض أنت؟ فقال المغيرة: أزكدام أرضي؟ فقال: مهرجانىّ، فقال: تكلم بحجّتك، قال: كلام حتى أو ميت؟ قال: بل كلام حي، قال: قد آمنتني، قال: خدعتني، إنّ للمخدوع في الحرب حكمه؛ لا والله لا أؤمّنك حتى تسلم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له على ألفين وأنزله المدينة. وقال المغيرة: ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها منكم أحد إلا خبّ، وما خبّ إلا دقّ. إيّاكم وإيّاها، فإنها تنقض الإعراب. وأقبل زيد فكلّمه، وأخبر عمر بقوله، والهرمزان بقول عمر.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو، عن الشعبىّ وسفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد: لعلّ المسلمين يفضون إلى أهل الذمّة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم إلاّ وفاء حسن ملكة، قال: فيكف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلاّ ما كان من الأحنف، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك أنّك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حي بين أظهرهم؛ وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم؛ ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه؛ وقد رأيت أنّا لم نأخذ شيئا بعد شئ إلاّ بانبعاثهم، وأنّ ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس، ونخرجه من مملكته وعزّ أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربون جأشا. فقال: صدقتنى والله، وشرحت لي الأمر عن حقه. ونظر في حوائجهم وسرّحهم.
وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مهرجا نقذق وأهل كور الأهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الإنسياح.
ذكر فتح السّوس
اختلف أهل السّير في أمرها؛ فأمّا المدائني فإنه - فيما حدثني عن أبو زيد - قال: لما انتهى فلّ جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان، دعا بخاصّته والموبذ، فقال: إنّ القوم لا يلقون جمعا إلاّ فلّوه، فما ترون؟ فقال: الموبذ: نرى أن تخرج فتنزل إصطخر؛ فإنها بيت المملكة، وتضمّ إليك خزائنك، وتوجّه الجنود. فأخذ برأيه، وسار إلى أصبهان دعا سياه، فوجّهه في ثلاثمائة، فيهم سبعون رجلا من عظمائهم، وأمره أن ينتخب من كلّ بلدة ويمرّ بها من أحبّ، فمضى سياه وأتبعه يزدجرد، حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السّوس، فوجّه سياه إلى السّوس، والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه الكلبانيّة، وبلغ أهل السّوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد إصطخر منهزما، فسألوا أبا موسى الأشعري الصلح، فصالحهم، وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانيّة، وقد عظم أمر المسلمين عنده، فلم يزل مقيما حتى صار أبو موسى إلى تستر، فتحوّل سياه، فنزل بين رامهرمز وتستر، حتى قدم عمّار بن ياسر، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان؛ فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدّث أنّ هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابّهم في إيوانات إصطخر ومصانع الملوك، ويشدّون خيولهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلاّ فلّوه، ولا ينزلون بحصن إلاّ فتحوه، فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفني كلّ رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإني أرى أن ندخل في دينهم. ووجّهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى يأخذ شروطا على أن يدخلوا في الإسلام. فقدم شيرويه على أبي موسى، فقال: إنّا قد رغبنا في دينكم، فنسلم على أن نقاتل معكم العجم، ولا نقاتل معكم العرب؛ وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك. فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، قالوا: لا نرضى.
وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إلى أبى موسى: أعطهم ما سألوك. فكتب أبو موسى لهم، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر؛ فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدّا ولا نكاية، فقال لسياه: يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنّا نرى! قال: لسنا مثلكم في هذا الدّين ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامى عنهم، ولم تلحقنا بأشراف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حّسر. فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك، فكتب إليه عمر: أن ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شئ أخذه أحد من العرب. ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين، ولستّة منهم في ألفين، وخمسمائة لسياه وخسرو - ولقبه مقلاص - وشهريار، وشهرويه، وأفروذين.
فقال الشاعر:
ولمّا رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتي من الأمر أبصرا
فسنّ لهم ألفين فرضا وقد رأى ... ثلاثمئين فرض عكّ وحميرا
قال: فحاصروا حصنا بفارس، فانسلّ سياه في آخر الليل في زيّ العجم حتى رمى بنفسه إلى جنب الحصن، وتضح ثيابه بالدّم، وأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا في زيّهم صريعا، فظنّوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلّوا عن باب الحصن وهربوا، ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، وحاصروا حصنا، فمضى خسرو إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم يكلّمه، فرماه خسرو بنشّابة فقتله.
وأما سيف فإنه قال في روايته ما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب، عنه، عن محمد وطلحة وعمرو ودثار أبى عمر، عن أبي عثمان، قالوا: لما نزل أبو سبرة في الناس على السّوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشوهم مرّات؛ كلّ ذلك يصيب أهل السّوس في المسلمين، فأشرف عليهم يوما الرّهبان والقسّيسون، فقالوا: يا معشر العرب، إنّ مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا؛ أنه لا يفتح السّوس إلاّ الدّجال أو قوم فيهم الدّجال، فإن كان الدّجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا. وجاء صرف أبى موسى إلى البصرة، وعمّل على أهل البصرة المقترب مكان أبى موسى بالسّوس، واجتمع الأعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرا لأهل السوس مع أبى سبرة، وزرّ محاصر أهل نهاوند من وجهه ذلك؛ وضرب على أهل الكوفة البعث مع حذيفة، وأمرهم بموافاته بنهاوند؛ وأقبل النّعمان على التهيؤ للسير إلى نهاوند، ثمّ استقلّ في نفسه، فناوشهم قبل مضيّه، فعاد الرّهبان والقسّيسون، وأشرفوا على المسلمين، وقاولوا: يا معشر العرب، لا تعنوا فإنه لا يفتحها إلاّ الدّجال أو قوم معهم الدّجال، وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم، وصاف بن صيّاد يومئذ مع النعمان في خيله، وناهدهم المسلمون جميعا، وقالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق؛ ولمّا يخرج أبو موسى بعد. وأتى صاف باب السوس غضبان، فدقّه برجله، وقال انفتح فطار فتقطّعت السلاسل، وتكسّرت الأغلاق، وتفتّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا: الصّلح الصلح! وأمسكوا بأيديهم، فأجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح؛ ثم افترقوا. فخرج النّعمان في أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على ماه، وسرّح أبو سبرة المقترب حتى ينزل على جندى سابور مع زرّ، فأقام النعمان بعد دخول ماه، حتى وافاه أهل الكوفة، ثم نهد بهم إلى أهل نهاوند، فلما كان الفتح رجع صاف إلى المدينة، فأقام بها، ومات بالمدينة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عمّن أورد فتح السّوس، قال: وقيل لأبى سبرة: هذا جسد دانيال في هذه المدينة، قال: ومالنا بذلك! فأقرّه بأيديهم - قال عطيّة بإسناده: إنّ دانيال كان لزم أسياف فارس بعد بختنصّر؛ فلمّا حضرته الوفاة، ولم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الإسلام؛ أكرم كتاب الله عمّن لم يجبه ولم يقبل منه، فأودعه ربّه، فقال لابنه: ائت ساحل البحر، فاقذف بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام، وضنّ به، وغاب مقدار ما كان ذاهبا وجائيا؛ وقال: قد فعلت، قال: فما صنع البحر حين هوى فيه؟ قال: لم أره يصنع شيئا، فغضب وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به. فخرج من عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: كيف رأيت البحر حين هوى فيه؟ قال: ماج واصطفق، فغضب أشدّ من غضبه الأوّل، وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به بعد، فعزم ابنه على إلقائه في البحر الثالثة، فانطلق إلى ساحل البحر، وألقاه فيه، فانكشف البحر عن الأرض حتى بدت، وانفجرت له الأرض عن هواء من نور، فهوى في ذلك النور، ثم انطبقت عليه الأرض، واختلط الماء، فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر، فقال: الآن صدقت. ومات دانيال بالسّوس؛ فكان هنالك يستسقى بجسده، فلما افتتحها المسلمون أتوا به فأقرّوه في أيديهم، حتى إذا ولّى أبو سبرة عنهم إلى جندى سابور أقام أبو موسى بالسّوس. وكتب إلى عمر فيه؛ فكتب إليه يأمره بتوريته، فكفّنه ودفنه المسلمون. وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا، فكتب إليه أن تختّمه، وفي فصّه نقش رجل بين أسدين.
ذكر مصالحة المسلمين أهل جندى سابوروفيها - أعنى سنة سبع عشرة - كانت مصالحة المسلمين أهل جندى سابور.
ذكر الخبر عن أمرهم وأمرهاكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبى عمرو وأبى سفيان والمهلّب، قالوا: لما فرغ أبو سبرة من السّوس خرج في جنده حتى نزل على جندى سابور، وزرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادنهم ويراوحونهم القتال؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رمى إليهم بالأمان من عسكر المسلمين، وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجأ المسلمين إلاّ وأبوابها تفتح، ثمّ خرج السّرح، وخرجت الأسواق، وانبثّ أهلها، فأرسل المسلمون: أن مالكم؟ قالوا: رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمتعونا. فقالوا: ما فعلنا، فقالوا: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم؛ فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها؛ هو الذي كتب لهم. فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: إنا لا نعرف حرّكم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدّل؛ فإن شئتم فاغذروا. فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إنّ الله عظّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شكّ أجيزوهم، وفوا لهم. فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: أذن عمر في الانسياج سنة سبع عشرة في بلاد فارس، وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس، وعرف فضله وصدقه، وفرّق الأمراء والجنود، وأمّر على أهل البصرة أمراء؛ وأمّر على أهل الكوفة أمراء، وأمّر هؤلاء وهؤلاء بأمره، وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة، فساحوا في سنة ثمان عشرة، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمّة البصرة؛ فيكون هنالك حتى يحدّث إليه؛ وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدىّ حليف بنى عبد الأشهل، فقدم سهيل بالألوية، ودفع لواء خراسان إلى الأحنف ابن قيس، ولواء أردشيرخرّه وسابور إلى مجاشع بن مسعود السّلمى، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، ولواء فسا ودرابجرد إلى سارية بن زنيم الكنانيّ، ولواء كرمان مع سهيل بن عدىّ، ولواء سجستان إلى عاصم ابن عمرو - وكان عاصم من الصحابة - ولواء مكران إلى الحكم بن عمير الغلبيّ. فخرجوا في سنة سبع عشرة، فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور فلم يستتب مسيرهم، حتى دخلت سنة ثمان عشرة، وأمدّهم عمر بأهل الكوفة؛ فأمدّ سهيل بن عدىّ بعبد الله بن عبد الله بن عتبان، وأمدّ الأحنف بعلقمة ابن النّضر، وبعبد الله بن أبي عقيل، وبربعىّ بن عامر، وبابن أمّ غزال. وأمدّ عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعيّ، وأمدّ الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق المازنيّ. قال بعضهم: كان فتح السّوس ورامهرمز وتوجيه الهرمزان إلى عمر من تستر في سنة عشرين.
وحجّ بالناس في هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - عمر بن الخطاب؛ وكان عامله على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى اليمن يعلى بن أميّة، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام من قد ذكرت أسماءهم قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقّاص، وعلى قضائها أبو قرّة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعريّ - وقد ذكرت فيما مضى الوقت الذي عزل فيه عنها، والوقت الذي ردّ فيه إليها أميرا. وعلى القضاء - فيما قيل - أبو مريم الحنفيّ. وقد ذكرت من كان على الجزيرة والموصل قبل.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة
ذكر الأحداث التي كانت في سنة ثمان عشرة
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة - أعنى سنة ثمان عشرة - أصابت الناس مجاعة شديدة ولزبة، وجدوب وقحوط؛ وذلك هو العام الذي يسمّى عام الرّمادة.
ذكر القحط وعام الرمادة حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: دخلت سنة ثمان عشرة، وفيها كان عام الرّمادة وطاعون عمواس، فتفانى فيها الناس.
وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثت عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت الرّمادة سنة ثمان عشرة. قال: وكان في ذلك العام طاعون عمواس.
كتب إلىّ السرىّ يقول، حدّثنا شعيب، عن سيف، عن الرّبيع وأبى المجالد وأبى عثمان وأبى حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إنّ نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم فتأوّلوا، وقالوا: خيّرنا فاخترنا، قال: " فهل أنتم منتهون " ! ولم يعزم علينا. فكتب إلى عمر: فذلك بيننا وبينهم، " فهل أنتم منتهون " ؛ يعنى فانتهوا. وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة، ويضمّنوا الفسق من تأوّل عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل. فكتب عمر إلى أبى عبيدة أن ادعهم؛ فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم فسألهم على رءوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحدّ القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدثنّ فيكم يا أهل الشام حادث؛ فحدثت الرّمادة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبىّ بمثله.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: لما قدم على عمر كتاب أبى عبيدة في ضرار و أبى جندل، كتب إلى أبى عبيدة في ذلك، و أمره أن يدعو بهم على رءوس الناس فيسألهم: أحرام الخمر أم حلال ؟ فإن قالوا: حرام، فاجلدهم ثمانين جلدة، و استتبهم، و إن قالوا: حلال، فاضرب أعناقهم. فدعّا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، فاستحيوا فلزموا البيوت. ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن أبا جندل قد وسوس، إلاّ أن يأتيه الله على يديك بفرج، فاكتب إليه و ذكّره، فكتب غليه عمر و ذكّره، فكتب إليه: من عمر إلى أبى جندل " إنّ الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ، فتب و ارفع رأسك، و ابرز ولا تقنط، فأنّ الله عزّ و جلّ، يقول: " يا عبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعا إنّه هو الغفور الرّحيم " . فلما قرأه عليه أبو عبيدة تطلّق و أسفر عنه. و كتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، و كتب إلى الناس: عليكم أنفسكم، و من استوجب التّغيير فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحدا فيفشو فيكم البلاء.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عطاء نحوا منه، إلاّ أنه لم يذكر أنه كتب إلى الناس ألا يعيّروهم، و قال: قالوا: جاشت الروم، دعونا نغزوهم، فأن قضى الله لنا الشهادة فذلك، و إلاّ عمدت للذي يريد. فاستشهد ضرار بن الأزور في قوم، و بقى الآخرون فحدّوا. و قال أبو الزّهراء القشيرىّ في ذلك:
ألم تر أنّ الدهر يعثر بالفتى ... و ليس على صرف المنون بقادر
صبرت و لم أجزع و قد مات إخوتي ... و لست عن الصهباء يوما بصابر
رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلاّنها يبكون حول المعاصر
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان و أبى المجالد جراد بن عمرو و أبى عثمان يزيد بن أسيد الغسّانىّ، و أبى حارثة محرز العبشمىّ بإسنادهم، و محمد بن عبد الله، عن كريب، قالوا: أصابت الناس في إمارة عمر رضى الله عنه سنة بالمدينة و ما حولها، فكانت تسفى إذا ريحت ترابا كالرماد، فسمّى ذلك العام عام الرّمادة، فآلى عمر ألاّ يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيى الناس من أوّل الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أوّل الحيا، فقدمت السوق عكّة من سمن و طب من لبن؛ فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبرّ الله يمينك، و عظّم أجرك، قدم السوق و طب من لبن و عكة من سمن، فابتعتهما بأربعين، فقال عمر أغليت بهما، فتصدّق بهما، فإنّى أكره أن آكل إسرافا. و قال عمر: كيف يعنيني شأن الرعّية إذا لم يمسسنى ما مسّهم! كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف السّلمىّ ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كانت في آخر سنة سبع عشر و أول سنة ثمان عشر، و كانت الرّمادة جوعا أصاب الناس بالمدينة وما حولها فأهلكهم حتّى جعلت الوحش تأوى إلى الأنس، و حتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها، و إنّه لمقفر.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان الناس بذلك و عمر كالمحصورة عن أهل الأمصار؛ حتى أقبل بلال بن الحارث المزنىّ، فاستأذن عليه، فقال: أنا رسول رسول الله إليك؛ يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد عهدتك كيّسا، و ما زلت على رجل؛ فما شأنك! فقال متى رأيت هذا ؟ قال: البارحة، فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة! فصلّى بهم ركعتين؛ ثم قام فقال: أيّها الناس، أنشدكم الله، هل تعلمون منىّ أمرا غيره خير منه؟ قالوا: اللهم لا، قال: فإنّ بلال بن الحارث يزعم ذيّة وذيّة؛ فقالوا: صدق بلال، فاستغث بالله وبالمسلمين، فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصورا - فقال عمر: الله أكبر! بلغ البلاء مدتّه فانكشف؛ ما أذن لقوم في الطلب إلاّ وقد رفع عنهم البلاء؛ فكتب إلى أمراء الأمصار: أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم؛ وأخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج وخرج معه بالعباس ماشيا، فخطب فأوجز؛ ثم صلى، ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهمّ إيّاك نعبد وإياك نستعين؛ اللهمّ اغفر لنا وارحمنا وارض عنّا. ثم انصرف، فما بلغوا المنزل راجعين حتى خاضوا الغدران.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّرين الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: قحط الناس زمان عمر عاما، فهزل المال، فقال أهل بيت من مزينة من أهل البادية لصاحبهم: قد بلغنا، فاذبح لنا شاة، قال: ليس فيهنّ شئ، فلم يزالوا به حتى ذبح لهم شاة، فسلخ عن عظم أحمر، فنادى: يا محمّداه! فأرى فيما يرى النائم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه، فقال: أبشر بالحيا! ائت عمر فأقرئه منّى السلام، وقل له: إنّ عهدي بك وأنت وفيّ العهد، شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر! فجاء حتى أتى باب عمر؛ فقال لغلامه: استأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عمر فأخبره، ففزع وقال: رأيت به مسّا! قال: لا، قال: فأدخله، فدخل فأخبره الخبر، فخرج فنادى في الناس، وصعد المنبر، وقال: أنشدكم بالذي هداكم للإسلام؛ هل رأيتم مني شيئا تكرهونه! قالوا: اللهمّ لا، قالوا: ولم ذاك؟ فأخبرهم، ففطنوا ولم يفطن؛ فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسق بنا، فنادى في الناس، فقام فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال: اللهمّ عجزت عنّا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوّتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوّة إلا بك، اللّهمّ فاسقنا، وأحى العباد والبلاد؟! كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الرّبيع بن النعمان وجراد أبى المجالد وأبى عثمان وأبى حارثة، كلّهم عن رجاء - وزاد أبو عثمان وأبو حارثة: عن عبادة وخالد، عن عبد الرحمن بن غنم - قالوا: كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، ويستمدّهم، فكان أوّل من قدم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولاّه قسمتها فيمن حول المدينة؛ فلمّا فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لي فيها يا أمير المؤمنين؛ إنما أردت الله وما قبله، فلا تدخل علىّ الدنيا، فقال: خذها فلا بأس بذلك إذ لم تطلبه، فأبى فقال: خذها فإنىّ قد وليت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا، فقال لي مثل ما قلت لك، فقلت له كما قلت لي فأعطاني. فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس واستغنى أهل الحجاز، وأحيوا مع أوّل الحيا.
وقالوا بإسنادهم: وجاء كتاب عمرو بن العاص جواب كتاب عمر في الإستغاثة: إن البحر الشامىّ حفر لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيرا، فصبّ في بحر العرب، فسدّه الروم والقبط، فإن أحببت أن يقوم سعر الطعام بالمدينة كسعره بمصر، حفرت له نهرا وبنيت له قناطر. فكتب إليه عمر: أن افعل وعجّل ذلك؛ فقال له أهل مصر: خراجك زاج، وأميرك راض؛ وإن تمّ هذا انكسر الخراج. فكتب إلى عمر بذلك، وذكر أن فيه انكسار خراج مصر وخرابها. فكتب إليه عمر: اعمل فيه وعجّل، أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها، فعالجه عمرو وهو بالقلزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر، ولم يزد ذلك مصر إلاّ رخاء، ولم ير أهل المدينة بعد الرّمادة مثلها، حتى حبس عنهم البحر مع مقتل عثمان رضى الله عنه. فذلّوا وتقاصروا وخشعوا.
قال أبو جعفر: وزعم الواقديّ أن الرّقة والرّها وحرّان فتحت في هذه السنة على يدي عياض بن غنم، وأن عين الوردة فتحت فيها على يدي عمير ابن سعد. وقد ذكرت قول من خالفه في ذلك فيما مضى، وزعم أن عمر رضي الله عنه حوّل المقام في هذه السنة في ذي الحجّة إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا بالبيت قبل ذلك. وقال: مات في طاعون عمواس خمسة وعشرون ألفا.
قال أبو جعفر: وقال بعضهم: وفي هذها لسنة استقضى عمر شريح ابن الحارث الكنديّ على الكوفة، وعلى البصرة كعب بن سور الأزديّ.
قال: وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه.
وكانت ولاته في هذه السنة على الأمصار الولاة الذين كانوا عليها في سنة سبع عشرة.
ثم دخلت سنة تسع عشرة
ذكر الأحداث التي كانت في سنة تسع عشرة
قال أبو جعفر: قال أبو معشر - فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى عنه: إنّ فتح جلولاء كان في سنة تسع عشرة على يدي سعد، وكذلك قال الواقدىّ.
وقال ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة والرّهاء وحرّان ورأس العين ونصيبين فيسنة تسع عشرة.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قول من خالفهم في ذلك قبل.
وقال أبو معشر: كان فتح قيساريّة في هذه السنة - أعنى سنة تسع عشرة - وأميرها معاوية بن أبى سفيان؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازىّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وكالذي قال أبو معشر في ذلك قال الواقدىّ.
وأما ابن إسحاق فإنه قال: كان فتح قيساريّة من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين؛ حدّثنا بذلك ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه.
وأما سيف بن عمر فإن قال: كان فتحها في سنة ستّ عشرة.
قال: وكذلك فتح مصر.
وقد مضى الخبر عن فتح قيساريّة قبل، وأنا ذاكر خبر مصر وفتحها بعد في قول؛ من قال: فتحت سنة عشرين، وفي قول من خالف ذلك.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة - أعنى سنة تسع عشرة - سالت حرّة ليل نارا - فيما زعم الواقدىّ - فأراد عمر الخروج إليها بالرّجال، ثمّ أمرهم بالصدقة فانطفأت.
وزعم أيضا الواقدىّ أنّ المدائن وجلولاء فتحتا في هذه السنة، وقد مضى ذكر من خالفه في ذلك.
وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.
وكان عمّاله على الأمصار وقضاته فيها الولاة والقضاة الذين كانوا عليها في سنة ثمان عشرة.
ثم دخلت سنة عشرينذكر الخبر عمّا كان فيها من مغازى المسلمين
وغير ذلك من أمورهمقال أبو جعفر: ففي هذه السنة فتحت مصر في قول ابن إسحاق.
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فتحت مصر سنة عشرين.
وكذلك قال أبو معشر؛ حدّثني أحمد بن ثابت عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، أنه قال: فتحت مصر سنة عشرين، وأميرها عمرو بن العاص.
وحدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: فتحت إسكندريّة سنة خمس وعشرين.
وقال الواقدىّ - فيما حدّثت عن ابن سعد عنه: فتحت مصر والإسكندرية في سنة عشرين.
وأما سيف فإنه زعم - فيما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف - أنها فتحت والإسكندرية في سنة ستّ عشرة.
ذكر الخبر عن فتحها وفتح الإسكندريةقال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلاف أهل السّير في السنة التي كان فيها فتح مصر والإسكندرية، ونذكر الآن سبب فتحهما، وعلى يدى من كان؛ على ما في ذلك من اختلاف بينهم أيضا؛ فأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه، أنّ عمر رضي الله عنه حين فرغ من الشأم كلها كتب إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر في جنده، فخرج حتى فتح باب اليون في سنة عشرين.
قال: وقد اختلف في فتح الإسكندريّة، فبعض الناس يزعم أنها فتحت في سنة خمس وعشرين، وعلى سنتين من خلافة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وعليها عمرو بن العاص.
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني القاسم بن قزمان - رجل من أهل مصر - عن زياد بن جزء الزّبيدىّ، أنه حدّثه أنه كان في جند عمرو بن العاص حين افتتح مصر والإسكندرية، قال: افتتحنا الإسكندرية في خلافة عمر بن الخطاب في سنة إحدى وعشرين - أو سنة اثنتين وعشرين - قال: لما افتتحنا باب اليون تدنّينا قرى الرّيف فيما بيننا وبين الإسكندرية قرية فقرية؛ حتى انتهينا إلى بلهيب - قرية من قرى الريف، يقال لها قرية الريش - وقد بلغت سبايانا المدينة ومكّة واليمن.
قال: فلما انتهينا إلى بلهيب أرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو ابن العاص: إنيّ قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلىّ منكم معشر العرب لفارس والروم، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن تردّ علىّ ما أصبتم من سبايا أرضي فعلت.
قال: فبعث إليه عمرو بن العاص: إنّ ورائي أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عنّي حتى أكتب إليه بالذي عرضت علىّ، فإن هو قبل ذلك منك قبلت، وإن أمرني بغير ذلك مضيت لأمره. قال: فقال: نعم. قال: فكتب عمرو بن العاص إلى عمر ابن الخطاب - قال: وكانوا لا يخفون علينا كتابا كتبوا به - يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية. قال: وفي أيدينا بقايا من سبيهم. ثم وقفنا ببلهيب؛ وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا؛ فقرأه علينا عمرو وفيه: أما بعد؛ فإنه جاءني كتابك تذكر أنّ صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترّد عليه ما أصيب من سبايا أرضه؛ ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحبّ إلىّ من فئ يقسم، ثم كأنّه لم يكن؛ فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية، على أن تخيّروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه؛ فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين؛ له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه، وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه، فأما من تفرّق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكّة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردّهم، ولا نحبّ أن نصالحه على أمر لا نفي له به. قال: فبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين. قال: فقال: قد فعلت. قال: فجمعنا ما في أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرّجل ممن في أيدينا، ثمّ نخيّره بين الإسلام وبين النصرانيّة؛ فإذا اختار الإسلام كبّرنا تكبيرة هي أشدّ من تكبيرتنا حين تفتح القرية؛ قال: ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانيّة نخرت النصارى، ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعا شديدا؛ حتى كأنّه رجل خرج منا إليهم. قال: فكان ذلك الدّأب حتى فرغنا منهم، وقد أتى فيمن أتينا به بأبي مريم عبد الله بن عبد الرحمن - قال القاسم: وقد أدركته وهو عريف بنى زبيد - قال: فوقفناه، فعرضنا عليه الإسلام والنصرانيّة - وأبوه وأمه وإخوته في النصارى - فاختار الإسلام، فحزناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا، حتى شققوا عليه ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا كما ترى. ثم فتحت لنا الإسكندرية فدخلناها، وإنّ هذه الكناسة التي ترى يابن أبى القاسم لكناسة بناحية الإسكندرية حولها أحجار كما ترى، ما زادت ولا نقصت، فمن زعم غير ذلك أنّ الإسكندرية وما حولها من القرى لم يكن لها جزية ولا لأهلها عهد؛ فقد والله كذب. قال القاسم: وإنما هاج هذا الحديث أن ملوك بنى أميّة كانوا يكتبون إلى أمراء مصر أنّ مصر إنما دخلت عنوة؛ وإنما هم عبدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا.
قال أبو جعفر: وأما سيف؛ فإنه ذكر فيما كتب به إلىّ السرىّ، يذكر أن شعيبا حدّثه عنه، عن الربيع أبى سعيد، وعن أبى عثمان وأبى حارثة، قالوا: أقام عمر بإيلياء بعد ما صالح أهلها، ودخلها أياما، فأمضى عمرو ابن العاص إلى مصر وأمّره عليها، إن فتح الله عليه، وبعث في أثره الزّبير ابن العوّام مددا له، وبعث أبا عبيدة إلى الرّمادة، وأمره إن فتح الله عليه أن يرجع إلى عمله.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، قال: حدثنا أبو عثمان عن خالد وعبادة، قالا: خرج عمرو بن العاص إلى مصر بعد ما رجع عمر إلى المدينة؛ حتى انتهى إلى باب اليون، وأتبعه الزبير؛ فاجتمعا، فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف في أهل النيّات بعثه المقوقس لمنع بلادهم. فلما نزل بهم عمرو قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجّلونا لنعذر إليكم، وترون رأيكم بعد. فكفّوا أصحابهم، وأرسل إليهم عمرو: إني بارز فليبرز إلىّ أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك، وآمن بعضهم بعضا، فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا، إنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّدا صلّى الله عليه وسلم بالحقّ وأمره به، وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم، وأدّى إلينا كلّ الذي أمر به، ثم مضى صلوات الله عليه ورحمته وقد قضى الذي عليه، وتركنا على الواضحة؛ وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له المنّعة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بك حفظا لرحمنا فيكم، وإنّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمّة إلى ذمّة. ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيّين خيرا؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيّين خيرا، لأنّ لهم رحما وذمّة، فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلاّ الأنبياء، معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا، وكانت من أهل منف والملك فيهم، فأديل عليهم أهل عين شمس، فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا، فلذلك صارت إلى إبراهيم عليه السلام مرحبا به وأهلا، آمنّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: إنّ مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظروا ولتناظروا قومكما؛ وإلاّ ناجزتكم، قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا، فزادهم يوما، فرجعا إلى المقوقس فهمّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجهد أن ندفع عنكم، ولا نرجع إليهم، وقد بقيت أربعة أيام، فلا تصابون فيها بشئ إلاّ رجونا أن يكون له أمان. فلم يفجأ عمرا والزبير إلاّ البيات من فرقب، وعمرو على عدّة، فلقوه فقتل ومن معه، ثم ركبوا أكساءهم، وقصد عمرو والزبير لعين الشمس، وبها جمعهم، وبعث إلى الفرّما أبرهة بن الصباح، فنزل عليها، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندريّة، فنزل عليها، فقال كلّ واحد منهما لأهل مدينته: إن تنزلوا فلكم الأمان، فقالوا: إنّ الإسكندر قال: إني أبني مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنيّة - أو لأبنينّ مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنية - فبقيت بهجتها.
وقال أبرهة لأهل الفرما: ما أخلق مدينتكم يا أهل الفرما؟ قالوا: إنّ الفرما قال: إنيّ أبني مدينة عن الله غنية، وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها.
وكان الإسكندر والفرما أخوين.
قال أبو جعفر: قال الكلبىّ: كان الإسكندر والفرما أخوين، ثم حدّث بمثل ذلك، فنسبتا إليهما، فالفرما ينهدم فيها كل يوم شئ، وخلقت مرآتها، وبقيت جدّة الإسكندرية.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبى عثمان، قالا: لما نزل عمرو على القوم بعين شمس؛ وكان الملك بين القبط والنّوب، ونزل معه الزبير عليها. قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فلّوا كسرى وقيصر، وغلبوهم على بلادهم! صالح القوم واعتقد منهم، ولا تعرض لهم، ولا تعرّضنا لهم - وذلك في اليوم الرابع - فأبى، وناهدوهم فقاتلوهم، وارتقى الزبير سورها، فلما أحسّوه فتحوا الباب لعمرو، وخرجوا إليه مصالحين؛ فقبل منهم، ونزل الزّبير عليهم عنوة؛ حتى خرج على عمرو من الباب معهم، فاعتقدوا بعد ما أشرفوا على الهلكة، فأجروا ما أخذ عنوة مجرى ما صالح عليه؛ فصاروا ذمّة، وكان صلحهم:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم، وبرّهم وبحرهم؛ لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينقص، ولا يساكنهم النّوب. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصّلح، وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمّتنا ممّن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل في صلحهم من الرّوم والنّوب فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذّهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا. عليهم ما عليهم أثلاثاً في كلّ ثلث جباية ثلث ما عليهم، على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمّته وذمّة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأساً، وكذا وكذا فرساً، على ألاّ يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه. وكتب وردان وحضر.
فدخل في ذلك أهل مصر كلّهم، وقبلوا الصلح، واجتمعت الخيول فمصّر عمرو الفسطاط، ونزله المسلمون، وظهر أبو مريم وأبو مريام، فكلّما عمراً في السبايا التي أصيبت بعد المعركة، فقال: أولهم عهد وعقد؟ ألم نحالفكما ويغار علينا من يومكما! وطردهما، فرجعا وهما يقولان: كلّ شئ أصبتموه إلى أن نرجع إليكم ففي ذمّة منكم، فقال لهما: أتغيرون علينا وهم في ذمة؟ قالا: نعم، وقسم عمرو ذلك السبى على الناس، وتوزّعوه، ووقع في بلدان العرب. وقدم البشير على عمر بعد بالأخماس، وبعد الوفود فسألهم عمر، فما زالوا يخبرونه حتى مرّوا بحديث الجاثليق وصاحبه، فقال: ألا أراهما يبصران وأنتم تجاهلون ولا تبصرون! من قاتلكم فلا أمان له، ومن لم يقاتلكم فأصابه منكم شئ من أهل القرى فله الأمان في الأيام الخمسة حتى تنصرم، وبعث في الآفاق حتى ردّ ذلك السّبى الذي سبوا ممن لم يقاتل في الأيام الخمسة إلاّ من قاتل بعد، فترادّوهم إلاّ ما كان من ذلك الضّرب، وحضرت القبط باب عمرو، وبلغ عمراً أنهم يقولون: ما أرثّ العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم! فخاف أن يستثيرهم ذلك من أمرهم، فأمر بجزر فذبحت، فطبخت بالماء والملح، وأمر أمراء الأجناد أن يحضروا، وأعلموا أصحابهم، وجلس وأذّن لأهل مصر، وجئ باللحم والمرق فطافوا به على المسلمين؛ فأكلوا أكلاً عربياً، انتشلوا وحسوا وهم في العباء ولا سلاح، فافترق أهل مصر وقد ازدادوا طمعاً وجرأة، وبعث في أمراء الجنود في الحضور بأصحابهم من الغد؛ وأمرهم أن يجيئوا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم، وأمرهم أن يأخذوا أصحابهم بذلك ففعلوا، وأذن لأهل مصر؛ فرأوا شيئاً غير ما رأوا بالأمس، وقام عليهم القوّام بألوان مصر، فأكلوا أكل أهل مصر، ونحوا نحوهم، فافترقوا وقد ارتابوا، وقالوا: كدنا. وبعث إليهم أن تسلّحوا للعرض غداً، وغدا على العرض، وأذن لهم فعرضهم عليهم. ثم قال: إني قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم في شئ حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم، فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أريكم حالهم، وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فظفروا بكم، وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها ما رأيتم في اليوم الثاني، فأحببت أن تعلموا أنّ من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني، وراجع إلى عيش اليوم الأول. فتفرّقوا وهم يقولون: لقد رمتكم العرب برجلهم.
وبلغ عمر، فقال لجلسائه: والله إن حربه لليّنة ما لها سطوة ولا سورة كسورات الحروب من غيره؛ إنّ عمراً لعضّ. ثم أمّره عليها وقام بها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى سعيد الربيع ابن النعمان، عن عمرو بن شعيب، قال: لما التقى عمرو والمقوقس بعين شمس، واقتتلت خيلاهما، جعل المسلمون يجولون بعد البعد. فدمّرهم عمرو، فقال رجل من أهل اليمن: إنّا لم نخلق من حجارة ولا حديد! فقال: اسكت؛ فإنما أنت كلب، قال: فأنت أمير الكلاب، قال: فلما جعل ذلك يتواصل نادى عمرو: أين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فحضر من شهدها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تقدّموا، فبكم ينصر الله المسلمين. فتقدّموا وفيهم يومئذ أبو بردة وأبو برزة، وناهدهم الناس يتبعون الصحابة، ففتحا الله على المسلمين، وظفروا أحسن الظّفر. وافتتحت مصر في ربيع الأول سنة ستّ عشرة، وقام فيها ملك الإسلام على رجل، وجعل يفيض على الأمم والملوك؛ فكان أهل مصر يتدفّقون على الأجلّ، وأهل مكران على راسل وداهر، وأهل سجستان على الشاه وذويه، وأهل خراسان والباب على خاقان، وخاقان ومن دونهما من الأمم، فكفكفهم عمر إبقاء على أهل الإسلام، ولو خلّى سربهم لبلغوا كلّ منهل.
حدّثني علىّ بن سهل، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، أنّ المسلمين لما فتحوا مصر غزوا نوبة مصر، فقفل المسلمون بالجراحات، وذهاب الحدق من جودة الرمى، فسمّوا رماة الحدق، فلمّا ولّى عبد الله بن سعد بن أبى سرح مصر، ولاّه إياها عثمان بن عفان رضي الله عنه، صالحهم على هديّة عدّة رءوس منهم، يؤدّونهم إلى المسلمين في كلّ سنة، ويهدي إليهم المسلمون في كلّ سنة طعاماً مسمّى وكسوة من نحو ذلك.
قال علىّ: قال الوليد: قال بان لهيعة: وأمضى ذلك الصلح عثمان ومن بعده من الولاة والأمراء، وأقرّه عمر بن عبد العزيز نظراً منه للمسلمين، وإبقاء عليهم.
قال سيف: ولمّا كان ذو القعدة من سنة ستّ عشرة، وضع عمر رضي الله عنه مسالح مصر على السواحل كلها، وكان داعية ذلك أنّ هرقل أغزى مصر والشأم في البحر، ونهد لأهل حمص بنفسه، وذلك لثلاث سنين وستة أشهر من إمارة عمر رضي الله عنه.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة - أعنى سنة عشرين - غزا ارض الرّوم أبو بحريّة الكندىّ عبد الله بن قيس؛ وهو أوّل من دخلها - فيما قيل. وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسىّ، فسلم وغنم.
قال: وقال الواقدىّ: وفي هذه السنة عزل قدامة بن مظعون عن البحرين، وحدّه في شرب الخمر.
وفيها استعمل عمر أبا هريرة على البحرين واليمامة.
قال: وفيها تزوّج عمر فاطمة بنت الوليد أمّ عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.
قال: وفيها توفى بلال بن رباح رضي الله عنه، ودفن في مقبرة دمشق. وفيها عزل عمر سعداً عن الكوفة لشكايتهم إياه، وقالوا: لا يحسن يصلّى.
وفيها قسم عمر خيبر بين المسلمين، وأجلى اليهود منها؛ وبعث أبا حبيبة إلى فدك فأقام لهم نصف، فأعطاهم؛ ومضى إلى وادي القرى فقسمها.
وفيها أجلى يهود نجران إلى الكوفة - فيما زعم الواقدىّ.
قال الواقدىّ: وفي هذه السنة - أعني سنة عشرين - دوّن عمر رضي الله عنه الدواوين. قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول من خالفه.
وفيها بعث عمر رضي الله عنه علقمة بن مجزّز المدلجىّ إلى الحبشة في البحر؛ وذلك أنّ الحبشة كانت تطرّفت - فيما ذكر - طرفاً من أطراف الإسلام؛ فأصيبوا، فجعل عمر على نفسه ألاّ يحمل في البحر أحداً أبداً.
وأمّا أبو معشر فإنه قال - فيما حدّثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوة الأساودة في البحر سنة إحدى وثلاثين.
قال الواقدىّ: وفيها مات أسيد بن الحضير في شعبان.
وفيها ماتت زينب بنت جحش.
وحجّ في هذه السنة عمر رضي الله عنه.
وكانت عماله في هذه السنة على الأمصار عماله عليها في السنة التي قبلها، إلاّ من ذكرت أنه عزله واستبدل به غيره، وكذلك قضاته فيها كانوا القضاة الذين كانوا في السنة التي قبلها.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرينقال أبو جعفر: وفيها كانت وقعة نهاوند في قول ابن إسحاق؛ حدّثنا بذلك ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عنه.
وكذلك قال أبو معشر؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وكذلك قال الواقدىّ.
وأمّا سيف بن عمر فإنه قال: كانت وقعة نهاوند في سنة ثمان عشرة في سنة ستّ من إمارة عمر؛ كتب إلىّ بذلك السّرىّ، عن شعيب، عن سيف.
ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بنهاوندوكان ابتداء ذلك - فيما حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال - كان من حديث نهاوند أن النعمان بن مقرّن كان عاملاً على كسكر؛ فكتب إلى عمر رضي الله عنه يخبره أنّ سعد ابن وقّاص استعمله على جباية الخراج، وقد أحببت الجهاد ورغبت فيه.
فكتب عمر إلى سعد: إنّ النعمان كتب إلىّ يذكر أنّك استعملته على جباية الخراج، وأنه قد كره ذلك، ورغب في الجهاد، فابعث به إلى أهمّ وجوهك؛ إلى نهاوند.
قال: وقد اجتمعت بنهاوند الأعاجم، عليهم ذو الحاجب - رجل من الأعاجم - فكتب عمر إلى النّعمان بن مقرّن: رسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرّن، سلام عليك؛ فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد؛ فإنه قد بلغني أنّ جموعاً من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند؛ فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله، بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعراً فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقّهم فتكفّرهم؛ ولا تدخلنّهم غيضة، فإنّ رجلاً من المسلمين أحبّ إلىّ من مائة ألف دينار. والسلام عليك.
فسار النعمان إليه ومعه وجوه أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ منهم حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وجرير بن عبد الله البجلىّ، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب الزّبيدىّ، وطليحة بن خويلد الأسدىّ، وقيس بن مكشوح المراديّ. فلما انتهى النعمان بن مقرّن في جنده إلى نهاوند، طرحوا له حسك الحديد، فبعث عيوناً، فساروا لا يعلمون الحسك، فزجر بعضهم فرسه؛ وقد دخلت في يده حسكة، فلم يبرح، فنزل، فنظر في يده فإذا في حافره حسكة، فأقبل بها، وأخبر النعمان الخبر، فقال النعمان للناس: ما ترون؟ فقالوا: انتقل من منزلك هذا حتى يروا أنك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك؛ فانتقل النعمان من منزله ذلك، وكنست الأعاجم الحسك، ثم خرجوا في طلبه، وعطف عليهم النعمان، فضرب عسكره، ثم عبّى كتائبه، وخطب الناس فقال: إن أصبت فعليكم حذيفة بن اليمان، وإن أصيب فعليكم جرير بن عبد الله، وإن أصيب جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح؛ فوجد المغيرة بن شعبة في نفسه إذ لم يستخلفه، فأتاه، فقال له: ما تريد أن تصنع؟ فقال: إذا أظهرت قاتلتهم، لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحبّ ذلك؛ فقال المغيرة: لو كنت بمنزلتك باكرتهم القتال، قال له النعمان: ربما باكرت القتال؛ ثم لم يسوّد الله وجهك. وذلك يوم الجمعة. فقال النعمان: نصلّى إن شاء الله، ثم نلقى عدوّنا دبر الصلاة، فلما تصافّوا قال النعمان للناس: إنّي مكبّر ثلاثاً؛ فإذا كبّرت الأولى فشدّ رجل شسعه، وأصلح من شأنه؛ فإذا كبّرت الثانية، فشدّ رجل إزاره، وتهيّأ لوجه حملته؛ فإذا كبّرت الثالثة فاحملوا عليهم؛ فإني حامل. وخرجت الأعاجم قد شدّوا أنفسهم بالسلاسل لئلا يفرّوا، وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فرمى النعمان بنشّابة فقتل رحمه الله، فلفّه أخوه سويد بن مقرّن في ثوبه، وكتم قتله حتى فتح الله عليهم، ثم دفع الرّاية إلى حذيفة بن اليمان، وقتل الله ذا الحاجب، وافتتحت نهاوند، فلم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة.
قال أبو جعفر: وقد كان - فيما ذكر لي - بعث عمر بن الخطّاب رضي الله عنه السائب بن الأقرع، مولى ثقيف - وكان رجلاً كاتباً حاسباً - فقال: الحق بهذا الجيش فكن فيهم؛ فإن فتح الله عليهم فاقسم على المسلمين فيئهم، وخذ خمس الله وخمس رسوله؛ وإن هذا الجيش أصيب، فاذهب في سواد الأرض، فبطن الأرض خير من ظهرها.
قال السائب: فلما فتح الله على المسلمين نهاوند، أصابوا غنائم عظاماً، فوالله إني لأقسم بين الناس، إذ جاءني علج من أهلها فقال: أتؤمنني على نفسي وأهلي وأهل بيتي؛ على أن أدلك على كنوز النّخيرجان - وهي كنوز آل كسرى - تكون لك ولصاحبك، لا يشركك فيها أحد؟ قال: قلت: نعم، قال: فابعث معي من أدلّه عليها، فبعثت معه، فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلاّ اللؤلؤ والزّبرجد والياقوت؛ فلما فرغت من قسمي بين الناس احتملتهما معي؛ ث قدمت على عمر بن الخطاب؛ فقال: ما وراءك يا سائب؟ فقلت: خير يا أمير المؤمنين؛ فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستشهد النعمان ابن مقرّن رحمه الله. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون! قال: ثم بكى فنشج، حتى إنّي لأنظر إلى فروع منكبيه من فوق كتده. قال: فلما رأيت ما لقي قلت: والله يا أمير المؤمنين ما أصيب بعده من رجل يعرف وجهه. فقال المستضعفون من المسلمين: لكنّ الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنعون بمعرفة عمر بن أمّ عمر! ثم قام ليدخل، فقلت: إنّ معي مالاً عظيماً قد جئت به، ثم أخبرته خبر السّفطين، قال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما، والحق بجندك. قال: فأدخلتهما بيت المال، وخرجت سريعاً إلى الكوفة. قال: وبات تلك الليلة التي خرجت فيها، فلم أصبح بعث في أثري رسولاً، فوالله ما أدركني حتى دخلت الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك، فلم أقدر عليك إلاّ الآن. قال: قلت: ويلك! ماذا ولماذا؟ قال: لا أدري والله، قال: فركبت معه حتى قدمت عليه، فلما رآني قال: مالي ولابن أمّ السائب! بل ما لابن السائب ومالي! قال: قلت: وماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك! والله ما هو إلاّ أن نمت في الليلة التي خرجت فيها، فباتت ملائكة ربي تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان ناراً، يقولون: لنكوينّك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين؛ فخذها عنّي لا أبالك والحق بهما، فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم. قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشيني التجار، فابتاعهما منّي عمرو بن حريث المخزوميّ بألفي ألف؛ ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم، فباعهما بأربعة آلاف ألف؛ فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً بعد.
حدّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدّثنا أسد بن موسى، قال: حدّثنا المبارك بن فضالة، عن زياد بن حدير، قال: حدّثني أبي؛ أنّ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، قال للهرمزان حين آمنه: لا بأس، انصح لي، قال: نعم، قال: إنّ فارس اليوم رأس وجناحان؛ قال: وأين الرأس؟ قال: بنهاوند مع بندار؛ فإنّ معه أساورة كسرى وأهل إصبهان، قال: وأين الجناحان؟ فذكر مكاناً نسيته، قال: فاقطع الجناحين يهن الرأس. فقال عمر: كذبت يا عدوّ الله! بل أعمد إلى الرأس فأقطعه، فإذا قطعه الله لم يعص عليه الجناحان. قال: فأراد أن يسير إليه بنفسه، فقالوا: نذكّرك الله يا أمير المؤمنين أن تسير بنفسك إلى حلبة العجم؛ فإن أصبت لم يكن للمسلمين نظام؛ ولكن ابعث الجنود؛ فبعث أهل المدينة فيهم عبد الله بن عمرو بن الخطّاب، وفيهم المهاجرون والأنصار؛ وكتب إلى أبي موسى الأشعرىّ أن سر بأهل البصرة، وكتب إلى حذيفة بن اليمان أن سر بأهل الكوفة حتى تجتمعوا جميعاً بنهاوند؛ وكتب: إذا التقيتم فأميركم النّعمان بن مقرّن المزنيّ؛ فلما اجتمعوا بنهاوند، أرسل بندار العلج إليهم: أن أرسلوا إلينا رجلا نكلّمه؛ فأرسلوا إليه المغيرة بن شعبة. قال أبي: كأني أنظر إليه؛ رجلا طويل الشعر أعور، فأرسلوه إليه، فلمّا جاء سألناه، فقال: وجدته قد استشار أصحابه؛ فقال: بأيّ شئ نأذن لهذا العربيّ؟ بشارتنا وبهجتنا وملكنا، أو نتقشف له فيما قبلنا حتى يزهد؟ فقالوا: لا، بل بأفضل ما يكون من الشارة والعدّة، فتهيّئوا بها، فلما أتيناهم كادت الحراب والنيازك يلتمع منها البصر، فإذا هم على رأسه مثل الشياطين، وإذا هو على سرير من ذهب على رأسه التاج. قال: فمضيت كما أنا ونكّست، قال: فدفعت ونهنهت، فقلت: الرسل لا يفعل بهم هذا، فقالوا: إنما أنت كلب، فقلت: معاذ الله! لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه؛ فانتهروني، وقالوا: اجلس؛ فأجلسوني. قال - وترجم له قوله: إنكم معشر العرب أبعد الناس قذراً، وأبعده داراً؛ وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشّاب إلاّ تنجّساً لجيفكم؛ فإنكم أرجاس؛ فإن تذهبوا نخلّ عنكم، وإن تأتوا نركم مصارعكم؛ قال: فحمدت الله، وأثنيت عليه، فقلت: والله ما أخطأت من صفتنا شيئاً، ولا من نعتنا، إن كنا لأبعد الناس داراً، وأشدّ الناس جوعاً، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس من كلّ خير، حتى بعث الله عزّ وجلّ إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فوعدنا النصر في الدّنيا، والجنة في الآخرة؛ فوالله ما زلنا نتعرّف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتح والنصر؛ حتى أتيناكم؛ وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على ما في أيديكم؛ أو نقتل بأرضكم. فقال: أما والله إنّ الأعور قد صدقكم الذي في نفسه. قال: فقمت وقد والله أرعبت العلج جهدي. قال: فأرسل إلينا العلج: إمّا أن تعبروا ألينا بنهاوند؛ وإمّا أن نعبر إليكم. فقال النعمان: اعبروا، قال أبى: فلم أر والله مثل ذلك اليوم، إنهم يجيئون كأنهم جبال حديد؛ قد تواثقوا ألاّ يفرّوا من العرب، وقد قرن بعضهم بعضاً؛ سبعة في قران، وألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: من فرّ منّا عقره حسك الحديد. فقال المغيرة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم فشلاً، إنّ عدوّنا يتركون يتأهّبون لا يعجلون، أما والله لو أنّ الأمر لي لقد أعجلتهم - وكان النعمان بن مقرّن رجلاً ليّناً - فقال له: فالله عزّ وجلّ يشهدك أمثالها فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك، إنه والله ما منعني من أن أناجزهم إلاّ شئ شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنّ رسول الله كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النهار لم يعجل حتى تحضر الصلاة، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال؛ فما منعني إلاّ ذلك. اللهمّ إني اسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يذلّ به الكفّار، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، أمّنوا يرحمكم الله! فأمّنّا وبكينا. ثم قال: إني هاز لوائي فتيسّروا للسلاح، ثم هاز الثانية، فكونوا متأهّبين لقتال عدوّكم، فإذا هززت الثالثة فليحمل كلّ قوم على من يليهم من عدوّهم على بركة الله.
قال: وجاءوا بحسك الحديد. قال: فجعل يلبث حتّى إذا حضرت الصلاة وهبّت الأرواح كبّر وكبّرنا، ثم قال: أرجو أن يستجيب الله لي؛ ويفتح عليّ، ثم هزّ اللواء، فتيسّرنا للقتال، ثم هزّه الثانية فكنّا بإزاء العدوّ، ثم هزّه الثالثة.
قال: فكبّر وكبّر المسلمون، وقالوا: فتحاً يعزّ الله به الإسلام وأهله، ثم قال النّعمان: إن أصبت فعلى الناس حذيفة بن اليمان؛ وإن أصيب حذيفة ففلان؛ وإن أصيب فلان ففلان؛ حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة، ثم هزّ اللواء الثالثة، فحمل كلّ إنسان على من يليه من العدوّ. قال: فوالله ما علمت من المسلمين أحداً يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله، حتى يقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة، وثبتوا لنا، فما كنّا نسمع إلاّ وقع الحديد على الحديد، حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلمّا رأوا صبرنا وأنّا لا نبرح العرصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة؛ بعضهم على بعض في قياد، فيقتلون جميعاً، وجعل يعقرهم حسك الحديد الذي وضعوا خلفهم.
فقال النعمان رضي الله عنه: قدّموا اللواء، فجعلنا نقدّم اللواء، ونقتلهم ونهزمهم. فلما رأى أن الله قد استجاب له ورأى الفتح، جاءته نشّابه فأصابت خاصرته، فقتلته. قال: فجاء أخوه معقل فسجّى عليه ثوباً، وأخذ اللواء فقاتل، ثم قال: تقدّموا نقتلهم ونهزمهم؛ فلما اجتمع الناس قالوا: أين أميرنا؟ قال معقل: هذا أميركم، قد أقرّ الله عينه بالفتح؛ وختم له بالشهادة. قال: فبايع الناس حذيفة وعمر بالمدينة يستنصر له، ويدعو له مثل الحبلى.
قال: وكتب إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين؛ فلما أتاه قال له: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح أعزّ الله به الإسلام وأهله، وأذلّ به الكفر وأهله. قال: فحمد الله عزّ وجلّ، ثم قال: النعمان بعثك؟ قال: احتسب النّعمان يا أمير المؤمنين، قال: فبكى عمر واسترجع. قال: ومن ويحك! قال: فلان وفلان؛ حتى عدّ له ناساً كثيراً، ثم قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فقال عمر وهو يبكي: لا يضرّهم ألاّ يعرفهم عمر؛ ولكنّ الله يعرفهم.
وأما سيف، فإنه قال - فيما كتب إلىّ السرىّ يذكر أن شعيباً حدّثه عنه؛ وعن محمد والمهلب وطلحة وعمر وسعيد - إنّ الذي هاج أمر نهاوند أنّ أهل البصرة لما أشجوا الهرمزان، وأعجلوا أهل فارس عن مصاب جند العلاء، ووطئوا أهل فارس، كاتبوا ملكهم؛ وهو يومئذ بمرو، فحرّكوه، فكاتب وتكاتبوا، وركب بعضهم إلى بعض، فأجمعوا أن يوافوا نهاوند، ويبرموا فيها أمورهم، فتوافى إلى نهاوند أوائلهم.
فتح سوق الأهواز ومناذر ونهر تيريوفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - فتحت سوق الأهواز ومناذر ونهر تيري في قول بعضهم، وفي قول آخرين: كان ذلك في سنة ستّ عشرة من الهجرة.
ذكر الخبر عن سبب فتح ذلك وعلى يدي من جرى كتب إليّ السريّ، يذكر أن شعيبا حدّثه عن سيف بن عمر، عن محمد وطلحة والمهلّب وعمرو، قالوا: كان الهرمزان أحد البيوتات السبعة في أهل فارس، وكانت أمتّه مهرجان قذق وكور الأهواز، فهؤلاء بيوتات دون سائر أهل فارس، فلما انهزم يوم القادسيّة كان وجهه إلى أمّته، فملكهم وقاتل بهم من أرادهم، فكان الهرمزان يغير على أهل ميسان ودستميسان من وجهين، من مناذر ونهرتيرى، فاستمدّ عتبة بن غزوان سعدا، فأمدّه سعد بنعيم بن مقرّن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا على ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهر تيرى. ووجّه عتبة ابن غزوان سلمى بن القين وحرملة بن مريطة - وكانا من المهاجرين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما من بنى العدوية من بنى حنظلة - فنزلا على حدود أرض ميسان ودستميسان، بينهم وبين مناذر، ودعوا بنى العم، فخرج إليهم غالب الوائليّ وكليب بن وائل الكليىّ، فتركا نعيما ونعيما ونكبا عنهما، وأتيا سلمى وحرملة، وقالا: أنتما من العشيرة، وليس لكما مترك؛ فإذا كان يوم كذا وكذا فانهدا للهرمزان، فإنّ أحدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى؛ فنقتل المقاتلة، ثم يكون وجهنا إليكم، فليس دون الهرمزان شئ إن شاء الله. ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك.
قال: وكان من حديث العمى؛ والعمى مرّة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم - أنه تنخت عليه وعلى العصيّة بن امرئ القيس أفناء معدّ فعمّاه عن الرشد من لم ير نصره فارس على آل أردوان، فقال في ذلك كعب بن مالك أخوه - ويقال: صدىّ بن مالك:
لقد عم عنها مرّة الخير فانصمى ... وصمّ فلم يسمع دعاء العشائر
ليتنخ عنّا رغبة عن بلاده ... ويطلب ملكا عاليا في الأساور
فبهذا البيت سمى العم؛ فقيل بنو العم؛ عمّوه عن الصواب بنصره أهل فارس كقول الله تبارك وتعالى: " عموا وصمّوا " ؛ وقال يربوع بن مالك:
لقد علمت عليا معدّ بأنّنا ... غداة التّباهى غرّ ذاك التّبادر
تنخنا على رغم العداة ولم ننخ ... بحىّ تميم والعديد الجماهر
نفينا عن الفرس النبيط فلم يزل ... لنا فيهم إحدى الهنات والبهاتر
إذ العرب العلياء جاشت بحورها ... فخرنا على كلّ البحور الزواخر
وقال أيّوب بن العصية بن امرئ القيس:
لنحن سبقنا بالتّنوخ القبائلا ... وعمدا تنخنا حيث جاءوا قنابلا
وكنّا ملوكا قد عززنا الأوائلا ... وفي كلّ قرن قد ملكنا الحلائلا
فلما كانت تلك الليلة من ليلة الموعد من سلمى وحرملة وغالب وكليب، والهرمزان يومئذ بين نهر تيرى بين دلث، خرج سلمى وحرملة صبيحتها في تعبية، وأنهضا نعيما ونعيما فالتقوا هم والهرمزان بين دلث ونهر تيرى، وسلمى ابن القين على أهل البصرة، ونعيم بن مقرّن على أهل الكوفة. فاقتتلوا فبيناهم في ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأنّ مناذر نهر تيرى قد أخذتا، فكسر الله في ذرعه وذرع جنده، وهزمه وأيّاهم، فقتلوا منهم ما شاءوا، وأصابوا منهم ما شاءوا، وأتبعوهم حتى وقفوا على شاطئ دجيل، وأخذوا ما دونه، وعسكروا بحيال سوق الأهواز، وقد عبر الهرمزان جسر سوق الأهواز، وأقام بها، وصار دجيل بين الهرمزان وحرملة وسلمى ونعيم ونعيم وغالب وكليب.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن المغيرة العبدىّ، عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا، قال: قدمت علىهرم ابن حيّان - فيما بين الدّلوث ودجيل - بجلال من تمر، وكان لا يصبر عنه، وكان جلّ زاده إذا تزوّد التّمر، فإذا فنى انتخب له مزاود من جلال وهم ينفرون فيحملها فيأكلها ويطعمها حيثما كان من سهل أو جبل. قالوا: ولما دهم القوم الهرمزان ونزلوا بحياله من الأهواز رأى ما لا طاقة له به، فطلب الصلح، فكتبوا إلى عتبة بذلك يستأمرونه فيه، وكاتبه الهرمزان، فأجاب عتبة إلى ذلك على الأهواز كلّها ومهرجان قذق، ما خلا نهر تيرى ومناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز، فإنه لا يردّ عليهم ما تنقّذنا. وجعل سلمى بن القين على مناذر مسحلة وأمرها إلى غالب، وحرملة على نهر تيرى وأمرها على كليب؛ فكانا على مسالح البصرة وقد هاجرت طوائف بنى العم، فنزلوا منازلهم من البصرة، وجعلوا يتتابعون على ذلك، وقد كتب بذلك عتبة إلى عمر، وفّد منهم سلمى، وأمره أن يستخلف على عمله، وحرملة - وكانا من الصحابة - وغالب وكليب، ووفد وفود من البصرة يومئذ، فأمرهم أن يرفعوا حوائجهم، فكلّهم قال: أما العمّة فأنت صاحبها، ولم يبق إلا خواصّ أنفسنا، فطلبوا لأنفسهم، إلاّ ما كان من الأحنف ابن قيس، فإنه قال: يا أمير المؤمنين؛ إنك لكما ذكروا، ولقد يعزب عنك ما يحقّ علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامّة، وإنّما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخير، ويسمع بآذانهم، وإنّا لم نزل ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا إلى البرّ، وإنّ إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الغاسقة؛ من العيون العذاب، والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم تخضد، وإنّا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة، زعقة نشّاشة، طرف لها في الفلاة وطرف لها في البحر الأجاج، يجرى إليها ما جرى في مثل مرىء النعامة. دارنا فعمة، ووظيفتنا ضيّقة، وعددنا كثير، وأشرافنا قليل، وأهل البلاء فينا كثير، ودرهمنا كبير، وقفيزنا صغير؛ وقد وسّع الله علينا، وزادنا في أرضنا، فوسّع علينا يا أمير المؤمنين، وزدنا وظيفة توظّف علينا، ونعيش بها. فنظر إلى منازلهم التي كانوا بها إلى أن صاروا إلى الحجر فنفّلهموه وأقطعهموه، وكان مما كان لآل كسرى، فصار فيئا فيما بين دجلة والحجر، فاقتسموه، وكان سائر ما كان لآل كسرى في أرض البصرة على حال ما كان في أرض الكوفة ينزلونه من أحبّوا، ويقتسمونه بينهم؛ لا يستأثرون به على بدء ولا ثنى، بعد ما يرفعون خمسه إلى الوالي. فكانت قطائع أهل البصرة نصفين: نصفها مقسوم، ونصفها متروك للعسكر وللاجتماع؛ وكان أصحاب الألفين ممّن شهد القادسيّة. ثم أتى البصرة مع عتبة خمسة آلاف، وكانوا بالكوفة ثلاثين ألفا، فألحق عمر أعدادهم من أهل البصرة من أهل البلاء في الألفين حتى ساواهم بهم، ألحق جميع من شهد الأهواز. ثم قال: هذا الغلام سيّد أهل البصرة، وكتب إلى عتبة فيه بأن يسمع منه ويشرب برأيه، وردّ سلمى وحرملة وغالبا وكليبا إلى مناذر ونهر تيرى، فكانوا عدّة فيه لكون إن كان، وليميّزا خراجها.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: بينا الناس من أهل البصرة وذمتهم على ذلك وقع بين الهرمزان وبين غالب وكليب في حدود الأرضين اختلاف وادّعاء، فحضر ذلك سلمى وحرملة لينظروا فيما بينهم، فوجدا غالبا وكليبا محقّين والهرمزان مبطلا، فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان أيضا ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد، فكثف جنده. وكتب سلمى وحرملة وغالب وكليب ببغى الهرمزان وظلمه وكفره إلى عتبة بن غزوان، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر يأمره بأمره، وأمدّهم عمر بحرقوص بن زهير السعدىّ، وكانت له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّره على القتال وعلى ما غلب عليه. فنهد الهرمزان بمن معه وسلمى وحرملة وغالب وكليب، حتى إذا انتهوا إلى جسر سوق الأهواز أرسلوا إلى الهرمزان: إمّا أن تعبروا إلينا وإمّا أن نعبر إليكم، فقال: اعبروا إلينا، فعبروا من فوق الجسر، فاقتتلوا فوق الجسر ممّا يلي سوق الأهواز، حتى هزم الهرمزان ووجّه نحو رامهرمز، فأخذ على قنطرة أربك بقرية الشّغر حتى حلّ برامهرمز، وافتتح حرقوص سوق الأهواز، فأقام بها ونزل الجبل، واتّسقت له بلاد سوق الأهواز إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح والأخماس إلى عمر، ووفّد وفدا بذلك، فحمد الله، ودعا له بالثبات والزيادة. وقال الأسود بن سريع في ذلك - وكانت له صحبة:
لعمرك ما أضاع بنو أبينا ... ولكن حافظوا فيمن يطيع
أطاعوا ربّهم وعصاه قوم ... أضاعوا أمره فيمن يضيع
مجوس لا ينهنهها كتاب ... فلاقوا كبّة فيها قبوع
وولّى الهرمزان على جواد ... سريع الشّدّ يثفنه الجميع
وخلّى سرّة الأهواز كرها ... غداة الجسر إذ نجم الرّبيع
وقال حرقوص:
غلبنا الهرمزان على بلاد ... لها في كلّ ناحية ذخائر
سواء برّهم والبحر فيها ... إذا صارت نواجبها بواكر
لها بحر يعجّ بجانبيه ... جعافر لا يزال لها زواخر
فتح تستروفيها فتحتتستر في قول سيف وروايته - أعنى سنة سبع عشرة - وقال بعضهم: فتحت سنة ستّ عشرة، وبعضهم يقول: في سنة تسع عشرة.
ذكر الخبر عن فتحها
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عنمحمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما انهزم الهرمزان يوم سوق الأهواز، وافتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، أقام بها، وبعث جزء بن معاوية في أثره بأمر عمر إلى سرّق، وقد كان عهد إليه فيه: إن فتح الله عليهم أن يتبعه جزءا، ويكون وجهه إلى سرّق. فخرج جزء في أثر الهرمزان، والهرمزان متوجّه إلى رامهرمز هاربا، فما زال يقتلهم حتى انتهى إلى قرية الشّغر، وأعجزه بها الهرمزان؛ فمال جزء إلى دورق من قرية الشّغر؛ وهي شاغرة برجلها - ودورق مدينة سرّق فيها قوم لا يطيقون منعها - فأخذها صافية، وكتب إلى عمر بذلك وإلى عتبة، وبدعائه من هرب إلى الجزاء والمنعة، وإجابتهم إلى ذلك. فكتب عمر إلى جزء بن معاوية وإلى حرقوص بن زهير بلزوم ما غلبا عليه، وبالمقام حتى يأتيهما أمره، وكتب إليه مع عتبة بذلك، ففعلا وأستأذن جزء في عمران بلاده عمر، فأذن له، فشقّ الأنهار، وعمر الموات. ولما نزل الهرمزان رامهرمز وضاقت عليه الأهواز والمسلمون حلاّل فيها فيما بين يديه، طلب الصلح، وراسل حرقوصا وجزءا في ذلك، فكتب فيه حرقوص إلى عمر، فكتب إليه عمر وإلى عتبة، يأمره أن يقبل منه على ما لم يفتحوا منها على رامهرمز وتستر والسوس وجندى سابور، والبنيان ومهرجا نقذق، فأجابهم إلى ذلك، فأقام أمراء الأهواز على ما أسند إليهم، وأقام الهرمزان على صلحه يجبى إليهم ويمنعونه، وإن غاوره أكراد فارس أعانوه وذبّوا عنه. وكتب عمر إلى عتبة أن أوفد علىّ وفدا من صلحاء جند البصرة عشرة، فوفّد إلى عمر عشرة، فيهم الأحنف. فلما قدم على عمر قال: إنك عندي مصدّق، وقد رأيتك رجلا، فأخبرني أأن ظلمت الذمّة، ألمظلمة نفروا أم لغير ذلك؟ فقال: لا بل لغير مظلمة، والناس على ما تحبّ. قال: فنعم إذا! انصرفوا إلى رحالكم. فانصرف الوفد إلى رحالهم، فنظر في ثيابهم فوجد ثوبا قد خرج طرفه من عيبة فشمّه، ثم قال: لمن هذا الثوب منكم؟ قال الأحنف: لي، قال: فبكم أخذته؟ فذكر ثمنا يسيرا، ثمانية أو نحوها، ونقص ممّا كان أخذه به - وكان قد أخذه باثنى عشر - قال: فهلاّ بدون هذا، ووضعت فضلته موضعا تغنى به مسلما! حصّوا وشعوا الفضول مواضعها تريحوا أنفسكم وأموالكم، ولا تسرفوا فتخسروا أنفسكم وأموالكم؛ إن نظر امرؤ لنفسه وقدّم لها يخلف له. وكتب عمر إلى عتبة أن أعزب الناس عن الظلم، واتّقوا واحذروا أن يدال عليكم لغدر يكون منكم أو بغى، فإنكم إنّما أدركتم بالله ما أدركتم على عهد عاهدكم عليه، وقد تقدّم إليكم فيما أخذ عليكم. فأوفوا بعهد الله، وقوموا على أمره يكن لكم عونا وناصرا.
وبلغ عمر أنّ حرقوصا نزل جبل الأهواز والناس يختلفون إليه، والجبل كئود يشقّ على من رامه.فكتب إليه: بلغني أنك نزلت منزلا كئودا لا تؤتى فيه إلاّ على مشقّة، فأسهل ولا تشقّ على مسلم ولا معاهد، وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة وتصف لك الدنيا، ولا تدركنّك فترة ولا عجلة، فتكدر دنياك، وتذهب آخرتك.
ثم إن حرقوصا تحرّر يوم صفّين وبقى على ذلك، وشهد النّهروان مع الحروريّة.
غزو المسلمين فارس من قبل البحرينوفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - غزا المسلمون أرض فارس من قبل البحرين فيما زعم سيف ورواه.
ذكر الخبر بذلك كتب إلىّ السرىّ، يقول: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا سيف، عن محمد والمهلّب وعمرو، قالوا: كان المسلمون بالبصرة وأرضها - وأرضها يومئذ سوادها، والأهواز عل ما هم عليه إلى ذلك اليوم، ما غلبوا عليه منها ففي أيديهم، وما صولحوا عليه منها ففي أيدي أهله، يؤدّون الخراج ولا يدخل عليهم، ولهم الذمّة والمنعة - وعميد الصلح الهرمزان. وقد قال عمر: حسبنا لأهل البصرة سوادهم والأهواز، وددت أنّ بيننا وبين فارس جبلا من نار لا يصلون إلينا منه ولا نصل إليهم، كما قال لأهل الكوفة: وددت أنّ بينهم وبين الجبل جبلا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم.
وكان العلاء بن الحضرمىّ على البحرين أزمان أبي بكر، فعزله عمر، وجعل قدامة بن المظعون مكانه، ثم عزل قدامة وردّ العلاء، وكان العلاء يباري سعدا لصدع صدعه القضاء بينهما، فطار العلاء على سعد في الردّة بالفضل؛ فلما ظفر سعد بالقادسيّة، وأزاح الأكاسرة عن الدّار، وأخذ حدود ما يلي السواد، واستعلى، وجاء بأعظم مما كان العلاء جاء به، سرّ العلاء أن يصنع شيئا في الأعاجم، فرجا أن يدال كما قد كان أديل، ولم يقدّر العلاء ولم ينظر فيما بين فضل الطاعة والمعصية بجدّ، وكان أبو بكر قد استعمله، وأذن له في قتال أهل الردّة، واستعمله عمر، ونهاه عن البحر، فلم يقدّر في الطاعة والمعصية وعواقبهما، فندب أهل البحرين إلى فارس، فتسرّعوا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادا؛ على أحدهما الجارود بن المعلىّ، وعلى الآخر السوّار بن همّام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوى؛ وخليد على جماعة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر، وكان عمر لا يأذن لأحد في ركوبه غازيا؛ يكره التغرير بجنده استنانا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر، لم يغز فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر. فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر، وبإزائهم أهل فارس، وعلى أهل فارس الهربذ، اجتمعوا عليه، فحالوا بين المسلمين بين سفنهم، فقام خليد في الناس، فقال: أمّا بعد؛ فإنّ الله إذا قضى أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم؛ وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض لن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة، ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع من الأرض يدعى طاوس، وجعل السّوار يرتجز يومئذ ويذكر قومه، ويقول:
يا آل عبد القيس للقراع ... قد حفل الأمداد بالجراع
وكلّهم في سنن المصاع ... يحسن ضرب القوم بالقطّاع
حتى قتل. وجعل الجارود يرتجز ويقول:
لو كان شيئا أمما أكلته ... أو كان ماء سادما جهرته
لكنّ بحرا جاءنا أنكرته حتى قتل. ويومئذ ولى عبد الله بن السّوار والمنذر بن الجارود حياتهما إلى أن ماتا. وجعل خليد يومئذ يرتجز ويقول:
يال تميم أجمعوا النّزول ... وكاد جيش عمر يزول
وكلكم يعلم ما أقول
انزلوا، فنزلوا. فاقتتل القوم فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها قبلها. ثمّ خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم، ثمّ لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا. ثم وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق؛ فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم. ولما بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه ذلك الجيش في البحر ألقى في روعه نحو من الذي كان. فاشتدّ غضبه على العلاء، وكتب إله يعزله وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه، وأبغض الوجوه إليه؛ بتأمير سعد عليه، وقال: الحق بسعد بن أبي وقاص فيمن قبلك، فخرج بمن معه نحو سعد. وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إنّ العلاء بن الحضرمىّ حمل جندا من المسلمين، فأقطعهم أهل فارس، وعصاني، وأظنه لم يرد الله بذلك، فخشيت عليهم إلاّ ينصروا أن يغلبوا وينشبوا، فاندب إليهم الناس، واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا. فندب عتبة الناس، وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، ومجزأة بن ثور، ونهار بن الحارث، والترجمان بن فلان، والحصين بن أبي الحرّ، والأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرجاء، وعبد الرحمن بن سهل، وصعصعة بن معاوية؛ فخرجوا في اثنى عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم أحد بني مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، والمسالح على حالها بالأهواز والذمّة، وهم ردء للغازي والمقيم. فسار أبو سبرة بالناس، وساحل لا يلقاه أحد، ولا يعرض له؛ حتى التقى أبو سبرة وخليد بحيث أخذ عليهم بالطرق غبّ وقعة القوم بطاوس، وإنما كان ولى قتالهم أهل إصطخر وحدهم، والشذّاذ من غيرهم؛ وقد كان أهل إصطخر حيث أخذوا على المسلمين بالطرق، وأنشبوهم؛ استصرخوا عليهم أهل فارس كلّهم؛ فضربوا إليهم من كلّ وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة بعد طاوس، وقد توافت إلى المسلمين أمدادهم وإلى المشركين أمدادهم، وعلى المشركين شهرك؛ فاقتتلوا، ففتح الله على المسلمين، وقتل المشركين وأصاب المسلمون منهم ما شاءوا - وهي الغزاة التي شرفت فيها نابتة البصرة؛ وكانوا أفضل نوابت الأمصار؛ فكانوا أفضل المصرين نابتة - ثم انكفئوا بما أصابوا، وقد عهد إليهم عتبة وكتب إليهم بالحثّ وقلة العرجة، فانضموا إليه بالبصرة، فخرج أهلها إلى منازلهم منها، وتفرّق الذين تنقّذوا من أهل هجر إلى قبائلهم، والذين تنقّذوا من عبد القيس في موضع سوق البحرين. ولما أحرز عتبة الأهواز وأوطأ فارس؛ استأذن عمر في الحجّ، فأذن له، فلمّا قضى حجّه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعنّ إلى عمله؛ فدعا الله ثم انصرف؛ فمات في بطن نخلة، فدفن؛ وبلغ عمر، فمرّ به زائرا لقبره، وقال: أنا قتلتك، لولا أنه أجل معلوم وكتاب مرقوم؛ وأثنى عليه بفضله، ولم يختطّ فيمن اختطّ من المهاجرين؛ وإنما ورث ولده منزلهم من فاختة ابنة غزوان، وكانت تحت عثمان بن عفان، وكان خبّاب مولاه قد لزم سمته فلم يختطّ، ومات عتبة بن غزوان على رأس ثلاث سنين ونصف من مفارقة سعد بالمدائن، وقد استخلف على الناس أبا سبرة بن أبي رهم، وعمّاله على حالهم، ومسالحه على نهر تيرى ومناذر وسوق الأهواز وسرّق والهرمزان برامهرمز مصالح عليها، وعلى السوس والبنيان وجندى سابور ومهرجان قذق؛ وذلك بعد تنقّذ الذين كان حمل العلاء في البحر إلى فارس، ونزولهم البصرة.
وكان يقال لهم أهل طاوس، نسبوا إلى الوقعة. وأقرّ عمر أبا سبرة ابن ابي رهم على البصرة بقيّة السنة. ثم استعمل المغيرة بن شعبة في السنة الثانية بعد وفاة عتبة، فعمل عليها بقيّة تلك السنة والسنة التي تليها، لم ينتقض عليه أحد في عمله؛ وكان مرزوقا السلامة؛ ولم يحدث شيئا إلاّ ما كان بينه وبين أبي بكرة.
ثم استعمل عمر أبا موسى على البصرة، ثم صرف إلى الكوفة، ثمّ استعمل عمر بن سراقة، ثمّ صرف عمر بن سراقة إلى الكوفة من البصرة، وصرف أبو موسى إلى البصرة من الكوفة؛ فعمل عليها ثانية.
ذكر فتح رامهرمز وتستروفي هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - كان فتح رامهرمز والسوس وتستر. وفيها أسر الهرمزان في رواية سيف.
ذكر الخبر عن فتح ذلك في روايته
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو؛ قالوا: ولم يزل يزدجرد يثير أهل فارس أسفا على ما خرج منهم؛ فكتب يزدجرد إلى أهل فارس وهو يومئذ بمرو، يذكّرهم الأحقاد ويؤنّبهم؛ أن قد رضيتم يا أهل فارس أن قد غلبتكم العرب على السواد ما والاه، والأهواز. ثم لم يرضوا بذلك حتى تورّدوكم في بلادكم وعقر داركم، فتحرّكوا وتكاتبوا: أهل فارس وأهل الأهواز، وتعاقدوا وتعاهدوا وتواثقوا على النّصرة، وجاءت الأخبار حرقوص بن زهير، وجاءت جزءا وسلمى وحرملة عن خبر غالب وكليب؛ فكتب سلمى وحرملة إلى عمر وإلى المسلمين بالبصرة، فسبق كتاب سلمى حرملة، فكتب عمر إلى سعد: أن ابعث سويد بن مقرّن، وعبد الله بن ذي السهمين، وجرير بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البجلىّ؛ فلينزلوا بإزاء الهرمزان حتى يتبيّنوا أمره. وكتب إلى أبى موسى أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا وأمّر عليهم سهل بن عدىّ - أخا سهيل ابن عدىّ - وابعث معه البراء بن مالك، وعاصم بن عمرو، ومجزأة بن ثور، وكعب بن سور، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، وعبد الرحمن ابن سهيل، والحصين بن معبد؛ وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة ابن أبي رهم؛ وكلّ من أتاه فمدد له.
وخرج النّعمان بن مقرّن في أهل الكوفة، فأخذ وسط السواد حتى قطع دجلة بحيال ميسان، ثم أخذ البرّ إلى الأهواز على البغال يجنبون الخيل، وانتهى إلى نهر تيرى فجازها، ثم جاز مناذر، ثم جاز سوق الأهواز، وخلّف حرقوصا وسلمى وحرملة، ثمّ سار نحو الهرمزان - والهرمزان يومئذ برامهرمز - ولما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه بادره الشّدّة، ورجا أن يقتطعه، وقد طمع الهرمزان في نصر أهل فارس، وقد أقبلوا نحوه، ونزلت أوائل أمدادهم بتستر، فالتقى النعمان والهرمزان بأربك، فاقتتلوا قتالا شديدا. ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ هزم الهرمزان للنعمان، وأخلى رامهرمز وتركها ولحق بتستر، وسار النعمان من أربك حتى ينزل برامهرمز، ثم صعد لإيذج، فصالحه عليها تيرويه، فقبل منه وتركه ورجع إلى رامهرمز فأقام بها.
قالوا: ولما كتب عمر إلى سعد وأبى موسى، وسار النعمان وسهل، سبق النعمان في أهل الكوفة سهلا وأهل البصرة، ونكّب الهرمزان، وجاء سهل في أهل البصرة حتى نزلوا بسوق الأهواز، وأتاهم الخبر أنّ الهرمزان قد لحق بتستر، فمالوا من سوق الأهواز نحوه، فكان وجههم منها إلى تستر، ومال النعمان من رامهرمز إليها، وخرج سلمى وحرملة وحرقوص وجزء، فنزلوا جميعا على تستر والنعمان على أهل الكوفة، وأهل البصرة متساندون، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس وأهل الجبال والأهواز في الخنادق، وكتبوا بذلك إلى عمر، واستمدّه أبو سبرة فأمدّهم بأبي موسى، فسار نحوهم، وعلى أهل الكوفة النعمان، وعلى أهل البصرة أبو موسى، وعلى الفريقين جميعا أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا، وأكثروا فيهم القتل. وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائة مبارز، سوى من قتل في غير ذلك، وقتل مجزأة بن ثور مثل ذلك، وقتل كعب بن سور مثل ذلك، وقتل أبو تميمة مثل ذلك في عدّة من أهل البصرة. وفي الكوفيين مثل ذلك؛ منهم حبيب بن قرّة، وربعىّ بن عامر، وعامر بن عبد الأسود - وكان من الرؤساء - في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم، وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم؛ يكون عليهم مرّة ولهم أخرى؛ حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتدّ القتال قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربّك ليهزمنّهم لنا! فقال: اللهمّ اهزمهم لنا، واستشهدنى. قال: فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، وأرزوا إلى مدينتهم، وأحاطوا بها، فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة، وطالت حربهم، خرج إلى النّعمان رجل فاستأمنه على أن يدلّه على مدخل يؤتون منه، ورمى في ناحية أبى موسى بسهم فقال: قد وثقت بكم وأمنتكم واستأمنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة، ويكون منه فتتحها، فآمنوه في نشابة فرمى إليهم بآخر، وقال: انهدوا من قبل مخرج الماء؛ فإنكم ستفتحونها، فاستشار في ذلك وندب إليه، فانتدب له عامر بن عبد قيس، وكعب بن سور، ومجزأة بن ثور، وحسكة الحبطىّ، وبشر كثير؛ فنهدوا لذلك المكان ليلا، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرّجل، فانتدب له سويد بن المثعبة، وورقاء بن الحارث، وبشر بن ربيعة الخثعمىّ، ونافع ابن زيد الحميرىّ، وعبد الله بن بشر الهلالىّ، فنهدوا في بشر كثير، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج، وقد انسرب سويد وعبد الله بن بشر، فأتبعهم هؤلاء وهؤلاء؛ حتى إذا اجتمعوا فيها - والناس على رجل من خارج - كبّروا فيها، وكبّر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب؛ فاجتلدوا فيها، فأناموا كلّ مقاتل، وأرز الهرمزان إلى القلعة، وأطالف به الذين دخلوا من مخرج الماء؛ فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم: ما شئتم! قد ترون ضيق ما أنا فيه وأنتم، ومعي في جعبتي مائة نشّابة؛ ووالله ما تصلون إلىّ ما دام معي منها نشّابة؛ وما يقع لي سهم؛ وما خير إساري إذا أصبت منكم مائة بين قتيل أو جريح! قالوا: فتريد ماذا؟ قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما شاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى بقوسه، وأمكنهم من نفسه، فشدّوه وثاقا، واقتسموا ما أفاء الله عليهم؛ فكان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، والراجل ألفا؛ ودعا صاحب الرميّة بها، فجاء هو والرّجل الذي خرج بنفسه، فقالا: من لنا بالأمان الذي طلبنا؛ علينا وعلى من مال معنا؟ قالوا: ومن مال معكم؟ قالا: من أغلق بابه عليه مدخلكم. فأجازوا ذلك لهم، وقتل من المسلمين ليلتئذ أناس كثير، وممن قتل الهرمزان بنفسه مجزأة بن ثور، والبراء بن مالك.
قالوا: وخرج أبو سبرة في أثر الفلّ من تستر - وقد قصدوا للسّوس - إلى السوس، وخرج بالنعمان وأبىموسى ومعهم الهرمزان؛ حتى اشتملوا على السّوس، وأحاط المسلمون بها، وكتبوا بذلك إلى عمر. فكتب عمر إلى عمر بن سراقة بأن يسير نحو المدينة، وكتب إلى أبى موسى فردّه على البصرة، وقد ردّ أبا موسى على البصرة ثلاث مرات بهذه، وردّ عمر عليها مرتين؛ وكتب إلى زرّ بن عبد الله بن كليب الفقيمىّ أن يسير إلى جندى سابور، فسار حتى نزل عليها، وانصرف أبو موسى إلى البصرة بعد ما أقام إلى رجوع كتاب عمر، وأمّر عمر على جند البصرة المقترب، الأسود بن ربيعة أحد بنى ربيعة بن مالك، وكان الأسود وزرّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين - وكان الأسود قد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: فنى بطنى، وكثر إخوتنا، فادع الله لنا، فقال: اللهمّ أوف لزرّ عمره، فتحوّل إليهم العدد - وأوفدوا أبو سبرة وفدا؛ فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، وأرسل الهرمزان معهم، فقدموا مع أبي موسى البصرة، ثم خرجوا نحو المدينة؛ حتى إذا دخلوا هيّئوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته من الدّيباج الذي فيه الذهب، ووضعوا على رأسه تاجا يدعى الآذين، مكلّلا بالياقوت، وعليه حليته، كما يراه عمر والمسلمون في هيئته، ثم خرجوا به على الناس يريدون عمر في منزله فلم يجدوه، فسألوا عنه، فقيل لهم: جلس في المسجد لوفد قدموا عليه من الكوفة، فانطلقوا يطلبونه في المسجد، فلم يروه، فلما انصرفوا مرّوا بغلمان من أهل المدينة يلعبون، فقالوا لهم: ما تلدّدكم!؟ تريدون أمير المؤمنين؟ فإنّه نائم في ميمنة المسجد، متوسد برنسه - وكان عمر قد جلس لوفد أهل الكوفة في برنس، فلمّا فرغ من كلامهم وارتفعوا عنه، وأخلوه نزع برنسه ثم توسّده فنام - فانطلقوا ومعهم النظّارة، حتى إذا رأوه جلسوا دونه، وليس في المسجد نائم ولا يقظان غيره، والدّرّة في يده معلّقة، فقال: الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا؛ وجعل الوفد يشيرون إلى الناس أن اسكتوا عنه؛ وأصغى الهرمزان إلى الوفد، فقال: أين حرسه وحجّابه عنه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب ولا ديوان، قال: فينبغي له أن يكون نبيّا، فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء؛ وكثر الناس؛ فاستيقظ عمر بالجلبة، فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم؛ فتأمّله، وتأمّل ما عليه، وقال: أعوذ بالله من النار، وأستعين الله! وقال: الحمد لله الذي أذّل بالإسلام هذا وأشياعه؛ يا معشر المسلمين، تمسّكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيّكم، ولا تبطرنّكم الدنيا فإنها غرّارة. فقال الوفد: هذا ملك الأهواز، فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يبقى عليه من حليته شئ، فرمى عنه بكلّ شئ عليه إلا شيئا يستره، وألبسوه يوبا صفيقا، فقال عمر: هيه يا هرمزان! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله! فقال: يا عمر، إنا وإيّاكم في الجاهليّة كان الله قد خلّى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلمّا كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهليّة باجتماعكم وتفرّقنا. ثم قال عمر: ما عذرك وما حجّتك في انتقاضك مرّة بعد مرّة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك. واستسقى ماء، فأتى به في قدح غليظ، فقال: لو متّ عطشا لم أستطع أن أشرب في مثل هذا، فأتى به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترجف، وقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه، فقال عمر: أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد آمنتني! فقال: كذبت! فقال أنس: صدق أمير المؤمنين، قد آمنته، قال: ويحك يا أنس! أنا أؤمّن قاتل مجزأة والبراء! والله لتأتينّ بمخرج أو لأعاقبنّك! قال: قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني، وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه، وقال له من حوله مثل ذلك، فأقبل على الهرمزان، وقال: خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم؛ فأسلم. ففرض له على ألفين؛ وأنزله المدينة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي سفيان طلحة ابن عبد الرحمن، عن ابن عيسى، قال: كان التّرجمان يوم الهرمزان المغيرة بن شعبة إلى أن جاء المترجم، وكان المغيرة يفقه شيئا من الفارسيّة، فقال عمر للمغيرة: قل له: من أيّ أرض أنت؟ فقال المغيرة: أزكدام أرضي؟ فقال: مهرجانىّ، فقال: تكلم بحجّتك، قال: كلام حتى أو ميت؟ قال: بل كلام حي، قال: قد آمنتني، قال: خدعتني، إنّ للمخدوع في الحرب حكمه؛ لا والله لا أؤمّنك حتى تسلم، فأيقن أنه القتل أو الإسلام، فأسلم، ففرض له على ألفين وأنزله المدينة. وقال المغيرة: ما أراك بها حاذقا، ما أحسنها منكم أحد إلا خبّ، وما خبّ إلا دقّ. إيّاكم وإيّاها، فإنها تنقض الإعراب. وأقبل زيد فكلّمه، وأخبر عمر بقوله، والهرمزان بقول عمر.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو، عن الشعبىّ وسفيان، عن الحسن، قال: قال عمر للوفد: لعلّ المسلمين يفضون إلى أهل الذمّة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم! فقالوا: ما نعلم إلاّ وفاء حسن ملكة، قال: فيكف هذا؟ فلم يجد عند أحد منهم شيئا يشفيه ويبصر به مما يقولون، إلاّ ما كان من الأحنف، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك أنّك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حىّ بين أظهرهم؛ وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم؛ ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه؛ وقد رأيت أنّا لم نأخذ شيئا بعد شئ إلاّ بانبعاثهم، وأنّ ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس، ونخرجه من مملكته وعزّ أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس ويضربون جأشا. فقال: صدقتنى والله، وشرحت لي الأمر عن حقه. ونظر في حوائجهم وسرّحهم.
وقدم الكتاب على عمر باجتماع أهل نهاوند وانتهاء أهل مهرجا نقذق وأهل كور الأهواز إلى رأي الهرمزان ومشيئته، فذلك كان سبب إذن عمر لهم في الإنسياح.
ذكر فتح السّوس
اختلف أهل السّير في أمرها؛ فأمّا المدائنىّ فإنه - فيما حدثني عن أبو زيد - قال: لما انتهى فلّ جلولاء إلى يزدجرد وهو بحلوان، دعا بخاصّته والموبذ، فقال: إنّ القوم لا يلقون جمعا إلاّ فلّوه، فما ترون؟ فقال: الموبذ: نرى أن تخرج فتنزل إصطخر؛ فإنها بيت المملكة، وتضمّ إليك خزائنك، وتوجّه الجنود. فأخذ برأيه، وسار إلى أصبهان دعا سياه، فوجّهه في ثلاثمائة، فيهم سبعون رجلا من عظمائهم، وأمره أن ينتخب من كلّ بلدة ويمرّ بها من أحبّ، فمضى سياه وأتبعه يزدجرد، حتى نزلوا إصطخر وأبو موسى محاصر السّوس، فوجّه سياه إلى السّوس، والهرمزان إلى تستر، فنزل سياه الكلبانيّة، وبلغ أهل السّوس أمر جلولاء ونزول يزدجرد إصطخر منهزما، فسألوا أبا موسى الأشعرىّ الصلح، فصالحهم، وسار إلى رامهرمز وسياه بالكلبانيّة، وقد عظم أمر المسلمين عنده، فلم يزل مقيما حتى صار أبو موسى إلى تستر، فتحوّل سياه، فنزل بين رامهرمز وتستر، حتى قدم عمّار بن ياسر، فدعا سياه الرؤساء الذين كانوا خرجوا معه من أصبهان؛ فقال: قد علمتم أنا كنا نتحدّث أنّ هؤلاء القوم أهل الشقاء والبؤس سيغلبون على هذه المملكة، وتروث دوابّهم في إيوانات إصطخر ومصانع الملوك، ويشدّون خيولهم بشجرها، وقد غلبوا على ما رأيتم، وليس يلقون جندا إلاّ فلّوه، ولا ينزلون بحصن إلاّ فتحوه، فانظروا لأنفسكم. قالوا: رأينا رأيك، قال: فليكفني كلّ رجل منكم حشمه والمنقطعين إليه، فإني أرى أن ندخل في دينهم. ووجّهوا شيرويه في عشرة من الأساورة إلى أبي موسى يأخذ شروطا على أن يدخلوا في الإسلام. فقدم شيرويه على أبي موسى، فقال: إنّا قد رغبنا في دينكم، فنسلم على أن نقاتل معكم العجم، ولا نقاتل معكم العرب؛ وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا، ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي هو فوقك بذلك. فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، قالوا: لا نرضى.
وكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إلى أبى موسى: أعطهم ما سألوك. فكتب أبو موسى لهم، فأسلموا، وشهدوا معه حصار تستر؛ فلم يكن أبو موسى يرى منهم جدّا ولا نكاية، فقال لسياه: يا أعور، ما أنت وأصحابك كما كنّا نرى! قال: لسنا مثلكم في هذا الدّين ولا بصائرنا كبصائركم، وليس لنا فيكم حرم نحامى عنهم، ولم تلحقنا بأشراف العطاء ولنا سلاح وكراع وأنتم حّسر. فكتب أبو موسى إلى عمر في ذلك، فكتب إليه عمر: أن ألحقهم على قدر البلاء في أفضل العطاء وأكثر شئ أخذه أحد من العرب. ففرض لمائة منهم في ألفين ألفين، ولستّة منهم في ألفين، وخمسمائة لسياه وخسرو - ولقبه مقلاص - وشهريار، وشهرويه، وأفروذين.
فقال الشاعر:
ولمّا رأى الفاروق حسن بلائهم ... وكان بما يأتى من الأمر أبصرا
فسنّ لهم ألفين فرضا وقد رأى ... ثلاثمئين فرض عكّ وحميرا
قال: فحاصروا حصنا بفارس، فانسلّ سياه في آخر الليل في زيّ العجم حتى رمى بنفسه إلى جنب الحصن، وتضح ثيابه بالدّم، وأصبح أهل الحصن، فرأوا رجلا في زيّهم صريعا، فظنّوا أنه رجل منهم أصيبوا به، ففتحوا باب الحصن ليدخلوه، فثار وقاتلهم حتى خلّوا عن باب الحصن وهربوا، ففتح الحصن وحده، ودخله المسلمون، وقوم يقولون: فعل هذا الفعل سياه بتستر، وحاصروا حصنا، فمضى خسرو إلى الحصن، فأشرف عليه رجل منهم يكلّمه، فرماه خسرو بنشّابة فقتله.
وأما سيف فإنه قال في روايته ما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب، عنه، عن محمد وطلحة وعمرو ودثار أبى عمر، عن أبي عثمان، قالوا: لما نزل أبو سبرة في الناس على السّوس، وأحاط المسلمون بها، وعليهم شهريار أخو الهرمزان، ناوشوهم مرّات؛ كلّ ذلك يصيب أهل السّوس في المسلمين، فأشرف عليهم يوما الرّهبان والقسّيسون، فقالوا: يا معشر العرب، إنّ مما عهد إلينا علماؤنا وأوائلنا؛ أنه لا يفتح السّوس إلاّ الدّجال أو قوم فيهم الدّجال، فإن كان الدّجال فيكم فستفتحونها، وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا. وجاء صرف أبى موسى إلى البصرة، وعمّل على أهل البصرة المقترب مكان أبى موسى بالسّوس، واجتمع الأعاجم بنهاوند والنعمان على أهل الكوفة محاصرا لأهل السوس مع أبى سبرة، وزرّ محاصر أهل نهاوند من وجهه ذلك؛ وضرب على أهل الكوفة البعث مع حذيفة، وأمرهم بموافاته بنهاوند؛ وأقبل النّعمان على التهيؤ للسير إلى نهاوند، ثمّ استقلّ في نفسه، فناوشهم قبل مضيّه، فعاد الرّهبان والقسّيسون، وأشرفوا على المسلمين، وقاولوا: يا معشر العرب، لا تعنوا فإنه لا يفتحها إلاّ الدّجال أو قوم معهم الدّجال، وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم، وصاف بن صيّاد يومئذ مع النعمان في خيله، وناهدهم المسلمون جميعا، وقالوا: نقاتلهم قبل أن نفترق؛ ولمّا يخرج أبو موسى بعد. وأتى صاف باب السوس غضبان، فدقّه برجله، وقال انفتح فطار فتقطّعت السلاسل، وتكسّرت الأغلاق، وتفتّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا: الصّلح الصلح! وأمسكوا بأيديهم، فأجابوهم إلى ذلك بعد ما دخلوها عنوة، واقتسموا ما أصابوا قبل الصلح؛ ثم افترقوا. فخرج النّعمان في أهل الكوفة من الأهواز حتى نزل على ماه، وسرّح أبو سبرة المقترب حتى ينزلعلى جندى سابور مع زرّ، فأقام النعمان بعد دخول ماه، حتى وافاه أهل الكوفة، ثم نهد بهم إلى أهل نهاوند، فلما كان الفتح رجع صاف إلى المدينة، فأقام بها، ومات بالمدينة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عمّن أورد فتح السّوس، قال: وقيل لأبى سبرة: هذا جسد دانيال في هذه المدينة، قال: ومالنا بذلك! فأقرّه بأيديهم - قال عطيّة بإسناده: إنّ دانيال كان لزم أسياف فارس بعد بختنصّر؛ فلمّا حضرته الوفاة، ولم ير أحدا ممن هو بين ظهريهم على الإسلام؛ أكرم كتاب الله عمّن لم يجبه ولم يقبل منه، فأودعه ربّه، فقال لابنه: ائت ساحل البحر، فاقذف بهذا الكتاب فيه، فأخذه الغلام، وضنّ به، وغاب مقدار ما كان ذاهبا وجائيا؛ وقال: قد فعلت، قال: فما صنع البحر حين هوى فيه؟ قال: لم أره يصنع شيئا، فغضب وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به. فخرج من عنده، ففعل مثل فعلته الأولى، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: كيف رأيت البحر حين هوى فيه؟ قال: ماج واصطفق، فغضب أشدّ من غضبه الأوّل، وقال: والله ما فعلت الذي أمرتك به بعد، فعزم ابنه على إلقائه في البحر الثالثة، فانطلق إلى ساحل البحر، وألقاه فيه، فانكشف البحر عن الأرض حتى بدت، وانفجرت له الأرض عن هواء من نور، فهوى في ذلك النور، ثم انطبقت عليه الأرض، واختلط الماء، فلما رجع إليه الثالثة سأله فأخبره الخبر، فقال: الآن صدقت. ومات دانيال بالسّوس؛ فكان هنالك يستسقى بجسده، فلما افتتحها المسلمون أتوا به فأقرّوه في أيديهم، حتى إذا ولّى أبو سبرة عنهم إلى جندى سابور أقام أبو موسى بالسّوس. وكتب إلى عمر فيه؛ فكتب إليه يأمره بتوريته، فكفّنه ودفنه المسلمون. وكتب أبو موسى إلى عمر بأنه كان عليه خاتم وهو عندنا، فكتب إليه أن تختّمه، وفي فصّه نقش رجل بين أسدين.
ذكر مصالحة المسلمين أهل جندى سابوروفيها - أعنى سنة سبع عشرة - كانت مصالحة المسلمين أهل جندى سابور.
ذكر الخبر عن أمرهم وأمرها كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبى عمرو وأبى سفيان والمهلّب، قالوا: لما فرغ أبو سبرة من السّوس خرج في جنده حتى نزل على جندى سابور، وزرّ بن عبد الله بن كليب محاصرهم؛ فأقاموا عليها يغادنهم ويراوحونهم القتال؛ فما زالوا مقيمين عليها حتى رمى إليهم بالأمان من عسكر المسلمين، وكان فتحها وفتح نهاوند في مقدار شهرين، فلم يفجأ المسلمين إلاّ وأبوابها تفتح، ثمّ خرج السّرح، وخرجت الأسواق، وانبثّ أهلها، فأرسل المسلمون: أن مالكم؟ قالوا: رميتم إلينا بالأمان فقبلناه، وأقررنا لكم بالجزاء على أن تمتعونا. فقالوا: ما فعلنا، فقالوا: ما كذبنا، فسأل المسلمون فيما بينهم؛ فإذا عبد يدعى مكنفا كان أصله منها؛ هو الذي كتب لهم. فقالوا: إنما هو عبد، فقالوا: إنا لا نعرف حرّكم من عبدكم، قد جاء أمان فنحن عليه قد قبلناه، ولم نبدّل؛ فإن شئتم فاغذروا. فأمسكوا عنهم، وكتبوا بذلك إلى عمر، فكتب إليهم: إنّ الله عظّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، ما دمتم في شكّ أجيزوهم، وفوا لهم. فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: أذن عمر في الانسياج سنة سبع عشرة في بلاد فارس، وانتهى في ذلك إلى رأي الأحنف بن قيس، وعرف فضله وصدقه، وفرّق الأمراء والجنود، وأمّر على أهل البصرة أمراء؛ وأمّر على أهل الكوفة أمراء، وأمّر هؤلاء وهؤلاء بأمره، وأذن لهم في الانسياح سنة سبع عشرة، فساحوا في سنة ثمان عشرة، وأمر أبا موسى أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمّة البصرة؛ فيكون هنالك حتى يحدّث إليه؛ وبعث بألوية من ولى مع سهيل بن عدىّ حليف بنى عبد الأشهل، فقدم سهيل بالألوية، ودفع لواء خراسان إلى الأحنف ابن قيس، ولواء أردشيرخرّه وسابور إلى مجاشع بن مسعود السّلمى، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفيّ، ولواء فسا ودرابجرد إلى سارية بن زنيم الكنانيّ، ولواء كرمان مع سهيل بن عدىّ، ولواء سجستان إلى عاصم ابن عمرو - وكان عاصم من الصحابة - ولواء مكران إلى الحكم بن عمير الغلبيّ. فخرجوا في سنة سبع عشرة، فعسكروا ليخرجوا إلى هذه الكور فلم يستتب مسيرهم، حتى دخلت سنة ثمان عشرة، وأمدّهم عمر بأهل الكوفة؛ فأمدّ سهيل بن عدىّ بعبد الله بن عبد الله بن عتبان، وأمدّ الأحنف بعلقمة ابن النّضر، وبعبد الله بن أبي عقيل، وبربعىّ بن عامر، وبابن أمّ غزال. وأمدّ عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعيّ، وأمدّ الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق المازنيّ. قال بعضهم: كان فتح السّوس ورامهرمز وتوجيه الهرمزان إلى عمر من تستر في سنة عشرين.
وحجّ بالناس في هذه السنة - أعنى سنة سبع عشرة - عمر بن الخطاب؛ وكان عامله على مكة عتّاب بن أسيد، وعلى اليمن يعلى بن أميّة، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى الشام من قد ذكرت أسماءهم قبل، وعلى الكوفة وأرضها سعد بن أبي وقّاص، وعلى قضائها أبو قرّة، وعلى البصرة وأرضها أبو موسى الأشعريّ - وقد ذكرت فيما مضى الوقت الذي عزل فيه عنها، والوقت الذي ردّ فيه إليها أميرا. وعلى القضاء - فيما قيل - أبو مريم الحنفيّ. وقد ذكرت من كان على الجزيرة والموصل قبل.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين
ذكر فتح همذان
قال أبو جعفر: ففيها فتحت أذربيجان، فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت أذربيجان سنة اثنتين وعشرين، وأميرها المغيرة بن شعبة. وكذلك قال الواقديّ.
وأما سيف بن عمر، فإنه قال فيما كتب إليّ به السريّ عن شعيب عنه، قال: كان فتح أذربيجان سنة ثمان عشرة من الهجرة بعد فتح همذان والرّيّ وجرجان وبعد صلح إصبهبذ طبرستان المسلمين. قال: وكلّ ذلك كان في سنة ثمان عشرة.
قال: فكان سبب فتح همذان - فيما زعم - أنّ محمداً والمهلب وطلحةوعمراً وسعيداً أخبروه أنّ النعمان لما صرف إلى الماهين لاجتماع الأعاجم إلى نهاوند، وصرف إليه أهل الكوفة وافوه مع حذيفة؛ ولما فصل أهل الكوفة من حلوان وأفضوا إلى ماه هجموا على قلعة في مرج فيها مسلحة، فاستزلوهم، وكان أوّل الفتح، وأنزلوا مكانهم خيلاً يمسكون بالقلعة، فسمّوا معسكرهم بالمرج؛ مرج القلعة؛ ثم ساروا من مرج القلعة نحو نهاوند؛ حتى إذا انتهوا إلى قلعة فيها قوم خلّفوا عليها النّسير بن ثور في عجل وحنيفة؛ فنسبت إليه؛ وافتتحها بعد فتح نهاوند ولم يشهد نهاوند عجليّ ولا حنفيّ - أقاموا مع النّسير على القلعة، فلما جمعوا فيء نهاوند والقلاع أشركوا فيها جميعاً؛ لأنّ بعضهم قوّى بعضاً. ثم وصفوا ما استقروا فيما بين مرج القلعة وبين نهاوند مما مرّوا به قبل ذلك فيما استقرّوا من المرج إليها بصفاتها، وازدحمت الرّكاب في ثنيّة من ثنايا ماه، فسمّيت بالركاب، فقيل: ثنيّة الرّكاب. وأتوا على أخرى تدور طريقها بصخرة، فسمّوها ملويّة، فدرست أسماؤها الأولى، وسمّيت بصفاتها، ومرّوا بالجبل الطويل المشرف على الجبال، فقال قائل منهم: كأنه سنّ سميرة - وسميرة امرأة من المهاجرات من بني معاوية، ضبيّة لها سنّ مشرفة على أسنانها، فسمّي ذلك الجبل بسنّها - وقد كان حذيفة أتبع الفالّة - فالّة نهاوند - نعيم بن مقرّن والقعقاع بن عمرو؛ فبلغا همذان، فصالحهم خسروشنوم، فرجعا عنهم، ثم كفر بعد. فلمّا قدم عهده في العهود من عند عمر ودّع حذيفة وودّعه حذيفة؛ هذا يريد همذان، وهذا يريد الكوفة راجعاً. واستخلف على الماهين عمرو بن بلال بن الحارث.
وكان كتاب عمر إلى نعيم بن مقرّن: أن سر حتى تأتي همذان، وابعث على مقدّمتك سويد بن مقرّن، وعلى مجنّبتيك ربعيّ بن عامر ومهلهل ابن زيد؛ هذا طائيّ، وذاك تميميّ. فخرج نعيم بن مقرّن في تعبيته حتى نزل ثنيّة العسل - وإنما سمّيت ثنيّة العسل بالعسل الذي أصابوا فيها غبّ وقعة نهاوند حيث أتبعوا الفالّة تعالى فانتهى الفيرزان إليها، وهي غاصّة بحوامل تحمل العسل وغير ذلك؛ فحبست الفيرزان حتى نزل؛ فتوقّل في الجبل وغار فرسه فأدرك فأصيب. ولما نزلوا كنكور سرقت دوابّ من دوابّ المسلمين، فسمّى قصر اللصوص.
ثم انحدر نعيم من الثّنيّة حتى نزل على مدينة همذان، وقد تحصّنوا منهم، فحصرهم فيها، وأخذ ما بين ذلك وبين جرميذان، واستولوا على بلاد همذان كلها. فلما رأى ذلك أهل المدينة سألوا الصّلح، على أن يجريهم ومن استجاب مجرىً واحداً، ففعل، وقبل منهم الجزاء على المتعة، وفرّق دستبي بين نفر من أهل الكوفة، بين عصمة بن عبد الضبّيبّ ومهلهل بن زيد الطائيّ وسماك بن عبيد العيسيّ وسماك بن مخرمة الأسديّ، وسماك بن خرشة الأنصاريّ؛ فكان هؤلاء أوّل من ولي مسالح دستبي وقاتل الديّلم.
وأما الواقديّ فإنه قال: كان فتح همذان والرّي في سنة ثلاث وعشرين. قال: ويقال افتتح الرّيّ قرظة بن كعب.
وحدّثني ربيعة بن عثمان أنّ فتح همذان كان في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب؛ وكان أميرها المغيرة بن شعبة.
قال: ويقال: كان فتح الرّيّ قبل وفاة عمر بسنتين، ويقال: قتل عمر وجيوشه عليها.
رجع الحديث إلى حديث سيف. قال: فبينما نعيم في مدينة همذان في توطئتها في اثني عشر ألفاً من الجند تكاتب الدّيلم وأهل الرّي وأهل أذربيجان، ثم خرج موتاً في الدّيلم حتى ينزل بواج روذ؛ وأقبل الزينيّ أبو الفرّخان في أهل الرّيّ حتى انضمّ إليه، وتحصّن أمراء مسالح دستبي، وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس، وخرج إليهم في الناس حتى نزل عليهم بواج الروذ، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً؛ وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند؛ ولم تكن دونها، وقتل من القوم مقتلة عظيمة لا يحصون ولا تقصر ملحمتهم من الملاحم الكبار؛ وقد كانوا كتبوا إلى عمر باجتماعهم، ففزع منها عمر، واهتمّ بحربها، وتوقع ما يأتيه عنهم، فلم يفجأه إلاّ البريد بالبشارة، فقال: أبشير! فقال: بل عروة؛ فلما ثنى عليه: أبشير؟ فطن، فقال: بشير؛ فقال عمر: رسول نعيم؟ قال: رسول نعيم، قال: الخبر؟ قال: البشرى بالفتح والنصر؛ وأخبره الخبر؛ فحمد الله، وأمر بالكتاب فقرىء على الناس؛ فحمدوا الله. ثم قدم سماك بن مخرمة وسماك بن عبيد وسماك بن خرشة في وفود من وفود أهل الكوفة بالأخماس على عمر، فنسبهم، فانتسب له سماك وسماك وسماك، فقال: بارك الله فيكم؛ اللهمّ اسمك بهم الإسلام وأيّدهم بالإسلام. فكانت دستبي من همذان ومسالحها إلى همذان، حتى رجع الرّسول إلى نعيم بن مقرّن بجواب عمر بن الخطّاب: أما بعد، فاستخلف على همذان، وأمدّ بكير بن عبد الله بسماك بن خرشة، وسر حتى تقدم الرّيّ، فتلقى جمعهم، ثم أقم بها، فإنها أوسط تلك البلاد وأجمعها لما تريد. فأقرّ نعيم يزيد بن قيس الهمدانيّ على همذان، وسار من واج الروذ بالناس إلى الريّ.
وقال نعيم في واج الرّوذ:
لمّا أتاني أن موتاً ورهطه ... بني باسل جرّوا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مسامياً ... لأمنع منهم ذمّتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا ... جبال تراءى من فروع القلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة ... وقد جعلوا يسمون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة ... لحدّ الرّماح والسيوف الصّوارم
كأنهم عند انبثاث جموعهم ... جدار تشظّى لبنه للهوادم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم ... نقتّلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنهم في واج روذ وجوّه ... ضئين أصابها فروج المخارم
وسماك بن مخرمة هو صاحب مسجد سماك.
وأعاد فيهم نعيم كتاب صلح همذان، وخلّف عليها يزيد بن قيس الهمذانيّ، وسار بالجنود حتى لحق بالرّيّ، وكان أوّل نسل الدّيلم من العرب، وقاولهم فيه نعيم.
فتح الرّيّ
قالوا: وخرج نعيم بن مقرّن من واج روذ في الناس - وقد أخربها - إلى دستبي، ففصل منها إلى الرّيّ، وقد جمعوا له، وخرج الزينبيّ أبو الفرّخان، فلقيه الزينبيّ بمكان يقال له قها مسالماً ومخالفاً لملك الريّ، وقد رأى من المسلمين ما رأى مع حسد سياوخش وأهل بيته، فأقبل مع نعيم والملك يومئذ بالريّ سياوخش بن مهران بن بهرام شوبين، فاستمدّ أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان. وقال: قد علمتم أنّ هؤلاء قد حلّوا بالرّيّ، إنه لا مقام لكم، فاحتشدوا له، فناهده سياوخش، فالتقوا في سفح جبل الرّيّ إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وقد كان الزينبيّ قال لنعيم: إنّ القوم كثير، وأنت في قلّة؛ فابعث معي خيلاً أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أ،ت، فإنهم إذا خرجوا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم خيلاً من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبيّ المدينة، ولا يشعر القوم، وبيّتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم. ثمّ إنهم انهزموا فقتلوا مقتلةً عدّوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالرّي نحواً من فيء المدائن، وصالحه الزيبنبيّ على أهل الرّيّ ومرزبه عليهم نعيم، فلم يزل شرف الريّ في أهل الزينبيّ الأكبر، ومنهم شهرام وفرّخان، وسقط آل بهرام، وأخرب نعيم ميدنتهم، وهي التي يقال لها العتيقة - يعني مدينة الرّي - وأمر الزينبيّ فبنى مدينة الرّيّ الحدثي. وكتب نعيم إلى عمر بالذي فتح الله عليه مع المضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس مع عتيبة بن النّهاس وأبي مفزّر في وجوه من وجوه أهل الكوفة، وأمدّ بكير بن عبد الله بسماك بن خرشة الأنصاريّ بعد ما فتح الرّي، فسار سماك إلى أذربيجان مدداً لبكير، وكتب نعيم لأهل الرّي كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى نعيم بن مقرّن الزينبيّ بن قوله، أعطاه الأمان على أهل الرّيّ ومن كان معهم من غيرهم على الجزاء، طاقة كلّ حالم في كلّ سنة، وعلى أن ينصحوا ويدلّوا ولا يغلّوا ولا يسلّوا، وعلى أن يقروا المسلمين يوماً وليلة، وعلى أن يفخّموا المسلم، فمن سبّ مسلماً أو استخفّ به نهك عقوبة، ومن ضربه قتل، ومن بدّل منهم فلم يستلم برمّته فقد غيّر جماعتكم. وكتب وشهد.
وراسله المصمغان في الصّلح على شيء يفتدى به منهم من غير أن يسأله النصر والمنعة، فقبل منه، وكتب بينه وبينه كتاباً على غير نصر ولا معونة على أحد، فجرى ذلك لهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من نعيم بن مقرّن لمردانشاه مصمغان دنباوند وأهل دنباوند والخوار واللارز والشّرّز. إنك آمن ومن دخل معك على الكفّ، أن تكفّ أهل أرضك، وتتقي من ولي الفرج بمائتي ألف درهم وزن سبعة في كلّ سنة، لا يغار عليك، ولا يدخل عليك إلاّ بإذن؛ ما أقمت على ذلك حتى تغيّر، ومن غيّر فلا عهد له ولا لمن لم يسلمه. وكتب وشهد.
فتح قومسقالوا: ولما كتب نعيم بفتح الرّيّ مع المضارب العجليّ، ووفّد بالأخماس كتب إليه عمر: أن قدّم سويد بن مقرّن إلى قومس، وابعث على مقدّمته سماك بن مخرمة وعلى مجنّبتيه عتيبة بن النّهاس وهند بن عمرو الجمليّ، ففصل سويد بن مقرّن في تعبيته من الرّيّ نحو قومس؛ فلم يقم له أحد، فأخذها سلماً، وعسكر بها، فلمّات شربوا من نهر لهم يقال له ملاذ، فشا فيهم القصر؛ فقال لهم سويد: غيّروا ماءكم حتى تعودوا كأهله؛ ففعلوا، واستمرءوه، وكاتبه الذين لجئوا إلى طبرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز، فدعاهم إلى الصلح والجزاء، وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى سويد بن مقرّن أهل قومس ومن حشوا من الأمان على أنفسهم ومللهم وأموالهم، على أن يؤدّوا الجزية عن يد؛ عن كلّ حالم بقدر طاقته؛ وعلى أن ينصحوا ولا يغشّوا، وعلى أن يدلّوا، وعليهم نزل من نزل بهم من المسلمين يوماً وليلة من أوسط طعامهم، وإن بدّلوا واستخفّوا بعهدهم فالذمّة منهم بريئة. وكتب وشهد.
فتح جرجان
قالوا: وعسكر سويد بن مقرّن ببسطام، وكاتب ملك جرجان رزبان صول ثم سار إليها، وكاتبه رزبان صول، وبادره بالصّلح على أن يؤدّي الجزاء، ويكفيه حرب جرجان، فإن غلب أعانه. فقبل ذلك منه، وتلقّاه رزبان صول قبل دخول سويد جرجان؛ فدخل معه وعسكر بها حتى جبى إليه الخراج، وسمى فروجها، فسدّها بترك دهستان، فرفع الجزاء عمّن أقام يمنعها، وأخذ الخراج من سائر أهلها؛ وكتب بينهم وبينه كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من سويد بن مقرّن لرزبان صول ابن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان؛ إنّ لكم الذّمة، وعلينا المنعة؛ على أنّ عليكم من الجزاء في كلّ سنة على قدر طاقتكم؛ على كلّ حالم؛ ومن استعنّا به منكم فله جزاؤه في معونته عوضاً من جزائه؛ ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، ولا يغيّر شيء من ذلك هو إليهم ما أدّوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين، ولم يبد منهم سلّ ولا غلّ، ومن أقام فيهم فله مثل ما لهم، ومن خرج فهو آمن حتى يبلغ مأمنه؛ وعلى أنّ من سبّ مسلماً بلغ جهده، ومن ضربه حلّ دمه. شهد سواد بن قطبة، وهند بن عمرو، وسماك بن مخرمة، وعتيبة بن النّهاس. وكتب في سنة ثمان عشرة.
وأما المدائنيّ، فإنه قال - فيما حدّثنا أبو زيد، عنه: فنحت جرجان في زمن عثمان سنة ثلاثين.
فتح طبرستانقالوا: وأرسل الإصبهبذ سويداً في الصّلح، على أن يتوادعا؛ ويجعل له شيئاً على غير نصر ولا معونة على أحد؛ فقبل ذلك منه، وجرى ذلك لهم، وكتب له كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من سويد بن مقرّن للفرّخان إصبهبذ خراسان على طبرستان وجيل جيلان من أهل العدوّ؛ إنك آمن بأمان الله عزّ وجلّ على أن تكفّ لصوتك وأهل حواشي أرضك، ولا تؤوي لنا بغية، وتنّقي من ولي فرج أرضك بخمشمائة ألف درهم من دراهم أرضك فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك، ولا يتطرّق أرضك، ولا يدخل عليك إلاّ بإذنك؛ سبيلنا عليكم بالإذن آمنة؛ وكذلك سبيلكم، ولا تؤوون لنا بغية، ولا تسلّون لنا إلى عدوّ، ولا تغلّون، فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم. شهد سواد بن قطبة التميميّ، وهند بن عمرو المراديّ، وسماك بن مخرمة الأسديّ، وسماك بن عبيد العبسيّ، وعتيبة بن النهّاس البكريّ. وكتب سنة ثمان عشرة.
فتح أذربيجانقال: ولما افتتح نعيم همذان ثانية، وسار إلى الريّ من واج روذ، كتب إليه عمر: أنّ يبعث سماك بن خرشة الأنصاريّ ممدّاً لبكير بن عبد الله بأذربيجان؛ فأخّر ذلك حتى افتتح الريّ، ثم سرّحه من الرّيّ، فسار سماك نحو بكير بأذربيجان؛ وكان سماك بن خرشة وعتبة بن فرقد من أغنياء العرب؛ وقدما الكوفة بالغنى؛ وقد كان بكير سار حين بعث إليها؛ حتى إذا طلع بحيال جرميذان - طلع عليهم إسفندياذ بن الفرّخزاذ مهزوماً من واج روذ، فكان أوّل قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الله جنده؛ وأخذ بكير إسفندياذ أسيراً، فقال له إسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح، قال: فأمسكني عندك؛ فإنّ أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجىء لم يقيسوا لك، وجلوا إلى الجبال التي حولها من القبج والروم ومن كان على التحصّن تحصّن إلى يوم ما، فأمسكه عنده، فأقام وهو في يده، وصارت البلاد إليه إلاّ ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خرشة ممدّاً وإسفندياذ في إساره، وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه. وقال بكير لسماك مقدمه عليه، ومازحه: ما الذي أصنع بك وبعتبة بأغنيين؟ لئن أطعت ما في نفسي لأمضينّ قدما ولأخلّفنّكما، فإن شئت أقمت معي، وإن شئت أتيت عند فقد أذنت لك، فإني لا أراني إلاّ تارككما وطالباً وجهاً هو أكره من هذا. فاستعفى عمر؛ فكتب إليه بالإذن على أن يتقدّم نحو الباب؛ وأمره أن يستخلف على عمله، فاستخلف عتبة على الذي افتتح منها، ومضى قدما، ودفع إسفندياذ إلى عتبة، فضمّه عتبة إليه، وأمّر عتبة سماك بن خرشة - وليس بأبي دجانة - على عمل بكير الذي كان افتتح، وجمع عمر أذربيجان كلّها لعتبة بن فرقد.
قالوا: وقد كان بهرام بن الفرّخزاذ أخذ بطريق عتبة بن فرقد، وأقام له في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فهزمه عتبة، وهرب بهرام. فلما بلغ الخبر بهزيمة بهرام ومهربه إسفندياذ وهو في الإسار عند بكير، قال: الآن تمّ الصّلح، وطفئت الحرب، فصالحه، وأجاب إلى ذلك كلهم، وعادت أذربيجان سلماً، وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر، وبعثوا بما خمّسوا مما أفاء الله عليهم، ووفّدوا الوفود بذلك؛ وكان بكير قد سبق عتبة بفتح ما ولى، وتمّ الصلح بعد ما هزم عتبة بهرام. وكتب عتبة بينه وبين أهل أذربيجان كتاباً حيث جمع له عمل بكير إلى عمله: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عتبة بن فرقد، عامل عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان - سهلها وجبلها وحواشيها وشفارها وأهل مللها - كلّهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم؛ على أن يؤدّوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس على صبيّ ولا امرأة ولا زمن لي في يديه شيء من الدنيا، ولا متعبّد متخلّ ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم؛ وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوماً وليلة ودلالته، ومن حشر منهم في سنة وضع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك، ومن خرج فله الأمان حتى يلجأ إلى حرزه. وكتب جندب، وشهد بكير بن عبد الله الليثي وسماك بن خرشة الأنصاريّ. وكتب في سنة ثمان عشرة.
قالوا: وفيها، قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهداه له، وذلك أنّ عمر كان يأخذ عمّاله بموافاة الموسم في كلّ سنة يحجر عليهم بذلك الظلم، ويحجزهم به عنه.
فتح البابوفي هذه السنة كان فتح الباب في قول سيف وروايته، قال: وقالوا - يعني الذين ذكرت أسماءهم قبل: ردّ عمر أبا موسى إلى البصرة، وردّ سراقة بن عمرو - وكان يدعى ذا النور - إلى الباب، وجعل على مقدّمته عبد الرحمن بن ربيعة - وكان أيضاً يدعى ذا النور - وجعل على إحدى المجنّبتين حذيفة بن أسيد الغفاريّ، وسمّى للأخرى بكير بن عبد الله الليثيّ - وكان بإزاء الباب قبل قدوم سراقة بن عمرو عليه، وكتب إليه أن يلحق به - وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة. فقدّم سراقة عبد الرحمن بن ربيعة، وخرج في الأثر، حتى إذا خرج من أذربيجان نحو الباب، قدم على بكير في أداني الباب، فاستدفّ ببكير، ودخل بلاد الباب على ما عبّاه عمر. وأمدّه عمر بحبيب بن مسلمة، صرفه إليه من الجزيرة، وبعث زياد بن حنظلة مكانه على الجزيرة. ولما أطلّ عبد الرحمن بن ربيعة على الملك بالباب - والملك بها يومئذ شهربراز، واستأمنه على أن يأتيه، ففعل فأتاه، فقال: إنّي بإزاء عدوّ كلب وأمم مختلفة، لا ينسبون إلى أحساب، وليس ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعين أمثال هؤلاء، ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست من القبج في شيء؛ ولا من الأرمن؛ وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا اليوم منكم ويدي مع أيديكم، وصغوى معكم، وبارك الله لنا ولكم، وجزيتنا إليكم النصر لكم، والقيام بما تحبّون، فلا تذلّونا بالجزية فتوهنونا لعدوّكم. فقال عبد الرحمن: فوقي رجل قد أظلك فسر إليه، فجوّزه، فسار إلى سراقة فلقيه بمثل ذلك، فقال سراقة: قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بدّ من الجزاء ممّن يقيم ولا ينهض. فقبل ذلك، وصار سنّة فيمن كان يحارب العدوّ من المشركين، وفيمن لم يكن عنده الجزاء، إلاّ أن يستنفروا فتوضع عنهم جزاء تلك السنة. وكتب سراقة إلى عمر بن الخطاب بذلك، فأجازه وحسّنه، وليس لتلك البلاد التي في ساحة تلك الجبال نبك لم يقم الأرمن بها إلاّ على أوفاز؛ وإنما هم سكان ممّن حولها ومن الطرّاء استأصلت الغارات نبكها من أهل القرار، وأرز أهل الجبال منهم إلى جبالهم، وجلوا عن قرار أرضهم، فكان لا يقيم بها إلا الجنود ومن أعانهم أو تجر إليهم؛ واكتتبوا من سراقة بن عمرو كتاباً:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى سراقة بن عمرو عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شهربراز وسكان أرمينية والأرمن من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وملّتهم ألاّ يضارّوا ولا ينتقضوا، وعلى أهل أرمينية والأبواب؛ الطرّاء منهم والتّنّاء ومن حولهم فدخل معهم أن ينفروا لكلّ غارة، وينفذوا لكلّ أمر ناب أولم ينب رآه الوالي صلاحاً؛ على أن توضع الجزاء عمّن أجاب إلى ذلك إلاّ الحشر، والحشر عوضٌ من جزائهم ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء والدلالة والنّزل يوماً كاملاً، فإن حشروا وضع ذلك عنهم، وإن تركوا أخذوا به. شهد عبد الرحمن بن ربيعة، وسلمان بن ربيعة، وبكير بن عبد الله. وكتب مرضيّ بن مقرّن وشهد.
ووجّه سراقة بعد ذلك بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحذيفة بن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجّه بكيراً إلى موقان، ووجه حبيباً إلى تفليس، وحذيفة بن أسيد إلى من بجبال اللآن، وسلمان بن ربيعة إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجّه فيه هؤلاء النفر إلى عمر بن الخطاب، فأتى عمر أمر لم يكن يرى أنه يستتمّ له على ما خرج عليه في سريح بغير مؤونة. وكان فرجاً عظيماً به جند عظيم، إنما ينتظر أهل فارس صنيعهم، ثم يضعون الحرب أو يبعثونها.
فلما استوسقوا واستحلوا عدل الإسلام مات سراقة، واستخلف عبد الرحمن ابن ربيعة، وقد مضى أولئك القوّاد الذين بعثهم سراقة، فلم يفتح أحد منهم ما وجّه له إلاّ بكير فإنه فضّ موقان، ثم تراجعوا على الجزية، فكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى بكير بن عبد الله أهل موقان من جبال القبج الأمان على أموالهم وأنفسهم وملّتهم وشرائعهم على الجزاء، دينار على كلّ حالم أو قيمته، والنصح، ودلالة المسلم ونزله يومه وليلته، فلهم الأمان ما أقرّوا ونصحوا، وعلينا الوفاء؛ والله المستعان. فإن تركوا ذلك واستبان منهم غشّ فلا أمان لهم إلا أن يسلموا الغششة برمّتهم؛ وإلاّ فهم متمالئون. شهد الشمّاخ بن ضرار والرسارس بن جنادب، وحملة بن جويّة. وكتب سنة إحدى وعشرين.
قالوا: ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقرّ عبد الرحمن على فرج الباب، وأمره بغزو التّرك، فخرج عبد الرحمن بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهربراز: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلنجر؛ قال: إنّا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. قال: لكنّا لا نرضى منهم بذلك حتى نأتيهم في ديارهم؛ وتالله إنّ معنا لأقواماً لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم لارّدم. قال: وما هم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ودخلوا في هذا الأمر بنيّة، كانوا أصحاب حياء وتكرّم في الجاهلية، فازداد حياؤهم وتكرّمهم، فلا يزال هذا الأمر دائماً لهم، ولا يزال النصر معهم حتى يغيّرهم من يغلبهم، وحتى يلفتوا عن حالهم بمن غيّرهم. فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر لم تئم فيها امرأة، ولم ييتم فيها صبيّ، وبلغ خيله في غزاتها البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، ثم غزا فسلم؛ ثمّ غزا غزوات في زمان عثمان، وأصيب عبد الرحمن حين تبدّل أهل الكوفة في إمارة عثمان لاستعماله من كان ارتدّ اصتصلاحاً لهم، فلم يصلحهم ذلك، وزادهم فساداً أن سادهم من طلب الدنيا، وعضّلوا بعثمان حتى جعل يتمثل:
وكنت وعمراً كالمسمّن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سلمان بن ربيعة، قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلاّ ومعه الملائكة تمنعه من الموت؛ فتحصنوا منه وهربوا، فرجع بالغنم والظّفر، وذلك في إمارة عمر؛ ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان، ظفر كما كان يظفر، حتى إذا تبدّل ألهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتدّ فغزاهم بعد ذلك، تذامرت الترك وقال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون، قال: انظروا، وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض؛ فرمى رجلٌ منهم رجلاً من المسلمين على غرّة فقتله، وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك، فاقتتلوا فاشتدّ قتالهم، ونادى مناد من الجوّ: صبراً آل عبد الرحمن وموعدكم الجنّة ! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل، وانكشف الناس، وأخذ الرّاية سلمان بن ربيعة، فقاتل بها، ونادى المنادي من الجوّ: صبراً آل سلمان ابن ربيعة! فقال سلمان: أوترى جزعاً! ثمّ خرج بالناس، وخرج سلمان وأبو هريرة الدّوسيّ على جيلان، فقطعوها إلى جرجان، واجترأ الترك بعدها ولم يمنعهم ذلك من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن.
وحدّث عمرو بن معد يكرب عن مطر بن ثلج التميميّ، قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهر براز عنده، فأقبل رجل عليه شحوبة؛ حتى دخل على عبد الرحمن، فجلس إلى شهربراز، وعلى مطرقباء برود يمينيّة، أرضه حمراء، ووشيه أسود - أو وشيه أحمر - وأرضه سوداء، فتساءلا.
ثمّ إنّ شهربراز، قال: أيّها الأمير، أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ هذا الرجل بعثته منذ سنين نحو السّدّ لينظر ما حاله ومن دونه، وزوّدته مالاً عظيماً، وكتبت له إلى من يليني، وأهديت له، وسألته أن يكتب له إلى من وراءه، وزوّدته لكلّ ملك هدّية؛ ففعل ذلك بكلّ ملك بينه وبينه، حتى انتهى إليه، فانتهى إلى الملك الذي السّدّ في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فأعطاه حريرة، قال: فتشكّر لي البازيار، فلما انتهينا فإذا جبلان بينهما سدّ مسدود، حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السّد خندق أشدّ سواداً من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله، وتفرّست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسلك أكافك! إنه لا يلي ملك بعد ملك إلاّ تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا، فيرمى به في هذا اللّهب، فشرّح بضعة لحم معه، فألقاها في ذلك الهواء، وانقضّت عليها العقاب، وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء؛ وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء؛ فخرجت علينا العقاب باللحم في مخالبها؛ وإذا فيه ياقوتة، فأعطانيها؛ وها هي هذه. فتناولها شهر براز حمراء، فناولها عبد الرحمن، فنظر إليها، ثم ردّها إلى شهر براز، وقال شهربراز: لهذه خير من هذا البلد - يعني الباب - وايم الله لأنتم أحبّ إليّ ملكة من آل كسرى؛ ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني؛ وايم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر.
فأقبل عبد الرحمن على الرّسول، وقال: ما حال هذا الرّدم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرّجل، قال: فنظر إلى ثوبي، فقال مطر بن ثلج لعبد الرحمن بن ربيعة: صدق والله الرّجل؛ لقد نفذ ورأى، فقال: أجل، وصف صفة الحديد والصفر، وقال: " آتوني زبر الحديد... " إلى آخر الآية.
وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديّتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان.
وزعم الواقديّ أنّ معاوية غزا الصائفة في هذه السّنة، ودخل بلاد الروم في عشرة آلاف من المسلمين.
وقال بعضهم: في هذه السنة كانت وفاة خالد بن الوليد.
وفيها ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان.
وحجّ بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد، وعلى اليمن يعلى بن أميّة، وعلى سائر أمصار المسلمين الذين كانوا عمّاله في السنة التي قبلها. وقد ذكرناهم قبل.
ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرةوفي هذه السنة عدّل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم.
ذكر الخبر بذلك:
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، وسعيد، قالوا: أقام عمّار بن ياسر عاملاً على الكوفة سنةً في إمارة عمر وبعض أخرى. وكتب عمر بن سراقة وهو يومئذ على البصرة إلى عمر ابن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة، وعجز خراجهم عنهم؛ ويسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ما سبذان. وبلغ ذلك أهل الكوفة، فقالوا لعمّار: اكتب لنا إلى عمر أنّ رامهرمز وإيذج لنا دونهم، لم يعينونا عليهما بشيء؛ ولم يلقحوا بنا حتى افتتحناهما، فقال عمّار: مالي ولما هاهنا! فقال له عطارد: فعلام تدع فيئنا أيها العبد الأجدع! فقال: لقد سببت أحبّ أذنيّ إليّ. ولم يكتب في ذلك فأبغضوه؛ ولما أبى أهل الكوفة إلاّ الخصومة فيهما لأهل البصرة شهد لهم أقوام على أبي موسى؛ أنه قد كان آمن أهل رامهرمز وإيذج؛ وأنّ أهل الكوفة والنعمان راسلوهم وهم في أمان. فأجاز لهم عمر ذلك، وأجراها لأهل البصرة بشهادة الشهود. وادّعى أهل البصرة في إصبهان قريات افتتحها أبو موسى دون جيّ، أيام أمدّهم بهم عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فقال أهل الكوفة: أتيتمونا مدداً وقد افتتحنا البلاد، فآسيناكم في المغانم، والذّمة ذمتنا، والأرض أرضنا؛ فقال عمر: صدقوا. ثمّ إنّ أهل الأيّام وأهل القادسيّة من أهل البصرة أخذوا في أمر آخر حتى قالوا: فليعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيه. فقال لهم عمر: أترضون بماه؟ وقال لأهل الكوفة: أترضون أن نعطيهم من ذلك أحد الماهين؟ فقالوا: ما رأيت أنه ينبغي فاعمل به، فأعطاهم ماه دينار بنصيبهم لمن كان شهد الأيام والقادسيّة منهم إلى سواد البصرة ومرهجانقذق، وكان ذلك لمن شهد الأيّام والقادسيّة من أهل البصرة. ولما ولي معاوية بن أبي سفيان - وكان معاوية هو الذي جنّد قنّسرين من رافضة العراقين أيام عليّ، وإنما كانت قنّسرين رستاقاً من رساتيق حمص حتى مصّرها معاوية وجنّدها بمن ترك الكوفة والبصرة في ذلك الزمان، وأخذ لهم معاوية بنصيبهم من فتوح العراق أذربيجان والموصل والباب، فضمّها فيما ضمّ، وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة رميتا بكلّ من كان ترك هجرته من أهل البلدين؛ وكانت الباب وأذربيجان والجزيرة والموصل من فتوح أهل الكوفة - نقل ذلك إلى من انتقل منهم إلى الشام أزمان عليّ؛ وإلى من رميت به الجزيرة والموصل ممن كان ترك هجرته أيام عليّ، وكفر أهل أرمينية زمان معاوية؛ وقد أمّر حبيب بن مسلمة على الباب - وحبيب يومئذ بجرزان - وكاتب أهل تفليس وتلك الجبال؛ ثم ناجزهم؛ حتى استجابوا واعتقدوا من حبيب. وكتب بينه وبينهم كتاباً بعد ما كاتبهم: بسم الله الرحمن الرحيم. من حبيب بن مسلمة إلى أهل تفليس من جرزان أرض الهرمز. سلم أنتم؛ فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلاّ هو؛ فإنه قد قدم علينا رسولكم تفلى، فبلّغ عنكم، وأدّى الذي بعثتم. وذكر تفلى عنكم أنّا لم نكن أمّة فيما تحسبون؛ وكذلك كنا حتى هدانا الله عزّ وجلّ بمحمد صلى الله عليه وسلّم، وأعزّنا بالإسلام بعد قلة وذلة وجاهلية. وذكر تفلى أنكم أحببتم سلمنا. فما كرهت والذين آمنوا معي، وقد بعثت إليكم عبد الرحمن بن جزء السّلميّ؛ وهو من أعلمنا من أهل العلم بالله وأهل القرآن؛ وبعثت معه بكتابي بأمانكم، فإن رضيتم دفعه إليكم؛ وإن كرهتم آذنكم بحرب على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تفليس من جرزان أرض الهرمز؛ بالأمان على أنفسكم وأموالكم وصوامعكم وبيعكم وصلواتكم؛ على الإقرار بصغار الجزية؛ على كلّ أهل بيت دينار واف، ولنا نصحكم ونصركم على عدوّ الله وعدوّنا، وقرى المجتاز ليلة من حلال طعام أهل الكتاب وحلال شرابهم، وهداية الطريق في غير ما يضّرّ فيه بأ؛د منكم. فإن أسلمتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، فإخواننا في الدّين وموالينا؛ ومن تولّى عن الله ورسله وكتبه وحزبه فقد آذناكم بحرب على سواء؛ إن الله لا يحبّ الخائنين. شهد عبد الرحمن بن خالد؛ والحجّاج، وعياض. وكتب رباح، وأشهد الله وملائكته والذين آمنوا، وكفى بالله شهيداً.
ذكر عزل عمّار عن الكوفة
وفي هذه السنة عزل عمر بن الخطاب عمّاراً عن الكوفة؛ واستعمل أبا موسى في قول بعضهم؛ وقد ذكرت ما قال الواقديّ في ذلك قبل.
ذكر السبب في ذلك:
قد تقدّم ذكري بعض سبب عزله، ونذكر بقيّته. ذكر السّريّ - فيما كتب به إليّ - عن شعيب، عن سيف، عمّن تقدم ذكري من شيوخه، قال: قالوا: وكتب أهل الكوفة؛ عطارد ذلك وأناس معه إلى عمر في عمّار، وقالوا: إنه ليس بأمير، ولا يحتمل ما هو فيه، ونزا به أهل الكوفة. فكتب عمر إلى عمّار: أن أقبل؛ فخرج بوفد من أهل الكوفة، ووفّد رجالاً ممن يرى أنهم معه، فكانوا أشدّ عليه ممن تخلّف، فجزع فقيل له: يا أبا اليقظان، ما هذا الجزع! فقال: والله ما أحمد نفسي عليه؛ ولقد ابتليت به - وكان سعد بن مسعود الثقفيّ عمّ المختار، وجرير بن عبد الله معه - فسعيا به، وأخبرا عمر بأشياء يكرهها، فعزله عمر ولم يولّه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطّفيل، قال: قيل لعمّار: أساءك العزل؟ فقال: والله ما سرّني حين استعملت، ولقد ساءني حين عزلت.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد ومجالد، عن الشعبيّ، قال: قال عمر لأهل الكوفة: أيّ منزليكم أعجب إليكم؟ - يعني الكوفة أو المدائن - وقال: إني لأسألكم وإني لأعرف فضل أحدهما على الآخر في وجوهكم، فقال جرير: أما منزلنا هذا الأدنى فإنه أدنى محلّةً من السواد من البرّ، وأما الآخر فوعك البحر وغمّه وبعوضه. فقال عمار: كذبت؛ فقال عمر لعمّار: بل أنت أكذب منه، وقال: ما تعرفون من أميركم عمّار؟ فقال جرير: هو والله غير كاف ولا مجز ولا عالم بالسياسة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن زكرياء بن سياه، عن هشام بن عبد الرحمن الثقفيّ، أن سعد بن مسعود، قال: والله ما يدري علام استعملته! فقال عمر: علام استعملتك يا عمّار؟ قال: على الحيرة وأرضها. فقال: قد سمعت بذكرها في القرآن. قال: وعلى أيّ شيء؟ قال: على المدائن وما حولها، قال: أمدائن كسرى؟ قال: نعم. قال: وعلى أيّ شيء؟ قال: على مهرجا نقذق وأرضها. قالوا: قد أخبرناك أنه لا يدري علام بعثته! فعزله عنهم، ثم دعاه بعد ذلك، فقال: أساءك حين عزلتك؟ فقال: والله ما فرحت به حين بعثتني، ولقد ساءني حين عزلتني. فقال: لقد علمت ما أنت بصاحب عمل، ولكني تأوّلت: " ونريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين " .
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن خليد بن ذفرة النّمريّ، عن أبيه بمثله وزيادة، فقال: أو تحمد نفسك بمعرفة من تعالجه منذ قدمت! وقال: والله يا عمّار لا ينتهي بك حدّك حتى يلقيك في هنة، وتالله لئن أدركك عمر لترقّنّ، ولئن رققت لتبتلينّ، فسل الله الموت. ثمّ أقبل على أهل الكوفة فقال: من تريدون يا أهل الكوفة؟ فقالوا: أبا موسى. فأمّره عليهم بعد عمار، فأقام عليهم سنة، فباع غلامه العلف. وسمعه الوليد بن عبد شمس، يقول: ما صحبت قوماً قطّ إلا آثرتهم؛ ووالله ما منعني أن أكذّب شهود البصرة إلاّ صحبتهم، ولئن صحبتكم لأمنحنّكم خيراً. فقال الوليد: ما ذهب بأرضنا غيرك؛ ولا جرم لا تعمل علينا. فخرج وخرج معه نفر، فقالوا: لا حاجة لنا في أبي موسى، قال: ولم؟ قالوا: غلام له يتّجر في حشرنا. فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة، وصرف عمر بن سراقة إلى الجزيرة. وقال لأصحاب أبي موسى الذين شخصوا في عزله من أهل الكوفة: أقويّ مشدّد أحبّ إليكم أم ضعيف مؤمن؟ فلم يجد عندهم شيشئاً، فتنحّى، فخلا في ناحية المسجد، فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فكلأه حتى استيقظ، فقال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلاّ من عظيم؛ فهل نابك من نائب؟ قال: وأيّ نائب أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير! وقال في ذلك ما شاء الله.
واختطّت الكوفة حين اختطّت على مائة ألف مقاتل؛ وأتاه أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ قال: شأني أهل الكوفة قد عضّلوا بي. أعاد عليهم عمر المشورة التي استشار فيها، فأجابه المغيرة فقال: أمّا الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وفضله له، وأمّا القوىّ المشدّد فوّته لك وللمسلمين، وشداده عليه وله. فبعثه عليهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن سعيد بن عمرو؛ أنّ عمر قال قبل أن استعمل المغيرة: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قويّ مشدّد؟ فقال المغيرة: أما الضعيف المسلم فإنّ إسلامه لنفسه وضعفه عليك، وأما القويّ المشدّد فإنّ شداده لنفسه وقوّته للمسلمين. قال: فإنّا باعثوك يا مغيرة. فكان المغيرة عليها حتى مات عمر رضي الله تعالى عنه وذلك نحو من سنتين وزيادة. فلما ودّعه المغيرة للذهاب إلى الكوفة، قال له: يا مغيرة. ليأمنك الأبرار، وليخفك الفجّار. ثم أراد عمر أن يبعث سعداً على عمل المغير فقتل قبل أن يبعثه، فأوصى به؛ وكان من سنّة عمر وسيرته أن يأخذ عمّاله بموافاة الحجّ في كل سنة للسياسة، وليحجزهم بذلك عن الرعيّة، وليكون لشكاة الرعيّة وقتاً وغاية ينهونها فيه إليه.
وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس - في قول بعضهم خراسان - وحارب يزدجرد؛ وأما في رواية سيف فإنّ خروج الأحنف إلى خراسان كان في سنة ثمان عشرة من الهجرة.
ذكر مصير يزدجرد إلى خراسان
وما كان السبب في ذلك
اختلف أهل السير في سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه؛ فأمّا ما ذكره سيف عن أصحابه في ذلك، فإنه فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى - وهو يومئذ ملك فارس - لما انهزم أهل جلولاء خرج يريد الرّيّ، وقد جعل له محمل واحد يطبق ظهر بعيره، فكان إذا سار نام فيه ولم يعرّس بالقوم. فانتهوا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله، فأنبهوه ليعلم، ولئلا يفزع إذا خاض البعير إن هو استيقظ، فعنّفهم وقال: بئسما صنعتم! والله لو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الأمة، إني رأيت أني ومحمداً تناجينا عند الله، فقال له: أملّكهم مائة سنة، فقال: زدني، فقال: عشراً ومائة سنة، فقال: زدني، فقال: عشرين ومائة سنة، فقال: زدني، فقال: لك. وأنبهتموني، فلو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الأمة.
فلما انتهى إلى الرّيّ، وعليها آبان جاذويه، وثب عليه فأخذه، فقال: يا آبان جاذويه، تغدر بي! قال: لا، ولكن قد تركت ملكك، وصار في يد غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء، وما أردت غير ذلك. وأخذ خاتم يزجرد ووصل الأدم؛ واكتتب الصّكاك وسجّل السجلات بكلّ ما أعجبه، ثم ختم عليها وردّ الخاتم. ثم أتى بعد سعداً فردّ عليه كلّ شيء في كتابه. ولما صنع آبان جاذويه بيزجرد ما صنع خرج يزدجرد من الرّيّ إلى إصبهان، وكره آبان جاذويه، فارّاً منه ولم يأمنه. ثم عزم على كرمان، فأتاها والنار معه، فأراد ان يضعها في كرمان، ثمّ عزم على خراسان، فأتى مرو، فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتاً واتّخذ بستاناً، وبنى أزجاً فرسخين من مرو إلى البستان؛ فكان على رأس فرسخين من مرو، واطمأنّ في نفسه وأمن أن يؤتى؛ وكاتب من مرو من بقيَ من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون، فدانوا له، حتى أثار أهل فارس والهرمزان فنكثوا، وثار أهل الجبال والفيرزان فنكثوا، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر للمسلمين في الانسياح، فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا في الأرض؛ فخرج الأحنف إلى خراسان، فأخذ على مهرجان نقذق، ثم خرج إلى إصبهان - وأهل الكوفة محاصرو جى - فدخل خراسان من الطبسين، فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي. ثم سار نحو مرو الشاهجان، وأرسل إلى نيسابور - وليس دونها قتال - مطرف بن عبد
الله بن الشخير والحارث بن حسان إلى سرخس؛ فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد نحو مرو الروذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان؛ وكتب يزدجرد وهو بمرو الروذ إلى خاقان يستمده؛ وكتب إلى ملك الصغد يستمده؛ فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصغد، وكتب إلى ملك الصين يستعينه، وخرج الأحنف من مرو الشاهجان؛ واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهلي بعد ما لحقت مبه أمداد أهل الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بن النضر النضري، وربعي بن عامر التميمي، وعبد الله بن أبي عقيل الثقفي، وابن أم غزال الهمداني؛ وخرج سائراً نحو مرو الروذ؛ حتى إذا بلغ ذلك يزدجرد خرج إلى بلخ، ونزل الأحنف مرو الروذ؛ وقدم أهل الكوفة؛ فساروا إلى بلخ، وأتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزد جرد ببلخ؛ فهزم الله يزدجرد، وتوجه في أهل فارس إلى النهر فعبر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة؛ وقد فتح الله عليهم؛ فبلخ من فتوح أهل الكوفة. وتتابع أهل خراسان ممن شذّ أو تحصّن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان ممن كان في مملكة كسرى؛ وعاد الأحنف إلى مرو الرّوذ، فنزلها واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر؛ وهو الذي يقول فيه النجاشي - ونسبه إلى أمه؛ وكانت من أشراف العرب:
ألا رب من يدعى فتى ليس بالفتى ... ألا إن رعي ابن كأس هو الفتى
طويل قعود القوم في قعر بيته ... إذ شبعوا من ثفل جفتته سقى
كتب الأحنف إلى عمر بفتح خراسان، فقال: لوددت مأني لم أكن بعثت إليها جنداً، ولوددت أ،ه كان بيننا وبينها بحر من نار؛ فقال عليّ: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات، فيجتاحون في الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحب إلى من أن يكون بالمسلمين.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عبد الرحمن الفزاري، عن أبي الجنوب اليشكري، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: لما قدم عمر على فتح خراسان، قال: لوددت أن بيننا وبينها بحراً من نار، فقال علي: وما يشتد عليك من فتحها! فإنّ ذلك لموضع سرور، قال: أجل ولكني.... حتى أتى على آخر الحديث.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن عيسى بن المغيرة، وعن رجل من بكر بن وائل يدعى الوازع بن زيد بن خليدة، قال: لما بلغ عمر غلبة الأحنف على المروين وبلخ، قال: وهو الأحنف، وهو سيد أهل المشرق المسمّى بغير اسمه. وكتب عمر إلى الأحنف: أما بعد، فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا معلى الذي دخلتم به خراسان يدم لكم النصر؛ وإياكم أن تعبروا فتفضّوا.
ولما بلغ رسولا يزدجرد خاقان وغوزك، لم يستتب لهما إنجاده حتى عبر إليهما النهر مهزوماً، وقد استتب فأنجده خاقان - والملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك - فأقبل في الترك، وحشر أهل فرغانة والصغد؛ ثم خرج بهم، وخرج يزدجرد راجعاً إلى خراسان، حتى عبر إلى بلخ، وعبر معه خاقان، فأرز أهل الكوفة إلى مرو الروذ إلى الأحنف، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف بمرو الروذ. وكان الأحنف حين بلغه عبور خاقان والصغد نهر بلخ غازياً له، خرج في عسكره ليلاُ يتسمع: هل يسمعبرأي ينتفع به؟ فمر برجلين ينقيان علفاً، إما تبناً وإما شعيراً، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير أسندنا إلى هذاالجبل، فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقاً؛ وكان الجبل في ظهورنا من أن نؤتي من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله. فرجع واجتزأ بها، وكان في ليلة مظلمة، فلما أصبح جمع الناس، ثم قال: إنكم قليل، وإنّ عدوكم كثير، فلا يهولنكم؛ فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وه مع الصابرين؛ ارتحلوا من مكانكم هذا، فاسندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه في ظهوركم، واجعلوا النهر بينكم وبين عدوكم، وقاتلوهم من وجه واحد. ففعلوا، وقد أعدوا ما يصلحهم، وهو في عشرة آلاف من أهل البصرة وأهل الكوفة نحو منهم. وأقبلت الترك ومن أجلبت حتى نزلوا بهم،فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحون عنهم بالليل ما شاء الله. وطلب الأحنف علم مكانهم بالليل، فخرج ليلة بعد ما علم علمهم؛ طليعة لأصحابه حتى كان قريباً من عسكر خاقان فوقف، فلما كان في وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه، وضرب بطبله، ثم وقف من العسكر موقفاً يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله، وهو يرتجز ويقول:
إن على كل رئيس حقا ... أن يخضب الصغدة أو تندقا
إن لنا شيخاً بها ملقى ... سيف أبي حفص الذي تبقى
ثم وقف موقف التركي وأخذ طوقه، وخرج آخر من الترك، ففعل فعل صاحبه الأول، ثم وقف دونه فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله وهو يرتجز:
إن الرئيس يرتبي ويطلع ... ويمنع الخلاء إما أربعوا
ثم وقف موقف التركي الثاني، وأخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل الرجلين، ووقف دون الثاني منهما، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنته الأحنف، فقتله وهو يرتجز:
جرى الشموس ناجزاً بناجز ... محتفلاً في جريه مشارز
ثم انصرف الأحنف إلى عسكره؛ ولم يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعد. وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء؛ كلهم يضرب بطلبه، ثم يخرجون بعد خروج الثالث، فخرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، فتشاءم خاقان وتطير، فقال: قد طال مقامنما، وقد أصيب هؤلاء القوم بمكنمان لم يصب بمثله قط؛ ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا؛ فكان وجوههم راجعين، وارتفع النهار للمسلمين ولا يرون شيئاً، وأتاهم الخير بانصراف خاقان إلى بلخ. وقد كان يزدجرد بن شهر يار بن كسى ترك خاقن بمرو الروذ، وخرج إلى مرو الشاهجان؛ فتحصن منه حاتم بن النعمان ومن معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها؛ وخاقان ببلخ مقيم له، فقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم. ولما جمع يزدجرد ما كان في يديه مما وضع بمرو، فأعجل عنه؛ وأراد أن يستقل مبه منها، إذْ هو أمر عظيم من خزائن أهل فارس، وأراد اللحاق بخاقان فقال له أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ فقال: أريد اللحاق بخاقان، فأكون معه أو بالصين، فقالوا له: مهلاً؛ فإنّ هذا رأى سوء، إنّك إنما تأتي قوماً في مملكتهم وتدع أرضك وقومك؛ ولكن ارجع بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم؛ فإنهم أوفياء وأهل دين؛ وهم يلون بلادنا، وإن عدواً يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو يلينا في بلاده ولا يديهن لهم؛ ولا ندري ما وفاؤهم؛ فأبى عليهم وأبوا عليه؛ فقالوا: فدع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يليها، ولا تخرجها من بلادنا إلى غيرها، فأبى؛ فقالوا: فإنا لا ندعك؛ فاعتزلوا وتركوه في حاشيته، فاقتتلوا، فهزوه وأخذوا الخزائن، واستولوا عليها ونكبوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر، فاعترضهم المسلمون والمشركون بمر يثفنونه، فقاتلوه وأصابوه في أخر القوم، وأعجلوه عن الأثقال؛ ومضى مموائلا حتى قطع النهر إلى فرغانة والترك؛ فلم يزل مقيماً زمان عمر رضي الله عنه كله يكاتبهم ويكاتبونه، أو من شاء الله منهم.
فكفر أهل خراسان زمان عثمان. وأقبل أهل فارس على الأحنف فصالحوه وعاقدوه، ودفعوا إله تلك الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمان الأكاسرة؛ فكانوا كأنما هم في ملكهم؛ إلا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم، فاغتبطوا وغبطوا؛ وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهم الفارس يوم القادسية.
ولما خلع أهل خراسان زمان عثمان أقبل يزدجرد حتى نزل بمرو، فلما اختلف هو ومن معه وأهل خراسان. أوى إلى طاحونة، فأتوا عليه يأكل من كرد حول الرحا؛ فقتلوه ثم رموا مبه في النهر.
ولما أصيب يزدجرد بمرو - وهو يومئذ مختيىء في طاحونة يريد أن يطلب اللحاق بكرمان - فاحتوى فيئه المسلمون والمشركون، وبلغ ذلك الأحنف، فسار من فوره ذلك في الناس إلى بلخ يريد خاقان، ويتبع حاشية يزدجرد وأهله في المسلمين والمشركين من أهل فارس، وخاقان والترك ببلخ. فلما سمع بما ألقى يزدجرد وبخروج المسلمين مع الأحنف من مرو الروذ نحوه، ترك بلخ وعبر النهر؛ وأقبل الأحنف حتى نزل بلخ؛ ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع، ثم رجع إلى مرو الروذ فنزل بها، وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس، ووقد إليه الوفود.
=================================================ج13.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
قالوا: ولما عبر خاقان النهر، وعبرت معه حاشية آل كسرى، أو من أخذ نحو بلخ منهم مع بزدجرد، لقوا رسول يزدجرد الذي كان بعث إلى ملك الصين، وأهدي إليه معه هدايا، ومعه جواب كتابه من ملك الصين. فسألوه عما وراءه، فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا أنا بما ترون - وأراهم هديته. وأجاب يزدجرد، فكتب إليه بهذا الكتاب بعد ماكان قال لي: قد عرفت أنّ حقاً على الملوك إنجاد الملوك على من غلبهم، فصف لي صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم؛ فإني أراك تذكر قلة منهم وكثرة منكم؛ ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلاّ بخير عندهم وشر فيكم؛ فقلت: سلني عما أجبت، فقال: أوفون بالعهد؟ قلت: نعم، قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم لمرشدهم، قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته، فقال: أو يحرمون ما حلل لهم، أو يحلون ما حرم عليهم؟ قالت: لا، قال: فإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم. ثم قال: أخبرني عن لباسهم؛ فأخبرته، وعن مطاياهم، فقلت: الخيل العراب - ووصفتها - فقال: نعمت الحصون هذه! ووصفت له الإبل وبروكها وانبعاثها بحملها، فقال: هذهصفة دواب طوال الأعناق.
وكتب معه إلى يزدجرد كتاباً إنه لم يمنعني مأن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولن الجبال لهدوها، ولو خلى سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف؛ فسالمهم وارض منهم بالمساكنة؛ ولا تهجهم ما لم يهيجوك. وأقام يزدجرد وآل كسرى بفرغانة، معهم عهد من خاقان. ولما وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم بعمر بن الخطاب من قبل الأحنف، جمع الناس وخطبهم، وأمر بكتاب الفتح فقرىء عليهم، فقال في خطبته: إن الله تبارك وتعالى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلّم وما بعثه به من الهدى، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة. فقال: ()؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فالحمد الذي أنجز موعده، ونصر جنده. ألا إن الله قد أهلك ملك المجوسية، وفرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبراً يضر بمسلم. ألا وإن الله قد أورثم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم؛ لنظر كيف تعملون! ألا وإنّ المصرين من مسالحها اليوم كأنتم والمصرين فيما مضى من البعد، وقد وغلوا في البلاد، والله بالغ أمره، ومنجز وعده، ومتبع آخر ذلك أوله، فقوموا في أمره على رجل يوف لكم بعهده، ويؤتكم وعده؛ ولا تبدلوا ولا تغيروا، فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتي إلا من قبلكم.
قال أبو جعفر: ثم إن أداني أهل خراسان وأقاصيه اعترضوا زمان عثمان ابن عفان لسنتين خلتا من إمارته؛ وسنذكر بقية خبر انتقاضهم في موضعه إن شاء الله مع مقتل يزدجرد.
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، وكانت عماله على الأمصار فيها عماله الذين كانوا عليها في سنة إحدى وعشرين غير الكوفة والبصرة؛ فإن عامله على الكوفة وعلى الأحداث كان المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبا موسى الأشعري.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرينفكان فيها فتح إصطخر في قول أبي معشر؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي، قال: حدثنا محدث، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: كانت إصطخر الأولى وهمذان سنة ثلاث وعشرين. وقال الواقدي مثل ذلك. وقال سيف: كان فتح إصطخر بعد توج الآخرة.
ذكر الخبر عن فتح توج
كتب إلى السّرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: خرج أهل البصرة الذين وجهّوا إلى فارس أمراء على فارس؛ ومعهم سارية بن زنيم ومن بعث معهم إلى ما وراء ذلك، وأهل فارس مجتمعون بتوج؛ فلم يصمدوا لجمعهم بجموعهم؛ ولكن قصد كلّ أمير كورة منهم قصد إمارته وكورته التي أمر بها؛ وبلغ ذلك أهل فارس؛ فاقترقوا إلى بلدانهم؛ كما افترق المسلمون ليمنعوها؛ وكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم وتفريق جموعهم؛ فتطير المشركون من ذلك؛ وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشعبن مسعود لسابور وأردشير خره فيمن معه من المسلمين، فالتقوا بتوج وأهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله. ثم إن الله عزّ وجلّ هزم أهل توج للمسلمين، وسلط عليهم المسلمين، فقتلوهم كل قتلة، وبلغوا منهم ما شاءوا، وغنمهم ما مفي عسكرهم فحووه؛ وهذه توج الآخرة؛ ولم يكن لهابعدهاشوكة، والأولى التي تنقذ فيها جنود العلاء أيام طاوس، الوقعة التي اقتتلوا فيها؛ والوقعتان الأولى والآخرة كلتاهما متساجلتان.
ثم دعوا إلى الجزية والذمة؛ فراجعوا وأقروا، وخمس مجاشع الغنائم، وبعث بها، ووفدوا وفداً؛ وقد كانت البشراء والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم، لسنة جرت بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
كتب إلى السرى عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج، فحاصرناها، وقاتلناهم ما شاء الله، فلما افتتحناها وحوينا نهبها نهباً كثيراً، وقتلنا قتلى عظيمة؛ وكان على قميص قد تخرّق؛ فأخذت إبرة وسلكاً وجعلت أخيط قميصي بها. ثم إني نظرت إلى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته، فأتيت به الماء، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه، فلبسته؛ فلما جمعت الرثة، قام مجاشع خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تغلوا، فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة. ردوا ولو الخميط. فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الأخماس.
فتح إصطخرقال: وقصد عثمان بن أبي العاص لإصطخر؛ فالتقى هو وأهل إصطخر بجور فاقتتلوا ما شاء الله. ثم إنّ الله عز وجل فتح لهم جور؛ وفتح المسلمون إصطخر، فقتلوا ما شاء الله، وأصابوا ما شاءوا، وفر من فر. ثم إن عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذمة، فراسلوه وراسلهم، فأجابه الهربذ وكل من هرب أو تنحى؛ فتراجعوا وباحوا بالجزاء، وقد كان عثمان لما هزم القوم جمع إليه ما أفاء الله عليهم، فخمسه، وبعث بالخمس إلى عمر، وقسم أربعة أخماس المغنم في الناس وعفّت الجند من النهاب، وأدوا الأمانة، واستدقوا الدنيا. فجمعهم عثمان؛ ثم قام فيهم، وقال: إنّ هذا الأمر لا يزال مقبلاً؛ ولا يزال أهله معافين مما يكرهون، ما لم يغلوا، فإذا غلوا رأوا ما ينكرون ولم يسد الكثير مسد القليل اليوم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي سفيان، عن الحسن، قال: قال عثمان بن أبي العاص يوم إصطخر: إن الله إذا أراد بقوم خيراً كفهم، ووفر أمانتهم، فاحفظوها؛ فإنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة؛ فإذا فقدتموها جدد لكم في كلّ يوم فقدان شيء من أموركم.
ثم إنّ شهرك خلع في آخر إمارة عمر وأوّل إمارة عثمان، ونشط أهل فارس، ودعاهم إلى النقض، فوجه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية، وبعث معه جنود أمد بهم، عليهم عبيد الله بن معمر، وشبل بن معبد البجلى، فالتقوا بفارس، فقال شهرك لابنه وهو في المعركة؛ وبينهم وبين قرية تدعى ريشهر ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخاً: يا بني، أين يكون غداؤنا؟ ها هنا أو ريشهر؟ فقال: يا أبت إن تركونا فلا يكون غداؤنا ها هنا ولا ريشهر، ولا يكونن إلا في المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا. فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال، فاقتتلوا قتالاً شديداً، قتل فيه شهرك وابنه، وقتل الله جلّ وعزّ منهم مقتلة عظيمة وولى قتل شهرك الحكم بن أبي العاص بن بشر بن دهمان، أخو عثمان.
وأما أبومعشر فإنّه قال: كانت فارس الأولىوإصطخر الآخرة في سنة ثمان وعشرين. قال: وكانت فارس الآخرة وجور سنة تسع وعشرين؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سليمان بن صالح، قال: حدّثني عبيد الله، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: كان عثمان بن أبي العاص أرسل إلى البحرين، فأرسل أخاه الحكم بن أبي العاص في ألفين إلى توج؛ وكان كسى قد فرّ عن المدائن، ولحق بجور من فارس.
قال: فحدثني زياد مولى الحكم بن أبي العاص، عن الحكم بن أبي العاص، قال: قصد إلى شهرك - قال عبيد: وكان كسرى أرسله الحكم: فصعد إليّ في الجنود فهبطوا من عقبة، عليهم الحديد، فخشيت أن تعشو أبصار الناس، فأمرت منادياً، فنادى أنّ من كان عليه عمامة فليلفها على عينيه، ومن لم يكن عليه عمامة فليغمض بصره؛ وناديت أن حطوا عن دوابكم. فلما رأى شهرك ذلك حط أيضاً. ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا، فجعلت الجارود العبدي على الميمنة وأبا صفرة على الميسرة - يعني أبا المهلب - فحملوا على المسلمين فهزموهم؛ حتى ما أسمعلهم صوتاً، فقال لي الجارود: أيها الأمير؛؛ ذهب الجند، فقلت: إنك ستري أمرك، فلما لثنا أن رجعت خليهم، ليس عليها فرسانها، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يديّ، ومعي بعض ملوكهم - يقال له المكعبر، فارق كسرى ولحق بي - فأتيت برأس ضخم، فقال المكعبر: هذا رأس الازدهاق - يعني شهرك - فحوصروا في مدينة سابور، فصالحهم - وملكهم آذريبان - فاستعان الحكم آذربيان على قتال أهل إصطخر، ومات عمر رضي الله عنه؛ فبعث عثمان عبيد الله بن ممعمر مكانه، فبلغ عبيد الله أن آذربيان يريد أن يغدر بهم، فقال له: إنيّ أحبّ أن تتخذ لأصحابي طعاماً، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامهما في الجفنة التي تليني، فإنيّ أحبّ أن أتمشش العظام. ففعل، فجعل يأخذ العظم الذي لا يكسر إلا بالفئوس، فكسره بيده، فيتمخخه - وكان من أشد الناس - فقام الملك، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ. فأعطاه عهداً، فأصابت عبيد الله منجنيفة، فأوصاهم، فقال: إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء الله فاقتلوهم بي فيها ساعة. ففعلوا فقتلوا منهم بشراً كثيراً.
وكان عثمان بن أبي العاص لحق الحكم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر: إنّ بيني وبين الكوفة فرجة أخاف أن يأتيني العدوّ منها. وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك: إنّ بيني وبين كذا فرجة. فاتفق عنده الكتابان، فبعث أبا موسى في سبعمائة، فأنزلهم البصرة.
ذكر فتح فسا ودارابجردكتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصج سارية بن زنيم، فسا ودارا بجرد، حتى انتهى إلى عسكرهم، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله. ثم إنهم استمدّوا ، فتجمعّوا وتجمّعت إليهم أكراد فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وجمع كثير؛ فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في ساعة من النهار، فنادى من الغد: الصّلاة جامعة! حتى إذا كان في الساعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم؛ وكان أريهم والمسلمون بصحراء؛ إن أقاموا فيهاأحيط بهم، وإن أرزوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلا من وجه واحد ثمّ قام فقال: يأيها الناس؛ إني رأيت هذين الجمعين - وأخبر بحالهما - ثم قال: يا سارية، الجبل، الجبل! ثمّ أقبل عليهم، وقال: إنّ لله جنوداً، ولعل بعضها أن يبلغهم؛ ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد؛ فهزمهم الله لهم؛ وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم على البلد ودعاء أهله وتسكينهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمر دثار بن أبي شبيب، عن أبي عثمان وأبيعمرو بن العلاء، عن رجل من بني مازن، قالا: كان عمر قد بعث سارية بن زنيم الدؤليّ إلى فسا ودار بجرد؛ فحاصرهم. ثم إنهم تداعوا فأصحروا له، وكثروه فأتوه من كلّ جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية بن زنيم، الجبل، الجبلّ ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب المسلمين جبل، إن لجئوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فلجئوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم، فأصاب مغانمهم وأصاب في المغانم سفطاً فيه جوهر، فاستوهبه المسلمين لعمر، فوهبوه له فبعث به مع رجل، وبالفتح. وكان الرسل والوفد يجازون وتقضى لهم حوائجهم، فقال له سارية: استقرض ما تبلّغ به وما تخلفه لأهلك على جائزتك. فقدم الرجل البصرة، ففعل، ثمّ خرج فقدم على عمر، فوجده يطعم الناس، ومعه عصاه التي يزجر بها بعيره، فقصد له، فأقبل عليه بها، فقال: اجلس، فجلس حتى إذا أكل القوم انصرف عمر، وقام فأتبعه، فظن عمر أنه رجل لم يشبع، فقال حين انتهى إلى باب داره: ادخل - وقد أمر الخبّاز أن يذهب بالخوان إلى مطبخ المسلمين - فلما جلس في البيت أتى بغدائه خبز وزيت وملح جريش، فوضع وقال: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ قالت: إني لأسمع حس رجل، فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة؛ فقال: أو ما ترضين أن يقال: أمّ كلثوم بنت عليّ وامرأة عمر! فقالت: ما أقل غناء ذلك عني! ثم قال للرجل: ادن فكل؛ فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى، فأكلا حتى إذا فرغ قال: رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين.
فقال: مرحباً وأهلاً، ثم أدناه حتى مسّت ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فأخبره، ثم أخبره بقصّة الدرج، فنظر إليه ثم صاح به، ثم قال: لا ولا كرامة حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم. فطرده، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني قد أنضيت إبلي واستقرضت في جائزتي، فأعطني ما مأتبلّغ به؛ فما زال عنه حتى أبدله بعيراً ببعيره من إبل الصدقة، وأخذ بعيره فأدخله في إبل الصدقة، ورجع الرسول مغضوباً عليه محروماً حتى قدم البصرة، فنفذ لأمر عمر، وقد كان سأله أهل المدينة عن سارية، وعن الفتح وهل سمعوا شيئاً يوم الوقعة؟ فقال: نعم، سمعنا: يا سارية، الجبل وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه، ففتح الله علينا.
كتب إلى السرىّ، عن شعيب عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ، مثل حديث عمرو.
ذكر فتح كَرمان
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو؛ قالوا: وقصد سهيل بن عدي إلى كرمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وعلى مقدمة سهيل بن عدي النسير بن عمرو العجلي، وقد حشد له أهل كرمان، واستعانوا بالقفس؛ فاقتتلوا في أدنى أرضهم، ففضّهم الله، فأخذوا عليهم بالطريق، وقتل النسير مرزبانها، فدخل سهيل من قبل طريق القرى اليوم إلى جيرفت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير، فأصابوا ما شاءوا من بعير أوشاء، فقوّموا الإبل والغنم فتحاصوها باللأثمان لعظم البخت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا، وكتبوا إلى عمر؛ فكتب إليهم: إن البعير العربيّ إنما قوم بتعيير اللحم؛ وذلك مثله؛ فإذا رأيتم أنّ في البخت فضلاً فزيدوا فإنما هي من قيمه.
وأما المداثنيّ، فإنه ذكر أنّ عليّ بن مجاهد أخبره عن حنبل بن أبي حريدة - وكان قاضي قهستان - عن مرزبان قهستان، قال: فتح كرمان عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي في خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطبسين منكرمان، ثم قدم على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني افتتحت الطبسين فأقطعنيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رستاقان عظيمان، فلم يقطعه إياهما؛ وهما بابا خراسان.
ذكر فتح سجستان
قالوا: وقصد عاصم بن عمرو لسجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلوهم فالتقوا هم وأهل سجستان في أدنى أرضهم، فهزموهم ثم أتبعوهم، حتى حصروهم بزرنج، ومخروا أرض سجستان ما شاءوا. ثمّ إنهم طلبوا الصّلح على زرنج ما احتازوا من الأرضين؛ فأعطوه، وكانوا قد اشترطوا في صلحهم أنّ فدا فدها حمى؛ فكان المسلمون إذا خرجوا تناذروا خشية أن يصيبوا منها شيئاً، فيخفروا. فتم أهل سجستان على الخراج والمسلمون على الإعطاء؛ فكانت سجستان أعظم من خراسان، وأبعد فروجاً، يقاتلون القنارهار والترك وأمماً كثيرة، وكانتفيما بين السند إلى نهر بلخ بحياله، فلم تزل أعظم البلدين، وأصعب الفرجين، وأكثرها عدداً وجنداً؛ حتى زمان معاوية، فهرب الشاه من أخيه - واسم أخي الشاه يومئذ رتبيل - إلى بلد فيها يدعى آمل، ودانوا لسلم بن زياد، وهو يومئذ على سجسان، ففرح بذلك وعقد لهم، وأنزلهم بتلك البلاد، وكتب إلى معاوية بذلك يرى أنه قد فتح عليه. فقال معاوية: إنّ ابن أخي ليفرح بأنه ليحزنني وينبغي له أن يحزنه، قالوا: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنّ آمل بلدة بينها وبين زرنج صعوبة وتضايق، وهؤلاء قوم نكر غدر، فيضطرب الحبل غداً، فأهون ما يجيء منهم أني يغلبوا على بلاد آمل بأسرها وتم لهم على عهد ابن زياد؛ فلمّا وقعت الفتنة بعد معاوية كفر الشاه، وغلب على آمل، وخاف رتبيل الشاه فاعتصم منه بمكانه الذي هوبه اليوم، ولم يرضه ذلك حين تشاغل الناس عنه حتى طمع في زرنج، فغزاها فحصرهم حتى أتتهم الأمداد من البصرة، فصار رتبيل والذين جاءوا معه؛ فنزلوا تلك البلاد شجاً لم ينتزع إلى اليوم؛ وقد كانت تلك البلاد مذلّلة إلى أن مات معاوية.
فتح مكرانقالوا: وقصد الحكم بن عمرو التغلبي لمكران؛ حتى انتهى إليها؛ ولحق به شهاب بن المخارق بن شهاب، فانضمّ إليه، وأمدّه سهيل بن عدي، وعبد الله بن عبد الله بن عتبانبأنفسهما، فانتهوا إلى دوين النهر، وقد انفضّ أهل مكران إليه حتى نزلوا على شاطئه، فعسكروا، وعبر إليهم راسل ملكهم ملك السند، فازدلف بهم مستقبل المسلمين.
فالتقوا فاقتتلوا بمكان من مكران من النهر على أيام، بعد ما كان قد انتهى إليه أوائلهم، وعسكروا به ليلحق أخراهم، فهزم الله راسل وسلبه، وأباح المسلمين عسركهن وقتلوا في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعوهم يقتلونهم أياماً، حتى انتهوا إلى النهر. ثم رجعوا فأقاموا بمكران. وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدي، واستأمره في الفيلة، فقدم صحار على عمر بالخبر والمغانم، فسأله عمر عن مكران - وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه - فقال: يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرّها طويل، والكثير بها قليل، والقليلُ بها ضائع وما وراءها شر منها. فقال: اسجاعٌ أنت أم مخبر؟ قال: لا بل مخبر، قال: لا، والله يغزوها جيش لي ما أطعتُ؛ وكتب إلى الحكم بن عمرو وإلى سهيل ألا يجوزن مكران أحد من جنودكما واقتصرا على ما دون النهر؛ وأمره ببيع الفيلة بأرض الإسلام، وقسم أثمانها على من أفاءها الله عليه.
وقال الحكم بن عمرو في ذلك:
لقد شبع الأرامل غير فخر ... بفيء جاءهم من مكران
أتاهم بعد مشغبة وجهد ... وقد صفر الشتاء من الدخان
فإني لا يذم الجيش فعلى ... ولا سيفي يذم ولا سنان
غداة أدفع الأوباش دفعاً ... إلى السند العريضة والمداني
ومهران لنا فينا أردنا ... مطيع غير مسترخي العنان
فلولا ما نهى عنه أميري ... قطعناه إلى البدد الزواني
خبر بيروذ من الأهواز
قالوا: ولما فصلت الخيول إلى الكور اجتمع ببيروذ جمع عظيم من الأكراد وغيرهم، وكان عمر قد عهد إلى أبي موسى حين سارت الجنود إلى الكور أن يسير حتى ينتهي إلى ذمة البصرة، كي لا يؤتي المسلمون من خلفهم، وخشي أن يستلحم بعض جنوده أو ينقطع منهم طرف، أو يخلفوا في أعقابهم؛ فكان الذي حذر من اجتماع أهل بيروذ؛ وقد أبطأ أبو موسى حتى تجمعوا، فخرج أبو موسى حتى ينزل بيروذ على الجمع الذي تجمّعوا بها في رمضان؛ فالتقوا بين نهر تيري ومناذر؛ وقد توافى إليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد، ليكيدوا المسلمين، وليصيبوا منهم عورة؛ ولم يشكوا في واحدة من اثنتين. فقام المهاجرين زياد وقد تحنّط واستقتل، فقال لأبي موسى: أقمم علي كل صائم لما رجع فأفطر. فرجع أخوه فيمن رجع لإبرار القسم، وإنما مأراد بذلك توجيه أخيه عنه لئلا يمنعه من الاستقتال؛ وتقدّم فقاتل حتى قتِل، ووهن الله المشركين حتى تحصنوا في قلة وذلة؛ وأقبل أخوه الربيع، فقال: هيء يا والع الدنيا؛ واشتدّ جزعه عليه؛ فرقّ أبو موسى للربيع للذي رآه دخله من مصاب أخيه، فخلفه عليهم في جند؛ وخرج أبو موسى حتى بلغ إصبهان، فلقى بها جنود أهل الكوفة محاصري جي، ثم انصرف إلى البصرة؛ بعد ظفر الجنود، وقد فتح الله على الرّبيع بن زياد أهل بيروذ من نهر تيري؛ وأخذ ما كان معهم من السبي، فتنقى أبو موسى رجالاً منهم ممن كان لهم فداء - وقد كان الفداء أرد على المسلمين من أعيانهم وقيمتهم فيما بينهم - ووفد الوفود والأخماس؛ فقام رجل من عنزة فاستوفده؛ فأبى فخرج فسعى به فاستجلبه عمر، وجمع بينهما فوجد أبا موسى أعذر إلا في أمر خادمه، فضعفه فردّه إلىعمله، وفجّر الآخر؛ وتقدم إليه في ألا يعود لمثلها.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: لما رجع أبو موسى عن إصبهان بعد دخول الجنود الكور، وقد هزم الربيع أهل بيروذ، وجمع السبي والأموال؛ فغدا على ستين غلاماً من أبناء الدهاقين تنقاهم وعزلهم؛ وبعث بالفتح إلىعمر، ووفّد وفداً فجاءه رجل من عنزة، فقال: اكتبني في الوفد، فقال: قد كتبنا من هو أحق منك؛ فانطلق مغاضباً مراغماً، وكتب أبو موسى إلى عمر: إنّ رجلاً من عنزة يقا له ضبة بن محصن، كان من أمره... وقص قصته.
فلما قدم الكتاب والوفد والفتح على عمر قدم العنزيّ فأتى عمر فسلم عليه، فقال: من أنت؟ فأخبره، فقال: لا مرحباً ولا أهلاً! فقال: أما المرحب فمن الله، وأما الأهل فلا أهل؛ فاختلف إليه ثلاثاً، يقول له هذا ويرد عليه هذا؛ حتى إذا كان في اليوم الرابع، دخل عليه، فقال: ما نقمت على أميرك؟ قال: تنقى ستين غلاماً من أبناء الدهاقين لنفسه؛ وله جارية تدعى عقيلة، تغدى جفنة وتعشى جفنة، وليس منا رجل يقدر على ذلك؛ وله قفيزان، وله خاتمان، وفوّض إلى زياد ابن سفيان - وكان زياد يلي أمور البصرة - وأجاز الحطيئة بألف.
فكتب عمر كل ما قال.
فبعث إلى أبي موسى؛ فلما قدم حجبه أياماً؛ ثم دعا به، ودعا ضبة بن محصن؛ ودفع إلي الكتاب، فقال: اقرأ ما كتبت، فقرأ: أخذ ستين غلاماً لنفسه. فقال أبو موسى: دللت عليهم وكان لهم فداء ففديتهم، فأخذته فقسمته بين المسلمين؛ فقال ضبّة: والله ما كذب ولا كذبت، وقال: له قفيزان؛ فقال أبو موسى: فقيز لأهلي أقوتهم، وقفيز للمسلمين في أيديهم؛ يأخذون به أرزاقهم؛ فقال ضبة: والله ما كذب ولا كذبت؛ فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر؛ وعلم أنّ ضبّة قد صدقه. قال: وزياد يلي أمور الناس ولا يعرف هذا مايلي؛ قال: وجدت له نُبلا ورأياً، فأسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بألف، قال: سددتُ فمه بمالي أن يشتمني، فقال: قد فعلت ما فعلت. فردّه عمر وقال: إذا قدمت فأرسل إلي زياداً وعقيلة، ففعل، فقدمتعقيلة قب زياد؛ وقدم زياد فقام بالبا، فخرج عمر وزياد بالباب قائم، وعليه ثياب بياض كتّان، فقال له: ما هذه الثياب؟ فأخبره، فقال: كم أثمانها؟ فأخبره بشيء يسير، وصدّقه، فقال له: كم عطاؤك؟ قال ألفان، قال: ما صنعت في أول عطاء خرج لك؟ قال: اشتريت والدتي فأعتقتها، واشتريت في الثاني ربيبي عبيداً فأعتته، فقال: وفقت، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن، فوجده فقيهاً. فردّه، وأمر أمراء البصرة أن يشربوا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة. وقال عمر: ألا إن ضبّة العنزي غضب على أبي موسى في الحق أن أصابه، وفارقه مراغماً أن فاته أمر من أمور الدنيا، فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه؛ فإياكم والكذب؛ فإنّ الكذب يهدي إلى النار. وكان الحطيئة قد لقيه فأجازه في غزاة بيروذ، وكان أبو موسى قد ابتدأ حصارهم وغزاتهم حتى فلهم، ثم جازهم ووكلّ بهم الربيع؛ ثم رجع إليهم بعد الفتح فولى القسم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، عن أسيد بن المتشمس بن أخي الأحنف بن قيس، قال: شهدت مع أبي موسى يوم إصبهان فتح القرى، وعليها عبد الله بن ورقاء الرياحي وعبد الله بن ورقاء الأسديّ. ثم إنّ أبا موسى صرف إلى الكوفة، واستعمل على البصرة عمر بن سراقة المخزومي، بدوي.
ثم إن إبا موسى مرد على البصرة، فمات عمر وأبو موسى على البصرة على صلاتها، وكان عملها مفترقاً غير مجموع؛ وكان عمر ربما بعث إليه فأمدّ به بعض الجنود، فيكون مدّداً لبعض الجيوش.
ذكر خبر سلمة بن قيس الأشجعيّ والأكراد
حدثني عبد الله بن كثير العبديّ، قال: حدّثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا أبو جَناب، قال: حدّثنا أبو المحجل الرديني، عن مخلد البكري وعلقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، أن أمير المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمر عليهم رجلاً منأهل اعلم والفقه؛ فاجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمر عليهم رجلاً من أهل العلم والفقه؛؛ فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سملة بن قيس الأشجعي فقال: سر باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله؛ فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام فإن اسملوا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم مفلهم مثل الذي لكم، وعليهم مثل الذي عليكم؛ فإن أبوا فادعوهم إلى الخراج؛ فإن أقروا بالخراج فقاتلوا عدوّهم من ورائهم؛ وفرّغوهم لخراجهم؛ ولا تكلّفوهم فوق طاقتهم؛ فإن أبوأ فقاتلوهم؛ فإنّ الله ناصركم عليهم؛ فإن تحصنُوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله؛ فلا تنزلوهم على حكم الله: فإنكم لا تدرون ما حكم مه ورسوله فيهم! وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمّة الله وذمَة رسوله فلا تعطُوهم ذمّة الله وذمة رسوله؛ وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغلوا ولاتغدروا ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً. قال سلمة: فسرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين، فأبوا أن يسلموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا أن يقروا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة، فرأى سلمة بن قيس شيئاً من حلية، فقال: إنّ هذا لا يبلغفيكم شيئاً، فتطيب أنفسكم أ،نبعث به إلى أمير المؤمنين، فإنّ له برداً ومؤونة؟ قالوا: نعم، قد طابت أنفسنا. قال: فجعل تلك الحلية فس يفط، ثم بعث برجل من قومه، فقال: اركب بها؛ فإذا اتيت البصرة فاشتر على جوائز أمير المؤمنين راحلتين؛ فأوقرهما زاداً لك ولغلامك، ثم سر إلى أمير المؤمنين.
قال ففعلت، فأتيت أمير المؤمنين وهو يغدّي الناس متكئاً على عصا كما يصنع الراعي وهو يدور على القصاع، يقول: يا برفأ؛ زد هؤلاء لحماً، زد هؤلاء خبزاً، زد هؤلاء مرقة، فلما دفعت إليه، قال: اجلس؛ فجلست في أدنى الناس؛ فإذا طعام فيه خشونة طعامي، الذي معي أطيبُ منه فلما فرغ الناس من قصاعهم قال: يا يرفأ، ارفع قصاعك ثمّ أدبر؛ فاتبعته فدخل داراً، ثم دخل حجرة، فاستأذنت وسلمت، فأذن لي، فدخلت عليه فإذا هو جالس على مسح تكىء على وسادتين من أدم محشوّتين ليفاً؛ فنبذ إلى بإحدهما، فجلست عليها، وإذا بهو في صفة فيها بيت عليه ستير، فقال: يا أم كلثوم، غداءناّ فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: يا أم كلثوم، ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا؟ قالت: إني أسمع عندك حسن رجل، قال: نعم ولا أراه من أهل البلد - قال: فذلك حين عرفت أنه لم يعرفني - قالت: لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما مكسا ابن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته! قال: أو ما يكفيك أن يقال: أمّ مكلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر! فقال: مكل؛ فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا. قال: فأكلت قليلاً - وطعامي الذي معي أطيب منه - وأكل، فما رأيت أحداً أحسن أكلا منه ما يتلبّس طعامه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاءوا بعس من سلت فقال: أعط مالرجل، قال: فشربت قليلاُ، سويقي الذي معي أطيب منه، ثم أخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشعبنا ، وسقانا فأروانا. قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، وشرب فروى؛ حاجتي يا أمير المؤمنين! قال: وما حاجتك؟ قال: قلت: أنا رسول مسملة بن قيس، قال: مرحباً بسلمة بن قيس ورسوله، حدثني معن المهاجرين كيف هم؟ قال: قلت: هم يا أمير المؤمنين كما تحبّ من السلامة والظفر على عدوهم قال: كيف أسعارهم؟ قال: قلت: أرخص أسعار. قال: كيف اللحم فيهم فإنها مشجرة العرب ولا تصلح العرب إلا بشجرتها؟ قال: قلت: البقرة فيهم بكذا، والشاة فيهم بكذا يا مأمير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلو وسبينا الذرية، وجمعنا الرثة؛ فرأى سملة في الرثّة حلية، فقال للناس: إن هذا لا يبلغ فيكم شيئاً، فتطيب أنفسكم أن أبعث به إلى أمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم. فاستخرجت سفطي، فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب ثم جعل يده في خاصرته، ثم قال: لا أشعبع الله إذاً بطن عمر! قال: فظن النساء أني أريد أن أغتاله، فجئن إلى الستر، فقال: كف ما جئت به، يا يرفأ، جأ عنقه. قال: فأنا أصلح سفطي وهو يجأ عنقي! قلت: يا أمير المؤمنين أبدع بي فاحملني، قال: يا يرفأ أعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه. قلت: أفعل يا أمير المؤمنين، فقال: أما والله لئن تفرق المسلمون في مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك الفاقرة.
قال: فارتحلت حتى أتيت سملة، فقلت: ما بارك الله لي فيما اختصصتني به، اقسم هذا في الناس قبل أن تصيبني وإياك فاقرة، فقسمه فيهم، والفص يباع بخمسة دراهم وستة دراهم؛ وهو خير من عشرين ألفاً.
وأما السرى فإنه ذكر - فيما كتب به إلى يذكر عن شعيب، عن سيف، عن أبي جناب، عن سليمان بن بريدة - قال: لقيت رسول سلمة ابن قيس الأشجعي، قال: كان عمر بن الخطاب إذا اجتمع إليه جيش من العرب..... ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير عن جعفر بن عون؛ غير أنه قال في حديثه عن شعيب عن سيف: وأعطوهم ذمم أنفسكم. قال: فلقينا عدونا من الأكراد، فدعوناهم.
وقال أيضاً: وجمعنا الرثة، فوجد فيها سلمة حقتين جوهراً، فجعلها في سفط.
وقال أيضاً: أو ما كفاك أن يقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطاب! قالت: إنّ مذلك عني لقليل الغناء، قال: كل.
وقال أيضاً: فجاءوا بعس من سلت، كلما حركوه فار فوقه مما فيه؛ وإذا تركوه سكن. ثم قال: اشرب، فشربت قليلاً؛ شرابي الذي معي أطيب منه، فأخذ القدح فضرب به جبهته. ثم قال: إنك لضعيف الأكل، ضعيف الشرب.
وقال أيضاً: قلت: رسول سلمة، قال: مرحباً بسلمة وبرسوله؛ وكأنما خرجت من صلبه، حدثني عن المهاجرين.
وقال أيضاً: ثم قال: لا أشبع الله إذاً بطن عمر! قال: وظنّ النساء أني قد اغتلته، فكشفن الستر؛ وقال: يا يرفأ، جأ عنقه؛ فوجأ عنقي وأنا أصيح، وقال النّجاء؛ وأظنّك ستبطىء. وقال: أما والله الذي لا إليه غيره لئن تفرّق الناس إلى مشاتيهم... وسائر الحديث نحو حديث عبد الله بن كثير.
وحدّثنا الرّبيع بن سليمان، قال: حدّثنا أسد بن موسى، قال: حدّثنا شهاب بن خراش الحوشبيّ، قال: حدّثنا الحجاج بن دينار، عن منصور ابن المعتمر، عن شقيق بن سلمة الأسديّ، قال: حدّثنا الذي جرى بين عمر بن الخطاب وسلمة بن قيس، قال: ندب عمر بن الخطاب الناس إلى سلمة بن قيس الأشجعيّ بالحيرة، فقال: انطلقوا باسم الله... صم ذكر نحو حديث عبد الله بن كثير، عن جعفر.
قال أبو جعفر: وحجّ عمر بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم في هذه السنة؛ وهي آخر حجّة حجّها بالناس؛ حدّثني بذلك الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، عن الواقديّ.
ذكر الخبر عن وفاة عمر
وفي هذه السنة كانت وفاته
ذكر الخبر عن مقتله حدّثني سلم بن جنادة، قال: حدّثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدّثنا أبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة. - وكانت أمّه عاتكة بنت عوف - قال: خرج عمر بن الخطاب يوماً يطوف في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة؛ وكان نصرانيّاً، فقال: يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة؛ فإنّ عليّ خراجاً كثيراً، قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان في كلّ يوم، قال: وأيشٍ صناعتك؟ قال: نجّار، نقّاش، حدّاد، قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال؛ قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحاً تطحن بالريح فعلت، قال: نعم؛ قال: فاعمل لي رحاً، قال: لئن سلمت لأعملنّ لك رحاً يتحدّث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه؛ فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد توعّدني العبد آنفاً! قال: ثمّ انصرف عمر إلى منزله؛ فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنك ميّت في ثلاثة أيام؛ قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عزّ وجلّ التوراة، قال عمر: آلله إنك لتجد عمر ابن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهمّ لا؛ ولكني أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فني أجلك - قال: وعمر لا يحسّ وجعاً ولا ألماً - فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يومان وبقي يوم وليلة؛ وهي لك إلى صبيحتها. قال: فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة؛ وكان يوكّل بالصّفوف رجالا؛ فإذا استوت جاء هو فكبّر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس، في يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ستّ ضربات، إحداهنّ تحت سرّته؛ وهي التي قتلته؛ وقتل معه كليب ابن أبي البكير الليثيّ - وكان خلفه - فلما وجد عمر حرّ السلاح سقط، وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، هو ذا؛ قال: تقدّم فصلّ بالناس، قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف، وعمر طريح، ثم احتمل فأدخل داره، فدعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: إني أريد أن أعهد إليك؛ فقال: يا أمير المؤمنين نعم؛ إن أشرت عليّ قبلت منك؛ قال: وما تريد؟ قال: أنشدك الله؛ أتشير عليّ بذلك؟ قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل فيه أبداً، قال: فهب لي صمتاً حتى أعهد إلى النّفر الذين توفّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض. ادع لي عليّاً وعثمان والزبير وسعداً. قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثاً فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم؛ أنشدك الله يا عليّ إن وليت من أمور الناس شيئاً أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس؛ أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئاً أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس؛ أنشك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئاً أن تحمل أقاربك على رقاب الناس؛ قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم؛ وليصلّ بالناس صهيب.
ثم دعا أبا طلحة الأنصاريّ، فقال: قم على بابهم؛ فلا تدع أحداً يدخل إليهم؛ وأوصى الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، أن يحسن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم؛ وأوصى الخليفة من بعدي بالعرب؛ فإنها مادّة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فيوضع في فقرائهم، وأوصى الخليفة من بعدي بذمّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلّغت! تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة؛ يا عبد الله بن عمر اخرج فانظر من قتلني؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة؛ يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي صلى الله عليه وسلّم وأبي بكر، يا عبد الله بن عمر، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر؛ وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتّبع اعلحزب الذي فيه عبد الرحمن؛ يا عبد الله ائذن للناس، قال: فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ويقول لهم: أعن ملأ منكم كان هذا؟ فيقولون: معاذ الله! قال: ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:
فأوعدني كعب ثلاثاً أعدّها ... ولا شكّ أن القول ما قال لي كعب
وما بي حذار الموت إنّي لميّت ... ولكن حذار الذّنب يتبعه الذّنب
قال: فقيل له: يا أمير المؤمنين لو دعوت الطبيب! قال: فدعى طبيب من بني الحارث بن كعب، فسقاه نبيذاً فخرج النبيذ مشكّلاً، قال: فاسقوه لبناً، قال: فخرج اللبن محضاً، فقيل له: يا أمير المؤمنين، اعههد، قال: قد فرغت.
قال: ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين. قال: فخرجوا به بكرة يوم الأربعاء، فدفن في بيت عائشة مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم وأبي بكر. قال: وتقدّم صهيب فصلّى عليه، وتقدّم قبل ذلك رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم: عليّ وعثمان، قال: فتقدّم واحد من عند رأسه، والآخر من عند رجليه؛ فقال عبد الرحمن: لا إله إلا الله؛ ما أحرصكما على الإمرة! أما علمتما أنّ أمير المؤمنين قال: ليصلّ بالناس صهيب! فتقدّم صهيب فصلّى عليه. قال: ونزل في قبره الخمسة.
قال أبو جعفر: وقد قيل إن وفاته كانت في غرّة المحرّم سنة أربع وعشرين.
ذكر من قال ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه قال: طعن عمر رضي الله تعالى عنه يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرّم سنة أربع وعشرين؛ فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين ليلة، من متوفّى أبي بكر، على رأس اثنتين وعشرين سنة وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً من الهجرة. وبويع لعثمان بن عفان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم.
قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنسيّ، فقال: ما أراك إلا وهلت؛ توفّيَ عمر رضي الله تعالى عنه لأربع ليال بقين من ذي الحجة، وبويع لعثمان بن عفّان لليلة بقيت من ذي الحجّة، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين.
وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجّة تمام سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام؛ ثم بويع عثمان بن عفان.
قال أبو جعفر: وأما المدائنيّ، فإنه قال فيما حدّثني عمر عنه، عن شريك، عن الأعمش - أو عن جابر الجعفيّ - عن عوف بن مالك الأشجعيّ وعامر بن أبي محمد، عن أشياخ من قومه؛ وعثمان بن عبد الرحمن، عن ابني شهاب الزّهريّ، قالوا: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة. قال: وقال غيرهم: لستّ بقين من ذي الحجة.
وأما سيف، فإنه قال فيما كتب إليّ به السريبّ يذكر أن شعيباً حدّثه عنه، عن خليد بن ذفرة ومجالد، قال: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلّى بالناس العصر؛ وزاد: ووفّد فاستنّ به.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان؛ لثلاث مضين من المحرّم؛ وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلّى بالناس، وزاد الناس مائة؛ ووفّد أهل الأمصار، وصنع فيهم. وهو أوّل من صنع ذلك.
وحدّثت عن هشام بن محمد، قال: قتل عمر لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام.
ذكر نسب عمر رضي الله عنه حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق. وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر وهشام ابن محمد. وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قالوا جميعاً في نسب عمر: هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ. وكنيته أبو حفص، وأمّه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
تسميته بالفاروق قال أبو جعفر: وكان يقال له الفاروق.
وقد اختلف السلف فيمن سمّاه بذلك، فقال بعضهم: سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا أبو حزرة يعقوب بن مجاهد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عمرو ذكوان، قال: قلت لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النبيّ صلى الله عليه وسلّم.
وقال بعضهم: أوّل من سمّاه بهذا الاسم أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك: حدّثنا الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال: قال ابن شهاب: بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر: الفاروق؛ وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم؛ ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذكر من ذلك شيئاً.
ذكر صفته حدّثنا هنّاد بن السّريّ، قال: حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن أبي النّجود، عن زرّ بن حبيش، قال: خرج عمر في يوم عيد - أو في جنازة زينب - آدم طوالاً أصلع أعمر يسراً، يمشي كأنه راكب.
حدّثنا هنّاد؛ قال: حدّثنا شريك، عن عاصم، عن زرّ، قال: رأيت عمر يأتي العيد ماشياً حافياً أعمر أيسر متلبّباً برداً قطريّاً، مشرفاً على الناس كأنه على دابّة؛ وهو يقول: أيّها الناس؛ هاجروا ولا تهجّروا.
وحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد؛ قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عمر رجلاً أبيض أمهق، تعلوه حمرة، طوالاً أصلع.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا شعيب بن طلحة، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت ابن عمر يصف عمر يقول: رجل أبيض، تعلوه حمرة، طوال، أشيب، أصلع.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: أخبرنا خالد بن أبي بكر، قال: كان عمر يصفّر لحيته، ويرجّل رأسه بالحنّاء.
ذكر مولده ومبلغ عمره حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: ولدت قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين.
قال أبو جعفر: واختلف السلف في مبلغ سني عمر، فقال بعضهم: كان يوم قتل ابن خمس وخمسين سنة.
ذكر بعض من قال ذلك: حدّثني زيد بن أخزم الطائي، قال: حدّثنا أبو قتيبة، عن جرير ابن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قتل عمر بن الخطّاب وهو ابن خمس وخمسين سنة.
وحدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدّثنا نعيم ابن حمّاد، قال: حدّثنا الدراورديّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفي عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة.
وحدّثت عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أنّ عمر توفي على رأس خمس وخمسين سنة.
وقال آخرون: كان يوم توفّي ابن ثلاث وخمسين سنة وأشهر.
ذكر من قال ذلك: حدّثت بذلك عن هشام بن محمد بن الكلبيّ.
وقال آخرون توفّي وهو ابن ثلاث وستين سنة.
ذكر من قال ذلك:
حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عامر، قال: مات عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال آخرون: توفّي وهو ابن إحدى وستين سنة.
ذكر من قال ذلك: حدّثت بذلك، عن أبي سلمة التّبوذكيّ، عن أبي هلال، عن قتادة.
وقال آخرون: توفيّ وهو ابن ستّين سنة.
ذكر من قال ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: توفّي عمر وهو ابن ستين سنة.
قال محمد بن عمر: وهذا أثبت الأقاويل عندنا؛ وذكر عن المدائنيّ أنه قال: توفّي عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة.
ذكر أسماء ولده ونسائه حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة، عن عليّ بن محمد والحارث، عن محمد بن سعد؛ عن محمد بن عمر. وحدّثت عن هشام بن محمد - اجتمعت معاني أقوالهم، واختلفت الألفاظ بها - قالوا: تزوّج عمر في الجاهلية زينب ابنة مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة.
وقال عليّ بن محمد: وتزوّج مليكة ابنة جرول الخزاعيّ في الجاهليّة، فولدت له عبيد الله بن عمر، ففارقها في الهدنة، فخلف عليها بعد عمر أبو الجهم بن حذيفة.
وأما محمّد بن عمر، فإنه قال: زيد لأصغر وعبيد الله الذي قتل يوم صفّين مع معاوية، أمّهما أمّ كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشيّة بن سلول بن كعب ابن عمرو بن خزاعة؛ وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر.
قال عليّ بن محمد: وتزوّج قريبة ابنة أبي أميّة المخزوميّ في الجاهليّة، ففارقها أيضاً في الهدنة، فتزوّجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
قالوا: وتزوّج أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في الإسلام؛ فولدت له فاطمة فطلّقها. قال المدائنيّ: وقد قيل: لم يطلقها.
وتزوج جميلة أخت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن ضبيعة بن زيد بن الأوس من الأنصار في الإسلام - فولدت له عاصماً، فطلّقها وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب؛ وأمّها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأصدقها - فيما قيل - أربعين ألفاً، فولدت له زيداً ورقيّة.
وتزوّج لهيّة، امرأة من اليمن، فولدت له عبد الرحمن. قال المدائنيّ: ولدت له عبد الرحمن الأصغر. قال: ويقال كانت أمّ ولد. قال الواقديّ: لُهيّة هذه أم ولد. وقال أيضاً: ولدت له لهيّة عبد الرحمن الأوسط. وقال: عبد الرّحمن الأصغر أمه أمّ ولد.
وكانت عنده فكيهة، وهي أمّ ولد وفي أقوالهم فولدت له زينب. وقال الواقديّ: هي أصغر ولد عمر.
وتزوّج عاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل؛ وكانت قبله عند عبد الله ابن أبي بكر؛ فلمّا مات عمر تزوّجها الزبير بن العوّام.
قال المدائنيّ: وخطب أمّ كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك، فقالت أمّ كلثوم: لا حاجة لي فيه؛ فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين! قالت: نعم؛ إنه خشن العيش، شديد على النساء؛ فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك؛ فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين؛ بلغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبت أمّ كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم؛ أفرغبت بي عنها، أم رغبت بها عني؟ قال: لا واحدة؛ ولكنها حدثة نشأت تحت كنف أمّ المؤمنين في لين ورفق؛ وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما ننقدر أن نردّك عن خلق من أخلاقك؛ فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوت بها! كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحقّ عليك. قال: فكيف بعائشة وقد كلّمتها؟ قال: أنا لك بها؛ وأدلّك على خير منها، أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، تعلق منها بسبٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
قال المدائنيّ: وخطب أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة، فكرهته، وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابساً، ويخرج عابساً.
ذكر وقت إسلامه قال أبو جعفر: ذكر أنه أسلم بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى وعشرين امرأة.
ذكر من قال ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله، عن أبيه، قال: ذكرت له حديث عمر، فقال: أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صعير، قال: أسسلم عمر بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى وعشرين امرأة.
ذكر بعض سيره حدّثني أبو السائب، قال: حدّثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن حصين المرّيّ، قال: قالعمر: نما مثل العرب مثل جمل أنفٍ اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقوده؛ فأمّا أنا فوربّ الكعبة لأحملنّهم على الطريق.
وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: إذا كنت في منزلة تسعني وتعجز عن الناس فوالله ما تلك لي بمنزلة حتى أكون أسوةً للناس.
حدّثنا خلاّد بن أسلم، قال: حدّثنا النّضر بن شميل، قال: أخبرنا قطن، قال: حدّثنا أبو يزيد المدينيّ، قال: حدّثنا مولىً لعثمان ابن عفان، قال: كنت رديفاً لعثمان بن عفان؛ حتى أتى على حظيرة الصدقة في يوم شديد الحرّ شديد السّموم؛ فإذا رجل عليه إزار ورداء، قد لفّ رأسه برداء يطرد الإبل يدخلها الحظيرة؛ حظيرة إبل الصدقة؛ فقال عثمان: من ترى هذا؟ قال: فانتهينا إليه؛ فإذا هو عمر بن الخطاب، فقال: هذا والله القويّ الأمين.
حدّثني جعفر بن محمد الكوفيّ وعباس بن أبي طالب؛ قالا: حدّثنا أبو زكرياء يحيى بن مصعب الكلبيّ، قال: حدّثنا عمر بن نافع، عن أبي بكر العبسيّ، قال: دخلت حير الصّدقة مع عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظلّ يكتب، وقام على رأسه يملّ عليه ما يقول عمر، وعمر في الشمس قائم في يوم حارّ شديد الحرّ، عليه بردان أسودان؛ متّزراً بواحد، وقد لفّ على رأسه آخر، يعدّ إبل الصدقة، يكتب ألوانها وأسنانها، فقال عليّ لعثمان - وسمعته يقول: نعت بنت شعيب في كتاب الله: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين " ، ثم أشار عليّ بيده إلى عمر، فقال: هذا القويّ الأمين! حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل، عن يونس، عن الحسن، قال: قال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرنّ في الرعيّة حولاً، فإني أعلم أنّ للناس حوائج تقطع دوني؛ أما عمّالهم فلا يرفعونها إليّ؛ وأمّا هم فلا يصلون إليّ، فأسير إلى الشأم، فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، والله لنعم الحول هذا! حدثنى محمد بن عوف، قال: حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال حدثنى أبو المخارق زهير ابن سالم، أنّ كعب الأحبار، قال: نزلت على رجل يقال له مالك - وكان جاراً لعمر بن الخطاب - فقلت له: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟ فقال: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يقعد فيكلمه من شاء.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال حدثنا سفيان، عن يحيى، قال أخبرني سالم، عن أسلم، قال: بعثني عمر بإبل من إبل الصدقة إلى الحمى، فوضعت جهازي على ناقة منها؛ فلما أردت أن أصدرها، قال: اعرضها عليّ، فعرضتها عليه، فرآى متاعي على ناقة منها حسناء، فقال: لا أم لك! عمدت إلى ناقة تغني أهل بيت المسلمين! فهلاّ ابن لبون بوّالاً، أو ناقةً شصوصاً! حدثنى عمر بن إسماعيل بن مجالد الهمدانى، قال: حدثنا أبو معاوية عن أبى حيان، عن أبى الزنباع، عن أبى الدهقانة، قال: قيل لعمر بن الخطاب: إن ها هنا رجلاً من أهل الأنبار له بصر بالديوان؛ لو اتخذته كاتباً؟! فقال عمر: لقد اتخذت إذاً بطانةً من دون المؤمنين! حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن جدّه، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه خطب الناس، فقال: والذى بعث محمداً بالحق؛ لو أنّ جملا هلك ضياعاً بشطّ الفرات خشيت أن يسأل الله آل الخطاب. قال أبو زيد: آل الخطاب يعنى نفسه، مايعنى غيرها.
حدثنا ابن المثنى، قال حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي عمران الجونيّ، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائجهم؛ فأكرم من قبلك من وجوه الناس، وبحسب المسلم الضعيف من العدل؛ أن ينصف فى الحكم وفى القسم.
وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت مطرّفاً عن الشعبي، قال: أتى أعرابيّ عمر، فقال: إن ببعيري نقباً ودبراً فاحملني؛ فقال له عمر، ما ببعيرك نقب ولا دبر، قال: فولى وهو يقول:
أقسم بالّله أبو حفص عمر ... ما مسّها من نقبٍ ولا دبرٍ
فاغفر له اللهم إن كان فجر
فقال: اللهم اغفر لي! ثم دعا الأعرابيّ فحمله.
وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرنا أيّوب، عن محمد، قال: نبّئت أن رجلاً كان بينه وبين عمر قرابة، فسأله فزبره، وأخرجه فكلم فيه، فقيل: يا أمير المؤمنين؛ فلان سألك فزبرته وأخرجته، فقال: إنه سألني من مال اللّه؛ فما معذرتي إن لقيته ملكاً خائناً! فلولا سألني من مالى! قال: فأرسل إليه بعشرة آلاف. وكان عمر رحمه الله إذا بعث عاملاً له على عمل يقول - ما حدّثنا به محمد بن المثّنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا شعبة، عن يحيي بن حضين، سمع طارق بن شهاب يقول: قال عمر فى عماله: اللهم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم، ولا ليضربوا أبشارهم، من ظلمه أميره فلا إمرة عليه دوني.
وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة؛ أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس يوم الجمعة، فقال: اللهمّ إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنّة نبيّهم؛ وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا؛ فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ.
وحدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: سمعت أبا حصين، قال: كان عمر إذا استعمل العمّال خرج معهم يشيّعهم فيقول: إنّي لم أستعملكم على أمة محمد صلى الله عليه وسلّم على أشعارهم، ولا على أبشارهم؛ إنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل؛ وإنّي لم أسلّطكم على أبشارهم ولا على أشعارهم؛ ولا تجلدوا العرب فتذلّوها، ولا تجمّروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها؛ جرّدوا القرآن، وألقّوا الرواية عن محمّد صلى الله عليه وسلّم؛ وأنا شريككم. وكان يقتصّ من عمّاله، وإذا شكي إليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه؛ فإن صحّ عليه أمرٌ يجب أخذه به أخذه به.
وحدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا سعيد الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر ابن الخطاب، فقال: يا أيها الناس؛ إني والله ما أرسل إليكم عمّالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم؛ ولكني أرسلهم إليكم ليعلّموكم دينكم وسنّتكم؛ فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إليّ؛ فوالذي نفس عمر بيده لأقصنّه منه. فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيّة، فأدّب بعض رعيّته، إنك لتقصّه منه! قال: إي والذي نفس عمر بيده إذاً لأقصّنّه منه، وكيف لا أقصّه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقصّ من نفسه! ألا لا تضربوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تجمّروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيّعوهم.
وكان عمر رضي الله عنه - فيما ذكر عنه - يعسّ بنفسه، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقّد أ؛والهم بيديه.
ذكر الخبر الوارد عنه بذلك: حدّثنا ابن بشّار، قال: حدّثنا أبو عامر، قال: حدّثنا قرّة بن خالد، عن بكر بن عبد الله المزنيّ، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى باب عبد الرحمن بن عوف فضربه، فجاءت المرأة ففتحته؛ ثم قالت له: لا تدخل حتى أدخل البيت وأجلس مجلسي، فلم يدخل حتى جلست، ثم قالت: ادخل، فدخل، ثم قال: هل من شيء؟ فأتته بطعام فأكل، وعبد الرحمن قائم يصلّي، فقال له: تجوّز أيّها الرجل؛ فسلم عبد الرحمن حينئذ، ثم أقبل عليه، فقال: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ قال: رفقة نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سرّاق المدينة، فانطلق فلنحرسهم؛ فانطلقا فأتيا السوق، فقعدا على نشزٍ من الأرض يتحدّثان، فرفع لهما مصباح، فقال عمر: ألم أنه عن المصابيح بعد النوم! فانطلقا، فإذا هم قوم على شراب لهم، فقال: انطلق فقد عرفته؛ فلما أصبح أرسل إليه فقال: يا فلان، كنت وأصحابك البارحة على شراب؟ قال: وما علمك يا أمير المؤمنين؟ قال: شيء شهدته؛ فقال: أو لم ينهك الله عن التجسّس! قال: فتجاوز عنه.
قال بكر بن عبد الله المزنيّ: وإنّما نهى عمر عن المصابيح، لأن الفأرة تأخذ الفتيلة فترمي بها في سقف البيت فيحترق، وكان إذ ذاك سقف البيت من الجريد.
وحدّثني أحمد بن حرب، قال: حدّثنا مصعب بن عبد الله الزبيريّ، قال: حدّثني أبي، عن ربيعة بن عثمان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رحمه الله إلى حرّة واقم، حتى إذا كنا بصرار؛ إذا نار تؤرّث؛ فقال: يا أسلم؛ إني أرى هؤلاء ركباً قصّر بهم الليل والبرد؛ انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا امرأة معها صبيان لها، وقدر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون؛ فقال عمر: السّلام عليكم يا أصحاب الضّوء - وكره أن يقول: يا أصحاب النار - قالت: وعليك السلام؛ قال: أأدنو؟ قالت: ادن بخير أو دع؛ فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصّر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: وأيّ شيء في هذه القدر؟ قالت: ماء أسكّتهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر! قال: أيْ رحمك الله، ما يدري عمر بكم! قالت: يتولّى أمرنا ويغفل عنّا! فأقبل عليّ، فقال: انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول؛ حتى أتينا دار الدقيق؛ فأخرج عدلاً فيه كبّة شحم؛ فقال: احمله عليّ، فقلت: أنا أحمله عنك، قال: احمله عليّ؛ مرتين أو ثلاثاً، كلّ ذلك أقول: أنا أحمله عنك؛ فقال لي في آخر ذلك: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة، لا أمّ لك! فحمّلته عليه؛ فانطلق وانطلقت معه نهرول، حتى انتهينا إليها، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذرّي عليّ، وأنا أحرّك لك؛ وجعل ينفخ تحت القدر - وكان ذا لحية عظيمة - فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج وأدم القدر ثم أنزلها، وقال: ابغني شيئاً، فأتته بصحفة فأفرغها فيها، ثمّ جعل يقول: أطعميهم، وأنا أسطّح لك؛ فلم يزل حتى شبعوا، ثم خلّى عندها فضل ذلك، وقام وقمتت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً! أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين! فيقول: قولي خيراً، إنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاشء الله. ثم تنحى ناحية عنها؛ ثم استقبلها وربض مربض السّبع، فجعلت أقول له: إنّ لك شأناً غير هذا، وهو لا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ويضحكون ثم ناموا وهدءوا، فقام وهو يحمد الله، ثم أقبل عليّ فقال: يا أسلم؛ إنّ الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألاّ أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم.
وكان عمر إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم بدأ بأهله، وتقدّم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره كالذي حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر بالمدينة، عن سالم، قال: كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنّ الناس ينظرون إليكم نظر الطير - يعني إلى اللحم - وأقسم بالله لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة.
قال أبو جعفر: وكان رضي الله عنه شديداً على أهل الرّيب، وفي حقّ الله صليباً حتى يستخرجه، وليّناً سهلا فيما يلزمه حتى يؤدّيه، وبالضعيف رحيماً رءوفاً. حدّثني عبيد الله بن سعيد الزّهريّ، قال: حدّثنا عمّي، قال: حدّثنا أبي، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عجلان، أنّ زيد بن أسلم حدّثه عن أبيه، أنّ نفراً من المسلمين كلّموا عبد الرحمن بن عوف، فقالوا: كلّم عمر بن الخطاب؛ فإنه قد أخشانا حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا. قال: فذكر ذلك عبد الرحمن بن عوف لعمر، فقال: أوقد قالوا ذلك! فوالله لقد لنت لهم حتى تخوّفت الله في ذلك؛ ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، وايم الله لأنا أشدّ منهم فرقاً منهم منّي! وحدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: استعمل عمر رجلاً على مصر، فبينا عمر يوماً مارّ في طريق من طرق المدينة إذ سمع رجلاً وهو يقول: الله يا عمر! تستعمل من يخون وتقول: ليس عليّ شيشء، وعاملك يفعل كذا! قال: فأرسل إليه، فلما جاءه أعطاه عصاً وجبّة صوف وغنماً، فقال: ارعها - واسمه عياض بن غنم - فإن أباك كان راعياً، قال: ثم دعاه، فذكر كلاماً، فقال: إن أنا رددتك! فردّه إلى عمله، وقال: لي عليك ألاّ تلبس رقيقاً، ولا تركب برذوناً!
حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن الوليد، عن عاصم، عن ابن خزيمة بن ثابت الأنصاريّ، قال: كان عمر إذا استعمل عاملاً كتب له عهداً، وأشهد عليه رهطاً من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألاّ يركب برذوناً، ولا يأكل نقيّاً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يتخذ باباً دون حاجات الناس.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، عن سلاّم بن مسكين، قال: حدّثنا عمران، أنّ عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه؛ قال: فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه.
وعن أبي عامر العقديّ، قال: حدّثنا عيسى بن حفص، قال: حدّثني رجل من بني سلمة، عن ابن البراء بن معرور أن عمر رضي الله عنه خرج يوماً حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكّة، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلاّ فهي عليّ حرام.
تسمية عمر رضي الله عنه أمير المؤمنين قال أبو جعفر: أوّل من دعي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ ثم جرت بذلك السنّة، واستعمله الخلفاء إلى اليوم.
ذكر الخبر بذلك: حدّثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاريّ، قال: حدّثتني أمّ عمرو بنت حسّان الكوفيّة، عن أبيها، قال: لما ولي عمر قيل: يا خليفة خليفة رسول الله، فقال عمر رضي الله عنه: هذا أمر يطول، كلّما جاء خليفة قالوا: يا خليفة خليفة خليفة رسول الله! بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم؛ فسمّيَ أمير المؤمنين.
قال أحمد بن عبد الصمد: سألتها كم أتى عليك من السنين؟ قالت: مائة وثلاث وثلاثون سنة.
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا يحيى بن واضح، قال: حدّثنا أبو حمزة، عن جابر، قال: قال رجل لعمر بن الخطاب: يا خليفة الله، قال: خالف الله بك! فقال: جعلني الله فداءك! قال: إذاً يهينك الله! وضعه التأريخ قال أبو جعفر: وكان أوّل من وضع التأريخ وكتبه - فيما حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر - في سنة ستّ عشرة في شهر ربيع الأول منها، وقد مضى ذكري سبب كتابه ذلك؛ وكيف كان الأمر فيه.
وعمر رضي الله عنه أوّل من أرّخ الكتب، وختم بالطين. وهو أوّل من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التراويح في شهر رمضان، وكتب بذلك إلى البلدان، وأمرهم به، وذلك - فيما حدّثني به الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر - في سنة أربع عشرة، وجعل للناس قارئين: قارئاً يصلّي بالرجال وقارئاً يصلّي بالنساء.
حمله الدّرّة وتدوينه الدواوين وهو أوّل من حمل الدّرّة، وضرب بها؛ وهو أوّل من دوّن للناس في الإسلام الدواوين، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم العطاء.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عائذ بن يحيى، عن أبي الحويرث، عن جبير بن الحويرث بن نقيد، أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له عليّ بن أبي طالب: تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال، فلا تمسك منه شيئاً. وقال عثمان بن عفان: أرى مالاً كثيراً يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشأم، فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديواناً، وجنّدوا جنداً، فدوّن ديواناً، وجند جنداً. فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نسّاب قريش - فقال: اكتبوا الناس على منازلهم؛ فكتبوا فبدءوا ببني هاشم؛ ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة؛ فلما نظر فيه عمر قال: لوددت والله أنه هكذا؛ ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.
حدّثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين عرض عليه الكتاب، وبنو تيم على أثر بني هاشم وبنو عديّ على أثر بني تيم، فأسمعه يقول: ضعوا عمر موضعه، وابدءوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، فجاءت بنو عديّ إلى عمر، فقالوا: أنت خليفة رسول الله، قال: أو خليفة أبي بكر، وأبو بكر خليفة رسول الله، قالوا: وذاك، فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم! قال: بخ بخ بني عديّ! أردتم الأكل على ظهري؛ وأن أذهب حسناتي لكم! لا والله حتى تأتيكم الدعوة، وإن أطبق عليكم الدّفتر ولو أ، تكتبوا في آخر الناس؛ إن لي صاحبين سلكا طريقاً، فإن خالفتهما خولف بي؛ والله ما أدركنا الفضل في الدنيا، ولا نرجو ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عملنا إلاّ بمحمّد صلى الله عليه وسلّم؛ فهو شرفنا، وقومه أشرف العرب، ثم الأقرب فالأقرب؛ إن العرب شرفت برسول الله، ولعلّ بعضها يلقاه إلى آباء كثيرة، وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء كثيرة، وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء يسيرة؛ مع ذلك والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال، وجئنا بغير عمل، فهم أولى بمحمّد منّا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى قرابة، وليعمل لما عند الله، فإنّ من قصّر به عمله لم يسرع به نسبه.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني حزام بن هشام الكعبيّ، عن أبيه، قال: رأيت عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحمل ديوان خزاعة حتى ينزل قديداً، فنأتيه بقديد، فلا يغيب عنه ارمأة بكر ولا ثيّب، فيعطيهنّ في أيديهنّ، ثم يروح فينزل عسفان، فيفعل مثل ذلك أيضاً حتى توفّيَ.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر الزهريّ وعبد الملك بن سليمان، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عمر ابن الخطاب، يقول: والله الذي لا إله إلا هو؛ ثلاثاً؛ ما من أحد إلاّ له في هذا المال حقّ أعطيه أو منعه؛ وما أحد أحقّ به من أحد إلاّ عبد مملوك؛ وما أ،ا فيه إلاّ كأحدهم؛ ولكنّا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرّجل وقدمه في الإسلام، والرّجل وغناؤه في الإسلام، والرّجل وحاجته؛ والله لئن بقيت ليأتينّ الراعي بجبل صنعاء حظّه من هذا المال وهو مكانه.
قال إسماعيل بن محمد: فذكرت ذلك لأبي، فعرف الحديث.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: رأيت خيلاً عند عمر بن الخطاب موسومة في أفخاذها: حبيس فس سبيل الله.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب؛ عن زاذان، عن سلمان؛ أنّ عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقلّ أو أكثر؛ ثمّ وضعته في غير حقه؛ فأنت ملك غير خليفة؛ فاستعبر عمر.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد، قال: حدّثني نافع مولى آل الزبير، قال: سمعت أبا هريرة يقول: يرحم الله ابن حنتمة! لقد رأيته عام الرّمادة؛ وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكّة زيت في يده؛ وإنه ليعتقب هو وأسلم؛ فلمّا رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريباً؛ فأخذت أعقبه؛ فحملناه حتى انتهينا إلى صرار؛ فإذا صرم نحو من عشرين بيتاً من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد؛ وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويّاً كانوا يأكلونه، ورمّة العظام مسحوقة كانوا يستفّونها؛ فرأيت عمر طرح رداءه، ثم اتّزر، فمازال يطبخ لهم حتى شبعوا، فأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبّانة، ثم كساهم. وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرني موسى بن يعقوب، عن عمه، عن هشام بن خالد، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: لا تذرّنّ إحداكنّ الدقيق حتى يسخن الماء ثم تذرّه قليلاً قليلا، وتسوطه بمسوطها، فإنه أريع له؛ وأحرى ألاّ يتقرّد.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن مصعب القرقسانيّ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن راشد بن سعد؛ أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتي بمال؛ فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس؛ حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدّرّة، وفال: إنّك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض؛ فأحببت أن أعلمك أنّ سلطان الله لن يهابك.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثنا عمر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبيه، قال: قالت الشّفا ابنة عبد الله - ورأيت فتياناً يقصدون في المشي، ويتكلّمون رويداً، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نسّاك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، هو والله النّاسك حقاً.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: حدّثنا عبد الله ابن عامر، قال: أعان عمر رجلاً على حمل شيء، فدعا له الرجل، وقال: نفعك بنوك يا أمير المؤمنين! فقال: بل أغناني الله عنهم.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، عن عمر بن مجاشع. قال: قال عمر بن الخطاب: القوّة في العمل ألاّ تؤخّر عمل اليوم لغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية؛ واتّقوا الله عزّ وجلّ، فإنما التقوى بالتّوقّي، ومن يتّق الله يقه.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن عوانة، عن الشعبيّ - وغير عوانة زاد أحدهما على الآخر - أنّ عمر رضي الله تعالى عنه كان يطوف في الأسواق، ويقرأ القرآن، ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن محمد بن صالح، أنه سمع موسى بن عقبة يحدّث أنّ رهطاً أتوا عمر، فقالوا: كثر العيال، واشتدّت المؤونة، فزدنا في أعطياتنا، قال: فعلتموها، جمعتم بين الضرائر، واتّخذتم الخدم في مال الله عزّ وجلّ! أما والله لوددت أني وإيّاكم في سفينة في لجّة البحر، تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم؛ فإن استقام اتّبعوه، وإن جنف قتلوه، فقال طلحة: وما عليك لو قلت: إن تعوّج عزلوه! فقال: لا، القتل أنكل لمن بعده؛ احذروا فتى قريش وابن كريمها الذي لا ينام إلاّ على الرضا، ويضحك عند الغضب؛ وهو يتناول من فوقه ومن تحته.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن عبد الله بن داود الواسطيّ، عن زيد بن أسلم، قال: قال عمر: كنا نعدّ المقرض بخيلاً، إنما كانت المواساة.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن ابن دأب، عن أبي معبد الأسلميّ، عن ابن عباس، أنّ عمر قال لناس من قريش: بلغني أنكم تتّخذون مجالس؛ لا يجلس اثنان معاً حتى يقال: من صحابة فلان؟ من جلساء فلان؟ حتى تحوميت المجالس؛ وايم الله إنّ هذا لسريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم؛ ولكأني بمن يأتي بعدكم يقول: هذا رأي فلان، قد قسموا الإسلام أقساماً؛ أفيضوا مجالسكم بينكم، وتجالسوا معاً؛ فإنّه أدوم لألفتكم، وأهيب لكم في الناس. اللهمّ ملّوني ومللتهم، وأحسست من نفسي وأحسّوا مني؛ ولا أدري بأيّنا يكون الكون، وقد أعلم أن لهم قبيلاً منهم؛ فاقبضني إليك.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد، عن أبيه، قال: اتّخذ عبد الله بن أبي ربيعة أفراساً بالمدينة، فمنعه عمر بن الخطاب، فكلّموه في أن يأذن له، قال: لا آذن له، إلاّ أن يجيء بعلفها من غير المدينة. فارتبط أفراساً، وكان يحمل إليها علفاً من أرض له باليمن.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدّثنا أبو إسماعيل الهمدانيّ، عن مجالد، قال: بلغني أنّ قوماً ذكروا لعمر بن الخطاب رجلاً؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ فاضل لا يعرف من الشرّ شيئاً، قال: ذاك أوقع له فيه! ذكر بعض خطبه رضي الله تعالى عنه
حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ، عن أبي معشر، عن ابن المنكدر وغيره، وأبي معاذ الأنصاريّ عن الزّهريّ، ويزيد بن عياض عن عبد الله ابن أبي بكر، وعليّ بن مجاهد عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عياض، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أنّ عمر رضي الله تعالى عنه خطب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكّر الناس بالله عزّ وجلّ واليوم الآخر، ثم قال: يأيّها الناس؛ إني قد ولّيت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدّكم استضلاعاً بما ينوب من مهمّ أموركم، ما تولّيت ذلك منكم؛ ولكفيَ عمر مهماً محزناً انتظار موافقة الحساب بأخذ حقوقكم كيف آخذها، ووضعها أين أضعها؛ وبالسير فيكم كيف أسير! فربّي المستعان؛ فإنّ عمر أصبح لا يثق بقوّة ولا حيلة إن لم يتداركه الله عزّ وجلّ برحمته وعونه وتأييده.
ثم خطب فقال: إن الله عزّ وجلّ قد ولاّني أمركم، وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم؛ وإني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده، كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به؛ وإنّي امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إلا ما أعان الله عزّ وجلّ، ولن يغيّر الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئاً إن شاء الله؛ إنما العظمة لله عزّ وجلّ، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولنّ أحد منكم: إنّ عمر تغيّرمنذ ولي. أعقل الحق من نفسي وأتقدم؛ وأبيّن لكم أمري؛ فأيّما رجل كانت له حاجة أو ظليم مظلمة، أو عتب علينا في في خلق؛ فليؤذنّي، فإنّما أ،ا رجل منكم؛ فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم؛ وأعطوا الحقّ من أنفسكم؛ ولا يحمل بعضكم بعضاً على أن تحاكموا إليّ؛ فإنّه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة؛ وأنا حبيب إليّ صلاحكم، عزيز عليّ عتبكم. وأنتم أناس عامّتكم حضر في بلاد الله؛ وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلاّ ما جاء الله به إليه.
وإنّ الله عزّوجلّ قد وعدكم كرامة الله كثيرة، وأنا مسئول عن أمانتي وما أ،ا فيه؛ ومطّلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله؛ لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلاّ بالأمناء وأهل النصح منكم للعامّة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله.
وخطب أيضاً، فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلّم : أيها الناس، إنّ بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غني، وإنكم تجمعون مالا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجلون في دار غرور. كنتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم تؤخون بالوحي، فمن أسرّ شيئاً أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئاً أخذ بعلانيته؛ فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم؛ والله أعلم بالسرائر؛ فإنه من أظهر شيئاً وزعم أن سريرته حسنة لم نصدّقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننّا به حسناً. واعلموا أنّ بعض الشح شعبة من النفاق، فأنفقوا خير لأنفسكم، مومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
أيها الناس، أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم؛ واتقوا الله ربكم، ولا تلبسوا منساءكم القباطي؛ فإنه إن لم يشفّ فإنه يصف.
أيها الناس؛ إني لوددت أن أنجو كفافاً لا لي ولا عليّ، وإني لأرجو إن عمّرت فيكم يسيراً أو كثيراً أن أعمل بالحقّ فيكم إن شاء الله، وألاّ يبقى أحد من المسلمين وإن كان قال: يبيتهإلاّ أتاه حقه ونصيبه من مال ه، ولا يعمل إليه نفسه؛ ولم ينصب إليه يوماً. وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله؛ ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حتف من الحتوف، يصيب البرّ والفاجر، والشهيد من احتسب نفسه. وإذا أراد أحدكم بعيراً فليعمد إلى الطويل العظيم فليضربه بعصاه؛ فإن وجده حديد الفؤاد فليشترّه.
قالوا: وخطب أيضاً فقال: إنّ الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتّخذ عليكم الحجّ فيماآتاكم من كرامة الآخرة والدنيا؛ عن غير مسألة منكم له، ولا رغبة منكم فيه إليه، فخلفكم تبارك وتعالى ولم تكونوا شيئاً لنفسه وعبادته، وكان قادراً أن يجعلكم لأهون خلقه عليه، فجعل لكم عامّة خلقه، ولم يجعلكم لشيء غيره، وسخّر لكم ما في السّموات وما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظماهرة وباطنة، وحملكم في البرّ والبحر، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون.
ثم جعل لكم سمعاً وبصراً. ومن نعم الله عليكم نعم عمّ بها بني آدم؛ ومنها نعم اختصّ بها أهل دينكم؛ ثم صارت تلك النعم خواصّها وعوامّها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم؛ وليس من تكل النعم نعمة وصلت إلى امريء خاصة إلاّ لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقها، إلاّ بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله؛ فأنتم مستخلفون في الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم، فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلاّ أمّتان؛ أمّة مستعبدة للإسلام وأهله، يجزون لكم، يستصوفن معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم؛ عليهم المؤونة ولكم المنفعة، وأمّة تنتظر وقائع الله وسطواته في كلّ يوم وليلة، قد ملأ الله قلوبهم رعباً؛ فليس لهم معقل يلجئون إليه، ولا مهرب يتّقون به، قد دهمتهم جنود الله عزّ وجلّ ونزلت بساتهم، مع رفاغة العيش، واستفاضة المال، وتتابع البعوث، وسدّ الثغور بإذن الله، مع العافية الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام؛ والله المحمود، مع الفتوح العظام في كلّ بلد. فما عسى أن يبلغ معهذا شكر الشاكرين وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين؛ مع هذه النعم التي لا يحصى عددها، ولا يقدر قدرها، ولا يسستطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفهّ فنسأل الله الذي لا إله إلا هو الذي أبلانا هذا، أن يرزقنا العمل بطاعته؛ والمسارعة إلى مرضاته.
واذكروا عباد الله بلاء الله عندكم، واستتمّوا نعمة الله عليكم وفي مجالسكم مثنى وفرادى، فإنّ الله عزّ وجلّ قال لموسى: " أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله " فلو كنتم إذ كنتم مستضعفين محرومين خير الدنيا على شعبة من الحق، تؤمنون بها، وتستريحون إليها؛ مع المعرفة بالله ودينه، وترجون بها الخير فيما بعد الموت؛ لكان ذلك؛ ولكنكم كنتم أشدّ الناس معيشة، وأثبتهم بالله جهالة. فلو كان هذا الذي استشلاكم به لم يكن معه حظّ في دنياكم؛ غير أنه ثقة لكم في آخرتكم التي إليها المعاد والمنقلب؛ وأنتم من جهد المعيشة على ما كنتم عليه أحرياء أن تشحّوا على نصيبكم منه، وأن تظهروه على غيره؛ فبله ما إنه قد جمع لكم فضيلة الدنيا وكرامة الآخرة، ومن شاء أن يجمع له ذلك منكم؛ فأذكركم الله الحائل بين قلوبكم إلا ما عرفتم حقّ الله فعملتم له، وقسرتم أنفسكم على طاعته، وجمعتم مع السرور بالنعم خوفاً لها ولا نتقالها، ووجلاً منها ومن تحويلها، فإنه لا شيء أسلب للنعمة من كفرانها، وإنّ الشكر أمنٌ للغير، ونماء للنعمة؛ واستيجاب للزيادة، هذا لله عليّ من أركم ونهيكم واجب.
من ندب عمر ورثاه رض الله عنه
ذكر بعض ما رثي بهحدثني عمر، قال حدثنا عليّ، قال: حدّثنا ان دأب وسعيد بن خالد، عن صالح بن كيسان، عن المغيرة بن شعبة، قال: لما مات عمر رضي الله عنهبكته ابنة أبي حثمة، فقالت: واعمراهّ أقام الأود، وأبرأ العمد، أمات الفتن، وأحيا السنن؛ خرج نقيّ الثوب، بريئاً من العيب.
قال: وقال المغيرة بن شعبة: ملما دفن عمر أتيت عليّاً وأنا أحبّ أن أسمع منه في عمر شيئاً، فخرج ينفض رأسه ولحيته وقد اغتسل، وهو ملتحف بثوب، لا يشكّ أنّ الأمر يصير إليه، فقال: يرحم الله ابن الخطابّ! لقد صدقت ابنة أبي حثمة؛ لقد ذهب بخيرها، ونجا من شرّها، أما والله ما قالت، ولكن قولت.
وقالت عاتكة ابنة زيد بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
فجعني فيروز لادر دره ... بأبيض تال للكتاب منيب
رءوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخي ثقة في النائبات مجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
وقالت أيضاً:
عين جودي بعبرة ونحيب ... لاتملي على الإمام النجيب
فجعتني المنون بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتلبيب
عصمة الناس والمعين على الده ... ر وغيث المنتاب والمحروب
قل لأهل السراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب
وقالت امرأة تبكيه:
سيبكيك نساء الحي ... يبكين شجيات
ويخمثن وجوهاً كالد ... نانير نقيات
ويلبسن ثياب الحز ... ن بعد القصبيات
شيء من سيره مما لم يمض ذكره حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، عن ابن جعدبة، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد بن المسيب، قال: حجّ عمر، فلما كان بضجنان قال: لا إليه إلا الله العظيم العليّ، المعطى ما شاء من شاءّ كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي في مدرعة صوف، وكان فظاً يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصّرت، وقد أمسيت وليس بيني وبين الله أحد؛ ثمتمثل:
لا شيء فيما ترى تبقي بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس ولاجن فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل أوب إليها راكب يفد
حوضاً هنالك موروداً بلا كذب ... لا بد من ورده يوماً كما وردوا
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا أبو الوليد المكّي " ، قال: بينما عمر جالس إذ أقبل رجل يقود ناقة تظلع؛ حتى وقف عليه، فقال:
إنك مسترعى وإنا رعية ... وإنك مدعو بسيماك يا عمر
إذاً يوم شر شره لشراره ... فقد حملتك اليوم أحسابها مضر
فقال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله. وشكا الرجل ظلعناقته، فقبض عمر الناقة وحمله على جمل أحمر وزودّه؛ وانصرف. ثم خرج عمر في عقب ذلك حاجّاً، فبينا هو يسير إذ لحق راكباً يقول:
ما سلنا مثلك يا بن الخطاب ... أبر بالأقصى ولا بالأصحاب
بعد النبي صاحب الكتاب فنخسه عمر بمخصرة معه، وقال: فأين أبو بكر! حدثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، عن محمد بن صالح، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، قال: استعمل عمر عتبة بن أبي سفيان على كنانة، فقدم معه بمال، فقال: ما هذا يا عتبة؟ قال: مال خرجت به معي وتجرت فيه، قال: ومالك تخرج المال معك في هذا الوجه! فصيّره في بيت المال. فلما قام عثمان قال لأبي سفيان: إن طلبتَ ما أخذ عمر من عتبة رددته عليه، فقال أبو سفيان: إنك إن خالفت صاحبك قبلك ساء رأيُ الناس فيك، إي " ّاك أن تردّ على من كان قبلك، فيرد عليك من بعدك.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النعمان وأبي المجالد جراد بن عمرو وأبي عثمان وأبي حارثة وأبي عمرو مولى إبراهيم بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قالوا: إنّ هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتّجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كلب، فاشترت وباعت؛ فبلغها أنّ أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية، فعدلت إليه من بلاد كلب، فأتت معاوية، وكان أبو سفيان قد طلّقها، قال: ما أقدمك أي أمه؟ قالت: النّظر إليك أي بنّي؛ إنه عمر؛ وإنما يعمل لله، وقد أتاك أبوك فخشيت أن تخرج إليه من كل شيء؛ وأهل لك هو؛ فلا يعلم الناس من أين أعطيتنه فيؤنّبونك ويؤنّبك عمر، فلا يستقيلها أبداً، فبعث إلى أبيه وإلى أخيهه بمائة دينار، وكساهما وحملهما؛ فتظّمها عمرو؛ فقال أبو سفيان: لا تعظّمها، فإنّ هذا عطاء لم تغب عنه هند، ومشورة قد حضرتها هند، ورجعوا جميعاً، فقال أبو سفيان لهند: أربحت؟ فقالت: الله أعلم، معي تجارة إلى المدينة. فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة، فقال لها عمر: لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين، وهذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان، فبعث إليه فحبسه حتى أوفته، وقال لأبي سفيان: بكم أجازك معاوية؟ فقال: بمائة دينار.
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن مسلمة بن محارب، عن خالد الحذّاء، عن عبد الله بن أبي صعصعة عن الأحنف، قال: أتى عبد الله بن عمير عمر؛ وهو يفرض للناس - واستشهد أبوه يوم حنين - فقال: يا أمير المؤمنين، افرض لي؛ فلم يلتفت إليه، فنخسه، فقال عمر: حس! وأقبل عليه فقال: من أنت؟ قال: عبد الله بن عمير، قال: يا يرفأ، أعطه ستمائة، فأعطاه خمسمائة، فلم يقبلها، وقال: أمر لي أمير المؤمنين بستمائة، ورجع إلى عمر فأخبره، فقال عمر: يا يرفأن أعطه ستمائة وحلّة، فأعطاه فلبس الحلّة التي كساه عمر، ورمى بما كان عليه، فقال له عمر: يا بنيّ، خذ ثيابك هذه فتكون لمهنة أهلك، وهذه لزينتك.
حدثني عمر، قال: حدّثنا علي، قال حدّثنا: أبو الوليد المكّيّ، عن رجل من ولد طلحة، عن ابن عبّاس، قال: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإنا لنسير ليلة، وقد دنوت منه، إذ ضرب مقدم رحله بسوطه، وقال:
كذبتم وبيت الله يقتل أحمد ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم قال، أستغفر الله، ثم سار فلم يتكلم قليلاُ، ثم قال:
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفىذمة من محمد
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله ... وأعطى لرأس السابق المتجرد
ثم قال: استغفر الله، يا بن عباس، ما منمع عليّاً من الخروج معنا؟ قلت: لا أدري، قال: يا بن عباس، أبوك عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأنت ابن عمه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري، قال: لكني أدري؛ يكرهون ولايتكم لهم! قلت: لم، ونحن لهم كالخير؟ قال: اللهمّ غفراً، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة، فيكون بجحاً بجحاً، لعلكم تقولون: إن أبا بكر فعل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم، أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله:
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسود
فأنشدته وطلع الفجر، فقال: اقرأ واقعة، فقرأتها، ثم نزل فصلى، وقرأ بالواقعة.
حدّثني ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق. عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر؛ وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعرالشعراء يا بن عباس؟ قال: فقلت: زهير بن أبي سلمى، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا بن عباس؟ قال: فقلت: زهير بن أبي سلمى، فقال عمر: هلمّ من شعره ما نستدل به على ما ذكرت؛ فقلت: امتدح قوماً من بني عبد الله بن غطفان، فقال:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا ... مرزءون بها ليل إذا حشدوا
محدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا
فقال عمر: أحسن؛ وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحيّ من بني هاشم! لفضل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقرابتهم منه، فقلت: وفقت يا أمير المؤمنين، ولم تزل موفقاُ، فقال: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ فكرهت أن أجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقالعمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتمط عني الغضب تكلمت.
فقال: تكلم يا بن عباس، فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّوجلّ لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهية فقال: " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " فقال عمر: هيهات والله يا بن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرّك عنها، فتزيل منزلتك مني؛ فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟
فإن كانت حقّاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلاً فمثلى أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسداً وظلماً! فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً؛ فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأما قولك: حسداً، فإنّ إبليس حسد آدم؛ فنحن ولده المحسودون؛ فقال عمر: هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً ما يحول، وضغنا وغشاً ما يزول. فقلت: مهلاً يا أمير المؤمنين؛ لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بالحسد والغش، فإنّ قلب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يا بن عباس، فقلت: أفعل؛ فلما ذهبت لأقوم استحيا منّي فقال يا بن عباس، مكانك، فو الله إني لراع لحقّك، محبّ لما سرّك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ لي عليك حقّاً وعلى كل مسلم، فمن حفظه فحظّه أصاب، ومن أضاعه فحظَّه أخطأ.
ثم قام فمضى.
حدثّني أحمد بن عمرو، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ، قال: حدّثنا عكرمة بن عمّار، عن إياس بن سملة، عن أبيه، قال: مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السوق ومعه الدّرّة، فخفقني بها خفقة، فأصاب طرف ثوبي، فقال: امط عن الطريق، فلما كان في العام المقبل لقيني فقال: يا سلمة، تريد الحجّ؟ فقلت: نعم، فأخذ بيدي، فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ستمائة درهم، وقال: استعن بها على حجّك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك؛ قلت: يا أميرالمؤمنين ما ذكرتها! قال: وأنا ما نسيتها.
حدثني عبد الحميد بن بيان، قال أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل أبن أبي خالد، عن سملة بن كهيل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيها الرعيّة: إن لنا عليكم حقاً. النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير؛ إنه ليس من حلم أحبّ إلى الله ولا أعمّ نفعاً من حلم إمام ورفقه. أيها الرعية؛ إنه ليس من جهل أبغض إلى الله ولا شر أعمّ شراً من جهل إمام وخرقه. أيها الرعيّة، إنه من يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانيه، يؤتي الله العافية من فوقه.
حدّثني محمد بن إسحاق، قال: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا عيسى بن يزيد بن دأب؛ عن عبد الرحمن ابن أبي زيد، عن عمران بن سوادة، قال: صليت الصبح مع عمر، فقرأ: سبحان وسورة معها، ثم انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة، قال: فالحق، قال: فلحقت؛ فلما دخل أذن لي؛ فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء، فقلت: نصيحة، فقال: مرحباً بالناصح غدوّاً وعشيَاً؛ قلت: عابت أمتك منك أربعاً، قال: فوضع رأس درتّه في ذقنه، ووضع أسفلها على فخذه، ثم قال: هات؛ قلت: ذكروا أنك حرّمت العمرة في أشهر الحجّ، ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا أبو بكر رضي الله عنه ؛ وهي حلال، قال: هي حلال، لو أنهم اعتمروا في أشهر الحجّ رأوها مجزيةً من حجَّهم؛ فكانت قائبة قوب عامها، فقرع حجُّهم، وهو بهاء من بهاء الله، وقد أصبت. قلت: وذكروا أنك حرّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث.
قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحلّها في زمان ضرورة، ثم رجع الناس إلى السَّعة، ثم لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن ممن شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق، وقد أصبت. قال: قلت: وأعتقت الأمة أن وضعت ذا بطنها بغير عنقاة سيّدها، قال: ألحقت حرمة بحرمة، وما أردت إلاّ الخير، وأستغفر الله. قلت: وتشكَّوا منك نهر الرعية وعنف السياق. قال: فشرع لادّرَة، ثم مشحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد - وكان زامله في غزوة قرقرة الكدر - فو الله إني لأرتع فأشبع، وأسقى فأروى، وأنهز للفوت، وأزجر العروض، وأذب قدري، وأسوق خطوى، وأضم العنود، وألحق القطوف، وأكثر الزّجر، وأقلّ الضرب، وأشهر العصا؛ وأدفع باليد؛ لولا ذلك لأغدرت.
قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: كان والله عالماً برعيتهم.
حدثّنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: نبئتأن عثمان قال: إنّ عمر كان يمنع أهله وأقرباءه ابتغاء وجه الله، وإني أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله، ولن يلقي مثل عمر ثلاثة.
وحدّثني عليّ بن سهل، قال: حدّثنا ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله ابن أبي سليمان، عن أبيه، قال: قدمت المدينة، فدخلت داراً من دورها، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إزار قطريّ، يدهن إبل الصدقة بالقطران.
وحدّثنا ابن بشار، قال: حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن حبيب، عن أبي وائل، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين.
وحدّثنا ابن بشار، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدّثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن زيد، قال: كان الوفد إذا قدموا على عمر رضي الله عنه سألهم عن أميرهم، فيقولون خيراً، فيقول: هل يعود مرضاكم؟ فيقولون: نعم؛ فيقول: هل يعود العبد؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف صنيعه بالضّعيف؟ هل يجلس على بابه؟ فإن قالوا لخصلة منها: لا، عزله.
وحدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: حدّثنا عمرو، قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أربع من أمر الإسلام لست مضيِّعهنّ ولا تاركهنّ لشيء أبداً: القوّة في ماله وجمعه حتّى إذا جمعنا وضعناه حيث أمر الله، وقعدنا آل عمر ليس في أيدينا ولا عندنا منه شيء.
والمهاجرون الذين تحت ظلال السيوف؛ إلاّ يحبسوا ولا يجمروا، وأن يوفر فيء الله عليهم وعلى عيالاتهم، وأكون أنا للعيال حتى يقدموا. والأنصار الذين أعطوا الله عزّ وجلّ نصيباً، وقاتلوا الناس كافة؛ أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؛ أن يشاوروا في الأمر. والأعراب الذين هم أصل العرب ومادة الإسلام؛ أن تؤخذ منهم صدقتهم على وجهها، ولا يؤخذ منهم دينار ولا درهم، وأن يردّ على فقرائهم ومساكينهم.
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن ابن جريح، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر: إنّي لأعلم أنّ الناس لا يعدلون بهذين الرجلين اللذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يكون نجيّاً بينهما وبين جبريل يتبلَّغ عنه ويملّ عليهما قصة الشورى
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا علي بن محمد، عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب وأبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن عباس بن سهل ومبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر ويونس بن أي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأوديّ؛ أنّ عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين؛ لو استخلفت! قال: من استخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيّاً استخلفته؛ فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيّك يقول: إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً استخلفته، فإن سألنى ربيّ قلت: سمعت نبيّك يقول: إنّ سالماً شديد الحبّ لله. فقال له رجل: أدلك عليه؟ عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله؛ والله ما أردت الله بهذا، ويحك! كيف استخلف رجلاً عجز عن طلاق امرأته! لا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي؛ إن كان خيراً فقد أصبنا منه، وإن كان شرّاً مفشرعناآل عمر؛ بحسب آل عمر أن يحاشب منهم رجل واحد؛ ويسأل عن أمر أمة محمد؛ أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي؛ وإن نجوت كفافاً لاوزر ولا أجر إني لسعيد؛ وأنظر فإن استخلفت فقد استخلف من هو خير منّي، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيّع الله دينه. فخرجوا ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين؛ لو عهدت عهداّ! فقال قد كنت أجمعت مبعد مقالتي لكم أن أنظر فأولَّى رجلاً أمركم؛ هو أحراكم أن يحملكم على الحقّ - وأشار إلى علي - ورهقتني غشية، فرأيت رجلاً دخل جنة قد غرسها، فجعل يقطف كل غضّة ويانعة فيضمّه إليه ويصيّره تحته؛ فعلمت أنّ الله غالب أمره، ومتوفًّ عمر؛ فما أريد أن أتحملّها حيّاً وميتاً؛ عليكم هؤلاء الرّهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنهم من أهلالجنة؛ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم؛ ولست مدخله؛ ولكن الستّة: عليّ وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والزبير بن العوام حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وابن عمته، وطلحة لخير بن عبيد الله؛ فليختاروا منهم رجلاً؛ فإذا ولَّوا والياً فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، إن ائتمن أحداً منكم فليؤدّ إليه أمانته. وخرجوا، فقال العباس لعليّ: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف، قال: إذاً ترى ما تكره! فلما أصبح عمر دعا عليّاً وعثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن الهوام، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم؛ ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم؛ وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو عنكم راض؛ إنّي لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم؛ ولكنّي أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم، فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها، فتشاوروا واختاروا رجلاً منكم. ثم قال: لا تدخلوا حجرة عائشة؛ ولكن كونوا قريباً، ووضع رأسه وقد نزفه الدم.
فدخلوا فتناجوا، ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إنّ أمير المؤمنين لم يمت بعد؛ فأسمعه فانتبه فقال: ألا أعرضوا عن هذا أجمعون؛ فإذا متُّ فتشاوروا ثلاثة أيام، ولصلّ بالناس صهيب، ولا يأتينّ اليوم الرابع إلاّ وعليكم أمير منكم؛ ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً، ولا شيء له من الأمر؛ وطلحة شريككم في الأمر؛ فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم؛ وإن مضت الأيَّام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، ومن لي بطلحة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به؛ ولا يخالف إن شاء الله.
فقال عمر: أرجو ألاّ يخالف إن شاء الله؛ وما أظنّ أن يلي إلاّ أحد هذين الرجلين: عليّ أو عثمان؛ فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي عليّ ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على طريق الحقّ؛ وإن تولوا سعداً فأهلها هو؛ وإلاّ فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعفه؛ ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف! مسدد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه.
وقال لأبي طلحة الأنصاريّ: يا أبا طلحة، إنّ الله عزّ وجلّ طالما أعزّ الإسلام بكم، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار؛ فاستحثّ هؤلاء الرّهط حتى يختاروا رجلاً منهم. وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرني فاجمع هؤلاء الرّهط في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم، وقال لصهيب: صلّ بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليّاً وعثمان والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم؛ وأحضر عبد الله بن عمر ولا شيء له من الأمر؛ وقم على رءوسهم، فإن اجتمع مخمسة ورضوا رجلاً وأبي واحد فاشدخ رأسه - أو اضر رأسه بالسيف - وإن اتّفق أربعة فرضوا رجلاً منهم وأبي اثنان، فاضرب رءوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً منهم، فحكّموا عبد الله ابن عمر؛ فأيّ الفريقين حكم له فليختاروا رجلاُ منهم؛ فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.
فخرجوا، فقال عليّ لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم ملم تؤمروا أبداً. وتلقّاه العباس، فقال: عدلت عنّا! فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاُ، ورجلان رجلاُ فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف؛ فسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن؛ وعبد الرحمن صهر عثمان؛ لا يختلفون، فيوليّها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن؛ فلو كان الآخرا معي لم ينفعاني؛ بله إني لا أرجو إلاّ أحدهما. فقال له العباس: لم أرفعك في شيء إلاّ رجعت إليّ مستأخراً بما أكره؛ أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن تسأله فيمن هذا الأمر؛ فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجلالأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى ألاّ تدخل معهم فأبيت؛ احفظ عنِّي واحدة؛ كلّما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرّهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشرّ لا ينفع معه خير. فقال عليّ: أما لئن بقي عثمان لأذكَّرنه ما أتي ولئن مات ليتداولنّها بينهم، ولئن فعلوا ليجدنّي حيث يكرهون؛ ثم تمثل:
حلفت برب الراقصات عشية ... غدون خفاقاً فابتدرن المحصبا
ليختلين رهط ابن يعمر مارئاً ... نجيعاً بنو الشداخ ورداً مصلبا
والتفت فرأى أبا طلحة فكره مكانه، فقالأبو طلحة: لم ترع أباالحسن. فلمّا مات عمر وأخرجت جنازته، تصدّى عليّ وعثمان: أيّهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الإمرة، لستما من هذا في شيء، هذا إلى صهيب، استخلفه عمر، يصل " ي بالناس ثلاثاً حتى يجتمعالناس على إمام. فصلّي عليه صهيب، فلما دفن عمر جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة - ويقال في بيت المال،ويقال في حجرة عائشة بإذنها - وهم خمسة، معهم ابنُ عمر، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما، وقال: تريدان أنت تقولا: محضرنا وكنّا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر؛ وكثر بينهم مالكلام؛ فقال أبو طلحة: أنا كنت لأنْ تدفعوها أخوف منِّي لأن تنافسوها! لا والذي ذهب بنفس عمر؛ لا أزيدكم على الأيّام الثلاثة التي أمرتم، ثم أجلس في بيتي؛ فأنظر ما تصنعون! فقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها؛ فقال عثمان: أنا أوّل من رضي، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: أمين في الأرض أمين في السما، فقال القوم: قد رضينا - وعليّ ساكت - فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقاً لتؤثرنّ الحقّ ولا تتّبع الهوى، ولا تخصّ ذا رحم، ولا تألوا الأمة! فقال: أعطوني مواثيقكم علي أن تكونوا معي علي من بدّل وغيّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليّ ميثاق الله ألاّ أخصّ ذا رحم لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله، فقال لعليّ، مإنك تقول: إني أحقُّ من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدّين ولم تبعد؛ ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرّهط أحقّ بالأمر؟ قال: عثمان. وخلا بعثمان؛ فقال: تقول: شيخمن بني عبد مناف؛ وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلّم وابن عمه، لي سابقة وفضل - لم تبعد - فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأيّ هؤلاء الرهط تراه أحقّ به؟ قال: عليّ. ثم خلا بالزّبير، فكلمه بمثل ما كلم به عليًّاً وعثمان؛ فقال: عثمان. ثم خلا بسعد، فكلمه، فقال: عثمان. فلقى عليّ سعداً، فقال: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباُ " ، أسألك برحيم ابني هذامن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وبرحم عمّي حمزة منك ألاّ تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيراً عليّ؛ فإني أدلى بما لا يدلي به عثمان. ودار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس، بشاورهم، ولا يخلوا برجل إلا أمره بعثمان؛ حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل؛ فأيقظه فقال: ألا أراك نائماً ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض! انطلق فادع الزبير وسعداً.
فدعاهما فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان، فقال له: خلّ ابني عبد مناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعليّ، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعليّ أحبّ إليّ؛ أيها الرجل بايع لنفسك وأرحنا، وارفع رءوسنا، قال: يا أبا إسحاق؛ إني قذ خلعت نفسي منها علي أختار، ولو لم أفعل وجعل الخيار إليّ لم أردها، إني أريت كروضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل فلم مأر فحلا قطّ أكرم منه، فمرّ كأ،ه سهم لا يلتفت إلى شيء مما في الرّوضة حتى قطعها، لم يعرّج. ودخل بعير يتلوه فاتّبع أثره حتى خرج من الرّوضة، ثم دخل فحل عبقريٌّ يجرّ خطامه، يلتفت يمينّاً وشمالاً ويمضي قصد الأولين حتى خرج، ثمّ دخل بعير رابع فرتع في الروضة؛ ولا والله لا أكون الرابع؛ ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى النا س عنه. قال سعد: فإني أخاف أن يكون الضّعف قد أدركك، فامض لرأيك؛ فد عرفت عهد عمر.
وانصرف الزبير وسعد؛ وأرسل المسور بن مخرمة إلى عليّ، فناجاه طويلاً؛ وهو لا بشكّ أنه صاحب الأمر، ثم نهض: وأرسل المسور إلى عثمان. فكان في نجيّهما، حتى فرّق بينهما أذان الصبح. فقال عمرو بن ميمون: قال لي عبد الله بن عمر: يا عمرو، من أخبرك أنه يعلم ما كلّم به عبد الرحمن بن عوف عليّاً وعثمان فقد قال بغير علم؛ فوقع قضاء ربّك على عثمان. فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهارجين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التجّ المسجد بأهله، فقال: أيُّها الناس، إنّ الناس قد أحبّوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم. فقال سعيد بن زيد: إنّا نراك لها أهلاً، فقال: أشيروا عليّ بغير هذا، فقال عمّار: إن أردت ألاّ يختلف المسلمون فبايع عليّاً. فقال المقداد بن الأسود: صدق عمّار؛ إن بايعت عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت ألاّ تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق؛ إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا.
فشتم عمّار ابن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم ونبو أمية، فقال عمار: أيّها الناس؛ إنّ الله عزّ وجلّ أكرمنا بنبيّه، وأعزّنا بدينه، فأنّي تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طولاك يا بن سميّة؛ وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحم، افرغ قبل أن يفتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً. ودعا عليّاً، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي؛ ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعليّ، قال: نعم، فبايعه، فقال عليّ: حبوته حبو دهر؛ ليس هذا أوّل ي م تظاهرتم فيه علينا؛ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون؛ والله ما ولّيتَ عثمان إلا ليردّ الأمر إليك؛ والله كلّ يوم هو في شأن؛ فقال عبد الرحمن: يا عليّ لا تجعل على نفسك سبيلاً؛ فإني قد نظرت وشاورت الناس؛ فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج عليّ وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون. فقال: يا مقداد؛ والله لقد اجتهدت للمسلمين؛ قال: إن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين. فقال المقداد: ما رأيت ممثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم. إني لأعجب من قريش أنّهم تركوا رجلاً ما أقول إنّ أحداً أعلم ولا أقضي منه بالعدل؛ أما والله لو أجد عليه أعواناً! فقال عبد الرحمن: يا مقداد؛ اتّق الله؛ فإني خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله! من أهل هذا البيت وسن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل عليّ بن أبي طال. فقال عليّ: إنّ الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم. وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان، فقيل له: بايع عثمان، فقال: أكلّ قريش راضٍ به؟ قال: نعم، فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على أرس أمرك، إن أبيت رددتها، قال: أتردها؟ قال: نعم؛ قال: أكلّ الناس بايعوك؟ قال: نعم، قال: قد رضيت؛ لا أرغب عمّاً قد أجمعوا عليه، وبايعه.
وقال المغيرة بن شعبة لعبد الرحمن: يا أبا محمد، قد أصبت إذ بايعت عثمان! وقال لعثمان: لوب بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا، فقال عبد الرحمن: كذبت يا أعور؛ لو بايعت غيره لبايعته، ولقلت هذه المقالة.
وقال الفرذدق؛
صلَّى صيب ثلاثاً ثمَّ أسلها ... على ابن عفان ملكاً غير مقصور
خلافة من أبي بكر لصاحبه ... كانوا أخلاَّء مهدي ومأمور
وكان المسور بن مخرمة يقول: ما رأيت رجلاً بذّ قوماً فيما دخلوا فيه بأشدّ مما بذّهم عبد الرحمن بن عوف.
قال أبو جعفر: وأما المسور بن مخرمة، فإنّ الرواية عندنا عنه ما حدّثني سلم بن جنادة أبو السائب، قال: حدّثنا سليمان بن عبد العزيز ابن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: حدّثنا أبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن السمور بن مخرمة - وكانت أمه عاتكة ابنة عوف - في الخبر الذي قد مضى ذكري أوله في مقتل عمر بن الخطّاب؛ قال: ونزل في قبيره - يعني في قبر عمر - الخمسة، يعني أهل الشورى. قال: ثم خرجوا بريدون بيوتهم؛ فناداهم عبد الرحمن: إلى أين؟ هلمّوا! فتبعوه، وخرج حتى دخل بيت فاطمة ابنة قيس الفهريّة، أخت الضحّاح بن قيس الفهريّ - قال بعض أهل العلم: بل كانت زوجته؛ وكانت نجوداً، يريد ذات رأي - قال: فبدأ عبد الرحمن بالكلام فقال: يا هؤلاء؛ إنّ عندي رأيَّاً؛ وإنّ لكم نظراً؛ فاسمعوا تعلّموا، وأجيبوا تفقهوا؛ فإن حابياً خير من ذاهق؛ وإن جرعة من شروب بارد أنفع من عذب موب؛ أنتم أئمة يهتدي بكم؛ وعلماء يصدر إليكم؛ فلا تفلّوا المدى بالاّختلاف بينكم، ولا تغمدوا السيوف عن أعدائكم؛ فتوتروا ثأركم، وتؤلتوا أعمالكم؛ لكلّ أجل كتاب؛ ولكل بيت إمام بأمره يقومون، وبنهيه يرعون. قلّدوا أمركم واحداً منكم تمشوا الهويني وتلحقوا الطلب؛ لولا فتنة عمياء، وضلالة حيراء؛ يقول أهلها ما يرون، وتحلّهم الحبو كرى. ما عدت نياتكم معرفتكم، ولا أعمالكم نياتكم. احذروا نصيحة الهوى، ولسان الفرقة؛ فإنّ مالحيلة في المنطق أبلغ من السيوف في الكلم؛ علِّقوا أمركم وحب الذراع فيما حلّ، مأمون الغيب فيما نزل، رضاً منكم وكلكم رضّاً، ومقترعاً منكم وكلّكم منتهى، لا تطيعوا مفسداً ينتصح؛ ولاتخالفوا مرشداً ينتصر؛ أقول قولى هذا وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تلكم عثمان بن عفان، فقال: الحمد لله الذي اتّخذ محمّداً نبيّاً، وبعثه رسولا، صدقه وعده، ووهب له نصره على كلّ من بعد نسباً، أو قرب رحماً؛ صلى الله عليه وسلّم؛ جعلنا الله له تابعين وبأمره مهتدين؛ فهو لنا نور؛ ونحن بأمره نقوم. عند تفرّق الأهواء؛ ومجادلة الأعداء؛ جعلنا الله بفضله أئمة وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منّا، ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحقّ؛ ونكل عن القصد، وأحر بها يا بن عوف أن تترك، وأحذر بها أن تكون إن خولف أمرك وترك ودعاؤك؛ فأنا أوّل ممجيب لك، وداع إليك، وكفيل بما أقول زعيم؛ وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تكلم الزبير بن العوام بعده، فقال: أمّا بعد؛ فإنّ داعي الله لا يجهل، ومجيبه لا يخذل، عند تفرّق الأهواء وليّ الأعناق، ولن يقصّر عمّا قلت إلا غوىّ، ولن يترك ما دعوت إليه إلاّ شقيّ، لولا حدود لله فرضت؛ وفرائض لله حدّث؛ تراح على أهلها؛ وتحيا لا تموت؛ لكان الموت من الإمارة نجاة، والفرار من الولاية عصمة؛ ولكن لله علينا إجابة الدعوة، وإظهار السنّة؛ لئلا نموت ميتة عمِّية؛ ولا نعمي عمي جاهليّة؛ فأنا مجيبك إلى ما دعوت، ومعينك على ما أمرت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله لي ولكم.
ثم تكلّم سعد بن أبي وقاص، فقال: الحمد لله بديئاً كان، وآخراً يعود، أحمده لما نجّاني من الضلالة، وبصّرني من الغواية، فبهدي الله فاز من نجا، وبرحمته أفلح من زكا، وبمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلّم أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر كلّ حق، ومات كلّ باطل؛ إياكم أيها النّفر وقول الزور، وأمنيّة أهل الغرور، فقد سلبت الأمانيُّ قوماً قبلكم ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم؛ فاتّخذهم الله عدوّاً، ولعنهم لعناً كبيراً.
قال الله عزّ وجل: " لمن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " . إنّي نكبت قرني فأخذت سهمي الفالج، وأخذت لطلحة بن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي؛ فأنا به كفيل، وبما مأعطيت عنه زعيم، والأمر إليك يا بن عوف؛ بجهد النفس، وقصد النُّصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه الرّجوع، وأستغفر الله لي ولكم؛ وأعوذ بالله من مخالفتكم.
ثم تكلّم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فقال: الحمدُ لله الذي بعث محمداً منّا نبيّاً، وبعثه إلينا رسولاً، فنحن بيت النبوّة، ومعدن الحكمة؛ وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب، لنا حقّ إن نعطه نأخذه؛ وإن نمنعه نركب إعجاز الإبل ولو طال السُّرى؛ لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عهداً لأنفدنا عهده؛ ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت. لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ وصلة رحم، ولا حول ولا قوة إلا بالله سامعوا كلامي، وعوا منطقي؛ عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع تنتضي فيه السيوف، وتخان فيه العهود؛ حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعةً لأهل الجهالة، ثم أنشأ يقول:
فإن تك جاسم هلكت فإنِّي ... بما فعلت بنوعبد بن ضخم
مطيع في الهوادر كلّ عيّ ... بصير بالنوى من كلِّ نجم
فقال عبد الرحمن: أيكم بطيب نفساً أن يخرج نفسه من هذا مالأمر ويولّيه غيره؟ قال: فأمسكوا عنه، قال: فإني أخرج نفسي وابن عمتي، فقلده القوم الأمر، وأحلفهم عند المنبر؛ فحلفوا ليبايعنّ من بايع، وإن بايع بإحدى يديه الأخرى. فأقام ثلاثاً في داره التي عند المسجد التي يقال لها اليوم رحبة القضاء - وبذلك سمّيت رحبة القضاء - فأقام ثلاثاً يصلِّي بالناس صهيب.
قال: وبعث عبد الرحمن إلى عليّ، فقال له: إن لم أبايعك فأشر علي " ؛ فقال: عثمان، ثم بعث إلى عثمان، فقال: إن لم أبايعك، فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ، ثم قال لهما: انصرفا. فدعا الزبير، فقال: إن لم أبايعك؛ فمن تشير عليّ، قال: عثمان، ثم دعا سعداً، فقال: من تشيرعليّ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فمن تشير عليّ؟ قال: عثمان. فلمَّأ كانت الليلة الثالثة، قال: يا مسور، قلت: لبيّك، قال: إنك لنائم؛ والله ما اكتحلت يغماض منذ ثلاث. اذهب فادع لي عليّاً وعثمان؛ قال: قلت: يا خال، بأيّهما أبدأ؟ قال: بأيّهما شئت، قال: فخرجت فأتيت عليّاً - وكان هواي فيه - فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم، قال: إلي من؟ قلت: إلى عثمان، قال: فأيّنا أمرك أن تبدأ به؟ قلت: قثد سألته فقال: بأيّهما شئت، فبدأت بك، وكان هواي فيك. قال: فخرج معي حتى أتينا المقاععد، فجلس معليها عليّ، ودخلت على عثمان فوجدته يوتر مع الفجر، فقلت: أجب خالي، فقال: بعثك معي إلى غيري؟ قلت: نعم، إلى عليّ، قال: بأيّنا أمرك أن تبدأ؟ قلت: سألته فقال: بأيّهما شئت؛ وهذا عليّ على المقاعد، فخرج معي حتى دخلنا جميعاً على خالي وهو في القبلة قائم يصلّي، فانصرف لمَّا رآنا، ثم التفت إلى عليّ وعثمان، فقال: إنّي قد سألت عنكما وعن غيركما، فلم أجد الناس يعدلون بكما؛ هل أنت علي يا عليّ مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهمّ لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي. فالتفت إلى عثمان، فقال: هل أنت مبايعي على كتب الله وسنّة نبيّه وفعل أبي كبر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم، فأشار بيده إلى كتفيه، وقال: إذا شئتما! فنهضنا حتى دخلنا المسجد، وصاح صائح: الصلاة جامعة - قال عثمان: فتأخّرت والله حياء لما رأيت من إسراعه إلى عليّ؛ فكنت فيىخر المسجد - قال: وخرج عبد الرحم بن عوف وعليه عمامته التي عمَّمه بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، متقلّداً سيفه؛ حتى ركب المنبر، فوقف وقوفاً طويلاً، ثم دعا بما لم يسمعه الناس.
ثم تكلّم، فقال أيّها الناس؛ إني قد سأتلكم سرّاً وجهراً عن إمامكم؛ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما عليّ وإما عثمان؛ فقم غلي " يا عليّ، فقام إلي عليّ، فوقف تحت المنبر؛ فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا؛ ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي؛ قال: فأرسل يده ثم نادى: قم إليّ يا عثمان؛ فأخذ بيده - هو في موقف عليّ الذي كان فيه - فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة منبيّه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهمّ نعم؛ قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد، ويده في يد عثمان، ثم قال: اللهمّ اسمع واشهد؛ اللهمّ إنِّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان. قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعدالنبي صلى الله عليه وسلّم من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعون، وتلكأ عليّ، فقال عبد الرحمن: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً " ؛ فرجع عليّ يشقّ الناس؛ حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيَّما خدعة! قال عبد العزيز: وإنما سبب قول عليّ خدعة؛ أن عمرو بن العاص كان قال لقي عليّاً في ليالي الشورى، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد، وإنّه متى أعطيته العزيمة ان أزهد له فيك؛ ولكن الجهد والطاقة؛ فإنه أرغب له فيك. قال:ثم لقى عثمان، فقال: إنّ عبد الرحمن رجل مجتهد، وليس والله يبايعك إلاّ بالعزيمة، فاقبل؛ فلذلك قال عليّ: خدعة.
قال: ثم انصرف بعثمان إلى بيت فاطمة ابنة قيس، فجلس والناس معه، فقام المغيرة بن شعبة خطيباً، فقال: يا أبا محمد، الحمد لله الذي وفقك؛ والله ما كان لها غير عثمان - وعليّ جالس - فقال عبد الرحمن: يا بن الدّباغ؛ ما أنت وذاك! والله ما كنت أبايع أحداً إلاّ قلت فيه هذه المقالة! قال: ثم جلس عثمان في جانب المسجد؛ ودعا بعبيد الله بن عمر - وكان محبوساً في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وبانة أبي لؤلؤة، وكان يوقل: والله لأقتلنّ رجالاً ممن شرك في دم أبي - يعرّض بالمهاجرين والأنصار - فقام إليه سعد، فنزعالسيف من يده؛ وجذب شعره حتى أضجعه إلى الأرض، وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه؛ فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا عليّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فقال عليّ: أرى أن تقتله، فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنة اليوم! فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله قد أعافك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان؛ إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك؛ قال عثمان: أنا وليّهم، وقد جعلتها ديةً، واحتملتها في مالي.
قال: وكان رجل من الأنصار يقال له زياد بن لبيد البيّاضيّ إذا رأى عبيد الله بن عمر، قال:
ألا يا عبيد الله مالك مهرب ... ولا مجلجأ من ابن أروى ولا خفر
أصبت دماً والله في غير حلّه ... حراماً وقتل الهرمزان له خطر
على غير شيء غير أ، قال قائل ... أتتهمون الهرمزان على عمر
فقال سفيه والحوادث جمَّةنعم اتَّهمه قد أشار وقد أمر
وكان سلاح العبد في جوف بيته ... يقلبها والأمر بالأمر يعتبر
قال: فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره، فدعا عثمان زياد بن لبيد، فنهاه. قال: فأنشأ زياد يوقل في عثمان:
أبا عمرو عبيد الله رهن ... فلا تشكك بقتل الهرمزان
فإنك إن غفرت الجرم عنه ... وأسباب الخطا فرسا رهان
أتعفو إذ عفوت بغير حقّ ... فما لك بالذي تحي يدان!
فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشدّ به
كتب إلى السرى، عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب،أن عبد الرحمن بن أبي بكر قال غداة طعن عمر: مررت على أبي لؤلؤة عشيّ أمس؛ ومعه جفينة والهرمزان، وهم نجيّ، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في سوطه؛ فانظروا بأي شيء قتل؛ وقد تخلل أهل المسجد، وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميميّ، وقد كان ألظَّ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر، حتى أخذه فقتله؛ وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن بن أبي بكر، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر؛ فأمسك حتى مات عمر؛ ثمّ اشتمل على السيف؛ فأتى الهرمزان فقتله؛ فلما عضّه السيف قال: لا إله إلا الله. ثمّ مضى حتى أتى جفينة - وكان نصرنيّاً من أهل الحيرة ظئراً لسعد بن مالك، أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم، وليعلّم بالمدينة الكتابة - فلما علاه بالسيف صلب بين عينيه. وبلغ لك صهيباً، فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه، ويقول: السيف بأبي وأميّ! حتىناوله إياه، وثاروه سعيد فأخذ بشعره، وجاءوا إلى صهيب.
عمّال عمر رضي الله عنه على الأمصار وكان عامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه - في السنة التي قتل فيها؛ وهي سنة ثلاث وعشرين - على مكّة نافع بن عبد الحارث الخزاعيّ، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثَّقفيّ، وعلى صنعاء يعلى بن منية؛ حليف بني نوفل ابن عبد مناف، وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة؛ وعلى البصرة أبو موسى الأشعريّ، وعلى مصر عمرو بن العاص؛ وعلى حمص عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية بن أبي سفيان؛ وعلى البحرين وما والاهما عثمان بن أبي العاص الثقفيّ.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث وعشرين - توفي، فيما زعم الواقديّ - قتادة ابن النّعمان الظفريّ وصلى عليه عمر بن الخطّاب.
وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغعمّورية؛ ومعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم معبادة بن الصامت وأبو أيّوب خالد بن زيد وأبو ذرّ وشدّاد بن أوس.
وفيها فتح معاوية عسقلان على صلح.
وقيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفى فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه شريح، وعلى البصرة كعب بن سور؛ وأما مصعب بن عبد الله فإنه ذكر أنّ مالك بن أنس روى عن ابن شهاب؛ أن أبا بكر وعمر رضي الله عنه عنهما لم يكن لهما قاض.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة
ففيها بويع لعثمان بن عفان بالخلافة، واختلف في الوقت الذي بويع له فيه؛ فقال بعضهم ما حدّثني به الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قالك أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد ابن أبي وقّاص، معن عثمان بن محمّد الأخنسيّ. قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد عن أبيه، قالا: بويع عثمان بن عفّان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته المحرّم سنة أربع وعشرين.
وقال آخرون: ما حدّثني به أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: بويع لعثمان عام الرُّعاف سنة أربع وعشرين، قيل: إنما قيل لهذه السنة عام الرّعاف؛ لأنه كثر الرُّعاف فيها في الناس.
وقال آخرون - فيما كتب به إليّ السَّريّ، عن شعيب، عن شعيب، عن خليد بن ذفرة مجالد؛ قالا: استخلف عثمان لثلاث مضين من المحرّم سنة أربع وعشرين، فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد: ووفّد فاستنّ به.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمر، عن الشعبيّ، قال: اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضيْن من المحرّم، وقد دخل وقت العصر، وقد أذّن مؤذّن صهيب، واجتمعوا بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزاد الناس مائة، ووفّد أهل الأمصار، وهو أوّل من صنع ذلك.
وقال آخرون - فيما ذكر ابن سعد، عن الواقديّ، عن ابن جريج عن ابن مليكة، قال: بويع لعثمان لعشر مضين من المحرّم، بعد مقتل عمر بثلاث ليال.
خطبة عثمان وقتل عبيد الله بن عمر الهرمزان
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: لما بايع أهل الشورى عثمان، خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى منبر رسول صلى الله عليه وسلّم، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبيّ صلى الله عليه وسلّم ، وقال: إنكم في دار قلعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه؛ فلقد أتيتم، صبَّحتم أو مسِّيتم؛ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا، ولا يغرنَّكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى، ثم جدُّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم. أين أبناء الدينا وإخوانها الذين آثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلاُ؛ ألم تلفظهم! أرموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة؛ فإنّ الله قد ضرب لها مثلاُ؛ وللّذي هو خير، فقال عزّ وجلّ " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " - إلى قوله - " أملا " ، وأقبل الناس يبايعونه.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي منصور، قال: سمعت القماذبان يحدّث عن قتل أبيه، قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمرّ فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟ فقال: آنس به؛ فرآه رجل، فلما أصيب عمر، قال: رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز. فأقبل عبيد الله فقتله؛ فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بنيّ، هذا قاتل أبيك؛ وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله؛ فخرجت به وما في الأرض أحد إلاّ معي؛ إلاّ أنهم يطلبون إليّ فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم - وسبّوا عبيد الله - فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبّوه فتركته لله ولهم. فاحتملوني؛ فوالله ما بلغت المنزل إلاّ على رؤوس الرّجال وأكفّهم.
ولاية سعد بن أبي وقّاص الكوفة وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولاّها سعد بن أبي وقاص - فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ، قال: كان عمر قال: أوصي الخليفة من بعدي أن يستعمل سعد بن أبي وقّاص، فإنّي لم أعزله عن سوء، وقد خشيت أن يلحقه من ذلك. وكان أوّل عامل بعث به عثمان سعد بن أبي وقاص على الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة، والمغيرة يومئذ بالمدينة، فعمل عليها سعد سنة وبعض أخرى، وأقرّ أبا موسى سنوات.
وأمّا الواقديّ فإنه ذكر أنّ أسامة بن زيد بن أسلم حدّثه، عن أبيه؛ أن عمر أوصى أن يقرّ عمّاله سنة؛ فلما ولي عثمان أقرّ المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله، واستعمل سعد بن أبي وقاص ثم عزله، واستعمل الوليد ابن عقبة. فإن كان صحيحاً ما رواه الواقديّ من ذلك، فولاية سعد الكوفة من قبل عثمان كانت سنة خمس وعشرين.
كتب عثمان إلى عمّاله وولاته والعامّة كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: لما وليَ عثمان بعث عبد الله بن عامر إلى كابل - وهي عمالة سجستان - فبلغ كابل حتى استفرغها، فكانت عمالة سجستان أعظم من خراسان؛ حتى مات معاوية، وامتنع أهل كابل.
قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه عثمان إلى عمّاله: أمّا بعد؛ فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدّم إليهم أن يكونوا جباةً؛ وإنّ صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، لم يخلقوا جباة، وليوشكنّ أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإنّ أعدل السّيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم؛ ثم تثنّوا بالذمّة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم. ثم العدوّ الذي تنتابون؛ فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه عثمان إلى عمّاله: أمّا بعد؛ فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدّم إليهم أن يكونوا جباة؛ وإنّ صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، لم يخلقوا جباة، وليوشكنّ أئمتكم أن يصيروا جباة ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإنّ أعدل السّيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم ما لهم، وتأخذوهم بما عليهم؛ ثم تثنّوا بالذمّة، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم. ثم العدوّ الذي تنتابون؛ فاستفتحوا عليهم بالوفاء.
قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج: أمّا بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم؛ وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنّا، بل كان عن ملإ منّا، ولا يبلغنّي عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغيّر الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم؛ فانظروا كيف تكونون، فإني أنظر فيما الزمني الله النّظر فيه، والقيام عليه.
قالوا: وكان أوّل كتاب كتبه إلى عمّال الخراج: أمّا بعد، فإن الله خلق الخلق بالحقّ؛ فلا يقبل إلا الحقّ، خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ به. والأمانة الأمانة؛ قوموا عليها، ولا تكونوا أوّل من يسلبها، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم والوفاء الوفاء؛ لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد؛ فإن الله خصم لمن ظلمهم.
قالوا: وكان كتابه إلى العامّة: أمّا بعد، فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتّباع؛ فلا تلفتنّكم الدنيا عن أمركم؛ فإنّ أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم: تكامل النعم، وبلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: الكفر في العجمة؛ فإذا استعجم عليهم أمر تكلّفوا وابتدعوا.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عاصم بن سليمان، عن عامر الشعبيّ، قال: أوّل خليفة زاد الناس في أعطياتهم مائة عثمان؛ فجرت وكان عمر يجعل لكلّ نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهماً في كلّ يوم، وفرض لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم درهمين درهمين؛ فقيل له: لو صنعت لهم طعاماً فجمعتهم عليه! فقال: أشبع الناس في بيوتهم. فأقرّ عثمان الذي كان صنع عمر؛ وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترّين بالناس في رمضان.
غزوة أذربيجان وأرمينية وفي هذه السنة - أعني سنة أربع وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية، لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام أيّام عمر في رواية أبي مخنف؛ وأمّا في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ستّ وعشرين.
ذكر الخبر عن ذلك وما كان من أمر المسلمين وأمرهم في هذه الغزوة: ذكر هشام بن محمد، أنّ أبا مخنف حدّثه عن فروة بن لقيط الأزديّ، ثمّ الغامديّ؛ أنّ مغازي أهل الكوفة كانت الريّ وأذربيجان، وكان بالثغرين عشرة آلاف مقاتل من أهل الكوفة؛ ستة آلاف بأذربيجان وأربعة آلاف بالرّيّ، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ألف مقاتل؛ وكان يغزو هذين الثغرين منهم عشرة آلاف في كلّ سنة؛ فكان الرجل يصيبه في كلّ أربع سنين غزوة؛ فغزا الوليد بن عقبة في إمارته على الكوفة في سلطان عثمان أذربيجان وأرمينية، فدعا سلمان بن ربيعة الباهليّ فبعثه أمامه مقدّمة له، وخرج الوليد في جماعة الناس؛ وهو يريد أن يمعن في أرض أرمينية، فمضى في الناس حتى دخل أذربيجان، فبعث عبد الله بن شبيل بن عوف الأحمسيّ في أربعة آلاف، فأغار على أهل موقان والببر والطيلسان؛ فأصاب من أموالهم وغنم، وتحرّز القوم منه، وسبى منهم سبياً يسيراً، فأقبل إلى الوليد بن عقبة.
ثم إن الوليد صالح أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم؛ وذلك هو الصلح الذي كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان سنة اثنتين وعشرين بعد وقعة نهاوند بسنة. ثم إنهم حبسوها عند وفاة عمر، فلما ولي عثمان وولي الوليد ابن عقبة الكوفة، سار حتى وطئهم بالجيش؛ فلما رأوا ذلك انقادوا له، وطلبوا إليه أن يتمّ لهم على ذلك الصلح، ففعل؛ فقبض منهم المال، وبثّ فيمن حولهم من أعداء المسلمين الغازات؛ فلما رجع إليه عبد الله بن شبيل الأحمسيّ من غارته تلك - وقد سلم وغنم - بعث سلمان بن ربيعة الباهليّ إلى أرمينية في اثني عشر ألفاً، سنة أربع وعشرين. فسار في أرض أرمينية فقتل وسبى وغنم. ثم إنه انصرف وقد ملأ يديه حتى أتى الوليد. فانصرف الوليد وقد ظفر وأصاب حاجته.
إجلاب الروم على المسلمين واستمداد المسلمين من بالكوفة وفي هذه السنة - في رواية أبي مخنف - جاشت الرّوم، حتّى استمدّ من بالشأم من جيوش اللمسلمين من عثمان مدداً.
ذكر الخبر عن ذلك: قال هشام: حدّثني أبو مخنف، قال: حدّثني فروة بن لقيط الأزديّ، قال: لما أصاب الوليد حاجته من أرمينية في الغزوة التي ذكرتها في سنة أربع وعشرين من تاريخه، ودخل الموصل فنزل الحديثة، أتاه كتاب من عثمان رضي الله عنه:
أمّا بعد؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان كتب إليّ يخبرني أنّ الروم قد أجلبت على المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدّهم إخوانهم من أهل الكوفة؛ فإذا أتاك كتابي هذا فابعث رجلاً ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي؛ والسلام.
فقام الوليد في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد أيّها الناس؛ فإنّ الله قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسناً؛ ردّ عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلاداً لم تكن افتتحت، وردّهم سالمين غانمين مأجورين، فالحمد لله رب العالمين. وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يأمرني أن أندب منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف، تمدّون إخوانكم من أهل الشأم، فإنهم قد جاشت عليهم الرّوم؛ وفي ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين، فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهليّ. قال: فانتدب الناس، فلم يمض ثالثة حتى خرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشأم إلى أرض الرّوم؛ وعلى جند أهل الشأم حبيب بن مسلمة بن خالد الفهريّ، وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة الباهليّ؛ فشنّوا الغارات على أرض الروم، فأصاب الناس ما شاءوا من سبي، وملئوا أيديهم من المغنم، وافتتحوا بها حصوناً كثيرة.
وزعم الواقديّ أنّ الذي أمدّ حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص، وقال: كان سبب ذلك أنّ عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يغزي حبيب بن مسلمةف ي أهل الشأم أرمينية، فوجّهه إليها، فبلغ حبيباً أن الموريان الروميّ قد توجّه نحوه في ثمانين ألفاً من الروم والتّرك، فكتب بذلك حبيب إلى معاوية، فكتب معاوية به إلى عثمان، فكتب عثمان إلى سعيد ابن العاص يأمره بإمداد حبيب بن مسلمة، فأمدّه بسلمان بن ربيعة في ستة آلاف، وكان حبيب صاحب كيد، فأجمع على أن يبيّت الموريان، فسمعته امرأته أمّ عبد الله بنت يزيد الكلبيّية يذكر ذلك، فقالت له: فأين موعدك؟ قال: سرادق الموريان أو الجنّة، ثم بيّتهم، فقتل من أشرف له، وأتى السّرادق فوجد امرأته قد سبقت؛ وكانت أوّل امرأة من العرب ضرب عليها سرادق، ومات عنها حبيب، فخلف عليها الضّحّاك بن قيس الفهريّ، فهي أمّ ولده.
واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ.
وقال آخرون: بل حجّ في هذه السنة عثمان بن عفان.
وأما الاختلاف في الفتوح التي نسبها بعض الناس إلى أنها كانت في عهد عمر، وبعضهم إلى أنها كانت في إمارة عثمان، فقد ذكرت قبل فيما مضى من كتابنا هذا ذكر اختلاف المختلفين في تاريخ كلّ فتح كان من ذلك.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين
ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها
فقال أبو معشر، فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّن قال: حدّثني محدّث، عن إسحاق بن عيسى عنه: كان فتح الإسكندريّة سنة خمس وعشرين.
وقال الواقديّ: وفي هذه السنة نقضت الإسكندرية عهدها، فعزاهم عمرو بن العاص فقتلهم؛ وقد ذكرنا خبرها قبل فيما مضى، ومن خالف أبا معشر والواقديّ في تأريخ ذلك.
وفيها كان أيضاً - في قول الواقديّ - توجيه عبد الله بن سعد بن أبي سرح الخيل إلى المغرب.
قال: وكان عمرو بن العاص قد بعث بعثاً قبل ذلك إلى المغرب، فأصابوا غنائم، فكتب عبد الله يستأذنه في الغزو إلى إفريقية، فأذن له.
قال: وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان، واستخلف على المدينة.
قال: وفيها فتح الحصون وأميرهم معاوية بن أبي سفيان.
قال: وفيها ولد يزيد بن معاوية.
قال: وفيها كانت سابور الأولى فتحت.
ثم دخلت سنة ست وعشرين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة
فكان فيها - في قول أبي معشر والواقديّ - فتح سابور؛ وقد مضى ذكر الخبر عنها في قول من خالفهما في ذلك.
وقال الواقديّ: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم.
وقال: فيها زاد عثمان في المسجد الحرام، ووسّعه وابتاع من قوم وأبى آخرون؛ فهدم عليهم؛ ووضع الأثمان في بيت المال؛ فصيّحوا بعثمان، فأمر بهم بالحبس، وقال: أتدرون ما جرّأكم عليّ! ما جرّأكم عليّ إلا حلمي، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيّحوا به. ثم كلّمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد، فأخرجوا.
قال: وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان.
وفي هذه السنة عزل عثمان سعداً عن الكوفة، وولاّها الوليد بن عقبة في قول الواقديّ؛ وأمّا في قول سيف فإنه عزله عنها في سنة خمس وعشرين.
وفيها ولي الوليد عليها، وذلك أنه زعم أنه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة حين مات عمر، ووجّه سعداً إليها عاملاً، فعمل له عليها سنة وأشهراً.
ذكر سبب عزل عثمان عن الكوفة سعداً واستعماله عليها الوليد كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: كان أوّل ما نزع به بين أهل اعلكوفة - وهو أوّل مصر نزغ الشيطان بينهم في الإسلام - أنّ سعد بن أبي وقاص استقرض من عبد الله بن مسعود من بيت المال مالاً، فأقرضه، فلمّا تقاضاه لم يتيسّر عليه، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس من الناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس من الناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضاً، يلوم هؤلاء سعداً ويلوم هؤلاء عبد الله.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كنت جالساً عند سعد، وعنده ابن أخيه هاشم بن عتبة، فأتى ابن مسعود سعداً، فقال له: أدّ المال الذي قبلك، فقال له سعد: ما أراك إلا ستلقى شرّاً! هل أنت إلا ابن مسعود، عبد من هذيل! فقال: أجل؛ والله إني لابن مسعود، وإنك لابن حمينة، فقال هاشم: أجل والله إنّكما لصاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ينظر إليكما. فطرح سعد عوداً كان في يده - وكان رجلاً فيه جدّة - ورفع يديه، وقال: اللهمّ ربّ السموات والأرض... فقال عبد الله: ويلك! قل خيراً، ولا تلعن، فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا اتّقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك. فولى عبد الله سريعاً حتى خرج.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن الوليد، عن المسيّب بن عبد خير، عن عبد الله بن عكيم، قال: لما وقع بين ابن مسعود وسعد الكلام في قرض أقرضه عبد الله إياه؛ فلم يتيسر على سعد قضاؤه؛ غضب عليهما عثمان، وانتزعها من سعد، وعزله وغضب على عبد الله وأقرّه، واستعمل الوليد بن عقبة - وكان عاملاً لعمر على ربيعة بالجزيرة - فقدم الكوفة فلم يتّخذ لداره باباً حتى خرج من الكوفة.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما بلغ عثمان الذي كان بين عبد الله وسعد فيما كان، غضب عليهما وهمّ بهما، ثم ترك ذلك، وعزل سعداً، وأخذ ما عليه، وأقرّ عبد الله، وتقدّم إليه، وأمّر مكان سعد الوليد بن عقبة - وكان على عرب الجزيرة عاملاً لعمر بن الخطاب - فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان، وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى، فقدم الكوفة، وكان أحبّ الناس في الناس وأرفقهم بهم؛ فكان كذلك خمس سنين وليس على داره باب.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين
ذكر الأحداث المشهورة التي كانت فيها
فمما كان فيها من ذلك فتح إفريقية على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، قال: حدّثنا محدّث، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر؛ وهو قول الواقديّ أيضاً.
ذكر الخبر عن فتحها، وعن سبب ولاية عبد الله بن سعد ابن أبي سرح مصر، وعزل عثمان عمرو بن العاص عنها: كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: مات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى قضائها خارجة بن حذافة السهميّ، فولى عثمان، فأقرهما سنتين من إمارته ثم عزل عمراً، واستعمل عبد الله ابن سعد بن أبي سرح.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان؛ قالا: لما ولي عثمان أقرّ عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحداً إلاّ عن شكاة أو استعفاء من غير شكاة؛ وكان عبد الله بن سعد من جند مصر، فأمّر عبد الله بن سعد على جنده، ورماه بالرّجال، وسرّحه إلى إفريقية وسرحّ معه عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريّين، وقال لعبد الله بن سعد: إنْ فتح الله عزّ وجل عليك غداً إفريقية، فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا. وأمّر العبدين على الجند، ورماهما بالرجال، وسرّحهما إلى الأندلس؛ وأمرهما وعبد الله بن سعد بالاجتماع على الأجلّ، ثم يقيم عبد الله بن سعد في عمله ويسيران إلى عملهما.
فخرجوا حتى قطعوا مصر، فلمّا وغلوا في أرض إفريقية فأمعنوا انتهوا إلى الأجلّ، ومعه الأفناء، فاقتتلوا، فقتل الأجلّ، قتله عبد الله بن سعد وفتح إفريقية سهلها وجبلها. ثم اجتمعوا على الإسلام، وحسنت طاعتهم، وقسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند؛ وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع ابن وثيمة النّصريّ، وضرب فسطاطاً في موضع القيروان، ووفّد وفداً، فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: أنا نفّلته - وكذلك كان يصنع - وقد أمرت له بذلك، وذاك إليكم الآن؛ فإن رضيتم فقد جاز، وإن سخطتم فهو ردّ. قالوا: فإنا نسخطه، قال: فهو ردّ، وكتب إلى عبد الله بردّ ذلك واستصلاحهم، قالوا: فاعزله عنّا، فإنا لا نريد أن يتأمّر علينا، وقد وقع ما وقع؛ فكتب إليه أن استخلف على إفريقية رجلاً ممن ترضى ويرضون واقسم الخمس الذي كنت نفّلتك في سبيل الله؛ فإنهم قد سخطوا النّفل. ففعل، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية، وقتل الأجلّ. فما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك؛ أحسن أمة سلاماً وطاعةً؛ حتى دبّ إليهم أهل العراق، فلما دبّ إليهم دعاة اهل العراق واستثاروهم، شقّوا عصاهم، وفرّقوا بينهم إلى اليوم. وكان من سبب تفريقهم أنهم ردّوا على أهل الأهواء، فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورهم؛ فخرج ميسرة في بضعة عشر إنساناً حتى يقدم على هشام، فطلبوا الإذن، فصعب عليهم، فأتوا الأبرش، فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين أنّ أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب نفّلهم دوننا وقال: هم أحقّ به؛ فقلنا: هو أخلص لجهادنا، لأنا لا نأخذ منه شيئاً، إن كان لنا فهم منه في حلّ؛ وإن لم يكن لنا لم نرده. وقالوا: إذا حاصرنا مدينة قال: تقدّموا وأخّر جنده، فقلنا: تقدّموا، فإنه ازدياد في الجهاد، ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم. ثمّ إنهم عمدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يبقرونها على السّخال يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين! فاحتملنا ذلك، وخلّيناهم وذلك. ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنّة، ونحن مسلمون؛ فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا؟ قال: نفعل؛ فلما طال عليهم ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رقاع، ورفعوها إلى الوزراء، وقالوا: هذه أسماؤنا وأنسابنا؛ فإن سألكم أمير المؤمنين عنّا فأخبروه، ثم كان وجههم إلى إفريقية؛ فخرجوا على عامل هشام فقتلوه، واستولوا على إفريقية؛ وبلغ هشاماً الخبر، وسأل عن النّفر، فرفعت إليه أسماؤهم، فإذا هم الذين جاء الخبر أنهم صنعوا ما صنعوا.
وكتب إليّ السّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: فخرجوا ومعهم البربر؛ فأتوها من برّها؛ ففتحها الله على المسلمين وإفرنجة؛ وازدادوا في سلطان المسلمين مثل إفريقية؛ فلما عزل عثمان عبد الله ابن سعد بن أبي سرح صرف إلى عمله عبد الله بن نافع بن عبد القيس؛ وكان عليها، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر؛ ولم يزل أمر الأندلس كأمر إفريقية حتى كان زمان هشام، فمنع البربر أرضهم؛ وبقي من في الأندلس على حاله.
وأما الواقديّ فإنه ذكر أنّ ابن أبي سبرة حدّثه عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب، قال: لما نزع عثمان عمرو بن العاص عن مصر غضب عمرو غضباً شديداً، وحقد على عثمان، فوجّه عبد الله بن سعد، وأمره أن يمضي إلى إفريقية؛ وندب عثمان الناس إلى إفريقية؛ فخرج إليها عشرة آلاف من قريش والأنصار والمهاجرين.
قال الواقديّ: وحدّثني أسامة بن زيد الليثيّ، عن ابن كعب، قال: لما وجّه عثمان عبد الله بن سعد إلى إفريقية، كان الذي صالحهم عليه بطريق إفريقية جرجير ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، فبعث ملك الروم رسولاً، وأمره أن يأخذ منهم ثلثمائة قنطار؛ كما أخذ منهم عبد الله بن سعد؛ فجمع رؤساء إفريقية، فقال: إن الملك قد أمرني أن آخذ منكم ثلثمائة قنطار ذهب مثل ما أخذ منكم عبد الله بن سعد؛ فقالوا: ما عندنا مال نعطيه؛ فأمّا ما كان بأيدينا فقد افتدينا به أنفسنا، وأمّا الملك فإنه سيّدنا فليأخذ ما كان له عندنا من جائزة كما كنا نعطيه كلّ سنة. فلمّا رأى ذلك أمر بحبسهم، فبعثوا إلى قوم من أصحابهم، فقدموا عليه، فكسروا السجن فخرجوا، وكان الذي صالحهم عليه عبد الله بن سعد ثلثمائة قنطار ذهب؛ فأمر بها عثمان لآل الحكم. قلت: أو لمروان؟ قال: لا أدري.
قال ابن عمر: وحدّثني أسامة بن زيد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: نزع عثمان عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج، فتباغيا، فكتب عبد الله بن سعد إلى عثمان يقول: إنّ عمراً كسر الخراج. وكتب عمرو: إنّ عبد الله كسر عليّ حيلة الحرب، فكتب عثمان إلى عمرو: انصرف؛ وولّى عبد الله بن سعد الخراج والجند، فقدم عمرو مغضباً، فدخل على عثمان وعليه جبّة يمانية محشوّة قطناً، فقال له عثمان: ما حشو جبّتك؟ قال: عمرو، قال عثمان: قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا، إنما سألت: أقطن هو أم غيره؟ قال الواقديّ: وحدّثني أسامة بن زيد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: بعث عبد الله بن سعد إلى عثمان بمال من مصر، قد حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان؛ فقال عثمان: يا عمرو، هل تعلم أنّ تلك اللقاح درّت بعدك! فقال عمرو: إنّ فصالها هلكت.
وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقال الواقديّ: وفي هذه السنة كان فتح إصطخر الثاني على يد عثمان ابن أبي العاص.
قال: وفيها غزا معاوية قنّسرين.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة
فمما ذكر أنه كان فيها فتح قبرس، على يد معاوية، غزاها بأمر عثمان إيّاه؛ وذلك في قول الواقديّ.
فأمّا أبو معشر فإنه قال: كانت قبرس سنة ثلاث وثلاثين، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وقال بعضهم: كانت قبرس سنة سبع وعشرين، غزاها - فيما ذكر - جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فيهم أبو ذرّ وعبادة بن الصامت؛ ومعه زوجته أمّ حرام والمقداد وأبو الدّرداء، وشدّاد بن أوس.
ذكر الخبر عن غزوة معاوية إيّاها: كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الربيع بن النّعمان النّصريّ وأبي المجالد جراد بن عمرو، عن رجاء بن حيوة وأبي حارثة وأبي عثمان، عن رجاء وعبادة وخالد: قالوا: ألحّ معاوية في زمانه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غزو البحر وقرب الروم من حمص؛ وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم؛ حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر؛ فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه؛ فإنّ نفسي تنازعني إليه.
وقال عبادة وخالد: لما أخبره ما للمسلمين في ذلك وما على المشركين، فكتب إليه عمرو: إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير؛ إن ركن خرّق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول؛ يزداد فيه اليقين قلّة، والشكّ كثرة، هم فيه كدود على عدود؛ إن مال غرق، وإن نجا برق.
فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية: لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سعيد، عن عبادة بن نسيّ، عن جنادة بن أبي أميّة الأزديّ، قال: كان معاوية كتب إلى عمر كتاباً في غزو البحر يرغّبه فيه، ويقول: يا أمير المؤمنين، إنّ بالشأم قرية يسمع أهلها نباح كلاب الرّوم وصياح ديوكهم؛ وهم تلقاء ساحل من سواحل حمص؛ فاتّهمه عمر لأنه المشير؛ فكتب إلى عمرو: أن صف لي البحر؛ ثم اكتب إليّ بخبره: فكتب إليه: ياأمير المؤمنين، إني رأيت خلقاً عظيماُ، يركبه خلق صغير؛ ليس إلا السّماء والماء؛ وإنما هم كدودٍ على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وأبي حارثة، عن عبادة، عن جنادة بن أبي أميّة والربيع وأبي المجالد، قالوا: كتب عمر إلى معاوية: إنا سمعنا أن بحر الشأم يشرف على أطول شيء على الأرض؛ يستأذن الله في كلّ يوم وليلة في أن يفيض على الأرض فيغرّقها؛ فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب؛ وتالله لمسلم أحبّ إليّ مما حوت الروم؛ فإيّاك أن تعرض لي؛ وقد تقدّمت إليك، وقد علمت ما لقي العلاء منّي، ولم أتقدّم إليه في مثل ذلك.
وقالوا: ترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمر وقاربه، وسأله عن كلمة يجتمع فيها العلم كله، فكتب إليه: أحبّ للناس ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمة كلّها. واعتبر الناس بما يليلك، تجمتع لك المعرفة كلها.
وكتب إليه ملك الروم - وبعث إليه بقارورة: أن املأ لي هذه القارورة من كلّ شيء، فملأها ماء، وكتب إليه: إنّ هذا كلّ شيء من الدنيا.
وكتب إليه ملك الروم: ما بين الحق والباطل؟ فكتب إليه: أربع أصابع الحقّ، فيما يرى عياناُ، والباطل كثيراً يستمع به فيما لم يعاين.
وكتب إلى ملك الروم يسأله عمّا بين السماء والأرض وبين المشرق والمغرب، فكتب إليه: مسيرة خمسمائة عام للمسافر؛ لو كان طريقاً متبسوطاً.
قال: وبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم بطيب ومشارب وأحفاش من أحفاش النساء، ودسّته إلى البريد، فأبلغه لها، وأخذ منه. وجاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها، وقالت: هذه هدّية امرأة ملك العرب، وبنت نبيّهم، وكاتبتها وكافأتها، وأهدت لها؛ وفيما أهدت لها عقد فاخر. فلما انتهى به البريد إليه أمره بإمساكه، ودعا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلّى بهم ركعتين، وقال: إنه لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري؛ قولوا في هديّة أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم؛ فأهدت لها امرأة ملك الروم، فقال قائلون: هو لها بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمّة فتصانع به، ولا تحت يدك فتتّقيك.
وقال آخرون: قد كنّا نهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتباع، ولنصيب ثمناً. فقال: ولكنّ الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم، والمسلمون عظّموها في صدرها. فأمر بردّها إلى بيت المال، وردّ عليها بقدر نفقتها.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة، عن خالد بن معدان، قال: أوّل من غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمان عثمان بن عفان، وقد كان استأذن عمر فيه فلم يأذن له؛ فلما ولي عثمان لم يزل به معاوية؛ حتى عزم عثمان على ذلك بأخرة، وقال: لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم؛ خيرهم؛ فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه، ففعل واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسيّ حليف بني فزارة، فغزا خمسين غزاة من بين شاتية وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب؛ وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده، وألاّ يبتليه بمصاب أحد منهم، ففعل، حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده؛ خرج في قارب طليعة، فانتهى إلىالمرقى من أرض الروم؛ وعليه سؤّال يعترّون بذلك المكان، فتصدّق عليهم، فرجعت امرأة من السؤّال إلى قريتها، فقال للرجال: هل لكم في عبد الله بن قيس؟ قالوا: وأين هو؟ قالت: في المرقى، قالوا: أي عدوّة الله! ومن أين تعرفين عبد الله بن قيس؟ فوبّختهم، وقالت: أنتم أعجز من أن يخفى عبد الله على أحد. فثاروا إليه، فهجموا عليه، فقاتلوه وقاتلهم، فأصيب وحده؛ وألفت الملاّح حتى أتى أصحابه، فجاءوا حتىأرقوا، والخليفة منهم سفيان بن عوف الأزديّ، فخرج فقاتلهم، فضجر وجعل يعبث بأصحابه ويشتمهم، فقالت جارية عبد ه: واعبد الله، ما هكذا كان يقول حين يقاتل! فقال سفيان: وكيف كان يقول؟ قالت: الغمرات ثم ينجلينا فترك ما كان يقول، ولزم: الغمرات ثم ينجلينا. وأصيب في المسلمين يومئذ، وذلك آخر زمان عبد الله بن قيس الجاسي؛ وقيل لتلك المرأة بعد: بأيّ شيء عرفتيه؟ قالت: بصدقته؛ أعطى كما يعطي الملوك؛ ولم يقبض قبض التجّار.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: قيل لتلك المرأة التي استثارت الرّوم على عبد الله بن قيس: كيف عرفته؟ قالت: كان كالتاجر، فلمّا سألته أعطاني كالملك؛ فعرفت أنه عبد الله بن قيس.
وكتب إلى معاوية والعمّال: أمّا بعد، فقوموا على ما فارقتم عليه عمر، ولا تبدّلوا، ومهما أشكل عليكم، فردّوه إلينا نجمع عليه الأمة، ثمّ نردّه عليكم؛ وإيّاكم أن تغيِّروا، فإنّي لست قابلاً منكم إلا ما كان عمر يقبل.
وقد كانت تنتقض فيما بين صلح عمر وولاية عثمان تلك الناحية فيبعث إليها الرجل فيفتحها الله على يديه، فيحسب له ذلك؛ وأما الفتوح فلأوّل من وليها.
قال أبو جعفر: ولما غزا معاوية قبرس؛ صالح أهلها - فيما حدّثني عليّ بن سهل، قال: جدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني سليمان بن أبي كريمة والليث بن سعد وغيرهما من مشيخة ساحل دمشق؛ أنّ صلح قبرس وقع على جزية سبعة آلاف دينار يؤدّونها إلى المسلمين في كلّ سنة، ويؤدُّون إلى الروم مثلها، ليس للمسلمين أنيحولوا بينهم وبين ذلك، على ألاّ يغزوهم ولا يقاتلوا من وراءهم ممن أرادهم من خلفهم، وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوّهم من الروم إليهم؛ وعلى أن يبطرق إمام المسلمين عليهم منهم.
وقال الواقديّ: غزا معاوية في سنة ثمان وعشرين قبرس، وغزاها أهل مصر وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حتى لقوا معاوية، فكان على الناس.
قال: وحدثني ثوري بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، قال: لما سبيناهم نظرت إلى أبي الدّرداء يبكي، فقلت: ما يبكيك في يوم أعزّ الله فيه الإسلام وأهله، وأذل " فيه الكفر وأهله؟ قال: فضرب بيده على منكبي، وقال: ثكلتك أمّك يا جبير! ما أهون الخلق عى الله إذا تركوا أمره! بينا هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك؛ إذ تركوا أمر ه، فصاروا إلى ما ترى، فسلَّط عليهم السبَّاء، وإذا سلِّط السِّباء على قوم فليس الله فيهم حاجة.
قال الواقديّ: موحدّثني أبو سعيد، أنّ معاوية بن أبي سفيان صالح أهل قبرس في ولاية عثمان؛ وهو أوّل من غزا الروم؛ وفي العهد الذي بينه وبينهم ألاّ يتزوّجوا في عدوّنا من الرّوم إلاّ بإذننا.
قال الواقديَ: وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الرّوم.
وفيها تزوّج عثمان نائلة ابنة الفرافصة الكلبية وكانت نصرانية، فتحنَثت قبل أن يدخل بها.
قال: وفيها بني داره بالمدينة، الزّوراء، وفرغ منها.
قال: وفيها كان فتح فارس الأول، وإصطخر الآخر وأميرها هشام ابن عامر.
قال: وحجّ بالناس عثمان في هذه السنة.
ثم دخلت سنة تسع وعشرين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة
ففيها عزل عثمان أبا موسى الأشعريّ عن البصرة، وكان عامله عليها ستّ سنين، وولاّها عبد الله بن عامر بن كريز، وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة، فقدمها. وقد قيل: إنّ أبا موسى إنما عمل لعثمان على البصرة ثلاث سنين.
وذكر عليّ بن محمد أن محارباً أخبره، عن عوف الأعرابيّ، قال: خرج غيلان بن خرشة الضبيّ إلى عثمان بن عفان، فقال: أما لكم صغير فتستشبّوه فتولّوه البصرة! حتى متى بلى هذا الشيخ البصرة! يعني أبا موسى؛ وكان وليها بعد موت عمر ستّ سنين.
قال: فعزله عثمان عنها، وبعث عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة ابن حبيب بن عبد شمس، وأمه دجَّاجة ابنة أسماء السُّلميّ؛ وهو ابن خال عثمان بن عفان. قال مسلمة: فقدم البصرة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، سنة تسع وعشرين.
ذكر الخبر عن سبب عزل عثمان أبا موسى عن البصرة كتب إليّ السريّ، يذكر أنّ شعيباً حدّثه، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما ولي عثمان أقرّ أبا موسى على البصرة ثلاث سنين، وعزله في الرابعة، وأمّر على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، وعلى سجستان عبد الله بن عمير الليثيّ - وهو من كنانة - فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير في خراسان حتى بلغ فرغانة، فلم يدع دونها كورة إلا أصحها؛ وبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر التيميّ، فأثخن فيها حتى بلغ النّهر.
وبعث علي كرمان عبد الرحمن بن غبيس؛ وبعث إلى فارس والأهواز نفراً، وضمّ سواد البصرة إلى الحصين بن أبي الحرَ، ثم عزل عبد الله بن عمير، واستعمل عبد الله بن عامر فأقرّه عليها سنة ثم عزله، واستعمل عاصم بن عمرو، وعزل عبد الرحمن بن غبيس، وأعاد عديّ بن سهيل بن عديّ.
ولما كان في السنة الثالثة كفر أهل إيذج والأكراد، فنادى أبو موسى في الناس، وحضّهم وندبهم؛ وذكر من فضل الجهاد في الرجلة؛ حتى حمل نفر على دوابّهم، وأجمعوا على أن يخرجوا رجَالاً. وقال آخرون: لا والله لا نعجل بشيء حتى ننظر ما صنيعه؟ فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما فعل أصحابنا.
فلمّا كان يوم خرج أخرج ثقله من قصره على أربعين بغلاً، فتعلقوا بعنانه، وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، وارغب من الرجلة فيما رغبتنا فيه، فقنّع القوم حتى تركوا دابتّه ومضى، فأتوا عثمان، فاستعفوه منه، وقالوا: ما كلّ ما نعلم نحبّ أن نقوله، فأبد لنا به، فقال: من تحبّون؟ فقال غيلان بن خرشة: في كلِّ أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فلا ننفك من أشعريّ كان يعظّم ملكه عن الأشعرين؛ ويستصغر ملك البصرة، وإذا أمرّت علينا صغيراً كان فيه عوض منه، أو مهتراً كان فيه عوض منه؛ ومن بين ذلك من جميع الناس خير منه.
فدعا عبد الله بن عامر وأمّره على البصرة، وصرف عبيد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل على عمله عمير بن عثمان بن سعد. فاستعمل على خراسان في سنة أربع أمين بن أحمج اليشكريّ، واستعمل على سجستان في سنة أربع عمران بن الفصيل الرجميّ، وعلى كرمان عاصم بن عمرو، فما تعالى بها.
فجاشت فارس، وانتقضت بعبيد الله بن معمر، فاجتمعوا له بإصطخر، فالتقوا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله وهزم جنده؛ وبلغ الخبر عبد الله ابن عامر، فاستنفر أهل البصرة؛ وخرج معه الناس، وعلى مقدّمته عثمان ابن أبي العاص، فالتقوا هم وهم بإصطخر، وقتل منهم مقتلة عظيمة لم يزالوا منها في ذلّ؛ وكتب بذلك إلى عثمان؛ فكتب إليه بإمرة هرم بن حسان اليشكريّ، وهرم بن حيان العبديّ من عبد القيس، والحرّيت بن راشد من بني سامة، والمنجاب بن راشد، والتّرجمان الهجيميّ، على كور فاس، وفرّق خراسان بين نفر ستة: الأحنف على المروين، وحبيب بن قرّة اليربوعيّ على بلخ - وكانت مما افتتح أهل الكوفة - وخالد بن عبد الله بن زهير على هراة، وأمين بن أحمد اليشكريّ على طوس، وقيس بن الهيثم السمليّ على نيسابور - وهو أول من خرج - وعبد الله بن خازم، وهو ابن عمه. ثم إن عثمان جمعها له قبل موته؛ فمات وقيس على خراسان، واستعمل أمين بن أحمر على سجستان، ثم جعل عليها عبد الرحمن بن سمرة - وهو من آل حبيب ابن عبد شمس؛ فمات عثمان وهو عليها؛ ومات وعمران على كرمان - وعمير ابن عثمان مبن سعد على فارس، وابن كندير القشيريّ على مكران.
وقال عليّ بن محمد: أخبرنا عليّ بن مجاهد، عن أشياخه، قال: قال غيلان بن خرشة لعثمان بن عفان: أما منكم خسيس فترفعوه! أما منكم فقير فتجيروه! يا معشر قريش، حتى متى يأكل هذا الشيخ الأشعريّ هذه البلاد! فانتبه لها الشيخ؛ فولاَها عبد الله بن عامر.
قال عليّ بن محمد: أخبرنا أبو بكر الهذليّ؛ قال: وليّ عثمان ابن عامر البصرة؛ فقال الحسن: قال أبو موسى: يأتيكم غلام خرّاج ولاّج كريم الجدّات والخالات والعمات؛ يجمع له الجندان. قال: قال الحسن: فقدم ابن عامر، فجمع له جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص الثقفيّ؛ وكان عثمان بن أبي العاص فيمن عبر من عمان والبحرين.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وفد قيس بن هثيم عبد الله بن خازم إلى عبد الله بن عامر في زمان عثمان؛ وكان عبد الله بن خازم على عبد الله بن عامر كريماً، فقال له: اكتب لي على خراسان عهداً إن خرج منها قيس بن الهيثم. ففعل، فرجع إلى خراسان؛ فلما قتل عثمان وبلغ الناس الخبر، وجاش العدوّ لذلك، قال قيس: ما ترى يا عبد الله؟ قال: أرى أن تخلفني ولا تخلّف عن المضيّ حتى تنظر فيما تنظر. ففعل واستخلفه، فأخرج عبد الله عهد خلافته، وثبت على خراسان إلى أن قام عليّ رضي الله تعالى عنه، وكانت أمّ عبد الله عجلي، فقال قيس: أنا كنت أحقّ أنأكون ابن عجلي من عبد الله؛ وغضب مما صنع به الآخر.
وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس في قول الواقديّ وفي قول أبي معشر؛ حدّثني بقول أبي معشر أحمد بن ثابت، عمّن حدثه، عن إسحاق ابن عيسى، عنه. وأما قول سيف فقد ذكرناه قبل.
وفي هذه السنة - أعني سنة تسع وعشرين - زاد عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ووسّعه، وابتدأ في بنائه في شهر ربيع الأول؛ وكانت القصّة تحمل إلى عثمان من بطن نخل؛ وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حدجارة فيها رصاص، وسقفه ساجاً، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه مائة وخمسين ذراعاً، وجعل أبوابه على ما كانت عليه علىعهد عمر، ستّة أبواب.
وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان، فضرب بمنى فسطاطاً، فكان أوّل فسطاط ضربه عثمان بمنّى، وأتمّ الصلاة بها وبعرفة.
فذكر الواقديّ، عن عمر بن صالح بن نافع، عن صالح مولى التوءمة، قال: سمعت ابن عباس يقول: إن أوّل ما تكلم الناس في عثمان ظاهراً أنه صلّى بالناس بمنى في ولايته ركعتين؛ حتى إذا كانت السنة السادسة أتمّها، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ وتكلم في ذلك من يريد أن يكثِّرعليه؛ حتى جاءه عليّ فيمن جاءه، فقال: والله ما حدث أمر ولا قدم عهد؛ ولقد عهدت نبيّك صلى الله عليه وسلّم يصلّي ركعتين. ثمّ أبا بكر، ثمّ عمر، وأنت صدراً من ولايتك، فما أدري ما ترجع إليه! فقال: رأي رأيته.
قال الواقديّ: وحدّثني داود بن خالد، عن عبد الملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفيّ، عن عمّه، قال: صلّى عثمان بالناس بمنى أربعاً، فأتى آت عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلّى بالناس أربعاً! فصلىّ عبد الرحمن بن عوف بأصحابه ركعتين؛ ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ألم تصلّ في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ركعتين؟ قال: بلى، قال: أفلم تصلّ مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى، قال: ألم تصلّ مع عمر ركعتين؟ قال: بلى، قال: ألم تصلّ صدراً من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى، قال: فاسمع منّي يا أبا محمد؛ إني أخبرت أنّ بعض من حجّ من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إنّ الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين، وقد اتّخذت بمكة أهلاً، فرأيت أن أصلّي أربعاً لخوف ما أخاف على الناس؛ وأخرى قد اتّخذت بها زوجة، ولي بالطائف مال؛ فربمااطّلعته فأقمت فيه بعد الصَّدر. فقال عبد الرحمن ابن عوف: ما من هذا شيء لك فيه عذر؛ أما قولك: اتخذت أهلاً، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت وتقدم بها إذا شئت؛ إنما تسكن بسكناك.
وأما قولك: ولي مال بالطائف؛ فإن بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت لست من أهل الطائف. وأمّا قولك: يرجع من حجّ من أهل اليمن وغيرهم فيقولون : هذا إمامكم عثمان يصلّى ركعتين وهومقيم؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل؛ ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر، فضرب الإسلام بجرانه، فصلّى بهم عمر حتى مات ركعتين، فقال عثمان: مهذا رأي رأيته.
قال: فخرج عبد الرحمن فلقى ابن مسعود، فقال: أبا محمّد، غير ما يعلم؟ قال: لا، قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم؛ فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ؛ قد بلغني أنه صلّى أربعاً فصلّيت بأصحابي أربعاً، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعاً فصليّت بأصحابي أربعاً، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلّى أربعاً، فصليّت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول - يعني نصليّ معه أربعاً.
ثم دخلت سنة ثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة
فممّا كان فيها غزوة سعيد بن العاص طبرستان في قول أبي معشر، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وفي قول الواقديّ وقول عليّ بن محمد المدائنيّ: حدّثني بذلك عمر بن شبّة عنه. وأما سيفبن عمر، فإنه ذكر أن إصبهبذها صالح سويد بن مقرّن على ألاّ يغزوها؛ على مال بذله له. قد مضى ذكري الخبر عن ذلك قبل في أيام عمر رضي الله عنه .
وأما عليّ بن محمد المدائنيّ، فإنه قال - فيما حدّثني به عنه عمر: لم يغزها أحد حتى قام عثمان بن عفان رضي الله عنه، فغزاها سعيد بن العاص سنة ثلاثين.
ذكر الخبر عنه عن غزو سعيد بن العاص طبرستان
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن عليّ بن مجاهد، عن حنش بن مالك، قال: غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير؛ وخرج عبد الله ابن عامر من البصرة يريد خراسان، فسبق سعيداً ونزل أبرشهر، وبلغ نزوله أبر شهر سعيداً. فنزل سعيد قومس؛ وهي صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند؛ فأتى جرجان، فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتى طميسة، وهي كلها من طبرستان جرجان، وهي مدينة على ساحل البحر، وهي في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلّى صلاة الخوف، فقال لحذيفة: كيف صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ فأخبره، فصلّى بها سعيد صلاة الخوف، وهم يقتتلون، وضرب يومئذ سعيد رجلاًمن المشركين على حبل عاتقه، فخرج السّيف من تحت مرففقه؛ وحاصرهم، فسألوا الأمان؛ فأعطاهم على ألاّ يقتل منهم رجلاً واحداً، ففتحوا الحصن، فقتهلم جميعاً إلا رجلاً واحداً؛ وحوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بني نهد سفطاً عليه قفل، فظنّ فيه جوهراً؛ وبلغ سعيداً، فبعث إلى النهديّ، فأتاه بالسَّفط، فكسروا قفلة؛ فوجدوا فيه سفطاً، ففتحوه، فإذا فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فوجدوا خرقة حمراء فنشروها، فإذا خرقة صفراء؛ وفيها أيران: كميت وورد، فقال شاعر يهجو بني نهد:
آب الكرام بالسَّبايا غنيمة ... وفاز بنو نهد بأيرين في سفط
كميت وورد وافرين كلاهما ... فظنُّوها غنماً فناهيك من غلط!
وفتح سعيد بن العاص نامية، وليست بمدينة، هي صحارى وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن نحمد، قال: أخبرني عليّ بن مجاهد، عن حنش بن مالك التغلبيّ، قال: غزا سعيد سنة ثلاثين، فأتى جرجان وطبرستان؛ معه عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وابن الزّبير وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ فحدّثني علج كان يخدمهم قال: كنت أتيتهم بالسُّفرة، فإذا أكلوا أمروني فنفضتها وعلّقتها، فإذا أمسوا أعطوني باقيه. قال: وهلك مع سعيد بن العاص محمد بن الحكم ابن أبي عقيل الثقفيّ، جدّ يوسف بن عمر، فقال يوسف لقحذم: يا قحذم، أتدري أين مات محمد بن الححكم؟ قال: نعم، استشهد معسعيد بن العاص بطبرستان، قال: لا، مات بها وهو مع سعيد، ثم قفل سعيد إلى الكوفة، فمدحه كعب بن جعيل، فقال:
فنعم الفتى إذ جال جيلان دونه ... وإذ هبطوا من دشتي ثمَّ أبهرا
تعلم سعيد الخير أنّ مطيّتي ... إذا هبطت أشفقت من أنتعقَّرا
كأنَّك يوم الشِّعب ليث خفيَّة ... تحرَّد من ليث العرين وأصحرا
تسوس الَّذي ماسماس قبلك واحد ... ثمانين ألفاً دارعين وحسَّرا
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن كليب بن خلف وغيره؛ أنّ سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق؛ فلم يكن أحد يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلاّ على وجل وخوف من أهل جرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان، فأوّل من صيّر الطريق من قومس قتيبة ابن مسلم حين ولي خراسان.
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن كليب بن خلف العمِّيّ، عن طفيل بن مرداس العميّ وإدريس بن حنظلة العميّ؛ أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان؛ وكانوا يجبون أحياناً مائة ألف ويقولون: هذا صلحنا، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلاثمائة ألف؛ وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه؛ ثم امتنعوا وكفروا، فلم يعطوا خراجاً حتى أتاهم بزيد بن المهلب، فلم يعازّه أحد حين قدمها؛ فلما صالح صولا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاثين - عزل عثمان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولاها سعيد بن العاص في قول سيف بن عمر.
ذكر مالسب في عزل عثمان الوليد عن الكوفة وتوليته سعيداً عليها.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما بلغ عثمان الذي كان بين عبد الله وسعد غضب عليهما وهمّ بهما، ثم ترك ذلك وعزل سعداً، وأخذ ما عليه، وأقرّ عبد الله، وتقدّم إليه، وأمر مكان سعيد الوليد بن عقبة - وكان على عرب الجزيرة عاملاً لعمر بن الخطاب - تقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان؛ وقد كان سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى؛ فقدم الكوفة، وكان أحبّ الناس في الناس وأرفقهم بهم؛ فكان كذلك خمس سنين، وليس على داره باب. ثمّ إنّ شباباً من شباب أهل الكوفة.
نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعيّ، وكاثروه، فنذ ربهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرتهم استصرخ، فقالوا له: اسكت، فإنما هي ضربة حتى نريحك من روعة هذه الليلة - وأبو شريح الخزاعيّ مشرف عليهم - فصاح بهم وضربوه فقتلوه، وأحاط مالناس بهم فأخذوهم؛ وفيهم زهير بن جندب الأزديّ ومورِّع الأسديّ، وشبيل بن أبيّ الأزديّ، في عدّة. فشهد عليهم أبو شريح وابنة أنهم دخلوا عليه، فمنع بعضهم بعضاً من الناس، فقتله بعضهم، فكتب فيهم إلى عثمان، فكتب إليه في قتلهم، فقتلهم على باب القصر في الرّحبة، وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميميّ:
لا تأكلوا أبداً جيرانكم سرفاً ... أهل الزّعارة في ملك مابن عفَّان
وقال أيضاً:
إنَّ ابن عفَّان الذي جرَّبتم ... فطم اللصوص بمحكم الفرقان
ما زال يعمل بالكتاب مهيمناً ... في كلِّ عنق منهم وبنان
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن أبي سعيد، قال: كان أبو شريح الخزاعيّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فتحوّل من المدينة إلى الكوفة ليدنو من الغزو؛ فبينا هو ليلة على السطح، إذ استغاث جاره، فأشرف فإذا هو بشباب من أهل لكوفة قد بيّتوا جاره؛ وجعلوا يقولون له: لا تصح، فإنما هي ضربة حتى نريحك؛ فقتلوه. فارتحل إلى عثمان، ورجع إلى المدينة ونقل أهله، ولهذا الحديث حين كثر أحدثت القامة؛ وأخذ بقول وليّ المقتول: ليفطم الناس عن القتل عن ملإ من الناس يومئذ.
وكتب إليّ السريّ ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عثمان: القامة على المدَّعي عيه وعلى أوليائه؛ يحلف منهم خمسون رجلاً إذا لم تكن بينّة؛ فإن نقصت قسامتهم، أو إ نكل رجل واحد ردّت قسامتهم ووليها المدّعون؛ وأحلفوا، فإن حلف منهم خمسون استحقُّوا.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن عون بن عبد الله، قال: كان مما أحدث عثمان بالكوفة إلى ما كان من الخبر أنه بلغه أنّ أبا سمّال الأسديّ في نفر من أهل الكوفة، ينادي مناد لهم إذا قدم الميار: من كان هاهنا من كلب أو بني فلان ليس لقومهم بها منزل فمنزله على أبي سمّال. فاتّخذ موضع دار عقيل دار الضّيفان ودار ابن هبّار؛ وكان منزل عبد الله بن مسعود في هذيل في هذيل في موضع الرّمادة، فنزل موضع داره، وترك داره دار الضيافة، وكان الأضيفاف ينزلون داره في هذيل إذا ضاق عليهم ما حول المسجد.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عنالمغير بن مقسم، عمّن أدرك من علماء أهل الكوفة، أنّ أبا سمّال كان ينادي مناديه في السوق والكناسة: من كان ها هنا من بني فلان وفلان - لمن ليست له بها خطّة - فمنزله على أبي سمّال؛ فاتّخذ عثمان للأضياف منازل.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مولى لآل طلحة، عن موسى بن طلحة مثله.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان عمر بن الخطاب قد استعمل الوليد بن عقبة على عرب الجزية، فنزل في بني تغلب. وكان أبو زبيد في الجاهليّة والإسلام في بني تغلب حتى أسلم؛ وكانت بنو تغلب أخواله؛ فاضطهده أخواله ديّناً له؛ فأخذ له الوليد بحقّه، فشكرها له أبو زبيد، وانقطع إليه، وغشيه بالمدينة؛ فلما ولي الوليد الكوفة أتاه مسلّماً معظّماً على مثل ما كان يأتيه بالجزية والمدينة، فنزل دار الضّيفان، وآخر قدمة قدمها أبو زبيد على الوليد؛ وقد كان ينتدجعه ويرجع، وكان نصرانيّاً قبل ذلك، فلم يزل الوليد به وعنه حتىأسلم في آخر إمارة الوليد، وحسن إسلامه، فاستدخله الوليد، وكان عربيّاً شاعراً حين قام على الإسلام؛ فأتى آتٍ أبا زينب وأبا مورِّع وجندباً، وهم يحقدون له مذ قتل أبناءهم، ويضعون له العيون، فقال لهم: هل لكم في الوليد يشارب أبا زبيد؟ فثاروا في ذلك، فقال أبو زينب وأبو مورّع وجندب لأناس من وجوه أهل الكوفة: هذا أميركم وأبو زبيد خيرته، وهما عاكفان على الخمر، فقالموا معهم - ومننزل الوليد في الرّحبة مع عمارة بن عقبة، وليس عليه باب - فاقتحموا عليه من المسجد وبابه إلى المسجد، فلم يفجأ الوليد إلاّ بهم، فنحّى شيئاً، فأدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه لا يؤامره؛ فإذا طبق عليه تفاريق عنب - وإنما نحّاه استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلاّ تفاريق عنب - فقاموا فخرجوا على الناس، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وسمع الناس بذلك، فأقبل الناس عليهم يسبّونهم ويلعنونهم؛ ويقولون: أقوام غضب الله لعمله، وبعضهم أرغمه الكتاب؛ فدعاهم ذلك إلى التحسُّس والبحث؛ فستر عليهم الوليد ذلك، وطواه عن عثمان، ولم يدخل بين الناس في ذلك بشيء، وكره أن يفسد بينهم، فسكت عن ذلك وصبر.
وكتب إليّ السّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الفيض بن محمد قال: رأيت الشعبيّ جلس إلى محمد بن عمرو بن الوليد - يعني ابن عقبة - وهو خليفة محمد بن عبد الملك؛ فذكر محمّد غزو مسلمة، فقال: كيف لو أدركتم الوليد؛ غزوه وإمارته! إن كان ليغزو فينتهى إلى كذا وكذا، ما قصّر ولا انتقض عليه أحدٌ حتى عزل عن عمله؛ وعلى الباب يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة الباهليّ؛ وإن كان مما زاد عثمان بن عفان الناس على يده أن ردّ على كلّ مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة في كلّ شهر، يتّسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم عن الغصن بن القاسم، عن عون بن عبد الله، قال: جاء جندب ورهط معه إلى ابن مسعود، فقالوا: الوليد يعتكف على الخمر؛ وأذاعوا ذلك حتى طرح على ألسن الناس، فقال ابن مسعود: من استتر عنّا بشيء لم نتتبع عورته، ولم نهتك ستره؛ فأرسل إلى ابن مسعود فأتاه فعاتبه في ذلك، وقال: أيرضى من مثلك بأن يجيب قوماً موتورين بما أجبت عليّ! أيّ شيء أستتر به! إنما يقال هذا للمريب، فتلاحيا وافترقا على تغاضب، لم يكن بينهما أكثر من ذلك.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وأتى الوليد بساحر؛ فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حدّه، فقال: وما يدريك أنه ساحر! قال: زعم هؤلاء النفر - لنفر جاءوا به - أنه ساحر، قال: وما يدريكم أنه ساحر! قالوا: يزعم ذاك، قال: أساحر أنت؟ قال: نعم، قال: وتدري ما السحر؟ قال: نعم، وثار إلى حمار، فجعل يركبه من قبل ذنبه، ويريهم أنه يخرج من فمه واسته. فقال ابن مسعود: فاقتله. فانطلق الوليد، فنادوا في المسجد أنّ رجلاً يلعب بالسحر عند الوليد، فأقبلوا، وأقبل جندب - واغتنمها - يقول: أين هو؟ أين هو؟ حتى أريه! فضربه، فاجتمع عبد الله والوليد على حبسه؛ حتى كتب إلىعثمان، فأجابهم عثمان أناستحلفوه بالله والوليد على حبسه؛ حتى كتب إلىعثمان، فأجابهم عثمان أن استحلفوه بالله ما علم برأيكم فيه. وإنه لصادق بقوله فيما ظنّ من تعطيل حدّه. وعزّروه، وخلَّوا سبيله. وتقدم إلى الناس في ألاّ يعملوا بالظّنون، وألاّ يقيموا الحدود دون السلطان، فإنا نقيد المخطىء، ونؤدّب المصيب. ففعل ذلك به، وترك لأنه أصاب حدّاً، وغضب لجندب أصحابه، فخرجوا إلى المدينة، مفيهم أبو خشَّة الغفاريّ وجشّامة بن الصّعب بن جشّامة ومعهم جندب، فاستعفوه من الوليد، فقال لهم عثمان: تعلمون بالظنون، وتخطئون في الإسلام، وتخرجون بغير إذن؛ ارجعوا. فردّهم، فلما رجعوا إلى الكوفة، لم يبق موتور في نفسه إلاّ أتاهم، فاجتمعوا على رأي فأصدره، ثم تغفّلوا الوليد - وكان ليس عليه حجاب - فدخل عليه أبو زينب الأزديّ وأبو مورِّع الأسديّ، فسلاَّ خاتمه، ثم خرجا إلى عثمان، فشهدا عليه؛ ومعهما نفر ممن يعرف من أعوانهم، فبعث إليه عثمان، فلما قدم أمر به سعيد ابن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين، أنشدك الله! فو الله إنهما لخصمان موتوران.
فقال: لا يضرّك ذلك؛ إنما نعمل بما ينتهى إلينا، فمن ظلم فالله وليّ انتقامه، ومن ظلم فالله وليّ جزائه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي غسّان سكن ابن عبد الرحمن بن حبيش، قال: اجتمع نفر من أهل الكوفة، فعلموا في عزل الوليد، فانتدب أبو زينب بن عوف وأبو مورّع بن فلان الأسديّ للشهادة عليه، نغشوا الوليد، وأكبُّوا عليه؛ فبينا هم معه يوماً في البيت وله امرأتان في المخدع؛ بينهما وبين القوم ستر؛ إحداهما بنت ذي الخمار والأخرى بنت أبي عقيل، فنام الوليد، وتفرّق القوم عنه؛ وثبت مأبو زينب وأبو مورّع، فتناول أحدهما خاتمة، ثم خرجا، فاستيقظ الوليد وامرأتاه عند رأسه؛ فلم ير خاتمه، فسألهما عنه فلم يجدعندهما منه علماً، قال: فأيّ القوم تخلّف عنهم؟ قالتا: رجلان لا نعرفهما، ما غشياك إلا منذ قريب.
قال: حليّاهما، فقالتا: معلى أحدهما خميصة، وعلى الآخر مطرف، وصاحب المطرف أبعدهما منك، فقال: الطُّوال؟ قالتا: نعم؛ وصاحب الخميصة أقربهما إليك، فقال: القصير؟ قالتا: نعم؛ وقد رأينا يده على يدك. قال: ذاك أبو زينب، والآخر أبو مورّع؛ وقد أرادا داهية، فليت شعري ماذا يريدان! فطلهما فلم يقدر عليهما؛ وكان وجههما إلى المدينة، فقدما على عثمان؛ ومعهما نفر ممن يعرف عثمان، ممن قد عزل الوليد عن الأعمال، فقالوا له، فقال: من يشهد؟ قالوا: أبو زينب وأبو موِّع، وكاع اللآخران، فقال: كيف رأيتما؟ قالا: كنّا من غاشيته؛؛ فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر، فقالك مايقيء الخمر إلاّ شاربها. فبعث إليه، فلما دخل على عثمان رآهما، فقال متمثّلاً:
ما إن خشيت على أمر خلوت به ... فلم أخفك على أمثالها حار
فحلف له الوليد وأخبره خبرهم، فقال: نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنّار؛ فاصبر يا أخيَّ! فأمر سعيد بن العاص فجلده، فأورث ذلك عداوة بين ولديهما حتى اليوم؛ وكانت علىالوليد خميصة يوم أمر به أن يجلد، فنزعها عنه عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
كتب إليّ السّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الطنافميّ، عن أبي عبيدة الإياديّ، قال: خرج أبو زينب وأبو مورِّع حتى دخلا على الوليد بيته، وعنده امرأتان: بنت ذي الخمار وبنت أبي عقيل؛ وهو نائم، قالت إحداهما: فأكبّ عليه أحدهما فأخذ خاتمه، فسألهما حين استيقظ، فقالتا: ماأخذناه، قال: من بقي آخر القوم؟ قالتا: رجلان؛ مرجل قصير عليه خميصة، ورجل طويل عليه مطرف، ورأينا صاحب الخميصة أكبّ عليك، قال: ذاك أبو زينب. فخرج يطلبهما، فإذا هو وجههما عن ملإ من أصحاب لهما؛ ولا يدري الوليد ما أرادا من ذلك. فقدما على عثمان، فأخبراه الخبر على رءوس الناس، فأرسل إلى الوليد، فقدم، فإذا هو بهما. ودعا بهما عثمان، فقال: بم تشهدان؟ أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب الخمر؟ فقالا: لا، وخافا، قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته وهو يقيء الخمر، فأمر سعيد بن العاص فجلده، فأورث ذلك عداوة بين أهليهما.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن أبي العريف ويزيد الفقعسيّ، قالا: كان الناس في الوليد فرقتين: العامّة معه والخاصّة عليه؛ فما زال عليهم من ذلك خشوع حتى كانت صفِّين، فولى معاوية، فجعلوا يقولون: عيَّيب عثمان بالباطل، فقال لهم عليّ عليه السلام: إنكم وما تعيِّرون به عثمان كالطاعن نفسه ليقتل ردفه، ما ذنب عثمان في رجل قد ضربه بفعله عن عمله وما ذنب عثمان فيما صنع عن أمرنا؟! وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن كريب، عن نافع بن جبير، قال: قال عثمان رضي الله عنه : إذا جلد الرّجل الحدّ ثم ظهرت توبته جازت شهادته.
وكتب إليَّ مالسريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي كبران، عن مولاة لهم - وأثنى عليها خيراً - قالت: كان الوليد أدخل على الناس خيراً، حتى جعل يقسِّم للولائد والعبيد، ولقد تفجّع عليه الأحرار والمماليك، كان يسمع الولائد وعليهنّ الحداد يقلن:
يا ويلتا قد عزل الوليد ... وجاءنا مجوِّعاًسعيد
ينقص في الصّاع ولا يزيد ... يجوِّع الإماء والعبيد
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الغصن بن القاسم، قال: كان الناس يقولون حين عزل الوليد وأمِّر سعيد:
لا يبعد الملك إذ ولَّت شمائله ... ولا الرياسة لما راس كتَّاب
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادهما، قالا: قدم سعيد بن العاص في سنة سبع من إمارة عثمان، وكان سعيد بن العاص بقيّة العاص بن أميّة، وكان أهله كثيراً تتابعوا، فلما فتح الله الشأم قدمها، فأقام مع معاوية، وكان يتيماً نشأ في حجر عثمان، فتذكّر عمر قريشاً، وسأل عنه فيما يتفقّد من أمور الناس، فقيل: يا أمير المؤمنين، هو بدمشق، عهد العاهد به وهو مأموم بالموت. فأرسل إلى معاوية: أن ابعث إليّ سعيد بن العاص قال: يمنقل، فبعث به إليه وهو دنف، فما بلغ المدينة حتى أفاق، فقال: يا بن أخي؛ قد بلغني عنك بلاء وصلاح، فازدد يزدك الله خيراً. وقال: هل لك من زوجة؟ قال: لا؛ قال: يا أبا عمرو، ما منعك من هذا الغلام أن تكون زوّدته؟ قال: قد عرضت عليه فأبى، فخرج يسير في البرّ، فانتهى إلى ماء، فلقى عليه أربع نسوة، فقمن له، فقال: مالكنّ؟ ومن أنتن؟ فقلن: بنات سفيان بن عويف - ومعهنّ أمهنّ - فقالت: أمّهنّ: هلك رجالنا، وإذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهنّ في أكافئهنّ، فزوّج سعيداً إحداهنّ وعبد الرحمن بن عوف الأخرى والوليد بن عقبة الثالثة؛ وأتاه بنات مسعود بن نعيم النَّهشلي، فقلن: قد هلك رجالنا، وبقي الصّبيان، فضعنا في أكفائنا، فزوج سعيداً إحداهنّ، وجبير بن مطعم إحداهن، فشارك سعيد هؤلاء وهؤلاء، وقد كان عمومته ذوي بلاء في الإسلام، وسابقة حسنة، وقدمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال الناس.
فقدم سعيد الكوفة في خلافة عثمان أميراً، وخرج معه من مكة - أو المدينة - الأشتر وأبو خشّة الغفاريّ وجندب بن عبد الله وأبو مصعب بن جثّامة - وكانوا فيمن شخص معالوليد يعيبونه، فرجعوا مع هذا - فصعد سعيد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره؛ ولكنّي لم أجد بدّاً إذ أمرت أن أتّّمر ألا إنّ الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها؛ ووالله لأضربنّ وجهها حتى أقمعها أو تعييني؛ وإني لرائد نفسي اليوم. ونزل. وسأل عن أهل الكوفة، فأقيم على حال أهلها.
فكتب إلى عثمان بالذي انتهى إليه: إنّ أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة؛ والغالب على تلك البلاد روادف ردفت، وأعراب لحقت؛ حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها.
فكتب إلى عثمان: أمّا بعد؛ ففضَّل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعاً لهم؛ إلاّ أن يكونوا تثاقلوا عن الحقّ، وتركوا القيام به وقام به هؤلاء. واحفظ لكِّ منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحقّ، فإنّ المعرفة بالناس بها يصاب العدل.
فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيّام والقادسيّة، فقا: انتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبيء عن الجسد؛ فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلّة ذي الخلّة. وأدخل معهم من يحتمل من ماللواحق والرّوادف؛ وخلص بالقرّاء والمتسمِّتين في سمره، فكأنما كانت الكوفة يبساً شملته نار؛ فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم، وفشت القالة والإذاعة.
فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادي عثمان: الصلاة جامعة! فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد، وبالذي كتب به إليه فيهم؛ وبالذي جاءه من القالة والإذاعة، فقالوا: أصبت فلا تسعفهم في ذلك؛ ولا تطعمهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها.
فقال عثمان: يا أهل المدينة استعدّوا واستمسكوا، فقد دبّت إليكم الفتن.
ونزل. فأوى إلى منزله، وتمثّل مثله ومثل هذا الضّرب الذين شرعوا في الخلاف:
أبني عبيد قد أتى أشياعكم ... عنكم مقاتلكم وشعر الشاعر
فإذا أتتكم هذه فتلبَّسوا ... إنَّ الرِّماح بصيرة بالحاسر
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، قال: كان عثمان أروى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة.
كتب إليَّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن عبد الله الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، قال: سمعته وهو يقول لأبي: إنّ عثمان جمع أهل المدينة، فقال: يا أهل المدينة؛ إنّ الناس يتمخّضون بالفتنة، وإني والله لأتخلّصنّ لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم ذلك؛ فهل ترونه حتى يأتي من شهد مع أهل العراق الفتوح فيه، فيقيم معه في بلاده؟ فقام أولئك، وقالوا: كيف تنقل لنا ما أفاء الله علينا من الأرضين يا أمير المؤمنين؟ فقال: نبيعها ممّن شاء بما كان له بالحجاز. ففرحوا وفتح الله عليهم به أمراً لم يكن في حسابهم؛ فافترقوا وقد فرّجه الله عنهم به. وكان طلحة ابنعبيد الله قد استجمع له عامّة سهمان خيبر إلى ما كان له سوى ذلك، فاشترى طلحة منه من نصيب من شهد القادسيّة والمدائن من أهل المدينة ممن أقام ولم يهاجر إلى العراق النَّشاستج بما كان لهبخيبر وغيرها من تلك الأموال، واشترى منه ببئر أريس شيئاً كان لعثمان بالعراق، واشترى منه مروان بن الحكم بمال كان له أعطاه إيّاه عثمان نهر مروان - وهو يومئذ أجمة - واشترى منه رجال من القبائل بالعراق بأموال كانت لهم في جزيرة العرب من أهل المدينة ومكّة والطائف واليمن وحضرموت؛ فكان ممّا اشترى منه الأشعث بمال كان له في حضرموت ما كان له بطيز ناباذ. وكتب عثمان إلى أهل الآفاق في ذل وبعدّة جربان الفيء، والفيء الذي يتداعاه أهل الأمصار، فهو ما كان للملوك نحو كسرى وقيصر ومن تابعهم من أهل بلادهم. فأجلى عنه، فأتاهم شيء عرفوه. وأخذ بقدر عدّة من شهدها من أهل المدينة، وبقدر نصيبهم، وضمّ ذلك إليهم، فباعوه بما يليهم من الأموال بالحجاز ومكّة واليمن وحضرموت، يرد على أهلها الذين شهدوا الفتوح من بين أهل المدينة.
وكتب إليّ السَّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة مثل ذلك، إلاّ أنهما قالا: اشترى هذا الضَّرب رجال من كلّ قبيلة ممن كان له هنالك شيء؛ فأراد مأن يستبدل به فيما يليه، فأخذوا، وجاز لهم عن تراض منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق؛ إلاّ أنّ الذين لا سابقة لهم ولا قدمة لا يبلغون مبلغ أهل السابقة والقدمة في المجالس والرياسة والحظوة، ثم كانوا يعيبون التفضيل، ويجعلونه جفوة، وهم في ذلك يختفون به ولا يكادون يظهرونه، لأنه لا حجّة لهم والناس عليهم، فكان إذا لحق بهم لاحق من ناشيء أو أعرابيّ أو محرَّر استحلى كلامهم؛ فكانوا في زيادة، وكان الناس في نقصان حتى غلّب الشرّ.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: صرف حذيفة عن غزو الرّيّ إلى غزو الباب مدداً لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان - وكذلك كانوا يصنعون، يجعلون للناس ردءاً - فأقام حتى قفل حذيفة ثم رجعا.
وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاثين - سقط خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلّم من يد عثمان في بئر أريس وهي على ميلين من المدينة، وكانت من أقلّ الآبار ماء، فما أدرك حتى الساعة قعرها.
ذكر الخبر عن سبب سقوط الخاتم من يد عثمان في بئر أريس حدثني محمد بن موسى الحرشيّ، قال: حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزّاز. قال: وكان شريك يونس بن عبيد قال: حدثنا داود ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم أراد أن يكتب إلى الأعاجم كتباً يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ؛ فقال له رجل: يا رسول الله؛ إنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يعمل له خاتم من حديد، فجعله في إصبعه، فأتاه جبريل، فقال له؛ انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله صلى الله عليه وسلّم من إصبعه، وأمر بخاتم أخر يعمل له، فعمل له خاتم من نحاس، فجعله في إصبعه، فقال له جبريل عليه السلام: انبذه من إصبعك، فنبذه رسول الله صلى الله عليه وسلّم من إصبعه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بخاتم من ورق، فصنع له خاتم من ورق فجعله في إصبعه، فأقرّه جبريل، وأمر أن ينقش عليه: محمد رسول الله، فجعل يتختّم به، ويكتب إلى من أراد أن يكتب إليه من الأعاجم، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر. فكتب كتاباً إلى كسرى بن هرمز فبعثه مع عمر بن الخطاب، فأتى به عمر كسرى فقرىء الكتاب، فلم يلتفت إلى كتابه، فقال عمر: يا رسول الله، جعلني الله فداءك! أنت على سري مرمول باللّيف، وكسى بن هرمز على سرير من ذهب، وعليه الدّيباج! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة!. فقال: جعلني الله فداءك! قد رضيت.
وكتب كتاباً آخر، فبعث به مع دحية بن خليفة الكلبيّ إلى هرق ملك الروم يدعوه إلى الإسلام، فقرأه وضمّه إليه، ووضعه عنده؛ فكان الخاتم في إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتختّم به حتى قبضه الله عزّ وجلّ، ثم استخلف أبو بكر فتختّم به حتى قبضه الله عزّ وجلّ، ثم ولى عمر بن الخطاب بعد فجعل يتختّم به حتى قبضه ه، ثم ولى من بعده عثمان ابن عفان، فتختّم به ستّ سنين، فحفر بئراً بالمدينة شرباً للمسلمين، فقعد على رأس البئر، فجعل يعبث بالخاتم، ويديره بإصبعه، فانسلّ الخاتم من إصبعه فوقع في البئر، فطلبوه في البئر، ونزحوا ما فيها من الماء، فلم يقدروا عليه، فجعل فيه مالاً عظيماً لمن جاء به، واغتّم لذلك غمّاً شديداً، فلما يئس من الخاتم أمر فصنع له خاتم أخر مثله، خلقه من فضّة، على مثاله وشبهه، ونقش عليه: محمد رسول الله؛ فجعله في إصبعه حتى هلك؛ فلما قتل ذهب الخاتم من يده فلم يدر من أخذه.
أخبار أبي ذرّ رحمه الله تعالى وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاثين - كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاوية إيّاه من الشأم إلى المدينة، وقد ذكر في سبب إشخاصه إيّاه منها إليها أمور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها.
فأما العاذرون معاوية في ذلك، فإنهم ذكروا في ذلك قصّة كتب إليّ بها السريّ، يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعسيّ، قال: لما ورد ابن السوداء الشأم لقي أبا ذرّ، فقال: يا أبا ذر، ألا تعجب إلى معاوية، يقول: المال مال الله! ألا إنّ كلّ شيء لله كأنه يريد أنيحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذرّ، فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّي مال المسلمين مال الله! قال: يرحمك الله يا أبا ذرّ؛ ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره! قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين.
قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرّداء، فقال له: من أنت؟ أظنّك والله يهوديّاً! فأتى عبادة بن الصامت فتعلّق به، فأتى به معاوية، فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذرّ؛ وقام أبو ذرّ بالشأم وجعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء. بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم. فمازال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس.
فكتب معاوية إلى عثمان: إنّ أبا ذرّ قد أعضل بي، وقد كان من أمره كيت وكيت. فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب. فلا تنكأ الفرح، وجهّز أبا ذر إليّ، وابعث معه دليلاً وزوّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت؛ فإنما تمسك ما استمسكت. فبعث بأبي ذرّ ومعه دليل؛ فلمّا قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع، قال: بشّر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار.
ودخل على عثمان فقال: يا أبا ذرّ، ما لأهل الشام يشكون ذربك! فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالاً. فقال: يا أبا ذرّ؛ عليّ أن أقضي ما عليّ، وآخذ ما على الرعيّة، ولا أجبرهم على الزّهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد.
قال: فتأذن لي في الخروج، فإنّ المدينة ليست لي بدار؟ فقال: أو تستبدل بها إلا شرّاً منها! قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعاً؛ قال: فانفذ لما أمرك به. قال: فخرج حتى نزل الربذة، فخطّ بها مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين، وأرسل إليه: أن تعاهد المدينة حتى لا ترتدّ أعرابياً؛ ففعل.
وكتب إليّ السّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو ذرّ يختلف من الرّبذة إلى المدينة مخافة الأعرابيّة، وكان يحبّ الوحدة والخلوة. فدخل على عثمان، وعنده كعب الأحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكفّ الأذى حتى يبذلوا المعروف؛ وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألاّ يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان، ويصل القرابات. فقال كعب: من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه. فرفع أبو ذرّ محجنه فضربه فشجّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال: يا أبا ذرّ، اتق الله واكفف يدك ولسانك، وقد كان قال له: يا بن اليهوديّة؛ ما أنت وما ها هنا! والله لتسمعنّ مني أو لأدخل عليك.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الأشعث بن سوّار، عن محمد بن سيرين، قال: خرج أبو ذرّ إلى الرّبذة من قِبَل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له، وأخرج معاوية أهله من بعده، فخرجوا إليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل، فقال: انظروا إلى هذا الذي يزهّد في الدنيا ما عنده! فقالت امرأته: أما والله ما فيه دينار ولا درهم، ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا.
ولما نزل أبو ذرّ الربذة أقيمت الصلاة، وعليها رجل يلي الصدقة، فقال: تقدّم يا أبا ذرّ، فقال: لا، تقدّم أنت، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لي: " اسمع وأطع، وإن كان عليك عبد مجدّع " . فأنت عبد ولست بأجدع - وكان من رقيق الصدقة؛ وكان أسود يقال له مجاشع.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيل، عن جابر، قال: أجرى عثمان على أبي ذرّ كلّ يوم عظماً، وعلى رافع ابن خديج مثله، وكانا قد تنحيّا عن المدينة لشيء سمعاه لم يفسّر لهما، وأبصرا وقد أخطئا.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن سلمة بن نباتة، قال: خرجنا معتمرين، فأتينا الرّبذة، فطلبنا أبا ذرّ في منزله، فلم نجده، وقالوا: ذهب إلى الماء. فتنحبّينا، ونزلنا قريباً من منزله، فمرّ ومعه عظم جزور يحمله معه غلام، فسلّم ثم مضى حتى أتى منزله، فلم يمكث إلاّ قليلا حتى جاء، فجلس إلينا وقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لي: " اسمع وأطع وإن كان عليك حبشيّ مجدّع " ، فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله، وعليهم حبشيّ - وليس بأجدع، وهو ما علمت، وأثنى عليه - ولهم في كلّ يوم جزور؛ ولي منها عظم آكله أنا وعيالي. قلت: مالك من المال؟ قال: صرمة من الغنم وقطيع من الإبل، في أحدهما غلامي وفي الآخر أمتي، وغلامي حرّ إلى رأس السنة. قال: قلت: إنّ أصحابك قبلنا أكثر الناس مالاً، قال: أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلاّ ولي مثله.
وأمّا الآخرون، فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة، وأموراً شنيعة، كرهت ذكرها.
ذكر هرب يزدجرد إلى خراسان وفي هذه السنة، هرب يزدجرد بن شهريار في قول بعضهم من فارس إلى خراسان.
ذكر من قال ذلك وما قال فيه: ذكر عليّ بن محمد أنّ مسلمة أخبره عن داود، قال: قدم ابن عامر البصرة، ثمّ خرج إلى فارس فافتتحها، وهرب يزدجرد من جوز - وهي أردشير خرّه - في سنة ثلاثين. فوجّه ابن عامر في أثره مجاشع بن مسعود السّلمي، فأتبعه إلى كرمان، فنزل مجاشع السّيرجان بالعسكر، وهرب يزدجرد إلى خراسان. قال: وعبد القيس تقول: وجّه ابن عامر هرم ابن حيّان العبديّ، وبكر بن وائل تقول: وجّه ابن حسان اليشكريّ. قال: وأصحّه عندنا مجاشع.
قال عليّ: وأخبرنا سلمة بن عثمان - وكان فاضلاً - عن مجاشع يزدجرد فخرج من السّيرجان، فلما كان عند القصر في بيمند - وهو الذي يقال له قصر مجاشع - أصابهم الثلج والدّمق، فوقع الثلج، واشتدّ البرد، وصار الثلج قامة رمح، فهلك الجند، وسلم مجداشع ورجل كانت معه جارية، فشقّ بطن بعير، فأدخلها فيه وهرب؛ فلما كان من الغد، جاء فوجدها حيّة فحملها، فسمّي ذلك القصر قصر مجاشع؛ لأن جيشه هلكوا فيه؛ وهو على خمسة فراسخ أو ستّة من السّيرجان.
قال عليّ: أخبرنا أبو المقدام، عن بعض مشيخته، قال: خرج مجاشع على وفد أهل البصرة من تستر - وفيهم الأحنف - وأخذ في غداة واحدة على لجام واحد خمسين ألفاً، سبق على الصّفراء ابنة الغبراء، فأخذها منه عمر حين قاسم عمّاله الأموال.
قال عليّ: فقلت للنضر بن إسحاق: إنّ أبا المقدام ذكر هذا الحديث! فقال: صدق، سمعته من عدّة من الحيّ وغيرهم، وفرسه الصفراء ابنة الغرّاء ابنة الغبراء. وهو مجاشع بن مسعود بن ثعلبة بن عائذ بن وهب بن ربيعة بن يربوع بن سمّال بن عوف بن امرىء القيس بن بهثة بن سلم. ويكنى أبا سليمان.
قال: وفي هذه السنة زاد عثمان النّداء الثالث على الزّوراء، وصلّى بمنىً أربعاً.
وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان رضي الله عنه.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المشهورة
فممّا كان فيها من ذلك غزوة المسلمين الرّوم التي يقال لها: غزوة الصواري في قول الواقديّ. فأمّا أبو معشر فإنه قال فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه: كانت غزوة الصّواري سنة أربع وثلاثين؛ وقال: كانت في سنة إحدى وثلاثين الأساودة في البحر ووقاع كسرى.
وقال الواقديّ: غزوة الصواري والأساودة كلتاهما كانتا في سنة إحدى وثلاثين.
ذكر الخبر عن هاتين الغزوتين: ذكر الواقديّ أن محمد بن صالح حدّثه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، أنّ أهل الشأم خرجوا؛ عليهم معاوية بن أبي سفيان، وكانت الشأم قد جمع جمعها لمعاوية بن أبي سفيان.
ذكر السبب في جمعها له:
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن عبد الملك والربيع وأبي مجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: لما حضر أبو عبيدة استخلف على عمله عياض بن غنم - وهو خاله وابن عمّه - وقد كان ولي بالجزيرة عملاً، فعزله عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فلحق بأبي عبيدة بالشأم؛ وكان معه؛ وكان جواداً مشهوراً بالجود، لا يليق شيئاً، ولا يمنع أحداً. فكلّم عمر في ذلك، فقيل له: عزلت خالداً وعتبت عليه العطاء، وعياض أجود العرب وأعطاهم؛ لا يمننع شيئاً يسأله؛ فقال عمر: متى سيمه عياض في ماله حتى يخلص إلى ما لنا! وإني مع ذلك لم أكن مغيّراً أمراً قضاه أبو عبيدة. ومات عياض بن غنم بعد أبي عبيدة، فأمر عمر على عمله سعيد بن حذيم الجمحيّ، ومات سعيد بعد؛ فأمّر عمر مكانه عمير بن سعد الأنصاريّ؛ ومات عمر ومعاوية على دمشق والأردنّ، وعمير بن سعد على حمص وقنّسرين؛ وإنما مصّر قنّسرين معاوية بن أبي سفيان لمن لحق به من أهل العراقين ومات يزيد بن أبي سفيان، فجعل عمر مكانه معاوية ونعاه لأبي سفيان، فقال: من جعلت على عمله يا أمير المؤمنين؟ فقال: معاوية، فقال: وصلتك رحم؛ فاجتمعت لمعاوية الأردنّ ودمشق؛ ومات عمر ومعاوية على دمشق والأردنّ وعمير بن سعد على حمص وقنّسرين، وعلقمة ابن مجزّزّ على فلسطين وعمرو بن العاص على مصر.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن مبشّر، عن سالم، قال: كان أوّل عامل استعمله عثمان بن عفان سعد بن أبي وقّاص عن وصيّة عمر. ثمّ إنّ عمير بن سعد طعن فأضنى منها، فاستعفى عثمان واستأذنه في الرجوع إلى أهله؛ فأذن له؛ وضمّ حمص وقنّسرين إلى معاوية.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، عن خالد بن معدان؛ قال: لمّا ولي عثمان أقرّ عمال عمر على الشام؛ فلما مات عبد الرحمن بن علقمة الكنانيّ - وكان على فلسطين - ضمّ عمله إلى معاوية، ومرض عمير بن سعد في إمارة عثمان مرضاً طال به، فاستعفاه واستأذنه فأذن له، وضمّ عمله إلى معاوية؛ فاجتمع الشأم على معاوية لسنتين من إمارة عثمان. وكان عمرو بن العاص على مصر زمان عمر، مجتمعة له، فأقرّه عثمان صدراً من إمارته.
رجع الحديث إلى حديث الواقديّ عن خبر الغزوتين اللّتين ذكرتهما: إنّ أهل الشام خرجوا، عليهم معاوية بن أبي سفيان؛ وعلى أهل البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وقال: وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بإفريقية، فخرجوا في جمع لم يجتمع للرّوم مثله قطّ منذ كان الإسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب؛ فالتقوا هم وعبد الله بن سعد، فأمن بعضهم بعضاً حتى قرنوا بين سفن المسلمين وأهل الشرك بينصواريها.
قال ابن عمر: حدّثني عيسى بن علقمة، عن عبد الله بن أبي سفيان، عن أبيه، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كنت معهم، فالنقيا في البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قطّ؛ وكانت الريح علينا، فأرسينا ساعة، وأرسوا قريباً منا؛ وسكنت الرّيح عنّا، فقلنا: الأمن بيننا وبينكم قالوا: ذلك لكم ولنا منكم، ثم قلنا: إن أحببتم فالساحل حتى يموت الأعجل منا ومنكم؛ وإن شئتم فالبحر. قال: فنخروا نخرة واحدة، وقالوا: الماء؛ فدنونا منهم، فربطنا السفن بعضها إلى عبض حتى كنّا يضرب بعضنا بعضاً على سفننا وسفنهم؛ فقاتلنا أشدّ القتال، ووثبت الرّجال على الرّجال يضطربون بالسيوف على السفن، ويتواجئون بالخناجر، حتى رجعت الدّماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاماً.
قال ابن عمر: فحدّثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عمّن حضر ذلك اليوم، قال: رأيت الساحل حيث تضرب الريح الموج، وإنّ عليه لمثل الظّرب العظيم من جثث الرجال؛ وإنّ الدم لغالب على الماء، ولقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وصبروا يومئذ صبراً لم يصبروا في موطن قطّ مثله. ثم أنزل الله نصره على أهل الإسلام، وانهزم القسطنطين مدبراً، فما انكشف إلاّ لما أصابه من القتل والجراح؛ ولقد أصابه يومئذ جراحات مكث منها حيناً جريحاً.
قال ابن عمر: حدّثني سالم مولى أمّ محمد، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبد الله الصنعانيّ، قال: كان أوّل ما سمع من محمد بن أبي حذيفة حين ركب الناس البحر سنة إحدى وثلاثين، لمّا صلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالناس العصر، كبر محمد بن أبي حذيفة تكبيراً ورفع صوته حتى فرغ الإمام عبد الله بن سعد بن أبي سرح؛ فلما انصرف سأل: ما هذا؟ فقيل له: هذا محمد بن أبي حذيفة يكبّر، فدعاه عبد الله بن سعد، فقال له: ما هذه البدعة والحدث؟ فقال له: ما هذه بدعة ولا حدث؛ وما بالتّكبير بأس، قال: لا تعودنّ.
قال: فأسكت محمد بن أبي حذيفة، فلمّا صلّى المغرب عبد الله بن سعد كبّر محمد بن أبي حذيفة تكبيراً أرفع من الأوّل، فأرسل إليه: إنّك غلام أحمق؛ أما والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لقاربت بين خطوك. فقال محمد بن أبي حذيفة: والله مالك إلى ذلك سبيل؛ ولو هممت به ما قدرت عليه. قال: فكفّ خير لك؛ والله لا تركب معنا، قال: فأركب مع المسلمين؟ قال: اركب حيث شئت. قال: فركب في مركب وحده ما معه إلى القبط؛ حتى بلغوا ذات الصواري؛ فلقوا جموع الرّوم في خمسمائة مركب أو ستمائة فيها القسطنطين بن هرقل، فقال: أشيروا عليّ، قالوا: ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنّواقيس، وبات المسلمون يصلّون ويدعون الله.
ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل، فقرّبوا سفنهم، وقرّب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض، وصفّ عبد الله بن سعد المسلمين على نواحي السفن، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن، ويأمرهم بالصبر، ووثبت الرّوم في سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها؛ فكانوا يقاتلون على غير صفوف. قال: فاقتتلوا قتالاً شديداً. ثم إنّ الله نصر المؤمنين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الرّوم إلاّ الشريد.
قال: وأقام عبد الله بذات الصواري أيّاماً بعد هزيمة القوم؛ ثم أقبل راجعاً؛ وجعل محمد بن أبي حذيفة يقول للرجل: أما والله لقد تركنا خلفنا الجهاد حقاً، فيقول الرجل: وأيّ جهاد؟ فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا، وفعل كذا وكذا حتى أفسد الناس. فقدموا بلدهم وقد أفسدهم، وأظهروا من القول ما لم يكونوا ينطقون به.
قال محمد بن عمر: فحدّثني معمر بن راشد، عن الزّهريّ، قال: خرج محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر عام خرج عبد الله بن سعد، فأظهرا عيب عثمان وما غيّر وما خالف به أبا بكر وعمر؛ وأنّ دم عثمان حلال. ويقولان: استعمل عبد الله بن سعد؛ رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم أباح دمه ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم قوماً وأدخلهم، ونزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر. فبلغ ذلك عبد الله بن سعد، فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدوّ؛ وكانا أكلّ المسلمين قتالاً، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكّمه! عبد الله بن سعد استعمله عثمان، وعثمان فعل وفعل؛ فأفسدا أهل تلك لاغزاة، وعابا عثمان أشدّ العيب. فأرسل عبد الله بن سعد إليهما ينهاهما أشدّ النّهي، وقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما.
قال الواقديّ: وفي هذه السنة توفّيَ أبو سفيان بن حرب وهو ابن ثمان وثمانينن سنة.
وفي هذه السنة - أعني سنة إحدى وثلاثين - فتحت في قول الواقديّ أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة الفهريّ.
ذكر الخبر عن مقتل يزدجرد ملك فارس وفي هذه السنة قتل يزدجرد ملك فارس.
ذكر الخبر عن سبب مقتلهاختلف في سبب مقتله؛ وكيف كان قذ؛ فقال عليّ بن محمد: أخبرنا غياث بن إبراهيم، عن ابن إسحاق، قال: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل مرزبانها مالاً فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه فبيّتوه، فقتلوا أصحابه، وهرب يزدجرد حتى أتى منزل رجل ينقر الأرجاء على شطّ المرغاب، فأوى إليه ليلاً، فلما نام قتله.
قال عليّ: وأخبرنا الهذليّ، قال: أتى يزدجرد مرو هارباً من كرمان، فسأل مرزبانها وأهلها مالاً، فمنعوه وخافوه، فبيّتوه ولم يستجيشوا عليه الترك، فقتلوا أصحابه، وخرج هارباً على رجليه، معه منطقته وسيفه وتاجه؛ حتى انتهى إلى منزل نقّار على شطّ المرغاب، فلما غفل يزدجرد قتله النّقار، وأخذ متاعه وألقى جسده في المرغاب، وأصبح أهل مرو فاتّبعوا أثره، حتى خفي عليهم عند منزل النقّار، فأخذوه، فأقرّ لهم بقتله وأخرج متاعه؛ فقتلوا النقّار وأهل بيته، وأخذوا متاعه ومتاع يزدجرد، وأخرجوه من المرغاب فجعلوه في تابوت من خشب.
قال: فزعم بعضهم أنهم حملوه إلى إصطخر فدفن بها في أول سنة إحدى وثلاثين، وسمّيت مرو " خذاه دشمن " ، وقد كان يزدجرد وطىء امرأة بها فولدت له غلاماً ذاهب الشقّ - وذلك بعد ما قتل يزدجرد - فسمى المخدج، فولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة حين افتتح الصغد أو غيرها جاريتين فقيل له: إنّهما من ولد المخدج، فبعث بهما - أو بإحداهما - إلى الحجاج بن يوسف، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص.
قال عليّ: وأخبرنا روح بن عبد الله، عن خرداذبه الرازيّ؛ أنّ يزدجرد أتى خراسان ومعه خرّزاذمهر، أخو رستم، فقال لماهويه مرزبان مرو: إني قد سلّمت إليك الملك. ثم انصرف إلى العراق وأقام يزدجرد بمرو، وهمّ بعزل ماهويه، فكتب ماهويه إلى الترك يخبرهم بانهزام يزدجرد وبقدومه عليه، وعاهدهم على مؤازرتهم عليه، وخلّى لهم الطريق.
قال: وأقبل الترك إلى مرو، وخرج إليهم يزدجرد فيمن معه من أصحابه، فقاتلهم ومعه ماهويه في أساورة مرو، فأثخن يزدجرد في الترك، فخشي ماهويه أن ينهزم الترك، فتحوّل إليهم في أساورة مرو، فانهزم جند يزدجرد وقتلوا، وعقر فرس يزدجرد عند المساء، فمضى ماشياً هارباً حتى انتهى إلى بيت فيه رحاً على شطّ المرغاب، فمكث فيه ليلتين، فطلبه ماهويه فلم يقدر عليه، فلما أصبح اليوم الثاني دخل صاحب الرّحا بيته، فلما رأى هيئة يزدجرد قال: ما أنت؟ إنسيّ أو جنيّ! قال: إنسيّ؛ فهل عندك طعام؟ قال: نعم، فأتاه به، فقال: إني مزمزم فأتني بما أزمزم به، فذهب الطحان إلى إسوار من الأساورة، فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قطّ؛ وقد طلب هذا مني. فأدخله على ماهويه، فقال: هذا يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فقال له الموبذ: ليس ذلك لك، قد علمت أنّ الدّين والملك مقترنان لا يستقيم أحدهما إلاّ بالآخر، ومتى فعلت انتهكت الحرمة التي لا بعدها. وتكلم الناس وأعظموا ذلك، فشتمهم ماهويه، وقال للأساورة: من تكلم فاقتلوه. وأمر عدّة فذهبوا مع الطّحان، وأمرهم أن يقتلوا يزدجرد، فانطلقوا فلما رأوه كرهوا قتله، وتدافعوا ذلك وقالوا للطحان: ادخل فاقتله، فدخل عليه وهو نائم ومعه حجر فشدخ به رأسه، ثم احتزّ رأسه، فدفعه إليهم، وألقى جسده في المرغاب. فخرج قوم من أهل مرو، فقتلوا الطّحان، وهدموا رحاه، وخرج أسقف مرو، فأخرج جسد يزدجرد من المرغاب، فجعله في تابوت، وحمله إلى إصطخر، فوضعه في ناووس.
وقال آخرون في ذلك ما ذكر هشام بن محمد؛ أنه ذكر له أن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند، وكانت آخر وقعاتهم حتى سقط إلى أرض إصبهان، وبها رجل يقال له مطيار من دهاقينها - وهو المنتدب كان لقتال العرب حين نكلت الأعاجم عنها - فدعاهم إلى نفسه، فقال: إن ولّيت أموركم وسرت بكم إليهم ما تجعلون لي؟ فقالوا: نقرّ لك بفضلك. فسار بهم، فأصاب من العرب شيئاً يسيراً، فحظي به عندهم، ونال به أفضل الدرجات فيهم. فلما رأى يزدجرد أمر إصبهان ونزلها، أتاه مطيار ذات يوم زائراً، فحجبه بوابه، وقال له: قف حتى أستأذن لك عليه، فوثب عليه فشجّه أنفةً وحميّة لحجبه إيّاه، ودخل البواب على يزدجرد مدمّىً، فلمّا نظر إليه أفظعه ذلك، وركب من ساعته مرتحلاً عن إصبهان، وأشير عليه أن يأتي أقصى مملكته فيكون بها، لاشتغال العرب عنه بما هم فيه إلى يوم. فسار متوجّهاً إلى ناحية الرّيّ، فلما قدمها خرج إليه صاحب طبرستان، وعرض عليه بلاده، وأخبره بحصانتها، وقال له: إن أنت لم تجبني يومك هذا ثم أتيتني بعد ذلك لم أقبلك ولم آوك؛ فأبى عليه يزدجرد، وكتب له بالإصبهبذيّة، وكان له فيما خلا عليه درجة أوضع منها.
وقال بعضهم: إنّ يزدجرد مضى من فوره ذلك إلى سجستان، ثمّ سار منها إلى مرو في ألف رجل من الأساورة.
وقال بعضهم: إنّ يزدجرد وقع إلى أرض فارس، فأقام بها أربع سنين، ثم أتى أرض كرمان، فأقام بها سنتين أو ثلاث سنين؛ فطلب إليه دهقان كرمان أن يقيم عنده، فلم يفعل؛ وطلب من الدّهقان أن يعطيه رهينة، فلم يعطه دهقان كرمان شيئاً، فلم يعطه ما طلب، فأخذ برجله فسحبه وطرده عن بلاده؛ فوقع منها إلى سجستان، فأقام بها نحواً من خمس سنين. ثمّ أجمع أن ينزل خراسان فيجمع الجموع فيها ويسير بهم إلى من غلبه على مملكته، فسار بمن معه إلى مرو، ومعه الرّهن من أولاد الدّهاقين، ومعه من رؤسائهم فرّخزاذ؛ فلما قدم مرو استغاث منهم بالملوك، وكتب إليهم يستمدّهم، وإلى صاحب الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر والدّهقان يومئذ بمرو ماهويه بن مافناه بن فيد أبو براز. ووكّل ماهويه ابنه براز مدينة مرو - وكانت إليه - وأراد يزدجرد دخول المدينة لينظر إليها وإلى قهندزها - وكان ماهويه قد تقدّم إلى ابنه ألاّ يفتحها له إن رام دخولها تخوّفاً لمكره وغدره - فركب يزدجرد في اليوم الذي أراد دخولها، فأطاف بالمدينة، فلما انتهى إلى باب من أبوابها، وأراد دخولها منه صاح أبو براز ببراز: أن افتح - وهو في ذلك يشدّ منطقته، ويومىء إليه ألاّ يفعل - وفطن لذلك رجل من أصحاب يزدجرد، فأعلمه ذلك، واستأذنه في ضرب عنق ماهويه، وقال: إن فعلت صفت لك الأمور بهذه الناحية؛ فأبى عليه.
وقال بعضهم: بل كان يزدجرد ولّى مرو فرّخزاذ، وأمر براز أن يدفع القهندز والمدينة إليه، فأبى أهل المدينة ذلك؛ لأن ماهويه أبا براز تقدّم إليهم بذلك، وقال لهم: ليس هذا لكم بملك، فقد جاءكم مفلولاً مجروحاً، ومرو لا تحتمل ما يحتمل غيرها من الكور، فإذا جئتكم غداً فلا تفتحوا الباب. فلما أتاهم فعلوا ذلك، وانصرف فرّخزاذ، فجثا بين يدي يزدجرد، وقال: استصعبت عليك مرو؛ وهذه العرب قد أتتك. قال: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نلحق ببلاد الترك ونقيم بها، حتى يتبيّن لنا أمر العرب؛ فإنهم لا يدعون بلدة إلاّ دخلوها. قال: لست أفعل؛ ولكني أرجع عودي على بدئي؛ فعصاه ولم يقبل رأيه، وسار يزدجرد، فأتى براز دهقان مرو، وأجمع على صرف الدّهقنة إلى سنجان ابن أخيه، فبلغ ذلك ماهويه أبا براز، فعمل في هلاك يزدجرد وكتب إلى نيزك طرخان يخبره أنّ يزدجرد وقع إليه مفلولا، ودعاه إلى القدوم عليه لتكون أيديهما معاً في أخذه، والاستيثاق منه، فيقتلوه أو يصالحوا عليه العرب، وجعل له إن هو أراحه منه أن يفي له كلّ يوم بألف درهم، وسأله أن يكتب إلى يزدجرد مماكراً له لينحّيَ عنه عامّة جنده، ويحصل في طائفة من عسكره وخواصّه، فيكون أضعف لركنه، وأهون لشوكته، وقال: تعلمه في كتابك إليه الذي عزمت عليه؛ من مناصحته ومعونته على عدوّه من العرب، حتى يقهرهم، وتطلب إليه أن يشتقّ لك اسماً من أسماء أهل الدّرجات بكتاب مختوم بالذهب، وتعلمه أنك لست قادماً عليه حتى ينحّيَ عنه فرّخزاذ.
فكتب نيزك بذلك إلى يزدجرد، فلمّا ورد عليه كتابه بعث إلى عظماء مرو فاستشارهم، فقال له سنجان: لست أرى أن تنحّيَ عنك جندك وفرّخزاذ لشيء، وقال أبو براز: بل أرى أن تتألّف نيزك وتجيبه إلى ما سأل. فقبل رأيه، وفرّق عنه جنده، وأمر فرّخزاذ أن يأتي أجمة سرخس، فصاح فرّخزاذ، وشقّ جيبه، وتناول عموداً بين يديه يريد ضرب أبي براز به، وقال: يا قتلة الملوك، قتلتم ملكين، وأظنكم قاتلي هذا! ولم يبرح فرّخزاذ حتى كتب له يزدجرد بخطّ يده كتاباً: هذا كتاب لفرّخزاذ؛ إنك قد سلّمت يزدجرد وأهله وولده وحاشيته وما معه إلى ماهويه دهقان مرو. وأشهد عليه بذلك
فأقبل نيزك إلى موضع بين المروين، يقال له حلسدان؛ فلما أجمع يزدجرد على لقائه والمسير إليه، أشار عليه أبو براز ألاّ يلقاه في السلاح فيرتاب به، وينفر عنه؛ ولكن يلقاه بالمزامير والملاهي؛ ففعل فسار فيمن أشار عليه ماهويه، وسمّى له، وتقاعس عنه أبو براز، وكردس نيزك أصحابه كراديس. فلمّا تدانيا استقبله نيزك ماشياً، ويزدجرد على فرس له، فأمر لنيزك بجنيبة من جنائبه فركبها؛ فلمّا توسط عسكره تواقفا، فقال له نيزك فيما يقول: زوّجني إحدى بناتك وأناصحك، وأقاتل معك عدوّك. فقال له يزدجرد: وعليّ تجترىء أيّها الكلب! فعلاه نيزك بمخفقته، وصاح يزدجرد: غدر الغادر! وركض منهزماً، ووضع أصحاب نيزك سيوفهم فيهم، فأكثروا فيهم القتل.
وانتهى يزدجرد من هزيمته إلى مكان من أرض مرو، فنزل عن فرسه، ودخل بيت طحّان فمكث فيه ثلاثة أيام؛ فقال له الطحّان: أيّها الشقيّ، اخرج فاطعم شيئاً، فإنك قد جعت منذ ثلاث، قال: لست أصل إلى ذلك إلا بزمزمة وكان رجل من زمازمة مرو أخرج حنطة له ليطحنها، فكلمه الطّحان أن يزمزم عند ليأكل، ففعل ذلك؛ فلما انصرف سمع أبا براز يذكر يزدجرد، فسألهم عن حليته؛ فوصفوه له، فأخبرهم أنه رآه في بيت طحّان، وهو رجل جعد مقرون حسن الثنايا، مقرّط مسوّر. فوجّه إليه عند ذلك رجلاً من الأساورة، وأمره إن هو ظفر به أن يخنقه بوتر، ثم يطرحه في نهر مرو؛ فلقوا الطحّان، فضربوه ليدلّ عليه فلم يفعل، وجحدهم أن يكون يعرف أين توجّه. فلما أرادوا الانصراف عنه قال لهم رجل منهم: إنّي أجد ريح المسك؛ ونظر إلى طرف ثوبه من ديباج في الماء، فاجتذبه إليه؛ فإذا هو يزدجرد، فسأله ألاّ يقتله ولا يدلّ عليه، ويجعل له خاتمه وسواره ومنطقته؛ قال الآخر: أعطني أربعة دراهم وأخلّي عنك؛ قال يزدجرد: ويحك خاتمي لك، وثمنه لا يحصى! فأبى عليه؛ قال يزدجرد: قد كنت أخبر أني سأحتاج إلى أربعة دراهم؛ وأضطر إلى أن يكون أكلي أكل الهرّ، فقد عاينت، وجاءني بحقيقته؛ وانتزع أحد قرطيه فأعطاه الطحان مكافأة له لكتمانه عليه، ودنا منه كأنه يكلمه بشيء، فوصف له موضعه، وأنذر الرّجل أصحابه، فأتوه، فطلب إليهم يزدجرد ألاّ يقتلوه وقال: ويحكم! إنّا نجد في كتبنا أنّ من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا؛ مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني وآتوني الدّهقان أو سرّحوني إلى العرب؛ فإنهم يستحيون مثلي من الملوك؛ فأخذوا ما كان عليه من الحلي، فجعلوه في جراب، وختموا عليه؛ ثم خنقوه بوتر، وطرحوه في نهر مرو، فجرى به الماء حتى انتهى إلى فوّهة الرّزيق، فتعلّق بعود، فأتاه أسقفّ مرو، فحمله ولفّه في طيلسان ممسّك، وجعله في تابوت، وحمله إلى بائي بابان أسفل ماجان، فوضعه في عقد كان يكون مجلس الأسقفّ فيه وردمه، وسأل أبو براز عن أحد القرطين حين افتقده، فأخذ الذي دلّ عليه فضربه حتى أتى على نفسه، وبعث بما أصيب له إلى الخليفة يومئذ، فأغرم الخليفة الدّهقان قيمة القرط المفقود.
وقال آخرون: بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إياها، فأخذ على طريق الطّبسين وقهستان، حتى شارف مرو في زهاء أربعة آلاف رجل، ليجمع من أهل خراسان جموعاً، ويكرّ إلى العرب ويقاتلهم، فتلقّاه قائدان متباغضان متحاسدان كانا بمرو؛ يقال لأحدهما براز والآخر سنجان؛ ومنحاه الطاعة، وأقام بمرو، وخصّ براز فحسده ذلك سنجان، وجعل براز يبغي سنجان الغوائل، ويوغل صدر يزدجرد عليه، وسعى بسنجان حتى عزم على قتله؛ وأفشى ما كان عزم عليه من ذلك إلى امرأة من نسائه كان براز واطأها؛ فأرسلت إلى براز بنسوة زعمت بإجماع يزدجرد على قتل سنجان، وفشا ما كان عزم عليه يزدجرد من ذلك. فنذر سنجان، وأخذ حذره، وجمع جمعاً كنحو أصحاب براز، ومن كان مع يزدجرد من الجند، وتوجّه نحو القصر الذي كان يزدجرد نازله. وبلغ ذلك براز، فنكص عن سنجان لكثرة جموعه، ورعب جمع سنجان يزدجرد وأخافه، فخرج من قصره متنكّراً، ومضى على وجهه راجلاً لينجو بنفسه، فمشى نحواً من فرسخين حتى وقع إلى رحاً ما، فدخل بيت الرّحا، فجلس فيه كالاًّ لغباً، فرآه صاحب الرّحا ذا هيئة وطُرّة وبزّة كريمة، ففرش له، فجلس وأتاه بطعام فطعم، ومكث عنده يوماً وليلة، فسأله صاحب الرّحا أن يأمر له بشيء، فبذل له منطقة مكلّلة بجوهر كانت عليه؛ فأبى صاحب الرّحا أن يقبلها، وقال: إنما كان يرضيني من هذه المنطقة أربعة دراهم كنت أطعم بها وأشرب، فأخبره أنه لا ورق معه، فتملّقه صاحب الرحا؛ حتى إذا غفا قام إليه بفأس له فضرب بها هامته فقتله، واحتزّ رأسه؛ وأخذ ما كان عليه من ثياب ومنطقة، وألقى جيفته في اعلنهر الذي كان تدور بمائه رحاه، وبقر بطنه، وأدخل فيه أصولاً من أصول طرفاء كانت نابته في ذلك النهر لتحبس جثّته في الموضع الذي ألقاه فيه، فلا يسفل فيعرف ويطلب قاتله وما أخذ من سلبه، وهرب على وجهه. وبلغ قتل يزدجرد رجلاً من أهل الأهواز كان مطراناً على مرو؛ يقال له إيلياء، فجمع من كان قبله من النصارى، وقال لهم: إنّ ملك الفرس قد قتل، وهو ابن شهريار بن كسرى؛ وإنما شهريار ولد شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقّها وإحسانها إلى أهل ملّتها من غير وجه؛ ولهذا الملك عنصر في النصرانيّة مع ما نال النصارى في ملك جدّه كسرى من الشرف؛ وقبل ذلك في مملكة ملوك من أسلافه من الخير؛ حتى بنى لهم بعض البيع، وسدّد لهم بعض ملّتهم؛ فينبغي لنا أن نحزن لقتل هذا الملك من كرامته بقدر إحسان أسلافه وجدّته شيرين، كان إلى النصارى؛ وقد رأيت أنّ أبني له ناووساً، وأحمل جثّته في كرامة حتى أواريها فيه.
فقال النصارى: أمرنا لأمرك أيّها المطران تبع؛ ونحن لك على رأيك هذا مواطئون. فأمر المطران فبنى في جوف بستان المطارنة بمرو ناووساً؛ ومضى بنفسه ومعه نصارى مرو حتى استخرج جثّة يزدجرد من النهر وكفّنها، وجعلها في تابوت، وحمله من كان معه من النصارى على عواتقهم حتى أتوا به الناووس الذي أمر ببنائه له وواروه فيه، وردموا بابه؛ فكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة وست عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إيّاه وغلظتهم عليه.
وكان آخر ملك ملك من آل أردشير بن بابك؛ وصفا الملك بعده للعرب.
شخوص عبد الله بن عامر إلى خراسان وما قام به من فتوح وفي هذه السنة - أعني سنة إحدى وثلاثين - شخص عبد الله بن عامر إلى خراسان ففتح أبرشهر وطوس وبيورد ونسا حتى بلغ سرخس، وصالح فيها أهل مرو.
ذكر الخبر عن ذلك: ذكر أن ابن عامر لما فتح فارس قام إليه أوس بن حبيب التميميّ، فقال: أصلح الله الأمير! إنّ الأرض بين يديك، ولم تفتتح من ذلك إلاّ القليل، فسر فإنّ الله ناصرك؛ قال: أولم نأمر بالمسير! وكره أن يظهر أنه قبل رأيه؛ فذكر عليّ بن محمد أن مسلمة بن محارب أخبره عن السّكن بن قتادة العرينيّ، قال: فتح ابن عامر فارس ورجع إلى البصرة، واستعمل على إصطخر شريك بن الأعور الحارثيّ، فبنى شريك مسجد إصطخر، فدخل على ابن عامر رجل من بني تميم. قال: كنّا نقول: إنه الأحنف - ويقال: أوس بن جابر الجشميّ جشم تميم - فقال له: إنّ عدوّك منك هارب؛ وهو لك هائب، والبلاد واسعة؛ فسر فإنّ الله ناصرك، ومعزّ دينه.
فتجهّز ابن عامر، وأمر الناس بالجهاز للمسير، واستخلف على البصرة زياداً، وسار إلى كرمان؛ ثم أخذ إلى خراسان، فقوم يقولون: أخذ طريق إصبهان؛ ثم سار إلى خراسان.
قال عليّ: أخبرنا المفضّل الكرمانيّ، عن أبيه، قال: كان أشياخ كرمان يذكرون أنّ ابن عامر نزل المعسكر بالسّيرجان، ثمّ سار إلى خراسان، واستعمل على كرمان مجاشع بن مسعود السّلميّ، وأخذ ابن عامر على مفازة رابر؛ وهي ثمانون فرسخاً، ثم سار إلى الطبسين يريد أبرشهر؛ وهي مدينة نيسابور، وعلى مقدّمته الأحنف بن قيس، فأخذ إلى قهستان، وخرج إلى أبرشهر فلقيه الهياطلة؛ وهم أهل هراة؛ فقاتلهم الأحنف فهزمهم؛ ثم أتى ابن عامر نيسابور.
قال عليّ: وأخبرنا أبو مخنف، عن نمير بن وعلة، عن الشعبيّ، قال: أخذ ابن عامر على مفازة خبيص؛ ثم على خواست - ويقال: على يزد - ثمّ على قهستان؛ فقدّم الأحنف فلقيه الهياطلة، فقاتلهم فهزمهم؛ ثم أتى أبرشهر، فنزلها ابن عامر؛ وكان سعيد بن العاص في جند أهل الكوفة، فأتى جرجان وهو يريد خراسان؛ فلمّا بلغه نزول ابن عامر أبرشهر، رجع إلى الكوفة.
قال عليّ: أخبرنا عليّ بن مجاهد، قال: نزل ابن عامر على أبرشهر فغلب على نصفها عنوة، وكان النّصف الآخر في يد كنارى، ونصف نساوطوس؛ فلم يقدر ابن عامر أن يجوز إلى مرو، فصالح كنارى، فأعطاه ابنه أبا الصلت ابن كنارى وابن أخيه سليماً رهناً، ووجّه عبد الله بن خازم إلى هراة وحاتم بن النعمان إلى مرو، فأخذ ابن عامر ابني كنارى، فصارا إلى النعمان ابن الأفقم النّصري فأعتقهما.
قال عليّ: وأخبرنا أبو حفص الأزديّ، عن إدريس بن حنظلة العمبّي، قال: فتح ابن عامر مدينة أبرشهر عنوة؛ وفتح ما حولها طوس وبيورد ونسا وحمران، وذلك سنة إحدى وثلاثين.
قال عليّ: أخبرنا أبو السّريّ المروزيّ، عن أبيه، قال: سمعت موسى بن عبد الله بن خازم يقول: أبي صالح أهل سرخس، بعثه إليهم عبد الله بن عامر من أبرشهر وصالح ابن عامر أهل أبرشهر صلحاً، فأعطوه جاريتين من آل كسرى بابونج وطهمبج - أو طمهبج - فأقبل بهما معه، وبعث أمين ابن أحمر اليشكريّ، ففتح ما حول أبرشهر: طوس وبيورد ونسا وحمران، حتى انتهى إلى سرخس.
قال عليّ: وأخبرنا الصلت بن دينار، عن ابن سيرين، قال: بعث ابن عامر عبد الله بن خازم إلى سرخس؛ ففتحها وأصاب ابن عامر جاريتين من آل كسرى، فأعطى إحداهما النّوشجان؛ وماتت بابونج.
قال عليّ: وأخبرنا أبو الذّيال زهير بن هنيد العدويّ، عن أشياخ من أهل خراسان، أنّ ابن عامر سرّح الأسود بن كلثوم العدويّ - عديّ الرّباب - إلى بيهق؛ وهو من أبرشهر، بينها وبين مدينة أبرشهر ستة عشر فرسخاً، ففتحها وقتل الأسود بن كلثوم. قال: وكان فاضلاً في دينه، كان من أصحاب عامر بن عبد الله العنبريّ وكان عامر يقول بعد ما اخرج من البصرة: ما آسى من العراق على شيء إلاّ على مماء الهواجر، وتجاوب المؤذّنين، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم.
قال عليّ: وأخبرنا زهير بن هنيد، عن بعض عمومته، قال: غلب ابن عامر على نيسابور، وخرج إلى سرخس، فأرسل إلى أهل مرو يطلب الصّلح؛ فبعث إليهم ابن عامر حاتم بن النّعمان الباهليّ، فصالح براز مرزبان مرو على ألفي ألف ومائتي ألف.
قال: فأخبرنا مصعب بن حيّان عن أخيه مقاتل بن حيّان، قال: صالحهم على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.
وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان رضي الله عنه.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة
فمن ذلك غزوة معاوية بن أبي سفيان المضيق، مضيق القسطنطينيّة؛ ومعه زوجته عاتكة ابنة قرطة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف.
وقيل: فاختة؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق، عن أبي معشر، وهو قول الواقديّ.
وفي هذه السنة استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على فرج بلنجر، وأمدّ الجيش الذي كان به مقيماً مع حذيفة بأهل الشأم؛ عليهم حبيب بن مسلمة الفهريّ - في قول سيف - فوقع فيها الاختلاف بين سلمان وحبيب في الأمر، وتنازع في ذلك أهل الشأم وأهل الكوفة.
ذكر الخبر بذلك:
فممّا كتب به إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة قالا: كتب عثمان إلى سعيد: أن أغز سلمان الباب؛ وكتب إلى عبد الرحمن ابن ربيعة وهو على الباب: إنّ الرعيّة قد أبطر كثيراً منهم البطنة، فقصّر، ولا تقتحم بالمسلمين؛ فإني خاشٍ أن يبتلوا، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، وكان لا يقصّر عن بلنجر، فغزا سنة تسع من إمارة عثمان حتى إذا بلغ بلنجر؛ حصروها ونصبوا عليها المجانيق والعرّادات، فجعل لا يدنو منها أحد إلا أعنتوه أو قتلوه؛ فأسرعوا في الناس؛ وقتل معضد في تلك الأيام.
ثم إنّ الترك اتّعدوا يوماً، فخرج أهل بلنجر؛ وتوافت إليهم الترك فاقتتلوا؛ فأصيب عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له ذو النور - وانهزم المسلمون فتفرّقوا، فأمّا من أخذ طريق سلمان بن ربيعة فحماه حتى خرج من الباب، وأمّا من أخذ طريق الخزر وبلادها، فإنه خرج على جيلان وجرجان وفيهم سلمان الفارسيّ وأبو هريرة، وأخذ القوم جسد عبد الرحمن فجعلوه في سفط، فبقي في أيديهم، فهم يستسقون به إلى اليوم ويستنصرون به.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن داود بن يزيد، عن الشعبيّ، قال: والله لسلمان بن ربيعة كان أبصر بالمضارب من الجازر بمفاصل الجزور.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن الغصن بن القاسم، عن رجل من بني كنانة، قال: لما تتابعت الغزوات على الخزر، وتذامروا وتعايروا وقالوا: كنّا أمة لا يقرن لنا أحد حتى جاءت هذه الأملة القليلة، فصرنا لا نقوم لها. فقال بعضهم لبعض: إنّ هؤلاء لا يموتون؛ ولو كانوا يموتون لما اقتحموا علينا. وما أصيب في غزواتها أحد إلاّ في آخر غزوة عبد الرحمن، فقالوا: أفلا تجرّبون! فكمنوا في الغياض، فمرّ بأولئك الكمين مرّار من الجند، فرموهم منها؛ فقتلوهم، فواعدوا رءوسهم، ثمّ تداعوا إلى حربهم؛ ثم اتّعدوا يوماً؛ فاقتتلوا، فقتل عبد الرحمن، وأسرع في الناس فافترقوا فرقين؛ فرق نحو الباب فحماهم سلمان حتى أخرجهم، وفرق أخذوا نحو الخزر؛ فطلعوا على جيلان وجرجان، فيهم سلمان الفارسيّ وأبو هريرة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن المستنير بن يزيد، عن أخيه قيس، عن أبيه: قال كان يزيد بن معاوية وعلقمة بن قيس ومعضد الشيبانيّ وأبو مفزّر التميميّ في خباء، وعمرو بن عتبة وخالد بن ربيعة والحلحال بن ذرّيّ والقرثع في خباء، وكانوا متجاورين في عسكر بلنجر؛ وكان القرثع يقول: ما أحسن لمع الدماء على الثياب! وكان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه أبيض: ما أحسن حمرة الدماء في بياضك! وغزا أهل الكوفة بلنجر سنين من إمارة عثمان لم تئم فيهنّن امرأة، ولم ييتم فيهنّ صبيّ من قتل، حتى كان سنة تسع؛ فلمّا كان سنة تسع قبل المزاحفة بيومين رأى يزيد بن معاوية أنّ غزالا جىء به إلى خبائه، لم ير غزالاً أحسن منه حتى لفّ في ملحفته، ثم أتيَ به قبر عليه أربعة نفر لم ير قبراً أشدّ استواء منه ولا أحسن منه، حتى دفن فيه؛ فلمّا تغادى الناس على الترك رمي يزيد بحجر، فهشم رأسه، فكأنما زيّن ثوبه بالدماء زينة، وليس يتلطّخ؛ فكان ذلك الغزال الذي رأى، وكان بذلك الدم على ذلك القباء الحسن، فلما كان قبل المزاحفة بيوم تغادوا، فقال معضد لعلقمة: أعرني بردك أعصّب به رأسي؛ ففعل، فأتى البرج الذي أصيب فيه يزيد؛ فرماهم فقتل منهم، ورمي بحجر في عرّادة، ففضح هامته، واجترّه أصحابه فدفنوه إلى جنب يزيد، وأصاب عمرو بن عتبة جراحة؛ فرأى قباءه كما اشتهى. وقتل؛ فلما كان يوم المزاحفة قاتل القرثع حتى خرّق بالحراب، فكأنما كان قباؤه ثوباً أرضه بيضاء ووشيه أحمر، ومازال الناس ثبوتاً حتى أصيب، وكانت هزيمة الناس مع مقتله.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن داود بن يزيد، قال: كان يزيد بن معاوية النّخعيّ رضي الله عنه وعمرو بن عتبة ومعضد أصيبوا يوم بلنجر؛ فأمّا معضد فإنه اعتجر ببرد لعلقمة، فأتاه شظيّة من حجر منجنيق فأمّه، فاستصغره، ووضع يده عليه فمات فغسل دمه علقمة، فلم يخرج؛ وكان يحضر فيه الجمعة، وقال يحرّضني عليه: إنّ فيه دم معضد. فأما عمرو فلبس قباء أبيض، وقال: ما أحسن الدم على هذا! فأتاه حجر فقتله، وملأه دماً، وأما يزيد فدلّى عليه شيء فتقله، وقد كانوا حفروا قبراً فأعدّوه؛ فنظر إليه يزيد، فقال: ما أحسنه! وأريَ فيما يرى النائم أنّ غزالاً لم ير غزالٌ أحسن منه، جيء به حتى دفن فيه؛ فكان هو ذلك الغزال. وكان يزيد رقيقاً جميلاً رحمه الله؛ وبلغ ذلك عثمان، فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون! انتكث أهل الكوفة. اللهمّ تب عليهم وأقبل بهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: استعمل سعيد على ذلك الفرج سلمان بن ربيعة، واستعمل على الغزو بأهل الكوفة حذيفة بن اليمان؛ وكان على ذلك الفرج قبل ذلك عبد الرحمن ابن ربيعة؛ وأمدّهم عثمان في سنة عشر بأهل الشأم؛ عليهم حبيب بن مسلمة القرشيّ، فتأمّر عليه سلمان، وأبى عليه حبيب؛ حتى قال أهل الشأم: لقد هممنا بضرب سملان، فقال في ذلك الناس: إذاً والله نضرب حبيباً ونحبسه؛ وإن أبيتم كثرت القتلى فيكم وفينا.
وقال أوس بن مغراء في ذلك:
إن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفّان نرحل
وإن تقسطوا فالثّغر ثغر أميرنا ... وهذا أمير في الكتائب مقبل
ونحن ولاة الثغر كنّا حماته ... ليالي نرمي كلّ ثغر وننكل
فأراد حبيب أن يتأمّر على صاحب الباب كما كان يتأمرّ أمير الجيش إذا جاء من الكوفة؛ فلمّا أحسّ حذيفة أقرّ وأقرّوا؛ فغزاها حذيفة ابن اليمان ثلاث غزوات؛ فقتل عثمان في الثالثة؛ ولقيهم مقتل عثمان، فقال: اللهمّ العن قتلة عثمان وغزاة عثمان وشنأة عثمان. اللهمّ إنا كنّا نعاتبه ويعاتبنا، متى ما كان من قبله يعاتبنا ونعاتبه! فاتّخذوا ذلك سلّماً إلى الفتنة؛ اللهم لا تمتهم إلاّ بالسيوف.
وفي هذه السنة مات عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ زعم الواقديّ أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه بذلك عن يعقوب بن عتبة؛ وأنه يوم مات كان ابن خمس وسبعين سنة.
قال: وفيها مات العبّاس بن عبد المطلب؛ وهو يومئذ ابن ثمان وثمانين سنة؛ وكان أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم بثلاث سنين.
قال: وفهيا مات عبد الله بن زيد بن عبد ربه رحمه الله؛ الذي أري الأذان.
قال: وفيها توفّيَ عبد الله بن مسعود بالمدينة، فدفن بالبقيع رحمه الله فقال قائل: صلّى عليه عمّار، وقال قائل: صلّى عليه عثمان.
وفيها مات أبو طلحة رحمه الله.
ذكر الخبر عن وفاة أبي ذرّ قال: وفيها مات أبو ذرّ رضي الله عنه في رواية سيف.
ذكر الخبر عن وفاتهكتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن عطيّة عن يزيد الفقعسيّ، قال: لما حضرت أبا ذرّ الوفاة؛ وذلك في سنة ثمان في ذي الحجّة من إمارة عثمان، نزل بأبي ذرّ؛ فلما أشرف قال لابنته: استشرفي يا بنيّة فانظري هل ترين أ؛داً! قالت: لا، قال: فما جاءت ساعتي بعد؛ ثم أمرها فذبحت شاة، ثم طبختها، ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنونني فقولي لهم: إنّ أبا ذرّ يقسم عليكم ألاّ تركبوا حتى تأكلوا؛ فلمّا نضجت قدرها قال لها: انظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم؛ هؤلاء ركب مقبلون، قال: استقبلي بي الكعبة. ففعلت، وقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم. ثم خرجت ابنته فتلقّتهم وقالت: رحمكم الله! اشهدوا أبا ذرّ - قالوا: وأين هو؟ فأشارت لهم إليه وقد مات - فادفنوه، قالوا: نعم ونعمة عين! لقد أركمنا الله بذلك؛ وإذا ركبٌ من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود، فمالوا إليه وابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " يموت وحده، ويبعث وحده " ؛ فغسلوه وكفّنوه وصلّوا عليه ودفنوه، فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت لهم: إنّ أبا ذر يقرأ عليكم السلام، وأقسم عليكم ألاّ تركبوا حتّى تأكلوا، ففعلوا، وحملوهم حتى أقدموهم مكّة، ونعوه إلى عثمان، فضمّ ابنته إلى عياله، وقال: يرحم الله أبا ذرّ، ويغفر لرافع ابن خديج سكونه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن القعقاع بن الصلت، عن رجل، عن كليب بن الحلحال، عن الحلحال بن ذرّيّ، قال: خرجنا مع ابن مسعود سنة إحدى وثلاثين ونحن أربعة عشر راكباً حتى أتينا على الرّبذة فإذا امرأة قد تلقّتنا، فقالت: اشهدوا أبا ذرّ - وما شعرنا بأمره ولا بلغنا - فقلنا: وأين أبو ذرّ؟ فأشارت إلى خباء، فقلنا: ماله؟ قالت: فارق المدينة لأمر قد بلغه فيها، ففارقها. قال ابن مسعود: ما دعاه إلى الإعراب؟ فقالت: أما إن أمير المؤمنين قد كره ذلك؛ ولكنه كان يقول: هي بعد، وهي مدينة. فمال ابن مسعود إليه وهو يبكي، فغسلناه وكفنّاه؛ وإذا خباء منضوخ بمسك، فقلنا للمرأة: ما هذا؟ فقالت: كانت مسكة، فلما حضر قال: إن الميّت يحضره شهود يجدون الرّيح؛ ولا يأكلون، فدوفي تلك المسكة بماء، ثم رشّي بها الخباء فاقريهم ريحها، واطبخخي هذا اللحم؛ فإنه سيشهدني قوم صالحون يلون دفني، فاقريهم، فلما دفنّاه دعتنا إلى الطعام فأكلنا، وأردنا احتمالها، فقال ابن مسعود: أمير المؤمنين قريب، نستأمره؛ فقدمنا مكة فأخبرناه الخبر، فقال: يرحم الله أبا ذرّ، ويغفر له نزوله الرّبذة! ولما صدر خرج فأخذ طريق الرّبذة، فضمّ عياله إلى عياله، وتوجّه نحو المدينة، وتوجّهنا نحو العراق؛ وعدّتنا: ابن مسعود وأبو مفزز التميميّ، وبرك بن عبد الله التميميّ، والأسود بن يزيد النّخعيّ وعلقمة بن قيس النّخعيّ، والحلحال ابن ذرى الضبيّ والحارث بن سويد التميميّ، وعمرو بن عتبة بن فرقد السّلميّ، وابن ربيعة السلميّ، وأبو رافع المزنيّ، وسويد بن مثعبة التميميّ، وزياد بن معاوية النخعيّ، وأخو القرثع الضبيّ؛ وأخو معضد الشيبانيّ.
فتح مروروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان وفي سنة اثنتين وثلاثين فتح ابن عامر مروروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان.
ذكر الخبر عن ذلكقال عليّ: أخبرنا سلمة بن عثمان وغيره، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن سيرين، قال: بعث ابن عامر الأحنف بن قيس إلى مروروذ، فحصر أهلها، فخرجوا إليهم فقاتلوهم، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصنهم، فأشرفوا عليهم، فقالوا: يا معشر العرب، ما كنتم عندنا كما نرى؛ ولو علمنا أنّكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال غير هذه؛ فأمهلونا ننظر يومنا، وارجعوا إلى عسكركم. فرجع الأحنف، فلما أصبح غاداهم وقد أعدّوا له الحرب؛ فخرج رجلٌ من العجم معه كتاب من المدينة، فقال: إنّي رسول فأمّنوني، فأمّنوه، فإذا رسول من مرزبان مرو ابن أخيه وترجمانه، وإذا كتاب المرزبان إلى الأحنف، فقرأ الكتاب؛ قال: فإذا هو: إلى أمير الجيش؛ إنا نحمد الله الذي بيده الدّول، يغير ما شاء من الملك، ويرفع من شاء بعد الذّلّة، ويضع من شاء بعد الرفعة.
إنه دعاني إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدّي، وما كان رأي من صاحبكم من الكرامة والمنزلة؛ فمرحباً بكم وأبشروا؛ وأنا أدعوكم إلى الصّح فيما بينكم وبيننا؛ على أن أؤدّي إليكم خراجاً ستين ألف درهم؛ وأن تقرّوا بيدي ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جدّ أبي حيث قتل الحيّة التي أكلت الناس، وقطعت السبُّل من الأرضين والقرى بما فيها من الرّجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتي شيئاً من الخراج، ولا تخرج المرزبة من أهل بتي إلى غيركم، فإن جعلت ذلك لي خرجت إليك؛ وقد بعثت إليك ابن أخي ماهك ليستوثق منك بما سألت.
قال: فكتب إله الأحنف: بسم الله الرحمن الرحيم ، من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرووذ ومن معه من الأساورة والأعاجم. سلام على من اتّبع الهدى، وآمن واتّقى. أما بعد؛ فإن ابن أخيك ماهك قدم عليّ، فنصح لك جهده، وأبلغ عنك؛ وقد عرضت ذلك على من معي من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء؛ وقد أجبناك إلى ما سألت وعرضت على أن تؤدّي عن أكرتك وفلاّحيك والأرضين ستّين ألف درهم إليّ وإلى الوالي من بعدي من أمراء المسلمين؛ إلاّ ما كان من الأرضين التي ذكرت أنّ كسى الظالم لنفسه أقطعجدّ أبيك لما كان من قتله الحيّة التي أفسدت الأرض وقطعت السُّبل. والأرض لله ولرسوله يورثها من يشاء من عباده، وإنّ عليك نصرة المسلمين وقتال عدوّهم بمن معك من الأساورة؛ إن أحبَّ المسلمون ذلك وأرادوه، وإنّ لك على ذلك نصرة المسلمين على من يقاتل من وارءك من أهل بيتك من ذوي الأرحام؛ وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك من المسلمين العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم؛ ولك بذلك ذمتي وذمة أبي وذمم المسلمين وذمم آبائهم. شهد على ما في هذا الكتاب جزء ابن معاوية - أو معاوية بن جزء السعديّ - وحمزة بن الهرماس وحميد بن الخيار المازنيّان، وعياض بن ورقاء الأسيديّ. وكتب كيسان مولى بني ثعلبة يوم الأحد من شهر الله المحرّم. وختم أمير الجيش الأحنف بن قيس. ونقش خاتم الأحنف: نعبد ه.
قال عليّ: أخبرنا مصعب بن حيّان، عن أخيه مقاتل بن حيّان، قال: صالح ابن عامر أهل مرو، وبعث الأحنف في أربعة آلاف إلى طخارستان فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مرو روذ، وجمه أهل طخارستان، وأهل الجوزجان والطالقان والفارياب؛ فكانوا ثلاثة زحوف، ثلاثين ألفاً. وأتى الأحنف خيرهم وما جمعوا له، فاستشار الناس فاختلفوا؛ فبين قائل: نرجع إلى مرو، وقائل: نرجع إلى أبر مشهر، وقائل: نقيم نستمدّ، وقائل: نلقاهم فنناجزهم.
قال: فلما أمسى الأحنف خرج يمشي في العسكر، ويستمع حديث الناس، فمرّ بأهل خبار ورجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن؛ وهم يتحدّثون ويذكرون العدوّ؛ فقال بعضهم: الرأي للأمير أن يسير إذا أصبح؛ حتى يلقي القوم حيث لقيهم - فإنه أرعب لهم - فيناجزهم. فقال صاحب الخزيرة أو العجين: إن فعل ذلك مفقد أخطأ وأخطأتم؛ أتأمرونه أن يلقى حدّ العدوّ مصحراً في بلادهم، فيلقى جمعاً كثيراً بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلمونا! ولكنّ الرأي له أن ينزل بين المرغاب والجبل، فيجعل المرغاب عن يمينه والجبل عن يساره، فلا يلقاه من عدوّه وإن كثروا إلا عدد أصحابه. فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال؛ فضرب عسكره، وأقام فأرسل إليه أهل مرو يعرضون عليه أن يقاتلوا متعه؛ فقال: إنيّ أكره أن أستنصر بالمشركين؛ فأقيموا على ما أعطيناكم؛ وجعلنا بيننا وبينكم؛ فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم؛ وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم.
قال: فوافق المسلمين صلاة العصر؛ فعالجلهم المشركون فناهضوهم فقاتلوهم؛ وصبر الفريقان حتى أمسوا والأحنف يتمثّل بشعر ابن جؤيّة الأعرجيّ:
أحقُّ من لم يكره المنيَّه ... حزوّر ليست له ذرَّيه
قال عليّ: أخبرنا أبو الأشهب العسديّ، عن أبيه، قال: لقي الأحنف أهل مرووذ والطالقان والفارياب والجوزجان في المسلمين ليلاُ، فقاتلهم حتى ذهب عامّة الليل، ثم هزمهم ه، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى رسكن - وهي على اثني عشر فرسخاً من قصر الأحنف - وكان مرزبان مروروذ، قد تربّص بحمل ما كانوا صالحوه عليه؛ لنظر ما يكون من أمرهم.
قال: فلمّا ظفر الأحنف سرّح رجلين مإلى المرزبان، وأمرهما ألاّ يكلّماه حتى يقبضاه. ففعلاً. فعلم أنهم لم يصنعوا ذاك به إلاّ وقد ظفروا، فحمل ما كان عليه.
قال عليّ: وأخبرنا المفضّل الضبيّ، عن أبيه، قال: سار الأقرع بن حابس إلى الجوزجان؛ بعثه الأحنف في جريدة خيل إلى بقيّة كانت بقيت من الزّحوف الذين هزمهم الأحنف، فقاتلهم، فجال المسلمون جولة، مفقتل فرسان من فرسانهم؛ ثم أضفر الله المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم، فقال كثير النهشليّ:
سقى مزن السحاب إذا اشتهلّت ... مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق خوط ... أقادهم هناك الأقرعان
وهي طويلة ذكر صلح الأحنف مع أهل بلخ
وفي هذه السنة، جرى صلح بين الأحنف وبين أهل بلخ.
ذكر الخبر بذلكقال عليّ: أخبرنا زهير بن الهنيد، عن إياس بن المهلّب، قال: سار الأحنف من مروالرّوذ إلى بلخ فحاصرهم، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف، فرضى منهم بذلك، واستعمل ابن عمّه؛ وهو أسيد بن المتشمّس ليأخذ منهم ما صالحوه عليه، ومضى إلى خارزم، فأقام حتى هجم عليه الشتاء، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قال له حصين: قد قال لك عمرو بن معد يكرب، قال: وما قال؟ قال: قال:
إذا لم تستطع أمراً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
قال: فأمر الأحنف بالرّحيل، ثمّ انصرف إلى بلخ، وقد قبض ابن عمّه ما صالحهم عليه؛ وكان وافق وهو يجبيهم المهرجان، فأهدوا إليه هدايا من آنية الذهب والفضّة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب، فقال ابن عمّ الأحنف: هذا ما صالحناكم عليه؟ قالوا: لا؛ ولكنّ هذا شيء نصنعه في هذا اليوم بمن ولينا نستعطفه به، قال: وما هذا اليوم؟ قالوا: المهرجان، قال: ما أدري ما هذا؟ وإنيّ لأكره أن أردّه؛ ولعله ممن حقّي؛ ولكن أقبضه وأعزله حتى أنظر فيه؛ فقبضه، وقدم الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا له مثل ما قالوا لابن عمّه، فقال: آتي به الأمير؛ فحمله إلى ابن عامر، فأخبره عنه، فقال: اقبضه يا أبا بحر؛ فهو لك؟ قال: لا حاجة لي فيه، فقال ابن عامر: ضمّه إليك يا مسمار، قال: قال الحسن: فضمّه القرشيّ وكان مضمّاً.
قال عليّ: وأخبرنا عمرو بن محمد المرّيّ، عن أشياخ من بني مرّة، أنّ الأحنف استعمل على بلخ بشر بن المتشمّس.
قال عليّ: وأخبرنا صدقة بن حميد، عن أبيه، قال: بعث ابن عامر - حين صالح أهل مرو، وصالح الأحنف أهل بلخ - خليد بن عبد الله الحنفيَّ إلى هراة وباذغيس؛ فافتتحهما، ثم كفروا بعد فكانوا مع قارن.
قال عليّ: وأخبرنا مسلمة، عن داود، قال: ولما رجع الأحنف إلى ان عامر قال الناس لابن عامر: ما فتح على أحد ما مقد فتح عليك؛ فارس وكرمان وسجستان وعامّة خراسان! قال: لا جرم، لأجعلنّ شكري لله على ذلك أن أخرج محرماً معمراً من موقفي هذا. فأحرم بعمرة من نيسابور؛ فلما قدم على عثمان لامه على إحرامه من خراسان، وقال: ليتك تضبط ذلك من الوقت الذي يحرم منه الناس! قال عليّ: أخبرنا مسلمة، عن السّكن بن قتادة العرينيّ، قال: استخلف ابن عامر على خراسان قيس بن الهيثم، وخرج ابن عامر منها في سنة اثنتين وثلاثين. قال: فجمع قارن جمعاً كثيراً من ناحية الطّبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان، فأقبل في أربعين ألفاً، فقال لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: أرّى أن تخلّي البلاد فإني أميرها؛ ومعي عهد من ابن عامر؛ إذا كانت حرب بخراسان فأنا أميرها - وأخرج كتاباً قد افتعله عمداً - فكره قيس مشاغبته، وخلاّه والبلاد؛ وأقبل إلى ابن عامر، فلامه ابن عامر، وقال: تركت البلاد حرباً وأقبلت! قال: جاءني بعهد منك. فقالت له أمّه: قد نهيتك أن تدعهما في بلد، فإنه يشغبعليه.
قال: فسار ابن خازم إلى قارن في أربعة آلاف وأمر الناس فحملوا الودك؛ فلما قرب من عسكره أمر الناس، فقال: ليدرج كلُّ رجل منكم على زجّ رمحه ما كان معه من خرقة أو قطن أو صوف؛ ثم أوسعوه من الودك ممنسمن أو دهن أو زيت أو إهالة. ثم سار حتى إذا أمسى قدّم مقدّمته ستمائة، ثم اتّبعهم، وأمر الناس فأشعلوا النيران في أطراف الرّماح، وجعل يقتبس بعضهم من بعض. قال: وانتهت مقدّمته إلى عسكر قارن، فأتوهم نصف الليل؛ ولهم حرس، فناوشوهم، وهاج الناس على دهش، وكانوا آمنين في أنفسهم من البيات، ودنا ابنخازم منهم، فرأوا النيران بمنة ويسرة، وتتقدّم وتتأخرّ، وتتخفض وترتفع؛ فلا يرون أحداً. فهالهم ذلك، ومقدّمة ابن خازم يقاتلونهم؛ ثم غشيهم ابن خازم بالمسلمين، فقتل قارن، وانهزم العدوّ فأتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا، وأصابوا سبياً كثيراً؛ فزعم شيخ من بني تميم، قال: كانت أمّ الصلت بن حريث من سبي قارن، وأمّ زياد بن الربيع منهم، وأمّ عون أبي عبد الله بن عون الفقيه منهم.
قال عليّ: حدّثنا مسلمة، قال: أخذ ابن خازم عسرك قارن بما كان فيه، وكتب بالفتح إلى ابن عامر؛ فرضي وأقرّه على خراسان، فلبث عليها حتى انقضى أمر الجمل، فأقبل إلى البصرة، فشهد وقعة ابن الحضرميّ، وكان معه في دار سبيل.
قال عليّ: وأخبرنا الحسن بن رشيد، عن سليمان بن كثير العميّ الخزاعي، قال: جمعقارن للمسلمين جمعاً كثيراً، فضاق المسلمون بأمرهم، فقال قيس ابن الهيثم لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أنك لا تطيق كثرة من قد أتانا، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره بكثرة من قد جمعوا لنا، ونقيم نحن في هذه الحصون ونطاولهم حتى تقدم ويأتينا مددكم.
قال: فخرج قيس بن الهيثم، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهداً، وقال: قد ولاّني ابن عامر خراسان؛ فسار إلى قارن، فظفر به، وكتب بالفتح إلى ابن عامر، فأقرّه ابن عامر على خراسان؛ فلم يزل أهل البصرة يغزون من لم يكن صالح من أهل خراسان، فإذا رجعوا خلّفوا أربعة آلاف للعقبة، فكانوا على ذلك مكانت الفتنية.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثينففيها كانت غزوة معاوية حصن المرأة من أرض الرّوم من ناحية ملطية في قول الواقديّ.
وفيها كانت غزوة عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية الثانية حين نقض أهلها العهد.
وفيها قدّم عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس إلى خراسان وقد انتقض أهلها، ففتح المروين: مرو الشاهجان صلحاً، ومرو الرّوذ بعد قتال شديد، وتبعه عبد الله بن عامر، فنزل أبر شهر، ففتحها صلحاً في قول الواقديّ.
وأمّا أبو معشر فإنه قال - فيما حدّثني أحمد بن ثابت الرازي " ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عنه، قال: كانت قبرس سنة ثلاث وثلاثين، وقد ذكرنا قول من خالفه في ذلك، والخبر عن قبرس.
وفيها: كان تسيير عثمان بن عفان من سيّر من أهل العراق إلى الشأم.
ذكر تسيير من سيّر من أهل الكوفة إليها
اختلف أهل السير في ذلك، فأما سيف فإنّه ذكر فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب عنه، عن محمد وطلحة، قالا: كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلاّ نازلة أهل الكوفة ووجوه أهل الأيام وأهل القادسيّة وقرّاء أهل البصرة والمتسمِّتون، وكان هؤلاء دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس للناس فإنه يدخل عليه كلّ أحد، فجلس للناس يوماً، فدخلوا عليه؛ فبينناهم جلوس يتحدّثون قال خنيس بن فلان: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد ابن العاص: إنّ من له مثل النّشاستج لحقيق أ، يكون جواداً؛ والله لو أنّ لي مثله لأعاشكم الله عيشاً رغداً. فقال عبد الرحمن بن خنيس - وهو حدث: والله لوددت أنّ هذا الملطاط لك - يعني ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة - قالوا: فضّ الله فاك! والله لقد هممنا قك، فقال: خنيس غلام فلا تجازوه، فقالوا: يتمنى له من سوادنا! قال: ويتمنّى لكم أضعافه، قالوا: لا تيمنى لنا ولا له، قال: ما هذا بكم! قالوا: أنت والله أمرته بها، فثار إليه الأشتر وابن ذي الحبكة وجندب وصعصعة وابن الكّواء وكميل بن زياد وعمير بن ضائي؛ فأخذوه فذهب أبوه ليمنع منه فضربوهما حتى غشى عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطراً، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاءوا وفيهم طليحة فأحاطو بالقصر، وركبت القبائل، فعاذوا بسعيد، وقالوا: أفلتنا وخلَّصنا.
فخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيّا الناس، قوم تنازعوا وتهاووا،وقد رزق الله العافية. مثم قعدوا وعادوا في حديثهم، وتراجعوا فساءهم وردّهم، وأفاق الرّجلان؛ فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك، مقال: لا يغشوني والله أبداً، فاحفظ عليّ ألسنتكما ولاتجرّئا عليّ النسا. ففعلاً ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك قعدوا في بيتوهم، وأقبلوا على الإذاعة حتّى لامه أهلالكوفة في أمرهم؛ فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرّك شيئاً، فمن أراد منكم أن يحرّك شيئاً فليحرّكه.
فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان في إخراجهم، فكتب: إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية. فأخرجوهم، فذلّوا وانقادوا حتى أتوه - هم بضعة عشر - فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: إنّ أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفراً خلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم؛ فإن آنست منهم رشداً فأقبل منهم؛ وإن أعيوك فازددهم عليهم فلما قدموا على معاوية رّحّب بهم وأنزلهم كنيسة تسمّى مريم، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق، وجعل لا يزال يتغدّى ويتعشّى معهم، فقال لهم يوماً: إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً؛ وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلّة كما كنتم، إنّ أئمتكم لكم إلى اليوم جنّة فلا تشذّوا عن جنّتكم؛ وإنّ أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة؛ والله لتنتهنّ أو ليتلينّكم الله بمن يسومكم؛ ثم لا يحمدكم على الصبر، ثمّ تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعيّة في حياتكم وبعد موتكم.
فقال رجل من القوم: أمّا ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوّفنا؛ وأما ما ذكرت من الجنّة فإنّ الجنّة إذا اخترقت خلص إلينا.
فقال معاوية: عرفتكم الآن، علمت أنّ الذي أغراكم على هذا قلّة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلاً، أعظم علكي أمر الإسلام، وأذكرك به، وتذكّرني الجاهلية! موقد وعظتك. وتزعم لما يجنُّك أنه يخترق، ولا ينسب ما يخترق إلى الجنّة؛ أخزى الله أقواماُ أعظموا أمركم، ورفعوا إلى خليفتكم! افقهوا - ولا أظنكم تفقهون - أنّ قريشاً لم تعزّ في جاهلية ولا إسلام إلاّ بالله عزّ وجلّ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدّهم؛ ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأعظمهم أخطاراً؛ وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس بأكل بعضهم بعضاً إلاّ بالله الذي لا يستذّل من أعزّ، ولا يوضع من رفع، فبوّأهم حرماً آمنا يتخطّف الناس من حولهم! هل تعرفون عرباً أن عجماً أو سوداً أو حمراً إلاّ قد أصابه الدهر في بلده وحرمته بدولة؛ إلاّ ما كان من قريش، فإنه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلاّ جعل الله خدّه الأسفل، حتى أراد الله أن ينتقّذ من أكرم واتّبع دينه من هوان الدّنيا وسوء مردّ الآخرة، فارتضى لذلك خير خلفه، ثم ارتضى له أصحاباً فكان خيارهم قريشاً، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم؛ ولا يصلح ذلك إلاّ عليهم؛ فكان الله يحوطهم في الجاهليّة وهم علىكفرهم بالله؛ أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهلية من الموك الذين كانوا يدينونكم؟ أفٍّ لك ولأصحابك! ول أنّ متكلماً غيرك تكلّم؛ ولكنك ابتدأت. فأمّا أنت يا صعصعة فإن قريتك شرّ قرى عربيّة؛ انتنها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشرّ، وألأمها جيراناً، لم يسكنها شريف قطّ ولا وضيع إلاّ سبّ بها؛ وكانت عليه هجنة، ثم كانوا أقبح العرب ألقاباً، والأمه أصهاراً، نزّاع الأمم؛ وأنتم جيران الخطّ وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلّم ونكبتك دعوته؛ وأنت نزيع شطير في عمان، لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلّم، فأنتشرّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام، وخلطك بالناس، وحملك على الأمم التي كانت عليك؛ أقبلت تبغي دين الله عوجاً؛ وتنزع إلى الللآمة والذلّة. ولا يضع ذلك قريشاً، ولن يضرّهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم؛ إنّ الشيطان عمم غير غافل، قد عرفكم بالشرّ من بين أمتكم، فأغرى بكم الناس؛ وهو صارعكم. لقد علم أنه لا يستطيع أن يردّ بكم قضاء قضاه الله، ولا أمراً أراده الله، ولا تدركون بالشرّ أمراً أبداً إلا فتح الله عليكم شرّاً منه وأخزى.
ثم قام وتركهم؛ فتذامروا. فتقاصرت إليهم أنفسهم، فلمّا كان بعد ذلك أتاهم فقال: إني قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم؛ لا والله لا ينفع الله بكم أحداً ولا يضرّه؛ ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرّة؛ ولكنكم رجال نكير. وبعد، فإن أردتم النجاة فألزموا جماعتكم؛ وليسعكم ما وسع الدَّهماء، ولا يبطرنّكم الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار؛ اذهبوا محيث شئتم، فإني كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم.
فلمّا خرجوا دعاهم فقال: إني معيد عليكم. إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان معصوماً فولاّني، وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر رضي الله عنه فولاّني، ثمّ استخلف عمر فولاّني، ثم استخلف عثمان فولاّني.
فلم أل لأحد منهم مولم يولِّني إلا وهو راضٍ عني؛ وإنما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلّم للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغناء؛ ولم يطلب لها أهل اللاجتهاد والجهل بها والضعف عنها؛ وإن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون؛ فإنّ الله غير تارككم حتى يختبركم ويبدي لناس سارئركم؛ وقد قال عزّ وجل: " الم أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يفتنون " .
وكتب معاوية إلى عثمان: إنه قدم عليّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أثفلهم الإسلام، وأضجرهم العدل؛ لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلّمون بحجّة؛ إنما همّهم الفتنة وأموال أهل الذّمة؛ والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم؛ وليسوا بالذين ينكون أحداً إلا مع غيرهم، فإنه سعيداً ومن قبله عنهم؛ فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير.
وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة، فإنهم يسمتون بكم، وميلوا بنا إلى الجزيرة، ودعوا العراق والشام. فأووا إلىالجزيرة، وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان معاوية قد ولاّه حمص وولى عامل الجزيرة حرّان والرّقة - فدعا بهم، فقال: يا آلة الشيطان، لا مرحباً بكم ولا أهلاً! قد رجع الشيطان محشوراً وأنتم بعد نشاط؛ خسرر الله عبد الرحمن إن لم يؤدّ بكم حتى يحسركم. يا معش من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكمتقولون لمعاوية؛ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات، أنا ابن فاقيء الرّدة، والله لئن بلغني يا صعصعة ابن ذلّ أنّ أحداً ممن معي دق أنفك ثم أمصّك لأطيرنّ بك طيرة بعيدة المهوى. فأقامهم أشهراً كلّما ركب أمشاهم، فإذا مرّ به صعصعة قال: يابن الحطيئة، أعلمت أنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشّر! مالك لا تقول كما كان يبلغني أنّك تقول لسعيد ومعاوية! فيقول ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله! فما زالوا به حتى قال تاب الله عليكم.
وسرّح الأشتر إلى عثمان، وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم فأقيموا. وخرج الأشتر، فأتى عثمانب التوبة والندم ولانزوع عنه وعن أصحابه فقال: سلمكم الله. وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت، فقال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ وذكر من فضله، ذاك إليكم، فرجعإلى عبد الرحمن.
وأمّا محمد بن عمر؛ فإنه ذكر أنّ أبا بكر بن إسماعيل حدّثه عنأبيه، عن عامر بن سعد، أنّ عثمان بعث سعيد بن العاص إلى الكوفة أميراً عليها، حين شهد على الوليد بن عقبة بشرب الخمر من شهد عليه، وأمره أن يبعث إليه الوليد بن عقبة. قال: قدم سعيد بن العاص الكوفة، فأرسل إلى الوليد: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تلحق به. قال: فتضجّع أياماً، فقال له: انطلق إلى أخيك؛ فإنه قد أمرني أن أبعثك إليه، قال: وما صعد منبر الكوفةحتى أمر به أن يغسل، فناشده رجال من قريش كانوا قد خرجوا معه من بني أميّة، وقالوا: إنّ هاذ قبيح؛ والله لو أراد هذا غيرك لكان حقّاً أن تذبّ عنه؛ يلزمه عار هذا أبداً. قال: فأبى إلاّ أن يفعل، فغسلهوأرسل إلى الوليد أن يتحوّل من دار الإمارة، فتحوّل منها، ونزل دار عمارة بنعقبة، فقدم الوليد على عثمان، فجمع بينه وبين خصمائه، فرأىأن يجلده، فجلده الحدّ.
قال محمّد بن عمر: حدثني شيبان، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: قدم سعيد بن العاص الكوفة، فجعل يختار وجوه الناس يدخلون عليه ويسمرون عنده؛ وإنه سمر عنده ليلةً وجوه أهل الكوفة، منهم مالك بن كعب الأرجيّ، والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النّخعيّان، وفيهم مالك الأشتر في رجال، فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان لقريش؛ فقال الأشتر: أتزعم أنّ السّواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك! والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم.
قال: فقال عبد الرحمن الأسديّ - وكان على شرطة سعيد: أتردّون على الأمير مقالته! وأغلظ لهم، فقال الأشتر: من ها هنا! لا يفوتنّكم الرجل؛ فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديداً، حتى غشي عليه ثم جرّ برجله فألقى، فنضح بماء فأفاق، فقال له سعيد: أبك حياة؟ فقا: قتلني من انتخبت - زعمت - للإسلام، فقال: والله لا يسمر منهم عندي أحد أبداً، فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتموون عثمان وسعيداً؛ واجتمع الناس إليهم؛ حتى كثر من يختلف إليهم. فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك، ويقول: إنّ رهطاً من أهل الكوفة - سمّاهم له عشرة - يؤلّبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا؛ فكتب عثمان إلى سعيد: أن سيرّهم إلى معاوية - ومعاوية يومئذ على الشأم - فسيرّهم - وهم تسعة نفر - إلى معاوية؛ فيهم مالك الأشتر، وثايت بن قيس بن منقع، وكميل بن زياد النخعيّ، وصعصعة بن صوحان.
ثم ذكر نحو حديث السريّ، عن شعيب؛ إلاّ أنه قال: فقال صعصعة: فإن اخترقت الجنَّة أفليس يخلص إلينا؟ فقال معاوية: إنّ الجنة لا تخترق، فضع أمر قريش على أحسن ما يحضرك.
وزاد فيه أيضاً: إنّ معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكّرهم، قال فيما يقول: وإني والله ماآمركم بشيء إلا قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصّتي؛ وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، إلاّ ما جعل الله لنبيّه نبيّ الرحمة صلى الله عليه وسلّم؛ فإن الله انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئاً إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها؛ ولم يخلق من الأخلاق السيّئة شيئاً في أحد إلا أكرمه الله عنها ونزّهه؛ وإني لأظن أنّ أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً. قال صعصعة: كذبت! قد ولدهم خير من أبي سفيان؛ من خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البرّ والفاجر، والأحمق والكيّس. فخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة، فتحدّث عندهم طويلاً، ثم قال: أيُّها القوم، ردّوا عليّ خيراً أو اسكتوا وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المسلمين؛ فاطلبوه تعيشوا ونعش بكم. فقال صعصعة: لست بأهل ذلك، ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله.
فقال: أو ليس ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته نبيه صلى الله عليه وسلّم، وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرّقوا! قالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلّم. قال: فإني آمركم الآن، إن كنت فعلت فأتوب إلى الله، وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلّم ولزوم الجماعة، وكراهة الفرقة، وأن توقّروا أئمّتكم وتدلُّوهم على كلّ حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين ولطف في شيء إن كان منهم.
فقال صعصعة: فإنّا نأمرك أن تعتزل عملك؛ فإنّ في المسلمين من هو أحقّ به منك، قال: من هو؟ قال: من كان أبوه أحسن قدماً من أبيك، وهو بنفسه أحسن قدماً منك في الإسلام، فقال: والله إنّ لي في الإسلام قدماً، ولغيري كان أحسن قدماً مني؛ ولكنه ليس في زماني أحد أقوى مني لم يكن لي عند عمر هوادة ولا لغيري، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعزل عملي؛ ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إليّ بخطّ يده فاعتزلت عمله؛ ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوت ألا يعزم له على ذلك إلا وهو خير؛ فمهلاً فإنّ في ذلك وأشباهه ما يتمنّى الشيطان ويأمر؛ ولعمري لو كانت الأمور تقضي على رأيكم وأمانيّكم ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يوماً ولا ليلة، ولكن الله يقضيها ويدبّرها؛ وهو بالغ أمره؛ فعادودوا الخبر وقولوه.
فقالوا: لست لذلك أهلاً، فقال: أما والله إنّ لله لسطوات ونقمات، وإني لخائف عليكم أن تتايعوا في مطاوعه الشيطان حتى تحلَّكم مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن دار الهوان من نقم الله في عاجل الأمر، والخزي الدائم في الآجل.
فوثبوا عليه؛ فأخذوا برأسه ولحيته، فقال: مه؛ إنّ هذه ليست بأرض الكوفة، والله لو رأى أهل الشأم ما صنعم بي وأنا أمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلعمري إنّ صنيعكم ليشبه بعضه بعضاً، ثمّ أقام من عندهم، فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلاً ما بقيت.
ثم كتب إلى عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم ؛ لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إليّ أقواماً يتكلّمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم، ويأتون الناس - زعموا - من قبل القرآن، فيشبّهون على الناس، وليس كلّ الناس يعلم ما يريدون؛ وإنما يريدون فرقة، ويقرّبون فتنة؛ قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكّنت رقي الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيراً من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة؛ ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشأم أن يغرّوهم بسحرهم وفجورهم؛ فارددهم إلى مصرهم؛ فلتكن دارهم في مصرهم الذين نجم فيه نفاقهم؛ والسلام.
فكتب إليه عثمان يأمره أن يردّهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردّهم إليه، فلم يكونوا إلاّ أطلق ألسنة منهم حين رجعوا.
وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم؛ فكتب عثمان إلى سعيدد أن سيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد؛ وكان أميراً على حمص.
وكتب إلى الأشتر وأصحابه: أمّا عبد؛ فإني قد سيّرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها؛ فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شرّاً. والسلام.
فلما قرأ الأشتر الكتاب، قال: اللهمّ أسوأنا نظراً للرعيّة وأعملنا فيهم بالمعصية؛ فعجِّل له النقمة.
فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص؛ فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل، وأجري عليهم رزقاً.
قال محمد بن عمر: حدّثني عيسى بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، قال: اجتمع نفر بالكوفة - يطعنون على عثمان - من أشراف أهل العراق: مالك بن الحارث الأشتر، وثابت بن قيس النَّخعيّ، وكميل بن زياد النَّخعيّ، وزيد بن صوحان العبديّ، وجندب بن زهير الغامديّ، وجندب بن كعب الأزديّ، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ.
فكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب إليهأن سيَّرهم إلى الشأم وألزمهم الدّروب.
ذكر الخبر عن
تسيير عثمان من سيَّر من أهل البصرة إلى الشام
مما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعميّ؛ مقال: لما مضى من إمارة اب عامر ثلاث سنين، بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة، وكان حكيم بن جبلة رجلاً لصّاً، إذا قفل الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذّمة، ويتنكّر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمّة وأهل القبلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن احبسه، ومن كان مثله فلا يخرجنّ من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً؛ فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها. فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرّح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر، فسأله: ما أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك؛ فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتي الكوفة فأخرج منها فاستقرّ بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: إن حمران بن أبان تزوّج امرأة في عدّتها، فنكّل به عثمان، وفرّق بينهما، وسيّره إلى البصرة، فلزم ابن عامر؛ فتذاكروا يوماً الركوب والمرور بعامر ابن عبد قيس - وكان منقبضاً عن الناس - فقال حمران: ألا أسبقكم فأخبره! فخرج فدخل عليه وهو يقرأ في المصحف، فقال: الأمير أراد أن يمرّ بك فأحببت أن أخبرك، فلم يقطع قراءته ولم يقبل عليه، فقام من عنده خارجاً.
فلما انتهى إلى الباب لقيه ابن عامر، فقال: جئتك من عند امرىء لا يرى لآل إبراهيم عليه فضلاً؛ واستأذن ابن عامر، فدخل عليه، وجلس إليه، فأطبق عامر المصحف، وحدّثه ساعة، فقال له ابن عامر: ألا تغشانا؟ فقال: سعد بن أبي العرجاء يحبّ الشرف، فقال: ألانستعملك؟ فقال: حصين ابن أبي الحرّ يحب العمل، فقال: ألا نزوّجك! فقال: ربيعة بن عسل يعجبه النساء، قال: إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلاً، فتصفّح المصحف؛ فكان أوّلأ ما وقع عليه واففتح منه: " إنَّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " ، فلما ردّ حمران تتبّع ذلك منه، فسعى به، وشهد له أقوام فسيّره إلى الشام، فلما علموا علمه أذنوا له فأبى ولزم الشام.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، أنّ عثمان سيّد حمران بن أبان؛ أن تزوَّج امرأة في عدّتها، وفرق بينهما، وضربه وسيّره إلى البصرة؛ فلما أتي عليه ما شاء الله، وأتاه عنه الذي يحبّ، أذن له. فقدم عليه المدينة، وقدم معه قوم سعوا بعامر بن عبد قيس؛ أنه لا يرى التزويج، ولا يأكل اللحم؛ ولا يشهد الجمعة - وكان مععامر انقباض؛ وكان عمله كله خفية - فكتب إلى عبد الله بن عامر بذلك، فألحقه بمعاوية؛ فلما قدم عله وافقه وعنده ثريدة فأكل أكلاً غريباً؛ فعرف أنّ الرجل مكذوب عليه، فقال: يا هذا، هل تدري فيم أخرجت؟ قال: لا، قال: أبلغ الخليفة أنك لا تأكل اللحم، ورأيتك وعرفت أن قد كذب عليك، وأنك لا ترى التزويج، ولا تشهد الجمعة، قال: أمّا الجمعة فإني أشهدها في مؤخّر المسجد ثم أرجع في أوائل الناس؛ وأمّا التزويج فإني خرجت وأنا يخطب عليّ؛ وأما اللحم فقد رأيت، ولكنيّ كنت أمرأ لا آكل ذبائح القصّابين منذ رأيت قصاباً يجرّ شاة إلى مذبحها، ثم وضع السكين على مذبحها، فما زال يقول: النَّفاق النَّفاق، حتى وجبت. قال: فارجع، قال: لا أرجع إلى بدل استحلّ أهله منيّ ما استحلوا ولكنيّ أقيم بهذا البلد الذي اختاره الله لي. وكان يكون في السواحل؛ وكان يلقى معاوية، فيكثر معاوية أن يقول: حاجتك؟ فيقول: لا حاجة لي؛ فلما أكثر معليه، قال: تردّ عليّ من حرّ البصرة لعلّ الصوم أن يشتدّ عليّ شيئاً، فإنه يخفّ عليّ في بلادكم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما قدم مسيَّرة أهل الكوفة علىمعاوية، أنزلهم داراً، ثم خلا بهم، فقال لهم وقالوا له، فلما فرغوا قال: لم تؤتوا إلا الحمق، والله ما أرى منطقاً سديداً، ولا عذراً مبيناً، ولا حلماً ولا قوّة؛ وإنّك يا صعصعة لأحمقهم؛ اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تدعوا شيئاً من أمر الله؛ فإنّ كلّ شيء يحتمل لكم إلا معصيته، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم. فرآهم بعد وهم يشهدون الصلاة، ويقفون مع قاصّ الجماعة، فدخل عليهم يوماً وبعضهم يقريء بعضاً، فقال: إنّ في هذا لخلقاً مما قدمتم به عليّ من النِّزاع إلى أمر الجاهلية؛ اذهبوا حيث شئتم، واعلموا أنكم إن لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك دونهم؛ وإن لم تلزموها شقيتم بذلك دونهم؛ ولم تضرُّوا أحداً، فجزوه خيراً، وأثنوا عليه، فقال: يا بن الكوّاء، أيّ رجل أنا؟ قال: بعيد الثرى، كثير المرعى، طيّب البديهة، بعيد الغور، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سدّت بك فرجة مخوفة. قال: فأخبرني عن أهل الإحداث من أهل الأمصار فإنك أعقل أصحابك،؛ قال: كاتبتهم وكاتبوني، وأنكروني وعرفتم؛ فأما أهل الإحداث من أهل الكوفة فإنّهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأمّا أهل الإحداث من أهل البصرة، فإنهم يردون جميعاً، ويصدرون شتّى، وأما أهل الإحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشرّ، وأسرعه ندامة؛ وأما أهل الإحداث من أهل الشأم فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم.
وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان.
وزعم أبو معشر أنّ فتح قبرس كان في هذه السنة، وقد ذكرت من خالفه في ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة
فزعم أبو معشر أن غزوة الصواري كانت فيها؛ حدّثني بذلك أحمد، عمّن حدّثن، عن إسحاق، عنه. وقد مضى الخبر عن هذه الغزوة وذكر من خالف أبا معشر في وقتها.
وفيها كان ردّ أهل الكوفة سعيد بن العاص عن الكوفة.
ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن عثمان بن عفان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه.
ذكر الخبر عن صفة اجتماعهم لذلك وخبرالجرعة
مما كتب إليّ به السريّ، عن شعيب، عن سيف، معنالمستنير بن يزيد، عن قيس بن يزيد النَّخعيّ، قال: لما رجع معاوية المسيَّرين، قالوا: إنّ العراق والشأم ليسا لنا بدار؛ فعليكم بالجزيرة. فأتوها اختياراً. فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشدّة، فضرعوا له وتابعوه. وسرّح الأشتر إلى عثمان، فدععا به، وقال: اذهب حيث شئت، فقال: أرجع إلىعبد الرحمن، فرجع. ووفد سعيد بن العاص إلىعثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان. وقبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض أخرى بعثالأِعث بن قيس على أذربيجان، وسعيد بن قيس على الرّيّ؛ وكان سعيد بن قيس على همذان، فعزل وجعل علها لانَُسير العجليّ، وعلى إصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماه مالك بن حبيب اليربوعيّ، وعلى الموصل حكيم بن سلامة الخزاميّ، وجرير بن عبد الله على قرقيسياء، وسلمان ابن ربيعة على الباب، وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى حلوان عتيبية ابن النّهاش؛ وخلت الكوفة من الرؤساء إلاّ منزوعاً أو مفتوناً. فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه، وثاب إليه الذين كان فيه ابن لاسوداء يكاتبهم؛ فانقضّ عليه القعقاع، فأخذ يزيد بن قيس، فقال: إنما نستعفي من سعيد، قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه، لا تجلس لهاذ ولا يجتمعنّ إليك، واطلب حاجتك، فلعمري لتعطينّها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلاً، وأعطاه دراهم وبغلاً على أن يأتي المسيَّرين. وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا، فإنّ أهل المصر قد جامعونا. فانطلق الرّجل، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر؛ فدفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: بغثر؛ قالوا: ممن؟ قال: من كلب، قالوا: سبع ذليل ببغثر النفوس؛ لا حاجة لنا بك. وخالفهم الأشتر، ورجع عاصياً، فلما خرج قال أصحابه: أخرجنا أخرجه الله؛ لا نجد بدّاً مما صنع؛ إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدّقنا ولم يتسقلّها، فاتَّبعوه فلم يلحقوه؛ وبلغ عبد الرحمن أنّهم قد رحلوا فطلبهم في السواد، فسار الأشتر سبعاً والقوم عشراً، فلم يفجإ الناس في يوم جمعة إلاّ والأشتر على باب المسجد يقول: أيّها لاناس؛ إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيداً يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم. وردّ أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء؛ وهذه العلاوة بين هذين الغدلين! ويزعم أنّ فيئكم بستان قريش؛ وقد سايرته مرحلة، فما زال يرجز بذلك حتى فارقته؛ ميقول:
ويل لأشراف النِّساء منِّي ... صمحمح كأنَّني من جنَِ
فاستخلف الناس، وجعل أهل الحجي بنهونه فلا يسمع منهم، وكانت نفجة، فخرج يزيد، وأمر منادياً ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد ابن قيس لرد سعيد وطلب أمير غيره فليفعل. وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد، وذهب من سواهم، وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة، فصعد المنبرفحمد الله وأثنى عليه، وقال: اذكروانعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، فلاتعودوا في شرّ قد استنقذكم الله عزّ وجلّ منه. أبعد الإسلام وهديه وسنّته لا تعرفون حقّاً، ولا تصيبون بابه! فقال القعقاع بن عمرو: أتردّ السيل عن عبابه! فاردد الفرات عن أدراجه، هيهات! لا واه لا تسكّن الغوغاء إلا المشرفيّة ويوشك أن تنتضي، ثم يعجّون عجيج العتدان ويتمنّون ما هم فيه فلا يردّه الله عليهم أبداً. فاصبر؛ فقال: أصبر، وتحوّل إلى منزله، وخرج يزيد ابن قيس حتى نزل الجرعة، ومعه الأشتر، وقد كان سعيد تلبّث في الطريق، فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون، فقالوا: لا حاجة لنا بك. فقال: فما اختلفتم الآن؛ إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلاً وتضعوا إليّ رجلاً. وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل! ثمان صرف عنهم وتحسَّسوا بمولى له على بعير قد حسر، فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع. فضرب الأشتر عنقه، ومضى سعيد حتى قدم علىعثمان، فأخبره الخبر، فقال: ما يريدون؟ قال: أبا موسى؛ قال: قد أثبتنا أبا موسى عليهم، ووالله لا نجعل لأحد عذراً، ولا نترك لهم حجّة، ولنصبرنّ كما أمرنا حتى نبلغ مما يريدون. ورجع من قرب علمه من الكوفة، ورجع جرير من قرقيسياء وعتيبة من حلوان. وقام أبو موسى فتكلّم بالكوفة فقال: أيَّها الناس، لا تنفروا في مثل هاذ، ولا تعودوا لمثله، الزموا جماعتكم والطاعة؛ وإيَّاكم والعجلة، اصبروا، فكأنكم بأمير. قالوا: فصلّ بنا، قال لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان؛ قالوا: على السمع والطاعة لعثمان.
حدثني جعفر بن عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حماد بن طلحة وعليّ بن حسين بن عيسى. قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه، عن هارون بن سعد، عن العلاء بن عبد الله بن زيد العنبريّ، أنّه قال: اجتمع ناس من المسلمين، فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه، ويخبره بإحداثه، فأرسلوا إليه عامر ابن عبد الله التميميّ ثم العنبريّ - وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس - فأتاه، فدخل عليه، فقال له: إنّ ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك. فوجدوك قد ركبت أموراًعظاماً، فاتّق الله عزّ وجلّ وتب إليه، وانزع عنها. قال له عثمان: انظر إلى هذا، فإنّ الناس يزعمون أنه قارىء.
ثم هو يجيء فيكلّمني في المحقّرات، فو الله ما يدري أين الله! قال عامر: أنا لا أدري أين الله! قال: نعم، والله ما تدري أين الله؛ قال عامر: بلى والله إني لأدري أنّ الله بالمرصاد لك.
فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهميّ، وإلى عبد الله بن عامر؛ فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه، وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: إنّ لكلّ امرىء وزراء ونصحاء، وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إليّ أن أعزل عمّالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم، وأشيروا عليّ.
فقال له عبد الله بن عامر: رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك. وأن تجمّرهم في المغازي حتى يذلُّوا لك فلا يكون همّة أحدهم إلاّ نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته، وقمل فروه. ثم أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رايك؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كنت ترى رأينا فاحسم عنك الدّاء، واقطع عنك الذي تخاف، واعمل برأيي تصب؛ قال: وما هو؟ قال: إنّ لكل قوم قادةً متى تهلك يتفرّقوا، ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: إنّ هذا الرأي لولا ما فيه. ثم أقبل معاوية فقال: ما رأيك؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمنين أن تردذ عمّالك على الكفاية لما قبلهم، وأنا ضامن لك قبلي.
ثم أقبل على عبد الله بن سعد، فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أنّ الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم. ثم أقبل علىعمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟ قال: أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون؛ فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم عزماً، وامض قدماً؛ فقال عثمان: مالك قمل فروك؟ أهذا الجدّ منك! فأسكت عنه دهراً، حتى إذا تفرّق القوم قال عمرو: لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعزُّ عليّ من ذلك، ولكن قد علمت أن سيبلغ الناس قول كلّ رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيراً، أو أدفععنك شرّاً.
حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد وعليّ بن حسين، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن عمرو بن أبي المقدام، عن عبد الملك ابن عمير الزُّهريّ، أنه قال: جمع عثمان أمراء الأجناد: معاوية بن أبي سفيان، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعمرو بن العاص، فقال: أشيروا عليّ، فإنّ الناس قد تنممّروا لي، فقال له معاوية: أشيرعليك أن تأمر أمراء أجنادك فكيفيك كلّ رجل منهم ما قبله، وأكفيك أناأهل الشأم؛ فقال لهعبد الله بن عامر: أرى لك أن تجمّرهم في هذه البعوث حتى يهمّ كلّ رجل منهم دبر دابّته، وتشغلهم عن الإرجاف بك، فقال عبد الله بن سعد: أشير عليك أن تنظر ما أسخطهم فترضيهم، ثم تخرج لهم هذا المال فيقسم بينهم.
ثم قام عمرو بن العاص فقال: يا عثمان؛ إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية، فقلت وقالوا، وغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً، وامض قدماً؛ فقال له عثمان: مالك قمل فروك! أهذا الجدّ منك! فأسكت عمرو حتى إذا تفرٌّوا قال: لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أكرم عليَّ من ذلك، ولكني قد علمت أنّ بالباب قوماً قد علموا أنك جمعتنا لنشير عليك، فأحببت أن يلغهم قول، فأقود لك خيراً، أو أدفع عنك شرّاً. فردّ عثمان عمّاله على أعمالهم، وأمرهم بالتضييق على من قبلهم، وأمرهم بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه، ويحتاجوا إليه، وردّ سعيد بن العاص أميراً على الكوفة، فخرج أهل الكوفة عليه بالسلاح، فتلقَّوه فردّوه، وقالوا: لا والله لا بلىعلينا حكماً ما حملنا سيوفنا.
حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ بن حسين، عن أبيه، عن هارون بن سعد، عن أبي يحيى عمير بن سعد النخعيّ، أنه قال: كأنيّ أنظر إلى الأشتر مالك بن الحارث النَّخعيّ على وجهه الغبار، وهو متقلد السيف، وهو يقول: والله لا يدخلها عليها ما حملنا سيوفنا - يعني سعيداً، وذلك يوم الجرعة، والجرعة مكان مشرف قرب القادسيّة - وهناك تلقاه أهل الكوفة.
حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن هارون بن سعد، عن عمرو بن مرّة الجمليّ، عنأبي البختريّ الطائيّ، عن أبي ثور الحداثيّ - وحداء حيٌّ من مراد - أنه قال: دفعت إلى حذيفة بن اليمان وأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ وهما في مسجد الكوفة يوم الجرعة، حيث صنع الناس بسعيد بن العاص ما صنعوا، وأبو مسعود يعظم ذلك، ويقول: ما أرى أن تردّ على عقبيها حتَّى يكون فيها دماء، فقال حذيفة: والله لتردّنّ على عقبيها، ولا يكون فيها محجمة من دم، وما أعلم منها اليوم شيئاً إلاّ وقد علمته ومحمد صلى الله عليه وسلّم حيّ؛ وإنّ الرجل ليصبح على الإسلام ثم يمسي وما معه منه شيء، ثم يقاتل أهل القبلة ويقتله الله غداً، فينكص قلبه، فتعلوه استه. فقلت لأبي ثور: فلعلّه قد كان، قال: لا ولله ما كان. فلما رجع سعيد بن العاص إلى عثمان مطروداً، أرسل أبا موسى أميراً على الكوفة، فأقرُّوه عليها.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن يحيى بن مسلم، عن واقد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمير الأشجعيّ، قال: قام في المسجد في الفتنة ففال: أيّها لاناس، اسكتوا، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: من خرج وعلى الناس إمام - والله ما قال: عادل - ليشقّ عصاهم، ويفرّق جماعتهم، فاقتلوه كائناً من كان.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما استعوى يزيد بن قيس الناس على سعيد بن العاص، خرج منه ذكر لعثمان؛ فأقبل إليه القعقاع بن عمرو حتى أخذه، فقال: ما تريد؟ ألك علينا في أن نستعفي سبيل؟ قال: لا، فهل إلاّ ذلك؟ قال: لا، قال: فاستعف. واستجلب يزيد أصحابه من حيث كانوا، فردّوا سعيداً، وطلبوا أبا موسى، فكتب إليهم عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم . أمّا بعد، فقد أمَّرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأفرشنّكم عرضي، ولأبذلنّ لكم صبري، ولأستصلحنّكم بجهدي، فلا تدعوا شيئاً أحببتموه لا يعصي الله فيه إلاّ سألتموه، ولا شيئاً كرهتموه لا يعصي الله فيه إلاّ استعفيتم منه؛ أنزل فيه عندما أحببتم، حتى لايكون لكم عليّ حجّة.
وكتب بمثل ذلك في الأمصار، فقدمت إمارة أبي موسى وغزو حذيفة وتأمّر أبو موسى، ورجع العمَّال إلى أعمالهم، ومضى حذيفة إلى الباب.
وأما الواقديّ فإنه زعم أن عبد الله بن محمد حدّثه، عن أبيه، قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعضهم إلى بعض: أن اقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثّر الناس علىعثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يرون ويسمعون؛ ليس فيهم أحد ينهي ولا يذبّ إلاّ نفير؛ منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعديّ، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت. فاجتمع الناس، وكلّموا عليّ بن أبي طالب. فدخل علي عثمان، فقال: الناس ورائي، وقد كلّموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه؛ إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خصصنا بامر دونك، وقد رأيت وسمعت، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بألوى بعمل الحقّ منك، ولا بان الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم رحماً، ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء. فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر منعمي، ولا تعلَّم من جهل، وإنّ الطريق لواضح بيّن، إنّ أعلام الدّين لقائمة. تعلَّم يا عثمان أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل، هدى وهدى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بدعة متروكة، فو الله إنّ كلاًّ لبيِّن، وإن السُّننن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شرّ الناس عند الله إمام جائر، ضلّ وضلَّ به، فأمات سنَّة معلومة، وأحيا بدعة متروكة، وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: يؤتي يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في جهنم، فيدور في جهنم كما تدور الرّحا، ثم يرتطم فيغمرة جهنم. وإني أحذّرك الله، وأحذّرك سطوته ونقامته؛ فإنّ عذابه شديد أليم. وأحذّرك أن تكون إما هذه الأمة المقتول، فإنه يقال: يقتل في هذه الأمة إمام، فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ولبسَّ أمورها عليها، ويتركهم شعياً، فلا يبصرون الحقّ لعلوّ بالباطل؛ بموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مرجاً.
فقال عثمان: قد والله علمت، ليقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني مما عنّفتك، ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، ولا جئت منكراً أن وصلت رحماً، وسددت خلّة، وآويت ضائعاً، وولّيت شبيهاً بمن كان عمر يولِّي. أنشدك الله يا عليّ، هل تعلم أنّ المغيرة بن شعبة ليس هناك! قال: نعم؛ قال: فتعلم أنّ عمر ولاّه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني أن ولّيت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ قال عليّ: سأخبرك، إنّ عمر ابن الخطاب كان كلُّ من ولي فإنما يطأ على صماخه، إنْ بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغابة؛ وأنت لا تفعل، ضعفت ورفقت على أقربائك.
===============================================ج14.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
قال عثمان: هم أقرباؤك أيضاً. فقال عليّ: لعمري إنّ رحمهم منِّي لقريبة، ولكنّ الفضل في غيرهم؛ قال عثمان: هل تعلم أنّ عمر وليّ معاوية خلافته كلَّها؟ فقد وليّيته. فقال عليّ: أنشدك الله هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم. قال عليّ: فإنّ معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك ولا تغيّر على معاوية. ثم خرج عليّ من عنده، وخرج عثمان علىأثره، فجلس على المنر، فقال: أمّا بعد، فإنّ لكلّ شيء آفة، ولكّ أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة، وعاهة هذه النعمة، عيّابون طعّانون، يرونكم ما تحبّو ويسرّون ما تكرهون؛ يقولون لكم وتقولون، أمثال النعام يتعبون أوّلأ ناقع؛ أحبُّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلاّ نغصا ولا يردون إلاّ عكراً، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الأمور، وتتعذّرت عليهم المكاس. ألا فقد والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب مثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنستم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفي، وكفففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما والله لأنا أعزّ نفراً، وأقرب ناصراً وأكثر عدداً، وأقمن إن قلت هلمّ أتي إليّ؛ ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولاً، وكثرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقاً لم أكن أحسنه، ومنطقاً لم أنطق به، فكفّوا عليكم ألسنتكم، وطعنكم وعيبكم على ولاتك، فإنيّ قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه. فضل فضل منمال؛ فما لي لا أصنع في الفضل ماأريد! فلم كنت إماماً! فقام مروان ابن الحكم، فقال: إن شئتم حكّمنا والله بيننا وبينكم السيف، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر:
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... معارسكم تبنون في دمن الثَّرى
فقال عثمان: اسكت لاسكتَّ، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا! ألم أتقدّم إليك ألاَ تنطق! فسكت مروان، ونزل عثمان.
وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبر بالمدينة، وهو بدريّ. ومات أيضاً مسطح بن أثاثة، وعاقل بن أبي البكير من بني سعد بن ليث، حلف لبني عديّ، وهما بدريّان.
وحجّ بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك نزول أهل مصر ذا خشب، حدّثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن حدّثه، عن إسحاق بنعيسى، عن أبي معشر، قال: كان ذو خشب سنة خمس وثلاثين، وكذلك قال الواقديّ.
ذكر مسير من سار إلى ذي خشب من أهل مصر وسبب مسير من سار إلى ذي المروة من أهل العراق فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عنسيف، عن عطية، عن يزيد القعسيّ، قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء، أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشأم، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمداً يرجع، وقد قال الله عزّ وجلّ: " إنّ الّذي فرض عيك القرآن لرادُّك إلى معاد " .
فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرّجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيَّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ووثب على وصيّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وتناول أمر الأمّة! ثم قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.
فبثّ دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصر وكاتبوه، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كلّ مصر منهم إلى مصر آخر ما يصنعون؛ فيقرؤه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرّون غير ما يبدون، فيوقل أهل كلّ مصر: إنّا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء، إلاّ أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا إنا لفي عافية مما فيه الناس، وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان، قالوا: فأتوا عثمان، فقالوا: ميا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلاّ السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا.. وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم؛ قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليّ؛ قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى المصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم. فدعا محمّد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشأم، وفرّق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمّار، فقالوا: أيها الناس، ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامُّهم؛ وقالوا جميعاً: الأمر أمر المسلمين، إلاّ أنّ أمراءهم ميقسطون بينهم، ويقومون عليهم. واستبطأ الناس عمّاراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلاّ كتاب من عبد الله ابن سعد بن أبي سرح يخبرهم أنّ عماراً قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه؛ منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعطيّة، قالوا: كتب عثمان إلى أهل الأمصار، أمّا بعد، فإني آخذ العمال بموافاتي في كلّ موسم، وقد سلّطت الأمة منذ وليت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يرفع عليّ شيء ولا على أحد من عمالي إلاّ أعطيته، وليس لي ولعيالي حقّ قبل الرعيّة إلاّ متروك لهم، وقد رفع إليّ أهل المدينة أنّ أقواماً يشتمون، وآخرون يضربون، فيا من ضرب سرّاً، وشتم سرّاً، من ادّعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقّه حيث كان؛ منّي أو من عمالي، أو تصدّقوا فإن الله يجزي المتصدّقين. فلما قرىء في الأمصار أبكي الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إنّ المة لتمخَّض بشرّ. وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد؛ وأدخل معهم في المشورة سعيداً وعمراً، فقال: ويحكم! ما هذه الشاكية؟ وما هذه الإذعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم، وما يعصب هذا إلاّ بي؛ فقالوا له: أمل تبعث! لم نرجع إليك الخبر عن القوم! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء! لا والله ما صدقوا ولا برّوا، ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، وما كنت لتأخذ به أجداً فيقيمك على شيء؛ وما هي إلا إذاعة لا يحلّ الأخذ بها، ولا الانتهاء إليها.
قال: فأشيروا عليّ؛ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السرّ، فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدّث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.
وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم؛ فإنه خير من أن تدعهم. قال معاوية: قد ولّيتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخبر، والرّجلان أعلم بناحيتيهما؛ قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم، وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة مصاحبيك، فتشتدَّ في موضع الشدّة، وتلين في موضع اللين. إن الشدّة تنبغي لمن لا يألوا الناس شرّاً، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً اللين.
وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كلّ ما أشرتم به عليّ قد سمعت، ولكلّ أمر باب يؤتي منه؛ إنّ هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإنّ بابه الذي يغلق عليه فكيفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلاّ في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدهما، فإن سدّه شيء فرفق، فذاك والله ليفتحنّ، وليست لأحد عليَّ حجة حقّ، وقد علم الله أنّي لم آل الناس خيراً، ولا نفسي. ووالله إن رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.
فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه. ولما استقلّ عثمان رجز الحادي:
قد علمت ضوامر المطيِّ ... وضامرات عوج القيَِ
أنَّ الأمير بعده عليُّ ... وفي الزُّبير خلف رضيُّ
فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير والله بعده صاحب البغلة - وأشار إلى معاوية.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمانبن قطبة الأِسديّ، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمعوا إليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدا به الرّاجز:
إن الأمير بعده عليُّ ... وفي الزبي رخلف رضُّ
قال كعب: كذبت! صاحب الشَّهباء بعده - يعني معاوية - فأخبر معاوية، فسأله عن الذي بلغه،قال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنّها والله لا تصل إليك حتى تكذّب بحديثي هذا. فوقعت في نفس معاوية.
وشاركهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان، عن رجاء بن حيوة وغيره. قالوا: فما ورد عثمان المدينة ردّ الأمراء إلى أعمالهم، فمضوا جميعاً، وأقام سعيد بعدهم، فلما ودّع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلداً سيفه، متنكّباً قوسه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعليّ، فقام عليهم، فتوكّأ على قوسه بعد ما سلم عليهم، ثم قال: إنّكم قد علمتم أنّ هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منكم أحد إلاّ وفي فصيلته من يرئسه، ويستبدّ عليه، ويقطع الأمر دونه، ولا يشهده، ولا يؤامره، حتى بعث الله جلّ وعزّ نبيَّه صلى الله عليه وسلّم، وأكرم به من اتبعه؛ فكانوا يرئِّسون من جاء من بعده، وأمرهم شورى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد؛ فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبع لهم، وإن أصغوا إلى الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، وردّه الله إلى ما كان يرئسهم. وإلاّ فليحذروا الغير، فإنّ الله على البدل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إنّي قد خلّفت فيكم شيخاً فاستوصوا به خيراً، وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم ودّعهم ومضى؛ فقال عليّ: ما كنت أرى أنّ في هذا خبراً؛ فقال الزبير: لا والله، ما كان قطّ أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة.
حدّثني عبد الله بن أحمد بن شبوبه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّّثني عبد الله، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، قال: أرسل عثمان إلى طلحة يدعوه؛ مفخرجت معه حتى دخل عليّ عثمان، وإذ عليُّ وسعد والزبير وعثمان ومعاوية، فحمد الله معاوة وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وخبرته في الرض، وولاة أمر هذه الأمة، لا يطمع في ذلك أحد غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع، وقد كبرت سنُّه،وولّى عمره، ولو انتظرتم به الهرم كان قريباً؛ مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغ به ذلك، وقد فشت قالة خفتها عليكم، فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فو الله لئن طمعوا في ذلك لا رأيتم فيها أبداً إلا إدباراً. قال عليّ: ومالك وذلك! وما أدراك لا أمَّ لك! قال: دع أمّي مكانها، ليست بشرّ أمّهاتكم، قد أسلمت وبايعت النبييَّ صلى الله عليه وسلّم، وأجبني فيما أقول لك. فقال عثمان: صدق ابن أخي، إنّي أخبركم عنيّ وعمّا وليت، إنّ صاحبيّ اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتساباً، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يعطي قرابته، وأنا في رهط أهل عيلة، وقلّة معاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال، لمكان ما أقوم به فيه، ورأيت أنّ ذلك لي، فإن رأيتم ذلك خطأ فردّوه، فأمري لأمركم تبع. قالوا: أصبت وأحسنت؛ قالوا: أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد ومروان - وكانوا يزعمون أنه أعطى مروان خمسة عشر ألفاً، وابن أسيد خمسين ألفاً - فردّوا منهما ذلك، فرضوا وقبلوا، وخرجوا راضين.
رجع الحديث إلى حديث سيف، عن شيوخه وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج: يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشأم قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإنّ أهل الشأم على الأمر لم يزالوا. فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلّم بشيء؛ وإن كان فيه قطع خيط عنقي. قال: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك. قال: أنا أقتِّر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلّم الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيّق على أهل دار الهجرة والنصرة! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتغتالنَّ أو لتغزينّ؛ قال: حسبي الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور! ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى. وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم. واتّعدوا يوماً حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ذلك لأحد منهم ، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإنّ يزيد بن قيس الأرحيّ ثار فيها، واجتمع إليه أصحابه، وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمر - فأتاه فأحاط النَّاس بهم وناشدوهم؛ فقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء! فو الله إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي إلا أنّي أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد، فقال: استعفي الخاصة من أمر قد رضيته العامة؟ قال:فذاك إلى أمير المؤمني. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك، فاستقبلوا سعيداً، فردّوه من الجرعة، واجتمع الناس على أبي موسى، وأقرّه عثمان رضي الله تعالى عنه. ولما رجع الأمراء لم يكن للسّبئيّة سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لنيظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس، ولتحقَّق عليه؛ فتوافوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزوميّاً وزهريّاً، فقال: انظروا ما يريدون، واعلما علمهم - وكانا ممن قد ناله من عثمان أدبفاصطبرا للحقّ، ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثّوهما وأخبروهما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نفر، فقالا: هل إلاّ؟ قالوا لا! قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجّاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه. وكانت إيّاها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهمّ سلّم هؤلاء، فإنك إن لم تسلّمهم شقوا.
أمّا عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعركه. وأما محمّد ابن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أنّ الحقوق لا تلزمه، وأمّا ابن سهلة فإنه يتعرّض للبلاء. فأرسل إلى الكوفيين والبصريّين، ونادى: الصلاة جامعة! وهم عنده في أصل المنبر، فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعاً: اقتلهم، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: " من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه " . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا أحلّ لكم إلاّ ما قتلتموه وأنا شريككم.
فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصّرهم بجهدنا، ولا نحادّ أحداً حتى يركب حدّاً، أو يبدي كفراً. إنّ هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلاّ أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليّ عند من لا يعلم.
وقالوا: أتمّ الصلاة في السفر، وكانت لا تتمّ، ألا وإنّي قدمت بلداً فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين؛ أو كذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.
وقالوا: وحميت حمىً؛ وإني والله ما حميت، حميَ قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد ما حموا إلاّ غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعية أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحّوا منها أحداً إلاّ من ساق درهماً؛ ومالي من بعير غير راحلتين، ومالي ثاغية ولا راغية، وإنّي قد ولّيت، وإنّي أكثر العرب بعيراً وشاءً، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجّي، أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.
وقالوا: كان القرآن كتباً، فتركتها إلاّ واحداً. ألا وإنّ القرآن واحد، جاء من عند واحد؛ وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء؛ أكذلك؟ قالوا: نعم، وسألوه أن يقيلهم.
وقالوا: إنّي رددت الحكم وقد سيّره رسول الله صلى الله عليه وسلّم، والحكم مكيّ، سيّره رسول الله صلى الله عليه وسلّم من مكة إلى الطائف، ثم ردّه رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلّم سيّره، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم ردّه؛ أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم.
وقالوا: استعملت الأحداث. ولم أستعمل إلاّ مجتمعاً محتملاً مرضيّاً، وهؤلاء أهل عملهم، فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولّى من قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم أشدّ مما قيل لي في استعماله أسامة؛ أكذاك؟ قالوا: اللهمّ نعم، يعيبون للناس ما لا يفسّرون.
وقالوا: إنّي أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه. وإني إنما نقلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم وليس ذاك لهم، أكذاك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إني أحبّ أهل بيتي وأعطيهم؛ فأما حبّي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأمّا إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي، ولا أستحلّ أموال المسلمين لنفسي؛ ولا لأحد من الناس؛ ولقد كنت أعطي العطيّة الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفنيَ عمري، وودّعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا! وإني والله ما حملت على مصرٍ من الأمصار فضلاً فيجوز ذلك لمن قاله؛ ولقد رددته عليهم، وما قدم عليّ إلا الأخماس، ولا يحلّ لي منها شيء؛ فولي المسلمون وضعها في أهلها دوني؛ ولا يتلفّت من مال الله بفلس فما فوقه؛ وما أتبلّغ منه ما آكل إلاّ مالي.
وقالوا: أعطيت الأرض رجالاً؛ وإنّ هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت؛ فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له؛ فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب فنقلت إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني.
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أميّة، وجعل لوده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبى المسلمون إلاّ قتلهم، وأبى إلاَ تركهم؛ فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج؛ فتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوّال؛ حتى إذا دخل شوّال من سنة اثنتي عشرة، ضربوا كالحجّاج فنزلوا قرب المدينة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء؛ المقلّل يقول: ستمائة، والمكثّر يقول: ألف. على الرّفاق عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وكنانة بن بشر التجيبيّ، وعروة بن شيبم الليثيّ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ وسواد بن رومان الأصبحيّ، وزرع بن يشكر اليافعيّ، وسودان ابن حمران السّكونيّ، وقتيرة بن فلان السّكونيّ، وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكّيّ، ولم يتجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب؛ وإنما أخرجوا كالحجّاج، ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكفة في أربع رفاق، وعلى الرّفاق زيد بن صوحان العبديّ، والأشتر النخعيّ، وزياد بن النضر الحارثيّ، وعبد الله بن الأصمّ، أحد بني عامر بن صعصعة؛ وعددهم كعدد أهل مصر؛ وعليهم جميعاً عمرو بن الأصمّ. وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعلى الرّفاق حكيم بن جبلة العبديّ، وذريح ابن عبّاد العبديّ، وبشر بن شريح الحجطم بن ضبيعة القيسيّ وابن المحرّش ابن عبد بن عمرو الحنفيّ وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعاً حرقوص ابن زهير السعديّ، سوى من تلاحق بهم من الناس. فأمّا أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون عليّاً، وأمّا أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير.
فخرجوا وهم على الخروج جميع. وفي الناس شتى؛ لا تشكّ كلّ فرقة إلاّ أنّ الفلج معها، وأنّ أمرها سيتمّ دون الأخريين؛ فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامّتهم بذي المروة. ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النّضر وعبد الله بن الأصمّ، وقالا: لا تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد؛ فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا؛ فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم إذا علموا علمنا أشدّ؛ وإنّ أمرنا هذا لباطل؛ وإن لم يستحلّوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً لنرجعنّ إليكم بالخبر.
قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم وعليّاً وطلحة والزبير، وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض عمّالنا، ما جئنا إلاّ لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلّهم أبى، ونهى وقال: بيض ما يفرخنّ، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا عليّاً ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير؛ وقال كلّ فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرّقنا جماعتهم؛ ثم كررنا حتى نبغتهم؛ فأتى المصريون عليّاً وهو في عسكر عند أحجار الزّيت؛ عليه حلّة أفواف معتمّ بشقيقة حمراء يمانية، متقلّد السيف، ليس عليه قميص، وقد سرّح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسن جالس عند عثمان، وعليّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرّضوا له؛ فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلّم، فارجعوا لا صحبكم الله! قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ؛ وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلّم البصريّون عليه وعرَضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمّد صلى الله عليه وسلّم.
وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى؛ وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرّضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلّم، فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون؛ فانفشّوا عن ذي خشب والأعوص، حتى انتهوا إلى عساكركم؛ وهي ثلاث مراحل؛ كي يفترق أهل المدينة، ثم يكرُّوا مراجعين. فافترق أهل المدينة لخروجهم.
فلما بلغ القوم عساكرهم كرُّوا بهم، فبغتوهم، مفلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان، وقالوا: من كفّ يده فهو آمن.
وصلَّى عثمان بالناس أياماً؛ ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحداً من كلام، فأتاهم الناس فكلّموهم، وفيهم عليّ، فقال: ما مردّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتاباً بقتلنا؛ وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعاً؛ كأ،ما كانوا على ميعاد.
فقال لهم عليّ: كيف علمتم يا مأهل الكوفة ويا أهل البصرة بما ملقي أهل مصر؛ وقد سرتم مراحل؛ ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة! نقالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرّجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلّون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدقّ من التراب؛ وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام، وكانوا زمراً بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع.
وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدّهم: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعد؛ فإنّ الله عزّ وجلّ بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً، فبلّغ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه؛ وخلَّف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدّر، فأمضاها على ما أحبّ العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه، مثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس عليّ، على غير طلب مني ولا محبة؛ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعاً غير مستتبع، متّبعاً غير مبتدع، مقتدياً غير متكلف.
فلما انتهت الأمور، وانتكث الشرُّ بأهله؛ بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلاّ إمضاء الكتاب؛ فطلبوا أمراً وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر، فعابوا عليّ أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملإ من أهل المدينة لا يصلح غيرها؛ فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين وأنا أرى وأسمع؛ فازدادوا على الله عزّ وجلّ جرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلّم وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب؛ فهم كالأحزاب أيّام الأحزاب أو من غزانا بأحد إلاّ ما يظهرون؛ فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار، فخرجوا على الصّعبة والذّلول؛ فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهريّ، وبعث عبد الله بن سعيد معاوية بن حديج السَّكونيّ، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو.
وكان المحضّضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عقبة بن عمرو وعبد الله ابن أبي أوفى وحنظلة بن الربيع التميميّ، في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وكان المحضّضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبد الله سرق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وشريح بن الحارث، وعبد الله بن عكيم؛ في أمثالهم؛ يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها؛ يقولون: يأيها الناس؛ إنّ الكلام اليوم وليس به غداً، وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غداً، وإنّ القتال يحلّ اليوم ويحرم غداً، انهضوا إلى خليفتكم، وعصمة أمركم.
وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك، وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يقولون مثل ذلك، ومن التابعين كعب بن سور وهرم بن حيّان العبديّ، وأشباه لهما يقولون ذلك! وقام بالشأم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم يقولون مثل ذلك؛ ومن التابعين شريك بن خباشة النُّميريّ، وأبو مسلم الخولانيّ، وعبد الرحمن بن غنم بمثل ذلك، وقام بمصر خارجة في أشباه له؛ وقد كان بعض المحضّضين قد شهد قدومهم، فلمَّا رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم.
ولما جاءت الجمعة لاتي على أثر نزول المصريين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم خرج عثمان فصلَّى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدي، الله الله! فو الله؛ إنّ أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلّم؛ فامحوا الخطايا بالصواب؛ فإن الله عزّ وجلّ لا يمحو السيّء إلاّ بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة، فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعهد، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده؛ وقال فأفضع؛ وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيّاً عليه، فاحتمل فأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلاّ في ثلاثة نفر؛ فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، وعمَّار بن ياسر؛ وشمّر أناس من الناس فاستقتلوا؛ منهم سعد بن مالك، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ؛ فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا فانصرفوا، وأقبل عليٌّ عليه السلام حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزبير حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزّبير حتى دخل عليه؛ يعودونه من صرعته؛ ويشكون بثّهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، قال: قلت له: هل شهدت حصر عثمان؟ قال: نعم؛ وأنا يومئذ مغلام في أتراب لي في المسجد، فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتيّ أو قمت؛ فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله؛ فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة، يعظمون ما صنعوا. وأقبلوا على أهل المدينة يتوعّدونهم؛ فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب، فطلع عثمان؛ فكأنما كانت نار طفئت، فعمد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل، فأقعده رجل، وقام آخر فأقعده آخر، ثم ثار القوم فحصبوا عثمان حتى صرع، فاحتمل فأدخل، فصلى بهم عشرين يوماً، ثم منعوه من الصلاة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: صّلي عثمان بالناس بعد ما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوماً، ثم إنهم منعوه الصلاة، فصلّى بالناس أميرهم الغافقيّ، دان لها المصريون والكوفيّون والبصريون، وتفرّق أهل المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتهم، لا يخرج أحد ولا يجلس إلاّ وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم وكان الحصار أربعين يوماً، وفيهنّ كان القتل، ومن تعرَض لهم وضعوا فيه السلاح، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوماً يكفّون.
وأما غير سيف فإنّ منهم من قال: كانت مناظرة القوم عثمان وسبب حصارهم إيّاه ما حدّثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا معمر بن سليمان التيميّ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو نضرة، عنأبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريّ. قال: سمع عثمان أنّ وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، وكان في قرية له خارجة من المدينة - أو كما قال - فلمّا سمعوا به، أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه - قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة أو نحواً من ذلك - قال: فأتوه، فقالوا له: ادع بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، قال: فقالوا له: افتح التاسعة - قال: وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون " . قال: قالوا له: قف، فقالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري! قال: فقال: امضه؛ نزلت في كذا وكذا. قال: وأما الحمى فإنّ عمر حمى الحمى قبل لإبل الصّدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة، امضهه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضه، نزلت في كذا وكذا - قال: والذي يتولى كلام عثمان يومئذ في سنّك، قال: يقول أبو نضرة، يقول ذاك لي أبو سعيد، قال أبو نضرة: وأنا في سنك يومئذ، قال: ولم يخرج وجهي يومئذ، لا أدري، ولعله قد قال مرة أخرى: وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج. قال: فعرفها، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قال: فأخذوا ميثاقه - قال: وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطاً - قال: وأخذ عليهم ألاَّ يشقوا عصاً، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم - أو كما أخذوا عليه - قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألاّ يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنما هذا لامال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين.
قال: فقام فخطب، فقال: إنيّ ما رأيت والله وفداً في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ. وقد قال مرّة أخرى: خشيت من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلب؛ ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قال: فغضب الناس، وقالوا: هذا مكر بني أميّة.
قال: ثم رجع الوفد المصريون راضين؛ فبيناهم في الطريق إذا هم براكب يتعرّض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم، ثمّ يفارقهم ويتبيَّنهم. قال: قالوا له: مالك؟ إن لك لأمراً! ما شأنك؟ قالك فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر؛ ففتَّشوه؛ فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلّبهم أو يقتلهم مأو يقطّع أيديهم وأرجلهم من خرف.
قال: فأقبلوا حتى قدموا المديمة، قال: فأتوا عليّاً، فقالوا: ألم تر إلى عدوّ ه! إنه كتب فينا بكذا وكذا؛ وإنّ الله قد أجلّ دمه، قم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم؛ إلى أن قالوا: فلم كتبت إلينا؟ فقال: والله ما كتبت إليكم كتاباً قطّ؛ قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون! قال: فانطلق عليّ، فخرج من المدينة إلى قرية. قال: فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا! قال: فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إليه إلاّ هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت. قال: وقد تعلمون أنّ الكتاب يكتب على لسان الرّجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم. قال: فقالوا: فقد والله أحلّ الله دمك، ونقضت العهد والميثاق. قال: فحاصروه.
وأمّا الواقديّ فإنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب أموراً كثيرة، منها ما قد تقدّم ذكريه؛ ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته. ومنا ما ذكر أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أبي عون مولى المسور، قال: كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان؛ فعزله عن الخراج، واستعمله على الصّلاة، واستعمل عبد مه بن سعيد على الخراج؛ ثم جمعهما لعبد الله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل إليه يوماً عثمان خالياً به، فقال: يابن النابغة، ما أسرع ما قمل جربّان جبّتك! إنما عهدك بالعمل عاماً أوّل.
أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عنيّ بآخر! والله لولا أكلة ما فعلت ذلك. قال: فقال عمرو: إنّ كثيراً مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل؛ فاتّق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك! فقال عثمان: والله لقد استعملتك على طلعك، وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب، ففارقني وهو عنيّ راض. قال: فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت؛ ولكني لنت عليك فاجترأت عليّ، أما والله لأنا أعزُّ منك نفراً في الجاهليّة؛ وقبل أن ألى هذا السلطان. فقال عمرو: دع عنك هذا، فالحمد الله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلّم وهدانا به؛ قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أبا عفان، فو الله للعاص كان أشرف من أبيك. قال: فانكسر عثمان، وقال: ما لنا ولذكر الجاهليّة! قال وخرج عمرو ودخل مروان، فقال: يا أمير المؤمنين؛ وقد بلغت مبلغاً يذكر عمرو بن العاص أباك! فقال عثمان: دع هذا عنك، من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه.
قال: فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي عليّاً مر!ة فيؤلِّبه على عثمان، ويأتي الزّبير مرة فيؤلِّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلِّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمَّا كان حصر عثمان الأوّل؛ خرج من المدينة، حتى أنتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع؛ فنزل في قصر له يقال له العجلان؛ وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان! قال: فبينا هو جالس في عصره ذلك، ومعه ابناه محمد وعبد الله؛ وسلامة ابن روح الجذاميّ، إذ مرّ بهم راكب، فناداه عمرو: من أين قدم الرجل؟ فقال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل؟ يعني عثمان، قال: تركته محصوراً شديد الحصار. قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ قد يضرط العير والمكواة في النار. فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مرّب الله راكب آخر، فناداه عمرو: ما فعلالرجل؟ يعني عثمان، قال: قتل، قال: أنا أبو عبد الله؛ إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لأحرّض عليه؛ حتى إني لأحرّض عليه الراعي قال: في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش؛ إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق مفكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نخرج الحقّ من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحقّ شرعاً سواء. وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمِّه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ففارقها حين عزله.
قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن محمد، عن أبيه، قال: كان محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة بمصر يحرّضان على عثمان، فقدم محمد بن أبي بكر وأقام محمد بن أبي حذيفة بمصر؛ فلما خرج المصريون خرج عبد الرحمن بن عديس البلويّ في خمسمائة، وأظهروا أنهم يريدون العمرة، وخرجوا في رجلب، وبعث عبد الله بن سعيد رسولاً سار إحدى عشرة ليلة يخبر عثمان أنّ ابن عيديس وأصحابه قد وجّهوا نحوه، وأنّ محمد بن أبي حذيفة شيَّعهم إلى عجرود، ثم رجع وأظهر محمّد أن قال: خرج القوم عمّاراً، وقال في السّر: خرج القوم إلى إمامهم فإن نزع وإلاّ قتلوه؛ وسار القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خشب. وقال عثمان قبل قدومهم حين جاءه رسول عبد الله بن سعد: هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون - بزعمهم - العمرة، والله ما أراهم يريدونها؛ ولكن الناس قد دخل بهم؛ وأسرعوا إلى الفتنة، وطال عليهم عمري؛ أما والله لئن فارقتهم ليتمنّون أنّ عمري كان طال عليهم مكان كلّ يوم بسنة مما يرون من الدماء المسفوكة، والإحن والأثرة الظاهرة، والأحكام المغيرة.
قال: فلما نزل القوم ذا خشب جاء الخير أنّ القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع، وأتى رسولهم إلى عليّ ليلاً، وإلى طلحة، وإلىعمّار بن ياسر. وكتب محمد بن أبي حذيفة معهم إلى عليّ كتاباً، فجاءوا بالكتاب إلى عليّ، فلم يظهر على ما فيه، فلما رأىعثمان ما رأى جاء عليّاً فدخل عليه بيته، فقال: يابن عمّ، إنه ليس لي متَّرك؛ وإن قرابتي قريبة؛ ولي حقٌّ عظيم عليك، وقد جاء ما ترىة من هؤلاء القوم، وهم مصبِّحيَّ؛ وأنا أعلم أنّ لك عند الناس قدراً، وأنهم يسمعون منك، فأنا أحبّ أ، تركب إليهم فتردّهم عنيّ، فإني لا أحبّ أن يدخلوا عليّ؛ فإن ذلك جرأة منهم عليّ، وليسمع بذلك غرهم. فقال عليَّ: علام أردّهم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرت مبه عليّ ورأيته لي؛ ولست أخرج من يديك؛ فقال عليّ: إني قد كنت كلمتك مرّة بعد مرّة، فكلّ ذلك نخرج فتكلَّم، ونقول وتقول؛ وذلك كله مفعلمروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية؛ أطعتهم وعصيتني.
قال عثمان: فإني أعصيهم وأعطيعك.
قال: فأمر الناس، فركبوا معه: المهاجرون والأنصار. قال: وأرسل عثمان إلى عمّار بن ياسر، يكلمه أن يركب مع عليّ فأبى، فأرسل عثمان إلى سعد بن أبي وقاص، فكلّمه أن يأتي عماراً فيكلمه أن يركب مع عليّ؛ قال: فخرج سعد حتى دخل على عمّار، فقال: يا أبا اليقظان، ألا تخرج فيمن يخرج! وهذا عليّ يخرج فاخرج معه، واردد هؤلاء القوم عن إمامك، فإني لأحسب أنك لم تركب مركباً هو خير لك منه.
قال: وأرسل عثمان إلى كثير بن الصَّلت الكنديّ - وكان من أعوان عثمان - فقال: انطلق في إثر سعد فاسمع ما يقول سعد لعمّار، وما يردّ عمّار على سعد، ثم أئتني سريعاً.
قال: فخرج كثير حتى يجد سعداً عند عمّار مخلياً به، فألقم عينه جحر الباب، فقام إليه عمَّار ولا يعرفه، وفي يده قضيب، فأدخل القضيب الجحر الذي ألقمه كثير عينه، فأخرح كثير عينه من الجحر، وولّى مدبراً متقنّعاً. فخرج عمار فعرف أثره، ونادى: يا قليل ابن أمّ قليلّ مأعلىَّ تطّلع وتستمع حديثي! والله لو دريت أنّك هو لفقأت عينك بالقضيب؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد أحلّ ذلك. ثم رجع عمار إلى سعد، فكلمه سعد وجعل يقتله يفتله بكلّ وجه؛ فكان آخر ذلك أن قال عمَّار: والله لا أردّهم عنه أبداً. فرجع سعد إلى عثمان، فأخبره بقول عمار، فاتّهم عثمان سعداً أن يكون لم يناصحه، فأقسم له سعد بالله؛ لقد حرّض. فقبل منه عثمان.
قال: وركب عليّ عليه السلام إلى أهل مصر، فرّدهم عنه، فانصرفوا راجعين.
قال محمد بن عمرك حدّثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، قال: لما نزلوا ذا خشب، كلم عثمان عليّاً وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يردّوهم عنه، فركب عليّ وركب معه نفر من المهاجرين، فيهم سعيد بن زيد، وأبو جهم الدويّ، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن عتَّاب بن أسيد؛ وخرج من الأنصار أبو أسيد الساعديّ وأبو حميد الساعديّ، وزيد بن ثابت، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومعهم من العرب نيار بن مكرم وغيرهم ثلاثون رجلاً؛ وكلّهم عليّ ومحمد بن مسلمة - وهما اللذان قدما - فسمعوا مقالتهما، ورجعوا. قال محمود: فأخبرني محمد بن مسملة، قال: ما برحنا من ذي خشب حتى رحلوا راجعين إلى مصر، وجعلوا يسلّمون عليّ، فما أنسى عبد الرحمن بن عديس: أتوصينا يا أبا عبد الرحمن بحاجة؟ قال: قلت: تتّقي الله وحده لا شريك له، وتردّ من قبلك عن إمامه، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع. قال ابن عديس: أفعل إن شاء الله. قال: فرجع القوم إلى المدينة.
قال محمَّد بن عمر: فحدّثني عبد الله بن محمد، عن أبيه، قال: لما رجع عليّ عليه االسلام إلى عثمان رضي الله عنه، أخبره أنهم قد رجعوا، وكلّمه عليّ كلاما في نفسه، قال له: اعلم أني قائل فيك أكثر مما قلت.
قال: ثمّ خرج إلى بيته، قال: فمكث عثمان ذلك اليوم؛ حتى إذا كان الغد جاءه مروان، فقال له: تكلّم وأعلم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا، وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، فإنّ خطبتك تسير في لابلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم؛ فيأتيك من لا تستطيع دفعه. قال: فأبى عثمان أن يخرج. قال: فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بعد، فإن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم كان باطلاً، فإنّ خطبتك تسير في البلاد مقبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم؛ فيأتيك من لا تستطيع دفعه. قال: فأبى عثمان أن يخرج. قال: فلم يزل بن خروان حتى خرج فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر؛ فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم. قال: فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد: اتّق الله يا عثمان؛ فإنك قد ركبت نهابير وركبناها معك؛ فتب إلى الله نتب. قال: فناداه عثمان؛ وإنك هناك يا بن النابغة! فملت والله جبّتك منذ تركتك من العمل. قال: فنودي من ناحية أخرى: تب إلى الله وأظهر التوبة كيف الناس عنك. قال: فرفع عثمان يديه مدّاً واستقبل القبلة، فقال: اللهمّ إني أوّل تائب تاب إليك. ورجع إلى منزله، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل منزله بفلسطين، فكان يقول: والله إن كنت لألقى الراعي فأحرّضه عليه.
قال محمد بن عمر: فحدّثني عليّ بن عمر، عنأبيه، قال: ثمّ إن عليَّاً جاء عثمان بعد انصراف المصريين، فقال له: تكلم كلاماً يسمعه الناس منك ويشهدون عليه، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة؛ فإن البلاد قد تمخّضت عليك؛ فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة، فتقول: يا عليّ، اركب إليهم؛ ولا أقدر أن أركب إليهم؛ ولا أسمع عذراً. ويقدم ركب آخرون من البصرة، فتقول: يا عليّ اركب إليهم؛ فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقك.
قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، وأعطي الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد ه، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس؛ فو الله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهل، وما جئت شيئاً إلاّ وأنا أعرفه؛ ولكنّي منّتني نفسي وكذبتني، وضل عني رشدي؛ ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: من زلّ فليبت، ومن أخطأ فليتب؛ ولا يتماد في الهلكة؛ إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فأنا أوّل من اتَّعظ؛ أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب؛ فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم؛ فو الله لئن ردّني الحق عبداً لأستنّ بسنّة العبد، ولأذلّننّ ذلّ العبد، ولأكوننّ كالمرقوق؛ إن ملك صبر، وإن عتق شكر؛ وما عن الله مذهب إلاّ إليه، فلا يعجزنّ عنكم خياركم أن يدنوا إليّ، لئن أبت يميني لتتابعنِّي شمالي.
قال: فرقَّ الناس له يومئذ، وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد ابن زيد، فقال: يا أمير المؤمنين، ليس بواصل لك من ليس معك؛ الله الله في نفسك! فأتمم على ما قتل. فلما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيداً ونفراً من بني أميَّة؛ ولم يكونوا شهدوا الخطبة؛ فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين، أتكلّم أم أصمت؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصة، امرأة عثمان الكلبيّة: لا بل اصمت، فإنهم والله قاتلوه ومؤثّموه؛ إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزععنها. فأقبل عليها مروان، فقال: ما أنت وذاك! فو الله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضّأ، فقالت له: مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء، تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه! وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه؛ أما واللهلولا أنه عمّه، وأنه يناله غمّه، أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه.
قال: فأعرض عنها مروان، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتكلّم أمأصمت؟ قال: بل تكلَّم ، فقال مروان: بأبي أنت وأميّ! وه لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّل من رضي بها، وأعان عليها؛ ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطُّبيين، وخلف السّيل الزُّبي، وحين أعطي الخطّة الذليلة الذليل؛ والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوّف عليها؛ وإنك إن شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة؛ وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلّمهم، فإني أستحيي أن أكلمهم. قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً، فقال: ما شأنكم قداجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب! شاهت الوجوه! كلّ إنسان آخذ بأذن صاحبه. ألا من أريد! جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنها، أما والله لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منَّا أمر لا يسرّكم؛ ولا تحمدوا غبّ رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم؛ فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا.
قال: فرجع الناس موخرج بعضهم حتى أتى عليّاً فأخبره الخبر، فجاء عليّ عليه السلام مغضباً، حتى دخل على عثمان، فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؛ والله ما مروان بذي رأى في دينه ولا نفسه؛ وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك؛ وما أنا بعائد بعد ماقمي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك. فلما خرج عليّ دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته، فقالت: أتكلّم أو أسكت؟ فقال: تكلمي؛ فقالت: قد سمعت قول عليّ لك؛ وإنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. قال: فما أصنع؟ قالت: تتَّقي الله وحده لا شريك له، وتتّبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك؛ ومروان ليس له عند لاناس قدر ولا هيبة ولا محبّة؛ وإنما تكك الناس لمكان مروان؛ فأرسل إلي عليّ فاستصلحه، فإن له قرابة منك، وهو لا يعصي. قال: فأرسل عثمان إلى عليّ، فأبى أن يأتيه، وقال: قد أعلمته أنِّي لست بعائد.
قال: فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، قال: فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه، فقال: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلم، فقال: إن بنت الفرافصة.... فقال عثمان: لا تذكرنّها بحرف فأسوّىء لك وجهك، فهي والله أنصح لي منك.
قال: فكفّ مروان.
قال محمد بن عمر: وحدّثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم، قال: قبّح الله مروان! مخرج عثمان إلى النسا فأعطاهم الرّضا، وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلّة من الدّموع، وهو يقول: اللهمّ إنِّي أتوب إليك؛ اللهم إني أتوب إليك، اللهم إنيّ أتوب إليك! والله لئن ردّني الحق إلى أن أكن عبداً قنّاً لأرضينّ به؛ إذا دخلت منزلي فادخلوا عليّ؛ فو الله لا أحتجب منكم، ولأعطينّكم الرضا، ولأزيدنّكم على الرّضا، ولأنحّينّ مروان وذويه. قال: فلما دخل أبمر بالباب ففتح، ودخل بيته، ودخل عليه ممروان، فلم يزل يفتله في الذِّروة والغارب حتى فتله عن رأيه؛ وأزاله عمّا كان يريد؛ فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خجر استحياء من الناس؛ وخرج مروان إلى الناس، فقال: شاهت الوجوه! ألا من أريد! ارجعوا إلى منازلكم؛ فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه، وإلاّ قرّ في بيته. قال عبد الرحمن: فجئت إلى عليّ فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمّار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان: صنع مروان بالناس وصنع. قال: فأقبل عليّ عليٌّ، فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم، قال عليّ: عياذ الله، ياللمسلمين! إنّي إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي؛ وإني إن تكلمت فجاء ما يريد بلعب به مروان، فصار سيّقة له يسوقه حيث شاء بعد كبرالسنّ وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان: ائتني، فقال عليّ بصوت مرتفع عال مغضب: قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد.
قال: فانصرف الرسول. قال: فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين خائباً، فسألت ناتلاً غلامه: من أي جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ، فقال عبد الرحمن بن الأسود: فغدوت فجلست مع عليّ عليه السلام، فقال لي: جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إني غير عائد؛ وإني فاعل؛ قال: فقلت له: بعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم! قال: فرجع وهو يقول: قطعت رحمي وخذلتني، وجرّأت الناس عليّ.
فقلت: والله إني لأذبّ الناس عنك؛ ولكني كلّساً جئتك بهنة أظنّها لك رضاً جاء بأخرى؛ فسمعت قول مروان عليّ، واستدخلت مروان.
قال: ثمّ انصرف إلى بيته. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل أرى عليّاً منكّباً عنه لا يفعل ما كان يفعل؛ إلاّ أني أعلم أنه قد كلم طلحة حين حصر في أن يدخل عليه الرَّوايا، وغضب في ذلك غضباً في ذلك غضباً شديداً، حتى دخلت الرّوايا على عثمان.
قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقام رجل، فقال: أقم كتاب الله، فقال عثمان: اجلس، فجلس حتى قام ثلاثاً، فأمر به عثمان فجلس، فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء؛ وسقط عن المنبر، وحمل فأدخل داره مغشيّاً عليه، فخرج رجل من حجّاب عثمان، ومعه مصحف في يده وهو ينادي " إنَّ الَّذين فرَّقوا دينهم وكانوا شعياً لست منهم في شيء إنَّما أمرهم إلى الله " ودخل عليّ بن أبي طالب على عثمان رضي الله عنهما وهو مغشيٌّ عليه، وبنو أميّة حوله، فقال: مالك يا أمير المؤمنين؟ فأقبلت بنو أميَّة بمنطق واحد، فقالوا: يا عليُّ أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين! أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمرَّنَّ عليك الدّنيا. فقام عليّ مغضباً.
ذكر الخبر عن قتل عثمان رضي الله عنه وفي هذه السنة قتل عثمان رضي الله عنه
ذكر الخبر عن قتله وكيف قتلقال أبو جعفر رحمه الله: قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنهم جعلوها ذريعة إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها؛ ونذكر الآن كيف قتل، وما كان بدء ذلك وافتتاحه، ومن كان المتبدىء به والمففتح للجرأة عليه قبل قتله.
ذكر محمد بن عمر أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة، عن أبيها، قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان، فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف، فأرسل إلى المسور ابن مخرمة وإلى عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فأخذاها، فقسمها عبد الرحمن في الناس وعثمان في الدار.
قال محمد بن عمر: وحدّثني محمد بن صالح، نمعن عبيد الله بن رافع ابن نقاخة، عن عثمان بن الشَّريد، قال: مرّ عثمان على جبلة بن عمرو الساعديّ وهو بفناء داره ومعه جامعة، فقالل: يا نعثل؛ والله لأقتلنّك؛ ولأحملنّك على قولص جرباء، ولأخرجنّك إلى حرّة النار. ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه.
حدثني محمد، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد، قال: كان أوّل من اجترأ على عثمان بالمنطق السيِّء جبلة ابن عمرو الساعديّ، مرّ به عثمان وهو جالس في نديّ قومه، وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مرَّ عثمان سلَّم، فردّ القوم، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا! قال: ثم أقبل على عثمان، فقال: والله لأطرحنّ هذه الجامعة في عنقك أو لتتركنّ بطانتك هذه. قال عثمان: أيّ بطانة! فو الله إني لأتخيّر الناس؛ فقال: مروان تخيَّرته! ومعاوية تخيّرته! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرّته! وعبد الله بن سعد تخيَّرته! منهم من نزل القرآن بدمه، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلّم دمه.
قال: فانصرف عثمان، فلما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم.
قال محمد بن عمر: وحدّثني ابن أبي الزّناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة، قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إنك قد ركبت نهابير وركبناها معك، فتب نتب. فاستقبل عثمان القبلة وشهر يديه - قال أبو حبيبة: فلم أر يوماً أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ - ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس، فقالم إليه جهجاه الغفاريّ؛ فصلح: يا عثمان، ألا إن هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءة وجامعة؛ فانزل فلندرّعك العباءة، ولنطرحك في الجامعة؛ ولنحملك على الشارف؛ ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به! قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلاّ عن ملإ ممن الناس؛ وقام إلى عثمان خيرته وشعيته من بني أميّة فحملوها فأدخلوه الدار.
قال أبو حبيبة: فكان آخر ما رأيته فيه.
قال محمد: وحدّثني أسامة بن زيد الليثيّ، عن يحيى بن عبد الرحمن بان حاطب، عن أبيه، قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبيّ صلى الله عليه وسلّم التي كان يخطب معليها وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال له جهجاه: قم يا نعثل؛ فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شطيَّة منها فيها؛ فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدّوها، فكانت مضبّبة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلاّ خرجة أو خرجتين حتى حصر فقتل.
حدثني أحمد بن إبراهيم؛ قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أنّ جهجاهاً الغفاري، أخذ عصاً كانت في يد عثمان، فكسرها على ركبته، فرمى في ذلك المكان بأكله.
حدّثني جعفر بن عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو، عن محمد ابن إسحاق بن يسار المدنيّ، عن عمّه عبد الرحمن بن يسار، أنه قال: لمّا رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم إلى من صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم إلى من بالآفاق منهم - وكانوا قد تفرّقوا في الثغور: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ، تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلّم؛ فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك، فهلمّوا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلّم. فأقبلوا من كلّ أفق حتى قتلوه. وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح عامله على مصر - حين تراجع الناس عنه، وزعم أنه تائب - بكتاب في الذين شخصوا من مصر، وكانوا أشدّ أهل الأمصار عليه: أمَّا بعد؛ فانظر فلاناً وفلاناً فاضرب أعناقهم إذا قدموا عليك؛ فانظر فلاناً وفلاناً فعاقبهم بكذا وكذا - منهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومنهم قوم من التّابعين - فكان روله في ذلك أبو الأعور بن سفيان السُّلميّ، حمله عثمان على جمل له، ثم أمره أن يقبل حتى يجخل مصر قبل أن يدخلها القوم، فلحقهم أبو الأعور ببعض الطريق، فسألوه: أين ميريد؟ قال: أريد مصر؛ ومعه رجل من أهل الشأم من خولان؛ فلما رأوه على جمل عثمان، قالوا له: هل معك كتاب؟ قال: لا، قالوا: فيم أرسلت؟ قال: لا علم لي، قالوا: ليس معك كتاب ولا علم لك بما أرسلت! إن أمرك لمريب! ففتَّشوه، فوجدوا معه كتاباً في إداوة يابسة، فنظروا في الكتاب، فإذا فيه قتل بعضهم وعقوبة بعضهم في أنفسهم وأموالهم. فلما رأوا ذلك رجعوا إلى المدينة، فبلغ الناس رجوعهم ، والذي كان من أمرهم فتراجعوا من الآفاق كلها، وثار أهل المدينة.
حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن محمد بن السائب الكلبيّ، قال: إنما ردّ أهل مصر إلى عثمان بعد أنصرافهم عنه أنه أدركهم غلام ملعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم، وأن يصلب بعضهم. فلما أتوا عثمان، قالوا: هذا غلامك، قال غلامي انطلق بغير علمي، قالوا: جملك، قال: أخذه من الدار بغير أمير، قالوا: خاتمك، قال: نقش عليه، فقال عبد الرحمن ابن عديس مالتجيبيّ حين أقبل أهل مصر:
أقبلن من بلييس والصَّعيد ... خوضاً كأمثال القسيِّ قود
مستحقبات حلق الحديد ... يطلبن حقَّ الله في الوليد
وعند عثمان وفي سعيد ... يا ربِّ فارجعنا بما نريد
فلما رأى عثمان ما قد نزل به، وما قد انبعث عليه من النّاس، كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشأم: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد؛ فإنّ أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة، فابعث إليّ من قبلك من مقاتلة أهل الشأم على كلّ صعب وذلول.
فلما جاء معاوية الكتاب تربّص به، وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ وقد علم اجتماعهم؛ فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز، وإلى أهل الشأم يستنفرهم ويعظّم حقَّه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله عزّ وجلّ به من طاعتهم ومناصحتهم، ووعدهم أن ينجدهم جند أو بطانة دون الناس، وذكرهم بلاءه عندهم، وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل؛ فإن القوم معا جليَّ.
فلما قرىء كتابه عليهم قام يزيد بن أسد بن كرز البجليّ ثم القسريّ؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عثمان، فعظّم حقه، وحضّهم على نصره، وأمرهم بالمسير إليه. فتابعه ناس كثير، وساروا معه حتى إذا كانوا بوادي القرى، بلغهم مقتل عثمان رضي الله عنه، فرجعوا.
وكتب عثمان إلىعبد الله بن عامر؛ أن اندب إليّ أهل البصرة؛ نسخة كتابه إلى أهل اشأم.
فجمع عبد الله بن عامر الناس؛ فقرأ كتابه عليهم؛ فقامت خطباء من أهل البصرة يحضّونه على نصر عثمان والمسير إليه؛ فيهم مجاشع بن مسعود السُّلميّ؛ وكان أوّل من تكلّم؛ وهو يومئذ سيّد قيس بالبصرة. وقام أيضاً قيس ابن الهيثم السُّلميّ، فخطب وحضّ الناس على نصر عثمان؛ فسارع الناس إلى ذلك؛ فاستعمل عليهم عبد الله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم؛ حتى إذا نزل الناس الرَّبذة، ونزلت مقدّمته عند صرار - ناحية من المدينة - أتاهم قتل عثمان.
حدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدنيّ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: كتب أهل مصر بالسُّقيا - أو بذي خشب - إلى عثمان بكتاب؛ فجاء به رجل منهم حتى دخل به عليه، فلم يردّ عليه شيئاً، فأمر به فأخرج من الدار؛ وكان أهل مصر الذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رءوس أربعة، مع كلّ رجل منهم لواء؛وكان جماع أمرهم جيمعاً إلى عرمو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ - وكان من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم - وإلى عبد الرحمن بن عديس التُّجيبيّ؛ فكان فيما كتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعد، فاعلم أنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ فالله الله! ثم الله الله! فإنك على دنيا فاستتمَّ إليها معها آخرة، ولا تلبس نصيبك من الآخرة؛ فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم أنّا والله لله نغضب، وفي الله نرضى؛ وإنا لن نضعسيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرّحة، أو ضلالة مجلّحة مبلجة؛ فهذه مقالتنا لك، وقضيّتنا إليك، والله عذيرنا منك. والسلام.
وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجّون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ الله.
فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته، فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم، فما المخرج؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردّهم عنه، ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداد؛ فقال: إنّ القوم لن يقبولوا التعليل، وهم محمِّليّ عهداً؛ وقد كان منّي في قدمتهم الأولى ما كان؛ فمنتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به! فقال مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين، مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فأعطهم ماسألوك، وطاولهم ما طاولوك؛ فإنما هم بغوا عليك، فلا عهد لهم.
فأرسل إلى عليّ فدعاه، فلما جاءه قال: يا أبا حسن؛ إنه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان مني ما قد علمت؛ ولست آمنهم على قتلي، فارددهم عني؛ فإن لهم الله عزّ وجلّ أن أعتبهم من كل ما يكرهن؛ وأن أعطيهم الحقّ من نفسي ومن غير؛ وإن كان في ذلك سفك دمي. فقال له عليٌّ: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك؛ وإي لأرى قوماً لا يرضون إلا بالرضا، وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولىعهداً من الله: لترجعنّ عن جميع ما نقم؛ فرددتهم عنك، ثم لم تف هلم بشيء من ذلك، لاتغرّني هذه المرة من شيء فإني معطيهم عيك الحقّ. قال: نعم، فأعطهم، فو الله لأفينّ لهم. فخرج عليٌّ إلى الناس ، فقال: أيّها لاناس؛ إنكم إنما طلبتم الحقّ فقد أعطيتموه؛ إنّ عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره؛ وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكدِّوا عليه. قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه لنا، فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل. فقال هلم عليّ: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبر، فقالعثمان: اضرب بيني وبينهم أجلاً يكون لي فيه ملهة، فإني لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد قال له عليّ: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصلو أمرك، قال: نعم؛ ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام. قال عليٌّ: نعم، فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتاباً أجله فيه ثلاثاً، على أن يردَّ كلّ مظلمة، ويعزل كلّ عامل كرهوه؛ ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه من عهد وميثاق، وأشهد عليه ناساً من وجوه المهاجرين والأنصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أني في لهم بما أعطاهم من نفسه؛ فجعل يتأهّب للقتال، ويستعدّ بالسلاح - وقد كان اتَّخذ جنداً عظماً من رقيق الخمس - فلما مضت الأيام الثلاثة - وهو على حاله لم يغيّر شيئاً مما كرهوه، ولم يعزل عاملاً - ثار به الناس. وخرج عمرو بن حزم الأنصاريّ حتى أتى المصريين وهم بذي خشب، فأخبرهم الخبر، وسار معهم حتى قدموا المدينة، فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على أنك زعمت أنك نائب من إحداثك، وراجع عما كرهنا منك؛ وأعطيتنا على ذلك عهد الله وميثاقه! قال: بلى؛ أنا على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك؛ وكتبت به إلى عاملك؟ قال: ما فعلت ولا لي علم بما قولون. قالوا: بريدك على جملك، وكتاب كاتبك عليه خاتمك؛ قال: أمّا الجمل فمسروق، وقد يشبه الخطّ الخطّ، موأما الخاتم فانتقش عليه، قالوا: فإنا لا نعجّل عليك؛ إن كنا قد اتّهمناك، اعزل عنّا عمّالك الفسّاق، واستعمل علينا من لا يتّهم على دمائنا وأموالنا، واردد عليها مظالمنا. قال عثمان: ما أراني إذاً في شيء إن كنت أستعمل من هويتم، وأعزل من كرهتم، الأمر إذاً أمركم! قالوا: والله لتفعلنّ أو لتعزلنّ أو لتقتلنّ، فانظر لنفسك أودع. فأبى عليهم وقال: لم أكن لأخلع سربالاً سربلنيه الله، فحصروه أربعين ليلة، وطلحة يصلِّي بالناس.
حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أن عون، قال: حدّثنا الحسن، قال: أنبأني وثّاب - قال: وكان فيمن أدركه عتق أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، قال: ورأيت بحلقة أثر طعنتين، كأنهما كتبان طعنهما يومئذ يوم الدار - قال: بعثني عثمان، فدعوت له الأشتر، فجاء - قال ابن عون: فأظنّه قال: فطرحت لأمير المؤمنين وسادة وله وسادة - فقال: يا أشتر؛ ما يريد الناس مني؟ قال: ثلاثاً ليس من إحداهن بدٌّ؛ قال: ما هنَّ؟ قال: يخبرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا له من شئتم، وبين أن تقصَّ من نفسك؛ فإن أبيت هاتين فإنّ القوم قاتلوك. فقال: أما من إحداهن بدٌّ! قال: ما من إحداهنّ بدٌّ، فقال: أمّا أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله عزّ وجلّ - قال: وقال غيره: والله لأن أقدَّم فتضرب عنقي أحبُّ إليّ من أن أخلع قميصاًَ قمّصنيه الله وأترك أمّة محمد صلى الله عليه وسلّم يعد وبعضها على بعض. قال ابن عون: وهذا أشبه بكلامه - وأمّا أن أقصّ من نفسي؛ فو الله لقد علمت أن صاحبيّ بين يديّ قد كانا يعاقبان وما يقوم بدني بالقصاص، وأما أن تقتلوني، فو الله لئن قتلتموني لا تتحابّون بعدي أبداً، ولا تصلّون جميعاً بعدي أبداً، ولا تقاتلون بعدي عدوّاً جميعاً أبداً. قال: فقام الأشتر فانطلق؛ فمكثنا أياماً. قال: مثم جاء رويجل كأنه ذئب، فاطّلع من باب، ثم رجع وجاء محمد بن أبي بكر وثلاثة عشر حتى انتهى إلى عثمان، فأخذ بلحيته، فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه، وقال: ما أغني عنك معاوية، ما إغني عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتب! قال: أرسل لحيتي يا بن أخي، أرسل لحيتي. قال: وأنا رأيته استعدي رجلاً من القوم بعينه، فقام إليه بمشقص حتى وجأ به في رأسه. قلت: ثم مه؛ قال: تغاووا عليه حتى قتلوه.
وذكر الواقديّ أنّ يحيى بن عبد العزيز حدّثه عن جعفر بن محمود، عن محمد بن مسلمة، قال: خرجت في نفر من قومي إلى المصريين وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وسودان بن حمران المراديّ، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ - وقد كان هذا الاسم غلب حتى كان يقال: حبيس بن الحمق - وابن النِّباع. قال: فدخلت عليهم وهم في خباء لهم أربعتهم، ورأيت الناس لهم تبعاً، قال: فعظّمت حقّ عثمان وما في رقابهم من البيعة، وخوّفتهم بالفتنة، وأعلمتهم أنّ في قتله اختلافاً وأمراً عظيماً؛ فلا تكونوا أوّلأ من فتحه، وأنه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه، وأنا ضامن لذلك. قال القوم: فإن لم ينزع؟ قال: قلت: فأمركم إليكم. قال: فانصرف القوم وهو راضون، فرجعت إلى عثمان، فقلت: أخلني فأخلاني، فقلت: الله الله يا عثمان في نفسك! إنّ هؤلاء القوم إنما قدموا يريدون دمك، وأنت ترى خذلان أصحابك لك؛ لا بل هم يقوّون عدوّك عليك. قال: فأعطاني الرّضا، وجزاني خيراً. قال: ثمّ خرجت من عنده، فأقمت ما شاء الله أن أقيم.
قال: وقد تكلّم عثمان برجوع المصريين، وذكر أنهم جاءوا لأمر، فبلغهم غيره فانصرفوا، فأردت أن آتيه فأعنِّفه بهما، ثم سكتّ فإذا قائل يقول: قد قدم المصريون وهم بالسُّويداء، قال: قلت: أحقُّ ما تقول؟ قال: نعم، قال: فأرسل إليّ عثمان.
قال: وإذا الخير قد جاءه، وقد نزل القوم من ساعتهم ذا خشب، فقال: يا أباعبد الرّحمن، هؤلاء القوم قد رجعوا، فما الرأي فيهم؟ قال: قلت: والله ما أردي؛ إلاّ أني أظن أنهم لم يرجعوا لخير. قال: فارجع إليهم فارددهم، قال: قلت: لا والله ما أنا بفاعل، قال: ولم؟ قال: لأنّي ضمنت لهم أموراً تزع عنها فلم تنزع عن حرف واحد منها. قال: فقال: الله المستعان.
قال: وخرجت وقدم القوم وحلوا بالأسواف، وحصروا عثمان.
قال: وجاءني عبد الرحمن بن عبديس ومع سودان بن حمران وصاحباه، فقالوا: يا أبا عبد الرّحمن، ألم تعلم أنّك مكلّمتنا وراتنا وعمت أنّ صاحبنا نازعٌ عمّا نكره؟ فقلت بلى، قال: فإذا هم يخرجون إليّ صحيفة صغيرة.
قال: وإذا قصبة من رصاص؛ فإذا هم يقولون: وجدنا جملاً من إبلالصدقة عليه غلام عثمان، فأخذنا متاعه ففتّشناه، فوجدنا فيه هذا الكتاب؛ فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فإذا قدم عليك عبد الرحمن ابن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري؛ وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك، وسودان بن حمران مثل ذلك؛ وعروة بن النّباع الليثيّ مثل ذلك. قال: فقلت: وما يدريكم أنّ عثمان كتب بهذا؟ قالوا: فيفتات مروان على عثمان بهذا! فهذا شرّ؛ فيخرج نفسه من هذا الأمر. ثم قالوا: انطلق معنا إليه، فقد كلمنا عليّاً، ووعدنا أن يكلّمه إذا صلى الظهر. وجئنا سعد بن أبي وقّاص، فقال: لا أدخل في أمركم. وجئنا سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فقال مثل هذا؛ فقال محمد: فأين وعدكم عليّ؟ قالوا: وعدنا إذا صلى الظهر أن يدخل عليه.
قال محمد: فصليت مع عليّ، قال: ثم دخلت أنا وعليّ عليه، فقلنا:إن هؤلاء المصريين بالبا، فأذن لهم - قال: ومروان عنده جالس - قال: فقال مروان: دعني جعلت فداك أكلّمهم! قال: فقال عثمان: فضّ الله فاك! اخرج عني؛ وما كلامك في هذا الأمر! قال: فخرج مروان، قال: وأقبل عليّ عليه - قالب: وقد أنهى المصريُّون إليه مثل الذي أنهوا إليّ - قال: فجعل عليّ يخبره ما وجدوا في كتابهم. قال: فجعل يقسم بالله ما كتب ولا علم ولا شوور فيه. قال: فقال محمد بن مسلمة: والله إنه لصادق؛ ولكن هذا عمل مروان، فقال عليّ: فأدخلهم عليك؛ فليسمعوا عذرك، قال: ثم أقبل عثمان على عليّ، فقال: إنّ لي قرابة ورحماً؛ والله إنه لصادق؛ ولكن هذا عمل مروان، فقال عليّ: فأدخلهم عليك؛ فليسمعوا عذرك، قال: ثم أقبل عثمان على عليّ، فقال: إنّ لي قرابة ورحماً؛ والله لو كنت في هذه الحلقة لحللتها عنك؛ فاخرج إليهم، فكلِّمهم؛ فإنهم يسمعون منك. قال عليّ: والله ما أنا بفاعل؛ ولكن أدخلهم حتى تعتذر إليهم؛ قال: فادخلوا.
قال محمد بن مسلمة: فدخلوا يومئذ، فما سلّموا عليه بالخلافة، فعرفت أنه الشرّ بعينه؛ قالوا: سلام عليكم، فقلنا: وعليكم السلام، قال: فتكلَّم القوم وقد قدّموا في كلامهم ابن عديس، فذكر ما صنع ابن سعد بمصر، وذكر تحاملاً منه على المسلمين وأهل الذمّة، وذكر استئثاراً منه في غنائم المسلمين؛ فإذا قيل له في ذلك، قال: هذا كتاب أمير المؤمنين إليّ، ثم ذكروا أشياء مما أحدث بالمدنية، وما خالف به صاحبيه. قال: فرحلنا من مصر ونحن لا نريد إلا دمك أو تنزع؛ مفردّنا عليّ ومحمد مبن مسلمة، وضمن لنا محمد النزوع عن كلّ ما تكلمنا فيه - ثم أقبلوا على محمد بن مسلمة، فقالوا: هل قلت ذاك لنا؟ قال محمد: فقلت: نعم - ثم رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله عزّ وجلّ عليك ويكونن حجة لنا بعد حجّة حتى إذا كنا بالبويب أخذنا غلامك فأخذنا كتابك وخاتمك إلىعبد الله بن سعد، تأمره فيه بجلد ظهورنا، والمثل بنا في أشعارنا وطول الحبس لنا؛ وهذا كتابك.
قال: فحمد الله عثمان وأنثى عليه، ثم قال: والله ما كتبت ولا أمرت، ولا شوورت ولا علمت. قال: فقلت وعليّ جميعاً: قد صدق. قال: فاستراح إليها عثمان، فقال المصريون: فمن كتبه؟ قال: لا أدري، قال: أفيجترأ عليك فيبعث غلامك وجمل من صدقات لامسلمين، وينقش على خاتمك، ويكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا تعلم! قال: نعم، قالوا: فليس مثلك يلي، اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه قال: لا أنزع قميصاً مألبسنيه الله عزّ وجلّ. مقال: وكثرت الأصوات واللغط، فما كنت أظنّ أنهم يخرجون حتى يواثبوه. قال: وقام عليّ فخرج، قال: فلمّا قام عليّ قمت، قال: وقال للمصريين: اخرجوا، فخرجوا. قال: ورجعت إلى منزلي ورجع عليّ إلى منزله، فما برحوا محاصريه حتى قتلوه.
قال محمد بن عمر: وحدّثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، عن سفيان بن أبي العوجاء، قال: قدم المصريّون القدمة الأولى، فكلتم عثمان محمد بن مسلمة، فخرج في خمسين راكباً من الأنصار، فأتوهم بذي خشب فردّهم، ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبويب، وجدوا غلاماً لعثمان معه كتاب إلى عبد الله بن سعد، فكرّوا، فانتهوا إلى المدينة، وقد تخلّف بها من الناس الأشتر موحيم بن جمبلة، فأتوا بالكتاب، فأنكر عثمان أن يكون كتبه، وقال: هذا مفتعل، قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك! قال: أجل؛ ولكنّه كتبه بغيرأمري، قالوا: فإنّ الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك؛ قال: أجل؛ ولكنه خرج بغير إذني، قالوا: فالجمل جملك، قال: أجل؛ ولكنه أخذ بغير علمي، قالوا: ما أنت إلاّ صادق أو كاذب؛ فإن كنت كاذباً فد استحققت مالخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أنتخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل هذا الأمر دونه لضعفه وغفلته. وقالوا له: إنّك ضربت رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقّ عندما يستنكرون من أعمالك؛ فأقدمن نفسك من ضربته وأنت له ظالم، فقال: الإمام يخطىء ويصيب؛ فلا أقيد من نفسي؛ لأني لو أقدت كلّ من أصبته بخطإ آتي على نفسي؛ قالوا: إنك قد أحدثت أحداثاً عظاماً فاستحققت بها الخلع؛ فإذا كلّمت فيها أعطيت التوبة ثم عدت إليها وإلى مثلها، ثم تدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق؛ ولامنا فيك محمد ابن مسلمة، وضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرّأ منك، وقال: لا أدخل في أمره؛ فرجعنا أوّلأ مرة لنقطع محجّتك ونبلغ أقصى الإعذار إليك؛ نستظهر بالله عزّ وجلّ عليك؛ فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب. وزعمت أنه متب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخطّ كاتبك وعليه خاتمك، فقد وقعت عليك بذلك التُّهمة القبيحة، مع ما بلونا منك قبل ذلك ممن الجور في الحكم والأثرة في القسم والعقوبة للأمر بالتبسط من الناس، والإظهار للتوبة، ثمّ الرجوع إلى الخطيئة، ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نخلعك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من لم يحدث مثل مما جرّبنا منك، ولم يقع عليه من التُّهمة ما وقع عليك؛ فازدد خلافتنا؛ واعتزل أمرنا، فإنّ ذلك أسلم لنا منك، وأسلم لك منا.
فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إليه إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسلوه؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون. أمّا بعد، فإنكم لم تعدلوا في المنطق، ولم تنصفوا في القضاء؛ أما قولكم: تخلع نفسك، فلا أنزع قميصاً قمَّصنيه الله عزّ وجلّ وأكرمني به، وخصّني به على غيري؛ ولكني أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون؛ فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه. قالوا: إنّ هذا لو كان أوّلأ حدث أحدثته ثم تبت منه ولم تقم عليه؛ لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك؛ ولكنه قد كان منك من الإحداث قبل هذا ما قد علمت، ولقد انصرفنا عنك في المرة الأولى، وما نخشى أن تكتب فينا، ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك. وكيف نقبل توبتك وقد بلونا منك أنك لا تعطى من نفسك التوبة من ذنب إلاّ عدت إليه؛ فلسنا منصرفين حتى نعزلك ونستبدل بك، فإن حال من معك من قومك وذوي مرحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم؛ حتى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحنا بالله. مفقال عثمان: أمَّا أن أتبرَأ من الإمارة؛ فإن تصلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من أمر الله عزّ وجلّ وخلافته. وأما قولكم: تقاتلون من قاتل دوني؛ فإنّي لا آمر أحداً بقتالكم، لقد كنت كتبت إلى الأجناد فقادوا الجنود، وبعثوا الرّجال، أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق؛ فالله الله في أنفسكم فأبقوا عليها إن لم تبقوا عليّ؛ فإنكم مجتلبون بهذا الأمر - إن قتلتموني - دماً. قال: ثمّ انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب، وأرسل إلى محمد بن مسلمة فكلّمه أن يردّهم، فقال: والله لا أكذب الله في سنة مرتين.
قال محمد بن عمر: حدّثني محمد بن مسلم، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة، قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان؛ دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب؛ فقال له مروان: الآن تندم! أنت أشعرته. فأسمع سعداً يقول: أستغفر الله، لم أكن أظنّ الناس يجترئون هذه الجرأة، ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك، فنزع عن كلّ ما كره منه، وأعطى التوبة، وقال: لا أتمادى في الهلكة؛ إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق؛ فأنا أتوب وأنزع. فقال مروان: إن كنت تريد أن تذبّ عنه؛ فعليك بابن أبي طالب، فإنه متستّر، وهو لا يجبه؛ فخرج سعد حتى أتى عليّاً وهو بين القبر والمنبر، فقال: يا أبا حسن؛ قم فداك أبي وأمّي! جئتك والله بخير ما جاء به أحد قطّ إلى أحد، تصل رحم ابن عمّك، وتأخذ بالفضل عليه، وتحقن دمه، ويرجع الأمر على ما نحبّ، قد أعطى خليفتك من نفسه الرّضا. فقال عليّ: تقبّل الله منه يا أبا إسحاق! والله ما زلت أذبّ عنه حتى إني لأستحي؛ ولكن مروان ومعاوية وعبد الله بن عامر وسعيد ابن العاص هم صنعوا به ما ترى؛ فإذا نصحته وأمرته أن ينحّيهم استغشّني حتى جاء ما ترى. قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر. فسارّ عليّاً؛ فأخذ عليّ بيدي، ونهض عليّ وهو يقول: وأيّ خير توبته هذه! فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة؛ أن عثمان قد قتل؛ فلم نزل والله في شرّ إلى يومنا هذا.
قال محمد بن عمر: وحدّثني شرحبيل بن أبي عون، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، قال: لما خرج المصريّون إلى عثمان رضي الله عنه، بعث عبد الله بن سعد رسولاً أسرع السير يعلم عثمان بمخرجهم، ويخبره أنهم يظهرون أنهم يريدون العمرة. فقدم الرّسول على عثمان بن عفان، يخبرهم فتكلم عثمان، وبعث إلى أهل مكة يحذّر من هناك هؤلاء المصريين، ويخبّرهم أنهم قد طعنوا على إمامهم. ثمّ إن عبد الله بن سعد خرج إلى عثمان في آثار المصريين - وقد كان كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له - فقدم ابن سعد؛ حتى إذا كان بأيلة بلغه أنّ المصريين قد رجعوا إلى عثمان، وأنهم قد حصروه، ومحمد بن أبي حذيفة بمصر؛ فلما بلغ محمداً حصر عثمان وخروج عبد الله بن سعد عنه غلب على مصر، فاستجابوا له، فأقبل عبد الله بن سعد يريد مصر، فمنعه ابن أبي حذيفة، فوجّه إلى فلسطين، فأقام بها حتى قتل عثمان رضي الله عنه، وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواف، فحصروا عثمان، وقدم حكيم بن جبلة من البصرة في ركب، وقدم الأشتر في أهل الكوفة، فتوافوا بالمدينة، فاعتزل الأشتر؛ فاعتزل حكيم بن جبلة، وكان ابن عديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فكانوا خمسمائة، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً، حتى قتل يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين.
قال محمد: وحدّثني إبراهيم بن سالم، عن أبيه، عن بسر بن سعيد، قال: وحدّثني عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة، قال: دخلت على عثمان رضي الله عنه، فتحدّثت عنده ساعة، فقال: يا بن عياش، تعال. فأخذ بيدي، فأسمعني كلام من على باب عثمان، فسمعنا كلاماً؛ منهم من يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول: انظروا علسى أن يراجع، فبينا أ،ا وهو واقفان إذ مرّ طلحة بن عبيد الله؛ فوقف فقال: أين ابن عديس؟ فقيل: ها هو ذا، قال: فجاءه ابن عديس، فناجاه بشيء، ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل؛ ولا يخرج من عنده. قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله. ثم قال عثمان: اللهمّ اكفني طلحة بن عبيد الله، فإنه حمل عليّ هؤلاء وألّبهم؛ والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يسفك دمه، إنه انتهك مني ما لا يحلّ له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: " لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فيقتل، أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم، أو رجل قتل نفساً بغير نفس " ، ففيم أقتل! قال: ثم رجع عثمان. قال ابن عياش: فأردت أن أخرج فمنعوني حتى مرّ بي محمد بن أبي بكر فقال: خلّوه، فخلّوني.
قال محمد: حدثني يعقوب بن عبد الله الأشعريّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: رأيت اليوم الذي دخل فيه على عثمان، فدخلوا من دار عمرو بن حزم خوخة هناك حتى دخلوا الدار، فناوشوهم شيئاً من مناوشة ودخلوا، فوالله ما نسينا أن خرج سودان بن حمران، فأسمعه يقول: أين طلحة بن عبيد الله؟ قد قتلنا ابن عفان! قال محمد بن عمر: وحدّثني شرحبيل بن أبي عون، عن أبيه، عن أبي حفصة اليمانيّ، قال: كنت لرجل من أهل البادية من العرب، فأعجبته - يعني مروان - فاشتراني واشترى امرأتي وولدي فأعتقنا جميعاً؛ وكنت أكون معه، فلما حصر عثمان رضي الله عنه، شمّرت معه بنو أمية، ودخل معه مروان الدار. قال: فكنت معه في الدار، قال: فأنا والله أنشبت القتال بين الناس؛ رميت من فوق الدار رجلاً من أسلم فقتلته؛ وهو نيار الأسلميّ، فنشب القتال، ثم نزلت، فاقتتل الناس على الباب، وقاتل مروان حتى سقط فاحتملته، فأدخلته بيت عجوز، وأغلقت عليه، وألقى الناس النيران في أبواب دار عثمان، فاحترق بعضها، فقال عثمان: ما احترق الباب إلاّ لما هو أعظم منه، لا يحرّكنّ رجل منكم يده؛ فوالله لو كنت أقصاكم لتخطّوكم حتى يقتلوني، ولو كنت أدناكم ما جاوزوني إلى غيري، وإني لصابر كما عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لأصرعنّ مصرعي الذي كتب الله عزّ وجلّ. فقال مروان: والله لا تقتل وأنا أسمع الصوت، ثم خرج بالسيف على الباب يتمثّل بهذا الشعر:
قد علمت ذات القرون الميل ... والكفّ والأنامل الطّفول
أنّي أروع أوّل الرّعيل ... بفارةٍ مثل قطا الشّليل
قال محمد: وحدّثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، عن أبي حفصة، قال: لما كان يوم الخميس دلّيت حجراً من فوق الدار، فقتلت رجلاً من أسلم يقال له نيار، فأرسلوا إلى عثمان: أن أمكنّا من قاتله. قال: والله ما أعرف له قاتلاً، فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران، فلما أصبحوا غدوا، فأوّل من طلع علينا كنانة بن عتّاب، في يده شعلة من نار على ظهر سطوحنا، قد فتح له من دار آل حزم، ثم دخلت الشّعل على أثره تنضح بالنّفط؛ فقاتلناهم ساعة على الخشب، وقد اضطرم الخسب، فأسمع عثمان يقول لأصحابه: ما بعد الحريق شيء! قد احترق الخشب، واحترقت الأبواب، ومن كانت لي عليه طاعة فليمسك داره؛ فإنما يريدني القوم، وسيندمون على قتلي؛ والله لو تركوني لظننت أني لا أحبّ الحياة؛ ولقد تغيّرت حالي، وسقط أسناني، ورقّ عظمي.
قال: ثم قال لمروان: اجلس فلا تخرج، فعصاه مروان، فقال: والله لا تقتل، ولا يخلص إليك، وأنا أسمع الصوت، ثم خرج إلى الناس. فقلت: ما لمولاي متّرك! فخرجت معه أذبّ عنه، ونحن قليل، فأسمع مروان يتمثّل:
قد علمت ذات القرون الميل ... والكفّ والأنامل الطّفول
ثم صاح: من يبارز؟ وقد رفع أسفل درعه؛ فجعله في منطقته. قال: فيثب إليه ابن النّباع فضربه ضربة على رقبته من خلفه فأثبته؛ حتى سقط، فما ينبض منه عرق، فأدخلته بيت فاطمة ابنة أوس جدّة إبراهيم بن العديّ. قال: فكان عبد الملك وبنو أميّة يعرفون ذلك لآل العديّ.
حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدّثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس، عن ابن الحراث بن أبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن الحارث بن هشام، قال: كأني أنظر إلى عبد الرحمن بن عديس البلويّ وهو مسند ظهره إلى مسجد نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم وعثمان بن عفان رضي الله عنه محصور، فخرج مروان بن الحكم، فقال من يبارز؟ فقال عبد الرحمن بن عديس لفلان ابن عروة: قم إلى هذا الرّجل، فقام إليه غلام شابّ طوال؛ فأخذ رفرف الدرع فغرزه في منطقته، فأعور له عن ساقه، فأهوى له مروان وضربه ابن عروة على عنقه، فكأني أنظر إليه حين استدار. وقام إليه عبيد بن رفاعة الزّرفيّ ليدفّف عليه، قال: فوثبت عليه فاطمة ابنة أوس جدّة إبراهيم ابن عديّ - قال: وكانت أرضعت مروان وأرضعت له - فقالت: إن كنت إنما تريد قتل الرجل فقد قتل؛ وإن كنت تريد أن تلعب بلحمه فهذا قبيح. قال: فكفّ عنه. فما زالوا يشكرونها لها، فاستعلموا ابنها إبراهيم بعد.
وقال ابن إسحاق: قال عبد الرحمن بن عديس البلويّ حين سار إلى المدينة من مصر:
أقبلن من بلبيس والصّعيد ... مستحقبات حلق الحديد
يطلبن حقّ الله في سعيد ... حتى رجعن بالذي نريد
حدّثني جعفر بن عبد الله المحمديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حماد وعليّ بن حسين، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه، قال: لما مضت أيام التشريق أطافوا بدار عثمان رضي الله عنه، وأبى إلاّ الإقامة على أمره، وأرسل إلى حشمه وخاصّته فجمعهم، فقام رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم يقال له نيار بن عياض - وكان شيخاً كبيراً - فنادى: يا عثمان؛ فأشرف عليه من أعلى داره؛ فناشده الله، وذكّره الله لمّا اعتزلهم! فبينا هو يراجعه الكلام إذ رماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم، وزعموا أنّ الذي رماه كثير بن الصّلت الكنديّ؛ فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتل نيار بن عياض فلنقتله به، فقال: لم أكن لأقتل رجلاً نصرني وأنتم تريدون قتلي؛ فلمّا رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فأحرقوه؛ وخرج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة، وخرج سعيد بن العاص في عصابة، وخرج المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفيّ حليف بني زُهرة في عصابة؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ وكان الذي حداهم على القتال أنه بلغهم أن مدداً من أهل البصرة قد نزلوا صراراً - وهي من المدينة على ليلة - وأن أهل الشام قد توجّهوا مقبلين، فقاتلوهم قتالاً شديداً على باب الدّار، فحمل المغيرة بن الأخنس الثقفيّ على القوم وهو يقول مرتجزاً:
قد علمت جارية عطبول ... لها وشاح ولها حجول
أتى بنصل السّيف خنشليل
فحمل عليه عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، وهو يقول:
إن تك بالسّيف كما تقول ... فاثبت لقرن ماجد يصول
بمشرفيّ حدّه مصقول
فضربه عبد الله فقتله، وحمل رفاعة بن رافع الأنصاريّ ثم الزّرقيّ على مروان بن الحكم، فضربه فصرعه، فنزل عنه وهو يرى أنه قتله؛ وجرح عبد الله بن الزبير جراحات، وانهزم القوم حتى لجئوا إلى القصر، فاعتصموا ببابه، فاقتتلوا عليه قتالاً شديداً، فقتل في المعركة على الباب زياد بن نعيم الفهريّ في ناس من أصحاب عثمان، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو ابن حزم الأنصاريّ باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان، ثمّ نادى الناس فأقبلوا عليه من داره، فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا، وخلّى لهم عن باب الدار؛ فخرجوا هرّاباً في طرق المدينة؛ وبقي عثمان في أناس من أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه؛ وقتل عثمان رضي الله عنه.
حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريّ، قال: أشرف عليهم عثمان رضي الله عنه ذات يوم، فقال: السلام عليكم، قال: فما سمع أحداً من الناس ردّ عليه إلاّ أن يردّ رجل في نفسه، فقال: أنشدكم بالله هل علمتم أني اشتريت رومة من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين! قال: قيل: نعم. قال: فما يمنعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر! قال: أنشدكم الله هل علمتم أنّي اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم، قال: فهل علمتم أحداً من الناس منع أن يصلّي فيه قبلي! قال: أنشدكم الله، هل سمعتم نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم يذكر كذا وكذا؛ أشياء في شأنه، وذكر الله إياه أيضاً في كتابه المفصّل. قال: ففشا النهى.
قال: فجعل الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين، قال: وفشا النهي. قال: وقام الأشتر - قال: ولا أدري يومئذ أو في يوم آخر - فقال: لعله قد مكر به وبكم! قال: فوطئه الناس، حتى لقي كذا وكذا، قال: فرأيته أشرف عليهم مرّة أخرى، فوعظهم وذكّرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة. وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أوّل ما يسمعونها؛ فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم. قال: ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه. قال: وذاك أنه رأى من الليل أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم يقول: " أفطر عندنا الليلة " .
قال أبو المعتمر: فحدّثنا الحسن: أنّ محمد بن أبي بكر دخل عليه فأخذ بلحيته. قال: فقال له: قد أخذت منّا مأخذاً، وقعدت مني مقعداً ما كان أبو بكر ليقعده أو ليأخذه. قال: فخرج وتركه. قال: ودخل عليه رجل يقال له الموت الأسود. قال: فخنقه تم خفقه. قال: ثم خرج فقال: والله ما رأيت شيئاً قطّ ألين من حلقه؛ والله لقد خنقته حتى رأيت نفسه يتردّد في جسده كنفس الجانّ. قال: فخرج.
قال في حديث أبي سعيد: دخل على عثمان رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله - قال: والمصحف بين يديه - قال: فيهوي له بالسيف، فاتّقاه بيده، فقطعها، فقال: لا أدري أبانها أم قطعها ولم يبنها. قال: فقال: أما والله إنها لأوّل كفّ خطّت المفصّل. وقال في غير حديث أبي سعيد: فدخل عليه التّجيبيّ، فأشعره مشقصاً فانتضح الدّم على هذه الآية: " فسيكفيكهم الله وهو السّميع العليم " . قال: فإنها في المصحف ما حكّت.
قال: وأخذت ابنة الفرافصة - في حديث أبي سعيد - حليها فوضعته في حجرها، وذلك قبل أن يقتل، قال: فلما أشعر - أو قال: قتل - ناحت عليه. قال: فقال بعضهم: قاتلها الله! ما أعظم عجيزتها! قال: فعلمت أن عدوّ الله لم يرد إلاّ الدنيا.
وأما سيف، فإنه قال - فيما كتب إلى السريّ، عن شعيب، عنه: ذُكر عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة: إنّ الله عزّ وجلّ إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إنّ الدنيا تفنى، والآخرة تبقى؛ فلا تبطرنّكم الفانية، ولا تشغلنّكم عن الباقية؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى؛ فإن الدنيا منقطعة؛ وإنّ المصير إلى الله. اتقوا الله جلّ وعزّ، فإنّ تقواه جنّة من بأسه، ووسيلة عنده؛ واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزاباً، " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً " .
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته وعزم وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله، قال: اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني. وأرسل إلى طلحة والزبير وعليّ وعدّة: أن ادنوا. فاجتمعوا فأشرف عليهم، فقال: يأيّها الناس؛ اجلسوا، فجلسوا جميعاً؛ المحارب الطارىء، والمسالم المقيم، فقال: يا أهل المدينة؛ إنّي أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي؛ وإنّي والله لا أدخل على أحد بعد يومي هذا حتى يقضي الله فيّ قضاءهه؛ ولأدعنّ هؤلاء وما وراء بابي غير معطيهم شيئاً يتّخذونه عليكم دخلا في دين الله أو دنيا حتى يكون الله عزّ وجلّ الصانع في ذلك ما أحبّ. وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم، فرجعوا إلاّ الحسن ومحمداً وابن الزبير وأشباهاً لهم؛ فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم؛ وثاب إليهم ناس كثير، ولزم عثمان الدار.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة، قالوا: كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين، فلما مضت من الأربعين ثمان عشرة، قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيّأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشأم، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة؛ فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان؛ ومنعوه كلّ شيء حتى الماء؛ وقد كان يدخل عليّ بالشيء مما يريد. وطلبوا العلل فلم تطلع عليهم علّة، فعثروا في داره بالحجارة ليرموا؛ فيقولوا: قوتلنا - وذلك ليلاً - فناداهم: ألا تتّقون الله! ألا تعلمون أنّ في الدار غيري! قالوا: لا والله ما رميناك. قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله، قال: كذبتم؛ إنّ الله عزّ وجلّ لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا. وأشرف عثمان على آل حزم وهم جيرانه؛ فسرّح ابناً لعمرو إلى عليّ بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئاً من الماء فافعلوا. وإلى طلحة وإلى الزبير، وإلى عائشة رضي الله عنها وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ فكان أوّلهم إنجاداً له عليّ وأمّ حبيبة؛ جاء عليّ في الغلس، فقال: يأيّها الناس؛ إنّ الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين؛ لا تقطعوا عن هذا الرجل المادّة؛ فإن الرّوم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي؛ وما تعرّض لكم هذا الرّجل؛ فبم تستحلّون حصره وقتله! قالوا: لا والله ولا نعمة عين؛ لا نتركه يأكل ولا يشرب؛ فرمى بعمامته في الدار بأنّي قد نهضت فيما أنهضتني؛ فرجع. وجءات أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملةً على إداوة، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة، فضربوا وجه بغلتها، فقالت: إنّ وصايا بني أميّة إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل. قالوا: كاذبة، وأهووا لها وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فندّت بأمّ حبيبة، فتلقّاها الناس، وقد مالت رحالتها، فتعلّقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها. وتجهزّت عائشة خارجة إلى الحجّ هاربة، واستتبعت أخاها، فأبى؛ فقالت: أما والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلنّ.
وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبي بكر، فقال: يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحلّ فتتبعهم! فقال: ما أنت وذاك يا بن التميمّية! فقال: يا بن الخثعميّة؛ إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف، وانصرف وهو يقول:
عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا
ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلاًّ ذليلا
وكانوا كاليهود أو النّصارى ... سواء كلّهم ضلّوا السبيلا
ولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظاً على أهل مصر، وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أمّ المؤمنين؛ لو أقمت كان أجدر أن يراقبوا هذا الرجل، فقالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأمّ حبيبة، ثم لا أجد من يمنعني! لا والله ولا أعيّر ولا أدري إلام يسلم أمر هؤلاء! وبلغ طلحة والزبير ما لقي عليّ وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات، عليهم الرّقباء، فأشرف عثمان على الناس، فقال: يا عبد الله بن عباس - فدعى له - فقال: اذهب فأنت على الموسم - وكان ممّن لزم الباب - فقال: والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحبّ إليّ من الحج؛ فأقسم عليه لينطلقنّ. فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة؛ ورمى عثمان إلى الزبير بوصيّته، فانصرف بها - وفي الزبير اختلاف: أأدرك مقتله أو خرج قبله - وقال عثمان: " يا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح... " الآية، اللهم حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، قال: بعثت ليلى ابنة عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فقالت: إنّ المصباح يأكل نفسه، ويضيء للناس؛ فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيكما؛ فإنّ هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غداً، فاتّقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم؛ فلجّا وخرجا مغضبين يقولان: لا ننسى ما صنع بنا عثمان؛ وتقول: ما صنع بكما! ألاّ ألزمكما الله! فلقيهما سعيد بن العاص، وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء، فأنكره حين لقيه خارجاً من عند ليلى، فتمثل له في تلك الحال بيتاً:
استبق ودّك للصّديق ولا تكن ... فيئاً يعضّ بخاذل ملجاجا
فأجابه سعيد متمثلاً:
ترون إذاً ضرباً صميماً من الذي ... له جانب ناءٍ عن الجرم معور
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: فلمّا بويع الناس جاء السابق فقدم بالسلامة، فأخبرهم من الموسم أنهم يريدون جميعاً المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجّهم؛ فلمّا أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار، أعلقهم الشيطان، وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلاّ قتل هذا الرجل؛ فيشتغل بذلك الناس عنّا، ولم يبق خصلة يرجون بها النجداة إلا قتله. فراموا الباب؛ فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم، واجتلدوا، فناداهم عثمان: الله الله! أنتم في حلٍّ من نصرتي فأبوا، ففتح الباب، وخرج ومعه التّرس والسيف لينهنههم؛ فلما رأوه أدبر المصريون، وركبهم هؤلاء، ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين، وأقسم على الصحابة ليدخلنّ، فأبوا أن ينصرفوا، فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين - وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حجّ، ثم تعجّل في نفر حجّوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يقتل وشهد المناوشة، ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل؛ وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألاّ ندعهم حتى نموت! فاتّخذ عثمان تلك الأيام القرآن نحباً، يصلّى وعنده المصحف؛ فإذا أعيا جلس فقرأ فيه - وكانوا يرون القراءة في المصحف من العبادة - وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الباب؛ فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاءوا بنار، فأحرقوا الباب والسقيفة، فتأجّج الباب والسقيفة؛ حتى إذا احترق الخشب خرّت السقيفة على الباب، فثار أهل الدار وعثمان يصلّي؛ حتى منعوهم الدخول؛ وكان أول من برز لهم المغيرة بن الأخنس، وهو يرتجز:
قد علمت جارية عطبول ... ذات وشاح ولها جديل
أنّي بنصل السيف خنشليل ... لأمنعنّ منكم خليلي
بصارم ليس بذي فلول
وخرج الحسن بن عليّ وهو يقول:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ... وردّ أحزاباً على رغم معدّ
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول:
صبرنا غداة الدار والموت واقب ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب
وكنّا غداة الرّوع في الدار نصرة ... نشافههم بالضّرب والموت ثاقب
فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير؛ وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه في وصيّة بما أراد، وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم؛ فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم؛ فما زال يدّعي بها، ويحدّث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: وأحرقوا الباب وعثمان في الصّلاة، وقد افتتح " طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " - وكان سريع القراءة، فما كرثه ما سمع، وما يخطىء وما يتتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس إلى عند المصحف وقرأ: " الذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " .
وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه:
قد علمت ذات القرون الميل ... والحلي والأنامل الطّفول
لتصدقنّ بيعتي خليلي ... بصارم ذي رونق مصقول
لا أستقيل إن أقلت قيلي
وأقبل أبو هريرة، والناس محجمون عن الدّار إلا أولئك العصبة، فدسروا فاستقتلوا، فقام معهم، وقال: أنا إسوتكم؛ وقال هذا يوم طاب امضرب - يعني أنه حلّ القتال، وطاب وهذه لغة حمير - ونادى: يا قوم، مالي أدعوكم إلى النّجاة وتدعونني إلى النّار! وبادر مروان يومئذ ونادى: رجل رجل، فبرز له رجل من بني ليث يدعى النّباع؛ فاختلفا، فضربه مروان أسفل رجليه، وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه، فانكبّ مروان، واستلقى، فاجترّ هذا أصحابه، واجترّ الآخر أصحابه؛ فقال المصريون: أما والله لولا أن تكونوا حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير، فقال المغيرة: من يبارز؟ فبرز له رجل فاجتلد، وهو يقول:
أضربهم باليابس ... ضرب غلام بائس
من الحياة آيس
فأجابه صاحبه... وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس، فقال الذي قتله: إنا لله! فقال له عبد الرحمن بن عديس: مالك؟ قال: إني أتيت فيما يرى النائم، فقيل لي: بشّر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار؛ فابتُليت به، وقتل فباث الكنانيّ نيار بن عبد الله الأسلميّ، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملئوها ولا يشعر الذين بالباب، وأقبلت القباس على أبنائهم؛ فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم، وندبوا رجلاً لقتله، فانتدب له رجل، فدخل عليه البيت، فقال: اخلعها وندعك، فقال: ويحك! والله ما كشفت امرأة في جاهليّة ولا إسلام، ولا تغنّيت ولا تمنّيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ ولست خالعاً قميصاً كسانيه الله عزّ وجلّ، وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة، ويهين أهل الشقاء.
فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله؛ والله ما ينجينا من الناس إلا قتله، وما يحلّ لنا قتله؛ فأدخلوا عليه رجلاً من بني ليث، فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثيّ؛ فقال: لستَ بصاحبي، قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبيّ صلى الله عليه وسلّم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فلن تضيع؛ فرجع وفارق القوم، فأدخلوا عليه رجلاً من قريش، فقال: يا عثمان؛ إني قاتلك، قال: كلاّ يا فلان، لا تقتلني، قال: وكيف؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم استغفر لك يوم كذا وكذا؛ فلن تقارف دماً حراماً. فاستغفر ورجع، وفارق أصحابه فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله، وقال: يا قوم لا تسلّوا سيف الله عليكم؛ فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم! إنّ سلطانكم اليوم يقوم بالدّرّة؛ فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم! إنّ مدينتكم محفوفة بملائكة الله؛ والله لئن قتلتموه لتتركنّها؛ فقالوا: يا بن اليهودية؛ وما أنت وهذا! فرجع عنهم.
قالوا: وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر، فقال له عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب! هل لي إليك جرم إلاّ حقّه أخذته منك! فنكل ورجع.
قالوا: فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان ابن حمران السّكونيّان والغافقيّ؛ فضربه الغافقيّ بحديدة معه، وضرب المصحف برجله فاستدار المصحف، فاستقرّ بين يديه؛ وسالت عليه الدماء؛ وجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبّت عليه نائلة ابنة الفرافصة، واتّقت السيف بيدها، فتعمّدها، ونفح أصابعها، فأطنّ أصابع يدها وولّت؛ فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة، وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه - وقد كان عثمان أعتق من كفّ منهم - فلمّا رأوا سودان قد ضربه، أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت؛ وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى. فلما خرجوا إلى الدار، وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا؛ حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة - والرجل يدعى كلثوم بن تجيب - فتنحّت نائلة، فقال: ويح أمّك من عجيزة ما أتمّك! وبصر به غلام لعثمان فقتله وقتل، وتنادى القوم: أبصر رجل من صاحبه، وتنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه؛ وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم؛ وليس فيه إلاّ غرارتان، فقالوا: النّجاء؛ فإن القوم إنّما يحاولون الدنيا، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه، وماج الناس فيه، فالتّانىء يسترجع ويبكي، والطارىء يفرح. ندم القوم، وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلاّ يشهد مقتله، فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! رحم الله عثمان. وانتصر له؛ وقيل: إنّ القوم نادمون؛ فقال: دبّروا دبّروا، " وحيل بينهم وبين ما يشتهون... " الآية. وأتى الخبر طلحة، فقال: رحم الله عثمان! وانتصر له وللإسلام؛ وقيل له: إن القوم نادمون، فقال تبّاً لهم! وقرأ: " فلا يستطيعون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعون " . وأتى عليٌّ فقيل: قتل عثمان، فقال رحم الله عثمان، وخلف علينا بخير! وقيل: ندم القوم، فقرأ: " كمثل الشّيطان إذ قال للإنسان اكفر... " ، الآية. وطلب سعد، فإذا هو في حائطه، وقد قال: لا أشهد قتله، فلما جاءه قتله قال: فررنا إلى المدنية تدنينا؛ وقرأ: " الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً " . اللهمّ أندمهم ثم خذهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن لامجالد، عن الشعبيّ، عن المغيرة بن شعبة، قال: قلت لعليّ: إنّ هذا الرجل مقتول؛ وإنّه إن قتل وأنت بالمدينة اتّخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا وكذا؛ فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس؛ فأبى وحصر عثمان اثنين وعشرين يوماً؛ ثم أحرقوا الباب؛ وفي الدار أناس كثير؛ فيهم عبد الله بن الزّبير ومروان، فقالوا: ائذن لنا؛ فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم عهد إليّ عهداً، فأنا صابر عليه؛ وإنّ القوم لم يحرقوا باب الدّار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه؛ فأحرّج على رجل يستقتل ويقاتل؛ وخرج الناس كلهم؛ ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إنّ أباك الآن لفي أمر عظيم، فأقسمت عليك لما خرجت! وأمر عثمان أبا كرب - رجلاً من همدان - وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال؛ وليس فيه إلا غرارتان من ورق؛ فلما أطفئت النار بعد ما ناوشهم ابن الزبير ومروان، وتوعّد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان؛ فلما دخل على عثمان هربا. ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان؛ فأخذ بلحيته، فقال: أرسل لحيتي؛ فلم يكن أبوك ليتناولها. فأرسلها؛ ودخلوا عليه؛ فمنهم من يجؤه بنعل سيفه، وآخر يلكزه؛ وجاءه رجل بمشاقص معه، فوجأه في ترقوته، فسال الدّم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله؛ وكان كبيراً؛ وغشي عليه. ودخل آخرون فلما رأوه مغشيّاً عليه جرّوا برجله؛ فصاحت نائلة وبناته؛ وجءا التّجيبيّ مخترطاً سيفه ليضعه في بطنه، فوقته نائلة، فقطع يدها، واتّكأ بالسيف عليه في صدره. وقتل عثمان رضي الله عنه قبل غروب الشمس، ونادى مناد: ما يحلّ دمه ويحرج ماله؛ فانتهبوا كلّ شيء، ثم تبادروا بيت المال، فألقى الرّجلان المفاتيح ونجوا، وقالوا: الهرب الهرب! هذا ما طلب القوم.
وذكر محمد بن عمر، أنّ عبد الرحمن بن عبد العزيز حدّثه عن عبد الرحمن ابن محمد، أنّ محمد بن أبي بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم، ومعه كنانة بن بشر بن عتّاب، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق؛ فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة وهو يقرأ في المصحف في سورة البقرة، فتقدّمهم محمد بن أبي بكر؛ فأخذ بلحية عثمان، فقال: قد أخزاك الله يا نعثل! فقال عثمان: لست بنعثل؛ ولكني عبد الله وأمير المؤمنين. قال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان! فقال عثمان: يا بن أخي، دع عنك لحيتي؛ فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال محمد: لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك؛ وما أريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك؛ قال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمشقص في يده. ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده، فوجأ بها في أصل أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثمّ علاه بالسيف حتى قتله؛ فقال عبد الرحمن: سمعت أبا عون يقول: ضرب كنانة بن بشر جبينه ومقدّم رأسه بعمود حديد، فخرّ لجبينه، فضربه سودان بن حمران المراديّ بعد ما خرّ لجبينه فقتله.
قال محمد بن عمر: حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزنّاد، عن عبد الرّحمن ابن الحراث، قال: الذي قتله كنانة بن بشر بن عتاب التّجيبيّ. وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاريّ تقول: خرجنا إلى الحجّ؛ وما علمنا لعثمان بقتل؛ حتى إذا كنّا بالعرج سمعنا رجلاً يتغنّى تحت الليل:
ألا إنّ خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التّجيبيّ الذي جاء من مصر
قال: وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان، فجلس على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات. قال عمرو: فأما ثلاث منهنّ فإني طعنتهنّ إيّاه لله؛ وأما ستّ فإني طعنتهن إيّاه لما كان في صدري عليه.
قال محمد: وحدّثني إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، قال: رأيت عروة بن شيَيْم ضرب مروان يوم الدّار بالسيف على رقبته، فقطع إحدى علباويه، فعاش مروان أوقص؛ ومروان الذي يقول:
ما قلت يوم الدار للقوم حاجزوا ... رويداً ولا استبقوا الحياة على القتل
ولكنّي قد قلت للقوم ماصعوا ... بأسيافكم كيما يصلن إلى الكهل
قال محمد الواقديّ: وحدّثني يوسف بن يعقوب، عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، قال: كان حصر عثمان قبل قدوم أهل مصر، فقدم أهل مصر يوم الجمعة، وقتلوه في الجمعة الأخرى.
وحدّثني عبد الله بن أحمد المروزويّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن حرملة بن عمران، قال: حدّثني يزيد بن أبي حبيب، قال: وليَ قتلَ عثمان نهران الأصبحيّ، وكان قاتل عبد الله بن بسرة؛ وهو رجل من بني عبد الدّار.
قال محمد بن عمر: وحدّثني الحكم بن القاسم، عن أبي عون مولى المسور بن مخرمة، قال: مازال المصرّيون كافّين عن دمه وعن القتال؛ حتى قدمت أمداد العراق من البصرة ومن الكوفة ومن الشأم؛ فلما جاءوا شجعوا القوم؛ وبلغهم أنّ البعوث قد فصلت من العراق ومن مصر من عند ابن سعد؛ ولم يكن ابن سعد بمصر قبل ذلك؛ كان هارباً قد خرج إلى الشأم، فقالوا: نعاجله قبل أن تقدم الأمداد.
قال محمد: وحدّثني الزّبير بن عبد الله، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: أشرف عثمان عليهم وهو محصور؛ وقد أحاطوا بالدّار من كلّ ناحية، فقال: أنشدكم بالله جلّ وعزّ؛ هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يخير لكم، وأن يجمعكم على خيركم! فما ظنّكم بالله! أتقولونه: لم يستجب لكم، وهنتم على الله سبحانه، وأنتم يومئذ أهل حقّه من خلقه، وجميع أموركم لم تتفرق! أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبال من ولاّه، والدّين يومئذ يعبد به الله ولم يتفرّق أهله؛ فتوكّلوا أو تخذلوا، وتعاقبوا! أم تقولون: لم يدر الله ما عاقبة أمري؛ فكنت في بعض أمري محسناً، ولأهل الدين رضاً، فما أحدثت بعد في أمري ما يسخط الله، وتسخطون مما لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني وسربلني سربال كرامته! وأنشدكم بالله، هل تعلمون لي من سابقة خير وسلف خير قدّمه الله لي، وأشهدنيه من حقه! وجهاد عدوّه حقّ على كلّ من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها. فمهلاً، لا تقتلوني؛ فإنه لا يحلّ إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إسلامه، أو تقل نفساً بغير نفس فيقتل بها؛ فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم؛ ثم لم يرفعه الله عزّ وجلّ عنكم إلى يوم القيامة. ولا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني لم تصلّوا من بعدي جميعاً أبداً، ولم تقتسموا بعدي فيئاً جميعاً أبداً، ولن يرفع الله عنكم الاختلاف أبداً.
قالوا له: أمّا ما ذكرت من استخارةِ الله عزّ وجلّ الناس بعد عمر رضي الله عنه فيمن يولّون عليهم، ثم ولّوك بعد استخارة الله؛ فإنّ كلّ ما صنع الله الخيرة؛ ولكن الله سبحانه جعل أمرك بليّةً ابتلى بها عباده. وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فإنك قد كنت ذا قدمٍ وسلفٍ، وكنت أهلاً للولاية؛ ولكن بدّلت بعد ذلك، وأحدثت ما قد علمت. وأما ما ذكرت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء؛ فإنه لا ينبغي ترك إقامة الحقّ عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً. وأما قولك: إنه لا يحلّ إلاّ قتل ثلاثة؛ فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سمّيت؛ قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى ثم قاتل لعى بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه؛ وقد بغيت، ومنعت الحقّ، وحلت دونه؛ وكابرت عليه؛ تأبى أن تقيد من نفسك من ظلمت عمداً، وتمسّكت بالإمارة علينا وقد جرت في حكمك وقسمك! فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه، وأنّ الذين قاموا دونك ومنعوك منّا إنما يقاتلون بغير أمرك؛ فإنما يقاتلون لتمسّكك بالإمارة؛ فلو أنّك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك.
ذكر بعض سير عثمان بن عفان رضي الله عنهحدّثني زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا هشيم، قال: زعم أبو المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد؛ فإذا أنا بعثمان بن عفان متّكئاً على ردائه، فأتاه سقّاءان يختصمان، فقضى بينهما.
وفيما كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمارة بن القعقاع، عن الحسن البصريّ، قال: كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلاّ بإذن وأجلٍ، فشكوه فبلغه، فقام فقال: ألا إنّي قد سننت الإسلام سنّ البعير؛ يبدأ فيكون جذعاً، ثم ثنيّاً، ثم رباعيّاً، ثم سديساً، ثم بازلا، ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان! ألا فإنّ الإسلام قد بزل. ألا وإنّ قريشاً يريدون أن يتّخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حيّ فلا؛ إني قائم دون شعب الحرّة، آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا، ورآهم الناس، انقطع إليهم من لم يكن له طول ولا مزيّة في الإسلام؛ فكان مغموماً في الناس، وصاروا أوزاعاً إليهم وأمّلوهم، وقتدّموا في ذلك فقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم، وتقدّمنا في التقرّب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أوّل وهنٍ دخل على الإسلام؛ وأوّل فتنة كانت في العامّة، ليس إلا ذلك.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لم يمت عمر رضي الله عنه حتى ملّته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة، فامتنع عليهم، وقال: إنّ أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد؛ فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو - وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين؛ ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة - فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما يبلّغك؛ وخير لك من الغزو اليوم ألاّ ترى الدنيا ولا تراك، فلما ولي عثمان خلّى عنهم، فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، فكان أحبّ إليهم من عمر.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما ولي عثمان حجّ سنواته كلها إلا آخر حجّة، وحجّ بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم كما كان يصنع عمر؛ فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه؛ وجعل في موضع نفسه سعيد بن زيد؛ هذا في مؤخّر القطار، وهذا في مقدّمه، وأمن الناس؛ وكتب في الأمصار أن يوافيه العمّال في كلّ موسم ومن يشكونهم. وكتب إلى الناس إلى الأمصار؛ أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ولا يذلّ المؤمن نفسه، فإني مع الضعيف على القويّ ما دام مظلوماً إن شاء الله. فكان الناس بذلك، فجرى ذلك إلى أن اتّخذه أقوامٌ وسيلةً إلى تفريق الأمة.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لم تمض سنة من إمارة عثمان حتى اتّخذ رجال من قريش أموالاً في الأمصار، وانقطع إليهم الناس، وثبتوا سبع سنين، كلّ قوم يحبّون أن يليَ صاحبهم. ثم إنّ ابن السوداء أسلم، وتكلّم وقد فاضت الدنيا، وطلعت الأحداث على يديه، فاستطالوا عمر عثمان رضي الله عنه.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عثمان بن حكيم ابن عبّاد بن حنيف، عن أبيه، قال: أوّل منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدّنيا، وانتهى وسع الناس طيران الحمام والرّمي على الجلاهقات، فاستعمل عليها عثمان رجلاً من بني ليث سنة ثمان، فقصّها وكسر الجلاهقات.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب، قال: أوّل من منع الحمام الطيّارة والجلاهقات عثمان؛ ظهرت بالمدينة فأمرّ عليها رجلاً، فمنعهم منها.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، عن أبيه نحواً منه؛ وزاد: وحدث بين الناس النّشو. قال: فأرسل عثمان طائفاً يطوف عليهم بالعصا، فمنعهم من ذلك، ثم اشتدّ ذلك فأفشى الحدود، ونبّأ ذلك عثمان، وشكاه إلى الناس، فاجتمعوا على أن يجلدوا في النبيذ، فأخذ نفر منهم فجلدوا.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر بن الفضيل، عن سالم بن عبد الله، قال: لما حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجال إلى الأمصار مجاهدين، وليدنوا من العرب؛ فمنهم من أتى البصرة، ومنهم من أتى الكوفة، ومنهم من أتى الشام، فهجموا جميعاً من أبناء المهاجرين بالأمصار على مثل ما حدث في أبناء المدينة إلاّ ما كان من أبناء الشام، فرجعوا جميعاً إلى المدينة إلاّ من كان بالشام، فأخبروا عثمان بخبرهم؛ فقام عثمان في الناس خطيباً، فقال: يا أهل المدينة؛ أنتم أصل الإسلام؛ وإنّما يفسد الناس بفسادكم، ويصلحون بصلاحكم؛ والله والله والله لا يبلغني عن أحد منكم حدث أحدثه إلاّ سيّرته؛ ألا فلا أعرفنّ أحداً عرض دون أولئك بكلام ولا طلب، فإنّ من كان قبلكم كانت تقطع أعضاؤهم دون أن يتكلم أحد منهم بما عليه ولا له. وجعل عثمان لا يأخذ أحداً منهم على شرّ أو شهر سلاح: عصاً فما فوقها إلاّ سيّره؛ فضجّ آباؤهم من ذلك حتى بلغه أنهم يقولون: ما أحدث التسيير إلاّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سيّر الحكم بن أبي العاص، فقال: إنّ الحكم كان مكيّاً، فسيّره رسول الله صلى الله عليه وسلّم منها إلى الطائف، ثم ردّه إلى بلده؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلّم سيّره بذنبه، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم ردّه بعفوه. وقد سيّر الخليفة من بعده؛ وعمر رضي الله عنه من بعد الخليفة، وايمُ الله لآخذنّ العفو من أخلاقكم، ولأبذلنّه لكم من خلقي؛ وقد دنت أمور، ولا أحبّ أن تحلّ بنا وبكم؛ وأنا على وجلٍ وحذر، فاحذروا واعتبروا.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ويحيى بن سعيد، قالا: سأل سائل سعيد بن المسيّب عن محمد بن أبي حذيفة: ما دعاه إلى الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيماً في حجر عثمان، فكان عثمان والي أيتام أهل بيته؛ ومحتمل كلّهم؛ فسأل عثمان العمل حين وُلّيَ، فقال: يا بنيّ، لو كنت رضاً ثم سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك! قال: فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني، قال: اذهب حيث شئت؛ وجهّزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغيّر عليه أن منعه الولاية. قيل: فعمّار بن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان، فأورث ذاك بين آل عمّار وآل عتبة شراً حتى اليوم، وكنى عمّا ضربا عليه وفيه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد بن ثابت، قال: فسألت ابن سليمان بن أبي حثمة، فأخبرني أنه تقاذف.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر، قال: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر: ما دعاه إلى ركوب عثمان؟ فقال: الغضب والطمع، قلت: ما الغضب والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغرّه أقوام فطمع. وكانت له دالّة فلزمه حقّ، فأخذه عثمان من ظهره، ولم يدهن؛ فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مذمّما بعد أن كان محمّدا.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر، عن سالم بن عبد الله، قال: لما ولّيَ عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعاً، ولم يعطّل حقّاً، فأحبّوه على لينه، فأسلمهم ذلك إلى أمر الله عزّ وجلّ.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم، قال: كان مما أحدث عثمان فرضي به منه أنه ضرب رجلاً في منازعة استخفّ فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له، فقال: نعم، أيفخّم رسول الله صلى الله عليه وسلّم عمّه، وأرخّص في الاستخفاف به! لقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلّم من فعل ذلك، ومن رضي به منه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن رزيق بن عبد الله الرازيّ، عن علقمة بن مرثد، عن حمران بن أبان؛ قال: أرسلني عثمان إلى العباس بعد ما بويع، فدعوته إليه، فقال: مالك تعبّدتني! قال: لم أكن قطّ أحوج إليك مني اليوم، قال: الزم خمساً؛ لا تنازعك الأمة خزائمها ما لزمتها، قال: وما هنّ؟ قال: الصبر عن القتل، والتحبّب، والصفح، والمداراة، وكتمان السرّ.
وذكر محمد بن عمر، قال: حدّثني ابن أبي سبرة، عن عمرو بن أميّة الضّمريّ، قال: إن قريشاً كان من أسنّ منهم مولعاً بأكل الخزيرة؛ وإني كنت أتعشّى مع عثمان خزيراً من طبخ من أجود ما رأيت قطّ، فيها بطون الغنم، وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان: كيف ترى هذا الطعام؟ فقلت: هذا أطيب ما أكلت قطّ، فقال: يرحم الله ابن الخطّاب! أكلت معه هذه الخزيرة قطّ؟ قلت: نعم؛ فكادت اللقمة تفرث في يدي حين أهوي بها إلى فمي؛ وليس فيها لحم؛ وكان أدمها السمن ولا لبن فيها. فقال عثمان: صدقت، إنّ عمر رضي الله عنه أتعب والله من تبع أثره؛ وإنه كان يطلب بثنيه عن هذه الأمور ظلفاً. أما والله ما آكله من مال المسلمين؛ ولكني آكله من مالي؛ أنت تعلم أني كنت أكثر قريش مالاً، وأجدّهم في التجارة؛ ولم أزل آكل من الطعام ما لان منه؛ وقد بلغت سنّاً فأحبّ الطعام إليّ ألينه؛ ولا أعلم لأحد عليّ في ذلك تبعةً.
قال محمد: وحدّثني ابن أبي سبرة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، قال: كنت أفطر مع عثمان في شهر رمضان؛ فكان يأتينا بطعام هو ألين من طعام عمر، قد رأيت على مائدة عثمان الدّرمك الجيّد وصغار الضأن كلّ ليلة؛ وما رأيت عمر قطّ أكل من الدقيق منخولا، ولا أكل من الغنم إلاّ مسانّها، فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمر! ومن يطيق ما كان عمر يطيق! قال محمد: وحدّثني عبد الملك بن يزيد بن السائب، عن عبد الله بن السائب، قال: أخبرني أبي، قال: أوّل فسطاط رأيته بمنىً فسطاط لعثمان، وآخر لعبد الله بن عامر بن كريز، وأوّل من زاد النداء الثالث يوم الجمعة على الزّوراء عثمان، وأوّل من نخل له الدقيق من الولاة عثمان رضي الله عنه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: بلغ عثمان أنّ ابن ذي الحبكة النّهديّ يعالج نيرنجاً - قال محمد بن سلمة: إنما هو نيرج - فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك؛ فإن أقرّ به فأوجعه، فدعا به فسأله، فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه؛ فأمر به فعزّر، وأخبر الناس خبره، وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جدّ بكم، فعليكم بالجدّ؛ وإياكم والهزّال؛ فكان الناس عليه؛ وتعجّبوا من وقوف عثمان على مثل خبره، فغضب، فنفر في الذين نفروا، فضرب معهم، فكتب إلى عثمان فيه، فلما سيّر إلى الشأم من سيّر، سيّر كعب بن ذي الحبكة ومالك ابن عبد الله - وكان دينه كدينه - إلى دنباوند؛ لأنها أرض سحرة، فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد:
لعرمي لئن طردتني ما إلى التي ... طمعت بها من سقطتي لسبيل
رجوت رجوعي يا بن أروى ورجعتي ... إلى الحقّ دهراً غال ذلك غول
وإنّ اغترابي في البلاد وجفوتي ... وشتمي في ذات الإله قليل
وإنّ دعائي كلّ يوم وليلة ... عليك بدنباوندكم لطويل
فلما ولي سعيد أقله، وأحسن إليه واستصلحه، فكفره، فلم يزدد إلا فساداً. واستعار ضابىء بن الحارث البرجميّ في زمان الوليد بن عقبة من قوم من الأنصار كلباً يدعى قرحان، يصيد الظباء، فحبسه عنهم، فنافره الأنصاريون، واستغاثوا عليه بقومه فكاثروه، فانتزعوه منه وردّوه على الأنصار، فهجاهم وقال في ذلك:
تحشّم دوني وفد قرحان خطةً ... تضلّ لها الوجناء وهي حسير
فباتوا شباعاً ناعمين كأنما ... حباهم ببيت المرزبان أمير
فكلبكم لا تتركوا فهو أمّكم ... فإنّ عقوق الأمّهات كبير
فاستعدوا عليه عثمان، فأرسل إليه، فعزّره وحبسه كما كان يصنع بالمسلمين، فاستثقل ذلك، فما زال في الحبس حتى مات فيه. وقال في الفتك يعتذر إلى أصحابه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت وولّيت البكاء حلائله
وقائلة قد مات في السجن ضابىء ... ألا من لخصم لم يجد من يجادله!
وقائلة لا يبعد الله ضابئاً ... فنعم الفتى تخلو به وتحاوله
فلذلك صار عمير بن ضابىء سبئياً.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن المستنير، عن أخيه، قال: والله ما علمت ولا سمعت بأحد غزا عثمان رضي الله عنه، ولا ركب إليه إلاّ قتل؛ لقد اجتمع بالكوفة نفر، فيهم الأشتر وزيد بن صوحان وكعب ابن ذي الحبكة وأبو زينب وأبو مورّع وكميل بن زياد وعمير بن ضابىء، فقالوا: لا والله لا يرفع رأس مادام عثمان على الناس؛ فقال عمير بن ضابىء وكميل بن زياد: نحن نقتله. فركبا إلى المدينة؛ فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل بن زياد فإنه جسر وثاوره؛ وكان جالساً يرصده حتى أتى عليه عثمان، فوجأ عثمان وجهه، فوقع على استه، وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين! قال: أولست بفاتك! قال: لا والله الذي لا إله إلاّ هو؛ فحلف وقد اجتمع عليه الناس، فقالوا: نفتّشه يا أمير المؤمنين، فقال: لا، قد زرق الله العافية، ولا أشتهي أن أطّلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتدْ منّي - وجثا - فوالله ما حسبتك إلاّ تريدني، وقال: إن كنت صادقاً فأجزل الله، وإن كنت كاذباً فأذلّ الله. وقعد له على قدميه وقال: دونك! قال: قد تركت. فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما، فلمّا قدم الحجّاج قال: من كان من بعث المهلّب فليواف مكتبه؛ ولا يجعل على نفسه سبيلا. فقام إليه عمير، وقال: إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويّان؛ فأخرج أحدهما مكاني أو كليهما، فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابىء، فقال: والله لقد عصيت الله عزّ وجلّ منذ أربعين سنة؛ ووالله لأنكلّنّ بك المسلمين، غضبت لسارق الكلب ظالماً، إنّ اباك إذ غل لهمّ؛ وإنّك هممت ونكلت، وإني أهمّ ثم لا أنكل. فضربت عنقه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، قال: حدّثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان رضي الله عنه فيمن غزاه؛ فلما قدم الحجّاج ونادى بما نادى به، عرض رجل عليه ما عوض نفسه، فقبل منه، فلما ولّى قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمّني، قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال:
ذكّرتني الطعن وكنت ناسياً
أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم، كميل، قال: عليّ بعمير، فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب؛ فأخذ النّخع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر! فقال: أما والله لتحبسنّ عني لسانك أو لأحسّنّ رأسك بالسيف. قال: أفعل. فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف وهما ألفا مقاتل، قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سبي وحرموا. فخرج حتى أتى الحجّاج، فقال له الحجّاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترض حتى أقعدته للقصاص إذ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أيّ ذلك تقتلني! تقتلني على عفوه أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرز، اقتله؛ قال: والأجر بيني وبينك؟ قال: نعم، قال أدهم: بل الأجر لك؛ وما كان من إثم فعليّ. وقال مالك بن عبد الله - وكان من المسيّرين:
مضت لابن أروى في كميل ظلامة ... عفاها له والمستقيد يلام
وقال له لا أقبح اليوم مثلةً ... عليك أبا عمرو وأنت إمام
رويدك رأسي والذي نسكت له ... قريش بنا على الكبير حرام
وللعفو أمن يعرف الناس فضله ... وليس علينا في القصاص أثام
ولو علم الفاروق ما أنت صانع ... نهى عنك نهياً ليس فيه كلام
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، عن سحيم بن حفص، قال: كان ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب شريك عثمان في الجاهليّة، فقال العباس بن ربيعة لعثمان: اكتب لي إلى ابن عامر يسلفني مائة ألف؛ فكتب، فأعطاه مائة ألف وصله بها، وأقطعه داره؛ دار العباس ابن ربيعة اليوم.
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى ابن طلحة، قال: كان لعثمان على طلحة خمسون ألفاً فخرج عثمان يوماً إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيّأ مالك فاقبضه، قال: هو لك يا أبا محمد معونةً لك على مروءتك..
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، عن عبد ربّه، عن نافع، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال عليّ لطلحة: أنشدك الله إلاّ رددت الناس عن عثمان! قال: لا والله حتى تعطي بنو أمية الحقّ من أنفسها.
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ، قال: حدثنا أبو بكر البكريّ، عن هشام بن حسان، عن الحسن؛ أنّ طلحة بن عبيد الله باع أرضاً له من عثمان بسبعمائة ألف، فحملها إليه، فقال طلحة: إنّ رجلا تتّسق هذه عنده وفي بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله عزّ وجلّ لغرير بالله سبحانه! فبات ورسوله يختلف بها في سكك المدينة يقسمها حتى أصبح، فأصبح وما عنده منها درهم. قال الحسن: وجاء هاهنا يطلب الدينار والدرهم - أو قال: الصفراء والبيضاء.
وحجّ بالناس في هذه السنة - أعني سنة خمس وثلاثين - عبد الله بن عباس بأمر عثمان إياه بذلك؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر.
ذكر الخبر عن السبب الذي من أجلهأمر عثمان ابن عباس أن يحجّ بالناس في هذه السنة
ذكر محمد بن عمر الواقديّ أنّ أسامة بن زيد حدّثه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما حصر عثمان الحصر الآخر قال عكرمة: فقلت لابن عبّاس: أوكانا حصرين؟ فقال ابن عباس: نعم، الحصر الأوّل، حصر اثنتي عشرة - وقدم المصريون فلقيهم عليّ بذي خشب؛ فردّهم عنه؛ وقد كان والله عليّ له صاحب صدق، حتى أوغر نفس عليّ عليه؛ جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ فيتحمّل؛ ويقولون: لو شاء ما كلّمك أحد؛ وذلك أن عليّاً كان يكلمه وينصحه ويغلظ عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمّه وابن عمته؛ فما ظنّك بما غاب عنك منه! فلم يزالوا بعليّ حتى أجمع ألاّ يقوم دونه؛ فدخلت عليه اليوم الذي خرجت فيه إلى مكة، فذكرت له أنّ عثمان دعاني إلى الخروج فقال لي: ما يريد عثمان أن ينصحه أحدٌ؛ اتّخذ بطانة أهل غشّ ليس منهم أحد إلاّ قد تسبّب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذلّ أهلها؛ فقلت له: إنّ له رحماً وحقّاً؛ فإن رأيت أن تقوم دونه فعلت؛ فإنك لا تعذر إلا بذلك.
قال ابن عباس: فالله يعلم أنّي رأيت فيه الانكسار والرّقة لعثمان؛ ثم إني لأراه يؤتى إليه عظيم. ثم قال عكرمة: وسمعت ابن عباس يقول: قال لي عثمان: يا بن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص وهو بمكة، فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام، ويقول لك: إني محصور منذك كذا وكذا يوماً، لا أشرب إلاّ من الأجاج من داري، وقد منعت بئراً اشتريتها من صلب مالي، رومة؛ فإنما يشربها الناس ولا اشرب منها شيئاً، ولا آكل إلاّ مما في بيتي، منعت أن آكل مما في السوق شيئاً وأنا محصور كما ترى؛ فأمره وقل له: فليحجّ بالناس؛ وليس بفاعل؛ فإن أبي فاحجج أنت بالناس.
فقدمت الحجّ في العشر، فجئت خالد بن العاص، فقلت له ما قال لي عثمان، فقال لي: هل طاقة بعداوة من ترى؟ فأبى أن يحجّ وقال: فحجّ أنت بالناس: فأنت ابن عمّ الرجل؛ وهذا الأمر لا يفضي إلاّ إليه - يعني عليّاً - وأنت أحقّ أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس، ثم قفلت في آخر الشهر، فقدمت المدينة وإذا عثمان قد قتل؛ وإذا الناس يتواثبون على رقبة علي بن أبي طالب. فلما رآني عليّ ترك الناس، وأقبل عليّ فانتجاني، فقال: ما ترى فيما وقع؟ فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به؛ فقلت: أرى أنه لا بدّ للناس منك اليوم؛ فأرى أنه لا يبايع اليوم أحدٌ إلاّ اتّهم بدم هذا الرجل، فأبى إلاّ أن يبايع فاتّهم بدمه.
قال محمد: فحدّثني ابن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قال لي عثمان رضي الله عنه: إني قد استعملت خالد بن العاص بن هشام على مكة؛ وقد بلغ أهل مكة ما صنع الناس؛ فأنا خائف أن يمنعوه الموقف فيأبى، فيقاتلهم في حرم الله جلّ وعزّ وأمنه. وإن قوماً جاءوا من كلّ فجّعميق، ليشهدوا منافع لهم؛ فرأيت أن أولّيك أمر الموسم. وكتب معه إلى أهل الموسم بكتاب يسألهم أن يأخذوا له بالحقّ ممن حصره. فخرج ابن عباس، فمرّ بعائشة في الصّلصل؛ فقالت: يا بن عباس؛ أنشدك الله - فإنك قد أعطيت لساناً إزعيلا - أن تخذّل عن هذا الرجل، وأن تشكّك فيه الناس؛ فقد بانت لهم بصائرهم وأنهجت، ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد حمّ؛ وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتّخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر، قال: قلت يا أمّه لو حدث بالرّجل حدث ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا. فقالت: إيهاً عنك! إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك.
قال ابن أبي سبرة: فأخبرني عبد المجيد بن سهيل؛ أنه انتسخ رسالة عثمان التي كتب بها من عكرمة، فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين؛ سلام عليكم، فإنّي أذكّركم بالله جلّ وعزّ الذي أنعم عليكم وعلّمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البيّنات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدوّ، وأسبغ عليكم نعمتع؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول وقوله الحق: " وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفَّار " .
وقال عزّ وجلّ: " يأيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله حقَّ تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون واعتصمموا بحبل الله جميعاً " إلى قوله: " لهم عذاب عظيم " . وقال وقوله الحقّ: " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الَّذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا " . وقال وقوله الحقّ: " يأيُّها الَّذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ " إلى قوله: " فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم " . وقوله عزّ وجلّ: " إنَّ الَّذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً " إلى " ولهم عذاب أليم " . وقال وقوله الحق: " فاتٌّقوا الله ما استطعم " إلى " فأولئك هم المفلحون " . وقال وقوله الحق " : " ولاتنقضوا الإيمان بعد توكيدها " إلى قوله: " ولنجزينَّ الَّذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " . وقال وقوله الحق: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم " إلى " وأحسن تأويلاً " . وقال وقوله الحق: م " وعد الله الَّذين آمنوا منكم وعملوا الصَّالحات " إلى قوله: " ومن مكفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " . وقال وقوله الحق: " إنَّ الَّذين يبايعونك إنَّما يبايعون الله " إلى " فسيؤتيه أجراً عظيماً " .
أما بعد، فإنّ الله عزّ وجلّ رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذّركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدّم إليكم فيه ليكون له الحجّة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عزّ وجلّ واحذروا عذابه؛ فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلاّ من بعد أن تختلف؛ إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعاً، وسلِّط عليكم عدوّكم، ويستحلّ بعضكم حرم بعض؛ ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا مشيعاً، وقد قال الله جلّ وعزّ لرسوله صلى الله عليه وسلّم: " إنَّ الَّذين فرَّقوا دينهم وكانوا شعياً لست منهم في شيء إنَّما أمرهم إلى الله ثمَّ ينبِّئهم بما كانوا يفعلون " . وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذّركم عذابه؛ فإن شعيباً صلى الله عليه وسلّم قال لقومه: " ويا قوم لا يجر منَّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح " إلى قوله: " رحيم ودود " .
أما بعد؛ فإنّ أقواماً ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس أنَّما يدعون إلى كتاب الله عزّ وجلّ والحقّ، ولا يريدون الدّنيا ولا منازعة فيها؛ فلما عرض عليهم الحقّ إذا الناس في ذلك شتى؛ منهم آخذ للحقّ، ونازع عنه حين يعطاه؛ ومنهم تارك للحقّ ونازل عنه في الأمر، يريد أن يبتزّه بغير الحقّ؛ طال عليهم عمري، وراث عليهم. أملهم الإمرة؛ فاستعجلوا القدر؛ وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم؛ ولا أعلم أنيّ تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئاً؛ كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، فقلت: أقيموها على من علمتم تعدّاها في أحد، أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد. قالوا: كتاب الله يتلى، فقلت: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب. وقالوا: المحروم يرزق، والمال يوفَّى ليستنّ فيه السنّة الحسنة، ولا يعتدي في الخمس ولا في الصدقة، ويؤمَّر ذو القوّة والأمانة، وتردُّ مظالم مالناس إلى أهلها؛ فرضيت بذلك واصطبرت له؛ وجئت نسوة مالنبيّ صلى الله عليه وسلّم محتى كلّمتهنّ، فقلت: ما تأمرنني؟ فقلن: تؤمِّر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس وتدع معاوية؛ فإنما أمّره أمير قبلك؛ فإنه مصلح لأرضه، راض به جنده؛ واردد عمراً؛ فإنّ جنده راضون به، وامّره فليصلح أرضه؛ فكلّ ذلك فعلت. وإنه اعتدى عليّ بعد ذلك، وعدي على الحقّ.
كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر؛ استعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين المسجد، وابتزُّوا ما قدروا عليه بالمدينة.
كتبت إليكم كتابي هذا؛ موهم يخيّرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكلّ رجل أصبتهه خطأ أو صواباً، غير متروك منه شيء؛ وإمّا أعتزل الأمر فيؤمِّرون آخر غيري، وإمّا يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرّءون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة. فقلت لهم: إمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطيء وتصيب؛ فلم يستقد من أحد منهم؛ وقد علمت أنما يريدون نفسي؛ وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فأن يكلبوني أحبّ إلي من أن أتبرّأ من عمل الله عز وجل وخلافته. وأما قولكم: يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرءون من طاعتي؛ فلست عليكم بوكيل؛ ولم أكن استكرهتهم من مقبل على السمع والطاعة؛ ولكن أتوها طائعين، يبتغون مرضاة الله عزّ وجلّ وإصلاح ذات البين؛ ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضات الله عزّ وجلّ والسنّة الحسنة التي استنّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم والخليفتان من بعده رضي الله عنهما؛ فإنما يجزي بذلكم الله؛ وليس بدي جزاؤكم؛ ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثم لدينكم، ولم يغن معنكم شيئاً، فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده؛ فمن يرض بالنَّكث منكم فإني لا أرضاه له، ولا يرضي الله سبحانه أن تنكثوا عهده. وأما الذي يخيّرونني فإنما كله النزع والتأمير. فملكت نفسي ومن معي؛ ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه، وكرهت سنَّة السوء وشقاق الأمّة وسفك الدماء؛ فإني أنشدكم بالله والإسلام ألاّ تأخذوا إلاّ الحق وتعطوه مني وترك البغي على أهله، وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله عزّ وجلّ، فإني أنشدكم الله سبحانه الذي جعل عليكم العهد والموازرة في أمر الله؛ فإنّ الله سبحانه قال وقوله الحق: " وأفووا بالعهد إنَّ العهد كان مسئولاً " ، فإنّ هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكّرون.
أما بعد، فإني لا أبرىء نفسي، " إنّ النَّفس لأمَّارة بالسُّوء إلاَّ ما رحم ربِّ إنَّ ربِّي غفور رحيم " ، وإن عاقبت أقواماً فما ابتغي بذلك إلاّ الخير، وإني أتوب إلى الله عزّ وجلّ من كلّ عمل عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلاّ هو، إنّ رحمة ربي وسعت كلّ شيء، إنه لا يقنط من رحمة الله إلاّ القوم الضَّالون، وإنه يقبل التَّوبة عن عباده ويعفو عن السّيئات ويعلم ما يفعلون. أنا أسأل الله عزّ وجلّ أن يغفر لي ولكم، وأن يؤلّف قلوب هذه الأمة على الخير، ويكرّه إليها الفسق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها المؤمنون والمسلمون.
قال ابن عباس: فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التَّروية بمكة بيوم.
قال: وحدّثني ابن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن معبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: دعاني عثمان، فاستعملني على الحجّ. قال: فخرجت إلى مكة، فأقمت للنّاس الحجّ، وقرأت عليهم كتاب عثمان إليهم؛ ثم قدمت المدينة وقد بويع لعليّ.
ذكر الخبر عن الموضع الذي دفن فيه عثمانرضي الله عنه ومن صليّ عليه وولى أمره بعد ما قتل إلى فرغ من أمره ودفنه
حدّثني جعفر بن عبد الله المحمّديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد وعلي ابن حسين، قالا: حدّثنا حسين بن عيسى، عن أبيه، عن أبي ميمونة، عن أبي بشير العابديّ، قال: نبذ عثمان رضي الله عنه ثلاثة أيام لا يدفن، ثم إن حكيم بن حزام القرشيّ ثم أحد بني أسد بن عبد العزّي، وجبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، كلّما عليّاً في دفنه، وطلباً إليه أن يأذن لأهله في ذلك، ففعل، وأذن لهم عليّ، فلما سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله؛ وهم يريدون به حائطاً بالمدينة، ياقل له: حشّ كوكب. كانت اليهود تدفن فيه موتاهم؛ فلما خرج به على الناس رجموا سريره، وهمّوا بطرحه، فبلغ ذلك عييّاً، فأرسل إليهم يعزم عليهم ليكفّنّ عنه، ففعلوا، فانطلق حتى دفن رضي الله عنه في حشّ كوكب؛ فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع؛ فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتّصل ذلك بماقبرالمسلمين.
وحدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ قالا: حدثنا حسين، عن أبيه، عن المجالد بن سعيد الهمدانيّ، عن يسار بن أبي كرب، عن أبيه.
وكان أبو كرب عاملاً على بيت مال عثمان، قال: دفن عثمان رضي الله عنه بين المغرب والعتمة؛ ولم يشهد جنازته إلاّ مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة، فناحت ابنته ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة وقالوا: نعثل نعثل! وكادت ترجم؛ فقالوا: الحائط الحائط؛ فدفن في حائط خارجاً.
وأم الواقديّ فإنه ذكر أنّ سعد بن راشد حدّثه عن صالح بن كيسان، أنه قال: لم قتل عثمان رضي الله عنه قال رجل: يدفن بدير سلع مقبرة اليهود، فقال حيكم بن حزام: والله لا يكون هذا أبداً وأحد من ولد قصيّ حيُّ؛ حتى كاد الشرّ يلتحم، فقال ابن عديس البلويّ: أيّها الشيخ، وما يضرّك أين يدفن! فقال حكيم بن حزام: لا يدفن إلا ببقيع الغرقد حيث دفن سلفه وفرطه؛ فخرج به حكيم بن حزام في أثني عشر رجلاً، وفيهم الزّبير، فصلّى عليه حكيم بن حزام. قال الواقديّ: الثّبت عندنا أنه صلّىعليه جبير بن مطعم.
قال محمد بن عمر: وحدّثني الضّحّاك بن عثمان، عن مخرمة عن سليمان الوالبيّ،قال: قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة ضحوة، فلميقدروا على دفنه، وأرسلت نائلة ابنة الفارفصة إلى حويطب بن عبد العزَّي وجبير بن مطعم وأبي جهم بن حذيفة وحكيم بن حزام ونيار الأسلميّ، فقالوا: إنّا لا نقدر أن نخرج به نهاراً، وهؤلاء المصريّون على الباب، فأمهلوا محتى كان بين المغرب والعشاء، فدخل القوم، فحيل بينهم وبينه، فقال أبو جهم: والله لا يحول بيني وبينه أحد إلامتّ دونه؛ احملوه، فحمل إلى البقيع؛ قال: وتبعتهم نائلة بسراج الستسرجته بالبقيع وغلام لعثمان، حتى انتهوا إلى نخلات عليها حائط؛ فدقّوا الجدار، ثم قبروه في تلك النَّخلات، وصلّى عليه جبير ابن مطعم، فذهبت نائلة تريد أن تتكلم، فزبرها القوم، وقالو: إنا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء أن ينبشوه، فرجعت نائلة إلى منزلها.
قال محمد: وحدّثني معبد الله بن يزيد الهذليّ، عن عبد الله بن ساعدة، قال: لبث عثمان بعد ما قتل ليلتين لا يستطيعون دفنه، ثم حمله أربعة: حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبو جهم بن حذيفة؛ فلما وضع ليصلَّي عيه، جاء نفر من الأنصار يمنعونهم الصلاة عليه، فيهم أسلم بن أوس بن بجرة الساعديّ، وأبو حيّة المازنيّ، في عدّة؛ ومنعوهم أن يدفن بالبقيع؛ فقال أبو جهم: ادفنوه، فقد صلى الله عليه وملائكته، فقالوا لا والله، لا يدفن في مقابر المسلمين أبداً، فدفنوه في حشّ كوكب. فلما ملكت بنو أميّة أدخلوا ذلك الحشّ في البقيع؛ فهو اليوم مقبرة بني أميّة.
قال محمد: وحدّثني عبد الله بن موسى المخزوميّ، قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه أرادوا حزَّ رأسه، فوقعت عليه نائلة وأمّ النين، فمنعنهم، وصحن وضربن الوجوه، وخرقن ثيابهنّ، فقال ابن عديس: اتركوه؛ فأخرج عثمان ولم يغسل إلى البقيع، وأرادوا أن يصلّوا عليه في موضع الجنائز؛ فأبت الأنصار، وأقبل عمير بن ضابيء وعثمان موضوع على باب، فنزا عليه، فكسر ضلعاً من أضلاعه، وقال: سجنت ضابئاً حتى مات في السجن.
وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا أبو بكر ابن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدّثني عمّ جدّي الرّبيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، قال: كنت أحد حملة عثمان رضي الله عنه حين قتل: حملناه على باب، وإن رأسهع لتقرع الباب لإسراعنا به؛ وإنّ بنا من الخوف لأمراً عظيماً حتى واريناه في قبره في حشّ كوكب.
وأما سيف، فإنه روى فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عنه، عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة؛ أنّ عثمان لما قتل أرسلت نائلة إلى عبد الرحمن ابن عديس، فقالت له: إنك أمسّ القوم رحماً، وأولاهم بأن تقوم بأمري؛ أغرب عنِّي هؤلاء الأموات. قال فشتمها وزجرها؛ حتى إذا كان في جوف الليل خرج مروان حتى أتي دار عثمان، فأتاه زيد بن ثابت وطلحة بن عبيد الله وعليّ والحسن وكعب بن مالك وعامّة من ثمَّ من صحابه، فتوا في إلى موضع الجنائز صبيان ونساء؛ فأخرجوا عثمان فصلّى عليه مروان، ثمّ خرجوا به حتى انتهوا إلى البقيع، فدفنوه فيه مما يلي حشّ كوكب؛ حتى إذا أصبحوا أتوا أعبد عثمان الذين قتلوا معه فأخرجوهم فرأوهم فمنعوهم من أن يدفنوا، فأدخلوهم حشّ كوكب؛ فلما أمسوا خرجوا بعبدين منهم فدفنوهما إلى جنب عثمان، ومع كلّ واحد منهما خمسة نفر وامرأة؛ فاطمة أم إبراهيم بن عديّ. ثم رجعوا فأتوا كنانة بن بشر، فقالوا: إنك أمسّ القوم بنا رحماً، فأمر بهاتين الحيفيتين اللّتين في الدار أن تخرجا، فكلّمهم في ذلك، فأبوا، فقال: أنا جار لآل عثمان من أهل مصر ومن لفّ لفهم، فأخرجوهما فارموا بهما؛ فجرّا بأرجلهما فرمى بهما على البلاط، فأكلتهما الكلاب؛ وكان لاعبدان اللذان قتلا يوم الدار يقال لهما نجيع وصبيح؛ فكان أسماهما الغالب على الرقيق لفضلهما وبلائهما؛ ولم يحفظ الناس اسم الثالث، ولم يغسل عثمان، وكفِّن في ثيابه ودمائه ولا غسل غلاماه.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ قال: دفن عثمان رضي الله عنه من اللّيل، وصلّى عليه مروان بن الحكم، وخرجت ابنته تبكي في أثره، ونائلة ابنة الفرافصة، رحمهم الله.
ذكر الخبر عن الوقت الذي قتل فيه عثمان
رضي الله عنه
اختلف في ذلك بعد إجماع جميعهم على أنه قتل في ذي الحجّة، فقال بعضهم: قتل لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، فقال الجمهور منهم: قتل لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين.
ذكر الرواية بذلك عن بعض من قال إنه قتل في سنة ست وثلاثين: حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن عثمان بن محمد الأخنسيّ، قال الحارث: وحدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد، عن أبيه، قال: قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة غير اثني عشر يوماً؛ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
وقال أبو بكر: أخبرنا مصعب بن عبد الله، قال: قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين بعد العصر.
وقال آخرون: قتل في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين لثماني عشرة ليلة خلت منه.
ذكر من قال ذلك: حدثّني جعفر بن عبد الله، قال: حدّثنا عمرو بن حماد وعلي، قالا: حدّثنا حسن، عن أبيه، عن المجالد بن سعيد الهمدانيّ، عن عامر الشعبيّ، أنه قال: حصر عثمان بن عفان رضي الله عنه في الدّار اثنتين وعشرين ليلة، وقتل صبحة ثماني عشر ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وعشرين من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وحدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، قال: قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلاّ اثني عشر يوماً.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين يوماً من مقتل عمر رضي الله عنه.
وحدثّت عن زكرياء بن عديّ، قال: حدّثنا عبيد الله بن عمرو، عن أبن عقيل، قال: قتل عثمان رضي الله عنه سنة خمس وثلاثين.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة، قالوا: قتل عثمان رضي الله عنه لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة يوم الجمعة في آخر ساعة.
وقال آخرون: قتل يوم الجمعة ضحوة.
ذكر من قال ذلك:
ذكر عن هشام بن الكلبيّ، أنه قال: قتل عثمان رضي الله عنه صبيحة الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا ثمانية أيام.
حدّثنا الحارث، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدّثني الضّحاك بن عثمان؛ عن مخرمة بن سلمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة ضحوة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين.
وقال آخرون: قتل في أيام التّشريق.
ذكر من قال ذلك: حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي أبو خيثمة، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: سمعت أبي قال: سمعت يونس بن زيد الأيليّ، عن الزُّهريّ، قال: قتل عثمان رضي الله عنه، فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التّشريق.
وقال بعضهم: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
ذكر الخبر عن قدر مدّة حياته
اختلف السلف قبلنا في ذلك، فقال بعضهم كانت مدّة ذلك اثنتين وثمانين سنة.
ذكر من قال ذلك: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر؛ أنّ عثمان رضي الله عنه قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
قال محمد بن عمر: وحدثني الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبيّ، قال: قتل عثمان رضي الله عنه وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
قال محمد: وحدثني سعد بن راشد عن صالح بن كيسان، قال: قتل عثمان رضي الله عنه وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر.
وقال آخرون: قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثماني.
ذكر من قال ذلك: حدّثت عن الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدّثنا أبو هلال؛ عن قتادة: أنّ عثمان رضي الله عنه قتل وهو ابن تسعين أو ثمان وثمانين سنة.
وقال آخرون: قتل وهو ابن خمس وسبعين سنة؛ وذلك قول ذكر عن هشام بن محمد.
وقال بعضهم: قتل وهو ابن ثلاث وستين، وهذا قول نسبه سيف بن عمر إلى جماعة. كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، أن أبا حارثة وأبا عثمان ومحمداً وطلحة، مقالوا: قتل عثمان رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين سنة.
وقال آخرون: قتل وهو ابن ستّ وثمانين.
ذكر من قال ذلك: حدّثني محمد بن موسى الحرشيّ، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، قال: قتل عثمان رضي الله عنه وهو ابن ستّ وثمانين.
ذكر الخبر عن صفة عثمانحدّثني زياد بن أيُّوب، قال: حدّثنا هشيم، قال: زعم أبو المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: دخلت المسجد؛ فإذا أنا بعثمان رضي الله عنه متكئاً على ردائه، فنظرت إليه؛ فإذا رجل حسن الوجه؛ وإذا بوجهه نكتات من جدريّ؛ وإذا شعره قد كسا ذراعيه.
حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: سألت عمرو بن عبد الله بن عنبسة وعروة بن خالد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان وعبد الرحمن بن أبي الزّناد عن صفة عثمان، فلم أر بينهم اختلافاً، قالوا: كان رجلاً ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه، رقيق البشرة، كثّ اللحية عظيمها؛ أسمر اللون، عظيم الكراديس؛ عظيم ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفّر لحيته.
وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت أبي يقول: سمعت يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزُّهريّ، قال: كان عثمان رجلاً مربوعاً، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع أروح الرّجلين.
ذكر الخبر عن وقت إسلامه وهجرتهحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: كان إسلام عثمان قديماً قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلّم دار الأرقم. قال: وكان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعاً امرأته رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ذكر الخبر عما كان يكنى به عثمان بن عفان
رضي الله عنه
حدّثني الحارث بن محمد، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر أنّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما كان في الإسلام ولد له من رقيّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم غلام فسّماه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله؛ فبلغ عبد الله ستة سنين، فنقره ديك على عينه، فمرض فمات في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة، فصلّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ونزل في حفرته عثمان رضي الله عنه.
وقال هشام بن محمد: كان يكنى أبا عمرو.
ذكر نسبههو عثمان بن عفان بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ. وأمه أروى ابنة كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، وأمّها أم حكيم بنت عبد المطلب.
ذكر أولاده وأزواجهرقيّة وأم كلثوم ابنتا رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ ولدت له رقيّة عبد الله.
وفاختة ابنة غزوان بن جابر بن نسيب بن وهيب بن زيد بن مالك ابن عبد بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. ولدت له ابناً فسماه عبد الله؛ وهو عبد الله الأصغر، هلك.
وأمّ عمرو بنت جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث بن رفاعة بن سعد بن ثعلبة بن لؤيّ بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس، من الأزد؛ ولدت له عمراً وخالداً وأباناً وعمر ومريم.
وفاطمة ابنة الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له الوليد وسعيداً وأمَّ سعيد، بني عثمان.
وأمّ البنين بنتعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ؛ ولدت له عبد الملك بن عثمان، هلك.
ورملة ابنة شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ؛ ولدت له عائشة وأمّ أبان وأمّ عمرو، بنات عثمان.
ونائلة ابنة الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن عديّ بن جناب بن كلب؛ ولدت له مريم ابنة عثمان.
وقال هشام بن الكلبيّ: ولدت أمّ البنين بنت عيينة بن حصن لعثمان عبد الملك وعتبة. وقال أيضاً: ولدت نائلة عنبسة.
وزعم الواقديّ أن لعثمان ابنة تدعى أمّ البنين بنت عثمان من نائلة، قال: وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.
وقتل عثمان رضي الله عنه وعنده رملة ابنة شيبة ونائلة وأمّ البنين بنت عيينة وفاختة ابنة غزوان؛ غير أنه - فيما زعم عليّ بن محمد - طلَق أمّ البنين وهو محصور.
فهؤلاء أزواجه اللّواتي كنّ له في الجاهليّة والإسلام وأولاده: رجالهم ونساؤهم.
ذكر أسماء عمَّال عثمان
رضي الله عنه في هذه السنة على البلدانقال محمد بن عمر: قتل عثمان رضي الله عنه وعمّاله على الأمصار - فيما حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد - على مكة عبد الله بن الحضرميّ، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثَّقفيّ، وعلى صنعاء يعلي بن منية، وعلى الجند عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر بن كريز - خرج منها فلم يولِّ عليها عثمان أحداً - وعلى الكوفة سعيد بن العاص - أخرج منها فلم يترك يدخلها - وعلى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح - قدم على عثمان، وغلب محمد بنأبي حذيفة عليها. وكان عبد الله بن سعد استخلف على مصر السائب ابن هشام بن عمرو العامريّ، فأخرجه محمد بن أبي حذيفة - وعلى الشأم معاوية ابن ابي سفيان.
وفيما كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: مات عثمان رضي الله عنه وعلى الشأم معاوية، وعامل معاوية على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى قنَّسرين حبيب بن مسلمة، وعلى الأردنّ أبو الأعور بن سفيان، وعلى فلسطين علقمة بن حكيم الكنانيّ، وعلى البحر عبد الله بن قيس الفزاريّ. وعلى القضاء أبو الدّرداء.
وتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، قال: مات عثمان رضي الله عنه وعلى الكوفة رضي الله عنه وعلى الكوفة، على صلاتها أبو موسى، وعلى خراج السَّواد جابر بن عمرو المزنيّ - وهو صاحب المسنَاة إلى جانب الكوفة - وسماك الأنصاريّ.
وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قرقيسياء جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حلوان عتيبة بن النَّهَاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النُّسير، وعلى الرّيّ سعيد بن قيس، وعلى إصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ما سبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة ابن عمرو. وكان على قضاء عثمان يومئذ زيد بن ثابت.
ذكر بعض خطب عثمان رضي الله عنهكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن القاسم بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: خطب عثمان الناس بعدما بويع، فقال:
أمَّا مبعد؛ فإني قد حمِّلت وقد قبلت؛ ألا وإني متّبع ولست بمتبتدع؛ ألا وإنّ لكم عليّ بعد كتاب الله عزّ وجلّ وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلّم ثلاثاً: اتّباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسنُّ سنة أهل الخير فيما لم تسنُّوا عن ملإ، والكفّ عنكم إلاّ فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خضرة قد شهّيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن عثمان، عن عمّه، قال: آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة: إن الله عزّ وجلّ إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها؛ إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، فلا تبطرنَّكم الفانية، ولا تشغلنَّكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى؛ فإنّ الدنيا منقطعة؛ وإنّ المصير إلى الله. اتّقوا الله جلّ وعزّ؛ فإن تقواه جنّة من بأسه، ووسيلة عنده؛ واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا، " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً " .
إلى آخر القصّة.
ذكر الخبر عمَّن كان يصلّي بالناس
في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين حضر عثمان
قال محمد بن عمر: حدّثني ربيعة بن عثمان: جاء المؤذن، سعد القرظ إلى عليّ بن أبي طالب في ذلك اليوم، فقال: من يصلّي بالناس؟ فقال عليّ: ناد خالد بن زيد، فنادى خالد بن زيد، فصلّى بالناس - فإنه لأوّل يوم عرف أن أبا أيُّوب خالد بن زيد - فكان يصلّي بهم أياماً، ثم صلى عليّ بعد ذلك بالناس.
قال محمد: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قال: جاء المؤذّن إلى عثمان فآذنه بالصّلاة، فقال: لا أنزل أصلّي؛ اذهب إلى من يصلي. فجاء المؤذن إلى عليّ، فأمر سهل بن حنيف، فصلّى اليوم الذي حصر فيه عثمان الحصر الآخر؛ وهو ليلة رثى هلال ذي الحجّة، فصلى بهم؛ حتى إذا كان يوم العيد صلى عليّ العيد، ثم صلى بهم حتى قتل رضي الله عنه.
قال: وحدثني عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لما حصر عثمان صلى بالناس أبو أيُّوب أياماً، ثم صلى بهم عليّ الجمعة والعيد، حتى قتل رضي الله عنه.
ذكر مائي به من الأشعارونقاول الشعراء بعد مقتله فيه؛ فمن مادح وهاج، فمن مادح وهاج، ومن نائح باك، ومن سار فرح؛ فكان ممّن يمدحه حسّان بن ثابت وكعب بن مالك الأنصاريّان وتميم بن أبيّ بن مقبل في آخرين غيرهم. مما مدحه به وبكاه حسان وهجا به قاتله:
أتركتم غزو الدُّروب وراءكم ... وغزوتمونا عند قبر محمَّد!
فلبئس هدى المسلمين هديتم ... ولبئس أمر الفاجر المتعمِّد!
إن تقدموا نجعل قرى سرواتكم ... حول المدينة كلَّ لين مذود
أو تدبروا فلبئس مما سافرتم ... ولمثل أمر أميركم لم يرشد
وكأن أصحاب النّبِّي عشيَّة ... بدن تذبَّح عند باب المسجد
أبكى أبا عمرو لحسن بلائه ... أمسى مقيماً في بقيع الغرقد
وقال أيضاً:
إن تمس دار ابن أروى منه خاوية ... باب صريع وباب محرق خرب
فقد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويهوى إليها الذِّكر والحسب
يأيُّها الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الصّدق عند الله والكذب
قوموا بحقِّ مليك الناس تعترفوا ... بغارة عصب من خلفها عصب
فيهم حبيب شهاب الموت يقدمهم ... مستلئماً قال بدا في وجهه الغضب
وله فيه أشعار كثيرة. وقال كعب بن مالك الأنصاريّ:
يا للرِّجال للبِّك المخطوف ... ولدمعك المترقرق المنزوف
ويح لأمر قد أتاني رائع ... هدَّ الجبال فانقضت برجوف
قتل الخليفة كان أمراً مفظعاً ... قامت لذاك بليَّة التخويف
قتل الإمام له النجوم خواضع ... والشمس بازغة له بكسوف
يا لهف نفسي إذ تولَّوا غدوة ... بالنعش فوق عواتق وكتوف!
ولَّوا ودلَّوا في الضَّريح أخاهم ... ماذا أجنَّ ضريحه المسقوف!
من نائل أو سودد وحمالة ... سبقت له في الناس أو معروف
كم من يتيم كان جبر عظمه ... أمسى بمنزله الضَّياع يطوف
مازال يقبلهم ويرأب ظلمهم ... حتى سمعت برنَّة التَّلهيف
أمسى مقيماً بالبقيع وأصبحوا ... متفرِّقين قد أجمعوا بخفوف
النار موعدهم بقتل إمامهم ... عثمان ظهرا في البلاد عفيف
النار موعدهم بقتل إمامهم ... عثمان ظهراً في البلاد، عفيف
جمع الحمالة بعد حلم راجح ... والخير فيه مبيَّن معروف
يا كعب لا تنفك تبكي مالكاً ... ما دمت حيّاً في البلاد تطوف
فأبكى أبا عمرو عتيقاً واصلاً ... ولواءهم إذ كان غير سخيف
وليبكه عند الحفاظ لمعظم ... والخيل بين مقانب وصفوف
قتلوك يا عثمان غير مدنَّس ... قتلاً لعمرك واقفاً بسقيف
وقال حسَّان:
من سرَّه الموت صرفاً لا مزاج له ... فليأت مأسدة في دار عثمانا
مستشعري حلق الماذيّ قد شفعت ... قبل المخاطيم بيض زان أبدانا
صبراً فدىً لكم أميّ وما ولدت ... قد ينفع الصَّبر في المكروه أحياناً
فقد رضينا أهل الشأم نافرة ... وبالأمير وبالإخوان إخوانا
إنِّي لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيّاً وما مّيت حسَّانا
لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا!
وقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط يحرّض عمارة بن عقبة:
ألا إنَّ خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التُّجيبيّ الذي جاء من مصر
فإن يك ظنِّي بابن أمِّي صادقاً ... عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر
يبيت وأوتار ابن عفان عنده ... مخيمة بين الخورنق والقصر
فأجابه الفضل بن عباس:
أتطلب ثأراً لست منه ولا له ... وأين ابن ذكوان الصَّفوريّ من عمرو!
كما اتَّصلت بنت الحمار بأمِّها ... وتنسى أباها إذ تسامى أولى الفخر
ألا إنَّ خير الناس بعد محمَّد ... وصلىّ النَّبيّ المصطفى عند ذي الذِّكر
وأوَّل من صلّى وصنو نبيّه ... وأوَّل من أردى الغواة لدى بدر
فلو رأت الأنصار ظلم ابن عمِّكم ... لكانوا له من ظلمه حاضري النَّصر
كفى ذاك عيباً أن يشيروا بقتله ... وأن يسلموه للأحابيش من مصر
وقال الحباب بن يزيد المجاشعيّ، عمّ الفرزدق:
لعمر أبيك فلا تجز عن ... لقد ذهب الخير إلاّ قليلاً
لقد سفه الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرّاً طويلاً
أعاذل كلُّ امرىء هالك ... فسيرى إلى الله سيراً جميلاً
خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب
وفي هذه السنة بويع لعليّ بن أبي طالب بالمدينة بالخلافة ذكر الخبر عن بيعة من بايعه، والوقت الذي بويع فيه اختلف السلف من أهل السِّير في ذلك، فقال بعضهم: سأل عليّاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يتقلّد لهم وللمسلمين، فأبى عليهم؛ فلما أبوا عليه، وطلبوا إليه، تقلد ذلك لهم.
ذكر الرواية بذلك عمن رواه
حدّثني جعفر بن عبد الله ما لمحمّديّ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّاد وعليّ ابن حسين، قالا: حدّثنا حسين عن أبيه، عن عبد الملك بن أبي سليمان الفزاريّ، عن سالم بن أبي الجعد الأشجعيّ، عن محمّد الحنفيّة، قال: كنت مع أبي حين قتل عثمان رضي الله عنه، فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقالوا: إنّ هذا الرّجل قد قتل، ولا بدّ الناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقَّ بهذا الأمر منك؛ لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً؛ فقالوا: لا، والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك؛ قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون حفيّاً، ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين. قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه؛ وأبى هو إلا المسجد، فلمّا دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعوه الناس.
وحدّثني جعفر، قال: حدّثنا عمرو وعليّ، قالا: حدّثنا حسين، عن أبيه، عن أبي ميمونة، عن أبي بشير العابديّ، قال: كنت بالمدينة حين قتل عثمان رضي الله عنه، واجتمع المهاجرون والأنصار، فيهم طلحة والزُّبير، فأتوا عليّاً فقالوا: يا أبا حسن؛ هلمّ نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا والله فقالوا: ما نختار غيرك؛ قال: فاختلفوا إليه بعد ما قتل عثمان رضي الله عنه مراراً، ثمّ أتوه في آخر ذلك، فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلاّ بإمرة، وقد طال الأمر، فقال لهم: إنكم قد اختلفتم إليّ وأتيتم، وإنّي قائل لكم قولاً إن قبلتموه قبلت أمركم، وإلاّ فلا حاجة لي فيه. قالوا: ما قلت من شيء قبلناه إن شاء الله. فجاء فصعد المنبر، فاجتمع الناس إليه، فقال: إني قد كنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم؛ ألا وإنه ليس لي أمر دونكم، إلاّ أن مفاتيح ما لكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهماً دونكم، رضيتم؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهمّ اشهد عليهم، ثمّ بايعهم على ذلك.
قال أبو بشير: وأنا يومئذ عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم قائم أسمع ما يقول.
وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر الهذليّ، عن أبي المليح، قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه، خرج عليّ إلى السوق، وذلك يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، فاتّبعه الناس وبهشوا في وجهه، فدخل حائط بني عمرو بن مبذول، وقال لأبي عمرة بن عمرو بن محصن: أغلق الباب، فجاء الناس فقرعوا الباب، فدخلوا، فيهم طلحة والزّبير، فقالا: يا عليّ ابسط يدك. فبايعه طلحة والزّبير، فنظر حبيب بن ذؤيب إلى طلحة حين بايع، فقال: أوّل من بدأ بالبيعة يد شلاّء؛ لا يتمّ هذا الأمر! وخرج عليٌّ إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار وطاق وعمامة خزّ، ونعلاه في يده، متوكئاً على قوس؛ فبايعه الناس. وجاءوا بسعد، فقال عليّ: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس؛ قال: خلّوا سبيله. وجاءوا بابن عمر، فقال: بايع، قال: لا أبايع حتى يبايع الناس، قال: ائتني بحميل، قال: لا أرى حميلاً، قال الأشتر: خلِّ عنّي أضرب عنقه، قال عليّ: دعوه، أنا حميله، إنك - ما علمت - لسيِّيء الخلق صغيراً وكبيراً.
وحدّثني محمد بن سنان القزّاز، قال: حدّثنا إسحاق بن إدريس، قال: حدّثنا هشيم، قال: أخبرنا حميد، عن الحسن، قال: رأيت الزبير ابن العوّام بايع علياً في حشّ من حشّان المدينة.
وحدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا وهب ابن جرير، قال: سمعت أبي، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزُّهريّ، قال: بايع الناس عليّ بن أبي طالب، فأرسل إلى الزّبير وطلحة فدعاهم إلى البيعة، فتلكّأ طلحة، فقام مالك الأشتر وسلّ سيفه وقال: والله لتبايعنّ أو لأربنّ به ما بين عينيك، فقال طلحة: وأين المهرب عنه! فبايعه، وبايعه الزّبير والناس. وسأل طلحة والزّبير أن يؤمّرهما على الكوفة والبصرة، فقال: تكونان عندي فأتحمَّل بكما، فإني وحش لفراقكما. قال الزّهريّ: وقد بلغنا أنه قال لهما: إن أحببتما أن تبايعا لي وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك؛ وقالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، وقد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا. فظهرا إلى مكة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر.
وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سالم بن أبي الجعد، عن محمد بن الحنفيَّة، قال: كنت أمسي مع أبي حين قتل عثمان رضي الله عنه حتى دخل بيته، فأتاه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فقالوا: إنّ هذاالرجل قد قتل، ولا بدّ من إمام للناس، قال: أو تكون شورى؟ قالوا: أنت لنا رضاً، قال: فالمسجد إذاً يكون عن رضاً من الناس. فخرج إلى المسجد فبايعه من بايعه؛ وبايعت الأنصار عليّاً إلاّ نفيراً يسيراً، فقال طلحة: ما لنا من هذا الأمر إلا كحسَّة أنف الكلب.
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا شيخ من بني هاشم، عن عبد الله بن الحسن، قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه بايعت الأنصار عليّاً إلاّ نفيراً يسيراً، منهم حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلَّد، وأبو سعيد الخدريّ، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، كانوا عثمانيّة. فقال رجل لعبد الله بن حسن: كيف أبي هؤلاء بيعة عليّ! وكانوا عثمانية. قال: أما حسّان فكان شاعراً لا يبالي ما يصنع؛ وأما زيد ابن ثابت فولاّه عثمان الديوان وبيت المال، فلما حصر عثمان؛ قال: يا معشر الأنصار، كونوا أنصاراً لله... مرّتين، فقال أبو أيُّوب: ما تنصره إلا أنه أكثر لك من العضدان. فأما كعب بن مالك فاستعمله على صدقة مزينة وترك ما أخذ منهم له.
قال: وحدّثني من سمع الزّهريّ يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليّاً، ولم يبايعه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام، والمغيرة ابن شعبة. وقال آخرون: إنما بايع طلحة والزبير عليّاً كرهاً.
وقال بعضهم: لم يبايعه الزّبير.
ذكر من قال ذلك: حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي، قال: حدّثني سليمان؛ قال: حدثني عبد ه، عن جرير بن حازم، قال: حدّثني هشام ابن أبي هشام مولى عثمان بن عفان، عن شيخ من أهل الكوفة، يحدّثه عن شيخ آخر، قال: حصر عثمان وعليّ بخيبر، فلما قدم أرسل إليه عثمان يدعوه، فانطلق، فقلت: لأنطلقنّ معه ولأسمعنّ مقالتهما، فلما دخل عليه كلّمه عثمان، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّ لي عليك حقوقاً؛ محقّ الإسلام، وحقّ الإخاء - وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين آخى بين الصّحابة آخى بيني وبينك - وحقّ القرابة والصِّهر، وما جعلت لي في عنقك من العهد والميثاق، فوالله لو لم يكن من هذا شيء ثم كنّا إنما نحن في جاهليّة، لكان مبطَّأ على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تيم ملكهم.
فتكلم عليٌّ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فكلّ ما ذكرت من حقّك عليَّ على ما ذكرت، أمّا قولك: لو كنا في جاهليّة لكان مبطَّأ على بني عبد مناف أن يبتزّهم أخو بني تيم ملكهم فصدقت، وسيأتيك الخبر. ثمّ خرج فدخل المسجد فرأى أسامة جالساً، فدعاه، فاعتمد على يده، فخرج يمشي إلى طلحة وتبعته، فدخلنا دار طلحة بن عبيد الله وهي دحاس من الناس، فقام إليه، فقال: يا طلحة، ما هذا الأمر الّذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا حسن، بعد ما مسّ الحزام الطبيين! فانصرف عليّ ولم يحر إليه شيئاً حتى أتى بيت المال، فقال: افتحوا هذا الباب، فلم يقدر على المفاتيح، فقال: اكسروه؛ فكسر باب بيت المال، فقال: أخرجوا المال، فجعل بعطي الناس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع عليّ، فجعلوا يتسلّلون إليه حتى ترك طلحة وحده. وبلغ الخبر عثمان، فسرّ بذلك، ثمّ أقبل طلحة يمشي عائداً إلى دار عثمان، فقلت: والله لأنظرنّ ما يقول هذا؛ فتبعته، فاستأذن على عثمان، فلمّا دخل عليه قال: يا أمير المؤمنين، أستغفر الله وأتوب إليه، أردت أمراً فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائباً، ولكنك جئت مغلوباً، الله حسيبك يا طلحة! وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: أخبرنا بن عمر، قال: حدّثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص، عن ابيه، عن سعد، قال: قال طلحة: بايعت والسيف فوق رأسي - فقال سعد:لا أدري والسيف على رأسه أم لا، إلاّ أني أعلم أنه بايع كارهاً - قال وبايع الناس عليّاً بالمدينة، وتربّص سبعة نفر فلم يبايعوه؛ منهم: سعد بن أبي وقّاص، ومنهم ابن عمر، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد ماب مسلمة، وسلمة بن وقش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلَّف أحد من الأنصار إلاّ بايع فيما نعلم.
وحدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمي مصعب بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عبد الله بن مصعب، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزّبير، قال: لما قتل الناس عثمان رضي الله عنه وبايعوا عليّاً، جاء عليٌّ إلى الزبير فاستأذن عليه، فأعلمته به، فسلّ السيف ووضعهتحت فراشه، ثم قال: ائذن له، فأذنت له، فدحل فسلّم على الزّبير وهو واقف بنحره، ثمّ خرج. فقال الزبير، لقد دخل المرء ما أقصاه، قم في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئاً؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف، فأخبرته فقال: ذاك أعجل الرّجل. فلما خرج عليّ سأله الناس، فقال: وجدت أبرّ ابن أخت وأوصله. فظنّ الناس خيراً، فقال علي: إنه بايعه.
ومما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف بن عمر، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، وطلحة بن الأعلم، وأبو حارثة، وأبو عثمان، قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنه خمسة أيام، وأميرها الغافقيّ بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريّون عليّاً فيختبىء منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدههم وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرّة بعد مرّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلاً، فباعدهم وتبرّأ من مقالتهم؛ ويطلب البصريّون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرّأ من مقالتهم؛ مرّة بعد مرّة؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يهوون، فلما لم يجدوا ممالئاً ولا مجيباً جمعهم الشرّ على أولّ من أجابهم، وقالوا: لا نولّى أحداً من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقّاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع، فاقدم نبايعك، فبعث إليهم: إني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على حال؛ وتمثّل:
لا تخلطنَّ خبيثات بطيِّبة ... واخلع ثيابك منها وانج عريانا
ثمّ إنهم أتوا ابن عمر عبد الله، فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إنّ لهذا الأمر انتقاماً والله لا أتعرّض له، فالتمسوا غيري. فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم.
و كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كانوا إذا لقوا طلحة أبى وقال:
ومن عجب الأيام والدّهر أنني ... بقيت وحيداً لا أمرّ ولا أحلي
فيقولون: إنّك لتوعدنا. فيقومون فيتركونه، فإذا لقوا الزّبير وأرادوه أبى وقال:
متى أنت عن دار بفيحان راحل ... وباحتها تخنو عليك الكتائب
فيقولون: إنك لتوعدنا! فإذا لقوا عليّاً وأرادوه أبى، وقال:
لو أنّ قومي طاوعتني سراتهم ... أمرتهم أمراً يديخ الأعاديا
فيقولون: إنك لتوعدنا! فيقومون ويتركونه.
وحدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنيّ، قال: أخبرنا مسلمة بن محارب، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه أتى الناس عليّاً وهو في سوق المدينة، وقالوا له: ابسط يدك نبايعك، قال: لا تعجلوا فإنّ عمر كان رجلاً مباركاً، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون. فارتدّ الناس عن عليّ؛ ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة، فعادوا إلى عليّ، فأخذ الأشتر بيده فقبضها عليّ، فقال: أبعد ثلاثة! أما والله لئن تركتها لتقصرنّ عنيتك عليها حيناً، فبايعته العامّة. وأهل الكوفة يقولون: إنّ أوّل من بايعه الأشتر.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان رضي الله عنه، جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعداً والزّبير خارجين، ووجدوا طلحة في حائط له، ووجدوا بني أميّة قد هربوا إلاّ من لم يطق الهرب، وهرب الوليد وسعيد إلى مكة في أوّل من خرج، وتبعهم مروان، وتتابع على ذلك من تتابع، فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر : أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلاً تنصّبونه، ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: عليّ بن أبي طالب نحن به راضون.
وأخبرنا عليّ بن مسلم، قال: حدّثنا حبّان بن هلال، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن عوف، قال: أما أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين يقول: إنّ عليّاً جاء فقال لطلحة: ابسط يدك، قال: فبسط عليّ يده فبايعه.
وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: فقالوا لهم: دونكم يا أهل المدينة فقد أجّلناكم يومين، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ غداً عليّاً وطلحة والزّبير وأناساً كثيراً. فغشى الناس عليّاً فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام؛ وما ابتلينا به من ذوي القربى، فقال عليّ: دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نرى! ألا ترى الإسلام! ألا ترى الفتنة! ألا تخاف الله! فقال: قد أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، إلاّ أني أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم. ثمّ افترقوا على ذلك واتّعدوا الغد. وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت. فبعث البصريّون إلى الزّبير بصريّاً، وقالوا: احذر لاتحادّه - وكان رسولهم حكيم بن جبلة العبديّ في نفر - فجاءوا به يحدّونه بالسيف. وإلى طلحة كوفياً وقالوا له: احذر لاتحادّه، فبعثوا الأشتر في نفر فجاءوا به يحدّونه بالسيف. وأهل الكوفة وأهل البصرة شامتون بصاحبهم، وأهل مصر فرحون بما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد خشّع أهل الكوفة وأهل البصرة أن صاروا أتباعاً لأهل مصر وحشوة فيهم، وازدادوا بذلك على طلحة والزّبير. غيظاً، فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، وجاء عليّ حتى صعد المنبر، فقال: يأيّها الناس - عن ملإ وإذن - إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلاّ فلا أجد على أحد. فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وجاء القوم بطلحة فقالوا: بايع، فقال: إني إنّما أبايع كرهاً، فبايع - وكان به شلل - أوّل الناس، وفي الناس رجل يعتاف، فنظر من بعيد، فلما رأى طلحة أوّل من بايع قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! أوّل يدٍ بايعت أمير المؤمنين يدٌ شلاّء، لا يتمّ هذا الأمر! ثم جىء بالزّبير فقال مثل ذلك وبايع - وفي الزّبير اختلاف - ثمّ جىء بقوم كانوا قد تخلّفوا فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد، والعزيز والذّليل، فبايعهم؛ ثمّ قام العامّة فبايعوا.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبي زهير الأزديّ، عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه واجتمع الناس على عليّ، ذهب الأشتر فجاء بطلحة، فقال له: دعني أنظر ما يصنع الناس، فلم يدعه وجاء به يتلّه تلاًّ عنيفاً، وصعد المنبر فبايع.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الحارث الوالبيّ، قال: جاء حكيم بن جبلة بالزّبير حتى بايع؛ فكان الزّبير يقول: جاءني لصّ من لصوص عبد القيس فبايعت واللّجّ على عنقي.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وبايع النّاس كلهم.
قال أبو جعفر: وسمح بعد هؤلاء الذين اشترطوا الذين جىء بهم، وصار لأمر أمر أهل المدينة، وكانوا كما كانوا فيه، وتفرّقوا إلى منازلهم لولا مكان النّزّاع والغوغاء فيهم.
اتّساق الأمر في البيعة لعليّ بن أبي طالب عليه السلام وبويع عليّ يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجّة - والناس يحسبون من يوم قتل عثمان رضي الله عنه - فأوّل خطبة خطبها عليّ حين استخلف - فيما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن عليّ بن الحسين - حمد الله وأثنى عليه، فقال: إنّ الله عزّ وجلّ أنزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشرّ، فخذوا بالخير ودعوا الشرّ. الفرائض أدّوها إلى الله سبحانه يؤدكم إلى الجنّة. إنّ الله حرّم حرماً غير مجهولة، وفضّل حرمة المسلم على الحرم كلّها، وشدّ بالإخلاص والتوحيد المسلمين. والمسلم من سلم النّاس من لسانه ويده إلا بالحقّ، لا يحلّ أذى المسلم إلاّ بما يجب. بادروا أمر العامة، وخاصّة أحدكم الموت، فإنّ الناس أمامكم، وإنّ ما من خلفكم الساعة تحدوكم. تخفّفوا تلحقوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتّقوا الله عباده في عباده وبلاده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، أطيعوا الله عزّ وجلّ ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشرّ فدعوه، " واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض " .
ولما فرغ عليّ من خطبته وهو على المنبر قال المصريون:
خذها... واحذراًأبا حسن ... إنّا نمرّ الأمر إمرار الرّسن
وإنما الشعر:
خذها إليك واحذراً أبا حسن
فقال عليّ مجيباً:
إني عجزت عجزة ما أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما أراد عليّ الذّهاب إلى بيته قالت السّبئيّة:
خذها إليك واحذراً أبا حسن ... إنّا نمرّ الأمر إمرار الرّسن
صولة أقوام كأسداد السّفن ... بمشرفيّات كغدران اللّبن
ونطعن الملك بلين كالشّطن ... حتى يمرّنّ على غير عنن
فقال عليّ وذكر تركهم العسكر والكينونة على عدة ما منّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم، فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى.....
إنّي عجزت عجزةً لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها وأستمر
أرفع من ذيلي ما كنت أجرّ ... وأجمع الأمر الشّتيت المنتشر
إن لم يشاغبني العجول المنتصر ... أو يتركوني والسّلاح يبتدر
واجتمعإلى عليّ بعد ما دخل طلحة والزّبير في عدّة من الصّحابة، فقالوا: يا عليّ، إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرّجل وأحلّوا بأنفسهم. فقال لهم: يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلاّ رأياً ترونه إن شاء الله؛ إنّ هذا الأمر أمر جاهليّة، وإنّ لهؤلاء القوم مادّة؛ وذلك أن الشيطان لم يشرع شريعة قطّ فيبرح الأرض من أخذ بها أبداً. إنّ الناس من هذا الأمر إن حرّك على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدءوا عني وانظروا ماذا يأتيكم، ثمّ عودوا.
واشتدّ على قريش، وحال بينهم وبين الخروج على حال، وإنما هيّجه على ذلك هرب بني أميّة. وتفرّق القوم؛ وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار؛ لترك هذا إلى ما قال عليّ أمثل. وبعضهم يقول: نقضي الّذي علينا ولا نؤخّره، ووالله إنّ لعيّا لمستغنٍ برأيه وأمره عنا، ولا نراه إلاّ سيكون على قريش أشدّ من غيره. فذكر ذلك لعليّ فقام فحمد الله وأثنى عليه وذكر فضلهم وحاجته إليهم ونظره لهم وقيامه دونهم، وأنه ليس له من سلطانهم إلاّ ذلك، والأجر من الله عزّ وجلّ عليه، ونادى: برئت الذّمة من عبد لم يرجع إلى مواليه. فتذامرت السّبئيّة والأعراب، وقالوا: لنا غداً مثلها، ولا نستطيع نحتجّ فيهم بشيء.
وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: خرج عليّ في اليوم الثالث على الناس، فقال: يأيّها الناس، أخرجوا عنكم الأعراب. وقال: يا معشر الأعراب، الحقوا بمياهكم. فأبت السّبئيّة وأطاعهم الأعراب. ودخل عليّ بيته ودخل عليه طلحة والزّبير وعدّة من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم، فقال: دونكم ثأركم فاقتلوه؛ فقالوا: عشوا عن ذلك، قال: هم والله بعد اليوم أعشى وآبى. وقال:
لو أنّ قومي طاوعتني سراتهم ... أمرتهم أمراً يديخ الأعاديا
وقال طلحة: دعني فلآت البصرة فلا يفجؤك إلاّ وأنا في خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك. وقال الزّبير: دعني آت الكوفة فلا يفجؤك إلاّ وأنا في خيل، فقال: حتى أنظر في ذلك؛ وسمع المغيرة بذلك المجلس فجاء حتى دخل عليه، فقال: إنّ لك حقّ الطاعة والنصيحة، وإنّ الرّأي اليوم تحرز به ما في غد، وإنّ الضّياع اليوم تضيّع به ما في غد؛ أقرر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عمله، وأقرر العمّال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت. قال: حتى أنظر.
فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي، وإنّ الرأي أن تعاجلهم بالنزوع، فيعرف السامع من غيره ويستقبل أمرك؛ ثمّ خرج وتلقّاه ابن عباس خارجاً وهو داخل، فلما انتهى إلى عليّ قال: رأيت المغيرة خرج من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بذيّة وذيّة، وجاءني اليوم بذيّة وذيّة، فقال: أمّا أمس فقد نصحك، وأما اليوم فقد غشّك. قال: فما الرّأي؟ قال: كان الرّأي أن تخرج حين قتل الرّجل أو قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك وتغلق عليك بابك، فإن كانت العرب جائلة مضطربة في أثرك لا تجد غيرك؛ فأمّا اليوم فإنّ في بني أميّة من يستحسنون الطلب بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر، ويشبّهون على الناس، ويطلبون مثل ما طلب أهل المدينة، ولا تقدر على ما يريدون ولا يقدرون عليه، ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ذلك أموت لحقوقهم؛ وأترك لها إلا ما يعجّلون من الشبهة. وقال المغيرة: نصحته والله، فلما لم يقبل غششته. وخرج المغيرة حتى لحق بمكة.
حدّثني الحارث، عن ابن سعد، عن الواقديّ، قال: حدّثني ابن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: دعاني عثمان فاستعملني على الحجّ، فخرجت إلى مكة فأقمت للناس الحجّ، وقرأت عليهم كتاب عثمان إليهم، ثمّ قدمت المدينة وقد بويع لعليّ؛ فأتيته في داره فوجدت المغيرة بن شعبة مستخلياً به، فحبسني حتى خرج من عنده، فقلت: ماذا قال لك هذا؟ فقال: قال لي قبل مرّته هذه: أرسل إلى عبد الله بن عامر وإلى معاوية وإلى عمّال عثمان بعهودهم تقرّهم على أعمالهم ويبايعون لك الناس، فإنّهم يهدّئون البلاد ويسكّنون الناس؛ فأبيت ذلك عليه يومئذ وقلت: والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي، ولا ولّيت هؤلاء ولا مثلهم يولّى.
قال: ثمّ انصرف من عندي وأنا أعرف فيه أنه يرى أني مخطىء؛ ثمّ عاد إليّ الآن فقال: إنّي أشرت عليك أوّل مرّة بالذي اشرت عليك وخالفتني فيه، ثمّ رأيت بعد ذلك رأياً، وأنا أرى أن تصنع الذي رأيت فتنتزعهم وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله، وهم أهون شوكة مما كان. قال ابن عباس: فقلت لعليّ: أما المرّة الأولى فقد نصحك، وأما المرّة الآخرة فقد غشّك؛ قال له عليّ: ولم نصحني؟ قال ابن عباس: لأنّك تعلم أن معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا بمن ولي هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولوا: أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا؛ ويؤلّبون عليك فينتقض عليك أهل الشأم وأهل العراق، مع أني لا آمن طلحة والزّبير أن يكرّا عليك. فقال عليّ: أمّا ما ذكرت من إقرارهم فوالله ما أشكّ أنّ ذلك خير في عاجل الدّنيا لإصلاحها، وأما الذي يلزمني من الحقّ والمعرفة بعمّال عثمان فوالله لا أولّي منهم أحداً أبداً؛ فإن أقبلوا فذلك خير لهم: وإن أدبروا بذلت لهم السيف. قال ابن عباس: فأطعني وادخل دارك، والحق بمالك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإنّ العرب تجلو جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنّك الناس دم عثمان غداً. فأبى عليّ، فقال لابن عباس: سر إلى الشأم فقد ولّيتكها؛ فقال ابن عباس: ما هذا برأي؛ معاوية رجلٌ من بني أميّة وهو ابن عمّ عثمان وعامله على الشأم، ولست آمن أن يضرب عنقي لعثمان، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكّم عليّ. فقال له عليّ: ولم؟ قال: لقرارة ما بيني وبينك، وإنّ كلّ ما حمل عليك حمل عليّ، ولكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعده. فأبى عليّ وقال: والله لا كان هذا أبداً.
قال محمّد: وحدّثني هشام بن سعد، عن أبي هلا، قال: قال ابن عبّاس: قدمت المدينة من مكة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بخمسة أيام، فجئت عليّاً أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة؛ فجلست بالباب ساعة، فخرج المغيرة فسلّم عليّ فقال: متى قدمت؟ فقلت: الساعة. فدخلت على عليّ فسلّمت عليه، فقال لي: لقيت الزّبير وطلحة؟ قال: قلت: لقيتهما بالنّواصف. قال: من معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فئة من قريش. فقال عليّ: أما إنهم لن يدعوا أن يخرجوا يقولون: نطلب بدم عثمان؛ والله نعلم أنهم قتلة عثمان. قال ابن عبّاس: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خلا بك؟ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال لي: أخلني، ففعلت؛ فقال: إنّ النّصح رخيص وأنت بقيّة الناس، وإني لك ناصح، وإني أشير عليك بردّ عمال عثمان عامك هذا؛ فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأن الأمر لك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت. فقلت: والله لا أدهن في ديني ولا أعطي الدّنيّ في أمري. قال: فإن كنت قد أبيت عليّ فانزع من شئت واترك معاوية، فإنّ لمعاوية جرأة، وهو في أهل الشأم يسمع منه، ولك حجّة في إثباته؛ كان عمر بن الخطاب قد ولاّه الشأم كلها، فقلت: لا والله، لا أستعمل معاوية يومين أبداً. فخرج من عندي على ما أشار به، ثمّ عاد فقال لي: إنّي أشرت عليك بما أششرت به فأبيت عليّ، ثمّ نظرت في الأمر فإذا أنت مصيب، لا ينبغي لك أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا يكون في أمرك دلسة. قال: فقال ابن عباس: فقلت لعليّ: أمّا أوّل ما أشار به عليك فقد نصحك، وأما الآخر فغشّك؛ وأنا أشير عليك بأن تثبت معاوية، فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله. قال عليّ: لا والله، لا أعطيه إلاّ السيف. قال: ثم تمثّل بهذا البيت:
ما ميتة إن متّها غير عاجز ... بعار إذا ما غالت النفس غولها
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع لست بأرب بالحرب، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: " الحرب خدعة " ! فقال عليّ: بلى، فقال ابن عباس: أما والله لئن أطعتني لأصدرنّ بهم بعد ورد، ولأتركنّهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك ولا إثم لك. فقال: يا بن عباس، لست من هنيئاتك وهنيات معاوية في شيء، تشير عليّ وأرى، فإذا عصيتك فأطعني. قال: فقلت: أفعل، إنّ أيسر مالك عندي الطاعة.
مسير قسطنطين ملك الرّوم يريد المسلمين
وفي هذه السنة - أعني سنة خمس وثلاثين - سار قسطنطين بن هرقل - فيما ذكر محمد بن عمر الواقديّ عن هشام بن الغاز، عن عبادة بن نسيّ - في ألف مركب يريد أرض المسلمين، فسلّط الله عليهم قاصفاً من الرّيح فغرّقهم، ونجا قسطنطين بن هرقل، فأتى صقلّيّة، فصنعوا له حمّاماً فدخله فقتلوه فيه؛ وقالوا: قتلت رجالنا.
ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين
تفريق عليّ عمّاله على الأمصار
ولمّا دخلت سنة ستّ وثلاثين فرّق عليّ عمّاله؛ فممّا كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: بعث عليّ عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة؛ وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد على مصر، وسهل بن حنيف على الشأم؛ فأمّا سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: أمير، قالوا: على أيّ شيء؟ قال: على الشأم، قالوا: إن كان عثمان بعثك فحيّهلاً بك، وإن كان بعثك غيره فارجع! قال: أوما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى؛ فرجع إلى عليّ. وأما قيس بن سعيد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: من فالّة عثمان، فأنا أطلب من آوى إليه وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد، قالوا: امض؛ فمضى حتى دخل مصر، فافترق أهل مصر فرقاً؛ فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه، وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتا وقالوا: إن قتل قتلة ععثمان فنحن معكم، وإلاّ فنحن على جديلتنا حتى نحرّك أو نصيب حاجتنا؛ وفرقة قالوا: نحن مع عليّ ما لم يقد إخواننا، وهم في ذلك مع الجماعة؛ وكتب قيس إلى أمير المؤمنين بذلك. وأمّا عثمان بن حنيف فسار فلم يردّه أحد عن دخول البصرة ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأي ولا حزم ولا استقلال بحرب. وافترق الناس بها، فاتّبعت فرقة القوم، ودخلت فرقة في الجماعة، وفرقة قالت: ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع كما صنعوا. وأما عمارة فأقبل حتى إذا كان بزبالة لقيه طليحة بن خويلد؛ وقد كان حين بلغهم خبر عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه ويقول: لهفي على أمر لم يسبقني ولم أدركه!
يا ليتني فيها جذع ... أكر فيها وأضع
فخرج حين رجع القعقاع من إغاثة عثمان فيمن أجابه حتى دخل الكوفة، فطلع عليه عمارة قادماً على الكوفة، فقال له: ارجع فإنّ القوم لا يريدون بأميرهم بدلاً، وإن أبيت ضربت عنقك. فرجع عمارة وهو يقول: احذر الخطر ما يماسّك، الشر خير من شرّ منه.
فرجع إلى عليّ بالخبر. وغلب على عمارة بن شهاب هذا المثل من لدن اعتاصت عليه الأمور إلى أن مات. وانطلق عبيد الله بن عباس إلى اليمن، فجمع يعلى بن أميّة كلّ شيء من الجباية وتركه وخرج بذلك وهو سائر على حاميته إلى مكة فقدمها بالمال. ولما رجع سهل بن حنيف من طريق الشأم وأتته الأخبار ورجع من رجع، دعا عليّ طلحة والزّبير، فقال: إنّ الذّي كنت أحذّركم قد وقع يا قوم، وإنّ الأمر الذي وقع لا يدرك إلا بإماتته، وإنها فتنة كالنار؛ كلّما سعّرت ازدادت واستنارت. فقالا له: فأذن لنا أن نخرج من المدينة، فإمّا أن نكابر وإما أن تدعنا، فقال: سأمسك الأمر ما استمسك؛ فإذا لم أجد بدّاً فآخر الدواء الكيّ.
وكتب إلى معاوية وإلى أبي موسى. وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم، وبيّن الكاره منهم للّذي كان، والرّاضي بالذي قد كان، ومن بين ذلك حتى كأن عليّاً على المواجهة من أمر أهل الكوفة. وكان رسول عليّ إلى أبي موسى معبد الأسلميّ؛ وكان رسول أمير المؤمنين إلى معاوية سبرة الجهنيّ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشيء ولم يجبه وردّ رسوله، وجعل كلما تنجّز جوابه لم يزد على قوله:
أدم إدامة حصن أو خداً بيدي ... حرباً ضروساً تشبّ عالجزل والضّرما
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيّبت الأصداغ واللّمما
أعيا المسود بها والسّيّدون فلم ... يوجد لها غيرنا مولىً ولا حكما
وجعل الجهنيّ كلما تنجّز الكتاب لم يزده على هذه الأبيات؛ حتى إذا كان الشّهر الثالث من مقتل عثمان في صفر، دعا معاوية برجل من بني عبس، ثم أحد بني رواحة يدعى قبيصة، فدفع إليه طوماراً مختوماً، عنوانه: من معاوية إلى عليّ. فقال: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطّومار، ثمّ أوصاه بما يقول وسرّح رسول عليّ. وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأوّل لغرّته، فلما دخلا المدينة رفع العبسيّ الطّومار، ففضّ خاتمه فلم يجد في جوفه كتابةً، فقال للرّسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا؟ قال: نعم، إنّ الرّسل آمنة لا تقتل؛ قال: ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود، قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك، وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منبر دمشق. فقال: منّي يطلبون دم عثمان! ألست موتوراً كترة عثمان! اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان؛ نجا والله قتلة عثمان إلاّ أن يشاء الله، فإنّه إذا أراد أمراً أصابه؛ اخرج؛ قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسيّ وصاحت السّبئيّة قالوا: هذا الكلب، هذا وافد الكلاب، اقتلوه! فنادى: يا آل مضر، يا آل قيس، الخيل والنّبل، إني أحلف بالله جلّ اسمه ليردّنّها عليكم أربعة آلاف خصيّ، فانظروا كم الفحولة والرّكاب! وتعاووا عليه ومنعنه مضر، وجعلوا يقولون له: اسكت، فيقول: لا والله، لا يفلح هؤلاء أبداً، فلقد أتاهم ما يوعدون. فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حلّ بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمالهم، وذهبت ريحهم، فوالله ما أمسوا حتى عرف الذلّ فيهم.
استئذان طلحة والزبير عليّاً كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: استأذن طلحة والزّبير عليّاً في العمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة؛ وأحبّ أهل المدينة أن يعلموا ما رأى عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة؛ أيجسر عليه أو ينكل عنه! وقد بلغهم أنّ الحسن بن عليّ دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك النّاس، فدسّوا إليه زياد بن حنظلة التميميّ - وكان منقطعاً إلى عليّ - فدخل عليه فجلس إليه ساعةً ثمّ قال له عليّ: يا زياد، تيسّر؛ فقال: لأيّ شيء؟ فقال: تغزو الشأم، فقال زياد: الأناة والرفق أمثل، فقال:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
فتمثّل عليّ وكأنه لا يريده:
متى تجممع القلب الذّكيّ وصارماً ... وأنفاً حميّاً تجتنبك المظالم
فخرج زياد على النّاس والناس ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السّيف يا قوم، فعرفوا ما هو فاعل. ودعا عليٌّ محمد بن الحنفيّة فدفع إليه اللواء، وولّى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمر بن أبي سلمة - أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد - ولاّه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح؛ ابن أخي أبي عبيدة بن الجرّاح، فجعله على مقدّمته، واستخلف على المدينة قثم بن عبّاس، ولم يولّ ممن خرج على عثمان أحداً، وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشأم، وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى مثل ذلك، وأقبل على التهيّؤ والتجهّز، وخطب أهل المدينة فدعاهم إلى النهوض في قتال أهل الفرقة، وقال: إنّ الله عزّ وجلّ بعث رسولاً هادياً مهديّاً بكتاب ناطق وأمر قائم واضح؛ لا يهلك عنه إلا هالك، وإنّ المبتدعات والشبهات هنّ المهلكات إلاّ من حفظ الله، وإنّ في سلطان الله عصمة أمركم، فأعطوه طاعتكم غير ملويّة ولا مستكره بها، والله لتفعلنّ أو لينقلنّ الله عنكم سلطان الإسلام ثمّ لا ينقله إليكم أبداً حتى يأرز الأمر إليها، انهضوا إلى هؤلاء القوم الذين يريدون يفرّقون جماعتكم، لعلّ الله يصلح بكم ما أفسد أهل الآفاق، وتقضون الذي عليكم. فبينا هم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكة بنحو آخر وتمام على خلاف، فقام فيهم بذلك؛ فقال: إنّ الله عزّ وجلّ جعل لظالم هذه الأمة العفو والمغفرة، وجعل لمن لزم الأمر واستقام الفوز والنّجاة، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل. ألا وإنّ طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين قد تمالئوا على سخط إمارتي، ودعوا النّاس إلى الإصلاح، وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم، وأكفّ إن كفّوا، وأقتصر على ما بلغني عنهم.
ثمّ أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس والإصلاح، فتعبّى للخروج إليهم، وقال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين وما كان عليهم في المقام فينا مؤونة ولا إكراه. فاشتدّ على أهل المدينة الأمر، فتثاقلوا، فبعث إلى عبد الله بن عمر كميلا النّخعيّ، فجاء به فقال: انهض معي، فقال: أنا مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لا أفارقهم، فإن يخرجوا أخرج وإن يقعدوا أقعد. قال: فأعطني زعيماً بألاّ تخرج، قال: ولا أعطيك زعيماً، قال: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيراً وكبيراً لأنكرتني، دعوه فأنا به زعيم. فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون: لا والله ما ندري كيف نصنع، فإنّ هذا الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر.
فخرج من تحت ليلته وأخبر أمّ كلثوم بنت عليّ بالذي سمع من أهل المدينة، وأنه يخرج معتمراً مقيماً على طاعة عليّ ما خلا النهوض؛ وكان صدوقاً فاستقرّ عندها؛ وأصبح عليّ فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشدّ عليك من طلحة والزبير وأمّ المؤمنين ومعاوية. قال: وما ذلك؟ قال: خرج ابن عمر إلى الشّأم؛ فأتى عليّ السوق ودعا بالظّهر فحمل الرّجال وأعدّ لكل طريق طلاّباً. وماج أهل المدينة، وسمعت أمّ كلثوم بالذي هو فيه، فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثمّ أتت علياً وهو واقف في السوف يفرّق الرّجال في طلبه، فقالت: مالك لا تزنّد من هذا الرّجل؟ إنّ الأمر على خلاف ما بلّغته وحدّثته. قالت: أنا ضامنة له، فطابت نفسه وقال: انصرفوا، لا والله ما كذبت ولا كذب، وإنه عندي ثقة فانصرفوا.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما رأى عليّ من أهل المدينة ما رأى لم يرض طاعتهم حتى يكون معها نصرته، قام فيهم وجمع إليه وجوه أهل المدينة، وقال: إنّ آخر هذا الأمر لا يصلح إلاّ بما صلح أوّله، فقد رأيتم عواقب قضاء الله عزّ وجلّ على من مضى منكم، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم. فأجابه رجلان من أعلام الأنصار؛ أبو الهيثم بن التّيّهان - وهو بدريّ - وخزيمة بن ثابت؛ وليس بذي الشهادتين؛ مات ذو الشهادتين في زمن عثمان رضي الله عنه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن عبيد الله، عن الحكم، قال: قيل له: أشهد خزيمة بن ثابت ذو الشّهادتين الجمل؟ فقال: ليس به، ولكنّه غيره من الأنصار؛ مات ذو الشهادتين في زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مجالد، عن الشعبيّ، قال: بالله الذّي لا إله إلاّ هو؛ ما نهض في تلك الفتنة إلاّ ستّة بدريّين ما لهم سابع، أو سبعة ما لهم ثامن.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: بالله الذّي لا إله إلاّ هو ما نهض في ذلك الأمر إلاّ ستة بدرّيين ما لهم سابع. فقلت: اختلفتما. قال: لم نختلف، إنّ الشّعبيّ شكّ في أبي أيوب: أخرج حيث أرسلته أمّ سلمة إلى عليّ بعد صفين، أم لم يخرجّ إلاّ أنه قدم عليه فمضى إليه، وعليّ يومئذ بالنّهروان.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت، عن رجل، عن سعيد بن زيد، قال: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ففازوا على الناس بخير يحوزونه إلاّ وعليّ بن أبي طالب أحدهم.
ثم إنّ زياد بن حنظلة لما رأى تثاقل الناس عن عليّ ابتدر إليه وقال: من تثاقل عنك فإنا نخفّ معك ونقاتل دونك. وبينما عليٌّ يمشي في المدينة إذ سمع زينب ابنة أبي سفيان وهي تقول: ظلامتنا عند مدمّم وعند مكحلة، فقال: إنها لتعلم ما همّا لها بثأر.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة؛ أن عثمان قتل في ذي الحجة لثمان عشرة خلت منه، وكان على مكة عبد الله بن عامر الحضرميّ. وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس، بعثه عثمان وهو محصور، فتعجّل أناس في يومين فأدركوا مع ابن عباس، فقدموا لامدينة بعد ما قتل وقبل أن يبايع عليّ، وهرب بنو أميّة فلحقوا بمكة، وبويع عليّ لخمس بقين من ذي الحجّة يوم الجمعة؛ وتساقط الهرّاب استخبرتهم فأخبروها أن قد قتل عثمان رضي الله عنه ولم يجبهم إلى التأمير أحد؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: ولكن أكياس، هذا غبّ ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح؛ حتى إذا قضت عمرتها وخرجت فانتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث - وكانت واصلة لهم، رفيقة عليهم - يقال له عبيد بن أبي سلمة يعرف بأمّه أمّ كلاب، فقالت: مهيم! فأصمّ ودمدم، فقالت: ويحك! علينا أو لنا؟ فقال: لا تدري، قتل عثمان وبقوا ثمانياً، قالت: ثمّ صنعوا ماذا؟ فقال: أخذوا أهل المدينة بالاجتماع على عليّ، والقوم الغالبون على المدينة. فرجعت إلى مكة وهي لاتقول شيئاً ولا يخرج منها شيء، حتى نزلت على باب المسجد وقصدت للحجر فستّرت فيه، واجتمع الناس إليها فقالت: يأيّها الناس، إنّ الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا أن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الإرب واستعمال من حدثت سنّه، وقد استعمل أسنانهم قبله، ومواضع من مواضع الحمى حماها لهم، وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحاً لهم، فلما لم يجدوا حجّةً ولا عذراً خلجوا وبادوا بالعدوان ونبا فعلهم عن قولهم؛ فسفكوا الدّم الحرام واستحلّوا البلد الحرام وأخذوا المال الحرام، واستحلّوا الشهر الحرام. والله لإصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم. فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم ويشرّد من بعدهم، ووالله لو أن الّذي اعتدّوا به عليه كان ذنباً لخلّص منه كما يخلص الذّهب من خبثه أو الثّوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء. فقال عبد الله بن عامر الحضرميّ: هأنذا لها أوّل طالب - وكان أوّل مجيب ومنتدب.
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن المدائنيّ، قال: حدّثنا سحيم مولى وبرة التميميّ، عن عبيد بن عمرو القرشيّ، قال: خرجت عائشة رضي الله عنها وعثمان محصور، فقدم عليها مكّة رجل يقال له أخضر، فقالت: ما صنع الناس؟: فقال: قتل عثمان المصريين، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيقتل قوماً جاءوا يطلبون الحقّ وينكرون الظلم! والله لا نرضى بهذا. ثمّ قدم آخر فقالت: ما صنع الناس؟ قال: قتل المصرّيون عثمان، قالت: العجب لأخضر، زعم أنّ المقتول هو القاتل!. فكان يضرب به المثل: " أكذب من أخضر " .
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: خرجت عائشة رضي الله عنها نحو المدينة من مكّة بعد مقتل عثمان، فلقيها رجل من أخوالها، فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان واجتمع الناس على عليّ، والأمر أمر الغوغاء. فقالت: ما أظنّ ذلك تامّاً ردّوني. فانصرفت راجعة إلى مكة، حتى إذ دخلتها أتاها عبد الله ابن عامر الحضرميّ - وكان أمير عثمان عليها - فقال: ما ردّك يا أمّ المؤمنين؟ قالت: ردّني أنّ عثمان قتل مظلوماً، وأنّ الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمر، فاطلبوا بدم عثمان تعزّوا الإسلام. فكان أوّل من أجابها عبد الله بن عامر الحضرميّ، وذلك أوّل ما تكلمت بنو أميّة بالحجاز ورفعوا رءوسهم، وقام معهم سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وسائر بني أميّة. وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة؛ ويعلى بن أميّة من اليمن، وطلحة والزّبير من المدينة، واجتمع ملؤهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة، وقالت: أيّها الناس، إنّ هذا حدث عظيم وأمر منكر، فانهضوا فيه إلى إخوانكم من أهل البصرة فأنكروه، فقد كفاكم أهل الشأم ما عندهم، لعلّ الله عزّ وجلّ يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان أوّل من أجاب إلى ذلك عبد الله بن عامر وبنو أميّة؛ وقد كانوا سقطوا إليها بعد مقتل عثمان، ثم قدم عبد الله بن عامر، ثمّ قدم يعلى بن أميّة، فاتّفقا بمكة، ومع يعلى ستمائة بعير وستمائة ألف، فأناخ بالأبطح معسكراً؛ وقدم معهما طلحة والزّبير، فلقيا عائشة رضي الله عنها، فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: وراءنا أنا تحملنا بقلّيّتنا هرّاباً من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قوماً حيارى لا يعرفون حقّاً ولا ينكرون باطلاً ولا يمنعون أنفسهم. قالت: فائتمروا أمراً؛ ثمّ انضهوا إلى هذه الغوغاء. وتمثّلت:
ولو أنّ قومي طاوعتني سراتهم ... لأنقذتهم من الحبال أو الخبل
وقال القوم فيما ائتمروا به: الشأم. فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم الشأم من يستمرّ في حوزته، فقال له طلحة والزّبير: فأين؟ قال: البصرة، فإنّ لي بها صنائع ولهم في طلحة هولاً، قالوا: قبحك الله! فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب، فهلاّ أقمت كما أقام معاوية فنكتفي بك، ونأتي الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهب! فلم يجدوا عنده جواباً مقبولاً، حتى إذا استقام لهم الرّأي على البصرة قالوا: يا أمّ المؤمنين، دعي المدينة فإنّ من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها، واشخصي معنا إلى البصرة، فإنّا نأتي بلداَ مضيّعاً، وسيحتجةن علينا فيه ببيعة عليّ بن أبي طالب فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكّة ثم تقعدين، فإن أصلح الله الأمر كان الذي تريدين، وإلاّ احتسبنا ودفعنا عن هذا الأمر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد.
فلما قالوا ذلك لها - ولم يكن ذلك مستقيماً إلاّ بها - قالت: نعم؛ وقد كان أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلّم معها على قصد المدينة، فلمّا تحوّل رأيها إلى البصرة تركن ذلك؛ وانطلق القوم بعدها إلى حفصة، فقالت: رأيي تبعٌ لرأي عائشة؛ حتى إذا لم يبق إلاّ الخروج قالوا: كيف نستقلّ وليس معنا مال نجهّز به الناس! فقال يعلى بن أميّة: معي ستمائة ألف وستمائة بعير فاركبوها؛ وقال ابن عامر: معي كذا وكذا فتجهّزوا به. فنادى المنادي: إنّ أمّ المؤمنين وطلحة والزّبير شاخصون إلى البصرة، فمن كان يريد إعزاز الإسلام وقتال المحلّين والطلب بثأر عثمان ومن لم يكن عنده مركب ولم يكن له جهاز فهذا جهاز وهذه نفقة، فحملوا ستمائة رجل على ستمائة ناقة سوى من كان له مركب - وكانوا جميعاً ألفا - وتجهّزوا بالمال، ونادوا بالرّحيل واستقلّوا ذاهبين. وأرادت حفصة الخروج فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقعدت وبعثت إلى عائشة: أن عبد الله حال بيني وبين الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! وبعثت أمّ الفضل بنت الحارث رجلاً من جهينة يدعى ظفراً، فاستأجرته على أن يطوي ويأتي عليّاً بكتابها، فقدم على عليّ بكتاب أمّ الفضل بالخبر.حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا عليّ، عن أبي مخنف، قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، قال: قال أبو قتادة لعليّ: يا أمير المؤمنين، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قلّدني هذا السيف وقد شمته فطال شيمه، وقد أنَى تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألوا الأمّة غشّاً، فإن أحببت أن تقدّمني، فقدّمني. وقامت أمّ سلمة فقال: يا أمير المؤمنين، لولا أن أعصي الله عزّ وجلّ وأنك لا تقبله منّي لخرجت معك؛ وهذا ابني عمر - والله لهو أعزّ عليّ من نفسي - يخرج معك فيشهد مشاهدك. فخرج لم يزل معه، واستعمله على البحرين ثم عزله، واستعمل النّعمان بن عجلان الزّرقيّ.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا مسلمة، عن عوف، قال: أعان يعلى بن أميّة الزّبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلاً من قريش، وحمل عائشة رضي الله عنها على جمل يقال له عسكر، أخذه بثمانين ديناراً، وخرجوا. فنظر عبد الله بن الزّبير إلى البيت؛ فقال: ما رأيت مثلك بركة طالب خير، ولا هارب من شرّ.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة، قالا: خرج المغيرة وسعيد بن العاص معهم مرحلةً من مكّة، فقال سعيد للمغيرة: ما الرّأي؟ قال: الرّأي والله الاعتزال، فإنّهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله أتيناه، فقلنا: كان هوانا وصغونا معك؛ فاعتزلا فجلسا، فجاء سعيد مكة فأقام بها، ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد.
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت أبي، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزّهريّ، قال: ثمّ ظهرا - يعني طلحة والزّبير - إلى مكة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بأربعة أشهر وابن عامر بها يجرّ الدّنيا، وقدم يعلى بن أميّة معه بمال كثير، وزيادة على أربعمائة بعير، فاجتمعوا في بيت عائشة رضي الله عنها فأرادوا الرّأي، فقالوا: نسير إلى عليّ فنقاتله، فقال بعضهم: ليس لكم طاقة بأهل المدينة، ولكنّا نسير حتى ندخل البصرة والكوفة، ولطلحة بالكوفة شيعةٌ وهوىً، وللزّبير بالبصرة هوىً ومعونة. فاجتمع رأيهم على أن يسيروا إلى ابصرة وإلى الكوفة، فأعطاهم عبد الله بن عامر مالاً كثيراً وإبلا، فخرجوا في سبعمائة رجل من أهل المدينة ومكة، ولحقهم الناس حتى كانوا ثلاثة آلاف رجل، فبلغ عليّاً مسيرهم، فأمّر على المدينة سهل ابن حنيف الأنصاريّ، وخرج فسار حتى نزل ذاقار، وكان مسيره إليها ثمان ليال، ومعه جماعة من أهل المدينة.
حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا هشام بن يوسف قاضي صنعاء، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، عن موسى بن عقبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: لما خرج طلحة والزّبير وعائشة رضي الله عنههم عرضوا الناس بذات عرق، واستصغروا عروة بن الزّبير وأبا بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام فردّوهما.
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا أبو عمرو، عن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، قال: لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق، فقال: أين تذهبون وثأركم على أعجاز الإبل! اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم؛ قالوا: بل نسير فلعلّنا نقتل قتلة عثمان جميعاً. فخلا سعيد بطلحة والزّبير، فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني؛ قالا: لأحدنا أيّنا اختاره الناس. قال: بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه، قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم! قال: أفلا أراني أسعى لأخرجها من بني عبد مناف. فرجع ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال المغيرة بن شعبة: الرّأي ما رأى سعيد، من كان ها هنا من ثقيف فليرجع؛ فرجع ومضى القوم، معهم أبان بن عثمان والوليد بن عثمان، فاختلفوا في الطريق فقالوا: من ندعو لهذا الأمر؟ فخلا الزّبير بابنه عبد الله، وخلا طلحة بعلقمة بن وقّاص الليثيّ - وكان يؤثره على ولده - فقال أحدهما: ائت الشأم، وقال الآخر: ائت العراق، وحاور كلّ واحد منهما صاحبه ثم اتّفقا على البصرة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الأغرّ، قال: لما اجتمع إلى مكّة بنو أميّة ويعلى بن منية وطلحة والزّبير، ائتمروا أمرهم، وأجمع ملؤهم على الطلب بدم عثمان وقتال السبئيّة حتى يثأروا وينتقموا؛ فأمّرتهم عائشة رضي الله عنها بالخروج إلى المدينة، واجتمع القوم على البصرة وردّوها عن رأيها، وقال لها طلحة والزّبير: إنا نأتي أرضاً قد أضيعت وصارت إلى عليّ، وقد أجبرنا عليّ على بيعته، وهم محتجّون علينا بذلك وتاركو أمرنا إلاّ أن تخرجي فتأمري بمثل ما أمرت بمكة، ثمّ ترجعي. فنادى المنادي: إن عائشة تريد البصرة وليس في ستمائة بعير ما تغنون به غوغاء وجلبة الأعراب وعبيداً قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعدين لأوّل واعية. وبعثت إلى حفصة، فأرادت الخروج، فعزم عليها ابن عمر فأقامت؛ فخرجت عائشة ومعها طلحة والزّبير، وأمّرت على الصّلاة عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، فكان يصلّي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل، وخرج معها مروان وسائر بني أميّة إلاّ من خشع، وتيامنت عن أوطاس؛ وهم ستمائة راكب سوى من كانت له مطيّة، فتركت الطّريق ليلةً وتيامنت عنها كأنهم سيّارة ونجعة، مساحلين لم يدن من المنكدر ولا واسط ولا فلج منهم أحد، حتّى أتوا البصرة في عام خصيب. وتمثّلت:
دعي بلاد جموع الظّلم إذ صلحت ... فيها المياه وسيري سير مذعور
تخيّري النّبت فارعي ثمّ ظاهرة ... وبطن واد من الضّمّار ممطور
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عمر بن راشد اليماميّ، عن أبي كثير السّحيميّ، عن ابن عباس، قال: خرجد أصحاب الجمل في ستمائة، معهم عبد الرّحمن بن أبي بكرة وعبد الله بن صفوان الجمحيّ، فلما جاوزا بئر ميمون إذا هم بجزور قد نحرت ونحرها ينثعب، فتطيّروا. وأذّن مروان حين فصل من مكة ثمّ جاء حتى وقف عليهما، فقال: أيّكما أسلّم بالإمرة وأؤذّن بالصّلاة؟ فقال عبد الله بن الزّبير: على أبي عبد الله، وقال محمد بن طلحة: على أبي محمد. فأرسلت عائشة رضي الله عنها إلى مروان فقالت: مالك؟ أتريد أن تفرّق أمرنا! ليصلّ ابن أختي، فكان يصلّي بهم عبد الله بن الزّبير حتى قدم البصرة، فكان معاذ بن عبيد الله يقول: والله لو ظفرنا لافتتنّا ما خلّى الزّبير بين طلحة والأمر، ولا خلّى طلحة بين الزّبير والأمر.
خروج عليّ إلى الرّبذة يريد البصرة كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: جاء عليّاً الخبر عن طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين، فأمّر على المدينة تمّام بن العباس، وبعث إلى مكّة قثم بن العباس، وخرج وهو يرجو أن يأخذهم بالطريق وأراد أن يعترضهم، فاستبان له بالرّبذة أن قد فاتوه، وجاءه بالخبر عطاء بن رئاب مولى الحارث بن حزن.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: بلغ عليّاً الخبر - وهو بالمدينة - باجتماعهم على الخروج إلى البصرة وبالّذي اجتمع عليه ملؤهم؛ طلحة والزّبير وعائشة ومن تبعهم، وبلغه قول عائشة، وخرج عليّ يبادرهم في تعبيته التي كان تعبّى بها إلى الشام، وخرج معه من نشط من الكوفيّين والبصريّين متخفّفين في سبعمائة رجل، وهو يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها؛ فوالله لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا يعود إليها سلطان المسلمين أبداً. فسبّوه، فقال: دعو الرّجل؛ فنعم الرّجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم! وسار حتى انتهى إلى الرّبذة فبلغه ممرّهم، فأقام حين فاتوه يأتمر بالرّبذة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن خالد بن مهران البجليّ، عن مروان بن عبد الرحمن الخميسيّ، عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان رضي الله عنه، فلما انتهينا إلى الرّبذة - وذلك في وجه الصّبح - إذا الرّفاق وإذا بعضهم يحدو بعضاً، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أمير المؤمنين، فقلت: ما له؟ قالوا: غلبة طلحة والزّبير، فخرج يعترض لهم ليردّهما، فبلغه أنهما قد فاتاه، فهو يريد أن يخرج في آثارهما، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! آتي عليّاً فأقاتل معه هذين الرّجلين وأمّ المؤمنين أو أخالفه! إنّ هذا لشديد. فخرجت فأتيته، فأقيمت الصّلاة بغلس، فتقدّم فصلّى، فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فجلس فقال: قد أمرتك فعصيتني، فتقتل غداً بمضيعة لا ناصر لك، فقال عليّ: إنك لا تزال تخنّ خنين الجارية! وما الّذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان رضي الله عنه أن تخرج من المدينة فيقتل ولست بها، ثمّ أمرتك يوم قتل ألا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمممصار والعرب وبيعة كلّ مصر، ثمّ أمرتك حين فعل هذان الرّجلان مما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا، فإن كان الفساد كان على يدي غيرك؛ فعصيتني في ذلك كله. قال: أي بنيّ، أمّا قولك: لو خرجت من الممدينة حين أحيط بعثمان؛ فولله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولك: لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار، فإنّ الأمر أمر أهل المدينة، وكرهنا أن يضيع هذا الأمر. وأما قولك حين خرج طلحة والزّبير، فإنّ ذلك كان وهناً على أهل الإسلام، ووالله ما زلت مقهوراً مذ وليت، منقوصاً لا أصل إلى شيء مما ينبغي. وأما قولك: اجلس في بيتك، فكيف لي بما قد لزمني! أو من تريدني؟ أتريد أن أكون مثل الضبع التي يحاطب ها ويقال: دباب دباب! ليست ها هنا حتى يحلّ عرقوباها ثم تخرج؛ وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه! فكفّ عنك أي بنيّ.
شراء الجمل لعائشة رضي الله عنها، وخبر كلاب الحوءب
حدّثني إسماعيل بن موسى الفزاريّ، قال: أخبرنا عليّ بن عابس الأزرق، قال: حدّثنا أبو الخطّاب الهجريّ، عن صفوان بن قبيضة الأحمسيّ، قال: حدّثني العرنيّ صاحب الجمل، قال: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحب الجمل، تبيع جملك؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بألف درهم، قال: مجنون أنت! جملٌ يباع بألف درهم! قال: قلت: نعم، جملي هذا، قال: وممّ ذلك؟ قلت: ما طلبت عليه أحداً قطّ إلاّ أدركته، ولا طلبني وأنا عليه أحد إلا فتّه. قال: لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا، قال: قلت: ولمن تريده؟ قال: لأمّك، قلت: لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحا، قال: إنما أريده لأمّ المؤمنين عائشة، قلت: فهو لك، فخذه بغير ثمن، قال: لا، ولكن ارجع معنا إلى الرّحل فلنعطك ناقة مهريّة ونزيدك دراهم، قال: فرجعت فأعطوني ناقةً لها مهرّية، وزادوني أربعمائة أو ستمائة درهم، فقال لي: يا أخا عرينة، هل لك دلالة بالطريق؟ قال: قلت: نعم، أنا من أدرك الناس، قال: فسر معنا، فسرت معهم فلا أمرّ على واد ولا ماء إلاّ سألوني عنه؛ حتى طرقنا ماء الحوءب فنبحتنا كلابها، قالوا: أيّ ماء هذا؟ قلت: ماء الحوءب، قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوءب طروقاً، ردّوني! تقول ذلك ثلاثاً. فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك، وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد. قال: فجاءها ابن الزّبير فقال: النّجاء النّجاء، فقد أدرككم والله عليّ بن أبي طالب! قال: فارتحلوا وشتموني، فانصرفت، فما سرت إلاّ قليلاً وإذا أنا بعليّ وركب معه نحو من ثلثمائة، فقال لي عليّ: يأيّها الراكب! فأتيته فقال: أين أتيت الظّعينة؟ قلت: في مكان كذا وكذا، وهذه ناقتها، وبعتهم جملي، قال: وقد ركبته؟ قلت: نعم؛ وسرت معهم حتى أتينا ماء الحوءب فنبحت عليها كلابها، فقالت كذا وكذا، فلما رأيت اختلاط أمرهم انفتلت وارتحلوا؛ فقال عليّ: هل لك دلالة بذي قار؟ قلت: لعليّ أدلّ الناس، قال: فسر معنا؛ فسرنا حتى نزلنا ذا قار، فأمر عليّ بن أبي طالب بجوالقين فضمّ أحدهما إلى صاحبه، ثم جىء برحل فوضع عليهما، ثم جاء يمشي حتى صعد عليه، وسدل رجليه من جانب واحد، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على محمّد صلى الله عليه وسلّم، ثم قال: قد رأيتم ما صنع هؤلاء القوم وهذه المرأة. فقام إليه الحسن فبكى، فقال له عليّ: قد جئت تخنّ خنين الجارية! فقال: أجل، أمرتك فعصيتني، فأنت اليوم تقتل بمضيعة لا ناصر لك، قال: حدّث القوم بما أمرتني به، قال: أمرتك حين سار الناس إلى عثمان ألاّ تبسط يدك ببيعة حتى تجول جائلة العرب، فإنهم لن يقطعوا أمراً دونك، فأبيت عليّ، وأمرتك حين سارت هذه المرأة وصنع هؤلاء القوم ما صنعوا أن تلزم المدينة وترسل إلى من استجاب لك من شيعتك، قال عليّ: صدق والله، ولكن والله يا بنيّ ما كنتُ لأكون كالضّبع تستمع للّدم، إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قبض وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر مني، فبايع الناس أبا بكر، فبايعت كما بايعوا، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر مني، فبايع الناس عمر بن الخطاب، فبايعت كما بايعوا، ثمّ إنّ عمر رضي الله عنه عنه هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منّي، فجعلني سهماً من ستّة أسهم، فبايع الناس عثمان فبايعت كما بايعوا، ثم سار الناس إلى عثمان رضي الله عنه فقتلوه، ثم أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين، فأنا مقاتل من خالفني بمن اتّبعني حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين.
قول عائشة والله لأطلبنّ بدم عثمان وخروجها وطلحة والزّبير فيمن تبعهم إلى البصرة
كتب إليّ عليّ بن أحمد بن الحسن العجليّ أن الحسين بن نصر العطار، قال: حدّثنا أبي نصر بن مزاحم العطار، قال: حدّثنا سيف بن عمر، عن محمد بن نويرة وطلحة بن الأعلى الحنفيّ. قال: وحدّثنا عمر بن سعد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العلم؛ أنّ عائشة رضي الله عنها لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة، لقيها عبد بن أمّ كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم؟ قال: قتلوا عثمان رضي الله عنه، فمكثوا ثمانياً؛ قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز؛ اجتمعوا على عليّ بن أبي طالب. فقالت: والله ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك! ردّوني ردّوني، فانصرفت إلى مكّة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنّ بدمه، فقال لها ابن أمّ كلاب: ولم؟ فوالله إنّ أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر؛ قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل؛ فقال لها ابن أمّ كلاب:
فمنك البداء ومنك الغير ... ومنك الرّياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنّه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السّقف من فوقنا ... ولم تنكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا تدرإ ... يزيل الشّبا ويقيم الصّعر
ويلبس للحرب أثوابها ... وما من وفى مثل من قد غدر
فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر، فستّرت واجتمع إليها الناس، فقالت: يأيّها الناس، إنّ عثمان قتل مظلوماً، ووالله لأطلبنّ بدمه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان عليّ في همّ من توجه القوم لا يدري إلى أين يأخذون! وكان أن يأتوا البصرة أحبّ إليه. فلما تيقّن أنّ القوم يعارضون طريق البصرة سرّ بذلك، وقال: الكوفة فيها رجال العرب وبيوتاتهم، فقال له ابن عباس: إنّ الذي يسرّك من ذلك ليسوؤني، إنّ الكوفة فسطاط فيه أعلام من أعلام العرب، ولا يحملهم عدّة القوم، ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمر لا يناله؛ فإذا كان كذلك شغب عليّ الذي قد نال حتى يفشأه فيفسد بعضهم على بعض. فقال عليّ: إن الأمر ليشبه ما تقول، ولكنّ الأثرة لأهل الطاعة وألحق بأحسنهم سابقة وقدمة، فإن استووا أعفيناهم واجتبرناهم، فإن أقنعهم ذلك كان خيراً لهم، وإن لم يقنعهم كلّفونا إقامتهم وكان شرّاً على من هو شرّ له. فقال ابن عباس: إن ذلك لأمر لا يدرك إلاّ بالقنوع.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لمّا اجتمع الرّأي من طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين ومن بمكة من المسلمين على السّير إلى البصرة والانتصار من قتلة عثمان رضي الله عنه، خرج الزّبير وطلحة حتى لقيا ابن عمر ودعواه إلى الخفوف، فقال: إني امرؤ من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض أنهض، وإن يجتمعوا على القعود أقعد، فتركاه ورجعا.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن أبي مليكة، قال: جمع الزّبير بنيه حين أراد الرّحيل، فودّع بعضهم وأخرج بعضهم، وأخرج ابني أسماء جميعاً، فقال: يا فلان أقم، يا عمرو أقم. فلما رأى ذلك عبد الله بن الزّبير، قال: يا عروة أقم، ويا منذر أقم، فقال الزّبير: ويحك! أستصحب ابنيّ وأستمتع منهما، فقال: إن خرجت بهم جميعاً فاخرج، وإن خلّفت منهم أحداً فخلّفهما ولا تعرّض أسماء للثّكل من بين نسائك. فبكى وتركهما، فخرجوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس تيامنوا وسلكوا طريقاً نحو البصرة، وتركوا طريقها يساراً، حتى إذا دنوا منها فدخلوها ركبوا المنكدر.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن الشّهيد، عن ابن أبي مليكة، قال: خرج الزّبير وطلحة ففصلا، ثمّ خرجت عائشة فتبعها أمّهات المؤمنين إلى ذات عرق، فلم ير يوم كان أكثر باكياً على الإسلام أو باكياً له من ذلك اليوم، كان يسمّى يوم النّحيب. وأمّرت عبد الرحمن بن عتّاب، فكان يصلّي بالناس، وكان عدلاً بينهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن معن السّلميّ، قال: لما تيامن عسكرها عن أوطاس أتوا على مليح بن عوف السّلميّ، وهو مطلع ما له، فسلّم على الزبير، وقال: يا أبا عبد الله، ما هذا؟ قال: عدي على أمير المؤمنين رضي الله عنه فقتل بلا ترة ولا عذر، قال: ومن؟ قال: الغوغاء من الأمصار ونزّاع القبائل، وظاهرهم الأعراب والعبيد، قال: فتريدون ماذا؟ قال: ننهض الناس فيدرك بهذا الدّم لئلاّ يبطل، فإن في إبطاله توهين سلطان الله بيننا أبداً؛ إذا لم يفطم الناس عن أمثالها لم يبق إمام إلاّ قتله هذا الضّرب، قال: والله إنّ ترك هذا لشديد، ولا تدرون إلى أين ذلك يسير! فودّع كلّ واحد منهما صاحبه، وافترقا ومضى الناس.
دخولهم البصرة والحرب بينهم وبين عثمان بن حنيف كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ومضى الناس حتى إذا عاجوا عن الطريق وكانوا بفناء البصرة، لقيهم عمير ابن عبد الله التميميّ، فقال: يا أمّ المؤمنين، أنشدك بالله أن تقدمي اليوم على قوم تراسلي منهم أحداً فيكفيكهم! فقالت: جئتني بالرأي، امرؤ صالح، قال: فعجّلي ابن عامر فليدخل، فإنّ له صنائع فليذهب إلى صنائعه فليلقوا الناس حتى تقدمي ويسمعوا ما جئتم فيه. فأرسلته فاندسّ إلى البصرة، فأتى القوم. وكتبت عائشة رضي الله عنها إلى رجال من أهل البصرة، وكتبت إلى الأحنف بن قيس وصبرة بن شيمان وأمثالهم من الوجوه، ومضت حتى إذا كانت بالحفير انتظرت الجواب بالخبر؛ ولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين - وكان رجل عامّة - وألزّه بأبي الأسود الدؤليّ - وكان رجل خاصّة - فقال: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها وعلم من معها، فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير، فاستأذنا فأذنت لهما، فسلّما وقالا: إنّ أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك، فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطّى لبنيه الخبر. إنّ الغوغاء من أهل الأمصار ونزّاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر، فاستحلّوا الدّم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلّوا البلد الحرام، والشهر الحرام، ومزّقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارّين مضرّين، غير نافعين ولا متّقين؛ لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا. وقرأت: " لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين النّاس " . ننهض في الإصلاح ممن أمر الله عزّ وجلّ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ الصغير والكبير والذّكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به، ونحضّكم عليه، ومنكر ننهاكم عنه، ونحثّكم على تغييره.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: فخرج أبو الأسود وعمران من عندها فأتيا طلحة فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليّاً؟ قال: بلى، واللّجّ على عنقي، وما أستقيل عليّاً إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان، ثمّ أتيا الزّبير فقالا: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليّاً؟ قال: بلى، واللجّ على عنقي، وما أستقيل عليّاً إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. فرجعا إلى أمّ المؤمنين فودّعاها فودّعت عمران، وقالت: يا أبا الأسود إيّاك أن يقودك الهوى إلى النار، " كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط... " الآية. فسرّحتهما؛ ونادى مناديها بالرّحيل، ومضى الرجلان حتى دخلا على عثمان بن حنيف، فبدر أبو الأسود عمران فقال:
يا بن حنيف قد أتيت فانفر ... وطاعن القوم وجالد واصبر
وابرز لهم مستلئماً وشمّر
فقال عثمان: إنا لله وإنا إليه راجعون! دارت رحا الإسلام وربّ الكعبة؛ فانظروا بأيّ زيفان تزيف! فقال عمران: إي والله لتعركنّكم عركاً طويلاً ثم لا يساوي ما بقي منكم كثير شيء؛ قال: فأشر عليّ يا عمران، قال: إني قاعد فاقعد، فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين عليّ، قال عمران: بل يحكم الله ما يريد، فانصرف إلى بيته، وقام عثمان في أمره، فأتاه هشام بن عامر فقال: يا عثمان، إنّ هذا الأمر الذي تروم يسلم إلى شرٍّ مما تكره، إنّ هذا فتق لا يرتق، وصدع لا يجبر، فسامحهم حتى يأتي أمر عليّ ولا تحادّهم، فأبى ونادى عثمان في الناس وأمرهم بالتّهيّؤ، ولبسوا السّلاح، واجتمعوا إلى المسجد الجامع، وأقبل عثمان على الكيد فكاد الناس لينظر ما عندهم، وأمرهم بالتهيّؤ، وأمر رجلاً ودسّه إلى الناس خدعاً كوفيّاً قيسيّاً، فقام فقال: يأيّها الناس، أنا قيس بن العقدّية الحميسيّ، إنّ هؤلاء القوم الذين جاءوكم إن كانوا جاءوكم خائفين فقد جاءوا من المكان الذي يأمن فيه الطير، وإن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان رضي الله عنه فما نحن بقتلة عثمان. أطيعوني في هؤلاء القوم فردّوهم من حيث جاءوا. فقام الأسود ابن سريع السعديّ، فقال: أو زعموا أنّا قتلة عثمان رضي الله عنه! فإنما فزعوا إلينا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا، فإن كان القوم أخرجوا من ديارهم كما زعمت، فمن يمنعهم من إخراجهم الرجال أو البلدان! فحصبه الناس، فعرف عثمان أنّ لهم بالبصرة ناصراً ممن يقوم معهم، فكسره ذلك. وأقبلت عائشة رضي الله عنها فيمن معها، حتى إذا انتهوا إلى المربد ودخلوا من أعلاه أمسكوا ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يخرج إليها ويكون معها، فاجتمعوا بالمربد وجعلوا يثوبون حتى غصّ بالناس.
فتكلّم طلحة وهو في ميمنة المربد ومعه الزّبير وعثمان في ميسرته، فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان رضي الله عنه وفضله والبلد وما استحلّ منه، وعظّم ما أتي إليه، ودعا إلى الطلب بدمه، وقال: إنّ في ذلك إعزاز دين الله عزّ وجلّ وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه حدّ من حدود الله، وإنّكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم، وإن تركتم لم يقم لكم سلطان، ولم يكن لكم نظام.
فتكلم الزّبير بمثل ذلك. فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبراً، وقالا الحق، وأمرا بالحقّ. وقال من في ميسرته: فجرا وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به، قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان! وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. فتكلّمت عائشة - وكانت جهوريّة يعلو صوتها كثرة كأنّه صوت امرأة جليلة - فحمدت الله جلّ وعزّ وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان رضي الله عنه ويزرون على عمّاله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون حسناً من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريّاً تقيّاً وفيّاً ونجدهم فجرة كذبة يحاولون غير ما يظهرون. فلما قووا على المكاثرة كاثروه فاقتحموا عليه داره، واستحلوا الدّم الحرام، والمال الحرام، بلا ترة ولا عذر، ألا إن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان رضي الله عنه وإقامة كتاب الله عزّ وجلّ: " ألم تر إلى الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم " .
فافترق أصحاب عثمان ابن حنيف فرقتين، فقالت فرقة: صدقت والله وبرت؛ وجاءت والله بالمعروف؛ وقال الآخرون: كذبتم والله ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا، فلما رأت ذلك عائشة انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان حتى وقفوا في المربد في موضع الدبّاغين، وبقي أصحاب عثمان على حالهم يتدافعون حتى تحاجزوا، ومال بعضهم إلى عائشة، وبقي بعضهم مع عثمان على فم السكة. وأتى عثمان ابن حنيف فيمن معه، حتى إذا كانوا على فم السكة، سكة المسجد عن يمين الدّباغين استقبلوا الناس فأخذوا عليهم بفمها.
وفيما ذكر نصر بن مزاحم، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم ابن محمد، قال: وأقبل جارية بن قدامة السّعديّ، فقال: يا أمّ المؤمنين؛ والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك وأبحت حرمتك، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك، وإن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهةً فاستعيني بالناس. قال: فخرج غلام شاب من بنس سعد إلى طلحة والزّبير، فقال: أمّا أنت يا زبير فحواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأمّا أنت يا طلحة فوقيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيدك، وأرى أمّكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيء، واعتزل. وقال السعديّ في ذلك:
صنتم حلائلكم وقدتم أمّكم ... هذا لعمرك قّلة الإنصاف
أمرت بجر ذيولها في بيتها ... فهوت تشقّ البيد بالإيجاف
غرضاً يقاتل دونها أبناؤها ... بالنّبل والخطّيّ والأسياف
هتكت بطلحة والزُّبير ستورها ... هذا مالمخبر عنهم والكافي
وأقبل غلام من جهينة على محمد بن طلحة - وكان محمد رجلاً عابداً - فقال أخبرني عن قتلة عثمان! فقال: نعم، دم عثمان ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج - يعني عائشة - وثلث على صاحب الجمل الأحمر - يعني طلحة، وثلث على عليّ بن أبي طالب؛ وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال! من ولحق بعليّ، وقال في ذلك مشعراً:
سألت ابن طلحة عن هالك ... بجوف المدينة لم يقبر
فقال ثلاثة رهط هم ... أماتوا ابن عفّان واستعبر
فثلث على تلك في خدرها ... وثلث على راكب الأحمر
وثلث على ابن أبي طالب ... ونحن بدوّيّة قرقر
فقلت صدقت على الأوّلين ... وأخطأت في الثالث الأزهر
رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة. قال: فخرج أبو الأسود وعميان وأقبل حكيم بن جبلة؛ وقد خرج وهو على الخيل، فأنشب القتال، وأشرع أصحاب عائشة رضي الله عنها رماحهم وأمسكوا ليمسكوا فلم ينته ولم يثن، فقاتلهم وأصحاب عائشة كافّون إلاّ ما دافعوا عن أنفسهم، وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها، ويقول: إنها قريش ليردينّها جبنها والطيّش، واقتتلوا على فم السكة، وأشرف أهل الدور ممن كان له في واحد من الفريقين هوى، فرموا باقي الآخرين بالحجارة، وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها مليّاً، وثار إليهم الناس، فحجز الليل بينهم. فرجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وجاء أبو الجرباء؛ أحد بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم إلى عائشة وطلحة والزّبير، فأشار عليهم بأمثل من مكانهم فاستنصحوه وتابعوا رأيه، فساروا من مقبرة بني مازن فأخذوا على مسنّاة البصرة من قبل الجبَّانة حتى انتهوا إلى الزّابوقة، ثم أتوا مقبرة بني حصن وهي متنحيّة إلى دار الرّزق، فباتوا يتأهّبون، وبات الناس يسيرون إليهم، وأصبحوا وهم على رجل في ساحة دار الرّق، وأصبح عثمان بن حنيف فغاداهم، وغدا حكيم بن جبلة وهو يبربر وفي يده الرّمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الذي تسبّ وتقول له ما أسمع؟ قال: عائشة، قال: يا بن الخبيثة، ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فوضع حكيم السّنان بين ثدييه فقتله. ثمّ مرّ بامرأة وهو يسبّها - يعني عائشة - فقالت: من هذا الذّي ألجأك إلى هذا؟ قال: عائشة، قالت: يابن الخبيثة، ألأمّ المؤمنين تقول هذا! فطعنها بين ثدييها فقتلها. ثمّ سار، فلما اجتمعوا واقفوهم، فاقتتلوا بدار الرّزق قتالاً شديداً من حين بزغت الشمس إلى أن زال النهار وقد كثر القتلى في أصحاب ابن حنيف وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادى عائشة يناشدهم ويدعوههم إلى الكفّ فيأبون، حتى إذا مسّهم الشرّ وعضَهم نادوا أصحاب عائشة إلى الصّلح والمتات. فأجابوهم وتواعدوا، وكتبوا بينهم كتاباً على أن يبعثوا رسولاً إلى المدينة؛ وحتى يرجع الرّسول من المدينة، فإن كانا أكرها خرج عثمان عنهما وأخلى لهما البصرة، وإن لم يكونا أكرها خرج طلحة والزّبير:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اصطلح عليه طلحة والزّبير ومن معهما من المؤمنين والمسلمين، وعثمان بن حنيف ومن معه من المؤمنين والمسلمين.
إنّ عثمان يقيم حيث أدركه الصّلح على ما في يده، وإنّ طلحة والزّبير يقيمان حيث أدركهما الصّلح على ما في أيديهما، حتى يرجع أمين الفريقين ورسولهم كعب بن مسور من المدينة. ولا يضارّ واحدٌ من الفريقين الآخر في مسجد ولا سوق ولا طيريق ولا فرضة، بينهم عيبة مفتوحة حتى يرجع كعب بالخبر؛ فإن رجع بأنّ القوم أكرهوا طلحة والزّبير فالأمر أمرهما، وإن شاء عثمان خرج حتى يلحق بطيّته، وإن شاء دخل معهما؛ وإن رجع بأنّهما لم يكرها فالأمر أمر عثمان، فإن شاء طلحة والزّبير أقاما على طاعة عليّ وإن شاءا خرجا حتى يلحقا بطيّتهما؛ والمؤمنون أعوان الفالح منهما.
فخرج كعب حتى يقدم المدينة، فاجتمع الناس لقدومه، وكان قدومه يوم جمعة، فقام كعب فقال: يا أهل المدينة، إني رسول أهل البصرة إليكم؛ أأكره هؤلاء القوم هذيه الرّجلين على بيعة عليّ، أم أتياها طائعين؟ فلم يجبه أحد من القوم إلاّ ما كان من أسامة بن زيد، فإنه قام فقال: اللهم إنهما لم يبايعا إلاّ وهما كارهان. فأمر به تمّام، فواثبه سهل بن حنيف والناس، وثار صهيب بن سنان وأبو أيّوب بن زيد، في عدّة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فيهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يقتل أسامة، فقال: اللهم نعم؛ فانفرجوا عن الرّجل؛ فانفرجوا عنه، وأخذ صهيب بيده حتى أخرجه فأدخله منزله، وقال: قد علمت أن أمّ عامر حامقة، أما وسعك ما وسعنا من السكوت! قال: لا والله، ما كنت أرى أن الأمر يترامى إلى ما رأيت وقد أبسلنا لعظيم. فرجع كعب وقد اعتدّ طلحة والزّبير فيما بين ذلك بأشياء كلها كانت مما يعتدّ به، منها أنّ محمد بن طلحة - وكان صاحب صلاة - قام مقاماً قريباً من عثمان بن حنيف، فخشى بعض الزّطّ والسيابجة أن يكون جاء لغير ما جاء له، فنحيّاه، فبعثا إلى عثمان، هذه واحدة.
وبلغ عليّا الخبر الذي كان بالمدينة من ذلك، فبادر بالكتاب إلى عثمان يعجّزه ويقول: والله ما أكرها إلا كرهاً على فرقة، ولقد أكرها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرنا ونظرا. فقدم الكتاب على عثمان بن حنيف، وقدم كعب فأرسلوا إلى عثمان أن اخرج عنا، فاحتجّ عثمان بالكتاب وقال: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه؛ فجمع طلحة والزّبير الرّجال في ليلة مظلمة باردة ذات رياح ونجى. ثمّ قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء - وكانوا يؤخّرونها - فأبطأ عثمان بن حنيف فقدّ ما عبد الرّحمن بن عتاب، فشهر الزّطّ والسيابجة السلاح ثم وضعوه فيهم. فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد وصبروا لهم، فأناموهم وهم أربعون، وأدخلوا الرّجال على عثمان ليخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطّؤوه وما بقيت في وجههه شعرة، فاسعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة بالذي كان، واستطلعا رأيها. فأرسلت إليهما أن خلّوا سبيله فليذهب حيث شاء ولا تحبسوه، فأخرجوا الحرس الذين كانوا مع عثمان في القصر ودخلوه، وقد كانوا يعتقبون حرس عثمان في كلّ يوم وفي كلّ ليلة أربعون، فصلّى عبد الرحمن بن عتاب بالناس العشاء والفجر، وكان الرّسول مفيما بين عائشة وطلحة والزّبير هو، أتاها بالخبر، وهو رجع إليهما بالجواب، فكان رسول القوم.
حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن عن أبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن سهل بن سعد، قال: لماأخذوا عثمان بن حنيف أرسلوا أبان بن عثمان إلى عائشة يستشيرونها في أمره، قالت: اقتلوه، فقالت لها امرأة: نشدتك بالله يا أمّ المؤمنين في عثمان وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلّم! قالت: ردّوا أباناً، فردّوه، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه، فقال: لو علمت أنّك تدعينني لهذا لم أرجع، فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا شعر لحيته، فضربوه أرعين سوطاً، ونتفوا شعر لحيته ورأسه وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه.
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثناأبي، قال: حدّثني وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهرّيّ، قال بلغني أنه لما بلغ طلحة والزّبير منزل عليّ بذي قار انصرفوا إلى البصرة، فأخذوا على المنكدر، فسمعت عائشة رضي الله عنه نباح الكلاب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ فقالوا: الحوءب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعوه! إني لهيه، قد سمعت رسول صه صلى الله عليه وسلّم يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوءب!. فأرادت الرّجوع، فأتاها عبد الله بن الزّبير فزعم أنه قال: كذب من قال إنّ هذا الحوءب. ولم يزل حتى مضت، فقدموا البصرة وعليها عثمان بن حنيف، فقال لهم عثمان: ما نقمتم على صاحبكم؟ فقالوا: لم نره أولى بها منّا، وقد صنع ما صنع، قال: فإنّ الرجل أمرني فأكتب إليه فأعلمه ما جئتم له، على أن أصلّي بالناس حتى يأتينا كتابه، فوقفوا عليه وكتب، فلم يلبث إلاّ يومين حتى وثبوا عليه فقاتلوه بالزّابوقة عند مدينة الرّزق، فظهروا، وأخذوا عثمان فأرادوا قتله، ثم خشوا غضب الأنصار، فنالوه في شعره وجسده. فقام طلحة والزّبير خطيبين فقالا: يا أهل البصرة، توبة بحوبة، إنما أردنا أن يستعتب أمير المؤمنين عثمان ولم نرد قتله، فغلب سفهاء الناس الحلماء حتى قتلوه. فقال الناس لطقحة: يا أبا محمد، قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا، فقال الزبير: فهل جاءكم مني كتاب في شأنه؟ ثمّ ذكر قتل عثمان رضي الله عنه وما أتي إليه، وأظهر عيب عليّ. فقام إليه رجل من عبد القيس فقال: أيّها الرّجل، أنصب حتىنتكلّم، فقال عبد الله بن الزبير: ومالك وللكلام! فقال العبديّ: يا معشر المهاجرين، أنتم أوّل من أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بايعتم رجلاً منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك فرضينا واتّبعناكم، فجعل الله عزّ وجلّ للمسلمين في إمارته بركة، ثمّ مات رضي الله عنه واستخلف عليكم رجلاً منكم، فلم تشاورونا في ذلك، فرضينا وسلّمنا، فلمّا توفي الأمير جعل الأمر إلى ستّة نفر، فاخترتم عثمان وبايعتموه عن غيرمشورة منا، ثمّ أنكرتم من ذلك الرّجل شيئاً، فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثمّ باعيتم عليّاً عن غير مشورة منا، فما الذي نقمتم عليه فنقاتله؟ هل استاثر بفيء، أو علم بغير الحقّ؟ أو عمل شيئاً تنكرونه فنكون معكم عليه! وإلاّ فما هذا! فهمّوا بقتل ذلك الرّجل، فقال من دونه عشيرته؛ فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه، فقتلوا سبعين رجلاً.
رجع الحديث إلى حديث سيف، عن محمد وطلحة. قالا: فأصبح طلحة والزّبير وبيت مالمال والحرس في أيديهما، والناس مععنما، ومن لم يكن معهما مغمور مستسرّ، وبعثا حين أصبحا بأن حكيماً في الجمع، فبعثت: لا تحبسا عثمان ودعاه. ففعلا، فخرج عثمان فمضى لطلبته، وأصبح حكيم بن جبلة في خيله على رجل فيمن تبعه من عبد القيس ومن نزع إليهم من أفناء ربيعة، ثمّ وجّهوا نحو دار الرّزق وهو يقول: لست بأخيه إن لم أنصره، وجعل يشتم عائشة رضي الله عنه، فسمعته امرأة من قومه فقالت: يابن الخبيثة. أنت أولى بذلك! فطعنها فتقلها، فغضبت عبد القيس إلاّ من كان اغتمر منهم، فقالوا: فعلت بالأمس وعدت لمثل ذلك اليوم! والله لندعنّك حتى يقيدك الله. فرجعوا وتركوه، ومضى حكيم بن جبلة فيمن غزا معه عثمان بن عفان وحصره من نزّاع القبائل كلها، وعرفوا أن لا مقام لهم بالبصرة، فاجتمعوا إليه، فانتهى بهم إلى الزّابوقة عند دار الرّزق، وقالت عائشة: لا تقتلوا إلاّ من قاتلكم، ونادوا من لم يكن من قتلة عثمان رضي الله عنه فليكفف عنا، فإنا لا نريد إلا قتله معثمان ولا نبدأ أحداً، فأنشب حكيم القتال ولم يرع للمنادى، فقال طلحة والزّبير: الحمد الله الذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللهمّ لا تبق منهم أحداً، وأقد منهم اليوم فاقتلهم. فجادّ وهم القتال فاقتتلوا أشدّ قتال ومعه أربعة قواد، فكان حكيم بحيال طلحة، وذريج بحيال الزّبير، وابن المحرّش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فزحف طلحة لحكم وهو في ثلثمائة رجل، وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول:
أضربهم باليابس ... ضرب غلام عابس
من الحياةآيس ... في الغرفات نافس
فضرب رجل رجله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فأصاب جسده فصرعه، فأتاه حتى قتله، ثم أتّكأ عليه وقال:
يا فخذ لن تراعى ... إنّ معي ذراعي
أحمى بها كراعي وقال وهو يرتجز:
ليس عليّ أن أوت عار ... والعار في الناس هو الفرار
والمجد لا يفضحه الدّمار فأتى عليه رجل وهو رثيث، رأسه على الآخر، فقال: مالك يا حكيم؟ قال: قتلت، قال من قتلك؟ قال: وسادتي؛ فاحتمله فضمّه في سعين من أصحابه، فتكلم يومئذ حكيم وإنه لقائم على رجل، وإن السيوف لتأخذهم فما يتعتع، مويقول: إنا خلّفنا هذين وقد بايعا عليّاً وأعطياه الطاعة، ثم أقبلا مخالفين محاربين يطلبان بدم عثمان بن عفان، فففرّقا بيننا، ونحن أهل دار وجوار. اللهمّ إنهما لم يريدا عثمان. فنادى مناد: يا خبيث، جزعت حين عضّك نكال الله عزّ وجلّ إلى كلام من نصّبك وأصحابك بما ركبتم من الإمام المظلوم، وفرّقتم من الجماعة، وأصبتم من الدّماء، ونلتم من الدّنيا! فدق وبال الله عزّ وجلّ وانتقامه، وأقيموا فيمن أنتم.
وقتل ذريح ومن معه، وأفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه فلجئوا إلى قومهم، ونادى منادي الزّبير وطلحة بالبصرة: ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم. فجيء بهم كما يجاء بالكلاب، فقتلوا فما أفلت منهم من أهل البصرة جميعاً إلاّ حرقوص بن زهير؛ فإنّ بني سعد منعوه، وكان من بني سعد، فمسّهم في ذلك أمر شديد، وضربوا لهم فيه أجلاً وخشنّوا صدور بني سعد وإنّهم لعثمانية حتى قالوا: نعتزل؛ وغ1بت عبد القسيس حين غضبت سعد لمن قتل منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلى ما هم عليه من لزوم طاعة عليّ، فأمرا للنّاس بأعطياتهم وأرزاقهم وحقوقهم، وفضّلا بالفضل أهل السمع والطاعة. فخرجت عبد القيس وكثير من بكر بن وائل حين زووا عنهم الفضلو، فبادروا إلى بيت المال، وأكبّ عليهم الناس فأصابوا منهم، وخرج القوم حتى نزلوا على طريق عليّ، وأقام طلحة والزّبير ليس معهما بالبصرة ثأر إلاّ حرقوص، وكتبوا إلى أهل الشأم بما صنعوا وصاروا إليه: إنا خرجنا لوضع مالحرب، وإقامة كتاب الله عزّ وجلّ بإقامة حدوده في الشريف والوضيع والكثير والقليل، حتى يكون الله عزّ وجلّ هو الذي يردّنا عن ذلك، فبايعنا خيار أهل البصرة ونجباؤهم؛ وخالفنا شرارهم ونزّاعهم، فردّونا بالسلاح وقالوا فيما قالوا: نأخذ أمّ المؤمنين رهينة؛ أن أمرتهم بالحقّ وحثّتهم عليه. فأعطاهم الله عزّ وجلّ سنّة المسلمين مرّة بعد مرّة، حتى إذا لم يبق حجّة ولا عذر استبسل قتلة أمير المؤمنين فخرجوا إلى مضاجعهم فلم يفلت منهم مخبر إلاّ حرقوص بن زهير، والله سبحانه مقيده إن شاء الله. وكانوا كما وصف الله عزّ وجلّ؛ وإنا نناشدكم الله في أنفسكم إلاّ نهضتم بمثل ما نهضنا به؛ فنلقى الله عزّ وجلّ وتلقونه وقد أعذرنا وقضينا الذّي علينا.
وبعثوا به مع سيّار العجليّ، وكتبوا إلى أهل الكوفة بمثله مع رجل من بني عمرو بن أسد يدعى مظفّر بنم معرَض. وكتبوا إلى أهل المدينة معابن قدامة القشيريّ، فدسّه إلى أهل المدينة.
وكتبت عائشة رضي الله عنها إلى أهل الكوفة مع رسولهم: أمّا بعد فإني أذكركم الله عزّ وجلّ والإسلام، أقيموا كتاب الله بإقامة ما فيه، اتقوا الله واعتصموا بحبله، وكونوا مع كتابه، فإنا قدمنا البصرة فدعوناهم إلى إقامة كتاب الله بإقامة حدوده، فأجابنا الصالحون إلى ذلك؛ واسقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وقالوا: لنتبعنّكم عثمان، ليزيدوا الحدود تعطيلاً، فعاندوا فشهدوا علينا بالكفر وقالوا لنا لامنكر، فقرأنا عليهم: " ألم تر إلى الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم " . فأذعن لي بعضهم، واختلفوا بينهم، فتركناهم وذلك، فلم يمنع ذلك من كان ممنهم على رأيه الأوّل من وضع مالسلاح في أصحابي، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلاّ قاتلوني حتى منعني الله عزّ وجلّ بالصّالحين، فردّ كيدهم في نحورهم، فمكثنا ستّا وعشرين ليلة ندعوهم إلى كتاب الله وإقامة حدوده - وهو حقن الدّماء أن تهراق دون من قد حلّ دمه - فأبوا واحتجوا بأشياء، فاصطلحنا عليها، فخافوا وغدروا وخانوا، فجمع عزّ وجلّ لعثمان رضي الله عنه ثأرهم، فأقادهم فلم يفلت منهم إلاّ رجل، وأرد أنا ه، ومنعنا منهم بعمير ابن مرثد ومرثد بن قيس، ونفر من قيس، ونفر من الرّباب والأزد.
فالزموا الرضا إلاّ عن قتلة عثمان بن عفان حتى يأخذ الله حقّه، ولا تخاصموا الخائنين ولا تمنعوهم، ولا ترضوا بذويّ حدود الله فتكونوا من الظالمين.
فكتبت إلى رجال بأسمائهم. فثبّطوا الناس عن منع هؤلاء القوم ونصرتهم واجلسوا في بيتوتكم؛ فإنّ هؤلاء القوم لم يرضوا بما صنعوا بعثمان بن عفان رضي الله عنه، وفرّقوا بين جماعة الأمة، وخالفوا الكتاب والسنّة، حتى شهدوا علينا فيما أمرناهم به، وحثثناهم عليه من إقامة كتاب الله وإقامة حدوده بالكفر، وقالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصّالحون وعظّموا ما قالوا، وقالوا لنا المنكر، فأنكر ذلك الصّالحون وعظّموا ما قالوا، وقالوا : ما رضيتم أن قتلتم الإمام حتى خرجتم على زوجة نبيكم صلى الله عليه وسلّم وأئمة المسلمين! فعزموا وعثمان بن حني مععم على من أطاعهم من جهّال الناس وغوغائهم على زطّهم وسيابجهم، فلذنا منهم بطائفة من الفسطاط؛ فكان ذلك الدّأب ستة وعشرين يوماً ندعوهم إلى الحقّ وألاّ يحولوا بيننا وبين الحقّ فغدروا وخانوا فلم نقايسهم، واحتجّوا ببيعة طلحة والزّبير؛ فأبردوا بريداً فجاءهم بالحجّة فلم يعرفوا الحقّ، ولم يصبروا عليه؛ فغادوني في الغلس ليقتلوني؛ والذي يحاربهم غيري، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدّة بيتي ومعهم هاد يهديهم إليّ، فوجدوا نفراً على باب بيتي؛ منهمعمير بن مرثد، ومرثد بن قيس، ويزيد بن عبد الله بن مرثد؛ ونفر من قيس، ونفر من الرّباب والأزد، فدارت عليهم الرّحا، فأطاف بهم المسلمون فقتلوهم، وجمع الله عزّ وجلّ كلمة أهل البصرة على ما أجمع عليه الزّبير وطلحة؛ فإذا قتلنا بثأرنا وسعنا العذر. وكانت الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست وثلايين. وكتب عبيد بن كعب في جمادى.
حدّثنا معمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو الحسن، عن عامر بن حفص، عن أشياخه، قال: ضرب عن حكيم بن جبلة رجل من الحدّان يقال له صخيم، فمال رأسه، فتعلّق بجلده، فصار وجههه في قفاه. قال ابن المثنيّ الحدّاني: الذي قتل حكيماً يزيد بن الأسحم الحداني، وجد حكيم قتيلاً بين يزيد بن الأسحم وكعب بن الأسحم، وهما مقتولان.
حدثني عمر، قال: حدثني أبو الحسن، قال: حدثنا أبو بكر الهذليّ، عن أبي المليح، قال: لما قتل حكيم بن جبلة أرادوا أن يقتلوا عثمان بن حنيف، فقال: ما شئتم، أما إن سهل بن حنيف وال على المدينة، وإن قتلتموني انتصر. فخلّوا سبيله. واختلفوا في الصّلاة، فأمّرت عائشة رضي الله عنها عبد الله ابن الزبير فصلّى بالناس، وأراد الزّبير أن يعطي الناس أرزاقهم ويقسم ما في بيت المال، فقال عبد الله ابنه: إن ارتزق الناس تفرّقوا. واصطلحوا على عبد الرحمن بن أبي بكر، فصيّروه على بيت المال.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ، عن أبي بكر الهذليّ، عن الجارود بن أبي سبرة، قال: لمّا كانت الليلة التي أخذ فيها عثمان بن حنيف، وفي رحبة مدينة الرّزق طعام يرتزقه الناس، فأراد عبد الله أن يرزقه أصحابه وبلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان، فقال: لست أخاف الله إن لم أنصره، فجاء في جماعة من عبد القيس وبكر بن وائل وأكثرهم عبد القيس، فأتي ابن الزّبير مدينة الرزق، فقال: مالك يا حكيم؟ قال: نريد أن نرتزق من هذا الطعام، وأن تخلّوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم عليّ، والله لو أجد أعواناً عليكم أخبطكم بهم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإنّ دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم من إخواننا، أما تخافون الله عزّ وجلّ! بم تستحلون سفك الدّماء! قال: بدم عثمان ابن عفان، قال: فالّذين قتلتموهم قتلوا عثمان! أما تخافون مقت الله؟ فقال له عبد الله بن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخليّ سبيل عثمان ابن حنيف حتى يخلع عليّاً، قال حكيم: اللهمّ إنك حكم عدل فاشهد. وقال لأصحابه: إنّي لست في شكّ من قتال هؤلاء، فمن كان في شكّ فلينصرف. وقاتلهم فاقتتلوا قتالاً شديداً، وضرب رجل ساق حكيم فأخذ حكيم ساقه فرماه بها، فأصاب عنقه فصرعه ووقذه ثم حبا إليه فقتله واتّكأ عليه، فمرّ به رجل فقال: من قتلك؟ قال: وسادتي، وقتل سبعون رجلاً من عبد القيس. قال الهذليّ: قال حكيم حين قطعت رجله:
أقول لما جدّ بي زماعي ... للرّجل يا رجلي لن تراعي
إنّ معي من نجدة ذراعي قال عامر ومسلمة: قتل مع حكيم ابنة الأشرف وأخوه الرّعل بن جبلة.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المثنّى بن عبد الله، عن عوف الأعرابيّ، مقال: جاء رجل إلى طلحة والزّبير وهما في المسجد بالبصرة، فقال: نشدتكما مبالله في مسيركما! أعهد إليكما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً! فقام طلحة ولم يجبه، فناشد الزّبير فقال: لا، ولكن بلغنا أنّ عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها.
حدثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا سليمان بن أرقم، عن قتادة، عن أبي عمرة ملوى الزّبير، قال: لما بايع أهل البصرة الزّبير وطلحة، قال الزّبير: إلا ألف فارس أسير بهم إلى عليّ، فإما بيّتّه وإما صبّحته، لعلّي أقتله قبل أن يصل إليها! فلم يجبه أحد، فقال: إنّ هذه لهي الفتنة التي كنا نحدّث عنها؛ فقال له مولاه: أتسميّها فتنة وتقاتل فيها! قال: ويحك! إنا نبصّر ولا نبصر، ما كان أمر قطّ إلاّ علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر! حدّثني أحمد بن منصور، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا هشام بن يوسف، قاضي صنعاء، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزّبير، عن موسى بن عقبة، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، قال: لما خرج طلحة والزّبير وعائشة رضي الله عنه رأيت طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زورك؛ إن كرهت شيئاً فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقّاص، بينا نحن يد واحدة على من سوانا، إذ صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضاً، إنه كان منّي مفي عثمان شيء ليس توبتي إلاّ أن يسفك دمي في طلب دمه. قال: قلت: فردّ محمد ابن طلحة فإنّ لك ضيعة وعيالاً؛ فإن يك شيء يخلفك؛ فقال: ما أحبّ أن مأرى أحداً يخفّ في هذا الأمر فأمنعه. قال: فأتيت محمد بن طلحة فقلت له: لو أقمت، فإن حدث به حدث كنت تخلفه في عياله وضيعته، قال: ما أحبّ أن أسأل الرجال عن أمره.
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف، عن مجالد بن سعيد، قال: لما قدمت عائشة رضي الله عنه البصرة كتبت إلى زيد بن صوحان: من عائشة ابنة أبي بكر أمّ المؤمنين حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أمّا بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم؛ فانصرنا على أمرنا هذا، فإن لم تفعل فخذّل الناس عن عليّ.
فكتب إليها: من زيد بن صوحان إلى عائشة ابنة أبي بكر الصدّيق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أمّا بعد: فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت هذا الأمر ورجعت إلى بيتك، وإلاّ فأنا أوّل من نابذك. قال زيد ابن صوحان: رحم الله أمّ المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها وأمرنا أن نقاتل، فتركت ما أمرت به وأمرتنا به، وصنعت ما أمرنا ونهتنا عنه! ذكر الخبر عن مسير عليّ بن أبي طالب نحو البصرة مما كتب به إليّ السريّ، أن شعيباً حدّثه، قال: حدّثنا سيف، عن عبيدة بن معتّب، عن يزيد الضّخم، قال: لما أتي عليّاً الخبر وهو بالمدينة بأمر عائشة وطلحة والزّبير أنهم قد توجّهوا نحن العراق، خرج يبادر وهو يرجو أن يدركهم ويردّهم، فلما انتهى إلى الرّبذة أتاه عنهم أنهم قد أمعنوا، فأقام بالرّبذة أياماً، وأتاه عن القوم أنهم يريدون البصرة، فسرّي بذلك عنه، وقال: إنّ أهل الكوفة أشدّ إليّ حبّاً، وفيهم رءوس العرب وأعلامهم. فكتب إليهم: إنّي قد اخترتكم على الأمصار وإنّي بالأثرة.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: كتب عليّ إلى أهل الكوفة: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني اخترتكم والنزول بين أظهركم لما أعرف من مودّتكم وحبكم لله عزّ وجلّ ولرسوله صلى الله عليه وسلّم، فمن جاءني ونصرني فقد أجاب الحقّ وقضى الذي عليه.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن. قال: حدّثنا حبّان بن موسى، عن طلحة بن الأعلم موبشر بن عاصم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه قال: بعث محمد بن أبي بكر إلى الكوفة ومحمّد بن عون، فجاء الناس إلى أبي موسى يستشيرونه في الخروج، فقال أبو موسى: أمّا سبيل الآخر فأن تقيموا، وأمّا سبيل الدّنيا فأن تخرجوا، وأنتم أعلم. وبلغ المحمّدين قول أبي موسى، فبايناه وأغلظا له، فقال: أما والله إنّ بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكما الذي أرسلكما، إن أردنا أن نقاتل لا نقاتل حتى لا يبقى أحد من قتلة عثمان إلا قتل حيث كان. وخر ج عليّ من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، فقالت أخت عليّ بن عديّ من بني عبد العزّى ابن عبد شمس:
لاهم مفاعقر بعليّ جمله ... ولا تبارك في بعير حمله
ألا عليّ بن عديّ ليس له حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن نمير ابن وعلة، عن الشعبيّ؛ قال: لمّا نزل عليٌّ بالرّبذة أتته جماعة من طيّىء، فقيل لعليّ: هذه جماعة من طيّء قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك؛ قال: جزى الله كلاّ خيراً وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. ثمّ دخلوا عليه فقال عليّ: ما شهدتمونا به؟ قالوا: شهدناك بكلّ ما تحبّ، قال: جزاكم الله خيراً! فقد أسلمتم طائعين وقاتلتم المرتدين ووافيتم بصدقاتكم المسلمين. فنهض سعيد بن عبيد الطائيّ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من الناس من يعبّر لسانه عما في قلبه، وإني والله ما كلّ ما أجد في قلبي يعبّر عنه لساني وسأجهد وبالله التوفيق، أمّا أنا فسأنصح لك في السرّ والعلانية وأقاتل عدوّك في كلّ موطن وأرى لك من الحقّ ما لا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك وقرابتك. قال: رحمك الله! قد أدّى لسانك عما يجنّ ضميرك. فقتل معه بصفّين رحمه الله.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما قدم عليّ الرّبذة أقام بها وسرّح منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر؛ وكتب إليهم: إني اخترتكم معلى الأمصار وفزعتت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وأيّدونا وانهضوا إلينا فالإصلاح ما نريد، لتعود الأمة إخواناً، ومن أحبّ ذلك وآثره فقد أحبّ الحقّ وآثره، ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحقّ وغمصه.
فمضى الرّجلان وبقى عليّ بالرّبذة يتهيّأ، وأرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد ما دابّة وسلاح، وأمر أمره وقام في الناس فخطبهم؛ وقال: إنّ الله عزّ وجلّ أعزّنا بالإسلام ورفعنا به وجعلنا به إخواناً بعد ذلّة وقلّة وتباغض وتباعد؛ فجرى الناس على ذلك ما شاء الله؛ الإسلام دينهم والحقّ فيهم والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرّجل بأيدي هؤلاء القوم الذّين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا إنّ هذه الأمّة لا بدّ مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم، فنعوذ بالله من شرّ ما هو كائن. ثمّ عاد ثانية، فقال: إنه لا بدّ مما هو كائن أن يكون، ألا وأنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة؛ شرّها فرقة تنتحلى ولا تعمل بعملي، فقد أدركتم ورأيتم فالزموا دينكم واهدوا بهدى نبيّكم صلى الله عليه وسلّم، وأتّبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه وما أنكره فردّوه، وارضوا بالله جلّ وعزّ ربّا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلّم نبيّاً، وبالقرآن حكماً وإماماً.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما أردا عليّ الخروج من الرّبذة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين، أيّ شيء تريد؟ وإلى أين تذهب بنا؟ فقال: أمّا الذي نريد وننوي فالإصلاح؛ إن قبلوا منّا وأجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبوا إليه؟ قال: ندعهم بعذرهم ونعطيهم الحقّ ونصبر؛ قال: فإن لم يرضوا؟ قال ندعهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتعنا منهم، قال: فنعم إذاً. وقام الحجّاج بن غزّية الأنصاريّ فقال: لأرضينّك بالفعل كما أرضيتني بالقول. وقال:
دراكها دراكها قبل الفوت ... وانفر بنا واسم بنا نحو الصّوت
لا وألت نفسي إن هبت الموت والله لأنصرنّ الله عز وجلّ كما سمّاناً أنصاراً. فخرج أمير المؤمنين وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجرّاح، والرّاية مع محمّد بن الحنفيّة، وعلى الميمنة عبد الله بن عباس، وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، وخرج عليّ وهو في سبعمائة وستين؛ وراجز عليّ يرجز به:
سيروا أبابيل وحثّوا السّيرا ... إذ عزم السّير وقولوا خيرا
حتّى يلاقوا وتلاقوا خيرا ... نغزو بها طلحة والزّبيرا
وهو أمام أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين عليّ على ناقة له حمراء يقود فرساً كميتاً. فتلقّاهم بفيد غلام من بني سعد بن ثعلبة بن عامر يدعى مرّة، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أمير المؤمنين، فقال: سفرة فانية فيها دماء من نفوس فانية، فسمعها عليّ فدعاه، فقال: ما اسمك؟ قال: مرّة، قال: أمرّ الله عيشك، كاهن سائر اليوم؟ قال: بل عائف؛ فلما نزل بفيد أتته أسد وطيّيء فعرضوا عليه أنفسهم، فقال: الزموا قراركم، في المهاجرين كفاية. وقدم رجل من أهل الكوفة فيد قبل خروج عليّ فقال: من الرجل؟ قال: عامر بن مطر، قال: الليثيّ؟ قال الشيبانيّ: قال: أخبرني عما وراءك، قال: فأخبره حتى سأله عن أبي موسى، مفقال: إن أردت الصّلح مفأبو موسى صاحب ذلك، وإن أردت القتال فأبو موسى ليس بصاحب ذلك، قال: والله ما أريد إلا الإصلاح حتى يردّ علينا، قال: قد أخبرتك لخبر، وسكت وسكت عليّ.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي محمد، عن عبد الله بن عمير، معن محمد بن الحنفيّة. قال: قدم عثمان بن حنيف على عليّ بالرّبذة وقد نتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، فقال: يا أمير المؤمنين، يعثتني ذا لحية وجئتك أمرد، قال: أصبت أجراً وخيراً، إنّ الناس وليهم قبلي رجلان، فعملا بالكتاب، ثمّ وليهم ثالث، فقالوا وفعلوا، ثم بايعوني، وبايعني طلحة والزّبير، ثمّ نكثاً بيعتي وألبّا الناس عليّ، ومن العجب انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما عليّ، والله إنهما ليعلمان أني لست بدون رجل ممن قد مضى، اللهم فاحلل ما عقدا، ولا تبرم ما قد أحكما في أنفسهما وأرهما المساءة فيما قد عملاً.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولمّا نزل عليّ الثعلبيّة أتاه الّذي لقي عثمان بن حنيف وحرسه فقام وأخبر القوم الخبر، وقال: اللهمّ عافني مما ابتليت به طلحة والزّبير من قتل المسلمين، وسلّمنا منهم أجمعين. ولما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقي حكيم بن جبلة وقتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: الله أكبر، ما ينجيني من طلحة والزّبير إذ أصابا ثأرهما أو ينجيهما! وقرأ: " ما أصاب من مصيبة في الأرض مولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها " . وقال:
دعا حكيم دعوة الزّماع ... حلّ بها منزلة النّزاع
ولما اتهوا إلى ذي قار انتهى إليه فيها عثمان بن حنيف، وليس في وجهه شعر، فلما رآه عليّ نظر إلى أصحابه فقال: انطلق هذا من عندنا وهو شيخ، فرجع إلينا وهو شابّ. فلم يزل قار يتلوّم محمداً ومحمداً، وأتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس ونزلوهم بالطريق، فقال: عبد القيس خير ربيعة، في كلّ ربيعة خير. وقال:
يا لهف نفس على ربيعة ... ربيعة السامعة المطيعة
قد سبقتني فيهم الوقيعة ... دعا عليّ دعوة سميعة
حلّوا بها المنزلة الرّفيعة قال: وعرضت عليه بكر بن وائل، فقال لهم مثل ما قال لطيّء وأسد.
ولما قدم محمد ومحمد على الكوفة وأتيا أبا موسى بكتاب أمير المؤمنين، وقاما في الناس بأمره، لم يجابا إلى شيء، مفلما أمسوا دخل ناس من أهل الحجي على أبي موسى، فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: كان الرّأي بالأمس ليس باليوم، إنّ الّذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جرّ عليكم ما ترون؛ وما بقي إنما هما أمران: القعود سبيل الآخرة والخروج سبيل الدّنيا، فاختاروا. فلم ينفر إليه أحد، فغضب الرّجلان وأغلظا لأبي موسى، فقال أبو موسى: والله إنّ بيعة عثمان رضي الله عنه لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بدّ من قتال لا نقاتل أحداً حتى يفرغمن قتلة عثان حيث كانوا فانطلقا إلى عليّ قوافياه بذي قار وأخبراه الخبر، وقد خرج مع الأشتر وقد كان يعجل إلى الكوفة، فقال عليّ: يا أشتر، أنت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كلّ شيء، اذهب أنت وعبد الله بن عبّاس فأصلح ما أفسدت.
فخرج عبد الله بن عباس ومعه الأشتر، فقدما الكوفة وكلّما أبا موسى واستعانا عليه بأناس من الكوفة، فقال الكوفيين: أنا صاحبكم يوم الجرعة وأنا صاحبكم ماليوم؛ فجمع الناس فخطبهم وقال: يأيّها الناس، إنّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم الّذين صحبوه في المواطن أعلم بالله جلّ وعزّ وبرسوله صلى الله عليه وسلّم ممّن لم يصحبه، وإنّ لكم علينا حقّاً فأنا مؤدّيه إليكم.
كان الرّأي ألاّ تستخفّوا بسلطان الله عزّ وجلّ ولا تجترثوا على الله عزّ وجلّ، وكان لارّأي الثاني أن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردّوهم إليها حتى يجتمعوا، وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تكلّفوا الدّخول في هذا، فأمّا إذ كان ما كان فإنها فتنة صمّاء، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الرّاكب، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فاغمدوا السيوف، وأنصلوا الأسنّة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد حتىيلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما رجع ابن عباس إلى عليّ بالخبر دعا الحسن بن عليّ فأرسله، فأرسل معه عمّار بن ياسر، فقال له: انطلق فأصلح ما أفسدت؛ فأقبلا حتى دخلا المسجد، فكان أوّل من أتاهما مسروق بن الأجدع، فسلّم عليهما، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان، علام قتلتم عثمان رضي الله عنه؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا؟ فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لكان خيراً للصّابرين. فخرج أبو موسى، فلقى الحسن فضمّه إليه، وأقبل على عمّار فقال: يا أبا اليقظان، أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل، ولم تسوؤني؟ وقطع عليهما الحسن، فأقبل عليّ أبي موسى، فقال: يا أبا موسى، لم تثبّط النّاس عنا؟ فو الله ما أردنا إلاّ الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء. فقال: صدقت بأبي أنت وأميّ؟ ولكنّ المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: إ،ها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب؛ قد جعلنا الله عزّ وجلّ إخواناً، وحرّم عليها أموالنا مودماءنا، وقال: " يأيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " ، " ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما " . وقال جلّ وعزّ: " ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم " . فغذب عمار وساءه وقام وقال: يأيّها الناس، إنما قال له خاصّة، أنت فيها قاعداً خير منك قائماً. وقام رجل من بني تمين، فقال لعمّار: اسكت أيّها العبد، أنت أمس معمالغوغاء واليوم تسافه أميرنا؛ وثار زيد بن صوحان وطبقثه وثار الناس، وجعل أبو موسى يكفكف الناس، ثمّ انطلق حتى أتي المنبر، وسكن الناس، وأقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان من عائشة رضي الله عنه إليه وإلى أهل الكوفة، وقد كان طلب كتاب العامّة فضمّه إلى كتابه، فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامّة: أمّا بعد، فثبّطوا أيّها الناس اجلسوا في بيوتكم إلاّ عن قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
فلما فرغ من الكتاب قال: أمرت بأمر وأمرنا بأمر؛ أمرت أن تقرّ في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما مرت به وركبت ما أمرنا به. فقام إليه شبث بن ربعيّ فقال: يا عمانيّ - وزيد من عبد القيس عمان وليس من أهل البحرين - سرقت بجلولاء فقطعك الله، وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله! ما أمرت إلا بما أمر الله عزّ وجلّ به بالإصلاح بين الناس؛ فقلت: وربّ الكعبة؛ وتهاوى الناس. وقام أبو موسى فقال: يا أيّها الناس، أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوي إليكم المظلم ويأمن فيكم الخائف، إنّا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم أعلم بما سمعنا، إن الفتنة إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت بيّنت، وإنّ هذه الفتنة باقرة كداء البطن تجري بها الشّمال والجنوب والصّبا والدّبور، فتسكن أحياناً فلا يدري من أين تؤتي، تذر الحليم كابن أمس، شيموا سيوفكم وقصّدوا رماحكم، وأرسلوا سهامكم، واقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتكم. خلّوا قريشاً - إذ أبوا إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتق فتقها، وتشعب صدعها، فإن فعلت فلأنفسها سعت، وإن أبت فعلى أنفسها منبت سمنها تهريق في أديمها؛ استنصحوني ولا تستغشّوني، وأطيعوني يسلم لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحرّ هذه الفتنة من جناها.
فقام زيد فشال يده المقطوعة فقال: يا عبد الله بن قيس؛ ردّ الفرات عن دراجده، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ، فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه. ثمّ قرأ: " الم أحسب النّاس مأن يتركوا " إلى آخر الآيتين؛ سيروا إلى أمير المؤمنين وسيّد المسلمين، وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحقّ.
فقام القعقاع بن عمرو فقال: إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحبّ أن ترشدوا، ولأقولنّ لكم قولاً هو الحقّ، أمّا ما قال الأمير فهو الأمر لو أنّ إليه سبيلاً، وأمّا ما قال زيد فزيد في الأمر فلا تستنصحوه فإنّه لا ينتزع أحد من الفتنة طعن فيها وجرى إليها؛ والقول الذي هو القول إنه لا بدّ من إمارة تنظم الناس وتزع الظالم ويعزّ المظلوم، وهذا عليّ يلي بما ولي، وقد أنصف في الدّعاء وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأيى ومسمع.
وقال سيحان: أيّها الناس، إنه لا بدّ لهذا الأمر وهؤلاء الناس من وال يدفع الظالم ويعزّ المظلوم ويجمع الناس، وهذا وإليكم يدعوكم لينظر فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمّة، الفقيه في الدّين، فمن نهض إليه فإنا سائرون ممعه. ولان عمّار بعد نزوته الأولى. فلما فرغ سيحان من خطبته، تكلم عمار فقال: هذا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يستنفركم إلى زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وإلى طلحة والزّبير، وإني أشهد أنّها زوجته في الدينا والآخرة، فانظروا ثمّ انظروا في الحق فقاتلوا معه؛ فقال رجل: يا أبا اليقظان، لهو مع من شهدت له بالجنّة على من لم تشهد له. فقال الحسسن: اكفف عنّا يا عمار، فإنّ للإصلاح أهلاً.
وقام الحسن بن عليّ، فقال: يأيّها الناس؛ أجيبوا دعوة أميركم؛ وسيروا إلى أخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، والله لأن يليه أول النهى أمثل في العاجلة وخير في العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم. فسامح الناس وأجابوا ورضوا به. وأتى قوم من طيّء عديّاً فقالوا: ماذا ترى وماذا تأمر؟ فقال: ننتظر ما يصنع الناس، فأخبر بقيام الحسن وكلام من تكلم، فقال: قد بايعنا هذا الرّجل، وقد دعانا إلى جميل، وإلى هذا الحدث العظيم لننظر فيه، ونحن سائرون وناظرون.
وقام هند بن عمرو، فقال: إنّ أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله حتى جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله، وانتهوا إلى أمره، وانفروا إلى أميركم فانظروا معه في هذا الأمر وأعينوه برأيكم.
وقالم حجر بن عديّ، فقال: أيّها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافاً وثقا لامروا، أنا أولكم. وقام الأشتر فذكروا الجاهليّة وشدّتها، والإسلام ورخاءه، وذكر عثمان رضي الله عنه. فقام إليه المقطّع بن الهيثم بن فجيع العامريّ ثم البكائيّ، فقال: اسكت قبحك الله! كلب خلّى والنّباح، فثار الناس فأجلسوه.
وقام المقطّع، فقال: إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أححد بذكر أحد من أئمّتنا، وأنّ عليّا عندنا لمقنع، والله لئن يكن هذا الضّرب لا يرضى بعليّ. فعضّ امرؤ على لسانه في مشاهدنا؛ فأقبلوا على أحثّاكم.
فقال الحسن: صدق الشيخ، وقال الحسن: أيّها الناس، إنّي غاد فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظّهر، ومن شاء فليخرج في الماء فنفر معه تسعة آلاف، فأخذ بعضهم البرّ، وأخذ بعضهم الماء وعلى كل سبع رجل؛ أخذ البرّ ستة آلاف ومائتان، وأخذ الماء ألفان وثمانمائة.
وفيما ذكر نصر بن مزاحم العطار، عن عمر بن سعيد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العلم: أن عبد خير الخيوانيّ قام إلى أبي موسى فقال: يا أبا موسى، هل كان هذا الرّجلان - يعني طلحة والزبير - ممن بايع عليّا؟ قال: نعم، قال: هل أحدث حدثاً يحلّ به نقض بيعته؟ قال: لا أدري، قال: لا دربت، فإنا تاركوك حتى تدري! يا أبا موسى هل تعلم أحداً خارجّاً من هذه الفتنة التي تزعم أنها هي فتنة؟ إنما بقي أربع فرق: عليّ بظهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشأم، وفرقة أخرى بالحجاز، لا يجبي بها فيء، ولا يقاتل بها عدوّ؛ فقال له أبو موسى: أولئك خير الناس، وهي فتنة؛ فقال له عبد خير: يا أبا موسى، غلب عليك غشّك.
قال: وقد كان الأشتر قام إلى عليّ فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد بعثت إلى أهل الكوفة رجلاً قبل هذين فلم أره أحكم شيئاً ولا قدر عليه، وهذان أخلق من بعثت أن ينشب بهم الأمر على ما تحبّ، ولست أدري ما يكون، فإن رأيت - أكرمك الله - يا أمير المؤمنين أن تبعثي في أثرهم، فإنّ أهل المصر أحسن شيء لي طاعة، وإن قدمت عليهم رجوت ألاّ يخالفني منهم أحجد. فقال له عليّ: الحق بهم؛ فأقبل الأشتر حتى جخل الكوفة وقد اجتمع الناس في المسجد الأعظم، فجعل لا يمرّ بقبيلة يرى فيها جماعة في مجلس أو مسجد إلاّ دعاهم ويقول: اتّبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعة من الناس، فاقتحم القصر فدخله وأبو موسى قائم في المسجد يخطب الناس ويثبّطهم، يقول: أيّها الناس، إنّ هذه فتنة عمياء صماء تطأ خطامها النائم فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من لاماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من الرّاكب؛ إنها فتنة باقرة كداء البطن، أتتكم من قبل مأمنكم، تدع الحليم فيها حيران كابن أمس. إنا معاشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم أعلم بالفتنة، إنها إذا أقبلت شبّهت وإذا أدبرت أسفرت. وعمّار يخاطبه والحسن يقول له: اعتزل عملنا لا أمّ لك! وتنحّ عن منبرنا. وقال له عمار: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ فقال أبو موسى: هذه يدي بما قلت، فقال له عمّار: إنما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذا خاصة، فقال: أنت فيها قاعداً خير منك قائماً، ثمّ قال عمّار: غلب الله من غلالبه وجاحده.
قال نصر بن مزاحم: حدّثنا عمر بن سعيد، قال: حدّثني رجل، عن نعيم، عن أبي مريم الثقفيّ، قال: والله إني لفي المسجد يومئذ وعمّار يخاطب أبا موسى ويقول له ذلك القول، إذ خرج علينا غلمان لأبي موسى يشتدّون ينادون: يا أبا موسى، هذا الأشتر قد دخل القصر فضربنا وأخرجنا؛ فنزل أبو موسى، فدخل القصر، فصاح به الأشتر: اخرج من قصرنا لا أمّ لكّ أخرج الله نفسك، فو الله إنك لمن المنافقين قديماً، قال: أجّلني هذه العشيّة، فقال: هي لك، ولا تبينّ في القصر الليلة. ودخل الناس ينتهبون متاع مأبي موسى؛ فمنعهم الأشتر وأخرجهم من القصر، وقال: إني قد أخرجته، فكفّ الناس عنه.
نزول أمير المؤمنين ذا قار كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو، عن الشعبيّ، قال: لما التقوا بذي قار تلقّاهم عليّ في أناس، فيهم ابن عباس فرحّب بهم، وقال: يا أهل الكوفة، أنتمولّيتم شوكة العجم وملوكهم، وفضضتم جموعهم؛ حتى صارت إليكم مواريثهم، فأغنيتم حوزتكم، وأعنتم الناس على عدوّهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة؛ فإن يرجعوا فذاك ما نيريد وإن يلجّوا داويناهم بالرفق، وباينّاهم حتى يبدءونا بظلم، ولن ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله.
فاجتمع بذي قار سبعة آلاف ومائتان، وعبد القيس بأسرها في الطريق بين عليّ وأهل البصرة ينتظرون مرور عليّ بهم، وهم آلاف - وفي الماء ألفان وأربعمائة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة بإسنادها قالا: لما نزل عليّ ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبي بكر ومحمد ابن جعفر، وأرسل الحسن بن عليّ وعمراً بعد ابن عباس والأشتر، فخفّ في ذلك الأمر جميع من كان نفر فيه، ولم يقدم فيه الوجوه أتباعهم فكانوا خمسة آلاف أخذ نصفهم في البرّ ونصفهم في البحر، وخفّ من لم ينفر فيها ولم يعمل لها. وكان على طاعته ملازماً للجماعة فكانوا أربعة آلاف، فكان رؤساء الجماعة: القعقاع بن عمرو وسعر بن مالك وهند بن عمرو والهيثم ابن شهاب؛ وكان رؤساء النّفّار: زيد بن صوحان، والأشتر مالك بن الحارث، وعديّ بن حاتم، والمسيّب بن نجبة، ويزيد بن قيس ومعهم أتباعهم وأمثال هلم لسوا دونهم إلاّ أنهم لم يؤمّروا؛ منهم حجر بن عديّ وابن محدوج البكريّ؛ وأشباه لهما لم يكن في أهل الكوفة أحد على ذلك الرأي غيرهم. فبادروا في الوقعة إلا قليلاً، فلما نزلوا على ذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذيه الرجلين يا بن الحنظليّة - وكان القعقاع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم - فادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظّم عليهما الفرقة، وقال له: كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه وصاة منّي؟ فقال: نلقاهم بالّذي أمرت به، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا منك فيه رأي اجتهدنا الرّأي وكلّمناهم على قدر ما نسمع ونرى أنه ينبغي.
قال: أنت لها. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة رضي الله عنه فسلّم عليها، وقال: أي أمّه؛ ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بنيّ، إصلاح بين الناس، قال: فابعثي إلى طلحة والزّبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما فجاءا، فقال: إني سألت أمّ المؤمنين: ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فو الله لئن عرفنا لنصلحنّ، ولئن أنكرناه لا نصلح. قالا: قتلة عثمان رضي الله عنه، فغ، ّ هذا إن ترك كان تركاً للقرآن؛ وإن علم به كمان إحياء للقرآن. فقال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة إلاّ رجلاً، فغضب لهم ستة آلاف. واعتزلوكم وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الّذي أفلت - يعني حرقوص بن زهير - فمنعه ستة آلاف وهم على رجل، فإن تركتموه كنتم تاركين لما تقولان؛ وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلوا عليكن فالّذي حذرتم وقربتم به هذا الأمر أعظم ممّا أراكم تكروهون؛ وأنتم أحميتم مضر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير. فقالت أمّ المؤمنين: فتقول أنت ماذا؟ قال: أقول هذا الأمر دواؤه التّسكين، وإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة ودرك بثأر هذا الرّجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم أبيتم إلاّ مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت علامة شرّ، وذهاب هذا الثأر، وبعثة الله في هذه الأمة هزاهزها، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون، ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرّضوا له فيصرعنا وإياكم. وأيم الله إنيّ لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف إلاّ يتمّ حتى يأخذ الله عزّ وجلّ حاجته من هذه الأمة مالت قلّ متاعها ونزل بها ما نزل، فإنّ هذا الأمر الّذي حدث أمر ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرّجل الرّجل، ولا النّفر الرجل، ولا القبيلة الرجل.
فقالوا: نعم، إذاً قد أحسنت وأصبت المقالة؛ فارجع فإن قدم عليّ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر. فرجع إلى عليّ فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصّلح؛ كثره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه.
وأقبلت وفود البصرة نحو عليّ حين نزل بذي قار، فجاءت وفود تميم وبكر قبل رجوع القعقاع لنظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أيّ حال نهضوا إليهم، وليعلموهم أنّ الذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتال على بال. فلمّا لقوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثهم فيه عشائرهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، وأدخلوهم على عليّ فأخبروه خبرهم؛ سأل عليّ بن شرس عن طلحة والزّبير، فأخبره عن دقيق أمرهما وجليله حتى تمثل له:
===================================================ج15.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : تاريخ الرسل والملوك
المؤلف : الطبري
ألا أبلغ بني بكر رسولا ... فليس إلي بني كعب سبيل
سيرجع ظلمكم منكم عليكم ... طويل الساعدين له فضول
وتمثل عليّ عندها:
ألم تعلم أبا سمعنا أنّا ... نردّ الشّيخ مثلك ذا الصّداع!
ويذهل عقله بالحرب حتى ... يقوم فيستجيب ليغير داع
فدافع عن خزاعة جمع بكر ... وما بك يا سراقة من دفاع
قال أبو جعفر: أخرج إليّ زياد بن أيوب كتاباً فيه أحاديث عن شيوخ ذكر أنه سمعها منهم؛ قرأ عليّ بعضها ولم يقرأ عليّ بعضها، فممّا لم يقرأ عليّ من ذلك فكتبته منه؛ قال: حدّثنا مصعب بن سلام التميميّ، قال: حدّثنا محمد بن سوقة، عن عاصم بن كليب الجرميّ، عن أبيه، قال: رأيت فيما يرى النائم في زمان عثمان بن عفان أنّ رجلاً يلي أمور الناس مرياً على فراشه وعند رأسه امرأة؛ والناس يريدونه ويبهشون إليه، فلو نهتهم المرأة لانتهوا؛ ولكنها لم تفعل، فأخذوه فقتلوه. فكنت أقصّ رؤياي على الناس في الحضر ولاسفر، فيعجبون ولا يدرون ما تأوليها! فلما قتل عثمان رضي الله عنه أتانا الخبر ونحن راجعون من غزاتنا؛ فقال أصحابنا: رؤياك يا كليب. فانتهينا إلى البصرة فلم نلبث إلاّ قليلاً حتى قيل: هذا طلحة والزّبير معهما أمّ المؤمنين؛ فراع ذلك الناس وتعجّبوا، فإذا هم يزعمون للناس أنهم إنما خرجوا غضباً لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه، وإنّ أمّ المؤمنين تقول: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث: إمارة الفتيّ، وموقع الغمامة، وضربة السوط والعصا، فما أنصفنا إن لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها إليه: حرمة الشهر، والبلد، والدم. فقال الناس: أفلم تبايعوا عليّاً وتدخلوا في أمره! فقالوا: دخلنا واللّجّ على أعناقنا. وقيل هبذا عليّ قد أظلّكم، فقال قومنا لي ولرجلين معي: انطلقوا حتى تأتوا عليّاً وأصحابه فسلوهم عن هذا الأمر الّذي قد اختلط علينا؛ فخرجنا حتى إذا دنونا من العسكر طلع علينا رجل جميل على بغلة، فقلت لصاحبيّ: أرأيتم المرأة التي كنت أحدّثكم عنها أنها كانت عند رأس الوالي؟ فإنها أشبه الناس بهذا، ففطن أنّا نخوص فيه، فلما انتهى إليها قال: قفوا، ما الّذي قلتم حين رأيتموني؟ فأبينا عليه، فصاح بنا وقال: والله لا تبرحون حتى تخبروني، فدخلتنا منه هيبة، فأخبرناه فجاوزنا وهو يقول: والله لقد رأيت عجباً، فقلنا لأدنى أهل العسكر إلينا: من هذا؟ فقال: محمّد بن أبي بكر، فعرفنا أن تلك المرأة عائشة رضي الله عنه، فازددنا لأمرها كراهية، وانتهينا إلى عليّ فسلمنا عليه، ثم سألناه عن هذا الأمر، فقال: عدا الناس على هذا الرّجل وأنا معتزل فقتلوه، ثمّ ولّوني وأنا كاره ولولا خشية على الدّين لم أجبهم، ثمّ طفق هذان في النّكث فأخذت عليهما وأخذت عهودهما عند ذلك، وأذنت لهما في العمرة، فقدما على أمّها حليلة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فرضيا لها ما رغبا لنسائهما عنه، وعرّضاها لما لا يحلّ لهما ولا يصلح؛ فاتّبعتهما لكيلا يفتقوا في الإسلام فتقاً، ولا يخرقوا جماعة.
ثم قال أصحابه: والله ما نريد قتالهم إلاّ أن يقاتلوا وما خرجنا إلاّ لإصلاح0. فصاح بنا أصحاب عليّ: بايعوا بايعوا، فبايع صاحبيّ، وأمّا أنا فأمسكت وقلبت: بعثني قومي لأمر، فلا أحدث شيئاً حتى أرجع إليهم. فقال عليّ: فإن لم يفعلوا؟ فقلت: لم أفعل، فقال: أرأيت لو أنهم بعثوك رائداً فرجعت إليهم، فأخبرتهم عن الكلإ والماء فحالوا إلى المعاطش والجدوبة ما كنت صانعاً؟ قال: قلت: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلإ والماء، قال: فمدّ يدك، فو الله ما استطعت أن أمتنع، فبسطت يدي فبايعته. وكان يقول: عليّ من أدهى العرب. وقال: ما سمعت من طلحة والزّبير؟ فقلت: أما الزّبير فإنه يقول: بايعنا كرهاً، وأمّا طلحة فمقبل على أن يتمثّل الأشعار، ويقول:
ألا أبلغ بني بكر رسولاً ... فليس إلى بني كعب سبيل
سيرجع ظلمكم منكم عليكم ... طويل السّاعدين له فضول
فقال: ليس كذلك، ولكن:
ألم تعلم أبا سعان أنّا ... نصمّ الشّيخ مثلك ذا الصّداع
ويذهل عقله بالحرب حتّى ... يقوم فيستجيب لغير داع
ثم سار حتى نزل إلى جانب البصرة؛ وقد خندق طليحة والزّبير، فقال لنا أصحابنا من أهل البصرة: مما سمعتم إخواننا من أهل الكوفة يريدون ويقولون؟ فقلنا: يقولون خرجنا للصّلح وما نريد قتالاً؛ فبينا هم على ذلك لا يحدّثون أنفسهم بغيره، إذ خرج صبيان العسكرين فتسابّوا ثم تراموا، ثم تتابع عبيد العسكرين، ثم ثلَّث السفهاء، ونشبت الحرب، وألجأتهم إلى الخندق ، فاقتتلوا عليه حتى أجلوا إلى موضع القتال؛ فدخل منه أصحاب عليّ وخرج الآخرون.
ونادى عليّ: ألا لا نتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تدخلوا الدّور، ونهى الناس، ثم بعث إليهم أن اخرجوا للبيعة، فبايعهم على الرّايات وقال: من عرف شيئاً فليأخذه، حتىما بقي في العسكرين شيء إلاّ قبض، فانتهى إليه قوم من قيس شباب، فخطب خطيبهم، فقال: أين أمراؤكم؟ فقال الخطيب: أصيبوا تحت نظّار الجمل؛ ثم أخذ في خطبته، فقال عليّ: أما إنّ هذا لهو الخطيب السحسح. وفرغ من البيعة؛ واستعمل عبد الله ابن عباس وهو يريد أن يقيم حتى يحكم أمرها. فأمرني الأشتر أن أشتري له أثمن بعير بالبصرة ففعلت، فقال: ائت به عائشة، وأقرئها مني السلام، ففعلت، فدعت عليه وقالت: اردده عليه؛ فأبلغته، فقال: تلومني عائشة أن أفلتّ ابن أختها؟ وأتاه الخبر باستعمال عليّ ابن عباس فغضب وقال: غلام قتلنا الشيخ! إذ اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعليّ. ثم دعا بدابتّه فركب رجعاً. وبلغ ذلك عليّاً فنادى الرّحيل، ثم أجدّ السّير فلحق به فلم يره أنه قد بلغه عنه وقال: ما هذا السير؟ سفتنا! وخشي إ، ترك والخروج أن يوقع في أنفس الناس شرّاً.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما جاءت وفود أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أمّ المؤمنين وطلحة الزّبير بمثل رأيهم، جمع عليّ الناس، ثمّ قام على الغرائر، فحمد الله عزّ وجلّ وأثنى عليه وصلى علىالنبيّ صلى الله عليه وسلّم. وذكر الجاهلية وشقاءها والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمّة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثمّ الذي يليه، ثمّ حدث هذا الحدث الّذي جرّه على هذه الأمّة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة، وأرادوا ردّ الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد. ألا وإنّ راحل غداً فارتحلوا، ألا ولا يرتحلنّ غداً أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفّهاء عني أنفسهم.
فاجتمع نفر، منهم علباء بن الهيثم، وعديّ بن حاتم، وسالم بن ثعلبة العبسيّ، وشريح بن أوفى بن ضبيعة، والأشتر؛ في عدّة ممن سار إلى عثمان، ورضيَ بسير من من سار، وجاء معهم المصرّيون: ابن السوداء وخالد بن ملجم وتشاوروا، فقالوا: ما الرّأي؟ وهذا والله عليّ، وهو أبصر النّاس بكتاب الله وأقرب ممّن يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلاّ هم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، وإذا رأوا قلّتنا في كثرتهم! أنتم والله ترادون، وما أنتم بأنجى من شيء. فقال الأشتر: أمّا طلحة والزّبير فقد عرفنا أرمهما، وأمّا عليّ فلم نعرف أمره حتى كان اليوم، ورأي الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعليّ فعلى دمائنا؛ فهلمّوا فلنتواثب على عليّ فنلحقه بعثمان؛ فتعود فتنة يرضى منّا فيها بالسّكون.
فقال عبد الله بن السوداء: بئس الرّأي رأيت! أنتم يا قتلة عثمان من أهل الكوفة بذي قار ألفان وخمسمائة أو نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظليّة وأصحابه في خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلاً، فارقأ على ظلعك.
وقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم ودعوهم، فإن قلّوا كان أقوى لعدّوهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم؛ دعوهم وارجعوا فتعلّقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتّقون به، وامتنعوا من الناس. فقال عديّ بن حاتم: والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد عجبت من تردّد من تردّد عن قتله في خوض اعلحديث، فأمّا إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة، فإنّ لنا عتاداً من خيول وسلاح محموداً، فإن أقدمتم أقدمنا وإن أمسكتم أحجمنا. فقال ابن السّوداء: أحسنت!
وقال سالم بن ثعلبة: من كان أراد بما أتى الدّنيا فإنّي لم أرد ذلك، والله لئن لقيتهم غداً لا أرجع إلى بيتي، ولئن طال بقائي إذا أنا لاقيتهم لا يزد على جزر جزور، وأحلف بالله إنكم لتفرقون السيوف فرق قوم لا تصير أمورهم إلاّ إلى السّيف. فقال ابن السوداء: قد قال قولاً.
وقال شريح بن أوفى: أبرموا أموركم قبل أن تخرجوا، ولا تؤخّروا أمراً ينبغي لكم تعجيله؛ ولا تعجّلوا أمراً ينبغي لكم تأخيره؛ فإنّا عند الناس بشرّ المنازل، فلا أدري ما الناس صانعون غداً إذا ما هم التقوا! وتكلّم ابن السوداء فقال: يا قوم، إنّ عزّكم في خلطة الناس، فصانعوهم، وإذا التقى الناس غداً فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدّاً من أن يمتنع؛ ويشغل الله عليّاً وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عمّا تكرهون. فأبصروا الرّأي، وتفرّقوا عليه والناس لا يشعرون.
وأصبح عليّ على ظهر، فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى عبد القيس نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك، ثم ارتحل حتى نزل على أهل اعلكوفة وهم أمام ذلك، والناس متلاحقون به وقد قطعهم، ولما بلغ أهل البصرة رأيهم ونزل عليٌّ بحيث نزل، قام أبو الجرباء إلى الزّبير بن العوّام فقال: إنّ الرّأي أن تبعث الآن ألف فارس فيمسّوا هذا الرّجل ويصبّحوه قبل أن يوافي أصحابه؛ فقال الزّبير: يا أبا الجرباء، إنا لنعرف أمور الحرب؛ ولكنهم أهل دعوتنا؛ وهذا أمر حدث في أشياء لم تكن قبل اليوم، هذا أمر من لم يلق الله عزّ وجلّ فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة؛ ومع ذلك إنه قد فارقنا وافدهم على أمر، وأنا أرجو أن يتمّ لنا الصّح؛ فأبشروا واصبروا، وأقبل صبرة بن شيمان فقال: يا طلحة، يا زبير، انتهزا بنا هذا الرّجل فإنّ الرّأي في الحرب خير من الشدّة. فقالا: يا صبرة إنا وهم مسلمون، وهذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن، أو يكون فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلّم سنّة، إنما هو حدث. وقد زعم قوم أنه لا ينبغي تحريكه اليوم. وهمّ عليّ ومن معه، فقلنا: نحن لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخّره. فقال عليّ: هذا الّذي ندعوكم إليه من إقرار هؤلاء القوم شرّ وهو خير من شرّ منه، وهو كأمر لا يدرك، وقد كاد أن يبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمّها منفعةً وأحوطها. وأقبل كعب بن سور فقال: ما تنتظرون يا قوم بعد تورّدكم أوائلهم! اقطعوا هذا العنق من هؤلاء. فقالوا: يا كعب، إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس، لا والله ما أخذ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم مذ بعث الله عزّ وجلّ نبيّه طريقاً إلاّ علموا أين مواقع أقدامهم؛ حتى حدث هذا فإنهم لا يدرون أمقبلون هم أم مدبرون! إن الشيء يحسن عندنا اليوم ويقبح عند إخواننا؛ فإذا كان من الغد قبح عندنا وحسن عندهم؛ وإنا لنحتجّ عليهم بالحجّة فلا يرونها حجّة، ثم يحتجّون بها على أمثالها، ونحن نرجو الصّلح إن أجابوا إليه وتمّوا، وإلاّ فإن آخر الدواء الكيّ.
وقام إلى عليّ بن أبي طالب أقوام من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم على القوم، فقام إليه فيمن قام الأعور بن بنان المنقريّ؛ فقال له عليّ: على الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم؛ وقد أجابوني، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم مثل ما عليهم من هذا؟ قال: نعم.
وقام إليه أبو سلامة الدّألانيّ فقال: أترى لهؤلاء القوم حجّة فيما طلبوا من هذا الدم، إن كانوا أرادوا الله عزّ وجل بذلك؟ قال: نعم، قال: فترى لك حجّة بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إنّ الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمّه نفعاً، قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا غداً؟ قال: إنّي لأرجو ألاّ يقتل أحد نقّى قلبه لله منّا ومنهم إلا أدخله الله الجنّة.
وقام إليه مالك بن حبيب، فقال: ما أنت صانع إذا لقيت هؤلاء القوم؟ قال: قد بان لنا ولهم أنّ الإصلاح الكفّ عن هذا الأمر، فإن بايعونا فذلك، فإن أبوا وأبينا إلاّ القتال فصدع لا يلتئم؛ قال: فإن ابتلينا فما بال قتلانا؟ قال: من أراد الله عزّ وجلّ نفعه ذلك وكان نجاءه.
وقام عليّ، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يأيّها الناس، املكوا أنفسكم، كفّوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم واصبروا على ما يأتيكم، وإياكم أن تسبقونا فإنّ المخصوم غداً من خصم اليوم.
ثم ارتحل وأقدم ودفع تعبيته التي قدم فيها حتى إذا أطلّ على القوم بعث إليهم حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع ابن عمرو فكفّوا وأقرّونا ننزل وننظر في هذا الأمر.
فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين؛ قد منعوا حرقوص ابن زهير، ولا يرون القتال مع عليّ بن أبي طالب. فقال: يا عليّ، إنّ قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غداً أنك تقتل رجالهم وتسبي نساءهم. فقال: ما مثلي يخاف هذا منه، وهل يحلّ هذا إلاّ ممّن تولّى وكفر، ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجلّ: " لست عليهم بمصيطر، إلاّ من تولّى وكفر " ، وهم قوم مسلمون! هل أنت مغنٍ عني قومك؟ قال: نعم، واختر مني واحدة من ثنتين، إمّا أن أكون آتيك فأكون معك بنفسي، وإمّا أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف. فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود وقد بدأ فقال فقال: يال خندف، فأجابه ناس، ثمّ نادى يال تميم! فأجابه ناس، ثم نادى: يال سعد؛ فلم يبق سعديّ إلاّ أجابه، فاعتزل بهم، ثم نظر ما يصنع الناس، فلما وقع القتال وظفر عليّ جاءوا وافرين، فدخلوا فيما دخل فيه الناس.
وأما الّذي يرويه المحدّثون من أمر الأحنف، فغير ما رواه سيف عمن ذكر من شيوخه. والذي يرويه المحدّثون من ذلك ما حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصيناً يذكر عن عمرو بن جأوان، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمنا المدينة ونحن نريد الحجّ، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت فقال: قد فزعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نفر في وسط المسجد، وإذا عليّ والزّبير وطلحة وسعد بن أبي وقّاص، وإنا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان؛ فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مليئة له صفراء قد قنّع بها رأسه، فقال: أهاهنا عليّ؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا الزّبير؟ قالوا: نعم، قال: أهاهنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال أنشدكم بالله الذي لا إله إلاّ هو؛ أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: من يبتع مربد بني فلان غفر الله له؛ فابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفاً، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله، قد ابتعته، قال: " اجعله في مسجدنا وأجره لك " ! قالوا: اللهمّ نعم، وذكر أسشياء من هذا النّوع. قال الأحنف: فلقيت طلحة والزّبير فقلت: من تأمراني به وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرّجل إلاّ مقتولاً، قالا: عليّ؟ قلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم، فانطلقت حتى قدمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان رضي الله عنه وبها عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها، فلقيتها فقلت: من تأمريني أن أبايع؟ قالت: عليّ، قلت: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم؛ فمررت على عليّ بالمدينة فبايعته، ثمّ رجعت إلى أهلي بالبصرة ولا أرى الأمر إلاّ قد استقام، قال: فبينا أنا كذلك؛ إذ آتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزّبير قد نزلوا جانب الخريبة، فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دم عثمان رضي الله عنه، فأتاني أفظع أمر أتاني قطّ! فقلت: إنّ خذلاني هؤلاء ومعهم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم لشديد، وإنّ قتالي رجلاً ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد أمروني ببيعته لشديد. فلما أتيتهم قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان رضي الله عنه، قتل مظلوماً؛ فقلت: عليّ؟ فقلت: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت نعم! قالت: نعم، ولكنه بدّل. فقلت: يا زبير يا حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يا طلحة، أنشدكما الله، أقلت لكما: ما تأمراني فقلتما: عليّ؟ فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما نعم! قالا: نعم، ولكنه بدّل. فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا أقاتل رجلاً ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أمرتموني ببيعته؛ اختاروا مني واحدةً من ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي الجسر فألحق بأرض الأعاجم حتى يقضي الله عزّ وجلّ من أمره ما قضى، أو أعتزل فأكون قريباً. قالوا: إنا نأتمر، ثم نرسل إليك. فائتمروا فقالوا: نفتح له الجسر ويخبرهم بأخباركم! ليس ذاكم برأي، اجعلوه ها هنا قريباً حيث تطئون على صماخه وتنظرون إليه. فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين، فاعتزل معه زهاء على ستة آلاف.
ثم التقى القوم فكان أوّل قتيل طلحة رضي الله عنه، وكعب بن سور معه المصحف يذكّر هؤلاء وهؤلاء؛ حتى قتل من قتل منهم، ولحق الزبير بسفوان، من البصرة كمكان القادسيّة منكم، فلقيه النّعر؛ رجل من مجاشع، فقال: أين تذهب يا حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ إليّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك؛ فأقبل معه؛ فأتى الأحنف خبره فقيل: ذاك الزّبير قد لقي بسفوان فما تأمر؟ قال: جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثم يلحق ببيته، فسمعه عمير بن جرموز وفضالة بن حابس، ونفيع؛ فركبوا في طلبه، فلقوه مع النّعر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنةً خفيفة، وحمل عليه الزّبير وهو على فرس له يقال له ذو الخمار، حتى إذا ظنّ أنه قاتله نادى عمير بن جرموز: يا نافع، يا فضالة، فحملوا عليه فقتلوه.
حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: معتمر بن سليمان، قال: نبّأني أبي، عن حصين، قال: حدّثنا عمرو بن جأوان؛ رجل من بني تميم، وذاك أنى قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف ما كان؟ فقال: سمعت الأحنف يقول: أتيت المدينة وأنا حاجّ؛ فذكر نحوه. الحمد لله على ما قضى وحكم.
بعثة عليّ بن أبي طالب من ذي قار ابنه الحسن وعمّار بن ياسر ليستنفرا له أهل الكوفة حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا بشير بن عاصم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال: خرج هاشم بن عتبة إلى عليّ بالرّبذة؛ فأخبره بقدوم محمد بن أبي بكر وقول أبي موسى، فقال: لقد أردت عزله، وسألني الأشتر أن أقرّه فردّ عليّ هاشماً إلى الكوفة وكتب إلى أبي موسى: إنّي وجّهت هاشم بن عتبة لينهض من قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس فإنّي لم أولّك الذي أنت به إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ. فدعا أبو موسى السائب بن مالك الأشعريّ، فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكني لا أرى ذلك. فكتب هاشم إلى عليّ: إني قد قدمت على رجل غال مشاقّ ظاهر الغلّ والشنآن. وبعث بالكتاب مع المحلّ بن خليفة الطائيّ. فبعث عليّ الحسن بن عليّ وعمّار بن ياسر يستنفران له الناس، وبعث قرظة بن كعب الأنصاريّ أميراً على الكوفة، وكتب معه: إلى أبي موسى: أما بعد، فقد كنت أرى أن بعدك من هذا الأمر الّذي لم يجعل الله عزّ وجلّ لك منه نصيباً سيمنعك من ردّ أمري، وقد بعثت الحسن بن عليّ وعمّار بن ياسر يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب والياً على المصر، فاعتزل عملنا مذموماً مدحوراً، فإن لم تفعل فإنّي قد أمرته أن ينابذك، فإن نابذته فظفر بك أن يقطّعك آراباً.
فلما قدم الكتاب على أبي موسى اعتزل، ودخل الحسن وعمار المسجد فقالا: أيّها الناس، إنّ أمير المؤمنين يقول: إني خرجت مخرجي هذا ظالماً أو مظلوماً؛ وإني أذكّر الله عزّ وجلّ رجلاً رعى لله حقّاً إلا نفر، فإن كنت مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً أخذ مني، والله إنّ طلحة والزّبير لأوّل من بايعني، وأوّل من غدر، فهل استأثرت بمال، أو بدّلت حكماً! فانفروا، فمروا بمعروف وانهوا عن منكر.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف، عن جابر، عن الشعبيّ، عن أبي الطّفيل، قال: قال عليّ: يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل، فقعدت على نجفة ذي قار، فأحصيتهم فما زادوا رجلاً، ولا نقصوا رجلاً.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال: خرج إلى عليّ اثنا عشر ألف رجل، وهم أسباع: على قريش وكنانة وأسد وتميم والرّباب ومزينة معقل بن يسار الرّياحيّ، وسبع قيس عليهم سعد بن مسعود الثقفيّ، وسبع بكر بن وائل وتغلب عليهم وعلة بن مخدوج الذّهلي، وسبع مذحج والأشعرين عليهم حجر ابن عديّ، وسبع بجيلة وأنمار وخثعم والأزد عليهم مخنف بن سليم الأزديّ.
نزول عليّ الزاوية من البصرة حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن مسلمة بن محارب، عن قتادة، قال: نزل عليّ الزاوية وأقام أياماً، فأرسل إليه الأحنف: إن شئت أتيتك، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه عليّ: كيف بما أعطيت أصحابك من الاعتزال! قال: إنّ من الوفاء لله عزّ وجلّ قتالهم، فأرسل إليه: كفّ من قدرت على كفّه. ثم سار عليّ من الزّاوية، وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله - أو عبد الله - بن زياد، فلما نزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبديّ: أن اخرج، فإذا خرجت فمل بنا إلى عسكر عليّ. فخرجا في عبد القيس وبكر بن وائل، فعدلوا إلى عسكر أمير المؤمنين، فقال الناس: من كان هؤلاء معه غلب، ودفع شقيق بن ثور رايتهم إلى مولىً له يقال له: رشراشة، فأرسل إليه وعلة بن محدوج الذّهلي: ضاعت الأحساب، دفعت مكرمة قومك إلى رشراشة، فأرسل شقيق: أن أغن شأنك؛ فإنا نغني شأننا. فأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال، يرسل إليهم عليّ، ويكلّمهم ويردعهم.
حدّثنا عمر، قال: حدّثنا أبو بكر الهذليّ، عن قتادة، قال: سار عليّ من الزاوية يريد طلحة والزبير وعائشة، وساروا من الفرضة يريدون علياً فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين يوم الخميس، فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح، فقيل لعليّ: هذا الزبير؛ قال: أما إنه أ؛رى الرّجلين إن ذكّر بالله أن يذكره، وخرج طلحة، فخرج إليهما عليّ، فدنا منهما حتى اختلفت أعناق دوابّهم، فقال عليّ: لعمري لقد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً، إن كنتما أعددتما عند الله عذراً فاتّقيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً. ألم أكن أخاكما في دينكما، تحرّمان دمي وأحرّم دماءكما! فهل من حدث أحلّ لكما دمي؟ قال طلحة: ألّبت الناس على عثمان رضي الله عنه، قال عليّ: " يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحقّ ويعلمون أنّ الله هو الحقّ المبين " ؛ يا طلحة، تطلب بدم عثمان رضي الله عنه! فلعن الله قتلة عثمان. يا زبير، أتذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بني غنم، فنظر إليّ فضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلّم: " صه، إنه ليس به زهو، ولتقاتلنه وأنت له ظالم " ؟ فقال: اللهمّ نعم، ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبداً.
فانصرف عليّ إلى أصحابه، فقال: أمّا الزّبير فقد أعطى الله عهداً ألاّ يقاتلكم، ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها: ما كنت في موطن منذ عقلت إلاّ وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا، قالت: فما تريد أن تضنع؟ قال: أريد أن أدعهم وأذهب؛ فقال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين الغارين، حتى إذا حدّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب! أحسست رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد؛ قال: إني قد حلفت ألاّ أقاتله، وأحفظه ما قال له، فقال: كفّر عن يمينك، وقاتله، فدعا بغلام له يقال له مكحول، فأعتقه، فقال عبد الرحمن بن سليمان التيميّ:
لم أر كاليوم أخا إخوان ... أعجب من مكفّر الأيمان
بالعتق في معصية الرّحمن
وقال رجل من شعرائهم:
يعتق مكحولا لصون دينه ... كفّارة لله عن يمينه
والنّكث قد لاح على جبينه
رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: فأرسل عمران ابن حصين في الناس يخذّل من الفريقين جميعاً، كما صنع الأحنف، وأرسل إلى بني عديّ فيمن أرسل، فأقبل رسوله حتى نادى على باب مسجدهم: ألا إنّ أبا نجيد عمران بن الحصين يقرئكم السلام، ويقول لكم: والله لأن أكون في جبل حضن مع أعنز خضر وضأن، أجزّ أصوافها، وأشرب ألبانها، أحبّ إليّ من أن أرمي في شيء من هذين الصفين بسهم، فقالت بنو عديّ جميعاً بصوت واحد: إنا والله لا ندع ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلّم لشيء - يعنون أمّ المؤمنين.
حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا يزيد بن زريع، قال: حدّثنا أبو نعامة العدويّ، عن حجير بن الربيع، قال: قال لي عمران بن حصين: سر إلى قومك أجمع ما يكونون، فقم فيهم قائماً، فقل: أرسلني إلأيكم عمران بن حصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يقرأ عليكم السلام ورحمة الله، ويحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو، لأن يكون عبداً حبشياً مجدّعاً يرعى أعنزاً حضنيّات في رأس جبل حتى يدركه الموت، أحبّ إليّ من أن يرمي بسهم واحد بين الفريقين؛ قال: فرفع شيوخ الحيّ رءوسهم إليه، فقالوا: إنا لا ندع ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلّم لشيء أبداً.
رجع الحديث إلى حديث سيف عن محمد وطلحة: وأهل البصرة فرق: فرقة مع طلحة والزبير، وفرقة مع عليّ، وفرقة لا ترى القتال مع أحد من الفريقين، وجاءت عائشة رضي الله عنها من منزلها الذي ساحتهم، ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إنّ الجموع إذا تراءوا لم تستطع، وإنما هي بحور تدفّق، فأطعني ولا تشهدهم، واعتزل بقومك، فإني أخاف ألاّ يكون صلح، وكن وراء هذه النطفة، ودع هذين الغارين من مضر وربيعة، فهما أخوان، فإن اصطلحا فالصّلح ما أردنا، وإن اقتتلا كنا حكّاماً عليهم غداً - وكان كعب في الجاهليّة نصرانيّاً - فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانيّة؛ أتأمرني أن أغيب عن إصلاح بين الناس، وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردّوا عليهم الصلح، وأدع الطلب بدم عثمان! لا والله لا أفعل ذلك أبداً، فأطبق أهل اليمن على الحضور.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الضّريس البجليّ، عن ابن يعمر، قال: لما رجع الأحنف بن قيس من عند عليّ لقيه هلال بن وكيع بن مالك بن عمرو، فقال: ما رأيك؟ قال: الاعتزال، فما رأيك؟ قال: مكانفة أمّ المؤمنين، أفتدعنا وأنت سيّدنا! قال: إنما أكون سيّدكم غداً إذا قتلت وبقيت؛ فقال هلال: هذا وأنت شيخنا! فقال: أنا الشيخ المعصيّ، وأنت الشابّ المطاع. فاتّبعت بنو سعد الأحنف، فاعتزل بهم إلى وادي السباع، واتّبعت بنو حنظلة هلالاً، وتابعت بنو عمرو أبا الجرباء فقاتلوا.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، عن أبي عثمان، قال: لما أقبل الأحنف نادى: يا لأدّ، اعتزلوا هذا الأمر، وولّوا هذين الفريقين كيسه وعجزه، فقام المنجاب بن راشد فقال: يال الرّباب! لا تعتزلوا، واشهدوا هذا الأمر، وتولوا كيسه، ففارقوا. فلما قال: يال تميم؛ اعتزلوا هذا الأمر وولوا هذين الفريقين كيسه وعجزه، قام أبو الجرباء - وهو من بني عثمان بن مالك بن عمرو بن تميم - فقال: يال عمرو، لا تعتزلوا هذا الأمر وتولّوا كيسه. فكان أبو الجرباء على بني عمرو بن تميم، والمنجاب بن راشد على بني ضبّة، فلما قال: يال زيد مناة، اعتزلوا هذا الأمر، وولّوا هذين الفريقين كيسه وعجزه قال هلال بن وكيع: لا تعتزلوا هذا الأمر؛ ونادى: يال حنظلة توّلوا كيسه؛ فكان هلال على حنظلة، وطاوعت سعد الأحنف، واعتزلوا إلى وادي السباع.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان على هوازن وعلى بني سليم والأعجاز مجاشع بن مسعود السّلميّ، وعلى عامر زفر بن الحارث، وعلى غطفان أعصر بن النعمان الباهليّ، وعلى بكر بن وائل مالك بن مسمع، واعتزلت عبد القيس إلى عليّ إلاّ رجلاً فإنه أقام، ومن بكر بن وائل قيّام، واعتزل منهم مثل من بقي منهم، عليهم سنان، وكانت الأزد على ثلاثة رؤساء: صبرة بن شيمان، ومسعود، وزياد ابن عمرو، والشواذب عليهم رجلان: على مضر الخرّيت بن راشد، وعلى قضاعة والتوابع الرّعبي الجرميّ - وهو لقب - وعلى سائر اليمن ذو الآجرة الحميريّ.
فخرج طلحة والزبير فنزلا بالناس من الزّابوقة، في موضع قرية الأرزاق، فنزلت مضر جميعاً وهم لا يشكّون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم جميعاً وهم لا يشكّون في الصّلح، ونزلت اليمن جميعاً أسفل منهم، وهم لا يشكّون في الصلح، وعائشة في الحدّان، والناس في الزّابوقة، على رؤسائهم هؤلاء وهم ثلاثون ألفاً، وردّوا حكيماً ومالكاً إلى عليّ؛ بأنّا على ما فارقنا عليه القعقاع فاقدم. فخرجا حتى قدما عليه بذلك، فارتحل حتى نزل عليهم بحيالهم، فنزلت القبائل إلى قبائلهم؛ مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وهم لا يشكّون في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، ولا يذكرون ولا ينوون إلاّ الصّلح، وخرج أمير المؤمنين فيمن معه، وهم عشرون ألفاً، وأهل الكوفة على رؤسائهم الذين قدموا معهم ذا قار، وعبد القيس على ثلاثة رؤساء: جذيمة وبكر على ابن الجارود، والعمور على عبد الله بن السّوداء، وأهل هجر على ابن الأشجّ، وبكر بن وائل من أهل البصرة على ابن الحارث بن نهار، وعلى دنور بن عليّ الزّط والسيابجة، وقدم عليّ ذا قار في عشرة آلاف، وانضمّ إليه عشرة آلاف.
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن بشير بن عاصم، عن فطر بن خليفة، عن منذر الثوريّ، عن محمد بن الحنفيّة، قال: أقبلنا من المدينة بسبعمائة رجل، وخرج إلينا من حولنا ألفان، أكثرهم بكر بن وائل، ويقال: ستة آلاف.
رجع الحديث إلى حديث محمد وطلحة: قالا: فلما نزل الناس واطمأنوا، خرج عليّ وخرج طلحة والزبير، فتواقفوا، وتكلموا فيما اختلفوا فيه، فلم يجدوا أمراً هو أمثل من الصّلح ووضع الحرب حين رأوا الأمر قد أخذ في الانقشاع، وأنه لا يدرك، فافترقوا عن موقفهم على ذلك، ورجع عليّ إلى عسكره، وطلحة والزبير إلى عسكرهما.
أمر القتال وكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وبعث عليّ من العشيّ عبد الله بن عبّاس إلى طلحة والزبير، وبعثاهما من العشيّ محمد بن طلحة إلى عليّ، وأنم يكلم كل واحد منهما أصحابه، فقالوا: نعم، فلما أمسوا - وذلك في جمادى الآخرة - أرسل طلحة والزّبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه، ما خلا أولئك الّذين هضّوا عثمان، فباتوا على الصّلح، وباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية من الذي أشرفوا عليه، والنّزوع عمّا اشتهى الذين اشتهوا، وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشرّ ليلة باتوها قطّ، قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلّها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السرّ، واستسرّوا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشرّ، فغدوا مع الغلس، وما يشعر بهم جيرانهم، انسلّوا إلى ذلك الأمر انسلالا، وعليهم ظلمة، فخرج مضريّهم إلى مضريّهم، وربعيهم إلى ربعيّهم، ويمانيهم إلى يمانيّهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كلّ قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوهم، وخرج الزبير وطلحة في وجوه الناس من مضر فبعثا إلى الميمنة، وهم ربيعة يعبؤها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب ابن أسيّد، وثبتا في القلب، فقال: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً، فقالا: قد علمنا أنّ عليّاً غير منته حتى يسفك الدماء، ويستحلّ الحرمة، وأنه لن يطاوعنا، ثم رجعا بأهل البصرة، وقصف أهل البصرة، أولئك حتى ردّوهم إلى عسكرهم، فسمع عليّ وأهل الكوفة الصوت، وقد وضعوا رجلاً قريباً من عليّ ليخبره بما يريدون، فلما قال: ما هذا؟ قال: ذاك الرّجل ما فجئنا إلاّ وقوم منهم بيّتونا، فرددناهم من حيث جاءوا، فوجدنا القوم على رجل فركبونا، وثار الناس، وقال عليّ لصاحب ميمنته: ائت الميمنة، وقال لصاحب ميسرته: ائت الميسرة، ولقد علمت أنّ طلحة والزّبير غير منتهيين حتى يسفكا الدّماء، ويستحلاّ الحرمة، وأنهما لن يطاوعانا، والسّبئيّة لا تفتر إنشاباً. ونادى عليّ في الناس: أيها الناس، كفّوا فلا شي، فكان من رأيهم جميعاً في تلك الفتنة ألاّ يقتتلوا حتى يبدءوا؛ يطلبون بذلك الحجّة، ويستحقون على الآخرين، ولا يقتلوا مدبراً، ولا يجهزوا على الحجّة، ويستحقون على الآخرين، ولا يقتلوا مدبراً، ولا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا. فكان مما اجتمع عليه الفريقان ونادوا فيما بينهما.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي عمرو، قالوا: وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة رضي الله عنها، فقال: أدركي فقد أبى القوم إلاّ القتال، لعلّ الله يصلح بك. فركبت، وألبسوا هودجها الأدراع، ثم بعثوا جملها، وكان جملها يدعى عسكراً، حملها عليه يعلى بن أميّة، اشتراه بمائتي دينار، فلما برزت من البيوت - وكانت بحيث تسمع الغوغاء - وقفت، فلم تلبث أن سمعت غوغاء شديدة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجّة العسكر؛ قالت: بخير أو بشرّ؟ قالوا: بشرّ. قالت: فأيّ الفريقين كانت منهم هذه الضجّة فهم المهومون. وهي واقفة، فوالله ما فجئها إلاّ الهزيمة، فمضى الزبير من سننه في وجهه، فسلك وادي السباع، وجاء طلحة سهم غرب يخلّ ركبته بصفحة الفرس، فلما امتلأ موزجه دماً وثقل قال لغلامه: اردفني وأمسكني، وابغني مكاناً أنزل فيه، فدخل البصرة وهو يتمثّل مثله ومثل الزبير:
فإن تكن الحوادث أقدتني ... وأخطأهنّ سهمي حين أرمى
فقد ضيّعت حين تبعت سهماً ... سفاهاً مّا سفهت وضلّ حلمي
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا شريت رضا بني سهمٍ برغمي
أطعتهم بفرقة آل لأيٍ ... فألقوا للسّباع دمي ولحمي
خبر وقعة الجمل من رواية أخرى قال أبو جعفر: وأما غير سيف فإنه ذكر من خبر هذه الوقعة وأمر الزبير وانصرافه عن الموقف الذي كان فيه ذلك اليوم غير الذي ذكر سيف عن صاحبيه، والذي ذكر من ذلك بعضهم ما حدّثنيه أحمد بن زهير، قال: حدّثنا أبي أبو خيثمة، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: سمعت أبي قال: سمعت يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزّهريّ، في قصة ذكرها من خبر عليّ وطلحة والزبير وعائشة في مسيرهم الذي نحن في ذكره في هذا الموضع، قال: وبلغ الخبر عليّاً - يعني خبر السّبعين الذين قتلوا مع العبديّ بالبصرة - فأقبل - يعني عليّاً - في اثني عشر ألفاً، فقدم البصرة، وجعل يقول:
يا لهف نفسي على ربيعة ... ربيعة السامعة المطيعه
سنّتها كانت بها الوقيعة
فلما تواقفوا خرج عليّ على فرسه، فدعا الزبير، فتواقفا، فقال عليّ للزبير: ما جاء بك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً، ولا أولى به منّا؛ فقال عليّ: لست له أهلاً بعد عثمان! قد كنا نعدّك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ففرّق بيننا وبينك؛ وعظّم عليه أشياء، فذكر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ عليهما فقال لعليّ: " ما يقول ابن عمتك؟ ليقاتلنّك وهو لك ظالم " . فانصرف عنه الزبير، وقال: فإني لا أقاتلك. فرجع إلى ابنه عبد الله فقال: ما لي في هذه الحرب بصيرة، فقال له ابنه: إنك قد خرجت على بصيرة، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب، وعرفت أن تحتها الموت، فجبنت. فأحفظه حتى أرعد وغضب، وقال: ويحك! إني قد حلفت له ألاّ أقاتله، فقال له ابنه: كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه، وقام في الصّفّ معهم، وكان عليّ قال للزّبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته! سلّط الله على أشدّنا عليه اليوم ما يكره. وقال عليّ: يا طلحة، جئت بعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاتل بها وخبّأت عرسك في البيت! أما بايعتني! قال: بايعتك وعلى عنقي اللّج، فقال علىّ لأصحابه: أيّكم يعرض عليهم هذا المصحف وما فيه، فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى، وإن قطعت أخذه بأسنانه؟ قال فتىً شابّ: أنا، فطاف عليّ على أصحابه يعرض ذلك عليهم، فلم يقبله إلاّ ذلك الفتى، فقال له عليّ: اعرض عليهم هذا، وقل: هو بيننا وبينكم من أوّله إلى آخره، والله في دمائنا ودمائكم. فحمل على الفتى وفي يده المصحف، فقطعت يداه، فأخذه بأسنانه حتى قتل، فقال عليّ: قد طاب لكم الضّراب فقاتلوهم، فقتل يومئذ سبعون رجلاً، كلهم يأخذ بخطام الجمل، فلما عقر الجمل وهزم الناس، أصابت طلحة رمية فقتلته، فيزعمون أن مروان بن الحكم رماه، وقد كان ابن الزبير أخذ بخطام جمل عائشة، فقالت: من هذا؟ فأخبرها؛ فقالت: واثكل أسماء! فجرح، فألقى نفسه في الجرحى، فاستخرج فبرأ من جراحته، واحتمل محمد بن أبي بكر عائشة، فضرب عليها فسطاط، فوقف عليّ عليها فقال: استفززت الناس وقد فزّوا، فألّبت بينهم، حتى قتل بعضهم بعضا... في كلام كثير. فقالت عائشة: يا بن أبي طالب، ملكت فأسجح، نعم ما أبليت قومك اليوم! فسرّحها عليّ، وأرسل معها جماعةً من رجال ونساء، وجدهزّها، وأمر لها باثني عشر ألفاً من المال؛ فاستقلّ ذلك عبد الله بن جعفر، فأخرج لها مالاً عظيماً، وقال: إن لم يجزه أمير المؤمنين فهو عليّ. وقتل الزبير، فزعموا أن ابن جرموز لهو الذي قتله، وأنه وقف بباب أمير المؤمنين؛ فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزبير؛ فقال عليّ: ائذن له، وبشّره بالنار.
حدّثني محمد بن عمارة، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيل،عن سفيان بن عقبة، عن قرّة بن الحارث، عن جون بن قتادة. قال قرّة بن الحارث: كنت معالأحنف بن قيس، وكان جون ابن قتادة ابن عمّي مع الزبير بن العوام، فحدّثني جون بن قتادة، قال: كنت مع الزّبير رضي الله عنه، فجاء فارس يسير - وكانوا يسلّمون على الزّبير بالإمرة - فقال: السلام عليك أيّها الأمير؛ قال: وعليك السلام؛ قال: هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا، فلم أر قوماً أرثّ سلاحاً، ولا أقلّ عدداً، ولا أرعب قلوباً من قوم أتوك، ثمّ انصرف عنه. قال: ثمّ جاء فارس فقال: السّلام عليك أيّها الأمير؛ قال: وعليك السلام؛ قال: هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا، فلم أر قوماً أرثّ سلاحاً، ولا أقلّ عدداً، ولا أرعب قلوباً من قوم أتوك، ثمّ انصرف عنه. قال: ثمّ جاء فارس فقال: السّلام عليك أيّها الأمير؛ فقال: وعليك السلام، قال: جاء القوم حتى أتوا مكان كذا وكذا، فسمعوا بما جمع الله عزّ وجلّ لكم من العدد والعدّة والحدّ، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فولّوا مدبرين؛ قال الزّبير: إيهاً عنك الآن؛ فوالله لو لم يجد ابن أبي طالب إلاالعرفج لدبّ إلينا فيه؛ ثم انصرف. ثم جاء فارس وقد كادت الخيول أن تخرج من الرّهج فقال: السلام عليك أيّها الأمير، قال: وعليك السلام، قال: هؤلاء القوم قد أتوك، فلقيت عمّاراً فقلت له وقال لي؛ فقال الزبير: إنه ليس فيهم، فقال: بلى والله إنه لفيهم؛ قال: والله ما جعله الله فيهم، فقال: والله لقد جعله الله فيهم. قال: والله ما جعله الله فيهم؛ فلمّا رأى الرجل يخالفه قال لبعض أهله: اركب فانظر: أحقّ ما يقول! فركب معه، فانطلقا وأنا أنظر إليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلا، ثم رجعا إلينا، فقال الزبير لصاحبه: ما عندك؟ قال: صدق الرجل؛ قال الزبير: يا جدع أنفاه - أو يا قطع ظهراه؟ - قال محمد بن عمارة: قال عبيد الله: قال فضيل: لا أدري أيذهما قال - ثم أخذه أفكل، فجعل السلاح ينتفض، فقال جون: ثكلتني أمي، هذا الذي كنت أريد أن أموت معه، أو أعيش معه، والذي نفسي بيده ما أخذ هذا ما أرى إلاّ لشيء قد سمعه أو رآه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمّا تشاغل الناس انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب، فانصرف جون فجلس على دابّته، فلحق بالأحنف، ثم جاء فارسان حتى أتيا الأحنف وأصحابه، فنزلا، فأتيا فأكبّا عليه، فناجياه ساعة، ثم انصرفا. ثم جاء عمرو بن جرموز إلى الأحنف، فقال: أدركته في وادي السباع فقتلته، فكان يقول: والذي نفسي بيده إن صاحب الزبير الأحنف.
حدثّني عمر بن شبة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا بشير ابن عاصم، عن الحجّاج بن أرطاة، عن عمار بن معاوية الدّهني - حيّ من أحمس بجيلة - قال: أخذ عليّ مصحفاً يوم الجمل، فطاف به في أصحابه، وقال: من يأخذ هذا المصحف، يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقام إليه فتىُ من أهل الكوفة عليه قباء أبيض محشوّ، فقال: أنا، فأعرض عنه، ثم قال: من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقال الفتى: أنا، فأعرض عنه، ثم قال: من يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقال الفتى: أنا؛ فدفعه إليه، فدعاهم فقطعوا يده اليمنى، فأخذه بيده اليسرى، فدعاهم فقطعوا يده اليسرى، فأخذه بصدره والدماء تسيل على قبائه، فقتل رضي الله عنه، فقال عليّ: الآن حلّ قتالهم، فقالت أمّ الفتى بعد ذلك فيما ترثي:
لا همّ إنّ مسلماً دعاهم ... يتلو كتاب الله لا يخشاهم
وأمّهم قائمة تراهم ... يأتمرون الغيّ لا تنهاهم
قد خضبت من علق لحاهم
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف، عن جابر،عن الشعبيّ، قال: حملت ميمنة أمير المؤمنين على ميسرة أهل البصرة، فاقتتلوا، ولاذ الناس بعائشة رضي الله عنها، أكثرهم ضبّة الأزد، وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر؛ ويقال: إلى أن زالت الشمس، ثم انهزموا، فنادى رجل من الأزد: كرّوا، فضربه محمد بن عليّ فقطع يده، فنادى: يا معشر الأزد فرّوا، واستحرّ القتل بالأزد، فنادوا: نحن على دين عليّ بن أبيس طالب؛ فقال رجل من بني ليث بعد ذلك:
سائل بنا يوم لقينا الأزدا ... والخيل تعدو أشقراً ووردا
لمّا قطعنا كبدهم والزّندا ... سحقاً لهم في رأيهم وبعدا!
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، قال: حمل عمّار على الزبير يوم الجمل، فجعل بنحوزه بالرمح، فقال: أتريد أن تقتلني؟ قال: لا، انصرف؛ وقال عامر بن حفص: أقبل عمارٌ حتى حاز الزبير يوم الجمل بالرمح، فقال: أتقتلني يا أبا اليقظان! قال: لا يا أبا عبد الله.
رجع الحنديث إلى حديث سيف، عن محمد وطلحة: قالا: ولما انهزم الناس في صدر النهار، نادى الزبير: أنا الزّبير، هلمّوا إليّ أيّها الناس، ومعه مولىً له ينادي: أعن حواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهزمون! وانصرف الزبير نحو وادي السباع، واتّبعه فرسان، وتشاغل الناس عنه بالناس، فلما رأى الفرسان تتبعه عطف عليهم، ففرّق بينهم، فكرّوا عليه، فلمّا عرفوه قالوا: الزّبير! فدعوه، فلما نفر فيهم علياء بن الهيثم؛ ومرّ القعقاع في نفر بطلحة وهو يقول: إليّ عباد الله، الصبر الصبر! قال له: يا أبا محمد؛ إنك لجريح، وإنك عمّا تريد لعليل؛ فادخل الأبيات، فقال: يا غلام، أدخلني وابغني مكاناً. فأدخل البصرة ومعه غلام ورجلان، فافتتل الناس بعده، فأقبل الناس في هزيمتهم تلك وهم يريدون البصرة. فلمّا رأوا الجمل أطافت به مضر عادوا قلباً كما كانوا حيث التفوا، وعادوا إلى أمر جديد، ووقفت ربيعة البصرة، منهم ميمنة ومنهم ميسرة، وقالت عائشة: خلّ يا كعب عن البعير؛ وتقدّم بكتاب الله عزّ وجلّ فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفاً. وأقبل القوم وأمامهم السبئيّة يخافون أن يجرى الصّلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعليّ من خلفهم يزعهم ويأبون إلاّ إقداماً، فلما دعاهم كعب رشقوه رشقاً واحداً، فقتلوه، ورموا عائشة في هودجها، فجعلت تنادي: يا بنيّ، البقيّة البقيّة - وبعلو صوتها كثرة - الله الله، اذكروا الله عزّ وجلّ والحساب، فيأبون إلاّ إقداماً، فكان أوّل شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: أيّها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم، وأقبلت تدعو.
وضجّ أهل البصرة بالدعاء، وسمع عليّ بن أبي طالب الدعاء فقال: ما هذه الضجّة؟فقالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعهم، فأقبل يدعو ويقول: اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم. وأرسلت إلى عبد الرحمن ابن عتّاب وعبد الرحمن بن الحارث: اثبتا مكانكما، وذمرت الناس حين رأت أنّ القوم لا يريدون غيرها، ولا يكفّون عن الناس، فازدلفت مضر البصرة، فقصفت مضر الكوفة حتى زوحم عليّ، فنخس عليّ قفا محمد، وقال: أحمل، فنكل، فأخوى عليّ إلى الرّاية ليأخذها منه، فحمل، فترك الراية في يده، وحملت مضر الكوفة، فاجتلدوا قدّام الجمل حتى ضرسوا، والمجنّبات على حالها، لا تصنع شيئاً، ومع عليّ أقوام غير مضر، فمنهم زيد بن صوحان، فقال له رجل من قومه: تنحّإلى قومك، مالك ولهذا الموقف! ألست تعلم أن مضر بحيالك، وأنّ الجمل بين يديك، وأن الموت دونه! فقال: الموت خير من الحياة، الموت ما أريد؛ فأصيبوأخوه سيحان، وارتث صعصعة، واشتدّت الحرب. فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى اليمن وإلى ربيعة: أن اجتمعوا على من يليكم، فقام رجل من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب الله عزّ وجلّ؛ قالوا: وكيف يدعونا إلى كتاب الله من لا يقيم حدود الله سبحانه، ومن قتل داعي الله كعب بن سور! فرمته ربيعة رشقاً واحداً فقتلوه، وقام مسلم بن عبد الله العجليّ مقامه، فرشقوه رشقاً واحداً، فقتلوه، ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان القتال الأوّل يستحرّ إلى انتصاف النهار، وأصيب فيه طلحة رضي الله عنه، وذهب فيه الزّبير، فلما أووا إلى عائشة وأبى أهل الكوفة إلاّ القتال، ولم يريدوا إلاّ عائشة، ذمرتهم عائشة، فاقتتلوا حتى تنادوا فتحاجزوا، فرجعوا بعد الظهر فاقتتلوا، وذلك يوم الخميس في جمادى الآخرة، فاقتتلوا صدر النهار مع طلحة والزبير، وفي وسطه مع عائشة، وتزاحف الناس، فهزمت يمن البصرة يمن الكوفة، وربيعة البصرة ربيعة الكوفة، ونهد عليّ بمضر الكوفة إلى مضر البصرة، وقال: إن الموت ليس منه فوت، يدرك الهارب، ولا يترك المقيم.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو عبد الله القرشيّ، عن يونس بن أرقم، عن عليّ بن عمرو الكنديّ، عن زيد بن حساس، قال: سمعت محمد بن الحنفيّة يقول: دفع إليّ أبى الراية يوم الجمل، وقال: تقدّم؛ فتقدّمت حتى لم أجد متقدّماً إلاّ على رمح؛ قال: تقدّم لا أمّ لك! فتكاكأت وقلت: لا أجد متقدّماً إلاّ على سنان رمح، فتناول الرّاية من يدي متناول لا أدري من هو! فنظرت فإذا أبى بين يديّ وهو يقول:
أنت الّتي غرّك منّي الحسنى ... يا عيش إنّ القوم قوم أعدا
الخفض خير من قتال الأبنا
كتب إليّ السّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: اقتتلت المجنّبتان حين تزاحفتا قتالاً شديداً، يشبه ما فيه القلبان، واقتتل أهل اليمن، فقتل على راية أمير المؤمنين من أهل الكوفة عشرة، كلما أخذها رجل قتل خمسة من همدان وخمسة من سائر اليمن، فلما رأى ذلك يزيد بن قيس أخذها، فثبتت في يده وهو يقول:
قد عشت يا نفس وقد غنيت ... دهراً فقطك اليوم ما بقيت
أطلب طول العمر ما حييت
وإنما تمثّلها وهو قول الشاعر قبله. وقال نمران بن أبي نمران الهمذانيّ:
جرّدت سيفي في رجال الأزد ... أضرب في كهولهم والمزد
كلّ طويل الساعدين نهد
وأقبلت ربيعة، فقتل على راية الميسرة من أهل الكوفة زيد، وصرع صعصعة، ثم سيحان، ثم عبد الله بن رقبة بن المغيرة، ثم أبو عبيدة بن راشد بن سلمى وهو يقول: اللهمّ أنت هديتنا من الضّلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتنا بالفتنة، فكنّا في شبهة وعلى ريب؛ حتى قتل، ثمّ الحصين ابن معبد بن النّعمان، فأعطاها ابنه معبداً، وجعل يقول: يا معبد، قرّب لها بوّها تحدب، فثبتت في يده.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: لما رأت الكماة من مضر الكوفة ومضر البصرة الصبر تنادوا في عسكر عائشة وعسكر عليّ: يأيها الناس، طرّفوا إذا فرغ الصبر، ونزع النصر. فجعلوا يتوجّئون الأطراف: الأيدي والأرجل، فما رئيت وقعة قطّ قبلها ولا بعدها، ولا يسمع بها أكثر يداً مقطوعة ورجلاً مقطوعة منها، لا يدري من صاحبها. وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتّاب يومئذ قبل قتله، وكان الرجل من هؤلاء وهؤلاء إذا أصيب شيء من أطرافه استقتل إلى أن يقتل.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة ابن بلال، عن أبيه، قال: اشتدّ الأمر حتى أرزت ميمنة الكوفة إلى القلب، حتى لزقت به، ولزقت ميسرة البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم، وإن كانوا إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة الكوفة وميمنة البصرة، فقالت عائشة - رضي الله عنها - لمن عن يسارها: من القوم؟ قال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد، قالت: يآل غسّان! حافظوا اليوم جلادكم الذي كنا نسمع به، وتمثّلت:
وجالد من غسّان أهل حفاظها ... وهنب وأوس جالدت وشبيب
وقالت لمن عن يمينها: من القوم؟ قالوا: بكر بن وائل؛ قالت: لكم يقول القائل:
وجاءوا إلينا في الحديد كأنّهم ... من العزّة القعساء بكر بن وائل
إنما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشدّ القتال من قتالهم قبل ذلك، وأقبلت على كتيبة بين يديها، فقالت: من القوم؟ قالوا: بنو ناجية، قالت: بخ بخ! سيوف أبطحيّة، وسيوف قرشيّة، فجالدوا جلاداً يتفادى منه. ثم أطافت بها بنو ضبّة، فقالت: ويهاً جمرة الجمرات! حتى إذا رقّوا خالطهم بنو عديّ، وكثروا حولها، فقالت: من أنتم؟ قالوا: بنو عدّي، خالطنا إخواننا، فقالت: مازال رأس الجمل معتدلا حتى قتلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأس الجمل، ثم ضربوا ضرباً ليس بالتعذير، ولا يعدّلون بالتطريف؛ حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكرين جميعاً. راموا الجمل وقالوا: لا يزال القوم أو يصرع. وأرزت مجنّبتا عليّ فصارتا في القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضاً. وتلاقوا جميعاً بقلبيهم، وأخذ ابن يثربيّ برأس الجمل وهو يرتجز، وادّعى قتل علباء ابن الهيثم وزيد بن صوحان وهند بن عمرو، فقال:
أنا لمن ينكرني ابن يثربي ... قاتل علباء وهند الجملي
وابن لصوحان علي دين علي
فناداه عمّار: لقد لعمري لذت بحريز، وما إليك سبيل، فإن كنت صادقاً فاخرج من هذه الكتيبة إليّ؛ فترك الزمام في يد رجل من بني عديّ حتى كان بين أصحاب عائشة وأصحاب عليّ، فزحم الناس عمّاراً حتى أقبل إليه، فاتّقاه عمار بدرقته، فضربه انتشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، فخرج عمّار إليه لا يملك من نفسه شيئاً، فأسفّ عمار لرجليه فقطعهما، فوقع على استه، وحمله أصحابه، فارتثّ بعد، فأتى به عليّ، فأمر بضرب عنقه. ولما أصيب ابن يثربيّ ترك ذلك العدويّ الزّمام، ثم خرج فنادى: من يبارز؟ فخنّس عمّار، وبرز إليه ربيعة العقيليّ - والعدويّ يدعى عمرة بن بجرة، أشدّ الناس صوتاً، وهو يقول:
يا أمّنا أعقّ أمّ نعلم ... والأمّ تغذو ولداً وترحم
ألا ترين كم شجاع يكلم ... وتخلي منه يد ومعصم
ثم اضطربا، فأثخن كلّ واحد منهما صاحبه، فماتا.
وقال عطيّة بن بلال: ولحق بنا من آخر النهار رجل يدعى الحارث، من بني ضبّة، فقام مقام العدويّ، فما رأينا رجلاً قطّ أشدّ منه، وجعل يقول:
نحن بني ضبّة أصحاب الجمل ... ننعى ابن عفان بأطرفاف الأسل
الموت أحلى عندنا من العسل ... ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن المفضّل بن محمد، عن عديّ بن أبي عديّ، عن أبي رجاء العطارديّ، قال: إني لأنظر إلى رجل يوم الجمل وهو يقلّب سيفاً بيده كأنه مخراق، وهو يقول:
نحن بني ضبّة أضحاب الجمل ... ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أشهى عندنا من العسل ... ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن الهذليّ، قال: كان عمرو بن يثربيّ يحضّض قومه يوم الجمل، وقد تعاوروا الخطام يرتجزون:
نحن بني ضبّة لا نفرّ ... حتى نرى جماجماً تخرّ
يخرّ منها العلق المحمرّ
يا أمّنا يا عيش لن تراعى ... كلّ بنيك بطل شجاع
يا أمّنا يا زوجة النبيّ ... يا زوجة المبارك المهديّ
حتى قتل على الخطام أربعون رجلاً، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبّة. وقتل يومئذ عمرو بن يثربيّ علياء بن الهيثم السّدوسيّ، وهند بن عمرو الجمليّ، وزيد بن صوحان وهو يرتجز ويقول:
أضربهم ولا أرى أبا حسن ... كفى بهذا حزناً من الحزن
إنا نمرّ الأمر إمرار الرّسن
فزعم الهذليّ أنّ هذا الشعر تمثّل به يوم صفّين. وعرض عمار لعمرو بن يثربيّ - وعمار يومئذ ابن تسعين سنة، عليه فرو قد شدّ وسطه بحبل من ليف - فبدره عمرو بن يثربيّ فنحّى له درقته فنشب سيفه فيها، ورماه الناس حتى صرع وهو يقول:
إن تقتلوني فأنا ابن يثربي ... قاتل علباء وهند الجملي
ثمّ ابن صوحان على دين علي
وأخذ أسيراً حتى انتهي به إلى عليّ، فقال: استبقني. فقال: أبعد ثلاثة تقبل عليهم بسيفك تضرب به وجوههم! فأمر به فتقل.
وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو مخنف، عن إسحاق بن راشد، عن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، قال: مشيت يوم الجمل وبي سبع وثلاثون جراحة من ضربة وطعنة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزم منا أحد، وما نحن إلاّ كالجبل الأسود، وما يأخذ بخطام الجمل أحد إلاّ قتل، فأخذه عبد الرحمن بن عتاب فقتل، فأخذه الأسود بن أبي البختريّ فصرع، وجئت فأخذت بالخطام، فقالت عائشة: من أنت؟ قلت: عبد الله بن الزّبير. قالت: واثكل أسماء! ومرّ بي الأشتر، فعرفته فعانقته، فسقطنا جميعاً ، وناديت: " اقتلوني ومالكاً " ؛ فجاء ناس منا ومنهم، فقاتلوا عنا حتى تحاجزنا، وضاع الخطام، ونادى عليّ: اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرّقوا؛ فضربه رجلٌ فسقط، فما سمعت صوتاً قطّ أشدّ من عجيج الجمل.
وأمر عليّ محمد بن أبي بكر فضرب عليها قبّة، وقال: انظر، هل وصل إليها شيء؟ فأدخل رأسه، فقالت: من أنت؟ ويلك! فقال: أبغض أهلك إليك، قالت: ابن الخثعميّة؟ قال: نعم؛ قالت: يأبي أنت وأميّ! الحمد لله الذي عافاك.
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد، قال: سمعت أبا بكر بن عيّاش يقول: قال علقمة: قلت للأشتر: قد كنت كارهاً لقتل عثمان رضي الله عنه. فما أخرجك بالبصرة؟ قال: إنّ هؤلاء بايعوه، ثم نكثوا - وكان ابن الزبير هو الذي أكره عائشة على الخروج - فكنت أدعو الله عزّ وجلّ أن يلقّينيه، فلقيني كفّةً لكفّة، فما رضيت بشدّة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه فصرعته.
قلنا فهو القائل: " اقتلوني ومالكاً " ؟ قال: لا، ما تركته وفي نفسي منه شيء، ذاك عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، لقيني فاختلفنا ضربتين، فصرعتني وصرعته، فجعل يقول: " اقتلوني ومالكاً " ، ولا يعلمون من مالك، فلو يعلمون لقتلوني.
ثم قال أبو بكر بن عياش: هذا كتابك شاهده.
حدّثني به المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قلت للأشتر: حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن طلحة بن النضر، عن عثمان بن سليمان، عن عبد الله بن الزبير، قال: وقف علينا شابّ، فقال: احذروا هذين الرّجلين؛ فذكره - وعلامة الأشتر أنّ إحدى قدميه بادية من شيء يجد بها - قال: لما التقينا قال الأشتر: لما قصد لي سوّى رمحه لرجلي، قلت: هذا أحمق، وما عسى أن يدرك منى لو قطعها! ألست قاتله! فلما دنا مني جمع يديه في الرمح، ثم التمس به وجهي، قلت: أحد الأقران.
حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن ابن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان عمرو ابن الأشرف أخذ بخطام الجمل، لا يدنو منه أحدٌ إلا خبطه بسيفه، إذ أقبل الحارث بن زهير الأزديّ وهو يقول:
يا أمّنا يا خير أم نعلم ... أما ترين كم شجاع يكلم!
وتختلي هامته والمعصم!
فاختلفا ضربتين، فرأيتهما يفحصان الأرض بأرجلهما حتى ماتا فدخلت على عائشة رضي الله عنها بالمدينة، فقالت: من أنت؟ قلت: رجل من الأزد، أسكن الكوفة؛ قالت: أشهدتنا يوم الجمل؟ قلت: نعم؛ قالت: ألنا أم علينا؟ قلت: عليكم؛ قالت: أفتعرف الذي يقول:
يا أمّنا يا خير أم نعلم
قلت: نعم، ذاك ابن عمّي، فبكت حتى ظننت أنها لا تسكت.
حدّثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن أبي ليلى، عن دينار بن العيزار، قال: سمعت الأشتر يقول: لقيت عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، فلقيت أشدّ الناس وأروغه، فعانقته، فسقطنا إلى الأرض جميعاً، فنادى: " اقتلوني ومالكاً " .
حدّثني عمر قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي ليلى، عن دينار بن العيزار، قال: سمعت الأشتر يقول: رأيت عبد الله بن حكيم بن حزام معه راية قريش؛ وعدّي بن حاتم الطائيّ وهما يتصاولان كالفحلين، فتعاورناه فقتلناه - يعني عبد الله - فطعن عبد الله عديّاً ففقأ عينه.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن عمّه محمّد بن مخنف، قال: حدّثني عدّة من أشياخ الحيّ كلّهم شهد الجمل، قالوا: كانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم، فقتل يومئذ، فتناول الراية من أهل بيته الصّقعب وأخوه عبد الله بن سليم، فقتلوه، فأخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح، وهي في يده، وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن مسلم، فقتل وقتل معه زيد بن صوحان وسيحان ابن صوحان؛ وأخذ الراية عدّة منهم فقتلوا؛ منهم عبد الله بن رقية، وراشد. ثم أخذها منقذ بن النّعمان، فدفعها إلى ابنه مرّة بن منقذ، فانقضى الأمر وهي في يده، وكانت راية بكر بن وائل من أهل الكوفة في بني ذهل، كانت مع الحارث بن حسّان بن خوط الذّهليّ، فقال أبو العرفاء الرقاشيّ: أبق على نفسك وقومك، فأقدم وقال: يا معشر بكر بن وائل، إنّه لم يكن أحدٌ له من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل منزلة صاحبكم، فانصروه، فأقدم، فقتل وقتل ابنه وقتل خمسة إخوة له، فقال له يومئذ بشر بن خوط وهو يقاتل:
أنا ابن حسّان بن خوط وأبي ... رسول بكر كلها إلى النّبي
وقال ابنه:
أنعى الرئيس الحارث بن حسّان ... لآل ذهل ولآل شيبان
وقال رجل من ذهل:
تنعى لنا خير امرىء من عدنان ... عند الطّعان ونزال الأقران
وقتل رجال من بني محدوج، وكانت الرّياسة لهم من أهل الكوفة، وقتل من بني ذهل خمسة وثلاثون رجلاً، فقال رجل لأخيه وهو يقاتل: يا أخي، ما أحسن قتالنا إن كنّا على حقّ! قال: فإنا على الحقّ، إن الناس أخذوا يميناً وشمالاً، وإنما تمسّكنا بأهل بيت نبيّنا؛ فقاتلا حتى قتلا. وكانت رياسة عبد القيس من أهل البصر - وكانوا مع عليّ - لعمرو بن مرحوم، ورياسة بكر بن وائل لشقيق بن ثور، والرّاية مع رشراشة مولاه، ورياسة الأزد من أهل البصرة - وكانوا مع عائششة - لعبد الرحمن بن جشم بن أبي حنين الحمّاميّ - فيما حدّثني عامر بن حفص، ويقال لصبرة بن شيمان الحدّانيّ - والراية مع عمرو بن الأشرف العتكيّ، فقتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلاًمن أهل بيته.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا أبو ليلى، عن أبي عكّاشة الهمدانيّ، عن رفاعة البجليّ، عن أبي البختريّ الطائيّ، قال: أطافت ضبّة والأزد بعائشة يوم الجمل، وإذا رجال من الأزد بعائشة يوم الجمل، وإذا رجال من الأزد يأخذون بعر الجمل فيفتّونه ويشمّونه، ويقولون: بعر جمل أمّنا ريحه ريح المسك؛ ورجل من أصحاب عليّ يقاتل ويقول:
جرّدت سيفي في رجال الأزد ... أضرب في كهولهم والمرد
كلّ طويل الساعدين نهده
وماج الناس بعضهم في بعض، فصرخ صارخ: اعقروا الجمل؛ فضربه بجير بن دلجة الضّبيّ من أهل الكوفة، فقيل له: لم عقرته؟ فقال: رأيت قومي يقتلون، فخفت أن يفنوا، ورجوت إن عقرته أن يبقي لهم بقيّة.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا الصّلت بن دينار، قال: انتهى رجل من بني عقيل إلى كعب بن سور - رحمه الله - وهو مقتول، فوضع زجّ رمحه في عينه، ثم خضخضه، وقال: ما رأيت مالاً قطّ أحكم نقداً منك.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا عوانة، قال: اقتتلوا يوم الجمل يوماً إلى الليل، فقال بعضهم:
شفى السّيف من زيد وهند نفوسنا ... شفاء ومن عيني عدي بن حاتم
صبرنا لهم يوماً إلى الليل كلّه ... بصمّ القنا والمرهفات الصّوارم
وقال ابن صامت:
يا ضبّ سيرى فإنّ الأرض واسعة ... على شمالك إن الموت بالقاع
كتيبة كشعاع الشّمس إذ طلعت ... لها أتيّ إذا ما سال دفّاع
إذاً نقيم لكم في كلّ معترك ... بالمشرفيّة ضرباً غير إبداع
حدّثنا العباس بن محمد، قال: حدّثنا روح بن عبادة، قال: حدّثنا روح، عن أبي رجاء، قال: رأيت رجلاً قد اصطلمت أذنه، قلت: أخلقة، أم شيء أصابك؟ قال: أحدّثك؛ بينا أنا أمشي بين القتلى يوم الجمل، فإذا رجل يفحص برجله، وهو يقول:
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا ... فلم ننصرف إلاّ ونحن رواء
أطعنا قريشاً ضلّة من حلومنا ... ونصرننا أهل الحجاز عناء
قلت: يا عبد الله، قل لا إله إلاّ الله، قال: ادن مني، ولقّنّي فإنّ في أذني وقراً، فدنوت منه، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: رجل من الكوفة؛ فوثب عليّ، فاصطلم أذني كما ترى، ثمّ قال: إذا لقيت أمك فأخبرها أن عمير بن الأهلب الضبّي فعل بك هذا.
حدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا المفضّل الراوية وعامر بن حفص وعبد المجيد الأسديّ، قالوا: جرح يوم الجمل عمير بن الأهلب الضّبيّ، فمرّ به رجلٌ من أصحاب عليّ وهو في الجرحى، فقال له عمير: ادن منى، فدنا منه، فقطع أذنه، وقال عمير بن الأهلب:
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا ... فلم ننصرف إلا ونحن رواء
لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّه ... وشيعتها مندوحة وغناء
أطعنا بني تيم بن مرّة شقوة ... وهل تيم إلاّ أعبد وإماء!
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن المقدام الحارثيّ، قال: كان منّا رجل يدعي هانىء بن خطّاب، وكان ممن غزا عثمان، ولم يشهد الجمل، فلمّا سمع بهذا الرج. - يعني رجز القائل:
نحن بني ضبّة أصحاب الجمل
في حديث الناس، نقض عليه وهو بالكوفة:
أبت شيوخ مذجح وهمدان ... ألا يردّوا نعثلاً كما كان
خلقاً جديداً بعد خلق الرّحمن
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: جعل أبو الجرباء يومئذ يرتجز ويقول:
أسامع أنت مطيع لعلي ... من قبل أن تذوق حدّ المشرفي
وخاذل في الحقّ أزواج النّبي ... أعرف قوماً لست فيه بعنى
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كانت أمّ المؤمنين في حلقة من أهل النّجدات والبصائر من أفناء مضر، فكان لا يأخذ أحد بالزمام إلاّ كان يحمل الرّاية واللواء لا يحسّن تركها، وكان لا يأخذه إلاّ معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب لها: أنا فلان بن فلان، فوالله إن كانوا ليقاتلون عليه؛ وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة وعنت، وما رامه أحد من أصحاب عليّ إلاّ قتل أو أفلت، ثم لم يعد. ولما اختلط الناس بالقلب جاء عديّ بن حاتم فحمل عليه، ففقئت عينه ونكل، فجاء الأشتر فحامله عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد وإنه لأقطع منزوف، فاعتنقه، ثم جلد به الأرض عن دابّته، فاضطرب تحته، فأفلت وهو جريض.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان لا يجىء رجل فيأخذ بالزّمام حتى يقول: أنا فلان بن فلان يا أمّ المؤمنين، فجاء عبد الله بن الزّبير، فقالت حين لم يتكلم: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله، أنا ابن أختك، قالت: واثكل أسماء! - تعنى أختها - وانتهى إلى الجمل الأشتر وعديّ بن حاتم، فخرج عبد الله ابن حكيم بن حزام إلى الأشتر، فمشىإليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقتله الأشتر، ومشى إليه عبد الله بن الزبير، فضربه الأشتر على رأسه، فجرحه جرحاً شديداً، وضرب عبد الله الأشتر ضربة خفيفة، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، وخرّا إلى الأرض يعتركان، فقال عبد الله بن الزبير: " اقتلوني ومالكاً " .
وكان مالك يقول: ما أحبّ أن يكون قال: " والأشتر " وأنّ لي حمر النّعم. وشدّ أناس من أصحاب عليّ وأصحاب عائشة فافترقا، وتنقّذ كلّ واحد من الفريقين صاحبه.
كتب إليّ السّريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: وجاء محمد بن طلحة فأخذ بزمام الجمل، فقال: يا أمّتاه، مريني بأمرك. قالت: آمرك أن تكون كخير بني آدم إن تركت. قال: فحمل فجعل لا يحمل عليه أحد إلاّ حمل عليه ويقول: " حم لا ينصرون " ، واجتمع عليه نفر، فكلّهم ادّعى قتله: المكعبر الأسديّ، والمكعبر الضّبيّ، ومعاوية بن شدّاد العبسي، وعفّان بن الأشقر النصريّ، فأنفذه بعضهم بالرّمح، ففي ذلك يقول قاتله منهم:
وأشعث قوّام بآيات ربّه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخرّ صريعاً لليدين وللفم
يذكّرني حم والرمح شاجر ... فهلا تلا حم قبل التقدّم!
على غير شيء غير أن ليس تابعاً ... علياً ومن لا يتبع الحقّ يندم
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: قال القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلّبه يومئذ: هل لك في العود؟ فلم يجبه. فقال: يا أشتر، بعضنا أعلم بقتال بعض منك. فحمل القعقاع، وإنّ الزمام مع زفر بن الحارث، وكان آخر من أعقب في الزّمام، فلا والله ما بقي من بني عامر يومئذ شيخ إلاّ أصيب قدّام الجمل، فقتل فيمن قتل يومئذ ربيعة جدّ إسحاق بن مسلم، وزفر يرتجز ويقول:
يا أمّنا يا عيش لن تراعي ... كلّ بنيك بطل شجاع
ليس بوهّام ولا براعي
وقام القعقاع يرتجز ويقول:
إذا وردنا آجناً جهرناه ... ولا يطاق ورد ما منعناه
تمثّلها تمثّلاً.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان من آخر من قاتل ذلك اليوم زفر بن الحارث، فزحف إليه القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامريّ مكتهل إلاّ أصيب، يتسرّعون إلى الموت، وقال القعقاع: يا بحير بن دلجة، صح بقومك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا وتصاب أمّ المؤمنين؛ فقال: يال ضبة، يا عمرو بن دلجة، ادع بي إليك؛ فدعا به، فقال: أنا آمن حتى أرجع؟ قال: نعم. قال: فاجتثّ ساق البعير، فرمى بنفسه على شقّه وجرجر البعير. وقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو وزفر على قطع بطان البعير، وحملا الهودج فوضعاه، ثم أطافا به، وتفارّ من وراء ذلك من الناس.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن عطيّة، عن أبيه، قال: لما أمسى الناس وتقدّم عليّ وأحيط بالجمل ومن حوله، وعقره بجير بن دلجة، وقال: إنكم آمنون؛ كفّ بعض الناس عن بعض. وقال عليّ في ذلك حين أمسى وانخنس عنهم القتال:
إليك أشكو عجري وبجري ... ومعشراً غشّوا عليّ بصري
قتلت منهم مضراً بمضري ... شفيت نفسي وقتلت معشري
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال طلحة يومئذ: اللهمّ أعط عثمان منّي حتى يرضى؛ فجاء سهم غرب وهو واقف، فخلّ ركبته بالسرج، وثبت حتى امتلأ موزجه دماً، فلما ثقل قال لمولاه: اردفني وابغني مكاناً لا أعرف فيه، فلم أر كاليوم شيخاً أشيع دماً مني. فركب مولاه وأمسكه وجعل يقول: قد لحقنا القوم، حتى انتهى به إلى دار من دور البصرة خربة، وأنزله في فيئها، فمات في تلك الخربة، ودفن رضي الله عنه في بني سعد.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن البختريّ العبديّ، عن أبيه، قال: كانت ربيعة مع عليّ يوم الجمل ثلث أهل الكوفة، ونصف الناس يوم الوقعة، وكانت تعبيتهم مضر ومضر، وربيعة وربيعة، واليمن واليمن؛ فقال بنو صوحان: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا نقف عن مضر؛ ففعل، فأتى زيد فقيل له: ما يوقفك حيال الجمل وبحيال مضر! الموت معك وبإزائك، فاعتزل إلينا؛ فقال: الموت نريد. فأصيبوا يومئذ، وأفلت صعصعة من بينهم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن عطية، قال: كان رجل منا يدعى الحارث، فقال يومئذ: يال مضر؛ علام يقتل بعضكم بعضاً! تبادرون لا ندري إلاّ أنّا إلى قضاء، وما تكفون في ذلك.
حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله بن المبارك، عن جرير، قال: حدّثني الزبير بن الخرّيت، قال: حدّثني شيخ من الحرامين يقال له أبو جبير، قال: مررت بكعب بن سور وهو آخذ بخطام جمل عائشة رضي الله عنها يوم الجمل، فقال: يا أبا جبير، أنا والله كما قالت القائلة:
بنيّ لا تبن ولا تقاتل
فحدّثني الزبير بن الخرّيت، قال: مرّ به عليّ وهو قتيل، فقام عليه فقال: والله إنك - ما علمت - كنت لصليباً في الحقّ، قاضياً بالعدل، وكيت وكيت؛ فأثنى عليه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن صعصعة المزنيّ - أو عن صعصعة - عن عمرو بن جأوان، عن جرير بن أشرس، قال: كان القتال يومئذ في صدر النهار مع طلحة والزبير، فانهزم الناس وعائشة توقّع الصّلح، فم يفجأها إلاّ الناس، فأحاطت بها مضر، ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصف النهار مع عائشة. وعليّ... كعب بن سور أخذ مصحف عائشة وعليّ فبدر بين الصّفين يناشدهم الله عزّ وجلّ في دمائهم، وأعطى درعه فرمى بها تحته، وأتى بترسه فتنكبّه، فرشقوه رشقاً واحداً، فقتلوه رضي الله عنه، ولم يمهلوهم أن شدّوا عليهم، والتحم القتال، فكان أول مقتول بين يدي عائشة من أهل الكوفة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن مخلد بن كثير، عن أبيه، قال: أرسلنا مسلم بن عبد الله يدعو بنى أبينا، فرشقوه - كما صنع القلب بكعب - رشقاً واحداً، فقتلوه، فكان أوّل من قتل بين يدي أمير المؤمنين وعائشة رضي الله عنها، فقالت أمّ مسلم ترثيه:
لا همّ إنّ مسلماً أتاهم ... مستسلماً للموت إذ دعاهم
إلى كتاب الله لا يخشاهم ... فرمّلوه من دم إذ جاهم
وأمّهم قائمة تراهم ... يأتمرون الغيّ لا تنهاهم
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن حكيم ابن شريك، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما انهزمت مجنّبتا الكوفة عشيّة الجمل، صاروا إلى القلب - وكان ابن يثربيّ قاضي البصرة قبل كعب بن سور، فشهدهم هو وأخوه يوم الجمل، وهما عبد الله وعمرو، فكان واقفاً أمام الجمل على فرس - فقال عليّ: من رجل يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو المراديّ، فاعترضه ابن يثربيّ، فاختلفا ضربتين، فقتله ابن يثربيّ، ثم حمل سيحان بن صوحان، فاعترضه ابن يثربيّ، فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربيّ، ثم حمل علباء بن الهيثم، فاعترضه ابن يثربيّ، فقتله، ثم حمل صعصعة فضربه، فقتل ثلاثة أجهز عليهم في المعركة: علباء، وهند، وسيحان، وارتثّ صعصعة وزيد، فمات أحدهما، وبقى الآخر.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشعبيّ، قال: أخذ الخطام يوم الجمل سبعون رجلاً من قريش، كلّهم يقتل وهو آخذ بالخطام، وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمّه، وواثبه عبد الله، فاعتنقه فخرّ به، وجعل يقول: اقتلوني ومالكاً - وكان الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال: والأشتر، وكانت له ألف نفس ما نجا منها شئ - وما زال يضطرب في يدي عبد الله حتى أفلت، وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد. وجرح يومئذ مروان وعبد الله بن الزبير.
حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدّثني محمد بن أبي يعقوب وابن عون، عن أبي رجاء، قال: قال يومئذ عمرو بن يثربيّ الضّبيّ؛ وهو أخو عميرة القاضي:
نحن بني ضبّة أصحاب الجمل ... ننزل بالموت إذا الموت نزل
وزاد ابن عون - وليس في حديث ابن أبي يعقوب:
القتل أحلى عندنا من العسل ... ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن داود بن أبي هند، عن شيخ من بني ضبة، قال: ارتجز يومئذ ابن يثربيّ:
أنا لمن أنكرني ابن يثربي ... قاتل علباء وهند الجملي
وابن لصوحان على دين علي
وقال: من يبارز؟ فبرز له رجل، فقتله، ثم برز له آخر فقتله، وارتجز وقال :
اقتلهم وقد أرى عليًّا ... ولو أشا أوجرته عمريًّا
فبرز له عمّار بن ياسر؛ وإنه لأضعف من بارزه، وإنّ الناس ليسترجعون حين قام عمار، وأنا أقول لعمار من ضعفه: هذا والله لاحق بأصحابه، وكان قضيفاً، حمش الساقين، وعليه سيف حمائله تشفّ عنه قريب من إبطه، فيضربه ابن يثربيّ بسيفه، فنشب في حجفته، وضربه عمار وأوهطه، ورمى أصحاب عليّ ابن يثربيّ بالحجارة حتى أثخنوه وارتثّوه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن حمّاد البرجميّ، عن خارجة بن الصلت، قال: لما قال الضبّيّ يوم الجمل:
نحن بني ضبّة أصحاب الجمل ... ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
قال عمير بن أبي الحارث:
كيف نردّ شيخكم وقد قحل ... نحن ضربنا صدره حتّى انجفل!
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصّعب بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: عقر الجمل رجل من بني ضبّة يقال له: ابن دلجة - عمرو أو بجير - وقال في ذلك الحارث بن قيس - وكان من أصحاب عائشة:
نحن ضربنا ساقه فانجلا ... من ضربة بالنّفر كانت فيصلا
لو لم نكوّن للرّسول ثقلا ... وحرمة لاقتسمونا عجّلا
وقد نحل ذلك المثنّى بن مخرمة من أصحاب عليّ.
شدّة القتال يوم الجمل وخبر أعين بن ضبيعة
واطلاعه في الهودجكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن نويرة، عن أبي عثمان، قال: قال القعقاع: ما رأيت شيئاً أشبه بشيء من قتال القلب يوم الجمل بقتال صفّين، لقد رأيتنا ندافعهم بأسنّتنا ونتّكئ على أزجّتنا، وهم مثل ذلك حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم.
حدّثني عيسى بن عبد الرّحمن المروزيّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين العرنيّ، قال: حدّثنا يحيى بن يعلي الأسلميّ، عن سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن عبد الله بن سنان الكاهليّ، قال: لما كان يوم الجمل ترامينا بالنّبل حتى فنيت، وتطاعنّا بالرّماح حتى تشبّكت في صدورنا وصدورهم، حتى لو سيّرت عليها الخيل لسارت، ثم قال عليّ: السيوف يا أبناء المهاجرين. قال الشيخ: فما دخلت دار الوليد إلا ذكرت ذلك اليوم.
حدّثني عبد الأعلى بن واصل، قال: حدّثنا أبو فقيم، قال: حدّثنا فطر، قال: سمعت أبا بشير قال: كنت مع مولاي زمن الجمل، فما مررت بدار الوليد قطّ، فسمعت أصوات القصّارين يضربون إلاّ ذكرت قتالهم.
حدّثني عيسى بن عبد الرحمن المروزيّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا يحيى بن يعلي، عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى ابن حطّان قال: حاص الناس حيصة، ثم رجعنا وعائشة على جمل أحمر، في هودج أحمر، ما شبّهته إلا بالقنفذ من النّبل.
حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي؛ قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، قال: حدّثني ابن عون، عن أبي رجاء، قال: ذكروا يوم الجمل فقلت: كأنّي أنظر إلى خدر عائشة كأنه قنفذ مما رمى في من النّبل، فقلت لأبي رجاء: أقاتلت يومئذ؟ قال: والله لقد رميت بأسهم فما أدري ما صنعن.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد السّلميّ، عن ميسرة أبي جميلة، أنّ محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر أتيا عائشة وقد عقر الجمل، فقطعا غرضة الرّحل، واحتملا الهودج، فنحّياه حتى أمرهما عليّ فيه أمره بعد؛ قال: أدخلاها البصرة، فأدخلاها دار عبد الله بن خلف الخزاعيّ.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: أمر عليّ نفراً بحمل الهودج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث أنزلاه عن ظهر البعير، فوضعاه إلى جنب البعير، فأقبل محمد ابن أبي بكر إليه ومعه نفر، فأدخل يده فيه، فقالت: من هذا؟ قال: أخوك البرّ، قالت: عقوق. قال: عمّار بن ياسر: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أمّه؟ قالت: من أنت؟ قال: أنا ابنك البارّ عمّار؛ قالت: لست لك بأمّ؛ قال: بلى، وإن كرهت. قالت: فخرتم أن ظفرتم، وأتيتم مثل ما نقمتم، هيهات؛ والله لن يظفر من كان هذا دأبه. وأبرزوها بهودجها من القتلى، ووضعوها ليس قربها أحد، وكأنّ هودجها فرخ مقصّب مما فيه من النّبل، وجاء أعين بن ضبيعة المجاشعيّ حتى اطّلع في الهودج، فقالت: إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلاّ حميراء؛ قالت: هتك الله سترك، وقطع يدك، وأبدى عورتك! فقتل بالبصرة وسلب، وقطعت يده، ورمى به عريانّا في خربة من خربات الأزد، فانتهى إليها عليّ، فقال: أي أمّه، يغفر الله لنا ولكم؛ قالت: غفر الله لنا ولكم.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصعب بن حكيم ابن شريك، عن أبيه، عن جده، قال: انتهى محمد بن أبي بكر ومعه عمّار، فقطع الأنساع عن الهودج، واحتملاه، فلما وضعناه أدخل محمد يده وقال: أخوك محمد، فقالت: مذّمم، قال: يا أخيّة، هل أصابك شئ؟ قالت: ما أنت من ذاك؟ قال: كيف أنت يا أمّه؟ قالت: بخير، قال: يغفر الله لك. قالت: ولك.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما كان من آخر الليل خرج الليل خرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة، فأنزلها في دار عبد العزّي بن عثمان بن عبد الدّار، وهي أمّ طلحة الطّلحات بن عبد الله ابن خلف.
وكانت الوقعة يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، في قول الواقديّ.
مقتل الزبير بن العوّام رضي الله عنه
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحة والزّبير، ومضى الزّبير رضي الله عنه حتى مرّ بعسكر الأحنف، فلما رآه وأخبر به قال: والله ما هذا بخيار، وقال للناس: من يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز لأصحابه: أنا، فأتبعه، فلما لحقه نظر إليه الزبير - وكان شديد الغضب - قال: ما وراءك؟ قال: إنما أردت أن أسألك؛ فقال غلام للزّبير يدعى عطية كان معه: إنه معدّ؛ فقال: ما يهولك من رجل! وحضرت الصّلاة، فقال ابن جرموز: الصلاة؛ فقال: الزبير: الصلاة، فنزلا، واستدبره ابن جرموز فطعنه من خلفه في جربّان درعه، فقتله، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، وخلّى عن الغلام، فدفنه بوادي السباع؛ ورجع إلى الناس بالخبر. فأما الأحنف فقال: والله ما أدري أحسنت أم أسأت! ثمّ انحدر إلى عليّ وابن جرموز معه، فدخل عليه، فأخبره، فدعا بالسيف، فقال: سيف طالما جلّى الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم! وبعث بذلك إلى عائشة، ثم أقبل على الأحنف فقال: تربّصت؛ فقال: ما كنت أراني إلاّ قد أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإنّ طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إليّ غداً أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، واستصف مودّتي لغد، ولا تقولنّ مثل هذا، فإني لم أزل لك ناصحاً.
من انهزم يوم الجمل فاختفى ومضى في البلاد
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ومضى الزبير في صدر يوم الهزيمة راجلاً نحو المدينة، فقتله ابن جرموز، قالا: وخرج عتبة بن أبي سفيان وعبد الرحمن ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد شجّجوا في البلاد، فلقوا عصمة بن أبير التيميّ، فقال: هل لكم في الجوار؟ قالوا: من أنت؟ قال: عصمة بن أبير. قالوا: نعم، قال: فأنتم في جواري إلى الحول؛ فمضى بهم، ثم حماهم وأقام عليهم حتى برءوا، ثم قال: اختاروا أحبّ بلد إليكم أبلغكموه، قالوا: الشأم، فخرج بهم في أربعمائة راكب من تيم الرّباب، حتى إذا وغلوا في بلاد كلب بدومة قالوا: قد وفّيت ذمّتك وذممهم، وقضيت الذي عليك فارجع، فرجع.
وفي ذلك يقول الشاعر:
وفي ابن أبير والرّماح شوارع ... بآل أبي العاصي وفاء مذكّرا
وأما ابن عامر فإنه خرج أيضاً مشجّجاً، فتلقاه رجل من بني حرقوص يدعى مريّاً، فدعاه للجوار، فقال: نعم، فأجاره وأقام عليه، وقال: أيّ البلدان أحبّ إليك؟ قال: دمشق، فخرج به في ركب من بي حرقوص حتى بلغوا به دمشق. وقال حارثة بن بدر - وكان مع عائشة، وأصيب في الوقعة ابنه أو أخوه زراع:
أتاني من الأنباء أنّ ابن عامر ... أناخ وألقي في دمشق المرسيا
وأوى مروان بن الحكم إلى أهل بيت من عنزة يوم الهزيمة، فقال لهم: أعلموا مالك بن مسمع بكاني، فأتوا مالكاً فأخبروه بمكانه، فقال لأخيه مقاتل: كيف نصنع بهذا الرجل الذي قد بعث إليها يعلمنا بمكانه؟ قال: ابعث ابن أخي فأجره، والتمسوا له الأمان من عليّ، فإن آمنه فذاك الذي نحبّ وإن لم يؤمنه خرجنا به وبأسيافنا؛ فإن عرض له جالدنا دونه بأسيافنا، فإمّا أن نسلم، وأمّا أن نهلك كراماً. وقد استشار غيره من أهله من قبل في الذي استشار فيه مقاتلاً، فنهاه، فأخذ برأي أخيه، وترك رأيهم، فأرسل إليه فأنزله داره، وعزم على منعه إن اضطر إلى ذلك، وقال: الموت دون الجوار وفاء، وحفظ لهم بنو مروان ذلك بعد، وانتفعوا به عندهم، وشرّفوهم بذلك، وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار رجل من الأزد يدعى وزيراً؛ وقال: ائت أمّ المؤمنين فأعلمها بمكاني، وإيّاك أن يطّلع على هذا محمد بن أبي بكر، فأتى عائشة رضي الله عنها فأخبرها، فقالت: عليّ بمحمد، فقال: يا أمّ المؤمنين، إنه قد نهاني أن يعلم به محمد، فأرسلت إليه فقالت: اذهب مع هذا الرجل حتى تجيئني بان أختك؛ فانطلق معه فدخل بالأزديّ على ابن الزبير، قال: جئتك والله بما كرهت، وأبت أمّ المؤمنين إلاّ ذلك، فخرج عبد الله ومحمد وهما يتشاتمان، فذكر محمد عثمان فشتمه وشتم عبد الله محمداً حتى انتهى إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف - وكان عبد الله ابن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة، وقتل عثمان أخوه عليّ - وأرسلت عائشة في طلب من كان جريحاً فضمّت منهم ناساً، وضمّت مروان فيمن ضمّت، فكانوا في بيوت الدار.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وغشى الوجوه عائشة وعليّ في عسكره، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة في أوّل من دخل، فسلّم عليها، فقالت: إني رأيت رجلين بالأمس اجتلدا بين يديّ واتجزا بكذا، فهل تعرف كوفيّك منهما؟ قال: نعم، ذاك الذي قال: أعقّ أمّ نعلم، وكذب والله، إنك لأبرّ أمّ نعلم، ولكن لم تطاعي. فقالت: والله لوددت أني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وخرج فأتى عليًّا فأخبره أنّ عائشة سألته، فقال: ويحك! من الرجلان؟ قال: ذلك أبو هالة الذي يقول:
كيما أرى صاحبه عليّا
فقال: والله لوددت أني متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة، فكان قولهما واحداً.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وتسلّل الجرحى في جوف الليل، ودخل البصرة من كان يطيق الانبعاث منهم، وسألت عائشة يومئذ عن عدّة من الناس، منهم من كان معها، ومنهم من كان عليها، وقد غشيها الناس، وهي في دار عبد الله بن خلف، فكلما نعى لها منهم واحد قالت: يرحمه الله، فقال لها رجل من أصحابها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلان في الجنة، وفلان في الجنة. وقال عليّ بن أبي طالب يومئذ: إني لأرجو ألاّ يكون أحد من هؤلاء نقّي قلبه إلاّ أدخله الله في الجنّة.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن أبي أيّوب، عن عليّ، قال: ما نزّل على النبيّ صلى الله عليه وسلم آية أفرح له من قول الله عزّ وجلّ: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " ، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أصاب المسلم في الدنيا من مصيبة في نفسه فبذنب، وما يعفو الله عزّ وجلّ عنه أكثر، وما أصابه في الدّنيا فهو كفّارة له وعفو منه لا يعتدّ عليه فيه عقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عزّ وجلّ عنه في الدنيا فقد عفا عنه، والله أعظم من أن يعدو في عفوه " .
توجّع عليّ على قتلى الجمل ودفنهم
وجمعه ما كان في العسكر والبعث به إلى البصرةكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وأقام عليّ بن أبي طالب في عسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة، وندب الناس إلى موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، فطاف عليّ معهم في القتلى، فلما أتى بكعب بن سور قال: زعمتم أنما خرج معهم السفهاء، وهذا الحبر قد ترون. وأتى عليّ عبد الرحمن بن عتّاب فقال: هذا يعسوب القوم - يقول الذي كانوا يطيفون به - يعني أنهم قد كانوا اجتمعوا عليه، ورضوا به لصلاتهم. وجعل عليّ كلما مرّ برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلاّ الغوغاء، هذا العابد المجتهد. وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة، وعلا قتلاهم من أهل الكوفة؛ وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، فكانوا مدنيّين ومكيّين، ودفن عليّ الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في المعسكر من شئ، ثم بعث به إلى مسجد البصرة؛ أن من عرف شيئاً فليأخذه، إلاّ سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان، فإنه لمّا بقي لم يعرف، خذوا ما أجلبوا به عليكم من مال الله عزّ وجلّ، لا يحلّ لمسلم من مال المسلم المتوفىّ شئ، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفيل من السلطان.
عدد قتلى الجملكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف؛ نصفهم من أصحاب عليّ، ونصفهم من أصحاب عائشة؛ من الأزد ألفان، ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مضر ألفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبّة، وخمسمائة من بكر بن وائل. وقيل: قتل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، وقتل من أهل البصرة في المعركة الثانية خمسة آلاف، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف. قالا: وقتل من بني عديّ يومئذ سبعون شيخاً، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشّباب ومن لم يقرأ القرآن.
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما زلت أرجو النصر حتى خفيت أصوات بني عديّ.
دخول عليّ على عائشة
وما أمر به من العقوبة فيمن تناولها
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ودخل عليّ البصرة يوم الاثنين، فانتهى إلى المسجد، فصلى فيه، ثم دخل البصرة، فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف وهي أعظم دار بالبصرة، وجد النّساء يبكين على عبد الله وعثمان ابنى خلف مع عائشة، وصفيّة ابنة الحارث مختمرة تبكي، فلما رأته قالت: يا عليّ، يا قاتل الأحبّة، يا مفرّق الجمع، أيتم الله بنيك منك كما أيتمت ولد عبد الله منه! فلم يردّ عليها شيئاً، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلّم عليها، وقعد عندها، وقال لها: جبهتنا صفيّة، أما إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم، فلما خرج عليّ أقبلت عليه فأعادت عليه الكلام، فكفّ بغلته وقال: أما لهممت - وأشار إلى الأبواب من الدار - أن أفتح هذا الباب واقتل من فيه، ثم هذا فأقتل من فيه، ثم هذا فأقتل من فيه - وكان أناس من الجرحى قد لجئوا إلى عائشة، فأخبر عليّ بمكانهم عندها، فتغافل عنهم - فسكتت. فخرج عليّ، فقال رجل من الأزد: والله لا تفلتنا هذه المرأة. فغضب وقال: صه! لا تهتكنّ ستراً، ولا تدخلنّ داراً، ولا تهيّجنّ امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفّهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهنّ ضعاف؛ ولقد كنا نؤمر بالكفّ عنهنّ، وإنهنّ لمشركات، وإن الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضّرب فيعيّر بها عقبه من بعده، فلا يبلغنّي عن أحد عرض لامرأة فأنكّل به شرار الناس. ومضى عليّ، فلحق به رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، قام رجلان من لقيت على الباب، فتناولا من هو أمضّ لك شتيمة من صفيّة. قال: ويحك! لعلها عائشة. قال: نعم، قام رجلان منهم على باب الدار فقال أحدهما:
جزيت عنّا أمّنا عقوقا
وقال الآخر:
يا أمّنا توبي فقد خطيت
فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين، فقال: أضرب أعناقهما، ثم قال: لأنهكنّهما عقوبة. فضربهما مائة مائة، وأخرجهما من ثيابهما.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي الكنود، قال: هما رجلان من أزد الكوفة يقال لهما عجل وسعد ابنا عبد الله.
بيعة أهل البصرة عليّاً
وقسمه ما في بيت المال عليهمكتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: بايع الأحنف من العشيّ لأنه كان خارجاً هو وبنو سعد، ثم دخلوا جميعاً البصرة، فبايع أهل البصرة على راياتهم، وبايع عليّ أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنة، فلما رجع مروان لحق بمعاوية. وقال قائلون: لم يبرح المدينة حتى فرغ من صفين.
قالا: ولما فرغ عليّ من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه الوقعة، فأصاب كلّ رجل منهم خمسمائة خمسمائة، وقال: لكم إن أظفركم الله عزّ وجلّ بالشأم مثلها إلى أعطياتكم. وخاض في ذلك السبئيّة، وطعنوا على عليّ من وراء وراء.
سيرة عليّ فيمن قاتل يوم الجمل كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن راشد، عن أبيه، قال: كان في سيرة عليّ ألاّ يقتل مدبراً ولا يذفّف على جريح، ولا يكشف ستراً، ولا يأخذ مالاً؛ فقام قوم يومئذ: ما يحلّ لنا دماءهم، ويحرم علينا أموالهم؟ فقال عليّ: القوم أمثالكم، من صفح عنّا فهو منّا، ونحن منه، ومن لجّ حتى يصاب فقاتله منّى على الصّدر والنّحر، وإنّ لكم في خمسه لغنى، فيومئذ تكلّمت الخوارج.
بعثة الأشتر إلى عائشة بجمل اشتراه لهاوخروجها من البصرة إلى مكّة
حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، قال: لما فرغوا يوم الجمل أمرني الأشتر فانطلقت فاشتريت له جملاً بسبعمائة درهم من رجل من مهرة، فقال: انطلق به إلى عائشة فقل لها: بعث به إليك الأشتر مالك ابن الحارث، وقال: فهذا عوض من بعيرك، فانطلقت به إليها، فقلت: مالك يقرئك السلام ويقول: إنّ هذا البعير مكان بعيرك؛ قالت: لا سلّم الله عليه؛ إذ قتل يعسوب العرب - تعني ابن طلحة - وصنع بابن أختي ما صنع! قال: فرددته إلى الأشتر، وأعلمته، قال: فأخرج ذراعين شعراوين؛ وقال: أرادوا قتلي فما أصنع!
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: قصدت عائشة مكة فكان وجهها من البصرة، وانصرف مروان والأسود بن أبي البختريّ إلى المدينة من الطريق، وأقامت عائشة بمكّة إلى الحجّ، ثم رجعت إلى المدينة.
ما كتب به عليّ بن أبي طالب من الفتح إلى عامله بالكوفة كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وكتب عليّ بالفتح إلى عامله بالكوفة حين كتب في أمرها وهو يومئذ بمكة: من عبد الله عليّ أمير المؤمنين. أمّا بعد، فإنا التقينا في النصف من جمادى الآخرة بالخريبة - فناء من أفنية البصرة - فأعطاهم الله عزّ وجلّ سنّة المسلمين، وقتل منّا ومنهم قتلى كثيرة، وأصيب ممّن أصيب منا ثمامة بن المثنيّ، وهند بن عمرو، وعلباء بن الهيثم، وسيحان وزيد ابنا صوحان، ومحدوج.
وكتب عبيد الله بن رافع. وكان الرسول زفر بن قيس إلى الكوفة بالبشارة في جمادى الآخرة.
أخذ عليّ البيعة على الناس وخبر زياد بن أبي سفيان وعبد الرحمن بن أبي بكرة وكان في البيعة: عليك عهد الله وميثاقه بالوفاء لتكوننّ لسلمنا سلما، ولحربنا حرباً، ولتكفّنّ عنّا لسانك ويدك. وكان زياد بن أبي سفيان من اعتزل ولم يشهد المعركة، قعد. وكان في بيت نافع بن الحارث، وجاء عبد الرحمن ابن أبي بكرة في المستأمنين مسلّماً بعد ما فرغ عليّ من البيعة، فقال له عليّ: وعمّك المتربصّ المقاعد بي! فقال: والله يا أمير المؤمنين، إنه لك لوادّ، وإنه على مسرّتك لحريص، ولكنه بلغني أنه يشتكي، فأعلم لك علمه ثم آتيك. وكتم عليّاً مكانه حتى استأمره، فأمره أن يعلمه فأعلمه، فقال عليّ: امش أمامي فاهدني إليه، ففعل؛ فلما دخل عليه قال: تقاعدت عنيّ، وتربّصت - ووضع يده على صدره، وقال: هذا وجع بيّن - فاعتذر إليه زياد، فقبل عذره واستشاره. وأراده عليّ على البصرة، فقال: رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس؛ فإنه أجدر أن يطمئنّوا أو ينقادوا، وسأكفيكه وأشير عليه. فافترقا على ابن عباس، ورجع عليّ إلى منزله.
تأمير ابن عبّاس على البصرة وتولية زياد الخراج وأمّر ابن عبّاس على البصرة، وولّى زياداً الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه، فكان ابن عباس يقول: استشرته عند هنة كانت من الناس، فقال: إن كنت تعلم أنك على الحقّ، وأنّ من خالفك على الباطل، أشرت عليك بما ينبغي، وإن كنت لا تدري، أشرت عليك بما ينبغي كذلك. فقلت: إنّي على الحقّ، وإنهم على الباطل، فقال: اضرب بمن أطاعك من عصاك ومن ترك أمرك، فإن كان أعزّ للإسلام وأصلح له أن يضرب عنقه فاضرب عنقه. فاستكتبته، فلما ولّى رأيت ما صنع، وعلمت أنه قد اجتهد لي رأيه، وأعجلت السّبئيّة عليّاً عن المقام، وارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم ليقطع عليهم أمراً إن كانوا أرادوه، وقد كان له فيها مقام.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: علم أهل المدينة بيوم الجمل يوم الخميس قبل أن تغرب الشمس من نسر مرّ بما حول المدينة، معه شئ متعلّقة، فتأمّله الناس فوقع، فإذا كفّ فيها خاتم، نقشه عبد الرحمن بن عتّاب، وجفل من بين مكة والمدينة من أهل البصرة، من قرب من البصرة أو بعد، وقد علموا بالوقعة مما ينقل إليهم النّسور من الأيدي والأقدام.
تجهيز عليّ عليه السلام عائشة رضي الله عنها من البصرة كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: وجهّز عليّ عائشة بكلّ شئ ينبغي لها من مركب أو زاد أو متاع، وأخرج معها كلّ من نجا ممّن خرج معها إلاّ من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وقال: تجهّز يا محمّد، فبلّغها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه، جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس وودّعوها وودّعتهم، وقالت: يا بنيّ، تعتّب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة، فلا يعتدّنّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلاّ ما يكون بين المرأة وأحمائها؛ وإنه عندي على معتبّي من الأخيار. وقال عليّ: يا أيها الناس، صدقت والله وبرّت، ما كان بيني وبينها إلاّ ذلك، وإنها لزوجة نبيّكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت لغرّة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ أميالا، وسرّح بنيه معها يوماً.
ما روى من كثرة القتلى يوم الجمل حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، قال: حدّثنا محمد ابن الفضل بن عطيّة الخراسانيّ، عن سعيد القطعيّ، قال: كّنا نتحدّث أنّ قتلى الجمل يزيدون على ستّة آلاف.
حدّثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سليمان بن صالح، قال: حدثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: حدّثني الزبير بن الخرّيت، عن أبي لبيد لمازة بن زياد، قال: قلت له: لم تسبّ عليّاً؟ قال: ألا أسبّ رجلاً قتل منا ألفين وخمسمائة، والشمس ها هنا! قال جرير بن حازم: وسمعت ابن أبي يعقوب يقول: قتل عليّ بن أبي طالب يوم الجمل ألفين وخمسمائة؛ ألف وثلثمائة وخمسون من الأزد وثمانمائة من بني ضبّة، وثلثمائة وخمسون من سائر الناس.
وحدّثني أبي، عن سليمان، عن عبد الله، عن جرير، قال: قتل المعرّض بن علاط يوم الجمل، فقال أخوه الحجّاج:
لم أر يوماً كان أكثر ساعياً ... بكفّ شمال فارقتها يمينها
قال معاذ: وحدّثني عبد الله، قال: قال جرير: قتل المعرّض بن علاط يوم الجمل، فقال أخوه الحجّاج:
لم أر يوماً كان أكثر ساعياً ... بكفّ شمال فارقتها يمينها
ما قال عمّار بن ياسر لعائشة حين فرغ من الجمل حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، عن سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن جرير بن حازم، قال: سمعت أبا يزيد المدينيّ يقول: قال عمّار بن ياسر لعائشة - رضي الله عنها - حين فرغ القوم: يا أمّ المؤمنين، ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك! قالت: أبو اليقظان! قال: نعم، قالت: والله إنّك - ما علمت - قوّال بالحق؛ قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.
آخر حديث الجمل بعثة عليّ بن أبي طالب قيس بن سعد بن عبادة أميراً على مصر وفي هذه السنة - أعني سنة ستّ وثلاثين - قتل محمد بن أبي حذيفة، وكان سبب قتله أنه لما خرج المصريّون إلى عثمان مع محمد بن أبي بكر، أقام بمصر، وأخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وضبطها، فلم يزل بها مقيماً حتى قتل عثمان رضي الله عنه، وبويع لعليّ، وأظهر معاوية الخلاف، وبايعه على ذلك عمرو بن العاص، فسار معاوية وعمرو إلى محمد بن أبي حذيفة قبل قدوم قيس بن سعد مصر، فعالجا دخول مصر، فلم يقدرا على ذلك، فلم يزالا يخدعان محمد بن أبي حذيفة حتى خرج إلى عريش مصر في ألف رجل، فتحصّن بها، وجاءه عمرو فنصب المنجنيق عليه حتى نزل في ثلاثين من أصحابه وأخذوا وقتلوا رحمهم الله.
وأما هشام بن محمد فإنه ذكر أن أبا مخنف لوط بن يحي بن سعيد ابن مخنف بن سليم، حدّثه عن محمد بن يوسف الأنصاريّ من بني الحارث بن الخزرج، عن عبّاس بن سهل الساعديّ أنّ محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف هو الذي كان سرّب المصريّين إلى عثمان بن عفان، وإنهم لما ساروا إلى عثمان فحصروه وثب هو بمصر على عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤيّ القرشيّ، وهو عامل عثمان يومئذ على مصر، فطرده منها، وصلّى بالناس، فخرج عبد الله ابن سعد من مصر فنزل على تخوم أرض مصر مما يلي فلسطين، فانتظر ما يكون من أمر عثمان، فطلع راكب فقال: يا عبد الله، ما وراءك؟ خبّرنا بخبر الناس خلفك؛ قال: أفعل، قتل المسلمون عثمان رضي الله عنه، فقال عبد الله بن سعد: " إنّا لله وإنّا إليه راجهون! " ، يا عبد الله، ثم صنعوا ماذا؟ قال: ثم بايعوا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، قال عبد الله بن سعد: " إنّا لله وإنّا إليه راجعون " ، قال له الرجل: كأنّ ولاية عليّ بن أبي طالب عدلت عندك قتل عثمان! قال: أجل. قال: فنظر إليه الرّجل، فتأملّه فعرفه وقال: كأنّك عبد الله بن أبي سرح أمير مصر! قال: أجل؛ قال له الرجل: فإن كان لك في نفسك حاجة فالنّجاء النّجاء، فإنّ رأى أمير المؤمنين فيك وفي أصحابك سيّئ، إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين، وهذا بعدي أمير يقدم عليك. قال له عبد الله: ومن هذا الأمير؟ قال: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ؛ قال عبد الله بن سعد: أبعد الله محمد بن أبي حذيفة! فإنه بغى على ابن عمّه، وسعى عليه، وقد كان كفله ورّباه وأحسن إليه، فأساء جواره، ووثب على عمّاله، وجهز الرجال إليه حتى قتل، ثم ولى عليه من هو أبعد منه ومن عثمان، لم يمتّعه بسلطان بلاده حولا ولا شهراً، ولم يره لذلك أهلاً، فقال له الرجل: انج بنفسك، لا تقتل. فخرج عبد الله بن سعد هارباً حتى قدم على معاوية ابن أبي سفيان دمشق.
قال أبو جعفر: فخبر هشام هذا يدلّ على أن قيس بن سعد ولى مصر ومحمد بن أبي حذيفة حيّ.
وفي هذه السنة بعث عليّ بن أبي طالب على مصر قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، فكان من أمره ما ذكر هشام بن محمد الكلبيّ، قال: حدّثني أبو مخنف، عن محمد بن يوسف بن ثابت، عن سهل بن سعد، قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه وولى عليّ بن أبي طالب الأمر، دعا قيس ابن سعد الأنصاريّ فقال له: سر إلى مصر فقد ولّيتكها، واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتى تأتيها ومعك جند، فإن ذلك أرعب لعدوّك وأعزّ لولّيك، فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن، واشتدّ على المريب، وارفق بالعامة والخاصّة، فإنّ الرفق يمن.
فقال له قيس بن سعد: رحمك الله يا أمير المؤمنين! فقد فهمت ما قلت، أمّا قولك: اخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلاّ بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن أنت احتجت كانوا عدّة لك، وأنا أصير إليها بنفسي وأهل بيتي. وأمّا ما أوصيتني به من المرفق والإحسان، فإنّ الله عزّ وجلّ هو المستعان على ذلك.
قال: فخرج قيس بن سعد في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر، فجلس عليه، وأمر بكتاب معه من أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين. سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أمّا بعد، فإنّ الله عزّ وجلّ بحسن صنعه وتقديره وتدبيره، اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرّسل عليهم السلام إلى عباده، وخصّ به من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله عزّ وجلّ به هذه الأمّة، وخصّهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فعلّمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنّة، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما لا يتفرّقوا، وزكّاهم لكيما يتطّهروا، ورفّههم لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله عزّ وجلّ صلوات الله عليه ورحمته وبركاته. ثم إنّ المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين، عملا بالكتاب والسنّة، وأحسنا السيرة، ولم يعدوا السنّة، ثم توفّاهما الله عزّ وجلّ، رضي الله عنهما. ثم ولى بعدهما وال فأحدث أحداثاً، فوجدت الأمة عليه مقالاً فقالوا، ثم نقموا عليه فغيّروا، ثم جاءوني فبايعوني، فأستهدي الله عزّ وجلّ بالهدى، وأستعينه على التقوى. ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقيام عليكم بحقه والتنفيذ لسنّته، والنّصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وقد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة أميراً، فوازروه وكانفوه، وأعينوه على الحقّ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدّة على مريبكم، والرّفق بعوامّكم وخواصّكم، وهو ممّن أرضى هديه، وأرجو صلاحه ونصيحته. أسأل الله عزّ وجلّ لنا ولكم عملاً زاكياً، وثواباً جزيلاً، ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب عبيد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين.
قال: ثمّ إنّ قيس بن سعد قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: الحمد لله الذي جاء بالحقّ، وأمات الباطل، وكبت الظالمين. أيّها الناس، إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا صلى الله عليه وسلم، فقوموا أيّها الناس فبايعوا على كتاب الله عزّ وجلّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.
فقام الناس فبايعوا، واستقامت له مصر، وبعث عليها عمّاله، إلاّ أن قرية منها يقال لها: خربتا فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبها رجل من كنانة ثم من بنى مدلج يقال له يزيد بن الحارث من بني الحارث بن مدلج. فبعث هؤلاء إلى قيس بن سعد: إنّا لا نقاتلك فابعث عمّالك، فالأرض أرضك، ولكن أقرّنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.
قال: ووثب مسلمة بن مخلّد الأنصاريّ، ثمّ من ساعده من رهط قيس ابن سعد، فنعى عثمان بن عفان رضي الله عنه، ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه قيس بن سعد: ويحك، عليّ تثب! فوالله ما أحبّ أنّ لي ملك الشأم إلى مصر وأني قتلتك. فبعث إليه مسلمة: إني كافّ عنك ما دمت أنت والي مصر.
قال: وكان قيس بن سعد له حزم ورأي، فبعث إلى الذين بخربتا: إنّي لا أكرهكم على البيعة، وأنا أدعكم وأكفّ عنكم. فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلّد، وجبى الخراج، ليس أحد من الناس ينازعه.
قال: وخرج أمير المؤمنين إلى أهل الجمل وهو على مصر، ورجع إلى الكوفة من البصرة وهو بمكانه، فكان أثقل خلق الله على معاوية بن أبي سفيان لقربه من الشأم، مخافة أن يقبل إليه عليّ في أهل العراق، ويقبل إليه قيس بن سعد في أهل مصر، فيقع معاوية بينهما.
وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد - وعليّ بن أبي طالب يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفّين:
من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد. سلام عليك، أمّا بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان رضي الله عنه في أثرة رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في استعماله الفتيّ، فإنكم قد علمتم - إن كنتم تعلمون - أنّ دمه لم يكن يحلّ لكم، فقد ركبتم عظيماً من الأمر، وجئتم شيئاً إدّاً، فتب إلى الله عزّ وجلّ يا قيس ابن سعد. فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان - إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً - فأمّا صاحبك فإنا استيقنّا أنّه الذي أغرى به الناس، وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممّن يطلب بدم عثمان فافعل. تابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا مما تحبّ، فإنّك لا تسألني شيئاً إلا أوتيته، واكتب إليّ برأيك فيما كتبت به إليك. والسلام.
فلما جاءه كتاب معاوية أحبّ أن يدافعه ولا يبدي له أمره، ولا يتعجّل له حربه، فكتب إليه: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان، وذلك أمر لم أقارفه، ولم أطف به. وذكرت أنّ صاحبي هو أغرى الناس بعثمان، ودسّهم إليه حتى قتلوه، وهذا ما لم أطّلع عليه، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان، فأوّل الناس كان فيه قياماً عشيرتي. وأمّا ما سألتني من متابعتك، وعرضت عليّ من الجزاء به، فقد فهمته، وهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كافّ عنك، ولن يأتيك من قبلي شئ تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله، والمستجار الله عزّ وجلّ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال: فلما قرأ معاوية كتابه، لم يره إلاّ مقارباً مباعداً، ولم يأمن أن يكون له في ذلك مباعداً مكايداً، فكتب إليه معاوية أيضاً: أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، فلم أرك تدنو فأعدّك سلماً، ولم أرك تباعد فأعدّك حرباً، أنت فيما هاهنا كحنك الجزور، وليس مثلي يصانع المخادع، ولا ينتزع للمكايد، ومعه عدد الرّجال، وبيده أعنّة الخيل؛ والسلام عليك.
فلما قرأ قيس بن سعد كتاب معاوية، ورأى أنه لا يقبل معه المدافعة والمماطلة، أظهر له ذات نفسه، فكتب إليه: بسم الله الرّحمن الرّحيم. من قيس بن سعد، إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد، فإنّ العجب من اغترارك بي، وطمعك فيّ، واستسقاطك رأيي. أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلاً، وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة، وتأمرني بالدّخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزّور، وأضلّهم سبيلاً، وأبعدهم من الله عزّ وجلّ ورسوله صلى الله عليه وسلم وسيلة، ولد ضالّين مضلّين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأمّا قولك إني مالئ عليك مصر خيلاً ورجلاً فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهمّ إليك؛ لذو جدّ، والسلام. فلما بلغ معاوية كتاب قيس أيس منه، وثقل عليه مكانه.
حدثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدثني أبي قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن يونس، عن الزّهريّ، قال: كانت مصر من حين عليّ، عليها قيس بن سعد بن عبادة وكان صاحب راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي والبأس، وكان معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جاهدين على أن يخرجاه من مصر ليلغبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدرا عليه، ولا على أن يفتتحا مصر؛ حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قبل عليّ، وكان معاوية يحدّث رجالاً من ذوي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعت مكايدة قطّ كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيساً من قبل عليّ وهو بالعراق حين امتنع منّي قيس. قلت لأهل الشأم: لا تسبّوا قيس بن سعد، ولا تدعوا إلى عزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيّس نصيحته سرّاً. ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمّن سربهم؛ ويحسن إلى كلّ راكب قدم عليه منكم، لا يستنكرونه في شئ!.
قال معاوية: وهممت أن أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فيسمع بذلك جواسيس عليّ عندي وبالعراق. فبلغ ذلك عليّاً، ونماه إليه محمد بن أبي بكر ومحمّد بن جعفر بن أبي طالب. فلما بلغ ذلك عليّاً اتهم قيساً، وكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا - وأهل خربتا يومئذ عشرة آلاف - فأبى قيس بن سعد أن يقاتلهم، وكتب إلى عليّ: إنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم، وأهل الحفاظ منهم، وقد رضوا منّي أن أؤمّن سربهم، وأجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، وقد علمت أنّ هواهم مع معاوية، فلست مكايدهم بأمر أهون عليّ وعليك من الذي أفعل بهم، ولو أني غزوتهم كانوا لي قرناً، وهو أسود العرب، ومنهم بسر بن أبي أرطأة، ومسلمة بن مخلّد، ومعاوية بن حديح، فذرني فأنا أعلم بما أداري منهم. فأبى عليّ إلاّ قتالهم، وأبى قيس أن يقاتلهم.
فكتب قيس إلى عليّ: إن كنت تتهمني فاعزلني عن عملك، وابعث إليه غيري. فبعث عليّ الأشتر أميراً إلى مصر، حتى إذا صار بالقلزم شرب شربة عسل كان فيها حتفه. فبلغ حديثهم معاوية وعمرا، فقال عمرو: إن لله جنداً من عسل.
فلما بلغ عليّاً وفاة الأشتر بالقلزم بعث محمد بن أبي بكر أميراً على مصر. فالزّهريّ يذكر أنّ عليّاً بعث محمد بن أبي بكر أميراً على مصر بعد مهلك الأشتر بقلزم، وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر في خبره أنّ عليّاً بعث بالأشتر أميراً على مصر بعد مهلك محمد بن أبي بكر.
رجع الحديث إلى حديث هشام بن أبي مخنف: ولما أيس معاوية من قيس أن يتابعه على أمره، شقّ عليه ذلك، لما يعرف من حزمه وبأسه، وأظهر للناس قبله؛ أنّ قيس بن سعد قد تابعكم، فادعوا الله له، وقرأ عليهم كتابه الذي لان له فيه وقاربه. قال: واختلق معاوية كتاباً من قيس بن سعد، فقرأه على أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سعد، سلام عليك، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد، فإنّي لمّا نظرت رأيت أنه لا يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلماً محرّماً برّاً تقيّاً، فنستغفر الله عزّ وجلّ لذنوبنا، ونسأله العصمة لديننا. ألا وأنّي قد ألقيت إليكم بالسّلم، وإني أجبتك إلى قتال قتلة عثمان، إمام الهدى المظلوم، فعوّل عليّ فيما أحببت من الأموال والرجال أعجّل عليك، والسلام.
فشاع في أهل الشام أنّ قيس بن سعد قد بايع معاوية بن أبي سفيان، فسرّحت عيون عليّ بن أبي طالب إليه بذلك؛ فلما أتاه ذلك أعظمه وأكبره، وتعجّب له، ودعا بنيه، ودعا عبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك، فقال: ما رأيكم؟ فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيساً عن مصر. قال لهم عليّ: إني والله ما أصدّق بهذا على قيس؛ فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، اعزله، فوالله لئن كان هذا حقّاً لا يعتزل لك إن عزلته.
فإنهم كذلك إذ جاء كتاب من قيس بن سعد فيه: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أما بعد، فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ قبلي رجالاً معتزلين قد سألوني أن أكفّ عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس، فنرى ويروا رأيهم، فقد رأيت أن أكفّ عنهم، وألاّ أتعجّل حربهم، وأن أتألّفهم فيما بين ذلك لعلّ الله عزّ وجلّ أن يقبل بقلوبهم، ويفرّقهم عن ضلالتهم، إن شاء الله.
فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، ما أخوفني أن يكون هذا ممالأة لهم منه، فمره يا أمير المؤمنين بقتالهم، فكتب إليه عليّ: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فسر إلى القوم الّذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلاّ فناجزهم إن شاء الله.
فلما أتى قيس بن سعد الكتاب فقرأه، لم يتمالك أن كتب إلى أمير المؤمنين: أما بعد يا أمير المؤمنين، فقد عجبت لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافّين عنك، مفرّغيك لقتال عدوّك! وإنّك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوّك، فأطعني يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم، فإنّ الرأي تركهم، والسلام.
فلما أتاه هذا الكتاب قال له عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين، ابعث محمد بن أبي بكر على مصر يكفك أمرها، واعزل قيساً، والله لقد بلغني أن قيساً يقول: والله إنّ سلطاناً لا يتمّ إلاّ بقتل مسلمة بن مخلّد لسلطان سوء؛ والله ما أحبّ أنّ لي ملك الشأم إلى مصر وأني قتلت ابن المخلّد. قال: وكان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمّه، فبعث عليّ محمد بن أبي بكر على مصر، وعزل عنها قيساً.
ولاية محمد بن أبي بكر مصر قال هشام، عن ابن مخنف: فحدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ - من والبة الأزد - عن أبيه، أنّ عليّاً كتب معه إلى أهل مصر كتاباً، فلما قدم به على قيس قال له قيس: ما بال أمير المؤمنين! ما غيّره؟ أدخل أحد بيني وبينه؟ قال له: لا، وهذا السلطان سلطانك؟! قال: لا، والله لا أقيم معك ساعة واحدة. وغضب حين عزله، فخرج منها مقبلاً إلى المدينة، فقدمها، فجاءه حسان بن ثابت شامتاً به - وكان حسان عثمانيّاً - فقال له: نزعك عليّ بن أبي طالب، وقد قتلت عثمان فبقى عليك الإثم، ولم يحسن لك الشكر! فقال له قيس بن سعد: يا أعمى القلب والبصر، والله لولا أن ألقي بين رهطي ورهطك حرباً لضربت عنقك؛ اخرج عنّي.
ثم إن قيساً خرج هو وسهل بن حنيف حتى قدما على عليّ، فخبّره قيس؛ فصدّقه عليّ. ثم إن قيساً وسهلاً شهدا مع عليّ صفّين.
وأما الزّهريّ، فإنه قال فيما حدّثني به عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال، حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن يونس، عن الزّهريّ، أنّ محمد بن أبي بكر قدم مصر وخرج قيس فلحق بالمدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البخترّي، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يقتل، ركب راحلته، فظهر إلى عليّ. فبعث معاوية إلى مروان والأسود يتغيّظ عليهما، ويقول: أمددتما عليّاً بقيس بن سعد ورأيه ومكانه، فوالله لو أنّكما أمددتماه بمائة ألف مقاتل ما كان ذلك بأغيظ لي من إخراجكما قيس بن سعد إلى عليّ. فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثّه الحديث وجاءهم قتل محمد ابن أبي بكر، عرف أنّ قيس بن سعد كان يقاسي أموراً عظاماً من المكايدة، وأنّ من كان يهزه على عزل قيس بن سعد لم ينصح له، فأطاع عليّ قيس ابن سعد في الأمر كلّه.
قال هشام: عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحارث بن كعب الوالبيّ، عن أبيه، قال: كنت مع محمد بن أبي بكر حين قدم مصر، فلمّا قدم قرأ عليهم عهده: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا ما عهد عبد الله عليّ أمير المؤمنين، إلى محمد بن أبي بكر حين ولاّه مصر، وأمره بتقوى الله والطاعة في السرّ والعلانية، وخوف الله عزّ وجلّ في الغيب والمشهد، وباللين على المسلمين، وبالغلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمّة، وبإنصاف المظلوم، وبالشدّة على الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين، ويعذّب المجرمين. وأمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة والجماعة، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره، ولا يعرفون كنهه، وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل، لا ينتقص منه ولا يبتدع فيه، ثمّ يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل، وأن يلين لهم جناحه، وأن يواسي بينهم في مجلسه ووجهه، وليكن القريب والبعيد في الحقّ سواء. وأمره أن يحكم بين الناس بالحقّ، وأن يقوم بالقسط، ولا يتّبع الهوى، ولا يخف في الله عزّ وجلّ لومة لائم، فإنّ الله جلّ ثناؤه مع من اتقى وآثر طاعته وأمره على ما سواه.
وكتب عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلّم لغرّة شهر رمضان.
قال: ثمّ إن محمد بن أبي بكر قام خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه،ثم قال: الحمد لله الذي هدانا وإيّاكم لما اختلف فيه من الحقّ، وبصّرنا وإيّاكم كثيراً مما عمي عنه الجاهلون. ألا إنّ أمير المؤمنين ولاّني أموركم، وعهد إليّ ما قد سمعتم، وأوصاني بكثير منه مشافهة، ولن آلوكم خيراً ما استطعت، " وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب " ؛ فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعة لله وتقوى؛ فاحمدوا الله عزّ وجلّ على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي، وإن رأيتم عاملاً عمل غير الحقّ زائغاً، فارفعوه إليّ، وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد، وأنتم بذلك جديرون. وفّقنا الله وإيّاكم لصالح الأعمال برحمته، ثمّ نزل.
وذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: وحدّثني يزيد بن ظبيان الهمدانيّ، أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لمّا ولّيَ؛ فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه ممّا لا يحتمل سماعها العامّة. قال: ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهراً كاملاً حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم. فقال: يا هؤلاء، إمّا أن تدخلوا في طاعتنا، وإمّا أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: إنا لا نفعل، دعنا حتى ننظر إلى ما تصير إليه أمورنا، ولا تعجل بحربنا. فأبى عليهم، فامتنعوا منه، وأخذوا حذرهم، فكانت وقعة صفّين، وهم لمحمّد هائبون، فلما أتاهم صبر معاوية وأهل الشأم لعليّ، وأنّ عليّاً وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشأم، وصار أمرهم إلى الحكومة، اجترءوا على محمد بن أبي بكر، وأظهروا له المبارزة، فلما رأى ذلك محمد بعث الحارث بن جمهان الجعفيّ إلى أهل خربتا، وفيها زيد بن الحارث من بني كنانة، فقاتلهم، فقتلوه. ثم بعث إليهم رجلاً من كلب يدعى ابن مضاهم، فقتلوه.
قال أبو جعفر: وفي هذه السنة فيما قيل: قدم ماهويه مرزبان مرو مقرّاً بالصلح الذي كان جرى بينه وبين ابن عامر على عليّ.
ذكر من قال ذلك: قال عليّ بن محمد المدائنيّ، عن أبي زكرياء العجلانيّ، عن ابن إسحاق، عن أشياخه، قال: قدم ماهويه أبراز مرزبان مرو على عليّ بن أبي طالب بعد الجمل مقرّاً بالصلح، فكتب له عليّ كتاباً إلى دهاقين مرو والأساورة والجند سلارين ومن كان في مرو: بسم الله الرّحمن الرّحيم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن ما هويه أبراز مرزبان مرو جاءني، وإنّي رضيت.
عنه وكتب سنة ست وثلاثين. ثم إنهم كفروا وأغلقوا أبرشهر.
توجيه عليّ خليد بن طريف إلى خراسان قال عليّ بن محمد المدائنيّ: أخبرنا أبو مخنف، عن حنظلة بن الأعلم، عن ماهان الحنفيّ، عن الأصبغ بن نباتة المجاشعيّ، قال: بعث عليّ خليد بن قرّة اليربوعيّ - ويقال خليد بن طريف - إلى خراسان.
ذكر خبر عمرو بن العاص ومبايعته معاوية وفي هذه السنة - أعني سنة ستّ وثلاثين - بايع عمرو بن العاص معاوية، ووافقه على محاربة عليّ، وكان السبب في ذلك ما كتب به إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما أحيط بعثمان - رضي الله عنه - خرج عمرو بن العاص من المدينة متوجّهاً نحو الشأم، وقال: والله يا أهل المدينة، ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلاّ ضربه الله عزّ وجلّ بذلّ؛ من لم يستطع نصره فليهرب. فسار وسار معه ابناه عبد الله ومحمد، وخرج بعده حسّان بن ثابت، وتتابع علي ذلك ما شاء الله.
قال سيف، عن أبي حارثة وأبي عثمان، قالا: بينا عمرو بن العاص جالس بعجلان ومعه ابناه، إذ مرّ بهم راكب فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة، فقال عمرو: ما اسمك؟ قال: حصيرة. قال عمرو: حصر الرجل، قال: فما الخبر؟ قال: تركت الرجل محصوراً؛ قال عمرو: يقتل. ثم مكثوا أياماً، فمرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة؛ قال عمرو: ما اسمك؟ قال: قتّال؛ قال عمرو: قتل الرجل، فما الخبر؟ قال: قتل الرجل. قال: ثم لم يكن إلاّ ذلك إلى أن خرجت، ثم مكثوا أيّاماً، فمرّ بهم راكب، فقالوا: من أين؟ قال: من المدينة؛ قال عمرو: ما اسمك؟ قال: حرب، قال عمرو: يكون حرب؛ فما الخبر؟ قال: قتل عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وبويع لعليّ بن أبي طالب، قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ تكن حرب من حكّ فيها قرحة نكأها، رحم الله عثمان ورضي الله عنه، وغفر له! فقال سلامة بن زنباع الجذاميّ: يا معشر قريش، إنه والله قد كان بينكم وبين العرب باب، فاتخذوا باباً إذ كسر الباب. فقال عمرو: وذاك الّذي نريد. ولا يصلح الباب إلا أشاف تخرج الحقّ من حافرة البأس، ويكون الناس في العدل سواء، ثم تمثّل عمرو في بعض ذلك:
يا لهف نفسي على مالك ... وهل يصرف اللهف حفظ القدر!
أنزع من الحرّ أودي بهم ... فأعذرهم أم بقومي سكر!
ثم ارتحل راجلاً يبكي كما تبكي المرأة، ويقول: واعثماناه! أنعي الحياء والدين! حتى قدم دمشق، وقد كان سقط إليه من الذي يكون علم، فعمل عليه.
كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بعث عمراً إلى عمان، فسمع هنالك من حبر شيئاً، فلما رأى مصداقه وهو هناك أرسل إلى ذلك الحبر، فقال: حدّثني بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرني من يكون بعده؟ قال: الذي كتب إليك يكون بعده، ومدّته قصيرة، قال: ثمّ من؟ قال: رجل من قومه مثله في المنزلة؛ قال: فما مدّته؟ قال: طويلة؛ ثم يقتل. قال: غيلة أم عن ملإ؟ قال: غيلة؛ قال: فمن يلي بعده؟ قال: رجل من قومه مثله في المنزلة، قال: فما مدّته؟ قال: طويلة، ثم يقتل، قال: أغيلة أم عن ملإ؟ قال: عن ملإ. قال: ذلك أشدّ؛ فمن يلي بعده؟ قال: رجل من قومه ينتشر عليه الناس، وتكون على رأسه حرب شديدة بين الناس، ثمّ يقتل قبل أن يجتمعوا عليه، قال: أغيلة أم عن ملإ؟ قال: غيلة، ثم لا يرون مثله. قال: فمن يلي بعده؟ قال: أمير الأرض المقدّسة، فيطول ملكه، فيجتمع أهل تلك الفرقة وذلك الانتشار عليه، ثم يموت.
وأما الواقديّ، فإنه فيما حدّثني موسى بن يعقوب، عن عمّه، قال: لما بلغ عمراً قتل عثمان رضي الله عنه، قال: أنا عبد الله، قتلته وأنا بوادي السّباع، من يلي هذا الأمر من بعده! إن يله طلحة فهو فتى العرب سيباً، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلاّ سيستنظف الحقّ، وهو أكره من يليه إليّ. قال: فبلغه أنّ عليّاً قد بويع له، فاشتدّ عليه، وتربّص أياماً ينظر ما يصنع الناس، فبلغه مسير طلحة والزبير وعائشة وقال: أستأني وأنظر ما يصنعون، فأتاه الخبر أنّ طلحة والزبير قد قتلا، فأرتج عليه أمره، فقال له قائل: إن معاوية بالشأم لا يريد أن يبايع لعليّ، فلو قاربت معاوية! فكان معاوية أحبّ إليه من عليّ بن أبي طالب. وقيل له: إنّ معاوية يعظم شأن قتل عثمان بن عفان، ويحرّض على الطلب بدمه؛ فقال عمرو: ادعوا لي محمداً وعبد الله، فدعيا له، فقال: قد كان ما قد بلغكما من قتل عثمان رضي الله عنه، وبيعة الناس لعليّ، وما يرصد معاوية من مخالفة عليّ، وقال: ما تريان؟ أمّا عليّ فلا خير عنده، وهو رجل يدلّ بسابقته، وهو غير مشركي في شئ من أمره. فقال عبد الله بن عمرو: توفّي النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، أرى أن تكفّ يدك، وتجلس في بيتك، حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال محمد بن عمرو: أنت ناب من أنياب العرب، فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك في صوت ولا ذكر. قال عمرو: أمّا أنت يا عبد الله فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي، وأسلم في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بالّذي أنبه لي في دنياي، وشرّ لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص ومعه ابناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشأم يحضّون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحقّ، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم - ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو - فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك! انصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك! إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني! أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إنّ في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته؛ ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية وعطف عليه.
توجيه عليّ بن أبي طالب جرير بن عبد الله البجليّ إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته وفي هذه السنة وجّه عليّ عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من الجمل جرير بن عبد الله البجليّ إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وكان جرير حين خرج عليّ إلى البصرة لقتال من قاتله بها بهمذان عاملاً عليها، كان عثمان استعمله عليها، وكان الأشعث بن قيس على أذر بيجان عاملاً عليها، كان عثمان استعمله عليها، فلما قدم عليّ الكوفة منصرفاً إليها من البصرة، كتب إليهما يأمرهما بأخذ البيعة له على من قبلهما من الناس، والانصراف إليه. ففعلا ذلك، وانصرفا إليه.
فلما أراد عليّ توجيه الرسول إلى معاوية، قال جرير بن عبد الله - فيما حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عوانة: ابعثني إليه، فإنه لي ودّ حتى آتيه فأدعوه إلى الدخول في طاعتك، فقال الأشتر لعليّ: لا تبعثه، فوالله إنّي لأظنّ هواه معه؛ فقال عليّ: دعه حتى ننظر ما الذي يرجع به إلينا؛ فبعثه إليه، وكتب معه كتاباً يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير، وما كان من حربه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرين والأنصار من طاعته، فشخص إليه جرير، فلمّا قدم عليه ماطله واستنظره، ودعا عمراً فاستشاره فيما كتب به إليه، فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشأم، ويلزم عليّاً دم عثمان، ويقاتله بهم، ففعل ذلك معاوية، وكان أهل الشأم - فيما كتب إليّ السريّ يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف، عن محمد وطلحة - لما قدم عليهم النّعمان بن بشير بقميص عثمان رضي الله عنه - الذي قتل فيه مخضّباً بدمه وبأصابع نائلة زوجته مقطوعة بالبراجم؛ إصبعان منها وشئ من الكفّ، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الإبهام - وضع معاوية القميص على المنبر، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلّقة فيه، وآلي الرجال من أهل الشأم ألاّ يأتوا النساء، ولا يمسّهم الماء للغسل إلاّ من احتلام، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم. فمكثوا حول القميص سنة، والقميص يوضع كلّ يوم على المنبر ويجلّله أحياناً فيلبسه. وعلّق في أردانه أصابع نائلة رضي الله عنها.
فلما قدم جرير بن عبد الله على عليّ - فيما حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثنا أبو الحسن، عن عوانة - فأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشأم معه على قتاله، وأنّهم يبكون على عثمان، ويقولون: إنّ عليّاً قتله، وآوى قتلته، وإنّهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه. فقال الأشتر لعليّ: قد كنت نهيتك أن تبعث جريراً، وأخبرتك بعداوته وغشّه، ولو كنت بعثتني كان خيراً من هذا الذي أقام عنده حتى لم يدع باباً يرجو فتحه إلاّ فتحته، ولا باباً يخاف منه إلاّ أغلقته. فقال جرير: لو كنت ثمّ لقتلوك؛ لقد ذكروا أنّك من قتلة عثمان رضي الله عنه، فقال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يعيني جوابهم، ولحملت معاوية على خطّة أعجله فيها عن الفكر، ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور.
فخرج جرير بن عبد الله إلى قرقيسياء، وكتب إلى معاوية، فكتب إليه بأمره بالقدوم عليه. وخرج أمير المؤمنين فعسكر بالنّخيلة، وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة.
خروج علي بن أبي طالب إلى صفّين حدّثني عبد الله بن أحمد المروزيّ، قال: حدّثني أبي، عن سليمان، عن عبد الله، عن معاوية بن عبد الرحمن، عن أبي بكر الهذليّ، أن عليّاً لما استخلف عبد الله بن عبّاس على البصرة سار منها إلى الكوفة، فتهيّأ فها إلى صفّين، فاستشار الناس في ذلك، فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم؛ وأشار آخرون بالمسير. فأبى إلاّ المباشرة؛ فجهّز الناس. فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أمّا إذ بلغك أنه يسير فسر بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. قال: أمّا إذاً يا أبا عبد الله فجهّز الناس. فجاء عمرو فحضّض الناس، وضعّف عليّاً وأصحابه، وقال: إنّ أهل العراق قد فرّقوا جمعهم، وأوهنوا شوكتهم، وفلّوا حدّهم. ثم إنّ أهل البصرة مخالفون لعليّ، قد وترهم وقتلهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار في شرذمة قليلة، ومنهم من قد قتل خليفتكم؛ فالله الله في حقّكم أن تضّيعوه، وفي دمكم أن تبطلوه! وكتب في أجناد أهل الشأم، وعقد لواءه لعمرو، فعقد لوردان غلامه فيمن عقد، ولابنيه عبد الله ومحمد، وعقد عليّ لغلامه قنبر، ثم قال عمرو:
هل يغنين وردان عنّي قنبرا ... وتغني السّكون عنّي حميرا
إذا الكماة لبسوا السّنوّرا
فبلغ ذلك عليّاً فقال:
لأصبحنّ العاصي ابن العاصي ... سبعين ألفاً عاقدي النّواصي
مجنّبين الخيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدّلاص
فلما سمع ذلك معاوية قال: ما أرى ابن أبي طالب إلاّ قد وفى لك؛ فجاء معاوية يتأنى في مسيره. وكتب إلى كلّ من كان يرى أنه يخاف عليّاً أو طعن عليه ومن أعظم دم عثمان واستعواهم إليه. فلما رأى ذلك الوليد بعث إليه يقول:
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنّك من أخي ثقة مليم
قطعت الدهر كالدّم المعنّى ... تهدّر في دمشق فما تريم
وإنّك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم
يمينك الإمارة كلّ ركب ... لأنقاض العراق بها رسيم
وليس أخو التّرات بمن توانى ... ولكن طالب التّرة الغشوم
ولو كنت القتيل وكان حيّاً ... لجرّد؛ لا ألفّ ولا سئوم
ولا نكل عن الأوتار حتّى ... يبئ بها، ولا برم جثوم
وقومك بالمدينة قد أبيروا ... فهم صرعى كأنهم الهشيم
وقال غير أبي بكر: فدعا معاوية شدّاد بن قيس كاتبه وقال: ابغني طوماراً، فأتاه بطومار، فأخذ القلم فكتب، فقال: لا تعجل، اكتب:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ثم قال: اطو الطّومار، فأرسل به إلى الوليد، فلما فتحته لم يجد فيه غير هذا البيت.
قال أبو بكر الهذليّ: وكتب رجل من أهل العراق حيث سار عليّ بن أبي طالب إلى معاوية بيتين:
أبلغ أمير المؤمني ... ن أخا العراق إذا أتيتا
أنّ العراق وأهلها ... عنق إليك فعيت هيتا
عاد الحديث إلى حديث عوانة. فبعث عليّ زياد بن النّضر الحارثيّ طليعة في ثمانية آلاف، وبعث معه شريح بن هانئ في أربعة آلاف، وخرج عليّ من النّخيلة بمن معه، فلمّا دخل المدائن شخص معه من فيها من المقاتلة، وولّى على المدائن سعد بن مسعود الثقفيّ عمّ المختار بن أبي عبيد، ووجّه عليّ من المدائن معقل بن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه.
ما أمر به عليّ بن أبي طالب من عمل الجسر على الفرات فلما انتهى عليّ إلى الرّقة قال: فيما حدّثت عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني الحجّاج بن عليّ، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقيّ - لأهل الرّقة: اجسروا لي جسراً حتى أعبر من هذا المكان إلى الشأم، فأبوا. وقد كانوا ضمّوا إليهم السفن، فنهض من عندهم ليعبر من جسر منبج، وخلّف عليهم الأشتر، وذهب ليمضي بالناس كيما يعبر بهم على جسر منبج، فناداهم الأشتر، فقال: يا أهل هذا الحصن، ألا أني أقسم لكم بالله عزّ وجلّ؛ لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسّروا له عند مدينتكم جسراً حتى يعبر لأجردنّ فيكم السيف، ثم لأقتلنّ الرجال ولأخرّبنّ الأرض، ولآخذّن الأموال. قال: فلقي بعضهم بعضاً، فقالوا: أليس الأشتر يفي بما حلف عليه، أو يأتي بشرّ منه؟ قالوا: نعم، فبعثوا إليه: إنّا ناصبون لكم جسراً، فأقبلوا. وجاء عليّ فنصبوا له الجسر، فعبر عليه بالأثقال والرجال. ثم أمر عليّ الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس، حتى لم يبق من الناس أحد إلاّ عبر، ثم إنه عبر آخر الناس رجلاً.
قال أبو مخنف: وحدّثني الحجّاج بن عليّ، عن عبد الله بن عمّار بن عبد يغوث، أنّ الخيل حين عبرت زحم بعضها بعضاً، فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين الأزديّ، فنزل فأخذها ثم ركب، وسقطت قلنسوة عبد الله بن الحجّاج الأزديّ، فنزل فأخذها، ثم ركب، وقال لصاحبه:
فإن يك ظنّ الزاجري الطّير صادقاً ... كما زعموا أقتل وشيكاً وتقتل
فقال له عبد الله بن أبي الحصين: ما شئ أوتاه أحبّ إليّ مما ذكرت؛ فقتلا جميعاً يوم صفّين.
قال أبو مخنف: فحدّثني خالد بن قطن الحارثيّ، أنّ عليّاً لما قطع الفرات دعا زياد بن النّضر، وشريح بن هانئ، فسرّحهما أمامه نحو معاوية على حالهما التي كانا خرجا عليها من الكوفة. قال: وقد كانا حيث سرّحهما من الكوفة أخذا على شاطئ الفرات من قبل البرّ مما يلي الكوفة حتى بلغا عانات، فبلغهما أخذ عليّ على طريق الجزيرة، وبلغهما أنّ معاوية قد أقبل من دمشق في جنود أهل الشأم لاستقبال عليّ، فقالا: لا والله ما هذا لنا برأي؛ أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر! وما لا خير في أن نلقى جنود أهل الشأم بقلّة من معنا منقطعين من العدد والمدد. فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهل عانات، وحبسوا عنهم السّفن، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت، ثم لحقوا عليّاً بقرية دون قرقيسياء؛ وقد أرادوا أهل عانات، فتحصّنوا وفرّوا، ولما لحقت المقدّمة عليّاً قال: مقدّمتي تأتيني من ورائي. فتقدّم إليه زياد بن النّضر الحارثيّ وشريح بن هانئ؛ فأخبراه بالذي رأيا حين بلغهما من الأمر ما بلغهما، فقال: سددتما. ثم مضى عليّ، فلما عبر الفرات قدّمهما أمامه نحو معاوية، فلما انتهيا إلى سور الرّوم لقيهما أبو الأعور السّلميّ عمرو بن سفيان في جند من أهل الشأم؛ فأرسلا إلى عليّ: إنّا قد لقينا أبا الأعور السّلميّ في جند من أهل الشأم، وقد دعوناهم فلم يجبنا منهم أحد، فمرنا بأمرك. فأرسل عليّ إلى الأشتر؛ فقال: يا مالك، إنّ زياداً وشريحاً أرسلا إليّ يعلماني أنهما لقيا أبا الأعور السلميّ في جمع من أهل الشأم، وأنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين، فالنّجاء إلى أصحابك النّجاء، فإذا قدمت عليهم فأنت عليهم. وإيّاك أن تبدأ القوم بقتال إلاّ أن يبدءوك حتى تلقاهم فتدعوهم وتسمع، ولا يجرمنّك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم، والاعذار إليهم مرة بعد مرّة، واجعل على ميمنتك زياداً، وعلى ميسرتك شريحاً، وقف من أصحابك وسطاً، ولا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم بعد من يهاب البأس حتى أقدم عليك، فإنّي حثيث السير في أثرك إن شاء الله. قال: وكان الرّسول الحارث بن جمهان الجعفيّ، فكتب عليّ إلى زياد وشريح: أمّا بعد، فإني قد أمّرت عليكما مالكاً، فاسمعا له وأطيعا، فإنه ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا الإسراع إلى ما الإبطاء عنه أمثل، وقد أمرته بمثل كنت أمرتكما به ألاّ يبدأ القوم حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم.
وخرج الأشتر حتى قدم على القوم، فاتّبع ما أمره عليّ وكفّ عن القتال فلم يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السّلميّ، فثبتوا له، واضطربوا ساعة. ثم إنّ أهل الشأم انصرفوا، ثم خرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة الزّهريّ في خيل ورجال حسن عددها وعدّتها، وخرج إليه أبو الأعور فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال، وصبر القوم بعضهم لبعض، ثم انصرفوا، وحمل عليهم الأشتر، فقتل عبد الله بن المنذر التّنوخيّ، قتله يومئذ ظبيان بن عمّار التميميّ، وما هو إلاّ فتى حدث، وإن كان التنوخيّ لفارس أهل الشأم، وأخذ الأشتر يقول: ويحكم! أروني أبا الأعور.
ثم إن أبا الأعور دعا الناس، فرجعوا نحوه، فوقف من وراء المكان الذي كان فيه أوّل مرّة، وجاء الأشتر حتى صفّ أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور، فقال الأشتر لسنان بن مالك النّخعيّ: انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة، فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك؟ فقال له الأشتر: لو أمرتك بمبارزته فعلت؟ قال: نعم، والله لو أمرتني أن أعترض صفّهم بسيفي ما رجعت أبداً حتى أضرب بسيفي في صفّهم، قال له الأشتر: يا بن أخي، أطال الله بقاءك! قد والله ازددت رغبة فيك، لا أمرتك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي؛ أنه لا يبرز إن كان ذلك من شأنه إلاّ لذوي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت - لربّك الحمد - من أهل الكفاءة والشرف، غير أنّك فتى حدث السنّ، فليس بمبارز الأحداث، ولكن ادعه إلى مبارزتي. فأتاه فنادى: آمنوني فإنّي رسول. فأومن، فجاء حتى انتهى إلى أبي الأعور. قال أبو مخنف: فحدّثني النضر بن صالح أبو زهير العبسيّ، قال: حدّثني سنان، قال: فدنوت منه فقلت: إنّ الأشتر يدعوك إلى مبارزته. قال: فسكت عني طويلاً ثم قال: إنّ خفّة الأشتر وسوء رأيه هو حمله على إجلاء عمّال ابن عفان رضي الله عنه من العراق، وانتزاؤه عليه يقبّح محاسنه، ومن خفّة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى ابن عفان رضي الله عنه في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله، فأصبح متبعاً بدمه؛ ألا لا حاجة لي في مبارزته. قال: قلت: إنك قد تكلمت، فاسمع حتى أجيبك، فقال: لا، لا حاجة في الاستماع منك ولا في جوابك، اذهب عني. فصاح بي أصحابه فانصرفت عنه، ولو سمع إليّ لأخبرته بعذر صاحبي وحجّته. فرجعت إلى الأشتر، فأخبرته أنه قد أبى المبارزة، فقال: لنفسه نظر، فواقفناهم حتى حجز الليل بيننا وبينهم، وبتنا متحارسين، فلما أصبحنا نظرنا فإذا القوم قد انصرفوا من تحت ليلتهم، ويصبّحنا عليّ بن أبي طالب غدوة. فقدم الأشتر فيمن كان معه في تلك المقدّمة حتى انتهى إلى معاوية، فواقفه، وجاء عليّ في أثره فلحق بالأشتر سريعاً، فوقف وتواقفوا طويلاً.
ثمّ إنّ عليّاً طلب موضعاً لعسكره، فلما وجده أمر الناس فوضعوا الأثقال، فلما فعلوا ذهب شباب الناس وغلمتهم يستقون، فمنعهم أهل الشأم. فاقتتل الناس على الماء، وقد كان الأشتر قال له قبل ذلك: إنّ القوم قد سبقوا إلى الشريعة وإلى سهولة الأرض وسعة المنزل، فإن رأيت سرنا نجوزهم إلى القرية التي خرجوا منها، فإنهم يشخصون في أثرنا، فإذا هم لحقونا نزلنا فكنّا نحن وهم على السواء، فكره ذلك عليّ، وقال: ليس كلّ الناس يقوى على المسير، فنزل بهم.
القتال على الماء قال أبو مخنف: وحدّثني تميم بن الحارث الأزديّ، عن جندب بن عبد الله، قال: إنّا لما انتهينا إلى معاوية وجدناه قد عسكر في موضع سهل أفيح قد اختاره قبل قدومنا إلى جانب شريعة الفرات، ليس في ذلك الصّقع شريعة غيرها، وجعلها في حيّزه، وبعث عليها أبا الأعور يمنعها ويحميها، فارتفعنا على الفرات رجاء أن نجد شريعة غيرها نستغني بها عن شريعتهم فلم نجدها، فأتينا عليّاً فأخبرناه بعطش الناس، وأنا لا نجد غير شريعة القوم. قال: فقاتلوهم عليها. فجاءه الأشعث بن قيس الكنديّ فقال: أنا أسير إليهم، فقال له عليّ: فسر إليهم. فسار وسرنا معه، حتى إذا دنونا من الماء ثاروا في وجوهنا ينضحوننا بالنّبل، ورشقناهم والله بالنّبل ساعة، ثم اطّعنّا والله بالرماح طويلاً، ثم صرنا آخر ذلك نحن والقوم إلى السيوف، فاجتلدنا بها ساعة. ثم إنّ القوم أتاهم يزيد بن أسد البجلي ممدّاً في الخيل والرجال، فأقبلوا نحونا، فقلت في نفسي: فأمير المؤمنين لا يبعث إلينا بمن يغني عنا هؤلاء، فذهب فالتفتّ فإذا عدّة القوم أو أكثر، قد سرّحهم إلينا ليغنوا عنّا يزيد بن أسد وأصحابه، عليهم شبث بن ربعيّ الرّياحيّ، فوالله ما ازداد القتال إلاّ شدّة. وخرج إلينا عمرو بن العاص من عسكر معاوية في جند كثير، فأخذ يمدّ أبا الأعور ويزيد بن أسد، وخرج الأشتر من قبل عليّ في جمع عظيم. فلمّا رأى الأشتر عمرو بن العاص يمدّ أبا الأعور ويزيد بن أسد، أمّد الأشعث بن قيس وشبث بن ربعيّ، فاشتدّ قتالنا وقتالهم، فما أنسى قول عبد الله بن عوف بن الأحمر الأزديّ:
خلّوا لنا ماء الفرات الجاري ... أو اثيتوا لجحفل جرّار
لكلّ قرم مستميت شاري ... مطاعن برمحه كرّار
ضرّاب هامات العدا مغوار
قال أبو مخنف: وحدّثني رجل من آل خارجة بن التميميّ أن ظبيان ابن عمارة جعل يومئذ يقاتل وهو يقول:
هل لك يا ظبيان من بقاء ... في ساكن الأرض بغير ماء
لا وإله الأرض والسّماء ... فاضرب وجوه الغدر الأعداء
بالسّيف عن حمس الوغاء ... حتّى يجيبوك إلى السّواء
قال ظبيان: فضربناهم والله حتى خلّونا وإيّاه.
قال أبو مخنف: وحدّثني أبي يحيى بن سعيد، عن عمّه محمد بن مخنف، قال: كنت مع أبي مخنف بن سليم يومئذ، وأنا ابن سبع عشرة سنة، ولست في عطاء، فلما منع الناس الماء قال لي أبي: لا تبرحنّ الرّحل، فلما رأيت المسلمين يذهبون نحو الماء لم أصبر، فأخذت سيفي، وخرجت مع الناس فقاتلت، قال: وإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ومعه قربة، فلما رأى أهل الشأم قد أفرجوا عن الشريعة اشتدّ حتى ملأ قربته، ثم أقبل، ويشدّ عليه رجل من أهل الشأم فيضربه فيصرعه، وسقطت القربة منه. قال: وأشدّ على الشاميّ فأضربه فأصرعه، واشتدّ أصحابه فاستنقذوه، فسمعتهم وهم يقولون: لا نأمن عليك. ورجعت إلى المملوك فاحتملته، فإذا هو يكّلمني وبه جرح رغيب، فما كان أسرع من أن جاءه مولاه، فذهب به، وأخذت قربته وهي مملوءة، وآتي بها أبي مخنفاً، فقال: من أين جئت بها؟ فقلت: اشتريتها - وكرهت أن أخبره الخبر، فيجد عليّ - فقال: اسق القوم، فسقيتهم، ثم شرب آخرهم، ونازعتني نفسي والله إلى القتال، فأنطلق فأتقدّم فيمن يقاتل، فقاتلناهم ساعة، ثم أشهد أنهم خلّوا لنا عن الماء، فما أمسينا حتى رأينا سقاتنا وسقاتهم يزدحمون على الشريعة، وما يؤذي إنسان إنساناً، فأقبلت راجعاً، فإذا أنا بمولى صاحب القربة، فقلت: هذه قربتك عندنا، فأرسل من يأخذها، أو أعلمني مكانك حتى أبعث بها إليك، فقال: رحمك الله! عندنا ما نكتفي به؛ فانصرفت وذهب، فلما كان من الغد مرّ على أبي، فوقف فسلّم عليه، ورآني إلى جنبته، فقال: ما هذا الفتى منك؟ قال: ابني؛ قال: أراك الله فيه السرور، أنقذ الله عزّ وجلّ أمس غلامي به من القتل، حدّثني شباب الحيّ أنه كان أمس أشجع الناس، فنظر إليّ أبي نظرة عرفت منها في وجهه الغضب، فسكتّ حتى إذا مضى الرجل قال: هذا ما تقدّمت إليك فيه! فحلّفني ألاّ أخرج إلى قتال إلاّ بإذنه، فما شهدت من قتالهم إلاّ ذلك اليوم حتى كان يوم من أيامهم.
قال أبو مخنف: وحدّثني يونس بن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن مهران مولى يزيد بن هانئ، قال: والله إنّ مولاي يزيد بن هانئ ليقاتل على الماء، وإنّ القربة لفي يده، فلما انكشف أهل الشأم انكشافة عن الماء، استدرت حتى أسقي، وإنّي فيما بين ذلك لأقاتل وأرامي.
قال أبو مخنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشأم بصفّين، وجدناهم قد نزلوا منزلاً اختاروه مستوياً بساطاً واسعاً، أخذوا الشريعة، فهي في أيديهم، وقد صفّ أبو الأعور السّلميّ عليها الخيل والرجال، وقد قدّم المرامية أمام من معه، وصفّ صفّاً معهم من الرماح والدّرق، وعلى رءوسهم البيض، وقد أجمعوا على أن يمنعونا الماء، ففزعنا إلى أمير المؤمنين، فخبّرناه بذلك، فدعا صعصعة ابن صوحان فقال له: ائت معاوية وقل له: إنّا سرنا مسيرنا هذا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكفّ عنك حتى ندعوك ونحتجّ عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، قد حلّتم بين الناس وبين الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلّوا بين الناس وبين الماء، ويكفّوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم، وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له، ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب. فعلنا. فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال الوليد ابن عقبة: امنعهم الماء كما منعوه عثمان بن عفّان رضي الله عنه، حصروه أربعين صباحاً يمتعونه برد الماء، ولين الطعام، اقتلهم عطشاً، قتلهم الله عطشاً! فقال له عمرو بن العاص: خلّ بينهم وبين الماء، فإنّ القوم لن يعطشوا وأنت رّيان؛ ولكن بغير الماء، فانظر ما بينك وبينهم. فأعاد الوليد بن عقبة مقالته؛ وقال عبد الله بن أبي سرح: امنعهم الماء إلى الليل، فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، ولو قد رجعوا كان رجوعهم فلاًّ، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! فقال صعصعة: إنما يمنعه الله عزّ وجلّ يوم القيامة الكفرة الفسقة وشربة الخمر؛ ضربك وضرب هذا الفاسق - يعني الوليد بن عقبة - قال: فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهدّدونه، فقال معاوية: كفوّا عن الرجل فإنه رسول.
قال أبو مخنف: وحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، أن صعصعة رجع إلينا فحدّثنا عمّا قال لمعاوية، وما كان منه وما ردّ، فقلنا: فما ردّ عليك؟ فقال: لما أردت الانصراف من عنده قلت: ما ترد عليّ؟ قال معاوية: سيأتيكم رأيي، فوالله ما راعنا إلا تسريته الخيل إلى أبي الأعور ليكفّهم عن الماء. قال: فأبرزنا عليّ إليهم، فارتمينا ثم اطّعنّا، ثم اضطربنا بالسيوف، فنصرنا عليهم، فصار الماء حاجتكم، وارجعوا إلى عسكركم، وخلّوا عنهم؛ فإنّ الله عزّ وجلّ قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم.
دعاء عليّ معاوية إلى الطاعة والجماعة
قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة الحنفيّ، أنّ عليّاً قال: هذا يوم نصرتم فيه بالحميّة، وجاء الناس حتى أتوا عسكرهم، فمكث عليّ يومين لا يرسل إلى معاوية أحداً، ولا يرسل إليه معاوية. ثم إن عليّاً دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاريّ، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وشبث بن ربعيّ التميميّ، فقال: ائتوا هذا الرّجل فادعوه إلى الله وإلى الطاعة والجماعة، فقال له شبث بن ربعيّ: يا أمير المؤمنين، ألا تطمعه في سلطان توليّه إياه، ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ فقال عليّ: ائتوه فالقوه واحتجّوا عليه، وانظروا ما رأيه - وهذا في أول ذي الحجّة - فأتوه، ودخلوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه أبو عمرة بشير بن عمرو، وقال: يا معاوية، إنّ الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإنّ الله عزّ وجلّ محاسبك بعملك، وجازيك بما قدّمت يداك، وإني أنشدك الله عزّ وجلّ أن تفرّق جماعة هذه الأمة، وأن تسفك دماءها بينها! فقطع عليه الكلام، وقال: هلاّ أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال أبو عمرة: إنّ صاحبي ليس مثلك، صاحبي أحقّ البريّة كلّها بهذا الأمر في الفضل والدّين والسابقة في الإسلام، والقرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم. قال: فيقول مادا؟ قال: يأمرك بتقوى الله عزّ وجلّ، وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحقّ، فإنّه أسلم لك في دنياك، وخير لك في عاقبة أمرك. قال معاوية: ونطلّ دم عثمان رضي الله عنه! لا والله لا أفعل ذلك أبداً. فذهب سعيد بن قيس يتكلّم، فبادره شبث بن ربعيّ، فتكلّم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا معاوية، إني قد فهمت ما رددت على ابن محصن، إنه والله لا يخفي علينا ما تغزو وما تطلب؛ إنك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلاّ قولك: قتل إمامكم مظلوماً، فنحن نطلب بدمه، فاستجاب له سفهاء طغام، وقد علمنا أن قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، وربّ متمنّي أمر وطالبه، الله عزّ وجلّ يحول دونه بقدرته، وربما أوتي المتمنّي أمنيته وفوق أمنيتّه، ووالله ما لك في واحدة منهما خير، لئن أخطأت ما ترجو إنك لشرّ العرب حالاً في ذلك، ولئن أصبت ما تمنّى لا تصيبه حتى تستحقّ من ربّك صليّ النار، فاتّق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن أوّل ما عرفت فيه سفهك وخفّة حلمك، قطعك على هذا الحسيب الشريف سيّد قومه منطقه، ثم عنيت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت، ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كلّ ما ذكرت ووصفت. انصرفوا من عندي، فإنه ليس بيني وبينكم إلاّ السيف. وغضب، وخرج القوم وشبث يقول: أفعلينا تهوّل بالسيف! أقسم بالله ليعجلن بها إليك. فأتوا عليّاً وأخبروه بالذي كان من قوله، وذلك في ذي الحجة، فأخذ عليّ يأمر الرجل ذا الشرف، فيخرج معه جماعة، ويخرج إليه من أصحاب معاوية آخر معه جماعة، فيقتتلان في خيلهما ورجالهما ثم ينصرفان. وأخذوا يكرهون أن يلقوا بجمع أهل العراق أهل الشأم لما يتخوّفون أن يكون في ذلك من الاستئصال والهلاك، فكان عليّ يخرج مرّة الأشتر، ومرّة حجر بن عديّ الكنديّ، ومرّة شبث بن ربعيّ، ومرّة خالد بن المعمّر، ومرّة زياد بن النضر الحارثيّ، ومرّة زياد بن خصفة التيميّ، ومرّة سعيد بن قيس، ومرّة معقل بن قيس الرّياحيّ، ومرّة قيس بن سعد. وكان أكثر القوم خروجاً إليهم الأشتر، وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد المخزومي، وأبا الأعور السّلميّ، ومرّة حبيب ابن مسلمة الفهريّ، ومرّة ابن ذي الكلاع الحميريّ، ومرة عبيد الله بن عمر ابن الخطّاب، ومرّة شرحبيل بن السّمط الكنديّ، ومرّة حمزة بن مالك الهمدانيّ، فاقتتلوا من ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرّتين أوّله وآخره.
قال أبو مخنف: حدّثني عبد الله بن عاصم الفائشيّ، قال: حدّثني رجل من قومي أنّ الأشتر خرج يوماً يقاتل بصفيّن في رجال من القرّاء، ورجال من فرسان العرب، فاشتدّ قتالهم، فخرج علينا رجل والله لقلّما رأيت رجلاً قطّ هو أطول ولا أعظم منه، فدعا إلى المبارزة، فلم يخرج إليه أحد إلاّ الأشتر، فاختلفا ضربتين، فضربه الأشتر، فقتله، وايم الله لقد كنا أشفقنا عليه، وسألناه ألاّ يخرج إليه، فلما قتله الأشتر نادى مناد من أصحابه:
يا سهم سهم ابن أبي العيرار ... يا خير من نعلمه من زار
وزارة: حيّ من الأزد، وقال: أقسم بالله لأقتلنّ قاتلك أو ليقتلنّي، فخرج فحمل على الأشتر، وعطف عليه الأشتر فضربه، فإذا هو بين يديّ فرسه، وحمل فيه أصحابه فاستنقذوه جريحاً، فقال أبو رفيقة الفهميّ: هذا كان ناراً، فصادف إعصاراً، واقتتل الناس ذا الحجّة كلّه، فلما انقضى ذو الحجّة تداعى الناس إلى أن يكفّ بعضهم عن بعض المحرّم، لعلّ الله أن يجري صلحاً أو اجتماعاً، فكفّ بعضهم عن بعض.
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بأمر عليّ إيّاه بذلك، كذلك حدّثني أحمد بن ثابت الرازيّ، عمّن ذكره، عن إسحاق ابن عيسى، عن أبي معشر.
وفي هذه السنة مات قدامة بن مظعون، فيما زعم الواقديّ.
الجزء الخامس
بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث
موادعة الحرب بين علي ومعاوية
فكان في أول شهر منها - وهو المحرم - موادعة الحرب بين علي ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعاً في الصلح؛ فذكر هشام ابن محمد، عن أبي مخنف الأزدي، قال: حدثني سعد أبو المجاهد الطائي، عن المحل بن خليفة الطائي، قال: لما توادع علي ومعاوية يوم صفين، اختلف فيما بينهما الرسل رجاء الصلح، فبعث علي عدي بن حاتم ويزيد ابن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة إلى معاوية، فلما دخلوا حمد الله عدي بن حاتم، ثم قال: أما بعد، فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عز وجل به كلمتنا وأمتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويصلح به ذات البين. إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثراً، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عز وجل بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدداً، لم تأت مصلحاً! هيهات يا عدي، كلا والله إني لابن حرب، ما يقعقع لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين علي ابن عفان رضي الله عنه، وإنك لمن قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتل الله عز وجل به. هيهات يا عدي ابن حاتم! قد حلبت بالساعد الأشد. فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة - وتنازعا جواباً واحداً: أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال! دع ما لا ينتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمنا وغياك نفعه. وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة، وأنك راجع به إلى الألفة والجماعة. إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك؛ إن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي، ولن يميلوا بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية، ولا تخالف علياً، فإنا والله ما رأينا رجلاً قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.
فحمد الله معاوية وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.
فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله! فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك! والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان، ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان. فقال له شبث: وإله الأرض وإله السماء، ما عدلت معتدلا. لا والذي لا إله إلا هو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها. فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيق.
وتفرق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصفة التيمي، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد يا أخا ربيعة، فإن علياً قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا. وإني أسألك النصر عليه بأسرتك وعشيرتك، ثم لك عهد الله جل وعز وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت.
قال أبو مخنف: فحدثني سعد أبو المجاهد، عن المحل بن خليفة، قال: سمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث، قال: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني على بينة من ربي وبما أنعم علي، فلن أكون ظهيراً للمجرمين، ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص - وكان إلى جنبه جالساً: ليس يكلم رجل منا رجلاً منهم فيجيب إلى خير. ما لهم عضبهم الله بشر! ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد.
قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد الأزدي، عن عبد الرحمن ابن عبيد أبي الكنود، أن معاوية بعث إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفةً مهدياً، يعمل بكتاب الله عز وجل، وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه؛ فتادفع إلينا قتلة عثمان - إن زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم. فقال له علي بن أبي طالب: وما أنت لا أم لك والعزل وهذا الأمر! اسكت فإنك لست هنك ولا بأهل له! فقام وقال له: والله لتريني بحيث تكره. فقال علي: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك! لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي؛ أحقرةً وسوءاً! اذهب فصوب وصعد ما بدا لك.
وقال شرحبيل بن السمط: إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به؟ فقال علي: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الله جل ثناؤه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، فأنقذ به من الضلالة، وانتاش به من الهلكة، وجمع به من الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه صلى الله عليه وسلم، ثم استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه، واستخلف أبو بكر عمر رضي الله عنه، فأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا - ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم - فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك!، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس؛ فبايعتهم، فلم يرعني إلا قاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقةً في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الأحزاب، لم يزل الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين عدواً هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غرو إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا حلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحداً. ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكل مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.
فقالا: اشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوماً، فقال لهما: لا أقول إنه قتل مظلوماً، ولا إنه قتل ظالماً، قالا: فمن لم يزعم أن عثمان قتل مظلوماً فنحن منه برآء، ثم قاما فانصرفا. فقال علي: " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن ستمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " ثم أقبل عليٌّ على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالهم منكم بالجد في حقكم وطاعة ربكم.
قال أبو مخنف: حدثني جعفر بن حذيفة، من آل عامر بن جوين، أن عائذ بن قيس الحزمري واثب عدي بن حاتم في الراية بصفين - وكانت حزمر أكثر من بني عدي رهط حاتم - فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائي السبولاني عند علي، فقال: يا بني حزمر، على عدي تتوثبون! وهل فيكم مثل عدي أو في آبائكم مثل أبي عدي! أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم روية؟ أليس بابن ذي المرباع وابن جواد العرب؟! أليس بابن المنهب ماله، ومانع جاره؟! اليس من لم يغدر ولم يفجر، ولم يجهل ولم يبخل، ولم يمنن ولم يجبن؟! هاتوا في آبائكم مثل أبيه، أو هاتوا فيكم مثله. أوليس أفضلكم في الإسلام! أوليس وافدكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ويوم المدائن ويوم جلولاء الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تستر؟! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب مثل الذي تطلبون. فقال له علي بن أبي طالب: حسبك يابن خليفة، هلم أيها القوم إلي، وعلي بجماعة طيىء، فأتوه جميعاً، فقال علي: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيىء: عدي. فقال له ابن خليفة: فسلهم يا أمير المؤمنين، أليسوا راضين مسلمين لعدي الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عدي أحقكم بالراية. فسلموها له، فقال علي - وضجت بنو الحزمر - : إني أراه رأسكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلهم إلا مسلمين له غيركم؛ فأتبع في ذلك الكثرة. فأخذها عدي. فلما كان أزمان حجر بن عدي طلب عبد الله بن خليفة ليبعث به مع حجر - وكان من أصحابه - فسير إلى الجبلين؛ وكان عدي قد مناه أن يرده، وأن يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال:
وتنسونني يوم الشريعة والقنا ... بصفين في أكتفهم قد تكسرا
جزى ربه عنى عدي بن حاتمٍ ... برفضي وخذلاني جزاءً موفرا
أتنسى بلائي سادراً يابن حاتمٍ ... عشية ما أغنت عديك حزمرا
فدافعت عنك القوم حتى تخاذلوا ... وكنت أنا الخصم الألد العذورا
فولوا وما قاموا مقامي كأنما ... رأوني ليثاً بالأباءة مخدرا
نصرتك إذ خام القريب وأبعط ال ... بعيد وقد أفردت نصراً مؤزرا
فكان جزائي أن أجرد بينكم ... سجيناً، وأن أولى الهوان وأوسرا
وكم عدةٍ لي منك أنك راجعي ... فلم تغن بالميعاد عني حبترا
تكتيب الكتائب وتعبئة الناس للقتال قال: ومكث الناس حتى إذ دنا انسلاخ المحرم أمر علي مرثد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشأم عند غروب الشمس: الا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، واحتججت عليكم بكتاب الله عز وجل، فدعوتكم إليه، فلم تناهوا عن طغيان، ولم تجيبوا إلى حق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. ففزع أهل الشأم إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص في الناس يكتبان الكتائب ويعبيان الناس، وأوقدوا النيران، وبات علي ليلته كلها يعبي الناس، ويكتب الكتائب، ويدور في الناس يحرضهم.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه، أن علياً كان يأمرنا في كل موطن لقينا فيه معه عدواً فيقول: لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم، فأنتم بحمد الله عز وجل على حجة، وترككم إياهم حتى يبدءوكم حجة أخرى لكم، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورةً، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأةً بأذىً، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس.
قال أبو مخنف: وحدثني إسماعيل بن يزيد، عن أبي صادق، عن الحضرمي، قال: سمعت علياً يحرض الناس في ثلاثة مواطن: يحرض الناس يوم صفين، ويوم الجمل، ويوم النهر، يقول: عباد الله، اتقوا الله، وغضوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمبارزة والمناضلة والمجالدة والمعانقة والمكادمة والملازمة، فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين. اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر.
فأصبح علي من الغد، فبعث على الميمنة والميسرة والرجالة والخيل. قال أبو مخنف: فحدثني فضيل بن خديج الكندي أن علياً بعث على خيل أهل الكوفة الأشتر. وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة أهل الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة أهل البصرة قيس بن سعد وهاشم ابن عتبة ومعه رايته، ومسعر بن فدكي التميمي على قراء أهل البصرة، وصار أهل الكوفة إلى عبد الله بن بديل وعمار بن ياسر.
قال أبو مخنف: وحدثني عبد الله بن يزيد بن جابر الأزدي، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، أن معاوية بعث على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميرة، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمي - وكان على خيل أهل دمشق - وعمرو بن العاص على خيول أهل الشأم كلها، ومسلم بن عقبة المري على رجالة أهل دمشق، والضحاك بن قيس على رجالة الناس كلها. وبايع رجال من أهل الشأم على الموت، فعقلوا أنفسهم بالعمائم، فكان المعقلون خمسة صفوف، وكانوا يخرجون ويصفون عشرة صفوف، ويخرج أهل العراق أحد عشر صفاً، فخرجوا أول يوم من صفين فاقتتلوا. وعلى من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر، وعلى أهل الشأم حبيب بن مسلمة، وذلك يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالاً شديداً جل النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسنٍ عددها وعدتها، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم ذلك، يحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال، ثم انصرفوا وقد كان القوم صبر بعضهم لبعض. وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتل الناس كأشد القتال، وأخذ عمار يقول: يا أهل العراق، أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين، فلما رأى الله عز وجل يعز دينه ويظهر رسوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وهو فيما نرى راهب غير راغب؛ ثم قبض الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم! فوالله إن زال بعده معروفاً بعداوة المسلم، وهوادة المجرم. فاثبتوا له وقاتلوه فإنه يطفىء نور الله، ويظاهر أعداء الله عز وجل.
فكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل، فأمره أن يحمل في الخيل، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وشد عمار في الرجال، فأزال عمرو بن العاص عن موقفه. وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاً له لأمه يقال له عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل - وكانت أمهما امرأة من بني يزيد - فلما التقيا تعارفا فتواقفا، ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس.
فلما كان من الغد خرج محمد بن علي وعبيد الله بن عمر في جمعين عظيمين، فاقتتلوا كأشد القتال. ثم إن عبيد الله بن عمر أرسل إلى ابن الحنفية: أن اخرج إلي؛ فقال: نعم، ثم خرج يمشي، فبصر به أمير المؤمنين فقال: من هذان المتبارزان؟ فقيل: ابن الحنفية وعبيد الله بن عمر؛ فحرك دابته ثم نادى محمداً، فوقف له، فقال: أمسك دابتي، فأمسكها، ثم مشى إليه علي فقال: أبرز لك، هلم إلي؛ فقال: ليست لي في مبارزتك حاجة، فقال: بلى، فقال: لا، فرجع ابن عمر. فأخذ ابن الحنفية يقول لأبيه: يا أبت، لم منعتني من مبارزته؟ فوالله لو تركتني لرجوت أن أقتله، فقال: لو بارزته لرجوت أن تقتله، وما كنت آمن أن يقتلك، فقال: يا أبت أو تبرز لهذا الفاسق! والله لو أبوه سألك المبارزة لرغبت بك عنه؛ فقال علي: يا بني، لا تقل في أبيه إلا خيراً. ثم إن الناس تحاجزوا وتراجعوا.
قال: فلما كان اليوم الخامس خرج عبد الله بن عباس والوليد بن عقبة فاقتتلوا قتالاً شديداً، ودنا ابن عباس من الوليد بن عقبة، فأخذ الوليد يسب بني عبد المطلب، وأخذ يقول: يابن عباس، قطعتم أرحامكم، وقتلتم إمامكم، فكيف رأيتم الله صنع بكم؟! لم تعطوا ما طلبتم، ولم تدركوا ما أملتم، والله إن شاء مهلككم وناصرٌ عليكم. فأرسل إليه ابن عباس: أن ابرز لي؛ فابى. وقاتل ابن عباس يومئذ قتالاً شديداً، وغشي الناس بنفسه.
ثم خرج قيس بن سعد الأنصاري وابن ذي الكلاع الحميري فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انصرفا، وذلك في اليوم السادس.
ثم خرج الأشتر، وعاد إليه حبيب بن مسلمة اليوم السابع، فاقتتلا قتالاً شديداً، ثم انصرفا عند الظهر، وكلٌّ غير غالب، وذلك يوم الثلاثاء.
قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب، أن علياً قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا! فقام في الناس عشية الثلاثاء، ليلة الأربعاء بعد العصر، فقال: الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، وما أبرم لا ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فلفت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجل النقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذب الله الظالم، ويعلم الحق أين مصيره؛ ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألا إنكم لاقو القوم غداً، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله عز وجل النصر والصبر، والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين. ثم انصرف، ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، ومر بهم كعب بن جعيل التغلبي وهو يقول:
أصبحت الأمة في أمرٍ عجب ... والملك مجموعٌ غداً لمن غلب
فقلت قولاً صادقاً غير كذب ... إن غداً تهلك أعلام العرب
قال: فلما كان من الليل خرج عليٌّ فعبى الناس ليلته كلها، حتى إذا أصبح زحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشأم، فأخذ عليٌّ يقول: من هذه القبيلة؟ ومن هذه القبيلة؟ فنسبت له قبائل أهل الشأم، حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للأزد: اكفوني الأزد، وقال لخثعم: اكفوني خثعم. وأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشأم، ليس منهم بالعراق واحد، مثل بجيلة لم يكن منهم بالشأم إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخم. ثم تناهض الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالاً شديداً نهارهم كله، ثم انصرفوا عند المساء وكلٌّ غير غالب، حتى إذا كان غداة الخميس صلى عليٌّ بغلس.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه، قال: ما رأيت علياً غلس بالصلاة أشد من تغليسه يومئذ، ثم خرج بالناس إلى أهل الشأم فزحف إليهم، فكان يبدؤهم فيسير إليهم، فإذا رأوه قد زحف إليهم استقبلوه بوجوههم.
قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجهني، أن علياً خرج إليها غداة الأربعاء فاستقبلهم فقال: اللهم رب السقف المرفوع، المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مغيضاً لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت سكانه سبطاً من الملائكة، لا يسأمون العبادة. ورب هذه الأرض التي جعلتها قراراً للأنام، والهوام والأنعام، وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم. ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتاداًن وللخلق متاعاً؛ إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي، وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة، واعصم بقية أصحابي من الفتنة.
قال: وازدلف الناس يوم الأربعاء فاقتتلوا كأشد القتال يومهم حتى الليل، لا ينصرف بعضهم عن بعض إلا للصلاة، وكثرت القتلى بينهم، وتحاجزوا عند الليل وكلٌّ غير غالب، فأصبحوا من الغد، فصلى بهم عليٌّ غداة الخميس، فغلس بالصلاة اشد التغليس، ثم بدأ أهل الشأم بالخروج، فلما رأوه قد أقبل إليهم خرجوا إليه بوجوههم، وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس، وقراء أهل العراق مع ثلاثة نفر: مع عمار ابن ياسر، ومع قيس بن سعد، ومع عبد الله بن بديل؛ والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة وأهل البصرة، وعظم من معه من أهل المدينة الأنصار، ومعه من خزاعة عدد حسن، ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة.
ثم زحف إليهم بالناس، ورفع معاوية قبةً عظيمة قد ألقى عليها الكرابيس وبايعه عظم الناس من أهل الشأم على الموت، وبعث خيل أهل دمشق فاحتاطت بقبته، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة، فلم يزل يحوزه، ويكشف خيله من الميسرة حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر.
قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين، عن زيد بن وهب الجهني، أن ابن بديل قام في أصحابه فقال: ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله، ونازع هذا الأمر من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، قد زين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجساً إلى رجسهم، وأنتم على نور من ربكم، وبرهان مبين. فقاتلوا الطغاة الجفاة، ولا تخشوهم، فكيف تخشوهم وفي أيديكم كتاب الله عز وجل طاهراً مبروراً! " أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين " ، وقد قاتلناهم مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وهذه ثانية، والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد، قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم! فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، عن أبيه ومولىً له، أن علياً حرض الناس يوم صفين، فقال: إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تشفي بكم على الخير: الإيمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن. ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص؛ فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أصون للأسنة. وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار. راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، فإن المانع للذمار، والصابر عند نزول الحقائق، هم أهل الحفاظ الذين يحفون براياتهم ويكنفونها؛ يضربون حفافيها خلفها وأمامها، ولا يضعونها أجزأ امرؤٌ وقذ قرنه - رحمكم الله - وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيكسب بذلك لائمةً، ويأتي به دناءة. وأنى لا يكون هذا هكذا! وهذا يقاتل اثنين، وهذا ممسك بيده يدخل قرنه على أخيه هارباً منه، أو قائماً ينظر إليه! من يفعل هذا يمقته الله عز وجل، فلا تعرضوا لمقت الله سبحانه فإنما مردكم إلى الله، قال الله عز من قائل لقوم: " لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً " . وايم الله لئن سلمتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة. واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل الله النصر.
الجد في الحرب والقتال
قال أبو مخنف: حدثني أبو روق الهمداني، أن يزيد بن قيس الأرحبي حرض الناس فقال: إن المسلم السليم من دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه، وإحياء حقٍّ رأونا أمتناه، وإن يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبابرةً فيه ملوكاً، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهوراً ولا سروراً - لزموكم بمثل سعيد والوليد وعبد الله بن عامر السفيه الضال، يخبر أحدهم في مجلسه بمثل ديته ودية أبيه وجده، يقول: هذا لي ولا إثم علي، كأنما أعطى تراثه عن أبيه وأمه، وإنما هو مال الله عز وجل، أفاءه علينا بأسيافنا وأرماحنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا يأخذكم في جهادهم لوم لائم، فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم؛ وهم من قد عرفتم وخبرتم؛ وايم الله ما ازدادوا إلى يومهم هذا إلا شراً.
وقاتلهم عبد الله بن بديل في الميمنة قتالاً شديداً حتى انتهى إلى قبة معاوية. ثم إن الذين تبايعوا على الموت أقبلوا إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة، فحمل بهم وبمن كان معه على ميمنة الناس فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق منهم إلا ابن بديل في مائتين أو ثلثمائة من القراء، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض، وانجفل الناس، فأمر عليٌّ سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموعٌ لأهل الشأم عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة، وكان في الميمنة إلى موقف عليٍّ في القلب أهل اليمن، فلما كشفوا انتهت الهزيمة إلى علي، فانصرف يتمشى نحو الميسرة، فانكشفت عنه مضر من الميسرة، وثبتت ربيعة.
قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني، قال: مر علي معه بنوه نحو الميسرة. ومعه ربيعة وحدها، وإني لأرى النبل يمر بين عاتقه ومنكبه، وما من بنيه أحد إلا يقيه بنفسه. فيكره عليٌّ ذلك، فيتقدم عليه، فيحول بين أهل الشأم وبينه، فيأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو من ورائه، فبصر به أحمر - مولى أبي سفيان، أو عثمان، أو بعض بني أمية - فقال علي: ورب الكعبة؛ قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني! فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي، فاختلفا ضربتين، فقتله مولى ب ني أمية، وينتهزه عليٌّ، فيقع بيده في جيب درعه، فيحبذه، ثم حمله على عاتقه؛ فكأني أنظر إلى رجيلتيه، تختلفان على عنق علي، ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه وعضديه، وشد ابنا علي عليه: حسين ومحمد، فضرباه بأسيافهما، حتى بردا، فكأني أنظر إلى علي قائماً وإلى شبليه يضربان الرجل، حتى إذا قتلاه وأقبلا إلى أبيهما، والحسن قائماً قال له: يا بني، ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك؟ قال: كفياني يا أمير المؤمنين. ثم إن أهل الشأم دنوا منه ووالله ما يزيده قربهم منه سرعةً في مشيه، فقال له الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك من أصحابك؟ فقال: يا بني، إن لأبيك يوماً لن يعدوه ولا يبطىء به عند السعي، ولا يعجل به إليه المشي، إن أباك والله ما يبالي أوقع على الموت، أو وقع الموت عليه.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن مولى للأشتر، قال: لما انهزمت ميمنة العراق وأقبل عليٌّ نحو الميسرة، مر به الأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال له علي: يا مالك، قال: لبيك؛ قال: ائت هؤلاء القوم فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه، إلى الحياة التي لن تبقى لكم! فمضى فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له عليٌّ. وقال: إلي أيها الناس، أنا مالك بن الحارث، أنا مالك بن الحارث، ثم ظن أنه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر، إلي أيها الناس. فأقبلت إليه طائفة، وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيها الناس، عضضتم بهن آبائكم! ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أيها الناس، أخلصوا إلي مذحجاً، فأقبلت إليه مذحج، فقال: عضضتم بصم الجندل! ما أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف بذلك وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان؛ الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماؤهم، ولا يعرفون في موطن بخسفٍ، وأنتم حد أهل مصركم، وأعد حيٍّ في قومكم، وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنه مأثور بعد اليوم؛ فاتقوا مأثور الأحاديث غد، واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصادقين. والذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجلٌ على مثال جناح بعوضة من محمد صلى الله عليه وسلم. أنتم ما أحسنتم القراع، اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي. عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله عز وجل لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه.
قالوا: خذ بنا حيث أحببت. وصمد نحو عظمهم فيما يلي الميمنة، فأخذ يزحف إليهم، ويردهم، ويستقبله شبابٌ من همدان - وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ - وقد انهزموا آخر الناس، وكانوا قد صبروا في الميمنة حتى أصيب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيساً، كلما قتل منهم رجل أخذ الراية آخر، فكان الأول كريب بن شريح، ثم شرحبيل ابن شريح، ثم مرثد بن شريح، ثم هبيرة بن شريح، ثم يريم بن شريح، ثم سمير بن شريح، فقتل هؤلاء الإخوة الستة جميعاً. ثم أخذ الراية سفيان ابن زيد، ثم عبد بن زيد، ثم كريب بن زيد، فقتل هؤلاء الإخوة الثلاثة جميعاً، ثم أخذ الراية عميرة بن بشير، ثم الحارث بن بشير، فقتلا، ثم أخذ الراية وهب بن كريب أخو القلوص، فأراد أن يستقبل، فقال له رجل من قومه: انصرف بهذه الراية - رحمك الله - فقد قتل أشراف قومك حولها، فلا تقتل نفسك ولا من بقي من قومك؛ فانصرفوا وهم يقولون: ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت، ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر. فمروا بالأشتر وهم يقولون هذا القول، فقال لهم الأشتر: إلي أنا أحالفكم وأعاقدكم على ألا نرجع أبداً حتى نظفر أو نهلك. فأتوه فوقفوا معه، ففي هذا القول قال كعب بن جعيل التغلبي:
وهمدان زرقٌ تبتغي من تحالف
وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والحياء والوفاء، فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها، ولا لجمع إلا حازه ورده؛ فإنه لكذلك إذ مر بزياد بن النضر يحمل إلى العسكر، فقال: من هذا؟ فقيل: زياد بن النضر، استلحم عبد الله بن بديل وأصحابه في الميمنة، فتقدم زياد فرفع لأهل الميمنة رايته، فصبروا، وقاتل حتى صرع، ثم لم يمكثوا إلا كلا شيء حتى مر بيزيد بن قيس الأرحبي محمولاً نحو العسكر، فقال الأشتر: من هذا؟ فقالوا: يزيد بن قيس، لما صرع زياد ابن النضر رفع لأهل الميمنة رايته، فقاتل حتى صرع، فقال الأشتر: هذا والله الصبر الجميل، والفعل الكريم، ألا يستحي الرجل أن ينصرف لا يقتل ولا يقتل، أو يشفى به على القتل! قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، عن الحر بن الصياح النخعي؛ أن الأشتر يومئذ كان يقاتل على فرس له في يده صفيحة يمانية، إذا طأطأها خلت فيها ماء منصباً، وإذا رفعها كاد يعشي البصر شعاعها، وجعل يضرب بسيفه ويقول:
الغمرات ثم ينجلينا
قال: فبصر به الحارث بن جمهان الجعفي والأشتر متقنع في الحديد، فلم يعرفه، فدنا منه فقال له: جزاك الله خيراً منذ اليوم عن أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين! فعرفه الأشتر، فقال يا بن جمهان، مثلك يتخلف عن مثل موطني هذا الذي أنا فيه! فنظر إليه ابن جمهان فعرفه، فكان من أعظم الرجال وأطول - وكان في لحيته خفلةٌ قليلة - فقال: جعلت فداك! لا والله ما علمت بمكانك إلا الساعة، ولا أفارقك حتى أموت. قال: ورآه منقذٌ وحمير ابنا قيس الناعطيان، فقال منقذ لحمير: ما في العرب مثل هذا، إن كان ما أرى من قتاله على نيته، فقال له حمير: وهل النية إلا ما تراه يصنع! قال: إني أخاف أن يكون يحاول ملكاً قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، عن مولىً للأشتر، أنه لما اجتمع إليه عظم من كان انهزم عن الميمنة حرضهم، ثم قال: عضوا على النواجذ من الأضراس، واستقبلوا القوم بهامكم، وشدوا شدة قوم موتورين ثأراً بآبائهم وإخوانهم، حناقاً على عدوهم، قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بوتر، ولايلحقوا في الدنيا عاراً، وايم الله ما وتر قوم قط بشيء أشد عليهم من أن يوتروا دينهم، وإن هؤلاء القوم لا يقاتلونكم إلا عن دينكم ليميتوا السنة، ويحيوا البدعة، ويعيدوكم في ضلالة قد أخرجكم الله عز وجل منها بحسن البصيرة. فطيبوا عباد الله أنفساً بدمائكم دون دينكم، فإن ثوابكم على الله، والله عنده جنات النعيم. وإن الفرار من الزحف فيه السلب للعز، والغلبة على الفيء، وذل المحيا والممات، وعار الدنيا والآخرة.
وحمل عليهم حتى كشفهم، فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل وهو في عصبة من القراء بين المائتين والثلثمائة، وقد لصقوا بالأرض كأنهم جشاً فكشف عنهم أهل الشأم، فأبصروا إخوانهم قد دنوا منهم، فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين؟ قالوا: حيٌّ صالح في الميسرة، يقاتل الناس أمامه، فقالوا: الحمد لله، قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم. وقال عبد الله بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا؛ فأرسل الأشتر إليه: ألا تفعل، اثبت مع الناس فقاتل، فإنه خيرٌ لهم وأبقى لك ولأصحابك. فأبى، فمضى كما هو نحو معاوية، وحوله كأمثال الجبال، وفي يده سيفان، وقد خرج فهو أمام أصحابه، فأخذ كلما دنا منه رجلٌ ضربه فقتله، حتى قتل سبعة، ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتل حتى قتل، وقتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة قد جرحوا منهزمين، فبعث الأشتر ابن جمهان الجعفي فحمل على أهل الشأم الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل حتى نفسوا عنهم، وانتهوا إلى الأشتر، فقال لهم: ألم يكن رأيي لكم خيراً من رأيكم لأنفسكم! ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس! وكان معاوية قال لابن بديل وهو يضرب قدماً: أترونه كبش القوم! فلما قتل أرسل إليه، فقال: انظروا من هو؟ فنظر إليه ناس من أهل الشأم فقالوا: لا نعرفه، فأقبل إليه حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبد الله بن بديل، والله لو استطاعت نساء خزاعة أن تقاتلنا فضلاً على رجالها لفعلت، مدوه، فمدوه، فقال: هذا والله كما قال الشاعر:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت يوماً به الحرب شمرا
والبيت لحاتم طيىء. وإن الأشتر زحف إليهم فاستقبله معاوية بعك والأشعرين، فقال الأشتر لمذحج: اكفونا عكا، ووقف في همدان وقال لكندة: اكفونا الأشعرين، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وأخذ يخرج إلى قومه فيقول: إنما هم عك، فاحملوا عليهم، فيجثون على الركب ويرتجزون:
يا ويل أم مذحجٍ من عك ... هاتيك أم مذحجٍ تبكي
فقاتلوهم حتى المساء. ثم إنه قاتلهم في همدان وناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم شد عليهم شدة أخرى فصرع الصفوف الأربعة، - وكانوا معقلين بالعمائم - حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا معاوية بفرس فركب - وكان يقول: اردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة من الأنصار - كان جاهلياً، والإطنابة امرأة من بلقين:
أبت لي عفتي وحياء نفسي ... وإقدامي على البطل المشيح
وإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
فمنعني هذا القول من الفرار.
قال أبو مخنف: حدثني مالك بن أعين الجني، عن زيد بن وهب، أن علياً لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم فقال: إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشأم، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون، فلولا إقبالكم بعد إدباركم، وكركم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين؛ ولكن هون وجدي، وشفى بعض أحاح نفسي، أني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحسونهم بالسيوف، تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة الهيم؛ فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة، وثبتكم الله عز وجل باليقين، ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه، وموبق نفسه؛ إن الفرار موجدة الله عز وجل عليه، والذل اللازم، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عليه. وإن الفار منه لا يزيد في عمره، ولا يرضي ربه، فموت المرء محقاً قبل إتيان هذه الخصال، خير من الرضا بالتأنيس لها، والإقرار عليها.
قال أبو مخنف: حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر الأحمسي، أن راية بجيلة بصفين كانت في أحمس بن الغوث بن أنمار مع أبي شداد - وهو قيس بن مكشوح بن هلال بن الحارث بن عمرو بن جابر بن علي ابن أسلم بن أحمس بن الغوث - وقالت له بجيلة: خذ رايتنا؛ فقال: غيري خيرٌ لكم مني، قالوا: ما نريد غيرك، قال: والله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب قالوا: اصنع ما شئت، فأخذها ثم زحف، حتى انتهى بهم إلى صاحب الترس المذهب - وكان في جماعة عظيمة من أصحاب معاوية، وذكروا أنه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي - فاقتتل الناس هنالك قتالاً شديداً، فشد بسيفه نحو صاحب الترس، فتعرض له رومي، مولىً لمعاوية فيضرب قدم أبي شداد فيقطعها، ويضربه أبو شداد فيقتله، وأشرعت إليه الأسنة فقتل، وأخذ الراية عبد الله ابن قلع الأحمسي وهو يقول:
لا يبعد الله أبا شداد ... حيث أجاب دعوة المنادي
وشد بالسيف على الأعادي ... نعم الفتى كان لدى الطراد
وفي طعان الرجل والجلاد
فقاتل حتى قتل؛ فأخذ الراية أخوه عبد الرحمن بن قلع، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس، فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس، وقتل حازم بن أبي حازم الأحمسي - أخو قيس بن أبي حازم - يومئذ، وقتل نعيم بن صهيب بن العلية البجلي يومئذ، فأتى ابن عمه وسمية نعيم بن الحارث ابن العلية معاوية - وكان معه - فقال: إن هذا القتيل ابن عمي، فهبه لي أدفنه، فقال: لا تدفنه فليس لذلك أهلاً، والله ما قدرنا على دفن ابن عفان رضي الله عنه إلا سراً. قال: والله لتأذنن في دفنه أو لألحقن بهم ولأدعنك. قال معاوية: أترى أشياخ العرب قد أحالتهم أمورهم، فأنت تسألني في دفن ابن عمك! ادفنه إن شئت أو دع. فدفنه.
قال أبو مخنف: حدثني الحارث بن حصيرة الأزدي، عن أشياخ من النمر من الأزد، أن مخنف بن سليم لما ندبت الأزد للأزد، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن من الخطإ الجليل، والبلاء العظيم، أنا صرفنا إلى قومنا وصرفوا إلينا، والله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا، وما هي إلا أجنحتنا نجدها بأسيافنا، فإن نحن لم نؤاس جماعتنا، ولم نناصح صاحبنا كفرنا، وإن نحن فعلنا فعزنا أبحنا، ونارنا أخمدنا، فقال له جندب بن زهير: والله لو كنا آباءهم وولدناهم - أو كنا أبناءهم وولدونا - ثم خرجوا من جماعتنا، وطغوا على إمامنا، وإذاً هم الحاكمون بالجور على أهل ملتنا وذمتنا، ما افترقنا بعد أن اجتمعنا حتى يرجعوا عما هم عليه، ويدخلوا فيما ندعوهم إليه، أو تكثر القتلى بيننا وبينهم.
فقال له مخنف - وكان ابن خالته: أعز الله بك النية؛ والله ما علمت صغيراً وكبيراً إلا مشؤوماً، والله ما ميلنا الرأي قط أيهما نأتي أو أيهما ندع - في الجاهلية ولا بعد أن أسلمنا - إلا اخترت أعسرهما وأنكدهما، اللهم إن تعافي أحب إلينا من أن تبتلي، فأعط كل امرىء منا ما يسألك.
وقال أبو بريدة بن عوف: اللهم احكم بيننا بما هو أرضى لك. يا قوم إنكم تبصرون ما يصنع الناس، وإن لنا الأسوة بما عليه الجماعة إن كنا على حق، وإن يكونوا صادقين فإن أسوةً في الشر - والله ما علمنا - ضررٌ في المحيا والممات.
وتقدم جندب بن زهير، فبارز رأس أزد الشأم، فقتله الشامي، وقتل من رهطه عجل وسعد ابنا عبد الله من بني ثعلبة، وقتل مع مخنف من رهطه عبد الله وخالد ابنا ناجد، وعمرو وعامر ابنا عويف، وعبد الله بن الحجاج وجندب بن زهير، وأبو زينب بن عوف بن الحارث، وخرج عبد الله بن أبي الحصين الأزدي في الفقراء الذين مع عمار بن ياسر فأصيب معه.
قال أبو مخنف: وحدثني الحارث بن حصيرة، عن أشياخ النمر، أن عقبة بن حديد النمري قال يوم صفين: ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيماً، وأصبح شجرها خضيداً، وجديدها سملاً، وحلوها مر المذاق. ألا وإني أنبئكم نبأ امرىء صادق: إني قد سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها، وقد كنت أتمنى الشهادة، وأتعرض لها في كل جيش وغارة؛ فأبى الله عز وجل إلا أن يبلغني هذا اليوم. ألا وإني متعرض لها من ساعتي هذه، قد طمعت ألا أحرمها، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله؟ خوفاً من الموت القادم عليكم، الذاهب بأنفسكم لا محالة، أو من ضربة كفٍّ بالسيف! تستبدلون الدنيا بالنظر في وجه الله عز وجل وموافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار! ما هذا بالرأي السديد. ثم مضى فقال: يا إخوتي، قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها لا يبرح وجوهكم، ولا يقطع الله عز وجل رجاءكم. فتبعه إخوته: عبيد الله وعوف ومالك، وقالوا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك، فقبح الله العيش بعدك! اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك! فاستقدموا فقاتلوا حتى قتلوا.
قال أبو مخنف: حدثني صلة بن زهير النهدي، عن مسلم بن عبد الله الضبابي، قال: شهدت صفين مع الحي ومعنا شمر بن ذي الجوشن الضبابي، فبارزه أدهم بن محرز الباهلي، فضرب أدهم وجه شمر بالسيف، وضربه شمر ضربةً لم تضرره، فرجع شمر إلى رحله فشرب شربةً - وكان قد ظمىء - ثم أخذ الرمح، فأقبل وهو يقول:
إني زعيمٌ لأخي باهله ... بطعنةٍ إن لم أصب عاجله
أو ضربةٍ تحت القنا والوغى ... شبيهةٍ بالقتل أو قاتله
ثم حمل على أدهم فصرعه، ثم قال: هذه بتلك.
قال أبو مخنف: حدثني عمرو بن عمرو بن عوف بن مالك الجشمي أن بشر بن عصمة المزني كان لحق بمعاوية، فلما اقتتل الناس بصفين بصر بشر بن عصمة بمالك بن العقدية - وهو مالك بن الجلاح الجشمي، ولكن العقدية غلبت عليه - فرآه بشر وهو يفري في أهل الشأم فرياً عجيباً، وكان رجلاً مسلماً شجاعاً، فغاظ بشراً ما رأى منه، فحمل عليه فطعنه فصرعه، ثم انصرف، فندم لطعنته إياه جباراً، فقال:
وإني لأرجو من مليكي تجاوزاً ... ومن صاحب الموسوم في الصدر هاجس
دلفت له تحت الغبار بطعنةٍ ... على ساعةٍ فيها الطعان تخالس
فبلغت مقالته ابن العقدية، فقال:
ألا أبلغا بشر بن عصمة أنني ... شغلت وألهاني الذين أمارس
فصادفت مني غرةً وأصبتها ... كذلك والأبطال ماضٍ وخالس
ثم حمل عبد الله بن الطفيل البكائي على جمع لأهل الشأم، فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم - يقال له قيس بن قرة، ممن لحق بمعاوية من أهل العراق - فيضع الرمح بين كتفي عبد الله بن الطفيل، ويعترضه يزيد ابن معاوية، ابن عم عبد الله بن الطفيل، فيضع الرمح بين كتفي التميمي، فقال: والله لئن طعنته لأطعننك، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لئن رفعت السنان على ظهر صاحبك لترفعن سنانك عني! فقال له: نعم، لك بذلك عهد الله؛ فرفع السنان عن ابن الطفيل، ورفع يزيد السنان عن التميمي، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني عامر؛ فقال له: جعلني الله فداكم! أينما ألفكم ألفكم كراماً، وإني لحادي عشر رجلاً من أهل بيتي ورهطي قتلتموهم اليوم، وأنا كنت آخرهم. فلما رجع الناس إلى الكوفة عتب على يزيد بن الطفيل في بعض ما يعتب فيه الرجل على ابن عمه، فقال له:
ألم ترني حاميت عنك مناصحاً ... بصفين إذ خلاك كل حميم
ونهنهت عنك الحنظلي وقد أتى ... على سابحٍ ذي يمعةٍ وهزيم!
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج، قال: خرج رجل من أهل الشأم يدعو إلى المبارزة، فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندي، ثم الطمحي، فتجاولا ساعة. ثم إن عبد الرحمن حمل على الشأمي فطعنه في ثغرة نحره فصرعه، ثم نزل إليه فسلبه درعه وسلاحه، فإذا هو حبشي، فقال: إنا لله! لمن أخطرت نفسي! لعبد أسود! وخرج رجل من عك يسأل المبارزة، فخرج إليه قيس بن فهدان الكناني، ثم البدني، فحمل عليه العكي فضربه واحتمله أصحابه فقال قيس بن فهدان:
لقد علمت عكٌّ بصفين أننا ... إذا التقت الخيلان نطعنها شزرا
ونحمل رايات الطعان بحقها ... فنوردها بيضاً ونصدرها حمرا
قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج أن قيس بن فهدان كان يحرض أصحابه فيقول: شدوا إذا شددتم جميعاً، وإذا انصرفتم فأقبلوا معاً، وغضوا الأبصار، وأقلوا اللفظ، واعتوروا الأقران، ولا يؤتين من قبلكم العرب. قال: وقتل نهيك بن عزير - من بني الحارث بن عدي وعمرو بن يزيد من بني ذهل، وسعيد بن عمرو - وخرج قيس بن يزيد وهو ممن فر إلى معاوية من علي، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه أخوه أبو العمرطة بن يزيد، فتعارفا، فتواقفا وانصرفا إلى الناس، فأخبر كل واحد منهما أنه لقي أخاه.
قال أبو مخنف: حدثني جعفر بن حذيفة من آل عامر بن جوين الطائي، أن طيئاً يوم صفين قاتلت قتالاً شديداً، فعبيت لهم جموع كثيرة، فجاءهم حمزة بن مالك الهمداني، فقال: ممن أنتم، لله أنتم! فقال عبد الله ابن خليفة البولاني - وكان شيعياً شاعراً خطيباً: نحن طيىء السهل وطيىء الرمل، وطيىء الجبل، الممنوع ذي النخل؛ نحن حماة الجبلين، إلى ما بين العذيب والعين، نحن طيىء الرماح، وطيىء النطاح، وفرسان الصباح. فقال حمزة بن مالك: بخٍ بخٍ! إنك لحسن الثناء على قومك؛ فقال:
إن كنت لم تشعر بنجدة معشرٍ ... فأقدم علينا ويب غيرك تشعر
ثم اقتتل الناس أشد القتال، فأخذ يناديهم ويقول: يا معشر طيىء، فدىً لكم طارفي وتالدي! قاتلوا على الأحساب، وأخذ يقول:
أنا الذي كنت إذا الداعي دعا ... مصمماً بالسيف ندباً أروعا
فأنزل المستلئم المقنعا ... وأقتل المبالط السميدعا
وقال بشر بن العسوس الطائي ثم الملقطي:
يا طيىء السهول والأجبال ... ألا انهدوا بالبيض والعوالي
وبالكماة منكم الأبطال ... فقارعوا أئمة الجهال
السالكين سبل الضلال
ففقئت يومئذ عين ابن العسوس، فقال في ذلك:
ألا ليت عيني هذه مثل هذه ... فلم أمش في الآناس إلا بقائد
ويا ليتني لم أبق بعد مطرفٍ ... وسعدٍ وبعد المستنير بن خالد
فوارس لم تغذ الحواضن مثلهم ... إذا الحرب أبدت عن خدام الخرائد
ويا ليت رجلي ثم طنت بنصفها ... ويا ليت كفي ثم طاحت بساعدي
قال أبو مخنف: حدثني أبو الصلت التيمي، قال: حدثني أشياخ محارب، أنه كان منهم رجل يقال له خنثر بن عبيدة بن خالد، وكان من أشجع الناس، فلما اقتتل الناس يوم صفين، جعل يرى أصحابه منهزمين، فأخذ ينادي: يا معشر قيس، أطاعة الشيطان آثر عندكم من طاعة الرحمن! الفرار فيه معصية الله سبحانه وسخطه، والصبر فيه طاعة الله عز وجل ورضوانه، فتختارون سخط الله تعالى على رضوانه، ومعصيته على طاعته! فإنما الراحة بعد الموت لمن مات محاسباً لنفسه. وقال:
لا وألت نفس امرىءٍ ولى الدبر ... أنا الذي لا ينثني ولا يفر
ولا يرى مع المعازيل الغدر
فقاتل حتى ارتث. ثم إنه خرج مع الخمسمائة الذين كانوا اعتزلوا مع فروة بن نوفل الأشجعي، فنزلوا بالدسكرة والبندنيجين، فقاتلت النخع يومئذ قتالاً شديداً، فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة وحيان بن هوذة وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع، وربيعة بن مالك بن وهبيل، وأبي بن قيس أخو علقمة بن قيس الفقيه، وقطعت رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحب أن رجلي اصح ما كانت، وإنها لمما أرجو به حسن الثواب من ربي عز وجل. وقال: لقد كنت أحب أن أرى في نومي أخي أو بعض إخواني، فرأيت أخي في النوم فقلت: يا أخي، ماذا قدمتم عليه؟ فقال لي: إنا التقينا نحن والقوم، فاحتججنا عند الله عز وجل، فحججناهم، فما سررت منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا.
قال أبو مخنف: حدثني سويد بن حية الأسدي، عن الحضين ابن المنذر، أن أناساً كانوا أتوا علياً قبل الوقعة فقالوا له: إنا لا نرى خالد بن المعمر إلا قد كاتب معاوية، وقد خشينا أن يتابعه. فبعث إليه علي وإلي رجال من أشرافنا، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد يا معشر ربيعة، فأنتم أنصاري ومجيبو دعوتي ومن أوثق حيٍّ في العرب في نفسي، وقد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم خالد بن المعمر، وقد أتيت به، وجمعتكم لأشهدكم عليه ولتسمعوا أيضاً ما أقوله. ثم أقبل عليه، فقال: يا خالد بن المعمر، إن كان ما بلغني حقاً فإني أشهد الله ومن حضرني من المسلمين أنك آمنٌ حتى تلحق بأرض العراق أو الحجاز أو أرضٍ لا سلطان لمعاوية فيها، وإن كنت مكذوباً عليك، فإن صدورنا تطمئن إليك. فحلف بالله ما فعل، وقال جال منا كثير: لو كنا نعلم أنه فعل أمثلناه، فقال شقيق بن ثور السدوسي: ما وفق خالد بن المعمر أن نصر معاوية وأهل الشأم على علي وربيعة؛ فقال زياد بن خصفة التيمي: يا أمير المؤمنين، استوثق من ابن المعمر بالأيمان لا يغدرنك. فاستوثق منه، ثم انصرفنا. فلما كان يوم الخميس انهزم الناس من قبل الميمنة، فجاءنا علي حتى انتهى إلينا ومعه بنوه، فنادى بصوت عالٍ جهير، كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة، فقال: بل هي رايات الله عز وجل، عصم الله أهلها، فصبرهم، وثبت أقدامهم. ثم قال لي: يا فتى، ألا تدني رايتك هذه ذراعاً؟ قلت: نعم والله وعشرة أذرع؛ فقمت بها فأدنيتها، حتى قال: إن حسبك مكانك، فثبت حيث أمرني، واجتمع أصحابي.
قال أبو مخنف: حدثنا أبو الصلت التيمي، قال: سمعت أشياخ الحي من تيم الله بن ثعلبة يقولون: إن راية ربيعة؛ أهل كوفتها وبصرتها، كانت مع خالد بن المعمر من أهل البصرة. قال: وسمعتهم يقولون: إن خالد ابن المعمر وسفيان بن ثور السدوسي اصطلحا على أن وليا راية بكر بن وائل من أهل البصرة الحضين بن المنذر الذهلي، وتنافسا في الراية، وقالا: هذا فتىً منا له حسب، نجعلها له حتى نرى من رأينا.
ثم إن علياً ولى خالد بن المعمر بعد راية ربيعة كلها. قال: وضرب معاوية لحمير بسهمهم على ثلاث قبائل، لم تكن لأهل العراق قبائل أكثر عدداً منها يومئذ: على ربيعة وهمدان ومذحج، فوقع سهم حمير على ربيعة، فقال ذو الكلاع: قبحك الله من سهم! كرهت الضراب! فأقبل ذو الكلاع في حمير ومن تعلقها، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب في أربعة آلاف من قراء أهل الشأم، وعلى ميمنتهم ذو الكلاع، فحملوا على ربيعة، وهم ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عباس، وهو على الميسرة، فحمل عليهم ذو الكلاع وعبيد الله بن عمر حملةً شديدة بخيلهم ورجلهم، فتضعضعت رايات ربيعة إلا قليلاً من الأخيار والأبدال. قال: ثم إن أهل الشأم انصرفوا، فلم يمكثوا إلا قليلاً حتى كروا، وعبيد الله بن عمر يقول: يا أهل الشأم، إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأنصار علي بن أبي طالب، وإن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم في عثمان وهلك علي بن أبي طالب وأهل العراق، فشدوا على الناس شدةً، فثبتت لهم ربيعة، وصبروا صبراً حسناً إلا قليلاً من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر منهم والحفاظ، فلم يزولوا، وقاتلوا قتالاً شديداً. فلما رأى خالد بن المعمر ناساً من قومه انصرفوا انصرف، ولما رأى أصحاب الرايات قد ثبتوا ورأى قومه قد صبروا رجع وصاح بمن انهزم، وأمرهم بالرجوع، فقال: من أراد من قومه أن يتهمه؛ أراد الانصراف. فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا وقال هو: لما رأيت رجالاً منا انهزموا رأيت أن أستقبلهم وأردهم إليكم، وأقبلت غليكم فيمن أطاعني منهم، فجاء بأمر مشبه.
قال أبو مخنف: حدثني رجل من بكر بن وائل، عن محرز بن عبد الرحمن العجلي، أن خالداً قال يومئذ: يا معشر ربيعة، إن الله عز وجل قد أتى بكل رجل منكم من منبته ومسقط رأسه، فجمعكم في هذا المكان جمعاً لم يجمعكم مثله منذ نشرك في الأرض، فإن تمسكوا بأيديكم، وتنكلوا عن عدوكم، وتزولوا عن مصافكم لا يرض الله فعلكم، ولا تقدموا من الناس صغيراً أو كبيراً إلا يقول: فضحت ربيعة الذمار، وحاصت عن القتال، وأتيت من قبلها العرب، فإياكم أن يتشاءم بكم العرب والمسلمون اليوم. وإنكم إن تمضوا مقبلين مقدمين، وتصيروا محتسبين فإن الإقدام لكم عادة، والصبر منكم سجية، واصبروا ونيتكم صادقة أن تؤجروا، فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا وكرامة الآخرة، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.
فقام رجل من ربيعة فقال: ضاع والله أمر ربيعة حين جعلت إليك أمورها! تأمرنا ألا نزول ولا نحول حتى تقتل أنفسنا، وتسفك دماءنا! ألا ترى الناس قد انصرف جلهم! فقام إليه رجال من قومه فنهروه وتناولوه بألسنتهم. فقال لهم خالد: أخرجوا هذا من بينكم، فإن هذا إن بقي فيكم ضركم، وإن خرج منكم لم ينقصكم، هذا الذي لا ينقص العدد، ولا يملأ البلد، برحك الله من خطيب قوم كرام! كيف جنبت السداد! واشتد قتال ربيعة وحمير وعبيد الله بن عمر حتى كثرت بينهم القتلى، فقتل سمير بن الريان بن الحارث العجلي، وكان من أشد الناس بأساً.
قال أبو مخنف: حدثني جيفر بن أبي القاسم العبدي، عن يزيد بن علقمة، عن زيد بن بدر العبدي، أن زياد بن خصفة أتى عبد القيس يوم صفين وقد عبيت قبائل حمير مع ذي الكلاع - وفيهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب - لبكر بن وائل، فقوتلوا قتالاً شديداً، خافوا فيه الهلاك. فقال زياد بن خصفة: يا عبد القيس، لا بكر بعد اليوم. فركبنا الخيول، ثم مضينا فواقفناهم، فما لبثنا إلا قليلاً حتى أصيب ذو الكلاع، وقتل عبيد الله بن عمر رضي الله عنه، فقالت همدان: قتله هانىء بن خطاب الأرحبي؛ وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو التنعي، وقالت بكر ابن وائل: قتله محرز بن الصحصح من بني عائش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وأخذ سيفه ذا الوشاح، فأخذ به معاوية بالكوفة بكر بن وائل، فقالوا: إنما قتله رجل منا من أهل البصرة، يقال له: محرز بن الصحصح، فبعث إليه بالبصرة فأخذ منه السيف، وكان رأس النمر بن قاسط عبد الله بن عمرو من بني تيم الله بن النمر.
قال هشام بن محمد: الذي قتل عبيد الله بن عمر رضي الله عنه محرز بن الصحصح، وأخذ سيفه ذا الوشاح، سيف عمر، وفي ذلك قول كعب بن جعيل التغلبي:
ألا إنما تبكي العيون لفارسٍ ... بصفين أجلت خيله وهو واقف
يبدل من أسماء أسياف وائلٍ ... وكان فتىً لو أخطأته المتالف
تركن عبيد الله بالقاع مسنداً ... تمج دم الخرق العروق الذوارف
وهي أكثر من هذا. وقتل منهم يومئذ بشر بن مرة بن شرحبيل، والحارث بن شرحبيل، وكانت أسماء ابنة عطارد بن حاجب التميمي تحت عبيد الله بن عمر، ثم خلف عليها الحسن بن علي.
قال أبو مخنف: حدثني ابن أخي غياث بن لقيط البكري أن علياً حيث انتهى إلى ربيعة، تبارت ربيعة بينها، فقالوا: إن أصيب علي فيكم وقد لجأ إلى رايتكم افتضحتم. وقال لهم شقيق بن ثور: يا معشر ربيعة، لا عذر لكم في العرب إن وصل إلى علي فيكم وفيكم رجلٌ حي، وإن منعتموه فمجد الحاية اكتسبتموه. فقاتلوا قتالاً شديداً حين جاءهم علي لم يكونوا قاتلوا مثله، ففي ذلك قال علي:
لمن رايةٌ سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين تقدما
يقدمها في الموت حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما
جزى الله قوماً صابروا في لقائهم ... لدى الموت قوماً ما أعف وأكرما!
وأطيب أخباراً وأكرم شيمةً ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني أنهم أهل نجدة ... وبأسٍ إذا لاقوا جسيماً عرمرما
مقتل عمار بن ياسر قال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبي حرة الحنفي، أن عمار بن ياسر خرج إلى الناس، فقال: اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته، اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في صدري ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهرت لفعلت، وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم أن عملاً من الأعمال هو أرض لك منه لفعلته.
قال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير الأزدي، قال: سمعت عماراً يقول: والله إني لأرى قوماً ليضربنكم ضرباً يرتاب منه المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل.
حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا مسلم الأعور، عن حبة بن جوين العرني، قال: انطلقت أنا وأبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحباً بكما، ما خلفتما من قبائل العرب أحداً أحب إلي منكما. فأسندته إلى أبي مسعود، فقلنا: يا أبا عبد الله، حدثنا فإنا نخاف الفتن؛ فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سمية، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإن آخر رزقه ضياح من لبن " . قال حبة: فشهدته يوم صفين وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا، فأتى بضياح من لبن في قدح أروح له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة، فقال:
اليوم ألقى الأحبه ... محمداً وحزبه
والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، وجعل يقول: الموت تحت الأسل، والجنة تحت البارقة.
حدثني محمد، عن خلف، قال: حدثنا منصور بن أبي نويرة، عن أبي محنف. وحدثت عن هشام بن الكلبي، عن أبي محنف، قال: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني، أن عمار بن ياسر رحمه الله قال يومئذ: أين من يبتغي رضوان الله عليه، ولا يثوب إلى مال ولا ولد! فأتته عصابة من الناس، فقال: أيها الناس، اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان، ويزعمون أنه قتل مظلوماً، والله ما طلبتهم بدمه، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرءوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوماً، ليكونوا بذلك جبابرةً ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا هي ما تبعهم من الناس رجلان. اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت، وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم. ثم مضى، ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عمرو فقال: يا عمر، بعت دينك بمصر، تباً لك تباً! طالما بغيت في الإسلام عوجاً. وقال لعبيد الله ابن عمر بن الخطاب: صرعك الله! بعت دينك من عدو الإسلام وابن عدوه، قال: لا، ولكن أطلب بدم عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ قال له: أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله عز وجل؛ وإنك إن لم تقتل اليوم تمت غداً، فانظر إذا أعطي الناس على قدر نياتهم ما نيتك.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: أخبرنا عبيد بن الصباح، عن عطاء بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عمار بن ياسر بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص: لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى.
حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا الوليد بن صالح، قال: حدثنا عطاء بن مسلم، عن الأعمش، قال: قال أبو عبد الرحمن السلمي: كنا مع علي بصفين، فكنا قد وكلنا بفرسه رجلين يحفظانه ويمنعانه من أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلةٌ يحمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم، وقال: لولا أنه انثنى ما رجعت - فقال الأعمش: هذا والله ضرب غير مرتاب، فقال أبو عبد الرحمن: سمع القوم شيئاً فأدوه وما كانوا بكذابين - قال: ورأيت عماراً لا يأخذ وادياً من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ورأيته جاء إلى المرقال هاشم بن عتبة وهو صاحب راية علي، فقال: يا هاشم، أعوراً وجبناً! لا خير في أعور لا يغشى البأس، فإذا رجلٌ بين الصفين قال: هذا والله ليخلفن إمامه، وليخذلن جنده، وليصبرن جهده، اركب يا هاشم؛ فركب، ومضى هاشم يقول:
أعور يبغي أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
لابد أن يفل أ ويفلا
وعمار يقول: تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل، وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العين.
اليوم ألقى الأحبه ... محمداً وحزبه
فلم يرجعا وقتلا - قال: يفيد لك علمهما من كان هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهما كانا علما - فلما كان الليل قلت: لأدخلن إليهم حتى أعلم: هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا! وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم، فركبت فرسي وقد هدأت الرجل، ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون: معاوية، وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو - وهو خير الأربعة - فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشقين، فقال عبد الله لأبيه: يا أبت، قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال! قال: وما قال؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس ينقلون حجراً حجراً ولبنة لبنة، وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، فغشي عليه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: " ويحك يابن سمية! الناس ينقلون حجراً حجراً، ولبنة لبنة، وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبةً منك في الأجر! وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! " . فدفع عمرو صدر فرسه، ثم جذب معاوية غليه، فقال: يا معاوية، أما تسمع ما يقول عبد الله! قال: وما يقول؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك! أو نحن قتلنا عماراً! إنما قتل عماراً من جاء به. فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنما قتل عماراً من جاء به، فلا أدري من كان أعجب؟ هو أو هم! قال أبو جعفر: وقد ذكر أن عماراً لما قتل قال علي لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثني عشر ألفاً، وتقدمهم عليٌّ على بغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشأم صف إلا انتقض، وقتلوا كل من انتهوا إليه، حتى بلغوا معاوية، وعليٌّ يقول:
أضربهم ولا أرى معاويه ... الجاحظ العين العظيم الحاويه
ثم نادى معاوية، فقال عليٌّ: علام يقتل الناس بيننا! هلم أحاكمك إلى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور، فقال له عمرو: أنصفك الرجل، فقال معاوية: ما أنصف، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، قال له عمرو: وما يجمل بك إلا مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدي.
قال هشام، عن أبي مخنف: قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن سليمان الحضرمي، قال: قلت لأبي عمرة: ألا تراهم، ما أحسن هيئتهم! يعني أهل الشأم، ولا ترانا ما أقبح رعيتنا! فقال: عليك نفسك فأصلحها، ودع الناس فإن فيهم ما فيهم.
خبر هاشم بن عتبة المرقال وذكر ليلة الهرير قال أبو مخنف: وحدثني أبو سلمة؛ أن هاشم بن عتبة الزهري دعا الناس عند المساء: ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلي، فأقبل إليه ناسٌ كثير، فشد في عصابة من أصحابه على أهل الشأم مراراً، فليس من وجه يحمل عليه إلا صبر له وقاتل فيه قتالاً شديداً، فقال لأصحابه: لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب وصبراً تحت راياتها، وعند مراكزها، وإنهم لعلى الضلال، وإنكم لعلى الحق. يا قوم اصبروا وصابروا واجتمعوا، وامشوا بنا إلى عدونا على تؤدة رويداً، ثم اثبتوا وتناصروا، واذكروا الله، ولا يسأل رجلٌ أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا صمدهم، وجاهدوهم محتسبين، حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين.
ثم إنه مضى في عصابة معه من القراء، فقاتل قتالاً شديداً هو وأصحابه عند المساء حتى رأوا بعض ما يسرون به، قال: فإنهم لكذلك إذ خرج عليهم فتىً شاب وهو يقول:
أنا ابن أرباب الملوك غسان ... والدائن اليوم بدين عثمان
إني أتاني خبرٌ فأشجان ... أن علياً قتل ابن عفان
ثم يشد فلا ينثني حتى يضرب بسيفه، ثم يشتم ويلعن ويكثر الكلام، فقال له هاشم بن عتبة: يا عبد الله، إن هذا الكلام، بعده الخصام، وإن هذا القتال، بعده الحساب، فاتق الله فإنك راجع إلى الله فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به. قال: فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي، وأنتم لا تصلون أيضاً، وأقاتلكم لأن صاحبكم قتل خليفتنا، وأنتم أردتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان! إنما قتله أصحاب محمد وأبناء أصحابه وقراء الناس، حين أحدث الأحداث، وخالف حكم الكتاب؛ وهم أهل الدين، وأولى بالنظر في أمور الناس منك ومن أصحابك، وما أظن أمر هذه الأمة وأمر هذا الدين أهمل طرفة عين. فقال له: أجل، والله لا أكذب، فإن الكذب يضر ولا ينفع. قال: فإن أهل هذا الأمر أعلم به؛ فخله وأهل العلم به. قال: ما أظنك والله إلا نصحت لي؛ قال: وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي، فهو أول من صلى، مع رسول الله وأفقه خلق الله في دين الله، وأولى بالرسول. وأما كل من ترى معي فكلهم قارىء لكتاب الله لا ينام الليل تهجداً، فلا يغوينك عن دينك هؤلاء الأشقياء المغرورون. فقال الفتى: يا عبد الله، إني أظنك امرأً صالحاً؛ فتخبرني: هل تجد لي من توبة؟ فقال: نعم يا عبد الله؛ تب إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويحب المتطهرين. قال: فجشر والله الفتى الناس راجعاً، فقال له رجل من أهل الشأم: خدعك العراقي، خدعك العراقي، قال: لا، ولكن نصح لي. وقاتل هاشمٌ قتالاً شديداً هو وأصحابه، وكان هاشم يدعى المرقال، لأنه كان يرقل في الحرب، فقاتل هو وأصحابه حتى أبروا على من يليهم، وحتى رأوا الظفر، وأقبلت إليهم عند المغرب كتيبةٌ لتنوخ فشدوا على الناس، فقاتلهم وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
تلهم بذي الكعوب تلا
فزعموا أنه قتل يومئذ تسعةً أو عشرة. وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط، وأرسل إليه عليٌّ: أن قدم لواءك، فقال لرسوله: انظر إلى بطني، فإذا هو قد شق، فقال الأنصاري الحجاج بن غزية:
فإن تفخروا بابن البديل وهاشمٍ ... فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا
ونحن تركنا بعد معترك اللقا ... أخاكم عبيد الله لحماً ملحبا
ونحن أحطنا بالبعير وأهله ... ونحن سقيناكم سماماً مقشبا
هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد ابن وهب يشتمونه، فخبر بذلك، فوقف فيمن يليهم من أصحابه فقال: انهدوا إليهم، عليكم السكينة والوقار، وقار الإسلام، وسيما الصالحين، فوالله لأقرب قوم من الجهل قائدهم ومؤذنهم معاوية وابن النابغة، وأبو الأعور السلمي وابن أبي معيط شارب الخمر المجلود حداً في الإسلام، وهم أولى من يقومون فينقصونني ويجدبونني، وقبل اليوم قاتلوني وأنا إذ ذاك أدعوهم إلى الإسلام، وهم يدعونني إلى عبادة الأصنام، الحمد لله، قديماً عاداني الفاسقون قعديهم الله ألم يقبحوا! إن هذا لهو الخطب الجليل؛ إن فساقاً كانوا غير مرضيين، وعلى الإسلام وأهله متخوفين، خدعوا شطر هذه الأمة، وأشربوا قلوبهم حب الفتنة، واستمالوا أهواءهم بالإفك والبهتان، قد نصبوا لنا الحرب في إطفاء نور الله عز وجل، اللهم فافضض خدمتهم، وشتت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة، عن الشعبي، أن علياً مر بأهل راية فرآهم لا يزولون عن موقفهم، فحرض عليهم الناس، وذكر أنهم غسان، فقال: إن هؤلاء لن يزولوا عن موقفهم دون طعن دراك يخرج منهم النسم، وضرب يفلق منه الهام، ويطيح بالعظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، وحتى تصدع جباههم بعمد الحديد، وتنتشر حواجبهم على الصدور والأذقان. أين أهل الصبر، وطلاب الأجر! فثاب إليه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمداً؛ فقال: امش نحو أهل هذه الراية مشياً رويداً على هينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك رأيي. ففعل، وأعد عليٌّ مثلهم، فلما دنا منهم فأشرع بالرماح في صدورهم أمر علي الذين أعد فشدوا عليهم، وأنهض محمداً بمن معه في وجوههم، فزالوا عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالاً، ثم اقتتل الناس بعد المغرب قتالاً شديداً، فما صلى أكثر الناس إلا إيماء.
قال أبو مخنف: حدثني أبو بكر الكندي، أن عبد الله بن كعب المرادي قتل يوم صفين، فمر به الأسود بن قيس المرادي، فقال: يا أسود، قال: لبيك! وعرفه وهو بآخر رمق، فقال: عز والله علي مصرعك، أما والله لو شهدتك لآسيتك، ولدافعت عنك، ولو عرفت الذي أشعرك لأحببت ألا يتزايل حتى أقتله أو ألحق بك. ثم نزل إليه فقال: أما والله إن كان جارك ليأمن بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين الله كثيراً، أوصني رحمك الله! فقال: أوصيك بتقوى الله عز وجل، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المحلين حتى يظهر أو تلحق بالله. قال: وابلغه عني السلام، وقل له: قاتل عن المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح غداً والمعركة خلف ظهره كان العالي، ثم لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علي فأخبره، فقال رحمه الله! جاهد فينا عدونا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة.
قال أبو مخنف: حدثني محمد بن إسحاق مولى بني المطلب، أن عبد الرحمن ابن حنبل الجمحي، هو الذي أشار على علي بهذا الرأي يوم صفين.
قال هشام: حدثني عوانة، قال: جعل ابن حنبل يقول يومئذ:
إن تقتلوني فأنا ابن حنبل ... أنا الذي قد قلت فيكم نعثل
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مخنف. فاقتتل الناس تلك الليلة كلها حتى الصباح؛ وهي ليلة الهرير، حتى تقصفت الرماح ونفد النبل، وصار الناس إلى السيوف، وأخذ علي يسير فيما بين الميمنة والميسرة، ويأمر كل كتيبة من القراء أن تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك بالناس ويقوم بهم حتى أصبح والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في ميمنة الناس، وابن عباس في الميسرة، وعلي في القلب، والناس يقتتلون من كل جانب، وذلك يوم الجمعة، وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة ويقاتل فيها، وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وأخذ يقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح، وهو يزحف بهم نحو أهل الشأم، فإذا فعلوا قال: ازحفوا قاد هذا القوس، فإذا فعلوا سألهم مثل ذلك، حتى مل أكثر الناس الإقدام، فلما رأى ذلك الأشتر قال: أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم، ثم دعا بفرسه، وترك رايته مع حيان بن هوذة النخعي، وخرج يسير في الكتائب ويقول: من يشتري نفسه من الله عز وجل، ويقاتل مع الأشتر، حتى يظهر أو يلحق بالله! فلا يزال رجل من الناس قد خرج إليه، وحيان بن هوذة.
قال أبو مخنف: عن أبي جناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة الجرمي، قال: مر بي والله الأشتر فأقبلت معه، واجتمع إليه ناسٌ كثير، فأقبل حتى رجع إلى المكان الذي كان به الميمنة، فقام بأصحابه، فقال: شدوا شدة، - فدىً لكم عمي وخالي - ترضون بها الرب، وتعزون بها الدين، إذا شددت فشدوا، ثم نزل فضرب وجه دابته، ثم قال لصاحب رايته: قدم بها، ثم شد على القوم، وشد معه أصحابه، فضرب أهل الشأم حتى انتهى بهم إلى عسكرهم؛ ثم إنهم قاتلوه عند العسكر قتالاً شديداً، فقتل صاحب رايته، وأخذ علي - لما رأى من الظفر من قبله - يمده بالرجال.
قال حدثني عبد الله، عن جويرية، قال: قال عمرو بن العاص يوم صفين لوردان: تدري ما مثلي ومثلك! مثل الأشقر إن تقدم عقر، وإن تأخر نحر، لئن تأخرت لأضربن عنقك، ائتوني بقيد، فوضعه في رجليه فقال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت، ضع يدك على عاتقي، ثم جعل يتقدم وينظر إليه أحياناً، ويقول: لأوردنك: حياض الموت.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. فلما رأى عمرو بن العاص أن أمر أهل العراق قد اشتد، وخاف في ذلك الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا اجتماعاً، ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم؛ قال: نرفع المصاحف ثم نقول: ما فيها حكمٌ بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: بلى، ينبغي أن نقبل، فتكون فرقة تقع بينهم، وإن قالوا: بلى، نقبل ما فيها، رفعنا هذا القتال عنا وهذه الحرب إلى أجل أو إلى حين. فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام! ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق! فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت، قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب إليه.
ما روي من رفعهم المصاحف ودعائهم إلى الحكومة
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه أن علياً قال: عباد الله، امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبي سرح والضحاك بن قيس، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم! إنهم ما رفعوها، ثم لا يرفعونها ولا يعلمون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعةً ودهناً ومكيدة، فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله عز وجل فنأبى أن نقبله؛ فقال لهم: فإني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم هذا الكتاب، فإنهم قد عصوا الله عز وجل فيما أمرهم ونسوا عهده، ونبذوا كتابه. فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي، في عصابة معهما من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: يا علي، أجب إلى كتاب الله عز وجل إذ دعيت إليه، وإلا ندفعك برمتك إلى القوم، أو نفعل كما فعلنا بابن عفان؛ إنه علينا أن نعمل بما في كتاب الله عز وجل فقبلنانه؛ والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عني نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني تقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم! قالوا له: إما لا فابعث إلى الأشتر فليأتك.
قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، عن رجل من النخع، أنه رأى إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير، قال: كنت عند علي حين أكرهه الناس على الحكومة، وقالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتك، قال: فأرسل علي إلى الأشتر يزيد بن هانىء السبيعي: أن ائتني؛ فأتاه فبلغه، فقال: قل له ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إني قد رجوت أن يفتح لي، فلا تعجلني. فرجع يزيد بن هانىء إلى علي فأخبره، فما هو إلا أن انتهى إلينا، فارتفع الرهج، وعلت الأصوات من قبل الأشتر، فقال له القوم: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل؛ قال: من أين ينبغي أن تروا ذلك! رأيتموني ساررته؟ أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية، وأنتم تسمعونني! قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك. قال له: ويحك يا يزيد! قل له: أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت، فأبلغه ذلك، فقال له: ألرفع المصاحف؟ قال: نعم؛ قال: أما والله لقد ظننت حين رفعت أنها ستوقع اختلافاً وفرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ألا ترى ما صنع الله لنا! أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم! وقال يزيد بن هانىء: فقلت له: أتحب أنك ظفرت ها هنا، وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه أو يسلم؟ قال: لا والله، سبحان الله! قال: فإنهم قد قالوا: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك كما قتلنا ابن عفان. فأقبل حتى انتهى إليهم فقال: يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم ظهراً، وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها! وقد والله تركوا ما أمر الله عز وجل به فيها، وسنة من أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم، فلا تيجبوهم، أمهلوني عدو الفرس، فإني قد طمعت في النصر؛ قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك؛ قال: فحدثوني عنكم، وقد قتل أماثلكم، وبقي أراذلكم، متى كنتم محقين! أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون! فأنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون، أم الآن أنتم محقون، فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم فكانوا خيراً منكم في النار إذاً! قالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله عز وجل، وندع قتالهم لله سبحانه، إنا لسنا مطيعيك ولا صاحبك، فاجتنبنا، فقال: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم. يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلواتكم زهادةً في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله عز وجل، فلا أرى فلااركم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا قبحاً يا أشباه النيب الجلالة! وما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! فسبوه، فسبهم، فضربوا وجه دابته بسياطهم، وأقبل يضرب بسوطه وجوه دوابهم، وصاح بهم علي فكفوا؛ وقال للناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكاً، فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال له: ما أرى الناس إلا قد رضوا، وسرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد، فنظرت ما يسأل؛ قال: ائته إن شئت فسله، فأتاه فقال: يا معاوية، لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله عز وجل به في كتابه، تبعثون منكم رجلاً ترضون به، ونبعث منا رجلاً، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا الحق، فانصرف إلى علي فأخبره بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنا قد رضينا وقبلنا، فقال أهل الشأم: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص؛ فقال الأشعث وأولئك الذين صاروا خوارج بعد: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، قال علي: فإنكم قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى. فقال الأشعث وزيد بن حصين الطائي ومسعر بن فدكي: لا نرضى إلا به، فإنه ما كان يحذرنا منه وقعنا فيه؛ قال علي: فإنه ليس لي بثقة، قد فارقنين وخذل الناس عني ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس نوليه ذلك، قالوا: ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس! لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى واحد منكما بأدنى منه إلى الآخر، فقال علي: فإني أجعل الأشتر.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، أن الأشعث قال: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟!
قال أبو مخنف؛ عن عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه: إن الأشعث قال: وهل نحن إلا في حكم الأشتر! قال علي: وما حكمه؟ قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضاً بالسيوف حتى يكون ما أردت وما أراد؛ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى! قالوا: نعم؛ قال: فاصنعوا ما أردتم؛ فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال، وهو بعرضٍ، فأتاه مولىً له؛ فقال: إن الناس قد اصطلحوا؛ فقال: الحمد لله رب العالمين! قال: قد جعلوك حكماً؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! وجاء أبو موسى حتى دخل العسكر، وجاء الأشتر حتى أتى علياً فقال: ألزني بعمرو بن العاص، فوالله الذي لا إله إلا هو، لئن ملأت عيني منه لأقتلنه، وجاء الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إنك قد رميت بحجر الأرض، وبمن حار الله ورسوله أنف الإسلام، وإني قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة، قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، ويبعد حتى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حكماً، فاجعلني ثانياً أو ثالثاً، فإنه لن يعقد عقدةً إلا حللتها، ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها. فأبى الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب؛ فقال الأحنف: فإن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال. فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما تاضى عليه عليٌّ أمير المؤمنين....... فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم فأما أميرنا فلا، وقال له الأحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين، فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبداً، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضاًح فأبى ذلك علي ملياً من النهار، ثم إن الأشعث بن قيس قال: امح هذا الاسم برحه الله! فمحي وقال: علي: الله أكبر، سنة بسنة، ومثل بمثل، والله إني لكاتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية إذ ق الوا: لست رسول الله، ولا نشهد لك به، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فكتبه، فقال عمرو بن العاص: سبحان الله! ومثل هذا أن نشبه بالكفار ونحن مؤمنون! فقال علي: يابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين ولياً، وللمسلمين عدواً! وهل تشبه إلا أمك التي وضعت بك! فقام فقال: لا يجمع بيني وبينك مجلسٌ أبداً بعد هذا اليوم؛ فقال له علي: وإني لأرجو أن يظهر الله عز وجل مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب.
حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: حدثنا حبان، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: أخبرن الأحنف، أن معاوية كتب إلى علي أن امح هذا الاسم إن أردت أن يكون صلح؛ فاستشار - وكانت له قبة يأذن لبني هاشم فيها، ويأذن لي معهم - قال: ما ترون فيما كتب به معاوية أن امح هذا الاسم؟ - قال مبارك: يعني أمير المؤمنين - قال: برحه الله! فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع أهل مكة كتب: محمد رسول الله فأبوا ذلك حتى كتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله؛ فقلت له: أيها الرجل مالك وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم! إنا والله ما حابيناك ببيعتنا، وإنا لو علمنا أحداً من الناس أحق بهذا الأمر منك لبايعناه، ثم قاتلناك، وإني أقسم بالله لئن محوت هذا الاسم الذي بايعت عليه وقاتلتهم لا يعود إليك أبداً قال: وكان والله كما قال. قال: قلما وزن رأيه برأي رجل إلا رجح عليه.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف. وكتب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشأم ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين، إنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وإن كتاب الله عز وجل بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل - وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص القرشي - عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس، أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه أنا على ما في هذه الصحيفة، وأن قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فإن الأمن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وشاهدهم وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة، ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيا، وأجل القضاء إلى رمضان. وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراضٍ منهما، وإن توفي أحد الحكمين فإن أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يألو من أهل المعدلة والقسط، وإن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدلٌ بين أهل الكوفة وأهل الشأم؛ وإن رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا، ويأخذ الحكمان من أرادا من الشهود، ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة، وهم أنصارٌ على من ترك ما في هذه الصحيفة، وأراد فيه إلحاداً وظلماً. اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة.
شهد من أصحاب علي الأشعث بن قيس الكندي، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن قيس الهمداني، وورقاء بن سمي البجلي، وعبد الله بن محل العجلي، وحجر بن عدي الكندي، وعبد الله بن الطفيل العامري، وعقبة ابن زياد الحضرمي، ويزيد بن حجية التيمي، ومالك بن كعب الهمداني. ومن أصحاب معاوية أبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان، وحبيب مسلمة الفهري، والمخارق بن الحارث الزبيدي، وزمل بن عمرو العذري، وحمزة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي، وسبيع بن يزيد الأنصاري، وعلقمة بن يزيد الأنصاري، وعتبة بن أبي سفيان، ويزيد بن الحر العبسي.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة الجرمي، قال: لما كتبت الصحيفة دعي لها الأشتر فقال: لا صحبتني يمين، ولا نفعتني بعدها شمالي، إن خط لي في هذه الصحيفة اسم على صلح ولا موادعة. أولست على بينة من ربي، ومن ضلال عدوي! أولستم قد رأيتم الظفر لو لم تجمعوا على الجور! فقال له الأشعث بن قيس: إنك والله ما رأيت ظفراً ولا جوراً، هلم إلينا فإنه لا رغبة بك عنا؛ فقال: بلى والله لرغبة بي عنك في الدنيا للدنيا والآخرة للآخرة، ولقد سفك الله عز وجل بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي خيرٌ منهم، ولا أحرم دماً؛ قال عمارة: فنظرت إلى ذلك الرجل وكأنما قصع على أنفه الحمم - يعني الأشعث.
قال أبو مخنف، عن أبي جناب، قال: خرج الأشعث بذلك الكتاب يقرؤه على الناس، ويعرضه عليهم، فيقرءونه، حتى مر به على طائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية، وهو أخو أبي بلال، فقرأه عليهم، فقال عروة ابن أدية: تحكمون في أمر الله عز وجل الرجال! لا حكم إلا لله؛ ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابته ضربةً خفيفة، واندفعت الدابة، وصاح به أصحابه، أن املك يدك، فرجع، فغضب للأشعث قومه وناس كثير من أهل اليمن، فمشى الأحنف بن قيس السعدي ومعقل بن قيس الرياحي، ومسعر بن فدكي، وناس كثيرٌ من بني تميم، فتنصلوا إليه واعتذروا؛ فقبل وصفح.
قال أبو مخنف: حدثني أبو زيد عبد الله الأودي، أن رجلاً من أود كان يقال له عمرو بن أوس، قاتل مع علي يوم صفين، فأسره معاوية في أسارى كثيرين، فقال له عمرو بن العاص: اقتلهم، فقال له عمرو بن أوس: إنك خالي، فلا تقتلني، وقامت إليه بنو أود فقالوا: هب لنا أخانا؛ فقال: دعوه، لعمري لئن كان صادقاً فلنستغنين عن شفاعتكم، ولئن كان كاذباً لتأتين شفاعتكم من ورائه، فقال له: من أين أنا خالك! فوالله ما كان بيننا وبين أودٍ مصاهرة؛ قال: فإن أخبرتك فعرفته فهو أماني عندك. قال: نعم؛ قال: ألست تعلم أن أم حبيبة ابنة أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: فإني ابنها، وأنت أخوها، فأنت خالي؛ فقال معاوية: لله أبوك! ما كان في هؤلاء واحد يفطن لها غيره. ثم قال للأوديين: أيستغنى عن شفاعتكم! خلوا سبيله.
قال أبو مخنف: حدثني نمير بن وعلة الهمداني، عن الشعبي، أن أسارى كان أسرهم عليٌّ يوم صفين كثير، فخلى سبيلهم، فأتوا معاوية، وإن عمراً ليقول - وقد أسر أيضاً أسارى كثيرة: اقتلهم، فما شعروا إلا بأسرائهم قد خلي سبيلهم، فقال معاوية: يا عمرو، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى وقعنا في قبيح من الأمر؛ ألا ترى قد خلي سبيل أسارانا! وأمر بتخلية سبيل من في يديه من الأسارى.
قال أبو مخنف: حدثني إسماعيل بن يزيد، عن حميد بن مسلم، عن جندب بن عبد الله، أن علياً قال للناس يوم صفين: لقد فعلتم فعلةً ضعضعت قوة، وأسقطت منة، وأوهنت وأورثت وهناً وذلة، ولما كنتم الأعلين، وخاف عدوكم الاجتياح، واستحر بهم القتل ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف، ودعوكم إلى ما فيها ليفثئوكم عنهم، ويقطعوا الحرب فيما بينكم وبينهم، ويتربصوا بكم ريب المنون خديعة ومكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تدهنوا وتجوزوا! وايم الله ما أظنكم بعدها توافقون رشداً، ولا تصيبون باب حزم.
قال أبو جعفر: فكتب كتاب القضية بين علي ومعاوية - فيما قيل - يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في شهر رمضان، مع كل واحد منهما أربعمائة من أصحابه وأتباعه.
فحدثني عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سليمان بن يوسن بن يزيد، عن الزهري، قال: قال صعصعة بن صوحان يوم صفين حين رأى الناس يتبارون: ألا اسمعوا واعقلوا، تعلمن والله لئن ظهر علي ليكونن مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإن ظهر معاوية لا يقر لقائل بقول حق.
قال الزهري: فأصبح أهل الشأم قد نشروا مصاحفهم، ودعوا إلى ما فيها، فهاب أهل العراقين، فعند ذلك حكموا الحكمين، فاختار أهل العراق أبا موسى الأشعري، واختار أهل الشام عمرو بن العاص، فتفرق أهل صفين حين حكم الحكمان، فاشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفض القرآن، وأن يختارا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح.
فلما انصرف علي خالفت الحرورية وخرجت - وكان ذلك أول ما ظهرت - فآذنوه بالحرب، وردوا عليه: إن حكم بني آدم في حكم الله عز وجل، وقالوا: لا حكم إلا لله سبحانه! وقاتلوا، فلما اجتمع الحكمان بأذرح، وافاهم المغيرة بن شعبة فيمن حضر من الناس، فأرسل الحكمان إلى عبد الله بن عمر ابن الخطاب وعبد الله بن الزبير في إقبالهم في رجال كثير، ووافى معاوية بأهل الشأم، وأبى علي وأهل العراق أن يوافوا؛ فقال المغيرة بن شعبة لرجال من ذوي الرأي من قريش: أترون أحداً من الناس برأي يبتدعه يستطيع أن يعلم أيجتمع الحكمان أم يتفرقان؟ قالوا: لا نرى أحداً يعلم ذلك، قال: فوالله إني لأظن أني سأعلمه منهما حين أخلو بهما وأراجعهما. فدخل على عمرو بن العاص وبدأ به فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عما أسألك عنه، كيف ترانا معشر المعتزلة، فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نستأني ونتثبت حتى تجتمع الأمة! قال: أراكم معشر المعتزلة خلف الأبرار، وأمام الفجار! فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، حتى دخل على أبي موسى فقال له مثل ما قال لعمرو، فقال أبو موسى: أراكم أثبت الناس رأياً، فيكم بقية المسلمين، فانصرف المغيرة ولم يسأله عن غير ذلك، فلقي الذين قال لهم ما قال من ذوي الرأي من قريش، فقال: لا يجتمع هذان على أمر واحد، فلما اجتمع الحكمان وتكلما قال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، رأيت أول ما تقضي به من الحق أن تقضي لأهل الوفاء بوفائهم، وعلى أهل الغدر بغدرهم؛ قال أبو موسى: وما ذاك؟ قال: ألست تعلم أن معاوية وأهل الشأم قد وفوا، وقدموا للموعد الذي واعدناهم إياه؟ قال: بلى، قال عمرو: اكتبها؛ فكتبها أبو موسى؛ قال عمرو: يا أبا موسى، أأنت على أن نسمي رجلاً يلي أمر هذه الأمة؟ فسمه لي، فإن أقدر على أن أتابعك فلك علي أن أتابعك، وإلا فلي عليك أن تتابعني! قال أبو موسى: أسمي لك عبد الله بن عمر، وكان ابن عمر فيمن اعتزل؛ قال عمرو: إني أسمي لك معاوية بن أبي سفيان، فلم يبرحا مجلسهما حتى استبا، ثم خرجا إلى الناس، فقال أبو موسى: إني وجدت مثل عمرو مثل الذين قال الله عز وجل: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " ، فلما سكت أبو موسى تكلم عمرو فقال: أيها الناس وجدت مثل أبي موسى كمثل الذي قال عز وجل: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً " ، وكتب كل واحد منهما مثله الذي ضرب لصاحبه إلى الأمصار.
قال ابن شهاب: فقام معاوية عشيةً في الناس، فأثنى على الله جل ثناؤه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فمن كان متكلماً في الأمر فليطلع لنا قرنه، قال ابن عمر: فأطلقت حبوتي، فأردت أن أقول قولاً يتكلم فيه رجالٌ قاتلوا أباك على الإسلام، ثم خشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة، أو يسفك فيها دم، أو أحمل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله عز وجل في الجنان أحب إلي من ذلك. فلما انصرف إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك، ثم خشيت أن أقول كلمةً تفرق بين جميع، أو يسفك فيها دم، أو أحمل فيها على غير رأي، فكان ما وعد الله عز وجل من الجنان أحب إلي من ذلك. قال: قال حبيب: فقد عصمت.
رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج الكندي، قال: قيل لعلي بعد ما كتبت الصحيفة: إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة، ولا يرى إلا قتال القوم؛ قال علي: وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذا أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت، فإذا رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا، ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يعصى الله عز وجل ويتعدى كتابه، فقاتلوا من ترك أمر الله عز وجل. وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك، ولست أخافه على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحداً يرى في عدوي ما أرى، إذاً لخفت مئونتكم، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم؛ وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
فقالت طائفة ممن معه: ونحن ما فعلنا يا أمير المؤمنين إلا ما فعلت؛ قال: نعم، فلم كانت إجابتكم إياهم إلى وضع الحرب عنا! وأما القضية فقد استوثقنا لكم فيها، وقد طمعت ألا تضلوا إن شاء الله رب العالمين.
فكان الكتاب في صفر والأجل في رمضان إلى ثمانية أشهر، إلى أن يلتقي الحكمان. ثم إن الناس دفنوا قتلاهم، وأمر عليٌّ الأعور فنادى في الناس بالرحيل.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن أبيه، قال: لما انصرفنا من صفين أخذنا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه؛ أخذنا على طريق البر على شاطىء الفرات، حتى انتهينا إلى هيت، ثم أخذنا على صندوداء، فخرج الأنصاريون بنو سعد بن حرام، فاستقبلوا علياً، فعرضوا عليه النزول، فبات فيهم ثم غدا، واقبلنا معه، حتى إذا جزنا النخيلة، ورأينا بيوت الكوفة، إذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه علي ونحن معه حتى سلم عليه وسلمنا معه، فرد رداً حسناً ظننا أن قد عرفه، قال له علي: أرى وجهك منكفئاً فمن مه؟ أمن مرض؟ قال: نعم؛ قال: فلعلك كرهته، قال: ما أحب أنه بغير، قال: أليس احتساباً للخير فيما أصابك منه؟ قال: بلى، قال: فأبشر برحمة ربك وغفران ذنبك. من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا صالح بن سليم، قال: ممن؟ قال: أما الأصل فمن سلامان طيىء، وأما الجوار والدعوة ففي بني سليم بن منصور؛ فقال: سبحان الله! ما أحسن اسمك واسم أبيك واسم أدعيائك واسم من اعتزيت إليه! هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا، والله ما شهدتها، ولقد أردتها ولكن ما ترى من أثر لحب الحمى خزلني عنها؛ فقال: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرجٌ إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيلٍ والله غفورٌ رحيمٌ " . خبرني ما تقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام؟ قال: فيهم المسرور فيما كان بينك وبينهم - وأولئك أغشاء الناس - وفيهم المكبوت الآسف بما كان من ذلك - وأولئك نصحاء الناس لك - فذهب لينصرف فقال: قد صدقت، جعل الله ما كان من شكواك حطاً لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه، ولكنه لا يدع على العبد ذنباً إلا حطه، وإنما أجرٌ في القول باللسان والعمل باليد والرجل، وإن الله جل ثناؤه ليدخل بصدق النية والسريرة الصالحة عالماً جماً من عباده الجنة. قال: ثم مضى عليٌّ غير بعيد، فلقيه عبد الله بن وديعة الأنصاري، فدنا منه، وسلم عليه وسايره، فقال له: ما سمعت الناس يقولون في أمرنا؟ قال: منهم المعجب به، ومنهم الكاره له، كما قال عز وجل: " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " . فقال له: فما قول ذوي الرأي فيه؟ قال: أما قولهم فيه فيقولون إن علياً كان له جمع عظيم ففرقه، وكان له حصن حصين فهدمه، فحتى متى يبني ما هدم، وحتى متى يجمع ما فرق! فلو أنه كان مضى بمن أطاعه - إذ عصاه من عصاه - فقاتل حتى يظفر أو يهلك إذاً كان ذلك الحزم. فقال عليٌّ: أنا هدمت أم هم هدموا! أنا فرقت أم هم فرقوا! أما قولهم: إنه لو كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه فقاتل حتى يظفر أو يهلك، إذاً كان ذلك الحزم، فوالله ما غبي عن رأيي ذلك، وإن كنت لسخياً بنفسي عن الدنيا، طيب النفس بالموت، ولقد هممت بالإقدام على القوم، فنظرت إلى هذين قد ابتدراني - يعني الحسن والحسين - ونظرت إلى هذين قد استقدماني - يعني عبد الله بن جعفر ومحمد بن علي - فعلمت أن هذين إن هلكا انقطع نسل محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة، فكرهت ذلك، وأشفقت على هذين أن يهلكا، وقد علمت أن لولا مكاني لم يستقدما - يعني محمد بن علي وعبد الله بن جعفر - وايم الله لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينهم وليسوا معي في عسكر ولا دار. ثم مضى حتى إذا جزنا بني عوف إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال عليٌّ: ما هذه القبور؟ فقال قدامة بن العجلان الأزدي: يا أمير المؤمنين، إن خباب ابن الأرت توفي بعد مخرجك، فأوصى بأن يدفن في الظهر، وكان الناس إنما يدفنون في دورهم وأفنيتهم، فدفن بالظهر رحمه الله، ودفن الناس إلى جنبه، فقال عليٌّ: رحم الله خباباً، فقد أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه أحوالاً! وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ثم جاء حتى وقف عليهم فقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبعٌ، بكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم! وقال: الحمد لله الذي جعل منها خلقكم، وفيها معادكم، منها يبعثكم، وعليها يحشركم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل! ثم أقبل حتى حاذى سكة الثوريين، ثم قال: خشوا، ادخلوا بين هذه الأبيات.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن عاصم الفائشي، قال: مر عليٌّ بالثوريين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلى صفين، فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابراً محتسباً بالشهادة. ثم مر بالفائشيين، فسمع الأصوات، فقال مثل ذلك، ثم مضى حتى مر بالشباميين، فسمع رجةً شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، فقال عليٌّ: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهن عن هذا الرنين! فقال: يا أمير المؤمنين، لو كانت داراً أو دارين أو ثلاثاً قدرنا على ذلك، ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس دار إلا وفيها بكاء، فأما نحن معشر الرجال فإنا لا نبكي، ولكن نفرح لهم، ألا نفرح لهم بالشهادة! قال عليٌّ: رحم الله قتلاكم وموتاكم! واقبل يمشي معه وعليٌّ راكب، فقال له علي: ارجع، ووقف ثم قال له: ارجع، فإن مشى مثلك مع مثلي فتنةٌ للوالي، ومذلة للمؤمن. ثم مضى حتى مر بالناعطيين - وكان جلهم عثمانية - فسمع رجلاً منهم يقال له عبد الرحمن بن يزيد، من بني عبيد من الناعطيين يقول: والله ما صنع علي شيئاً، ذهب ثم انصرف في غير شيء! فلما نظروا إلى علي أبلسوا، فقال: وجوه قومٍ ما رأوا الشأم العام. ثم قال لأصحابه: قومٌ فارقناهم آنفاً خير من هؤلاء، ثم أنشأ يقول:
أخوك الذي إن أجرضتك ملمةٌ ... من الدهر لم يبرح لبثك واجما
وليس أخوك بالذي إن تشعبت ... عليك الأمور ظل يلحاك لائما
ثم مضى، فلم يزل يذكر الله عز وجل حتى دخل القصر.
قال أبو مخنف: حدثنا أبو جناب الكلبي، عن عمارة بن ربيعة، قال: خرجوا مع علي إلى صفين وهم متوادون أحباء، فرجعوا متباغضين أعداء، ما برحوا من عسكرهم بصفين حتى فشا فيها التحكيم، ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون ويضطربون بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله، أدهنتم في أمر الله عز وجل وحكمتم! وقال الآخرون: فارقتم إمامنا. وفرقتم جماعتنا. فلما دخل علي الكوفة لم يدخلوا معه حتى أتوا حروراء، فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً، ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي. وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعثة علي جعدة بن هبيرة إلى خراسان وفي هذه السنة بعث عليٌّ جعدة بن هبيرة فيما قيل إلى خراسان.
ذكر الخبر عن ذلك ذكر علي بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شجيرة، عن جابر، عن الشعبي، قال: بعث عليٌّ بعد ما رجع من صفين جعدة بن هبيرة المخزومي بن هبيرة المخزومي إلى خراسان، فانتهى إلى أبرشهر، وقد كفروا وامتنعوا، فقدم على علي. فبعث خليد بن قرة اليربوعي، فحاصر أهل نيسابور حتى صالحوه، وصالحه أهل مرو، وأصاب جاريتين من أبناء الملوك نزلتا بأمان، فبعث بهما إلى علي، فعرض عليهما الإسلام وأن يزوجهما، قالتا: زوجنا ابنيك، فأبى، فقال له بعض الدهاقين: ادفعهما إلي، فإنه كرام تكرمني بها، فدفعهما إليه، فكانتا عنده، يفرش لهما الديباج، ويطعمهما في آنية الذهب، ثم رجعتا إلى خراسان.
اعتزال الخوارج علياً وأصحابه ورجوعهم بعد ذلك وفي هذه السنة اعتزل الخوارج علياً وأصحابه، وحكموا، ثم كلمهم عليٌّ فرجعوا ودخلوا الكوفة.
ذكر الخبر عن اعتزالهم علياً
قال أبو مخنف في حديثه عن أبي جناب، عن عمارة بن ربيعة، قال: ولما قدم عليٌّ الكوفة وفارقته الخوارج، وثبت إليه الشيعة فقالوا: في أعناقنا بيعة ثانية، نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت؛ فقالت الخوارج: استبقتم أنتم وأهل الشأم إلى الكفر كفرسي رهان، بايع أهل الشأم معاوية على ما أحبوا وكرهوا، وبايعتم أنتم علياً على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى؛ فقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط عليٌّ يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته، فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت؛ ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضالٌّ مضل. وبعث علي ابن عباس إليهم، فقال: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم حتى أتاهم، فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال: ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله عز وجل: " إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما " ! فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم! فقالت الخوارج: قلنا: أما ما جعل حكمه إلى الناس، وأمر بالنظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه؛ حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا في هذا. قال ابن عباس: فإن الله عز وجل يقول: " يحكم به ذوا عدلٍ منكم " ، فقالوا: أو تجعل الحكم في الصيد، والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين! وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعدلٌ عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويسفك دماءنا! فإن كان عدلاً فليس بعدول ونحن أهل حربه. وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله عز وجل حكمه في معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقيل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله عز وجل فأبوه، ثم كتبتم بينكم وبينه كتاباً، وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة، وقد قطع عز وجل الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة، إلا من أقر بالجزية.
وبعث علي زياد بن النضر إليهم فقال: انظر بأي رءوسهم هم أشد إطافة، فنظر فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد بن قيس. فخرج علي في الناس حتى دخل إليهم، فأتى فسطاط يزيد بن قيس، فدخله فتوضأ فيه وصلى ركعتين، وأمره على إصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال: انته عن كلامهم، ألم أنهك رحمك الله! ثم تكلم فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال: اللهم إن هذا مقامٌ من أفلج فيه كان أولى بالفح يوم القيامة، ومن نطق فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء. قال عليٌّ: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم؛ إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني صحبتهم وعرفتهم أطفالاً ورجالاً، فكانوا شر أطفال وشر رجال. امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعةً ودهناً ومكيدة. فرددتم علي رأيي، وقلتم: لا، بل نقبل منهم. فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتك إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكماً يحكم بما في القرآن، وإن أبيا فنحن من حكمهما برآء. قالوا له: فخبرنا أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال، قالوا: فخبرا عن الأجل، لم جعلته فيما بينك وبينهم؟ قال: ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة. ادخلوا مصركم رحمكم الله! فدخلوا من عند آخرهم.
قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه بمثل هذا.
وأما الخوارج فيقولون: قلنا: صدقت، قد كنا كما ذكرت، وفعلنا ما وصفت، ولكن ذلك كان منا كفراً، فقد تبنا إلى الله عز وجل منه، فتب كما تبنا نبايعك، وإلا فنحن مخالفون. فبايعنا علي وقال: ادخلوا فلنمكث ستة أشهر حتى يجبى المال، ويسمن الكراع، ثم نخرج إلى عدونا. ولسنا نأخذ بقولهم؛ وقد كذبوا.
وقدم معن بن يزيد بن الأخنس السلمي في استبطاء إمضاء الحكومة وقال لعلي: إن معاوية قد وفى. فف أنت لا يلتفتنك عن رأيك أعاريب بكر وتميم. فأمر عليٌّ بإمضاء الحكومة، وقد كانوا افترقوا من صفين على أن يقدم الحكمان في أربعمائة أربعمائة إلى دومة الجندل.
وزعم الواقدي أن سعداً قد شهد مع من شهد الحكمين، وأن ابنه عمر لم يدعه حتى أحضره أذرح، فندم، فأحرم من بيت المقدس بعمرة.
اجتماع الحكمين بدومة الجندل وفي هذه السنة كان اجتماع الحكمين.
ذكر الخبر عن اجتماعهماقال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، أن علياً بعث أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هانىء الحارثي، وبعث معهم عبد الله بن عباس، وهو يصلي بهم، ويلي أمورهم، وأبو موسى الأشعري معهم. وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشأم، حتى توافوا بدومة الجندل بأذرح، قال: فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاء الرسول وذهب لا يدري بما جاء به، ولا بما رجع به، ولا يسأله أهل الشام عن شيء؛ وإذا جاء رسول علي جاءوا إلى ابن عباس فسألوه: ما كتب به إليك أمير المؤمنين؟ فإن كتمهم ظنوا به الظنون فقالوا: ما نراه كتب إلا بكذا وكذا. فقال ابن عباس: أما تعقلون! أما ترون رسول معاوية يجيء لا يعلم بما جاء به، ويرجع لا يعلم ما رجع به، ولا يسمع لهم صياح ولا لفظ، وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون! قال: وشهد جماعتهم تلك عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبو جهم بن حذيفة العدوي والمغيرة بن شعبة الثقفي؛ وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبني سليم بالبادية، فقال: ياأبت، قد بلغك ما كان بين الناس بصفين، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وقد شهدهم نفر من قريش؛ فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الشورى، ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة، فاحضر فإنك أحق الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه تكون فتنةٌ؛ خير الناس فيها الخفي التقي " ، والله لا أشهد شيئاً من هذا الأمر أبداً.
والتقى الحكمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى، ألست تعلم أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوماً؟ قال: أشهد، قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى؛ قال: فإن الله عز وجل قال: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً " ، فما يمنعك من معاوية ولي عثمان يا أبا موسى، وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن تخوفت أن يقول الناس: ولي معاوية وليست له سابقة؛ فإن لك بذلك حجة؛ تقول: إني وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير، وهو أخو أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد صحبه، فهو أحد الصحابة. ثم عرض له بالسلطان، فقال: إن ولي أكرمك كرامةً لم يكرمها خليفة. فقال أبو موسى: يا عمرو، اتق الله عز وجل! فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان هذا الأمر لآل أبرهة بن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته علي بن أبي طالب. وأما قولك: إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فإني لم أكن لأوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين. وأما تعريضك لي بالسلطان، فوالله لو خرج لي من سلطانه كله ما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله عز وجل، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي، أنه كان يقول: قال أبو موسى: أما والله لئن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال له عمرو: إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصلاحه! فقال: إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة.
قال أبو مخنف: حدثني محمد بن إسحاق، عن نافع مولى ابن عمر، قال: قال عمرو بن العاص: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمر غفلة، فقال له عبد الله بن الزبير: افطن، فانتبه، فقال عبد الله بن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئاً أبداً، وقال: يابن العاص، إن العرب أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف، وتناجزت بالرماح، فلا تردنهم في فتنة.
قال أبو مخنف: حدثني النضر بن صالح العبسي، قال: كنت مع شريح بن هانىء في غزوة سجستان، فحدثني أن علياً أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيته: إن علياً يقول لك: إن أفضل الناس عند الله عز وجل من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكرثه، من الباطل وإن حن إليه وزاده، يا عمرو، والله إنك لتعلم أين موضع الحق، فلم تجاهل؟ إن أوتيت طمعاً يسيراً كنت به لله وأوليائه عدواً، فكأن والله ما أوتيت قد زال عنك؛ ويحك! فلا تكن للخائنين خصيماً، ولا للظالمين ظهيراً. أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وفاتك، تمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوةً، ولم تأخذ على حكم رشوة. قال: فبلغته ذلك، فتمعر وجهه، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة علي أو أنتهي إلى أمره، أو أعتد برأيه! فقلت له: وما يمنعك يابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته! فقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشيرانه، ويعملان برأيه. فقال: إن مثلي لا يكلم مثلك، فقلت له: وبأي أبويك ترغب عني! بأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة! قال: فقام عن مكانه وقمت معه.
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي أن عمراً وأبا موسى حيث التقيا بدومة الجندل، أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام، يقول: إنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت أسن مني، فتكلم وأتكلم. فكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في كل شيء، اغتزى بذلك كله أن يقدمه فيبدأ بخلع علي. قال: فنظر في أمرهما وما اجتمعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبو موسى عمراً على عبد الله ابن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: رأيي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا. فقال له عمرو: فإن الرأي ما رأيت، فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى، أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع واتفق، فتكلم أبو موسى فقال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله عز وجل به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر، يا أبا موسى، تقدم فتكلم. فتقدم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابن عباس: ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده، فإن عمراً غادر، ولا آمن من أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك - وكان أبو موسى مغفلاً - فقال له: إنا قد اتفقنا. فتقدم أبو موسى فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها، ولا ألم لشعثها من أمرٍ قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه؛ وهو أن نخلع علياً ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيولوا منهم من أحبوا عليهم، وإني قد خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم. وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً؛ ثم تنحى. وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه. وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه. فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك الله، غدرت وفجرت! إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. قال عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً. وحمل شريح بن هانىء على عمرو فقنعه بالسوط، وحمل على شريح ابنٌ لعمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم. وكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألا أكون ضربته بالسف آتياً به الدهر ما أتى. والتمس أهل الشأم أبا موسى! حذرته وأمرته بالرأي فما عقل. فكان أبو موسى يقول: حذرني ابن عباس غدرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثر شيئاً على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي، وكان إذا صلى الغداة يقنت فيقول: اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور السلمي وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس والأشتر وحسناً وحسيناً.
وزعم الواقدي أن اجتماع الحكمين كان في شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.
ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر
قال أبو مخنف: عن أبي المغفل، عن عون بن أبي جحيفة، أن علياً لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكم إلا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال لهم علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتاباً، وشرطنا شروطاً، وأعطينا عليها عهودنا ومواثيقنا، وقد قال الله عز وجل: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون " . فقال له حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه؛ فقال علي: ما هو ذنب، ولكنه عجز من الرأي، وضعفٌ من الفعل، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه. فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله عز وجل قاتلتك؛ أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي: بؤساً لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح؛ قال: وددت أن قد كان ذلك؛ فقال له علي: لو كنت محقاً كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتقوا الله عز وجل؛ إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكمان.
قال أبو مخنف: فحدثني عبد الملك بن أبي حرة الحنفي، أن علياً خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: الله أكبر! كلمة حق يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي، فقال: الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغنىً عنه. اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهانٌ في أمر الله عز وجل، وذل راجع بأهله إلى سخط الله. يا علي، أبالقتل تخوفنا! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلمن أينا أولى بها صلياً. ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة.
قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمة بن كهيل، عن كثير بن بهز الحضرمي، قال: قام علي في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدة رجال يحكمون، فقال علي: الله أكبر؛ كلمة حق يلتمس بها باطل! أما إن لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدءونا؛ ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته.
قال أبو مخنف: وحدثنا عن القاسم بن الوليد، أن حكيم بن عبد الرحمن بن سعيد البكائي كان يرى رأي الخوارج، فأتى علياً ذات يوم وهو يخطب، فقال: " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فقال علي: " فاصبر إن وعد الله حقٌّ ولا يستخفنك الذين لايوقنون " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل ابن سمعي الحنفي؛ عن أبي رزين، قال: لما وقع التحكيم ورجع علي من صفين رجعوا مباينين له، فلما انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل علي في الناس الكوفة، ونزلوا بحر وراء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئاً، فخرج إليهم علي فكلمهم حتى وقع الرضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إن الناس قد تحدثوا أن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك. فخطب الناس في صلاة الظهر، فذكر أمرهم فعابه؛ فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلا لله. واستقبله رجل منهم واضع إصبعيه في أذنيه، فقال: " ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " ، فقال علي: " فاصبر إن وعد الله حقٌّ ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " .
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يذكر عن أصحابه، قال: جعل علي يقلب يديه يقول يديه هكذا وهو على المنبر، فقال: حكم الله عز وجل ينتظر فيكم مرتين، إن لكم عندنا ثلاثاً: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا.
قال أبو مخنف عن عبد الملك بن أبي حرة: إن علياً لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضاً، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله عبد الله بن وهب وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا، التي الرضا بها والركون بها والإيثار إياها عناء وتبار، آخر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، وإن من وضر فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل والخلود في جناته. فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة، فقال له حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. فقال حمزة ابن سنان الأسدي: يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها، وترجعون إليها. فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها على عبد الله ابن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدعها فرقاً من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال - وكان يقال له ذو الثفنات - ثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتبعتم، ولكن اخرجوا وحداناً مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرأي.
وكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثهم على اللحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوه أنهم على اللحاق به. فلما عزموا على المسير تعبدوا ليلتهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة - وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسي وهو يتلو قول الله تعالى: " فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين، ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " . وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، فاتبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباط لقيه عبد الله بن وهب الراسي في نحو عشرين فارساً، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النبهاني وبشر بن زيد البولاني. وأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم، فحذر، وأخذ أبواب المدائن، وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم، فأخبر عبد الله بن وهب خبره فرابأ طريقه، وسار على بغداذ، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارساً، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم منهم؛ وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن أمرك باتباعهم اتبعتهم، وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم، فلما جن عليهم الليل خرج عبد الله بن وهب فعبر دجلة إلى أرض جوخى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه، وقالوا: إن كان هلك ولينا الأمر زيد بن حصين أو حرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرهاً؛ منهم القعقاع بن قيس الطائي عم الطرماح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي، وبلغ علياً أن سالم بن ربيعة العبسي يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى.
ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى علياً أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصفين، ومعه راية خثعم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر؛ قال له علي: ويلك! لو أن أبا بكر وعمر عملاً بغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونا على شيء من الحق، فبايعه، فنظر إليه علي وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطئتك الخيل بحوافرها، فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة.
وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر ابن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه، وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنهر. فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد عليٌّ ابن عباس إلى البصرة، قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
إلا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدىً من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنةٍ ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرىء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشأم، وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين. ثم نزل.
وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أما بعد، فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قد خالفا كتاب الله، واتبعا أهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكماً، فبرىء الله ورسوله منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه. والسلام.
وكتبوا إليه: أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، إنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواءٍ إن الله لا يحب الخائنين. فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم.
قال أبو مخنف، عن المعلى بن كليب الهمداني، عن جبر بن نوف أبي الوداك الهمداني: إن علياً لما نزل بالنخيلة وأيس من الخوارج، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله وأدهن في أمره كان على شفا هلكه إلا أن يتداركه الله بنعمة؛ فاتقوا الله، وقاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفىء نور الله، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقراء للقرآن، ولا فقهاء في الدين، ولا علماء في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا وتهيئوا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكتب علي إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس، من بني سعد بن بكر: أما بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري. والسلام.
فلما قدم عليه الكتاب قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف ابن قيس، فشخص معه مهم ألفٌ وخمسمائة رجل، فاستقلهم عبد الله بن عباس، فقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل البصرة، فإنه جاءني أمر أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالنفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يشخص معه منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستون ألفاً سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! ألا انفروا مع جارية بن قدامة السعدي، ولا يجعلن رجلٌ على نفسه سبيلاً، فإني موقع بكل من وجدته متخلفاً عن مكتبه، عاصياً لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدؤلي بحشركم، فلا يلم رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسه.
فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمائة، ثم أقبل حتى وافاه عليٌّ بالنخيلة، فلم يزل بالنخيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فجمع إليه رءوس أهل الكوفة، ورءوس الأسباع، ورءوس القبائل، ووجوه الناس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري، وأعواني على الحق، وصحابتي على جهاد عدوي المحلين بكم، أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة فاستنفرتهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش، إنكم............ مخرجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا.
فقام سعيد بن قيس الهمداني، فقال: يا أمير المؤمنين، سمعاً وطاعة، ووداً ونصيحة، أنا أول الاس جاء بما سألت، وبما طلبت. وقام معقل بن قيس الرياحي فقال له نحواً من ذلك، وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فقالوا مثل ذلك.
ثم إن الرءوس كتبوا من فيهم ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم، وألا يتخلف منهم عنهم أحد، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفاً من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين، أما من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممن قد بلغ الحلم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذوي القوة والجلد، وأمرناهم بالشخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم في ضياعنا وأشياء مما يصلحنا. وكانت العرب سبعةً وخمسين ألفاً من أهل الكوفة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسةً وستين ألفاً، وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل البصرة، وكان جميع من معه ثمانيةً وستين ألفاً ومائتي رجل.
قال أبو مخنف، عن أبي الصلت التيمي: إن علياً كتب إلى سعد ابن مسعود الثقفي - وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإني قد بعثت إليك زياد ابن خصفة فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجل ذلك إن شاء الله ولا قوة إلا بالله.
قال: وبلغ علياً أن الناس يقولون: لو سار بنا إلى هذه الحرورية فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا من وجهنا ذلك إلى المحلين! فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم وجهنا إلى المحلين؛ وإن غير هذه الخارجة أهم إلينا منهم، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكاً، ويتخذوا عباد الله خولا.
فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. قال: فقام إليه صيفي بن فسيل الشيباني فقال: يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك؛ من كانوا وأينما كانوا؛ فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع. وقام إليه محرز بن شهاب التميمي من بني سعد فقال: يا أمير المؤمنين، شيعتك كقلب رجل واحد في الإجماع على نصرتك، والجد في جهاد عدوك، فأبشر بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال.
حدثني يعقوب، قال: حدثني إسماعيل، قال: أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ذعراً يجر رداءه، فقالوا: لم ترع؟ فقال: والله لقد ذعرتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثاً يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فتنةً، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد الله المقتول - قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: " ولا تكن يا عبد الله القاتل " - قال: نعم؛ قال: فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها.
قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حميد بن هلال: إن الخارجة التي أقبلت من البصرة جاءت حتى دنت من إخوانها بالنهر، فخرجت عصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهددوه وأفزعوه، وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا روع عليك! فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لعل الله ينفعنا به! قال: حدثني أبي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن فتنةً تكون، يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح فيها كافراً، ويصبح فيها كافراً ويمسي فيها مؤمناً، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيراً، قالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقاً في أولها وفي آخرها، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقياً على دينه، وأنفذ بصيرةً. فقالوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً، فأخذوه فكتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متمٌّ حتى نزلوا تحت نخلٍ مواقر، فسقطت منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها فمه، فقال أحدهم: بغير حلها، وبغير ثمن! فلفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه، فقالوا: هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم بأس، إني لمسلم؛ ما أحدثت في الإسلام حدثاً، ولقد أمنتموني، قلتم: لا روع عليك! فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبلوا على المرأة، فقالت: إني إنما أنا امرأة، ألا تتقون الله! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوةٍ من طيىء، وقتلوا أم سنان الصيداوية، فبلغ ذلك علياً ومن معه من المسلمين من قتلهم عبد الله بن خباب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتب به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليسائلهم، فخرج القوم إليه فقتلوه، وأتى الخبر أمير المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالنا! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إلى عدونا من أهل الشأم. وقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فكلمه بمثل ذلك. وكان الناس يرون أن الأشعث يرى رأيهم لأنه كان يقول يوم صفين: أنصفنا قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر علياً بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك، فنادى بالرحيل، وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة، ثم نزل دير عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دباها، ثم على شاطىء الفرات، فلقيه في مسيره ذلك منجم، أشار عليه بسير وقتٍ من الهار، وقال له: إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضراً شديداً. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه. فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجم فظفر. ==== التالي من اول ج16.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق